تسعى هذه الدراسة** إلى إجراء مقارنة بين مسارات الحداثة ومآلاتها في كل من اليابان ومصر، حيث ترى الباحثة أن العوامل المشتركة بين مصر واليابان يمكن تتبعها من خلال العلاقة بين تراثهما الثقافي الأصلي، ومقاربتهما للحداثة، إضافة إلى مسألة ما بعد الحداثة.

ومن خلال ما جاء في مقدمة الدراسة فإن الباحثة تركز على دراسة مشروع المفكر المصري طارق البشري (1933-2021م) الذي كرس حياته في مقاربة المسائل المتعلقة بالأصالة والتحديث المعاصرة في المجتمع المصري، ودراسة أفكار طارق البشري من قبل باحث ياباني يمكن أن تفهم على أنها شكل من أشكال التواصل الفكري والمعرفي. وبناءً عليه، تعقد هذه الورقة مقارنة بين مسارات التحديث في كل من مصر واليابان، ثم تدرس أثر طارق البشري على الحراك الفكري في مصر خصوصًا، وصدى هذا الفكر في السياق العالمي عمومًا.

وقد أشارت أياكا في هذا الشأن إلى أنه يمكن القول إن العلمانية "فشلت أخيرًا في ترسيخ جذورها داخل المجتمع المصري وإن الدين لا يزال يمارس تأثيره المباشر وغير المباشر بوضوح لا يخفى على متتبع. ولذلك يواجه المجتمع المصري تحديًا صعبًا في بناء حداثة جديدة لا تنفي التدين ولا تستأصله، بل تجد لنفسها مكانًا إلى جانبه؛ مغايرة بذلك الحداثة العلمانية التي لطالما اعتبرها الغرب واليابان بديهية وأمرًا واقعًا لا مفر منه. وفي هذا الصدد، يبرز المفكر طارق البشري بوصفه أنموذجًا فرض حضوره في الحالة الثقافية المصرية من خلال دراسته للعلاقة بين التحديث والتقليد على نحو يربط فيه التقليد بالتراث الإسلامي بشكل واضح".

ولخصت الكاتبة اليابانية الدور الذي لعبه مفكّرو تيار الوسطية الإسلامي في مصر –ومن ضمنهم المستشار طارق البشري- في النقطتين التاليتين:

أولا: أنهم رفضوا الفكر الإسلامي المتطرف والمتعصب، إضافة إلى تناولهم مجموعة من القضايا المحورية المعاصرة في الفكر الإسلامي كالحرية والحقوق والمساواة والعلاقات بين الأديان والإصلاحات المتعلقة بالقانون الإسلامي والنظام القضائي. فقد كتب البشري، على سبيل المثال لا الحصر، على نطاق واسع في تسعينيات القرن الماضي حول وجهة نظر الفقه الإسلامي في نظرية المواطنة، التي غدت مفهوما أساسيا في الفكر السياسي الإسلامي في أي مناقشة معاصرة للمساواة بين المواطنين. كما صرح عن قناعته بأن الدولة التي يجب على المصريين السعي لإقامتها لا تتمثل في إحياء الدولة الإسلامية الماضية، بل هي دولة ديمقراطية حديثة تتيح لجميع أفرادها ومواطنيها المشاركة على قدم المساواة، بغض النظر عن دينهم الذي ينتمون إليه أو جنسهم. كما أعلن البشري في كتابه المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية" الحاجة إلى الاجتهاد ودعا إليه، كما ناقش إمكانية تولي القبطي لرئاسة الدولة نظريا من خلال توضيحه للفرق الجوهري بين طبيعة رئيس الدولة الإسلامية التقليدية وطبيعة الدولة الحديثة.

ثانيا: أنهم -ومن خلال نشاطاتهم الفكرية والاجتماعية- قاموا بدور الوساطة في الصراعات بين العلمانيين والإسلاميين والمسلمين والمسيحيين وغيرهم من أصحاب الانتماءات الأيديولوجية والدينية والسياسية المختلفة. هذه الوساطة يمكن التعبير عنها بكلمات د. محمد سليم العوا في وصفه لهدف التيار الوسطي الإسلامي بأنه "جمع الناس معا".

 

وخلصت الباحثة – في خاتمة دراستها- إلى ما يأتي:

إن اليابان ومصر على -الرغم من تباعدهما الجغرافي- قد نهجا مسالك مشابهة في مهد الحداثة، وعلى الرغم من التزام اليابان بالإمبريالية لفترة من الزمن، فإن الباحثين اليابانيين الذين كونوا علاقات مع مصر بعد الحرب العالمية الثانية، واصلوا دراساتهم في المقارنة بين الحضارتين وأبحاثهم المتعلقة بالتفاهم بين الثقافتين، ولم يقصروا في التعلم من المجتمع المصري، والتفكير في القضايا السياسية والاجتماعية والتاريخية في اليابان.

وقد علق سانيكي ناكاوكا Saneki Nakaoka، الباحث في التاريخ الاقتصادي المصري والعربي، مرة بأنه من خلال تواصله مع المثقفين العرب شعر باختلاف في الوعي بين الشعبين إزاء مستقبل الأمة. وانتقد المثقفين اليابانيين لمواقفهم غير المؤكدة فيما يتعلق بأهداف أمتهم، وشجب شعور الرضا الخفيف عن وضعهم المكتسب في المجتمع الدولي. هذا الوعي النقدي الذي تبنّاه ناكاوكا في أواخر ستينيات القرن الماضي وسبعينياته لم يفقد حيويته ونضارته إلى اليوم، حتى بعد مضي ما يقارب الخمسين عاما.

وكما قررت في المقدمة، كانت مصر لليابان في العصر الحديث نموذجا يحتذى به. وحتى اليوم ثمة الكثير من الأفكار التي تطورت في مصر الحديثة يمكن لليابانيين أن يتعلموها ويفيدوا منها، منها على سبيل المثال - تلمس الطريق لفهم طبيعة الحداثة والأصالة والعلاقة بينهما من خلال دراسة التاريخ، وبذل الجهود الحثيثة للتغلب على الانقسامات السياسية والاجتماعية، إضافةً إلى تنمية وعي مرهف إزاء مستقبل الأمة.

 

محتويات الدراسة:

  1. أثر الحداثة الغربية على اليابان ومصر.
  2. أهمية نقد التقليد "الأصالة" والمعاصرة "الحداثة".
  3. طارق البشري مفكرًا للديمقراطية والتيار الأساسي.
  • ‌أ- طارق البشري ورؤيته كمفكر لتيار الوسطية الإسلامية: محاولات الوساطة في الصراعات داخل المجتمع المصري.
  • ‌ب- تجليات التاريخ المصري الحديث في فكر البشري وصياغة مفهوم "التيار الأساسي".
  • ‌ج- أهمية فكر البشري الديمقراطي في السياق المصري والعالمي.

      - الخلاصة.

 

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

 

 *أستاذ مساعد بجامعة ريتسو ميكان باليابان.

** نشرت هذه الدراسة في العدد الخامس والعشرين من حولية أمتي في العالم: منهاج النظر الحضاري في قضايا الأمة - قراءة في فكر المستشار طارق البشري، الجزء الثاني، 2023، ص: 1003-1027.

يُعد "معجم مصطلحات العلوم الشرعية"، مبادرة رائدة في مجال بيان معاني المصطلحات الشرعية، ويمثل إضافة كبيرة للباحثين المهتمين بالجوانب الشرعية، وللجهات الإسلامية، ولطلاب العلوم الشرعية حول العالم.

ويقع المعجم في أربعة مجلدات، وقد شارك في إعداده مجموعة من المؤلفين تحت رعاية وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية. صدرت الطبعة الثانية منه عن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض في عام 1439هـــــــ/ 2017م، وهي الطبعة التي ننشرها رفق هذا التقديم.

وهذا المعجم -حسبما جاء في كلمة د. تركي بن سعود بن محمد آل سعود (رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية) الواردة في صدر المعجم–: "إصدار يؤصل لمفاهيم ومصطلحات العلوم الشرعية في مجال علوم القرآن وعلوم الحديث، والعقيدة وأصول الفقه والثقافة والدعوة وعلوم الفقه والتربية والسلوك، وذلك لأهمية المصطلحات في العلوم الإنسانية عامة والعلوم الشرعية خاصة، وبيان خصائصها وتميزها، وتطبيق المبادئ الصحيحة في منهجية وضع واختيار المصطلحات العلمية والمساهمة في الحد من خلافات وضع المصطلحات في العلوم الشرعية، وتيسير فهم المصطلحات الشرعية على الدارسين بمختلف ثقافاتهم".

ومما جاء في مقدمة الباحث الرئيس للمعجم د. إبراهيم بن حماد الريس:

إن المصطلحات أصل تقوم عليه كثير من الدراسات، والأبحاث، والمقالات العلمية في كل علم من العلوم، والخلل في وضعها ينتج عنه حصول أخطاء كثيرة لها آثارها السيئة في الفهم والتطبيق.

وقضية (المصطلح) من القضايا ذات الأهمية الكبرى التي تشغل الدارسين في مختلف العلوم خاصة مصطلحات العلوم الشرعية، إذ لا يخلو علم من العلوم من مصطلح يؤطر ظواهره، أو يعنون معانيه، أو يدلل على حالة أو حادثة به، بل هو حاجة وضرورة لا بد منها، ليسهم في بقائه واستمراريته.

ومصطلحات العلوم الشرعية تبرز أهميتها وتستمد قوتها من مصدرها وهي النصوص القطعية في الكتاب والسنّة لأنها غنية بدلالاتها، لا يعروها التناقض، ولا يضيرها تشويه المفاهيم.

كما أن مصطلحات العلوم الشرعية هي أدوات فهم الخطاب الشرعي المتضمنة خصائصه وميزاته، وهي وسيلة الفقيه والمعلم والداعية لبيان الإسلام وأحكامه، لهذا كان الحرص على المصطلح الشرعي، فهمًا وتجديدًا، بحثًا ودراسة، من الأمور التي يوليها المختصون عنايتهم؛ فالعلوم الشرعية قامت على أساس استيعاب المفاهيم الشرعية في مصطلحاتٍ تميزت بالفهم والتطبيق.

ولئن كانت المصطلحات العلمية موضوعًا شاغلاً عالجه وتدارسه العديد من المختصين، إلا أننا في حاجة إلى ضبط فوضى التعامل مع المصطلحات، خاصة فيما يتعلق بالمصطلحات الشرعية؛ فالمصطلح هو روح النص العلمي ولا يتأتى التفاهم والتطوير إلا بتحديد مفهومه ودلالته وتوحيده وتنميطه وتعريفه؛ فمعرفة المفاهيم الشرعية والسعي لإدراك بعض مقاصدها ومآلاتها الدلالية هو تفعيل للحفاظ على القيم الحضارية والثقافية وإبراز الهوية وشعائرها الإسلامية التي نفخر بها.

إن الاهتمام بمعجم مصطلحات العلوم الشرعية يُعدّ ضرورة منهجية أولية، خاصة لما يتمتع به المصطلح الشرعي من خصائص هي أكثر اكتنازًا من المجالات الأخرى، فالحاجة إلى المصطلح لا تنتهي، لأنه علم دائم التجدد والتطور، مرتبط بنمو المعرفة الإنسانية، ومجال العلوم الشرعية هو رأس الأمر في مجالات العلوم الإنسانية، لذا كانت الحاجة للمصطلح هي الحاجة إلى تصويب الفهم والتبين.

إن مشكلة فهم المصطلح كانت من أولى المشكلات التي وقعت في الفكر الإسلامي، فأحدثت اختلافات جذرية في فهم الإسلام والإيمان وما يتبعهما من مسائل الأسماء والصفات، والقضاء والقدر وغيرها. قال ابن تيمية (۷۲۸هـ): "ومن أنفع الأمور معرفة دلالة الألفاظ مطلقًا، وخصوصًا ألفاظ الكتاب والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة، كثر فيها نزاع الناس".

وتكمن إشكالية مصطلحات العلوم الشرعية في أمرين:

الأول: ما ينشأ من اختلاف في المصطلحات ومعانيها بين الوافد من المصطلحات والإسلامي منها؛ وينشأ ذلك بسبب اختلافات الثقافات والبيئات، أو القصور في تعلم العلم الشرعي أو ضعف التأسيس المنهجي لدى عدد من المثقفين الذين يتناولون القضايا الشرعية في حديثهم، أو التزييف المتعمد في النقل أو الوضع.

والثاني: ما ينشأ من اختلاف على المصطلح الواحد -في الغالب- نتيجة الخلاف المذهبي، والخلفيات الفكرية والشخصية.

والمتأمل في منهجيات وضع المصطلحات المعاصرة يلحظ خلطًا كبيرًا بين كثير من العناصر، فإما أنها لا تفي بالغرض المطلوب، أو أنها –في كثير من الأحيان– تسبب فوضى تؤدي إلى عدم الدقة، إضافة إلى أن العفوية وغياب المنهج الواضح في تعريف أو وضع المصطلح الذي يخضع في كثير من حالات وضعه إلى عملية المراس والصبغة الشخصية، إلى نتائج سلبية تتسم بالاضطراب وعدم التناسق والوضوح.

إضافة إلى أن قصور بعض تلك المنهجيات عن الوفاء بمتطلبات العصر من المصطلحات في بعض العلوم الشرعية المتجددة والمعاصرة في النوازل المختلفة قد يكون ناتجًا عن عدم وضوح مفهوم المصطلح لدى كثير من المُصْطَلِحين، أو يكون ناتجًا عن الاجتهادات المختلفة التي يضعونها دون التزام بمنهجية موحدة تلزم الجميع العمل بها حتى تنتج أعمالاً تتسم بقدر من الاتفاق والتحديد، ولعل السبب راجع فيما يبدو إلى عفوية المنهجيات المقترحة بضبط المصطلحات.

ولما كانت المصطلحات في كل علم من العلوم وضعت تيسيرًا للتعبير عن قواعده التي هي لبه وجوهره، وتقريبًا لبيان ما يتعلق بذلك، وتحرّيًا للدقة في القول، واختصارًا له؛ زادت عناية المختصين في العلوم المختلفة بالمصطلحات لمواكبة هذا التطور، والعمل على دراسة وتجديد منهجية وضع وتعريف المصطلحات خاصة في العلوم الشرعية، والإفادة من الوسائل والطرائق التي رسخها علماؤنا القدماء في هذا الغرض التي قادتهم لمواكبة حضارة عصورهم، وإحرازهم قصب السبق، من خلال ضبط طبيعة هذه المصطلحات، وبيان إيحاءاتها الحضارية.

وقد بادرت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالعمل على إنشاء معجم لمصطلحات العلوم الشرعية، فتم ترشيح عدد من الباحثين المتميزين في العلوم الشرعية والعربية لجمع وتحرير مصطلحات العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية، وبيان معاني تلك المصطلحات بطريقة سهلة مختصرة، مع الأمثلة والشواهد، ليكون -بإذن الله -عونًا للطلاب والباحثين في مجال الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، على فهم تلك المصطلحات بيسر وسهولة.

وقد تم البدء في اعتماد العمل في مشروع (معجم مصطلحات العلوم الشرعية) في ١/١/١٤٣٦هـ.

 

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الأول

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الثاني

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الثالث

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الرابع

 

 

 

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الحصار الاقتصادي أحكامه وآثاره الفقهية" للدكتور عبد الله يوسف أبو عليان·، عن دار إقدام للطباعة والنشر باسطنبول في عام 1446هـــ/ 2025م، وهي الطبعة التي ننشرها رفق هذا التقديم، ويُذكر أنه قد تم طبع هذا الكتاب برعاية هيئة علماء فلسطين، وقدم للكتاب الدكتور نواف تكروري (رئيس هيئة علماء فلسطين).

وأصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه نوقشت في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود- الرياض- بتاريخ 23 رجب 1439هـــ، ونال بها صاحبها مرتبة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، كما أوصت لجنة المناقشة بطباعة الرسالة وبتداولها بين الجامعات، وأشرف على هذه الرسالة فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عمر بن فيحان المرزوقي، وتكونت لجنة المناقشة من كل من فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد عبد العزيز اليمني، فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحافظ يوسف أبو حميدة، فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن معلوي الشهراني، وفضية الشيخ الدكتور فهد بن صالح العجلان.

وقد أثنى الدكتور نواف تكروري -في مقدمته- على هذا الكتاب ومؤلفه؛ فكتب يقول: "إن عملاً مثل هذا يحتاج إلى باحث متميز، دقيق المقارنة، عميق الفكر، واسع الاطلاع الفقهي والواقعي، وطويل الأنفس، وصبور على التحليل والتركيب، وقوي التتبع، وهذا ما تلحظه في هذا المؤلف الذي تمرس صاحبه بهذا المجال وقضاياه ومنهجه، فالأخ -الدكتور عبد الله أبو عليان- لم يكن في عمله هذا مجرد جامع أو ناقل للمادة المعرفية من المصادر والمراجع، بل كان متمكنا من امتلاك كفايات التعليل المتعلقة بالفهم السليم، والاستدلال الصحيح، والاستنباط الواضح، والتدقيق في المقارنة بين الأقوال الفقهية وأدلتها، وتنقيح المناط، وتحقيق المصالح ودرء والمفاسد، فضلاً عن أنه صاحب همّ ومشروع معايش لما يعانيه شعبه وأهله في غزة الخاصة وفلسطين عامة، فهو يكتب بقلم الخبير في الحكم والواقع".

والمطلع على هذه الدراسة سيجد أنها انطلقت من كون الحصار الاقتصادي يُعد سلاحًا يهدد جوانب الحياة المختلفة، وتنتج عنه آثار كثيرة، وتترتب عليه أحكام فقهية عديدة، سواء في حكمه ابتداء، أم في مواجهته والتعامل معه، أم من حيث تأثيره في الأحكام، وأن هذه الأحكام تحتاج اجتهادًا يراعي المؤثرات المختلفة، وخاصة عند تنزيل أحكامه على واقعة معينة، لذلك خُصصت هذه الدراسة الفقهية لتعالج هذه الموضوعات، وتسعى لتحقيق مناطاتها في الحصار المعاصر.

ولقد حدد الباحث أهداف دراسته هذه على النحو الآتي:

  1. توضيح مفهوم الحصار الاقتصادي، وأنواعه، وتاريخ، وأسبابه، ووسائله، وآثاره.
  2. تجلية الأحكام الفقهية المتعلقة بالحصار الاقتصادي الواقع على المسلمين، وسلطة ولي الأمر في مواجهته والتعامل معه.
  3. الوقوف على أثر الحصار الاقتصادي في الأحكام الفقهية المتعلقة بالعبادات والمعاملات والأنكحة وغيرها.
  4. تحقيق مناط أحكام الحصار الاقتصادي في الواقع المعاصر.

واعتمد الباحث في دراسته على المنهج الاستقرائي التحليلي الاستنتاجي التطبيقي.

 

ومما جاء في مقدمة الباحث للدراسة:

يحتاج الناس في ظل الحرب الطاحنة والحصار الخانق، إلى الغذاء والماء والدواء والإيواء، وبجانب هذه الاحتياجات فإنهم بحاجة إلى فقه الحرب والحصار؛ ليعرفوا ما يأتوا وما يدعوا، وما حقه التقديم وما حقه التأخير، والثابت الذي ينبغي التمترس خلفه والمتغير الذي يمكن إبداء المرونة فيه، والرخص التي تباح نتيجة الحرب والدمار، والتدابير اللازم اتباعها في دفع العدوان وكسر الحصار.

وفي هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا الإسلامية وقضيتنا الفلسطينية، أقدم للمهتمين والمتخصصين خلاصة جهدي في رسالة الدكتوراه، بعنوان/ الحصار الاقتصادي أحكامه وآثاره الفقهية.

حيث تناولت فيها الحديث عن: أنواع الحروب وموقع الحصار منها، والأحكام الفقهية المتعلقة بالحصار الواقع على المسلمين، وواجب المسلمين تجاه إخوانهم المحاصرين، وسياسات ولي الأمر تجاه الحصار، وحكم خضوع المسلمين المحاصرين لمطالب الجهات المحاصرة، وأثر الحصار في العبادات والجهاد، وحكم الهجرة من البلد المحاصر، وأثر الحصار في المعاملات، والأنكحة، والغذاء والتداوي والعقوبات، وفيها عشرات المسائل الفقهية والمضامين المهمة في واقعنا المعاصر.

هذه الدراسة ولدت من رحم المعاناة والشدة والحروب والحصار، وجمعت بين التأصيل الفقهي والتطبيق الواقعي، سائلًا الله عز وجل أن أكون وفقت فيها لأرشد الآراء والاجتهادات، وجزى خيرًا مشايخي وأهلي وزملائي وكل من أفادني في إنجازها، وشكر الله لإخواني في هيئة علماء فلسطين على تبني الرسالة وطباعتها في هذا الكتاب.

 

واختتمت الدراسة بعدد من النتائج والتوصيات يمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: النتائج:

  • تفتقر الدول الإسلامية إلى ميثاق خاص ينظم أحكام فرض الحصار بينها، من حيث الحالات التي يجوز فيها، والضوابط التي ينبغي مراعاتها فيه، والجهة المسؤولة عن تقديره، وآلية التحاكم الدولي حال وقوعه بغير وجه حق، ومعيار تجريم المساهمين فيه، والجزاءات المناسبة تجاهه.
  • إذا وقع حصار اقتصادي على المسلمين، فلولي الأمر سلطة واسعة في اتخاذ التدابير المناسبة لمواجهته، سواء بإعلان الحرب، أو المصابرة رجاء انتهائه، أو مصالحة المحاصرِين على ما فيه ضيم، إن كان النفع فيه للمسلمين حال الاضطرار.
  • يختلف حكم الخضوع لمطالب الجهات المحاصرة باختلاف المآلات المترتبة عليه، غير أن الأصل جوازه في حق من لا طاقة له بعدوه، وينتقل الحكم من الإباحة إلى الوجوب أو الحرمة، باختلاف القرائن التي تحف الحالة، على أن ينضبط الجواز بمجموعة من الضوابط تجعل ضرر الخضوع أخف، والمصلحة المتحقق أرجح.
  • تؤثر بعض صور الحصار الاقتصادي في مجموعة من الأحكام الفقهية، في العبادات والمعاملات والأنكحة والغذاء والدواء والعقوبات، وغيرها من الأبواب الفقهية، ويختلف توصيف التأثير باختلاف شكل الحصار، والموضوع الفقهي محل التأثر.

ثانيًا: التوصيات:

  • أسهمت هذه الدراسة في تنقيح مناط أحكام الحصار وتأصيلها، أما تحقيق مناط أحكام الحصار في الواقع، وتنزيلها على حالة من الحالات، فيتطلب اجتهادًا تطبيقيًا خاصًا يختلف باختلاف حالة الحصار، فالفتوى في الواقع تتطلب الدراسة الفقهية للأحكام، والدراسة الاجتماعية للواقع، وقد أسهمت الدراسة في الجانب التأصيلي، وتركت الباب مفتوحًا في الجانب التطبيقي لدراسات لاحقة، تدرس حالة أو أكثر من حالات الحصار، وتجتهد في تطبيق الأحكام التأصيلية على واقع البلاد المحاصرة.
  • إن المسائل المرتبطة بالعلاقات الدولية لها أهمية كبيرة، تطلب الاجتهاد الجماعي في أحكامها، من خلال عقد المجاميع الفقهية المتخصصة لدراستها، وتبادل الآراء حولها، ويجدر بالمجامع الفقهية، والمركز البحثية، العناية بأحكام الحصار، فالاجتهاد الجماعي أسلم من الاجتهاد الفردي.
  • وقوع الحصار الاقتصادي على دول مسلمة يؤكد أهمية وجود محكمة إسلامية دولية، لها ميثاق شامل لتنظيم علاقات الدول المسلمة مع بعضها في السلم والحرب، وتتولى الحكم في نزاعاتها.
  • هناك مسائل عديدة متعلقة بالحصار مازالت بحاجة إلى توسيع دائرة البحث والدراسة مثل:
  • الأحكام المتعلقة بسياسة الدولة تجاه الحصار الاقتصادي، لتشمل السياسات الداخلية والخارجية بشيء من التفصيل.
  • حكم مشاركة المسلمين في الحصار المفروض في إطار الأمم المتحدة سواء فرض على دولة مسلمة أم غير مسلمة.
  • مشاركة المسلمين في إغاثة المحاصرين من غير المسلمين، سواء كان غير المسلمين داخل البلد المسلم المحاصر، أم إذا كان الحصار بين الكفار وبعضهم البعض.
  • أحكام العمل الخيري وقت الكوارث والأزمات الاقتصادية، من حيث منهج الاجتهاد في أحكامها، ودراسة أهم المسائل المتعلقة بها، والرخص التي تراعي فيها.
  • حصار العمل الخيري، وما يتعلق به من أحكام.
  • الانضمام إلى المعاهدات الدولية المتعلقة بالجزاءات الاقتصادية، والتزام قراراتها.

 

محتويات الكتاب:

تم تقسيم الكتاب إلى بابين وخاتمة اشتملت على أهم النتائج والتوصيات، وذلك على النحو التالي:

الباب الأول: حقيقة الحصار الاقتصادي ومنهج الاجتهاد في أحكامه

الفصل الأول: مفهوم الحصار الاقتصادي والألفاظ ذات الصلة

الفصل الثاني: أهداف الحصار الاقتصادي ومظانه وأسس الاجتهاد في أحكامه

الفصل الثالث: الأحكام المتعلقة بالحصار الاقتصادي الواقع على المسلمين.

الباب الثاني: أثر الحصار الاقتصادي في الأحكام الشرعية

الفصل الأول: أثر الحصار الاقتصادي في العبادات والجهاد

الفصل الثاني: أثر الحصار الاقتصادي في المعاملات

الفصل الثالث: أثر الحصار الاقتصادي في الأنكحة

الفصل الرابع: أثر الحصار الاقتصادي في الغذاء والتداوي والعقوبات.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

 

 

 

  • الدكتور عبد الله ابو عليان هو عميد كلية الدعوة الإسلامية بغزة- فلسطين، وعضو في اتحاد الجامعات الدولي، ومدير عام التعليم الشرعي بوزارة الأوقاف، وأمين مجلس الاجتهاد الفقهي.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتيسر الخيرات، وبرحمته تبدل السيئات حسنات؛ فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على عبده ورسوله محمد r، المبعوث ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم؛ فبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك؛ فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ورضي الله عن أصحابه البررة الذين صدقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأدوا ما علَّمَهُم إياه إلى مَن بعدهم، وعبد وا لهم سبيل الاجتهاد، وحملوهم أمانة البلاغ، حتى وُجِدَ في كل جيل من صالحي العلماء من ينفون عن الدين تحريف الغالين وتأويل المبطلين وانتحال الجاهلين. فهؤلاء هم حَمَلة الدين الحق، الذين يميزُ الله تعالى بهم الحق من الباطل، والهدى من الضلال. نسأل الله ربنا أن يرزقنا حبهم، ويجعلنا من ورثتهم، وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرتهم، إنه هو السميع العليم.

وبعد؛

فهذا كتاب ينضم -على استحياء- إلى قائمة تجل عن الحصر من الكتب، والموسوعات، والمختصرات، والتعليقات، والمنظومات، والمعاجم التي جعلت من «أصول الفقه» موضوعًا لها. ولعل أحدًا لا يستطيع أن يزعم أنه يقدم جديدًا، لم يسبق إليه، في مجال هذا العلم. بل غاية ما يصنعه المتصدي للتأليف فيه أن يبسِّط صعبًا، أو يشرح وجيزًا، أو يختصر مبسوطًا، أو يجمع بين محتوى كتابين، ونحو هذا من أعمال المصنفين في المعارف التي أسفر صبحها، وتبين للناظرين فيها الصحيح المعقول الذي يرجع إليه، والفاسد المدخول الذي لا يعول عليه.

***

ولسائل أن يسأل: إذا كان ما تقول صحيحًا فأي الدوافع حدا بك إلى الكتابة في أصول الفقه؟

والسؤال مشروع، وجوابه واجب، فأقول:

في غمرة ما عرف بـ «الصحوة الإسلامية» توجه كل فريق من المعنيين بالإسلام إلى ما خلق له، أو ما تيسر عليه الاهتمام به، من مجالات العمل الإسلامي، صحت فيه هذه النسبة أو لم تصح.

وكان مما شغلني، وشغل نخبة متميزة من الرجال والنساء، أمر المثقف المسلم المعاصر الذي رأينا أن المنابع الأولى لثقافتنا ليست متاحة له بالقدر الكافي لتكوينه تكوينًا يستحق معه وصف «المثقف المسلم».

وانتهت مداولاتنا في هذا الشأن إلى حاجة المجتمع المصري إلى مركز يعنى بنشر الثقافة الإسلامية بين الناس، ويعتني من جوانبها بما هو ضروري لترسيخ الهوية الثقافية العربية الإسلامية (بلا فصلٍ) في أذهان من تصل إليهم دعوة هذا المركز، أو يصل هو إليهم، عبر مؤسسيه، والأعلام من النخبة المتميزة من أعلام ثقافتنا التي تقبل التعاون معه، بأن تجود ببعض وقتها وجهدها وعلمها من أجل الفكرة المهمة التي كانت له هدفًا وغاية.

***

استقر رأي هذه النخبة المباركة على تأسيس جمعية ثقافية تجعل همها الأول توسيع نطاق المعرفة بالثقافة الإسلامية، وتعريف الذين لا يعرفون، وتذكير الذين ينسون، بمدى تأثير هذه الثقافة في حياتنا اليومية، وفي تكويناتنا العائلية، وفي أفكارنا المتداولة بيننا، في شتى مجالات المعرفة.

وهكذا أُسِست «جمعية مصر للثقافة والحوار»، ومارست نشاطات ثقافية متعددة: فمن المحاضرات المتصلة في موضوع واحد، إلى المحاضرة الواحدة التي تجلِّي مسألة واحدة، أو تعرض وجهة نظر ملقيها في موضوع بذاته، إلى مؤتمرات ثقافية دورية وغير دورية، نظمتها الجمعية، وشارك فيها مؤسسوها مع غيرهم من المثقفين المصريين وغير المصريين. وتضيق هذه السطور عن إحصاء أنواع العمل الثقافي التي انشغلت بها جمعية مصر للثقافة والحوار، في أثناء المدة التي تمكنت من ممارسة نشاطها فيها، وهي نحو من خمس عشرة سنة([1]). ثم عَدت عليها عوادي الزمن، فتوقف عملها المنتظم، وإن استمر تأثيرها في المنهج وفي التكوين الفكري والثقافي فيمن لا يُحصَون من أعضائها، ورواد مواسمها الثقافية، ومؤتمراتها.

وكان من الأعلام الذين شاركوا الجمعية نشاطاتها، وأدوا دورًا لا يُنسى في التعريف بها واجتذاب طليعة الشباب إلى نشاطاتها: القاضي العادل، والمؤرخ المنصف المفكر الكبير المستشار طارق البشري، الذي حاضر لعدة مواسم في برنامجه الدوري المعنون «مصر في قرنين»؛ والمفكر المرموق الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي حاضرنا في عدة مواسم في «القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني: ماديًا ومعنويًا»؛ والعلامة الأستاذ الدكتور محمد هيثم الخياط، الطبيب اللغوي الحجة، (من سوريا) الذي حاضرنا مواسم متتالية في «لغة القرآن»؛ والأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل علي، التربوي الفذّ، الذي ألقى مجموعة من المحاضرات في تاريخ التعليم في مصر؛ والعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، والمستشار الجليل يحيى الرفاعي، والأستاذ الدكتور محمود عاطف البنا، والإعلامي الفَذِّ الأستاذ أحمد فراج، وقرينه، في المهنة والمكانة والشهرة والتأثير، الأستاذ حمدي قنديل، والفيلسوف المحقق الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس (من السودان) والداعية المؤثر عصام البشير (وزير الأوقاف، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي في السودان سابقًا)، والعلامة المحدث اللغوي الدكتور محمد لطفي الصباغ (من سوريا)، والباحث المدقق الثقة الأستاذ الدكتور إبراهيم البيومي غانم، والصحفية الكبيرة، الباحثة الدؤوب في الشؤون الإفريقية والعربية، الأستاذة عايدة العزب موسى، والمفكر العروبي الفلسطيني الكبير الدكتور أحمد صدقي الدجاني، والطبيب النابغة، الداعية القدوة الأستاذ الدكتور حسان حتحوت، والمفكر التربوي المرموق الأستاذ الدكتور أحمد المهدي عبد الحليم، والمؤرخ الفلسطيني المعروف الدكتور بشير النافع وأستاذ التحليل النفسي، ذائع الصيت، الأستاذ الدكتور هاني السبكي...

وأنا أقطع بأن بعض الأسماء لم تحضرني وأنا أكتب هذه السطور، غير أن ذلك لا يحول بيني وبين إزجاء الشكر: أصدَقَه وأعمَقَه، لهم جميعا، ولا ينسيني الدعاء، لمن لا يزال بيننا منهم، بطول العمر مع دوام العافية واستمرار العطاء، وأن أدعو لمن لبَّوا نداء الحق بأعلى المنازل في الجنة وبأجمل المثوبة عما قدموا لثقافتهم، وما تركوا من أثر باقٍ نافع في أمتهم.

***

هذا غيض من فيض من العمل الثقافي الجاد الذي رعته جمعية مصر للثقافة والحوار، وشارك فيه أعلام من صفوة مثقفي مصر، والمثقفين من البلاد العربية الشقيقة، بل وبعض المفكرين الأوربيين كذلك.

***

وكان من عطاء تلك المواسم الثقافية أصل هذا النص الذي أشرف بتقديمه للقراء. هو نص «أوَّلي» في علم «أصول الفقه». والمراد بالأولية هنا أنه يصلح أن يكون «أوَّل» ما يقرأه المثقف غير المتخصص في العلوم الإسلامية في موضوعه، ثم هذا القارئ وشأنه إن رغب في الاستزادة من هذا العلم العظيم فمصادره مبذولة، رائجة، لا تكاد تخلو من بعضها مكتبة عامة أو خاصة. وهذا القارئ سيجد إشارات عديدة في تضاعيف هذا النص «الأوَّلي» وإحالات غير قليلة إلى كثير من المصادر الأصلية التي يمكنه الرجوع إليها ليوسع نطاق معرفته بهذا العلم النفيس.

***

وقد اقتضى الهدف من هذه الدراسة أن تكون موضوعاتها مقتصرة على لب اللباب من أساسيات هذا العلم. وهي دراسة كافية للإلمام المجمل، أو العام، وإن شئت قلت «المبدئي» بعلم الأصول. وأنا راجٍ أن تكون فصول هذا الكتاب نافعة للمبتدئ في دراسة العلوم الشرعية، لكنها -عندي- لا تكفي قطعًا لتكوين أصولي كامل، ولا كان هذا ما أريد منها وبها.

***

من أجل ذلك عدلت عن الترتيب الشائع في جمهرة كتب أصول الفقه، قديمها وحديثها. ورتبت فصول هذا العمل على النحو الذي حسبته أكثر نفعًا لمن يتوجه إليه؛ فبدأت فيه بمجموعة من التعريفات اللازمة لفهم بعض التعبيرات الأساسية في علم الأصول. ثم ثنَّيتُ بتعريف مناسب لهذا العلم، ثم ذكرت الموضوعات التي يتناولها الدرس الأصولي، ثم بينت الفارق الأساسي بين عمل «الأصولي» وعمل «الفقيه»، وبعد ذلك أتيت على ذكر مختصر لتاريخ التأليف في علم الأصول، وعلاقة الأصول بالواقع الذي ينظر في حكمه الفقيه، أو القاضي، أو المفتي، أو المعلِّم([2]).

***

ثم كان ترتيب فصول الكتاب (أو مقاماته) مراعيًا حال القارئ الذي يتوجه إليه، مختلفًا -لذلك- عن الكتب المدرسية المؤلفة في علم الأصول، وعن الكتب الموسَّعة التي تحتوي جميع موضوعاته، وتخرج في أحيانٍ كثيرةٍ عن صلب مسائله إلى مناقشات كلامية أو منطقية أو فقهية لا شأن لها بأصول الفقه.

لذلك كان أول المقامات هو «مقام الأدلة»، وفيه بحثت الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، مبينًا رأي العلماء الذين أخذوا بكل دليل، والذين لم يروه دليلاً، متوخيًا الإيجاز المغني، متجافيًا عن الإطناب المخل بالمقصود.

وجاء المقام الثاني مخصصًا لدراسة «القواعد الفقهية» التي هي قوانين كلية، جاءت ببعضها نصوص الوحي، واستنبط الفقهاء بالنظر في أحكام الفروع بعضها الآخر. وسيرى القارئ أن الصلة بين القواعد الفقهية وبين آراء المجتهدين، وأحكام القضاة، وفتاوى المفتين تستحق إدراجها بين «مقامات» أصول الفقه، وأن الإشارة الموجزة جدًا إليها، في جمهرة كتب أصول الفقه المعاصرة، لا تسمن ولا تغني من جوع في شأن القدر الواجب الإلمام به عن أهمية القواعد ودورها في الاجتهاد الفقهي.

وفي المقام الثالث، تناول الكتاب «المقاصد»، وهي الغايات العليا التي تتغيا الشريعة تحقيقها بما شرعته من أحكام: سواء في جانب المنع (التحريم والكراهة)، أو في جانب الإجازة (الوجوب والإباحة). ويستصحب هذا المقام الكلمة النفيسة للعز بن عبد السلام، سلطان العلماء:  «كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل»([3]).

وجعلت المقام الرابع «للاجتهاد»، إذ هو الذي يبين كيفية التعامل مع الأدلة، وفيه يتبين الأثر الأصولي لكل دليل، وكيف كان الاختلاف في النظر في الأدلة -الكلية أو الجزئية التفصيلية- أصلاً لاختلاف النتائج التي يصل إليها فقيه، أو مدرسة فقهية، عن تلك التي يصل إليها غيره. كما أشرت فيه إلى مسألة التقليد واختلاف العلماء في إجازته أو منعه.

وجاء المقام الخامس خاصًا ببيان «الأحكام» الشرعية: ماهيتها، والأثر المترتب على كل منها. وقد أخَّرْتُ الكلام في مقام الأحكام، على الرغم من أن أكثر كتب الأصول تقدمه، باعتبار أن الحكم هو الثمرة التي يصل إليها المجتهد بعد أن ينظر في الأدلة، ويبحث فيما تقرره القواعد، ويتبين ما تهدي إليه المقاصد، فيستطيع أن يكشف، بعد انتهائه من هذه الخطوات الضرورية، عن الحكم الشرعي للمسألة التي يبحثها وهو مطئمن إلى أنه إن لم يكن عين الصواب فإنه أحسن ما أدّاه إليه اجتهاده. وبذلك تبرأ ذمته، وتنتفي تبعته عما توصل إليه، صوابًا كان أو خطأً؛ فهو دائر بين الأجر والأجرين، والله يضاعف لمن يشاء.

***

وسوف يلاحظ القارئ، الدارس لعلم الأصول، خلو الكتاب من المقدمات المنطقية، ومن بيان أوجه استعمال الألفاظ وحروف المعاني، ومن المباحث اللغوية، ومن مباحث التعادل والترجيح والنسخ، والتكليف بالمحال، والتكليف قبل ورود الشرع... وغيرها مما تهتم به كتب أصول الفقه الموسَّعة فتستفيض في بحثه أخذًا وردًا، وقبولاً ورفضًا؛ أو ما تورده الكتب المتوسطة الحجم إيرادًا دالاً على وجوب العلم به، واختيار قول من الأقوال فيه.

وسبب إضرابي عن إيراد هذه الموضوعات أن هذا الكتاب موجه أصلاً إلى «المثقف» غير المتخصص في العلوم الشرعية. وهذا المثقف، أيًا تكن مهنته ومجالات اهتمامه، يعيش في مجتمع مُسْلِمِ الثقافة، لمعاني الحلال والحرام، والمستحب والمكروه، فيه اعتبار كبير. بل إن كثيرًا من تشريعاته مأخوذ مباشرة من الشريعة والفقه الإسلاميين، أو مستفيدٌ على نحو ما من هذا الفقه وتلك الشريعة.

فسواء أكان هذا المثقف المعاصر مسلمًا أم غير مسلمٍ، فإنه لا تكتمل ثقافته إلا بأن يُلمَّ، على نحو معقول، بحقائق التشريع الإسلامي الكلية، ومصادره الأصلية، وكيفية نظر الفقيه فيها لينطق بما يراه حكمها الصحيح. وبغير هذا القدر من المعرفة تكون معرفة المرء بثقافته منقوصة، وإلمامه بها مختلاً؛ ولهذا النقص والخلل من الآثار الضارة على من يعاني منه، ويتصف به، ما لا يخفى على ذي لب.

وإذ كانت الموضوعات التي لم أعن بإيرادها في هذا الكتب مما يحتاج إليه المجتهد، الذي ينظر في الوقائع والنوازل، ليستخلص من الأدلة ومكملاتها -من القواعد والمقاصد- حكم الشرع في المسألة، فإن ذكرها، في مثل هذا الكتاب، يكون تزيدًا غير نافع لقارئه بل مثقلاً عليه، ومشوشًا فكره بما لن يستطيع الإحاطة اللازمة، أو النافعة به؛ وبما يصرفه عن حسن الاستيعاب للمقاصد الثقافية الأصلية للكتاب، فيكون ضرره محضًا، وفائدته معدومة أو تكاد.

ولا يغيب عن القارئ أن للعمل أو الدرس الثقافي، الموجه إلى الكافة، مقتضياته وضوابطه وحدوده، وللعمل العلمي الموجه إلى المتخصصين مثل ذلك سواءً بسواء. فإذا غابت هذه الحقيقة عن المصنِّف كان جهده عليه لا له، وكان ضرره لقارئه أكبر من نفعه. نعوذ بالله من ذلك.

***

ولا أحب أن أضع القلم دون أن أعبر عن امتناني للإخوة والأخوات، والأبناء والبنات، أعضاء جمعية مصر للثقافة والحوار، ورواد مواسمها الثقافية، فلولا دأبهم وحرصهم، وتفاعلهم الإيجابي، ما كان لمواسمها الثقافية أن تقام، وأن تنجح النجاح الذي نحمد الله سبحانه وتعالى عليه.

والشكر مستحق للإخوة الكرام في «مدارات للأبحاث والنشر» الذين اعتنوا بهذا النص، وأعانوني على إتمامه، وتحملوا عبء إخراجه في هذه الحلة القشيبة. فلهم عندي -بذلك- يَدٌ لا تنسى، جزاهم الله خيرًا، ونفع بعلمهم كله.

وأود أن أذكر بخالص التقدير للإخوة الكرام الذين كانوا قائمين على مؤسسة Islam On Line في القاهرة، وأخص بالذكر الأخوين الكريمين الأستاذ توفيق غانم، والمفكر السياسي النابه الأستاذ هشام جعفر اللذين عمل فريق تحت إشرافهما في تحويل النص المنطوق (المحاضرات المسجلة) إلى نص مكتوب كان هو الطور الأول لهذا النص الذي بين يدي القارئ.

***

وبعد...

فهذا أحسن ما قدرت عليه، فمن جاء بأحسن منه شكرته ودعوت له، وهو غاية جهدي فإن يكن صوابًا فمن فضل الله تعالى، وإن يكن غير ذلك فمني ومن الشيطان، والله ورسوله وسلف العلماء منه بُرءاء.

وأسأل الله سبحانه أن يتقبل صالح عملنا، وأن يغفر سيئه، وأن يُبدّلَ بفضله سيئاتنا حسنات، ويلحقنا برحمته بنبيه r، وبصالحي المؤمنين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

وقد جاء تقسيم المقامات مفصلاً بين دفتي الكتاب كالتالي:

  1. المقام الأول : الأدلة
    1. الدليل الأول : الكتاب (القرآن الكريم)
    2. الدليل الثاني: السنة النبوية
    3. الدليل الثالث: الإجماع
    4. الدليل الرابع: القياس
  2. الأدلة المختلف فيها: الأدلة التبعية
    1. الاستحسان
    2. المصلحة المرسلة (الاستصلاح)
    3. سد الذرائع
    4. العرف
    5. شرع من قبلنا
    6. قول الصحابي

 

  1. المقام الثاني : القواعد الفقهية:

أولاً: القواعد الكلية الموضوعية

القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها

القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير

القاعدة الرابعة: لا ضرر ولا ضرار

القاعدة الخامسة: العادة محكمة

ثانيًا: القواعد الحاكمة للنصوص

القاعدة الأولى: الأصل في الكلام الحقيقة.

القاعدة الثانية: إعمال الكلام ألى من إهماله.

القاعدة الثالثة: لا ينسب إلى ساكت قول.

القاعدة الرابعة: ما لا ضابط له في الشرع أو في اللغة يرجع فيه إلى العرف.

  1. المقام الثالث: مقاصد الشريعة:

المقصد الأول: حفظ الدين.

المقصد الثاني: حفظ النفس.

المقصد الثالث: حظ العقل.

المقصد الرابع: حفظ النسل.

المقصد الخامس: حفظ المال.

 

  1. المقام الرابع: الاجتهاد

 

  1. المقام الخامس: الأحكام

 

 

 

 

 

 

* صدر هذا الكتاب عن دار مدارات للأبحاث والنشر، عام 2024م. وقد جاء في تقديم المحرر لهذا الكتاب ما يأتي:

فهذا المؤلف في علم أصول الفقه هو في أصله محاضرات أسبوعية، ألقيت بجمعية مصر للثقافة والحوار، في موسمين ثقافيين متتاليين (2005 -2007) ضمن البرنامج الثقافي «معالم الثقافة الإسلامية» (...) أما محاضرات (أصول الفقه الإسلامي) فقد أراد بها الدكتور العوَّا أن ترشد المثقف المسلم المعاصر إلى علم إسلامي عميق التخصص، غاية في الأهمية لكل مسلم. فالمسلم يذهب للفقيه يستفتيه كما يذهب المريض إلى الطبيب بحثًا عن الدواء الفعال، إلا أنه مع الطبيب قد يسلم له، ويطبق تعالميه دون جدل، أما فيما يخص أمره الشخصي -بل شديد الخصوصية- أمر دينه فهو يسأل، ويحاور ويناقش يريد معرفة من أين أفتاه المفتي، ولماذا حكم على هذه المسألة أو تلك بالحِلِ أو بالحُرمة، وهذا حقه لا مراء في ذلك، فإذا ألَّم بعلم أصول الفقه، بالصورة المبسطة التي يقدمها له هذا الكتاب، استطاع أن يعلم كيف توصل الفقيه من هذا الطريق إلى حكمه، أو لماذا ذكر له أن هذا الحكم موجود في القاعدة الفقهية كذا، ولم يقل له آية قرآنية أو حديثًا نبويًا. وقد رَمَتْ هذه المحاضرات إلى وضع صورة عامة عن موضوعات أصول الفقه، من الأدلة وترتيبها، والقواعد الفقهية وماهيتها، باعتبارها قواعد عامة مجردة تنطبق على ما لا يحصى من الوقائع، ومقاصد الشارع وغاياته من التشريع كله، وهي مكون أساسي في تقرير الحكم الشرعي الاجتهادي، والاجتهاد ومباحثه، وثمرة هذا كله وهو الأحكام الشرعية وهل الجائز كله سواء، والممنوعات جميعها على درجة واحدة؟

** عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، عضو المجمع العلمي المصري، عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي - جدة

 

[1]  تأسست سنة 2000م.

[2] هؤلاء جميعًا لا يسع أيًا منهم أن يكون غير محيط، ما وسعته الإحاطة، بعلم أصول الفقه في موضوعاته كافة، وإلا استحال عليهم الوقوف على وجه الصواب والخطأ فيما يعرض من المسائل.

[3]  العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ط مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1968 ج2 ص143.

 

ملخص:

يعد الفقه الإسلامي من أعظم النظم القانونية اليوم ثراء وسعة بما يحويه من كنوز وتراث فقهي لا يستطاع حصر مسائله كثرة ، غير أن بعض المشككين في ثراء الفقه الإسلامي لمزوه بالنقص والتشويه، وأنه فقه جامد لا يقبل التطور وأنه لا يصلح أن يكون نظامًا قانونيًا يحكم البشرية مثل النظم القانونية اللاتينية والجرمانية اليوم، لذلك فإن الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية لتميط اللثام عن تلكم الكنوز والتراث الفقهي العظيم الذي يزخر به الفقه الإسلامي ولم يجد فقط من يتناوله ويظهره بلغة جديدة ومظهر صالح لهذا العصر، فالدراسات المقارنة تعتبر من أهم الطرق اليوم للكشف عن أعظم النظريات الفقهية والمبادئ القانونية التي هي مبعثرة في التراث الكبير الذي يزخر به الفقه الإسلامي، خصوصًا وقد شهد الغرب أنفسهم بثراء الفقه الإسلامية وصلاحيته ليكون نظامًا قانونيًا من أعظم النظم القانونية كمجمع لاهاي للقانون المقارن، كما شهد بذلك كبار فقهاء القانون في الغرب من أمثال إدوارد لامبير وغيره، ولذلك فإن الدراسات المقارنة هي السبيل الوحيد للكشف عن أرقى المبادئ القانونية التي سبق بها الفقه الإسلامي جميع النظم القانونية المنتشرة اليوم.

الكلمات المفتاحية: الدراسات المقارنة؛ النظم القانونية؛ الفقه الإسلامي؛ القوانين الغربية.

Abstract:

Islamic jurisprudence is considered one of the greatest legal systems today, rich and vast, with its treasures and jurisprudential heritage, whose many issues cannot be counted. Latin and Germanic legal systems today, so the comparative studies between Islamic jurisprudence and man-made laws are in order to unveil those treasures and the great jurisprudential heritage that Islamic jurisprudence abounds with, and it has not found only those who deal with it and show it in a new language and appearance that is valid for this era. Comparative studies are considered one of the most important ways today to uncover the greatest jurisprudential theories and legal principles that are scattered in the great heritage that Islamic jurisprudence abounds with, especially as the West themselves witnessed the richness of Islamic jurisprudence and its validity to be a legal system of the greatest legal systems such as The Hague Complex of Comparative Law, as witnessed by that. Senior jurists of law in the West, such as Edward Lambert and others, therefore, comparative studies are the only way to reveal the finest legal principles by which Islamic jurisprudence preceded all the legal systems prevalent today.

Keywords: comparative studies, legal systems, Islamic jurisprudence, Western laws.

 

مقدمة:

يعتبر الفقه الإسلامي من أعظم النظم القانونية اليوم ثراء وسعة بما يحويه من كنوز وتراث فقهي لا يستطاع حصر مسائله كثرة، غير أن بعض المشككين في ثراء الفقه الإسلامي لمزوه بالنقص والتشويه، وأنه فقه جامد لا يقبل التطور وأنه لا يصلح أن يكون نظامًا قانونيًا يحكم البشرية مثل النظم القانونية اللاتينية والجرمانية أو الأنجلوسكسونية اليوم، لذلك فإن الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية لتميط اللثام عن تلكم الكنوز والتراث الفقهي العظيم الذي يزخر به الفقه الإسلامي ولم يجد فقط من يتناوله ويظهره بلغة جديدة ومظهر صالح لهذا العصر، فالدراسات المقارنة تعتبر من أهم الطرق اليوم للكشف عن أعظم النظريات الفقهية والمبادئ القانونية التي هي مبعثرة في التراث الكبير الذي يزخر به الفقه الإسلامي، خصوصًا وقد شهد الغرب أنفسهم بثراء الفقه الإسلامية وصلاحيته ليكون نظامًا قانونيًا من أعظم النظم القانونية، وعليه نتساءل: هل حققت وأبانت المقارنات التشريعية بين الفقه الإسلامي وغيره من النظم القانونية اليوم عن ذلك الثراء الذي يزخر به الفقه الإسلامي فروعًا وأصولاً، أم أن ما يقال من أسبقية وأفضلية وغنى الفقه الإسلامي على الكثير من النظم القانونية من حيث المبادئ والنظريات والأسس القانونية، وأنه من أهم دعائم القانون المقارن اليوم مجرد ادعاء؟ هذا ما سنراه من خلال المحاور التالية:

  1. تعريف المقارنات التشريعية.
  2. نشأة المقارنات التشريعية.
  3. دور المقارنات التشريعية في إبراز مدى ثراء الفقه الإسلامي ومكانته.
  • تعريف المقارنات التشريعية:

بداية نعرف مصلح المقارنات ونبين المقصود منه، ثم نعرف مصطلح التشريع، وأخيرًا نعرف مصطلح المقارنات التشريعية.

 

  • تعريف المقارنات:

المقارنات لغة: مصدر الفعل قارن وقارن الشيء مقارنة وقرانا، تجمع على مقارنة، يقال اقترن به وصاحبه، وقارنته قرانا أي صاحبته، وبين القوم سوى بينهم، وبين الزوجين قرانا أي جمع بينهما، والشيء بالشيء وازنه به، وبين الشيئين وازن بينهما فهو مقارن، ويقال الأدب المقارن، أو التشريع المقارن[1].

اصطلاحًا: يعرفها الدريني بقوله: مقابلة الرأي بالرأي، مقابلته أو موازنته به، ليعرف مدى اتفاقهما أو اختلافهما، وأيهما أقوى وأسد بالدليل[2]. وهو لا يخرج عن المعنى اللغوي السالف الذكر.

لكن إذا أطلق هذا المصطلح في الفقه الإسلامي فالقصد منه هو الفقه المقارن وهو مصطلح حديث يعبر به عما عرف قديمًا عند الفقهاء بعلم الخلاف، وقد عرفه الدريني بقوله: "تقرير آراء المذاهب الفقهية الإسلامية في مسألة معيّنة، بعد تحرير محل النزاع فيها، مقرونة بأدلتها، ووجوه الاستدلال بها، وما ينهض عليه الاستدلال من مناهج أصولية، وخطط تشريعية، وبيان منشأ الخلاف فيها، ثم مناقشة هذه الأدلة أصوليًا، والموازنة بينها، وترجيح ما هو أقوى دليلاً، أو أسلم منهجًا، أو الإتيان برأي جديد، مدعم بالدليل الأرجح في نظر الباحث المجتهد"[3].

أما إذا أطلق هذا المصلح في مجال القانون فيقصد به ما يصطلح عليه في هذا العصر بالقانون المقارن والذي هو فرع من فروع القانون يقصد به مقارنة النظم القانونية لعدة دول بعضها ببعض، في سبيل الوصول إلى ترقية وتحسين القانون الوطني وسد ثغراته إن وجدت، ويقصد به أحيانًا تجميع أفضل النظم القانونية المعتمدة في كثير من الدول للحصول على تقنين موحد يأخذ من أحسن وأفضل تلكم النظم والقوانين ويتجاوز النقائص والسلبيات الموجودة فيها لأجل الوصول إلى قانون موحد تأخذ به الدول جميعًا مثل قانون حقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني ...[4].

إذًا فالدراسة المقارنة يتجاذبها جانبان، الجانب النظري الذي يتناول العلاقات المتشابكة بين النظم القانونية المختلفة لمعرفة أوجه الشبه والتباعد، والتأثر والتأثير فيما بينها، وجانب عملي يجعل المقارنة مصدر إلهام في صياغة القواعد القانونية[5].

  • تعريف التشريع:

التشريع لغة: من شرع بتشديد الراء وهي مورد الشاربة الماء، واشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة ومنه قوله تعالى ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾[6].

وفي الإصلاح بحسب نسبة التشريع، فإذا كان القصد هو التشريع الإلهي فهو: "اسم للنظم والأحكام التي شرعها الله أو شرع أصولها أو كلف المسلمين إياها ليأخذوا بها في علاقتهم بالله وعلاقتهم بالناس"[7].

أما إذا كان المقصود هو التشريع القانوني الوضعي فله عدة معان أهما سن القوانين بواسطة السلطة المختصة في الدولة وفقًا لإجراءات خاصة، وقد يقصد به القاعدة القانونية في حد ذاتها أو مجموعة النصوص القانونية ذات الوحدة الموضوعية الواحدة المنظمة لجانب ومجال معين مثل القانون التجاري أو المدني فيقال التشريع التجاري والمدني ويكون عندئذ مرادفا للتقنين... [8].

هذا وقد يتداخل مفهوم التشريع الإسلامي مع مفهوم التشريع الوضعي في حالة ما إذا عمدت الدولة إلى تقنين أحكام الفقه الإسلامي وإجازتها بواسطة مؤسساتها المختصة عبر مراحل وطرق خاصة فحينئذ يقصد بالتشريع ما سن من قوانين مستمدة من التشريع الإسلامي[9].

  • تعريف المقارنات التشريعية:

من بين أهم التعريفات لهذا المصطلح تعريف الدكتور شويش المحاميد والذي يستبدل مصطلح المقارنات بالموازنات ولا مشاحة في المصطلحات حيث يرى أنها "عرض الآراء والنظريات الفقهية الإسلامية وما يقابلها في القانون الوضعي، وبيان أوجه الموافقة والمخالفة بينهما تأسيسًا على أصولهما، استمدادًا وبحثًا بالأسلوب الذي يظهرهما على حقيقتهما"[10]، وقيل هي "المقابلة والموازنة بين الأصول والمبادئ والنظريات التشريعية المختلفة للوقوف على الحق أو الصواب في النظامين التشريعيين المقارن بينهما، أو لإظهار تفوق أحدهما أو أسبقيته"[11].

 

  • نشأة المقارنات التشريعية:

بالرجوع إلى النص الذي نقله صاحب مجلة المنار – الشيخ محمد رشيد رضا - عن ابن رفاعة الطهطاوي متحدثًا عن أول تجربة للمقارنات التشريعية - والتي كانت في مصر لأسباب تاريخية وحضارية عديدة ومنها ذلك الولوع الشديد بالحضارة الغربية من طرف الخديوي إسماعيل والذي حمله على تطبيق القانون الفرنسي في البلاد المصرية – حيث يقول: "إن الحكومة المصرية لما قررت العمل بقوانين فرنسا المقتبس أكثرها من الشريعة الإسلامية ولا سيما مذهب المالكية لم يكن للأمة المصرية التي يدين سوادها الأعظم بالإسلام قول ولا رأي في شؤون الحكومة، وكان من أسبابه تقصير علماء الأزهر في القيام بما يجب عليهم من إغنائها بأحكام الشريعة الغراء عن سواها ومن المشهور عن إسماعيل باشا طلب منهم ذلك فلم يستجيبوا له. حدثني علي باشا رفاعة قال حدثني والدي – رفاعة الطهطاوي – أن إسماعيل باشا الخديوي استحضره، وقال له يا رفاعة بك، إنك أزهري تعلمت وتربيت في الأزهر فأنت أعلم الناس بعلماء الأزهر، وأقدرهم على إقناعهم بما ندبتك له، أن الإفرنج قد صار لهم حقوق ومعاملات كثيرة في هذه البلاد، وتحدث قضايا بينهم الأهالي، وهم يشكون إلي أنهم لا يعلمون بماذا يحكم لهم أو عليهم في هذه القضايا ليراعوه ويدافعوا به عن أنفسهم، لأن كتب الفقه التي يحكم بها علماؤنا معقدة وكثيرة الخلاف، فاطلب من علماء الأزهر أن يضعوا كتابًا في الأحكام المدنية الشريعة، مثل كتب القوانين في تفصيل موادها، وعدم وجود خلاف فيها، يترتب عليه اختلاف القضاة في أحكامهم، فإن لم يفعلوا، فإنني أضطر إلى العمل بقانون نابليون الفرنسي، أو ما هذا مؤداه.

قال علي باشا رفاعة: فأجابه والدي بقوله: "يا أفندينا، إنني سافرت إلى أوروبا وتعلمت فيها، وخدمت الحكومة، وترجمت كثيرًا من الكتب الفرنسية باللغة العربية، وقد شخت ووصلت إلى هذه السن، ولم يطعن أحد في ديني، فإذا أنا اقترحت الآن هذا الاقتراح على علماء الأزهر بأمر أفندينا، فإنني أخشى أن يقولوا إن الشيخ رفاعة قد ارتد عن الإسلام في آخر عمره برضاه بتغيير كتب الشريعة، وجعلها كالقوانين الوضعية، فأرجو أن يعفيني أفندينا من تعريض نفسي لهذا قبل موتي، لئلا يقال إنه مات كافرًا"[12].

الأمر الذي دفع بالخديوي إسماعيل إلى طلب ترجمة القانون الفرنسي من طرف السيد رفاعة الطهطاوي والاتصال بأحد علماء الأزهر وهو الشيخ مخلوف المنياوي، مفتي الصعيد، فقام الشيخ بما طلب منه، وقارن بين القانون الفرنسي والفقه المالكي مركزًا على أوجه الشبه – والتي كان كثيرة جدًا- وذلك في مجلدين طبعا حديثا بعنوان "المقارنات التشريعية: تطبيق القانون المدني والجنائي على مذهب الإمام مالك"[13] مما دفع بالخديوي إسماعيل إلى الأمر بتطبيق القانون الفرنسي في الأراضي المصرية، وكانت هذه هي البداية الأولى لدخول القوانين الغربية للبلاد الإسلامية.

وجلي من خلال صدور أول تجربة للمقارنات التشريعية علي يد الشيخ مخلوف المنياوي أن البداية الفعلية للدراسات التشريعية المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الحديثة الغربية قد ظهرت قبل إعلان النشأة المنهجية للقانون المقارن، وذلك في مؤتمر باريس سنة 1900م. وسنشير باختصار إلى هذه التجربة وغيرها من التجارب المتعلقة بالمقارنات التشريعية والتي هي البدايات الأولى لهذا العلم.

  • تجربة الشيخ مخلوف المنياوي: الشيخ مخلوف المنياوي من علماء الأزهر الشريف (توفي سنة 1878م، شغل منصب القضاء في صعيد مصر، لما وثق الخديوي إسماعيل بعلمه، كلفه بمهمة مقارنة القانون الفرنسي بالفقه الإسلامي بعدما تم ترجمته من طرف رفاعة الطهطاوي كما سبق ذكره، وقد ركز المنياوي في هذه المقارنات بين القانون الفرنسي والفقه المالكي على وجه الخصوص، فيذكر نص المادة الفرنسي ويتلوه بذكر ما يقابلها من مصادر الفقه المالكي مثل مختصر خليل وشروحه كمواهب الجليل... وبداية المجتهد وغيرها من مصادر الذهب المالكي، ليصل في الغالب الأعم إلى نتيجة مؤداها موافقة النص الفرنسي للفقه المالكي أو إلى مخالفته له وهو أمر قليل نادر[14].
  • تجربة قدري باشا في المقارنات التشريعية: يعد العلامة قدري باشا[15] من أعلام الفقه والقانون في مصر، ولد سنة 1820م واشتغل مترجمًا بوزارة المالية، ثم مستشارًا بالمحاكم المختلطة فناظرًا للحقانية فوزيرًا للمعارف، وقد اشترك في وضع القانون المدني المصري آنذاك، له عدة تأليف كان القصد منها إحياء الفقه الإسلامي بضرورة تطبيقه وجعله المصدر الأساس للقانون المصري فألف كتابه مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية وكتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، وآخر في الوقف، ومن ذلك كتابه القيم والذي لم يطبع بعد - على حد علمي – وهو لا يزال مخطوطًا بدار الكتب المصرية والموسوم "بيان المسائل الشرعية التي وجدت في القانون المدني مناسبة وموافقة لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان"، والذي يسعى إلى تحقيقه ونشره الأستاذ أحمد مُحمد سراج، والذي يقول في كتابه ضمان العدوان في الفقه الإسلامي تعليقًا على منهج قدري باشا في كتابه في المقارنات ومقارنته بكتاب مخلوف المنياوي منا نصه: "ويختلف منهج قدري باشا في مقارناته عن مخلوف المنياوي في إجرائه المقارنة بين القانون الفرنسي والمذهب الحنفي، الذي جرى عليه العمل القضائي في مصر والدولة العثمانية، ويختلف هذان المقارنان في أمر آخر له أهميته، هو مسارعة قدي باشا إلى إثبات وجه المخالفة بين المادة الفرنسية وقواعد المذهب الحنفي، دون أن يرهق نفسه بالتخريج على أقوال علماء المذهب الحنفي، أو بالتنبيه على الاتفاق في بعض ما تشتمل عليه المادة القانونية، دون بعضها الآخر، وبهذا فإنه إذا كان الشيخ مخلوف مستندًا في مقارناته إلى منهج الأشباه والنظائر، فإن قدري باشا اعتمد منهجًا آخر وهو منهج الفروق..." [16].
  • تجربة سيد عبد الله حسين: صاحب هذه التجربة هو المحامي سيد عبد الله حسين التيدي المولود سنة 1889م درس وتخرج من الأزهري، وأكمل دراسته في السوربون وتخرج منها بشهادة الليسانس في القانون، قام بعمل جبار بمقارنته للقانون الفرنسي بالفقه المالكي وذلك لما عزمت الحكومة المصرية على إصدار قانون مدني جديد على أسس غربية، فكتب سيد عبد الله حسين كتابه هذا والموسوم بالمقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي (مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس) ليثبت أن الفقه الإسلامي صالح للاستمداد منه وأن الأولى هو تقنين أحكام الفقه الإسلامي لتكون القانون الوحيد في البلاد المصرية، فأثبت من خلال كتابه هذا أن التشابه بين النظامين الإسلامي – المذهب المالكي على الخصوص- والقانون الفرنسي بلغ نسبة 90%، فيبدأ أثناء عملية المقارنة بذكر المادة القانونية ثم يتبعها برصد قواعد الفقه المالكي المتعلقة بالموضوع، منتهيًا إلى تحديد مواضع الاتفاق أو الاختلاف، ويختلف منهج سيد عبد الله حسين عن مخلوف المنياوي في عدم اكتفائه بالمقارنة الجزئية، فيتناول معها بعض العناصر الداخلة في مجال المقارنة الكلية، كإثبات التأثر والتأثر، وظروف الاتصال بين النظامين المقارن بينهما، والموقف العام لكل نظام بشأن الموضوع محل المقارنة[17].
  • تجربة السنهوري من خلال كتابه مصادر الحق في الفقه الإسلامي: الدكتور عبد الرزاق السنهوري شخصية معروفة كان لها الحظ الأوفر والباع الكبير في إحياء الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية وخصوصًا القانون الفرنسي، فقد اهتم السنهوري بالمقارنات التشريعية منذ قدومه من فرنسا سنة 1926م إلى وفاته سنة 1971 من أجل تطوير التفكير الفقهي الإسلامي حتى يستعيد مركزه اللائق به، بالإضافة إلى تحقيق الاستقلال التشريعي للبلاد العربية والإسلامية. ويتجلى منهج السنهوري في كتابه مصادر الحق في الفقه الإسلامي كما يقول هو نفسه في مقدمة كتابه هذا: "فنحن إذا نعمد إلى موضوع من أهم الموضوعات وأعقدها في الفقه الغربي لكي يعالجه في الفقه الإسلامي، وبذلك نضع الفقه الإسلامي إلى جانب الفقه الغربي فيما هو هام جوهري، وفيما هو دقيق خفي، ونعالج الفقه الإسلامي بأساليب الفقه الغربي"[18]، ثم يستطرد قائلاً في كونه لن يألو جهدًا في إبراز الفروق بين النظامين ولن يصطنع التقريب بينهما بقوله "بل على النقيض من ذلك، سنعنى بإبراز هذه الفروق حتى يحتفظ الفقه الإسلامي بطابعه الخاص، ولن نحاول أن نصطنع التقريب بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي على أسس موهومة أو خاطئة، فإن الفقه الإسلامي نظام عظيم له صنعة يستقل بها، ويتميز عن سائر النظم القانونية في صياغته، وتقضي الدقة والأمانة العلمية علينا أن نحتفظ لهذا الفقه الجليل بمقوماته وطابعه، ونحن في هذا أشد حرصًا من بعض الفقهاء المحدثين فيما يؤنس فيهم من ميل إلى تقريب الفقه الإسلامي من الفقه الغربي، ولا يعنينا أن يكون الفقه الإسلامي قريبًا من الفقه الغربي، فإن هذا لا يكسب الفقه الإسلامي قوة، بل لعله يبتعد به عن جانب الجدة والابتداع، وهو جانب للفقه الإسلامي منه حظ عظيم"[19].

"ثم يستطرد في بيان منهجه في كتابه ليصل إلى رصد حركة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بقوله: "وسنحاول بقدر ما يتهيأ لنا من الأسباب أن نحدد اتجاه الاجتهاد الفقهي في مراحله المتعاقبة، حتى نتبين من وراء ذلك هذا الاجتهاد، فنتابعه في تطوره إلى حيث يقف بنا في آخر خطواته، ثم ننظر إلى أين كان يصل لو أنه تابع تطوره، ونفعل ذلك في كثير من الأناة والحرص[20].

والذي يلاحظ أن سعة اطلاع السنهوري على المطولات الفقهية في المذاهب المختلفة، إلى جانب الدراسة المستفيضة للقانون المقارن على يد عمالقته هيأه ليقود الحركة الإصلاحية للمنظومات التشريعية في البلاد العربية برمتها، وعليه لا عجب أن ترى السنهوري يتحدث في الفقه كأبرع الفقهاء المدققين، وفي القانون كأمهر القانونيين المحنكين، فيستطيع الدمج والمزج بينهما بقدرة فائقة، ليربط بين الكليات والجزئيات مع ملاحظة الظواهر القانونية والفقهية خلال دراساته وتقييدها[21].

وكما تلت أيضًا جهود السنهوري العديد من البحوث والدراسات في مجال المقارنات التشريعية بين الفقه الإسلامي وغيره من النظم القانونية فقد سبقتها بعض الجهود كان أهمها جهود الشيخ أحمد أبو الفتح، وجهود أحمد إبراهيم بك[22]..

  • دور المقارنات التشريعية في إبراز مدى ثراء الفقه الإسلامي ومكانته:

لا شك أن للمقارنات التشريعية بين الفقه الإسلامي وغيره من النظم القانونية قد برهنت بما لا يدع مجالا للشك أن الفقه الإسلامي فقه واسع ثري، غني بالمبادئ والنظريات الفقهية والقانونية، غير أن الغربيين لا يعترفون بذلك، ويؤكد الشيخ سيد عبد الله حسين أن المشرعين الغربيين تآمروا وغيبوا فضل الفقه الإسلامي على قوانينهم بقوله: "وقد أجمع المتشرعون الوضعيون إجماعًا سكوتيًا قاطعًا على عدم ذكر التشريع الإسلامي كتشريع ملأ الأرض عدلاً وعلمًا، وقد كان يحكم به في بلادهم مئات السنين يوم أن كانوا يتخبطون في ظلمات الجهالة، وقد كنت كلما تقدمت في الدراسة بجامعتهم[23] أجد النصوص هي النصوص، بل والتعليل للأحكام عندهم هو التعليل في الفقه الإسلامي، خصوصًا في مذهب الإمام مالك"[24].

فللدراسات المقارنة أهمية ودور كبير في إظهار وإبراز مكانة الفقه الإسلامي – إذ بضدها تعرف الأشياء - سواء كانت هذه المكانة التي اكتسبها الفقه الإسلامي عالمية بأن أصبح أحد أهم دعائم القانون المقارن في العصر الحديث، أو برجوع الدول العربية للاستمداد منه بدل الاعتماد على القوانين الغربية التي دخلت للبلاد العربية مع دخول المستعمر، وسأجمل دور المقارنات التشريعية في إبراز مدى ثراء الفقه الإسلامي ومكانته في ما يلي:

  • إظهار مكانة الشريعة الإسلامية وفضلها:

تهدف الدراسات المقارنة إلى إظهار فضل الشريعة وكمالها ورفعة قدرها، وأحقيتها بالتطبيق، وعلو شأنها فوق القوانين الأرضية كافة، إذ بها صلاح الدنيا ورفعة الآخرة، وبتطبيقها يرتفع الفساد الذي ظهر في البر والبحر بسبب عتو الإنسان واجترائه على محارم الله وحدوده، ويظن البعض أن في مقارنة الفقه الإسلامي بالقانون الوضعي تقليلاً من شأن الفقه الإسلامي، وهذا من ضعف الثقة بفقهنا الإسلامي، والواقع أن الدراسات المقارنة تجلي مزايا ومدى ثراء الفقه، مما يجعله محل تقدير واحترام الجهات العلمية العالمية[25].

 فإذا كان فقه التشريعات الغربية في أوروبا وأمريكا وليد قرنين من الزمان على الأكثر فإن الفقه الإسلامي له أربعة عشر قرنا طوّف الآفاق شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، ونزل السهول والوديان والجبال والصحاري، ولاقى مختلف العادات وتقلب في جميع البيئات، وعاصر الرخاء والشدة، والسيادة والاستعباد، والحضارة والتخلف، وواجه الأحداث في جميع هذه الأطوار، فكانت له ثروة فقهية ضخمة لا مثيل لها، وفيه يجد كل بلد أيسر الحلول لمشاكله، وقد حكمت الشريعة الإسلامية في أزهى العصور فما قصرت عن الحاجة، ولا قعدت عن الوفاء بأي مطلب، ولا تخلفت بأهلها في أي حين، فلا ينبغي أبدًا لمن كانت هذه الشريعة دستورهم أن يتسوّلوا على موائد غيرهم، ولأجل إبراز هذه المكانة للفقه الإسلامي ذهب كثير من الفقهاء إلى مقارنة الفقه الإسلامي بغيره من النظم القانونية وفي ذلك يقول الشيخ أبو زهرة: "وإذا كنا نتجه إلى القوانين الحديثة في دراستنا، فإننا نتجه إلى تقسيمها وتنظيم الكتابة فيها ونقارب من هذه الناحية الشكلية، ولا نحاول التقريب في الناحية الموضوعية، وإن تعرضنا للموضوع أحيانًا، فلبيان فضل الشريعة على القانون الوضعي وما سبقت به القوانين كلها من حسنات[26].

  • إبراز غنى الفقه الإسلامي بالنظريات والمبادئ القانونية:

بعد أن اطّلع علماء الغرب وفقهاء القانون على ما يحويه الفقه الإسلامي من مبادئ ونظريّات ما كان للقانون الغربيّ أن يصل إليها، لولا الاستعانة به والاستمداد منه، فقد صاغ هذا الفقه عددًا من النّظريات التي انتقلت بالتفكير القانوني نقلة ذات آثار بعيدة في تطوّر هذا التفكير، من ذلك نظرية الضرورة والدّفاع الشرعي عن النّفس، ونظريّة الظروف الطارئة، وتعادل التزامات أطراف التعاقد، وجبر الضرر بنقله إلى المتسبّب في حدوثه أو توزيعه في المجتمع.

وقد تبلورت في الفقه الإسلامي نظرية التعسف في استعمال الحق، وحماية حق الخصوصية، والشفعة، والوقف، وتحريم الرّبا، ومنع الاحتكار، والغرر والمقامرة.

وقد أوضح هذا الفقه عددًا من المفاهيم التشريعية التي لا يخفى أثرها في تحقيق مصالح النّاس وتيسير تعاملاتهم، من ذلك مفهوم النّيابة في التعاقدات، ونقلل الالتزامات بين الأحياء أو الحوالة، ومفهوم الرّضائية في العقود وإطلاق سلطان الإرادة.

وفي المجال الجنائي كان الفقه الإسلامي هو الذي طور مفهوم المسؤولية وأسباب الإباحة، ونظرية تفسير الشك لمصلحة المتهم، وغير ذلك من النظريات التي يصعب حصرها، والتي انتقلت بالتفكير القانوني إلى آفاق واسعة رحيبة[27].

يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري: "وإذا كان بعض المستشرقين مثل شنوك هيرجرونج وجولد زيهر خيل إليهم أن مبادئ الشريعة الإسلامية جامدة لا تتطور، فذلك راجع إلى أنهم ليسوا من رجال القانون، بل من رجال التاريخ. فهم ينظرون إلى الشريعة الإسلامية نظرة المؤرخ لا نظرة الفقيه، وإلا فإنّ رجال القانون ممن درسوا الشّريعة يختلفون عن هؤلاء المستشرقين في نظرتهم إلى الشريعة الإسلامية، ويكفي أن نشير إلى الفقيه الألماني "كوهلر" والأستاذ الإيطالي "دلفيكيو" عميد كلية الحقوق بروما، وإلى العميد الأمريكي "فيجمور"، وإلى كثيرين غيرهم من الفقهاء فهم يشهدون بما انطوت عليه الشّريعة الإسلامية من مرونة وقابلية للتطور، ويضعونها إلى جانب القانون الروماني والقانون الإنجليزي، إحدى الشرائع الأساسية الثلاث التي سادت ولا تزال تسود العالم...

إلى أن قال "إن في الشريعة عناصر لو تولتها يد الصّيّاغة فأحسنت صياغتها لصنعت منها نظريّات ومبادئ لا تقل في الرّقي والشّمول ومسايرة التطور عن أخطر النّظريات الفقهيّة التي تتلقّاها عن الفقه الغربيّ الحديث. وضرب لذلك أربعة أمثلة فقال: إنّ كلّ مطّلع على فقه الغرب يدرك أن من أحدث نظرياته في القرن العشرين: نظريّة التعسّف في استعمال الحق، ونظريّة الظروف الطّارئة، ونظريّة تحمّل التبعة، ومسؤولية عديم التمييز.

وكل هذه النظريات أساس كبير في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلا إلى الصياغة والبناء"[28].

يقول الدكتور علي علي منصور: ولقد عثرت أخيرًا على مقال للأستاذ الدكتور عبد السلام ذهني تحت عنوان "تجميع القوانين والشّريعة الإسلامية" ورد فيه "لما كنت بمدينة ليون بفرنسا بقسم الدكتوراه في سنة 1911 - 1920م كان أستاذنا "لامبير" يرى أنّ الفقه الإسلامي في المعاملات كنزٌ لا يفنى ومعين لا ينضب، وكان يشير على الطلبة المصريين بالرجوع لوضع رسائلهم في الدكتوراه في مواضيع من الشريعة الإسلامية، وفعلاً وضع الدكتور محمد فتحي رسالة الدكتوراه عن مذهب الاعتساف في استعمال الحق والخروج عما شرع له عند فقهاء المسلمين، وما كادت الرسالة تطبع في كتاب حتى نفدت في ستة أشهر، وكتبت عنه المجلات القانونية كثيرًا، وأشادت بعظمة التشريع الإسلامي...

وما كتب الفقيه الألماني "كوهلر" في مقال له "إنّ الألمان كانوا يتيهون عُجبًا على غيرهم لخلقهم نظرية الاعتساف في استعمال الحق؛ وإدخالها ضمن التشريع في القانون المدني الذي وضع سنة 1787م، أما وقد ظهر كتاب "الدكتور فتحي" وأفاض في شرح هذه النظرية نقلاً عن رجال الفقه الإسلامي، فإنّه يجدر بعلماء القانون الألماني أن يتنازلوا عن المجد الذي نسبوه لأنفسهم، ويعترفوا بالفضل لأهله، وهم فقهاء الإسلام الذين عرفوا هذه النظرية وأفاضوا في الكلام عليها قبل الألمان بعشرة قرون[29]...

  • الاعتراف الدولي بمكانة الفقه الإسلامي وثراءه وأنه من أهم دعائم القانون المقارن اليوم:

ونكتفي بذكر شهادة بعض المؤتمرات الدولية للقانون المقارن لا على سبيل الحصر مثل:

  • المؤتمر الدولي للقانون المقارن سنة 1932م والذي انعقد في مدينة لاهاي في دورته الأولى، حيث يعترف أعضاؤه من الفقهاء الألمان والفرنسيين وغيرهم بأن الشريعة الإسلامية إحدى الشرائع الأساسية التي سادت ولا تزال تسود العالم، وبأنها مرنة قابلة للتطور، وهي فقه حيّ نامٍ متطور يجب النظر إليه بعين الاعتبار.

وفي دورته الثانية سنة 1937م في نفس المدينة قد مثل الأزهر فيه مندوبان من كبار العلماء ببحثين: الأوّل عن "المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية" والثاني عن "استقلال الشريعة والفقه الإسلامي، ونفيّ كلّ صلة مزعومة بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني".

وقد تمخض المؤتمر عن نتائج مهمة حول الفقه الإسلامي، نبّه إليها رجال التشريع الغربي وهي:

  • اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع العام.
  • أنها حية قابلة للتطور.
  • أنها شرع قائم بذاته غير مأخوذ عن غيره.
  • مؤتمر المحامين الدولي سنة 1938م الذي انعقد في نفس المدينة – لاهاي – وقد اشتركت فيه 53 دولة من جميع أنحاء العالم، وضم عددًا كبيرًا من الأساتذة والمحامين اللامعين من مختلف البلدان.

ومن القرارات التي اتخذها المؤتمر – بناءً على اقتراح من لجنة التشريع المقارن في المؤتمر، وعطفًا على ما أقره مؤتمر القانون المقارن السابق بشأن الشّريعة الإسلامية – ما يأتي:

"نظرًا لما في التشريع الإسلامي من مرونة، وما له من شأن هام يجب على جمعية المحامين الدولية أن تتبنّى الدراسة المقارنة لهذا التشريع وتشجّع عليها".

  • مؤتمر شعبة الحقوق الشرقية من المجمع الدولي للحقوق المقارنة:

وهو المؤتمر المنعقد في كلية الحقوق جامعة باريس للبحث في الفقه الإسلامي سنة 1951م تحت شعار "أسبوع الفقه الإسلامي" برئاسة "ميو" أستاذ التشريع الإسلامي في كلية الحقوق بجامعة باريس، دعت إليه عددًا كبيرًا من أساتذة كليات الحقوق العربية وغير العربية، وكليات الأزهر، ومن المحامين الفرنسيين والعرب وغيرهم من المستشرقين، وقد اشترك أربعة من مصر، واثنان من سوريا، وقد دارت المحاضرات حول خمسة موضوعات فقهية عينها مجمع المكتب الدولي للحقوق المقارنة قبل عام، وتتعلق بالحقوق العامة والخاصة "مدنية، جنائية، إدارية، اقتصادية وتاريخ التشريع" وهي:

  • إثبات الملكية.
  • الاستملاك للمصلحة العامة.
  • المسؤولية الجنائية.
  • تأثير المذاهب الاجتماعية بعضها في بعض.
  • نظرية الربا في الإسلام.

وقد ألقيت المحاضرات كلها باللغة الفرنسية وخصص لكل موضوع يوم، وعقب كل محاضرة كانت تفتح مناقشات مهمة بين المؤتمرين والمحاضرين تطول أو تقصر بحسب الحاجة وتسجّل خلاصتها.

وفي خلال بعض المناقشات وقف أحد الأعضاء، وهو نقيب سابق للمحاماة في باريس قائلاً:

"أنا لا أعرف كيف أوفّق بين ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته أساسًا تشريعيًا يفي بحاجات المجتمع العصري المتطوّر، وبين ما نسمعه الآن في المحاضرات ومناقشاتها، مما يثبت خلاف ذلك تمامًا، ببراهين النصوص والمبادئ".

وفي ختام المؤتمر وضع المؤتمرون بالإجماع التقرير الآتي:

"بناء على الفائدة المتحققة من المباحث التي عرضت أثناء أسبوع الفقه الإسلامي، وما جرى حولها من المناقشات التي نستخلص منها بوضوح:

  • أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها.
  • إنّ اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على "ثروة من المفاهيم والمعلومات، ومن الأصول الحقوقية" هي مناط الإعجاب، وبها يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة المدنية، والتوفيق بين حاجاتها.

وبناءً على ما تقدّم يعلنون رغبتهم في أن يظل أسبوع الفقه الإسلامي يتابع أعماله سنة فسنة ويكلفون مكتب المؤتمر وضع قائمة للموضوعات التي أظهرت المناقشات ضرورة جعلها أساسًا للبحث في الدورة القادمة.

ويأمل المؤتمرون أن تؤلَّف لجنة لوضع معجم للفقه الإسلامي يسهِّل الرجوع إلى مؤلفات هذا الفقه، فيكون موسوعة فقهيّة تعرض فيها المعلومات الحقوقية الإسلامية وفقًا للأساليب الحديثة".

وأخيرًا جاء في توصيات ندوتي كليات الحقوق في العالم الإسلامي المعقودة أولاً في بيروت سنة 1973م، وثانيًا في بغداد سنة 1974م: "إنّ الشّريعة الإسلامية صالحة كنظام قانوني شامل من خلال تجربتها الواقعية في القرون الماضية، وأنّ انحسارها لم يكن لقصورها؛ بل كان لأسباب خارجة عن ذاتها"[30].

 

  • إبراز استقلالية الفقه الإسلامي وتميزه عن الفقه الغربي:

لقد كان لظهور الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الغربية الفضل في تفنيد بعض الشبه التي أثيرت حول الفقه الإسلامي من ذلك مسألة تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني، والتي أيدها معظم المستشرقين على اختلاف بينهم في مدى هذا التأثر[31]، وكان دومينيكو غاتيسكي أول من زعم أن الفقه الإسلامي مستمد من القانون الروماني، وذلك في كتابه باللغة الإيطالية والمسمى: " كتاب يدوي للحقوق العثمانية العامة والخاصة" والذي طبع في الإسكندرية سنة 1856م، والذي زعم فيه مؤلفه أن الشرع الإسلامي يتشابه ويتماثل مع القانون الروماني في عدد من المسائل، وأن قواعد القانون الروماني قد دخلت وتسربت إلى المسلمين بسهولة في زي الأحاديث الموضوعة التي نسبت إلى النبي R[32].

وتبعه بعد ذلك الكثير من المستشرقين مثل جولد زيهر، وسانتيلانا، وشرمان، وكاروزي، وآموس، وساشو، ودي بور، وفون كريمر ... إلى التشكيك في أصالة الشريعة الإسلامية بدعوى أنها مستمدة من القانون الروماني، أو أنها تأثرت به كثيرًا، أو أن القانون الروماني من أهم مصادرها على تفاوت بينهم في ذلك بين مغال ومعتدل، ومن الذين غلوا كثيرًا في ذلك شيلدونآموس الذي زعم في كتابه (القانون المدني الروماني)" أن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية الشرقية معدلاً وفق الأحوال السياسية في الممتلكات العربية[33].

لكن بعد ظهور الدراسات المقارنة التي أبانت على تميز الفقه الإسلامي وأنه من أعظم النظم القانونية في العصر الحالي، كثير من المنصفين من المستشرقين أنفسهم نفى أي صلة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني، ومنهم نالينو وفتزجيرالد[34]. بل ورجع بعضهم عن دعواه أمثال جولد زيهر[35].

 

الخاتمة

لطالما رأينا كيف أن فقهاء الغرب يتباهون بما انحدر إليهم في تراثهم التشريعي عن الرومان من آراء ونظريات مختلفة مأثورة عن فقهاء الشرع الروماني وشراحه، ويجدون في تلك الآراء كمالا وثراء لفقههم، مع أن فقههم على سعته ليس إلا شيئًا يسيرًا، أو غيضًا من فيض بالنسبة لما ورثناه من اجتهادات من فقهنا الإسلامي، لكن بعد ظهور الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الغربية والتي أماطت اللثام عن حقيقة ما يتمتع به الفقه الإسلامي من رصانة وانسجام بين مبادئه وقواعده وغناه بالنظريات والمبادئ القانونية والتي ما ظن فقهاء الغرب أبدًا أنها موجود في ثنايا الفقه الإسلامي، إضافة لتلك المرونة التي يتميز بها والتي من التأثير في باقي الشعوب، وامتيازه بإيجاد الحلول لما يطرأ من الوقائع ويستجد من النوازل[36]، ناهيك عن المبادئ والقيم الأخلاقية التي تجدها بارزة في جميع النظريات والقواعد والأحكام الفقهية[37]، لذلك كانت تلكم الاعترافات بمكانة الفقه الإسلامي سواء اعترافات فردية من كبار الفقهاء الغربيين، أو اعترافات مجامع ومؤسسات ومؤتمرات القانون في الغرب، وإضافة لانتزاع هذا الاعتراف من فقهاء الغرب ومؤسساته القانونية الرسمية بثراء الفقه الإسلامي وأنه مدرسة قانونية كبرى مثل المدرسة اللاتينة الجرمانية والمدرسة الأنجلوسكسونية، لكن هذا لا يكفي في نظري بل لا من تعريف الجيل بثراء الفقه الإسلامي وأنه أصلح من القوانين الوضعية الغربية إذا وجد اليد التي تصوغه بلغة العصر وتعرضه أحسن عرض، ولذلك في نظري لا بد من أمور أهما:

  • التعريف بالفقه الإسلامي وبيان مكانته من خلال مقارنته بالقانون الوضعي.
  • إرشاد المهتمين بالفقه الإسلامي إلى ما يحتويه من كنوز تشريعية ونظريات دفينة تضاهي بل تفوق النظريات الغربية تنتظر من يكشف عنها الحجاب ويخرجها للوجود.
  • التنويه بضرورة إعادة تجديد الفقه الإسلامي من خلال إعادة صياغته صياغة بسيطة بلغة العصر يفهمها الطلبة وتسهل عليهم عملية المقارنة بالقانون الوضعي.
  • بيان أن الدراسات المقارنة هي الوسيلة التي نستطيع بواسطتها إظهار ما يحتويه الفقه الإسلامي من نظريات ومبادئ قانونية راقية.


لتحميل ملف الدراسة

 

* مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، مج: 8، ع: 2، 2023م، ص125-148.

** أستاذ الشريعة والقانون - جامعة المسيلة الجزائر.

 

المراجع

_______________

المعاجم والقواميس:

  • محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، عني بترتيبه: محمود خاطر، دار الفكر، الطبعة الأولى، 2001م.
  • مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، مصر، الطبعة الرابعة، 2004م.

المراجع العامة:

  1. أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر، الطبعة الأولى، 2009م.
  2. الدسوقي السيد الدسوقي عيد، استقلال الفقه الإسلامي عن القانون الروماني والرد على شبه المستشرقين، مكتبة التوعية الإسلامية، جيزة – العراق -، الطبعة الأولى، 1989م.
  3. ساجر ناصر حمد الجبوري، التشريع الإسلامي والغزو القانوني الغربي للبلاد الإسلامية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005م.
  4. سيد عبد الله حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي (مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس) دراسة وتحقيق: محمد أحمد سراج، وآخرون، دار السلام، مصر، الطبعة الثانية، 2006م.
  5. شويش هزاع علي المحاميد، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر وملامحه، دراسة وثائقية تحليلية، دار عمار، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2001م.
  6. شوكت محمد عليان، التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، دار الشواف، ط / 1996م.
  7. عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1998م.
  8. عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/ الأولى، 2011م.
  9. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، دار عمر بن الخطاب –الاسكندرية – مصر، 1969م.
  10. علي علي منصور، مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، دار الفتح، بيروت، ط/ 01، 1970م.
  11. صوفي حسن أبو طالب، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مكتبة نهضة مصر، القاهرة.
  12. محمد إبراهيم طاجن، أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، مركز نهوض للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2020م.
  13. محمد أبو زهرة، الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى.
  14. محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2015م.
  15. محمد أحمد سراج، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، د ت ن.
  16. محمد الصباغ، التشريع الإسلامي وحاجتنا إليه، المكتب الإسلامي، ط/ الثانية، بيروت، 1977م.
  17. محمد رشيد رضا، مجلة المنار، مقال بعنوان: "مناظرة في مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات"، عدد ذي الحجة، 1930م.
  18. محمد شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة العاشرة، 1980م.
  19. محمد فتحي الدريني، بحوق مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1994م.
  20. محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية، إشراف: محمد أحمد سراج، أحمد جابر بدران، مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 2011م.
  21. محمد وحيد الدين سوار، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط/ الثانية، 1998م.

المقالات:

  1. رحيمة بن حمو، نحو نظرية للمقارنة بين الشريعة والقانون، مجلة المعيار، قسنطينة، مجلد 23، عدد 46، سنة 2019م.
  2. عبد الرزاق السنهوري، وجوب تنقيح القانون المدني، مجلة القانون والإدارة، سنة 06، العدد01.
  3. عبد المجيد الصلاحين، العلوم الإسلامية وتحديات العولمة – الفقه نموذجًا – مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، مجلة علمية دولية محكمة، مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة، الأغواط، الجزائر، العدد الأول، جانفي 2016م.
  4. كارلو ألفونسو نالينو، نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الرومي، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي"، دار البحوث العلمية، الطبعة الأولى، 1973م.
  5. فتزجيرالد، الدين المزعوم للقانون الرومي على القانون الإسلامي، تعريب محمد سليم العوا، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي"، دار البحوث العلمية، الطبعة الأولى، 1973م.

 

 

مراجع باللغة الأجنبية:

  1. ANTIGA PASHAYEVA, Religion and Law: The Ratio of Law and Morality in Islam, International Journal of Islamic Thought, 22 (Dec.) 2022 p:3-4.

 

doi: https://dio.org/10.55781/rsic.v8i2.473

[1] مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، مصر، الطبعة الرابعة، 2004م، ص: 760.

[2] محمد فتحي الدريني، بحوق مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1994م، ج1/ 17.

[3] محمد فتحي، مرجع سابق، ج 1 / 17-18.

[4] محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2015م، ص: المقدمة، الصفحة هـ.

  • رحيمة بن حمو، نحو نظرية للمقارنة بين الشريعة والقانون مجلة المعيار، قسنطينة مجلد 23، عدد 46، سنة 2019م. ص: 642.

[5] محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: المقدمة، الصفحة هـ.

[6] محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح عني بترتيبه: محمود خاطر، دار الفكر، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 285.

[7] محمد شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة العاشرة، 1980م، ص: 73.

[8] محمد إبراهيم طاجن، أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، مركز نهوض للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2020م، ص325.

[9] أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر، الطبعة الأولى، 2009م، ص 21.

[10] شویش هزاع علي المحاميد، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر وملامحه، دراسة وثائقية تحليلية، دار عمار، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2001م، ص524.

[11] محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص326.

[12] محمد رشيد رضا، مجلة المنار، مقال بعنوان: "مناظرة في مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات"، عدد ذي الحجة 1930م.

  • نقلاً عن محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص 338- 339.

[13] وقد قام بتحقيقه وإخراجه إلى النور كل من أ. د/ محمد أحمد سراج، وأ. د/ علي جمعة محمد، من منشورات دار السلام المصرية، 1990م.

[14] للاطلاع أكثر على منهج الشيخ مخلوف المنياوي في كتابه المقارنات التشريعية، انظر: مقدمة المحقق للكتاب: المقارنات التشريعية تطبيق القانون المدني والجنائي على مذهب الإمام مالك، دراسة وتحقيق أ. د/ محمد أحمد سراج، أ. د/ علي جمعة محمد، دار السلام، الطبعة الأولى، 1999م، ج11/1-20. محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: المقدمة من الصفحة س - ر.

[15] انظر ترجمته في كل محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: من المقدمة ر - ذ. محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية، اشراف: محمد أحمد سراج، أحمد جابر بدران، مركز الدراسات الفقهية الاقتصادية، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 2011م،  ج 1 / 10- 14.

[16] محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: المقدمة من الصفحة ث.

[17]  لمزيد إيضاح حول منهج سيد عبد الله حسين في كتابه المقارنات ينظر: محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: من المقدمة ذ- غ، سيد عبد الله حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي (مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس) دراسة وتحقيق: محمد أحمد سراج، وآخرون، دار السلام، مصر، الطبعة الثانية، 2006م، ج 1/ 16-32.

[18] عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1998م، ج 1 / 5.

[19] عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ج 1 /6.

[20] عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ج1 /7. وانظر أيضًا في بيان منهج السنهوري في كتابه مصادر الحق، محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: من المقدمة غ – زز.

[21] محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص: 381.

[22] راجع في بيان هذه الجهود وغيرها، محمد إبراهيم طاجن مرجع سابق، ص: 365-399.

[23] ذلك أن سيد عبد الله حسي بعد دراسته في الأزهر وتخرجه منه بشهادة العالمية في الفقه الإسلامي، درس الحقوق بجامعة ليون بفرنسا كما ذكر هو نفسه ذلك، سيد عبد الله حسين، مرجع سابق، ج 1/ 61.

[24] سيد عبد الله حسين، مرجع سابق، ج 1/ 61.

[25] محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص: 352.

[26] محمد أبو زهرة، الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، نقلاً عن محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص: 353.

[27] محمد أحمد سراج، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، د ت ن. ص 205.

[28] عبد الرزاق السنهوري، وجوب تنقيح القانون المدني، مجلة القانون والإدارة سنة 06، العدد 01، ص03 علي علي منصور، مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، دار الفتح، بيروت، ط/ 01، 1970م. ص41-42.

[29] من مقال نشر في الجريدة القضائية في 23 جانفي 1937م نقلاً عن علي علي منصور، مرجع سابق، ص 41-42.

[30] انظر: ساجر ناصر حمد الجبوري، التشريع الإسلامي والغزو القانوني الغربي للبلاد الإسلامية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005م، ص: 244 - 247. شوكت محمد عليان، التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، دار الشواف، ط / 1996م، ص: 196؛ علي علي منصور، مرجع سابق، ص 9-10. عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/ الأولى، 2011م، ص: 15؛ محمد وحيد الدين سوار، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط/ الثانية، 1998م، ص، ب؛ محمد الصباغ، التشريع الإسلامي وحاجتنا إليه، المكتب الإسلامي، ط/ الثانية، بيروت، 1977م، ص 13 - 14.

[31] عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية، مصر، 1969م، ص: 73.

[32] كارلو ألفونسو نالينو، نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الرومي، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي"، دار البحوث العلمية، الطبعة الأولى، 1973م، ص: 9.

[33] صوفي حسن أبو طالب، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ص: 6.

[34] فتزجيرالد، الدين المزعوم للقانون الرومي على القانون الإسلامي، تعريب محمد سليم العوا، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي".

[35] فيتزجيرالد، مرجع سابق، ص: 121؛ صوفي حسن أبو طالب، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مرجع سابق، ص: 8. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص: 74؛ الدسوقي السيد الدسوقي عيد، استقلال الفقه الإسلامي عن القانون الروماني والرد على شبه المستشرقين، مكتبة التوعية الإسلامية، جيزة - العراق، الطبعة الأولى، 1989م، ص:14.

[36] عبد المجيد الصلاحين، العلوم الإسلامية وتحديات العولمة - الفقه نموذجًا -، مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، مجلة علمية دولية محكمة، مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة، الأغواط، الجزائر، العدد الأول، جانفي 2016م، ص: 39.

[37] ANTIGA PASHAYEVA Religion and Law: The Ratio of Law and Morality in Islam. International Journal of Islamic Thought Vol. 22 (Dec.) 2022 p:3-4148.

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "رؤية إسلامية" للدكتور زكي نجيب محمود· عام 1978 عن دار الشروق في القاهرة، ولكننا ننشر رفق هذا التقديم الطبعة الأحدث من الكتاب، والتي صدرت عن مؤسسة هنداوي.

يُعد هذا الكتاب أحد الأعمال البارزة للكاتب، والذي يناقش فيه رؤيته الفكرية والثقافية من منظور إسلامي، حيث جمع الكاتب بين الفكر الفلسفي الغربي والرؤية الإسلامية العقلانية، حتى نجح –كما رأى البعض- في تقديم "إسلام [فكر إسلامي] متصالح مع العقل والعلم" دون تناقض مع الثوابت الدينية، بلغة واضحة في متناول القارئ غير المتخصص.

وقد استقبل الكتاب بالترحاب من قبل النقاد والمثقفين، حيث أثنى الدكتور محمد حسين هيكل على الكاتب (في أحد حواراته) قائلًا: "زكي نجيب محمود يُذكِّرنا بأن الإسلام ليس مجرد طقوس، بل هو حضارةٌ قادرة على الحوار مع كل العصور"، وهو يقترب في ذلك من ثناء الأديب طه حسين على د. زكي نجيب محمود من قبل صدور كتابه هذا بأنه: "فيلسوفٌ يضع المنطق في خدمة الإيمان"، بينما ذهب المفكر محمد عابد الجابري إلى أن أعمال زكي نجيب محمود، ومنها هذا الكتاب، تُساهم في مشروعٍ فكريٍ يهدف إلى إعادة قراءة التراث بمناهج عقلانية، مشابهةً لحركة التنوير الأوروبية لكن في إطار الهوية الإسلامية.

وقد انطلق الكاتب من التساؤل حول أسباب التخلف الذي أصاب العالم الإسلامي، بعد أن كانت له القيادة والريادة؟

ولقد نوه عن ذلك الدكتور زكي نجيب محمود حين قدم لكتابه يقول:

سؤال طرحته على نفسي، حين ألقيت نظرة إلى خريطة العالم الإسلامي، في امتداد رقعته الجغرافية، من أقصى الجنوب الشرقي لقارة آسيا، حتى أقصى الغرب في معظم القارة الأفريقية، وما إن ألقيت السؤال، حتى أجريت القلم خلال ستة أشهر، بالفصول التي هي مادة هذا الكتاب، وكانت هذه الفصول تحمل أطرافًا مما يصح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال.

وأما السؤال فهو هذا: ما الذي أصاب العالم الإسلامي، فتخلَّف حتى أصبح في مؤخرة الركب الحضاري في عصرنا هذا، بعد أن كانت له، ذات حين قيادة وريادة؟ على أنني إذاّ أخذت أضع الجواب في قطرات متفرقة متتابعة، أنظر في كل  قطرة فيها إلى الموقف من إحدى نواحيه، كانت نظرتي تنحصر في ذلك الجزء من العالم الإسلامي - الذي يكون الوطن العربي الكبير، ثم كانت تلك النظرة- أحيانًا كثيرة- تعود فتزداد انحصارًا- حتى تقف عند حدود وطني الخاص الذي هو مصر، وسيجد القارئ في القسم الرابع من هذا الكتاب تحديدًا دقيقًا لدوائر الانتماء الثلاثة، التي على أساسها يتدرج الانتماء، من حيث التبعات الاجتماعية، تدريجا يجعلني مصريًا أولاً، وعربيًا ثانيًا، وفردًا من أبناء العالم الإسلامي ثالثًا، وهو تدرج لا أقيمه على درجات «الأهمية» لهذه الأجزاء، بل أقيمه على الأمر الواقع الذي يجعل الإنسان مسئولاً  أمام القانون عن وطنه الخاص، قبل أن يكون مسئولاً عن المجالات الأوسع نطاقًا، والتي ينتمي إليها جميعًا بدرجات.

محتويات الكتاب:

مقدمة

القسم الأول: مع العلم بعمق الإيمان

أنا المسجد والساجد

اقرأ باسم ربك

العقل يهدي ويهتدي

الأشياء والكلمات

عصر يبحث عن حرية الإنسان

اختلاف الرأي والرؤية

عالم عابد في مركبة الفضاء

 

القسم الثاني: من عوامل القوة

يموت الإنسان ليحيا

قنافذ وثعالب

أنا أريد – إذن أنا إنسان

فالق الحب والنوى للعصر الواحد صوت واحد

صورة ريفية وأعماقها

من الجذور

حياتنا الجديدة تصنعها أقلامنا

وهذه جزيرة أخرى

تقاليد وتقليد

الاقتصاد في معاناة

القسم الثالث: من عوامل الضعف

صرخة

متطرف تحت المجهر

عصر الحنين

أزرع ولا حَصَاد؟

ظلال بين اليأس والرجاء

أهو شرك من نوع جديد؟!

هذا الصغير وصاغه

صانع الحروف

هؤلاء

فعل الزمن

حتى يغيروا ما بأنفسهم

 

القسم الرابع: دائرة الانتماء

عروبة مصر

حول مشكلة الانتماء.

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

  • الدكتور زكي نجيب محمود: (1 فبراير 1905م- 8 سبتمبر 1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، له العديد من المؤلفات في الفلسفة والمنطق، ومنها: نظرية المعرفة، المنطق الوضعي، نحو فلسفة علمية، حياة الفكر في العالم الجديد، موقف من الميتافيزيقا، أسس التفكير العلمي ... الخ، كما ألف العديد من الكتب عن الحياة الفكرية والثقافية ومنها: تجديد الفكر العربي، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ثقافتنا في مواجهة العصر، مجتمع جديد أو الكارثة، رؤية إسلامية، في تحديث الثقافة العربية، قيم من التراث ... الخ، وله العديد أيضًا من المؤلفات الأدبية منها: جنة العبيط، شروق من الغرب، الكوميديا الأرضية، قصة نفس ... الخ.

وقد حصل د. زكي نجيب محمود على العديد من الجوائز، منها:

  • جائزة الدولة التشجيعية عن كتابه "نحو فلسفة علمية".
  • جائزة الدولة التقديرية في الآداب.
  • جائزة الثقافة العربية.
  • جائزة سلطان العويس من دولة الإمارات العربية.

نُشرت هذه الدراسة في مجلة الجامعة العراقية (ع: 62، ج: 1، أغسطس 2023م، ص429-449)، وتسعى الدراسة إلى إلقاء الضوء على نظرية تحمل التبعة في كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي، وكما هو معلوم بأن هذه النظرية تعد من أهم النظريات القانونية في مجال المسئولية الدولية التي تؤسس على إقامة التبعة على عاتق المسئول عن نشاط خطر عما يحدثه بالغير من أضرار دون اللجوء إلى إثبات الخطأ في جانبه.

وكما أوضح الباحث فإن نظرية تحمل التبعة كأساس قانوني قوي ومتين يمكن أن تؤسس عليه المسؤولية الدولية، دون النظر إلى أركان المسؤولية مجتمعة، وهل تكون منطلقًا للتعويض عن الأضرار المادية أو الأدبية التي قد تحدث للكثير من أشخاص القانون الدولي.

وذكر الباحث أن هذا البحث سينطلق في تأسيس هذه النظرية الدولية من منطلق إرث كبير وهو إرث الفقه الإسلامي، وسيعطي هذا التأصيل للمطلع مزيد إحاطة وإطلاع على جنبات ودقائق هذه النظرية.

وتكمن مشكلة البحث في اعتراض بعض الفقهاء على نقل هذه النظرية من القوانين المحلية والوطنية إلى ميدان القانون الدولي، وكذلك أخذ بعض فقهاء القانون لهذه النظرية دون النظر في ركن الخطأ، والذي يعد أحد أركان المسؤولية الدولية، وهذا ما يضع تحديًا للباحث يقوم على أساس التأصيل والتحليل والمقارنة التي تنتج لنا إمكانية اعتماد هذه النظرية كأساس للمسؤولية الدولية أو لا.

وخلص الباحث من خلال بحثه هذا إلى عدة نتائج، منها:

  • يتوافر عدد من القواعد الفقهية التي تؤسس عليها نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي مثل: الخراج بالضمان، والغنم بالغرم، ولا ضرر ولا ضرار، إلا أن الباحث رأى أن أنسب تلك القواعد للقانون الدولي قاعدة الغرم بالغنم.
  • توجد بعض الاستثناءات التي ترد على هذه النظرية، والتي قد تأخذ شكلًا أخر من تحمل التبعة، أو قد تفرد كنظرية مستقلة يمكن تأسيس المسؤولية الدولية عليها.
  • أخذت بعض القوانين الوطنية بنظرية تحمل التبعة بجميع مستوياتها، بينما حددتها بعض القوانين الوطنية الأخرى بالأنشطة الخطرة.
  • هناك خلاف قوي بين فقهاء القانون الدولي في الأخذ بنظرية تحمل التبعة من عدمه، إلا أن الراجح عند الباحث هو الأخذ بهذه النظرية، والسبب في ذلك أن المسؤولية الدولية يجب ألا تؤسس على ركن الخطأ فقط، ولكن يجب أن تؤسس على ركن الضرر كما يقول فقهاء الشريعة، وهذا أدق في المعنى وأجلى للفهم.

 

تقسيمات الدراسة:

تأسيسًا على ما سبق فقد تم تقسيم الدراسة إلى خمسة مباحث، وخاتمة اشتملت على أهم النتائج، وذلك على النحو التالي:

المبحث الأول: التعريف اللغوي لمصطلح تحمل التبعة.

المبحث الثاني: تعريف نظرية تحمل التبعة فقها وقانونًا.

البحث الثالث: تأصيل نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي والاستثناءات الواردة عليه.

المبحث الرابع: تحمل التبعة في القوانين الوطنية الحديثة.

المبحث الخامس: تحمل التبعة في القانون الدولي والخلاف فيه.

 

 

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

 

* أستاذ مساعد بقسم السياسة الشرعية- المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 

نُشرت هذه الدراسة في مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التي تصدرها جامعة قطر (ع: 3، 1984م، ص67-82)، وتسعى هذه الدراسة إلى إلقاء نظرة عابرة على "علم أصول الفقه الإسلامي"، وما يقابله عند رجال القانون من "علم أصول القانون" أو "المدخل لدراسة القانون" أو "مقدمة القانون" أو غير ذلك، والمقارنة بين العلمين إجمالا دون الخوض في الكثير من التفاصيل والفروع..

ومما جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

لرجال القانون أن يفخروا -في غياب الفقه الإسلامي عن وجدانهم أو عقولهم- بقانونهم، وأن يصفوه بما شاءوا من أوصاف الكمال من دقة المبنى وكمال المعنى، مؤيدين ذلك بطول عمره واتساع رقعة تطبيقه وانتشاره في غير موطنه وتداول العقول إياه، عبر قرون عديدة في بقاع من الأرض متباعدة، بالتحسين والتدقيق والإصلاح والشرح والتطبيق والتخريج والبسط والاختصار.

ولهم أن يجادلوا -عنادًا أو جهلاً- إذا نبهوا إلى الفقه الاسلامي وما هو عليه من مبنى أدق ومعنى أكمل، لصدوره عن كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو القرآن الكريم، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، وعن إجماع الأمة الإسلامية وهي لا تجتمع على خطأ، وجهد رجال أفذاذ أخلصوا في خدمة شريعة الله وبذلوا في ذلك عمرهم.

ولكن ليس لهم إلا أن يسلموا بتفوق علم أصول الفقه، عما يقابله عندهم من "علم أصول القانون"، فأين الثرى من الثريا؟ وهو آية على عظمة العقل الإسلامي وعلى كذب الدعوى بأن الفقه الاسلامي مأخوذ عن القانون الروماني فهذه أصوله وأسسه في "علم أصول الفقه"، وليس عندهم مثيله فكيف تصح دعواهم؟

ونحن نلقي - فيما يلي - نظرة عابرة على "علم أصول الفقه الإسلامي"، وما يقابله عند رجال القانون من "علم أصول القانون" أو "المدخل لدراسة القانون" أو "مقدمة القانون" أو غير ذلك من الأسماء المختلفة في المبنى المتفقة في محتويات هذا العلم عندهم.

ونحن -في ذلك- نكتفي بالخطوط الرئيسية لكل، دون الدخول في التفصيل والتفريع، ودون التعرض لما بين علماء الأصول من الاختلافات ترجع إلى مذهب كل أو إلى فهمه هو واجتهاده، فغايتنا من هذا البحث لا تحتاج إلى شيء من ذلك.

وفي خاتمة الدراسة أوصى الباحث علماء المسلمين بأنه يجدر بهم معالجة موضوعات وردت في القانون ولم تعالج أو لم تعالج المعالجة الشافية في علم أصول الفقه، وأكد كذلك على أنه ليس بصدد مقارنة الحكم الشرعي بالقاعدة القانونية، فهما مختلفان في الطبيعة والنطاق والموضوع.

 

تقسيمات الدراسة:

الفصل الأول: علم أصول الفقه

المبحث الأول: الحكم الشرعي

المبحث الثاني: الحاكم

المبحث الثالث: المحكوم عليه

المبحث الرابع: المحكوم فيه

المبحث الخامس: المحكوم به

الفصل الثاني: علم أصول القانون

المبحث الأول: القانون

المبحث الثاني: الحق

الفصل الثالث: مقارنة بينهما.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

 

* الدكتور محمد زكي عبد البر: محقق أصولي وفقيه وقاضي؛ فهو من أبرز القانونيين الذين لهم باع طويل في مجال الدراسات القانونية المقارنة بالشريعة الإسلامية، حصل على درجة الدكتوراه في موضوع: "نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي"، وقام بالتدريس في العديد من الجامعات في الدول العربية، كما كان نائبًا لرئيس محكمة النقض المصرية. له العديد من المؤلفات منها: الحكم الشرعي والقاعدة القانونية (الكويت 1982م)، التصرفات والوقائع الشرعية (الكويت 1982م)، الربا وأكل المال بالباطل (الكويت 1982م)، تقنين الفقه الإسلامي (قطر 1982م)، أحكام العقود الناقلة للملك (قطر 1982م) ... الح (للمزيد من التفاصيل عن الدكتور محمد زكي عبد البر: موقع حوارات الشريعة والقانون، الدكتور محمد زكي عبد البر، أعلام وشخصيات، (http://hewarat.org/index.php/2023-09-21-15-44-57/item/959-2025-04-08-14-22-59).

من فوائد التأليف في هذا الفن:

أولًا- بيان كمال الشريعة الإسلامية: أتى الرسول – صلى الله عليه وسلم – من الله تعالى بشريعة هي أكمل الشرائع متضمنة لمصالح يعجز عن مراعاة مثلها البشر، وعرف أهل زمانه شرف ما جاء به بنحو من أنحاء المعرفة، حتى نطقت به ألسنتهم، وتبين في خطبهم ومحاوراتهم، فلما انقضى عصرهم وجب أن يكون في الأمة من يوضح وجوه هذا النوع من الإعجاز والآثار الدالة على أن شريعته – عليه السلام – أكمل الشرائع، وأن إتيان مثله بمثلها معجزة عظيمة كثيرة مشهورة لا حاجة إلى ذكرها.

ثانيًا- الاطمئنان على الإيمان: ومنها أن يحصل به الاطمئنان الزائد على الإيمان، كما قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: 260). ذلك أن تظاهر الدلائل، وكثرة طرق العلم يثلجان[1] الصدر، ويزيلان اضطراب القلب.

ثالثًا- أن يعرف المؤمن مشروعية ما يعمل: ومنها أن طالب الإحسان إذا اجتهد في الطاعات وهو يعرف وجه مشروعيتها، ويقيد نفسه بالمحافظة على أرواحها وأنوارها نفعه قليلها، وكان أبعد من أن يخبط خبط عشواء[2]. لهذا المعنى اعتنى الإمام الغزالي في كتب السلوك بتعريف أسرار العبادات.

ومنها أنه اختلف الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية بناء على اختلافهم في العلل المخرجة المناسبة، وتحقيق ما هو الحق هنالك لا يتم إلا بكلام مستقل في المصالح[3].

رابعًا- ردع المشككين: ومنها أن المبتدعين شككوا في كثير من المسائل الإسلامية بأنها مخالفة للعقل، وكل ما هو مخالف له يجب رده أو تأويله، كقولهم في عذاب القبر إنه يكذبه الحس والعقل، وقالوا في الحساب والصراط والميزان نحوًا من ذلك، فطفقوا يؤولون بتأويلات بعيـدة. ولا سبيل إلى دفع هذه المفسدة إلا بأن نبين المصالح، ونؤسس لها القواعد، كما فعل نحوًا من ذلك في مخاصمات اليهود، والنصارى، والدهرية، وأمثالهم.

خامسًا– بيان أن الأحاديث الصحيحة توافق المصالح الشرعية: ومنها أن جماعة من الفقهاء زعموا أنه يجوز ردّ حديث يخالف القياس من كل وجه، فتطرق الخلل إلى كثير من الأحـــاديث الصحيحة كحديث المصراة[4]، وحديث القلتين[5] فلم يجد أهل الحديث سبيلًا في إلزامهم الحجة إلا أن يبينوا أنها توافق المصالح المعتبرة في الشرع.

سادسًا- الترجيح:

  • لقد سبق الآمدي إلى إدخال أصول المصالح الشرعية في الترجيح بين الأقيسة وأوضح لذلك صورًا أربعًا:
  1. أن يكون المقصود من إحدى العلتين من المقاصد الضرورية، والمقصود من الأخرى غير ضروري.
  2. أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجات الزائدة، ومقصود الأخرى من باب التحسينات والتزيينات.
  3. أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية، ومقصود الأخرى من أصول الحاجات الزائدة.
  4. أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين، ومقصود الأخرى ما سواه من المقاصد الضرورية[6].
  • وقد سار الباحثون المعاصرون شوطًا أبعد في استخدام المقاصد في الترجيح بتطبيق نتائجها المتمثلة في قواعدها على مباحث الفقه أو على الأقل على مبحث فقهي معين، كما فعل الطالب عبد القادر بن حرز الله في أطروحته عن (التعليل المقاصدي لأحكام الفساد والبطلان في التصرفات المشروعة وأثره الفقهي)[7] حيث قام بالترجيح بين مذاهب الأصوليين في تقرير القاعدة الأصولية بمقتضى قواعد المقاصد، محققًا بذلك التوازن بين الجوانب الثلاثة للتصرف الشرعي: قاعدته الأصولية، وحكمه الفقهي، وبعده المقاصدي.

سابعًا- منع التحيُّل:

  • عرف الشاطبي الحيل بأنها (تحيل على قلب الأحكام الثابتة شرعًا إلى أحكام أخرى بفعل صحيح الظاهر لغو في الباطن، كانت الأحكام من خطاب التكليف أو من خطاب الوضع)[8]، ثم قرر عدم مشروعيتها ليربطها حقيقة وحكمًا بمقاصد الشريعة، حيث قال: (لما ثبت أن الأحكام شُرِعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها.. فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقًا والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قُصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات)[9].
  • وقد تابع ابن عاشور النهج نفسه وفصَّل فيه ونوّع الحيل إلى خمسة أنواع، وضرب لها أمثلة[10] لا نوافقه في بعضها، كالتفرقة بين إضمار المرأة المبتوتة عند زواجها العودة إلى الزوج الأول (النوع الثاني) وقصد مَن يتزوج بالمبتوتة أن يحللها لمن بتها (النوع الخامس) فكلاهما مناقض لقصد الشارع من زواج المبتوتة.

ثامنًا- فتح الذرائع وسدها:

  • ان القرافي دقيقًا في تطبيق قاعدة الوسائل والمقاصد، وأساسها أولوية المقاصد على الوسائل، ففي ضوء الأولى تقاس الثانية وتأخذ حكمها.

فسد الذرائع عنده هو حسم وسائل الفساد دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة منعنا من ذلك الفعل، وكما يجب سد الذرائع يجب أيضًا فتحها[11].

تاسعًا[12] النصوص والأحكام بمقاصدها: بيَّن د. الريسوني أن هذا هو ما عليه الجمهور – خلافًا للظاهرية- على تفاوت بينهم في مدى الأخذ بالمبدأ، والذي يقتضي عدم إهمال المقاصد ولا الغفلة عنها عند تقرير الأحكام وعند النظر في النصوص. وضرب أمثلة من باب الزكاة ومسألة سفر المرأة بدون محرم.

عاشرًا– الجمع بين الكليات العامة والأدلة الخاصة: ويقصد بالكليات العامة ما كان منصوصًا عليه، وما توصل إليه باستقراء عدد من النصوص والأحكام الجزئية. ولخص د. الريسوني ما شرحه الشاطبي من ضرورة اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها وبالعكس[13]، وأشار إلى قول الحافظ ابن عبد البر أن الإمام أبا حنيفة كان يرد كثيرًا من أخبار الآحاد العدول بعد عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذًّا[14].

ثم أورد مثالين أحدهما عن تغيير التصرف في الحقوق الثابتة إذا كان مخالفًا لمقاصد الشريعة وقواعدها العامة، ومن هذا الباب منع التعسف في استعمال الحق. وثانيهما التدخل في العقود إذا حوت ظلمًا بيّنًا لأحد طرفيه أو أطرافه، وذلك بنقضه أو تعديله بما يحقق العدل للطرفين، ومن هذا الباب وضع الجوائح أو نظرية الظروف الطارئة.

حادي عشر– اعتبار المآلات:

  • أي أن المجتهد عليه أن يقدر مآلات الأفعال التي هي محل حكمه وإفتائه، وضرب أمثلة من تصرفات الرسول -عليه السلام – في عدم قتل المنافقين، وعدم إعادة بناء الكعبة، وتصرفه مع الأعرابي الذي بال بالمسجد.
  • ‌ثم تكلم عن تحقيق المناط إذا كان عامًّا كتحقيق معنى الفقير المستحق للزكاة، ومعنى الزاني المحصن، ومعنى العدالة في الشهادة والرواية.
  • ‌وإذا كان خاصًّا يتعلق بشخص معين لمعرفة ما يناسبه.
  • ‌وقريب من هذا أن المجتهد يجب أن يجدد نظره في المسائل المشابهة لما سبق له الحكم فيه؛ لأن لكل مسألة خصـــوصياتها مهما تشابهت مع غيرها[15].

ثاني عشر– التوسع والتجديد في الوسائل: كتب د. الريسوني[16]: مما تستفيده الدعوة وأهلها من المقاصد والفكر المقاصدي إضفاء المرونة والتجديد على وسائل الدعوة وأساليبها.. والوسائل المحضة – حتى ولو كانت منصوصة – تقبل التغيير والتعديل والتكييف. وإذا كانت مقاصد الإسلام تمثل عناصر الثبات والاستقرار فيه، فإنها في الوقت نفسه تسمح بالمرونة والتغير والتجدد في الوسائل.. وإذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – قد استعمل وسائل وأساليب معينة في تبليغ دعوته والتمكين لرسالته وتنظيم جماعته وبناء أمته، وتوجيهها لحمل الرسالة والهداية إلى أرجاء العالم، فإن تلك الوسائل والأساليب ليست توقيفية، وليست محصورة فيما مضى وفيما جرى اعتماده والعمل به في السيرة النبوية. بل إن سيرته – عليه السلام – تفيد عكس ذلك وتهدى إليه، فقد استعمل وجنَّد كل ما كان ممكنًا من وسائل وأساليب لبلوغ أهدافه وتحقيق مقاصده..

ثالث عشر– التقريب بين المذاهب وإزالة الخلاف: ذلك أن منشأ الاختلاف في الاستدلال الفقهي هو الاختلاف في القواعد الأصولية؛ لأنها ظنية غير قطعية، لا تصلح لأن يحتكم إليها عند الاختلاف.

ومن هنا كان السعي لإيجاد قواعد قطعية مبنية على المقاصد هو السبيل لإزالة الخلاف بين الفقهاء[17].

 

الاجتهاد المقاصدي

لقد بدأ استخدام هذا المصطلح مؤخرًا: أشار إليه د. الريسوني في كتابه، كما اتخذه د. نور الدين بن مختار الخادمي عنوانًا لكتاب من جزأين نشر في سلسلة كتاب (الأمة)[18].

فما المقصود بهذا المصطلح؟ هل هناك جديد يحتاج إلى مصطلح، أو أننا بصدد استخدام مصطلح جديد لمعنى قديم أو آلية قديمة أو دليل قديم؟

أولًا: أما كتاب د. الخادمي فلم يحتو على أية آلية جديدة: بل أكد على أن المقاصد ليست دليلًا مستقلًا عن الأدلة الشرعية، ولم يقدم مبررًا لإطلاق هذه التسمية الجديدة، وما الذي أضافته إلى الأدلة الشرعية المعروفة.

ثانيًا: أما د. الريسوني[19] فكان أكثر وضوحًا، فهو ببساطة يحاول تحديد أهم مسالك الاجتهاد المقاصدي بالعمل – شيئًا فشيئًا – على تحديد المجالات ووضع المعالم الهادية، ويقرر أنه لا تخفى صعوبته وخطورته، ولكن لابد من اقتحام العقبة، ولو في مرحلة أولى منها.

  • ثم عرض لأربعة مسالك هي:
  1. النصوص والأحكام بمقاصدها.
  2. الجمع بين الكليات العامة والأدلة الخاصة.
  3. جلب المصالح ودرء المفاسد مطلقًا.
  4. اعتبار المآلات.
  • ويسـتوقفنا هنا المســلك الثالث (جلب المصالح ودرء المفاسد مطلقًا) ولنا عليه بعض الملاحظات، بعد أن نعرض خلاصة ما ذكره د. الريسوني.

جلب المصالح ودرء المفاسد مطلقًا: أي حيثما تحققت المصلحة فيجب العمل على جلبها، وإن لم يكن في ذلك نص خاص اكتفاءً بالنصوص العامة الواردة في الحث على الصلاح، والإصلاح والنفع، والخير.. ثم قال: وهذا هو باب المصالح المرسلة، واستشهد بأقوال للغزالي والشاطبي، واعترض على اشتراط د. البوطي عدم مخالفة المصلحة للقياس. وبدأ يستعمل مصطلحات القياس الكلي والقياس المصلحي والقياس المرسل، ونقل عن د. الترابي مصطلحات القياس الواسع والقياس الإجمالي وقياس المصالح المرسلة، وختم بأننا بهذا نكون قد رجعنا إلى الاسم الأول السائد وهو المصالح المرسلة، وتمثيل الأخير له بالاستدلال المرسل والاستحسان.

تضمن هذا المسلك ثلاثة أمور:

  1. التوسع في القياس تحت أسماء مختلفة.
  2. جلب المصالح ودرء المفاسد مطلقًا اكتفاءً بالنصوص العامة.
  3. المصلحة المرسلة.
  • أما التوسع في القياس: فهو أضيقها؛ لأنه يبقينا في إطار الأحكام الجزئية، وإن حاولنا التوسع في العلاقة بين المقيس والمقيس عليه.
  • وأما الاكتفاء بالنصوص العامة كالعدل والإحسان والرحمة والبر والخير والإصلاح والنفع وغيرها كثير، فهي عبارات تحتاج إلى آلية لضبط تنزيلها على الحالات الخاصة، وهو ما لم يفعله د. الريسوني، فبقيت الفكرة غير كافية بذاتها، وقد سبق أن حاولنا – في كتابنا: نحو تفعيل مقاصد الشريعة- إيجاد هذه الآلية بتصنيف هذه النصوص ضمن المقاصـد العاليـة من ناحية، وبمراعاتها – من ناحية أخرى- ضمن المقاصد الكلية بتفصيلاتها وتطبيقاتها العملية.
  • ثم تأتى فكرة المصلحة المرسلة: فهل تحقق ما نبحث عنه؟
  • وحتى لا ندخل في تفاصيل الخلافات الظاهرية بين الأصوليين في المسألة[20]، لنأخذ رأي الغزالي في الاستدلال المرسل، حيث المصلحة المقبولة عنده هي ما شهد الشرع لاعتبارها، وهذه تشمل إلى جانب القياس صورتين:
  1. ما يرجع إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجًا من هذه الأصول، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها، من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة.. ولا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وعلى هذا الأساس يرى أنها ليست أصلًا خامسًا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ويعتبرها من الأصول الموهومة على أساس أنها ليست أصلًا خامسًا، بل هي طريقة من طرق الاستدلال على مقصود الشرع من الأصول الأربعة، وهي أقوى من القياس، وهي حجة قطعية[21].
  2. أن تكون جارية على مقاصد الشارع أو مندرجة تحت أصل من أصوله غير معين للدلالة عليها، ولا يردها أصل مقطوع به مقدم عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وكان المعنى مناسبًا للحكم مطردًا في أحكام الشرع فهو مقول به… ثم أقسامه لا ضبط لها فإنها لا يحويها عد ولا يضبطها حد[22].
  • فإذن ما يشهد له الشرع من المصالح عند الغزالي درجات:

أدناها ما يرجع إلى القياس. وأعلاها ما عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها. وأوسطها ما كانت جارية على مقاصد الشارع أو مندرجة تحت أصل من أصوله غير معين ولا يردها أصل مقطوع به.

فهاتان الدرجتان العليا والوسطى هما اللتان يمكن العمل من خلالهما لترجمة المقاصد إلى أحكام عملية.

ثالثًا: ويوضح ابن عاشور كيفية الاستدلال بهذين الطريقين فيقول:

  • (أن يكون وصفًا مناسبًا للتعليل لكنه لا يستند إلى أصل معين، بل إلى المصلحة العامة في نظر العقل، وإذا كان الإلحاق في القياس المعروف عند الفقهاء والأصوليين هو إلحاق جزئي بآخر مثله ثابت في الشرع لتماثلهما في العلة المستنبطة كمصحلة جزئية ظنية، فإن الإلحاق في المصلحة المرسلة هو إلحاق جزئية لا يعرف لها حكم شرعي على كلية مستقرأة من أدلة الشريعة، سواء أكان استقراء قطعيًّا أو ظنيًّا قريبًا من القطع. ويظهر من هذا الإلحاق أنه أشد حجية من الإلحاق في القياس؛ لأن الإلحاق الأول إلحاق جزئي بكلي، أو تنزل كلي على جزئي، أما الإلحاق القياسي فهو إلحاق جزئي بجزئي أو تنزيل جزئي على مثاله في علة مستنبطة غالبًا ما تكون ظنية)[23].
  • ويستطرد الحسنى – شارح ابن عاشور – في بيان هذه المنهجية فيقول[24]: (إن من شأن هذا التأسيس إحداث تغيير طفيف في منهجة الاستدلال القياسية في علم الأصول، فبدلًا من الاقتصار على الاستدلال كما قال ابن عاشور “بألفاظ الشريعة وما يؤول إليها من أفعال الشارع وسكوته، والإجماع على أن تلك الأقوال تفيد أحكامًا كلية.. وقد تفيد أحكامًا جزئية وهو الغالب” بدلًا من هذه النتيجة تقاس الحالات المستجدة على الأصول المقصودة في التشريع وهي المقاصد الشرعية، وهكذا تكفي الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى من أجناسه العالية، ثم بما فيها من التمثيل والضبط تنتقل بالمجتهد إلى المعنى الذي اشتمل عليه النظير غير معروف حكمه، فيلحقه في الحكم بحكم كلياته القريبة، ثم بحكم كلياته العالية؛ إذ لا يعسر عليه ذلك الانتقال حينئذ، فتتجلى له المراتب الثلاث إنجلاءً بينًا[25].

يتضح من هذا كيف يساهم الفكر المقاصدي في توسيع عملية الرد أو الإلحاق في القياس، فبدلًا من رد الفروع إلى الأصول المنصوصة باعتبار عللها الجزئية – ترد أيضًا إلى الأصول غير المنصوصة وهي المقاصد القريبة والعالية.

رابعًا: ولتوضيح الصورة كاملة نضرب بعض الأمثلة:

  1. أصل حفظ العقل بتحريم شرب الخمر، يمكن نقل حكمه بطريق القياس العادي إلى باقي أنواع المسكرات بجامع الإسكار في المقيس عليه وهو الخمر، وفي المقيس وهي الأنواع الأخرى.
  2. باستخدام القياس الواسع – بأسمائه المختلفة التي أشار إليها د. الريسوني ونقل بعضها عن د. الترابي – يمكن أن نترك علة الإسكار، ونصعد إلى حفظ العقل فننقل حكم التحريم إلى كل ما يؤثر في العقل وإن لم يسكر كالمخدرات، ويمكن أن نتوسع أكثر فننقل حكم التحريم إلى كل ما يضر بالعقل كالخرافات والشعوذات، وعمليات غسيل المخ، وتقليد الأسلاف دون برهان…
  3. باستخدام النصوص العامة التي تمنع الضرر يمكن أن نصل إلى حكم التحريم لهذه الصور دون الانطلاق من نص تحريم الخمر، وبالتالي نكون قد تركنا طريق القياس بصورتيه العادية والواسعة.
  4. باستخدام آلية المصلحة المرسلة والابتعاد كذلك عن آلية القياس بصوريته، يمكن أن ننطلق من مقاصد شرعية عرفت بأدلة كثيرة لا حصر لها، أو مندرجة تحت أصل غير معين دون معارض لها، كمقصد تكوين العقلية العلمية والاستدلال العقلي وطلب العلم والتفكر والنظر.. إلخ.

خامسًا: يقرر الشيخ محمد مهدي شمس الدين أننا إذا فهمنا عدم قصور الكتاب والسنة كمصدرين أساسيين في الاستنباط، على أساس وجود نصوص جاهزة لدينا لكل الوقائع، فإن هذا الاعتقاد غير صحيح، إذ النصوص قاصرة بهذا المعنى بكل تأكيد، بينما يمكن فهم كفاية النصوص في ضوء إعادة كل الوقائع إلى المبادئ الكلية في التشريع، ولن نجد حينئذ قصورًا في مصادره.

يعتبر الشيخ شمس الدين أن الأمر الأساسي في حل إشكالية تناهي النصوص ولا نهائية الوقائع، هو العودة إلى مستويين من مبادئ الشريعة يحتاجان إلى مزيد اكتشاف وتنقيح:

  • المستوى الأول: القواعد الفقهية التي توجد مجموعة منها في كل باب فقهي على حدة.
  • المستوى الثاني: الأدلة العليا التي تمثل موقعًا أعلى من مرتبة القواعد الفقهية، باعتبار تلك غير منحصرة في باب فقهي معين، بل تشمل كل أنشطة البشر، عدا العبادات في تصوره، وتلك الأدلة هي مقاصد الشريعة العامة نظير ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل:90).

ويقرر أحد الباحثين أن حل إشكالية قصور النص التشريعي عن استيعاب الوقائع الحياتية استيعابًا حرفيًّا عبر منح دور أكبر للاجتهاد المقاصدي كما صنع الشيخ شمس الدين، ينعكس مباشرة ومنطقيًّا على آلية الاستنباط في دائرة منطقة الفراغ التشريعي، والتي عمد الشيخ شمس الدين إلى تحديد أسس وأصول منهج الاستنباط فيها.

وقد حاول الباحث شرح هذا المنهج في دراسته[26]، ولم نظفر منه سوى بفكرة الأحكام التدبيرية التي تعتمد على التمييز بين ما جاء في الروايات للتشريع، وما كان ولائيًّا تدبيريًّا في نطاق خاص، وهي تقابل فكرة السنة التشريعية والسنة غير التشريعية في الكتابات السنية.

سادسًا: النظر في المستجدات:

  • (من المجالات الاجتهادية التي يتوقف فيها نظر المجتهد وتقديره على معرفة المقاصد والخبرة بها، مجال الاجتهاد المصلحي، وأعنى به الاجتهاد في الحالات والنازلات التي ليس فيها نص خاص يعتمد أو يقاس عليه، فيكون المعول فيها على المصلحة والتقدير المصلحي، فها هنا يحتاج المجتهد أن يكون على دراية واسعة بمقاصد الشرع والمقاصد المعتبرة عنده، وعلى دراية بمراتبها وأولوياتها، وبسبل الترجيح الصحيح بينها عند تزاحمــها وتعارضها)[27].

هكذا أطلق الريسوني المبدأ الذي لا يمكن أن يعترض عليه معترض، ولكن كيف يكون تطبيق المبدأ؟

  • يعطينا الطالب مصدق حسن الإجابة في أطروحته المقدمة لجامعة الزيتونة في تونس حيث خاض تجربة شاقة عن (الهندسة الوراثية ومقاصد الشريعة)[28].
  1. كتب الباحث في مقدمة بحثه: يحاول هذا البحث جزئيًّا أن يجيب عن التساؤل التالي: هل تبيح الشريعة الإسلامية بمقاصدها العامة التدخل البشري من خلال عملية إعادة تصميم النظام الحي، ومحاولة تنظيم الكائنات الحية وفق التقانة الجينية؟ أي هل من الممكن إحداث جملة تغييرات وراثية وفسيولوجية في بنية وجوهر المتعضى؟ ونظرًا لما يتضمنه هذا السؤال من قضايا اجتماعية وأخلاقية ودينية، وبفعل الثورة البيولوجية عنيت هذه الرسالة بدراسة الاستتباعات الشرعية لما تثيره الهندسة الوراثية والتقنية الجينية من خلال المعامل البيولوجية النشطة، من قضايا تتعلق بالكائنات الحية المختلفة، وتتطلب بيانًا شرعيًّا وتبصرًا فقهيًّا[29].
  2. وعن بواعث اختياره الموضوع يذكر:
  • ما تثيره الهندسة الوراثية من مخاوف أخلاقية ودينية مباشرة، وهي مخاوف ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم مثل الأسرة، والزواج، والأبوة، والأمومة، والهوية، والحرية، والحياة، والمسئولية، والإنسان، كان باعثًا لدراستها وتقويم آثارها الشرعية.
  • تحديد الموقف الشرعي فيما يتعلق بتجارب موضوعها الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالتكاثر اللاجنسي، وهو موضوع له أهمية خاصة تستدعي البحث الشرعي والتبصر الفقهي.
  • الإجابة عن عدة تساؤلات ولو بصورة جزئية: هل التجارب البيولوجية تلحق الإهانة بالبشر؟ ما دور الفقهاء والمجامع الفقهية في التجارب الوراثية وتطبيقاتها؟ هل تبيح الشريعة استخدام متعضيات الإنسان كقطع غيار لإنسان آخر؟ هل تسمح الشريعة بأن تكون الفتاة أمًّا مع أنها عذراء بتقنيات التكاثر اللاجنسي؟ هل يجوز تخليد الشفرة الوراثية لرموز من العباقرة والنابغين عن طريق الاستنسال الجيني[30]؟

وعن خطة البحث قام الباحث بتقسيمه إلى بابين: باب علمي وباب شرعي[31] [31].

وقد اشتمل الباب الشرعي على مدخل تمهيدي وفصلين.

وفي المدخل التمهيدي تحدث عن المعنى الروحاني لتشكل التراب، من خلال بحث:

  • الخلق الإلهي وتشكل المتعضى.
  • التكريم الآدمي.
  • معجزة الحياة.

وتضمن الفصل الأول عن (التكاثر اللاجنسي والأجنة ومقاصد الشريعة):

  • التكاثر اللاجنسي ومقاصد الشريعة.
  • الإجهاض ومقاصد الشريعة.
  • جنس الجنين ومقاصد الشريعة.

أما الفصل الثاني عن (التقنية الجينية ومقاصد الشريعة) فيبحث:

  • المعالجة الجينية ومقاصد الشريعة.
  • التحكم في الجينات ومقاصد الشريعة.
  • التقنية الجينية الحيوانية والنباتية ومقاصد الشريعة.

ولنأخذ مثالين من هذه المباحث الستة لنرى كيف استعان الباحث بمقاصد الشريعة للإجابة عن الأسئلة المثارة:

  • المثال الأول يتعلق بجنس الجنين:
  1. حيث يتعارض التدخل التقني للتحكم في جنس الجنين مع المشيئة الإلهية التي عبرت عنها الآية الكريمة ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير﴾ (الشورى: 49).

فخلافًا لصريح الآية ولآراء جميع المفسرين بشأنها يذهب الباحث إلى أن مشيئة الإله تعنى مجموعة القوانين التي رمى بها الإله في الطبيعة والضمير، وتؤكد حضور الكسب الإنساني منفعة وتأثيرًا، فالإنسان ممنوح من قبل الإله بأن يكون سيد الطبيعة، وهو بهذا الامتياز ذو مشيئة مبينة لمشيئة الإله كشفًا وتوضيحًا لا نفيًا وتجديفًا. ونحن البشر الذين نعبر عن المشيئة الإلهية ونحن الذين نمنحها إرادة وقوة، فالمشيئة الإلهية في أعمق معانيها تعنى المشيئة الإنسانية كشفًا لها وإجلاءً لبنيتها وتمثلاتها في سنن الكون والأنفس والمجتمع وتعقلًا لمفهومي الحضارة والثقافة معًا ذكاءً ولغزًا[32]. فتدخلات الإنسان في هذه القوانين كشفًا وبيانًا لا ينافي المشيئة الإلهية وإنما تعبير عنها. ومن هنا لا تصادم بين التقنية البيو طبية والمشيئة الإلهية فيما يتعلق باختيار جنس الوليد، فالتطورات البيولوجية المعاصرة تعبير دقيق عن قوانين المشيئة العليا فيما يتعلق بكروموسومات تحديد الجنس، وبالتالي فلا إشكال بين منطوق الآية المانحة لهوية الجنين، وبين التطورات المعاصرة التي نُفذت في معمل بيولوجي نشط[33].

وتعليقنا على هذا الكلام من ناحيتين:

الأولى: أن الباحث لم يستخدم مقاصد الشريعة في حل الإشكال، مع أن هذا هو موضوع بحثه.

الثانية: أن الباحث تعامل مع الآية الكريمة كأنها تقول: إن الله وضع قانونًا لتحديد جنس الجنين، ثم جاء الاكتشاف العلمي لهذا القانون واستخداماته، وتجاهل الباحث أن الآية إنما تقرر أن هناك أربع حالات، وأن المشيئة الإلهية تحدد لكل إنسان الحالة التي تريدها له، دون أن تعرض لكيفية تنفيذ هذه المشيئة حتى يقال: إن الإنسان بتدخله يعبر عن هذه المشيئة الإلهية ويمنحها الإرادة والقوة، وهو ما يفترض أن الإنسان يعرف المشيئة الإلهية لكل إنسان ويتولى تنفيذها، وهذا عكس ما يحدث عملًا.

  • المثال الثاني: يتعلق بالتحكم في الجينات:
  1. حيث مكنت آليات التحكم الجيني بتقانة التجميع الجيني من رؤية سلالات جديدة من الحيوانات والنباتات مثل الماروف والعتروف والأرز السوبر والطماطم والبطيخ بدون البذور وغيرها كثير. ويمكن وضع ثلاثة افتراضات في عمليات التجميع الجيني بين الكائنات الحية.
    • عمليات التجميع الجيني بين الجينات النباتية وغيرها لإنتاج سلالات نباتية بمواصفات جديدة. أو عمليات الدمج الوراثي بين الجينات النباتية وجينات من كائنات أخرى، كما في الإنسان الكلوروفيلي على مستوى الطموح البيولوجي.
    • عمليات التجميع الجيني بين الجينات الحيوانية وغيرها، لإنتاج أصناف جديدة من الحيوان بمواصفات جديدة في البنية والجوهر، أو عمليات الدمج الوراثي بين الجين الحيواني والجين الإنساني كما في الإنسان.
    • عمليات التحكم الجيني في المورثات الآدمية، وإعادة تشكيل بعض الخصائص الوراثية للبشر.

أما بالنسبة إلى النقطة الأولى والثانية فيفترض أنهما يندرجان في إطار قانون التسخير الإلهي والسيادة الإنسانية والإباحة الشرعية، إلا في حالة عمليات الدمج بين كائنين مختلفين في البنية والجوهر؛ لأنها تتنافى والكرامة الإنسانية.

أما بالنسبة إلى النقطة الثالثة فقد تطرق البحث إلى التفرقة بين التغيير النافع والتغيير الضار في بنية الجسد الإنساني: فأباح الأول على أساس رفع الحرج من إضفاء بعض الصفات الجسدية الحسنة للإنسان من الوجهة الجمالية أو استئصال بعض الأمراض الوراثية، ولم يبح الثاني على أساس أنه مفسدة لإهداره كرامة الإنسان ولكونه عبثًا بنظام التكوين الإلهي، ويدخل في ذلك إخضاع الإنسان بصفته موضوع تجربة في المعامل البيولوجية النشطة.

وقد استند في هذه التفرقة إلى قاعدة المصلحة والمفسدة، وإلى تفسير ابن عطية لآية ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه﴾ (النساء: 119)، وإلى الآية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ﴾ (الإٍسراء: 70)، وإلى آية ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْم والجِسْم﴾ (البقرة: 247)، وإلى آية ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَـــــوِيُّ الأَمِين﴾ (القصص:26) وإلى الحديث (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) وحديث (غربوا النكاح).

وانتهى إلى وضع بعض الضوابط في عمليات التحكم في الجينات منها ألا يكون الإنسان موضوع تجربة فهو كائن لا يخلو من قداسة[34].

  1. وتساؤلي بخصوص هذا المبحث هو: كيف يتسنى أن نصل إلى الاكتشافات المفيدة والضارة، فنتجنب الثانية ونسمح بالأولى، دون إجراء تجارب؟ أليست التجربة هي الوسيلة إلى الاكتشافات، وإلى معرفة النافع والضار، فتأخذ حكم هذه المعرفة العلمية المطلوبة، وفقًا لقاعدة فتح الذرائع وتبعية الوسائل للمقاصد؟

والخلاصة أن هذ البحث الجاد يفتقد الآليات الواضحة لاستخدام المقاصد في العملية الاجتهادية، ولكنه خطوة على الطريق على أية حال.

ونخلص إلى أن (الاجتهاد المقاصدي) بالصورة التي عرضناها في الصفحات السابقة لا تستحق أن يطلق عليها هذا المصطلح، فما هي في الحقيقة إلا المصلحة المرسلة أو الاستصلاح، كدليل شرعي تكلم فيه الأصوليون منذ القديم، وما عملنا فيه إلا التطوير لما كتبوا والبناء عليه.

ولعله بذلك من (الأصلح) – ونحن نتكلم في المصالح – ألا تنفصل المقاصد عن أصول الفقه، وأن تظل فرعًا متطورًا منه: تدعمه وتساعد في تطوير باقي فروعه.

 

التنظير الفقهي

يمثل التنظير الفقهي مجالًا لتطوير مقاصد الشريعة واستثمارها مع القواعد الفقهية لتكوين نسق فقهي كامل يستوعب كافة الفروع الحالية والمستقبلية ويستخدم للتفريع عليه، وهذا ما يدعونا إلى التوسع بعض الشيء في شرح هذا الموضوع ومنهجه وآلياته.

أولًا: تعريف النظرية ومظان البحث عن روافدها في التراث:

  • تعريف النظرية:
  1. في سنة 1987م نشرت كتابًا بعنوان التنظير الفقهي جاء في مقدمته[35]:

يمكن تعريف النظرية الفقهية بأنها التصور المجرد الجامع للقواعد العامة الضابطة للأحكام الفرعية الجزئية. فهي تصور يقوم بالذهن، سواء استنبط بالتسلسل الفكري المنطقي، أو استمد من استقراء الأحكام الفرعية الجزئية. ويتصف هذا التصور بالتجريد؛ إذ يحاول أن يتخلص من الواقع التطبيقي لينفذ إلى ما وراءه من فكرة تحكم هذا الواقع. وهو تصور جامع، يحاول أن يحيط بجميع جوانب الموضوع، ويبحث كافة مستوياته وأبعاده.

وهو في هذا الصدد يقف عند كل ظاهرة أو حكم يتعلق بها ملاحظًا الصفات المشتركة بين كافة الظواهر والأحكام التي يبحثها، دون تلك التي تختص بها ظاهرة معينة أو حكم محدد، وذلك سعيًا وراء التعرف إلى القواعد العامة المشتركة.

  1. وقد عرَّف باقر بري النظرية بقوله[36]:

إن المراد من النظرية هو الصيغة الفكرية المركبة من مجموعة من المبادئ والأسس والرؤى والمفاهيم والأحكام والنصوص الإسلامية التي يرتبط بعضها ببعض في إطار التعبير عن المذهب الإسلامي في مجال من مجالات الإنسان والكون والمجتمع. إنها صيغة ونسيج منسجم وموحد، قصد من جمع خيوطه في اطراد واحد، والتوليف بينها، أن نصل إلى الموقف الإسلامي العام في مجال من مجالات الحياة، وخاصة المجالات الاجتماعية.

إن فائدة النظرية الإسلامية بعد استلهامها وصياغتها تتمثل بما تقدمه من نسق نظري ومواقف ومرتكزات وإطار عام للتحرك في المجال الذي تتطرق له ضمن الخطوط والضوابط والمقاييس العامة للشريعة المقدسة.

ولا شك في أن كل نظرية من هذا القبيل لا نستطيع أن نستلهمها إلا بعد الفهم الدقيق لمجالها الذي سترشدنا إلى الإطار المذهبي للتحرك فيه. من هنا كان لابد من أن يرد فيها وصف وتحليل وإيضاح، ما يستوعب أبعاد الواقع الموضوعي والمجال الذي هي بصدد الإفصاح عن المذهب الإسلامي فيه.

ولأنها ستعلن موقفًا بديلًا للمذاهب والنظريات الموجودة في الميدان، فلا بدّ من أن تنطوي على المفارقة بينها وبين هذه المذاهب، وإعمال نقد موضوعي للمذاهب الأخرى، حيث لا يمكن أن نبرز النظرية الإسلامية للذين ندعوهم إلى تبنيها إلاّ إذا امتلكنا وعيًا نقديًّا بالنظريات الموجودة في الميدان، وأثبتنا لدى التحليل مدى صمودها أمام النقد.

إن بناء النظرية الإسلامية بالنتيجة يعتمد على عمل فقهي فكري تركيبـي، واع ومتخصص، يتم في ضوئه اكتشاف المذهب، على أساس مقاييس ومعايير محددة.

ثم إن النظرية الإسلامية لا يمكن لها أن تنضج وتبين مثالبها ومحاسنها إلاّ بوضعها على المحك، وبالتطبيق العملي لها في واقع الحياة؛ ذلك أن التطبيق العملي للنظرية الإسلامية والاسترشاد بها في مجالها المعين يرتفع بها إلى مستوى المساءلة والتجربة، ويفتح على العقل الاجتهادي كوىً ونوافذ بصيرة جديدة تؤدى إلى التعديل فيها وتطويرها.

  1. ويفرق سعيد رحييمان[37] بوضوح بين كل من القاعدة والنظرية والنظام.

فالقاعدة حكم كلي يشتمل على أحكام متعددة في باب أو أبواب مختلفة من الفقه. وبعبارة أدق هي مصدر أو أساس الأحكام في أبواب المعاملات أو العبادات في الفقه، كقاعدة لا ضرر، وقاعدة لا حرج، وغيرها.

والنظرية هي مجموعة الأحكام المتقاربة في موضوع له مبناه الخاص وهدفه المعين وأرضيته الواحدة. ومن الممكن أن يكون هذا الموضوع بابًا فقهيًا، كنظرية القصاص أو نظرية الضمان، أو جزءًا من باب أو عدة أبواب من الفقه، كنظرية الإرادة، أو نظرية الضرورة الشرعية، أو نظرية الخيارات، وغيرها.

والنظام الفقهي يشير إلى هيكل تأليفي من مجموعة من الأحكام. ويتعلق النظام الفقهي بمختلف أبواب الفقه، ويتكفل بالإفصاح عن الأهداف الكلية للشريعة وروح النص الفقهي ذي الصلة بتلك المجموعة من الأحكام. وللتمثيل يمكن ذكر النظام الاقتصادي في الإسلام، أو النظام الجزائي في الإسلام، وغيره.

  • مظان البحث عن روافد النظرية في التراث:
  1. من الشائع القول بأن الشريعة الإسلامية لا تحوي نظريات عامة، وإنما هي مجموعة من الأحكام الفرعية في مختلف المجالات.

وباستعراض مدى ما وصل إليه فقهاء السلف في مجال التنظير، سيتبين أن هذه المقولة ليست صحيحة على إطلاقها، وإن كان القائلون بها عن حسن نية معذورين للأسباب التي سنشير إليها.

إن البحث عن النظريات الفقهية ليس من السهولة بالصورة التي نبحث بها عن الأحكام الفرعية للمسائل الفقهية، فكتب الفقه زاخرة بأحكام الفروع، وقلما تجد فيها بحوثًا عن نظريات فقهية؛ إذ إن هذه النظريات متناثرة بين العديد من المصنفات، وهي بحاجة إلى اكتشاف وتجميع وترتيب.

وقد يسهل الاكتشاف أحيانًا إذا اقتصر على الوجود المادي، ولكنه في أحيان كثيرة يحتاج إلى جهد علمي لاستخراجه من الأحكام الفرعية التي تختفي وراءها النظريات. فبالرغم من أن بعض النظريات لم يفصح عنها الفقهاء، ولم يبلوروها، إلا أن تتبع الأحكام الفرعية التي جاءوا بها تقطع بوجود نظرية في ذهن الفقيه تنتظمها، ويكون المطلوب حينئذ هو استخراج هذه النظرية من الأحكام الفرعية.

كما أن الترتيب قد يسهل أحيانًا إذا كانت مباحث موضوع معين متكاملة في كتب التراث، أما حيث لا تكتمل المباحث، فإن وضع هيكل للنظرية وإنزال المباحث المتفرقة عليه، ومحاولة سد الثغرات يصبح عملًا ضروريًّا للتوصل إلى نظرية متكاملة.

وترتيب النظريات الفقهية يتصل بالضرورة بترتيب العلوم التي تحكمها هذه النظريات، ويستلزم ذلك بحث ما يعتبر خادمًا من هذه العلوم وما يعتبر مخدومًا، وبحث ما هو فرض عين منها وما هو فرض كفاية.

وحتى نحصر بحثنا فيما هو تنظير فقهي ينبغي أن نستبعد أمورًا قد تختلط به وليست منه، ويعيننا على ذلك أن نوضح أن الأحكام الفقهية الفرعية أي التي تتعلق بمسألة محددة لا تدخل في باب النظريات الفقهية، حتى ولو أخذت صورة القاعدة؛ إذ إن صياغتها التقنينية في صورة قاعدة لا تخرج بها عن كونها قاعدة فرعية تنطبق على مسألة محددة مهما تعددت التصرفات والوقائع التي تنطبق عليها.

كما لا يعتبر تنظيرًا فقهيًّا فتوى المفتي في تصرف معين أو واقعة معينة، وكذلك حكم القاضي في نزاع محدد، فهذا وذاك من قبيل إنزال الحكم الشرعي على واقعة محددة أو تصرف محدد وليس من باب التنظير الفقهي.

ونوضح في الجدول التالي ترتيب القواعد التنظيرية وفقًا لدرجة تجريدها من ظروفها الجزئية، بعد أن نستبعد ما ليس من القواعد التنظيرية.

  1. مظان البحث عن النظريات الفقهية في كتب التراث: يستدعي البحث عن النظريات الفقهية في كتب التراث عدم الاقتصار على كتب الفقه التي غالبًا ما تهتم بالأحكام الفرعية التي وضعت أساسًا لعرضها، وإنما الاتجاه إلى كتب أصول الفقه، وعلم الكلام، والفلسفة، والسياسة الشرعية، والأحكام السلطانية، والقضاء، والحسبة، والقواعد الفقهية، والقواعد الكلية، والفروق والأشباه والنظائر، وتخريج الفروع على الأصول، ومقاصد الشريعة، واختلاف الفقهاء، وغيرها.

يقول أستاذنا الشيخ أبو زهرة – رحمه الله – في صدد الحديث عن القواعد الفقهية:(إنه يجب التفرقة بين علم أصول الفقه، وبين القواعد الجامعة للأحكام الجزئية، وهي التي في مضمونها يصح أن يطلق عليها النظريات العامة للفقه الإسلامي).

إن دراسة القواعد من قبيل الفقه، لا من قبيل دراسة أصول الفقه، وهي مبنية على الجمع بين المسائل المتشابهة من الأحكام الفقهية، ولهذا نستطيع أن نرتب تلك المراتب الثلاث التي يبني بعضها على بعض، فأصول الفقه يبني عليه استنباط الفروع الفقهية، حتى إذا تكونت المجموعات الفقهية المختلفة، أمكن الربط بين فروعها وجمع أشتاتها في قواعد عامة جامعة لهذه الأشتات، وتلك هي النظريات الفقهية[38].

ومع تسليمنا لأستاذنا أبو زهرة – رحمه الله – في تسلسل نشأة كل من أصول الفقه وفروعه والقواعد الفقهية، إلا أننا نتوقف عند اعتباره القواعد الفقهية مرة النظريات للفقه الإسلامي، ومرة النظريات الفقهية.

وسبب توقفنا هو أننا نفضل التمييز بين النظرية العامة للفقه الإسلامي، وهذه نجد معظمها في أصول الفقه، وبين النظريات العامة لكل فرع من فروع الفقه، وهذه نجد بداياتها في القواعد الفقهية، ولكنها لم تكتمل وتنضج إلا في كتابات المعاصرين، وهذه على كل حال مسألة اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقولون.

ونتوقف مرة أخرى عند قوله رحمه الله: (إن دراسة القواعد من قبيل دراسة الفقه لا من قبيل دراسة أصول الفقه)، إذ إننا نرى أن القواعد ليست من الفقه، وإنما هي في مرتبة وسطى بين الأصول والفروع، أي بين أصول الفقه والفقه.

  1. وفي بيان روافد عملية التنظير الفقهي كتبتُ[39]:

يقول الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا في تعريفه للنظريات الفقهية:(نريد من النظريات الفقهية الأساسية تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كل منها على حدة نظامًا حقوقيًّا موضوعيًّا منبثًا في تجاليد الفقه الإسلامي، كانبثات أقسام الجملة العصبية في نواحي الجسم الإنساني، وتحكم عناصر ذلك النظام في كل ما يتصل بموضوعه من شعب الأحكام، وذلك كفكرة الملكية وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلية وأنواعها ومراحلها وعوارضها، وفكرة النيابة وأقسامها، وفكرة البطلان والفساد والتوقف، وفكرة التعليق والتقييد والإضافة في التصرف القولي، وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه، وفكرة العرف وسلطانه على تحديد الالتزامات، إلى غير ذلك من النظريات الكبرى التي يقوم على أساسها صرح الفقه بكامله، ويصادف الإنسان أثر سلطانها في حلول جميع المسائل والحوادث الفقهية.

وهذه النظريات هي غير القواعد الكلية، فإن تلك القواعد إنما هي ضوابط وأصول فقهية تراعي في تخريج الحوادث ضمن حدود تلك النظريات الكبرى. فقاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني) مثلًا ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من ميدان أصل (نظرية العقد) وهكذا سواها من القواعد[40].

وإلى جانب هذه النظريات الفقهية الأساسية التي أشار الأستاذ الزرقا إلى أمثلة لها، توجد نظريات أخرى فرعية على مستوى أقسام الفقه وأبوابه، كما توجد فوقها نظرية عامة للشريعة ككل.

وقد سبق أن بينا أهمية فن (الجمع) في تكوين مادة النظريات الأساسية والفرعية، فهو وإن بدأ جهدًا موسوعيًّا متمثلًا في الجمع الموسوعي للمادة المتعلقة بالموضوع من الأبواب المختلفة، إلا أن ذلك يؤدى في معظم الأحيان إلى استخراج القواعد والضوابط التي تعين على تكوين النظرية.

كما أن فن (الفروق) يعين كذلك على تبين الفروق الدقيقة التي تتميز بناء عليها المسائل بعضها عن بعض، وهذا من أهم ما يلزم كذلك لحركة التنظير.

أما علم القواعد ذاته فلا شك في أهميته لحركة التنظير، خاصة إذا صنفناها حسب درجة تجريدها، واستخدمنا كل مستوى منها فيما يقابله من مستويات التنظير، ولم نقتصر على مستوى القواعد داخل الأبواب التي أشار الأستاذ الزرقا إلى أنها ليست سوى ضوابط في ناحية مخصوصة من ميدان النظرية.

وأخيرًا فإن علم اختلاف الفقهاء يسد ثغرة هامة في مجال التنظير، إذ يعين على تصور النظرية على مستوى مذهب فقهي بعينه، أو على مستوى الفقه الإسلامي بمجموع مذاهبه، وهو ما يؤدى إلى إثراء النظرية وتنوع وجهات النظر فيها، والحلول التي تقدمها، وبالتالي تكون النظرية أكثر تمثيلًا لمجموع الفقه الإسلامي.

 

ثانيًا: منهج التنظير عند الإمام الصدر:

ما زالت الكتابات الشرعية حول منهج التنظير نادرة، غير أن الاهتمام بدأت بوادره لدى إمام شيعي معاصر هو الشهيد محمد باقر الصدر، وصدرت بضع دراسات عن منهجه في التنظير:

  • ونقطة الانطلاق لديه عند التنظير تكون من الواقع إلى النصوص، وليس العكس[41].

كتب باقر بري[42] ملخصًا هذه النقطة: على الممارس في المرحلة الأولى أن يسعى إلى استيعاب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع الخارجي من مشاكل، وما قدمه من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ونقاط فراغ، كل ذلك ليشكل لديه نقطة انطلاق مبدئية يتجه بعدها إلى درس الموضوع الذي تبناه، وتقييمه تقييمًا شاملًا من وجهة نظر الإسلام، وفق معطيات القرآن الكريم والسنة الشريفة، من أحكام ومفاهيم وأفكار، للوصول أخيرًا إلى اكتشاف النظرية الإسلامية الشاملة فيه.

وإذ يتحرك المنهج الموضوعي صوب التفسير القرآني، فإن السيد الشهيد ينبه إلى أن التفسير الموضوعي (هو الذي يطرح موضوعًا من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويتجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده) إن المفسر الموضوعي (يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعًا جاهزًا مشربًا بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع النص القرآني حوارًا على شكل سؤال وجواب.. والمفسر على ضوء الحصيلة التي جمعها من خلال التجارب البشرية، المعرضة للصواب والخطأ، يسأل والقرآن يجيب، يجلس سائلًا ومستفهمًا ومتدبرًا، فيبدأ مع النص القرآني حوارًا حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث من الموضوع من أفكار واتجاهات. ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائمًا بتيار التجربة البشرية لأنها المعالم والاتجاهات القرآنية، لتحديد النظرية القرآنية بشأن موضوع من مواضيع الحياة).

  • النقطة الثانية تتعلق باستقراء الأحكام الشرعية الخاصة بالمسألة موضوع التنظير، وفي هذا الصدد كتب سعيد رحيمان[43]: على صعيد الاستقراء يرى الشهيد الصدر أن المواد الأولية التي ينبغي جمعها للاستقراء هي النصوص والأحكام والآراء الفقهية المنتشرة في مختلف تأليفات الفقهاء وعلماء الإسلام[44].

إذن فالخطوتان الرئيسيتان لتكوين النظرية تتمثلان في الوهلة الأولى بجمع وتشذيب النصوص، والتعامل معها بالطريقتين التجزيئية والشمولية. وهكذا فإن النصوص تنقسم إلى ثلاث فئات، من حيث صلتها بالنظرية التي ستتكون لاحقًا في ذهن الفقيه:

  1. النصوص الصريحة في تأييدها للنظرية.
  2. النصوص الصريحة في عدم تأييدها للنظرية.
  3. النصوص غير الصريحة (في الموافقة أو عدم الموافقة).

وفيما يتعلق بالفئة الأخيرة يحتاج فهم النص والكشف عن مضمونه إلى كفاءة اجتهادية فائقة.

وفي الوهلة الثانية يتم تركيب الحالات وتحليلها، وتكوين نظرة كلية لانتزاع البنية الأساسية (وبتعبير الشهيد الصدر البناء العلوي) من خلال مجموع النصوص والأحكام، ثم اكتشاف القواعد الكلية على أساس ذلك البناء العلوي.

وبما أننا سلمنا ابتداء بضرورة وجود نظريات وأنظمة في الفقه، فمعنى ذلك أن الإسلام دين كامل له أنظمته المختلفة وقابليته على صياغة الأنظمة، ودعوته إلى اكتشاف هذه الأنظمة في إطار الاجتهاد والتفقه. ومن ناحية أخرى ولأن المنهج الاستقرائي قائم على حساب الاحتمالات، فإن آراء الفقهاء ستكتسب قيمة إحصائية صرفة، من حيث تأييدها أو تعارضها مع النظرية المقترحة، وهكذا فإن الفتاوى المخالفة (في فقه الأحكام) لن تكون ذات طابع سلبي في فقه النظريات المتميز بمجال استنباطي أوسع.

إذن فالمنهج العام لاكتشاف النظريات عبارة عن اقتراح نظرية (بعد استقراء النصوص والأحكام) ودراسة ما يؤيد هذه النظرية وما يعارضها، ثم اجراء حسابات الاحتمالات لتعيين درجة اليقين أو الظن الاطمئناني للنظرية. وتتوافر الحجية لهذا المنهج عن طريق الاستدلال العقلي؛ لأن الفقيه استند في هذا المنهج على الاستقراء الذي يلتزم أساليب دقيقة بعيدة عن الطريقة الانتقائية وما إليها من الطرق غير العلمية.

إن سر كفاءة الجهاز الاجتهادي في الإسلام وقدرة قيادته على توجيه الحياة الاجتماعية، يكمن من وجهة نظر الشهيد الصدر في التركيب المناسب بين هذين العنصرين (الثابت والمتحول) ضمن كيان واحد وباتجاه أهداف مشتركة. وهذا التركيب يحتاج إلى ثلاثة أمور:

  1. فهم العنصر الثابت.
  2. فهم متطلبات وطبيعة كل مقطع من مقاطع الحضارة الإنسانية.
  3. تعيين صلاحيات وحدود تدخل ولي الأمر.

وهو يرى أن مفهوم (منطقة الفراغ) يقع إسلاميًّا في سياق العنصر الثالث. فمنطقة الفراغ ليست نقصًا أو هوة في الشريعة، وإنما هي من نقاط قوة الشريعة.. حيث تترك هذه المنـــــــاطق (مناطق الفراغ) إلى جانب الحكم الأولى والأصلي لتكون مجالًا لصلاحيات ولي الأمر، كي يملأها بالتشريعات والأحكام الثانوية. إذن فالحكومة تملأ الفراغ الذي تركته الشريعة تحسبًا لمتغيرات الزمان والمكان.

  • وتتعلق النقطة الثالثة لدى الصدر بعملية الانتقال من الجزئيات إلى القاعدة الكلية المشتركة بينها. في هذا الصدد كتب باقر برى[45]:

يصل الممارس إلى فقه النظرية الإسلامية عن طريق تجاوز المداليل التفصيلية للأحكام والآيات، والخروج عن حالة التناثر والتراكم فيما بينها، والعمل على دراسة كل مجموعة من الآيات القرآنية أو الأحكام التشريعية التي تشترك في الموضوع الواحد، دراسة شمولية تنسق وتوحد بين مداليلها، وتبين في اطراد واحد أوجه الارتباط بين هذه المداليل التفصيلية؛ ليخلص الممارس بالتالي إلى تجديد إطار نظرية واضحة ترسمها تلك المجموعة من الآيات أو التشريعات ككل بالنسبة إلى ذلك الموضوع.

يقول الشهيد الصدر عن هذه الممارسة التي توصل إلى فقه النظريات الإسلامية: إنها تحتاج إلى المزيد من الوعي للأحكام والمفاهيم الإسلامية التي قد تبدو متناثرة في الموضوع الواحد، في الوقت الذي تكون فيه منسجمة ومتكاملة فيما إذا توافرت النظرة العميقة الواعية الشمولية للأسس والمنطلقات والمقاصد والأهداف؛ ولهذا فإن الاجتهاد على صعيد فقه النظريات يحتاج إلى المزيد من الجهود كما يحتاج إلى المزيد من الإبداع؛ لأن المسألة ليست استحضارًا للنصوص وتجميعها في مجال معين فحسب، بل هي عملية اجتهاد معقدة تتجمع فيها شخصية الفقيه والمكتشف[46].

ومنهج الإمام الصدر في هذه النقطة هو بالأحرى منهج اكتشاف القواعد الفقهية، وليست النظريات الفقهية، وكأنه اعتبرهما مترادفتين، والأمر ليس كذلك على النحو الذي شرحناه قبل، والذي أوضحه كذلك سعيد رحيمان في تعريفاته التي نقلناها فيما سبق.

  • أما النقطة الرابعة التي تستوقفنا عند الصدر فهي تنبيهه إلى الحفاظ على الموضوعية والابتعاد عن الذاتية[47].
  1. ويوضح – وهو بصدد إثبات هذه الخاصية للنظرية الإسلامية- الفرق بين اكتشاف النظرية وتكوين النظرية[48]، فالمجتهد في فقه النظريات الإسلامية لا يضع نظرية مصدرها رؤيته الذاتية واستخلاصه البشري للأمور، بل هو يكشف عن وجهة نظر الإسلام ونظرياته منطلقًــا من أبنيتــــــه العلوية (الأحكام التفصيلية)، إلى أعماق البناء لاكتشاف طابق الأساس، بينما الذي يمارس عملية التكوين فهو يصعد من الطابق الأول إلى الثاني؛ لأنه يمارس عملية بناء وتكوين، والطابق الثاني لا يكون في عملية البناء إلا أخيرًا[49].
  2. وينبه الشهيد الصدر[50] إلى أن خطر الذاتية على عملية اكتشاف النظرية أشد من خطرها على عملية الاجتهاد في أحكام جزئية.
  3. ثم يوضح أهم أسباب الذاتية وهي:
  • تبرير الواقع
  • دمج النص ضمن إطار خاص
  • تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه.
  • اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص.
  • خداع الواقع التطبيقي.
  • ‌ولم يفت الإمام الصدر اعتبار مقاصد الشريعة عند اكتشاف النظرية؛ مما أدى بسعيد رحيمان[51] إلى نتيجة أن رسم الخطوط العامة لنظـام من الأنظمة (مجموعة من النظريات حسب مصطلحه) يحتاج إلى الأمور الأربعة التالية:
  1. معرفة التوجهات العامة للشريعة.
  2. فهم الأهداف المنصوصة للأحكام الثابتة.
  3. أخذ القيم الاجتماعية بنظر الاعتبار.
  4. فهم الأهداف المحددة لولي الأمر، والتي تعين له مجالات إعمال ولايته.

ونلاحظ هنا إشارة الإمام الصدر إلى أن المقاصد جاءت عامة، ولم يحدد دورها في عملية التنظير، كما لم يضع آلية أداء هذا الدور.

 

ثالثًا: منهج أسلمة العلوم عند الدكتور الفاروقي:

على صعيد آخر لا يبعد عن عملية التنظير، كرس الدكتور إسماعيل الفاروقي جانبًا أساسيًّا من جهده لعملية أسلمة المعرفة.

وجه التقارب بين العمليتين، هو أن تحقيق هدف الأسلمة – وهو إقامة العلاقة الخلاقة بين الإسلام ومجالات المعرفة المختلفة – لا يكون على المستوى الجزئي، وإنما على مستوى كلي تنظيري، يتفاعل فيه الفكر الإسلامي مع العلوم الحديثة.

وقد رسم الفاروقي خطة عمل لتحقيق أسلمة المعرفة تتضمن عددًا من الخطوات[52] يستوقفنا منها ما يمس موضوع التنظير:

  • إتقان العلوم الحديثة والمسح الشامل لها وتحديـد أهــم مشــاكل الأمة والإنسانية، وهذا يقابل نقطة الانطلاق لدى الإمام الصدر من الواقع إلى النصوص؛ نظرًا لأن العلوم الحديثة تمثل الواقع بكل ما فيه من أسئلة ونقاط فراغ تدعو إلى الحوار.
  • التمكــــن من التراث وتحليلـه تقابل نقطة استقراء الأحكام الشرعية لدى الإمام الصدر، باعتبار أنها في شق منها عبارة عن عملية تكشيف للنصوص (الكتاب والسنة) والتراث (الفقه)، وفي شق آخر، وكمتطلب ضروري لنجاح عملية التكشيف تقتضي وجود مكنز يعبر عن المنظومة الإسلامية وقدرًا من التحليل يربط المادة المكشفة بعناوين المكنز.
  • يمثل التقييم النقدي للعلم الحديث، والتقييم النقدي للتراث الإسلامي، والتحليلات والتركيبات المبدعة جوهر خطة الفاروقي والتي لم تكن الخطوات السابقة إلا تحضيرًا لها.

ولا نستطيع هنا أن نقول: إن هذه الخطوات تقابل نقطة الإمام الصدر الخاصة بعملية الانتقال من الجزئيات إلى القاعدة الكلية، فهذه العملية الأخيرة أقرب إلى اكتشاف القواعد وليس النظريات، كما أشرنا سابقًا في موضعه، كما أنها من ناحية أخرى تمثل مقدمة ضرورية للخطوات التي حددها الفاروقي والتي بتحققها تتحقق عملية التنظير ضمن عملية الأسلمة – هدف خطة الفاروقي.

  • بقي أن نشير إلى نقطتي الحفاظ على الموضوعية واعتبار مقاصد الشريعة، لم تشر إليهما خطة الفاروقي.
  • مقابل ذلك فقد اشتملت خطة الفاروقي بصورة واضحة على المبادئ الأساسية للمنهجية الإسلامية[53]، والمتمثلة في وحدانية الله، ووحدة الخلق، ووحدة الحقيقة، ووحدة المعرفة، ووحدة الحياة، ووحدة الإنسانية، وأكدت على أن عملية إعادة تشكيل العلوم ضمن إطار الإسلام تعنى إخضاع نظرياتها وطرائقها ومبادئها وغاياتها لهذه المبادئ.

 

رابعًا: المنهج الذي نراه:

مع تقديرنا الكامل لكل من منهجي الصدر والفاروقي، فإننا نعرض منهجًا للتنظير يجمع بين محصلة هذين المنهجين، وبين ما انتهينا إليه في بحث المقاصد، واستثمارها في التنظير على نحو ما أشار إليه كل من حسن الترابي وعبد المجيد النجار، وذلك بتطوير المقاصد لتكوين نسق فقهي كامل، يستوعب كافة الفروع الحالية والمستقبلية، دون انتظار حدوث واقعة جزئية لإبداء الحكم الشرعي فيها، وذلك من خلال خطوات معينة عملية على النحو التالي:

  • معرفة المقاصد التي تنطبق عليها الشروط التي أشار إليها الغزالي بدرجتيها:
  1. ما عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها، ووقع موقع القطع.
  2. وما عرف ولو بأصل غير معين، ولم يعارضه معارض مقطوع به.
  • أن تصنف هذه المقاصد وتركب في بناء فكري تجمع فيه الأشباه والنظائر، وتقسم إلى مجموعات وفقًا لموضوعاتها حتى تستبين معالم التصور الشرعي في كل موضوع[54] حسب تقسيمات الكتابات الفقهية المعاصرة.
  • أن تضاف إلى كل مقصد من هذه المقاصد الوسائل الموصلة إلى تحقيقه، ويستعان في ذلك بأدوات العصر وأساليبه التي لا تتعارض مع أصل شرعي.
  • ‌أن تضاف إلى مقاصد ووسائل كل مجموعة ما يخصها من القواعد الشرعية، وكذلك القواعد الشرعية العامة التي تنطبق عليها، وتعتبر هذه القواعد بنوعيها جزءًا أساسيًّا من هيكل بناء كل مجموعة؛ لأنها تمثل الأحكام الشرعية المتوصل إليها بالأدلة الشرعية الأخرى.
  • ‌أن يتم بناء نظرية متكاملة في كل مجموعة تصلح للتفريع عليها والاستمداد منها، بما يحقق التوصل إلى المقاصد وينسجم مع القواعد في نسيج واحد.
  • ‌وفي خصوص المقاصد الخاصة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والكونية، أن يضاف إلى المرحلتين (د، هـ) ما يخص كلًا من هذه العلوم.
  1. من السنن الإلهية المتعلقة بموضوعه.
  2. ومن الحقائق العلمية اليقينية التي توصل إليها العلم حتى يكون بناء نظرية كل علم مشتملة على جميع العناصر المعيارية والموضوعية الخاصة به. ويدخل في العناصر المعيارية:
  • التصور الإسلامي لله، والكون، والإنسان، والحياة.
  • القيم الأخلاقية العامة، والخاصة بالعلم.
  • مقاصد الشريعة الخاصة بالعلم.
  • القواعد الشرعية الضابطة للعمل.

 

خامسًا: علاقة النظريات بالعلوم الشرعية:

في المركز توجد العقيدة لأنها الأساس والمنشأ لكل العلوم، ينبثق عنها القيم الأخلاقية، فالنظرية العامة للشريعة التي تحكم جميع فروع الشريعة، يليها القواعد والنظريات المشتركة التي يشترك أكثر من باب من أبواب الفقه في الاستمداد منها والرجوع إليها، وهي على مستويين: مستوى تشترك فيه عدة أبواب من أقسام فقهية مختلفة كالعبادات والمعاملات والجزاء مثلًا، ومستوى تشترك فيه عدة أبواب من نفس القسم الفقهي فهي بمثابة النظرية العامة لهذا القسم بالذات الذي تنطبق عليه. ثم تستقل بعد ذلك أبواب الفقه ويختص كل منه بنظريته العامة التي تحكم جزئياته والخاصة به دون سواه من الأبواب.

هذا هو التصور الذي نراه أنسب التصورات لتنظيم مادة الفقه وتقسيم أجزائها، مع ربط هذه الأجزاء بشكل منطقي، ومع مراعاة الأولويات والعلاقات الوظيفية للقواعد المختلفة. وهو تصور يفيد – فيما نظن – في اكتشاف الفراغات التي ما زالت بحاجة إلى جهد تنظيري، وفي عقد المقارنات مع الأنظمة الوضعية، وفي إعداد التقنينات الإسلامية التي تزداد الحاجة إليها.

 

سادسًا: سمات الكتابات المعاصرة في النظريات:

اتجهت معظم هذه الدراسات – والتي تمت في إطار أطروحات جامعية للحصول على درجة الدكتوراه – اتجاهًا يتسم بسمات واضحة يمكن تلخيصها في: التحديث، والمقارنة، والتنظير، والتطوير:

  1. التحديث: باختيار موضوعات من واقع الحياة المعاصرة والمشاكل التي يواجهها المسلمون، ومحاولة معرفة وجهة نظر الإسلام فيها، وإذا كانت نتيجة هذه الأبحاث لا تصل إلى درجة الاجتهاد من جانب هؤلاء الباحثين لقصور استعدادهم عن أداء هذا الدور، إلا أن جهودهم في البحث في التراث الإسلامي واستخراج ما يتعلق بموضوع بحثهم من بطون عشرات، بل ومئات كتب التراث، قد أدى خدمة كبيرة في تيسير مادة التراث وتقريبها إلى غيرهم من الباحثين، ويشبه جهدهم في هذا المجــــال جهـد ابن نجيــم وغـيره في فن (الجمع).
  2. المقارنة: بعقد المقارنة في الموضوع محل البحث بين آراء علماء الإٍسلام بمختلف مدارسهم الفقهية، وبين النظريات الأخرى قديمها وحديثها في الموضوع نفسه، وقد ساعد استخدام منهج الدراسات المقارنة الباحثين في اكتشاف الكثير من الكنوز التي لم تكن تخطر على بالهم، لولا الحرص على توفية المقارنة حقها.
  3. التنظير: بتحاشي طريقة التأليف التي اتبعت في معظم الكتب القديمة من جمع المسائل الفرعية، وتحديد النظرية التي تكمن وراء هذه المسائل، وذلك ببيان التعريفات والخصائص والشرائط والأركان والآثار، وغير ذلك من الأمور العامة التي تأتي المسائل الفرعية كأمثلة تطبيقية لها. وقد نجحت معظم الدراسات في هذا الأمر بحيث أصبحت – من هذه الناحية – إضافات حقيقية في مجال النظريات الفقهية.
  4. التطوير: لم يحظ اتجاه التطوير بمثل ما حظيت به اتجاهات التحديث والمقارنة والتنظير من اهتمام، ونقصد بالتطوير السير بالعلوم الشرعية إلى الوجهة التي كانت ستتجه إليها لو لم يقف الاجتهاد والإبداع الفكري عمومًا عند العلماء في القرون الأخيرة.

والمثال الوحيد الذي يحضرنا ممن سار في اتجاه التطوير بهذا المعنى هو محمد الطاهر بن عاشور في كتابه (مقاصد الشريعة) حيث حاول دفع الكتابة في علم مقاصد الشريعة خطوة، بل خطوات بعدما وصلت إليه على يد العز بن عبد السلام والشاطبي.

أما في مجال القواعد فنجد أن الكتابات المعاصرة في الموضوع على قلتها لم تتقدم بالموضوع كثيرًا عما فعله الأقدمون، واقتصر جهد المعاصرين على شرح القواعد التي نصت عليها مجلة الأحكام العدلية، وذلك فيما عدا محاولة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء والأستاذ مصطفى أحمد الزرقا تصنيف القواعد بين أساسية وفرعية، وإضافة قواعد جديدة.

أما عملية الحصر والتصنيف الكاملين للقواعد، واستمداد نظريات عامة – من منطلق هذه القواعد – على مستوى الشريعة ككل ثم على مستوى كل قسم منها ثم كل باب من أبوابها، والذي نتصور أن اتجاه كتابات الأقدمين في القواعد كان يسير باتجاهها فلم يتعرض له أحد بعد فيما نعلم[55].

 

العقلية المقاصدية للفرد:

  • في تقديمه لكتاب أ. إسماعيل الحسني، كتب د. طه جابر العلواني[56] أنه لكي تأخذ الدراسات المقاصدية مداها المنهجي وتصبح جزءًا من المحددات المنهجية المعرفية، وتؤدى دورها في معالجة الأزمة الفكرية لابدّ من التركيز على (المقاصد الكلية) للرسالة الخاتمة والشريعة التي جاءت بها، حيث إن (المقاصد الجزئية) والتفصيلية ستُبقى الفكر الإسلامي المقاصدي حبيس الدائرة الفقهية التقنينية التي مهما اتسعت فستبقى ضيقة، ومهما عُممت فستبقى خاصة بتلك الدائرة، وبالتالي فإن النظر الجزئي لن يتأثر كثيرًا ولن يتخلى عن مواقعه في الفكر الإسلامي كله، لا الفقه الإسلامي وحده، إلا إذ حصل الوعي على (المقاصد الكلية) وأمكن التعامل معها باعتبارها محددات منهاجية تضبط مع بقية حلقات المنهج الحركة الفكرية والمعرفية الإسلامية، وتتحول إلى جزء من نظام منطقي إسلامي يضبط حركة الفكر الإسلامي كله لا الفقه الإسلامي وحده ويعصمها من الوقوع في الخطأ أو الانحراف.
  • وفي هذا المعنى كتب أ. عمر عبيد حسنة في تقديمه لكتاب الاجتهاد المقاصدي أن اقتصار الاجتهاد المقاصدي على المجال الفقهي التشريعي فقط، واحتجابه في هذه الزاوية – على أهميتها وامتدادها في عمق المجتمعات البشرية -، يحمل الكثير من الخلل والمضاعفات، ويورث الكثير من التخلف والعجز والحياة العبثية في المجالات المتعددة، والضلال عن تحديد الأهداف، ومن ثم انعدام المسئولية وغياب ذهنية المراجعة والنقد والتقويم.

ذلك أن الأصل في العقل المقاصدي أن يكشف الطاقات، فيضع لها الخطة والهندسة المناسبة، ويؤصل المنطلقات، ويحدد الأهداف المرحلية والاستراتيجية، ويضع البرامج، ويبتكر الوسائل، ويحدد المسئوليات، ويبصر بمواطن القصور والخلل، ويكتشف أسباب التقصير، ويدفع للمراجعة والتقويم، واغتنام الطاقة والتقاط الفرص التاريخية، والإفادة من التجربة، ويكسب العقل القدرة على التحليل والتعليل، والاستنتاج والقياس، واستشراف المستقبل في ضوء رؤية الماضي، ويحمي من الإحباط والخلط بين الإمكانيات والأمنيات. وبمعنى آخر، إن بناء العقل المقاصدي الغائي ينعكس عطاؤه على جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، ويحقق الانسجام بين قوانين الكون ونواميس الطبيعة وسنن لله في الأنفس، وامتلاك القدرة للتعرف على الأسباب الموصلة إلى النتائج، وإمكانية المداخلة والتسخير المطلوب شرعًا[57].

  • وقد بسط د. الريسوني[58] القول في هذا الموضوع فكتب: (فائدة المقاصد لا تنحصر في الاجتهاد والمجتهدين، بل يمكن تحصيلها لكل من تشبع بها أو تزود بنصيب منها، وتكون فائدته بقدر علمه وفهمه لمقاصد الشريعة، وبقدر اعتماده لها واعتماده عليها في فكره ونظره.

فالمقاصد بأسسها ومراميها، وبكلياتها مع جزئياتها، وبأقسامها ومراتبها، وبمسالكها ووسائلها، تشكل منهجًا متميزًا للفكر والنظر، والتحليل والتقويم، والاستنتاج والتركيب.

وإذا كان الفكر الإسلامي القديم – متمثلًا بالدرجة الأولى في علم الكلام، وما تولد عنه من تشعبات وتأثيرات – قد غفل عن المقاصد مضمونًا ومنهجًا، فإن الفكر الإسلامي الحديث مدعو – حالًا واستقبالًا – للاستفادة من المقاصد، ومن المنهج المقاصدي، خاصة مع تزايد المؤلفات والدراسات التي تمهد هذا الطريق وتساعد على سلوكه.

  1. وأول ما يستفيده الفكر والمفكرون من منهج المقاصد، هو أن يكون فكرًا قاصدًا، يحدد مقصوده، ويقدر جدوى مقصوده، قبل أن يفتح قضاياه ويدخل في معاركه. فتحديد المقصد، ومدى أولويته وملاءمته، ومدى جدواه ومشروعيته، هو الذي يحدد المضي أو عدمه، وهو الذي يحدد ما يجب التركيز عليه وما لا يستحق ذلك…
  2. وهذا يقودنا إلى ما توفره المقاصد والثقافة المقاصدية من عقلية ترتب أولوية للمصالح والمفاسد ولكافة الشئون. وهو ما يفتقده أكثر الناس وكثير من المفكرين والمنظرين، فتجدهم يدافعون – مثلًا – عن الاقتصاد والتنمية الاقتصادية، ويخربون البشر والتنمية البشرية. أو يدافعون عن الأرزاق ويخربون الأخلاق. وتجد آخرين يحاربون تلوث البحار والسهول، ولا يبالون بتلوث العقيدة وتسمم العقول. وتجد تقديسًا متزايدًا لحرمة الوطن والطين، وإهدارًا متعمدًا لحرمة العقيدة والدين..
  3. وكما أن الفكر المقاصدي فكر ترتيبـي، فهو أيضًا فكر تركيبـي، فالمقاصد العامة قامت على الاستقراء والتركيب، مثلما قامت على المفاضلة والترتيب. فالتعامل مع المقاصد وعلماء المقاصد ينشئ عقلية استقرائية وفكرًا تركيبيًّا، يستقرئ الجزئيات ويربط بينها، ويركب بعضها مع بعض ليصل إلى الكليات. الاستقراء هو أرقى المناهج العلمية، والمعارف الاستقرائية الكلية هي أرقي المعارف وأقواها؛ لأنها تجمع بين معرفة الجزئيات ومعرفة الكليات. فالقضايا الاستقرائية تبدأ أولًا بالبحث الواسع الدقيق على صعيد الجزئيات، ثم تنتقل إلى الربط والتركيب لتصل في النهاية إلى الأحكام والحقائق الكلية، فهي تجمع العلم بالجزئيات، والعلم بالكليات، والعلم بالربط، والتنسيق، والتركيب. وهذه كلها هي أرقى صور العمل العلمي والعقل العلمي..

هذه النظرة المقاصدية أفضل ضمان للتوازن بين الثوابت والمتغيرات، بين المرونة والصلابة، وبين الليونة والصرامة..).

 

مستقبل المقاصد: علم مستقل أم وسيط أم تطوير للأصول؟

واكب الاهتمام المعاصر بمباحث مقاصد الشريعة التفكير في مستقبل هذه المباحث: فمن مناد باستقلال المقاصد بوصفه علمًا جديدًا، إلى مناد ببقائها علمًا وسيطًا بين الفقه وأصوله، إلى مناد باعتبارها تطويرًا في علم الأصول أو بعض مباحثه.

  • كان ابن عاشور أول من دعا إلى تأسيس علم مستقل لمقاصد الشريعة، وإن سبقته إرهاصات ليست بهذا الوضوح: مثل بعــــــض عبارات للقرافي[59] وابن تيمية[60] وابن القيم[61] تشير إلى أهمية المقاصد أكثر مما تشير إلى استقلالها علمًا قائمًا بذاته، ومثل عمل الشاطبي في (الموافقات والاعتصام) الذي كان يسعى من خلاله إلى التوصل إلى أصول قطعية للشريعة، دون أن يصرح باستقلال تلك الأصول عن علم أصول الفقه، بل اعتبرها هي أصول الفقه.

أما ابن عاشور، فبعد أن ناقش رغبة الشاطبي وغيره في جعل أصول الفقه قطعية قال: (فنحن إذا أردنا أصولًا قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد تذويبها في بوتقة التدوين. ونعيرها بمعيار النظر والنقد، فننفى عنها الأجزاء الغريبة التي علقت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة، ونترك علم أصول الفقه على حاله تستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه غير منزو تحت سرادق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد الشريعة، فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل علم مقاصد الشريعة. فينبغي أن نقول: أصول الفقه يجب أن تكون قطعية، أي من حق العلماء أن لا يدونوا في أصول الفقه إلا ما هو قطعي، إما بالضرورة أو بالنظر القوي. وهذه المسألة لم تزل معترك الأنظار. ومحاولة الانفصال فيها ملأت دروس المحققين لها في أختام الحديث في شهر رمضان)[62].

وقد تناول المعاصرون من الباحثين في مقاصد الشريعة هذا الخيط، وساروا به أشواطًا تختلف من باحث إلى آخر.

  • ‌فالريسوني ختم كتابه بكل وضوح متسائلًا: (وأخيرًا هل سيفضي بنا التوسع في مباحث المقاصد إلى تحقيق ما دعا إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من استخلاص مقاصد الدين وقطعياته، وتسميتها باسم علم مقاصد الشريعة؟ أم أن المقاصد جزء لا ينبغي أن يتجزأ عن علم أصول الفقه، كما يرى عدد من الأصوليين المعاصرين؟

الحق أن السؤال لا يكون ذا أهمية كبيرة إذا اتفقنا على ضرورة التوسع الكبير والعناية الفائقة بمقاصد الشريعة. وبعد ذلك، هل نسمى ذلك علمًا أم لا؟ المسألة هينة. ولعلّ ما صنعه الشيخ عبد الله دراز يعفينا من هذا التساؤل ولو إلى حين، فهو يرى أن لاستنباط الأحكام ركنين: أحدهما علم لسان العرب، وثانيهما علم أسرار الشريعة ومقاصدها، ومن هذين العلمين يتكون علم أصول الفقه.

فالمقاصد علم وركن في علم.. والعبرة بالمسميات لا بالأسماء، وبالمقاصد لا بالوسائل)[63].

  • أما الحسني شارح ابن عاشور فقد سار خطوات في سبيل تأسيس علم مستقل، فدرس معنى المقاصد ومكونات علم مقاصد الشريعة، هدفه وموضوعه ومنهجيته[64]… إلى آخر ما بحثه بالتفصيل، ولا أناقشه هنا لأني قصدت التوقف عند مسألة استقلال المقاصد كعلم قائم بذاته من حيث المبدأ فحسب؛ ولذلك يستوقفني رأى الحسني في هذه المسألة الذي سجله في أكثر من موضوع، والذي يتلخص في أنه إذا جاز الحديث في مقاصد الشريعة عن استقلاليتها عن علم الأصول، فلتكن استقلالية نسبية تقتضيها الضرورة المنهجية، وإلا فإن الاستدلال الفقهي الأصيل هو القــائم على مقاصد الشريعة[65].

ويزيد الرأي وضوحًا بشرح التكاملية بين المقاصد وطرق الاستنباط (موضوع علم الأصول) بجعل علم الأصول علمًا مقاصديًّا بنفخ روح المقاصد الشرعية في علم الأصول، مع التنبه إلى الاستقلالية النسبية بين علم الأصول وبين درس مقاصد الشريعة، سواء على مستوى المنهج، أو على مستوى الموضوع، أو على مستوى الهدف[66]

  • ‌وهنا تأتي منطقيًّا فكرة قد طرحها د. حسن الترابي في كتابه غير المنشور عن (تجديد الأصول الفقهية للإسلام) حيث يقول[67]: (بل إن المبادئ والقواعد والمفهومات الفقهية العامة يتنازعها النسب إلى الأصول والفروع، ولعل الأوفق أن نختط بين علم الأصول والفروع علمًا قائمًا بذاته، يختص بالمبادئ والمفهومات الفقهية العامة، ولاسيما أنها في فقهنا غزيرة متطورة جديرة بمعالجة مستقرة).

وفكرة العلوم الوسيطة – ومنها علما القواعد والمقاصد – فهي مهملة برغم أهميتها ودورها الذي لا ينكر في آليات الاستنباط.

  • نعود إلى أصل موضوع هذا المبحث، فنكرر ما ذكرناه في مواضع أخرى من أهمية ارتباط المقاصد بأصول الفقه، وأن يتم تطويرهما في إطار واحد، وهو قريب من رأي الحسني الذي أشرنا إليه.

أما رأي ابن عاشور في تأسيس علم مستقل لمقاصد الشريعة وترك علم أصول الفقه على حاله، فأرى أنه ضار بكلا (العلمين) إذ يجمد الأصول على حالها ويحرمها من روح المقاصد، كما أنه يبعد المقاصد عن الدور الوظيفي الذي تقوم به حاليًا والذي ينبغي أن نحرص على تطويره.

رابط تحميل الكتاب

____________________

المصدر: مركز خطوة للتوثيق والدراسات: https://2u.pw/ZSmIX  

* منقول بتصرف من:

جمال الدين عطية (2002). نحو تفعيل مقاصد الشريعة: مدخل تنظيري. مجلة المسلم المعاصر. 103. ص ص. 103- 151.

** رئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر الأسبق، مستشار مجمع الفقه الإسلامي ومدير مشروع معلمة القواعد الفقهية بجدة، دكتوراة في القانون من جامعة جنيف.

[1] أي يبردان ويريحان.

[2] أي يعمل أمرًا على غير بصيرة.

[3] انظر أيضًا: د. أحمد الريسوني، الفكر المقاصدي، منشورات الزمن، كتاب الجيب، المغرب، 1999م، ص 115 – 122، وحمادي العبيدي، الشاطبي ومقاصد الشريعة، بيروت، دار قتيبة، 1992م، ص 193.

[4] المصراة من الإبل والغنم التي حبس لبنها في ضرعها لتباع كذلك يغتر به المشترى، وفيه حديث مسلم: (من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها صاعًا من طعام لا سمراء).

[5] القلة بالضم جرة عظيمة تسع خمس مئة رطل وفيه: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا).

[6] الأحكام للآمدي، ط صبيح 3/ 286 – 288، وإسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1995م، ص 50.

[7] بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير في أصول الفقه من المعهد الوطني للتعليم العالي للعلوم الإسلامية – باتنة، الجزائر 1997م، غير منشور 302.

[8] الموافقات 2/ 380.

[9] المرجع السابق 2/ 385، والحسنى مرجع سابق 68، 391 – 395.

[10] محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة، الشركة التونسية، 1978م، ص110 – 115.

[11] الفروق للقرافي، بيروت، عالم الكتب، 2/ 32، وابن عاشور، مرجع سابق، 116 – 119، 138، والحسنى مرجع سابق، 56، 371 – 373، 384 – 391، الريسوني، مرجع سابق، 105 – 109.

[12] هذه النقطة والنقطتان التاليتان لها أوردهما د. الريسوني مع نقطة رابعة أجلنا بحثها إلى المبحث القادم، حيث ينطبق عليها وصف الاجتهاد المقاصدي أكثر من هذه النقاط الثلاث التي لا تعدو أن تكون آليات قديمة، وإن لم يسلط عليها الضوء بمثل ما أوضحها د. الريسوني. راجع: الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، المؤسسة الجامعية، بيروت، 1992م، ص 294 – 312، أما اعتبار مقاصد المكلفين فخارج نطاق هذا البحث. انظر الريسوني (جيب) 110 – 114.

[13] الموافقات 3/ 5 – 26.

[14] ابن عبد البر، الانتقاء في تاريخ الثلاثة أئمة الفقهاء 149.

[15] في رأيي أن هذه المسائل الثلاث الأخيرة كان يمكن أن يفرد كل منها بعنوان خاص، وعدم اتباعها لمسألة اعتبار المآلات.

[16] الريسوني (جيب) 129- 134.

[17] الحسنى 98 – 112، وعبد الجبار شرارة في مراجعته لكتاب الحسني: قضايا إٍسلامية، العدد الرابع 473 – 475.

[18] عقد العبيدي فصلاً عن المقاصد والاجتهاد (179 – 187) ضمن كتابه عن الشاطبي ومقاصد الشريعة، لكنه لم يتجاوز تقرير المبدأ إلى بيان آلياته.

[19] د. الريسوني 294 – 312.

[20] راجع: حسين حامد حسان، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، 1971م، ص 608.

[21] أبو حامد الغزالي، المستصفى 1/ 257، 264 – 265، وحسان مرجع سابق، ص 424 – 465، ويدخل في هذا القسم ما هو ضروري قطعي كلي؛ إذ يعده الغزالي من الاستدلال المرسل. والغزالي، المنخول هامش 370.

[22] المنخول 364 – 372.

[23] ابن عاشور: حاشية التوضيح 2/ 85، والحسنى 301.

[24] الحسنى 437.

[25] ابن عاشور 108، 109.

[26] مقاصد الشريعة في آثار الشيخ شمس الدين، سرمد الطائي، في (قضايا إسلامية معاصرة) العددان 9، 10/ 225 – 242 خاصة 230 – 234.

[27] الريسوني (جيب) 96.

[28] 1996 / 1997م غير منشورة.

[29] الهندسة الوراثية 1.

[30] المصدر نفسه 2، 3.

[31] المصدر نفسه 6، 7.

[32] المصدر نفسه 176.

[33] المصدر نفسه 177.

[34] المصدر نفسه 192 – 200.

[35] التنظير الفقهي 9 – 14.

[36] باقر بري: فقه النظرية عند الشهيد الصدر، (قضايا إسلامية معاصرة) ع 11 و12/ 170.

[37] سعيد رحيمان: منهج اكتشاف الملاك وأثره في تغير الأحكام، مجلة (قضايا إسلامية معاصرة) العددان 9، 10 / 179 – 180.

[38] محمد أبو زهرة: أصول الفقه 9، 10.

[39] التنظير الفقهي 210 – 212.

[40] الزرقا: المدخل الفقهي العام 1/ 250، 251.

[41] الصدر: السنن التاريخية، دمشق، دار التعارف للمطبوعات، 1989م، ص34 – 38.

[42] (قضايا إسلامية معاصرة) ع: 11، 12/ 177، 178.

[43] سعيد رحيمان: منهج اكتشاف الملاك وأثره في تغير الأحكام، مجلة (قضايا إٍسلامية معاصرة) ع: 9 و10/ 190 – 194.

[44] هذه الخطوة هي عملية تكشيف القرآن والسنة والتراث. انظر محمد المصري بالاشتراك مع جمال عطية وزينب عطية، دليل لتكشيف القرآن الكريم وعمل مكانز لأغراض التكشيف، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1989م، بحث غير منشور.

[45] مرجع سابق 180.

[46] محمد باقر الصدر: اقتصادنا، بيروت، دار الفكر، ط6، 1974م، ص 358، السنن التاريخية، مرجع سابق 36 – 39.

[47] اقتصادنا 364 – 384.

[48] المرجع السابق 352 – 355.

[49] المرجع السابق نفسه 354، باقر بري 190.

[50] اقتصادنا 366 – 390.

[51] سعيد رحيمان 194.

[52] الفاروقي: أسلمة المعرفة، الكويت، دار البحوث العلمية، 1984م، ص 93 – 108.

[53] المرجع السابق 62 – 91.

[54] لنا اقتراح تفصيلي في هذا الصدد، نشر تحت عنوان (تجديد الفقه الإسلامي) ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد، نشر دار الفكر، دمشق 2000م.

[55] جمال عطية: التنظير الفقهي، 1987م، ص 185 – 187، ولا ينفى هذا بداية الاهتمام مؤخرًا بخدمة القواعد الفقهية، كما في كتاب القواعد الفقهية لعلى أحمد الندوي (1986م) والوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية لمحمد صدقي بن أحمد البورنو (1994م) ونظرية التقعيد الفقهي لمحمد الروكي (1994م)، وقواعد الفقه الإسلامي لمحمد الروكي (1998م)، والقواعد الفقهية ليعقوب بن عبد الوهاب الباحسين (1998م) وكذلك الدراسة المستفيضة لبعض القواعد وبداية تكوين نظريات منها كما في سد الذرائع لمحمد هشام البرهاني (1985م)، ونظرية التقريب والتغليب لأحمد الريسوني (1994م) وقاعدة اليقيني لا يزول بالشـــك ليعقوب عبد الوهاب الباحسين (1996م).

[56] الحسنى 6.

[57] الاجتهاد المقاصدي 1/ 18، 19، انظر أيضًا 16، 17.

[58] في كتابه من سلسلة كتاب الجيب (الفكر المقاصدي) 99 – 104.

[59] قوله: (أصول الشريعة قسمان: أحدهما المسمى بأصول الفقه، والثاني قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه… بقي تفصيله لم يتحصل) الفروق 1/ 2 – 3.

[60] قوله: (إن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم) الحسنى 62 عن القياس لابن تيمية.

[61] إشارته إلى أن نصوص الشريعة شاملة للأحكام شمولاً قد يكتفى به عن الرأي والقياس، ابن القيم، إعلام الموقعين، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1968م، 1/ 350-355، 382.

[62] ابن عاشور: مقاصد الشريعة 8.

[63] الريسوني 315.

[64] الحسنى 98 – 112، 113، 120، 128، 415.

[65] المرجع السابق 433.

[66] المرجع السابق 437 – 440.

[67] تجديد الأصول الفقهية للإسلام 26.

 

 

الدكتور محمد زكي عبد البر محقق أصولي وفقيه قانوني؛ فهو من أبرز القانونيين الذين لهم باع طويل في مجال الدراسات القانونية المقارنة بالشريعة الإسلامية، ولعل ذلك اتضح بجلاء منذ حصوله على درجة الدكتوراه عن رسالته الموسومة بـ "نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي". 

 

مولده ونشأته:

ولد الأستاذ الدكتور محمد زكى عبد البر في ٢٠ يونيو ١٩١٩م في إحدى قرى محافظة الدقهلية، وتحديدًا قرية ميت خيرون التابعة لمركز المنصورة، وقد نشأ وسط عائلة مرموقة فقد كان والده -رحمه الله- عمدة القرية.

 

مؤهلاته العلمية:

أتم الدكتور محمد زكى عبد البر تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدينة المنصورة ثم انتقل إلى القاهرة للالتحاق بكلية الحقوق، وبعد تخرجه تم تعيينه في مجلس الدولة، وفي عام 1950م حصل على درجة الدكتوراه من كلية الحقوق بجامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول آنذاك).

قام الفقيه الكبير بالتدريس في العديد من الدول العربية مثل قطر والكويت والسعودية والعراق وسوريا وليبيا والجزائر، كما قام كذلك بتحقيق العديد من كتب التراث إلى جانب اهتمامه بإعادة صياغة الفقه الإسلامي من خلال رؤية قانونية منهجية، وبدا ذلك واضحًا في كتابيه أحكام المعاملات في المذهب الحنفي (عرض منهجي)، وأحكام المعاملات في المذهب الحنبلي (عرض منهجي).

 

علاقته بالدكتور السنهوري:

توطدت علاقة د. عبد البر بالدكتور السنهوري منذ تعيينه في مجلس الدولة، ويُذكر أنه عندما تم الاعتداء الغاشم على الدكتور السنهوري في مجلس الدولة عام ١٩٥٤م، كان د. عبد البر من أبرز المدافعين عن د. السنهوري، ولذا تم فصله من المجلس، ولكنه عاد إليه بعد ذلك، ثم تدرج في المناصب القضائية حتى تقلد منصب نائب رئيس محكمة النقض.

 

مؤلفاته:

قام الدكتور محمد زكي عبد البر بتأليف العديد من المؤلفات والبحوث القيمة، والتي تعد مرجعًا لكل دارس وباحث، ومن أمثلة هذه المؤلفات ما يلي:

 

  1. نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي (موضوع رسالته للدكتوراه).
  2. الحكم الشرعي والقاعدة القانونية (الكويت 1982م).
  3. التصرفات والوقائع الشرعية (الكويت 1982م).
  4. الربا وأكل المال بالباطل (الكويت 1982م).
  5. تقنين الفقه الإسلامي (قطر 1982م).
  6. أحكام العقود الناقلة للملك (قطر 1982م).
  7. أحكام المعاملات المالية في الفقه الحنفي (قطر 1982م).
  8. تقنين الفقه الإسلامي المبدأ والمنهج والتطبيق.
  9. تحقيق كتاب تحفة الفقهاء للسمرقندي.
  10. تحقيق كتاب ميزان الأصول للسمرقندي.
  11. تحقيق كتاب طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف للأسمندي.
  12. تحقيق كتاب بذل النظر في الأصول للأسمندي.
  13. التصرفات والوقائع الشرعية.
  14. العقد الموقوف في الفقه الاسلامي والقانون المدني.
  15. علم أصول الفقه وأصول القانون.
  16. التصرفات الشرعية الانفرادية.
  17. المعاملات المالية في الفقه الحنبلي (عرض منهجي).
  18. المعاملات المالية في الفقه الحنفي (عرض منهجي).

 

وفاته:

تُوفي الدكتور محمد زكي عبد البر يوم السابع والعشرين من رمضان الموافق يوم ٢٤ يناير من العام ١٩٩٨م عن عمر يناهز الثمانية والسبعين عامًا بعد رحلة طويل من البحث والدراسة والتحقيق والتأصيل.