في مايو من عام ١٩٥٣ اتصل الدكتور فتحي الكخيا، وزير العدل الليبي، بالمرحوم الدكتور عبد الرزاق السنهوري، ووجّه له دعوة من الملك إدريس السنوسي بزيارة ليبيا، وطلب منه ترشيح أحد تلامذته ليكون رئيسًا للفتوى والتشريع بالحكومة الاتحادية. وكانت هناك علاقة طيبة بين السنهوري والملك إدريس منذ أن كان لاجئًا في مصر.

وقد رشح السنهوري لتلك المهمة المرحوم المستشار عثمان حسين عبد الله؛ وتحَرَّز المستشار عثمان عن قبول المهمة؛ فلم يكن السفر إلى ليبيا وقتها مشجّعًا من النواحي المادية أو العلمية. غير أن السنهوري قام بإقناعه وساق له المبررات لذلك، وفقًا لما يحكيه المستشار عثمان ذاته؛ فقد قال له السنهوري ما يلي:

١. ليبيا جارة شقيقة عربية مسلمة تسألنا العون والمساعدة لتضع تشريعاتها وتنظّم أوضاعها القانونية، فكيف نتخلى عنها؟

٢. الدول الأوروبية على استعداد لتقديم المساعدات إليها كي يستمر نفوذها فيها، ومن مصلحتنا ومصلحة العروبة عامة أن نعين شعب ليبيا على تولي شؤونه مستقلًا عن ذلك النفوذ الأجنبي.

٣. الرفض يتعارض مع المبادئ التي نؤمن بها المتعلقة بالعروبة والإسلام.

٤. مصلحة ليبيا وانتظام أمورها التشريعية والقضائية تهمنا وتعنينا كما تهمنا وتعنينا مصلحة مصر.

 

وسافر السنهوري إلى ليبيا في أغسطس ١٩٥٣ ولحقه بعد ذلك المستشار عثمان حسين عبد الله؛ ومكث السنهوري في ليبيا خمسة أسابيع عمل خلالها طوال الوقت؛ وضع خلالها أسس الحركة التشريعية والقانونية في ليبيا ليترك لتلميذه المستشار عثمان حسين عبد الله تكملة المهمة بناءً على الأسس التي وضعها.

ويمكن القول إن السنهوري في هذه الأسابيع القصيرة أنجز، وفقًا لكلام المستشار عثمان حسين عبد الله، ما يلي:

١. وضع حجر الأساس لتعريب القانون في ليبيا وللتقريب بين العمل التشريعي فيها والعمل التشريعي في مصر.

٢. وضع مشروع القانون المدني الليبي، وهو يطابق القانون المدني المصري إلى حد كبير.

٣. أعد مشروع قانون لتنظيم القضاء ليحل محل النظام القضائي الإيطالي، وقد صدر في نوفمبر سنة ١٩٥٣، لكنه عُدِّل فيما بعد.

٤. أشرف على وضع مشروعات التقنينات الرئيسية الأخرى ووجَّه الجهود المتعلقة بذلك. وقد صدرت هذه التقنينات بعد أن راجعها المستشار عثمان حسين عبد الله في صورتها النهائية.

٥. راجع مشروع قانون المحكمة العليا.

٦. عقد اجتماعًا مهمًا ومطولًا لأعضاء اللجان المختصة في مجلسي الشيوخ والنواب -بطرابلس- وحضر الاجتماع وزير العدل ومسؤولون آخرون في الحكومة الليبية، وشرح لهم مهامهم وواجباتهم الأساسية نحو تأسيس مرافق هذه الدولة وتعريب التشريع والقضاء فيها. وكان من أبرز توجيهاته:

(أ) إذا كانت جهود هيئة الأمم المتحدة وطاقة المواطنين في هذه المرحلة قد وقفت عند قيام ليبيا كدولة (فدرالية) تحكمها حكومة اتحادية، وحكومات في الولايات، في حين كان تحقيق الأماني الوطنية كاملة يتطلب أن تكون البلاد دولة (موحدة) تحكمها حكومة واحدة، فإن المصلحة العامة الوطنية تملي على أعضاء السلطة التشريعية أن ينحو في تفسير الدستور نحوًا يقرب البلاد بقدر الإمكان إلى الوحدة ويقربها إلى الهدف الكبير.

(ب) إن من واجبهم العمل الدائب لتحرير بلادهم من بقايا الاستعمار وآثاره، وإن تطوير الإدارة والاقتصاد والتشريع والتعليم نحو ذلك مسؤولية تقع على عاتقهم.

(ج) تلافيًا للضغط الاستعماري والمناورات التي تُجرى ضد تعريب القضاء والتشريع، يمكنهم أن يفوتوا على خصوم التعريب الفرصة بأن يسمحوا بأن تصدر التقنينات الرئيسية بسرعة بمراسيم تشريعية تُعرض على البرلمان عند أول اجتماع له، وله أن يدرسها ويعدّل فيها كما يشاء. وربما ذلك يفسر وجود بعض الأخطاء في القوانين الليبية عند صدورها.

(د) أن تلميذه المستشار عثمان حسين عبد الله جدير بإنجاز ما بدأه هو من أعمال تشريعية في ذات الاتجاه، وبأن يثقوا به ليكون عونًا لهم.

 

وجدير بالذكر أن الدكتور السنهوري قد رفض عرض مجلس الوزراء الليبي مكافأةً مقابل جهوده العظيمة تلك، وقال: "إنما خدمنا ليبيا لوجه الله".

بل إنه في فترة إقامته في ليبيا، ورغم الكرم الكبير المعروف عن ليبيا والليبيين، إلا أن السنهوري كان يراعي الاقتصاد الشديد في طلباته في الفندق؛ وهو نفس المسلك الذي فعله السنهوري في الكويت عندما تنازل عن نصف راتبه كل شهر.

رحم الله السنهوري.

وحفظ الله ليبيا.

وتحيا جمهورية مصر العربية.

مصر العظيمة صانعة الحضارة..

 

يبرز اسم الدكتور صوفي أبو طالب في تاريخ مصر الحديث كأحد الشخصيات القانونية والسياسية البارزة التي جمعت بين العلم والعمل، وبين الفكر والتطبيق. فمنذ أن تولى رئاسة مجلس الشعب عام 1978، قاد مشروعًا طموحًا لتقنين الشريعة الإسلامية، مسعىً لم يتحقق إلا بفضل منهجه العلمي المتوازن الذي جمع بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي. هذا المقال يستعرض مسيرة هذا الرجل الذي لم يقتصر دوره على التشريع، بل امتد ليشمل التعليم والبحث، مؤكدًا أن إرثه الفكري لا يزال حاضرًا في الساحة القانونية المصرية.

أولًا: ميلاده وتعليمه

ولد الدكتور صوفي أبو طالب في (27 يناير 1925م) في مركز طامية بمحافظة الفيوم.

  • فقد تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1946م، وحصل منها أيضًا على دبلوم القانون العام في 1947م، وأُوفد في بعثة إلى فرنسا في عام 1948م.
  • حصل على الدكتوراه في القانون من باريس في عام 1950م، ، ونال جائزة أفضل رسالة دكتوراه من ذات الجامعة،
  • حصل على "دبلوم قوانين البحر المتوسط" من جامعة روما عام 1959م.

 

ثانيًا: أعماله ووظائفه

  • تدرج في السلك الجامعي حتى تولى منصب رئاسة جامعة القاهرة.
  • نال أبو طالب عضوية مجلس الشعب، عن دائرة طامية، الفيوم عام 1976م، وتم انتخابه رئيسًا للجنة التعليم بالمجلس.
  • تولى رئاسة مجلس الشعب عام 1978- 1982م، وبعد تركه رئاسة المجلس استمر في العمل الأكاديمي أستاذًا لفلسفة القانون وتاريخه بكلية الحقوق جامعة القاهرة، ثم عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية.
  • كان يعمل رئيسًا للجنة التشريعات الاقتصادية "بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي" في جامعة الأزهر في عام 2002م.
  • تمكن من إصدار قرار جمهوري بإنشاء فرع لجامعة القاهرة فرع الفيوم، فكانت كلية التربية أولى الكليات التي أنشئت بالفيوم، وتم تكريمه لدوره البارز بالجامعة، فسُمي أكبر مدرج بكلية التربية باسمه، ثم توسعت الكليات إلى أن أصبحت جامعة الفيوم جامعة مستقلة.
  • شارك في إنشاء قسم الدراسات القانونية بكلية الشريعة جامعة الأزهر.
  • شغل مناصب أخرى فرعية مثل: مستشار لجامعة أسيوط، عضوية "المجلس القومي للتعليم"، وعضو منتخب "باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي" عام 1975م، وكان عضوًا في "المجلس الأعلى للفنون والآداب"، ومقررًا للجنة تاريخ القانون للمجلس الأعلى للفنون والآداب، وعضوًا بمجلس إدارة "جمعية الاقتصاد والتشريع".
  • فترة توليه رئاسة الجمهورية: كان أبو طالب وقت اغتيال الرئيس السادات يشغل منصب رئيس مجلس الشعب، ولذا تولى منصب رئاسة الجمهورية مؤقتًا إلى حين انتخاب الرئيس، وذلك وفقًا لدستور (1971م) الذي نص على أن يتولى رئيس مجلس الشعب منصب رئيس للجمهورية، في حال خلو المنصب، وإذا كان المجلس منحلًّا حل محله رئيس المحكمة الدستورية العليا، وذلك بشرط ألا يُرشَّح أيهما للرئاسة.

 

ثالثًا: مشروعه الفكري ومنهجه

(1) تقنين الشريعة: تولى الدكتور صوفي أبو طالب رئاسة مجلس الشعب في الفترة من (4 نوفمبر عام 1978م حتى 1 فبراير عام 1983م)، وفي تلك الفترة سعى الرئيس السادات إلى تقنين الشريعة الإسلامية، وكلف رئيس مجلس الشعب بمهمة إعداد مدونة قانونية مستمدة بالكامل من الشريعة، وبدأ العمل الفعلي للتقنين في عام 1978م، واستعان الدكتور صوفي أبو طالب بصفوة من العلماء المتخصصين من الأزهر والقضاة، وأساتذة كلية الحقوق، والفقهاء الدستوريين، وبعض الخبراء من المسلمين والمسيحيين، وتم تقسيم العمل إلى لجان يرأس كل لجنة أحد أعضاء مجلس الشعب إلى جانب هؤلاء الخبراء، وارتكزت خطة العمل على عدم التقيد بالراجح في مذهب معين، بل الأخذ بالرأي المناسب من أي مذهب من المذاهب الفقهية، وبدأ التقنين على أبواب الفقه وتقسيماته، وما لم يكن له حكم في كتب الفقه لجأ الخبراء إلى مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام، وفي حالة تعدد الآراء الفقهية للمسألة الواحدة تختار اللجنة حكمًا منها مع ذكر الآراء الأخرى ومصادرها على هامش الصفحة؛ ليرجع إليها من يشاء، ومع حلول عام 1982م تم الانتهاء من جميع أعمال التقنين وعرضت على مجلس الشعب المصري، وحظيت بالموافقة عليها بالإجماع من أعضاء المجلس المسلمين والمسيحيين، وهو ما سجلته مضابط المجلس.

أنتجت لجان مجلس الشعب خمسة مشروعات للقوانين طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية وهي: مشروع قانون المعاملات المدنية (1136 مادة)، ومشروع قانون إجراءات التقاضي والإثبات (71 مادة)، ومشروع قانون العقوبات (630 مادة) ومشروع قانون التجارة (776 مادة) ومشروع قانون التجارة البحرية (443 مادة). وكان من المفترض أن يبدأ المجلس مناقشة هذه المشروعات مادة مادة، لكن فجأة توقف كل شيء، ودُفنت هذه التجربة دون إبداء أي سبب.

(2) اعتنى الدكتور صوفي كثيرًا بقضية تطبيق الشريعة ، وسعى - بكل ما أوتي من علم - لإبراز النظام القانوني للشريعة الإسلامية، وبين الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها مشروعه في مؤلفاته ومؤتمراته التي ترأسها.

(3) الاعتناء بالمقارنة: لقد اعتنى الدكتور صوفي بالمقارنات التشريعية، ولكنه كان يتميز بمنهج خاص يتضح في النقاط التالية:

  • يسعى الدكتور صوفي أبو طالب من مقارناته إلى إبراز استقلال التشريع الإسلامي عن غيره من النظم خاصة القانون الروماني، وذلك هو الهدف الأكبر عنده، ، يقول الدكتور صوفي: "إننا أمام مشكلة طال فيها الأخذ والرد منذ نهاية القرن الماضي - يقصد مشكلة تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني - ولكن لم يستقر فيها الرأي بعد، فالذين قالوا بالتأثر لم يبحثوا المسألة بحثًا موضوعيًّا منزهًا عن الهوى، والذين نادوا بعدم التأثر لم يبحثوا المسألة من كل نواحيها، بل تعرضوا لها لا كبحث مستقل قائم بذاته بل بمناسبة بعض الأبحاث القانونية الأخرى؛ ولذلك لم يتعمقوا في دراسة المسألة ولم يحيطوا بكل جوانبها".
  • في قضية نفي التأثير والتأثر اعتادت الكتابات أن تنفي أو تثبت الأمر من خلال تتبع الفروع الفقهية بين النظم كما فعل العلامة السنهوري، لكن أبو طالب نفى الأمر من خلال التتبع التاريخي للنظم، ثم أتت المسائل القانونية كأمثلة يدعم بها ما نتجت عنه الدراسة التاريخية، وكشف الدكتور صوفي أبو طالب عن هذا المنهج في إحدى أبحاثه، حيث ذكر أن البحث "يتعرض لكيفية نشأة الشريعة الإسلامية محاولًا تقصي المصادر التي يظن أن الفقهاء المسلمين عرفوا من خلالها القانون الروماني البيزنطي؛ ليبين أنه لم يقم أي دليل على إمكان تعرف الفقهاء المسلمين على القانون الروماني بأية وسيلة من الوسائل، وأن الشريعة الإسلامية نشأت -بعيدة كل البعد- عن أي مصدر روماني... ثم الوقوف على مواطن التشابه -إن وجدت- واستظهار مواطن الاختلاف -وما أكثرها- بين القانون الروماني والفقه الإسلامي، سواء فيما يتعلق بنظم القانون الخاص، أم القانون العام، أم قانون العقوبات".

ولعل هذا الخلاف بين المنهجين (منهج السنهوري وأبي طالب) ناتج من تأثير التخصص، فالسنهوري رجل قانوني يهتم بالتشريعات والدساتير، فالتطبيقات هي التي تشغل حيزًا كبيرًا من حياته، أما الدكتور صوفي فهو متخصص في دراسة فلسفة القانون وتاريخه، فالمحطات التاريخية هي التي يقف عندها. ولا شك أن المنهجين يكمل كل منهما الآخر، ويدعم نتائج ما توصل إليه كل طرف في تخصصه.

  • حين يضع أبو طالب يده على مواضع التشابه يحاول جاهدًا إظهار الفروق بينهما، إما من خلال التطبيق، أو من خلال فلسفة النظام؛ لذلك عقد فصلًا عن النظم التي قيل بتشابهها، وكلمة "قيل" - كما هو معروف- توحي بضعف الرأي غالبًا، ومن الأمثلة على ذلك نظام الشفعة، فقد قيل: إن نظام الشفعة منحدر من نظام الاسترداد المعروف في القانون البيزنطي، وقد اعتدل بعضهم وقال بأن هذا النظام البيزنطي اتخذه الفقهاء المسلمون نموذجًا لهم في نظام الشفعة، ولكن هذا الرأي أثبتت الأبحاث عكسه، فلا علاقة بين نظام الشفعة في الفقه الإسلامي ونظام الاسترداد إلا من حيث الغرض الذي يرميان إليه وهو دفع الأذى والضرر، ووحدة الغرض هذه لا تفسر إلا بوحدة الظروف الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العربي وفي المجتمع الروماني، فنظام الشفعة كان معروفًا في المجتمع العربي قبل الإسلامي، والعرب لم يكن لهم أدنى صلة بالقانون البيزنطي، فقد نقلت دواوين الفقه أن "الْأَصْل فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ إذَا اشْتَرَى حَائِطًا أَوْ مَنْزِلًا أَوْ شِقْصًا مِنْ حَائِطٍ أَوْ مَنْزِلٍ أَتَاهُ الْمُجَاوِرُ أَوْ الشَّرِيكُ فَشَفَعَ لَهُ فِي أَنْ يُوَلِّيَهُ إيَّاهُ لِيَتَّصِلَ لَهُ الْمِلْكُ أَوْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ الضَّرَرُ حَتَّى يَشْفَعَهُ فِيهِ فَسَمَّى ذَلِكَ شُفْعَةً وَسَمَّى الْآخِذَ شَفِيعًا وَالْمَأْخُوذَ مِنْهُ مَشْفُوعًا عَلَيْهِ" . أما عن نقطة الخلاف فالنظام الروماني يلزم صاحب الحكر إذا أراد بيع حقه بالحصول على موافقة مالك الأرض المستحكرة، ولهذا الأخير الخيار بين أمرين: له أن يرفض الموافقة على البيع، وفي هذه الحالة يلتزم هو بشراء حق الحكر بنفس الثمن الذي عرضه المشتري، أما إن وافق على البيع فله الحق في الحصول على رسم قدره 2% من الثمن من المشتري.
  • اهتم الدكتور صوفي أبو طالب بالقوانين القديمة بصورة أكبر من القوانين الحديثة، كما أنه اهتم بالمنبع الذي انحدرت منه القوانين الفرعية، فهو دائمًا يذكر الشرائع اللاتينية والجرمانية، وهكذا في مقابل الشريعة الإسلامية، ولا تعنيه -بصورة كبيرة- القوانين الحديثة التي انبثقت منها، مثل القانون السويسري وغيره، مع ملاحظة أن أكثر القوانين مقارنة في أبحاث الدكتور صوفي تعلقت بالقانون الروماني.

 

رابعًا: من مؤلفات د. صوفي أبو طالب

  • بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، دراسة، محمد عمارة، ط الأزهر، 1434هـ.
  • الوجيز في القانون الروماني، دار النهضة، 1964م.
  • تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، دار النهضة العربية، 1972م.
  • حالة المرأة القانونية في البلاد العربية (بالفرنسية)، 1977م.
  • الاشتراكية والديمقراطية، 1977م.
  • تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، دار النهضة، الطبعة الثالثة، 1990م.
  • محاضرات ألقاها حول تطبيق الشريعة (مجموعة)، مكتبة كلية الحقوق.
  • قوانين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، (برئاسة د. صوفي أبو طالب)، دار ابن رجب والفوائد، ط1، 2013م.
  • مبادئ تاريخ القانون، دار النهضة العربية، 1387هـ - 1967م.
  • السلطة التشريعية في مصر، تكوينها ومقوماتها، المجلة الجنائية القومية، يوليو 2005م، العدد الثاني المجلد، 48.
  • الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في البلاد العربية (الماضي والحاضر والمستقبل). مجلة اتحاد الجامعات العربية، عام 1995م.
  • المصالح المرسلة كمبدأ من مبادئ تقنين الشريعة، مجلة الأزهر، مارس 2013م.

 

خامسًا: التكريم والجوائز

حصل الدكتور صوفي أبو طالب على العديد من الجوائز منها "وسام الشرف" من الحكومة الفرنسية عام 1977م، ووسام "الشرف" من هيئة البرلمانيين الناطقين باللغة الفرنسية 1980م، ووسام الجمهورية من حكومة السودان 1982م، ووسام النيل 1983م و"جائزة الدولة التقديرية" 1990م.

 

سادسًا: وفاته

توفي د. صوفي أبو طالب فجر يوم (21 فبراير 2008م) في ماليزيا، عندما كان يشارك في الملتقى العالمي الثالث لرابطة خريجي الأزهر حول العالم في كوالالمبور‌.

 

المراجع

  • أثر الوعي الإسلامي في النهضة القانونية الأوربية في العصور الوسطى دراسة تاريخية تحليلية"، أحمد محمد بخيت، مجلة الأمن والقانون، دبي، السنة التاسعة العدد الثاني، 1422هـ - 2001م.
  • تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، د. صوفي أبو طالب، دار النهضة، 1428هـ، 2007م.
  • تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، للدكتور صوفي أبو طالب، دار النهضة، الطبعة الثالثة 1990م.
  • تطبيق الشريعة في مجلس الشعب، عاطف مظهر، تقديم إبراهيم بيومي.
  • تطبيق القوانين الأجنبية في مصر الإسلامية في ضوء فلسفة القانون وتاريخه، أنور حلمي عبد الهادي رسالة دكتوراه بإشراف د. صوفي أبو طالب، القاهرة 2006 رقم (2/339).
  • تقنين الشريعة في مجلس الشعب، د. محمد عمارة، ط الأزهر، 1434هـ.
  • التملك بالشفعة وطبيعته القانونية: دراسة مقارنة في القانون والشريعة: رسالة دكتوراه في القانون، موسى سلمان صالح، رقم (2/049) جامعة القاهرة، كلية الحقوق 1983م.
  • الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، د. صوفي أبو طالب، تقديم د. محمد عمارة، ط الأزهر، 3012م.
  • الشفعة علمًا وعملًا: أ.د. نبيل إبراهيم سعد، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1997م.
  • صوفي أبو طالب رئيس مصر الأسبق ومشروع تقنين الشريعة الإسلامية، مقال بمجلة العرب (على الشبكة الدولية)، زينب الروبي، 9 ديسمبر، 2017م.
  • مقال بمجلة القانون والاقتصاد، العدد الخاص، 1990م.

 

أولًا: تعريف الحياد

 يُعرف الحياد بأنه: الوضع القانوني لدولة تختار عدم المشاركة في نزاع مسلح قائم بين دول أخرى، مع التزامها بالامتناع عن تقديم أي دعم عسكري أو سياسي أو اقتصادي لأطراف النزاع، وبواجبات محددة نصت عليها اتفاقيات لاهاي لعام 1907، أهمها: عدم السماح باستخدام أراضيها أو مواردها في العمليات الحربية مع احتفاظها -في المقابل- بالحقوق المقررة لها، مثل حرمة إقليمها وعدم التعرض لمصالحها.

 ويُعد الحياد موقفًا قانونيًا وسياسيًا في آن واحد، يُفترض أن الدولة تلتزم بقواعد صارمة لضمان عدم انحيازها لأي طرف.

 

ثانيًا: أسس الحياد في القانون الدولي

تستند قواعد الحياد إلى مجموعة من الأسس القانونية، وأهمها:

  • العرف الدولي:

يُعد العرف الدولي المصدر التاريخي الأساسي لقواعد الحياد، حيث تطورت ممارسات الدول المحايدة خلال الحروب الأوروبية، وقد تم تدوين الكثير من هذه الأعراف لاحقًا في معاهدات.

  • اتفاقيات لاهاي لعام 1907م:

حيث تضمنت الإطار القانوني الرسمي الرئيسي المنظم للحياد في القانون الدولي الحديث.

  • مبدأ السيادة:

للدولة الحق في اختيار موقفها من النزاعات المسلحة، بما في ذلك اتخاذ موقف الحياد، طالما لم تكن طرفًا في معاهدات تحالف أو دفاع مشترك تُلزمها بالمشاركة.

 

ثالثًا: واجبات الدولة المحايدة

  • منع أطراف النزاع من استخدام أراضيها لأغراض عسكرية.
  • منع تجنيد المقاتلين أو إرسال الأسلحة من أراضيها.
  • احتجاز القوات المسلحة لأطراف النزاع التي تلجأ لأراضيها.
  • احترام الحظر البحري المشروع الذي يفرضه أحد أطراف النزاع.
  • عدم السماح بمرور قوافل عسكرية أو أسلحة عبر أراضيها.

 

رابعًا: حقوق الدولة المحايدة

  • حقها في حماية أراضيها ومصالحها من أي اعتداء من أطراف النزاع.
  • حقها في التجارة مع أطراف النزاع، شريطة ألا تكون البضائع من الممنوعات الحربية.
  • حقها في الاحتجاج على أي انتهاك لحيادها.

 

خامسا: أنواع الحياد

  • الحياد الدائم: وهو حياد مُعلن ومُعترف به دوليًا، ويُلزم الدولة بعدم الدخول في أي تحالفات عسكرية.
  • الحياد المؤقت: تتخذه الدولة في نزاع معين دون أن يكون موقفًا دائمًا، مثل حياد بعض الدول في الحرب العالمية الثانية أو في النزاعات الإقليمية.

ومن زاوية أخرى قد يكون الحياد اختياريًا أو إلزاميًا بأن يُفرض عليها بموجب معاهدات أو قرارات دولية.

الحياد في الفقه الإسلامي

الحياد من القضايا التي لم تفرد لها الأدبيات الفقهية مؤلفًا أو بابًا، مما دفع رجال الإحياء التشريعي للم شتاتها من الفروع الفقهية، والتصرفات النبوية، مع تتبع سير الدولة الإسلامية؛  ليقيموا نظرية مكتملة الأركان لهذا المفهوم.

أولًا: مفهوم الحياد في الفقه

مصطلح الحياد: عرَّفه العرب قديمًا بمعنى "الاعتزال"،  وهو يعني: عدم الانضمام لأي من الدول المتنازعة[1].

 

ثانيًا: المستند الشرعي للحياد

رغم أن مصطلح "الحياد" لم يرد في النصوص الشرعية بصيغته القانونية الحديثة، إلا أن الفقه الإسلامي أرسى قواعد شرعية وأحكامًا عملية تُجيز الامتناع عن القتال، أو عقد الهُدَن ومن هذه المستندات:

  • آيات القرآن الكريم: مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء:90). فهذا النص صريح وواضح في أن من يريد الحياد يناله، وهو يتوافق مع المبادئ العامة في الفقه التي تدعو للسلم، ومراعاة المصالح.
  • السنة النبوية: فواقعة صلح الحديبية النموذج العملي للهدنة بدل القتال، فالنبي ﷺ اختار تعليق القتال وعقد الصلح رغم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مستعدين للقتال، وهذا يُعد تطبيقًا عمليًا لما يشبه الحياد الاستراتيجي، مستندًا إلى المصلحة العليا.
  • قواعد الفقه الكلية، ومنها:
  • قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، فإذا كان القتال يؤدي إلى مفاسد أعظم (كإراقة دماء المسلمين، أو تمكين الظالم)، فإن الامتناع عنه -أي الحياد- يكون واجبًا.
  • قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، فلا يجوز أن يُسبب انحياز المسلم لطرف في نزاع ضررًاعلى نفسه أو على غيره، ففي هذه الحالة يكون الحياد موقفًا شرعيًا.
  • قاعدة "المصلحة المرسلة" فيجوز للمسلمين عقد الهُدَن، أو التحالفات، أو الامتناع عن القتال إذا كان فيه مصلحة راجحة، حتى لو لم يرد فيه نص خاص ما دام لا يخالف نصًا أو إجماعًا.

 

ثالثًا: صور الحياد، وأحكامه في الفقه

يختلف حكم الحياد في الفقه الإسلامي حسب الحالة التي يندرج تحتها وفقًا للتوضيح التالي:

أولًا: إذا كانت هناك معركة بين المسلمين وغيرهم، ورفض قوم (أو دولة) المشاركة بين الطرفين، فهنا يجب أن يوافق المسلمون على حياد تلك الدولة. بنص القرآن: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء:90).

ثانيًا: أن يكون النزاع بين طافئتين من المؤمنين، ففي هذه الحالة لا يجوز الحياد، بل يجب الإسراع للمصالحة، وجمع الشمل، فإن بغت إحداهما على الأخرى يجب الانضمام إلى الدولة المعتدَى عليهم حتى تتراجع الدولة الباغية وتستجيب للصلح العادل.

ثالثا: أن يكون النزاع بين دولة إسلامية، وغير إسلامية، وهنا لا يجوز الحياد، بل يجب الانضمام للدولة المسلمة نصرة، وتأييدًا.

رابعًا: أن يكون الحياد بين دولتين غير مسلمتين، وهنا يوجد تفصيل:

  • أن تكون إحدى الدولتين ليست علاقتها مع المسلمين علاقة سلم، ولكن سكنت الحرب، فهنا يجب الموادعة، إلا إذا تبين أنها تأخذ هدنة لاستكمال حربها ضدنا.
  • أن يكون بين المسلمين وإحدى المتنازعتين معاهدة نصرة في الحرب، فهنا يُعد الحياد خيانة، ويجب نصرتهم.
  • ألا تكون هناك معاهدة أو حرب مع إحدى الدولتين المتنازعتين، فهنا يجب الحياد.

ويشير أبو زهرة إلى أنه يجب عدم الحياد في هذه الحالة الأخيرة إذا تبين ظلم إحداهما؛ لأن الإسلام جاء لنصرة المظلوم، لكنه خفف من صرامة هذا الحكم حين أوكل حكم هذه الحالة لرؤية الدولة بما يرعى مصالح المسلمين دينًا ودنيا.

 

مقارنة بين نظرية الحياد في  القانون الدولي والفقه الإسلامي

تتشابه نظرية الحياد في الفقه الإسلامي والقانون الدولي في بعض الجوانب، ويختلفان في نقاط جوهرية، فمفهوم الحياد يكاد يكون واحدًا في الفكرين، لكن آليات التطبيق ودوافعه قد تكون متباينة، ويتضح ذلك بصورة جلية في النقاط الآتية:

  • يُبنى الحياد في القانون الدولي على مبدأ السيادة الوطنية، وعدم التدخل كحق للدولة، لكنه يُبنى في الفقه الإسلامي على المصلحة الشرعية، وتحقيق العدل، ودرء الفتنة، ومقاومة البغي، كواجب ديني وأخلاقي، فالحياد في الإسلام ليس موقفًا سلبيًا من الصراع، بل هو موقف إيجابي مشروط بالحكمة والمصلحة وعدم الإضرار.
  • يستند الحياد في القانون الدولي إلى مصادر قانونية وضعية، أهمها: الاتفاقيات الدولية، والعرف الدولي، ومبدأ السيادة، ويُنظر إليه كحق من حقوق الدولة المستقلة في اختيار موقفها من النزاعات. ولا يهتم بالقيم الخُلقية حتى لو كان أحد أطراف النزاع ظالمًا ؛ لأن القانون الدولي لا يتدخل في تقدير "العدل" أو "الظلم" في الحرب، بل ينظم العلاقات بين الدول المتحاربة والمحايدة.

أما في الفقه الإسلامي، فالمرجعية هي الوحي -القرآن والسنة- ثم الاجتهاد الفقهي القائم على مقاصد الشريعة. فلا يُقبل موقف الحياد، أو الامتناع عن القتال إذا كان يؤدي إلى نصرة الباطل، أو إضعاف الحق، أو إراقة دماء المسلمين.

  • في القانون الدولي، يُشترط لإعلان الحياد أن تعلن الدولة موقفها صراحة أو يُعترف به ضمنًا، وأن تلتزم بعدم التحيز، ومنع استخدام أراضيها، وعدم توريد الأسلحة، ومعاملة الأطراف بالمساواة. وإذا خرقت هذه الالتزامات تفقد صفة الحياد، وتتعرض للمساءلة الدولية.

أما في الفقه الإسلامي، فالضوابط أعمق وأعقد. فمثلًا: يجوز عقد الهدنة مع العدو الكافر إذا كان فيها مصلحة للمسلمين، كما في صلح الحديبية، حتى لو كان العدو ظالمًا. ويجوز إعطاء الأمان لفرد أو وفد من العدو، ويحرم خيانته. ويحرم نصرة الباغي أو الظالم، بل يجب على المسلم أن يعتزل الفتنة إن لم يستطع إنصاف المظلوم. ولا يجوز الحياد إذا كان يؤدي إلى إقرار الظلم أو إضعاف شريعة الله.

وهكذا، فإن الحياد في الإسلام مشروط بـنية صالحة ومصلحة راجحة، وعدم الإضرار بالدين.

 

المراجع

  • أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية، دراسة مقارنة، إسماعيل كاظم العيساوي، مكتبة الرشد، الرياض، 2016م.
  • أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية، حامد سلطان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1968م.
  • أساليب فض تنازع القوانين ذي الطابع الدولي في الإسلام، عنايت عبد الحميد، دار النهضة، 2017م.
  • انفصال جزء من إقليم الدولة: دراسة فى إطار القانون الدولي والفقه الإسلامي، عبد الرحمن محمد حمود الوجيه، طبعة جامعة القاهرة، 2003م.
  • التحفظ على المعاهدات الدولية، في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، عبد الغني محمود، دار الاتحاد العربي، بدون سنة نشر.
  • حالات عدم الوفاء المشروع بالتعهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، يحيى محمد علي عبد الله، جامعة القاهرة، بدون سنة نشر.
  • حماية المدنيين والأعيان المدنية وقت الحرب، جمعة شحود شباط، ط جامعة القاهرة،2003م.
  • العلاقات الدولية في الإسلام ، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، 2017م.
  • العلاقات الدولية في الإسلام، محمد حميد الله، ترجمة، محمد أحمد سراج، دار نهوض، الكويت، 2022م.
  • العلاقات الدولية في الإسلام، إبراهيم عبد الحميد، ضمن الأعمال الكاملة لطبعة دار الإفتاء، إشراف محمد كمال إمام، وشوقي علام، 2017م.
  • العلاقات الدولية في السنة النبوية، أحمد أبو الوفا، دار النهضة، 2009م .
  • قانون الحرب أو القانون الدولي الإنساني، نعمان عطا الله الهيتي، دار رسلان، 2008م.
  • القانون الدولي الإنساني، دراسة مقارنة بالشريعة عبد الغني محمود، دار النهضة.
  • القانون الدولي العام دراسة تأصيلية، محمـد سعـادي، منشأة المعارف، 2020م.
  • قانون حقوق الإنسان في الفكر الوضعي والشريعة الإسلامية، عبد الواحد محمد الفار، دار النهضة.
  • قواعد السلوك الدبلوماسي في الإسلام، عبد القادر سلامة، دار النهضة العربية، 1999م.
  • المعاهدات الدولية في الشريعة الإسلامية، أحمد ابو الوفا، دار النهضة، 2007م.
  • المنظمات الدولية، في القانون والفكر الإسلامي، صلاح عبد البديع شلبي، دار النهضة العربية، 2010م.

                                                                                                                   

 

 

أولاً: التعريف في القانون الدولي

هو: "نظام تعاقدي بين دولتين أو أكثر، يقوم على اتخاذ تدابير عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية لمواجهة أي عدوان على إحداها باعتباره عدوانًا على جميع الأطراف، في إطار مبدأ التضامن الجماعي".

وقد تجسد هذا المفهوم بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 51 الخاصة بالدفاع الشرعي الفردي والجماعي)، وكذلك في مواثيق المنظمات الإقليمية مثل: حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وجامعة الدول العربية عبر معاهدة الدفاع المشترك.

 

ثانيًا: أسس الدفاع الدولي المشترك

1- الشرعية الدولية:

يجب أن يتم الدفاع المشترك في إطار احترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خاصة فيما يتعلق بحظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي.

2- مبدأ التضامن الجماعي:

فالاعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على جميع الدول الأطراف، مما يستوجب ردًا جماعيًا منسقًا.

3- التوافق والالتزام التعاهدي:

يقوم الدفاع المشترك على معاهدات أو اتفاقيات رسمية، تُلزم الدول باحترامها وتنفيذها.

4- الأمن الجماعي:

يعتمد على فكرة أن استقرار وأمن كل دولة مرتبط بأمن المجموعة كلها، مما يعزز السلام الإقليمي والدولي.

5-التوزيع المتوازن للأعباء:

أي إنَّ الدول المشاركة تتقاسم التكاليف العسكرية والمالية والسياسية بشكل عادل وفق قدراتها

6-التكامل بين الوسائل:

الدفاع لا يكون عسكريًا فقط، بل يشمل التعاون في المجالات الأمنية، الاستخباراتية، الاقتصادية، والإعلامية لمواجهة الأخطار.

 

ثالثًا: أهداف الدفاع الدولي المشترك

  1. ضمان التأمين ضد أي عدوان.
  2. تقليل احتمالات الحرب من خلال الردع.
  3. التعاون العسكري والسياسي بين الدول.
  4. مواجهة الحروب، ولاسيما الحروب الجديدة، مثل: الإرهاب، الحرب السيبرانية، والصراعات الهجينة.

 

رابعًا: التحديات التي تواجه اتفاقيات الدفاع المشترك

  1. الاختلافات في اتخاذ القرارات.
  2. تباين المحفزات والدوافع والمصالح مع الدول غير المنضمة إلى الحلف.
  3. التباين في الطموح العسكري.
  4. المسائل المتعلقة بالاقتصاد أو الشؤون الداخلية أو الشؤون المالية بين الدول الأعضاء.

 

خامسًا: أبرز اتفاقيات الدفاع العربي المشترك

  1. معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي (1950):

-أُقرت في إطار جامعة الدول العربية في 18 يونيو 1950.

-تنص على أن أي اعتداء مسلح على دولة عربية يُعتبر اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، وتلتزم الدول بالرد المشترك.

- تضمنت أيضًا إنشاء مجلس دفاع عربي مشترك للتنسيق العسكري.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وسوريا (1955م):

- عُقدت لمواجهة النفوذ الغربي والإسرائيلي في المنطقة.

- نصت على التعاون العسكري وتبادل الدعم في حال تعرض أي طرف لعدوان.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والأردن (1957م):

- هدفت إلى مواجهة التهديدات الإسرائيلية بعد العدوان الثلاثي (1956م).

- تضمنت التزامات بالتنسيق العسكري وتبادل المساعدة الدفاعية.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والعراق والأردن (1958م) – (ضمن إطار الاتحاد العربي بعد وحدة مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة):

-أكدت التعاون العسكري والسياسي لمواجهة التحديات الأمنية.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي (1984م):

- عُرفت بإنشاء قوة "درع الجزيرة" كقوة دفاع مشترك.

- تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على بقية الدول الأعضاء.

  1. اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان (2025م):

- تأتي في إطار "سعي البلدين لتعزيز أمنهما وتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم".

- كما تهدف إلى "تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء".

- نصت الاتفاقية على أن "أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما"، كما نصت على التنسيق في مواجهة التهديدات المشتركة: خصوصًا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، والتطرف، وأي تهديدات لأمن الخليج أو شبه القارة الهندية.

 

الدفاع المشترك في الفقه الإسلامي

أولا: تعريف اتفاقيات الدفاع المشترك في الفقه الإسلامي وسندها:

هي عهود أو مواثيق تُبرم بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين غيرهم من الدول والجماعات، غايتها التناصر والتعاون العسكري ضد أي اعتداء خارجي، وفق ضوابط الشرع. وهي ترتكز على نصوص أصيلة منها:

  • قوله تعالى:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [سورة الأنفال: جزء من الآية رقم 72].

2- قوله ﷺ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" (رواه البخاري ومسلم).

3- إجماع الفقهاء، فإذا اعتُدي على بلد من بلاد المسلمين وجب على بقية المسلمين نصرته (فرض كفاية يتحول إلى فرض عين عند الحاجة).

4-كما تندرج تحت مبادئ فقهية عميقة كمبدأ التكافل الدفاعي الذي يجمع الأمة الإسلامية في مواجهة العدوان.

5- وثيقة المدينة المنورة التي نصّت على أن "المؤمنين يد على من سواهم".

 

ثانيًا: صور اتفاقيات الدفاع المشترك في الإسلام

1-اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدول الإسلامية:

وهو الأصل في هذه الاتفاقيات، وأصل العلاقة بين المسلمين حتى بدون اتفاق.

2-اتفاقات الدفاع المشترك مع غير المسلمين:

والأصل فيها التأقيت، والاحتكام للمصلحة؛ فهي جائزة مثلا إذا كان الهدف دفع العدوان المشترك، ولها أمثلة منها:

معاهدة النبي ﷺ مع خزاعة ضد قريش، وكذلك صلح الحديبية وما تلاه.

 

ثالثًا: الضوابط العامة لاتفاقيات الدفاع المشترك في الإسلام:

  • أن يكون الهدف رد العدوان المشروع لا العدوان والظلم.
  • ألا يترتب عليها تنازل عن ثوابت الدين أو استقلال المسلمين.
  • أن تكون القيادة للمسلمين أو في إطار يضمن عدم ذوبان الهوية.
  • الالتزام بالعهود والمواثيق لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} (سورة الإسراء، جزء من الآية رقم 34).

 

مقارنة بين مفهوم الدفاع المشترك في الفقه والقانون

1- الدفاع المشترك واجب شرعي في الإسلام على الأمة، يتجاوز حدود الدولة القُطرية، ولا يحتاج حسب أصول الإسلام إلى اتفاقيات، وإن كانت جائزة، وغير ممنوعة، بخلاف القانون الدولي، فالأصل أن كل دولة تدافع عن نفسها، ولا يحدث التناصر إلا باتفاق مشروط.

2-وضع الفقه الإسلام مجموعة من القواعد التي تضمن أن يكون الدفاع المشترك موجها في الاتجاه الصحيح، كرد العدوان ونصرة المظلوم، أما القانون الدولي، فقد يتخذ قرارات بناء على مصالح اقتصادية أو سياسية لا تراعي البعد الإنساني، ولا تحترم العدالة .

3-طبيعة الالتزام في الفقه الإسلامي هو التزام ديني وأخلاقي، أما القانون الدولي فهو التزام قانوني وسياسي قابل للتفاوض.

 

المراجع:

  1. آلية الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي في ضوء التحديات الراهنة، محمد حسن أحمد جاد. مجلة مصر المعاصرة، المجلد 110، العدد 533 - الرقم التسلسلي 4، أكتوبر 2019م.
  2. التجربة والخطأ في استراتيجية الدفاع العربي المشترك، جميل الجبوري. مجلة "شؤون عربية" التابعة لجامعة الدول العربية. العدد 21، نوفمبر 1982م.
  3. تاريخ الوحدة العربية بين زمنين، د أحمد يوسف أحمد، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، فبراير، 2018م.
  4. نحو استراتيجية سياسية واقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه العراق في مرحلة ما بعد الحرب د. عبد العزيز بن صقر مركز خليج للأبحاث، 1 يناير، 2004م.
  5. دور حلف شمال الاطلسي بعد الحرب الباردة، نزار الحيالي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2003م.
  6. الأمن الجماعي في جامعة الدول العربية، أحمد علي سالم، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016م.
  7. آثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق. 1998م.
  8. أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، 1982م.
  9. في النظام السياسي للدولة الإسلامية، محمد سليم العوا، دار الشروق، 2006م.
  10. العلاقات الدولية في الإسلام، محمد حميد الله، ترجمة: محمد أحمد سراج، مركز نهوض، بيروت- لبنان، 2022م.

 

يواجه الواقع التشريعي والقانوني في عالمنا العربي والإسلامي إشكالية التباين بين المرجعية الشرعية الإسلامية الأصيلة، التي شكّلت عبر قرون أساس النهضة المدنية ومصدرًا للعدالة والاستقرار، وبين القوانين الوضعية الوافدة التي فُرضت في عصور الاستدمار وما بعدها. وقد برزت في هذا السياق محاولات للتأصيل الشرعي لهذه القوانين، عبر ردّها إلى الشريعة الإسلامية وإلى الفقه الآخذ عنها ما أمكن، وكشف ما يصادم منها هذه المرجعية، وهو اتجاه جدير بالاهتمام والتطوير. ومن هنا يقدّم موقع "حوارات الشريعة والقانون" دليلًا بيبليوغرافيًا لأهم المؤلفات التي سلكت هذا المنهج؛ ليكون أداة علمية نافعة للباحثين ورجال القانون، مع تحديثه المستمر بما يستجد من دراسات في هذا الحقل.

 

وقد رأينا أن نقسم المكتبة التأصيلية على النهج المعاصر، بحسب فروع القانون المختلفة، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون المدني.

ثانيًا:  كتب ودراسات التأصيل الشرعي في فلسفة القانون وتاريخه.

ثالثًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الجنائي.

رابعًا:  كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدولي.

خامسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدستوري.

سادسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الإداري.

 سابعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القوانين التجارية و(المصرفية).

ثامنًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام قانون المرافعات.

تاسعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام قانون الإجراءات الجنائية.

عاشرًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام التشريعات الاجتماعية وقانون العمل.

حادي عشر: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام الأحوال الشخصية.

 

 

 

أولًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون المدني

(الجزء الأول)

  1. الإثراء بلا سبب كمصدر للالتزام بين النظرية والتطبيق في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، محمد علي عتمان الفقي، رسالة دكتوراه بجامعة القاهرة.
  2. الإثراء بلا سبب كمصدر للالتزام بين النظرية والتطبيق في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، محمد علي عثمان الفقي، رسالة دكتوراه بكلية الحقوق، جامعة القاهرة، سنة 1979م، رقم (1/164).
  3. الإثراء على حساب الغير بلا سبب في الشريعة الإسلامية- دراسة مقارنة بالقانون، عايش رجب مجيد، رسالة للحصول على درجة دكتوراه في القانون، رقم (1/044).
  4. أحكام الالتزام: شرح أحكام القانون المدني العراقي مقارنًا بالفقه الإسلامي والقوانين المدنية ومشروع القانون المدني العربي الموحد في ضوء أحكام القضاء، ويشتمل على: الآثار - الأوصاف - الانتقال - الانقضاء، عصمت عبد المجيد بكر، أربيل، جامعة جيهان الخاصة، ط1، 2012م.
  5. أحكام المعاملات المالية في المذهب الحنبلي، محمد زكي عبد البر، دار التراث، ط2، 1418هـ، 1998م.
  6. أحكام المعاملات المالية في المذهب الحنفي- عرض منهجي، محمد زكي عبد البر، مكتبة التراث 1997م.
  7. الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام بين النظرية والتطبيق، دراسة مقارنة بين القانون الوضعي والفقه الإسلامي، لاشين محمد يونس، ط1، 1968م، مكتبة طنطا.
  8. الاشتراط لمصلحة الغير في الشريعة الإسلامية والقانون- دراسة مقارنة، انتصار ميلاد مصباح، رسالة ماجستير، سنة 2009، جامعة التحدي، كلية القانون، ليبيا.
  9. الاشتراط لمصلحة الغير في الفقه الإسلامي والقانون المقارن، عباس حسني محمد، 1977م، دكتوراه، قسم القانون المدني.
  10. الاشتراط لمصلحة الغير- دراسة مقارنة، محمد عارف قاسم الشناق، القاهرة، 1993م، (كلية الحقوق) قسم الشريعة.
  11. الأصل والوصف في الفقه الحنفي، محمد زكي عبد البر، مجلة القانون والاقتصاد، العدد السابع والستون، 1997م.
  12. الالتزامات في الشرع الإسلامي، أحمد إبراهيم بك، وواصل علاء الدين، المكتبة الأزهرية والجزيرة، ط1، 2013م.
  13. انتقال الحق في التعويض عن الضرر الجسدي، د. أحمد شرف الدين، حقوق عين شمس. رقم 213122، عام 1982م.
  14. البطلان الجزئي للعقود والتصرفات القانونية، محمد حسن عواد الرجوب، ماجستير.
  15. نظرية البطلان في الشريعة الإسلامية والقانون المدني، محمد أمين إبراهيم حسن، 1984م.
  16. تأثير مجلة الأحكام العدلية في التقنينات العربية- دراسة تطبيقية على عقد التحكيم، فاطمة محمد سليم العوا، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، 1999م.
  17. التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي- دراسة مقارنة بالفقه الغربي، لوحيد الدين سوار، مكتبة النهضة.
  18. التعليق على نصوص القانون المدني بمذاهب الفقه وأحكام القضاء الحديثة في مصر والأقطار العربية، أنور العمروسي، دار المطبوعات العربية.
  19. التعويض عن الضرر الأدبي دراسة تطبيقية في الفقه الإسلامي والقانون، أسامة السيد عبد السميع، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية.
  20. التعويض عن الضرر الأدبي في المسئولية المدنية: دراسة مقارنة، طلال حسين علي الجبوري، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، رسالة ماجستير، رقم 2/513.
  21. التعويض عن الضرر الأدبي- دراسة تطبيقية في الفقه الإسلامي والقانون، أسامة السيد عبد السميع، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة 2007م.
  22. التعويض عن الضرر المعنوي في المسؤولية التقصيرية وفق أحكام القانون المدني الأردني- دراسة مقارنة، بشار فريح سليمان، رسالة ماجستير، رقم (2/460) بكلية الحقوق.
  23. تقنين الفقه الإسلامي (المبدأ والمنهج)، د. محمد زكى عبد البر، إدارة إحياء التراث الإسلامي، ط1، 1403هـ - 1983م.
  24. التملك بالشفعة وطبيعته القانونية دراسة مقارنة في القانون والشريعة: رسالة دكتوراه في القانون، موسى سلمان صالح، رقم 2/049، جامعة القاهرة، كلية الحقوق 1983م.
  25. توحيد تقنينات الأزهر للشريعة الإسلامية، د. عبد الناصر توفيق العطار، المكتبة الأزهرية.
  26. توحيد مصطلحات الشهر العقاري في البلاد العربية، جامعة الدول العربية، 1977م.
  27. جهود مجلس الشعب المصري في تقنين الفقه الإسلامي، د. عبد العزيز فتحي، مجلة اتحاد الجامعات العربية للدراسات والبحوث القانونية، العدد الحادي والعشرون، 1997م.
  28. الحجر على المدين حماية لحق الغرماء، حسن عبد ه أحمد السراجي، رسالة دكتوراه، حقوق القاهرة، رقم 381.
  29. الحجر على المدين لحق الغرماء في الفقه الإسلامي والقانون المقارن، د أحمد على الخطيب، ط دار التأليف، 1996م.
  30. حق الابتكار في الفقه الإسلامي المقارن، فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، ط2، 1402ه/ 1981م.
  31. الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ونظرية التعسف في استعمال الحق، بين الشريعة والقانون، د. فتحي الدريني، ط1، جامعة دمشق، 1976م.
  32. حقوق الابتكار في الفقه الإسلامي المقارن، مؤسسة الرسالة، ط2، 1981م.
  33. دراسة موجزة عن مجلة الأحكام العدلية، د. شامل الشاهين، دار غار حراء، دمشق، ط1، 2004م.
  34. درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر باشا، تعريب المحامي فهمي الحسيني، دار عالم الكتب 2003م.
  35. الدين والعين في الفقه الإسلامي والحق الشخصي والحق العيني في الفقه الغربي، د. محمد زكي عبد البر، مجلة القانون والاقتصاد، جامعة القاهرة.
  36. سبب الالتزام وشرعيته في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة، جمال الدين محمد محمود، وكيل أو نيابة النقض الجنائي، رسالة دكتوراه، كلية حقوق القاهرة، رقم (21/1) عام 1968م.
  37. الشريعة الإسلامية تاريخها ونظرية الملكية والعقود، بدران أبو العينين بدران، مؤسسة شباب الجامعة.
  38. الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتقنين، المستشار عبد الحليم الجندي، مجلة إدارة قضايا الحكومة، العدد الأول يناير 1966م.
  39. الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في البلاد العربية، للدكتور صوفي أبو طالب، مجلة القانون والاقتصاد، العدد الخامس.
  40. الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، للدكتور صوفي أبو طالب، مجلة اتحاد الجامعات العربية، عام 1995م.
  41. الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية في القضاء والاقتصاد والاجتماع، أحمد أبو الفتوح باشا.
  42. الشفعة علمًا وعملًا: د. نبيل إبراهيم سعد، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1997م.
  43. ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، دراسة فقهية مقارنة بأحكام المسئولية التقصيرية في القانون، د. محمد أحمد سراج، دار الثقافة العربية، ط 1990م.
  44. الضمان في الفقه الإسلامي، للشيخ علي الخفيف، دار الفكر العربي، 2000م.
  45. ضوابط العقود دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وموازنة بالقانون الوضعي وفقهه، د. عبد الحميد محمود البعلي، دار وهبة.
  46. العقد الموقوف في الفقه الإسلامي والقانون المدني العراقي وما يقابله من التقنين المدني المصري، محمد زكي عبد البر، مجلة القانون والاقتصاد، العدد الأول، السنة الخامسة والعشرون، مارس ويونيه 1955م.
  47. الفعل الضار والضمان فيه، مصطفى الزرقا، دار القلم، دمشق.
  48. القانون المدني في ثوبه الإسلامي: مصادر الالتزام: شرح مفصل لأحكام التقنينات العربية المستمدة من الفقه الغربي والمستمدة من الفقه الإسلامي وتطبيقاتها القضائية، مصطفى محمد الجمال، ط1، 1996م.
  49. القانون المدني مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المصري، ط دار الكتاب العربي.
  50. قوانين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، برئاسة د. صوفي أبو طالب، دار ابن رجب والفوائد، ط1، 2013م.
  51. القيود التعاقدية على الحرية الفردية للعمل في القضاء الإنجليزي، د. عبد الرزاق السنهوري، ترجمة كمال جاد الله، مراجعة سمير تناغو، مركز نهوض، ط1، 2020م، بيروت – لبنان.
  52. كتاب المعاملات في الشريعة الإسلامية والقوانين المصرية، للشيخ أحمد أبو الفتوح، ط البوسفور، 1913م.
  53. المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 142هـ/2004م.
  54. مصادر الالتزام: العقد والإرادة المنفردة والعمل النافع والعمل الضار والقانون كمصدر للالتزام في القانون المدني المصري مع أحدث أحكام القضاء والإشارة إلى بعض أحكام الفقه الإسلامي، عبد الناصر توفيق العطار، دار النهضة، 1999م.
  55. مصادر الحق في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة بالفقه الغربي، عبد الرزاق السنهوري، معهد الدراسات العربية، 1956م.
  56. المقارنات التشريعية بين القوانين المدنية الوضعية ومذهب مالك، السيد عبد الله حسين، دار السلام، 1421ه - 2001م، دار السلام، تحقيق د محمد أحمد سراج، ود. علي جمعة.
  57. المقارنات التشريعية، تطبيق القانون المدني والجنائي على مذهب الإمام مالك، محمد حسنين محمد مخلوف، ط1، 1420هـ، 1999م، دار السلام، تحقيق، د محمد أحمد سراج، ود علي جمعة.
  58. نظرية الاستحقاق في الفقه الإسلامي والقانون المدني، محمد أحمد الكزني، مكتبة النهضة.
  59. نظرية الاستغلال، توفيق حسن فرج، رسالة دكتوراه جامعة القاهرة، رقم 346. 21111، عام 1957م.
  60. نظرية الالتزام في الشريعة الإسلامية والتشريعات العربية، د. عبد الناصر توفيق العطار، مطبعة السعادة.
  61. نظرية الالتزام، أحمد سلامة، دار النهضة بالقاهرة.
  62. نظرية الالتزام، مصطفى إبراهيم الزلمي، العراق، ط1، 2014م.
  63. نظرية الشروط المقترنة بالعقد، في الشريعة والقانون لزكي الدين شعبان، دار النهضة، ط1، 1968م
  64. النظرية العامة للالتزام دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الوضعية، منذر فضل، ط2، عمان، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1992م.
  65. النظرية العامة للالتزام في الشريعة الإسلامية، د. شفيق شحاتة، مطبعة الاعتماد، بدون تاريخ.
  66. النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني الأردني: دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الوضعية ج 1. مصادر الالتزام، ويشتمل على: العقد - الإرادة المنفردة - المسؤولية التقصيرية - الإثراء بلا سبب، منذر الفضل، ط2، عمان، مكتبة دار الثقافة، 1992م.
  67. النظرية العامة للفسخ في الفقه الإسلامي والقانون المدني، دراسة مقارنة، د. حسن على الزنون، نهضة مصر.
  68. النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية، د. صبحي المحمصاني، مطبعة الكشاف – بيروت، 1948م.
  69. نظرية العقد الموقوف في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بالقانون المدني، د. عبد الرازق فرج حسن، دار النهضة، 1969م.
  70. نظرية العقد في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، عبد المنعم فرج الصدة، دار النهضة العربية، القاهرة.
  71. نظرية العقد في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة مع الفقه القانوني والقوانين المعاصرة، د. عصمت عبد المجيد بكر.
  72. نظرية العقد مقارنة بين القوانين العربية والشريعة الإسلامية، محيي الدين إسماعيل، بدون تاريخ.
  73. نظرية العقد والإرادة المنفردة، دراسة معمقة ومقارنة بالفقه الإسلامي، د. عبد الفتاح عبد الباقي، 1984م.
  74. نظرية العقد والتعسف في استعمال الحق من وجهة الفقه الإسلامي، د. محمد أحمد سراج، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية.
  75. نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي، د. محمد زكي عبد البر، دار التراث.
  76. النيابة في التصرفات القانونية طبيعتها وأحكامها، جمال مرسي بدر، دار النهضة، ط2، 1968م.
  77. الأحكام المتعلقة بالمعاق ذهنيًا بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، أحمد عبد الحميد البسيوني،   الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2008.     
  78. إبرام عقد البيع عبر الإنترنت: دراسة مقارنة بين القوانين الوضعية والفقه الإسلامي، مجد الدين محمد إسماعيل السوسوة، ط 1، مكتبة كلية الحقوق بجامعة القاهرة، د . م . ن د . ن، 2010.
  79. إجازة التصرفات: دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني اليمني والمصري، محمد بن محمد بن محمد بن اسماعيل الغشم، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون- جامعة القاهرة؛ كلية الحقوق 1995م.
  80. أحكام العلم بالمبيع وتطبيقاته في ضوء تقدم وسائل التكنولوجيا المعاصرة: دراسة مقارنة بين القانون المدني والفقه الإسلامي- ممدوح محمد على مبروك، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون جامعة القاهرة؛ كلية الحقوق
  81. استحالة تنفيذ الالتزام وأثارها- دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المدني، محمد على عثمان الفقي، القاهرة، دار النهضة العربية، 1995.
  82. الإثبات بالشهادة في الفقه الإسلامي- دراسة فقهية قانونية مقارنة، ابراهيم عبد الرحمن إبراهيم، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، 1989.
  83. الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام بين النظرية والتطبيق- دراسة مقارنة بين القانون الوضعي والفقه الإسلامي، لاشين محمد يونس الغياتي، ط 1، طنطا، مكتبة جامعة طنطا، 1986م.
  84. الإكراه المفسد للرضا في المعاملات المدني الإماراتي- دراسة مقارنة بالقانون المدني المصري والفقه الإسلامي، عمر مؤمن، القاهرة، دار النهضة العربية، 1997.
  85. الإكراه وأثره في العقود: دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المدني، جمال الدين طه العاقل، مكتبة كلية الحقوق – القاهرة، د . م . ن د . ن، 1986م.
  86. الالتزام بالإفضاء بالصفة الخطرة للشيء المبيع- دراسة مقارنة بين القانون المدني (المصري والفرنسي) والفقه الإسلامي، حمدي أحمد سعد، القاهرة، المكتب الفني للإصدارات القانونية، 1999.
  87. الالتزام بصيانة الشيء المبيع- دراسة مقارنة بين القانون المدني (المصري والفرنسي) والفقه الإسلامي، ممدوح محمد على مبروك، القاهرة، دار النهضة العربية، 2003.
  88. الالتصاق كسبب من أسباب كسب الملكية في الفقه الإسلامي والقانون المدني، جمال خليل النشار، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2001.
  89. التعاقد بالوسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي، محمد سعيد محمد الرملاوي، الإسكندرية، دار الفكر الجامعي، 2007.
  90. التعويض الاتفاقي عن عدم تنفيذ الالتزام او التأخر فيه: دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، حسنى محمد جاد الرب، الإسكندرية، دار الفكر الجامعي، 2006.
  91. التعويض عن الضرر الأدبي- دراسة تطبيقية في الفقه الإسلامي والقانون، أسامة السيد عبد السميع، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2007.
  92. التعويض عن ضرر النفس في المسؤولية التقصيرية في القانون الوضعي والفقه الإسلامي، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون، سعيد سعد عبد السلام، جامعة القاهرة، كلية الحقوق. بدون تاريخ.
  93. الحق المالي للمؤلف في الفقه الإسلامي والقانون المصري، عبد السميع عبد الوهاب ابو الخير، القاهرة مكتبة وهبة،
  94. الحق في الحبس في الفقه الإسلامي والقانون المدني- دراسة مقارنة، عبد السميع عبد الوهاب ابو الخير القاهرة، دار النهضة العربية، 1994.
  95. الحق في الحبس كوسيلة للضمان- دراسة مقارنة بين القانون المدني والفقه الإسلامي، رأفت محمد أحمد حماد، القاهرة دار النهضة العربية، 1990.
  96. إجازة العقد القابل للإبطال- دراسة مقارنة بين القانون المدني والفقه الإسلامي، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون حمدي المغاروي محمد عرفه، جامعة القاهرة؛ كلية الحقوق، 2008.
  97. أسس الاثبات المدني طبقا للقانون المصري والقطري، دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، محمود عبد الرحيم الديب، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2004.
  98. أثار الظروف الطارئة والقوة القاهرة على الأعمال القانونية: بحث علمي على ضوء الفقه وقضاء النقض، عبد الحكم فوده، الإسكندرية،  منشاة المعارف، 1999.
  99. الحقوق المجاورة لحق المؤلف- دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، حسن حسين البراوي، ط 1، القاهرة، دار النهضة العربية، 2005.
  100. الحماية المقررة لحقوق المؤلفين الأدبية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون- دراسة مقارنة، عبد الله مبروك النجار، ط 1 ، القاهرة، دار النهضة العربية، 1990.
  101. الحيازة في القانونين اليمنى والمصري وآثارها وحمايتها- دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، على محمد أحمد اليناعي، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، 1995.
  102. --أحكام ضمان العارية- دراسة مقارنة- مع الاهتمام بالبحث المتعمق في الفقه الإسلامي، محمد محى الدين ابراهيم سليم، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، د . م . ن د . ن، 1996.
  103. أحكام مطالبة المدينين المتضامنين بالدين في القانون المدني- دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، إسماعيل عبد النبي شاهين، ط 1، الكويت- دار ابن قتيبة، 1988.
  104. الاستحالة وأثرها على الالتزام العقدي: دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني- عبد الوهاب علي بن سعد الرومي، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه في القانون، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، 1994.

 

 

تنامى الحديث -في الفترة الأخيرة- عن الإسلام وكأنه مجموعة لا يمكن حصرها من "الإسلامات" التي لا يوجد لها تعريف واضح ومحدد، أو على الأقل فإن له تعريفًا "صحيحًا" و"حقيقيًا" لم يتمكن من اكتشافه والتعرف عليه سوى الجهة (أو الفرد أو الجماعة أو الحركة أو الدولة…) التي تقدم نفسها وكأنها هي الوحيدة التي أوحيَ إليها بالمعنى الدقيق للإسلام وما يتضمنه من قيم ومقاصد وأحكام!

وتكمن خطورة هذا "التسييل" لمفهوم الإسلام في أنه ييسر عملية استلابه لحساب القوى المعادية له، بل وجعلها هي المتحكمة في تحديد ما يعد من الإسلام وما لا يعد منه، ومن ثم تُدخل فيه ما ليس منه، وتُخرج منه ما قد يعتبر من أسسه وثوابته، أو على أقل تقدير فإنه يسهل عليها عملية تشويه الإسلام وتشويش معناه في أذهان الناس، ولا سيما المسلمين المعاصرين أنفسهم، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى الوعي الصحيح به والعمل الرشيد بقيمه ومبادئه لمواجهة هجمات كاسحة لا تستهدف فقط إحكام الهيمنة عليهم، بل وعلى الإنسانية بأسرها، والتي لا يزال الإسلام هو الأمل في انتشالها من المصير البائس الذي تجرها إليه القوى المتحكمة في هذا العالم.

من أجل ذلك كان من الضروري الوقوف على حقيقة هذا الاختطاف للإسلام، ودراسة أهداف هذا الاختطاف واستراتيجياته وأساليبه، والقوى الفاعلة فيه، وبيان كيفية التصدي لها ومقاومتها، ورسم الطريق للحفاظ على "صلابة" الإسلام ووضوحه في أذهان الناس، لحمايتهم من التيه والضلال، لا للدفاع عن الإسلام نفسه، فإن له رَبًا يحميه!

ولعل من أهم النماذج التي تفترض هذه الدراسة أنه يمكن من خلالها الإحاطة بعملية اختطاف الإسلام وأساليبها، هو نموذج قضية "تطبيق الشريعة الإسلامية" باعتبارها من أكثر القضايا الكاشفة التي كانت -ولا تزال- تبين بجلاء كيف جرى استلاب مفهوم شريعة الإسلام، تمهيدًا لإقصائها من السيادة الثقافية والتشريعية التي تبوأتها -منفردة- في العالم الإسلامي على مدى ما يقرب من ثلاثة عشر قرنًا تقريبًا، وإحلال مرجعية غربية بديلة عنها في إطار عملية "التحديث" أو "التغريب" الشامل الذي فرضته قوى الإمبريالية منذ بدايات القرن التاسع عشر الميلادي وحتى وقتنا الراهن.

وتسعى الدراسة إلى اختبار هذه الفرضية من خلال تتبّع هذا الاختطاف للشريعة الإسلامية مفهومًا ومرجعيةً، وبيان القوى والجهات الفاعلة التي قامت به أو أسهمت فيه، وسياساته واستراتيجياته وأهدافه، وأدواته وآلياته، وعلاقاته ومؤسساته، وردود الفعل تجاهه، ودراسة استراتيجيات مواجهته ووسائلها ونماذجها، عسى أن يتضح عمليًا كيف يجري اختطاف الإسلام، مجسّدًا في هذه الحالة في شريعته، وكيف يمكننا أن نواجه هذا الاختطاف.

ولذلك فإن هذه الدراسة ستعتمد على عددٍ من المناهج التي يفرضها موضوعها والأهداف التي تتغياها؛ فستستخدم أحيانًا المنهج التاريخي لبيان خطوات اختطاف الشريعة الإسلامية وإحلال القانون الوضعي محلها، معنىً ومبنىً، ومنهج تحليل النصوص والمواقف (تحليلًا كيفيًا) لبيان السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، ومجمل الظروف التي وضعت فيها تلك النصوص وجرى فيها تبني تلك المواقف، فضلًا عن المنهج الاستقرائي للخروج بتفسيرات واضحة لهذه المواقف الجزئية بعد تحليلها وتصنيفها، للتوصل إلى قواعد عامة يمكن توظيفها في تفسير ظاهرة اختطاف الإسلام والإسهام في مواجهتها.

وبخصوص محددات الدراسة ومداها الزمني، فقد جرت الإشارة سابقًا إلى أنها ستتناول عملية اختطاف الشريعة الإسلامية في العصر الحديث، وإن كانت ستعود أحيانًا إلى جذور هذا الاختطاف في الماضي، فقط بالقدر الذي يؤثر في الحاضر. إذ إن هذه الدراسة ليست "تاريخية" تقف عند الماضي وتدور حوله، بل هي دراسة "معاصرة" تستهدف الإسهام في حل إشكالية -ومُشكِلة- مؤرقة في وقتنا الراهن، وتحرص على عدم الانجرار إلى الماضي دون داع، ومن ثم فإن مداها الزمني الأساسي سينحصر في الفترة من بدايات القرن التاسع عشر حتى وقتنا الحاضر.

 

تمهيد: المفاهيم الرئيسة للدراسة

من المهم في بداية الدراسة تعريف مفاهيمها الأساسية التي تمثل محورها ومحلها، وهي تتمثل في مفهومين؛ "اختطاف الإسلام" و"تطبيق الشريعة".

1) مفهوم "اختطاف الإسلام":

الاختطاف لغةً: اسم مشتق من المصدر "خطف" ويعني: مرَّ سريعًا، وخطف الشيء خطفًا، جذبه وأخذه بسرعة واستلبه واختلسه، ويقال: خطف البرق البصر؛ ذهب به، وخطف السمع؛ استرقه[1]. وقد عرف الإمام القرطبي الخطف -عند تفسيره لقوله تعالى: "يكاد البرق يخطف أبصارهم"- بأنه: "الأخذ بسرعة، ومنه سُمِّي الطير خطّافًا لسرعته"[2].

وبالنسبة للمعنى الاصطلاحي للاختطاف أو الخطف، فتتنوع تعريفاته وتتباين، ولكنها جميعها لا تتصادم مع معناه اللغوي؛ فالفقه الإسلامي ذكر الاختطاف ضمن مباحث جريمة السرقة باعتباره اختلاسًا، إذ كان الاختلاس والاختطاف عندهم بمعنى واحد، وكلاهما يعني أخذ الشيء علانيةً على وجه السرعة، خلاف الانتهاب الذي كان يعني أخذ الشيء علانيةً وعلى وجه المغالبة والقهر[3]. بينما يُعرَّف الاختطاف في القوانين المعاصرة باعتباره نوعًا مستقلًا من الجرائم الجنائية أو السياسية بحسب نوعية الجناة والمجني عليهم ووفقًا لدوافع الجريمة، ومن ثم فلا يوجد تعريف موحّد له[4].

والحقيقة فإن اختطاف المصطلحات والمفاهيم لا يختلف كثيرًا عن اختطاف الأشخاص والأشياء، مع اختلاف بسيط يتمثل في أن الاختطاف الأول اختطاف ذهني وفكري أساسًا، عكس الاختطاف الثاني فهو اختطاف مادي بالأساس، وكلاهما يجمعهما معنى الاستلاب والأخذ بسرعة، غير أن خطف المصطلحات يعتمد في الغالب على الخديعة لا على القوة المادية، وإن كانت هذه الأخيرة تحميه -عادةً- وتكون شريكًا أصليًا في ارتكابه!

أما مصطلح الإسلام لغةً، فهو: الطاعة والانقياد، ويُطلق في الشرع على الانقياد إلى الأعمال الظاهرة، وقيل هو: "الاستسلام لله المتضمن غاية الانقياد، في غاية الذل والخضوع"[5]، وقيل: إنه "هو الخضوع والانقياد للأحكام، بمعنى قبولها والإذعان بها"[6]. واصطلاحًا، للإسلام معنيان: معنى واسع، ويُقصد به: "مجموعة الأحكام والعقائد التي شرعها الله لعباده، ليتعبدوا بها في الدنيا، ثم يحاسبهم عليها في الآخرة"[7]، ومعنى ضيق، وهو المعنى الذي يقصد به عادة عند ذكر هذا اللفظ، وهو: "دين الله الذي أوصى بتعاليمه في أصوله وشرائعه إلى النبي محمد ﷺ، وكلفه بتبليغه إلى الناس كافة"[8].

وبناءً على ما تقدم فإن مفهوم اختطاف الإسلام مركبًا يعني استلابه ونقله من معناه الأصلي إلى معنى آخر يستهدفه المختطِف تحقيقًا لمصلحة ما، سواء له أم لمن ينوب عنه، وذلك عن طريق الخداع أو بأية وسيلة تحقق غرضه، ولو عبر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.

2) مفهوم "تطبيق الشريعة الإسلامية":

وهذا البحث سيدرس تحديدًا اختطاف "تطبيق الشريعة الإسلامية" كنموذج لاختطاف الإسلام ككل، وهذا المفهوم بدوره يتكون من مفردتين: الأولى: (تطبيق)، ويقصد به: تعميم، وإنفاذ، وتنزيل، وتنفيذ، وتحقيق[9]، والثانية: "الشريعة الإسلامية"، ويُقصد بها: "الأحكام التي شرعها الله - تعالى - لعباده، ونزل بها الوحي على رسوله محمد ﷺ، لتستقيم بها أحوالهم في الدنيا والآخرة"[10].

ومن ثم فإن مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية - مركبًا - يعني: "تنزيل (أو تعميم أو تنفيذ أو إنفاذ) ما سنَّه الله - تعالى - من أحكام سواء في القرآن الكريم أو أبلَغها رسوله محمد ﷺ، على حياة الإنسان وعلاقاته المختلفة بربه وبالناس وبالكون"[11].

غير أن هذا المعنى، على وضوحه، ثار حوله سجال كبير في العصر الحديث، وتفترض هذه الدراسة أنه جرى اختطافه هو الآخر، ومن ثم ستحاول بيان كيفية حدوث ذلك، وتحديد الخاطفين له، وردود الأفعال على هذا الاختطاف، وما يمكن فعله حتى يُسترد معناه الصحيح الذي يتوافق مع مدلول ألفاظه وتاريخه السابق على الاختطاف.

 

أولًا: الأسباب والبواعث لتبنّي هذا الوجه من الاختطاف

تُعد قضية "تطبيق الشريعة الإسلامية" من أكثر القضايا التي وُظِّفت لاختطاف الإسلام ككل، لصالح أعداء الأمة الإسلامية، حيث ساعد توظيف هذه القضية المختطفة على تيسير التغلغل الاستدماري (المسمى -تدليسًا- بالاستعمار) المستهدف الهيمنة على مقدرات الأمة الإسلامية ونهب ثرواتها، كما أسهم في التمكين للاستبداد السياسي عالميًا ومحليًا، فضلًا عن إسهامه في نشوب صراعات لا حصر لها بين أطياف الأمة المختلفة، وأودى إلى تعميق تخلفها بدلًا من مساعدتها في النهوض من جديد، وأعان على هذا السقوط انخداع الكثيرين، سواءً على المستوى النظري أم المستوى التطبيقي، بالمعاني المحرَّفة المقدَّمة إليهم لمفهوم تطبيق الشريعة، ومن ثم وقوعهم في هاوية الجهل بالشريعة وقلب أولويات تنزيلها على الواقع المعيش، على الرغم من أن الشريعة هي إحدى عنصري الإسلام الأساسيين وهما العقيدة والشريعة، بل هي الإسلام نفسه إذا ما استخدمناها بمعناها الواسع الذي يشمل (العقيدة والأخلاق والمعاملات).

ومن هنا ترجع أهمية دراسة اختطاف "تطبيق الشريعة" عسى أن تسهم في فضح الفاعلين في هذا الاختطاف، وكشف أساليبهم المخادعة واستراتيجياتهم الماكرة التي حولت هذه القضية من قضية توحيد وبناء ونهوض إلى قضية تمزيق وهدم وسقوط، مما أسهم في إفشال كل سعي جاد ومخلص إلى استرداد الأمة لعافيتها الحضارية.

 

ثانيًا: القوى والجهات الفاعلة

نعيش منذ بدايات القرن التاسع عشر -على أقل تقدير- في عصر الاستعمار والقابلية للاستعمار (بحسب مالك بن نبي)[12]، و"عصر الاستعمار ومقاومته" (بتعبير طارق البشري)[13]. فهذا هو الحدث الأبرز في القرون الثلاثة الأخيرة: الاستدمار الأوروبي للشعوب والأراضي العربية والإسلامية، بل لبقية دول العالم غير الأوروبي بصفة عامة، بما في ذلك القارة الكبرى (أمريكا) التي أباد الأوروبيون سكانها الأصليين (الهنود الحمر) وأعلنوا أنهم مكتشفوها، ومن ثم فرضوا عليها هيمنتهم وصادروها لحسابهم، وأطلقوا على أنفسهم جميعًا (أوروبا وأمريكا الشمالية تحديدًا) مسمّى "الغرب"، وأطلقوا على بقية دول العالم -ومن ضمنه العالم الإسلامي- مسمّى "الشرق"[14]. ومن هنا ظهرت "المسألة الشرقية" على حد تعبيرهم، فكان العالم الإسلامي بالنسبة لهم مجرد مسألة تحتاج إلى جواب، فحواها: "كيف سنهيمن على هذا العالم الذي يحكمه رجل مريض (الدولة العثمانية)؟ وكيف سنقسم فيما بيننا تلك الغنيمة الموروثة؟!".

وحين نتحدث عن القوى والجهات الفاعلة في عملية اختطاف "نموذج تطبيق الشريعة الإسلامية" تحديدًا، فإنه ينبغي ألا نغفل عن هذا الأمر -الغزو الأوروبي للعالم الإسلامي- الذي يعتبر المتغير الرئيس في العصر الحديث، والذي دارت حوله كل المتغيرات التابعة، وهو أمر يستدعي أخذه في الاعتبار عند معالجة غالبية قضايانا المتعلقة بالفكر والثقافة، بما في ذلك قضية اختطاف الإسلام واستلاب مرجعيته الثقافية والتشريعية المتمثلة في الشريعة الإسلامية. فإننا إذا ما وجّهنا النظر إلى قضية تطبيق الشريعة الإسلامية سنجد أن اختطافها بدأ مع قدوم الاستدمار الغربي، وتحقق واستمر في ظله ووفق مخططاته وتوجيهاته، وعلى يد جنوده الماكرين وبعض معارضيه -بغير وعي- على حد سواء!

ومن ثم فإن القوى والجهات الفاعلة في عملية اختطاف نموذج تطبيق الشريعة الإسلامية تتمثل في الدول الأوروبية الغازية للعالم الإسلامي بالاحتلال العسكري المباشر، ثم بالاحتلال غير المباشر الذي رحل عن العالم الإسلامي ليبقى مهيمنًا عليه لا العكس[15]، وهو ما يُسمى (الاستعمار الجديد، أو الاستعمار غير المباشر)، وأما غيرها من القوى والجهات فهي مجرد أذرع أو أدوات تسهم في تنفيذ استراتيجية الغزاة ومخططاتهم، مثل الصهيونية والعلمانية والحكومات المستبدة وحركات العنف التي تنسب نفسها إلى الإسلام زورًا أو جَهْلًا، وغيرها من الأدوات التي يُظَنُّ فيها أنها قوى فاعلة، أو تظن هي في نفسها أنها كذلك، وبجدٍّ وإخلاص أحيانًا!

 

ثالثًا: الاستراتيجيات والأهداف

أوضحنا فيما سبق الهدف الرئيس للقوى الفاعلة في عملية اختطاف نموذج تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو فرض الهيمنة على العالم الإسلامي والسيطرة الكاملة عليه واستتباعه، ومن ثم تحويله إلى سوق استهلاكي يستورد السلع الأجنبية وعلى رأسها الأسلحة، ويصدر المواد الخام -بأبخس الأثمان- والعمالة منخفضة الأجر. فهذا هو الهدف الأَساس من محاربة الشريعة الإسلامية والوقوف ضد أي محاولة لتطبيقها على نحو صحيح وفق أولويات محددة من شأنها أن تقاوم هذا الغزو وتنهض بالشعوب المسلمة، وهو أمر يتصادم بالضرورة مع سياسة الاستدمار الغربي الذي أدرك مبكرًا أنه لن يستطيع إحكام السيطرة الدائمة على ثروات بلد ما إلا بالهيمنة على المجالين السياسي والثقافي (ومن ضمنه القانون)، وهو أمر لن تمكنه منه الشريعة الإسلامية، بمفهومها الصحيح، بأي حال من الأحوال[16].

والأهداف المتفرعة عن هذا الهدف تتمثل في:

1) عرقلة كل محاولة للتقدم والنهوض بالعالم الإسلامي في مواجهة التفوق الغربي.

2) إفقاد المجتمعات الإسلامية الثقة في أنفسها وفي مرجعياتها الثقافية بمفهومها الشامل، ومنها مرجعية الدين والشريعة.

3) احتلال العقل المسلم وتوجيهه بما يحقق مصالح الإمبريالية.

 

أما الاستراتيجيات التي اعتمدتها تلك القوى في اختطافها لنموذج تطبيق الشريعة الإسلامية، فيمكن إجمالها على النحو الآتي:

1) فرض "التحديث"[17] على العالم الإسلامي عنوة، عن طريق فرض الهيمنة الاقتصادية والضغط من خلالها على حكام المسلمين، وإلا فالاحتلال العسكري لأراضي المسلمين، إذا لم يستجيبوا لفرض نموذجهم الذي يضمن لها التبعية والاستسلام لإرادات المستدمرين النفعية. ومفهوم التحديث أو العصرية Modernism لا يعني مجرد الانتماء للعصر ولكنه يعني فيما يخص الدين، وجهة نظر في الدين ترى ضرورة السعي إلى تطويع مبادئ الدين لقيم الحضارة الغربية ومفاهيمها وإخضاعه لتصوراتها ووجهة نظرها في شؤون الحياة[18].

 

2) فرض نموذج الدولة القومية الحديثة، بفلسفتها وبنيتها ومؤسساتها وهياكلها..، وإحلالها –بوصفها كائنًا قانونيًا- محل الشريعة الإسلامية وبنيتها القانونية والاقتصادية والاجتماعية، على ما بينهما من تمايزات وتناقضات واضحة[19]، لضمان تبعية العالم الإسلامي كذلك وفض وحدته، ولكن دون السماح أبدًا بإقامة هذه الدولة على أسس ديمقراطية حقيقية تحقق تداول السلطة وتنقلها إلى الشعوب؛ فلا نكاد نجد في تاريخ الاستدمار أي دعم يذكر لأي خيار شعبي ديمقراطي، بل كل الدعم للانقلابات العسكرية، والحكومات الاستبدادية، وحدها، وهو أمر متوقع لأن الشعوب إذا ما خيرت ومُكِّنت لاختارت أن تستعيد من جديد مرجعيتها الثقافية والتشريعية المتجسدة في الشريعة الإسلامية.

3) التشكيك في المرجعية الثقافية للشعوب المسلمة، والتي تتركز في الشريعة الإسلامية، تيسيرًا لانفراد الثقافة الغربية بالمسلم والتحكم فيه كيفما شاءت، ومن هنا جاء اتهام الشريعة بالجمود والرجعية، وتمرير أفكار من شأنها هدم البنيان التشريعي الإسلامي من أساسه، عبر بث الريبة في القرآن الكريم وما يتعلق بجمعه وبعلومه وبتفاسيره، والتشكيك في السنة وحجيتها، والحط من الفقه الإسلامي ومن قدرته على مواكبة العصر، والتحقير من التاريخ الإسلامي، وتشويه أبرز أعلامه ورموزه، بمن فيهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

4) علمنة التشريع السائد في العالم الإسلامي بفرض القانون الوضعي وعزله عن الشريعة الإسلامي، واستبدال فقهاء الشريعة وعلماء الدين بنواب البرلمان وأعضاء السلطة التنفيذية. وقد جرت هذه العلمنة إما بفرض تقنينات غربية بدلا من الشريعة الإسلامية بشكل واضح ومعلن، كما جرى في مصر سنة 1883م، أو عبر الخديعة والتمويه، مثلما حدث في البداية في دولة الهند، حين طبق الإنجليز القانون (الأنغلو- محمدي) بوصفه تشريعًا إسلاميًا بينما هو في حقيقته قانون إنجليزي، يفرض قسرًا على المسلمين ويخضعهم لتصوراته وفلسفته، حتى حل القانون الإنجليزي بالتدريج محل الفقه الجنائي الإسلامي في الفترة من (1790- 1861م)[20].

5) وكذلك تعد من أبرز نماذج علمنة التشريع بطريقة مخادعة، تصدير معظم الدساتير العربية المعاصرة بالنص على مصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع، بينما الواقع التشريعي يسير خلاف ذلك، حيث إنه توجد كثير من النصوص التشريعية مصادمة للشريعة الإسلامية، ومعظم هذه النصوص اكتُفِيَ بألا تكون مناقضة لأحكام شرعية قطعية الثبوت والدلالة بغض النظر عن مدى توافقها من عدمه مع روح الشريعة ومقاصدها وقيمها وأحكامها القطعية المستنبطة بطريق الاستقراء التام، فضلاً عن أن معظم هذه النصوص القانونية تكون مستعارة من مصادر أخرى غير الشريعة، ويجري ذلك كله بإقرار أحكام قضائية صادرة من محاكم عليا أعانت على إفراغ ذلك النص الدستوري من مضمونه عمليًا[21]!

6) محاربة المصطلحات والمفاهيم الإسلامية، وتشويهها، والتشويش على معانيها الحقيقية، إلى جانب ما يمكن تسميته بالغزو المفاهيمي الغربي، بما في ذلك مصطلح الدين نفسه، وحتى مصطلح الشريعة تم غزوه، وعوملت الشريعة الإسلامية معاملة القانون الوضعي، فضيق مفهوم الحكم الشرعي ليتناسب مع مفهوم القانون، بحيث لا يكاد يشتمل سوى على القواعد الملزمة وحدها منفصلة عن العقيدة والأخلاق، ومقتصرة على الواجبات والمحرمات، دون مراتب المندوب والمكروه والمباح… وهكذا!

7) مناهضة المؤسسات الدينية ومحاصرتها وأنظمتها وعلمائها، والتي كانت تعد في الوقت ذاته مؤسسات تعليمية وتربوية تمد المجتمع بالمدرسين والقضاة والفقهاء، وكانت مصنفات علمائها المرجع الأساس للتشريع والقضاء، حيث فُرض التعليم على النمط الأوروبي على حساب التعليم الديني الذي جرى فصله عن المجتمع، وقصره على الجوانب المتعلقة بالدين المنفصل عن الحياة، وفقًا لفهم الغرب للدين، كما سادت السخرية من علماء الشرع وفقهائه، وحرموا من مصادر دخولهم التي كانت تعتمد بشكل أساسي على التمويل المجتمعي عبر نظام الوقف الإسلامي وغيره، فكُسرت هيبتهم في أعين الناس، لحساب المتغربين من المثقفين والكتاب والصحفيين والممثلين، مما أثر بالسلب كذلك على وضع الشريعة الإسلامية وهيمنتها على المجتمع.

8) تجميد الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية، مثل الوقف والزكاة والحسبة، وغيرها من الأنظمة المرتبطة بالشريعة الإسلامية والمستندة إليها الداعمة لترسيخها في قلوب المسلمين وفي إدارة معاملاتهم وفق أحكامها ومقاصدها.

9) تغيير واقع المجتمعات الإسلامية بصفة عامة ليبتعد عن الشريعة الإسلامية، ويتبع في الوقت نفسه ما يريد الغرب استتباع العالم الإسلامي فيه، وأغلبها قشور ونقاط ضعف في الغرب، دون نقاط القوة الحقيقية والمتمثلة في القيم النهضوية، مثل: إتقان العمل والجدية فيه والانضباط والحرية الفردية والجماعية والأنظمة والآليات التي قامت عليها النهضة الغربية الحديثة، مثل: الديمقراطية والمؤسساتية وغيرها. فلم تسمح سوى بتقليدها فيما يهدم الأسرة، وفي نقل شكليات ومسميات لمؤسسات الغرب دون حقيقتها وقيمها –مثل: الانتخابات والبرلمان والقضاء- وفق النظام الغربي، وغيرها من الهياكل الكأنيَّة (نسبة لكأن)!

 

رابعًا: الأدوات والآليات

استخدمت الدول الاستدمارية العديد من الأدوات والآليات التي تستهدف استلاب الشريعة الإسلامية وإزاحتها عن مرجعية التشريع والقضاء والاقتصاد والثقافة وغيرها من المجالات، وكان من أبرز تلك الأدوات:

1) الاستشراق: بدأ الاستشراق في صورته الحديثة الخادمة للاستدمار بشكل منهجي في فرنسا بإنشاء كلية الدراسات الشرقية الحية في باريس سنة 1795م، ثم  مع قدوم نابليون إلى مصر في نهاية القرن الثامن عشر حيث اصطحب معه العديد من الباحثين في مجالات مختلفة (بلغ عددهم 160 باحثًا)[22] بهدف مساعدته على فهم طبيعة المجتمع المصري وبيان سبل إحكام السيطرة عليه وشل مقاومته، ثم استمرت هذه السياسة فيما بعد حتى وقتنا الراهن، فلا تزال المراكز البحثية الغربية تعمل على دراسة أحوال المسلمين وتمد الحكومات الغربية بما يلزمها في مقاومة الإرهاب الإسلامي المزعوم!

وقد وجه الكثير من المستشرقين -ولايزالون- الكثير من المطاعن والاتهامات إلى الشريعة الإسلامية، من حيث المصادر والقيم والفقه…، وحاولوا إقامة الأدلة على عدم صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في عالمنا المعاصر، إلا قلة منهم استنارت بصيرتها واستكانت لضميرها متحدية لأهواء السلطات الاستدمارية، فاعترفت برُقي الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

2) الحكومات المستبدة: تعتبر تلك الحكومات من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الغرب في تشويه مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية، وإعاقة تنزيل قيم الشريعة الإسلامية على واقع المسلمين بما ينتشلهم من تخلفهم، فحالت تلك الحكومات دون تحقيق أمال الشعوب في تطبيق الشريعة الإسلامية، بل وتحكمت في المؤسسات الدينية كافة، وجندت الخطاب الديني لتحقيق مآربها غير المشروعة، وأممت الدين لحسابها، وحولت العلماء إلى موظفين، فتحكمت في كثير منهم وحاصرت بقيتهم، فساد الجهل بالشريعة وأحكامها، وبأولويات تطبيقها، فإذا بها وكأنها عبارة عن حجاب (للرأس والعقل)، وعقوبات متوحشة عفا عليها الزمن، لا رحمة بالناس، ورافعة للشعوب، وعاصمة لها من الجهل والتخلف والزلل!

ولا يرجع ذلك بالضرورة للعمالة، بل قد يكون لعامل آخر مهم حال دون عودة الشريعة الإسلامية، يتمثل في أن الشريعة تعتبر مرجعية مستقلة عصية على التحكم الكامل كالقوانين الوضعية التي يستطيع الحاكم أن يغير فيها كيفما شاء، إما بالتزوير، أو بالتأثير، لاسيما إذا كان الحكم فرديًا استبداديًا، أو كان مواليًا للاستعمار الجديد[23].

3- الاقتصاد: عملت القوى الاستدمارية على تحويل المجتمعات الإسلامية إلى مجتمعات استهلاكية لا تستهدف إلا إشباع شهواتها المادية، وتعتمد على مؤسسات ربوية تتبع الاقتصاد الرأسمالي الغربي، ومن هنا كان إلغاء الاقتصاد الإسلامي الحقيقي المستند إلى نصوص الشريعة ومقاصدها، وقامت عليه الحضارة الإسلامية نفسها طوال تاريخها، فجرى تعطيل الوقف ومحاصرته عمدًا، وحوصرت الزكاة وتراجعت، وتغيرت قيم الاقتصاد، حتى إن المنفعة واللذة باتت مطلوبة لذاتها لا لأجل مكافحة الفقر وتحقيق العدالة في التوزيع وتحقيق التكافل الاجتماعي، فأصبحت البلاد الإسلامية تابعة تبعية شبه مطلقة للنظام الرأسمالي، بل وإن التبعية الاقتصادية هي نفسها العامل الأكبر وراء إصرار الغرب على الاستتباع التشريعي للمسلمين، لا الدافع العقيدي كما يظن كثير من الناس.

4) التغلغل في كثير من الحركات السياسية الإسلامية وتوجيهها من الداخل حتى أصبحت عبئًا على الإسلام ووبالاً على المسلمين، بعد أن أسرفت في تسييس الإسلام، وقدمت صورة مشوهة للشريعة الإسلامية، تكاد تنحصر في أحكام تحض على العنف، وتقمع المرأة، وتقطع أيدي المظلومين، وتصم المجتمعات المسلمة بالجاهلية، كل ذلك باسم الإسلام وشريعته الغراء، فساعدت الغرب في خطته في تشويه الشريعة الإسلامية وقلب أولويات تطبيقها حتى عند المطالبين به، فقدمت تلك الحركات -في أدبياتها وتصريحات قادتها وكتاباتهم- الحدود الشرعية على القيم والمقاصد الإسلامية وما تحض عليه من التوحيد العاصم للإنسان من عبودية الهوى والشهوات والسلطات البشرية، وتزكية الأنفس، وعمران الأرض والأوطان، بل ورفعت شعار الدولة الإسلامية التي يميزها تطبيق الشريعة الإسلامية –ويقصدون بها الفقه الإسلامي لا الشريعة- دون أن تنتبه أن هذا التطبيق لن يتحقق على نحو سديد بمجرد تسويد الفقه الإسلامي الموروث كما هو دون العمل على تجديد الاجتهاد في فهم الشريعة وفي تنزيلها على الواقع المعاصر بما يطابق بين النص والواجب ويحقق مصالح العباد، فأظهرت الشريعة وكأنها تستهدف التعسير على الناس بدلا من التيسير عليهم، وتتغيا تمكين استبداد بقناع ديني من رقاب الناس لا تحريرهم وإقامة العدل فيهم ومساعدتهم على عمران أنفسهم وحيواتهم!

5) الإعلام، والسينما: يكاد يتحول الإعلام، ومعه السينما، في العالم الإسلامي إلى أداة رئيسة من أدوات التجهيل والتسطيح، بما في ذلك ما يطرحه حول الشريعة الإسلامية من كذب وتضليل، تشوش عليها وتهدر الثقة فيها وفي علمائها ودعاتها، على عكس ما تفعله مع المناوئين للشريعة، حيث تفتح لهم قنواتها للطعن في الإسلام وشريعته ودعاته، حتى بات الإعلام -والسينما- من أهم الأدوات المستخدمة في تشويه مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية.

6) التعليم: لم يقتصر أمر استخدام التعليم في اختطاف مفهوم الشريعة الإسلامية على تحويله إلى تعليم مدني منفصل عن التعليم الديني ومتصادمًا معه أحيانًا، بل إن الغرب ووكلائه عملوا على التحقير من التعليم الشرعي وتجميده، ومحاصرته وتجفيف منابع تمويله، حتى ازداد تخلفًا على تخلفه، وأنتج دعاة غلب على كثير منهم العجز عن دفع الافتراءات عن الشريعة الإسلامية وعن إنتاج خطاب واعي وجاذب نحو المفهوم الشامل لتطبيق الشريعة، يحتوي على مقاصدها وقيمها وأحكامها الكلية ونُظمها إلى جانب أحكامها الفرعية والجزئية، مما أسهم في سيادة مفاهيم مخطوفة لعملية تطبيق الشريعة.

 

اختطاف الإسلام.. تطبيق الشريعة الإسلامية نموذجًا (2 -3)

اختطاف الإسلام.. تطبيق الشريعة الإسلامية نموذجًا (3 -3)


_________________________

* بحث محكم منشور في مركز "رؤيا للبحوث والدراسات" ثم في موقع مجلة "المجتمع" الكويتية، كما تم نشره في: "مسألة تطبيق الشريعة بين اختطاف النموذج ونموذج الاختطاف"، كتاب بالاشتراك مع د. فارس العزاوي، مركز الفكر السياسي الإسلامي الاستراتيجي، تركيا.

** باحث مصري مهتم بدراسة الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في الدساتير والقوانين المعاصرة، مؤسس موقع حوارات الشريعة والقانون ورئيس تحريره، حاصل على الدكتوراة في القانون العام والشريعة الإسلامية.

[1] المعجم الوسيط (1/244).

[2] تفسير القرطبي (1/222).

[3] راجع: فاطمة الزهراء جزار، جريمة اختطاف الأشخاص، رسالة ماجستير نوقشت في كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الحاج الخضر- ـ الجزائر، في العام الجامعي 2013/2014م،. يمكن تحميلها عبر هذا الموقع: http://www.sajplus.comhttp://www.sajplus.com.

[4] اضطرت مفوضة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى الاعتراف بذلك، ولجأت إلى تعريف الاختطاف تعريفًا عمليًا بشأن جريمة خطف الأطفال بصفة خاصة، فقررت أن: "الاختطاف هو نقل طفل (دون الثامنة عشرة) أو حجزه أو القـبضالقبض عليه أو أخذه أو اعتقاله أو احتجازه أو أسره، بصفة مؤقتة أو دائمة، باستعمال القوة أو التهديد أو الخـداعالخداع، بغية إلحاقه بصفوف قوات مسلحة أو جماعات مسلحة أو إشراكه في القتال أو استغلاله في الأغراض الجنسية أو العمل القسري". انظر: تقرير مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن اختطاف الأطفال في أفريقيا، منشور على موقع جامعة منيسوتا:

http://hrlibrary.umn.edu/arabic/AR-HRC/AHRC4-56.pdf

[5] سليمان بن عبد الله بن محمد عبد الوهاب (المتوفى: 1233هـ)، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. تحقيق زهير الشاويش، بيروت، دمشق: المكتب الإسلامي، ط1، 1423هـ/2002م، ص30.

[6] التهانوي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، تحقيق: د. علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية: د. جورج زيناني، بيروت: 1996م، ج1، ص178.

[7] محمد مصطفى شلبي، المدخل في الفقه الإسلامي -تعريفه وتاريخه ومذاهبه- نظرية الملكية والعقد، بيروت: الدار الجامعية، الطبعة العاشرة: 1405هـ/1985م، ص30.

[8] محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، القاهرة ـ مصر: دار الشروق، ط8، 1421هـ/2001م، ص8.

[9] انظر: لسان العرب، مادة "طبق"، والمحيط في اللغة، مادة "طبق"، والمعجم الوسيط (2/550).

[10] عبد العزيز رمضان سمك، تاريخ التشريع الإسلامي ومصادره، القاهرة: دار النهضة العربية، 1427هـ/2006م، ص10.

[11] حازم علي ماهر، تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية، القاهرة: دار النهضة العربية، ط1، 1439هـ/2018م، ص38.

[12] ذكر مالك بن نبي هذا المعنى في كثير من كتبه، مثل: «الصراع الفكري في البلاد المستعمرة»، و«شروط النهضة»، و«في مهب المعركة»، و«المسلم في عالم الاقتصاد»، و«ميلاد مجتمع»، و«مشكلة الثقافة»، وغيرها.

[13] انظر: طارق البشري، نحو تيار أساسي للأمة، الدوحة ـ قطر: مركز الجزيرة للدراسات، ط1، 2008م، ص12. ولا أرى تعارضًا بين المعنيين المشار إليهما؛ فإن الاستدمار على الرغم من أنه واجه من الأمة قابلية له، بل وتلك القابلية هي التي جلبته ومكنت له، فإنه وجد مقاومة في الوقت نفسه استطاعت أن تقود بلادنا بعد ذلك إلى التحرر النسبي، من الاحتلال العسكري المباشر على الأقل، ومن الاستسلام للغزو الفكري ومن الذوبان الكامل في فكر الغزاة.

[14] لم يتفق الباحثون على معيار موحّد للتفرقة بين الشرق والغرب، فمنهم من اعتمد "التقسيم الجغرافي"، ومنهم من عول على "الخصائص (أو الطابع والمزاج)"، ومنهم من فرّق بينهما على أساس "الزمن". وقد استعرض هذه الآراء أحمد أمين، واختار أن يميّز بين الشرق والغرب على أساس اختلاف الطابع والمزاج. انظر كتابه: الشرق والغرب، دمشق، وبيروت، وبغداد: دار المدى للثقافة والنشر، إعادة نشر للطبعة الأولى من الكتاب التي صدرت في 1955م، 2011م، ص11-21.

[15] انظر في هذا المعنى: سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، الأمة الإسلامية وعواقب الدولة القومية، حولية "أمتي في العالم"، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2000م، ص46؛ وموريس كروزيه، تاريخ الحضارات العام -العهد المعاصر– بحثًا عن حضارة جديدة، ترجمة: يوسف أسعد داغر، وفريد م. داغر، بيروت ـ لبنان: عويدات للنشر والطباعة، 2003، المجلد السابع، ص764-765، 774.

[16] يراجع في هذا المعنى: وائل حلاق، الشريعة: النظرية، والممارسة، والتحولات، بيروت ـ لبنان: دار المدار الإسلامي، 2018م، ص629-630.

[17] لبيان المقصود بمفهوم التحديث ونقده، راجع: سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، بين التجديد والتحديث، الكتاب رقم (70) من سلسلة “في التنوير الإسلامي”، القاهرة: دار نهضة مصر، أغسطس، 2006م، ص61-72.

[18] انظر: سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، بين التجديد والتحديث، المرجع نفسه، ص63.

[19] انظر: في السمات التي تجعل كل من الدولة القومية والشريعة الإسلامية كيانين غير متوافقين: وائل حلاق، الشريعة: النظرية، والممارسة والتحولات، مرجع سابق، ص632-648.

[20] انظر: وائل حلاق، الشريعة: النظرية، والممارسة والتحولات، المرجع نفسه، 650-672.

[21] انظر لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع: حازم علي ماهر، تطبيق الشريعة الإسلامية، والنصوص الدستورية، مرجع سابق.

[22] انظر: ديبا كومار، فوبيا الإسلام والسياسة الإمبريالية، ترجمة: أماني فهمي، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط1، 2015م، ص46-47؛ وكذلك: زكاري لوكمان، تاريخ الاستشراق وسياساته- الصراع على تفسير الشرق الأوسط، القاهرة: دار الشروق، ط1، 2007م، ص129-135.

[23] انظر: حازم علي ماهر، تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية، مرجع سابق، ص198.

أقامت الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع حلقة نقاشية بعنوان: "الاعتراف ليس دائمًا سيد الأدلة"، حاضر فيها المستشار بهاء المُري، رئيس محكمة الجنايات بالمنصورة، وذلك يوم الخميس الماضي الموافق 18/9/2025م. وقد كان لموقع حوارات الشريعة والقانون حضور فعال في هذه الحلقة.

 

ما الذي استهدفته الحلقة؟

استهدفت الحلقة النقاشية مناقشة أحد أبرز القضايا المطروحة على الساحة التشريعية والقضائية في المجال الجنائي، والمتمثلة في القاعدة الراسخة التي تعتبر الاعتراف "سيد الأدلة"، بحيث يغلق بمجرده الباب أمام القاضي لمواصلة التحقيق والتقصي.

وخلال مداخلته، أوضح المستشار بهاء المري أن هذه القاعدة لم تعد ملائمة في صورتها التقليدية، وأنها تستوجب إعادة نظر وتعديل؛ لأن الاعتراف قد لا يعكس الحقيقة دائمًا، إذ قد يصدر بدافع المحاباة لشخص آخر، أو بدافع الشفقة والرحمة، أو طمعًا في منفعة ما، أو حتى تحت وطأة الضغوط والإكراه.

 

أمثلة واقعية توضح المخاطر

وضرب المستشار أمثلة على ذلك، أبرزها واقعة اعترفت فيها امرأة بأنها أغرقت طفلها في الماء. لكن القاضي، الذي لم يجد في هذا الاعتراف ما يطمئن إليه قلبه، قرر الاستمرار في التحقيق. ومع المزيد من المناقشة، أقرت الأم في النهاية بأن طفلها مات غريقًا دون أي تدخل منها أو من غيرها، وأن اعترافها الأول كان بدافع الشفقة على وليدها، حتى لا تتعرض جثته للتشويه أثناء فحص الطب الشرعي.

هذا المثال –كما أشار المستشار– يعكس خطورة الاكتفاء بالاعتراف كدليل قاطع، ويدعو إلى مراجعة القاعدة التقليدية بما يضمن تعزيز دور القاضي في البحث والتحقيق، وصولًا إلى الحقيقة التي تبرئ البريء وتدين المذنب دون لبس أو ظلم.

 

مقترح التشريعي

طرح مركز العضو المنتدب خلال الحلقة النقاشية مقترحًا – كان قد تقدّم به أحد المشاركين – وحظي باستحسان المنصة. وجوهره أن الشخص الذي يعترف على نفسه كذبًا، ثم تكشف التحقيقات عدم صحة اعترافه، لا ينبغي أن يُترك بلا عقوبة، بل يجب أن يُحاسب رادعًا. فالاعتراف الكاذب يضلل العدالة، ويتستر على الجاني الحقيقي، ويشجع غيره على تكرار الفعل، بينما التمييز يبقى قائمًا لمن يعترف تحت التهديد أو الإكراه، فذلك له وضع مختلف.

المقترح شبّه الاعتراف الكاذب بالبلاغ الكاذب؛ فإذا كان الأخير جريمة لأنه يرهق السلطات، فإن الأول أشد خطرًا لأنه يربك العدالة ويضلل القضاء.

من جانبه، علّق القاضي بهاء المري على المقترح قائلًا إن القانون لا يتضمن نصًا صريحًا يعاقب مثل هذه الحالات، لكنه وصف الطرح بأنه "مقترح جدير بالاهتمام ويستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار". وقد فتح هذا التصريح باب التساؤلات حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحركات فعلية لترجمة الفكرة إلى نصوص تشريعية تُغلق ثغرة قانونية طالما أثارت الجدل.

 

موقف الشريعة الإسلامية:

تشير الشريعة الإسلامية إلى أن الاعتراف يعد من أقوى الأدلة وأوضحها في إثبات الحقوق أو الجرائم، لكونه إقرارًا صريحًا من المتهم على نفسه. ومع ذلك، فإن صحة الاعتراف واعتباره حجة شرعية يشترط أن يكون صادرًا عن إرادة حرة وواعية، خاليًا من أي إكراه أو ضغط مادي أو معنوي، وأن يكون مطابقًا للواقع وواضحًا من أي غموض.

ويؤكد الفقه الإسلامي على أن الاعتراف يجب أن يُقارن دائمًا مع الأدلة المادية الأخرى، خاصة في القضايا الجنائية، لضمان صدقه. كما يشدد على شروط صدور الاعتراف عن شخص بالغ وعاقل، ووضوحه ودقته، بحيث يمنح القاضي حرية التقدير في قبول الاعتراف كدليل، مع مراعاة منع البطلان إذا ثبت أي ضغط أو نقص في الفهم.

 

ثغرة قد تستوجب التعديل التشريعي

وبذلك تكون الحلقة النقاشية قد سلطت الضوء على تحدٍ قانوني مهم: كيف يمكن للمحاكم التعامل مع الاعترافات الكاذبة دون المساس بحقوق الأفراد أو تعطيل مسار العدالة. وما بين المقترحات التشريعية وردود القضاة، يَبْرُز سؤالًا جوهريًا: هل ستتخذ السلطات خطوات عملية لترجمة هذه الأفكار إلى نصوص قانونية واضحة، تغلق ثغرات طالما أثارت الجدل؟ يبدو أن الشارع القانوني على موعد قريب مع نقاشات قد تُفضي إلى تعديل جذري في مفهوم "سيد الأدلة"، لتصبح العدالة أكثر صرامة وحيادية في آن واحد.

المبحث الثاني

المحاور الرئيسية لفكر الشيخ رشيد رضا التجديدي وجهوده الإصلاحية

بالإضافة إلى عمل الشيخ رشيد رضا في تحرير مجلة المنار، كان يكتب فيها كثيرًا من المقالات، وقد صرح في أكثر من موضع فيها أنه صاحب جميع المقالات غير المعزوة إلى أحد. وقد جمع الشيخ بعض مقالاته في كتب نشرها لاحقًا، مثل "محاورات المصلح والمقلد". كما أعادت بعض دور النشر طباعة هذه الكتب وغيرها من المقالات التي كتبها الشيخ في مجلة المنار. ومن خلال هذا التراث الفكري، تتميز عدة إسهامات تمثل محاور فكر الشيخ رشيد رضا التجديدي وجهوده الإصلاحية.

 

 

أولًا: الاجتهاد بالجمع بين الأصول الإسلامية والأساليب العصرية

يميز الشيخ رشيد رضا بين ثلاث فرق من المسلمين تتنازع أمر الأمة في العصر الحديث،[16] وهي حماة تقليد الكتب المدونة في المذاهب المتبعة، ودعاة الحضارة العصرية والنظم المدنية والقوانين الوضعية الذين يقولون إن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمان، ودعاة الإصلاح الإسلامي المعتدل الذين يثبتون إمكانية الجمع بين إحياء الإسلام وتجديد هدايته الصحيحة باتباع الكتاب والسنة الصحيحة وهدي السلف الصالح من جانب وأشرف أساليب الحضارة والنظام من جانب آخر. ويقرر الشيخ القواعد المقررة لدى حزب الإصلاح المعتدل الذي ينتمي إليه. ومن أهم هذه القواعد شمول نصوص القرآن والسنة للأحكام رغم تفاوت الأفهام فيها، وأن النصوص الكلية مغنية عن القياس، وأن القياس الصحيح لا يخالف الشرع، فليس في الشريعة شيء يخالف القياس. ويورد الشيخ ما حققه الشوكاني في مسألة القياس، حيث استدل عليه بالقرآن والحديث والإجماع.

فالشيخ يؤيد بقوة إثبات الرأي والقياس وينعى على منكريهما، حيث يبين أن الرأي ثلاثة أقسام: باطل وصحيح وموضع اشتباه. أما الرأي الباطل فهو خمسة أنواع: الرأي المخالف للنصوص، والكلام في الدين بالخرص والظن، والرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله، والرأي الذي أحدثت به البدع، والقول في شرائع الدين بمجرد الاستحسان والظنون. وهذا الرأي الباطل مذموم بالطبع. أما الرأي المحمود فهو أربعة أنواع: رأي علماء الصحابة، والرأي الذي يفسر النصوص، ورأي جماعة الشورى، والاجتهاد الذي أجازه الصحابة فيما لا نص فيه. وما بين الرأيين المذموم والمحمود يقع الرأي موضع الاشتباه. ثم يبين الشيخ الأخطاء التي وقع فيها نفاة القياس ومنكريه وهي أربعة: رد القياس الصحيح، وتقصيرهم في فهم النصوص، وتحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، والاعتقاد ببطلان عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم. كما وضح الشيخ أخطاء وقع فيها مثبتو القياس أيضًا.

ولا يتعارض إثبات القياس مع كمال الدين، فالشيخ يقرر أن الزيادة على نصوص الشارع والتنطع في الدين باستعمال الرأي في العبادات وأحكام الحلال والحرام مخلًا بيسر الإسلام ومنافيًا لمقصده. ويشرح الشيخ عشر مسائل أو مقدمات أساسية للبحث في هذا الأمر، وهي أن الله تعالى قد أكمل دينه، وأن هذا الدين يسر، وأن القرآن هو أصل الدين، وأن الرسول معصوم من الخطأ، وأن الله فوض إلى المسلمين أمور دنياهم، وأن الله جعل الإسلام صراطه المستقيم لهداية البشر في أمورهم الروحية والجسدية، وأن النبي كان يكره كثرة سؤال المؤمنين له، وأن السلف الصالح كانوا يذمون الإحداث والابتداع، وأن الإسلام دين توحد واجتماع، وأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. ويسهب الشيخ في تفسير آية النهي عن السؤال الواردة في سورة المائدة، ويورد خلاصة أحاديث النبي وأقوال العلماء في كراهة السؤال. ويختتم الشيخ الكتاب ببحث في التزام النصوص في العبادات واعتبار المصالح في المعاملات مع ذكر آراء الإمام مالك والطوفي والشاطبي في المسألة.

ويطرح الشيخ رشيد رضا قضية الاجتهاد في شكل محاورات بين شاب وشيخ،[17] وهي طريقة كانت مألوفة في زمنه لتقديم الأفكار الجديدة، ومن أمثلتها كتاب (علم الدين) الذي روى فيه علي مبارك حياته خلال بعثته في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، في صورة محاورات بين شيخ يدعى علم الدين يمثل علي مبارك نفسه والمعترضين على أفكاره الإصلاحية.[18] أما في محاورات الشيخ رشيد رضا فقد كان هو الشاب الذي يدافع عن الاستدلال الصحيح، وبطلان التقليد، ووجوب البصيرة في الدين، واتباع سبيل السلف الصالحين وطريق الوحدة الإسلامية في المسائل الدينية والسياسية والقضائية. فالشاب من مريدي الإصلاح الذاهبين إلى وجوب خروج الأمة مما هي فيه من التقاليد الحادثة في الملة والرجوع بالدين إلى بساطته الأولى بالاقتصار على هدي الكتاب وصحيح السنة وسيرة السلف وحذف كل ما زاده الخلف من الغلو في الدين وتكثير التكاليف وإبرازها بصورة تعتاص على الأذهان. وفي المقابل فإن الشيخ من المحافظين على التقاليد التي عليها الأمة من قرون طويلة، المعتقدين أن الأخذ بالكتاب والسنة مخصوص بالمجتهدين الذين انقرضوا ويستحيل وجود غيرهم، وأن كتب المتأخرين من أموات العلماء خير من كتب المتقدمين وأجمع وأفيد في التحصيل وأنفع.

وقد نشر الشيخ رشيد رضا هذه المحاورات في مجلة المنار تحت عنوان "محاورات المصلح والمقلد"، ونقل فيها الكثير مما كتبه الإمام ابن قيم الجوزية، ثم جمعها في كتاب وألحق بها إجابات أسئلة وردت إليه من باريس في ذات موضوع المحاورات. ويضم الكتاب ثلاث عشرة محاورة تحث على الاعتماد على الدليل وتبين طرق الاستدلال الصحيحة والفاسدة، وتشرح حالة المسلمين العامة وشقائهم في دنياهم بسبب ترك الشريعة. ويناقش الشيخ أيضًا عمر الدنيا وتأثير الاعتقاد بقرب الساعة والأحاديث الواردة في ذلك. كما تذم المحاورات بدع الباطنية حول أسرار الحروف وادعاء معرفة الغيب بطرق متباينة وبطلان ذلك. ويحتد جدل المتحاورين حول قضايا الاجتهاد والتقليد وأثرهما في الوحدة الإسلامية، ثم يتطرقان ومعهما مقلد ثان إلى علاقة التقليد بالتلفيق والإجماع. ويتوصل المتحاوران أخيرًا إلى ضرورة الأخذ بالدليل، حيث نهى الأئمة وأصحابهم عن التقليد لما فيه من خطر على الوحدة الإسلامية. أما "الأسئلة الباريسية" فتدور إجاباتها حول ضرورة الاجتهاد ومضار تعصب المذاهب ومواقف الأئمة من ذلك. والكتاب حجة قوية في الدعوة إلى الاجتهاد كسبيل للوحدة الإسلامية، وفي دحض دعوى أنصار التقليد والتعصب المذهبي.

وتتجلى ممارسة الشيخ للاجتهاد في علمي التفسير والفقه. فقد وضع الشيخ رشيد رضا مع أستاذه محمد عبده تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار.[19] ويوضح الشيخ في مقدمة التفسير وجه الحاجة إليه بالنظر إلى أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل القارئ عن مقاصد القرآن العليا وهدايته السامية بمباحث في الإعراب وقواعد النحو، ونكت المعاني ومصطلحات البيان، وجدل المتكلمين، وتخريجات الأصوليين، واستنباط الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، وكثرة الروايات وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات، ومسائل العلوم الرياضية والطبيعية وغير ذلك، كما أن أكثر التفسير المأثور سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب. أما تفسير المنار فتتوجه عنايته إلى هدي القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه، وما أنزل لأجله من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح. كما يراعي هذا التفسير مقتضيات هذا العصر في سهولة التعبير ومراعاة أفهام صنوف القارئين وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها. ويصف الشيخ تفسير المنار بأنه تفسير سلفي أثري مدني عصري إرشادي اجتماعي سياسي.

وقد اشترك الشيخان محمد عبده ورشيد رضا في وضع هذا التفسير، فبدأ الشيخ محمد عبده من أول سورة الفاتحة وحتى وفاته عند قوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطًا) من الآية 125 من سورة النساء، وأكمل الثاني التفسير من حيث انتهى الشيخ عبده وحتى وفاته عند قوله تعالى (توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) من الآية 101 من سورة يوسف.[20] ومع ذلك فإن تفسير الأجزاء الأولى من القرآن لم يكن خالصًا للشيخ محمد عبده، إذ أنه لم يكتب تفسيرًا بل ألقاه إلقاءً في الجامع الأزهر، وكان الشيخ رشيد رضا يكتب أثناء الدرس مذكرات بأهم ما قاله الشيخ عبده، ثم يطلعه على ما أعده منها للطبع في مجلة المنار، فكان ربما ينقح فيه بزيادة قليلة أو حذف كلمة أو كلمات. ويؤكد الشيخ رشيد رضا على أن هذا التفسير لم يكن كله نقلًا عن الشيخ عبده أو معزوًا إليه، بل كان من إنشاء الشيخ رشيد رضا نفسه، اقتبس فيه من دروس الشيخ عبده جل ما استفاده منها، فكان لا يرى حرجًا مما يعزوه إليه مما فهمه منه وإن لم يكتبه عنه في مذكرات الدرس، مستندًا إلى أن إقرار الشيخ عبده يؤكد صحة الفهم وصدق العزو.

ويتميز منهج الشيخ محمد عبده في التفسير بالتوسع فيما أغفله أو قصر فيه المفسرون واختصار ما أبرزوه من مباحث. ويزيد منهج الشيخ رضا بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة سواءً كان تفسيرًا لها أو في حكمها، كما ينفرد بتحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء، والإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، والاستطراد في مناقشة المسائل التي تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة أو يحل المشكلات المستعصية على الحل. وقد جاء التفسير كما أراده له صاحبه متميزًا وشاملًا وعصريًا، ولا ينقصه إلا من يتمه على منهج واضعيه رحمهما الله.

أما في علم الفقه، فرفض الشيخ رشيد رضا الالتزام بأحد المذاهب، واجتهد ما وسعه الاجتهاد. ويتضح ذلك بالأخص في مجالي المعاملات المالية وحقوق النساء. إذ جاء كتابه عن الربا والمعاملات في الإسلام تطبيقًا عمليًا جريئًا لدعوى الاجتهاد ونبذ التقليد، حيث اجتهد الشيخ في إحدى أكثر مسائل الفقه تعقيدًا وإثارة للجدل في زمن ادعى فيه البعض أن باب الإجتهاد مغلق، ولم يتهيب من إعلان ما يرى حقًا، متحديًا الرأي السائد لدى الفقهاء المتأخرين المقلدين في المسألة والذي رآه الشيخ غير منسجم مع النصوص واجتهاد السلف وكبار العلماء. وكان هذا الاجتهاد سببًا في اتهام الشيخ بتحليل ما حرم الله من الربا، وهو بريء من ذلك.[21]

والكتاب هو إجابة الشيخ المنشورة في مجلة المنار عن طلب للفُتيا حول الربا والمعاملات المالية في الإسلام نشرته حكومة حيدر أباد الهندية الإسلامية ووزعته على العلماء المشهورين في الأقطار الإسلامية طالبة منهم بيان آرائهم فيه بالدليل الشرعي. وقد أورد الشيخ النص الكامل لرسالة الاستفتاء الهندية بحواشيها وما تضمنته من فتاوى لبعض علماء الهند في المسألة من منظور الفقه الحنفي، ثم أجاب إجمالًا عن المسائل الأربع التي وردت في نهاية الاستفتاء قبل أن يحقق البحث تحقيقًا مفصلًا غير مقيد بمذهب من المذاهب.

وقد ميز الشيخ بين ثلاثة أنواع من المعاملات المالية وهي: الربا القطعي المحرم لذاته، والربا الظني المنهي عنه لسد الذريعة، والبيع والتجارة. وانتقد تكثير الفقهاء لأحكام الربا بالظن والرأي، بينما كان مذهب السلف هو أن الحرام ما حرمه الله بنص كتابه. ويشرح الشيخ ربا الجاهلية المحرم بنص القرآن، ويورد أقوال أئمة الفقه والتفسير والحديث في الربا والبيع، من أمثال ابن عباس وابن جرير والشافعي والحافظ ابن حجر والجصاص والكياالهراسي والطبرسي وابن رشد والشاطبي وابن القيم وغيرهم. ويخلص الشيخ إلى تأييد رأي ابن عباس وغيره من المحققين في حصر الربا القطعي المحرم لذاته والمراد بالوعيد الشديد في ربا النسيئة المذكور في القرآن، أما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع. ويبين الشيخ حكمة النهي عن ربا الفضل في النقدين (أي الذهب والفضة) والقوت الغالبة، معتمدًا على ما حققه ابن القيم في هذه المسألة. ويورد فصلًا في الحيل في الربا، مبينًا معنى الحيلة وأول من أدخلها في الشرع، والخلاف حول اختلاف حكم الحيل باختلاف النيات.

أما حقوق النساء فقد كانت موضوع كتاب رد فيه الشيخ على بعض الشبهات المتعلقة بموقف الإسلام من المرأة. وقد دوَّنه استجابة لدعوة جماعة من مسلمي الهند لوضع رسالة في أهم ما جاء في القرآن والسنة من حقوق النساء والإصلاح الذي يجب عليهن معرفته والمطالبة به.[22] فيبدأ الكتاب ببيان حال النساء في العالم كله قبل البعثة المحمدية وما جاء به الإسلام من الإصلاح لها. ثم يبني حجة الكتاب على قاعدة أن المرأة إنسان وهي شقيقة الرجل، وأن إيمان النساء كإيمان الرجال، وأن جزاء المؤمنات في الآخرة كجزاء المؤمنين. ويبين أن الإسلام يدعو النساء إلى مشاركة الرجال في الشعائر الدينية والأعمال الاجتماعية والسياسية، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُذَكِّر بأن النبي بايع النساء كما بايع الرجال.

ويُفَصِّل الشيخ في حقوق النساء في التعليم والتأديب، وحقوقهن المالية، وحقهن في الميراث وحكمته. لكنه يخصص معظم الكتاب لبيان حقوق النساء في الأسرة. فيتناول الشيخ حقوق المرأة كزوجة، مؤكدًا على حقها في مهر الزواج وحريتها في ولاية النكاح. ويشير إلى أركان الزواج في الإسلام والمساواة بين الزوجين، ويرى أن رياسة الرجل في الأسرة شورية لا استبدادية، ويفسر ما ذُكِرَ في القرآن من أن للرجال على النساء درجة. ويشرح وظائف كل من الزوج والزوجة، وصفات الزوجات الصالحات، وحكم الزوجات الناشزات، مع الإشارة إلى نشوز الرجل وإعراضه وعلاجه بالصلح.

ويناقش الشيخ قضية تعدد الزوجات وموقف الإسلام منه، مبينًا أصله في جميع الأمم، وهو يرى أن مصلحة الزوجية والإنسانية في التعدد، ويعرض لأقوال بعض فضليات الإنجليز وكبار علماء أوروبا في التعدد. كما يكشف عن الحكمة العامة لتعدد زوجات النبي، ويبين سيرته صلى الله عليه وسلم في معاشرتهن، وتنافسهن وتحزبهن عليه، وغيرة أزواجه وصبره عليهن، ثم مطالبتهن له بسعة النفقة والزينة مما أدى إلى تخييره لهن بين الدنيا والآخرة. كما يتناول تأديب الله لزوجات نبيه، وتوسعة الله عليه في معاملة نسائه، وتحريم النساء عليه بعد ما تقدم، وثمرة هداية القرآن والسنة في أزواج النبي. ويفسر آية حجاب نساء النبي وما يجب على المسلمين من الأدب مع الرسول وأزواجه، وما يقابل ذلك من تسري الفجور عند الإفرنج وتاريخه.

ويتناول الشيخ قضية الطلاق وما في معناه من فسخ وخلع وإيلاء وظهار، ويقارن بين إسراف الإفرنج في الطلاق من جهة وعوائق الطلاق في الإسلام من جهة أخرى، وكيف أنه منع إيقاع الضرر بالمرأة بالطلاق أو الإيلاء أو الظهار، وجعل للنساء الحق في فسخ عقد الزوجية وفي عدة الطلاق ومتعته ونفقته. ثم يشرح آداب المرأة المسلمة وفضائلها، وخاصة الحجاب، والنهي عن خلوة المرأة بالرجل وسفرها دون محرم، ويفسر آيات غض الأبصار وأمر النساء بإخفاء زينتهن، مؤكدًا عدم وجوب ستر وجه المرأة. وأخيرًا يُذَكِّر بتحريم عقوق الوالدين ووصية القرآن بهما مع تفضيل الأم.

والقارئ لاجتهاد الشيخ رشيد رضا في قضايا النساء خاصة يدرك بيسر أن أحد مقاصده هو تقريب الإسلام لمعاصريه من غير المسلمين، لاسيما في بلاد الغرب. إذ كان مقتنعًا تمامًا بأن ما يحول بين هؤلاء والتحول إلى الإسلام هو تقديمه صفيًا نقيًا لهم، لذلك جعل إرشاد العباد إلى الحق محورًا من محاور فكره التجديدي ودعوته الإصلاحية.

 

ثانيًا: إرشاد الأنام إلى هدي الإسلام

يؤكد الشيخ رشيد رضا اشتداد حاجة البشر إلى هداية الإسلام، ويتوقع أن يترك الإفرنج النصرانية قريبًا نظرًا لاستعداد أحرارهم للدخول في الإسلام، خاصة من يصفهم بالعلماء المستقلين من غير الساسة، لولا الشكوك والشبهات التي يثيرها المستشرقون حول الإسلام. وقد دوّن هذا التوقع في تصدير الطبعة الثالثة من كتابه الوحي المحمدي الذي وضعه لإقامة حجة الإسلام على المستشرقين بالتحدي الذي عجزوا عن معارضته، ولدعوة المسلمين إلى تجديد التحدي بتعاليم الوحي المحمدي وتوجيه دعوة الإسلام إلى العالم المدني.[23]

ويبدأ الشيخ ببيان ارتقاء البشر المادي وهبوطهم الأدبي وحاجتهم إلى الدين، ويفصل الأسباب التي تحجب بين الإفرنج والإسلام عمومًا وفهم القرآن خصوصًا، وهي الجهل ببلاغة القرآن، وقصور ترجماته، وأسلوبه المزجي، وأن الإسلام ليس له دولة. فيتناول الشيخ أسلوب القرآن وتركيبه المزجي وحكمته وإعجازه وما أسماه الثورة التي أحدثها في أمة العرب، مع مقارنة تأثير القرآن في العرب بتأثير التوراة في بني إسرائيل. ويناقش مقاصد القرآن في تربية البشر، وهي عنده عشرة مقاصد هي بيان أركان الدين الثلاثة أي الإيمان بالله وعقيدة البعث والجزاء والعمل الصالح، وبيان جهل البشر بأمور النبوة والرسالة ووظائف الرسل، وبيان أن الإسلام دين الفطرة السليمة والعقل والفكر، وبيان وحدة الأمة والإنسانية والدين والتشريع والأخوة الدينية والجنسية السياسية والقضاء واللغة، وبيان امتياز الإسلام في التكاليف الواجبة والمحظورات، والإصلاح السياسي، والإصلاح المالي، والإصلاح العسكري وإصلاح نظم العلاقات الدولية، وإعطاء النساء كل الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية، وتحرير الرقيق.

ويشرح الشيخ ثلاثة عشرة آية في الوحي المحمدي وما فيها من خطاب عام وآخر خاص بأهل الكتاب، حيث يعرف الوحي لغة وشرعًا، ومعنى النبوة والرسالة وعصمة الأنبياء، ويبين حاجة البشر إلى الرسالة، وأن العقل والعلم لا يغنيان عن هداية الرسل. ويخاطب مثبتي الوحي المطلق من غير المسلمين شارحًا لهم ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وينتقد تعريف الوحي والنبوة عند النصارى، ويبين امتياز نبوة محمد على نبوة من قبله بمقارنتها بنبوة موسى وعيسى. ويرد الشيخ على منكري عالم الغيب ومن يصفون الوحي المحمدي بأنه وحي نفسي، وخاصة شبهات المستشرق درمنغام.

ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يثبتها القرآن وحده، بل الإنجيل أيضًا. لذلك طلب الشيخ رشيد رضا من الدكتور خليل سعادة ترجمة إنجيل برنابا إلى العربية حين أهديت له نسخته الإنجليزية. وكتب الشيخ مقدمة الترجمة العربية، وسارع في نشرها في مطبعة المنار، فكانت هذه أول طبعة عربية لذلك الإنجيل الذي لم يكن معروفًا لدى المسلمين من قبل.[24] وقد رأى الشيخ في هذا الإنجيل فوائد جمة. فهو يحكم في المسائل الثلاث الخلافية بين الإسلام والنصرانية وهي التوحيد، وعدم صلب المسيح، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. كما أنه يحتوي على تعاليم إلهية وأدبية ومواعظ وحكم.

وقد انتقد الشيخ بعض الباحثين الذين ادعوا أن إنجيل برنابا من وضع المسلمين في القرون الوسطى، كما انتقد رأي الدكتور سعادة بأن كاتب هذا الإنجيل يهودي أندلسي من أهل القرون الوسطى تنصر ثم دخل في الإسلام وأتقن اللغة العربية وعرف القرآن والسنة حق المعرفة بعد الإحاطة بكتب العهدين القديم والجديد. ومع إيمان الشيخ بأن إنجيل المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام هو هديه وبشارته بمن سيأتي بعده ليتم دين الله، فإن الشيخ رجح أن إنجيل برنابا هو أحد تلك الكتب المُسَمَّاة أناجيلًا لاشتمالها على سيرة المسيح وهديه، وأن واضعه هو الحواري برنابا. كما رجح أن في مكتبة الفاتيكان من بقايا الأناجيل والكتب التى كانت ممنوعة في القرون الأولى ما لو ظهر لأزال كل شبهة عن إنجيل برنابا وغيره.

ولعل حسن الظن بعقلاء الغرب هو الذي قاد الشيخ رشيد رضا إلى الرحلة الأوروبية التي قام بها عام 1922 بصحبة ميشيل لطف الله للمشاركة في المؤتمر السوري الفلسطيني الذي انعقد في جنيف لمناقشة ترتيبات ما بعد الانتداب في الشام، وطاف خلالها في أرجاء البلاد الألمانية بصحبة صديقه شكيب أرسلان. ولكن الشيخ لم يكن غافلًا أيضًا عن خبثاء الغرب ومكرهم بالمسلمين. فقد كانت رؤيته للغرب مركبة، فهو لم يكن بالمقلد الأعمى لكل ما يأتي به الغرب، ولا بالرافض المطلق له، بل كان يدعو للانتقاء من بضاعة الغرب والتمسك بالقيم الإسلامية، كما ذهب عماد الدين شاهين في كتابه عن رشيد رضا والغرب.[25] فالشيخ هو ثالث ثلاثة، مع الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، في مدرسة الإحياء والإصلاح الإسلامي التي ظهرت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين نتيجة المواجهة مع الغرب وكانت تسعى للتوفيق بين القيم الإسلامية والثقافة الغربية. وقد تأثر في ذلك بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية التي عاشها وبتكوينه الفكري في سنواته الأولى.

ولبيان رؤية الشيخ المركبة للغرب حلل المؤلف تفسير الشيخ لأسباب تقدم الغرب من جهة ومعضلة التغريب في العالم الإسلامي من جهة أخرى. فقد رأى الشيخ أن الدعائم الرئيسية للحضارة الغربية كما تجلت في بداية القرن العشرين هي الحيوية الاقتصادية، والتقدم الصناعي والتكنولوجي، والديمقراطية السياسية المقيدة للحكام، والموقف من المرأة، والقيم الأخلاقية والاجتماعية، كالتفاني في العمل والتعاون والتنظيم وحب المعرفة وروح البحث والابتكار وفصل العقل عن العاطفة. لكنه رأى أيضًا الوجه الآخر للغرب، فالغرب هو المستعمر الذي تحركه قيم الفردية والقوة والعنصرية والمصلحة الوطنية والقومية والإفراط في إشباع الحاجات المادية، وبذلك يتناقض سلوكه الخارجي مع المبادئ التي ينادي بها في الداخل.

ومع ذلك فقد مال الشيخ رشيد رضا للتصالح مع الاستعمار الأوروبي، خاصة في مصر قبل الحرب العالمية الأولى، دون أن يعني ذلك استسلامه للأمر الواقع. إذ كان يرى كأستاذه المباشر محمد عبده أولوية التغيير الثقافي والتربوي على المقاومة السياسية والعسكرية.[26] كما أدرك أن ضعف المسلمين لم يكن نتاج استعمار الغرب فقط، بل كان أيضًا نتاج تفرقهم وما وقع بينهم من عداوة وبغضاء. لذلك وجه الشيخ رشيد رضا جل حركته الإصلاحية وجانبًا هامًا من تجديده الفكري لإصلاح ذات البين والتقريب بين الفرقاء المسلمين.

 

ثالثًا: اتحاد المسلمين لحماية الأرض والدين

كانت الرحلة الأوروبية سالفة الذكر هي الرحلة الوحيدة التي قام بها الشيخ رشيد رضا خارج بلاد المسلمين بعد هجرته إلى مصر عام 1897، أما رحلاته السبعة الأخرى فكانت وجهتها كلها حواضر العالم الإسلامي. فقد رأى الشيخ أن الوحدة الإسلامية لا تتحقق فقط بالاجتهاد كما سلف البيان، بل أيضًا بحل الخلافات التي طرأت بين الشعوب الإسلامية. ورغم تعدد أهداف رحلاته، إلا أن المشترك بينها جميعًا هو سعي الشيخ لرأب الصدوع في جسد الأمة الإسلامية، حفاظًا على ما تبقى من وحدتها، وحماية لما تبقى من أراضيها. وقد جمع الدكتور يوسف إيبش سجل رحلات الشيخ كما دونها هو نفسه في أجزاء متفرقة من مجلة المنار.[27]

وكانت "سياحة صاحب المنار" الأولى في سوريا عام 1908 عقب نجاح ثورة جماعة الاتحاد والترقي التركية والعودة إلى العمل بالدستور العثماني. وخلال الزيارة اتصل الشيخ بأهله بعد انقطاع دام إحدى عشرة سنة، وتفقد أحوال البلاد وحض الأهالي على الإخلاص لحكومة الاتحاديين والاستعداد لتطبيق الإصلاح الإداري الذي وعدوا به. ثم قام برحلته الثانية إلى الآستانة عام 1909 للتوفيق بين العرب والترك وإزالة أسباب خلافهم السياسي، تفاؤلًا منه بمستقبل الدولة بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني، وكذلك سعيًا للحصول على إعانات مادية من الحكومة العثمانية لتأسيس مدرسة تابعة لجمعية الدعوة والإرشاد التي أنشأها بمصر عام 1907.[28] لكن الاتحاديين خيبوا ظنه، فقام عام 1912 برحلته الهندية – أو هكذا سماها رغم أنها شملت عمان والعراق بالإضافة إلى الهند. وقد جاءت الرحلة تلبية لدعوة صديقه الشيخ شبلي النعماني رئيس جمعية ندوة العلماء المسلمين، ونجح خلالها في الحصول على إعانة مالية لفتح مدرسة الدعوة والإرشاد.

ويقص علينا الشيخ بإسهاب رحلته الحجازية عام 1916 التي قام خلالها بأداء مناسك الحج وتهنئة الشريف حسين بنجاح الثورة ضد الحكومة العثمانية المتعصبة للأتراك. وقد أكرم الشريف حسين وفادته، لكن الشيخ لم يبايع الشريف حسين، على الرغم من تحريض البعض له للقيام بهذه الخطوة ليتبعه المسلمون. فالثورة العربية كانت بالنسبة للشيخ رشيد رضا ردًا مشروعًا على قمع العرب على يد حكومة الاتحاديين، ولم تكن أبدًا تحديًا لشرعية الخلافة العثمانية.[29] ولما انتهت الحرب العالمية الأولى قام الشيخ برحلته السورية الثانية التي دامت عامين (1918-1920). وخلالها تولى الشيخ رئاسة المؤتمر السوري العام الذي كانت مهمته الأولى هي المطالبة بوحدة سوريا واستقلالها بعد أن احتلتها جيوش الحلفاء في نهاية الحرب. ولم يرجع الشيخ إلى مصر إلا بعد دخول القوات الفرنسية دمشق وفرار الملك فيصل من سوريا.

وفات محقق الكتاب أن يشير إلى رحلتين أخيرتين قام بهما الشيخ: الأولى للحجاز عام 1926 لتهنئة الملك عبد العزيز بن سعود باستيلائه على الحجاز ولحضور مؤتمر إسلامي لمناقشة مسألة الخلافة، والثانية للقدس عام 1931 لحضور مؤتمر إسلامي بدعوة من صديقه وتلميذه الحاج أمين الحسيني لبحث الغزوة الصهيونية على فلسطين وإمكانية إنشاء جامعة إسلامية هناك.

ولم ييأس الشيخ من توحيد المسلمين في خلافة واحدة حتى في أحلك الأوقات حين كانت الخلافة العثمانية تترنح تحت وطأة الهزائم أمام أعدائها في الخارج على يد الاستعمار، وفي الداخل على يد الحركة الوطنية التي تزعمها مصطفى كمال. فكتب الشيخ رسالته عن الخلافة عام 1922، والتي أكد فيها على أن الخلافة هي الأصل الخامس في الإسلام، مع بيان الفرق بينها وبين البابوية أو الرياسة الروحية. وأهدى الرسالة إلى الشعب التركي، داعيًا إياه للنهوض بتجديد حكومة الخلافة الإسلامية بقصد الجمع بين هداية الدين والحضارة لخدمة الإنسانية، لأنه أقدر الشعوب الإسلامية على إحياء مدنية الشرق وإنقاذ مدنية الغرب التى باتت تفتك بها أوبئة الأفكار المادية، والروح الحربية، والإسراف في الشهوات الحيوانية. وحذر الشيخ الأتراك من إحياء النعرة الطورانية، ومن وسائل المتفرنجين لإماتة الدين، ومن طغيان المؤسسة العسكرية.[30]

وبين الشيخ في الكتاب حقيقة الخلافة وأحكامها، وشيئًا من تاريخها وعلو مكانتها، وحاجة جميع البشر إليها، وجناية المسلمين على أنفسهم بسوء التصرف فيها والخروج بها عن موضوعها، وما يعترض سبيل إحيائها، والمخرج منه. ويبدأ الكتاب بالأحكام الشرعية المتعلقة بالخلافة الإسلامية، حيث يُعَرِّف الخلافة ويُبَيِّن وجوبها شرعًا، وسلطة الأمة ومعنى الجماعة، وشروط أهل اختيار الخليفة، والشروط المعتبرة في الخليفة، وصيغة مبايعة الأمة له، وما يجب عليها بالمبايعة، وما يجب عليه للملة والأمة. ويناقش الشيخ قضية وحدة الخليفة وتعدده، مؤكدًا أن وحدة الإمامة بوحدة الأمة، ويشدد على مكانة الشورى في الإسلام، ويناقش قضية التولية بالاستخلاف والعهد وما يخرج به الخليفة من الإمامة، كما يعالج مسألة إمامة الضرورة والتغلب بالقوة، فيؤكد أن طالب الولاية لا يولى، ويفرق بين دار العهد ودار الجور والتغلب، ويفسر كيف سن التغلب على الخلافة تاريخيًا. ويعود لمناقشة مسألة سنة التغلب في خاتمة الكتاب، حيث يبين كيف أفسد الأعاجم حكم الإسلام العربي بها، منتقدًا أساسها النظري وهو فكرة العصبية التي أوردها ابن خلدون حيث اعتبرها مخالفة للإسلام.

ثم يناقش الشيخ مسألة الخلافة في العصر الحديث، فيميز بين ثلاث فرق من المسلمين وهي حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل، وحزب المتفرنجين، وحزب حشوية الفقهاء الجامدين، مُبَيِّنًا ما يجب على حزب الإصلاح وأهل الحل والعقد في هذا الزمان في أمر الأمة والإمامة. ويشرح علاقة الخلافة بالعرب والترك، حيث يناقش بتوازن مرجحات وموانع جعل مركز الخلافة في كل من الحجاز وبلاد الترك، ويدعو إلى إقامتها في منطقة وسطى كالموصل المتنازع عليها في ذلك الوقت بين العراق والأناضول وسوريا. ويشير باختصار إلى نموذج من النظم الواجب وضعها للخلافة، مؤكدًا على أن نهضة المسلمين تتوقف على الاجتهاد في الشرع.

وينتقد الشيخ فتاوى مصطفى كمال أتاتورك الدينية التي لم تصدر إلا عن هوى لأن الترك يحتاجون إلى اللغة العربية  للاجتهاد في الشرع. ويؤكد أن الإسلام وضع قواعد تشريعية للخلافة، مشيرًا إلى ما بين هذه القواعد وحال الأمة من تباين وتوافق. ونظرًا للدور المؤثر الذي يمكن أن تلعبه الخلافة في إصلاح العالم الإسلامي فإن غير المسلمين عامة ودول الاستعمار خاصة يكرهون إقامة حكومة الخلافة ويثيرون حولها الشبهات، ومنها علاقتها بفكرة الجامعة الإسلامية.

والحقيقة أن قضية الخلافة كانت تحتاج لاجتهاد جديد ومتوازن لم يجرؤ عليه في ذلك الوقت سوى قلة من المفكرين أمثال الشيخ رشيد رضا، وكذلك الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي تعلم في فرنسا وحصل فيها على درجة الدكتوراه في القانون، وعالج في رسالته قضية الخلافة الإسلامية في العصر الحديث، داعيًا المسلمين للانتفاع بخبرة الغرب في إنشاء منظمات دولية لإقامة عصبة أمم شرقية كبديل عن إقامة الخلافة في ظروف دولية غير مواتية، مع تسليمه بأن هذه العصبة نموذج ناقص لدولة الخلافة الإسلامية. فقد رأى السنهوري أن قوى الاستعمار الغربي ترفض أية محاولة لإحياء الخلافة في شكلها التقليدي، لذلك فلا مانع من إقامة عصبة الأمم الشرقية ريثما يتمكن المسلمون من إقامة دولة خلافة على منهاج النبوة.[31]

ولا شك أن هذه التصورات الجادة التي طرحها الشيخ رشيد رضا والدكتور السنهوري تختلف عن رؤى أخرى للخلافة ظهرت في تلك الفترة الزمنية الحرجة ولكنها لم تلتزم بأصول الفقه وقواعد الاجتهاد ومقاصد الشرع، ومنها وحدة المسلمين. ومن أبرز هذه الرؤى ما طرحه الشيخ علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، حيث ادعى أن الخلافة ليست مؤسسة إسلامية أصيلة أو نظامًا إسلاميًا للحكم، إذ ليس في الإسلام نظام للحكم. وقد تولى كثير من العلماء والمفكرين الرد على هذا القول في حينه وبعد ذلك، وقررت لجنة كبار العلماء في الأزهر أن الكتاب ضعيف من الناحية العلمية وسحبت من مؤلفه لقب "عالم" وفصلته من جماعة العلماء ومن منصبه كقاضٍ شرعي. واتضحت لاحقًا أدوار المستشرقين والمستعمرين في هذا الكتاب، إذ رأوا أن الفرصة أصبحت مواتية للقضاء على فكرة المؤسسة التي تجسد الوحدة السياسية للأمة الإسلامية للأبد.[32]

 

خاتمة

هل من علاقة بين المحاور الثلاثة، أي الاجتهاد والإرشاد والاتحاد، في فكر الشيخ رشيد رضا وفي الواقع؟ نعم، هناك أكثر من علاقة بينها. فمن جهة، كان الاجتهاد هو الأساس الذي بنى عليه الشيخ جهوده للإرشاد والاتحاد. بعبارة أخرى، كانت تلك الجهود ثمرة الاجتهاد ومقصده، وكان الاجتهاد شرطها الضروري. فرغم أن التزام الشيخ بالاجتهاد كان التزامًا مبدأيًا نابعًا من وجوب الاجتهاد مع تغير الزمان، فإن الشيخ أحسن توظيفه لبيان جوهر الإسلام النقي الخالي من الشوائب التي لحقت به في أزمنة الركود الأخيرة، وكذلك تقديمه لغير المسلمين ملائمًا للعصر الحديث. كما سعى الشيخ بالاجتهاد لتقريب الطوائف والمذاهب والشعوب بإعلاء قيم الأمة والوحدة والتآخي والتعاون على البر والتقوى باعتبارها الأصل في العلاقة بين المسلمين، بينما الاختلاف طارئ عليهم ويمكن تجاوزه، فضلًا عن وجوب ذلك.

ومن ناحية أخرى، فإن جهود الشيخ رشيد رضا في هذه المجالات الثلاثة كشفت بوضوح عن توافق الاستبداد مع الاستعمار في عداوة الإصلاح والتجديد عند المسلمين. فغياب الشورى في الدولة العثمانية كرس العداوة والبغضاء بين جناحي الأمة، أي العرب والترك، تمامًا كما كرستهما مؤامرات المستعمرين الذين حققوا مكاسب جمة من ورائهما. ورغم الاختلاف الظاهري في موقفي الاستبداد والاستعمار من الاجتهاد، إلا أن جوهرهما ظل واحدًا. فبينما اعتبرت حكومة السلطان عبد الحميد أفكار المنار الإصلاحية خطرًا على استقرارها فمنعتها من دخول السلطنة، وشجعت علمائها المقلدين على مهاجمتها، كان الاستعمار –لاسيما المستعمر البريطاني في مصر– أشد دهاء في التعامل مع الدعوة للاجتهاد. فقد شجع هذه الدعوة في مجالات التعليم والقضايا الاجتماعية بما ساعد على "تحديث" المجتمعات المسلمة على الطريقة الأوروبية، لكنه تركها فريسة للاستبداد في المجال السياسي رغم قدرته على تشجيعها أيضًا. فقد وظف الاستعمار دعوة الاجتهاد لحلحلة الأوضاع الراكدة في مجتمعات البلاد المستعمرة تمهيدًا لإدخال "إصلاحات" تصب في اتجاه تغريب هذه المجتمعات. أما الإرشاد فقد بدا الاستبداد والاستعمار غير معنيين به إلى حد كبير.

وبدلًا من محاربة الاستبداد والاستعمار حربًا مباشرةً، جاهد الشيخ رشيد رضا لمكافحة آثارهما السيئة في بلاد المسلمين. فكانت هذه هي حكمة الشيخ التي اقتدت بها حركات إصلاحية لاحقة.

 

*  دراسة نشرت في مجلة ركائز معرفية، ديسمبر 2014، ص 1-32.

**  أستاذ زائر وباحث أول، قسم الدراسات السياسية والدولية، جامعة رودس، جنوب أفريقيا.

 

[16] محمد رشيد رضا، يسر الإسلام وأصول التشريع العام في نهي الله ورسوله عن كثرة السؤال (مكتبة السلام العالمية، د.ت.)

[17] محمد رشيد رضا، الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية وتوحيد المذاهب، إشراف: زهير الشاويش (دمشق وبيروت: المكتب الإسلامي، د.ت.).

[18] لمزيد من التفاصيل، انظر: علي مبارك، الأعمال الكاملة لعلي مبارك، دراسة وتحقيق: محمد عمارة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979) المجلد الأول، ص 101-120.

[19] محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار (بيروت: دار المعرفة، 1993).

[20] الطبعة المذكورة في الهامش السابق تنتهي عند الآية 52 من سورة يوسف، وهي نهاية الجزء الثاني عشر من القرآن.

[21] محمد رشيد رضا، الربا والمعاملات في الإسلام (القاهرة: مكتبة القاهرة، د.ت.).

[22] محمد رشيد رضا، نداء للجنس اللطيف: حقوق النساء في الإسلام وحظوظهن من الإصلاح المحمدي العام، تعليق: محمد ناصر الدين الألباني (دمشق وبيروت: المكتب الإسلامي، د.ت.).

[23] محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي: ثبوت النبوة بالقرآن ودعوة شعوب المدنية إلى الإسلام دين الأخوة الإنسانية والسلام (القاهرة: مكتبة القاهرة، الطبعة السادسة، 1960).

[24] خليل سعادة (مترجم)، إنجيل برنابا (القاهرة: مطبعة المنار، د.ت.).

[25] Emad Eldin Shahin, Through Muslim Eyes: M. Rashid Rida and the West (Herndon, VA, USA: the International Institute of Islamic Thought, 1993).

[26] لمزيد من التفاصيل حول هذا الموقف، انظر: فادي إسماعيل، "الإسلام والغرب والسياسة: قراءة في نصوص المنار في سنواتها الأولى"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007)، ص 317-343.

[27] يوسف إيبش (محقق)، رحلات الإمام محمد رشيد رضا (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1979).

[28] لمزيد من التفاصيل حول جهود الشيخ رضا للإصلاح بين العرب والترك، انظر: أنيس الأبيض، "رؤية محمد رشيد رضا للإصلاح السياسي في الدولة العثمانية من خلال العلاقة بين العرب والترك"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007)، ص 243-253.

[29] حول موقف الشيخ رشيد رضا من الثورة العربية، انظر: أحمد علي سالم، مرجع سابق، 233-235. وانظر رؤية مخالفة في: محمد الأرناؤوط، "موقف رشيد رضا من تيارات التحديث المعاصرة"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007)، ص 153-164.

[30] محمد رشيد رضا، الخلافة (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1994).

[31] أحمد علي سالم، "رؤى المسلمين من مواقف الغرب من وحدتهم وأثرها في علاقاتهم به: من الدولة العثمانية إلى منظمة المؤتمر الإسلامي"، الإسلام والغرب: حوار حضاري (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث والاستراتيجية، 2012) 61.

[32] حول الكتاب والجدل الذي أثاره، انظر: أحمد علي سالم وريهام خفاجي، "الفكر السياسي الإسلامي بين الإصلاح والاستغلال: قراءة فيما أثاره كتاب الإسلام وأصول الحكم من جدال"، رؤى، العدد المزدوج 23-24، 2004، ص 96-101.

يُعد كتاب "خنجر إسرائيل" للصحفي الهندي "رستم خورشيدجي كارانجيا" من أكثر الوثائق السياسية إثارة للجدل في القرن العشرين، وهو عمل استشرافي نادر كشف بدقة مخططات تقسيم الوطن العربي قبل تحققها بعقود. نُشر هذا العمل لأول مرة عام 1957 بالإنجليزية تحت عنوان "The Dagger of Israel"، ثم تُرجم إلى العربية وحمل مقدمة بتوقيع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، مما أضفى عليه أهمية سياسية استثنائية.

 

خلفية تأليف الكتاب وسياقه التاريخي:

جاء كتاب "خنجر إسرائيل" نتيجة زيارة "كارانجيا" للشرق الأوسط عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. كان كارانجيا، بصفته صحفيًا هنديًا تقدميًا قريبًا من حركة عدم الانحياز، يسعى لفهم طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي من منظور مستقل. خلال هذه الزيارة، أجرى مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين وغربيين، واكتشف وثائق ومخططات صهيونية متداولة في الأوساط الإسرائيلية تتعلق بتفكيك العالم العربي. الكتاب شبّه فيه المؤلف إسرائيل بخنجر أجنبي مسدد إلى رقبة العالم العربي. وقد تميز هذا العمل بكونه ليس مجرد تحليل صحفي، بل وثيقة تحليلية اعتمدت على مقابلات مباشرة مع قادة إسرائيل، وفي مقدمتهم موشيه ديان وزير الحرب آنذاك.

 

المحاور الرئيسية للكتاب:

الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية:

يكشف الكتاب عن تصور إسرائيل لنفسها ليس كدولة عادية، بل كأداة استعمارية زُرعت في قلب العالم العربي لخدمة المصالح الغربية. ويوضح كارانجيا أن إسرائيل تحلم "بولع وغباء بأن تحرير إسرائيل من الخطر العربي يعني العمل على إقامة دعائم سيادتها على العالم العربي... وتأمل تحقيق ذلك باغتصاب بعض المناطق العربية ذات الأهمية الاستراتيجية وإنشاء دول جديدة في الشرق الأوسط تتألف من الدروز والموارنة والأكراد وغيرهم من الأقليات".

 

الخطة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي (1956-1959):

يعرض الكتاب ترجمة للخطة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي للفترة 1956-1959، والتي تنص على أن "موقف الغرب سيكون بوجه الإجمال حياديًا، ما إن راعينا مصالح فرنسا في سوريا، وأجرينا تفاهم مع بريطانيا بخصوص مصالحها في مصر والأردن، أما الولايات المتحدة الأمريكية فإن موقفها سيكون أكثر تعقيدًا".

 

تتضمن الخطة أهدافًا محددة منها:

  • تقوية الصراع الداخلي بين الدول العربية.
  • إثارة حرب إسرائيلية عربية بهدف إنشاء الحلم الدفاعي الإقليمي المطلوب.
  • منع الدول الغربية من التدخل في شؤون الشرق الأوسط.

 

مشروع تقسيم الوطن العربي:

يضع الكتاب أمام القارئ خارطة مفصلة لتجزئة العالم العربي، والتي ظهرت لاحقًا فيما عُرف بـ"الخطة الصهيونية لتفتيت المنطقة". تشمل هذه الخطة:

  • بالنسبة للعراق: تقسيمه إلى ثلاث دويلات:
  • دولة كردية في الشمال، ينضم إليها الأكراد من الدول المحيطة.
  • دولة عربية ذات أغلبية سنية في الوسط.
  • دولة شيعية في الجنوب تلحق بإيران دينيًا وسياسيًا.
  • بالنسبة لسوريا: تقسيمها إلى ثلاث دول:
  • دولة درزية
  • دولة علوية
  • دولة سنية في دمشق وحمص وحلب.
  • بالنسبة للبنان: تحويله إلى دويلتين:
  • دولة مارونية في الشمال
  • دولة شيعية في الجنوب
  • بالنسبة لمصر: إخراجها من دورها القيادي عبر:
  • دعم نزعات انفصالية في الصعيد.
  • السيطرة على قناة السويس.
  • بالنسبة للخليج العربي:
  • تشجيع النزعات القبلية والمناطقية، وإبقاء دوله الصغيرة تحت الهيمنة البريطانية والأمريكية لتأمين النفط.

 

الأهداف الاستراتيجية الإقليمية:

وفقًا للوثيقة المكشوفة في الكتاب، فإن "الهدف الإقليمي الأدنى لإسرائيل هو احتلال المناطق المجاورة لقناة السويس ونهر الليطاني والخليج الفارسي لأنها تنطوي على أهمية حيوية". ويحدد الكتاب الأهداف الإسرائيلية بوضوح:

  • الهدف الأدنى: الاستيلاء على الأراضي ذات الأهمية الجوهرية في زمن الحرب.
  • الهدف الأقصى: الاستيلاء على الأراضي الكفيلة بأن تسد كل الاحتياجات الإسرائيلية.

تشمل هذه الأهداف السيطرة على:

  • قناة السويس (شريان مصر والعالم العربي).
  • نهر الليطاني (مياه لبنان).
  • الخليج العربي (النفط).

 

شهادة موشيه ديان: "العرب لا يقرأون":

من أخطر ما ورد في الكتاب هو الحوار المباشر بين كارانجيا ووزير الحرب الإسرائيلي موشيه ديان. خلال هذا الحوار، أظهر ديان وثائق خطيرة تتعلق بمشروع تقسيم العرب، وحين استغرب الصحفي الهندي من جرأته في كشف هذه المخططات، رد ديان بابتسامة ساخرة: "لا تقلق... العرب لا يقرأون".

هذه العبارة الاستفزازية لم تكن مجرد تعليق عابر، بل كانت تعكس استخفافًا عميقًا بالعقل العربي وقدرته على فهم المخاطر واتخاذ إجراءات مضادة. كما كانت إدانة مريرة لحالة الضعف والتشرذم والتقاعس عن مواجهة التحديات الاستراتيجية في العالم العربي.

تم توسيع هذه المقولة في روايات لاحقة لتصبح: "إن العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يستوعبون، وإذا استوعبوا لا يطبقون". وقد برهنت الأحداث اللاحقة على دقة هذا التنبؤ المأساوي إلى حد كبير.

 

الوثيقة السرية لهيئة الأركان الإسرائيلية:

يكشف الكتاب عن وثيقة سرية أعدتها هيئة الأركان العامة الإسرائيلية جاء فيها: "لتقويض الوحدة العربية وبث الخلافات الدينية بين العرب، يجب اتخاذ الإجراءات منذ اللحظة الأولى من الحرب لإنشاء دول جديدة في أراضي الأقطار العربية".

تتضمن هذه الوثيقة دعوة صريحة لإقامة دويلات جديدة تشمل:

  • دولة درزية تشمل المنطقة الصحراوية وتدمر.
  • دولة شيعية في لبنان في منطقة جبل عامل ونواحيها.
  • دولة مارونية تشمل جبل لبنان.
  • دولة علوية تشمل اللاذقية حتى المنطقة الممتدة إلى الحدود التركية.
  • دولة قبطية في مصر.
  • دولة كردية في شمال العراق.

 

الخطة العسكرية والأساليب التكتيكية:

يوضح الكتاب أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على مبدأ الاستفزاز المحسوب، حيث تنص الوثائق على أنه "إذا قررنا البدء بحرب وقائية فإننا سنضطر لأسباب سياسية إلى الاستفزاز وإثارة اشتباك مسلح وبذلك نبرهن على أنه لم يكن هناك عمل عدواني من جانبنا".

كما يكشف الكتاب عن استراتيجية عسكرية محددة شرحها ديان لكارانجيا، تقوم على "تدمير الطائرات العربية في مرابضها بضربة سريعة ثم تصبح السماء ملكًا لإسرائيل وتحسم الحرب لصالحها". هذه الاستراتيجية تحققت بالفعل في حرب يونيو 1967.

 

الربط بالمصالح الاستعمارية الغربية:

يؤكد الكتاب أن المشروع الإسرائيلي ليس مستقلًا، بل جزء من استراتيجية استعمارية أوسع تهدف إلى ضمان السيطرة الغربية على ثروات المنطقة. ويوضح أن وجود إسرائيل "سيكون بمثابة ذراع للدول الغربية في إدارة شؤون الشرق الأوسط، أي باعتبارها دولة صاحبة زعامة".

 

الدلالات التاريخية والتنبؤات المحققة:

الكتاب الذي صدر عام 1957 سبق نكسة 1967 بعقد كامل، وكأنه كان جرس إنذار مبكر لم يلتفت إليه كثيرون. لاحقًا، ظهرت كثير من المخططات التي حذّر منها بشكل واضح في أحداث تاريخية مهمة:

  • الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990): التي مثلت بداية تفكيك الوحدة اللبنانية على أسس طائفية.
  • الغزو الأمريكي للعراق (2003) وما تلاه من تفكيك مذهبي وعرقي تمامًا كما تنبأ الكتاب.
  • الأزمة السورية بعد 2011: التي أدت إلى تقسيم فعلي للبلاد على خطوط طائفية وعرقية.

 

ترجمة الكتاب وانتشاره:

لم ينل الكتاب الاهتمام المطلوب عند صدوره الأول عام 1957، ولكن بعد نكسة 1967، تمت ترجمته إلى العربية وحمل مقدمة مهمة بتوقيع الرئيس المصري جمال عبد الناصر. هذه المقدمة أعطت الكتاب زخمًا سياسيًا وفكريًا في المنطقة العربية. أُعيد نشر الكتاب في سوريا عن طريق "دار دمشق" عام 2005، كما صدرت طبعات متعددة في بيروت عن "دار المسيرة" مع شرح وتعليق بسام العسلي. وقد تم إعادة نشره في القاهرة عن "مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحافية والمعلومات".

 

مما جاء في تقديم الرئيس جمال عبد الناصر للكتاب:

في تقديمه للكتاب، شدّد الرئيس جمال عبد الناصر على أن ما يكشفه الصحفي الهندي ر.ك. كارانجيا ليس مجرد تحليل صحفي عابر، بل وثيقة سياسية خطيرة تفضح حقيقة الدور الوظيفي لإسرائيل كأداة استعمارية مزروعة في قلب الوطن العربي. رأى عبد الناصر أن الكتاب يقدم أدلة قاطعة على أن إسرائيل لم تُنشأ لتحقيق حلم قومي لليهود فحسب، وإنما لتكون قاعدة متقدمة تخدم مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة، وتضمن استمرار السيطرة على مواردها وممراتها الحيوية.

كما أكد عبد الناصر أن مضمون الكتاب يمثل جرس إنذار للأمة العربية، لأنه يكشف المخططات المبكرة لتفكيك دولها على أسس طائفية وعرقية، ويبين طبيعة الخطر الذي يهدد وحدتها ومستقبلها. لذلك دعا القارئ العربي إلى أن يتعامل مع هذه الوثيقة بوعي وجدية، وأن يدرك أن المواجهة مع المشروع الصهيوني ليست معركة عسكرية فحسب، بل معركة وجود وصراع طويل الأمد لحماية الهوية والسيادة والاستقلال.

 

علاقة الكتاب بالخطط الصهيونية اللاحقة

يُعتبر كتاب "خنجر إسرائيل" بمثابة الوثيقة التأسيسية لسلسلة من المخططات الصهيونية اللاحقة. فقد أشار دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، في تقرير قدمه أمام المجلس العالمي لعمال صهيون عام 1937 إلى الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى.

قال بن غوريون: "إن الدولة اليهودية المعروضة علينا بالحدود الحالية لا يمكن أبدًا أن تكون الحل المنشود لمسألة اليهود، ولا هدف الصهيونية الذي سعت إليه طويلًا... إلا أنه يمكن قبولها بوصفها المرحلة الأولى والأساسية التي تنطلق منها تتمة مراحل تحقيق الوطن الصهيوني الأكبر". كما تربط مضامين الكتاب بخطة أوديد ينون عام 1982، التي فصّلت بدقة أكبر مخططات تقسيم الدول العربية المركزية. وقد صرح الجنرال الإسرائيلي أرييل شارون أن "الهدف من الغزو -للبنان- هو تفكيك لبنان ومن ثم تطبيق الفكرة على بقية الدول العربية لتشمل سوريا ودول الخليج العربي وفي مرحلة لاحقة مصر والعراق".

 

المخططات التي وثقها الكتاب من منظور القانون الدولي:

إن ما يكشفه كتاب "خنجر إسرائيل" من مخططات تقسيم وتفكيك العالم العربي يتعارض بوضوح مع القواعد القطعية في القانون الدولي العام، ولا سيما مبدأ سلامة الأراضي ووحدة الدول المكرس في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما أن الدعوات إلى إثارة النزاعات الطائفية والعرقية، أو دعم الحركات الانفصالية، تمثل خرقًا لحق الشعوب في تقرير مصيرها بحرية، وهو الحق المعترف به في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة (1514 لعام 1960 و2625 لعام 1970) والتي جعلته من المبادئ الأساسية للنظام الدولي.

وإضافة إلى ذلك، فإن ما عرضه كارانجيا من استراتيجيات إسرائيلية لإحداث نزاعات داخلية واستغلالها كذريعة للحروب الوقائية يضع هذه الممارسات في إطار العدوان الدولي كما حدده قرار الجمعية العامة رقم 3314 (1974)، والذي يعدّ "التخطيط أو الإعداد أو الشروع في عمل عدواني" جريمة دولية تستوجب المسؤولية. ومن ثمّ، يمكن قراءة الكتاب بوصفه وثيقة مبكرة تفضح مشروعًا يتنافى مع الشرعية الدولية، وتؤكد أن السياسات الموصوفة فيه لم تكن مجرد رؤى سياسية، بل خططًا تمثل انتهاكًا ممنهجًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني ولقواعد السلم والأمن الدوليين.

 

لتحميل ملف الكتاب

 

_______________

المصادر:

  1. "خنجر إسرائيل".. قراءة في كتاب ر.ك. كارانجيا (1957)، الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، https://bit.ly/3KoKBZQ
  2. محمود هلوان، ”خنجر إسرائيل”.. كتاب مُهمل يوثق خطط الكيان في سوريا ولبنان، النهار المصرية، 19 يوليو 2025، https://bit.ly/4gp1Bv2
  3. مصري: تقسيم العراق فكرة سجلها هندي عام 1957 في كتاب (خنجر اسرائيل)، رويترز، https://reut.rs/3VXwBZy
  4. عبد العزيز التركي، الظل اليهودي وراء مشروعات التقسيم، مجلة البيان، https://bit.ly/46bQYZi
  5. Veteran Journalist R.K. Karanjia Dies, Arab News, 3 February 2008, https://bit.ly/4gBFFgw
  6. Veteran journalist RK Karanjia dead, hindustantimes, Feb 02, 2008, https://bit.ly/46bAyjq

 

*  كارانجيا، خنجر إسرائيل: قصة اللصوصية الدولية، مطبوعات على كنعان، 1960.

** رستم خورشيدجي كارانجيا" هو صحفي هندي بارز (1912–2008) ومؤسس مجلة "بليتز" الهندية الأسبوعية، المعروفة بالتحقيقات الصحفية والنبرة القومية واليسارية. وُلد في كويتا (بلوشستان الحالية) لعائلة بارسية، وتخرج من الجامعة حيث" بدأ الكتابة أثناء الدراسة. عمل كارانجيا مساعد محرر في صحيفة "التايمز أوف إنديا" في الثلاثينيات، قبل أن يتركها عام 1941 لتأسيس مجلته الأسبوعية الشهيرة "بليتز" التي ركزت على الصحافة الاستقصائية. برز كارانجيا كمراسل حرب خلال الحرب العالمية الثانية، حيث غطى العمليات في بورما وآسام. وقد اكتسب شهرة واسعة عام 1945 بنشر صور حصرية للزعيم الثوري الهندي نيتاجي سوبهاش تشاندرا بوز وجيش الاستقلال الهندي. كما أجرى مقابلات مع شخصيات عالمية بارزة منهم ونستون تشرشل وشارل ديغول وجواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر ونيكيتا خروتشوف وفيدل كاسترو وياسر عرفات. كان كارانجيا مؤيدًا للنزعة القومية الهندية وناصعًا في دعم حركات القومية العربية، حيث كان ينظر إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر كبطل لمشروع الوحدة العربية. وفي أعقاب العدوان الثلاثي على مصر (1956)، توجه كارانجيا إلى الشرق الأوسط لإجراء تحقيقات ومقابلات مع مسؤولين سياسيين وعسكريين. خلال هذه الزيارة التقى موشي ديان وزير حرب إسرائيل، وأجرى معه حوارًا تضمن وثائق خططٍ سرية للجيش الإسرائيلي لتقسيم الدول العربية.

الخلاصة - القانون الروماني والتطور المعاصر لدراسته من الدراسة الوضعية للنظام إلى التحديد الفلسفي للخبرة. نتائج الاتجاه المعاصر وأهميته بالنسبة للعلوم السياسية: (أولًا) الإطار النظامي للدساتير الحديثة (ثانيًا) الميدان الواقعي للتطبيق العملي لنتائج الخبرة السياسية- موضوع هذه الدراسة: مثال للتطور الدستوري من حيث علاقته بالقوى السياسية وأثر ذلك في تدهور الصورة النظامية للدولة.

 

1 - القانون الروماني والتطور المعاصر لدراسته- من الدراسة الوضعية للنظم إلى التحديد الفلسفي للخبرة:

حتى وقت قريب، كانت النظرة إلى القانون الروماني تقوم على أساس التمييز بين ناحيتين، كل منهما مستقلة عن الأخرى تمام الاستقلال: الأولى وضعية، والثانية تاريخية. الأولى تُعنى بدراسة النظم القانونية التي عرفها الرومان، سواء من حيث نشأتها وتطورها أو من حيث صياغتها وتطبيقها[1]. ومصدر هذه النظرة للقانون الروماني هو اعتبارات عملية سادت في فرنسا (بلاد القانون المكتوب)، وكذلك في ألمانيا (حيث عُرف ما يسمى بالاستعمال الحديث للموسوعة usus modernus Pandectarum)، حيث قُدّر للقانون الروماني أن يُطبّق بطريق مباشر[2]. وقد ترتب على ذلك، بصفة خاصة في ألمانيا – حيث ظل القانون الروماني نافذًا حتى نهاية القرن التاسع عشر – أن نشأت وازدهرت تلك الدراسة الوضعية التي كانت تُجرّد القانون الروماني من عنصر التطور، ونتصوره جامدًا، سواء من حيث نظمه أو من حيث كيانه كوحدة تُمحى فيها ذاتية المقومات القانونية.

أما الناحية الأخرى، فهي تتناول القانون الروماني من حيث كونه خبرة سياسية، وترفض – تبعًا لهذا – سواء التحديد الكمي أو الكيفي، أي سواء التحديد من حيث الشطر القانوني أو من حيث المرحلة التاريخية. هذه النظرة ترجع من حيث مصدرها إلى النظرة الإنسانية (humanisme) التي تعود إلى العصور الوسطى، على أنها لم يُقدّر لها الازدهار إلا في خلال النصف الثاني من القرن العشرين[3].

نظرة وضعية إذاً تقابلها نظرة تاريخية: الأولى محددة من حيث الموضوع، والثانية عامة؛ الأولى نسبية، والثانية مطلقة؛ الأولى تبحث عن الصياغة، والثانية تحدد المعنى والجوهر.

على أن كلتا هاتين النظريتين ظلّتا منفصلتين، كل منهما عن الأخرى. وإذا استثنينا بعض المجهودات الفردية، فإن أحدًا لم يحاول أن يجمع بين الدراسة التاريخية والدراسة الوضعية للقانون الروماني[4]. صحيح أن إهرينج حاول، في مؤلف لا يزال خالدًا في علم القانون باسم روح القانون الروماني، أن يبحث عن الأسس العامة التي حكمت التطور التاريخي للنظم الرومانية[5]، إلا أنه لم يتعدَّ في تلك الدراسة المرحلة الأولى من مراحل تطور الحضارة الرومانية. ويمكن القول إن محاولة جمع الناحيتين في دراسة تلخيصية، الغاية منها الكشف عن معنى ومدلول النظم، لم يقم بها في معناها العلمي الصحيح إلا العالم الألماني الأصل شلذ (Schulz) في مؤلف له بعنوان مبادئ القانون الروماني، حيث حاول أن يعرض لنا المبادئ الفلسفية[6] التي حكمت تطور النظم القانونية لدى الرومان، مقدمًا بذلك أصول علم جديد باسم «فلسفة القانون الروماني».

على أن شلذ عندما وضع أسس تلك الدراسة، لم يكن يتصور مدى الأهمية التي سوف تُقدَّر لهذه الصورة الجديدة من صور التطبيق الفكري لدراسة الحضارة الرومانية. فهو لم يكن يقصد سوى التجديد في دراسة القانون الروماني، في فترة لم يكن من الممكن فيها أن تستمر تلك الدراسة على وضعها القديم: عبادة للأصنام في عهد لم تعد فيه العقلية البشرية تستسيغ أو تقبل، بحكم الوعي الاجتماعي، أوضاعًا معينة.

 

۲ - نتائج الاتجاه المعاصر وأهميته بالنسبة للعلوم السياسية:

(أولًا) الإطار النظامي للدساتير الحديثة. (ثانيًا) الميدان الواقعي للتطبيق العملي لنتائج الخبرة السياسية.

ودون التدخل في التفاصيل الخاصة بنتائج هذا الاتجاه المعاصر سواء من حيث دراسة القانون الروماني[7] ذاتها (حيث تتجه في الوقت الحاضر للاختفاء) أو من حيث مدلول النظم الرومانية[8]. (باعتبار أنها ليست صياغة فقط) فان علم السياسة تأثر بهذا الاتجاه من ناحيتين:

(الأولى) من حيث الإطار النظامي للدساتير الحديثة، ويُقصد بذلك أن هذا البحث الفلسفي[9]، لا يقف عند الصورة النظامية للحقيقة القانونية فحسب، بل يتعداها إلى دراسة المعنى الخفي المستتر خلف الخبرة الوضعية، بعد إلغاء عنصري المكان والزمان. وقد مكّن ذلك علماء السياسة من الوقوف على كيفية تأثر الدساتير الحديثة، في أكثر من مناسبة وبطريقة غير مباشرة، بالحضارة الرومانية.

ويكفي أن نذكر، على سبيل المثال، كيف أن مونتسكيو حين عرض نظريته حول الفصل بين السلطات، كانت ماثلة أمام عينيه صورة النظام الروماني القائم على أساس التعدد، والتمييز النوعي، فضلًا عن التخصص في الهيئات ذات السلطة الواحدة[10].

(الثانية) من حيث تطبيق نتائج الدساتير الوضعية لظاهرة السلطة، وذلك أن الغاية الأساسية من علم السياسة هي استخلاص القوانين العامة التي تخضع لها تلك الظاهرة من حيث نشأتها وتطورها[11]. على أن هذه القوانين، مهما بلغت من دقة، لا بد من قياسها من حيث الصحة والنطاق في المدلول التطبيقي. والحضارة الوحيدة التي يجمع العلماء على أنها تصلح لذلك هي الحضارة الرومانية، وذلك لأسباب متعددة: فمن جانب، هي حضارة متطورة (أي جماعة تملك حضارة تتجه إلى السيطرة civilisation de domination)، ومن جهة أخرى استطاعت منذ أوائل حياتها أن تميز بين الدين والدولة (منذ نهاية العهد الملكي أو على الأقل منذ القرن الرابع قبل الميلاد)، وهي، من جانب ثالث، جمعت بين المتناقضات الحضارية؛ حضارة رأسمالية منذ القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الأول بعد الميلاد، وحضارة دينية تتجه إلى الكلية في آن واحد (بصفة خاصة خلال الفترة الأخيرة من فترات تطورها الإمبراطوري عقب عام 212 بعد الميلاد) [12]. هذا، إلى أن الحضارة الرومانية تمتاز عن غيرها من الحضارات القديمة بأنها تقدم لنا سجلًا كاملًا موثوقًا به من حيث الصحة التاريخية للوقائع التي أثرت في تطور الحياة والقوى السياسية[13].

 

3- موضوع هذه الدراسة: مثال للتطور الدستوري من حيث علاقته بالقوى السياسية وأثر ذلك في تدهور الصورة النظامية للدولة:

غايتنا من هذه الدراسة هي تقديم مثل لتلك الخبرة الواقعية التي يسعى علم السياسة إلى الكشف عنها وتحديد مدلولها وترجمتها في صياغة علمية يسميها رجال المنطق الارتباط الدالي: correlation fonctionnelle. والسؤال الذي سوف نضعه لنحاول أن نجيب عليه ونحدد عن طريق تلك الإجابة التغيرات المقترنة (variations concomitantes) التي سوف تعيننا على التحديد الصياغي لنتائج تلك الخبرة هو: لماذا أخفق الدستور الروماني خلال الفترة التي تمتد من أوائل القرن الثاني حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد، هذا الإخفاق الذي أدى بالجماعة الرومانية إلى الانتهاء بالنظام الجمهوري إلى الاختفاء والعودة إلى نظام الحكم المطلق[14].

ولنستطيع أن نصل إلى حقيقة الخبرة السياسية لدى الرومان، يتعين علينا أن نعرض لذلك في أقسام ثلاثة: فيجب أولًا أن نتناول دراسة سريعة عرضًا نظاميًا للدستور الروماني، وعن هذا الطريق سوف نحدد المسألة السياسية التي كان على الفكر الروماني أن يواجهها، لنختتم بحثنا بتحديد العلاقة بين التطور النظامي والتطور الواقعي للقوى السياسية ومدى أثر ذلك في القضاء على الدستور الجمهوري[15].

من ثم سوف نتناول هذه المشكلة في أقسام ثلاثة:

(أولًا) الدستور الروماني[16] في كثرة الحروب المدنية خلال القرن الأول قبل الميلاد.

(ثانيًا) النزاع بين حزبي الأخيار والشعب وأثره في التطور الوظيفي للدستور الروماني.

(ثالثًا) تحديد مدلول الخبرة السياسية الرومانية.

 

الفرع الأول

الدستور الروماني في فترة الحروب المدنية

الخلاصة: التعريف بالدستور الروماني – خصائص تطوره، إحالة – النظام السياسي في العصر الجمهوري، محاولة إصلاح النظام الجمهوري خلال القرن الثاني قبل الميلاد وخصائصه العامة، إخفاقها – انهيار النظام الجمهوري خلال النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد والعودة إلى نظام الحكم المطلق.

 

4- التعريف بالدستور الروماني- خصائص تطوره، إحالة:

لم يعرف الرومان كلمة الدستور بمعنى وثيقة سياسية تعبر عن آمال شعب معين أو تنظم أوضاعًا معينة لتحدد العلاقة بين الفرد والدولة أو بين السلطات المختلفة داخل الدولة ذاتها[17]. على أن ذلك لم يمنع من وجود مجموعة من القواعد التي كانت تنظم شكل الدولة وتحدد الأوضاع السياسية فيما يتعلق بالسلطات العامة، وصفها الرومان بأنها عادات الآباء (Mores Maiorum)، معبرين بهذا عن صفة القدسية من جانب، والدوام والاستقرار من جانب آخر. ولعل هذا يبرر كيف أنه، رغم التطورات المتعددة في النظام الدستوري من الملكية إلى الجمهورية إلى الإمبراطورية، لا يلحظ المؤرخ أي نوع من أنواع الاضطراب المفاجئ أو الانقلاب الثوري[18].

بطبيعة الحال، لن تحاول في هذه الصفحات القلائل أن تعرض بالتفصيل التطور التاريخي للدستور الروماني، وإنما سوف نحاول فقط عن طريق ذلك العرض أن تحدد المشكلة السياسية التي واجهتها الجماعة الرومانية خلال العصر الجمهوري، وبصفة خاصة خلال الفترة الزمنية التي حددناها من أوائل القرن الثاني حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد.

 

5- النظام السياسي في العصر الجمهوري وخصائصه العامة:

يمكن القول بأن النظام السياسي لدى الرومان قام على أسس ثلاثة: (أولًا) مبدأ سمو العنصر الروماني[19]، (ثانيًا) مبدأ المحافظة على القديم[20]، (ثالثًا) مبدأ الحرية داخل الإطار القانوني للجماعة[21]. فالروماني يحتقر جميع الشعوب، ورغم أن النظام القانوني للجماعة السياسية اتجه إلى استيعاب الشعوب الأخرى في بعض مراحل تاريخه، فهو لم يفعل ذلك إلا مكرها وتحت ضغط الظروف. والروماني في حقيقة شعوره لا يرى أي شعب آخر جديرًا باحترامه وتقديره، وهو يبالغ في ذلك ويتعدى حتى اليوناني. فإذا كانت الفلسفة اليونانية تحدثنا عن أن الشعب اليوناني توسط بين الشرقي الذكي والشمالي المحب للحرية المطلقة دون أي قيد، فإن الروماني لم يكن يرى في الشرقي إلا عبدًا، وفي اليوناني إلا مفكرًا أجوف، وفي الشمالي إلا متوحشًا لا يصلح للمدنية. وهو أيضًا يرى أن ما تركه الأجداد هو خير ما تستطيع أن تقدمه حضارة كائنة ما كانت، فالتقاليد لديه قوة رهيبة تفسر ذلك التمسك الأعمى بالقديم حتى ولو أضحى عديم المعنى. ولا توجد جريمة يمكن أن توجه إلى سياسي كالقول بأنه يسعى إلى التجديد، لأن هذا معناه في العرف الروماني الثورة على الأوضاع. وهو لهذا يفسر الحرية على أنها خاصية من خصائص الشعب الروماني التي يجب أن تكون مقيدة بالإطار القانوني للجماعة، وهي لذلك حرية شكلية أكثر منها واقعية، تقوم على أساس نوع من الزيف والبهتان أكثر منه من الواقع والحقيقة. وليس ذلك فقط لأن الحضارة الرومانية لم تقبل أن تخلط بين مبدأ المساواة ومبدأ الحرية، بل ولأنها أسمت الحرية بأسماء متعددة تبعًا لمركز كل فرد في الجماعة[22]؛ فهي تارة تسمى باسم libertas، وتارة أخرى تسميها النصوص باسم licentia، ثم تارة أخرى تعبر عنها بلفظ digniteas، وذلك لتضيق منها إن أرادت أو لتوسع من مدلولها إن شاءت.

على أننا إذا تركنا جانبًا تلك المبادئ العامة التي يمكن استخلاصها من التطور العام للدستور الروماني، وحاولنا أن نقصر بحثنا على الأهداف التي حاول أن يحققها الدستور الروماني في بدء مراحله وكيف تطور في تحقيق تلك المبادئ مواجها التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي صادفته الجماعة الرومانية، استطعنا أن نحدد الغايات التي حاول أن يحققها النظام الجمهوري بثلاثة: الأولى إقامة نوع من الرقابة على السلطة واستخدامها بحيث تمنع العودة إلى ذلك التعسف وتلك الإساءة التي عرفتها روما خلال المرحلة الأخيرة من مراحل التطور السياسي للنظام الملكي، الثانية محاولة تحطيم الفوارق العنصرية التي تفصل بين أقسام الجماعة الرومانية، الثالثة الاعتراف بقسط معين من الحماية للفرد إزاء طغيان السلطة الحاكمة[23].

وتأكيد هذه الغايات يتحقق لا عن طريق عرض ما احتواه الدستور الروماني من نظم، بقدر تحديد ما رفضه الدستور من مبادئ سياسية.

فأول فكرة يجب أن تظل راسخة في الأذهان هي أن الجمهورية الرومانية في أي مرحلة من مراحل تاريخها الديمقراطي لم تعرف فكرة التمثيل السياسي، وبصفة خاصة رفضت مبدأ السيادة الشعبية[24]. فالحضارة الرومانية حضارة قوة وسيادة، لم تكن تعترف للجماهير بأي سلطة فعلية في إدارة الدولة أو في توجيه سياستها، ولم تقبل في أي مرحلة من مراحل تاريخها أن تجعل من ذلك الرضاء الضمني أو المفترض أساسًا للسلطة أو للنظام السياسي. وليس علينا إلا أن نذكر بعض النظم لنتأكد من صحة هذا القول. فلم يكن من حق الشعب أولًا في أي هيئة من الهيئات الشعبية أن يناقش حكامه، كان عليه فقط أن يصوت بالإيجاب أو الرفض. أما أن يتدخل في مناقشة تفاصيل ما يُعرض عليه، فهذا ما لم يقبله النظام السياسي الروماني. أضف إلى هذا أن الشعب لم يكن يملك حق الاقتراح، وإنما الحاكم هو الذي كان يملك حق تقديم الاقتراحات التشريعية أو غيرها للشعب مجتمعًا في مجالسه العامة، ومن ثم كان يوصف الحاكم بأنه يملك حق التعامل مع الشعب[25]. ولم يكن يختلف الأمر حتى فيما يتعلق بتعيين الحاكم نفسه، فالحاكم الذي في طريقه إلى مغادرة السلطة هو الذي يقترح على الشعب اسم خلفه ليوافق أو يرفض، ومن ثم يقال: "الحاكم هو الذي يعين الحاكم". وفكرة القانون ذاتها كانت توصف بأنها اتفاق عام، أو بعبارة أخرى أنها اتفاق بين الحاكم وبين الشعب، وهذا يعني أن الشعب لم يكن يملك أي سلطة تشريعية[26].

والواقع أن الجماعة الرومانية ظلت دائمًا قائمة على أساس الاعتراف بالنظام الطبقي. وإذا كانت الجماعة اليونانية قد عرفت هي الأخرى نظام الطبقات، إلا أن الجماعة الرومانية بالغت في تطبيقه سياسيًا ودستوريًا إلى حد القول بأن جماعة أخرى في التاريخ لم تعرف نظامًا مثيلًا للنظام الطبقي الذي عرفته الحضارة الرومانية. وهي لم تكتفِ بأن ترفض فكرة أن الشعب مصدر السلطات، ولم تكتفِ بأن تجعل مبدأ المساواة مقيدًا في تطبيقه بالطبقة التي ينتمي إليها الفرد، فالنظام السياسي نفسه كان قائمًا على أساس تمييز الطبقة التي ينتمي إليها الفرد، محددًا تلك الطبقة بما يملكه كل مواطن[27].

وكذلك تلاحظ أن روما منذ القرن الخامس حتى عام 146 ق.م ظلت محتفظة بنظامها الدستوري القديم الذي عرفته، وهي في شكل المدينة-الدولة: فالمدينة التي اندفعت تغزو شبه الجزيرة الإيطالية لتحطم قرطاجنة، ثم لتحتل اليونان ومقدونيا وآسيا الصغرى، ثم إسبانيا، ظلت، لا من حيث شكلها السياسي فحسب، بل أيضًا من حيث نظامها الدستوري، محتفظة بنفس النظام الذي عرفته وهي مدينة بدائية في أول عصرها الجمهوري، محدودة النطاق ومحدودة المطامع[28]. وإذا كانت روما قد عرفت في تلك الفترة إلى حد ما نوعًا من الديمقراطية السياسية، فإن الهيئة التشريعية لم تكن مكونة، ولم تكن تمثل إلا عددًا محدودًا وضئيلًا من الشعب الروماني. فأهالي الأقاليم لم يكن عليهم إلا أن يخضعوا وينفذوا، وحتى في داخل روما ذاتها كانت فقط طبقة الأشراف هي التي تحكم وتوجه فعليًا سياسة الدولة. صحيح أن هذه الطبقة، طبقة الأشراف، اتسعت رويدًا رويدًا، ولكنها لم تتسع إلا لتضم عناصر جديدة ترى ضرورة استيعابها ورفعها إلى مرتبة الأشراف، لا لأن تنزل المرتبة العامة لتسوى بين الجميع في الحقوق السياسية.

تلك هي الناحية السلبية، فما هي الناحية الإيجابية في خصائص الدستور الروماني؟

حاول النظام الجمهوري أن يحطم التمييز العنصري الذي كان قائمًا بين طبقتي الشعب: طبقة الأشراف وطبقة العامة، الذي عرفته روما خلال العصر الملكي وحتى خلال الفترة الأولى في العصر الجمهوري السابقة على الثورة الكبرى. رغم أن أحدًا لا يعرف سببًا لهذا الانقسام، إلا أنه مما لا شك فيه أن مصدره عنصري بحت؛ وقد قام النظام الجمهوري على أساس محاولة التسوية بين الطبقتين من حيث الحقوق السياسية والحقوق الخاصة. على أن الذي يجب أن تتذكره هو أن تلك المساواة لم تكن تعني المساواة المطلقة[29]، ذلك أن التمييز بين طبقة الأشراف وطبقة العامة كان أساسه الناحية العنصرية، وقد حل محلها في النظام الجديد تقسيم أساسه الناحية الاقتصادية، ويجب أن نتذكر أنه سواء الأشراف أو العامة، كان كلاهما في الداخل يتكون من طبقات. هذا إلى جانب أنه يجب أن نتذكر أن النظام الجمهوري لم يحاول أن يحقق تلك المساواة إلا بعد فترة حكمت فيها فقط طبقة الأشراف عقب طرد الأسرة المالكة، وزعمت هذه الطبقة أن من حقها وحدها أن تكون نوعًا من الأرستقراطية الحاكمة تحل محل الملكية المطلقة، الأمر الذي اضطرت إزاءه طبقة العامة إلى أن تقود حركة ثورية جديدة كان سلاحها الفعال فيه هو الانفصال أو التهديد به، مما جعل الأشراف يسلمون تدريجيًا بالمساواة بين الطائفتين في أغلب الحقوق السياسية. ورغم أن المؤرخين لا يزالون حتى اليوم يقدمون هذه الثورة (أي ثورة عام 510 ق.م، طبقًا للتاريخ التقليدي) على أنها حركة ديمقراطية، إلا أنها من حيث طبيعتها كانت حركة توحيدية، بمعنى تحطيم الفوارق التي تفصل بين الجماعات، لا تحطيم الفوارق التي تفصل بين الطبقات، أو بعبارة أخرى أنها تمثل نهاية الجماعة الرومانية البدائية وبدء الجماعة الرومانية المتطورة[30]؛ الأولى مقسمة إلى جماعات مستقلة، والثانية جماعة موحدة. الأولى لا تحتاج للوحدة، والثانية في حاجة إلى الانسجام العضوي. ومنذ تحقيق ذلك الانسجام بدأ نوع من التحجير الهرمي يغلب على هيكل الجماعة الجديدة، أساسه فقط العامل الاقتصادي.

أما من حيث إقامة نوع من الرقابة، فإن الدستور الروماني لم يعرف فكرة توزيع السلطات، وإنما عرف تعدد الجهات التي تتولى السلطة الواحدة. فالسلطة التشريعية لم تكن فقط ملكًا للهيئات التشريعية. على العكس، كان القاضي أو ما يسمونه البريتور مشرعًا في نفس الوقت. كذلك كانت الهيئات الشعبية لها سلطات قضائية، والواقع أن الصفة الأساسية في النظام الجمهوري هي في ذلك التعدد بالنسبة لأولئك الذين حلوا محل الملك في حكم الدولة. هذا التعدد هو الذي كان يجعل الضمير الروماني يشعر بالارتياح، معتقدًا أنه يخلق نوعًا من الرقابة الدائمة الفعالة. ففي مكان الملك حل قنصلان يحكمان معًا الجماعة، على أنه من الخطأ الاعتقاد أن سلطة القنصل كانت تقل عن سلطة الملك، وفي هذا يقول «تيت ليف» بأن القنصل إنما كان ملكًا غير متوج. والواقع أن قاعدة التعدد هذه، فقط إلى جانب قاعدة القيد الزمني المعروفة، هي التي أوجدت نوعًا من التوازن بين اتساع السلطة من جانب وضرورة وضع قيد للتحكم الفردي من جانب آخر. فالتعدد كان يعني وجود قنصلين في آن واحد، كل منهما له نفس السلطات، وكل منهما يستطيع أن يعترض على قرارات زميله[31].

أما من حيث الحماية القانونية للمواطن، فنجد أن المشرع قد تدخل بإعلان ما يسمى بالحريات المدنية، والتي من مقتضاها أن المواطن من حقه في كل حالة يحكم فيها عليه بالإعدام أو بعقوبة مخلة بالشرف أن يلجأ إلى الشعب مجتمعًا في مجالسه العامة، مطالبًا بإعادة النظر في هذا الحكم، وأن من حق المواطن الذي يتأكد ضده الحكم بالإعدام أن يمنع تنفيذه بالنفي الاختياري[32].

هذه هي النظم التي قام على أساسها الدستور الجمهوري من حيث خصائصه كنظام متعارض مع النظام الملكي. فإلى أي حد حقق من -حيث تطوره التاريخي- الغايات التي أراد تحقيقها؟ من حيث النظام الداخلي، اتجه مجلس الشيوخ إلى خلق نوع من الأرستقراطية الحاكمة التي سبق أن عرفتها روما في نهاية العصر الملكي. مجلس الشيوخ من حيث أصله كان مجلسًا استشاريًا بحتًا يتولى تعيين أعضائه حكام المدينة، مقيدين في هذا بنوع من العرف الذي استقر منذ العهد الملكي، بحيث يدخل مجلس الشيوخ عادة كبار الحكام السابقين بعد أن يتركوا مقاليد الحكم. على العكس، اتجه مجلس الشيوخ إلى أن يسيطر تدريجيًا على جميع مسائل الحكم حتى أصبح هو القوة الحقيقية المسيرة للدولة. وفي داخل مجلس الشيوخ حدث نوع من التنظيم الطبقي بين أفراد مجلس الشيوخ ذاته، حتى إن بعض هؤلاء كان لهم حق المناقشة والكلام، والآخرون لم يكونوا يملكون ذلك. وهذا التقسيم لم يكن مصدره أي تنظيم تشريعي، وإنما نوع من العرف الذي يجد جزاءه في قوة اقتصادية، مردها الوحيد الاتجاه الرأسمالي الذي أصاب الجماعة الرومانية نفسها. وبسبب الحروب الكثيرة التي شنتها روما، قضى تدريجيًا على الطبقة الوسطى، بينما ازدادت غنى الطبقة العليا بحيث كونت أرستقراطية رأسمالية حقيقية بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من معانٍ. ومن ثم فقد أصبح مجلس الشيوخ تمثيلًا سياسيًا فعليًا لطبقة معينة، يدافع عن مصالحها وينفذ سياستها، أو بعبارة أخرى تحول النظام الجمهوري من حيث طبيعته إلى نظام أوليجاركي أو حكم الأقلية.

أما من حيث سياسة الاستيعاب، فنجد أن روما التي كانت قد استطاعت أن تحقق نوعًا من التفتيت للعناصر المتعددة وطحنها لخلق جماعة متجانسة، لم تعد قادرة على أن تؤدي نفس الوظيفة: فروما السابقة التي استوعبت العناصر الأتروسكية، والتي قضت على الفوارق بين طبقة العامة وطبقة الأشراف، في عهدها الجمهوري، وبصفة خاصة في فترة ازدهار النظام الرأسمالي، لم تحاول أن تستوعب العناصر الجديدة داخل نظامها السياسي. بنت سياستها على استبعاد واستغلال هذه العناصر، التي كان مقدرًا لها بسبب سياسة التوسع والفتح أن تدخل في نطاق الجماعة الرومانية، حتى بالنسبة لنفس العناصر التي تشترك مع الجماعة الرومانية من حيث الأصل اللاتيني. وأضحى حكم الأقاليم المفتوحة وسيلة تسمح لكبار الطبقة الحاكمة بالحصول على المال من طريق غير مشروع، أساسه الاستغلال الاستعماري، وكانت نتيجة ذلك أن بدأ النظام الدستوري يتصدع. فهو من جانب وضع ليواجه حاجات روما عندما كانت محدودة الاتساع ومحدودة عدد السكان، ومن جانب آخر لم يكن موضوعًا ليواجه سياسة رأسمالية معينة[33]. واليوم، وقد أصبحت روما دولة كاملة بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من معانٍ، كان عليها أن تجدد في دستورها لمواجهة الحقيقة السياسية الجديدة، ولكن هناك طبقة معينة تجد من مصلحتها الدفاع عن النظام القائم والتمسك به (statu quo) لأنه يسمح لها بتحقيق مآربها. ففي ظل نظام مقفل، من السهل الاستغلال بدعوى المحافظة على القديم، ولو تطور مثل هذا النظام ليقبل عناصر جديدة، تدعي نفس الحقوق، لكان معنى ذلك تسرب قوى جديدة تسمح بتوازن ليس من مصلحة الطبقة الحاكمة وجوده.

 

6- محاولة اصلاح النظام الجمهوري خلال القرن الثاني قبل الميلاد وإخفاقها:

على أنه لا يصح أن نعتقد بأن الرومان أنفسهم لم يتنبهوا إلى ضرورة إصلاح هذا الوضع الذي ترتب على وجود نوع من الخلف بين الصورة الشكلية للنظام السياسي والقوى الاجتماعية التي تستتر خلف تلك الصورة النظامية. وإذا كانت المصادر تحدثنا عن محاولة الإصلاح من جانب الأسرة الجراكية، فمما لا شك فيه أنه أيضًا قبل تلك المحاولة وجدت فكرة تغيير النظام الدستوري الروماني في دائرة شيبيون الإفريقية. ويذكر لنا بهذا الخصوص شيشيرون كيف وقفت الأرستقراطية الرومانية ضد محاولات قاهر هانيبال خلق إمبراطورية عالمية تعيد الصورة التي عرفتها الحضارة القديمة في عهد الإسكندر الأكبر. وإذا كنا نعلم عن طريق شيشيرون أن الفيلسوف باثيتيوس أثر تأثيرًا ضخمًا على شيبيون، فإننا نعلم أيضًا من أكثر من مصدر أن فكرة إنسانية نبتت وترعرعت في هذا الوسط المتأثر بالحضارة الإغريقية[34]. وقد جرى المؤرخون على أن يروا في محاولة شيبيون رجوعًا إلى النظام الملكي وإلغاء للنظام الجمهوري. ولكن الواقع أن خلف محاولة شيبيون الأفريقي يجب أن تتلمس أول مظاهر إقامة دولة لا ذات نظام مقفل للحكم، وإنما ذات نظام، ولو أنه تصاعدي من حيث السلطة، إلا أنه مفتوح من حيث الوصول إلى السلطة. فالنظام الروماني القائم على أساس حكم الأقلية بدعوى الجمهورية ما كان ليقبل مثل هذا النظام المشبع بالأفكار الإغريقية في صورتها الهيلينية.

على أن المحاولة الحقيقية التي أخذت صورة دستورية، رغم إخفاقها، بدأت (جراكوس الأكبر - تي بريوس) وانتهت بأخيه (بعد قتل هذا الأخير) «كايوس»، الذي صادف بدوره نفس النهاية عام 121 ق.م. كلاهما كان مؤمنًا بأن الدستور الروماني في وضعه الذي وصفه لنا بوليب لم يكن يستطيع مواجهة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أصابت الجماعة الرومانية[35].

بدأت تلك المحاولات «تي بريوس» بقانون تحديد الملكية الزراعية، وكانت الغاية الحقيقية منه إعادة خلق طبقة وسطى لإقامة نوع من التوازن بين الطبقة الأرستقراطية فاحشة الغنى والطبقة الثالثة عظيمة الفقر. لا تعنينا تفاصيل هذا القانون الذي يثير الكثير من نقاط الاستفهام حتى اليوم، ولكن الذي نود أن نؤكده هو أن المبادئ التي قامت عليها حركة الإصلاح لم تكن إلا ترديدًا للمبادئ القديمة التي عرفتها روما الجمهورية في مرحلتها الأولى: مبادئ بطبيعتها محافظة لا تريد إلغاء الدستور الجمهوري، وإنما تجديد النظام الديمقراطي، تجديدًا يعني تقوية الجهاز الحكومي في سبيل الصالح العام وليس في سبيل طبقة معينة وهي الطبقة الأرستقراطية. المثل الأعلى الذي دافع عنه «جراكوس» يذكرنا لا بما سوف نراه فيما بعد من مبادئ متطرفة سوف يقول بها (كاتيلينا)، وإنما هو ترديد لما نعرفه عن «فارون» ومن قبله «ليشينيو». وتحدثت النصوص عن كيف كانت تقبل الجماهير من جميع أنحاء إيطاليا بمجرد أن تسمع باسم هذا الزعيم لتؤيده وتناصره في محاولته الإصلاحية[36]. على أن (جراكوس)، الذي أراد أن يظل في محاولاته أمينًا على النظام الدستوري، انتهى بفقد حياته بعد أن نجح في فرض الإصلاح الزراعي، وحاول أن يضع حدًا للمشكلة الإيطالية، أي لمشكلة اشتراك الإيطاليين في ager publicus[37]. وسرعان ما أعقبه أخوه الأصغر (كايوس)، الذي حاول أن يعتمد على قوة الفرسان لخلق صورة جديدة من الديمقراطية قائمة على أساس القوة الاستعمارية للطبقة المتوسطة. رغم إخفاقه بدوره، إلا أن تلك الحركة توضح بشكل قاطع أمورًا ثلاثة:

أولًا- أن ما نقله إلينا بوليب عن وصف الدستور الروماني خلال تلك الفترة كدستور مثالي، إنما يعبر فقط عن رأي الطبقة الأرستقراطية، قسطه من التملق أكثر من قسطه من الحقيقة.

ثانيًا- أن هذه الحركة أنتجت خلق اتجاهين واضحين في الرأي العام: أحدهما يدافع عن الدستور القائم، والآخر يرفض ذلك الدستور ويطالب بتعديله وإصلاحه. وسوف يكون هذا الانقسام مصدرًا لحزبي الأخيار والشعب، اللذين سوف يتبلوران خلال القرن التالي.

ثالثًا- أن إخفاق الحركة الجراكية سوف يخلق تلك الكارثة التي سوف تنتهي بأن تجعل من الجيش القوة الوحيدة المسيطرة على علاقة التوازن بين القوى السياسية[38].

 

7- انهيار النظام الجمهوري خلال النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد والعودة إلى نظام الحكم المطلق:

لم تمضِ على قتل «جراكوس» عدة أعوام حتى ثارت إيطاليا بأجمعها على روما، تطالب بالمساواة بين أهالي إيطاليا والرومان، واندلعت الحرب التي استغرقت ثلاثة أعوام كاملة، انتهت بإصدار قانون يتساوى بمقتضاه جميع اللاتينيين من سكان إيطاليا مع روما في التمتع بالجنسية الرومانية. وكان هذا إيذانًا باندلاع قوى جديدة لم تكن حتى تلك اللحظة تشعر بمدى ما تستطيع أن تحصل عليه لو اتحدت فيما بينها[39].

والواقع أن النظام الدستوري الذي كانت قد عرفته الجمهورية الرومانية في أول حياتها لم يكن يستطيع أن يعيش في ظل نظام استعماري إلا إذا قام ذلك النظام على أساس إلغاء الحرية بجميع صورها، سواء كانت واقعية أو شكلية. وقد أبَت الجماعة الرومانية أن تعدل من نظامها لتسمح باستيعاب تلك الجماهير، منتهية بذلك إلى تحطيم حرياتها الدستورية، معيدة نظامًا تعسفيًا باسم حكم الأمير. وبعبارة أخرى، إن روما الأرستقراطية حاولت أن توفق بين مبدأين لم يكن من المستطاع أن توفق بينهما: مبدأ الوحدة بطريق التناسق الذي طبقته حينما أعطت جميع الإيطاليين حق الجنسية، ومبدأ السيادة بطريق الأصل، وهو الذي أرادت أن تحتفظ به عن طريق الدفاع عن الدستور الجمهوري[40].

وكان لابد وأن يُضحى بأحدهما إن أريد للآخر البقاء، على أن الأرستقراطية الرومانية لم تشعر، رغم خطورة الحال، بضرورة مواجهة الأوضاع بشيء من الواقعية التي كانت إحدى خصائص العقلية الرومانية في علاقاتها الخارجية. فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أوضحت مدى عمق الكارثة التي تنخر في الجماعة الرومانية ازدادت خطورة، والسياسة الرأسمالية أحدثت تركزًا متزايدًا للثروة في أيدي الطبقة الأرستقراطية في نفس الوقت الذي جعلت فيه الصدام بين الأرستقراطية النبيلة وبين طبقة الفرسان أمرًا لا مفر منه[41]. والمشكلة الزراعية من جانب آخر، التي كان قد واجهها "جراكوس" بالكثير من الحزم، لم تنتهِ بنتيجة فعلية، ومشكلة العبيد لم يقبل أحد أن يواجهها بأي نوع من الواقعية. حتى تلك اللحظة، لم تعرف السياسة الرومانية أي محاولة لتحرير العبيد، وذلك رغم الثورات المتعددة والمتعاقبة التي أبانت خطورة المشكلة: ثورة صقلية عام 104 ق.م، ثم الثورة التي قادها «سبارتاكوس» لم تكن إلا أمثلة لتطور خطير نحو قلب نظام الحكم، أو على الأقل نحو الانفصال عن القوة السياسية المحركة. كذلك المشكلة الإيطالية التي سبق أن رأينا كيف أنها كانت أساسًا محاولة لإقامة نوع من المساواة بين أهالي روما وبين اللاتينيين من أهالي شبه الجزيرة الإيطالية. وإذا كانت الحركة الإيطالية قد استطاعت أن تنتهي إلى إكراه الجماعة الرومانية على منحها الجنسية، فإنها لم تستطع أن تُكره تلك الجماعة على إصلاح الدستور بحيث يحمي الاستعمال الفعلي للحقوق السياسية لطائفة الإيطاليين[42].

لا يعنينا أن نبحث الأسباب التي من أجلها أخفقت الحركات الإصلاحية، رغم تعدد القوى السياسية التي كانت تستطيع بالتحالف بينها إكراه الأرستقراطية الرومانية على قبول إصلاح الدستور الروماني وإعطاء الجماعة صورة جديدة أكثر تطابقًا للقوى السياسية التي تبلورت خلال هذه الفترة. ومن العبث أن نقبل التفسيرات التي لا يزال الكثير من شراح الدستور الروماني يقدمونها، متأثرين بما أرسله إلينا المؤرخ "ساللست"، المعاصر للحروب المدنية، من أن ذلك التدهور لم يكن إلا نتيجة لفقد الجماعة الرومانية لمثلها الأعلى. والواقع أنه إذا صح أن الثورات لا تنجح إلا لضعف خصومها، فإن روما الجمهورية تقدم مثلًا واضحًا لصحة ذلك. فروما الضعيفة المتهالكة على نفسها ما كانت تدق ساعة الخطر، إلا والطبقة الأرستقراطية فيها متحدة متماسكة، لا تعرف التشقق ولا التصدع، بل الوحدة والتفاني في الدفاع عن مصالحها رغم أنانيتها. وهكذا نستطيع أن نفسر دستور (سيللا) كتعبير جديد عن مصالح الطبقة الأليجاركية[43].

على أن مصائب روما لم تنته عند هذا الحد. ففي خلال القرن الأول قبل الميلاد، عرفت روما ولأول مرة في تاريخها الجمهوري ظاهرتين: الأولى، التحايل على الدستور الجمهوري من جانب مجلس الشيوخ، الأمر الذي جعل الدستور الجمهوري يفقد كل قوة مستندة إلى ثقة الرأي العام؛ مثل ذلك إيقاف الدستور لمدة يوم، حتى يستطيع مجلس الشيوخ أن يعين قنصلًا لا تتوافر فيه الشروط اللازمة. والثانية، إنشاء جيش مهني بفضل إصلاح «ماريو»، الذي أوجد داخل الجماعة قوة جديدة متجانسة سوف يقدر لها، بفضل ذلك التجانس، أن تكون القوة الحاسمة في القضاء على نظام الحرية الذي عرفته روما حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد[44].

 

لتحميل ملف الفرع الأول من الدراسة

رابط الجزء الثاني: المشكلة السياسية للدستور الروماني خلال العصر الجمهوري (2-2)

 

* مستخرج من مجلة القانون والاقتصاد التي يصدرها أساتذة كلية الحقوق بجامعة القاهرة -العدد الرابع- السنة الثلاثون، مطبعة جامعة القاهرة 1960م.

** الدكتور حامد عبد الله ربيع (1925–1989) مفكر وأكاديمي مصري بارز، يُعَدّ من رواد الفكر السياسي والدراسات الإسرائيلية في العالم العربي. جمع بين التعمق في العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بحصوله على خمس شهادات دكتوراه من جامعات أوروبية مرموقة، وتولّى التدريس في جامعات مصرية وعربية وغربية. أسس مراكز بحثية وأكاديمية مهمة، وأسهم في إدخال الدراسات الصهيونية إلى الجامعات المصرية. حين قدّم د. حامد ربيع هذه الدراسة كان أستاذًا حرًا في الشرائع القديمة بجامعة روما، وأستاذًا مساعدًا في العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وملحقًا بالمركز الفرنسي للأبحاث العلمية. عُرف بتمسكه بالهوية الحضارية الإسلامية مع انفتاحه على دراسة الغرب نقديًا، وترك عشرات المؤلفات في الفكر السياسي، والأمن القومي، والصراع العربي الإسرائيلي. توفي في القاهرة عام 1989 في ظروف وُصِفَت بالغامضة.

[1] المرجع الأساسي في هذه الناحية Biondi, Prospettive romanistiche, 1933. قارن أيضا من بين المراجع العديدة التي تتناول مشكلة القانون الروماني من حيث دراسته وتدريسه الجامعي:

 Schwarz, Pandekent wissenschaft und hentiges rxomanistische Studium, 1928; Orestano, Introduzione allo studio storico del diritto romano, 1953.

[2]  كذلك انظر:

 Biondi, Il diritto romano 1958.

[3] Toffanin, La storia dell, umanesimo, 1950

[4] Lanye, Die Verarbeitung Klass. und Nachkl. Lehren in den mitt. Rechtswiss., in Zeitschrift der Savigny Stiftung fur Rechtsgeschichte, Rom. Abtheilung, 1955, Vol. LXXII pp. 211 as.

[5]  قارن:

 Schulz, Romun legal Science, 1934.

[6] الكتاب كان أصلا مجموعة من المحاضرات ألقاها العالم الألماني بجامعة برلين قبل أن يهاجر إلى بريطانيا العظمى، حيث أعاد نشر المؤلف عام ١٩٣٦؛Schulz, Prinzipien des romischen Rechts, 1934 : وقد ترجم أيضا إلى اللغة الإيطالية تحت اشراف أستاذنا ارانجو رويز عام ١٩٤٩.

[7] قارن:

 Vool, Istituzioni di diritto romans, 1954.21.

[8] سبق أن تنبأنا في رسالتنا عام ۱۹۵۰ بعنوان Fasi di Svilippo dell ordina mento guridico romano: Nuovi orientamenti: وقد عدنا عقب ذلك إلى إيضاح موقفنا بتفصيل أكثر بخصوص مناقشة فقهية بمجلة Laboo عام ١٩٥٦ ص٢٣٧ وما بعدها.

[9] انظر أيضا رسالتنا:

 Libertas: Rome å le recherche de Sor idéal politique, 1959.

[10] قارن موسكو، علم القانون وطرق البحث في علم القانون، ١٩٥٤، ص١٧ وما بعدها.

[11] في مؤلف لمونتسكيو بعنوان "اعتبارات حول أسباب عظمة وانهيار الحضارة الرومانية" نجد أول محاولة للجمع بين هاتين الناحيتين من نواحي العرض الفلسفي للنظم السياسية.

[12] قارن مؤلف (سبرانجر)، الثقافة، ١٩٢٦، ص۹۷ وما بعدها.

[13] انظر بهذا الخصوص مؤلف (تايلور): الاحزاب السياسية في فترة حكم قيصر، ۱۹۳۹، ص۱۷ وما بعدها.

[14] انظر (مينو)، مقدمة علم السياسة، ١٩٥٩، ص١٦١ وما بعدها.

[15] نفترض في القارئ إلمامًا كاملاً بالوقائع التاريخية. وعلى كلٍ نحيل في هذا الخصوص إلى (كروزيه)، التاريخ العام للحضارات، الجزء الثاني، ١٩٥٦، ص۱۰۲ وما بعدها.

[16] من العبث محاولة تقديم ثبت بأسماء المراجع التي يمكن الإحالة إليها بخصوص دراسة الدستور الروماني. ونكتفي بأن نقدم بعض التوجيهات العامة، تاركين التفاصيل لفرصة أخرى.

أول هذه الملاحظات أن الدراسة العلمية الصحيحة يجب أن تبدأ من المصادر المباشرة. ولدينا بخصوص هذه الفترة مصادر عديدة جديرة بكل تصديق وثقة. يجد القارئ ثبتًا بها وعرضًا نقديًا لها ولِما تضمنته من أخبار ووقائع في المؤلفات التاريخية العامة، وبصفة خاصة في مؤلف دي سانكنس (الجزء الأول)، وباريتو (الجزء الثالث)، وباربا جاللو (الجزء الثاني من تاريخ روما). ويستطيع القارئ أن يلجأ إلى مقال استانا أرانجو رويز التالي ذكره لفهم طبيعة هذه المصادر.

ARAN G10-RUIZ, La costituzione e la Sua Storia, in Gudio allo Studso della civilta romane,

Vol. 1, 1952, pp. 251 SS.

ثاني هذه الملاحظات أن الدراسات الفقهية للدستور الروماني نوعان: أحدهما نظامي، بمعنى أنه يتناول النظم المختلفة ويعرض لها بعد أن يُجرِّدها من إطارها التاريخي، مثل ذلك مؤلَّف مومسن الكلاسيكي عن القانون العام الروماني. والثاني تاريخي، بمعنى أنه يتتبع النظام الدستوري كوحدة كلية تضم المقومات الفرعية، وهذا هو الاتجاه المعاصر بصفة عامة في دراسة الدستور الروماني. مثل ذلك:

MEYER, Röm. Staat und Staate-gedanke, 1949.

آخر هذه الملاحظات أن مُلخَّصًا بالمراجع يمكن أن يُعتبر نقطة بدء كافية يجدُه القارئ في تاريخ النظم لزميلنا الفرنسي إليل:

ELLUL, Histoire des institutions, I, 1958, pp. 347 ss.

[17] كذلك «بيوندی»، القانون الروماني، ۱۹۵۸، ص۷۷ وما بعدها، قارن ص۱۲۸.

[18] انظر تفصيل ذلك في «شلذ»، مبادئ القانون الروماني، الطبعة الايطالية، ص٧٤ وما بعدها.

[19] انظر الإحالات المذكورة في المرجع السابق ص٩٦ وما بعدها.

[20] تناول هذا العنصر بالكثير من الايضاح «كاسر» في مقاله عن عادات الآباء بالمجلة الألمانية للقانون الروماني عام ۱۹۳۹، ص۸۹ وما بعدها.

[21] انظر تفصيل ذلك في رسالتنا عن الحرية في الحضارة الرومانية، ١٩٥٩.

[22] هذا العنصر تختلف فيه النظريات، راجع خلاصة لذلك في تعليق ه موملياني، بمجلة القانون الروماني الأمريكية عام ١٩٥٥، ص١٣٩ وما بعدها.

[23] ما نقوله في هذه الصفحات هو تلخيص القسم الأول من مؤلفنا عن الدستور الروماني، ميلانو عام ١٩٥٥.

[24] قارن (ديمارتينو)، تاريخ الدستور الروماني، الجزء الأول، ١٩٥١، ص١٦٣ وما بعدها.

[25] In's agendi cum populo

[26] انظر تفاصيل ذلك في (دیفرانششی)، تاريخ القانون الروماني، الجزء الأول، 1929، ص۳۲۷ وما بعدها.

[27] هذا هو التفسير الذي قدمناه في مؤلفنا من الحرية في الحضارة الرومانية، انظر أيضًا لمارتيني، تاريخ الدستور الروماني، الجزء الثاني، ١٩٥٥، ص۳۱۱ وما بعدها.

[28] انظر في أسباب اتخاذنا لعام ١٤٦ كحد فاصل بين المرحلتين: «جوارينو» تاريخ القانون الروماني، ١٩٥٤، ص۲۱۰ وما بعدها.

[29] انظر التفاصيل في (بيندر)، طبقة العامة، ۱۹۲۱، ص٤٧٨، وما بعدها.

[30] في هذا المعنى يتفق معنا (كروزيه)، المرجع السابق ذكره، ص۸۱ وما بعدها.

[31] (دیسانکتس)، تاريخ الرومان، الجزء الأول، ١٩٥٨، ص٣٩٨ وما بعدها. قارن جوارينو، تكوين الجمهورية في المجلة الدولية للشرائع القديمة، ١٩٤٨، ص٩٥ وما بعدها. وانظر «مومن»، قانون الدولة، الجزء الأول، ص۷۷ وما بعدها من الطبعة الألمانية.

[32] (بندر)، المرجع السابق الإشارة إليه، ص٥٦٢ وما بعدها. قارن (سيبر)، الاعتراض، في المجلة الألمانية للقانون الروماني، ١٩٤٢، وما بعدها، ص۳۸۱.

[33] (ديماريتنو)، تاريخ الدستور الروماني، الجزء الثالث، ١٩٥٨، ص٣٠، وما بعدها.

[34] (شولد)، مبادئ القانون الروماني، المرجع السابق الإشارة إليه، س ١٦٤ وما بعدها. قارن (جيونجي)، القانون الروماني، المرجع السابق الإشارة إليه، ص٦١٢، هامش رقم ٢.

[35] انظر تفصيل ذلك في مؤلف (فريتز)، نظرية الدستور المختلط في الحضارة القديمة، ١٩٥٤، ص۱۲۳ وما بعدها.

[36] انظر (دیللا كورت)، قارون، ١٩٥٤، ص۱۷۷ وما بعدها. وقارن الموسوعة الكلاسيكية تحت صوت نفس المؤلف.

[37] قارن التفاصيل في (فراکارو)، دراسات حول العصر الجراكاني، ١٩٤٧، ص١٤٥ وما بعدها. وقارن (مونسر) في المجموعة الكلاسيكية الجزء الثاني، ص١٤٢٠ وما بعدها. و(لاست) في تاريخ كمبردج القديم، الجزء التاسع، ١٩٥٤، ص٣٤ وما بعدها.

[38] في هذا المعنى (باريتي)، تاريخ روما، الجزء الثالث، ١٩٥٩، ص٦٢٥ وما بعدها.

[39] يعرض لهذه المشكلة بشيء من التفصيل (فير سوبسکی)، حق الحرية، ١٩٥١، ص۱۲۷ وما بعدها.

[40] انظر عرضا آخر للمشكلة الدستورية في (ايليل)، تاريخ النظم، ١٩٥٨، الجزء الأول، ۳۷۰ وما بعدها.

[41] قارن (مومسن)، تاريخ روما، الجزء الثاني، ص١٦٤ من الطبعة الألمانية.

[42] قارن (ابيانو)، الحرب المدنية، الجزء الأول فقرة ٣٦ وما بعدها... وراجع (نيكوليني)، قوانين الجنسية الرومانية في أعمال الأكاديمية الإيطالية، 1928، ص۱۱۰ وما بعدها.

[43] صورة غامضة في تاريخ الحضارة الرومانية رغم محاولات (ليفى) في مؤلفه عن سيللا، ١٩٢٤، ص۱۳۳ وما بعدها. وكذلك رغم مجهود (باكر) عن نفس الشخصية، ۱۹۲۷ ص۲۷۷ وما بعدها.

[44] انظر تفاصيل ذلك في (مونسير)، الموسوعة الكلاسيكية، الجزء الثاني، ص۱۸۱۲ وما بعدها، والجزء الثالث، ص٢٨٤٩ وما بعدها.