المادة (1): يسمى هذا القانون (قانون الأحوال الشخصية لسنة 2019).

الباب الأول: الزواج ومقدماته

الفصل الأول: مقدمات الزواج

المادة (2): الخطبة طلب التزوج أو الوعد به.

المادة (3): لا ينعقد الزواج بالخطبة ولا بقراءة الفاتحة ولا بقبض أي شيء على حساب المهر ولا بقبول الهدية.

المادة (4):

أ. لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة.

ب. إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة أو انتهت بالوفاة فللخاطب أو ورثته الحق في استرداد مـا دفع على حساب المهر من نقد أو عين إن كان قائماً أو قيمته يوم قبضه إن تعذر رد عينه أو مثله.

ج. إذا اشترت المخطوبة بما قبضته على حساب المهر أو ببعضه جهازاً فلها الخيار بين إعادة ما قبضته أو تسليم ما اشترته من الجهاز كلاً أو بعضاً إذا كان العدول من الخاطب، ويسقط حقها في الخيار إذا كان العدول منها.

د. يَردُّ من عدل عن الخطبة الهدايا إن كانت قائمةً وإلا فمثلها أو قيمتها يوم القبض، ولا تسترد الهدايا إذا كانت مما تستهلك بطبيعتها ما لم تكن أعيانها قائمة.

ه. إذا انتهت الخطبة بالوفاة أو بسبب عارض حال دون عقد الزواج لا يد لأحد الطرفين فيه، فلا يسترد شيء من الهدايا.

الفصل الثاني: الزواج وشروطه

المادة (5): الزواج عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً لتكوين أسرة وإيجاد نسل.

المادة (6): ينعقد الزواج بإيجاب من أحد الخاطبين أو وكيله، وقبول من الآخر أو وكيله في مجلس العقد.

المادة (7): يكون كل من الإيجاب والقبول بالألفاظ الصريحة (كالإنكاح والتزويج) وللعاجز عنهما بكتابته أو بإشارته المعلومة.

المادة (8):

أ. يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين من المسلمين (إذا كان الزوجان مسلمين) عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما.

ب. تجوز شهادة أصول كلٍ من الخاطب والمخطوبة وفروع كل منهما على عقد الزواج، وكذلك شهادة أهل الكتاب على عقد زواج المسلم من كتابية.

المادة (9): لا ينعقد الزواج المضاف إلى المستقبل، ولا المعلق على شرط غير متحقق.

المادة (10):

أ. يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين، وأن يتم كل منهما ثمانية عشرة سنة شمسية من عمره.

ب. على الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة يجوز للقاضي وبموافقة قاضي القضاة وبعد التحقق من توفر الرضا والاختيار أن يأذن وفي حالات خاصة بزواج من بلغ السادسة عشرة سنة شمسية من عمره وفقاً لتعليمات يصدرها لهذه الغاية إذا كان في زواجه ضرورة تقتضيها المصلحة، ويكتسب من تزوج وفق ذلك أهلية كاملة في كل ما له علاقة بالزواج والفرقة وآثارهما.

المادة (11): يمنع إجراء العقد على امرأة إذا كان خاطبها يكبرها بأكثر من عشرين سنة إلا بعد أن يتحقق القاضي من رضاها واختيارها.

المادة (12): للقاضي أن يأذن بزواج من به جنون أو عته أو إعاقة عقلية إذا ثبت بتقرير طبي رسمي أن في زواجه مصلحة له، وأن ما به غير قابل للانتقال إلى نسله، وأنه لا يشكل خطورة على الطرف الآخر، وبعد اطلاعه على حالته تفصيلاً والتحقق من رضاه.

المادة (13):

أ. يجب على القاضي قبل إجراء عقد زواج المتزوج التحقق مما يلي:

  1. قدرة الزوج المالية على المهر.

2 قدرة الزوج على الإنفاق على من تجب عليه نفقته.

  1. إفهام المخطوبة بأن خاطبها متزوج بأخرى.

ب. على المحكمة تبليغ الزوجة الأولى أو الزوجات إن كان للزوج أكثر من زوجة بعقد الزواج بعد إجرائه وذلك وفق قانون أصول المحاكمات الشرعية.

الفصل الثالث: ولاية التزويج

المادة (14): الولي في الزواج هو العصبة بنفسه على الترتيب المنصوص عليه في القول الراجح من مذهب أبي حنيفة.

المادة (15): يشترط في الولي أن يكون عاقلاً راشداً، وأن يكون مسلماً إذا كانت المخطوبة مسلمة.
المادة (16): رضا أحد الأولياء بالخاطب يسقط اعتراض الآخرين إذا كانوا متساوين في الدرجة، ورضا الولي الأبعد عند غياب الولي الأقرب يُسقط اعتراض الولي الغائب، ورضا الولي دلالةً كرضاه صراحة.

المادة (17): إذا غاب الولي الأقرب وكان في انتظاره تفويتٌ لمصلحة المخطوبة انتقل حق الولاية إلى من يليه، فإذا تعذر أخذ رأي من يليه في الحال أو لم يوجد انتقل حق الولاية إلى القاضي.

المادة (18): مع مراعاة أحكام المادة (10) من هذا القانون، للقاضي أن يأذن عند الطلب بزواج البكر التي بلغت السادسة عشرة سنة شمسية من عمرها من الكفء في حال عضل الولي إذا كان عضله بلا سبب مشروع.

المادة (19): لا تشترط موافقة الولي في زواج المرأة الثيب العاقلة المتجاوزة من العمر ثمانية عشر سنة.
المادة (20): إذن القاضي بالتزويج بموجب المادة (18) من هذا القانون مشروط بأن لا يقل المهر عن مهر المثل.

الفصل الرابع: الكفاءة في الزواج

المادة (21):

أ. يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفؤاً للمرأة في التدين والمال، وكفاءة المال أن يكون الزوج قادراً على المهر المعجل ونفقة الزوجة.

ب. الكفاءة حق خاص بالمرأة والولي، وتراعى عند العقد، فإذا زالت بعده فلا يؤثر ذلك في الزواج.

المادة (22):

أ. إذا زوج الولي البكر أو الثيب برضاها لرجل لا يعلمان كفاءته ثم تبين أنه غير كفء فليس لأي منهما حق الاعتراض.

ب. إذا اشترطت الكفاءة حين العقد أو قبله أو أخبر الزوج أو اصطنع ما يوهم أنه كفؤ ثم تبين أنه غير ذلك، فلكل من الزوجة والولي حق طلب فسخ الزواج.

المادة (23): يسقط حق فسخ عقد الزواج بسبب عدم كفاءة الزوج إذا حملت الزوجة أو سبق الرضا، أو مرت ثلاثة أشهر على علم الولي بالزواج.

الفصل الخامس: المحرمات

المادة (24): يحرم على التأبيد بسبب القرابة النسبية تزوج الشخص من:

أ. أصله وإن علا.

ب. فرعه وإن نزل.

ج. فروع أحد الأبوين أو كليهما وإن نزلوا.

د. الطبقة الأولى من فروع أجداده أو جداته.

المادة (25): يحرم على التأبيد بسبب المصاهرة تزوج الرجل من:

أ. زوجة أحد أصوله وإن علوا.

ب. زوجة أحد فروعه وإن نزلوا.

ج. أصول زوجته وإن علون.

د. فروع زوجته التي دخل بها وإن نزلن.

المادة (26): وطء المرأة غير الزوجة يوجب حرمة المصاهرة دون دواعي الوطء.

المادة (27):

أ. يحرم على التأبيد بسبب الرضاع ما يحرم من النسب.

ب. الرضاع المحرم هو ما كان في العامين الأولين، وأن يبلغ خمس رضعات متفرقات، يترك الرضيع الرضاعة في كل منها من تلقاء نفسه دون أن يعود إليها قل مقدارها أو كثر.

المادة (28): يحرم بصورة مؤقتة ما يلي:

أ. زواج المسلم بامرأة غير كتابية.

ب. زواج المسلمة بغير المسلم.

ج. زواج المرتد عن الإسلام أو المرتدة ولو كان الطرف الآخر غير مسلم.

د. زوجة الغير أو معتدته.

ه. الجمع ولو في العدة من طلاق رجعي بين امرأتين لو فرضت أي منهما ذكراً لحرم عليه التزوج بالأخرى.

و. الجمع بين أكثر من أربع زوجات أو معتدات من طلاق رجعي.

ز. تزوج الرجل امرأة طلقت منه طلاقاً بائناً بينونة كبرى إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها دخولاً حقيقياً في زواج صحيح.

ح- الزواج ممن لاعنها إلا إذا أكذب نفسه، وتحقق القاضي من ذلك.

 

الباب الثاني: أنواع الزواج وأحكامه

الفصل الأول: أنواع الزواج

المادة (29): يكون عقد الزواج صحيحاً إذا توفرت فيه أركانه وسائر شروط صحته.

المادة (30):

أ. يكون عقد الزواج باطلاً في الحالات التالية:

  1. تزوج الرجل بمن تحرم عليه على التأبيد بسبب النسب أو المصاهرة.
  2. تزوج الرجل بزوجة الغير أو معتدته.
  3. تزوج المسلم بامرأة غير كتابية.
  4. تزوج المسلمة بغير المسلم.

ب. يشترط في الحالات الواردة في البنود (1) و (2) و (3) من الفقرة (أ) من هذه المادة ثبوت العلم بالتحريم وسببه، ولا يعد الجهل عذراً إذا كان ادعاؤه لا يُقبل من مثل مدعيه.

المادة (31): الحالات التالية يكون عقد الزواج فيها فاسداً:

أ. تزوج الرجل بمن تحرم عليه بسبب الرضاع.

ب. تزوج الرجل بامرأة يحرم عليه الجمع بينها وبين زوجته.

ج. تزوج الرجل بامرأة فوق أربع زوجات.

د. تزوج الرجل بمطلقته ثلاثاً ما لم تنكح زوجاً غيره.

ه. الزواج بلا شهود أو بشهود غير حائزين للأوصاف المطلوبة شرعاً.

و. زواج المتعة، والزواج المؤقت.

ز. مع مراعاة أحكام الفقرة (ج) من المادة (35) من هذا القانون، إذا كان العاقدان أو أحدهما غير حائز على شروط الأهلية حين العقد أو مكرهاً.

الفصل الثاني: أحكام الزواج

المادة (32): إذا وقع العقد صحيحاً ترتبت عليه آثاره منذ انعقاده.

المادة (33): إذا وقع العقد باطلاً سواء أتم به دخول أم لم يتم لا يفيد حكماً أصلاً ولا يرتب أثراً من نفقة أو نسب أو عدة أو إرث.

المادة (34): إذا وقع العقد فاسداً ولم يتم به دخول لا يفيد حكماً أصلاً ولا يرتب أثراً، أما إذا تم به دخول فيلزم به المهر والعدة ويثبت به النسب وحرمة المصاهرة، ولا تلزم به بقية الأحكام كالإرث والنفقة.

المادة (35):

أ. يتوقف التفريق بين الرجل والمرأة في الزواج الفاسد على قضاء القاضي.

ب. إذا كان سبب التفريق يحرم المرأة على زوجها، وجبت الحيلولة بينهما من وقت وجود موجب التفريق.
ج. لا تسمع دعوى فساد الزواج بسبب صغر السن إذا ولدت الزوجة أو كانت حاملاً أو كان الطرفان حين إقامة الدعوى حائزين على شروط الأهلية.

الفصل الثالث: توثيق العقد

المادة (36):

أ. يجب على الخاطب مراجعة القاضي أو نائبه قبل إجراء عقد الزواج.

ب. يوثق القاضي أو من يأذن له عقد الزواج بوثيقة رسمية.

ج. إذا أُجري عقد الزواج ولم يوثق رسمياً، يعاقب كل من العاقد والزوجين والشهود بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات، وتغرم المحكمة كل واحد منهم بغرامة مقدارها مائتا دينار.

د. يعاقب كل مأذون لا يسجل العقد في الوثيقة الرسمية المعدة لذلك بالعقوبتين المنصوص عليهما في الفقرة (ج) من هذه المادة مع العزل من الوظيفة.

هـ. يعين مأذونو توثيق عقود الزواج وتنظم أعمالهم وفق تعليمات يصدرها قاضي القضاة.

و. يمنع إجراء عقد زواج المعتدة من طلاق أو فسخ أو وطء بشبهة قبل مضي تسعين يوماً على موجب العدة ولو كانت منقضية، ويستثنى من ذلك العقد بينها ومن اعتدت منه.

ز. يتولى قناصل المملكة الأردنية الهاشمية المسلمون في خارج المملكة توثيق عقود الزواج وسماع تقارير الطلاق للرعايا الأردنيين الموجودين خارج المملكة وتبليغها، وتسجيل هذه الوثائق في سجلاتها الخاصة، وإرسال نسخة من تلك الوثائق إلى دائرة قاضي القضاة.

ح. تشمل كلمة القنصل وزراء المملكة الأردنية الهاشمية المفوضين والقـائمين بأعمال هذه المفوضيات ومستشاريها أو من يقوم مقامهم.

ط. لقاضي القضاة وبموجب تعليمات يصدرها لهذه الغاية إجراء دورات لمن يرغب من المقبلين على الزواج.

الفصل الرابع: الاشتراط في عقد الزواج

المادة (37): إذا اشتُرِط حين العقد شرط نافع لأحد الزوجين، ولم يكن منافياً لمقاصد الزواج، ولم يلتزم فيه بما هو محظور شرعاً، وسجل في وثيقة العقد، وجبت مراعاته وفقاً لما يلي:

أ. إذا اشترطت الزوجة على زوجها شرطاً تتحقق لها به مصلحة غير محظورة شرعاً ولا يمس حق غيرها، كأن تشترط عليه أن لا يخرجها من بلدها، أو أن لا يتزوج عليها، أو أن يسكنها في بلد معين، أو أن لا يمنعها من العمل خارج البيت، أو أن تكون عصمت الطلاق بيدها، كان الشرط صحيحاً، فإن لم يف به الزوج فسخ العقد بطلب الزوجة، ولها مطالبته بسائر حقوقها الزوجية.

ب. إذا اشترط الزوج على زوجته شرطاً تتحقق له به مصلحة غير محظورةٍ شرعاً ولا يمس حق غيره، كأن يشترط عليها أن لا تعمل خارج البيت، أو أن تسكن معه في البلد الذي يعمل هو فيه، كان الشرط صحيحاً وملزماً، فإذا لم تف به الزوجة فسخ النكاح بطلبٍ من الزوج، وسقط مـهرها المؤجـل ونفقة عدتها.

ج. إذا قُيد العقد بشرط ينافي مقاصده، أو يلتزم فيه بما هو محظور شرعـاً، كأن يشترط أحد الزوجين على الآخر أن لا يساكنه أو أن لا يعاشره معاشرة الأزواج أو أن يشرب الخمر أو أن يقاطع أحد والديه، كان الشـرط بـاطلاً والعقد صحيحاً.

المادة (38):

أ. ينبغي أن تكون عبارة الشرط واضحة مشتملة على تصرف يلتزم به المشروط عليه ليترتب على عدم الوفاء به أحكامه وآثاره.

ب. يستثنى شرط العصمة من اشتمال عبارته على تصرف يلتزم به الزوج، ويكون بمثابة التفويض بالطلاق، وصلاحيته مستمرة بعد مجلس العقد، وتوقعه الزوجة بعبارتها أمام القاضي، ويكون الطلاق به بائناً.

 

الباب الثالث: آثار عقد الزواج

الفصل الأول: المهر والجهاز

المادة (39): المهر نوعان، مهر مسمى وهو الذي يسميه الطرفان حين العقد قليلاً كان أو كثيراً، ومهر المثل وهو مهر مثل الزوجة وأقرأنها من أقارب أبيــها، وإذا لـم يوجد لها أمثال وأقران من جهة أبيها فمن مثيلاتها وأقرأنها من أهل بلدتها.

المادة (40): يجب للزوجة المهر المسمى بمجرد العقد الصحيح.

المادة (41): يجوز تعجيل المهر المسمى وتأجيله كله أو بعضه على أن يؤيـد ذلـك بوثيقـة خطية، وإذا لم يصرح بالتأجيل يعتبر المهر معجلاً.

المادة (42): إذا عينت مدة للمهر المؤجل فلا يجوز للزوجة المطالبة به قبل حلول الأجـل ولـو وقع الطلاق، أما إذا توفي الزوج فيسقط الأجل، وإذا كان الأجل مجهولاً جهالـة فاحشة مثل (إلى الميسرة أو إلى حين الطلب أو إلى حين الزفاف) فالأجل غير صحيح، ويكون المهر معجلاً، وإذا لم يكن الأجل معيناً اعتبر المهر مؤجلاً إلى وقوع الطلاق أو وفاة أحد الزوجين.

المادة (43): إذا سمي مهر في العقد الصحيح لزم أداؤه كاملاً بوفـاة أحد الزوجين ولـو قبـل الدخول أو الخلوة، وبالطلاق بعد الخلوة الصحيحة.

المادة (44): إذا وقع الطلاق بعد العقد الصحيح وقبل الوطء أو الخلوة الصحيحة لزم نصف المهر المسمى.
المادة (45): الفرقة التي يجب نصف المهر المسمى بوقوعـها قبل الدخـول أو الخلوة هـي الفرقة التي جاءت من قِبل الزوج سواءً أكانت طلاقاً أم فسخاً كالفرقة بالإيلاء واللعان والردة وإباء الزوج الإسلام إذا أسلمت زوجته وبفعله ما يوجـب حرمـة المصاهرة.

المادة (46): إذا لم يسم المهر في العقد الصحيح، أو تزوجها على أنه لا مهر لـها، أو سـمي المهر وكانت التسمية فاسدة، أو وقـع خلاف في تسمية المهـر ولم تثبت التسمية تطبق الأحكام التالية:

أ. إذا تم الدخول أو الخلوة الصحيحة يلزم مهر المثل على أن لا يتجاوز المقدار الذي ادعتـه الزوجة ولا يقل عن المقدار الذي ادعاه الزوج.

ب. إذا لم يتم الدخول أو الخلوة الصحيحة ووقع الطلاق تستحق المطلقة نصف مهر المثل.

المادة (47): يسقط حق الزوجة في المهر إذا فسخ العقد بطلب من الزوج لعيب أو علـة فـي الزوجة قبل الوطء، وللزوج أن يرجع عليها بما دفع من المهـر.

المادة (48): يسقط المهر كله إذا جاءت الفرقة بسبب من الزوجة كردتها أو بفعلها ما يوجب حرمة المصاهرة وإن قبضت شيئاً من المهر ترده.

المادة (49): إذا وقع الافتراق بطلب من الزوجة بسبب وجود عيب أو علة فـي الـزوج، أو طلب الولي التفريق بسبب عدم الكفـاءة وكان ذلـك قبل الدخـول والخلـوة الصحيحة يسقط المهر كله.

المادة (50): إذا قتلت الزوجة زوجها قتلاً مانعاً من الإرث قبل الدخول فلورثة الزوج استرداد ما قبضته من المهر وسقط ما بقي منه، وإذا كان القتل بعد الدخول فلا تستحق شيئاً مـن المهر غير المقبوض.
المادة (51): إذا وقع الافتراق بعد الدخول في العقد الفاسد ينظر: فإن كان المهر قد سمي يلزم الأقل من المهرين المسمى والمثل، وإن كان المهر لم يسم أو كانت التسـمية فاسدة يلزم مهر المثل بالغاً ما بلغ، أما إذا وقع الافتراق قبل الدخول فلا يلـزم المهر أصلاً.

المادة (52): ينفذ على البكر ولو كانت كاملة الأهلية قبض وليها لمهرها إن كان أباً أو جـداً لأب ولم تنه الزوج عن الدفع إليه.

المادة (53):

أ. للزوج الزيادة في المهر بعد العقد وللمرأة الحط منه إذا كانا كاملي أهلية التصرف ويلحق ذلك بأصل العقد إذا قبل به الطرف الآخر في مجلس الزيادة أو الحط منه على أن يوثق ذلك رسمياً أمام القاضي.
ب. لا يعتد بالسند المتضمن إقرار الزوجة بقبض مهرها أو إبرائها زوجها منه إلا إذا تم توثيقه رسمياً.
المادة (54): لا يجوز لأبويّ الزوجة أو أحد أقاربها أن يأخذ من الزوج نقوداً أو أي شـيء آخر مقابل تزويجها أو إتمام زفافها له، وللزوج استرداد ما أخذ منه عينـاً إن كان قائماً أو قيمته إن كان هالكاً.

المادة (55): إذا تزوج أحد في مرض موته ينظر: فإن كان المهر المسمى مساوياً لمهر مثـل الزوجة أخذته من تركة الزوج، وإن كان زائداً عليه يجري فـي الزيادة حكم الوصية.

المادة (56): عند اختلاف الزوجين في المـهر الذي جرى عليه العقد لا تسـمع الدعوى إذا خالفت وثيقة العقد المعتبرة.

المادة (57):

أ. المهر مال الزوجة، فلا تجبر على عمل الجهاز منه.

ب. يشمل الجهاز ما تحضره الزوجة إلى بيت الزوجية سواءً كان من مالها أو مما وهب لها أو أهدي لها، أو مما اشتراه الزوج من مالها بتفويض منها مهراً كان أو غيره.

ج. للزوج أن ينتفع بما تحضره الزوجة من جهاز بإذنها ما دامـت الزوجيـة قائمة ويضمنه بالتعدي.
المـادة (58): إذا حصل نزاع بين الزوجين أو بين أحدهما مع ورثة الآخر بشأن المهر بعد قبضه فلا تخرج المطالبة به عن كونها مطالبة بمهر.

الفصل الثاني: النفقة الزوجية

المادة (59):

أ. نفقة كل إنسان في ماله إلا الزوجة فنفقتها على زوجها ولو كانت موسرة.

ب. نفقة الزوجة تشمل الطعام والكسوة والسكنى والتطبيب بـالقدر المعـروف وخدمة الزوجة التي يكون لأمثالها خدم.

ج. يلزم الزوج بدفع النفقة إلى زوجته إذا امتنع عن الإنفـاق عليـها أو ثبت تقصيره.

المادة (60): تجب النفقة للزوجة ولو مع اختلاف الدين من حين العقد الصحيـح ولو كانت مقيمة في بيت أهلها، وإذا طالبها الزوج بالنقلة إلى بيت الزوجية فامتنعت بغير حق شـرعي فلا نفقة لها، ولها حق الامتناع عند عدم دفع الزوج مهرها المعجل أو عدم تهيئته مسكناً شرعياً لها.

المادة (61):

أ. تستحق الزوجة التي تعمل خارج البيت النفقة بشرطين:

  1. أن يكون العمل مشروعاً.
  2. أن يوافق الزوج على العمل صراحة أو دلالة.

ب. لا يجوز للزوج الرجوع عن موافقته على عمل زوجته إلا بسـبب مشـروع ودون أن يلحق بها ضرراً.

المادة (62): إذا نشزت الزوجة فلا نفقة لها ما لم تكن حاملاً فتكون النفقة للحمل، والناشز هي التي تترك بيت الزوجية بلا مسـوغ شرعي، أو تمنع الزوج من الدخول إلى بيتها قبل طلبهـا النقـلة إلى بيـت آخـر، ويعتبر من المسوغات المشروعة لـخروجها من المسـكن إيـذاء الـزوج لـها أو إساءة المعاشرة أو عدم أمانتها على نفسها أو مالها.

المادة (63): الزوجة المسجونة بسبب إدانتها بحكم جزائي قطعي لا يد للزوج فيه لا تستحق النفقة من تاريخ سجنها.

المادة (64): تفرض نفقة الزوجة بحسب حال الزوج يسراً وعسراً، وتجوز زيادتها ونقصـها تبعاً لحالته، على أن لا تقل عن الحد الأدنى بقدر الضرورة من القـوت والكسـوة والسكن والتطبيب، وتلزم النفقة إما بتراضي الزوجين على قـدر معين أو بحكـم القـاضي، وتسقط نفقة المدة التي سبقت التراضي أو الطلب من القاضي.

المادة (65): إذا امتنع الزوج الحاضر عن الإنفاق على زوجته وطلبت الزوجة النفقة، يحكم القاضي بنفقتها اعتباراً من يوم الطلب.

المادة (66): إذا عجز الزوج عن الإنفاق على زوجته وطلبت الزوجة نفقة لـها، يحكم بها القاضي من يوم الطلب على أن تكون ديناً في ذمته، ويأذن للزوجة أن تنفق من مالها أو أن تسـتدين على حساب الزوج.

المادة (67): إذا حُكم للزوجة بنفقة على الزوج وتعذر تحصيلها منه، يلزم بالنفقة من تجـب عليه نفقتها لو فرضت غير ذات زوج، ويكون له حق الرجوع بها على الزوج.

المادة (68): إذا تغيب الزوج وترك زوجته بلا نفقة أو سافر إلى محل قريب أو بعيد أو فقد، يحكم القاضي بنفقتها من يوم الطلب بناءً على البينة التي تقيمها الـزوجة علـى قيام الزوجية بينهما بعد أن يحلفها اليمين على أن زوجـها لم يترك لـها نفقـة وأنها ليست ناشزاً ولا علم لها بأنها مطلقة انقضت عدتها.
المادة (69): يفرض القاضي من حين الطلب نفقة لزوجة الغائب أو المفقود في ماله أو على مدينه أو على مودعه أو من في حكمهما إذا كانوا مقرّين بالمال والزوجيـة أو منكريـن لهما أو لأحدهما بعد إثبات مواقع الإنكار وبعد تحليفها في جميع الحالات اليمين الشرعية المنصوص عليها في المادة (68) من هذا القانون.

المادة (70): أجرة القابلة والطبيب الذي يُستحضر لأجل الولادة عند الحاجة إليه، وثمن العلاج وأجور المستشفى والنفقات التي تستـلزمها الولادة أو التي تنشأ بسببها، يلزم بها الزوج بالقدر المعروف حسب حاله سواء كانت الزوجية قائمة أو غير قائمة.

 المادة (71): على الزوج نفقات تجهيز زوجته وتكفينها بعد موتها.

الفصل الثالث: المسكن والمتابعة

المادة (72): يهيئ الزوج المسكن المحتوي على اللوازم الشرعية حسب حاله وفـي محـل إقامته أو عمله، وعلى الزوجة بعد قبض مهرها المعجل متابعة زوجها ومساكنته فيه، وعليها الانتقال إلى أي جهة أرادها ولو خارج المملكة، بشرط أن يكون مأموناً عليها وأن لا يكون في وثيقة العقد شرط يقتضي خلاف ذلك، فإذا امتنعت عن الطاعة يسقط حقها في النفقة.

المادة (73): يجب أن يكون المسكن بحالة تستطيع الزوجة معها القيام بمصالحـها الدينيـة والدنيوية، وأن تأمن فيه على نفسها ومالها.

المادة (74): ليس للزوج أن يسكن أهله وأقاربه معه دون رضا زوجته في المسكن الـذي هيأه لها ولها الرجوع عن موافقتها على ذلك، ويستثنى من ذلك أبناؤه غير البالغين وبناته وأبـواه الفقيران إذا لـم يمكنه الإنفاق عليهما استقلالاً وتعين وجودهما عنــده، وذلـك بشـرط عـدم إضرارهم بالزوجة وأن لا يحول وجودهم في المسكن دون المعاشرة الزوجيـة.

المادة (75): ليس للزوج أن يسكن مع زوجته زوجة أخرى له في مسكن واحد بغير رضاهما.

المادة (76): ليس للزوجة أن تسكن معها أولادها من زوج آخـر أو أقاربها دون رضـا زوجها إذا كان المسكن مهيئـاً من قبله، أما إذا كان المسكن لـها فلها أن تسـكن فيه أولادها وأبويها.

المادة (77): على كل واحد من الزوجين أن يحسن معاشرة الآخر ومعاملته بالمعروف وإحصان كل منهما للآخر، وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ على مصلحة الأسرة.

المادة (78): على الزوج أن لا يمنع زوجته من زيارة أصولها وفروعها وإخوتها بالمعروف، وعلى الزوجة أن تطيع زوجها في الأمور المباحة.

المادة (79): على من له أكثر من زوجة أن يعدل بينهن في المعاملة كالمبيت والنفقة.

 

الباب الرابع: انحلال عقد الزواج

الفصل الأول: الطلاق

المادة (80): يكون الزوج أهلاً للطلاق إذا كان مكلفاً واعياً مختاراً.

المادة (81): لا يقع الطلاق على الزوجة إلا إذا كانت في زواج صحيح وغير معتدة.

المادة (82): يملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات متفرقات.

المادة (83):

أ. يقع الطلاق باللفظ وللعاجز عنه بإشارته المعلومة.

ب. يقع الطلاق بالكتابة بشرط النية.

المادة (84): يقع الطلاق بالألفاظ الصريحة دون الحاجة إلى نية، وبالألفاظ الكنائية- وهي التي تحتمل معنى الطلاق وغيره- بالنية.

المادة (85):

أ. للزوج أن يوكل زوجته بتطليق نفسها أو يفوضها به، وليس له الرجوع عن ذلك، على أن يكون ذلك بمستند رسمي.
ب. إذا طلقت الزوجة نفسها بتفويض من زوجها أو بتوكيل منه وفق أحكام هذه المادة وقع الطلاق بائناً.

المادة (86):

أ. لا يقع طلاق السكران ومن في حكمه ولا المدهوش ولا المكره ولا المعتوه ولا المغمى عليه ولا النائم.

ب. المدهوش هو الذي غلب الخلل في أقواله وأفعاله نتيجة غضب أو غيره بحيث يخرجه عن عادته.

المادة (87):

أ. لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه.

ب. لا يقع الطلاق المضاف إلى المستقبل.

المادة (88):

أ. تعليق الطلاق بالشرط صحيح ورجوع الزوج عنه غير مقبول.

ب. إذا كان الشرط الذي علق عليه الطلاق مستحيلاً عقلا أو عادة أو نادر الوقوع أو مشكوكاً في تحققه عند التلفظ به كان الطلاق لغواً.

المادة (89): الطلاق المقترن بالعدد لفظاً أو إشارة، والطلاق المكرر في مجلس واحد لا يقع به إلا طلقة واحدة.

المادة (90): اليمين بلفظ عليّ الطلاق وعليّ الحرام وأمثالهما لا يقع الطلاق بهما ما لم تتضمن صيغة الطلاق مخاطبة الزوجة أو إضافته إليها وبنية إيقاع الطلاق.

المادة (91): كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول ولو بعد الخلوة، والطلاق على مال، والطلاق الذي نص على أنه بائن في هذا القانون.

المادة (92): مع مراعاة ما نصت عليه المادة (81) من هذا القانون فإن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية في الحال، وللزوج حق مراجعة زوجته أثناء العدة قولاً أو فعلاً.

المادة (93): إذا كان الطلاق بائناً بطلقة واحدة أو بطلقتين فلا مانع من إجراء عقد الزواج بينهما برضا الطرفين أثناء العدة.

المادة (94): الطلاق المكمل للثلاث يزيل الزوجية في الحال، وتقع به البينونة الكبرى.

المادة (95): لا تحل المطلقة البائن بينونة كبرى لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره ويدخل بـها دخولاً حقيقياً.
المادة (96): زواج المطلقة بآخر يهدم بدخوله بها طلاقات الزوج السابق ولو كانت ثلاثاً أو دونها.
المادة (97): يجب على الزوج أن يسجل طلاقه ورجعته أمام القاضي، وإذا طلق زوجته خارج المحكمة ولم يسجله فعليه أن يراجع المحكمة لتسجيل الطلاق خلال شهر، وكل من تخلف عن ذلك يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات، وعلى المحكمة أن تقوم بتبليغ الطـلاق الغيابـي والرجعة للزوجـة خلال أسبوع من تسجيله.

الفصل الثاني: أحكام الرجعة

المادة (98): للزوج حق إرجاع مطلقته رجعياً أثناء العدة قولاً أو فعلاً، وهذا الحق لا يسقط بالإسـقاط، ولا تتوقف الرجعة على رضا الزوجة، ولا يلزم بها مهر جديد.

المادة (99): تبين المطلقة رجعياً بانقضاء عدتها دون رجعة.

المادة (100): إذا وقع نزاعٌ بين الزوجين في صحة الرجعة فادعـت المعتدة بالحيض انقضاء عدتـها في مدة تحتمل انقضاءها، وادعى الزوج عدم انقضائها، تصدق المرأة بيمينها ولا يقبل منها ذلك قبل مضي ستين يوماً على الطلاق.

المـادة (101): لا تسمع عند الإنكار دعوى المطلق إثبات مراجعته مطلقته بعد انقضاء عدتها وزواجها من غيره بمضي تسعين يوماً على الطلاق ما لم تكن الرجعة مسجلة رسمياً.

الفصل الثالث: الخلع الرضائي والطلاق على مال

المادة (102): الخلع الرضائي هو طلاق الزوج زوجته نظير عوض تراضيا عليه بلفظ الخلع أو الطلاق أو المبارأة أو ما في معناها.

المادة (103):

أ. يشترط لصحة الخلع أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق، والمرأة محلاً له وأهلاً للالتزام بالعوض وفق أحكام هذا القانون.

ب. إذا بطل العوض في الخلع وقع الطلاق رجعياً ما لم يكن مكملاً للثلاث أو قبل الدخول فيكون بائناً.
المادة (104): لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في المخالعة قبل قبول الطرف الآخر.
المادة (105): كل ما صح التزامه شرعاً صلح أن يكون عوضاً في الخلع.

المادة (106): إذا كان الخلع على مال غير المهر لزم أداؤه وبرئت ذمة المتخالعين من كل حق يتعلق بالمهر ونفقة الزوجية.

المادة (107): إذا لم يسم المتخالعان شيئاً وقت الخلع برئ كـل منهما مـن حقـوق الآخـر المتعلقة بالمهر والنفقة الزوجية.

المادة (108): إذا صرح المتخالعان بنفي العوض وقت الخلع كان الخلع في حكم الطلاق المحض ووقعت به طلقة رجعية ما لم يكن مكملاً للثلاث أو قبل الدخول فيكون بائناً.

المادة (109): نفقة العدة لا تسقط إلا إذا نص عليها صراحة في الخلع.

المادة (110):

أ. إذا اشترط في الخلع أن تقوم الأم بإرضاع الولد أو حضانته دون أجر أو الإنفاق عليه مدة معينة فلم تقم بما التزمت به كان للأب أن يرجع عليها بما يعادل نفقة الولد أو أجرة رضاعه أو حضانته عن المدة الباقية، أما إذا مات الولد فليس للأب الرجوع عليها بشيء من ذلـك عـن المدة الواقعة بعد الموت.
ب. إذا كانت الأم المخالعة معسرة وقت الخلع أو أعسرت فيما بعد يجـبر الأب على نفقة الولد وتكون ديناً له على الأم.

المادة (111): إذا اشترط الرجل في الخلع إمساك الولد عنده مدة الحضانة صح الخلع وبطل الشرط ولحاضنته عندئذ المطالبة بنفقته فقط.

المادة (112): لا يجري التقاص بين نفقة الولد المستحقة على أبيه ودين الأب على حاضنته.
المادة (113): الخلع والطلاق على مال يقع بهما الطلاق بائناً.

 

الفصل الرابع: التفريق القضائي

التفريق للافتداء

المادة (114):

أ. إذا طلبت الزوجة التفريق قبل الدخول وأودعت ما قبضته من مهرها وما أخذته من هدايا وما أنفقه الزوج من أجل الزواج وامتنع الزوج عن ذلك، بذلت المحكمة جهدها في الصلح بينهما، فإن لم يصطلحا أحالت الأمر إلى حكمين لموالاة مساعي الصلح بينهما خلال مدة ثلاثين يوماً فإذا لم يتم الصلح:
1. تحكم المحكمة بفسخ العقد بين الزوجين بعد إعادة ما قبضته الزوجة من المهر وما أخذته من هدايا وما أنفقه الزوج من أجل الزواج.

  1. إذا اختلف الزوجان في مقدار نفقات الزواج والهدايا جعل تقدير ذلك إلى الحكمين.

ب. إذا أقامت الزوجة بعد الدخول أو الخلوة دعوى تطلب فيها التفريق بينها وبين زوجها وبينت بإقرارٍ صريح منها أنها تبغض الحياة معه وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما وتخشى أن لا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض وافتدت نفسها بالتنازل عن جميع حقوقها الزوجية وردت عليه الصداق الذي استلمته، حاولت المحكمة الصلح بين الزوجين، فإن لم تستطع أرسلت حكمين لموالاة مساعي الصلح بينهما خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً، فإن لم يتم الصلح حكمت المحكمة بفسخ عقد الزواج بينهما.

التفريق لعدم الإنفاق

المادة (115): إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجتـه بعد الحكم عليه بنفقتها وكان لـه مال يمكن تنفيذ حكم النفقة فيه نفذ الحكم عليه بالنفقة في مالـه، وإن لم يكن للزوج الحاضر مال يمكن تنفيذ حكم النفقة فيه وطلبت الزوجة التفريق فإن ادعى أنه موسر وأصر على عدم الإنفاق طلق عليه القاضي في الحال، وإذا ادعى العجز والإعسار فإن لم يثبته طلق عليه حالاً وإن أثبته أمهله مدة لا تقل عن شهر ولا تزيـد علـى ثلاثة أشهر لدفع النفقة المحكوم بها من تاريخ رفع دعوى التفريق وتقديم كفيـل بنفقتها المستقبلية، فإن لم يفعل طلق عليه القاضي بعد ذلك.

المادة (116): إذا ادعت الزوجة عجز الزوج وإعساره عن الإنفاق عليها بعد الحكم عليه بنفقتها وتعذر تحصيلها وطلبت التفريق، فإن ثبت ذلك أو ادعى اليسار ولم يثبته أمـهل مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ثلاثة أشهر لدفع النفقة المحكوم بها من تاريخ رفع دعوى التفريق وتقديـم كفيـل بنفقتها المستقبلية، فإن لم يفعل طلق عليه، وإذا أثبت اليسار يكلف بدفع نفقة ستة أشهر مما تراكم لها عليه وتقديم كفيل بنفقتها المستقبلية، فإن لم يفعل طلق عليه القاضي في الحال.

المادة (117): إذا كان الزوج غائباً وكان له مال يمكن تنفيذ حكم النفقة فيه، نفذ حكم النفقة في ماله، وإن لم يكن له مال يمكن تنفيذ حكم النفقة فيه وطلبت الزوجة التفريق تطبق الأحكام التالية:

أ. إن كان معلوم محل الإقامة ويمكن وصول الرسائل إليه أعذر القاضي إليه وضرب له أجلاً، فإن لم يرسل ما تنفق منه الزوجة على نفسها أو لم يحضر للإنفاق عليها، طلق عليه القاضي بعد الأجل.


ب. إن كان مجهول محل الإقامة أو لا يسهل وصول الرسائل إليه، وأثبتت المدعية دعواها طلق عليه القاضي بلا إعذار ولا ضرب أجـل.

ج. تسري أحكام هذه المادة على المسجون الذي يعسر بالنفقة.

المادة (118):

أ. تطليق القاضي لعدم الإنفاق يقع رجعياً إذا كان بعد الدخول ما لم يكن مكملاً للثلاث، أما إذا كان قبل الدخول فيقع بائناً.

ب. إذا كان الطلاق رجعياً فللزوج مراجعة زوجته أثناء العدة ويحكم بصحة الرجعة إذا أرجعها خلال العدة ودفع نفقة ثلاثة أشهر مما تراكم لها عليه من نفقتها وقدم كفيلاً بنفقتها المستقبلية، فإذا لم يدفع النفقة أو لم يقدم كفيلاً فلا تصح الرجعة.

ج. استيفاء الزوجة النفقة وفق أحكام المادة (321) من هذا القانون لا يمنعها من إقامة الدعوى بطلب التفريق وفق أحكام المواد (115) و(116) و(117) من هذا القانون.

التفريق للغياب والهجر

المادة (119): إذا أثبتت الزوجة غياب زوجها عنها سنة فأكثر وكان معلوم محل الإقامة، جاز لزوجته أن تطلب من القاضي فسخ عقد زواجهما إذا تضررت من غيابه عنها ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.

المادة (120): إذا أمكن وصول الرسائل إلى الزوج الغائب، ضرب له القاضي أجلاً وأعذر إليه بأن يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها، فإذا أنقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذراً مقبولاً، فرق القاضي بينهما بفسخ عقد زواجهما بعد تحليفها اليمين.

المادة (121): إذا كان الزوج غائباً في مكان معلوم ولا يمكن وصول الرسائل إليه أو كان مجهول محل الإقامة وأثبتت الزوجة دعواها بالبينة وحلفت اليمين وفق الدعوى، فرق القاضي بينهما بفسخ عقد زواجهما بلا إعذار وضرب أجل، وفي حال عجزها عن الإثبات أو نكولها عن اليمين ترد الدعوى.

المادة (122): إذا أثبتت الزوجة هجر زوجها لها وامتناعه عن قربانها في بيت الزوجية مدة سنة فأكثر وطلبت فسخ عقد زواجها منه، أمهله القاضي مدة لا تقل عن شهر ليفيء إليها أو يطلقها، فإن لم يفعل ولم يبد عذراً مقبولاً فرق القاضي بينهما بفسخ عقد زواجهما.

التفريق للإيلاء والظهار

المادة (123):

أ. إذا حلف الزوج على ما يفيد ترك وطء زوجته مدة أربعة أشهر فأكثر أو دون تحديد مدة واستمر على يمينه حتى مضت أربعة أشهر طلق عليه القاضي طلقة رجعية بطلبها ما لم تكن مكملة للثلاث أو قبل الدخول.

ب. إذا استعد الزوج للفيء قبل التطليق أجله القاضي مدة لا تزيد عن شهر، فإن لم يفئ طلق عليه على الوجه المذكور في الفقرة (أ) من هذه المادة.

ج. يشترط لصحة الرجعة في التطليق للإيلاء أن تكون بالفيء فعلاً أثناء العدة إلا أن يوجد عذر فتصح بالقول.

المادة (124): إذا ظاهر الزوج من زوجته ولم يكفِّر عن يمين الظهار، وطلبت الزوجة التفريق لعدم تكفيره عن يمينه، أنذره القاضي بالتكفير عنه خلال أربعة أشهر من تاريخ تبلغه الإنذار، فإن امتنع لغير عذر، حكم القاضي بالتطليق عليه طلقة رجعية ما لم تكن مكملة للثلاث أو قبل الدخول.

التفريق للحبس

المادة (125): لزوجة المحبوس المحكوم عليه بحكم قطعي بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنوات فأكثر أن تطلب إلى القاضي بعد مضي سنة من تاريخ حبسه وتقييد حريته، فسخ عقد زواجها منه ولو كان له مال تستطيع الإنفـاق منه، فإذا أفـرج عنه قبل صدور حكم الفسخ يرد الطلب.

التفريق للشقاق والنزاع

المادة (126): لأي من الزوجين أن يطلب التفريق للنزاع والشقاق إذا ادعى ضرراً لحق به من الطرف الآخر يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية، سواء كان الضرر حسياً كالإيذاء بالفعل أو بالقول أو معنوياً، ويعتبر ضرراً معنوياً أي تصرف أو سلوك مشين أو مخلٍ بالأخلاق الحميدة يلحق بالطرف الآخر إساءة أدبية، وكذلك إصرار الطرف الآخر على الإخلال بالواجبات والحقوق الزوجية المشار إليها في الفصل الثالث من الباب الثالث من هذا القانون بحيث:

أ. إذا كان طلب التفريق من الزوجة، وتحقق القاضي من ادعائها، بذلت المحكمة جهدها في الإصلاح بينهما، فإذا لم يمكن الإصلاح أنذر القاضي الزوج بأن يصلح حاله معها وأجل الدعوى مدة لا تقل عن شهر، فإذا لم يتم الصلح بينهما وأصرت الزوجة على دعواها أحال القاضي الأمر إلى حكمين.

ب. إذا كان المدعي هو الزوج وأثبت وجود الشقاق والنزاع، بذلت المحكمة جهدها في الإصلاح بينهما، فإذا لم يمكن الإصلاح أجل القاضي الدعوى مدة لا تقل عن شهر أملاً بالمصالحة، وبعد انتهاء الأجل إذا لم يتم الصلح وأصر الزوج على دعواه، أحال القاضي الأمر إلى حكمين.

ج. يشترط في الحكمين أن يكونا عدلين قادرين على الإصلاح، وأن يكون أحدهما من أهل الزوجة والآخر من أهل الزوج إن أمكن، وإن لم يتيسر ذلك حكم القاضي اثنين من ذوي الخبرة والعدالة والقدرة على الإصلاح.

د. يبحث الحكمان أسباب الخلاف والنزاع بين الزوجين معهما أو مع أي شخص يرى الحكمان فائدة في بحثها معه، وعليهما أن يدونا تحقيقاتهما بمحضر يوقع عليه، فإذا رأيا إمكان التوفيق والإصلاح على طريقة مرضية أقراها ودونا ذلك في محضر يقدم إلى المحكمة.

هـ. إذا عجز الحكمان عن الإصلاح وظهر لهما أن الإساءة جميعها من الزوجة قررا التفريق بينهما على العوض الذي يريانه على أن لا يزيد على المهر وتوابعه، وإذا كانت الإساءة كلها من الزوج قررا التفريق بينهما بطلقة بائنة، على أن للزوجة أن تُطالبه بغير المقبوض من مهرها وتوابعه ونفقة عدتها.

و. إذا ظهر للحكمين أن الإساءة من الزوجين، قررا التفريق بينهما على قسم من المهر بنسبة إساءة كل منهما للآخر، وإن جهل الحال ولم يتمكنا من تقدير نسبة الإساءة قررا التفريق بينهما على العوض الذي يريانه من أيهما بشرط أن لا يزيد على مقدار المهر وتوابعه.

ز. إذا قرر الحكمان على الزوجة عوضا وكانت طالبة التفريق فعليها أن تؤمن دفعه قبل قرار الحكمين بالتفريق ما لم يرض الزوج بتأجيله، وفي حال موافقة الزوج على التأجيل يقرر الحكمان التفريق على العوض ويحكم القاضي بذلك، أما إن كان الزوج هو طالب التفريق وقرر الحكمان أن تدفع الزوجة عوضاً فيحكم القاضي بالتفريق والعوض وفق قرار الحكمين.

ح. إذا اختلف الحكمان حكّم القاضي غيرهما أو ضم إليهما ثالثاً مرجحاً، وفي الحالة الأخيرة يؤخذ بقرار الأكثرية.

ط. على الحكمين رفع التقرير إلى القاضي بالنتيجة التي توصلا إليها، وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه إذا كان موافقاً لأحكام هذه المادة.

المادة (127):

أ. مع مراعاة الفقرة (أ) من المادة (126) من هذا القانون يثبت الشقاق والنزاع والضرر بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ويكفي فيه الشهادة بالتسامع المبني على الشهرة في نطاق حياة الزوجين.
ب. الحكم الصادر بالتفريق للنزاع والشقاق يتضمن الطلاق البائن.

التفريق للعيوب

المادة (128): للمرأة السالمة من كل عيب يحول دون الدخول بها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق بينها وبين زوجها إذا علمت أن فيه علة تحول دون بنائه بها كالجب والعنة والخصا، ولا يسمع طلب المرأة التي فيها عيب من العيوب التي تحول دون الدخول بها كالرتق والقرن.

المادة (129): الزوجة التي تعلم قبل عقد الزواج بعيب زوجها المانع من الدخول بها أو التي ترضى بالعيب صراحة أو دلالة بعد العقد يسقط حقها في التفريق ما عدا العنة، فإن العلم بها قبل عقد الزواج لا يسقط حقها ولو سلمت نفسها.

المادة (130): إذا راجعت الزوجة القاضي وطلبت التفريق لوجود عيب في الزوج ينظر: فإن كان العيـب غير قابل للزوال يحكم بالتفريق بينهما في الحال، وإن كان قابلاً للزوال كالعنة يمهل الزوج سنة من يوم تسليمها نفسها له أو من وقت برء الزوج إن كان مريضاً، وإذا مرض أحد الزوجين أثناء الأجل مدة قليلة كانت أو كثيرة بصورة تمنع من الدخول أو غابت الزوجة، فالمدة التي تمر على هذا الوجه لا تحسب من مدة الأجل، لكن غيبة الزوج وأيام الحيض تحسب، فإذا لم يزل العيب في هذه المدة وكان الزوج غير راض بالطلاق والزوجة مصرة على طلبها يحكم القاضي بالتفريق، فإذا ادعى في بدء المرافعة أو في ختامها الوصول إليها ينظر: فإذا كانت الزوجة ثيباً فالقول قول الزوج مع اليمين، وإن كانت بكراً فالقول قولها بيمينها.

المادة (131): إذا ظهر للزوجة قبل الدخول أو بعده أن الزوج مُبتلى بعلة أو مرض لا يمكن الإقامة معه بلا ضـرر كالجذام أو البرص أو السل أو الزهري أو الإيدز، أو طرأت مـثل هذه العلـل والأمراض فلها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق، والقاضي بعد الاستعانة بأهـل الخبرة والاختصاص ينظر: فإن كان يغلب على الظن تعذر الشفاء يحكم بفسخ عقد الزواج بينهما فـي الحال، وإن كان يغلب على الظن حصول الشفاء أو زوال العلة يؤجل التفريق سنة واحدة، فإذا لم تزل في هذه المدة ولم يرض الزوج بالطلاق وأصرت الزوجة على طلبها يحكم القاضي بالتفريق، أما وجود عيب كالعمى والعرج في الزوج فلا يوجب التفريق.

المادة (132): للزوج حق طلب فسخ عقد الزواج إذا وجد في زوجته عيباً جنسياً مانعاً من الوصول إليها كالرتق والقرن أو مرضاً منفراً بحيث لا يمكن المقام معها عليه بلا ضرر ولم يكن الزوج قد علم به قبل العقد أو رضي به بعده صراحة أو ضمناً.

المادة (133): العلل الطارئة على الزوجة بعد الدخول لا تسمع فيها دعوى طلب الفسخ من الزوج.

المادة (134): يثبت العيب المانع من الدخول بتقرير من الطبيب المختص مؤيداً بشهادته.

المادة (135): إذا جن الزوج بعد عقد الزواج، وطلبت الزوجة من القاضي التفريق، فإن كان هناك تقرير طبي بأن هذا الجنون لا يزول فرّق القاضي بينهما بالحال، وإذا كان من الممكن زواله يؤجل التفريـق لمدة سنة، فإذا لم تزل الجنة في هذه المدة وأصرت الزوجة على طلبها يحكم القاضي بالتـفريق.
المادة (136): للزوجة القادرة على الإنجاب إن لم يكن لها ولد ولم تتجاوز الخامسة والأربعين سنة شمسية من عمرها حق طلب فسخ عقد زواجها إذا ثبت بتقرير طبي مؤيد بالشهادة عقم الزوج وقدرة الزوجة على الإنجاب وذلك بعد مضي خمس سنوات من تاريخ دخوله بها.

المادة (137): إذا جدد الطرفان العقد بعد التفريق بسبب العيب أو العلة فليس لأي منهما طلب التفريق للسبب نفسه.

المادة (138) تكون الفرقة للعيوب فسخاً.

التفريق للعجز عن دفع المهر

المادة (139): إذا ثبت قبل الدخول عجز الزوج عن دفـع المهـر المعجل كلـه أو بعضه فللزوجة أن تطلب من القاضي فسخ الزواج، والقاضي يمهـله شهـراً، فإذا لم يدفع المهر بعد ذلك يفسخ الزواج بينهما، أما إذا كان الزوج غائباً ولم يعلم له محل إقامة ولا مال له يمكن تحصيل المهر منه فإن العقد يفسخ دون إمهال.

التفريق لإباء الإسلام والردة

المادة (140):

أ. إذا كان الزوجان غير مسلمين وأسلما معاً فزواجهما باق.

ب. إذا أسلم الزوج وحده وزوجته كتابية فالزواج باق، وإن كانت غير كتابية عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت أو صارت كتابية بقي الزواج، وأن أبت فسخ الزواج.

ج. إذا أسلمت الزوجة وحدها يعرض الإسلام على الزوج، فإن أسلم بقي الزواج وإن أبى فسخ الزواج.
د. يمهل من أبى تسعين يوماً من تاريخ عرض الإسلام عليه إذا كان عاقلاً بالغاً، فإن لم يكن كذلك فسخ العقد في الحال.

المادة (141): يشترط لبقاء الزوجية في الأحوال المذكورة في المادة (140) من هذا القانون أن لا يكون بين الزوجين سبب من أسباب التحريم المبينة في هذا القانون.

المادة (142): إذا ثبتت ردة أحد الزوجين ينظر:

أ. فإن كانت الردة قبل الدخول حكم القاضي بفسخ عقد الزواج بينهما اعتباراً من تاريخ الردة.
ب. وإن كانت الردة بعد الدخول وأصر المرتد عليها ورفض العودة عن ردته حكم القاضي بفسخ عقد الزواج بينهما.

التفريق للفقد

المادة (143): لزوجة المفقود الذي لا تعرف حياته من مماته الطلب من القاضي فسخ عقد زواجهما لتضررها من بعده عنها ولو ترك لها مالاً تنفق على نفسها منه، فإذا لم تعرف حياته من مماته بعد البحث والتحري عنه ففي حالة الأمن وعدم الكوارث يؤجل الأمر أربع سنوات من تاريخ فقده، فإذا لم يمكن أخذ خبر عن الزوج المفقود وأصرت الزوجة على طلبها يفسخ عقد زواجهما، أما إذا فقد في حال يغلب على الظن هلاكه فيها كفقده في معركة أو إثر غارة جوية أو زلزال أو ما شابه ذلك فللقاضي فسخ عقد زواجهما بعد مضي مدة لا تقل عن سنة من تاريخ فقده بعد البحث والتحري عنه.

المادة (144): للزوجة في الأحوال التي تعطيها حق الخيار أن تؤخر الدعوى أو تتركها مدة بعد إقامتها.

 

الباب الخامس: آثار انحلال عقد الزواج

الفصل الأول: العدة

المادة (145):

أ. العدة مدة تربص تلزم المرأة إثر الفرقة من فسخ أو طلاق أو وفاة أو وطء بشبهة.

ب. تبتدئ العدة منذ وقوع الفرقة.

ج. إذا وقع الطلاق أو الفسخ بعد العقد الصحيح فلا تلزم العدة إلا بالدخول أو الخلوة الصحيحة، وأما إذا وقع الفسخ بعد العقد الفاسد فلا تلزم العدة إلا بالدخول.

المادة (146): عدة المتوفى عنها زوجها في زواج صحيح عدا الحامل سواء أدخل بها أم لم يدخل أربعة أشهر وعشرة أيام.

المادة (147): عدة غير الحامل لأي سبب غير الوفاة:

أ. ثلاث حيضات كوامل لذوات الحيض.

ب. ثلاثة أشهر لمن لم تر الحيض أصلاً أو بلغت سن اليأس، فإذا جاء أياً منهما الحيض قبل انقضائها استأنفتا العدة بثلاث حيضات كوامل.

ج. ممتدة الطهر وهي من رأت الحيض مرة أو مرتين ثم انقطع حيضها تتربص تسعة أشهر تتمة للسنة.
المادة (148): عدة الحامل من كل فرقة تنقضي بوضع حملها أو إسقاطه مستبين الخلقة كلها أو بعضها، وإن لم يكن مستبين الخلقة تعامل وفقا لأحكام المادتين (146) و (147) من هذا القانون.

المادة (149):  المطلقة رجعياً إذا توفي عنها زوجها خلال عدتها انتقلت من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة.

المادة (150): تعتد معتدة الطلاق الرجعي والوفاة في البيت المضاف للزوجين بالسكنى قبل الفرقة، وإن طلقت أو مات عنها وهي في غير مسكنها عادت إليه فوراً، ولا تخرج معتدة الطلاق من بيتها إلا لحاجة، وإذا اضطر الزوجان  للخروج  من البيت، فتنتقل معتدة الطلاق إلى مسكن آخر يكلف الزوج بتهيئته في مكان إقامته أو عمله، وأما معتدة الوفاة فلها الخروج لقضاء مصلحتها، ولا تبيت خارج بيتها، وإذا اضطرت إلى ترك المسكن فتنتقل إلى أقرب موضع منه.

الفصل الثاني: نفقة العدة

المادة (151): تجب على الزوج نفقة معتدته من طلاق أو فسخ مع مراعاة أحكام الفصل الثاني من الباب الثاني من هذا القانون.

المادة (152):

أ. نفقة العدة كالنفقة الزوجية، ويحكم بها من تاريخ وجوب العدة إذا لم يكن للمطلقة نفقة زوجية مفروضة، فإذا كان لها نفقة فإنها تمتد إلى انتهاء العدة على أن لا تزيد مدة العدة على سنة.

ب. لا تسمع دعوى نفقة العدة بعد مرور سنة على تبليغ الزوجة الطلاق.

المادة (153): مع مراعاة أحكام المادة (152) من هذا القانون، إذا أسند الزوج طلاق زوجته إلى زمن سابق، فإن صدقته الزوجة أو أقيمت بينة على علمها به فيكون مبتدأ استحقاقها لنفقة العدة من التاريخ السابق المسند إليه الطلاق، وإن أكذبته ولم تقم بينة على علمها به، فيكون مبتدأ استحقاقها النفقة من تاريخ إقراره بالطلاق.

المادة (154):

أ. ليس للمرأة التي توفي عنها زوجها نفقة عدة سواء أكانت حاملاً أم غير حامل.

ب. على الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة للمتوفى عنها زوجها المدخول بها السكنى في بيت الزوجية مدة العدة إذا كان المسكن للميت إما بملك أو بمنفعة مؤقتة، أو بإجارة مدفوع بدلها قبل موته.

الفصل الثالث: التعويض عن الطلاق التعسفي

المـادة (155): إذا طلق الزوج زوجته تعسفاً كأن طلقها لغير سبب معقول، وطلبت من القاضي التعويض، حكم لها على مطلقها بتعويض لا يقل عن نفقة سنة ولا يزيد على نفقة ثلاث سنوات، ويراعى في فرضها حال الزوج عسراً ويسراً، ويدفع جملة إذا كان الزوج موسراً، وأقساطاً إذا كان معسراً، ولا يؤثر ذلك على حقوقها الأخرى.

 

الباب السادس: حقوق الأولاد والأقارب

الفصل الأول: النسب

المادة (156): أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها سنة.

المادة (157):

أ. يثبت نسب المولود لأمه بالولادة.

ب. يثبت نسب المولود لأبيه:

  1. بفراش الزوجية. أو
  2. بالإقرار. أو
  3. بالبينة. 

ج. للمحكمة أن تثبت نسب المولود لأبيه بالوسائل العلمية القطعية مع مراعاة أحكام ثبوت النسب بفراش الزوجية.

د. لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها ما لم يثبت بالوسائل العلمية القطعية أن الولد له.

هـ. لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد المطلقة إذا أتت به لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق، ولا لولد المتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من تاريخ الوفاة.

المادة (158):

أ. الولد لصاحب الفراش إن مضى على عقد الزواج الصحيح أقل مدة الحمل.

ب. يثبت نسب المولود في العقد الفاسد أو الوطء بشبهة إذا ولد لأقل مدة الحمل من تاريخ الدخول أو الوطء بشبهة.

المادة (159): يثبت نسب المولود لأبيه إذا جاءت به الزوجة خلال سنة من تاريخ الفراق بطلاق أو فسخ أو وفاة.

المادة (160): يثبت نسب المولود لأبيه بالإقرار ولو في مرض الموت بالشروط التالية:

أ. أن يكون المقر له حياً مجهول النسب.

ب. أن لا يكذبه ظاهر الحال.

ج. أن يكون المقر بالغاً عاقلاً.

د. أن يكون فارق السن بين المقر والمقر له يحتمل صحة الإقرار.

ه. أن يصدق المقر له البالغ العاقل المقر.

المادة (161): الإقرار بالنسب يجوز أن يكون صريحاً أو ضمنياً.

المادة (162): لا يثبت النسب بالتبني، ولو كان الولد المتبنى مجهول النسب.

المادة (163):

أ. لا ينتفي النسب الثابت بالفراش بتصادق الزوجين على نفيه إلا بعد تمام لعان الزوج من غير توقف على لعان الزوجة.

ب. في الأحوال التي يثبت فيها نسب الولد بالفراش في زواج صحيح قائم أو منحل أو بالدخول في زواج فاسد أو بوطء بشبهة يجوز للرجل أن ينفي عنه نسب الولد أو الحمل باللعان، وللرجل أن يلاعن بمفرده لنفي النسب حال إقرار المرأة بالزنا.

ج. يمتنع على الرجل اللعان لنفي نسب الحمل أو الولد في أي من الحالات التالية:

  1. بعد مرور ستين يوماً على العلم بالولادة.
  2. إذا اعترف بالنسب صراحة أو ضمناً.
  3. إذا ثبت بالوسائل العلمية القطعية أن الحمل أو الولد له.

المادة (164): يجري اللعان بأن يقسم الرجل أربع أيمان بالله إنه صادق فيما رمى زوجته به من الزنا أو نفي الولد، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتقسم المرأة أربع أيمان بالله إنـه لمن الكـاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

المادة (165):

أ. يترتب على اللعان بين الزوجين فسخ عقد زواجهما.

ب. إذا كان اللعان لنفي النسب وحكم القاضي به انتفى نسب الولد عن الرجل، ولا تجب نفقته عليه ولا يرث أحدهما الآخر.

ج. إذا أكذب الزوج نفسه ولو بعد الحكم بنفي النسب يثبت نسب الولد له.

الفصل الثاني: الرضاع

المادة (166): تتعين الأم لإرضاع ولدها وتجبر على ذلك إذا لم يكن للولد ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعـة ولم توجد متبرعـة أو إذا لـم يجـد الأب من ترضعـه غيـر أمـه أو إذا كان لا يـقبل غيرها لإرضاعه.
المادة (167): إذا أبت الأم إرضاع ابنها في الأحوال التي لا يتعين عليها إرضاعه، فعـلى الأب أن يستأجر مرضعة ترضعه عندها.

المادة (168): لا تستحق أم الصغير حال قيام الزوجية أو في عدة الطلاق الرجعي أجـرة عـلى إرضاع ولدها، وتستحقها في عدة الطلاق البائن وبعدها.

المادة (169): الأم أحق بإرضاع ولدها ومقدمة على غيرها بأجرة المثل المتناسبة مع حال المكلف بنفقته ما لم تطلب أجرة أكثر ففي هذه الحالة لا يضـار المكلف بـالنفقة، وتفـرض الأجرة من تاريخ الإرضاع إلى إكمال الولد سنتين إن لم يفطم قبل ذلك.

الفصل الثالث: الحضانة والضم والمشاهدة

المادة (170): الأم النسبية أحق بحضانة ولدها وتربيته حال قيام الزوجية وبعد الفرقة، ثم بعد الأم ينتقل الحق لأمها ثم لأم الأب ثم للأب، ثم للمحكمة أن تقرر بناء على ما لديها من قرائن لصالح رعاية المحضون إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية.

المادة (171):

أ. يشترط في مستحق الحضانة أن يكون بالغاً عاقلاً سليماً من الأمراض المعدية الخطيرة أميناً على المحضون قادراً على تربيته وصيانته ديناً وخلقاً وصحة، وأن لا يضيع المحضون عنده لانشغاله عنه وأن لا يسكنه في بيت مبغضيه أو من يؤذيه وأن لا يكون مرتداً.

ب. مع مراعاة ما جاء في فقرة (أ) من هذه المادة يشترط في مستحق الحضانة إذا كان من النساء أن لا تكون متزوجة بغير محرم من الصغير.

ج. يشترط أن يكون الحاضن ذا رحم محرم للمحضون حال اختلاف الجنس.

المادة (172): يسقط حق الحضانة في الحالتين التاليتين:

أ. إذا اختل أحد الشروط المطلوب توافرها في مستحق الحضانة.

ب. إذا سكن الحاضن الجديد مع من سقطت حضانته بسبب سلوكه أو ردته أو إصابته بمرض معد خطير.
المادة (173):

أ. تستمر حضانة الأم إلى إتمام المحضون خمس عشرة سنة من عمره، ولغير الأم إلى إتمام المحضون عشر سنوات.

ب. يعطى حق الاختيار للمحضون بعد بلوغ السن المحددة في الفقرة (أ) من هذه المادة في البقاء في يد الأم الحاضنة حتى بلوغ المحضون سن الرشد.

ج. تمتد حضانة النساء إذا كان المحضون مريضاً مرضاً لا يستغني بسببه عن رعاية النساء ما لم تقتض مصلحته خلاف ذلك.

المادة (174): يعود حق الحضانة إذا زال سبب سقوطه ما لم تقتضِ مصلحة المحضون خلاف ذلك.

المادة (175): لا يؤثر سفر الولي أو الحاضنة بالمحضون إلى بلد داخل المملكة على حقه في إمساك المحضون ما لم يكن لهذا السفر تأثير على رجحان مصلحة المحضون، فإن ثبت تأثير السفر على مصلحة المحضون يمنع سفره وتنتقل حضانته مؤقتاً إلى من يليه من أصحاب حق الحضانة.

المادة (176): إذا كان المحضون يحمل الجنسية الأردنية فليس لحاضنته الإقامة به خارج المملكة أو السفر به خارج المملكة لغاية الإقامة إلا بموافقة الولي وبعد التحقق من تأمين مصلحة المحضون.

المادة (177):

أ. إذا كان السفر بالمحضون خارج المملكة لغاية مشروعة مؤقتة ولم يوافق الولي على سفره، فللقاضي أن يأذن للحاضن بالسفر بالمحضون بعد أن يتحقق من تأمين مصلحته وبيان مدة الزيارة وأخذ الضمانات الكافية لعودته بعد انتهاء الزيارة على أن تتضمن تقديم كفالة من أحد الأقارب حتى الدرجة الرابعة يستعد فيها الكفيل بالحبس حتى إذعان الحاضن بعودة المحضون مع منع سفر الكفيل حتى عودة المحضون إلى المملكة.

ب. إذا رغب الأب الحاضن في الإقامة بالمحضون خارج المملكة وامتنعت مستحقة الحضانة عنها أو سقط حقها فيها لأي سبب، فللأب السفر بالمحضون والإقامة به وفق أحكام الفقرة (ب) من المادة (181) من هذا القانون وبعد تقديم الضمانات التي توافق عليها المحكمة.

المادة (178):

أ. أجـرة الحضانة على المكلف بنفقة المحضون وتقدر بأجرة مثل الحاضنة على أن لا تزيد على قدرة المنفق ويحكم بها من تاريخ الطلب وتستمر إلى إتمام المحضون سن الخامسة عشرة من عمره.

ب. تستحق الحاضنة أجرة مسكن لحضانة المحضون على المكلف بنفقته ما لم يكن لها أو للصغير مسكن يمكنها أن تحضنه فيه.

ج. لا تستحق الأم أجرة للحضانة حال قيام الزوجية أو في عدة الطلاق الرجعي.

المادة (179): تفرض أجرة مسكن الحاضنة حسب قدرة المنفق يسراً وعسراً من تاريخ الطلب.

المادة (180): يمكن الحاضن من الاحتفاظ بأصل الوثائق أو المستندات الثبوتية الضرورية لقضاء مصالح المحضون أو صور مصدقة عنها حسب مقتضى الحال كشهادة الولادة وبطاقة التأمين الصحي.

 المـادة (181):

أ. لكل من الأم والأب الحق في مبيت المحضون الذي بلغ السابعة من عمره عنده خمس ليال في الشهر متصلة أو متفرقة، أما المحضون الذي لم يبلغ السابعة من عمره فلكل منهما وللجد لأب عند عدم وجود الأب الحق في رؤية المحضون واستزارته واصطحابه مرة في الأسبوع والاتصال به عبر وسائل الاتصال الحديثة المتوفرة عندما يكون في يد أحدهما أو غيرهما ممن له حق الحضانة، وللأجداد والجدات حق رؤية المحضون مرة في الشهر، وذلك كله إذا كان محل إقامة طرفي الدعوى والمحضون داخل المملكة.

ب. إذا كان محل إقامة الولي الحاضن والمحضون خارج المملكة فللمحكمة تحديد أو تعديل مكان وزمان وكيفية مبيت ورؤية المحضون واستزارته واصطحابه مرة في السنة على الأقل ثم يحدد ذلك كله مع مراعاة سن المحضون وظروفه وبما يحقق مصلحته ومصلحة طرفي الدعوى على أن لا يمنع الحكم الصادر في هذه الدعوى صاحب الحق في رؤية المحضون واستزارته واصطحابه من ذلك في محل إقامة المحضون.

 ج. إذا كان محل إقامة المحضون داخل المملكة ومحل إقامة صاحب حق المبيت والرؤية والاستزارة والاصطحاب خارجها فللمحكمة عند حضوره إلى المملكة تحديد أو تعديل مكان وزمان وكيفية المبيت ورؤية المحضون واستزارته واصطحابه المدة التي تراها مناسبة مراعية سن المحضون وظروفه وبما تراه محققاً لمصلحته ومصلحة طرفي الدعوى.

 د. لطالب المبيت والرؤية والاستزارة والاصطحاب والاتصال بالمحضون الاتفاق مع الحاضن على تحديد زمان ذلك ومكانه وكيفيته، فإذا لم يتفقا يعرض القاضي على الطرفين أو الطرف الحاضر منهما زماناً ومكاناً وكيفية لذلك ويستمع لأقوالهما أو الحاضر منهما بهذا الخصوص ثم يحدد ذلك كله مراعياً سن المحضون وظروفه، وبما يراه محققاً لمصلحته ومصلحة طرفي الدعوى.

 هـ. يتضمن حكم المبيت والرؤية والاستزارة والاصطحاب إلزام المحكوم له بإعادة المحضون إلى حاضنه بعد انتهاء المدة المقررة، وعلى المحكمة بناءً على طلب الحاضن منع سفر المحضون ضماناً لحقه.

 و. يلزم طالب المبيت والرؤية بدفع ما تقدره المحكمة من نفقات لتنفيذ المبيت والرؤية عند طلب الحاضن، ويستثنى من ذلك نفقات إحضار المحضون إلى المملكة.

المادة (182)

 أ. للقاضي تعديل زمان المبيت والرؤية والاستزارة والاصطحاب والاتصال بالمحضون ومكان ذلك وكيفيته إذا وجد ما يبرر ذلك عند الطلب وحسبما تقتضيه المصلحة.

ب. يجوز لطرفي الحكم الاتفاق على تعديل زمان ومكان ومدة وكيفية المبيت والرؤية والاستزارة والاصطحاب والاتصال بالمحضون أمام رئيس التنفيذ المنفذ لديه الحكم.

المـادة (183):

 أ. إذا امتنع الحاضن عن تمكين المحكوم له من المبيت أو الرؤية أو الاستزارة أو الاصطحاب أو الاتصال بالمحضون دون عذر وتكرر تخلفه أو امتناعه بعد إنذار رئيس التنفيذ له جاز لقاضي الموضوع بناءً على الطلب إسقاط الحضانة مؤقتاً ونقلها إلى من يليه من أصحاب حق الحضانة ولمدة محدودة لا تزيد على سنة وبما يراعي مصلحة المحضون.

ب. على من انتقل إليه حق الحضانة مؤقتاً تنفيذ حكم المبيت أو الرؤية أو الاستزارة أو الاصطحاب أو الاتصال كأنه صادر بحقه.

ج. إذا تكرر تخلف المحكوم له عن الموعد المضروب لتنفيذ الحكم بالمبيت أو بالرؤية أو الاستزارة أو الاصطحاب أو الاتصال دون عذر، جاز لرئيس التنفيذ بناء على الطلب وقف تنفيذ الحكم لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر.

المادة (184):

أ.  مع مراعاة أحكام الحضانة، للولي الحق في الإشراف على شؤون المحضون وتعهده، وفي اختيار نـوع التعليـم ومكانه وذلك في محل إقامة الحاضنة، ولا يجوز نقله من محل إقامتـها إلا بموافقتـها أو لضرورة تحقق مصلحة المحضون.

ب. على الولي والحاضنة العناية بشؤون المحضون في التأديب والتوجيه والرعاية.

المادة (185): للولي المحرم أن يضم إليه الأنثى إذا كانت دون الثلاثين من عمرها وكانت غير مأمونة على نفسها ما لم يقصد بالضم الكيد والإضرار بها.

المادة (186): تلزم الأم بالحضانة إذا تعينت لها، وإذا لم تتعين ورفضت حضانة أولادها يلزم القاضي الأصلح ممن له حق الحضانة بها.

الفصل الرابع: نفقات الأولاد

المادة (187): إذا لم يكن للولد مال فنفقته على أبيه لا يشاركه فيها أحد ما لم يكن الأب فقيراً عاجزاً عن النفقة والكسب لعلة بدنية أو عقلية.

المادة (188): إذا كان الأب غائباً ويتعذر تحصيل النفقة للولد منه، أو كان الأب فقيراً قادراً على الكسب لكن كسبه لا يزيد عن كفايته، أو كان لا يجد كسباً، يكلف بنفقة الولد من تجب عليه النفقة عند عدم وجود الأب، وتكون هذه النفقة ديناً للمنفق على الأب يرجع بها عليه متى حضر أو أيسر.
المادة (189): يراعى في تقدير نفقة الأولاد حال الأب يسراً أو عسراً على أن لا تقل عن حد الكفاية.
المادة (190): يلزم الأب الموسر بنفقة تعليم أولاده في جميع المراحل التعليمية بما في ذلك السنة التمهيدية قبل الصف الأول الأساسي وإلى أن ينال الولد أول شهادة جامعية على أن يكون الولد ذا أهلية للتعلم.

المادة (191):

أ. إذا اختار الولي المكلف بالإنفاق على المحضون تعليمه في المدارس الخاصة عدا السنة التمهيدية فلا يملك الرجوع عن ذلك إلا إذا أصبح غير قادر على نفقات التعليم الخاص أو وجد مسوغ مشروع لذلك.

ب. على الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة لا يجوز للولي المكلف بالإنفاق على المحضون الرجوع عن تعليمه في المدارس الخاصة التي اختارها لعدم قدرته على دفع نفقات هذا التعليم إذا قام الحاضن بدفع هذه النفقات على وجه التبرع ودون الرجوع بها على الولي أو المحضون.

المادة (192): يلزم الأب بنفقة علاج أولاده الذين تلزمه نفقتهم.

المادة (193): إذا كان الأب معسراً لا يقدر على أجرة الطبيب أو العلاج أو نفقة التعليم وكانت الأم موسرة قادرة على ذلك تلزم بها على أن تكون ديناً على الأب ترجع بها عليـه حين اليسار، وكذلك إذا كان الأب غائباً يتعذر تحصيلها منه.

المادة (194): إذا كان الأب والأم معسرين فعلى من تجب عليه النفقة عند عدم وجود الأب نفقة المعالجة أو التعليم على أن تكون ديناً على الأب يرجع المنفق بها عليه حين اليسار.

المـادة (195): تستمر نفقة الأنثى غير الموسرة بمالها أو كسبها إلى أن تتزوج، وتستمر نفقة الغلام إلى الحد الذي يتكسب فيه أمثاله.

المـادة (196): للحاضن أن يخاصم عن المحضون في دعاوى الحضانة والمبيت والرؤية والاستزارة والاصطحاب والنفقات حتى بلوغه سن الرشد كما أن له قبض النفقة.

الفصل الخامس: نفقة الوالدين والأقارب

المادة (197):

أ. تجب على الولد الموسر ذكراً كان أو أنثى كبيراً كان أو صغيراً نفقـة والديـه الفقيرين ولو كانا قادرين على الكسب.

ب. إذا كان الولد فقيراً لكنه قادر على الكسب يلزم بنفقة والديه الفقيرين، وإذا كان كسبه لا يزيد عن حاجته وحاجة زوجته وأولاده فيلزم بضم والديه إليه وإطعامهما مع عائلته.

المادة (198): تجب نفقة الصغار الفقراء وكل كبير فقير عاجز عن الكسب بعلة بدنية أو عقلية على من يرثهم من أقاربهم الموسرين بحسب حصصهم الإرثية، وإذا كان الوارث معسراً تفرض النفقة على من يليه في الإرث ويرجع بها على الوارث إذا أيسر.

المادة (199): عند الاختلاف في اليسار والإعسار في دعوى النفقات ترجح بينـة اليسار إلا فـي حالة إدعاء الإعسار الطارئ فترجح بينة مدعيه.

المادة (200): تفرض نفقة الأقارب اعتباراً من تاريخ الطلب.

المادة (201): إذا كان من فرضت عليه النفقة من الأصول أو الفروع أو الأقـارب غائبـاً أو حضـر المحاكمة وتغيب قبل الإجابة عن موضوع الـدعوى يحلـف طالـب النفقـة اليميـن على أنه لم يستوف النفقة سلفاً.

المادة (202): لا تسمع دعوى الزيادة أو النقص في نفقة الزوجة أو الأقارب المفروضة قبل مضي سنة على الحكم بها ما لم تحدث ظروف استثنائية.

 

الباب السابع: الأهلية والـولاية والوصاية

الفصل الأول: الأهلية

المادة (203)

أ. كل شخص يبلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية.

ب. وسن الرشد هي ثماني عشرة سنة شمسية كاملة.

المادة (204):

أ. لا يكون أهلاً لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التمييز لصغر في السن أو عته أو جنون.

ب. وكل من لم يكمل السابعة يعتبر فاقداً للتمييز.

المادة (205): كل من بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد، وكل من بلغ سن الرشد وكان سفيهاً أو ذا غفلة يكون ناقص الأهلية وفقاً لما يقرره القانون.

المادة (206):

أ. المعتوه هو الذي اختل شعوره بحيث يكون فهمه قليلًا وكلامه مختلطاً وتدبيره فاسداً.

ب. السفيه هو الذي ينفق ماله في غير موضعه، ويبذر في نفقاته، ويضيع أمواله ويتلفها بالإسراف خلافاً لما يقتضيه الشرع والعقل.

ج. ذو الغفلة هو الذي لا يهتدي إلى التصرفات النافعة فيغبن في المعاملات لبله فيه.

المادة (207): ليس لأحد النزول عن حريته الشخصية ولا عن أهليته أو التعديل في أحكامها.

المادة (208): كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون.

المادة (209): ليس للصغير غير المميز حق التصرف في ماله وتكون جميع تصرفاته باطلة.

المادة (210):

أ. تصرفات الصغير المميز صحيحة متى كانت نافعة نفعاً محضاً وباطلة متى كانت ضارة ضرراً محضاً.

ب. أما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر فتعقد موقوفة على إجازة الولي في الحدود التي يجوز فيها له التصرف ابتداء أو إجازة القاصر بعد بلوغه سن الرشد.

ج. وسن التمييز سبع سنوات كاملة.

المادة (211):

أ. الصغير والمجنون والمعتوه محجورون لذاتهم.

ب. أما السفيه وذو الغفلة فتحكم عليهما المحكمة وترفع الحجر عنهما وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في القانون ويبلغ قرار الحجر للمحجور ويعلن للناس.

ج. تُعلم دوائر التسجيل والأحوال المدنية والجهات ذات العلاقة في المملكة بأحكام الحجر القطعية الصادرة عن المحاكم الشرعية لمراعاة مضمونها.

المادة (212):

أ. 1. المعتوه هو في حكم الصغير المميز.

  1. المجنون المطبق هو في حكم الصغير غير المميز، أما المجنون غير المطبق فتصرفاته في حال إفاقته كتصرف العاقل.

ب. يتولى شؤون فاقد الأهلية أو ناقصها من يمثله سواء كان ولياً أو وصياً.

المادة (213):

أ. يسري على تصرفات المحجور للغفلة أو السفه ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام، ولكن ولي السفيه المحكمة أو من تعينه للوصاية عليه وليس لأبيه أو جدة أو وصيهما حق الولاية عليه.

ب. أما تصرفاته قبل الحجر فمعتبرة إلا إذا كانت نتيجة استغلال أو تواطؤ.

المادة (214):

أ. يكون تصرف المحجور عليه لسفه أو غفلة بالوقف أو بالوصية صحيحاً متى أذنته المحكمة في ذلك.

ب. وتكون أعمال الإدارة الصادرة عن المحجور عليه لسفه المأذون له بتسلم أمواله صحيحة في الحدود التي رسمتها الجهة التي أصدرت الإذن.

المادة (215): إذا كان الشخص أصم أبكم أو أعمى أصم أو أعمى أبكم وتعذر عليه بسب ذلك التعبير عن إرادته جاز للمحكمة أن تعين له وصياً معاوناً في التصرفات التي تقضي مصلحته فيها ذلك.
المادة (216):

أ. للولي بترخيص من المحكمة أن يسلم الصغير المميز إذا أكمل الخامسة عشرة سنة شمسية من عمره مقداراً من ماله ويأذن له في التجارة تجربة له، ويكون الإذن مطلقاً أو مقيداً.

ب. وإذا توفي الولي الذي أذن للصغير أو انعزل من ولايته لا يبطل إذنه.

المادة (217): الصغير المأذون في التصرفات الداخلة تحت الإذن كالبالغ سن الرشد.

المادة (218): للولي أن يحجر الصغير المأذون ويبطل الإذن، ويكون حجره على الوجه الذي أذنه به.

المادة (219):

أ.  للمحكمة أن تأذن للصغير المميز عند امتناع الولي عن الإذن، وليس للولي أن يحجر عليه بعد ذلك.

ب. وللمحكمة بعد الإذن أن تعيد الحجر على الصغير.

المادة (220): للمميز الذي أكمل الخامسة عشرة من عمره ولم يتم الثامنة عشرة أن يتسلم نفقته المحكوم له بها وله أهلية التصرف فيما سلم له.

المادة (221): إذا شارف من به عارض من عوارض الأهلية على بلوغ الثامنة عشر سنة شمسية من عمره، فلوليه أو وصيه إقامة دعوى بطلب الحجر عليه قبل ستة أشهر من بلوغه الثامنة عشرة، وإذا ثبت للمحكمة وجود العارض حكمت باستمرار الولاية أو الوصاية عليه لسبب من أسباب الحجر.

المادة (222): للمحجور عليه الحق في إقامة الدعوى بنفسه لرفع الحجر عنه.

الفصل الثاني: الولاية

المادة (223): مع مراعاة المادة (14) من هذا القانون، ولي الصغير هو أبوه ثم وصي أبيه ثم جده الصحيح ثم وصي الجد ثم المحكمة أو الوصي الذي نصبته المحكمة.

المادة (224):

أ. يشترط في الولي أن يكون عاقلاً راشداً أميناً قادراً على القيام بمقتضيات الولاية.

ب. لا ولاية لغير المسلم على المسلم.

المادة (225):

 أ. إذا جن الولي أو حكم عليه بالحجر توقف ولايته، وفي هذه الحالة يعين على القاصر وصي مؤقت إذا لم يكن له ولي آخر.

ب. يسترد الولي الولاية على المال بعد زوال سبب وقف ولايته بطلب يتقدم به إلى المحكمة.

ج. إذا غاب الولي مدة تزيد على ستة أشهر، فللمحكمة أن تعين وصياً مؤقتاً لمهمة محددة لتسيير المصالح الضرورية للقاصر.

المادة (226):

أ. مع مراعاة المادة (229) من هذا القانون، جميع القيود الواردة على سلطة الولي لا تسري بالنسبة للمال الذي آل منه إلى القاصر على سبيل التبرع ولو كان ذلك بطريق غير مباشر.

ب. للأم ولكل متبرع أن يشترط ما يقيد سلطة الولي أو الوصي في التصرف في المال المتبرع به وإدارته، وتراعى هذه الشروط ما أمكن وبما لا يضر بمصلحة القاصر.

المادة (227):

أ. الأب والجد إذا تصرفا في مال الصغير وكان تصرفهما بمثل القيمة أو بغبن يسير صح العقد ونفذ.

ب. أما إذا عرفا بسوء التصرف، فللمحكمة أن تقيد من ولايتهما أو أن تسلبهما هذه الولاية.

المادة (228): للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على الطلب سلب ولاية الولي أو تقييدها إذا توافرت مسوغات ذلك وأسبابه.

المادة (229):

أ. يجوز للأب أن يرهن ماله عند ولده الصغير، وفي حالة عدم وجود الأب، فللجد أبي الأب رهن ماله عند ذلك الصغير.

ب. وإذا كان للأب دين عند ابنه الصغير فله أن يرتهن لنفسه مال ولده.

ج. وللأب أو الجد أن يرهن مال الصغير بدين على الصغير نفسه.

د.  وله أن يرهن مال أحد أولاده الصغار لابنه الآخر الصغير بدين له عليه، على أن يأخذ إذن المحكمة في هذه الحالة وفي الحالتين المبينتين في الفقرتين (ب) و (ج) من هذه المادة.

ه. وليس للأب ولا للجد أن يرهن مال ولده الصغير بدين لأجنبي على الأب.

الفصل الثالث: الوصاية

المادة (230):

أ. للأب أن يعين وصياً مختاراً على ولده القاصر وعلى الحمل وعلى القاصرين من أولاد ابنه المحجور عليه، وله أن يرجع عن إيصائه ولو التزم بعدم الرجوع.

ب. إذا لم يكن للقاصر وصي مختار من الأب أو جد لأب أو وصي مختار من الجد لأب يعين له القاضي وصياً لإدارة شؤونه مراعياً في ذلك مصلحة القاصر.

ج.  يعين القاضي وصياً مؤقتاً لمهمة معينة أو لمدة محددة وفقاً لحاجة القاصر.

المادة (231): يشترط في الوصي وقت تعيينه وأثناء وصايته ما يلي:

أ. كمال الأهلية.

ب. القدرة على القيام بشؤون القاصر.

ج. أن لا يكون محكوماً عليه بجريمة مخلة بالآداب أو تمس الشرف أو النزاهة.

د. أن لا يكون قد أشهر إفلاسه أو أعلن إعساره.

ه. أن لا يكون قد سبق أن سلبت ولايته أو عزل من الوصاية على قاصر آخر.

و.  أن لا يكون بينه وبين القاصر نزاع قضائي.

المادة (232):

أ. يجوز أن يكون الوصي ذكراً أو أنثى منفرداً أو متعدداً مستقلاً أو معه مشرف.

ب. إذا تعدد الأوصياء فللقاضي حصر الوصاية في واحد منهم حسبما تقتضيه مصلحة القاصر.

ج. في حال ضم القاصر قانوناً إلى شخص أو إلى جهة رسمية مختصة لإيوائه ورعايته فللقاضي تعيين هذا الشخص أو ممثل هذه الجهة الرسمية إضافة لوظيفته وصياً مؤقتاً على القاصر لمدة وغاية محددتين.

المادة (233): يتقيد الوصي بالشروط والمهام المسندة إليه في حجة الوصاية.

المادة (234):

أ. يجب على الوصي إدارة أموال القاصر ورعايتها، وعليه أن يبذل في ذلك من العناية ما يطلب من الوكيل المأجور.

ب. الوصاية حسبة وتبرع، وللمحكمة بناء على طلب الوصي أن تحدد له أجراً ثابتاً أو مكافأة عن عمل معين.

المادة (235):

أ. للمحكمة أن تلزم الوصي بتقديم الضمانات اللازمة وفقاً لظروف كل حالة، وتكون نفقات هذه الضمانات على حساب القاصر.

ب. تخضع تصرفات الوصي لرقابة المحكمة.

ج. إذا عين مشرف لمراقبة أعمال الوصي يتولى مراقبة الوصي في إدارة شؤون القاصر، وعليه إبلاغ النيابة العامة الشرعية عن كل أمر تقضي مصلحة القاصر رفعه إليها.

المادة (236): عقود الإدارة الصادرة من الوصي في مال الصغير تكون صحيحة نافذة ولو كانت بغبن يسير، ويعتبر من عقود الإدارة بوجه خاص الإيجار إذا لم تزد مدته على ثلاثة سنوات وأعمال الحفظ والصيانة واستيفاء الحقوق وإيفاء الديون وبيع المحصولات الزراعية وبيع المنقول الذي يسرع إليه التلف والنفقة على الصغير.

المادة (237): التصرفات الصادرة من الوصي في مال الصغير والتي لا تدخل في أعمال الإدارة كالبيع والرهن والقرض والصلح وقسمة المال الشائع واستثمار النقود لا تصح إلا بإذن من المحكمة المختصة وبالطريقة التي تحددها.

المادة (238):

أ. يجوز للوصي بإذن المحكمة أن يرهن مال الصغير أو المحجور عند أجنبي بدين له على أيهما.

ب. ولا يجوز له أن يرهن ماله عند الصغير أو المحجور ولا ارتهان مال أيهما لنفسه.

المادة (239): على الوصي تقديم تقرير كل ستة أشهر على الأقل للمحكمة وحسبما تقتضيه طبيعة العمل الذي يتولى إدارته.

المادة (240): إذا تخلى الوصي عن الوصاية، فللمحكمة قبول استقالته وتعيين آخر مكانه، وعلى المحكمة محاسبة ذلك الوصي.
المادة (241): تنتهي الوصاية في الأحوال التالية:

أ. إتمام القاصر الثامنة عشرة سنة شمسية من عمره إلا إذا تقرر استمرار الوصاية عليه.

ب. عودة الولاية للولي الشرعي.

ج. فقد الوصي لأهليته.

د. ثبوت غيبة الوصي.

ه. موت الوصي.

و. موت القاصر.

ز. ولادة الحمل ميتاً أو ولادته حياً إذا وجد الولي الشرعي عليه.

ح. انتهاء الغاية من الوصاية المؤقتة.

ط. قبول استقالة الوصي أو عزله.

المادة (242): يعزل الوصي في أي من الحالات التالية:

أ. إذا اختل شرط من الشروط الواجب توافرها فيه ولو كان هذا السبب قائماً وقت تعيينه.

ب. إذا أساء الوصي الإدارة أو أهمل فيها أو صار في بقاء وصايته خطر على مصلحة القاصر.

المادة (243): على الوصي عند انتهاء مهمته تسليم أموال القاصر وكل ما يتعلق بها من حسابات ووثائق إلى من يعنيه الأمر تحت إشراف المحكمة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ انتهاء مهمته.

المـادة (244): إذا مات الوصي أو حجر عليه أو حكم باعتباره غائباً أو مفقوداً التزم ورثته أو من ينوب عنه على حسب الأحوال إخبار المحكمة فوراً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتسلم أموال القاصر وحماية حقوقه.

الفصل الرابع: الغائب والمفقود

المادة (245): الغائب: هو الشخص الذي لا يعرف موطنه أو محل إقامته وحالت ظروف دون إدارته شؤونه المالية بنفسه أو بوكيل عنه مدة سنة فأكثر وترتب على ذلك تعطيل مصالحه أو مصالح غيره وصدر حكم بذلك.

المادة (246): المفقود هو الشخص الذي لا تعرف حياته أو مماته وصدر حكم بذلك.

المادة (247):

أ. يعين القاضي بناء على الطلب قيماً لإدارة أموال الغائب والمفقود.

ب. تحصى أموال الغائب أو المفقود عند تعيين قيم وتدار بالطريقة التي تدار بها أموال القاصر.

المادة (248): ينتهي الفقدان:

أ. إذا تحققت حياة المفقود أو وفاته.

ب. إذا حكم باعتبار المفقود ميتاً.

المادة (249): يحكم بموت المفقود إذا كان فقده في جهة معلومة ويغلب على الظن موته بعد مرور أربع سنين من تاريخ فقده، أما إذا كان فقده إثر كارثة كزلزال أو غارة جوية أو في حالة اضطراب الأمن وحدوث الفوضى وما شابه ذلك فيحكم بموته بعد سنة من فقده.

المادة (250): إذا فقد في جهة غير معلومة ولا يغلب على الظن هلاكه فيفوض أمر المدة التي يحكم بموته فيها إلى القاضي على أن تكون تلك المدة كافية في أن يغلب على الظن موته، ولا بد من التحري عنه بالوسائل التي يراها القاضي كافية للتوصل إلى معرفة ما إذا كان حياً أو ميتاً.

المادة (251): يعدُ صدور الحكم بموت المفقود تاريخاً لوفاته.

المادة (252): الحكم بموت المفقود يترتب عليه ما يلي:

أ. تعتد زوجته اعتباراً من تاريخ الحكم عدة الوفاة.

ب. تقسم تركته بين ورثته الموجودين وقت الحكم.

المادة (253): إذا حكم بوفاة المفقود ثم تحققت حياته:

أ. يرجع على الورثة بتركته ما عدا ما استهلك منها.

ب. تعود زوجته إلى عصمته ما لم تتزوج ويقع الدخول بها.

 

الباب الثامن: الوصية

الفصل الأول: أحكام عامة

المادة (254): الوصية تصرف بالتركة مضاف إلى ما بعد موت الموصي.

المادة (255): التصرفات التي تصدر في مرض الموت بقصد التبرع والمحاباة تلحق بالوصية وتسري عليها أحكامها.

المادة (256): تنعقد الوصية بالعبارة إن كان الموصي قادراً عليها وإلا فبالكتابة، فإذا كان الموصي عـاجزاً عنـهما انعقدت بالإشارة المعلومة.

المادة (257): تلزم الوصية بقبولها من الموصى له صراحة أو دلالة بعد وفاة الموصي، وترد بردها صراحة بعد وفاة الموصي.

المادة (258): يجوز للموصي الرجوع عن الوصية كلها أو بعضها على أن يكون الرجوع صريحاً ومسجلاً لدى جهة رسمية.

المادة (259):

أ. إذا كان الموصى له جنيناً أو فاقد الأهلية يكون قبول الوصية ممن له الولاية أو الوصاية على ماله.

ب. إذا كان الموصى له محجوراً عليه لسفه أو ناقص الأهلية، صح قبوله الوصية.

ج. يكون رد الوصية للجنين وناقصي الأهلية وفاقديها لمن له الولاية أو الوصاية على أموالهم بإذن المحكمة.

د. إذا لم يوجد من يقبل الوصية عن ناقصي الأهلية وفاقديها، فيكون لهم القبول والرد بعد زوال مانع القبول أو الرد.

المادة (260): إذا كان الموصى لهم غير محصورين أو جهة ذات صفة اعتبارية لزمت الوصية دون توقف على القبول، سواء أكان لهم من يمثلهم قانوناً أم لا.

المادة (261):

أ. لا يشترط في القبول أو في الرد أن يكون فور موت الموصي.

ب. إذا لم يبد الموصى له رأياً بالقبول أو الرد، واستطال الوارث أو من له تنفيذ الوصية ذلك أو خشي استطالته، فله أن يعذر إليه بواسطة المحكمة بمذكرة خطية تشتمل على تفصيل كاف عن الوصية، ويطلب إليه قبولها أو ردها، ويحدد له أجل لا يقل عن شهر، فإن لم يجب قابلاً أو راداً ولم يكن له عذر مقبول في عدم الإجابة يكون راداً لها حكماً.

المادة (262):

أ. إذا قبل الموصى له بعض الوصية ورد بعضها الآخر، لزمت الوصية فيما قبل وبطلت فيما رد وتعود إرثاً.

ب. إذا قبل بعض الموصى لهم الوصية وردها الباقون، لزمت بالنسبة لمن قبل وبطلت بالنسبة لمن رد وتعود إرثاً، وتسري أحكام هذه المادة ما لم يشترط الموصي عدم التجزئة صراحة أو فهم شرطه من سياق الوصية.

المادة (263):

أ. إذا مات الموصى له قبل قبول الوصية أو ردها قام ورثته مقامه في ذلك.

ب. إذا تعدد الورثة، تجزأت الوصية بنسبة حصصهم، ولكل منهم قبول حصته كلها أو بعضها أو رد حصته من الوصية.

المادة (264): إذا قبل الموصى له الوصية فلا يسوغ رده لها بعد ذلك.

المادة (265):

أ. إذا أفاد نص الوصية وقت استحقاقها بدأت منه، وإلا بدأت من حين موت الموصي.

ب. تكون زوائد الموصى به من حين وفاة الموصي إلى القبول للموصى له، ولا تعتبر وصية، وعلى الموصى له نفقة الموصى به في تلك المدة.

المادة (266): الوصية لا تصح إلا مضافة لما بعد الموت، ويصح تعليقها على شرط.

المادة (267):

أ. تجوز الوصية المقترنة بالشرط، ويجب مراعاته إذا كان صحيحاً ما دامت المصلحة فيه قائمة.

ب. الشرط الصحيح هو ما كان فيه مصلحة للموصي أو الموصى له أو لغيرهما ولم يكن منافياً لمقاصد الشريعة.

ج. لا يراعى الشرط إن كان غير صحيح أو زالت المصلحة المقصودة منه.

المادة (268): لا تسمع عند الإنكار دعوى الوصية أو الرجوع عنها بعد وفاة الموصي إلا إذا وجدت أوراق رسمية بذلك.

الفصل الثاني: الموصي

المادة (269):

أ. يشترط في الموصي أن يكون أهلاً للتبرع، بالغاً عاقلاً رشيداً.

ب. إذا كان الموصي محجوراً عليه للسفه أو الغفلة جازت وصيته بإذن المحكمة.

ج. لا تبطل الوصية بالحجر على الموصي للسفه أو الغفلة.

د. لا تبطل الوصية بجنون الموصي جنوناً مطبقاً متصلاً بالموت.

الفصل الثالث: الموصى له

المادة (270): يشترط في الموصى له:

أ. أن يكون معلوماً.

ب. إذا كان معيناً بالتعيين، فيشترط وجوده وقت الوصية، أما إذا كان معرفاً بالوصف فلا يشترط وجوده وقت الوصية، وذلك مع مراعاة أحكام المادة (275) من هذا القانون.

المادة (271): تصح الوصية لشخص معين سواءً أكان موجوداً أم منتظر الوجود، وتصح لفئة محصورة أو غير محصورة، وتصح لوجوه البر والمؤسسات الخيريـة والعلميـة والـهيئات العـامة.

المادة (272):

أ. تبطل الوصية بموت الموصى له المعين قبل موت الموصي.

ب. تبطل الوصية إذا مات الموصي والموصى له معاً أو جهل أيهما أسبق وفاة.

المادة (273): يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية أو الوصية الواجبة قتل الموصى له الموصي أو المورث قتلاً مانعاً من الإرث.

المادة (274):

أ. تصح الوصية مع اختلاف الدين أو الجنسية.

ب. تنفذ الوصية في حدود ثلث التركة لغير الوارث، أما ما زاد عن ذلك فلا تنفذ فيه الوصية إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي.

ج. لا تنفذ الوصية للوارث إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي.

المادة (275): إذا كان الموصى له جهة من الجهات، فتكون أحكام الوصية على النحو التالي:

أ. تصح الوصية للمساجد والمؤسسات الخيرية الإسلامية وغيرها من جهات البر والمؤسسات العلمية والمصالح العامة والوقف، وتصرف في عمارتها ومصالحها وفقرائها وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين المصرف بعرف أو دلالة.

ب. تصح الوصية لله تعالى ولأعمال البر دون تعيين جهة، وتصرف عندئذ في وجوه الخير.

ج. تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر التي ستوجد مستقبلاً، فإن تعذر وجودها بطلت الوصية.

المادة (276):

أ. تصح الوصية للحمل على أن يولد لسنة فأقل من وقت الوصية، وتوقف غلة الموصى به إلى أن ينفصل حياً فتكون له.

ب. إذا كانت الوصية لحمل من معين اشترط ثبوت نسبه لذلك المعين.

ج. ينفرد الحي من التوأمين بالموصى به إذا وضعت المرأة أحدهما ميتاً.

الفصل الرابع: الموصى به

المادة (277):

أ. تجوز الوصية إذا كان الموصى به مالاً معلوماً متقوماً مملوكاً للموصي شائعاً أو معيناً أو منفعة.

ب. تجوز الوصية بحق التصرف بالأراضي الأميرية.

المادة (278): يشترط في صحة الوصية ألا تكون في معصية أو في منهي عنه شرعاً.

الفصل الخامس: الوصية الواجبة

المادة (279): إذا توفي شخص وله أولاد ابن وقد مات ذلك الابن قبله أو معه وجب لأحفاده هؤلاء في ثلث تركته وصية بالمقدار والشروط التالية:

أ. تكون الوصية الواجبة بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم عن أصله المتوفى على فرض موت أبيهم إثر وفاة أصله المذكور على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة.

ب. لا يستحق الأحفاد وصية إن كانوا وارثين لأصل أبيهم جداً كان أو جدة إلا إذا استغرق أصحاب الفروض التركة.

ج. لا يستحق الأحفاد وصية إن كان جدهم قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقونه بهذه الوصية الواجبة، فإذا أوصى لهم أو أعطاهم أقل من ذلـك وجبت تكملته، وإن أوصى لهم بأكثر كان الزائـد وصيـة اختياريـة، وإن أوصى لبعضهم فقد وجب للآخر بقدر نصيبـه.

د. تكون الوصية لأولاد الابن ولأولاد ابن الابن وإن نزل واحداً أو أكثر للذكر مثل حظ الأنثيين يحجب كل أصل فرعه دون فرع غيره، ويأخذ كل فـرع ما يستحقه من نصيب أصله فقط.

ه. الوصية الواجبة مقدمة على الوصايا الاختيارية في الاستيفاء من ثلث التركة.

 

الباب التاسع: الإرث

الفصل الأول: أحكام عامة

المادة (280): يشترط في استحقاق الإرث موت المورث حقيقة أو حكماً وحياة الوارث وقت موت المورث.
المادة (281):

أ. يحرم من الإرث من قتل مورثه عمداً عدواناً سواء أكان فاعلاً أصلياً أم شريكاً أم متسبباً شريطة أن يكون القاتل عند ارتكابه الفعل عاقلاً بالغاً.

ب. لا توارث مع اختلاف الدين فلا يرث غير المسلم المسلم.

ج. يرث المسلم المرتد.

المادة (282): إذا مات اثنان أو أكثر وكان بينهم توارث ولم يعرف أيهم مات أولاً فلا استحقاق لأحدهم في تركة الآخر.

المادة (283): يكون الإرث بالفرض أو بالتعصيب أو بهما معا أو بالرحم.

المادة (284): إذا لم يوجد وارث للميت ترد تركته المنقولة وغير المنقولة إلى وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية.

الفصل الثاني: أصحاب الفروض

المادة (285): أصحاب الفروض اثنا عشر، أربعة من الذكور، وهم الأب والجد لأب وإن علا والزوج والأخ لأم، وثمان من النساء، وهن الأم والزوجة والبنت وبنت الابن وإن نزل والأخت لأبوين والأخت لأب والأخت لأم والجدة.

المادة (286): للأب ثلاثة أحوال:

أ. السدس وهو الفرض المطلق وذلك إذا كان للميت ابن فأكثر أو ابن ابن فأكثر وإن نزل.

ب. السدس والباقي وهو الفرض والتعصيب وذلك إذا كان للميت بنت أو بنت ابن وإن نزل واحدة كانت أو أكثر.

ج. التعصيب المحض وهو إذا لم يكن للميت أولاد أو أولاد ابن وإن نزلوا.

المادة (287): لـلأم ثلاثة أحوال:

أ. السدس إذا كان للميت ولد أو ولد ابن وإن نزل أو اثنان من الأخوة والأخوات فأكثر من أي جهة كانوا.

ب. ثلث الكل عند عدم من ذكر وعدم اجتماع أحد الزوجين مع الأبوين.

ج. ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين مع الأب وذلك إذا انحصر الميراث في الأبوين وأحد الزوجين.

المادة (288): لـلزوج حالتان:

أ. النصف إن لم يكن لزوجته المتوفاة فرع وارث.

ب. الربع إن كان لزوجته المتوفاة فرع وارث.

المادة (289): للزوجة أو الزوجات حالتان:

أ. الربع إن لم يكن للزوج فرع وارث.

ب. الثمن إن كان له فروع وارث.

المادة (290):

أ. الجد كالأب في حالاته الثلاث إلا أنه يحجب بوجود الأب، فأما إن اجتمع مع الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب كان له حالتان:

  1. أن يقاسمهم كأخ إن كانوا ذكورا فقط، أو ذكوراً وإناثاً، أو إناثاً عصبن مع الفرع الوارث من الإناث.
    2. أن يأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض بطريق التعصيب إذا كان مع أخوات لم يعصبن بالذكور، أو مع الفرع الوارث من الإناث.

ب. على أنه إذا كانت المقاسمة أو الإرث بالتعصيب على الوجه المتقدم تحرم الجد من الإرث أو تنقصه عن السدس اعتبر صاحب فرض بالسدس.

ج. لا يعتبر في المقاسمة من كان محجوباً من الأخوة أو الأخوات لأب.

المادة (291): لـلجدات حالتان:

أ. السدس سواء كانت الجدة لأم أو لأب واحدة كانت أو أكثر.

ب. يحجبن بالأم جميعاً وتحجب الجدة الأبوية بالأب وبالجد العاصب إذا كانت أصلاً له وتحجب الجدة البعيدة بالجدة القريبة.

المادة (292): لـلبنات الصلبيات ثلاثة أحوال:

أ. النصف للواحدة إذا انفردت.

ب. الثلثان للاثنتين فأكثر.

ج. التعصيب مع الابن فأكثر بالتفاضل للذكر مثل حظ الأنثيين.

المادة (293): لبنات الابن ستة أحوال:

أ. النصف للواحدة إذا انفردت.

ب. الثلثان للاثنتين فأكثر.

ج. السدس للواحدة فأكثر تكملة للثلثين إن كان للميت بنت صلبية واحدة أو بنت ابن أعلى منها درجة.

د. الإرث بالتعصيب وفق أحكام البند (2) من الفقرة (ب) من المادة (297) من هذا القانون.

هـ. تحجب سواء كانت واحدة أو أكثر إن كان للميت بنتان فأكثر أو بنتا ابن أعلى منها درجة.

و. تحجب سواء كانت واحدة أو أكثر بالابن وابن الابن وإن نزل إذا كان أعلى منها درجة.

المادة (294): للأخوات الشقيقات خمسة أحوال:

أ. النصف للواحدة إذا انفردت.

ب. الثلثان للاثنتين فأكثر.

ج. الباقي بالتعصيب مع الغير وفق أحكام الفقرة (ج) من المادة (297) من هذا القانون.

د. التعصيب مع إخوتهن الأشقاء بالتفاضل للذكر مثل حظ الأنثيين.

هـ. يحجبن إذا كان للميت أب أو ابن أو ابن ابن وإن نزل.

المادة (295): للأخوات لأب سبعة أحوال:

أ. النصف للواحدة إذا انفردت.

ب. الثلثان للاثنتين فأكثر.

ج- السدس للواحدة فأكثر مع الأخت الشقيقة الواحدة.

د- التعصيب مع الأخ لأب بالتفاضل للذكر مثل حظ الأنثيين.

ه- الباقي بالتعصيب مع الغير وفق أحكام الفقرة (ج) من المادة (297) من هذا القانون.

و- يحجبن بالأب وبالابن وابن الابن وإن نزل وبالأخ الشقيق وبالشقيقة إن كانت مع بنات الصلب أو مع بنات الابن.

ز- يحجبن بالأختين الشقيقتين إذا لم يكن معهن عاصب.

المادة (296): للإخوة لأم والأخوات لأم أربعة أحوال:

أ. السدس إذا كان واحداً ذكراً كان أو أنثى.

ب. الثلث للاثنين فأكثر ذكورهم وإناثهم في القسمة سواء.

ج. يحجبون مع الفرع الوارث مطلقاً والأصل الوارث المذكر.

د. يشارك الأخ الشقيق أو الأخوة الأشقاء (بالانفراد أو مع أخت شقيقة أو أكثر) الإخوة والأخوات لأم إذا كانوا اثنين فأكثر في الثلث، وذلك إذا استغرقت الفروض التركة، ذكورهم وإناثهم في القسمة سواء.

الفصل الثالث: العصبات

المادة (297): العصبة ثلاثة أنواع:

أ. العصبة بالنفس جهات مقدم بعضها على بعض حسـب الترتيب التالـي:

  1. البنوة وتشمل الأبناء وأبناء الابن وإن نزل.
  2. الأبوة وتشمل الأب والجد لأب وإن علا.
  3. الإخوة وتشمل الإخوة الأشقاء أو لأب وبنيهم وإن نزلوا.
  4. العمومة وتشمل أعمام المتوفى لأبوين أو لأب وأعمام أبيه وأعمام الجد لأب وإن علا أشقاء أو لأب وأبناء الأعمام أشقاء أو لأب وإن نزلوا.

ب. العصبـة بالغير:

  1. البنت فأكثر مع الابن فأكثر.
  2. بنت الابن وإن نزل واحدة فأكثر مع ابن الابن فأكثر سواء كان في درجتها أو أنزل منها واحتاجت إليه.
  3. الأخت الشقيقة فأكثر مع الأخ الشقيق فأكثر.
  4. الأخت لأب فأكثر مع الأخ لأب فأكثر.

ويكون الإرث في هذه الأحوال بينهم بالتفاضل للذكر مثل حظ الأنثيين.

ج. العصبة مع الغير: الأخت الشقيقة أو لأب واحدة أو أكثر مع البنت أو بنت الابن واحدة فأكثر، وهي في هذه الحالة كالأخ في استحقاق الباقي وفي حجب باقي العصبات.

المادة (298): يستحق العاصب بالنفس التركة إذا لم يوجد أحد من ذوي الفروض ويستحق ما بقي منها إن وجد ولا شيء له إذا استغرقت الفروض التركة.

المادة (299):

أ. يقدم في التعصيب الأولى جهة حسب الترتيب الوارد في الفقرة (أ) من المادة (297) من هذا القانون ثم الأقرب درجة إلى المتوفى عند اتحاد الجهـة ثم الأقوى قرابة عند التساوي في الدرجة.

ب. يشترك العصبات في استحقاق الإرث عند اتحادهم في الجهة وتساويهم فــي الدرجة والقوة.

الفصل الرابع: الوارثون بالفرض والتعصيب

المادة (300) الوارثون بالفرض والتعصيب هم:

أ. الأب أو الجد لأب مع البنت المنفردة أو بنت الابن وإن نزل أبوها.

ب. الزوج إذا كان ابن عم للمتوفاة يأخذ نصيبه فرضاً وما يستحقه ببنوة العمومة تعصيباً.

ج. الأخ لأم واحد أو أكثر إذا كان ابن عم للمتوفى يأخذ نصيبه فرضاً وما يستحقه ببنوة العمومة تعصيباً.

الفصل الخامس: ذوو الأرحام

المادة (301): ذوو الأرحام لا يرثون إلا عند عدم أصحاب الفروض والعصبات وهم أربعة أصناف مقدم بعضها على بعض في الإرث حسب الترتيب التالي:

أ. الصنف الأول: أولاد البنات وإن نزلوا وأولاد بنات الابن وإن نزلوا.

ب. الصنف الثاني: الأجداد الرحميون وأن علوا والجدات الرحميات وإن علون.

ج. الصنف الثالث:

  1. أولاد الإخوة لأم وأولادهم وإن نزلوا.
  2. أولاد الأخوات مطلقاً وإن نزلوا.
  3. بنات الإخوة مطلقاً وإن نزلوا.
  4. بنات أبناء الإخوة مطلقاً وإن نزلن وأولادهن وإن نزلوا.

د. الصنف الرابع: يشمل ست فئات مقدم بعضها على بعض في الإرث حسـب التـرتيب التالـي:

  1. أعمام المتوفى لأم وعماته مطلقا وأخواله وخالاته مطلقاً.
  2. أولاد من ذكروا في البند (1) من هذه الفقرة وإن نزلوا وبنات أعمام الميت لأبوين أو لأب وبنات أبنائهم وإن نزلوا وأولاد من ذكرن وإن نزلوا.
  3. أعمام أب المتوفى لأم وعمات وأخوال وخالات أبيه مطلقاً (قرابة الأب) وأعمام وعمات وأخوال وخالات أم المتوفى مطلقاً (قرابة الأم).
  4. أولاد من ذكروا في البند (3) من هذه الفقرة وإن نزلوا وبنات أعمام أب المتوفـى لأبوين أو لأحدهما وبنات أبنائهم وإن نزلوا وأولاد من ذكروا وإن نزلوا.
  5. أعمام أبي أبي المتوفى لأم وأعمام أم أبيه وعمات أبـوي أبيه وأخوالهـما وخالاتهما مطلقاً (قرابة الأب): وأعمام أبوي أم المتوفى وعماتهما وأخوالهـما وخالاتهما مطلقاً (قرابة الأم).
  6. أولاد من ذكروا في البند (5) من هذه الفقرة وإن نزلوا وبنات أعمام أبي أبي المتوفى لأبوين أو لأحدهما وبنات أبنائهم وإن نزلوا وأولاد من ذكروا وإن نزلوا وهكذا.

المادة (302):

أ. الصنف الأول من ذوي الأرحام أولاهم بالميراث أقربهم درجة إلى المتوفــى.

ب. إذا تساووا في الدرجة فولد صاحب الفرض أولى من ولد ذي الرحم.

ج. إذا كانوا جميعاً أولاد صاحب فرض أو لم يكـن فيهـم ولـد صـاحب فـرض اشتركوا في الإرث.

المادة (303):

أ. الصنف الثاني من ذوي الأرحام أولاهم بالميراث أقـربهم درجـة إلى المتوفـى.

ب. إذا تساووا في الدرجة قدم من كان يدلي بصاحب فرض.

ج. إذا تساووا في الدرجة وليس فيهم من يدلي بصاحب فرض أو كانوا كـلهم يدلـون بصاحب فرض فإن كانوا جميعاً من جهة الأب أو من جهة الأم اشتركوا في الإرث، وإن اختلفت جهاتهم فالثلثان لقرابة الأب والثلث لقرابة الأم.

المادة (304):

أ. الصنف الثالث من ذوي الأرحام أولاهم بالميراث أقربهم درجة إلى المتوفـى.

ب. إذا تساووا في الدرجة وكان بعضهم ولد وارث وبعضهم ولد ذي رحم قـدم الأول على الثاني وإلا فيقدم أقواهم قرابة للمتوفى، فمن كان أصله لأبوين فهـو أولى ممن كان أصله لأحدهما ومن كان أصله لأب فهو أولى ممن كان أصله لأم، فإن اتحدوا في الدرجة وقوة القرابة اشتركوا في الإرث.

المادة (305): إذا انفرد في الفئة الأولى من فئات الصنف الرابع من ذوي الأرحام المبينة في هذا القانون قرابة الأب وهم أعمام المتوفى لأم وعماته مطلقاً أو قرابة الأم وهم أخوال المتوفى وخالاته مطلقاً قدم أقواهم قرابة، فمن كان لأبوين فهـو أولـى ممن كان لأحدهما، ومن كان لأب فهو أولى ممن كان لأم، وإن تساووا في قوة القرابة اشتركوا في الإرث، وعند اجتماع الفريقين يكون الثلثان لقرابة الأب والثلث لقرابة الأم ويقسم نصيب كل فريق على النحو المتقدم.

المادة (306): تطبق أحكام المادة (305) من هذا القانون على الفئتين الثالثة والخامسة.

المادة (307): يقدم في الفئة الثانية الأقرب منهم درجة على الأبعد ولو كان من غير جهة قـرابتـه، وعند تساوي واتحاد جهة القرابة يقدم الأقوى إن كانوا جميعاً أولاد عاصب أو أولاد ذي الرحم، وعند اختلاف جهة القرابة يكون الثلثان لقرابة الأب والثلث لقرابـة الأم، فما ناله كل فريق يقسم بينهم بالطريقة المتقدمة.

المادة (308): تطبق أحكام المادة (307) من هذا القانون على الفئتين الرابعة والسادسة.

المادة (309): لا اعتبار لتعدد جهات القرابة في وارث من ذوي الأرحام إلا عند اختلاف الجانب.

المادة (310): ذوو الأرحام ذكورهم وإناثهم في القسمة سواء.

الفصل السادس: الحجب والرد والعول

المادة (311):

أ. الحجب حرمان وارث من كل الميراث أو من بعضه.

ب. المحجوب من الإرث قد يحجب غيره بخلاف الممنوع من الإرث فلا يحجب غيره.

المادة (312): إذا لم تستغرق الفروض التركة ولم يوجد عصبة من النسب رد الباقي على أصحاب الفروض بنسبة فروضهم بمن فيهم الحي من الزوجين.

المادة (313): العول نقص في أنصبة ذوي الفروض بنسبة فروضهم إذا زادت السهام على أصل المسألة.
الفصل السابع: التخارج

المادة (314): التخارج هو أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث على شيء معلوم.

المادة (315): إذا تخارج أحد الورثة مع آخر منهم استحق نصيبه وحل محله في التركة.

المادة (316) لا يشمل عقد المخارجة كل مال يظهر للميت بعد العقد ولم يكن المتخارج على علم به وقت العقد.

المادة (317): التخارج يقبل الإقالة بالتراضي.

المادة (318): لا يسري التخارج على الأموال غير المنقولة الموروثة من الغير إلا إذا تم إجراء معاملة الانتقال عليها باسم المورث قبل تسجيل حجة التخارج ما لم ينص في الحجة على خلاف ذلك صراحة.

المادة (319): يصدر قاضي القضاة تعليمات تنظيم وتسجيل حجج التخارج على أن تتضمن المدة الواجب انقضاؤها بين وفاة المورث وإجراء التخارج الخاص أو العام عن تركته.

الفصل الثامن: أحكام ختـامية

المادة (320): لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن الآخر.

المادة (321):

أ. ينشأ لدى دائرة قاضي القضاة صندوق يسمى (صندوق تسليف النفقة) يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، غايته تسليف النفقة المحكوم بها وإدانتها للمحكوم له الذي تعذر عليه تحصيل تلك النفقة المحكوم بها.

ب. يحل الصندوق محل المحكوم له أو المحكوم عليه فيما لهم من حقوق مالية لتحصيل المبالغ التي سلفها مع المصاريف، وله الحق في إقامة الدعاوى لدى المحاكم المختصة لاسترداد أمواله من المحكوم عليه أو المحكوم له حسب مقتضى الحال.

ج. تحدد كيفية إدارة الصندوق وآلية عمله وكيفية التسليف والتسديد وموارده من رسوم ومنح وهبات ومساعدات وغيرها بموجب نظام يصدر لهذه الغاية.

د.  تعفى جميع معاملات ودعاوى وأملاك الصندوق من الضرائب والرسوم الحكومية والبلدية والطوابع على اختلاف أنواعها.

المادة (322): المراد بالسنة الواردة في هذا القانون هي السنة القمرية ما لم ينص فيه على غير ذلك.

المـادة (323): يرجع في فهم نصوص مواد هذا القانون وتفسيرها وتأويلها ودلالتها إلى أصول الفقه الإسلامي.

المادة (324): تطبق نصوص هذا القانون على جميع المسائل التي تناولتها في لفظها أو في فحواها ويرجع في تفسيرها واستكمال أحكامها إلى المذهب الذي استمدت منه.

المادة (325): ما لا ذكر له في هذا القانون يرجع فيه إلى الراجح من مذهب أبي حنيفة، فإذا لم يوجد حكمت المحكمة بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون.

المادة (326):

أ. تسري أحكام هذا القانون على جميع الدعاوى التي لم يفصل فيها من المحكمة الابتدائية الشرعية.

ب حوادث الطلاق التي وقعت قبل نفاذ هذا القانون واتصل بها حكم أو قرار سجل لدى المحكمة لا تشملها أحكام هذا القانون، أما إذا وقعت قبل نفاذه ولم تقترن بحكم أو قرار مسجل تطبق عليها أحكام هذا القانون ولو كانت أسباب تلك الدعاوى متحققة قبل صدوره.

المادة (327): على الرغم مما ورد في المادة (326) من هذا القانون لا تسري أحكام هذا القانون على حوادث الوفاة السابقة على تاريخ نفاذه وإن لم يقترن بها حكم أو قرار ويسري عليها التشريعات النافذة وقت الوفاة.

المادة (328): يلغى قانون الأحوال الشخصية رقم (61) لسنة )1976) وتعديلاته، على أن تبقى التعليمات الصادرة بمقتضاه سارية المفعول إلى أن تعدل أو تلغى أو يستبدل غيرها بها وفقاً لأحكام هذا القانون.

المادة (329): رئيس الوزراء والوزراء مكلفون بتنفيذ أحكام هذا القانون.

 

المصدر: قانون الأحوال الـشخصـية الأردني رقم (15) لسنة 2019، دار الإفتاء الأردنية، https://bit.ly/42pxQUN 

 

أحالت الحكومة المصرية مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية إلى مجلس النواب تمهيدًا لمناقشته ثم إصداره. ويتضمن المشروع ثلاثة أقسام رئيسية، ويبلغ إجمالي مواده (355) مادة، وجاءت عناوين أقسامه وأبوابه على النحو الآتي:

  • القسم الأول: الولاية على النفس، ويشمل ثمانية أبواب: (الزواج، انتهاء عقد الزواج، العدة والرجعة، النسب، المفقود، الأمور المتعلقة بالأبناء، نفقة الأصول والفروع، الأحكام العامة والعقوبات).
  • القسم الثاني: الولاية على المال، ويشمل أربعة أبواب: (الولاية، الوصاية، الحجر والمساعدة القضائية والغيبة، أحكام مشتركة وعامة).
  • القسم الثالث: تنظيم إجراءات التقاضي، ويشمل ستة أبواب: (أحكام عامة، اختصاص المحاكم بمسائل الأحوال الشخصية، المسائل الإجرائية للولاية على المال، القرارات والأحكام والطعن عليها، تنفيذ الأحكام والقرارات، العقوبات).

وفيما يلي بعض ما ورد في مواد مشروع القانون الجديد:

أحكام الخطبة وانعقاد الزواج: ينص مشروع القانون على أن سن الثامنة عشرة ميلادية كاملة هو شرط لأهلية الزواج لكلا الجنسين، مع النص على عدم انعقاد زواج المكره والسكران. ويُلزم المقبلين على الزواج بتقديم وثيقة تأمين تضمن للزوجة مبلغًا ماليًا أو نفقة شهرية في حال حدوث الطلاق البائن أو التطليق بحكم نهائي. ويتضمن العقد ملحقًا يُعتبر جزءًا من الوثيقة وله قوة السند التنفيذي، ويتيح للزوجين الاتفاق المسبق على النفقات، وتفويض الزوجة في تطليق نفسها، واشتراط عدم الزواج بأخرى إلا بإذن كتابي. ويقر القانون باستقلال الذمة المالية لكل من الزوجين، مع إعطاء الحق لأي منهما في المطالبة بمقابل الأعباء التي ساهمت في تنمية أموال زوجه الآخر حال الانفصال.

النفقة الزوجية والضمانات المالية: يعتبر القانون نفقة الزوجة دينًا ثابتًا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء الثابتين بالكتابة. ويمنح لدين النفقة حق "امتياز" يتقدم على جميع ديون الزوج الأخرى. ويُلزم الجهات الحكومية وغير الحكومية بالإفصاح عن الدخل الحقيقي للملزم بالنفقة، شاملًا كافة مستحقاته المالية.

الطلاق والخلع والفرقة: يشترط القانون لترتيب الطلاق لآثاره القانونية والمالية أن يكون الزوج عاقلًا ومختارًا وواعيًا، وأن يتم توثيقه رسميًا أمام المأذون أو الموثق خلال خمسة عشر يومًا، مع التزام الموثق بمحاولة الإصلاح. ويُلزم الزوجين اللذين لم يمض على زواجهما ثلاث سنوات باللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لمحاولة الصلح قبل إيقاع الطلاق أو الإذن برفع دعوى الخلع. وفي دعاوى الخلع، تتنازل الزوجة عن حقوقها المالية الشرعية وترد الصداق، ويكون الحكم الصادر بالتطليق للخلع غير قابل للطعن.

الحضانة، الرؤية، والاستزارة: يجعل المشروع ترتيب مستحقي الحضانة للأم ثم للأب مباشرة، يليهما المحارم من النساء، وينتهي حق الحضانة ببلوغ المحضون خمس عشرة سنة ميلادية يُخير بعدها في البقاء مع من يختاره. ويتضمن نظام "الاستزارة" الذي يمنح الطرف غير الحاضن الحق في اصطحاب المحضون ومبيته معه ليومين منفصلين على الأقل شهريًا. ويجيز تنظيم الرؤية إلكترونيًا. وتكون الولاية التعليمية للحاضن، مع إجازة إثبات النسب بالطرق العلمية.

الولاية على المال والملف الإلكتروني: تكون الولاية على المال للأب ثم للأم مباشرة، ما لم يختر الأب وصيًا. ويجيز القانون الإذن للقاصر بالتعامل في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة المصرية بنسبة من أمواله. ويُلزم بإنشاء "ملف إلكتروني مرقمن" للأسرة تودع فيه كافة الدعاوى المتعلقة بها.

العقوبات: ينص القانون على معاقبة كل من يزوج أو يشارك في زواج طفل دون الثامنة عشرة بالحبس والغرامة مع عزل المأذون، ولا تسقط هذه الجريمة بالتقادم. كما يتضمن عقوبات على الحاضن الممتنع عن تنفيذ أحكام الرؤية أو الاستزارة، تصل إلى نقل الحضانة مؤقتًا إلى من يليه، أو إسقاطها إذا تكرر الامتناع.

تحميل ملف مشروع قانون الأحوال الشخصية (هنا)

 1- تمهيد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا"، ولم توصف أمة من الأمم بوصف "الوسط" فكان هو مميزها على من سبقها من الأمم وعاصمها -فيما تستقبل من أمورها وتستدبر- من الوقوع في النقيضين: الإفراط والتفريط، أو الغلوّ والتقصير، اللذين وقع فيهما كثير ممن كان قبلنا من اليهود والنصارى... ولذلك بعث الله نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما بين يديه من الكتاب "ومهيمنًا عليه"، إذ لو بقي الكتاب الذي أنزل قبله من توراة وإنجيل غير محرف ولا مغير ما احتاج الناس إلى نبي يبعث[1].

وأوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ومثله معه، فكان من هذا المثل سنَّته التي هي: "ما أُثر عنه من قول أو فعل أو تقرير"، فكانت مع القرآن عاصمة لهذه الأمة من الضلال: "تركت فيكم أمرين ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلوا: كتاب الله وسنتي". وكان التمسّك بهما سبيل الحق الذي وصفه بحق الإمام الشوكاني بأنه: "بين المقصر والغالي" (ص 38 من إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، طبعة 1937 بالقاهرة).

ولقد كان ضلال الأمم السابقة مرجعه الوقوع في أحد النقيضين: الإفراط والتفريط، أو إن شئت قلت: الغلوّ والتقصير. فقد غلا أصحاب موسى عليه السلام حتى طلبوا أن يعين الله لهم بقرة بذاتها فيما حكاه القرآن عنهم، ولو أطاعوا الأمر من أول نزوله... "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" لأدّوا المطلوب منهم... ولكنهم تساءلوا: "أتتخذنا هزوا"... حتى بلغ الأمر أن نعى الله عليهم فقال: "فذبحوها وما كادوا يفعلون". وفرطوا أو قصروا حتى ظنوا أن إله موسى وإلههم هو العجل الذي اتخذه السامري فعكفوا عليه وقالوا لهارون: "لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى". ففي الأولى غلو وإفراط في السؤال في مسألة تشريعية من باب الأمر والنهي... وفي الثانية تقصير وتفريط في واجب إفراد الله بالعبادة والألوهية.

وغلا أصحاب عيسى وأتباعهم في العبارة التي تُنسب إليه في الإنجيل... "ما بُعثت لأنقض الناموس وإنما بعثت لأتمم" -وهي عبارة لا يبعد صدور مثلها عنه عليه السلام، إذ يحكي القرآن أنه قال عن نفسه: "ومصدقًا لما بين يدي من التوراة"- قالوا إن الناموس هو شريعة موسى والأنبياء من بعده وقد كانوا يسوسون بني إسرائيل... وكان كل منهم نبيًا ورئيسًا دينيًا وحاكمًا في وقته للناس وذلك ما أراد عيسى أن يتممه ويؤكده... فجعلوا الكنيسة مهيمنة على نظم الحكم في البلاد التي دخلتها المسيحية... فتبع ذلك ما يعرفه الناس جميعًا من محاكم التفتيش وصكوك الغفران... وقتل العلماء واضطهاد الأحرار... ثم نكسوا على رؤوسهم بعد أن رأوا فساد ذلك كله فارتدوا من الغلو إلى التقصير في فهم العبارة التي تُنسب إلى المسيح "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فقالوا بإبعاد الدين عن سياسة الدولة... وقصر وظيفته على الهداية والإرشاد الفرديين. فنتج ما نراه اليوم من مذاهب إلحادية... وانحلال أخلاقي... وبعد دينهم -بل عجز- حتى عن أن يؤدي دوره بين الأفراد.

وسبيل الحق الذي بعث الله له الأنبياء والمرسلين عليهم صلواته وسلامه أن يعرف الناس لربهم حقه في الإفراد بالعبودية والألوهية، وللرسل وظيفتهم في الهداية والإرشاد... فيقفوا عند عبادة الله عقيدة وعملًا... وعند طاعة الرسل في القول والفعل... ولا يُحمّلوا آيات الله في كتبه ولا أقوال أنبيائه ورسله أكثر مما تحتمل... ولا يصرفوها عن حقيقتها فيهملوا العمل بها والطاعة لها. وليس أولى من المسلمين بهذه السبيل: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني".

وقد وقع بعض المسلمين في مثل ما وقع فيه النصارى واليهود من قبلهم... وأنت تقرأ في عديد من الكتب وتسمع في كثير من المساجد من يقولون إن رسول الله هو أول خلق الله، وهو نور عرش الله، وأن الدنيا فاضت من جوده، وأن علم اللوح المحفوظ بعض من علمه صلى الله عليه وسلم... وذلك فضلًا عن أنه ينافي القرآن الكريم الذي يصرح بعكس هذا في كثير من الآيات وينص على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم... فإنه يجعل له مكانة فوق مكانته التي جعل الله له: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ"، ويفيض على أقواله وأفعاله عصمة حتى خارج دائرة الرسالة التي هي فضيلته الكبرى بعد عبوديته لله عز وجل[2].

ووقع بعض المسلمين في أفدح من هذا الخطأ... فذهب إلى أن رسل الله جميعًا "قد باشروا جميع أنواع الحكم من جنائية ومدنية وتجارية ودولية وشخصية وما تفرع عنها في أممهم، باشروا جميع أنواع الحكم التي يخطر على بال أي إنسان أنها من اختصاص ملك أو رئيس أو غير ذلك"[3]، ومؤدى ذلك -كما فهم بعض الكاتبين- أن كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "دين عام لازم لا يتغير" أو أنه تشريع أبدي لكل العصور وكل الأماكن[4].

وإذا كان بيان خطأ هذه الآراء، وتحقيق بطلان هذه المفاهيم واجب العلماء في كل جيل من أجيال المسلمين... وذلك أيضًا هو سر وجود مبدأ التجديد في دين الإسلام: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها"[5]، فإن هذا الواجب يقع من باب أولى على عاتق علماء الحركة الإسلامية التي تنادي بالعودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة وتعمل لذلك... وهو واجب من باب أولى على هذه الحركة وعلمائها لأنها ما لم تبين للناس ما هو الإسلام الذي تدعو إليه فقد قصرت في التبليغ، ولا أخالها تبلغ ما تريد من استجابة الناس لها حتى تبين لهم -فضلًا عن منهجها- مبادئ الدعوة وأسسها، وضوابطها وقيودها. ومن إدراك هذه الحقيقة، ومدى الحاجة إليها، كانت فكرة هذه الصفحات التي لا أزعم أنها قد تغطي الموضوع كله... وإنما غاية ما أرجوه أن تلقي عليه ضوءًا كافيًا.

 

 2- أقسام السنة من حيث أثرها التشريعي

وإذا كانت السنة هي "ما أُثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير"، فإن سنته عليه الصلاة والسلام على أنواع من حيث أثرها التشريعي، أو من حيث اعتبارها مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي. وللعلماء في هذه الأقسام أقوال أقربها وأخصرها ما قاله الإمام ولي الله الدهلوي من تقسيم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين:

ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". وثانيهما ما ليس من باب تبليغ الرسالة وفيه ورد قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر مثلكم، فإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"[6]. وقصة هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجدهم يلقحون نخيلهم فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا. فتركوه (أي كفوا عن التلقيح) فلم تثمر النخل، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: "إنما أنا بشر...". وروى الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده بلفظ: "ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به". وفي رواية لمسلم أيضًا: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم".

ولو لم يكن غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سنته صلى الله عليه وسلم ليست كلها شرعًا لازمًا، وقانونًا دائمًا لكفى. ففي نص عبارة الحديث -بمختلف رواياته- تبيين أن ما يلزم اتباعه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو ما كان مستندًا إلى الوحي فحسب. وذلك غالبه متعلق بأمور الدين، وأقله متعلق بأمور الدنيا. وليس أوضح في الدلالة على هذا من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر، وأنتم أعلم بشؤون دنياكم"، وكان بوسعه أن يقول إنني لا خبرة لي بالنخل -إذ ليس في مكة نخل- أو لا أحسن الزراعة، فبلدي وادٍ غير ذي زرع... ولكنه عليه الصلاة والسلام تخير أحسن العبارات وأجمعها، وجعل من حديثه في هذه المسألة الجزئية قاعدة كلية عامة مؤداها أنه في ما لا وحي فيه من شؤون الدنيا فالأمر للخبرة والتجربة والمصلحة التي يحسن أرباب الأمر معرفتها دون من لا خبرة له به. فلم يكن الجواب قاصرًا على مسألة تلقيح النخل... وإنما جاء شاملًا لكل أمر مما لم يأت فيه وحي بقرآن أو سنة. والآتي من الأمثلة يوضح ذلك إن شاء الله.

قال الإمام الدهلوي أيضًا في معرض حديثه عن تقسيم السنة: "ومنه (أي من النوع الثاني من السنة) ما فعله صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة دون العبادة"[7]، ومن أشهر ما جاء في ذلك حديث أكل الضب حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه"، فهل يجوز أن يقال بناء على ذلك: إن من السنة عدم أكل الضب؟

وحديث حبه صلى الله عليه وسلم للكتف من الشاة أو للذراع معروف مشهور... فهل يقال إن من السنة أن يأكل الإنسان كتف الشاة كل ما استطاع لأن رسول الله كان يفضلها؟ أو أن هذه أمور اعتيادية وقد يحب رجل أكل الضب ولا حرج عليه... وقد يكره آخر لحم الكتف ولا جناح في كراهيته له.

ولعله من الطريف هنا أن نقارن بين هذه الأمور التي هي -بلا شك- من العادات وبين أمر يتعلق بالطعام هو -بلا شك- من السنة التشريعية... ذلك هو ما رواه الشيخان عن عمر بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وهو غلام: "يا غلام: سمّ الله، وكل بيمينك وكل مما يليك"[8]، فذلك، وهو أمر متعلق بطريقة الأكل، أمر تشريعي بدليل القرائن الكثيرة التي أوضحها ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم من أنه "كان يحب التيمن في أمره كله". فهذا الحديث وما أحاط به من قرائن يفيد حكمًا تشريعيًا هو استحباب استعمال اليمين في الأكل أو الندب لذلك، وأنه ليس من مسائل العادات التي يترك أمرها إلى كل فرد وما أحب، أو التي تتغير بتغير العرف أو الزمان.

ومن هذا القسم أيضًا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تحقيقًا لمصلحة جزئية يومئذ وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة[9] ومن ذلك تعبئة الجيوش وتنظيمها، وعقد المعاهدات وتحديد شروطها، بل ومنها الرَمَلُ في الطواف... فقد روى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بعد أن قبّل الحجر الأسود: "ما لنا وللرمل؟ كنا نتراءى به المشركين، (أي نريهم قوتنا) وقد أهلكهم الله"، ثم أردف قائلًا: "ولكنه أمر فعله رسول الله" ورمل. وثمة جانب آخر من هذا القسم هو جانب الأقضية التي كانت تصدر منه تبعًا للبيّنات التي يدلي بها الخصوم أمامه... وفي هذا الجانب قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض -فأحسب أنه صادق فأقضي له- فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا (ظلمًا) فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار"[10] وفيه أيضًا قوله لعلي رضي الله عنه حين بعثه ليقضي أمرًا: "الشاهد يرى ما لا يرى الغائب"[11].

ولقد شغلت هذه التقسيمات للسنة النبوية الشريفة العلماء منذ بداية عصر تدوين العلوم: فالإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ يقول في "تأويل مختلف الحديث"[12]: والسنن عندنا ثلاث: سنة أتاه بها جبريل عليه السلام عن الله تعالى كقوله -أي قول رسول الله- "لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها" و"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" و"لا تحرم المصّة ولا المصتان" و"الدية على العاقلة" وأشياء هذه الأصول... وسنة أباح الله فيها لنبيه أن يسنها، وأمره باستعمال رأيه فيها فله أن يرّخص فيها لمن شاء على حسب العلة والعذر، ومن ذلك إذنه في لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف لعلّة كانت به، واستثناؤه الإذخَر من شجر مكة حين نهى عن تعضيد شجرها وأمثال هذه الأمور... والسنة الثالثة: ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأديبًا لنا فإن نحن فعلناه كانت الفضيلة في ذلك وإن نحن تركناه فلا جناح علينا إن شاء الله...

أما الإمام القرافي المالكي، فيقسم تصرفات الرسول إلى أربعة أنواع: تصرفات بالرسالة، وأخرى بالفتيا، وثالثة بالحكم (يعني القضاء)، ورابعة بالإمامة[13].

فتصرف الرسول بالرسالة والفتيا هو تبليغ عن الله عز وجل، وهو في التبليغ بالرسالة "ناقل عن الحق للخلق". وفي تصرفه تبليغًا بالفتيا مخبر عن الله تعالى بما يجد في الأدلة أنه حكم الله عز وجل. وكلا تصرفيه بالرسالة والفتيا شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين، إذ ليس لرسول الله في هذا الشأن إلا التبليغ عن ربه الذي هو أصل وظيفته كرسول، فلم ينشئ هنا حكمًا برأيه مرتبًا على مصلحة معينة، وإنما بلّغ ما أوحى إليه أو ما تبين بيقين أنه حكم الله تعالى في أمر ما. ومن أمثلة ذلك الصلاة والزكاة وأنواع العبادات، وكون الملك يترتب على العقود من بيع وهبة وأمثالها.

أما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالحكم أو القضاء فهو مغاير لهذين التصرفين بالفتيا أو الرسالة... وهو قاصر على محل وروده، لترتبه على ما ظهر له من البينات التي نص صلى الله عليه وسلم على أنه يقضي بها في الحديث الذي أشرنا إليه سابقًا، وهو صريح أن القضاء يتبع البينات. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام ينشئ الحكم على المتخاصمين وإن كان متبعًا لأمر الله في إنشاء الأحكام وترتيبها بناء على ما يظهر له من الحجج والأسباب.

أما تصرفه بالإمامة فهو تصرفه صلى الله عليه وسلم في شؤون السياسة العامة للدولة بما تقتضيه المصلحة بعد أن فوضت إليه[14] ومن هذا النوع قسمة الغنائم، وتجهيز الجيش، وتوزيع الإقطاعات من الأراضي والمعادن، وعقد المعاهدات، وتعيين الولاة في الأمصار والبلدان البعيدة عن مقر حكمه، وما إلى ذلك من الأمور.

وهذان النوعان من تصرفاته صلى الله عليه وسلم أو من سنته لا يجوز لأحد أن ينشئ الأحكام بناء عليها إلا أن يكون قاضيًا في مثل المقام الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو حاكمًا على رأس دولته أو جماعته فُوَّضتْ إليه مصالحها وشؤونها. وليس ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين القسمين ملزمًا لكل قاض أو حاكم يتبعه ويقتدي به في المبدأ الأصلي وهو بناء الأحكام في القضاء على البينات والأسباب، وبناء التصرفات السياسية على ما يحقق مصالح الأمة ومنافعها. وذلك معنى قوله تعالى: "فاتبعوه لعلكم تهتدون".

 

 3- اختلاف الفقهاء في نسبة بعض تصرفات الرسول إلى أقسام السنة المتقدمة:

وبناء على هذا التقسيم واختلاف حقائق تلك الأقسام وتنوع آثارها التشريعية وعدم وجود تحديد قاطع لكل نوع اختلف الفقهاء في بعض تصرفات الرسول. هل يعد من قسم الفتيا والرسالة أم من قسم الإمامة والحكم. واتفقوا فيما وراء ذلك على بعض ما هو من كل قسم. وقد ضرب القرافي رحمه الله ثلاثة أمثلة لاختلاف الأئمة في تحديد نوع بعض تصرفاته صلى الله عليه وسلم هي اختلافهم في فهم قوله: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق"[15] فقيل إن هذا تصرف بالفتيا، فكل من أحيا أرضًا ميتة فهي له يملكها بلا توقف على إذن إمام أو حكم حاكم. وقيل هو تصرف بالإمامة فلا تملك الأرض الميتة بالإحياء إلا إذا أذن الإمام في ذلك أولًا.

واختلافهم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة حين شكت إليه بخل أبي سفيان: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، فقيل إنه تصرف بالفتيا فلكل من ظَفَرَ بحقه أن يأخذه أو يأخذ عوضًا عنه من جنسه متى ظفر به دون توقف على قضاء قاض، وقيل إنه قضاء فلا يجوز ذلك إلا لمن حكم له قاض به في واقعة معينة[16].

واختلافهم في فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سَلبُه" وكان ذلك يوم غزوة حنين، فقال بعض الأئمة هو تصرف بالفتيا، وهو شرع عام، فكل من قتل قتيلًا في معركة فقد استحق سَلبَهُ سواء قال ذلك القائد قبل المعركة أو لم يقله. وقال آخرون هو تصرف بالإمامة لأن الظاهر أن الرسول قال ذلك لمصلحة وقتية، ترغيبًا في القتال، فإن وجد قائد الجيش في معركة ما مصلحة في تقرير هذا الحكم قرره، واستحق كل قاتل سلب قتيله. أو لم يقرره فيبقى على الأصل في تقسيم الغنائم على الغانمين بقوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول..." الخ[17].

فهذه التقسيمات كلها... والخلاف حولها بين الأئمة الفقهاء يدل "في وضوح أن ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كله تشريعًا لازمًا للأمة في كل حين، بل منه ما هو كذلك، وهو الأغلب، لأن وظيفته الأولى هي التبليغ، ومنه ما هو قضاء وحكم بُني على من قام عنده من الدلائل والبينات وهي وقائع جزئية يشير إليها الفقهاء كثيرًا في مناقشاتهم بقولهم: (قضية عين لا عموم لها). ومنه ما بُني على المصلحة التي قامت في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهذا يجب أن يتبع المصلحة ويدور معها: فما حقق المصلحة أجريناه وما عارضها أو ألغاها توقفنا عن إجرائه وإلا كنا مخالفين للأمر الرباني بطاعة رسول الله، فإن طاعته -على الحقيقة- في أن نسلك سبيله التي سلكها، فندير هذا النوع من الأحكام على المصلحة"[18].

ومن أمثلة هذه السنن التي بنيت على المصلحة القائمة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله في شأن الزي: "خالفوا المشركين وفّروا اللحى وأحفوا الشوارب"، ففي صيغة النص ما يفيد ارتباط الحكم أو الأمر بزي المشركين وعاداتهم في توفير اللحية والشارب معًا. وأزياء الناس وزينتهم أمور لا استقرار لها[19]، فهو لذلك تشريع زمني روعيت فيه البيئة التي كان يعيش فيها الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا يبعد هنا أن يقال إن الأمر في توفير اللحى للندب يثاب فاعله، ولا يلامُ فضلًا عن أن يعاقب تاركه. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم" أي لا يصبغون الشعر حين يشيب، فذلك أيضًا مرتبط بعادات اليهود والنصارى، أفتخالفهم إن تغيرت العادة لديهم إدارة منا للحكم مع علته وسببه؟ أم نبقى على تنفيذ الأمر الوارد في هذا الحديث حتى ولو فات بذلك تحقيق مقصوده؟ لا شك أن الأول أولى بنا وأوفق، ولله در عز الدين بن عبد السلام حين قال: "كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده، فهو باطل"[20].

ومن هذا الباب أيضًا ما أُثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يد السارق لا تقطع إلا إذا بلغت قيمة ما سرقه ربع دينار فصاعدًا. وقد روى الفقهاء والمحدثون إجماع الصحابة والتابعين على أنه لا قطع إلا فيما له قيمة، ولا قطع في الشيء التافه الذي لا يهتم به الناس. وعلّــل الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" كون القطع مقيدًا ببلوغ النصاب (ربع دينار) بأن ذلك ما يكفي المقتصد وأهله قوت يومه وليلته. وهو لا يتسامح فيه الناس عادة. وواضح أن ما يكفي المقتصد قوت يوم وليلة له ولأهله يختلف باختلاف العصور والأماكن، بل إن قيمة النقود نفسها تختلف من مكان إلى مكان، وزمان إلى زمان. فهل نبقي الحكم على ما هو عليه فنقطع كل من سرق ربع دينار ذهبًا -وليس عندنا الآن نقد من الذهب- أو قيمته من النقود الورقية؟ أم نقول إنه حكم بُني على العرف والمصلحة معًا، وهما متغيران، فهو أمر اجتهادي لا مانع من تغيير الحكم فيه في كل عصر ومكان، حسب الحاجة والمصلحة؟[21].

 4- مواقف للصحابة تدل على صحة التقسيم السابق للسنة

ومما يؤيد ما ذكرناه ويعضده "أن أصحاب رسول الله، وهم حملة الشريعة والقائمون عليها من بعده، غيروا بعض السنن المروية عن الرسول لما تغيرت الظروف لعلمهم أنها صدرت عنه عليه السلام ملاحظًا فيها حال الأمة ومقتضيات البيئة زمن التشريع دون أن تكون شرعًا لازمًا عامًا في كل حال. ولولا ذلك ما غيروا، ونحن نعيذهم جميعًا من أن يخالفوا حديث رسول الله، وهم يعلمون أنه دين عام وتشريع لازم لكل الناس في جميع الحالات، وكيف يتصور أن يقع ذلك منهم وهم أحرص الناس على اتباع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وترسم خطاه"[22].

وسنذكر بعض أمثلة ذلك لنبين حقيقة ما قلنا وإن كنا نحب التنبيه أولًا إلى ما نبه إليه قبلنا العلامة الشيخ محمد مصطفى شلبي من أن تغييرهم هذا هو في الحقيقة عين الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سميناه تغييرًا في مقام تبيين خطأ القول بأن كل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع أبدي وقانون عام لا يجوز تغييره. ولو سلمت لنا هذه المقدمة لما استعملنا كلمة "تغيير" ولسميناه اتباع رسول الله في إدارة الأحكام على المصالح والعمل بها ما أدت إلى تحصيل مقصودها.

فمن هذه الأمثلة ما جاء في شأن الدية في القتل، حيث نص القرآن عليها "فدية مسلمة إلى أهله" ولم يحدد مقدارها فعرضت السنة لها المقدار بالبيان حين حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من الإبل كما جاء في كتابه إلى أهل اليمن الذي رواه النسائي "وأن في النفس الدية مائة من الإبل"[23]. وجعلها رسول الله على عاقلة الجاني أي عشيرته التي ينتمي إليها من قبيلته. فكان الأصل في الدية مائة من الإبل، ولكنها قدرت في بعض الأحيان، بسنة رسول الله أيضًا، لغير أهل الإبل، فقدرها ثمانمائة دينار لمن يتعاملون بالذهب أو عدلها من الورق (الفضة) ثمانية آلاف درهم.

فلما فتحت الفتوح ودخل في الإسلام من البلدان ما لا يتعامل أهلها بالإبل أو الذهب والورق، كان ما رواه محمد بن شعيب عن أبيه عن جده: أن عمر لما استخلف خطب الناس فقال: إن الإبل قد غلت، وجعل الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي ألف بقرة وعلى أهل الغنم ألف شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة[24]. ثم إن عمر رضي الله عنه لما دوّن الدواوين، رأى أن التناصر بين الناس أصبح بالديوان بعد أن كان بالقرابة والقبيلة فنقل الدية إلى أهل الديوان يحملونها عمن تجب عليه ممن هو معهم فيه. ولعل هذا هو سر ما قرره فقهاء الأحناف من أنه لو أصبح التناصر بشيء آخر كالحرفة مثلًا، وجب نقل الدية إليه، إذ العلة فيها التناصر، فأي رابطة كان بها التناصر انتقلت الدية إلى أصحابها[25].

ومن هذا الباب تحديد رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر بصاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، بناء على ما كان من أطعمتهم يومئذ إذ المقصود من زكاة الفطر هو إغناء الفقير يوم العيد عن السؤال، وكانت قيم الصاع من كل هذه الأشياء قريبًا بعضها من بعض. ولما رأى معاوية -حين ولي الشام- جودة قمحها، وأنه يزيد في قيمته عن الزبيب والشعير والتمر، قال في خطبة له "أرى مُدّين من سمراء الشام (يعني قمحها) تعدل صاعًا من تمر" فأخذ الناس بهذا، وساروا على أن الواجب صاع من تمر أو زبيب أو شعير، أو نصف صاع من قمح أو دقيق[26].

ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو داود بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن تفلات" أي متطيبات[27]. واستمر العمل بالإذن النبوي في الخروج للمساجد حتى تغيّر حال الناس ففكر بعض الفقهاء -من الصحابة- في منعهن، ودارت مناقشة بين الراغبين في المنع وبين المصرين على الإذن. فيقول عبد الله بن عمر -وكان على رأس المصرين على الإذن- ائذنوا للنساء بالخروج فقد أذن لهن رسول الله، فيرد عليه ابنه واقد قائلًا: "والله لا نأذن لهن فيتخذنه دغلًا"، وتؤيّد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وجهة نظر المانعين فتقول: "لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل"[28] وعبارة ابن عمر "ائذنوا لهن" تفيد أن المنع كان قد وقع بالفعل، وتأييد عائشة رضي الله عنها له يدل بصراحة على أنها فهمت إذن رسول الله مقيدًا بعدم ترتب مفسدة عليه فلما حدثت المفسدة -أو خشي وقوعها ما تحرجت وهي من هي تمسكًا بسنة رسول الله- من أن تقول ما قالت معللة رأيها بدفع المفسدة التي ترتبت على ما أحدثته النساء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو كان هذا شرعًا دائمًا لما ساغ لعائشة مخالفته، وإنما كان الشرع الدائم هو تحقيق مصلحة الأمة التي ما بعث الله الرسل -في أي أمة كانوا- إلا لتحقيقها فأينما تبين وجهها فثَمّ شرع الله ودينه.

ولعل من أوضح الأمثلة هنا ما فعله عمر في أرض العراق حين فتحها الله على المسلمين، وقد طال النزاع بين الفقهاء والمفسرين في تأويل فعله وتصحيحه، وليس من موضوع حديثنا أن نبين وجوه أقوالهم في هذا الصدد، فلهذا البيان مقام آخر وهو موجود في مظانه من كتب الفقه[29]. وإنما المقصود هنا هو بيان أن عمر فعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خشي أن يرتب فعله مثل فعل رسول الله مفسدة أو أضرارًا بالمسلمين. وذلك أن رسول الله لما فتح الله عليه خيبر عنوة -كما رجحه شيخنا العلامة محمد مصطفى شلبي موافقًا رأي الإمام ابن عبد البر القرطبي- قسمها بين المسلمين قسمة الغنائم. فلما فتحت العراق شاور عمر الصحابة من المهاجرين الأولين فاختلفوا عليه فمن قائل تقسم كما قسم رسول الله خيبر، ومن قائل ترى فيها رأيك، وقد كان رأيه أن تصبح من أملاك المسلمين العامة يجبى خراجها فتسد منه حاجتها ويفيض ما يعين على قضاء وظيفة بيت المال العام. فاستشار بعدهم عشرة من كبار الأنصار فوافقوه على رأيه فترك عمر الناس يتشاورون يومين أو ثلاثة حتى كان آخر أمرهم أن وافقوه على رأيه. فقد روى أبو يوسف في كتاب "الخراج"[30] قصة أرض العراق هذه بعبارات تفيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنها أرض مفتوحة فهي غنيمة للمسلمين.. فحكمها حكم المغنم وهو التقسيم أخماسًا... ولكنه رأى أن ذلك يضر بمن يأتي بعد جيله من أبناء المسلمين فقد كان يقول لمن يحاجونه: "فكيف بمن يأتي بعدكم" يريد أن مصلحة الأمة الدائمة في الأخذ برأيه... وقد صرح بذلك فيما يروي البخاري عنه من قوله: "والله لولا أن يُترك آخر الناس بَبَّانًا ليس لهم شيء ما فتح الله عز وجل على المسلمين قرية إلا قسمتها سهامًا كما قسمت خيبر، ولكن أتركها خزانة لهم يقتسمونها"[31].

وفي تصرف الصحابة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في عقوبة شارب الخمر دليل لا يقبل جدلًا على أنهم رأوا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق ما أراد تحقيقه، بما قرره من الأحكام، من مصالح أو درء ما أراد درءه بها من مفاسد. ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بشارب الخمر فيأمر بضربه فيقول أبو هريرة: "فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه"، وسار الأمر على ذلك طوال زمن الرسول، وحدثت وقائع فيها أنه صلى الله عليه وسلم حثا في وجه شارب الخمر التراب، وفي بعضها أنه أمر الصحابة أن يبكتوه (أي يلوموه ويوبخوه)، وفي بعضها لما قال بعض الصحابة لشارب الخمر أخزاك الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا هكذا: لا تعينوا عليه الشيطان". فلما كثر الشرب زمن عمر بن الخطاب أرسل إليه خالد بن الوليد يقول إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه. فقال عمر للرسول الذي بعثه إليه خالد بن الوليد: "هم هؤلاء عندك فاسألهم" (يعني أصحاب رسول الله)، فقال عليّ، وفي بعض الروايات عبد الرحمن بن عوف: "أرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون". فقال عمر: "بلغ صاحبك ما قالوا"[32].

فرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدد عددًا معينًا من الجلدات يضربها شارب الخمر، بل نوَّع في العقوبة تبعًا لاختلاف أحوال الشاربين وظروفهم، وفهم الصحابة من ذلك أمرين: الأمر الأول أن العقوبة غير محددة. بل هي مفوضة إلى رأي الحاكم أو القاضي بحسب ما يراه ملائمًا في كل زمن، أو في كل حالة على حدتها. والأمر الثاني أن المقصود بالعقاب على شرب الخمر أصلًا هو زجر الناس عنها... فتوصلوا لذلك بهذا الرأي الذي قال عليّ أو عبد الرحمن بن عوف، وحددوا للشارب عقوبة كعقوبة القاذف. وهما جريمتان مختلفتان، ولا قياس يصح في باب الحدود. وإنما هو إعمال الرأي السليم والفكر المستقيم تحقيقًا لمقاصد الشارع -الزجر- رغم زيادتها عما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافها عنه، تحقيقًا لمصلحة ردع الناس وزجرهم، ومنع الإفساد الذي يترتب على شيوع شرب الخمر في المجتمع.

 5- وبعد:

فذلك كان فهم الصحابة رضي الله عنهم لسياسة التشريع في دين الله، تحقيق لمصالح الناس في المقام الأول، ودرء للمفاسد عنهم، فكلما وجدوا سبيلًا لتحقيق هذه المصالح أو درء هذه المفاسد ولجوه غير هيابين ولا مترددين، بل مطمئنين إلى أنهم متعبدون بهذا ومطيعون لله ورسوله، فلم يقفوا عند ظواهر النصوص لا يتعدّونها... بل أعملوا ما وهبهم الله من عقل وحكمة وفهم في أداء واجبهم فكانوا بحق كما وصفهم القرآن "خير أمة أخرجت للناس" وواءموا بذلك بين الحاجات المتجددة في الأزمان والبلدان التي عاشوا فيها وبين تعاليم الله في كتابه وتبيين رسول الله بسنته، فاستقامت لهم مختلف المدنيات من رومانية وفارسية ومصرية، وخضع الناس لشريعة الإسلام لا قهرًا ولا خوفًا ولا ظلمًا، وإنما طمعًا فيما رأوها تحقق من مصالح عاجلة وآجلة، وإيثارًا لحقها على باطل قوانينهم وتشريعاتهم التي لم تسد حاجة ولم تدفع خلَّة.

ولم يعتبروا -كما ذهب بعض الجامدين- أن تغيير ما يجري مع المصلحة أو ما يُبنى على العرف والعادة، أو ما لا مدخل للوحي في تقريره من الأحكام التي أثبتتها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام -لم يعتبروا ذلك- توهينًا للسنة، أو فتحًا لباب التهجم عليها، والتغيير فيها، والخروج عنها. وإنما جعلوا لرسول الله مكانته التي إذا قيس فيها إلى الناس فهو في الصفوة المختارة من أنبياء الله ورسله، وإذا قيس فيها إلى الله فهو بشر من البشر -كما قال عنه القرآن الكريم وقال هو عن نفسه- يوحى إليه فيفهم عن الله ويبلغ الناس، ويبني أقواله وأحواله فيما فيه وحي على الوحي، وفيما لا وحي فيه على ما يراه من مصلحة حالة في وقته، أو عرف لا ضرر فيه ولا مفسدة تترتب عليه. فلم يعتدوا بسنته عليه الصلاة والسلام هذه المكانة قط، فهدوا واهتدوا رضي الله عنهم وأرضاهم. كذلك لم يصدهم عن هذا الفهم الصحيح قول الله تعالى في وصف نبيه: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"، فصريح نص الآية قاطع في أنها في القرآن الكريم ومحل البحث فيما وراء القرآن. بل فيما وراء ما كان مصدره الوحي في السنة النبوية... ولا علينا أن نقول إن محل البحث هو الأحكام المعللة بالمصلحة المؤقتة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بالعرف السائد آنذاك... دون ما كان تعبديًا محضًا لا مدخل للتعليل فيه. ومن ثم نعلمُ أن استعمال هذه الآية الكريمة في هذا المقام لا يفيد إلا في رد دعوى من يدعي كون الأحكام النبوية كلها تشريعية دائمة. وصدق ابن تيمية: "التزم لله عز وجل أنه لا يستدل مبطل على باطله بآية من القرآن أو حديث صحيح إلا كان فيهما الدليل على بطلان قوله"[33].

ولا يشمل فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم لهذه الأنواع من سنته الشريفة إلا ما كان متعلقًا منها بالتشريع والأحكام العملية أو بلغة هذا العصر "الأحاديث ذات الأثر التشريعي" أو كما سماها علماؤنا "أحاديث الأحكام". أما ما كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم متعلقًا بالأخلاق وإتمامها، والآداب وكمالها، والغيب وعلومه، والكون وأسراره... فذلك كله من باب الموحى الذي لا يقال بالرأي... ومن ثم فالواجب فيه ما دل عليه نص الحديث من إيجاب الفعل، أو الندب إليه، أو تحريمه، أو كراهته -إن كنا في باب الآداب والأخلاق- أو التصديق بالخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور الكونية والغيبية وأمثالها[34].

بهذا الفهم، في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت دعوات مجددي الإسلام في مختلف العصور... بمثل هذا الفهم، في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب أن تكون دعوة العلماء العاملين للحركة الإسلامية في هذا العصر. ذلك أنه إذا صح أن مراد هذه الحركة ومطلبها هو إقامة حكومة مسلمة، تطبق قوانين المسلمين التي تنبع عن الشريعة الإسلامية وتتطور لمواجهة متطلبات العصور المتطورة[35] -إذا صح هذا- وهو عندي صحيح لا ريب فيه، وإذا صح معه أن الإرهاصات الظاهرة في بلادنا المسلمة -بل وفي العالم كله- تدعو إلى أن يتقدم المسلمون إلى الميدان بفكرهم وعقيدتهم وشريعتهم التي أرسى الله مبادئها لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولتنقذ الدنيا من الوقوع في منكري الغلو والتقصير... تبيَّن وجوب قيام علمائنا بواجب تجليه صفة "الوسط" التي شرفنا القرآن بها.

فذلك التوسط بين النقيضين، هو الوسط الذي وصفنا الله تعالى به في كتابه الكريم... وهو المعروف الذي جعلنا القرآن خير أمة أخرجت للناس لأننا نأمر به وننهى عن ضده من المنكر الذي لا يرضاه الله ولا رسوله. وذلك هو الذي دعا به سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام حين رأى ضلال الناس في عهده فقال: "اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك..." فأمر الرشد هذا ليس إلا تحقيق العمل بشريعة الإسلام وتنزيل الكتاب والسنة منزلتهما الحقيقية بهما كعمادين لديننا وشريعتنا، وأساسين لحكمنا وسياستنا، لا كما تصور بعض من لا علم له أنهما قيدان على عقولنا، ومعوّقان لسيرنا، ومانعان لتطور بلادنا وتقدم شعوبنا[36].

وليس بيان هذا الأمر -بيان الوسط الذي تمثله أمة المسلمين- بالأمر الهين اليسير، بل هو يقتضي تكاتف جهود العلماء من العاملين المخلصين، وليس ما تقدم إلا كالتوطئة الموجزة لمثل هذا الجهد... وبقدر ما يسرع علماء الحركة الإسلامية في أداء واجب هذا البيان، بقدر ما تكسب للإسلام وقتًا وجهدًا وجندًا وأرضًا... وبقدر ما يبطئون بقدر ما تخسر من ذلك كله.

ولقد تناول هذه التوطئة بالبحث علماء أجلاء نقرّ لهم بالفضل والعلم... ولكنهم لعدم وضوح رؤيتهم للمسيرة السياسية للحركة الإسلامية لم تف كتاباتهم بما يجب على هذه الحركة أن تقدمه في هذا الباب، وشارك في إيضاح وجه الحق علماء آخرون من القدماء والمحدثين، مدركين حقيقة النهج الذي يتبعه الركب الإسلامي تطورًا وتحركًا، فكان مما كتبوا خيرًا كثيرًا[37] على علماء الحركة الإسلامية أن يفيدوا منه ويضيفوا إليه، بما يجمعون -إلى تخصصهم في شريعة الله- من رؤية واضحة وإدراك صحيح وتصور سليم لوجهة حركتهم وغايتها، ووسائلها ومنهجها، ومطلبها وهدفها.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* نشرت هذه الدراسة في: مجلة المسلم المعاصر، 1 أكتوبر 1974، رابط: https://bit.ly/4erqOWU

[1] اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم للأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى. طبع دار البيان بالكويت س 1969 م ص17.

[2] المرجع السابق، ص 20 - 21.

[3] محمد طلبة زايد، في كتاب أسماه "كمال الشريعة الإسلامية" صدر عن ناشر غير معروف، ولا يحمل بيانًا بمكان طبعه، في سنة 1971م، ص 94-95. وللكتاب نقد مفصل منشور في "الشعب والأرض" العدد التاسع بيروت 1972.

[4] في نقد هذا الفهم وبيان فساده راجع كتاب أستاذنا العلامة: محمد مصطفى شلبي، "الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية"، نشرته جامعة الإسكندرية 1960 م، في الصفحات 126- 138.

[5] رواه أبو داود بسند صحيح، في سننه، ج4 ص 178، من طبعة الهند مع حاشية "عون المعبود".

[6] حجة الله البالغة، ج1 ص271 وما بعدها، من طبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة، بتحقيق الشيخ السيد سابق. والحديث رواه مسلم في صحيحه باب وجوب امتثال ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم شرعًا دون ما ذكره من معايش على سبيل الرأي.

[7] حجة الله البالغة، ج1 ص272.

[8] الحديث رواه البخاري، ج7 ص88، ومسلم ج13 ص 193. ونص النووي في شرحه على مسلم (ص191) على أن الأمر هنا يفيد الاستحباب. وحديث الضب أيضًا متفق عليه، واللفظ هنا للبخاري ج7 ص 95 و96. وفي سنن ابن ماجة ج2 ص 1099 -من طبعة المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي- حديث حبه صلى الله عليه وسلم الذراع.

[9] حجة الله البالغة، الموضع السابق.

[10] رواه البخاري ومسلم ومالك (في الموطأ) وأبو داود والترمذي والنسائي والطحاوي (في مشكل الآثار) وابن ماجه والإمام أحمد بن حنبل في مسنده. وما في الأصل رواية المسند مع زيادات من رواية البخاري ومسلم. أنظر المسند ج6 ص290 و307 - 308. وصحيح البخاري ج5 ص77 وصحيح مسلم بشرح النووي ج12 ص4-7.

[11] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، لابن قيم الجوزية. وانظر في تفصيل القصة - الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، ص129.

[12] ص196 وما بعدها من طبعة القاهرة سنة 1966 وقد نقلنا عنه بتصرف واختصار.

[13] الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرفات القاضي والإمام، للإمام القرافي، بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبعة حلب سنة 1967 ص 86 وما بعدها إلى ص109. ولم يحقق القول في هذا الموضع أحد مثل القرافي وبعده شيخنا في الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية المشار إليه سابقًا. وانظر أيضًا، الفروق للقرافي ج1 ص205 ومعها حاشية ابن الشاط على الفروق.

[14] نقلًا عن شيخنا محمد مصطفى شلبي، المرجع السابق، ص130 - 131.

[15] رواه الترمذي في سننه ج3 ص363. وبلفظ مختلف عما هنا رواه البخاري ج3 ص139، وكذلك أبو داود في سننه ج3 ص178.

[16] الحديث متفق عليه، أنظر اللؤلؤ والمرجان، لمحمد فؤاد عبد الباقي ج2 ص193. وللنووي إفادات جليلة في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم. ج12 ص7-10. وراجع في الخلاف الفكري في مسألة الظفر: المغني لابن قدامة ج12 ص229-231.

[17] فتح القدير للكمال بن الهمام، ج4 ص334. وانظر الفروق للقرافي، ج1 ص209 لمعرفة وجهة نظر مالك. والحديث متفق عليه.

[18] بزيادة وتصرف من كلام شيخنا محمد مصطفى شلبي، في المرجع المشار إليه سابقًا. ويلاحظ أن كون أغلب تصرفات الرسول مبناها التبليغ من قول القرافي في الأحكام. وهو قول قد يصل الباحث إلى خلافه عند إمعان النظر في الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل الذي يغلب الظن على أن أغلب المروي عنه في شؤون الدنيا -خارج نطاق العبادات والمقدرات والمحرمات- ليس من الشرع اللازم. والمسألة تحتاج إلى مزيد بحث واستقصاء على أي حال.

[19] مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، للشيخ عبد الوهاب خلاف، طبعة دار القلم بالكويت 1969 م ص 162. والحديث متفق عليه.

[20] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، ج2 ص143. وانظر الموافقات للشاطبي ج4 ص194 وما بعدها. والحديثان في هذه الفقرة متفق عليهما كما في مشكاة المصابيح ج2 ص492 من طبعة دمشق بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

[21] راجع في هذا الموضوع رسالتنا "نظرية العقاب في الشريعة الإسلامية" بالإنجليزية، قدمت لجامعة لندن للحصول على الدكتوراه سنة 1972 وكذلك مقالنا عن عقوبتي السرقة والحرابة في ليبيا، المنشور في "الفكر الإسلامي" السنة الرابعة عددي 6، 7. (والمجلة تصدر عن دار الإفتاء بلبنان).

[22] من كلام الأستاذ محمد مصطفى شلبي، في المرجع المذكور سابقًا ص132.

[23] نيل الأوطار للشوكاني، ج7 ص48 من طبعة القاهرة سنة 1357 هـ.

[24] المرجع السابق ص 54. وكذلك تعليل الأحكام لشيخنا الأستاذ محمد مصطفى شلبي، القاهرة 1947 ص41.

[25] فتح القدير، لكمال الدين بن الهمام، ج8 ص403.

[26] إعلام الموقعين، لابن قيم الجوزية، ج3 ص23-24 من طبعة القاهرة سنة 1955 م.

[27] السنن ج1 ص155.

[28]  تعليل الأحكام ص 37 - 39.

[29] تعليل الأحكام ص 48 - 56.

[30] ص14 وما بعدها.

[31] البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر، ج7 ص344، وقد رواه يحيى بن آدم في الخراج بسنده إلى أسلم مولى عمر بن الخطاب بدون زيادة "ولكن أتركها..." أنظر ص42 من طبعة العلامة المرحوم أحمد محمد شاكر سنة 1384 هـ بالقاهرة.

[32] راجع رسالتنا في نظرية العقاب المشار إليها سابقًا، ص92 - 111. وكذلك تعليل الأحكام ص59 - 62.

[33] نقله عنه تلميذه العلامة ابن قيم الجوزية في كتاب "الروح" في بحث قوله تعالى: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" وغاب عني الكتاب فلا أذكر رقم الصفحة. والطبعة التي كنت نقلت منها هذا النص هي طبعة حيدر آباد الدكن بالهند والكتاب مطبوع بمصر أيضًا.

[34] راجع في هذه التفرقة: الدهلوي في المرجع السابق ذكره، والأستاذ شلتوت في الإسلام عقيدة وشريعة، الطبعة الثالثة، ص525.

[35] من كلام الأستاذ حسن العشماوي، رحمه الله ورضي عنه، في بحثه "الفرد العربي ومشكلة الحكم" الذي نشر ملحقًا بمسرحية سياسية رمزية عنوانها "قلب آخر لأجل الزعيم" طبعة بيروت، سنة 1970 م ص179.

[36] تجد تنفيذ هذه الدعوى في كتاَبيْ شيخنا: الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية المشار إليه آنفًا، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي، القسم الأول من ط بيروت 1968 م. (الطبعة الثامنة) في مواضع متعددة من الكتابين.

[37] من القدامى الأئمة الشاطبي والقرافي المالكيين، وعز الدين بن عبد السلام الشافعي، (والقرافي تلميذه)، وابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، رضي الله عنهم جميعًا. ومن المحدثين لم نر أحدًا وفّى هذا الموضوع حقه، في فهم وبصيرة، ووعي لمسيرة الحركة الإسلامية المعاصرة، وإدراك لحقيقة مطلبها، مع ذكاء خارق وبعد عن مواطن الشبهات والريب، مثل شيخنا العلامة محمد مصطفى شلبي نفعنا الله به. وقد نقل بعضهم من كتاباته في هذا الموضوع الصفحات الطوال دون إشارة، فسمعته يحتسب ذلك ويقول "فائدة العلم أن ينتفع به"!

 

في حوار صحفي له مع موقع "تحيا مصر"؛ طرح النائب محمد طه عليوة -رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بمجلس الشيوخ، والمحامي الكبير- رؤيته القانونية والمجتمعية لأزمة الخلافات الأسرية في المجتمع المصري، وتقييمه لتأثيراتها السلبية، بالإضافة إلى حزمة المقترحات والحلول التي يرى ضرورة تضمينها في تعديلات قانون الأحوال الشخصية للحد من النزاعات وتسريع إجراءات التقاضي.

 

جذور الأزمة ودوافع النزاعات الأسرية:

أوضح النائب أن قانون الأحوال الشخصية لا يمثل هاجسًا للأسرة المصرية بشكل عام، بل يقتصر تأثيره المباشر على الأسر التي تعاني بالفعل من تفكك ونزاعات. وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع الأسعار وضيق الحال قد ألقت بظلالها على مؤسسة الزواج؛ فبدلًا من أن يكون الزواج رابطة قائمة على المودة لاستمرار الحياة، تحول إلى ساحة معركة تحكمها الاعتبارات المادية والمصالح الشخصية.

وأكد أن المحاكم المصرية باتت مثقلة بقضايا الأحوال الشخصية التي تمتد لسنوات طويلة، لتنتهي في كثير من الأحيان بتسويات عرفية يتنازل فيها الطرفان عن أجزاء من حقوقهما، باستثناء بعض الحالات المتطرفة التي يسعى فيها أحد الطرفين لتدمير الآخر بدافع الانتقام. كما أشار إلى إشكالية الطلاق الشفوي، مؤكدًا دعمه للتوجه الصائب نحو ضرورة التوثيق الرسمي للطلاق لحسم النزاعات المتعلقة بإثباته.

 

الأطفال كضحايا للصراع الأسري:

على الجانب الإنساني والنفسي للأزمة؛ شدد النائب على أن البالغين قادرون على تحمل تبعات قراراتهم وصراعاتهم، لكن الكارثة الحقيقية تقع على الأطفال. فعندما يتخذ الأبوان من الأبناء أداة للضغط وساحة لتصفية الحسابات، ينشأ جيل مشوه نفسيًا ومليء بالخوف. وحذر من أن هذه البيئة المشحونة بالصراعات الحادة تدمر نفوس الأطفال وتغتال براءتهم، مشددًا على أن الهدف الأسمى لأي تعديل تشريعي يجب أن يكون حماية هؤلاء الأطفال ومنع الكبار من تسوية خلافاتهم على حساب استقرارهم النفسي.

 

مقترح "صندوق الأسرة" لتسريع تنفيذ النفقات:

فيما يتعلق بالجانب المالي وإطالة أمد التقاضي، طرح النائب مقترحًا عمليًا لمعالجة أزمة تأخر تنفيذ أحكام النفقات. يتمثل المقترح في إنشاء جهة مختصة أو "صندوق للأسرة" يتولى مهمة التنفيذ الفوري لأحكام النفقة بمجرد صدورها من محكمة أول درجة، دون انتظار درجات الاستئناف لتكون بقوة الأحكام المستعجلة.

وبموجب هذا المقترح، يقوم الصندوق بدفع النفقات المستحقة للزوجة والأطفال بناءً على تقدير دخل الزوج، ثم يتولى هو ملاحقة الزوج قانونيًا لتحصيل هذه الأموال. كما تضمن المقترح ضرورة توفير "حد أدنى للنفقة" تلتزم به الدولة من خلال ميزانية مخصصة لذلك، لضمان حياة كريمة للأسر في حال إثبات عجز الزوج عن الدفع أو تعثر الصندوق في التحصيل، باعتبار ذلك مسألة أمن وسلام اجتماعي.

 

الاستضافة والرؤية وحضانة الأطفال:

تطرق النائب إلى مسألة الرؤية المعمول بها حاليًا في مراكز الشباب والنوادي، معتبرًا إياها غير كافية. ودعا إلى تطبيق نظام "الاستضافة" ليكون أكثر إنسانية، بحيث يُمنح الأب الحق في استضافة أبنائه في منزله بدلًا من حرمانه منهم أو لجوء البعض لطرق غير قانونية كالخطف.

وعلى صعيد الحضانة، أقر النائب د. عليوة بأن الأمومة وظيفة فطرية تجعل المرأة -أو من يحل محلها من النساء- هي الأقدر والأكثر حنانًا لرعاية الطفل في مراحله الأولى. ولكنه فتح باب النقاش حول جدوى وملاءمة انتقال الحضانة للأب في مراحل عمرية معينة، متسائلًا عن مدى قدرة الآباء الفعلية على القيام بهذا الدور الرعائي، ومؤكدًا أن الطفل في سن معينة يحتاج إلى الاقتداء بالأب.

 

التوعية والاتفاقات الاستباقية في قسيمة الزواج:

اختتم النائب رؤيته بالتأكيد على أهمية الخطوات الاستباقية لمنع النزاعات قبل وقوعها. وأشار إلى مشروع سابق عُرف بـ "قانون المأذونين"، والذي كان يهدف إلى تضمين قسيمة الزواج بنودًا واضحة يتفق عليها الزوجان مسبقًا قبل إتمام العقد. تشمل هذه البنود: تحديد من يملك حق إيقاع الطلاق، وهل يحق للزوجة تطليق نفسها، بالإضافة إلى حسم الخلاف حول قائمة المنقولات، وتحديد صاحب الحق في مسكن الزوجية وحضانة الأطفال عند الانفصال. وأكد أن هذه الاشتراطات لا تخالف الشريعة الإسلامية، وأن الاتفاق عليها مسبقًا، إلى جانب تكثيف دورات التوعية للمقبلين على الزواج، سيساهم بشكل كبير في تقليل النزاعات المستقبلية وتخفيف العبء عن كاهل المحاكم.

 

لمشاهدة الحوار كاملا (هنا)

لتحميل مشروع قانون الأحوال الشخصية (هنا)

 

 

إدوارد لامبير (22 مايو 1866-25 أكتوبر 1947) فقيه وقانوني فرنسي، وهو أحد رواد القانون المقارن في النصف الأول من القرن العشرين.

نال لامبير درجة الدكتوراه في القانون من باريس عام 1893، وبدأ مساره الأكاديمي في جامعة ليون التي ارتبط بها على نحو وثيق عام 1896، وبعدها سافر إلى مصر حيث شغل منصب عميد مدرسة الحقوق الخديوية في الفترة من (أكتوبر 1906 حتى يونيو 1907) ويعود السبب في رحيله إلى نشوب خلاف بينه وبين بعض البريطانيين، وقد تبعه جمهرة من الدارسين المصريين الذين أسس من أجلهم الشعبة الشرقية بعد أشهر قلائل من مغادرته القاهرة وتحديدا في نوفمبر عام 1907، وذلك قبل تأسيس معهد ليون للقانون المقارن عام 1921.

 

الشعبة الشرقية للدراسات القانونية والاجتماعية

كان الغرض من إنشاء الشعبة الشرقية كما صرح لامبير -في محاضرة له بالقاهرة عام 1937- "توجيه أعضائها في محاولة الملائمة بين حاجات بلادهم الخاصة وبين المعارف القانونية والاجتماعية التي يحصلونها في أوروبا، وتمكينهم من إتمام الدراسات النظرية في القانون والعلوم الاجتماعية بمشاهدة أسباب الحضارة الفرنسية وهي تباشر وظيفتها"[1]

ومن خلال هذه الشعبة التي ضمت نخبة متميزة من الطلاب القانونيين أمثال: عبد الرزاق السنهوري وعبد السلام ذهني ومحمد فهمي صادق ومحمود فتحي وغيرهم، وجه لامبير جهوده والكثير من طاقته من أجل القيام بالإشراف على رسائل هؤلاء الشبان، حتى إنه توقف تماما عن التصنيف خلال الفترة من عام (1907-1914م) لصالح الاشتغال بإصدار أعمال الدارسين الشبان.

كان تأثير لامبير في هؤلاء الدارسين كبيرا ومن خلالهم جاء التأثير الأكبر له في الفكر القانوني المصري، فقد اشتغل رفقة السنهوري في مراجعة القانون المدني المصري، كما كان وراء فكرة تضمين الشريعة في مؤتمر لاهاي للقانون المقارن عام 1932 وتعيين السنهوري عضوا به[2].

اعتقد لامبير أن الشريعة الإسلامية يمكن تضمينها داخل قانون عالمي أوسع، لن تكون فيه معايير الشريعة بالضرورة هي صاحبة المركز الأول في التأثير، لكنها ستكون في مركز متساو مع الأنظمة القانونية الأخرى، التي يمكنها الاستفادة من بعض المميزات التي تتمتع بها الشريعة.

 

إسهاماته على صعيد القانون المقارن

وبينما ارتبط اسم لامبير في الشرق بمحاولاته لتضمين الشريعة ضمن القانون العالمي ارتبط اسمه في الغرب بتطوير القانون المقارن ويتمثل ذلك في:

  • استبدال المنهج التقليدي لـ "القانون التشريعي المقارن" بمنهج قادر على تفسير دور القانون في المجتمع، وهو ما صاغه في إطار "القضاء المقارن" (أو السوابق القضائية المقارنة).
  • وتحويل دراسة القانون إلى علم اجتماعي، حيث اختار بعض مساعديه من ذوي الخلفية السوسيولوجية وخصوصا مدرسة إيميل دوركهايم، وفي هذا السياق صك مصطلح " المفهوم العضوي للقانون" الذي يعني أن القانون كائن حي يرتبط بالبيئة الاجتماعية ويعبر عنها وليس مجرد نصوص جامدة [3].

 

مصنفاته

 وضع لامبير عددًا من المصنفات القانونية منها: "الاشتراط لمصلحة الغير في القانون الروماني والقانون الفرنسي"، وهو أطروحته للدكتوراه، وتعد من الأعمال التأسيسية التي بحثت في جذور العقود والالتزامات، وقد انعكس هذا الاهتمام لاحقا في إسهاماته في صياغة القوانين المدنية المختلفة، ومنها "دراسة القانون العام التشريعي: وظيفة القانون المدني المقارن" الصادر عام 1903، وهو أضخم أعماله -يربو على 900 صفحة-، بسط خلاله رؤيته حول دور القانون المقارن كأداة لاكتشاف "القانون الحي" والقواعد المشتركة بين الأمم. ومنها "حكومة القضاة والنضال ضد التشريع الاجتماعي في الولايات المتحدة" الصادر عام 1921، وصك خلاله مفهوم "حكومة القضاة" منتقدا تغول السلطة القضائية على الإرادة الشعبية. ويضاف إلى ذلك إشرافه على ترجمة القوانين السوفيتية (القانون المدني، قانون العمل، الأسرة).

وله كذلك كتابات أخرى متعلقة بمصر والشريعة ومنها تقرير حول مدرسة الحقوق الخديوية كتبه إبان إدارته للمدرسة في القاهرة (1906-1907)، وتناول فيه رؤيته لتطوير التعليم القانوني في مصر وحماية الشريعة الإسلامية من طغيان الأنظمة القانونية الوافدة. وكتاب "الشعبة الشرقية للدراسات القانونية والاجتماعية"، الصادر عام 1910، وهو يستعرض أهداف الشعبة ومناهجها، وقد أشار إليه في محاضرته لطلبة كلية الحقوق بالقاهرة عام 1937.

 

 

 

[1] انظر نص محاضرة لامبير في: محمد إبراهيم طاجن، أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، مركز نهوض للدراسات والنشر، 2020، ص 609.

[2] ليونارد وود، إحياء التشريع الإسلامي، ترجمة بدر الدين مصطفى، مركز نهوض للدراسات والنشر، ص 227-229.

[3] إدوارد لامبير: رائد القانون المقارن وعلم اجتماع القانون، https://n9.cl/9tku2.

 

الشيخ محمد العباسي المهدي الحفني الحنفي (1244 -1315ه/ 1828-1897) هو أحد رجال الشريعة البارزين في مصر خلال القرن التاسع عشر، تبوأ منصب مفتي المحروسة (مفتي الديار) طيلة نصف قرن تقريبا، واستطاع من خلال منصبه أن يشارك في عملية التشريع حيث كانت تُعرض عليه كثير من مشروعات القوانين لإبداء الرأي، كما كانت المحاكم المصرية ترفع إليه الدعاوى للتصديق على الأحكام إما بالموافقة أو التعديل، ولذا يعد مصنفه (الفتاوى المهدية) أهم موسوعة فقهية قانونية خلال القرن، علاوة على مشاركته في اختيار القضاة والمفتين في أنحاء القطر.

 

سيرته الذاتية

ولد الشيخ محمد العباسي المهدي في الاسكندرية عام 1244ه/1828م لأسرة معروفة مشهود لها بالعلم والثراء، كان جده محمد المهدي الحفني قبطيا وأسلم في صباه، ودرس بالأزهر وصار شيخا من شيوخه المعدودين، وتقرب من الأمراء والكبراء ومنحوه التزامات عديدة في البحيرة والمنوفية والجيزة وحصَّل من ذلك ثروة طائلة، وذاع صيته مع قدوم الحملة الفرنسية لحسن علاقاته بالفرنسيين وعاش مكرما في عهد محمد علي، ورغم شهرته العلمية لم يترك مؤلفات علمية لانهماكه في تحصيل أموال التزامه وتداخله في الدعاوى والفتاوى[1] أما الأب محمد أمين المهدي فقد درس العلم بالأزهر وتولى إفتاء الديار المصرية حتى وفاته عام 1247 ه/ 1831م.

 نشأ الشيخ المهدي في ظل هذه الأسرة التي جمعت بين الثراء والنفوذ المعنوي وتأهلت بذلك للارتباط بعلاقات مباشرة مع الأسرة العلوية الحاكمة ومع بعض النخب التركية الحاكمة، وقد انعكس ذلك على حياة الطفل العباسي المهدي الذي رحل أبوه وهو في الثالثة من عمره فلم يكابد الفاقة أو الحرمان؛ فقد تعهدته الأسرة بالرعاية وشرع في حفظ القرآن ثم حضر القاهرة عام 1255ه فأتم حفظ القرآن بها، وفي العام التالي جلس لتلقي العلم وكان من شيوخه: إبراهيم السقا الشافعي وخليل الرشيدي الحنفي والبلتاني الحنفي، ولم يتم دراسته حتى فاجأه قرار تعيينه مفتيا للديار المصرية عام 1264 ه/1848 م  ولم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره في ظل وجود من يفوقه سنا وعلما، إذ جاء تعيينه بناء على توصية من عارف بك شيخ الإسلام في استانبول الذي ولي قضاء مصر من قبل حين اقترح على ابراهيم نجل محمد علي تعيين أحد أنجال الشيخ أمين المهدي في منصب والده، حيث شغله لمدة نصف قرن مع انقطاعات يسيرة حتى وفاته 1311ه/1893م.

كان على الشيخ المهدي استكمال تكوينه الشرعي ونهض بعبء هذه المهمة بنفسه فجلس في بيته يطالع الكتب الفقهية المعتمدة في الفقه الحنفي حتى نال من الدراسات الفقهية نصيبا وافرا، فلم تحفظ عليه بادرة خطأ أو مخالفة للشرع وهو ما يعزوه أحمد تيمور إلى "أنه تولاه وهو صغير والعيون شاخصة إليه فكان لا يفتي فتوى إلا بعد المراجعة والتدقيق والتعب الكثير فحصلت له بذلك ملكة فيه حتى صار معدوم النظير، لا يجاريه مجار في هذا المضمار"[2].

وقد شاع عن الشيخ المهدي أنه لا يفتي إلا بالأقوال المعتمدة في المذهب الحنفي، ولا يخضع في فتواه لإكراهات الحكام والسياسة، إذ لم يستجب لرغبة الخديوي إسماعيل في اصدار فتوى تجيز له الاستيلاء على الأوقاف الأهلية، ولم يخضع لإكراهات أحمد عرابي للتوقيع على فتوى تجيز عزل الخديوي توفيق رغم إلحاح العرابيين مرة تلو أخرى فما كان منه إلا أن قال إنه لا يوقع بيده ولكن لهم أن يأخذوا خاتمه ليوقعوا بدله إن كانت المسألة غصبا، فأسقط في أيديهم وتولوا عنه"[3].

تسمح لنا هذه المواقف بالاستنتاج أن المهدي تمتع بشخصية قوية وأنه مارس عمله باستقلالية ونزاهة، وهو ما أكسبه احترامًا ونفوذا بين العام والخاص، فكانت فتاواه محط احترام ورأيه هو الرأي الفصل في المسألة، ولم يُعرف أن أحدهم اتهمه قط بالميل إلى الخصم أو بتلقي رشوة لتعيين أحد القضاة أو المفتين في منصبه.

 

مصنفاته

تعد الفتاوى المهدية العمل الفقهي الأبرز للشيخ المهدي*، وله رسالتان أخريان؛ الأولى: "الصفوة المهدية في إرصاد الأراضي المصرية" وهي رسالة قصيرة وجهها لسعيد باشا أفاد فيها بعدم جواز إبطال الإرصاد (الوقف) على الأراضي وقد ضمنها ضمن الفتاوى المهدية، والثانية "رسالة في تحقيق ما اشتهر من التلفيق احتيالا لمنع وقوع الطلاق الثلاث" وهي موجودة ضمن المكتبة الأزهرية.

تقع الفتاوى المهدية في سبع مجلدات ضخام ويصل عدد الفتاوى بها إلى قرابة 13500 فتوى، وقد اختارها المهدي للنشر من بين الفتاوى التي رفعت إليه خلال الفترة من (1264-1304ه/ 1848-1886م)، وهي أهم موسوعة فقهية قضائية مصرية في القرن التاسع، إذ ضمت ألوفا من الدعاوى التي رفعت إلى المهدي من المحاكم المصرية لإبداء الرأي، ولذلك حظيت الفتاوى باهتمام الدارسين مثل: رودلف بيترز، جوديث تاكر، كينيث كونو وغيرهم.

 

منهجه في الإفتاء

اتسم منهج المهدي الإفتائي بعدد من الخصائص المميزة في مقدمتها: إثبات تاريخ الفتوى على الهامش وترتيب الفصل من الأقدم إلى الأحدث، وعدم اللجوء إلى الشواهد الدينية من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وعدم إثقال الفتوى بالنصوص الفقهية إلا في حالة ما إذا تطلب الجواب دعما فقهيًا أو توضيحا، واقتصر الجواب على الحكم الشرعي في المسألة، كما بدا حريصًا على التثبت من صحة السؤال حتى أنه كان يسأل عن صحة واقعة السؤال، وربما استعلم عن بعض المعلومات التي يتضمنها السؤال رغم أنه مهمته تنحصر -شرعًا وقانونًا- في الإجابة عن السؤال المرفوع إليه.

واستخدم المهدي في تدوين الفتاوى لغة فقهية قانونية منضبطة ولم يستخدم لغة الإدارة المشبعة بالعامية، وهذه اللغة المنضبطة ساعدته في حجب آرائه الذاتية ومنعها من التسلل إلى النص الإفتائي، فلم يعلق على أي فتوى إلا نادرا وفي صورة توجيه عام وليس شخصي.

 

إسهامه في تنقيح كتاب (مرشد الحيران)

وإلى جوار الفتاوى المهدية اضطلع المهدي -بمساعدة الشيخ حسونة النواوي- بمهمة مراجعة كتاب (مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان) بعد وفاة قدري باشا، ويبدو أن المهدي والنواوي بذلا جهدا كبيرا تراوح بين التغيير والإصلاح والتطبيق طبقا لما عليه العمل في المذهب الحنفي، والإحالة المرجعية في الهامش إلى المصادر الفقهية لكل مادة من مواد القانون البالغ عددها 941 مادة، وانفرد المهدي بوضع فهرست للكتاب ومراجعة نسخ الكتاب المتعددة ومطابقتها للنسخة الأصلية بعد تبيضها، وكان هذا العمل من الضخامة بحيث استغرق قرابة عام حتى صدر الكتاب عام 1308ه/ 1891م[4]. وهذه التعديلات والتصويبات التي أدخلها الشيخان وما أنفقاه من وقت يفهم منه أن محاولة قدري باشا لم تكن مكتملة من الناحية الشرعية وأنهما يعدان شريكان في محاولة التقنين ولو بالمراجعة والتصويب[5].

ظل الشيخ يمارس عمله الإفتائي حتى أصيب بالشلل ومكث في منزله فترة قصيرة إلى أن توفي عام 1897.

 

[1] الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج4، ص 372.

[2] أحمد تيمور، تراجم أعيان القرن الثالث عشر، دون تاريخ، ص 77.

[3] نفس المرجع السابق، ص72-78.

* لم يذكر ابنه في ترجمته سوى هذا العمل، فضلا عن أن المؤرخ رودلف بيترز أحد أهم المؤرخين لسيرة العباسي المهدي لم يثبت له سوى هذا العمل.

[4] محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية، 1308ه/1891م، ط2، ص 2-7.

[5] فاطمة حافظ، الفتوى والحداثة: تطور علاقة الدولة بالشريعة في مصر القرن التاسع عشر، مركز نماء للبحوث والدراسات، ص 126.

مقدمة

هذا اقتراح بمشروع لدستور للدولة المصرية يعتمد في جوهره على الإسلام فهو مستمد في أصوله من أحكام القرآن وسنة الرسول وأساليب الحكم في عهد الخلفاء الراشدين.

وإذ فُصلت نصوصه على هذا النحو بدا مسايرا لأصلح ما في النظم الدستورية المعاصرة: كالنظام الرئاسي régime présidentiel (المعمول به في الولايات المتحدة في الأمريكية). وفى نظام حكومة الجمعية Gouvernement d'assemblée (الذي أخذت به بعض الدساتير الأوروبية كدستور النمسا الصادر في سنة ١٩٢٠، والدستور التركي الصادر في سنة ١٩٢٤ والدستور السويسري الحالي)، كما بدا خاليا مما في تلك النظم من أوضاع أجمع على فسادها الفقه الدستوري الحديث.

وكذلك بدا المشروع مجافيا كل المجافاة للنظام البرلماني Régime parlementaire الذي نشأ في إنجلترا ثم انتقل منها إلى غيرها من البلاد؛ كفرنسا وبلجيكا ومصر حالا، وذلك لما ينطوي عليه هذا النظام -على وجه الخصوص- من استقلال رئيس الدولة عن الهيئة التي تمثل الأمة فلا يسأل أمامها عن تصرفاته في شؤون الدولة سياسيا (ولا جنائيا إن كان ملكا؛ إذ الأصل في رئيس الدولة (الملك) -حيث نشأ هذا النظام (في إنجلترا)- أنه فوق البشر، ذاته مقدسة مصونة، معصوم من الخطأ، مؤيد موفق مسدد (The King can do no wrong) (الملك لا يخطئ)، فاعتباره مسؤولا فيه تعد على قداسته. أما الإسلام فلا يعرف العصمة إلا على أساس أنها لله وحده دون عباده، حتى الأنبياء منهم والمرسلين.

فكيان الحكومة في المشروع يتلخص في وجود هيئة حاكمة تتكون من مجلس الأمة ورئيس الدولة. ومجلس الأمة الذي يتألف من أعضاء منتخبين هو الذي يباشر سلطات الأمة بالنيابة عنها، فينفرد بالتشريع ويفوض رئيس الدولة في التنفيذ. أما رئيس الدولة فيختاره مجلس الأمة لمدى الحياة، وهو يباشر التنفيذ ويسأل عن مباشرته له أمام مجلس الأمة سياسيا وجنائيا، فإذا ثبتت مسؤوليته انعزل عن الرياسة. وثمة وزراء يعينهم رئيس الدولة ويعزلهم، وهم تابعون له لا استقلال لهم يساعدونه في أداء وظيفته التنفيذية ويسألون أمامه سياسيا وأمام مجلس الأمة جنائيا، ويسأل الرئيس سياسيا أمام هذا المجلس عن تصرفاتهم. وليس لرئيس الدولة في مقابل ذلك كله أية وسيلة يؤثر بها على مجلس الأمة، فمجلس الأمة: مجلس دائم الأصل فيه أنه ينعقد من تلقاء نفسه وليس لرئيس الدولة ولا لوزرائه حق حضور جلساته من حيث المبدأ ولا حق حلِّه على عكس الحال في النظام البرلماني. وكيان الحكومة على هذا الوضع مفصل على تعاليم الإسلام وأساليبه الحقة في هذا الصدد، وإذ فصل على هذا النحو بدا كما أشرنا متفقا مع أصلح ما في النظم الدستورية المعاصرة، خاليا مما فيها من أوضاع اثبت العمل فسادها.

ولقد نقل المشروع عن الدستور المصري الحالي بعض أحكامه (كالخاصة "بالمالية") لعدم مجافاتها لتعاليم الإسلام من جهة: ولثبوت صلاحيتها في التطبيق من جهة أخرى.

ونقلا عن تعاليم الإسلام تضمن المشروع ما يكفل للفرد حياة كريمة في مجتمع متضامن عن طريق وضع حد لاستغلال الفرد للفرد، وإلزام الدولة بأن تضمن للفرد مستوى ماديا معينا بما يدعم في نفس الوقت الحريات الفردية، فلا تقتصر الإفادة بهذه الحريات على فريق من الأمة دون فريق كما هي الحال في الديمقراطيات الغربية الفردية النزعة وفي ظل الدستور المصري الحالي.

وتمشيا مع روح الإسلام التي ترى في كفالة الحقوق الاجتماعية على النحو السابق -ضمانا للإفادة من الحريات الفردية- جعل المشروع الصدارة للحقوق الاجتماعية فأوردها في صدر الباب الرابع قبل الحريات الفردية، مجافيا في ذلك الدساتير الغربية الفردية النزعة التي إما أن تكتفى بضمان الحريات الفردية دون الحقوق الاجتماعية، وإما أن تجعل للأولى الصدارة على الأخيرة. هذا وقد أفاد المشروع من حيث الصياغة -دون الجوهر- من وثيقة الإعلان العالمي الأخير لحقوق الإنسان.

وتمشيا مع أحكام الإسلام وتعاليمه الحقة اعتبر المشروع مقاومة الهيئة الحاكمة إن جارت من أقدس حقوق المواطن وألزم واجباته، وهو بذلك يخالف الدساتير الديمقراطية المعاصرة قاطبة؛ فهي ترى في مباشرة هذا الحق الطبيعي جريمة تهدد سلامة الجماعة وأمنها.

والمشروع -كما يبدو واضحا من نصوصه- يسوّد أحكام الإسلام وتعاليمه، فيُخضع لها ولأحكام الدستور جميع التشريعات التي تصدر عن الهيئة الحاكمة، وضمانا لذلك خوَّل المشروع القضاء الرقابة على دستورية القوانين.

ولنا إلى كل ذلك رجعة بالتفصيل في مذكرة إيضاحية سنصدرها قريبا إن شاء الله.

الاسكندرية فى

| ٢٥ ذو الحجة سنة ١٣٧١

| ١٦ سبتمبر سنة ١٩٥٢

دكتور محمد طه بدوى

 

 

 

الباب الأول في السيادة

مادة ١: مصر دولة إسلامية حكومتها نيابية.

مادة ٢: تباشر الأمة سلطانها عن طريق هيئة تنوب عنها.

 

الباب الثاني: في الهيئة الحاكمة

مجلس الأمة

مادة ٣: يؤلف مجلس الأمة من مائتي عضو منتخبين بالاقتراع المقيد بشرط الأهلية الثقافية على مقتضى قانون الانتخاب.

مادة ٤: يشترط في عضو مجلس الأمة أن يكون مصريا حسن السمعة وأن تكون سنّه أربعين سنة هجرية كاملة على الأقل وأن يكون على درجة من الأهلية الثقافية يحددها قانون الانتخاب.

مادة ٥: مدة العضوية خمس سنوات.

مادة ٦: ينتخب المجلس رئيسا ووكيلا سنويا في آخر كل دور انعقاد عادى، ويتم الانتخاب وفق لائحة المجلس الداخلية.

مادة ٧: مركز مجلس الأمة مدينة القاهرة إلا إذا اقتضت الضرورة اجتماعه في جهة أخرى.

مادة ٨: عضو المجلس ينوب عن الأمة كلها: فلا ينوب عن دائرته فحسب.

مادة ٩: مجلس الأمة هو الذي يباشر سلطات الأمة بالنيابة عنها.

مادة ١٠: فهو الذي يتولى التشريع في حدود تعاليم الإسلام ويفوض الرئيس في التنفيذ.

مادة ١١: قبل أن يتولى أعضاء المجلس عملهم يقسمون علنا بقاعة جلساته أن يكونوا مخلصين لله ثم للوطن مطيعين أحكام الدستور نصا وروحا.

مادة ١٢: يختص المجلس بالفصل في صحة نيابة أعضائه وفق لائحة المجلس الداخلية.

مادة ١٣: مجلس الأمة مجلس دائم ينعقد من تلقاء نفسه بدعوة من رئيسه أو وكيله في حالة غياب الرئيس في يوم السبت الأول من شهر، ويدوم دور انعقاده إلى آخر شهر (أي عشرة شهور) ورئيس المجلس هو الذي يفض الدورة.

مادة ١٤: ومع ذلك يجوز لرئيس المجلس أو وكيله في غيبة الرئيس أو رئيس الدولة أن يدعو المجلس إلى الانعقاد في أثناء العطلة البرلمانية إن استدعت الضرورة البت في أمر من الأمور التي تدخل في اختصاصه، ويصح أن يتم ذلك بناء على طلب أكثر من ثلث أعضاء المجلس.

مادة ١٥: جلسات المجلس علنية ويجوز عند الضرورة القصوى أن تكون سرية وفق أحكام اللائحة الداخلية.

مادة ١٦: لا يجوز أن يقر المجلس قرارا إلا إذا حضر الجلسة أغلبية الأعضاء الذين يتكون منهم المجلس، ويستثنى من ذلك الاقتراع على مسألة الثقة برئيس الدولة فإنه يشترط للنظر فيها ولاتخاذ قرار بشأنها أن يحضر الجلسة أكثر من ثلثي الأعضاء الذين يتكون منهم المجلس، وتصدر قرارات المجلس بالأغلبية المطلقة وذلك في غير الأحوال المشترطة فيها أغلبية خاصة.

مادة ١٧: لا يجوز مؤاخذة الأعضاء عما يبدون من الأفكار والآراء في المجلس.

مادة ١٨: لا يجوز أثناء دورة الانعقاد القبض على عضو المجلس إلا بإذن المجلس.

مادة ١٩: لا يجوز فصل العضو إلا بقرار مسبب من المجلس بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم.

مادة ٢٠: تجرى الانتخابات العامة لتجديد مجلس الأمة في خلال المائة يوم السابقة لانتهاء مدة نيابته وفى حالة استحالة إجراء هذه الانتخابات في هذه الفترة فان مدة نيابة المجلس تمتد إلى حين تمام الانتخابات المذكورة.

مادة ٢١: إذا خلا محل أحد أعضاء المجلس بالوفاة أو الاستقالة أو لأى سبب آخر ينتخب بدله في مدى شهر من يوم خلو المكان فعلا، ولا تدوم نيابة العضو الجديد إلا إلى نهاية مدة سلفه.

مادة ٢٢: يضع المجلس لائحته الداخلية.

مادة ٢٣: تحدد مكافأة عضو المجلس بقانون.

مادة ٢٤: لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الأمة وأية وظيفة عامة، ويستثنى من ذلك أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية وينظم قانون الانتخاب طريقة اختيار ممثلى الجامعات.

 

رئيس الدولة

مادة ٢٥: يختار مجلس الأمة من بين أعضائه رئيسا للدولة المصرية لمدى الحياة، كما يجوز له أن يختار رئيسا من غير أعضائه وفى هذه الحالة يشترط لصحة التعيين أن يكون الاختيار بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتكون منهم المجلس، وأن تتوافر في المختار ما يجب توفره في عضو مجلس الأمة.

مادة ٢٦: قبل أن يباشر رئيس الدولة سلطاته يحلف اليمين الآتية أمام المجلس، «أحلف بالله العظيم أني أحترم الدستور نصا وروحا».

مادة ٢٧ـ إثر وفاة الرئيس يجتمع المجلس خلال عشرة أيام من تاريخ الوفاة لينتخب رئيسا جديدا، وحتى يتم الانتخاب يتولى رئيس مجلس الأمة سلطات رئيس الدولة وكذلك الحال عند خلو رئاسة الدولة لأى سبب آخر.

مادة ٢٨: لا يجوز الجمع بين رئاسة الدولة وأية وظيفة عامة، أو خاصة بأجر أو بغير أجر.

مادة ٢٩: رئيس الدولة مسؤول لدى مجلس الأمة عن تصرفاته في شؤون الدولة؛ سياسيا وجنائيا.

مادة ٣٠: إذا قرر مجلس الأمة عدم الثقة برئيس الدولة انعزل عن الرئاسة.

مادة ٣١: للمجلس حق اتهام رئيس الدولة فيما يقع منه من الجرائم أثناء تأدية وظيفته ولا يصدر قرار الإدانة إلا بأغلبية ثلثي الأعضاء.

مادة ٣٢: يحاكم رئيس الدولة عما يقع منه من جرائم بمناسبة أداء وظيفته أمام مجلس الأمة وتتبع في محاكمته الإجراءات والأوضاع الواردة بلائحة المجلس الداخلية.

مادة ٣٣: يسأل رئيس الدولة مدنيا وجنائيا أمام جهات القضاء العادي في غير الحالة المتقدمة، شأنه في ذلك شأن كل مواطن عدا أنه لا يجوز القبض عليه إلا بعد الحصول على إذن مجلس الأمة.

مادة ٣٤: ليس لرئيس الدولة حق حضور جلسات مجلس الأمة إلا بدعوة من المجلس لسؤاله أو لاستجوابه، ولكنه يستطيع مكاتبة المجلس عن طريق رئيسه.

مادة ٣٥: يساعد رئيس الدولة في أداء وظيفته التنفيذية وزراء يتولون الوزارات المختلفة التي ينظمها القانون.

مادة ٣٦: رئيس الدولة يعين الوزراء ويقيلهم.

مادة ٣٧: يسأل كل وزير أمام رئيس الدولة سياسيا.

مادة ٣٨: يكون رئيس الدولة مسؤولا سياسيا عن تصرفات وزرائه أمام مجلس الأمة.

مادة ٣٩: يسأل الوزير جنائيا أمام مجلس الأمة وتسرى في ذلك أحكام المادتين ٣١ و٣٢.

مادة ٤٠: يشترط فيمن يختاره رئيس الدولة وزيرا ما يشترط في عضو مجلس الأمة.

مادة ٤١: لا يجوز الجمع بين الوزارة وبين أية وظيفة عامة، أو خاصة بأجر أو بغير أجر.

مادة ٤٢: ليس للوزراء حق حضور جلسات مجلس الأمة إلا بوصفهم من الجمهور ولكن للمجلس أن يستدعيهم ليستمع إليهم بناء على طلب منهم أو ليستفسر هم عن أمر معين وفق الأوضاع الواردة بلائحة المجلس الداخلية.

مادة ٤٣: لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة أن يوجه إلى رئيس الدولة أسئلة واستجوابات وذلك على الوجه المبين باللائحة الداخلية للمجلس.

 

الباب الثالث: في توزيع وظائف الدولة

الوظيفة التشريعية

مادة ٤٤: الوظيفة التشريعية يتولاها مجلس الأمة في حدود تعاليم الإسلام وأحكام هذا الدستور.

مادة ٤٥: لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة ولرئيس الدولة حق اقتراح القوانين بما لا يجافى الإسلام.

مادة ٤٦: لا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلس بأغلبية أعضائه.

مادة ٤٧: طريقة عرض الاقتراح على المجلس وكل ما يوصل إلى اتخاذ قرار من شأنه تنظمه اللائحة الداخلية لمجلس الأمة.

مادة ٤٨: يبعث رئيس مجلس الأمة بالقانون بعد اقرار المجلس له إلى رئيس الدولة ليصدره، فاذا لم يصدر رئيس الدولة القانون في مدى عشرة أيام أصدره رئيس المجلس وسُئل عن ذلك رئيس الدولة سياسيا لدى المجلس، الا إذا كان الامتناع عن الاصدار لمخالفة القانون لأحكام الإسلام أو أحكام الدستور، وفى هذه الحالة يتحتم على الرئيس رد القانون الى المجلس في المدة المذكورة مشفوعا بما يوضح هذه المخالفة.

 

الوظيفة التنفيذية

مادة ٤٩: الوظيفة التنفيذية يتولاها رئيس الدولة في حدود هذا الدستور.

مادة ٥٠: رئيس الدولة يصدر القوانين.

مادة ٥١: تكون القوانين نافذة في جميع أنحاء الدولة المصرية بإصدارها، ويستفاد هذا الإصدار من نشرها في الجريدة الرسمية، ويحدد القانون بدء تاريخ العمل به ولا تجري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها ما لم ينص على ذلك بنص خاص.

مادة ٥٢: لرئيس الدولة أن يضع اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها وليس له بأية حال أن يضع لوائح مستقلة.

مادة ٥٣: رئيس الدولة يرتب الوزارات والمصالح العامة ويولي ويعزل الموظفين على الوجه المبين بالقوانين.

مادة ٥٤: رئيس الدولة هو القائد الاعلى للقوات المسلحة وهو الذي يولى ويعزل الضباط على الوجه المبين بالقوانين.

مادة ٥٥: رئيس الدولة يعلن الحرب الدفاعية ثم يعرض الأمر على مجلس الأمة.

مادة ٥٦: وهو الذي يعلن الحرب الهجومية ويبرم المعاهدات بعد موافقة مجلس الأمة.

مادة ٥٧: وهو الذي يعين الممثلين السياسيين ويقبلهم على الوجه المبين بالقوانين.

مادة ٥٨: وهو الذي يباشر حق العفو وتخفيض العقوبة على الوجه المبين بالقوانين والعفو الشامل لا يكون الا بقانون.

 

الوظيفة القضائية

مادة ٥٩: السلطة القضائية تتولاها المحاكم وتصدر الأحكام باسم الله جل جلاله.

مادة ٦٠: تنظيم القضاء وتعيين القضاة ورجال النيابة العمومية يكون على الوجه المبين بالقوانين.

مادة ٦١: للقاضي أن يمتنع من تلقاء نفسه عن تطبيق أى قانون مخالف لأحكام هذا الدستور نصا أو روحا.

مادة ٦٢: وللمتقاضين أن يطلبوا الى القاضي ذلك أثناء النظر في النزاع.

مادة ٦٣: لكل مواطن الحق في رفع دعوى يطالب فيها بإبطال قانون مخالف لأحكام الإسلام أو الدستور أو مجاف لهما أمام محكمة خاصة ينظمها القانون.

 

المالية

مادة ٦٤: تنشأ الضرائب وتعدل وتلغى بقانون.

مادة ٦٥: عقد القرض العام لا يتم الا بقانون، وكذلك الحال بالنسبة لأى تعهد يترتب عليه إنفاق مبالغ من خزانة الدولة في سنة أو سنوات مقبلة، وكذلك كل التزام موضوعه استغلال مورد من موارد الثروة الطبيعية في البلاد أو مصلحة من مصالح الجمهور العامة، وكل احتكار، ولا يجوز منحه إلا بقانون والى زمن محدود.

مادة ٦٦: الميزانية الشاملة لإيرادات الدولة ومصروفاتها يجب تقديمها إلى البرلمان قبل ابتداء السنة المالية بأربعة شهور على الأقل لفحصها واعتمادها- وتنظر الميزانية بابًا بابًا، والسنة المالية يعينها القانون.

مادة ٦٧: لا يجوز فض دور انعقاد مجلس الأمة قبل الفراغ من تقرير الميزانية.

مادة ٦٨: إذا لم يصدر القانون بالميزانية قبل ابتداء السنة المالية يُعمل بالميزانية القديمة حتى يصدر القانون بالميزانية الجديدة.

مادة ٦٩: كل مصروف غير وارد بالميزانية أو زائد على التقديرات الواردة فيها يجب أن يأذن به مجلس الأمة وكذلك يجب استئذانه كلما أريد نقل مبلغ من باب إلى آخر من أبواب الميزانية.

مادة ٧٠: الحساب الختامي للإدارة المالية عن العام المنقضي يقدم إلى البرلمان في مبدأ كل دور انعقاد لاعتماده.

 

القوات المسلحة

مادة ٧١: ينظم القانون قوات الجيش وطريقة التجنيد.

مادة ٧٢: الخدمة العسكرية إلزامية للمصريين جميعا على الوجه المبين بالقانون.

مادة ٧٣: يحرم من ثبت فراره من الخدمة العسكرية من مباشرة حقوقه السياسية.

مادة ٧٤: ينظم القانون هيئات البوليس واختصاصاتها.

 

الإدارة المحلية

مادة ٧٥: تعتبر المديريات والمدن والقرى فيما يختص بمباشرة حقوقها أشخاصا اعتبارية وتمثلها مجالس المديريات والمجالس البلدية المختلفة.

مادة ٧٦: يبين القانون اختصاص هذه المجالس وينظمها وينظم علاقاتها بجهات الحكومة.

 

الباب الرابع: في حقوق الأفراد

مادة ٧٧: يولد الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق والحريات بدون أى تمييز بحسب الاصل أو اللغة أو الدين أو اللون وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الاخوة.

مادة ٧٨: لكل فرد الحق في الحياة وفى الحرية وفى المساواة أمام القانون وفى أن يعيش آمنا مطمئنا.

مادة ٧٩: لكل فرد الحق في العمل والحرية في اختياره بشروط عادلة مجزية وله الحق في الحماية من البطالة، وللجميع الحق في الحصول على أجر متساو عن عمل متساو.

مادة ٨٠: لكل من يعمل، الحق في أجر عادل يضمن له ولأسرته حياة تتفق مع الكرامة البشرية، ويكمل عند الضرورة بأية وسيلة من وسائل الحماية الاجتماعية.

مادة ٨١: لكل فرد الحق في أن يكون مع غيره نقابات وفى أن ينضم الى نقابات للدفاع عن مصالحه.

مادة ٨٢: تكفل الدولة لكل فرد مستوى من الحياة يضمن له ولأسرته الصحة والرخاء، وبخاصة فيما يتعلق بالمأكل والملبس والمسكن والخدمات الصحية والاجتماعية الضرورية، كما تكفل الدولة للفرد الضمان في حالة البطالة والمرض والعجز عن العمل والترمل والشيخوخة وفى الحالات الأخرى التي يفقد فيها وسائل كسب قوته نتيجة لظروف لا دخل لارادته فيها.

مادة ٨٣: تقدم الدولة للأمومة والطفولة المساعدة والإعانة الكافية.

مادة ٨٤: لكل فرد الحق في التعليم، وتكفل له الدولة التعليم في مختلف مراحله، ويجب أن يهدف التعليم الى تقوية الكرامة البشرية وتنمية الفضائل.

مادة ٨٥: لا يجوز القبض على أحد أو حبسه أو نفيه بإجراء تحكمي، ولا يجوز أن يتعرض أحد لتدخل تحكمي في حياته الخاصة أو في أسرته أو في منزله أو مراسلاته.

مادة ٨٦: لكل فرد الحق في التنقل بحرية داخل الدولة.

مادة ٨٧: لكل فرد الحق في الملكية بصفة فردية أو جماعية ولا يجوز حرمان أحد من ملكه بإجراء تحكمي.

مادة ٨٨: لكل فرد الحق في حرية التفكير والاعتقاد والتدين.

مادة ٨٩: لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير.

مادة ٩٠: لكل فرد الحق في حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات السلمية.

مادة ٩١: مقاومة جور الحكام تعتبر بالنسبة لكل مواطن ولجميع المواطنين أقدس الحقوق وألزم الواجبات.

مادة ٩٢: لا يجوز إبعاد مواطن من الديار المصرية.

مادة ٩٣: للمواطنين حق تقديم العرائض الى الهيئات الحاكمة.

مادة ٩٤: لا يخضع الفرد عند مزاولة حقوقه والتمتع بحرياته السابقة إلا للقيود التي ينص عليها القانون لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياتهم واحترامها ولحماية مقتضيات الأخلاق والنظام العام والرفاهية العامة في مجتمع إسلامي، ولا يجوز في أية حالة مزاولة هذه الحقوق والحريات على نحو يتعارض مع الإسلام نصا أو روحا.

مادة ٩٥: لا يجوز تعطيل هذه الحريات إلا بقانون، ويكون ذلك لمدة معينة ولظروف تقتضيها سلامة الدولة.

 

الباب الخامس: أحكام عامة ووقتية

أحكام عامة

مادة ٩٦: الجنسية المصرية يحددها القانون.

مادة ٩٧: الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية.

مادة ٩٨: الإسلام لا يعترف داخله بالفرق والطوائف الدينية.

مادة ٩٩: يترك لأفراد كل طائفة من غير المسلمين أمر اختيار الرؤساء الدينيين وفق قانون ينظم هذه الطوائف.

مادة ١٠٠: تسليم اللاجئين السياسيين محظور مع عدم الاخلال بالاتفاقات الدولية.

مادة ١٠١: لا يجوز تنقيح حكم من أحكام هذا الدستور بتعديل أو حذف أو إضافة إلا بموافقة ثلاثة أرباع الأعضاء الذين يتكون منهم مجلس الأمة. ومع ذلك فان الأحكام الخاصة بسيادة القرآن وبنظام الحكم وبحقوق الأفراد وبمبادئ الحرية والمساواة الواردة في هذا الدستور لا يجوز تنقيحها.

 

أحكام وقتية

مادة ١٠٢: تلغى جميع النصوص التشريعية المعمول بها وقت صدور هذا الدستور المخالفة أو المجافية لأحكامه أو روحه وتستبدل بها تشريعات تساير أحكام الإسلام وتعاليمه.

مادة ١٠٣: تحل جميع الطوائف الدينية الإسلامية وتنتقل أموالها الى جهة بر يعينها قانون الحل.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* الدكتور محمد طه بدوي، يعتبر واحدًا من أهم أعلام العلوم السياسية، ليس في مصر فحسب، بل في الوطن العربي أيضًا، ولقد كان رحمه الله يشغل منصب أستاذ كرسي العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية منذ نهاية الأربعينيات وحتى وفاته عام 1996م.

سيدي الرئيس – سيداتي – سادتي:

منذ خمسة عشر عامًا وقفت هذا الموقف، أؤبن أحد اثنين، لم تر مصر مثلهما في القرن العشرين سمو مكانة في القانون، وعلو قدر في القضاء والتشريع. منذ خمسة عشر عامًا وقفت أؤبن عبد العزيز فهمي، عضو المجمع، ومؤسس محكمة النقض، والعملاق الذي جلس على عرش القضاء في مصر بعد أن جلس على عرش المحاماة، وبعد أن حلَّق في سماء القانون، لا يتعلق ند بأذياله، ولا يلحق أحد بغباره. وكان من حظي -بل كان من سوء الحظ- أن أقف اليوم أؤبن العملاق الثاني. ولا يمكن أن يذكر عبد العزيز فهمي دون أن يذكر عبد الحميد بدوي. فعبد الحميد ثاني اثنين إذ هما طليعة رجال القانون، يطبعان بطابعهما الفذ أجيالا متعاقبة من رجال القانون.

هذان العملاقان، اللذان سادا عالم القانون في الشرق العربي نصف قرن كاملًا، يختلفان طبعًا ومزاجًا، حتى ليكاد أحدهما أن يكون نقيض الآخر. عبد العزيز حاد المزاج، عنيف الطبع، يصبر قليلا ثم يندفع. يعيش في الجلبة والضوضاء فلا يراهما يتنافران مع طبعه. إذا أحاطت به الجماهير، فهو لها وهي له، وإن كان لا يعتمد على الجماهير ولا يؤمن بها. أما عبد الحميد بدوي فهو هادئ المزاج، غير عنيف، يصبر طويلا ثم لا يندفع. يكره الجلبة والضوضاء، ويعزف عنهما بطبعه. ويعلو بأرستقراطية تفكيره وعلو ثقافته عن مستوى الجماهير، فهو لا يألفها وهي لا تألفه. هذا الفرق الجوهري في المزاج والطبع بين الرجلين، هو الذي أخذ بكل منهما في طريق غير الطريق الذي سلكه الآخر.

لم يألف عبد العزيز فهمي الوظيفة، بل أسرع إلى تركها. وعمل في المحاماة، حيث يتسع هذا الميدان الحر لمواهبه الفذة. فما لبث أن أصبح من أنبه المحامين صيتًا، وأعلاهم اسمًا. ثم انخرط في الحركة الوطنية، فما لبث أن أصبح من أكبر زعماء هذه الحركة. ولما عاد إلى الوظيفة، جلس من القضاء في مقعد الرياسة، وأسس محكمة النقض، فكانت أحكامه مدوية لا في الأوساط القضائية فحسب، بل فيها وفي أوساط الجماهير، حتى عرف رجل الشارع من هو هذا الرجل الذي يلقى من فوق منصة القضاء أجَلّ الدروس وأسماها في العدالة والوطنية.

ونجح عبد الحميد بدوي في الوظيفة إلى أبعد حدود النجاح، وهي لا تتنافر مع طبعه، فما لبث أن أصبح أسيرًا لنجاحه في الوظيفة. وبقي فيها محتجبًا عن الجماهير، لا يعرفه رجل الشارع، إلا في الحدود التي يعرف فيها أسماء الكبراء والعظماء من أهل هذا البلد. دخل الحركة الوطنية كما دخلها عبد العزيز فهمي، ولكنه دخلها يمثل الموظفين في هذه الحركة ويقوم عنهم بنصيبهم فيها. ثم دخل السياسة، ولكنه دخلها في غير جلبة ولا ضوضاء، فكان وراء المفاوضات التي دارت بين مصر وإنجلترا. ثم دخل السياسة من الباب الرسمي، فصار وزيرًا غير مرة، وعُين عضوًا في مجلس الشيوخ. ولكنه سرعان ما سئم حياة السياسة الصاخبة، فاعتصم منها بمنصب في القضاء، ولكن أين؟ أفي محكمة النقض المصرية، كما فعل عبد العزيز فهمي حيث بقي متصلًا بالأوساط المصرية، بل وبالجماهير؟ كلّا، إنه اختار مكانه في أعلى محكمة أرستقراطية في العالم، محكمة العدل الدولية، بعيدًا عن الجماهير، بل بعيدًا عن الأوساط القانونية المصرية. ولم يكن دخول هذه المحكمة سهلًا على مصري، لولا أن هذا المصري كان عبد الحميد بدوي. ذلك أن الفقيد كان علمًا من الأعلام التي ترفرف في سماء الفكر والعلم والقانون. فكان معروفًا جد المعرفة في أوساط الصفوة المختارة من رجال الفكر والعلم والقانون، ليس في مصر فحسب، وليس في الشرق العربي فحسب، بل أيضًا في زهرة الأوساط الدولية في أوربا وفي أمريكا. وهذا هو الذي يسر له دخوله في محكمة العدل الدولية. وهكذا عاش عبد الحميد بدوي بعيدًا عن الجماهير طوال حياته، يعزف عنها بحكم انصرافه إلى أعمال الفكر المضنية التي كانت تقتضيها منه الوظيفة، ثم بحكم هذه الأرستقراطية الفكرية التي تميزت بها ثقافته. عاش بعيدًا عن الجماهير بحكم وظيفته، ثم بحكم ثقافته.

كان نجاح عبد الحميد بدوي في الوظائف التي تولاها نجاحًا منقطع النظير. وقد دخل الحياة العامة عن طريق الوظيفة، وبقي في الحياة العامة مدة طويلة وهو في الوظيفة، حتى لقد قضى زهرة شبابه والجزء الأكبر من عمره والوظيفة تستأثر به. وبقيت ميادين الحياة الحرة محرومة من خدماته، ولو طرقها لكان فارسها المجلى. وقد كبرت الوظيفة به، ولم يكبر هو بالوظيفة. بل لقد عاش، كما قدمت، أسيرًا لنجاحه في الوظيفة. ولم يكن عبد الحميد بدوي ينتمي إلى أسرة عريقة في الأرستقراطية، ولكنه كان هو نفسه أرستقراطيًا، أرستقراطيًا في مكانته، أرستقراطيا في ترفعه وأنفته، وهذه هي الأرستقراطية الحقة.

وإذا كان الفقيد ينتمي بأسرته إلى الطبقة الوسطى، فهذه الطبقة من الأمة -من كل أمة- هي عمودها الفقري. وليس لأمة أن تؤمل في النهوض بغير جهود الطبقة الوسطى من رجالها. ففي هؤلاء الرجال يوجد العلماء والفنيون، ورجال الفكر والأدب، ورجال الصناعة والتجارة، وعمد النهضة الاقتصادية والنهضة الفكرية، يوجد كل شخص قادر على أن ينهض بالأمة وأن يسير بها قدمًا إلى الأمام. ألم يكن أحمد عرابي، ومحمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، وسعد زغلول، ومصطفى كامل، وطلعت حرب، وعبد العزيز فهمي، وعبد الحميد بدوي، ومئات آخرون غيرهم، وهم قادة مصر وأعلامها في تاريخها الحديث، ينتمون إلى الطبقة الوسطى؟ وسموا الطبقة الوسطى بما تشاؤون من الأسماء، سموها الطبقة البورجوازية، أو سموها الطبقة الرأسمالية، فهي هي دائما الطبقة الوسطى، فهي هي دائما العمود الفقري للأمة. وعندي أن الخير ليس هو في إنزال الطبقة الوسطى إلى منزلة الطبقة الدنيا، بل الخير هو في رفع الطبقة الدنيا إلى منزلة الطبقة الوسطى. وإذا أريد للأمة أن تتوحد في طبقة واحدة، فهذه الطبقة ينبغي أن تكون هي الطبقة الوسطى.

وكان عبد الحميد بدوي، وهو أحد المنتمين إلى الطبقة الوسطى، سيد جيله دون منازع، في غير ما جلبة ولا ضوضاء. وله في ميدان الجهاد الوطني الصامت مآثر لا تنسى. فهو وراء جميع المفاوضات المتعاقبة التي دارت بين مصر وإنجلترا، منذ أن عرضت إنجلترا على مصر مشروع ملنر، وكانت ملوك مصر، وجميع الحكومات المصرية المتعاقبة، تثق به ثقة لا حد لها. لجأ إليه الملك فؤاد، بالرغم مما كان بينهما من جفوة، في أهم عمل كان يعنيه، وهو تصفية حسابه مع الخديوي عباس. ولجأت إليه الحكومة الوفدية، وكانت لا تعتبره من رجالها، ولكنها لم تجد مناصًا، في مؤتمر مونتريه، من الالتجاء إلى قدرته الممتازة وكفايته الفذة.

ومما يؤثر عن الفقيد أنه كان، في كل عمل يتولاه، أصغر من تولى هذا العمل سنًا في الجيل الذي عاش فيه. حصل على شهادة البكالوريا في سن السابعة عشرة، في جيل كان لا يحصل فيه على هذه الشهادة إلا من بلغ العشرين أو جاوزها. وحصل على شهادة الليسانس في الحقوق وهو في سن الحادية والعشرين، وعلى درجة الدكتوراه في القانون وهو في سن الخامسة والعشرين وفي هذه السن نفسها عين مدرسًا في مدرسة الحقوق الخديوية. ثم تولى الوظائف المتعاقبة التي تولاها بعد ذلك، وهو أصغر أقرانه سنًا. حتى لقد ولى منصب المستشار الملكي وهو في سن الخامسة والثلاثين، وولى منصب كبير المستشارين الملكيين وهو في التاسعة والثلاثين. وقد حدثني أحد المستشارين الملكيين أنهم قعدوا يومًا يسنون قانونًا يتضمن فيما يتضمن الحد الأدنى لسن من يعين مستشارًا ملكيًا. فرأى بعض منهم أن يرتفع بهذه السن إلى ما فوق الأربعين. وكان عبد الحميد بدوي يرأس الاجتماع، فاستحيا المجتمعون أن يرفعوا سن المستشار إلى ما فوق الأربعين، وهم يرون رئيسهم وقد بلغ منصب المستشار في سن الخامسة والثلاثين، وبلغ منصب الرياسة وهو دون الأربعين.

ولا أستطيع في هذا الوقت القصير المحدود أن أحيط بحياة الفقيد، فلا مناص إذن من أن أقتصر هنا على مجرد الإشارة إلى المعالم البارزة في هذه الحياة الضخمة. ويمكن أن نقسم حياة عبد الحميد بدوي إلى حياته في المحيط المصري، وحياته في المحيط الدولي. ونبدأ بحياته في المحيط المصري، وكان له فيها نوعان متواليان من النشاط: نشاط فني ونشاط سياسي.

والنشاط الفني في حياة عبد الحميد بدوي هي الناحية البارزة التي سمت به، فجعلته في الصدر من رجال القانون والفتوى والتشريع. فكانت الألسنة تلهج باسمه في كل مكان، وتتناقل رجال القانون أحاديثه وفتاواه، وتشير إليه الأيدي أنى حل وأنى رحل، حتى ليصح أن يقال عنه، في هذا الأفق القانوني، إنه الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. ونعرض في عجالة سريعة إلى تاريخ حياته:

ولد الفقيد في مدينة الإسكندرية سنة ١٨٨٧، ونشأ في هذه المدينة، وهي منبت رأسه ومقر أسرته. وقد انتقل والده إلى المدينة المنورة ليقيم فيها. وأخذ معه الفقيد وهو في الثامنة من عمره، وأرسله إلى مدرسة صغيرة بالمدينة تعلم فيها القرآن واللغة العربية والحساب. ولم تطل إقامة الأب بالمدينة، بل رجع إلى الإسكندرية ومعه الفقيد وقد بلغ إذ ذاك العاشرة. فأدخله إحدى مدارس جمعية العروة الوثقى، وكان من تلاميذها إذ ذاك محمود فهمي النقراشي. وتلقى الفقيد تعليمه الثانوي في مدرسة رأس التين بالإسكندرية. وأقف قليلًا عند مدينة الإسكندرية وعند مدرسة رأس التين بالذات. ففي هذه المدينة، وفي هذه المدرسة، نشأ ثلاثة من أعلام القانون في مصر. أولهم عبد الحميد بدوي، والثاني زميله وصديقه أحمد أمين عميد كلية الحقوق والمستشار بمحكمة النقض، والثالث عبد الحميد أبو هيف أول فقيه في مصر شق للفقه المصري طريقه الحديث. ونال الفقيد شهادة البكالوريا في سنة ١٩٠٤، وكان ترتيبه الأول. والتحق بمدرسة الحقوق الخديوية وحصل على شهادة الليسانس في سنة ١٩٠٨، وكان ترتيبه الأول كذلك. وممن حصل معه على الليسانس في نفس السنة أحمد ماهر وحسن نشأت وعبد الرحمن الرافعي ومحمد نجيب الغرابلي. وكان عبد الخالق ثروت إذ ذاك هو النائب العام، فعين الفقيد في نفس السنة التي تخرج فيها مساعدا للنيابة بمحكمة طنطا الكلية، ثم نقله في السنة نفسها إلى محكمة استئناف مصر حتى تتسنى له المرافعة في بعض القضايا الكبرى كقضية عبد العزيز جاويش. ولم يبق الفقيد في النيابة العامة غير سنة واحدة، إذ اختير في عام ١٩٠٩ عضوًا في أول بعثة إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه في القانون. وأتم الفقيد بعثته في جامعة جرينوبل سنة ١٩١٢، فكان من أوائل المصريين الذين حصلوا على درجة الدكتوراه في القانون، وقد حصل عليها بأرفع لقب ممكن وبأعلى تقدير مستطاع. وحصل على هذه الدرجة معه في السنة نفسها الدكتور عبد الحميد أبو هيف رحمه الله رحمة واسعة، والدكتور بهي الدين بركات أطال الله بقاءه.

وتولى الفقيد تدريس القانون في مدرسة الحقوق الخديوية سنتين اثنتين، من ٥ أكتوبر سنة ١٩١٢ إلى أول مايو سنة ١٩١٤. ثم اختاره عبد الخالق ثروت، وكان قد أصبح وزيرًا للحقانية، مديرًا لمكتبه. وقد كشف عبد الخالق ثروت عن عبقرية عبد الحميد بدوي وما هو عليه من كفاية فذة فانتزعه من سلك التدريس، وأكاد أقول اختطفه منه. وأية خسارة أصابت الفقه المصري، إذ انتزع منه عبد الحميد بدوي. لقد كان فقيهًا بطبعه، فقيهًا بثقافته، ولا أعرف عقلًا في القانون أصفى ولا أنقى ولا أعمق من عقل عبد الحميد بدوي.

وما أنس لا أنسى، وأنا طالب في الحقوق، وقد أتاحت لي الظروف أن أشهده يومًا في نادي المدارس العليا، وهو النادي الذي كان يضم إذ ذاك صفوة رجال مصر وأرسخهم قدما في الثقافة والتفكير. دخلت النادي، والقوم يبحثون مسألة من المسائل القانونية العويصة. ويحتدم النقاش وتصطرع الآراء، ويعلو الأصوات جميعًا صوت أجش، هو صوت المحامي أحمد عبد اللطيف. وكان إذ ذاك من أكبر المحامين مكانة، وأنبههم صيتًا، وأقواهم حجة، وأكثرهم جلبة وضوضاء، ولا يكاد أحد يسمع له صوت إلى جانب صوته. ونحن طلاب الحقوق نقعد من هؤلاء الأساتذة الكبار مقعد التلميذ المتعلم، ونسمع صوت أحمد عبد اللطيف يجلجل ويدوي، فيملأ نفوسنا رهبة وإكبارًا. وتخرس الحجج أمام حجته، ويدير عينيه في المكان منتصرًا فخورًا. وإذا بشاب دون الثلاثين، هو عبد الحميد بدوي، ينبري لأحمد عبد اللطيف. وفي صوت هادئ متزن، نافذ النبرات، عميق الأثر، يقارعه الحجة بالحجة والدليل بالدليل، في سلسلة محكمة الحلقات من منطق قانوني لا يدحض، وبلسان عذب جذاب يتدفق فصاحة وحسن بيان. ويتوغل في النقاش، فتستنير المسألة ولكن في ضوء غير الذي ألقاه عليها أحمد عبد اللطيف. والقوم جلوس ينصتون، مبهوري الأنفاس مشدودين إلى المتحدث، لا تفارقه عيونهم. ويتغير الجو رويدًا رويدًا، وتزيد الناس إعجابًا بالمتحدث وتحمسًا له، وعبد الحميد بدوي لا يغير من صوته، بل يبقى الصوت الهادئ الرزين المتزن. وأحمد عبد اللطيف يتململ، ثم ينزعج، ثم يأخذ في مقاطعة المتحدث بصوته الأجش. ولكن عبد الحميد بدوي كان قد كسب القضية، وكسب معها إجلال الناس وتحمسهم، فينفجرون له تصفيقًا. ويأخذني أنا التأمل والتفكير، لماذا يترك هذا الشاب العبقري كرسي الأستاذية وهو فقيه بطبعه، فقيه بثقافته، فقيه بعقله!

وتجيء ثورة سنة ١٩١٩، ويشارك الفقيد في الثورة عن طريق عضويته في لجنة الموظفين. وهي اللجنة التي كانت تقود الموظفين وتبصرهم بواجباتهم الوطنية، في وقت كان فيه الشعور الوطني يتدفق عارمًا، يكتسح كل ما يقف في طريقه من عقبات وحوائل. وكان جزاء أعضاء هذه اللجنة أن نقلوا من وظائفهم العالية إلى أدنى منها، وشتت بعضهم في الأقاليم. وكان نصيب الفقيد، من هذا التنزيل وهذا التشتيت، أن نقل قاضيًا في محكمة طنطا. ورب ضارة نافعة، فقد كسب القضاء الوطني في عبد الحميد بدوي قاضيًا فذًا، علت أحكامه حتى بلغت القمة من نصاعة البيان، وقوة الحجة، ودقة التحليل.

ثم يعين الفقيد سكرتيرًا عامًا لمجلس الوزراء. ويذهب عدلي إلى لندن يفاوض الإنجليز، فلا يجد أفضل من الفقيد يجعله على رأس الأمانة العامة لوفد المفاوضات. وكانت هذه هي أول مشاركة للفقيد في المفاوضات المصرية، وسيعقب هذه الخطوة خطوات أوسع وأخطر.

وأصدر الإنجليز تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، وقد جاء فيه أن تلغى الحماية وأن تستقل مصر، وأن يكون نظامها الدستوري نظامًا نيابيًا. فألف عبد الخالق ثروت، رئيس الوزارة إذ ذاك، لجنة لوضع مشروع هذا الدستور برئاسة حسين رشدي. ودخل عبد الحميد بدوي، وكان قد نقل مستشارًا ملكيا كما سيجيئ، عضوًا في هذه اللجنة، وكانت تسمى لجنة الثلاثين بمقدار عدد أعضائها. ولعل الفقيد كان، قبل موته، هو العضو الوحيد الباقي من هؤلاء الأعضاء. ويتلاقى في هذه اللجنة عملاقًا القانون في مصر، عبد العزيز فهمي وعبد الحميد بدوي، الأول جاوز سن الشباب، والثاني لا يزال شابًا. ويكون عبد العزيز فهمي هو الروح المحركة للجنة، يضع مشروع الدستور، ويعرضه على زملائه أعضاء اللجنة ويناقشهم فيه، ويدافع عنه بنشاط الشباب وعقل الشيوخ، وعبد العزيز كان دائما فتى في عزيمته حتى بعد أن بلغ سن الشيخوخة. ويقف إلى جانبه عبد الحميد بدوي يكافح ويناضل ويقرع الحجة بالحجة، ويساهم في وضع نظام دستوري يقر الحياة الديمقراطية في مصر على دعائم راسخة من الحريات العامة وحقوق الأفراد. ويطلع على الناس دستور سنة ١٩٢٣، فيستقبلونه بين مادح وقادح، وبين حامد وناقد، وبين مؤيد ومفند. وقد يقوم شك في أن هذا الدستور قد جاء على شيء من الضيق، أو أن يكون ثوبًا فضفاضًا. ولكن الذي لا شك فيه أنه الدستور الذي عاشت مصر بحوله حياة ديمقراطية حقة، ومارست الأمة بفضله حقوق سيادتها، وتمتعت الأفراد في ظله بحرياتها العامة.

وينقل الفقيد، في ٥ أكتوبر سنة ١٩٢٢، إلى لجنة قضايا الحكومة مستشارًا ملكيا لوزارة الأشغال وهو في سن الخامسة والثلاثين، ولجنة قضايا الحكومة هذه اسم متواضع لأعمال هامة خطيرة، وهذه الأعمال تشمل الفتوى والتشريع والدفاع عن الحكومة فيما يرفع عليها أو منها من القضايا، وهي أعمال كما نرى جد خطيرة. وقد أنشئت لجنة القضايا معاصرة للنظام القضائي الحديث، بسبب إنشاء المحاكم المختلطة وخضوع الحكومة لقضاء هذه المحاكم. فاقتضى الأمر أن يكون هناك جهاز قانوني قوي، يفتي الحكومة في مشاكلها القانونية، ويعد لها مشروعات القوانين، ويترافع عنها أمام القضاء. فأنشئت لجنة القضايا قبيل إنشاء المحاكم المختلطة، في سنة ١٨٧٤. وكان المستشارون الذين يعينون في أقسام القضايا في العادة من رجال القانون الأجانب، ومن أكبر هؤلاء الرجال مكانة، وأرسخهم قدما في القانون. وكان أبرز هؤلاء المستشارين وقت أن عين عبد الحميد بدوي مستشارًا ملكيًا، رجلًا إيطاليًا من أعلام رجال القانون، هو بيولا كازيللي، ومعه أعلام آخرون من رجال القانون الأجانب يعملون مستشارين ملكيين في أقسام القضايا المختلفة. لذلك كان تعيين عبد الحميد بدوي مستشارًا ملكيًا في هذه السن الصغيرة، بين هؤلاء الأعلام من رجال القانون الأجانب، فتحًا مبينًا، وظفرًا عظيمًا، لرجال القانون المصريين. ويروي الأستاذ صليب سامي، في مقال له عن إدارة قضايا الحكومة نشر في الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية، في صدد تعيين الفقيد مستشارًا ملكيًا، ما يأتي: «من المأثور عن تعيين بدوي باشا بلجنة قضايا الحكومة أن المرحوم عدلي باشا عرض في شيء من التردد على مسيو بيولا كازيللي تعيين بدوي بك مستشارًا ملكيًا مساعدًا. ولم يكن سبب تردد عدلي باشا في العرض شكه في كفاية مرشحه، وإنما تقليد لجنة القضايا في قصر عضويتها على الأجانب. ولكن مسيو كازيللي أجابه على الفور: لا يا دولة الباشا، إن لجنة القضايا لا تقبل أن يعين بدوي بك مستشارًا ملكيًا مساعدًا، ولكنها تكون سعيدة جدًا لو قبل (هو) أن يكون مستشارًا ملكيًا. وهكذا دخل بدوي بك لجنة القضايا». ثم يوالي الأستاذ صليب سامي مقاله، فيقول: «ومن المأثور عن تقدير زملاء بدوي باشا له أن مسيو فرانسوا بيتري، مستشار قسم قضايا المالية، تحدث عنه يوما لزملائه يقول: يخيل إلى أن لجنة القضايا لا تزال محتفظة بتشكيلها الأول؛ إذ إن المستمع لحديث بدوي بك، إذا ما أغمض عينيه، لا يتردد لحظة في الجزم بأن المتكلم مشترع أوربي حاذق».

وقد كان الفقيد أول مصري يعين مستشارًا ملكيًا، واستطاع بفضل كفايته الفذة أن يرفع رأس مصر أمام كبار رجال القانون الأجانب. واسمعوا الآن شهادة أخرى، شهادة عبقري في عبقري، شهادة عبد العزيز فهمي في عبد الحميد بدوي، سجلها عبد العزيز في جلسة استقبال الفقيد في مجمعنا هذا، إذ يقول: «عبد الحميد بدوي باشا لم أتصل به كثيرًا في شبابه وفي مراحله الأولى، وإنما اتصلت به في سنة ١٩٢٥، حينما كنت وزيرا للحقانية. وكانت اللجنة الاستشارية -لجنة القوانين- تعقد برياسة وزير الحقانية، وكان رئيس قلم القضايا في ذلك العهد الأستاذ الكبير كازيللي، وكان معه من المستشارين رجال أقوياء جدا في فقه القانون. كان معه واتليه وروستي وغيرهما من الفقهاء الأجانب الكبار، وكان معه عبد الحميد بدوي، فالذي أشهد به وأقرره أنهم كانوا إذا تناقشوا في مسألة من المسائل، وأخذ الرأي فيها يضطرب، كان عبد الحميد بدوي يفوقهم جميعًا رأيًا، وكانوا جميعًا يخضعون لما يبدي من الرأي. تأتي الكلمة فكل يبدي فيها رأيه، وكل يناقش في رأيه هذا. وعبد الحميد بدوي متى أبدى رأيًا أيده، فخضع لرأيه الجميع. وهذه شهادة أقررها، كما أقررها بين يدي الله». هذه شهادة عبد العزيز فهمي، يقولها في عبارات بسيطة خالصة، يقررها أمام أعضاء المجمع، كما يقررها بين يدي الله. وهي شهادة تدل على ما أظهره الفقيد من تفوق عظيم في عمله الجديد.

وكان لهذا التفوق أثره البالغ، وجزاؤه السريع؛ إذ نه لما حان وقت تقاعد بيولا كازيللي رئيس قلم القضايا في سنة ١٩٢٦، لم تجد الحكومة خيرا من الفقيد بين رجال القانون المصريين والأجانب، ليحل محل الرئيس المتقاعد. وعين عبد الحميد بدوي في السنة نفسها، في أول مايو سنة ١٩٢٦، رئيسا للجنة القضايا وكبيرًا للمستشارين الملكيين، ولما يبلغ سن الأربعين. حتى إنه ليصدق عليه قول حافظ إبراهيم، بعد شيء من التحوير:

وفي القانون صرت لنا نبيا ... وما دانيت حد الأربعينًا

وبذلك قفزت مصر قفزة جبارة، بفضل كفاية عبد الحميد بدوي، إلى أعلى مناصب القانون في أعمال الإدارة. والخارق للعادة في كل هذا، هو أن مصريًا من رجال القانون، هذه السن الصغيرة، يدخل فجأة في أدق الأعمال القانونية، ويدخلها من أعلى درجات السلم، دون سابق مران أو ممارسة، وينجح هذا النجاح المنقطع النظير، في هذا الوقت القصير. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

ويبقى عبد الحميد بدوي رئيسًا للجنة قضايا الحكومة وكبيرًا للمستشارين الملكيين طوال المدة الباقية له من حياته الفنية في مصر. وفي هذا المنصب الخطير تتجلى مواهبه القانونية في الفتوى والتشريع، أروع ما تكون صقلًا، وأصفى ما تكون معدنا، وأنقى ما تكون جوهرًا. فلم يكن يستعصى عليه حل أعوص المسائل القانونية، إذ كان دائما يجد لها الحل السليم، في منطق مرتب، وتحليل دقيق. وكان يغوص في أعماق أكثر المسائل تعقيدًا، وأشدها خفاء وغموضا، فإذا هي تنقلب إلى حقائق بديهية، لا خفاء فيها ولا غموض. وكل ذلك في عبارات سلسة جذابة، تتدفق جزالة وعذوبة، فتخلب لب القارئ أو السامع. ومع ذلك تراه في بعض الأحيان يعتذر في تواضع، عن بعض ما يكتب، بأنه ورد على حد قوله: «كما جاء لا كما يجب».

وتجري المفاوضات في المسألة المصرية أربع مرات متوالية، وعبد الحميد بدوي في منصبه الكبير قريب منها في جميع الأحوال. وهو إذا كان لم يشترك في مفاوضات مصطفى النحاس في سنتي ١٩٣٠ و١٩٣٦، فإنه في أغلب الظن عاون عبد الخالق ثروت في المفاوضات التي أجراها في سنة ١٩٢٧، وهو على وجه التحقيق كان وراء مفاوضات محمد محمود في سنة ١٩٢٩، من أولها إلى آخرها. وهو الذي صاغ عباراتها بقلمه المعروف، حتى ليتراءى لك وجه الفقيد من خلال السطور. وذلك فيما عدا بعض عبارات كيل له فيها الثناء، لم يشأ الفقيد أن يكتبها، فكتبها رئيس الوزراء بقلمه.

وهناك أمران آخران استأثر فيهما عبد الحميد بدوي بالفضل كله، اضطلع في الأمر الأول منهما بكل العبء، واضطلع في الأمر الثاني بالدور الرئيسي فيه. ففي سنة ١٩٣٠ أراد إسماعيل صدقي، رئيس الوزارة إذ ذاك، أن يبدل بدستور سنة ١٩٢٣ دستورًا آخر اعتقد أنه أصلح لمصر من الدستور الأول. وقام عبد الحميد بدوي بالعبء كله، فوضع مشروع دستور سنة ١٩٣٠ ومذكرته الإيضاحية، ولم يقتصر على المساهمة فيه كما فعل في دستور سنة ١٩٢٣. ولم يقدر لدستور سنة ١٩٣٠ البقاء طويلًا، فذهب مع الوزارة التي أصدرته، وعاد دستور سنة ١٩٢٣، وقد رسخت دعائمه بعودته. أما الأمر الثاني الذي قام الفقيد بالدور الرئيسي فيه، فهو مؤتمر إلغاء الامتيازات الأجنبية الذي انعقد في مونتريه سنة ١٩٣٧، تنفيذا لمعاهدة سنة ١٩٣٦. ولعل هذا العمل كان أجل الأعمال التي قام بها العهد الماضي. وإذا كانت معاهدة سنة ١٩٣٦ قد كفلت لمصر استقلالها السياسي، فإن هذا الاستقلال كان مشوبًا بكثير من القيود. أما الاستقلال القضائي والتشريعي والإداري الذي كفلته معاهدة مونتريه لمصر فقد كان استقلالًا صافيًا لا شائبة فيه، ولا نزال ننعم بنتائجه الشهية الضخمة إلى اليوم، وإلى ما بعد اليوم. والصانع الأول لمعاهدة مونتريه هو عبد الحميد بدوي، وهذه المعاهدة هي من أجل أعماله، بل لعلها أجل أعماله. والغريب أن الوزارة الوفدية التي كانت قائمة وقت عقد مؤتمر مونتريه، ولم تكن على علاقة طيبة بالفقيد، ولكنها لم تكن تستطيع أن تستغنى عنه في هذا الأمر الخطير، أرادت أن تلحقه بوفد مصر لدى المؤتمر ولكن باعتباره مستشارًا للوفد لا عضوًا فيه. ولم يكن عبد الحميد بدوي ليقبل هذه المهانة، فقد كان من أبرز خصائص الفقيد أنه كان يعرف قدر نفسه، وسنراه لا يطأطئ رأسه لإنسان ولو كان هذا الإنسان ملكا. فأبى الوضع الذي أرادته له الوزارة، ولو أدى ذلك إلى عدم حضوره المؤتمر. ونزلت الوزارة أخيرًا عند واجبها، ورجعت إلى التصرف السليم، فعينته عضوًا في الوفد، فكان أبرز الأعضاء جميعًا، وأرسخهم قدمًا، وأكثرهم إحاطة بالمسائل الشائكة التي تنطوي عليها الامتيازات الأجنبية، وكان هو كما قدمت الصانع الأول لمعاهدة مونتريه.

ومن الأعمال الأخيرة التي قام بها الفقيد وهو في منصب كبير المستشارين الملكيين أن وضع، مع لجنة قضايا الحكومة، مشروعًا لإنشاء مجلس الدولة في سنة ١٩٣٩. على أن هذا المشروع ظل معلقًا حتى سنة ١٩٤١، إذ استبدلت به لجنة القضايا مشروعًا آخر. ولم يكد هذا المشروع الآخر ينشر في الصحف حتى قام الاعتراض عليه من كل جانب، وقيل إنه إذا أنشئ مجلس الدولة فستصبح السلطة التنفيذية داخلة في وصايته، وإن المجلس بما يملكه من إبطال القرارات الإدارية سيخل بالمسئولية الوزارية أمام البرلمان، وأنه سيفسد أمور الموظفين وستتركز فيه سلطات لم تمنح لهيئة من قبل. ويقول الفقيد معقبًا على ذلك في مقاله المنشور في العدد الأول من مجلة مجلس الدولة: «ولا أدري أهذه الخصومة أملتها الأهواء الحزبية ممن يرى أن إنشاء هذه الهيئة نوع من تسميم الآبار، أم أملاها خوف الجديد، أو الحرص على الاحتفاظ بالسلطة الإدارية ومستلزماتها كاملة. على أن هذه الصيحات لم تكن لتحول دون المضي في إنفاذ المشروع لو لم تجد لها صدى بين الوزراء أنفسهم، فإن مجرد الشعور بأن عملًا إداريًا ينسب إلى الوزير أو إلى رئيس المصلحة سيمكن أن يعرض للنقد والتجريح في المحاكم، وأن الحكم بمخالفته للقانون سيستتبع، لا قضاء بتعويض تدفعه خزانة الحكومة، بل قضاء بإبطال يمس كرامة الحكام وهيبة الإدارة، أثار نفور الكثير منهم من المشروع. لذلك رؤي من الخير التربص إلى فرصة أخرى، تكون النفوس قد تهيأت فيها لقبول هذه البدعة. ولعلنا كنا ننتظر طويلًا لو لم يقيض الله لمشروع سنة ١٩٤١ فاضلًا من أفاضل النواب، ممن صح إيمانهم بالمصلحة العامة، ووهب الشجاعة والقدرة على الدفاع عن رأيه، فتبناه وقدمه على أنه اقتراح من أحد أعضاء البرلمان. حينذاك رأت الحكومة من الأولى أن يكون الأمر بيدها، فقدمت مشروعًا يبدو أنه هو الذي جرت عليه المناقشة، وانتهى الأمر بإقرار قانون سنة ١٩٤٧».

هذا هو تاريخ إنشاء مجلس الدولة، يرويه الفقيد في أمانة تامة، ودون أي تحيز. ولو قدر للمشروع الذي وضعه الفقيد في سنة ١٩٣٩ أن ينفذ وقت وضعه فيصير قانونا، ويقوم مجلس الدولة في ذلك الوقت، لكان من المحقق أن يختار الفقيد، وكان إذ ذاك في سن الثانية والخمسين، الرئيس الأول للمجلس. ولأسس عبد الحميد بدوي مجلس الدولة على دعائم قوية، كما أسس عبد العزيز فهمي محكمة النقض على قواعد راسخة متينة. وكان من حق الفقيد على مصر، ومن حق مصر على الفقيد، أن يقوم هو بتأسيس مجلس الدولة، فتجنى مصر من وراء ذلك أعظم الكسب وأكبر النفع. ولكن القدر شاء غير ذلك، ويقول الفقيد في ختام مقاله: «ولم أشهد مولد المجلس ولا تنفيذ القانون الخاص به، ولا أعلم إن كان قد شهده أو اشترك فيه كثير من القدامى الذين عرفوا أقسام القضايا وخبروا ماضيها وذاقوا حلوها ومرها. ولكني لا أشك في أن كل من ولوا أمره لم يراعوا في ذلك التنفيذ إلا ما اعتقدوه المصلحة العامة».

والآن وقد وصلت إلى ختام حياة الفقيد الفنية في مصر، وقد انتهت في أواخر سنة ١٩٤٠ عندما دخل وزيرًا للمالية في وزارة حسين سري، أقف قليلًا أمام هذه الحياة الفنية الضخمة، أستقصي ما خلفته لنا من آثار ومؤلفات. للفقيد محاضرات في قانون العقوبات المقارن نشرها في سنة ١٩١٤، وهو في مقتبل حياته الفنية. وله أبحاث، منها بحث في مركز الوارث في الشريعة الإسلامية، وبحث ثان في أثر الامتيازات في القضاء والتشريع بمصر وقد نشر في الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية، وبحث ثالث في نظام المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وبحث رابع في حرية القول في مصر وهي محاضرة نشرت في مجلة مصر المعاصرة وشهد لها الدكتور طه حسين يوم استقبال الفقيد في المجمع بأنها من أروع ما قرأ من ناحية العلم العميق والدرس المستقصي. ولكن هذه الآثار، على علو قيمتها، ليست شيئًا يذكر إلى جانب ما تفرق في إضبارات الوزارات والدواوين وملفاتها من فتاوى قيمة وآثار خالدة، وما للفقيد من بحوث دستورية ومذكرات تفسيرية للتشريعات الهامة، وما خلفه وراءه من جهود فنية في مؤتمر مونتريه وفي المفاوضات المتعاقبة في المسألة المصرية، وما تركه من بحوث في المسائل الدولية، وما شارك فيه من قضاء في محكمة العدل الدولية. وقد كانت أعمال الفقيد الهامة تمنعه من أن يخصص وقتًا منظمًا للكتابة، إذ كانت مشاغله كثيرة تستغرق أكثر وقته. وكان يرأس كثيرًا من الجمعيات العلمية والخيرية، ويبذل فيها الكثير من وقته ونشاطه، وذلك كجمعية الاقتصاد والإحصاء والتشريع التي نجتمع في قاعتها اليوم وجمعية القانون الدولي وجمعية القانون الإداري والجمعية الخيرية الإسلامية. وما بقي له بعد ذلك من وقت قليل، كان يقضيه في القراءة. وهو خير من يجيد فن القراءة. وقد حدثني أحد أقاربه المتصلين به اتصالًا وثيقًا أن القراءة كانت عند الفقيد فنًا. فيستطيع أن يمسك بكتاب يحتوي على مئات من الصفحات، وفي ساعات قليلة يحيط بما في هذا الكتاب من سمين وغث، فيترك الغث ويطيل النظر في السمين. ولما لم يكن عند الفقيد وقت مخصص للكتابة، فقد كان يستعيض عن ذلك بأن يخلق لنفسه فرصًا يكتب فيها. فكان يستجيب عادة لمن يتقدم إليه في مقال يكتبه، أو في كلمة يقدم بها كتابًا. فوجب إذن، إلى جانب ما تقدم، استقصاء مقالاته ومقدماته، وهي كثيرة منتشرة في المجلات والكتب.

ومن حق الفقيد على رجال القانون والفكر أن يقوم نفر منهم بجمع هذه الآثار المتفرقة، في كتاب أو كتب، تستوعب ما خلفه الفقيد من ثروة فكرية ضخمة، ولكنها ثروة متفرقة، بعضها مشتت، وبعضها مدفون. وما أروعها وأجملها تلك الهدية التي يتقدم بها من يجمع هذه الآثار إلى الأجيال المتعاقبة، التي أتت وستأتي جيلًا بعد جيل، تنظر آثار الفقيد، فتدرك ما انطوت عليه من فكر عميق، ولمحات نفاذة، وعقل راجح دقيق.

وننتقل الآن إلى النشاط السياسي للفقيد في المحيط المصري، وإلى نشاطه في المحيط الدولي. ونوجز لضيق الوقت القول في ذلك.

ترك الفقيد النشاط الفني إلى النشاط السياسي في أواخر سنة ١٩٤٠، عندما قبل أخيرًا أن يدخل في وزارة حسين سري. وأقول عندما قبل أخيرًا، لأن الفقيد كثيرًا ما عرضت عليه الوزارة من قبل فكان يرفضها، ويأبى إلا أن يبقى في عمله الفني. وبدلًا من أن يقبل الوزارة لنفسه كان يؤثر أن يرشح غيره لهذا المنصب. ولعله كان وراء ترشيحات كثيرة لرجال عملوا معه واختبر قواتهم ومواهبهم، فزج بهم إلى المناصب الوزارية. ولما اشتد الضغط عليه في سنة ١٩٤٠، قبل أخيرًا أن يكون وزيرًا للمالية. ولكنه اشترط شروطًا أهمها الاحتفاظ بمنصبه في لجنة قضايا الحكومة خاليًا، حتى إذا شاء عاد إليه. وعين عضوًا في مجلس الشيوخ في مناسبة دخوله الوزارة. وبقي وزيرًا للمالية إلى ما قبيل استقالة وزارة حسين سري في أوائل سنة ١٩٤٢. ولم يكن إلا القليل من يعلم بما وقع من جفوة بينه وبين القصر. كان عبد الحميد بدوي، الرجل الفني الأول في مصر، معتصمًا بفنه، مستندًا منه إلى ركن ركين. فكان القصر، وكانت الحكومة، وكانت مصر كلها، في أشد الحاجة للانتفاع بهذا الفن، ومن ثم كان القصر لا يقصر نحوه في ود ولا ترحيب. أما عبد الحميد بدوي الرجل السياسي، وبخاصة وزير المالية وهو الوزير الذي يحتك كثيرًا بالقصر ويتلقى كل يوم رغائبه، فشيء آخر. كان عليه أن يسير في الركب كسائر الوزراء، وليس له أن يعتز بكفاية أو مكانة. ولكن عبد الحميد بدوي رجل يعرف قدر نفسه، ألم أقل لكم إنه كان لا يطأطئ رأسه لإنسان ولو كان هذا الإنسان ملكًا. فلم يطأطئ رأسه، وكان يوم عيد اعتاد القصر أن يجري فيه التشريفات الكبرى على حد تعبير ذلك العهد. والوزراء وكبار رجال الدولة يمرون واحدًا بعد الآخر أمام صاحب العرش يحيونه، وعبد الحميد بدوي يمر بينهم. فإذا به يستوقف، وتوجه إليه عبارات تنطوي على شيء من عدم الارتياح. فيبادر إلى تقديم استقالته في الحال، ويخرج من الوزارة عالي الرأس موفور الكرامة. ويقال له لقد احتفظت بمنصبك كبيرًا للمستشارين الملكيين خاليًا لتعود إليه عندما تشاء، فهلا عدت إليه؟ فيجيب ولا هذا، فمن آثر كرامته على المنصب الوزاري، يؤثرها على أي منصب آخر. وترك الفقيد الوزارة والوظيفة، واعتكف يستجم طوال المدة الباقية من الحرب، إلى سنة ١٩٤٥.

وتولى المغفور له محمود فهمي النقراشي رياسة الحكومة، وكان يجل الفقيد ويكبره إكبارًا عظيمًا، حتى لقد سمعته يقول: من أراد أن يعرف كيف يكون القانون أداة طيعة تفتح مغالق الأمور، وتيسر الصعب المستعصي، فلينظر إلى عبد الحميد بدوي وهو يشرع للدولة، فيجئ تشريعه الحل الحاسم والقول الفصل. وأراد النقراشي أن يعزز وزارته بإدخال عبد الحميد بدوي فيها، وقد استرضى ولي الأمر وما كان له إلا أن يرضى. وكذلك رضي الفقيد عن طيب خاطر ـــ-كان من ناحيته يجل النقراشي ويبادله إكبارًا بإكبار- أن يدخل في الوزارة في سنة ١٩٤٥ وزيرًا للخارجية. ومن هذا المنصب بدأ يخرج من المحيط المصري، ويطل على المحيط الدولي. وقد أطل على المحيط الدولي يوم ذهب على رأس الوفد المصري باعتباره وزيرًا للخارجية، إلى مؤتمر سان فرنسسكو ليساهم في وضع ميثاق الأمم المتحدة. وكانت مصر قد دخلت الحرب أخيرًا إلى جانب الحلفاء في وزارة المغفور له أحمد ماهر فأصبحت بذلك عضوًا مؤسسًا في هيئة الأمم، ومن حقها أن تحضر مؤتمر سان فرنسسكو للمساهمة في وضع ميثاق أكبر هيئة عالمية. وذهب عبد الحميد بدوي إلى المؤتمر، وذهب معه إبراهيم عبد الهادي، فكانا موضع إعجاب المحافل الدولية التي قدرت فيهما العقل الراجح، والذهن الصافي، والتفكير القانوني المستقيم.

وفي أثناء ذلك العام -عام ١٩٤٥- حظي مجمعنا بدخول الفقيد عضوا فيه. وفي جلسة استقباله، يوم ٢٩ أكتوبر سنة ١٩٤٥، ألقى كلمة من آياته البينات، دل بها على أن فقهه في اللغة العربية يداني فقهه في القانون.

وانتقل الفقيد بعد ذلك إلى المحيط الدولي، إذ رشح ليكون قاضيًا في محكمة العدل الدولية، فاستقال من وزارة الخارجية بعد أن دخل قاضيًا في أكبر محكمة دولية عالمية عليا. وكان أول شرقي عربي يختار لهذا المنصب الجليل، بل هو الشرقي العربي الوحيد الذي اختير لهذا المنصب حتى اليوم. وكان ذلك في سنة ١٩٤٦، ولم يبلغ الستين من عمره، فكان من أصغر قضاة هذه المحكمة العليا سنًا، إن لم يكن أصغرهم جميعًا. وما لبث كعادته أن ظهر تفوقه بين قضاة محكمة العدل في أقضيته وأحكامه في مسائل القانون الدولي، وعاد سيرته الأولى رجلا فنيا. ولكنه هنا، في هذه المرحلة الأخيرة من حياته، قد جاوز بفنه الحدود الإقليمية والمحيط المصري، وخرج إلى المحيط الدولي. فأصبح رجلًا عالميًا، بين عشرة أو عشرين من أبرز رجال القانون في العالم.

ومع ذلك فقد عشنا حتى رأينا اليوم الذي فيه يرشح عبد الحميد بدوي لجائزة الدولة التقديرية، فلا ينالها. لم يكن عبد الحميد بدوي في حاجة إلى جائزة تشهد بفضله ومكانته، وقد كان هو حجة على الجائزة، وليست الجائزة حجة عليه. وإذا كان لابد من جائزة تهدى لذكرى الفقيد، فتعالوا معي يا رجال القانون في مصر جميعًا -واسمحوا لي في هذا المقام أن أتكلم باسمكم- نقدم في خشوع وإجلال، لذكرى الفقيد الراحل، أثمن جائزة تهدى لأكبر عبقرية في القانون ظهرت في مصر في العصر الحديث.

وبعد عشر سنين قضاها الفقيد في المحكمة الدولية العليا، انتخبته المحكمة في سنة ١٩٥٥ ليكون نائبا لرئيسها. وبقي نائبًا لرئيس محكمة العدل الدولية من سنة ١٩٥٥ إلى سنة ١٩٥٨. وبعد انتهاء مدة نيابته لرياسة المحكمة بقي سبع سنين أخرى، فيكون قد قضى في أكبر محكمة عالمية، قبل أن يدخله الرحمن في رضوانه، زهاء عشرين سنة.

ويموت عبد الحميد بدوي ولا تكاد الصحف المصرية تذكر خبر موته، وإذا ذكرته ففي أضيق نطاق. ويقوم عنها بهذا الواجب الصحافة العالمية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس الأمن الدولي. ففي مجلس الأمن يقوم ممثلو الدول العظمى، ومنها أمريكا وإنجلترا وروسيا، بتأبين الفقيد. فيقول ممثل إنجلترا، وهو يعزي وفد الجمهورية العربية المتحدة، إن عبد الحميد بدوي كان رجلًا بارزًا من رجال القانون، وقاضيًا لامعًا من قضاة محكمة العدل الدولية. ويقول ممثل أمريكا إن وفاة عبد الحميد بدوي خسارة فادحة لمهنة القضاء. ويقول ممثل روسيا لقد كان اسم عبد الحميد بدوي علما يهتدي به كل من يعنى بالقانون الدولي. ويتمثل ممثل الدولة الأردنية العزاء، قائلًا إن وفاة عبد الحميد بدوي خسارة العالم العربي كله.

هذا هو الفقيد تؤبنه أكبر هيئة عالمية. ثم انظروا بعد ذلك إلى المجد الشاهق كيف يواريه التراب، وإلى الركن الشامخ كيف يدفن تحت الثرى، وإلى الحصن المنيع كيف يصبح أثرا بعد عين،

وإلى الجبال الشم كيف يزيلها *** عادى الردى بإشارة فتزول

سيداتي، سادتي:

إن عبد الحميد بدوي يتمثل فيه جيل من الأجيال التي تعاقبت على هذه الأمة، جيل عاش في عهد الاحتلال والسيطرة الإنجليزية، وامتد به الأجل إلى أن شاهد هذه السيطرة تتقلص شيئًا فشيئًا، حتى زالت إلى غير رجعة. وكانت الأمة المصرية دائبة الجهاد في سبيل استقلالها، وكان عبد الحميد بدوي في الصف الأول من المجاهدين. وقد اختار ميدانا لجهاده ما يتفق مع مزاجه وكفايته. ولا يتفق مع مزاجه أن يكون زعيمًا شعبيًا يتجه إلى الجماهير، ويلهب مشاعرهم بالخطب الرنانة. فهو، مع كونه يجيد الخطابة والحديث إلى أبعد حدود الإجادة، يعزف بطبعه كما قلت عن المواقف الشعبية. وكان جهده الأكبر يتركز في ميدان الفكر والثقافة، وقد أدى إلى بلاده أجل الخدمات في هذا الميدان. ولعلي لا أعرف مصريًا بلغ الدرجة التي بلغها الفقيد في الثقافة، لا في القانون فحسب، بل فيه وفي جميع المجالات الأخرى من علم وأدب وتاريخ وسياسة. يساعده على ذلك اطلاع واسع لا يكاد يدانيه فيه أحد، وسيطرة كاملة على لغات ثلاث لا أظن أحدًا بلغ مبلغه هو من السيطرة عليها. ولعلي لا أخطئ إذا دعوت عبد الحميد بدوي بزعيم الأرستقراطية الفكرية في الجيل الذي عاش فيه.

وهنا أقف قليلًا عند هذا الجيل الذي عاش فيه عبد الحميد بدوي، فهو جيل مخضرم، عاصر عهد الاحتلال، وأدرك عهد الاستقلال. فكسب من العهد الأول التؤدة والتبصر والاتزان، وأن يحسب حسابًا للعواقب. وكسب من العهد الثاني الحماس والتطلع والأقدام، وأن يثب الوثبة بعد الأخرى على حد قول الشاعر العربي:

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه *** ونكب عن ذكر العواقب جانبًا

ولعل الخير هو في الجمع بين مزايا العهدين. فالأمة مجموع من العهود يكمل بعضها بعضًا. وليس لأمة أن تجمد على ماضيها لا تتحرك إلى الأمام، والأمة التي تصاب بهذا الشلل مقضى عليها بالفناء. وكذلك ليس لأمة أن تتنكر لماضيها، وأن تجحد ما يكون هذا الماضي قد اشتمل عليه من محامد ومفاخر. فحاضر الأمة ليس إلا تكملة لماضيها، وما الحاضر إلا ابن الماضي بلبنه اغتذى، وفي ظله ترعرع.

سيداتي – وسادتي:

كل نفس ذائقة الموت، هذا هو قضاء الله، ولا راد لقضائه:

يدفن بعضنا بعضًا وتمشى *** أواخرنا على هام الأوالي

ونحن هنا في هذا المجمع، نتوالى في الدخول واحدًا بعد الآخر، ثم نولى في الخروج واحدًا بعد الآخر. وقد تعودنا في مجمعنا هذا أن نقف الوقفة بعد الوقفة، نستقبل عزيزًا أتى، أو نودع عزيزًا رحل. ومن وقف ليودع العزيز الراحل، سيأتي لا شك يومه ليكون هو العزيز الراحل. وهكذا الدنيا:

بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا *** فإذا به خبر من الأخبار

وقد أتى يومك يا عبد الحميد، لأرثي فيك قوة العقل، وأين العقل الذي يقرب من قوة عقلك! ولأودع فيك صفاء الذهن، وأين الذهن في مثل صفاء ذهنك! ولأؤبن فيك العبقرية الفذة، وأين العبقرية التي تسمو إلى مكان عبقريتك!

وأنت الخالص الذهن المصفى *** أزكيه ومثلي من يزكي

إن خسارة المجمع فيك لا تعوض، فطبت حيًا، وطبت ميتًا. وسلام عليك يوم استقبلت في هذا المجمع، وسلام عليك يوم تودع فيه، وسلام عليك يوم تبعث حيًا.

 

لتحميل ملف المقال (هنا)

 

* د. عبد الرزاق السنهوري، المرحوم الدكتور عبد الحميد بدوي، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، ج21، 1966م، ص159-174.

يبحر بنا هذا اللقاء الاستثنائي الذي أجريناه في "الجزيرة نت" في أغوار العقل الفقهي والدستوري للإسلام، بصحبة واحد من ألمع فلاسفة التشريع في العصر الحديث، البروفيسور وائل حلاق. ويأتي هذا الحوار مستندا إلى مادة أحدث مؤلفاته الضخمة: "الفصل الراديكالي للسلطات: تاريخ الدستورية الإسلامية" (Radical Separation of Powers: A History of Islamic Constitutionalism)؛ وهو السفر الذي لا يقف عند حدود التأريخ للنظم السياسية الإسلامية، بل يتجاوزها ليعيد صياغة فهمنا لآليات اشتغال "السلطة" و"القانون" و"الأخلاق" في مشكاة الحضارة الإسلامية، عبر قرون من العطاء المعرفي المستقل.

يستعصي فهم ولادة هذا السفر بمعزل عن ذاك "الزلزال الفكري" الذي فجره كتاب حلاق السابق "الدولة المستحيلة"؛ فبينما بسط الأخير أطروحة نقدية بنيوية حول استحالة المواءمة بين القيم الأخلاقية الإسلامية ونموذج الدولة القومية الحديثة، انبعث العمل الجديد بوصفه "مرافعة تاريخية وفلسفية" متممة. وهو بذلك، يفيض في تفصيل الإجابات عن الأسئلة التي بقيت في ذمة الفصل الثالث من "الدولة المستحيلة"، ويجلو الكيفية التي استطاع بها الإسلام -تاريخيًا- إرساء نظام دستوري يتفوق بمتانته الأخلاقية وقيمه الجوهرية على سائر النماذج الليبرالية المعاصرة.

تتجاوز الدوافع التي يستحضرها حلاق في هذا العمل حدود الرصد الأكاديمي البارد، إذ ينطلق من رغبة جازمة في تنقية مفهوم "الدستورية الإسلامية" من كدر التأويلات القاصرة وحملات النقد التي استهدفت أطروحاته السابقة. فهو يذهب إلى أن النموذج الدستوري الغربي القائم على مبدأ "فصل السلطات" قد تداعت أركانه وآل إلى إفلاس وتداع عملي، في حين ظل النموذج الإسلامي -بواسطة مؤسسة "المذهب" واستقلالية الفقهاء- يجسد فصلًا حقيقيًا وجذريًا للسلطة، يذود عن حياض الشريعة ويحميها من تغول الحكام ونزعاتهم الاستبدادية.

يبسط حلاق على مدار 12 فصلا، وفي حيز يربو على 500 صفحة، مضامين كتابه التي تتقصى التحولات في الفكر الدستوري الإسلامي، بدءًا من القرن الرابع الهجري وصولًا إلى منتصف القرن التاسع عشر. ولا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي المجرد، بل يقدم تشريحًا دقيقا للسلوك الاجتماعي الذي صيَّر الشريعة ثقافة جامعة وصمام أمان يحول دون نفاذ إرادة الحاكم المطلقة؛ مرسيًا حقيقة أن "المذهب" لم يكن مجرد مدرسة فقهية، بل كان نظامًا دستوريًا متكاملًا يمنح القانون مشروعيته واستقلاله.

يعمد حلاق في أطروحته إلى إجراء تشريح نقدي للمقاربات الاستشراقية والعلمانية، التي أخفقت في إدراك كنه هذا النظام لقصور أدواتها عن استيعاب البعد الروحي والنزعة التعاطفية للشريعة. ويخلص حلاق إلى أن استعادة هذا التاريخ الدستوري لا تقف عند حدود استذكار الماضي، بل تبرز كضرورة فلسفية لتبيان مآزق الدولة الحديثة التي استأثرت باحتكار الأخلاق والقانون معًا؛ مؤكدا أن النموذج الإسلامي قدم -تاريخيًا- إجابة رصينة حول كيفية لجم السلطة المطلقة وحماية الحقوق الجماعية في ظلال منظومة أخلاقية متعالية.

 

المحاور: اسمح لي أن استهل حديثي بسؤال جوهري: كيف ولدت فكرة هذا الكتاب؟ وما الذي جعلك تستشعر ضرورة المضي في تأليفه؟

تتعدد بواعث التأليف وتتباين دوافعه؛ فحينا يعرض للباحث سؤال لم يظفر بجواب شاف فيما سلف من تصانيف، وحينا يكون التأليف مقتضى وظيفيًا، كشأن طالب الدكتوراه الذي يروم نيل درجته العلمية من خلال أطروحته. وفي أحايين أخرى، يغدو الكتاب الأول مفزعا لتساؤلات مستجدة، تتولد عنها إجابات قد تتبلور في صورة مقالة، أو دراسة، أو حتى سفر ضخم ينوء بحمله العصبة.

بيد أن هذا السفر لم يبرز إلى الوجود بهذه الطريقة؛ فعلى الرغم من أن قضايا النظرية السياسية كانت تستبد باهتمامي منذ عهد أن كنت طالبًا في مرحلة البكالوريوس، حيث كانت أحد ميداني تخصصي آنذاك، إلا أن فكرة التصنيف في المسائل الدستورية لم تكن لتخطر لي على بال، حتى كان صدور كتابي "الدولة المستحيلة" عام 2013 عن دار نشر جامعة كولومبيا، وما تلاه من ذيوع تجلى في ترجمته إلى لغات عدة، كانت فاتحتها النسخة العربية الصادرة عام 2014.

لقد بسطت في كتابي "الدولة المستحيلة" أطروحة مفادها استحالة إرساء كيان سياسي إسلامي في ظل هيمنة نظام الدولة الحديثة؛ كيان يتخذ من القيم والمعايير الإسلامية الجوهرية ركيزة لوجوده، وهي ذات القيم التي سادت المجتمعات المسلمة ووجهت دفتها طوال اثني عشر قرنًا خلت، سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي في منتصف القرن التاسع عشر. وقد طرق الكتاب أبواب قضايا جوهرية شتى، لم يختص منها بالمسألة الدستورية سوى فصل واحد -هو الفصل الثالث- الذي وسمته بـ: "الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة؟".

وقد برهنت في مطاوي هذا الفصل، أولًا، على أن النموذج الدستوري الليبرالي -بشقيه النظري والتطبيقي- ينطوي على مآزق وإشكالات بنيوية بالغة العمق، لدرجة يسوغ معها القول إن نظرية "الفصل بين السلطات"، التي نافح عنها أقطاب الفكر الدستوري الغربي، قد تداعت أركانها وآلت إلى الانهيار بالفعل. وثانيا، فقد جليت مواطن تفوق النموذج الدستوري الإسلامي على نظيره الليبرالي؛ وبناء عليه، فإنه لم يعد ثمة ما يغري المسلمين بمحاكاة ذلك النظام أو اقتفاء أثره.

ولا يخفى على القارئ ما أحدثه كتابي "الدولة المستحيلة" من حراك فكري وسجال مستفيض في العالمين العربي والإسلامي، وفي المحافل الأكاديمية الغربية على حد سواء. وقد كان للفصل الثالث منه -الذي لم يتجاوز 36 صفحة- نصيب وافر من سوء التأويل، بل وإنه لتعرض في واقع الأمر لحملة شعواء من النقد الحاد. ومن ثم، يجيء هذا الكتاب ليكون مرافعة علمية عن كبريات الأطروحات التي أرساها ذلك الفصل، معززة بتنقيحات وتفصيلات ضاق عنها مقامه، فاستوجبت بسطًا لم يكن ليتحقق في حيز بذاك الضيق.

إن هذا الكتاب، والذي أعتقد أنه أول تاريخ دستوري للإسلام يتم تدوينه، يستقصي الحقبة الواقعة بين أواخر القرن الرابع الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر (أي منذ مطلع القرن الحادي عشر إلى منتصف التاسع عشر للميلاد). وأود التأكيد هنا على أن هذا العمل لا يقف عند حدود السرد التاريخي الزمني، بل هو دراسة بنيوية معمقة للتحولات الدستورية الإسلامية، ترصد ثلاث مراحل كبرى سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي إلى ديار المسلمين. ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، تشتمل على 12 فصلا، وتربو صفحاته على 550 صفحة.

وإنني لأستأذن القارئ العربي في توجيه ملحوظة تحذيرية أخرى؛ فبناء على ما خبرته طوال عقدين أو ثلاثة من الزمان، استرعى انتباهي تزايد فئة من الشباب الذين يندفعون في الجدال، وينافحون باستماتة عن أطروحات بعينها دون زاد كاف من القراءة، حتى في أدق التخصصات حصرًا. بل إن العجب ليبلغ مداه حين يتصدى البعض لمجادلتي في صميم نتاجي الفكري، وهم لم يقفوا عليه إلا من خلال شذرات مقتطعة وقبسات متفرقة؛ وهذا المسلك -إن جاز الوصف- ليس معيبا فحسب، بل هو عين الجهل وذاته.

لذا، فإنني أهيب بالمهتمين بهذا الشأن أن يستفيضوا في قراءة هذا الكتاب -أو أي سفر جاد- قراءة فاحصة متدبرة، وإلا فليمسكوا ألسنتهم عن الخوض فيه؛ إذ لا يغني عن المرء قراءة فصل هنا أو هنالك، ولا يكفيه اعتصار المقدمة والخاتمة لإصدار حكم جازم. فلو كان الاجتزاء كافيًا، لما أفنيت من عمري خمس سنوات في تسطير 550 صفحة.

ومن ثم، فإن القراءة العجولة المبتسرة لا تعدو كونها ضربًا من ضروب التدليس. فإذا ما رام قارئ أن يدلي برأي يعتد به حول هذا الكتاب، فإنني أهيب به أن يستقصي قراءته بتمامها، وأن يمعن فيه النظر والتدبر قبل أن يرسل القول إرسالًا؛ وإلا فإنه سيكون قد بخس نفسه حقها، وأساء إلى جمهرة القراء، وجار على جهدي هذا. وهي نصيحة تنسحب على سائر الكتب، وتصدق على كل مؤلف كائنا من كان.

 

المحاور: تقول في طرحك إن أهم ما يميز "الدستورية الإسلامية" أن الإمام لم يمتلك أبدا حق التشريع. كيف حدث ذلك؟ وما دلالته؟

ليستبين الجواب عن هذا السؤال الحصيف، أجد لزامًا علي أن استهل حديثي بطرح جملة من التوطئات والمقدمات الجوهرية. أولها: أن المبادئ الدستورية الأكثر تجذرا في الإسلام إنما تكمن في كنه شريعته وماهيتها؛ إذ تنصهر كافة الشؤون المتصلة بالحكم في مشكاة الشريعة، حتى لا تكاد تبين لها ذات مستقلة خارج حياضها. ومؤدى ذلك أن الشريعة، وإن استقامت قراءتها بوصفها منظومة فقهية وقضائية، فإنه يسعنا بالقدر ذاته من الجلاء أن نقرأها بوصفها بنية دستورية متكاملة من الأفكار والممارسات.

أما الركيزة الثانية التي ينبغي فهمها، فهي الفكرة المحورية الناظمة لمنظومة الحكم في الإسلام، وبيانها: أن الله جل وعلا قد فطر العالم على الحق، فجاء نسيج الكون محبوكًا بتدبير إلهي قوامه العدل؛ وهو مفهوم يضرب بجذوره في أعماق التصور الإسلامي. ثم إن الله بعث إلى الأمم والشعوب -كاليهود والنصارى- شرائع شتى، رسمت لكل منهم معالم منهاجهم، وهدتهم سبل لزوم الصراط المستقيم، فكانت تلك الكتب والشرائع مرآة لعلم الله وميزان عدله.

ومن بين تلك الرسالات، تنزل الوحي بالإسلام على العرب بلسان عربي مبين ليعقلوا عن الله خطابه "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" (سورة يوسف – الآية 2)، غير أن هذا التنزيل لم يأت ليعفي العقول من كد النظر، بل حثها على التدبر والاستبصار. ومع ذلك فإن العلم الإلهي عزيز المنال، إذ ينطوي طبقات لا حصر لها من العمق والجلال، لذا استوجب تأويلًا بشريًا ينهض على علوم راسخة في شتى الفنون، وفي مقدمتها علوم اللغة. ومن هنا أضحى (العلم) هو الجوهر والملاذ؛ إذ لا مطمع في فقه كلام الله بغير علم، ولا سبيل إلى نيل العلم إلا من بوابة اللغة، فلا علم لمن لا لسان له.

إن نيل (العلم) ممتنع إلا من مشكاة (العقل)، وهو الخصيصة التي فارق بها الإنسان سائر العجماوات، غير أن العقل في الرؤية الإسلامية ليس مجرد ملكة ذهنية، بل هو مرتهن بالقدرة على التفريق بين الصلاح والفساد. ومن ثم، لم تقف غاية العقل عند حدود إدراك كنه الوجود وموضع الإنسان من فلكه، بل غدًا الدعامة التي لا يستقيم دونها تهذيب النفس، أو صياغة أي فكر أو فعل سياسي. فالعقل، متى استقام حده واستوفى شرطه، لم يكن إلا (عقلًا أخلاقيًا) بصورة حتمية.

وعلى خلاف المفهوم الحديث للعقل، الذي تقوقع في حدود العقلانية "الأداتية" القاصرة، جاء التصور الإسلامي للعقل رحبًا ومركبًا، مجسدًا لتلك الدقائق التي طالما حفلت بها المصنفات الإسلامية، ولا سيما رائق أنظار أساطين الصوفية. فقد أجمع الفكر السائد آنذاك على أن كل فضيلة سامية أو فعل خلقي كريم لا بد لهما من "أصل" ينبثقان عنه، ولم يكن ذلك الأصل سوى "العقل" ذاته؛ فهو ينبوع الدين ومنطلقه، وهو عماده وقوامه. وإذا كان العقل هو "ملاك" الحياة السوية، ومعيار التعبد والإيمان، فبه وحده تستجلى "حقائق الأمور" وتكشف حجب الظواهر. ولعل أبهى تجليات العقل تكمن في كونه الملكة المتفردة بالتمييز بين الحسن والقبح، وهي خصلة حبي بها الإنسان دون سواه؛ إذ لا يتصور في حق غيره من العجماوات أن تنهض بعبء هذا التمييز بين الخير والشر، أو تطالب بمقتضياته.

كما يعد "العقل" ملاك الأمر في تدبير شؤون الدنيا وتصريف أحوالها، برغم ما يعرض للبشر من شقاق ونزاع وصراع. وبعبارة أخرى، فإن "سلطان العقل" هو الذي يمهد السبل لقيام الدين، بل ولإمكانية الحياة البشرية قاطبة على وجه البسيطة. فلا جرم إذن أن نلفي هذا الفهم للدور الجوهري للعقل والعلم متصدرًا -على الدوام- فواتيح المصنفات في الفقه، والتربية، وعلم الكلام، والتدبير السياسي، وما شابهها. ومن ثم، وجب التأكيد على أن أي محاولة لفهم المفاهيم السياسية في الإسلام ستظل قاصرة ما لم تستكنه أولًا بنية العقل والمعرفة في تلك الثقافة. وهذا الحكم ينسحب على الحداثة أيضًا؛ إذ لا مطمع في فقه مفاهيمنا السياسية المعاصرة ما لم نفهم بنية العقل الحديث، في ماديته، وأدواتيته، ونزعته التي تجعل من الإنسان قطب الرحى ومركز الوجود.

وإذ كان "العقل" -بمقتضى حده- هو الملكة العاقلة التي تزجر عن "الهوى" وتصرف عنه، فإن العقلانية تغدو تمرسًا على الفضيلة؛ والفضيلة هنا هي كنه معرفة "الدين" والنزول عند مقتضاه، أي تمثل تلك القيم المعيارية التي نعتبرها جوهر التدين. وفي مضمار هذا الفهم للدين، بعث الأنبياء لتبليغ الوحي وتبيانه، وهو وحي ليس من لدن أنفسهم قطعًا، بل هم رسل مبلغون، ومصدر الحق فيه هو الله وحده. وفي رحاب الإسلام، اضطلع "العلماء" بمهمة شرح وتفصيل الرسالة الإلهية والبيان النبوي، الذي هو في لبه كشف عن مكنون كلام الله. ولما كان هؤلاء هم حماة "العلم"، فقد استحقوا هذا اللقب اشتقاقًا مما برعوا فيه؛ ومناط براعتهم يبدأ من إرساء "تقنيات الذات"، وهي السبل الكفيلة بغرس الانضباط الذاتي ورعاية الجوانب الأخلاقية في النفس، وهي ذاتها الذريعة لتحقيق المقاصد والمنافع التي توخاها الدين.

إن الصلة بين العلماء -بوصفهم القائمين على العلم الإلهي (أي الشريعة)- وبين تقنيات التكوين الأخلاقي للذات، صلة حاضرة دوما في المصادر الإسلامية، بل وتكتسب قوتها النموذجية حتى على المستوى القرآني؛ فقد وجه الأمر القرآني المؤكد بتحصيل علم الشريعة تحديدًا إلى من يوصف بـ "الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره" (صحيح البخاري، 1/160).

تلك هي المرتكزات العقائدية التي صاغت البنية الدستورية للإسلام منذ بزوغ فجره الأول. ففي القرن الهجري الأول، تبلورت ثقافة تشريعية استندت بصفة أصيلة إلى "فقه الفقهاء"؛ وهم طبقة من العلماء المستقلين الذين صبغوا علمهم بورع شديد، واستحال لديهم درس "الشريعة" -بأحكامها المنظمة للشعائر والعبادات- ضربًا من القربة وطاعة تتعبد بها النفوس لهذه الرسالة الخاتمة. لم ينحدر هؤلاء الفقهاء من طبقة سياسية متنفذة -كما كان شأن نظائرهم من حقوقيي الرومان إبان عهد الجمهورية- ولم يبتغوا على علمهم جزاء ماديًا ولا شكورًا؛ فقد كان التبحر في "العلم" -وظل كذلك- نسكًا تعبديًا تترفع هامات أصحابه عن الأرزاق الحكومية أو العطايا السلطانية، فكان العلم لديهم كإقامة الصلاة أو إيتاء الزكاة.

إن هؤلاء الفقهاء، الذين تخرجوا في غالبهم من رحم الحواضر العسكرية الآخذة في الاتساع (من ثغور وأمصار)، قد انتدبوا أنفسهم لمدارسة "أحكام الدين" في حقبة بلغت فيها صولة الإسلام السياسية والعسكرية مداها، وفي وقت شاطر فيه قادة الدولة هؤلاء الفقهاء شغفهم بالشريعة وعنايتهم بها. ومع ذلك، وبرغم ما ملكه أولئك القادة من أدوات القهر وأسباب النفوذ، إلا أنهم لم يروموا قط اغتصاب حق التشريع في هذه الإمبراطورية الناشئة.

وبرغم كلفهم بمدارسة الأحكام، إلا أنهم نأوا بأنفسهم عن مهمة "استنباطها"، وتركوا زمامها لعلماء مستقلين بائنين عن السلطة التنفيذية. بل إن الخلفاء أنفسهم -وإن كان بعضهم أساطين في الفقه، لا سيما في صدر الدولة- لم يختلج في روعهم يوما صياغة "تشريع" للدولة على نسق ما سنه أباطرة الرومان أو البيزنطيين أو الصينيين.

بل إن مبعث الدهشة هو استمساك الدولة بهذا النهج في العقود الأولى التي أعقبت وفاة النبي؛ وهي برهة زمنية كانت فيها السلطتان، السياسية والتشريعية قابلة للتشكل وفق أي مآل، وحين لم يكن إجماع الأمة قد استقر بعد على ماهية السلطة الشرعية. ومؤدى ذلك أن الخلفاء لم يكونوا "مشرعين" بأي دلالة مألوفة -أو حديثة- لهذا المصطلح؛ فبرغم ما انبسطت عليه أيديهم من سيادة مطلقة في ميادين الحرب والسياسة، إلا أن تلك السيادة قد وقفت عاجزة دون النفاذ إلى "ميدان الحكم المركزي"؛ ذلك الميدان الذي كان يرسم بضوابطه الفقهية حدود المجالات الأخرى وكيفية سيرها، بما في ذلك المجال "السياسي" ذاته.

بيد أن كل ما تقدم لا يكشف لنا عن العلة الحقيقية التي كفت أيدي الخلفاء الأقوياء عن احتواء الوظائف التشريعية لطبقة الفقهاء، أو حتى سلوك سبيل المحاولة في ذلك المنزع. فقد كان بمقدورهم -من باب الدهاء السياسي- أن يخلوا بين هؤلاء العلماء وبين ما برعوا فيه من استنباط، مع نسبة تلك "الأحكام" إلى الإرادة السلطانية، وجعلها صدى لمشيئة الخليفة، لتغدو هذه المشيئة هي مآل السلطة ومستقرها الأخير. غير أنهم لم يجنحوا إلى ذلك قط؛ وهو أمر مرده إلى سببين جوهريين على الأقل.

أولًا: إن استكناه الأحكام الشرعية كان ينهض على الاشتباك المباشر مع معين التنزيل القرآني، مؤيدا بصريح السنة النبوية المطهرة. ولما كانت هذه الأحكام ثمرة لمعرفة قوامها التقوى، فقد جاءت نتاجا لتأمل ذاتي، بل وفردي، مهما بلغ ذلك التأمل غايته في الانضباط المنهجي والاستدلالي. ولئن كانت حلقات العلم ومساجلات الأقران ديدنا مألوفا، إلا أن كيمياء الاستنباط وما تؤول إليه من نتائج كانت تصطبغ بصبغة فردية فكرية خالصة، فضلا عما يكتنفها غالبًا من عويص المسائل ودقيق النظر. وهذا ما يميط اللثام عن جوهرية نشوء مؤسسة (المجتهد)؛ ذلك المفكر الشرعي الذي يجهر برأيه المستنبط عن نظر وقناعة، يحدوه في ذلك ورع صادق وإخلاص عقيدة، متذرعًا بمناهج في التأويل والقياس تفترض سلفًا مثل هذه الأحوال النفسية السامية.

بيد أن هذه الظاهرة تكشف، في الوقت ذاته، عن نشوء خصيصة ملتحمة بها بنيويا، وهي "التعددية الفقهية"؛ إذ يستوي المجتهدون جميعًا في استحقاقهم المشروع لالتماس الآراء، أو استنباط ما يلوح لآفاق نظرهم أنه "حكم الله" في نازلة بعينها. لقد غدت قاعدة "كل مجتهد مصيب" ركيزة تشريعية كبرى انتظم بها عقد المنظومة بأسرها. وكان أولئك الفقهاء، قاطبة، جزءًا عضويًا من النسيج المجتمعي الذي انبثقوا منه؛ لذا فإن محاولة التضييق عليهم -وهم حملة لواء الشريعة- كانت ستؤول بالضرورة إلى وأد الإرادة المجتمعية التي كانوا، دون غيرهم، الأقدر على التعبير عن مكنونها. وبعبارة أخرى، لم يكن لكائن من كان -بما في ذلك الخلفاء- أن يغل أيديهم عن ممارسة نشاطهم، أو يتحكم في كثرتهم، أو ينازعهم مقامهم الراسخ. وإذا ما تساوت قدما الجميع في مضمار البحث عن القصد الرباني، فأي واحد منهم كان يأمل في تقديم فقهه على أقرانه بتبنيه "تشريعًا خليفيًا" ملزمًا؟

إن هذه "التعددية الفقهية"، بإغراقها في قيم المساواة، قد استبعدت بالكلية أي احتمال لقيام تراتبية سلطوية. وإذا كان الخليفة عاجزًا عن قسر هذه التعددية أو تبديل طبيعتها (بافتراض نزوع رغبته إلى ذلك، وهو ما لم يكن)، فما كان له أن يجسر على ادعاء حق التشريع. وهذا يفضي بي إلى الاعتبار الثاني، وهو "الرؤية الكونية" والروح التي بذرها القرآن في النفوس: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" (سورة غافر – الآية 16). إن إقحام أي سلطة وسيطة بين المؤمنين وربهم لم يكن ليعني إلا منابذة جوهر الرسالة القرآنية وتقويض أركان الإسلام برمته؛ بل كان سيعني، في المآل، خيانة للمهمة المقدسة التي رأى النبي ﷺ أنها علة بعثته من لدن الحق سبحانه. إن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، التي عليها يحيا المسلمون وعليها يموتون، والتي هي ميسم الإسلام وعنوانه، لا تعدو في حقيقتها أن تكون "فلسفة دستورية" من الطراز الأول.

إن العزم القرآني على محق أي سلطة وسيطة يمثل إحدى أعظم ركائز الوحي؛ فلا خليفة ولا بشر كائنا من كان، ولا حتى المسيح (النبي عيسى بن مريم عليه السلام)، بمقدوره الاضطلاع بهذا الدور. وهكذا، فبينما كان النفي القرآني للوساطة مسألة اعتقادية في مبتدئها (تتصل ببيان فساد مقولة التثليث ومزاعم الجاهلية في بنات الله)، إلا أن تجلياتها صاغت معالم الدستور والسياسة في أبهى صورها وأعمقها.

بل يسعنا المضي قدما لنسحب هذا "اللاهوت السياسي" على جوهر الرسالة القرآنية؛ فنفي البنوة عن المسيح إنما يرتكز إلى أصل الأصول في القرآن، وهو "الوحدانية المطلقة" (الله أحد)، الذي لا شريك له ولا واسطة تجمعه بالبشر. إن هذه الوحدانية هي، في الحقيقة، جذر التصور السياسي القائل بأن الله -وحده لا شريك له- هو الحاكم والملك والسلطان؛ فهو المشرع الأوحد، وما الفقيه المؤول إلا سادن لبيانه، مستكنه لأسرار لسانه. لقد كان ذلك تكليفًا إلهيًا ونسكًا دينيًا جليلًا؛ ومن هنا نستبين كيف أن القرآن الكريم، بل وحتى "اللوح المحفوظ"، لم ينأيا يومًا عن جوهر السياسة ومآلاتها.

وقد أفضى الأثر الدستوري لهذه العقيدة اللاهوتية إلى إرساء مبدأ جوهري يقضي بأن القوة السياسية والعسكرية في كيان الدولة -أي السلطة التنفيذية- لا تملك حق التشريع، بل ويحظر عليها نشدانه؛ تجسيدًا للنموذج القرآني الذي قصر "استنباط الأحكام" بالعلماء الراسخين في العلم حصرًا، وجعله حمى منيعًا يختص به سدنة الشريعة، فهم وحدهم المؤهلون لسبر أغوار المقاصد الإلهية واستجلاء مكنونها. وحتى في الأحوال التي صادف فيها كون هؤلاء العلماء خلفاء على رأس الدولة، فإن مشروعية إسهامهم في صياغة الأحكام لم تكن تستمد مددها من منصب الحكم السياسي، بل كانت تنبع حصرًا من علمهم وفضل اجتهادهم.

 

المحاور: كيف تجسد الشروط التي ألزم بها الماوردي وابن جماعة ولي الأمر ذلك الفصل الصارم بين سلطة الحكم وحق التشريع؟

هذا سؤال حصيف، ومن الأهمية بمكان أن نعرج عليه في هذا المقام، عقب فراغنا من بسط القول في استقلالية السلطة التشريعية. وتتجلى قيمة هذا الطرح في كون التعريف الموروث لمهام "الإمام" أو "السلطان" يمثل، في صميمه، بيانًا دستوريًا يرسم حدود السلطة التنفيذية، ويبين ما أنيط بها من تبعات وما خرج عن حياض اختصاصها. وما سلكه بدر الدين بن جماعة (639 هـ – 733 هـ) في هذا المضمار لم يكن إلا تقريرًا لأمر مستقر في الوجدان الفقهي، وأحسبه محل إجماع متفق عليه؛ وهو ذات النهج الذي انتصر له أبو الحسن علي الماوردي (364 هـ – 450 هـ) وابن الفراء أبو يعلى الحنبلي (380 هـ – 458 هـ) وكوكبة من الفقهاء امتد ذكرهم حتى أواخر العهد العثماني.

وقد أحصى ابن جماعة واجبات الحاكم في 10 بنود، وسلك الماوردي سبيله، غير أن الأخير أوجزها في كتابه "أدب الدنيا والدين" ضمن 7 أبواب؛ ورغبة في الاختصار، سأقصر حديثي على تلك الأبواب السبعة التي تنطوي في مطاويها على ما سواها.

نلحظ أن الوظيفة الأولى هي "حفظ الدين"؛ وهو مطلب يسري حكمه بالشمول، حتى لا نكاد نلفي نصًا سياسيًا عني بوظائف الإمامة أو السلطنة إلا وجعله في الصدارة. وتقتضي هذه المهمة أن الدين -بمؤسساته ومنظومته المعيارية- كيان قائم ومستقر بيقين؛ إذ ينبني هذا الواجب على افتراض أن دور الحاكم لا يكمن في "إنشاء" الدين، بل يقتصر على صون حياضه وحفظ أركانه فحسب.

وثانيًا، فإن هذا الحفظ لا يستقيم إلا إذا مضى على السنن الذي استقر به الدين وأقره السلف الصالح؛ ومؤدى ذلك أن الدين، والشريعة التي تشد عضده، هما من يفرضان على الحاكم ميثاق حمايتهما. أما من المنظور السياسي، فإن الغاية من ذلك هي توكيد "علوية الشريعة" وسيادتها المطلقة على كافة النوازع التأويلية أو التشريعية لدى الحاكم.

وتلك هي الخصيصة التي ترسي الفارق الجوهري بين الإسلام والثقافات الغربية؛ ففي رحاب الإسلام، تغدو الشريعة هي الضابط والمهيمن على المجال السياسي، لا تابعا له. وهذا فعل دستوري من الطراز الأول ألح عليه الكتاب المسلمون أيما إلحاح. ويبدو أن انتقاء مصطلح "الدين" في هذا السياق جاء عن قصد وتدبر؛ ليعبر عن نفاذ الشريعة بوصفها "سجية" وثقافة، وتجربة حياتية معاشة بالكامل. إن الحكم بهذا المفهوم، يظل دومًا راسخا في مشكاة إرادة الشريعة الربانية، مقيدًا بحدودها ومحاطًا بأسوارها من كل جانب. وهي عقيدة تأسيسية استقر عليها الإجماع منذ عصور مبكرة؛ إذ نبه أبو عبيد القاسم بن سلام (157 – 224 هـ) إلى القوة المعيارية لهذه العقيدة في صدر الأمة، مؤكدًا سيادتها المطلقة التي لم تشبها شائبة معارضة أو نشاز صوت.

وثمة مآل آخر يترتب على هذه العقيدة؛ وهو ألا يبتدع الحاكم لنفسه تأويلًا شاذًا أو منزعًا يفارق جادة الشريعة، كما يتعين عليه صون مقام العلم من أن يخوض فيه غير أهله من الأفراد أو الجماعات. فإذا ما برزت فئة مارقة تجاهر بمنابذة أصول هذا "الدين"، وجب على السلطان استجلاء حقائق الإسلام مستعينًا بالحجج الدامغة لعلماء الأمة، ليبصر المتمردين بمواضع زللهم ومواطن ضلالهم. فإن هم لم يفيئوا إلى الحق ونيبوا لجادة الصواب، استحقت محاكمتهم وفق القواعد المرعية والمستقرة في الشريعة. وبذلك، يصان كيان "الأمة" ويحفظ حماها ودينها من غوائل التشرذم ومزالق الشتات.

وتأمل كذلك في أن شرط "حفظ الدين" يستبطن في طياته مطلبا فرعيًا، مفاده أن وظيفة السلطان تمتد لتشمل السعي الدؤوب نحو "تطبيق" أحكام الدين؛ غاية تحويلها إلى ممارسة عملية ونمط حياة معاش. وهذا المطلب يتسق تماما بواجب رعاية "صلاح الدنيا"؛ ذلك الواجب الكفيل بانتظام شؤون العالم، واستقامة أحواله على نحو يجمع بين السداد والمنفعة.

أما الوظيفة الثانية، فهي تمثل -بطبيعة الحال- الماهية الجلية والجوهر الأصيل للسلطة التنفيذية؛ والمتمثلة في: "حيازة القوة القسرية". إذ يناط بالحاكم مسؤولية بسط الأمن في شقيه الداخلي والخارجي (أي حياطة الثغور وصون الحدود)؛ ويستغرق مفهوم الأمن الداخلي حماية كيان المجتمع من غوائل الفئات المارقة التي سلف لي ذكرها آنفا. أما الوظيفة الثالثة فهي "عمارة البلاد"؛ ويتحقق ذلك عبر مد يد العون للأنشطة الاقتصادية وتنميتها، وتشييد الطرق والمسالك وتذليل سبلها. وهذا المطلب، شأنه في ذلك شأن المطالب السالفة، نجد له صدى في جل المصنفات التي استفرغت الجهد في استقصاء هذا الموضوع.

والرابعة هي "جباية الأموال والخراج" وفق ما تقضي به أحكام الشرع، مع التزام جادة الاستقامة وتحري النزاهة في طرائق جمعها ووجوه إعادة توزيعها. ويستتبع هذا الواجب -بالضرورة- اضطلاع الحاكم بمسؤولية إدارة الأراضي والمساحات، بشتى أصنافها وتنوع فئاتها. فيما تتجلى الوظيفة الخامسة في إدارة محاكم الشريعة ودواوين المظالم بميزان القسط والعدل؛ و"دواوين المظالم" هي هيئات قضائية يتربع الحاكم على سدتها، وتختص أصالة برد الحقوق إلى نصابها ورفع الحيف عن الرعية فيما يقترفه رجال الدولة من تجاوزات، سواء أكانوا من حملة السلاح أم من سائر الولاة والموظفين، بل ويمتد اختصاصها ليشمل قضاة الشريعة أنفسهم. ومؤدى ذلك أن الحاكم هو المرجعية الإدارية العليا للجهاز القضائي؛ فبيده مقاليد تعين القضاة وعزلهم، وعليه تقع تبعة ضمان انتظام سير العدالة في محاكم البلاد.

أما السادسة، فهي واجب إقامة الحدود؛ تلك العقوبات التي سطر أحكامها القرآن الكريم في مقامه الأسمى والجليل. وتأتي السابعة ختامًا لتوجب على السلطان اصطفاء العمال والولاة من ذوي الأمانة والمقدرة والكفاية، لينهضوا بمهامهم بصدق وإخلاص، كنواب عنه في تدبير مصالح الرعية وتصريف شؤون البلاد في مختلف أقاليم الدولة.

وكما أشرت سلفًا، فقد استقرت هذه التبعات المنوطة بولي الأمر بوصفها تقاليد سياسية رصينة ضربت بجذورها في عمق التاريخ الإسلامي حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا. وإن أظهر ما يستوقف الناظر في هذه الأعراف هو خلو مهام الحاكم خلوا تامًا من أي نزوع للتشريع؛ فبرغم ما تبسط عليه السلطة التنفيذية يدها من نفوذ قسري عريض، إلا أنها تظل محرومة من أي اختصاص تشريعي. ومن ثم، يلزمنا الاستنتاج بأن ذلك "الفصل الجذري" له دلالة إضافية؛ إذ لم يتوقف الأمر عند حدود استقلال الشريعة منذ مطلع عهد الوحي فحسب، بل كان فصلًا كليًا ومطلقًا وشاملًا؛ ذلك أن السلطة التنفيذية -بصفتها التنفيذية- كانت هي الأخرى قائمة بذاتها، ولم تجسر يومًا على ادعاء نسبة الصلاحيات التشريعية إلى حياضها.

 

المحاور: تطرقتم إلى مسألة "الحجر على الإمام". برأيكم: كيف وضع الماوردي من خلالها حدودًا مؤسسية على السلطة الشخصية للحاكم؟

يجب أن ندرك أن التأكيد على "الهوية الشخصية" للحاكم -أو لأي مسؤول عام على حد سواء- ليس إلا ثمرة للمسار الذي سلكه التاريخ الأوروبي؛ وهو مسار اختلف تمامًا عن التاريخ الإسلامي والطريقة التي ساس بها المسلمون أنفسهم. ومن الجلي أن ثمة دومًا أساليب شتى للحياة، وسبلًا متعددة لاستكناه حقيقة الأشياء؛ فلكل مجتمع منطقه الداخلي الذي يحكمه، وطريقته المتفردة لرؤية العالم والعيش فيه.

إن منزع الحداثة الأوروبية إلى تعيين "ذات" المسؤول الحكومي وتحديد هويته، إنما ينبع من مقتضيات النظم الدستورية التي تحظر على الشخص الواحد الجمع بين ولايتين في فرعين مختلفين من فروع السلطة؛ فلكي تستقيم هذه "الثنائية"، غدا لزامًا أن يكون شخص الحاكم أو الوالي معروفًا ومشخصًا بيقين. وما هذا التوجس من "الثنائية" إلا رغبة في درء الفساد؛ إذ إن حشد صلاحيات أكثر من فرع في يد واحدة لا يعني سوى حيازة سلطة تفتقر إلى الشرعية، والارتقاء بها إلى مقام الاستبداد. وهذا، في مبتدأ الأمر ومنتهاه، هو الباعث الجوهري الذي أفضى إلى بزوغ مبدأ "الفصل بين السلطات" في الفضاء الأوروبي.

لا بد من إدراك أن ثمة افتراضًا غائرًا يكمن في هذا السياق؛ ومؤداه أن استحواذ الفرد على مقاليد سلطات شتى يعطل، بآلية حتمية، قدرة كل سلطة على كبح جماح الأخرى، الأمر الذي يمهد السبيل لإساءة استغلال المنصب والنفوذ. فضلًا عن ذلك، فإن فروع السلطة التي جمعت في يد واحدة ستفتقد بالضرورة ميزة الرقابة البينية، لعلة انصهارها في ذات واحدة.

ولنستذكر هنا أن القاعدة الأساسية والقطب الذي يدور عليه فلك "الفصل بين السلطات" هو الرغبة في مجابهة "طمع" سلطة بطمع أخرى، ومدافعة "طموح" جهة بطموح جهة مضادة. ومقتضى ذلك أن التصور الحاكم للطبيعة البشرية في الفكر السياسي الغربي (والحداثي المعاصر) يقوم على افتراض أن الإنسان كائن طماع، متكالب على السلطة، ومجبول على نزعات الشر. وبموجب هذا التصور، يغدو الركون إلى الوازع الأخلاقي لكبح هذا الطموح رهانًا خاسرًا؛ لكون "الأخلاقي" قد عزل مفاصله عن سائر مجالات الفعل الإنساني.

وبناء على ما تقدم، يتجلى افتراض "فيبري" (نسبة إلى ماكس فيبر) يرسخ خلف فلسفة الفصل بين السلطات في صيغتها الأوروبية؛ وجوهره أن الوازع الأخلاقي والالتزام القيمي لا ينهضان ككوابح كافية لدرء الفساد، بل إنهما في حقيقة الأمر يفتقران لأي قوة رادعة. ومن هذا المنطلق انبثق المفهوم الفيبري حول "العقلانية الصورية" و"البيروقراطية العقلانية"؛ وهو المنطق عينه الذي ينحي الواجب الأخلاقي جانبًا، ليقيم مقامه بيروقراطية مرتهنة لصرامة القواعد وجفاف الأنظمة.

وكما يتبدى للقارئ من خلال إجاباتي على أسئلتكم الأخرى، فإن مفهوم "الدين" الذي قامت عليه بنية التنظيم الاجتماعي والسياسي في الإسلام، ينهض على افتراض كون الفاعلين السياسيين ذوات أخلاقية في المقام الأول، وأن ملكتهم الأخلاقية تضطلع بدور محوري في صيانة الأمانة وحسن الأداء.

ففي الإسلام تتبوأ "الاستقلالية الأخلاقية" و"المسؤولية الذاتية" مكانة "البيروقراطية العقلانية" المهيمنة في الدولة الحديثة؛ إذ ترتكز فلسفة الطبيعة البشرية الناظمة للممارسة الاجتماعية والسياسية في الإسلام على تصور للنفس يمتد عبر طيف يترجح بين "الفطرة الخيرة" في أصل خلقتها، وبين "النفس المحايدة" القابلة للارتقاء والتهذيب. وإن هيمنة "تهذيب الذات" على مفاصل الخطاب الإسلامي لهي البرهان الساطع على طواعية الطبيعة البشرية للتخلق بالفضيلة، وعلى أن الجوهر الإنساني مفطور -في أصله- على القابلية للانصياع لقيم الحق والخير.

وعلى الرغم من أن الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كان فصلًا جذريًا -سواء بوازع الوقائع التاريخية أو بمقتضى العقيدة السياسية- إلا أنه من حيث المبدأ، لا يهم أي مسؤول ينهض بأي واجب، ما دام الواجب قد استوفي على وجه التمام. إذ يرتكز الافتراض هنا على أن معيار الصلاح ليس "النظام البيروقراطي" العقلاني، بل "النية" في إمضاء الواجب وفق ما تمليه أحكام الشريعة. وبناء عليه، لو سلم جدلًا بأن قائدًا عسكريًا اعتلى سدة القضاء في محكمة شرعية، واتفق أنه قضى في النوازل بما يقضي به القاضي المتبصر، لكانت أحكامه صحيحة من الناحية النظرية.

ومن هنا، كان الفصل بين السلطات في الإسلام أكثر "طبيعية" -بل وأكاد أقول أكثر "انسيابية"- من ذلك الفصل القسري الممنهج في التجربة الأوروبية؛ إذ لم يكن الإسلام بصدد مواجهة معضلة "الطاغية" الذي يقبض على زمام السلطات قاطبة، بدعوى أنها تفويض إلهي منزل. وكما أسلفت بيانه، فإن هذا الانفصال قد انبثق من حقيقة كون التشريع شأنًا نصيًا إلهيًا، ومسألة تأويلية (هرمينوطيقية) عميقة الغور.

وثمة ملمح آخر يتجلى في هذا السياق؛ وهو أن منطق "الإنابة" في المهام الإدارية والوظائف السلطانية كان يحتكم بدوره إلى ذات المعيار. إذ لم تكن هوية الجابي الذي يعينه الخليفة أو السلطان -وإن شابه الفساد- هي محط الأنظار، بل كان المدار والتعويل على استيفاء هذا الجابي لواجبه وفق ما تقتضيه أحكام الشريعة.

ومن هنا، فإنه حينما كان جور المسؤولين يتجاوز مداه ويبلغ بالرعية مبلغ الغليان، لم تكن الجموع تهرع عادة إلى جهة التعيين لبث الشكوى، بل كانوا يبادرون من تلقاء أنفسهم بملاحقة المسؤول الجائر بذاته. والعلة في ذلك أن التبعة الجنائية والوزر الأخلاقي يقعان على عاتق مباشر الوظيفة؛ إذ هو من يتحمل وزر المسؤولية القانونية والأخلاقية بتمامها، وهما اللتان لم تكونَا في الإسلام إلا وجهين لعملة واحدة.

 

المحاور: كيف يستحضر الغزالي مفهوم "المآل الأخروي" ويوظفه كأداة للرقابة الدستورية لتقييد الإرادة المطلقة للحاكم؟

هذا سؤال ممتاز؛ إذ يمكن مقاربته بوصفه قضية تاريخية تارة، وبوصفه مسألة تتصل بالمنهجية والوعي النظري تارة أخرى، واسمح لي أن استهل إجابتي بالنقطة الأخيرة. فحين نتناول مفهوم "الآخرة" في مجتمعات ما قبل الحداثة من منظور القرن الحادي والعشرين العلماني، يتحتم علينا استحضار "نقاطنا العمياء" بوصفنا مراقبين، كي لا نقع في فخ التنصيب كقضاة على الآخرين أو على عوالم الماضي. وتتجلى المعضلة هنا في "خارجية" المراقب -أي في تموضعه خارج سياق التجربة المبحوثة- وهو مراقب يمتلك في يده موازين القوة، ويصوغ بخطابه سرديات تاريخية تظل في جوهرها، سرديات سياسية بامتياز.

يخاطب الغزالي السلطان السلجوقي بنبرة إرشادية تشبه نبرة المعلم مع تلميذه، ولو قدر لميكافيلي أن يخاطب أميره بمثل تلك النبرة، لكان جزاؤه ضرب العنق على الأرجح. ولما تأتى للغزالي أن يتحدث بهذا الأسلوب إلا لكونه يتحرك ضمن "هابيتوس" (بنية اجتماعية ونفسية مستقرة) ينضوي تحت لوائه هو والسلطان معًا، ويمنح كلا منهما مكانة محددة المعالم سلفًا.

ففي رحاب "الهابيتوس"، يصاغ إدراك المرء وفهمه للعالم وفقا للقواعد وأنماط الوجود التي تفرضها تلك البنية الرصينة؛ فلا يملك أي فاعل أن يفرض إرادته الخاصة على "الهابيتوس" ومن هنا، يطور المنتمون لهذا "الهابيتوس" مواقف محددة تجسد قيما مشتركة تشكلت عبر التاريخ والثقافة، وغالبًا ما تستقر هذه المواقف في منطقة "اللاوعي"، فتتبدى في هيئة حقائق طبيعية لا يتطرق إليها الشك والجدل.

بناء على ما تقدم، فإن مقاربة "الهابيتوس" من منظور خارجي -أي دون استكناه أغواره بعين المنتمي إليه أو القريب من جوهره- مآلها الإخفاق في إدراك كنهه الروحي وبنيته المتعددة الطبقات، أو ما نصطلح عليه في معجمنا العلمي بالبنية النفسية والعاطفية. إنها بعبارة أخرى، عجز عن فقه الكيفية التي تتدخل بها الأطر النفسية والمشاعرية في صياغة قوالب الفكر والعقل والمنطق، بل وفي تشكيل الرؤية الكونية والتصورات الوجودية برمتها.

وبالمثل، فإن استبعاد أي مكون داخل "الهابيتوس" لمجرد كونه يبدو ثانويًا أو عديم الجدوى في عين المراقب الخارجي، ليعد سقطة معرفية فادحة، وهو في ميزان "الفيلولوجيا" – أي الدراسة التاريخية للنصوص، ضرب من ضروب البحث الذي ضل طريقه. وبصورة أكثر دقة وواقعية، فإن "الفيلولوجيا العلمانية" -أو بعبارة أدق: الجهاز الفيلولوجي "العلمي-العلماني"- يفتقر إلى الأدوات اللازمة، ويفتقد بالتالي إلى الأهلية لدراسة هذا النمط من "الهابيتوس"؛ إذ ستغفل هذه المناهج عما هو جوهري (أو تزهد في شأنه في أحسن الأحوال)، في حين ستسرف في تضخيم ما هو هامشي وثانوي.

إن "الفيلولوجيا التعاطفية" -والتي أرى وجوب إحلالها محل المناهج الفيلولوجية القائمة- لا تقف عند حدود كونها وسيلة تتسم باللطف والإنسانية لدراسة "الآخر" في أبعاده الثقافية والتاريخية والروحية؛ بل هي في جوهرها منهجية واعية لاستبصار العالم وفهمه. وتقتضي هذه الفيلولوجيا التعاطفية أن يستوعب المراقب التبعات والآثار القصوى لمفاهيم كـ: القدرة الإلهية، وعظمة الخلق والإبداع، والرزق، وملكية العالم، والعلم المطلق، وصولًا إلى يوم القيامة؛ إذ إن كل هذه المفاهيم -بما فيها المفهوم الأخير- تكتنز دلالات وآثارًا سياسية بالغة القوة والنفود لدى المؤمنين بها.

والآن، وبالعودة إلى الإجابة عن السؤال بوصفه ظاهرة تاريخية عينية؛ فمتى استوعبنا هذه القضايا المنهجية، أدركنا أن استحضار الغزالي (وغيره) لمعاني القدرة الإلهية المطلقة والرحمة، والعلم الشامل والزهد، لم يكن مجرد ترديد لشعارات جوفاء، بل كان ركائز سياسية متينة تولد في مآلها منظومة قيمية متكاملة. إن تلك الثيمة المستمرة والملحة بأن الله هو مالك الملك الأحد، والصمد، والقوي الجبار، ما هي في حقيقتها إلا تقريرات لما نصطلح عليه في زمننا الحداثي بـ "السيادة".

لقد كان السلطان السلجوقي على يقين تام بأن لسطوته حدودًا لا يتجاوزها، ولم يكن يملك من النفوذ ما يزين له أن بمقدوره إنفاذ مشيئته في كل أمر؛ إذ كان يدرك إدراكًا جليًا أنه لا يحوز حق التشريع، وأن مآل القانون ليس بيده؛ ذلك أن القانون هو "شرع الله"، وهو شرع مستودع في عهدة العلماء الأتقياء وحملة العلم. هذا هو "الهابيتوس" الذي كان مهيمنا آنذاك، وما كان الغزالي إلا ناطقا بلغة يعي السلطان والخاصة والعامة دلالاتها ومقاصدها على حد سواء.

 

المحاور: كيف تضطلع المذاهب الفقهية بدور "صمام الأمان الدستوري"؟ وما هي الآلية التي تقدمها تلك المذاهب لكبح جماح السلطة ومنع استبداد الحكام؟

اسمح لي أن أجلو بوضوح تلك الأهمية القصوى التي اضطلع بها "المذهب" في تاريخ الإسلام السني؛ فبمقدار ما يستعصي على الخيال تجريد تاريخ مصر القديم من أهراماتها وصروح مدافن فراعنتها، يستحيل كذلك تصور الإسلام بمعزل عن مذاهبه. فالمذهب هو الذي خط المعالم والحدود (الشرعية) في أبعادها الداخلية والخارجية على حد سواء، وهو الذي أرسى الدعامة والضمانة لما يمكن تسميته بـ "الحمايات الدستورية".

إن أولى عتبات الفهم بخصوص المذهب هي إدراك كونه الوسيلة التي أضفى بها الإسلام صفة "المشروعية" على أحكامه وقوانينه. ففي الأنظمة السياسية الحديثة، يستمد القانون شرعيته من صدوره عن "الدولة الوطنية"؛ إذ يكتسب صفته القانونية لكونه يمثل -افتراضًا- صوت الأمة وتجسيدا لإرادة الدولة. أما في فضاء الإسلام السُني، فإن الشريعة -باعتبارها منظومة من الأحكام والضوابط- لا تستمد مشروعيتها إلا من خلال المذهب.

والمذهب هنا لا يعني أن الأحكام الفقهية مجرد نتاج اجتهاد تشريعي فردي، وإن كان هذا يمثل جانبًا من الحقيقة، بل إن المذهب ينطوي على وجود "إجماع" بين زمرة من الفقهاء المتعاقبين عبر الأجيال؛ إجماع يقضي بأن منظومتهم التشريعية في كليتها هي الثمرة الناضجة لمناهج وأصول مرجعية متفق عليها.

وبمعنى ما، يمكننا التمييز بين نمطين من "أصول الفقه": نمط جلي ذائع، سطرت فيه مؤلفات جليلة ومعقدة أحيانا، ونمط آخر "ضمني" شكل ما يمكن نعته بـ "نظام التشغيل الفقهي". لقد انصب اهتمام أصول الفقه المشهورة، بصفة أساسية، على استكناه "الأدلة الكلية" وطرائق الاستدلال الكبرى، بينما التفتت -بصورة ثانوية- إلى مناهج التأويل والاستنباط الخاصة أو "الأدلة الجزئية".

ونظرا للطبيعة العامة والشمولية لهذه المبادئ التأويلية (الهرمنيوطيقية)، فقد تقاطعت المذاهب الأربعة جميعها عند معين أصول الفقه المشهورة؛ وهذا ما يفسر لنا كيف تسنى لفقيه مالكي أو حنبلي، على سبيل المثال، أن يضع شرحا وافيًا على مصنف في أصول الفقه وضعه عالم شافعي.

أما النمط الآخر، وهو أصول الفقه "الضمنية"، فتتمثل في تلك القواعد والضوابط الخاصة التي استنبطها كل مذهب وتبناها، وغدت لدى فقهائه جزءًا لا يتجزأ من ممارستهم التطبيقية الراسخة. فمن قبيل المثال، يقرر الحنفية في أصلهم أن "الغصب" المستوجب للضمان مشروط بإزالة يد المالك عن ملكه ونقله من حيازته الأصلية على وجه التعدي. وفي المقابل، يذهب الحنابلة إلى تعريف الغصب بمجرد الاستيلاء والقهر، سواء أزيلت العين عن مكانها أم بقيت؛ وبناء على هذا التباين في التأصيل، فإن وضع اليد على بساط بمجرد الجلوس عليه -دون نقله- يعد غصبًا موجبًا للضمان عند الحنابلة، في حين لا يراه الحنفية كذلك.

أما في شأن استرداد التعويضات، فقد أفضى هذا التباين الجوهري في تعريف "الغصب" إلى بروز فوارق عميقة في الفروع الفقهية بين المدرستين؛ فبينما يذهب الحنابلة إلى تحميل "الغاصب" مآلات المسؤولية تجاه المالك الشرعي عن سائر نماء العين المغصوبة وما تدره من عوائد، يضع الحنفية قيودًا محكمة تحول دون استرداد المالك للحقوق الناشئة عن ذلك النماء.

وينطلق الحنفية في ذلك من منطق يقضي بأن نماء المال المغصوب أو غلته لم تكن قائمة وقت "إزالة يد المالك" عن أصل ملكه، وحيث إنها كانت معدومة آنذاك، فلا يترتب في ذمة الغاصب حيالها أي ضمان. ويجلي هذا المثال المعنى الجوهري لمصطلح "المذهب" بوصفه عقيدة تشريعية تنظم سلكًا من القضايا المتماثلة -كما في مسائل الضمان هنا- وتصهرها تحت لواء أصل كلي واحد؛ وبهذا الاعتبار، يتبين كيف يتمايز مذهب مدرسة عن أخرى تمايزًا قد يصل في مراميه إلى حد التضاد.

وهنا، يتجلى لنا أن مشروع صياغة"أصول الفقه" -الذي استغرق أمد إتمامه أربعة قرون- كان يرمي في جوهره إلى تشييد ركيزة "الإجماع". فبفضل الإجماع، توطدت "حجية" القياس بوصفه منهجا سنيًا خالصًا يختص به أهل النظر من الفقهاء دون سواهم، كما أرسى الإجماع دعائم سلطة المذهب عبر إمداده بقوة تأويلية وثقافية صيرت منه صوتًا معبرًا عن كيان الجماعة.

لقد أفلح الإجماع في صهر الآراء الفقهية الفردية المتباينة في محك كتلة تشريعية صلبة، وكأنما غدًا مجموع الفقهاء يمثلون هيئة اعتبارية ومجردة تنطق بلسان وحدة متماسكة. ومن هنا، كان الاعتداء على المذهب أو السعي في تقويضه يعد صدامًا مباشرًا مع الثوابت العقدية للجماعة ودينها؛ ذلك أن منعة هذا الكيان الاعتباري كانت تنهل قوتها من تجذر المذهب في مشكاة منظومة تأويلية مقدسة لا يتطرق إليها الوهن.

ومن ثم، فقد كان اعتزام الحاكم إبطال الشريعة، أو تعطيل أحكامها، أو حتى السعي في تبديلها، يعد ضربا من المروق والمشاقة؛ وكأنما يعمد الحاكم بفعله ذاك إلى إعلان انقضاء دين الإسلام نفسه. لقد كانت الشريعة بمثابة "ثقافة" مهيمنة، وهي ثقافة متجذرة في صميم الدين؛ لذا لم يكن ليخطر ببال الحاكم -حتى على سبيل التوهم- أن تأتي مراسيمه وقراراته مناقضة لأصولها أو خارجة عن فلكها.

 

* عثمان أمكور، وائل حلاق: فصل السلطات مبدأ إسلامي.. والمذاهب "صمام الأمان" للنظام الدستوري، الجزيرة نت، 20 أبريل 2026، https://bit.ly/4cxekeU

ألقى الدكتور طه جابر العلواني أربع محاضرات فكرية عميقة بعنوان "إسلامية المعرفة"، أدارها الدكتور جمال الدين عطية، وذلك ضمن سلسلة محاضرات دورة ستراسبورغ المنعقدة بتاريخ 21 يوليو 1988. وقد طبعها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في كتابٍ يقع في 72 صفحة من القطع الكبير، غير مُثبَتٍ عليه تاريخ النشر. ويبدو من هيئة طباعة الكتاب المتواضعة أنه لم يُعَدّ للنشر والتوزيع. غير أننا حصلنا على هذه النسخة من الدكتور جمال الدين عطية (رحمه الله) قبيل وفاته، وننشرها الآن لأول مرة على موقعنا.

ويُفهَم من مقدمة المحاضرة الأولى أن هذه المحاضرات قد سبقتها محاضرة أخرى صباح اليوم نفسه، لم تُدرج في هذا الكتيب، وقد تضمنت، بحسب ما ورد في تلك المقدمة، ما يأتي: "في الصباح تحدثنا عن ما أسميناه بالأزمة الفكرية لدى أمتنا وتعرضنا لبعض أهم القضايا التي بدت أزمة الفكر واضحة فيها كقضية الإمامة وهل هي بالنص أم بالاختيار وآثار ذلك على فكر الأمة وقضية السببية والتعليل والغيبية الذي لحق الفكر الإسلامي من وراء الاغتراب فيها، وقضية الصراع المفتعل بين النص والعقل، وقضية الجبر والاختيار، وقضية الفِرَق والاختلاف، وقضايا التأويل والصفات، وقضية الاجتهاد والتقليد، وغير ذلك من القضايا التي يمكن أن تندرج تحت هذا المجال. وقد أوضحنا أن المطلوب في الوقت الحاضر هو دراسة وتتبع جذور كل قضية من هذه القضايا وربط سائر العوامل المؤثرة في كل منها، وتحليل سائر الآثار التي ترتبت على كل منها أيضًا.. آثارها على العقل المسلم ... آثارها على الوجود الإسلامي ۰۰۰ آثارها على تربية المسلمين وعلى فهم الإنسان المسلم للكون والحياة والإنسان وكذلك إعادة تقديم المنهاج الإسلامي السليم الواضح المستمد من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم العمل على بناء النسق الثقافي الإسلامي المطلوب لمعالجة أبعاد هذه الأزمة".

ونعرض الآن أهم ما ورد في هذه المحاضرات الأربع عرضًا موجزًا، وهو لا يغني إطلاقًا عن الاطلاع عليها لما تضمنته من أفكار مهمة ونافعة.

 

المحاضرة الأولى: تشخيص الأزمة الفكرية وتفكيك المصطلحات

استكمل المحاضر في هذه المحاضرة الحديث عن "الأزمة الثانية وليدة الأزمة الأولى ... وهي الأزمة في المعرفة والثقافة، ودور العلم والمعرفة في حياة هذه الأمة، والدور الذي تضطلع به جامعاتنا المختلفة في هذا المجال، وكيفية بناء النسق الثقافي الإسلامي"؛ حيث حاول الدكتور العلواني تأسيس إطار مفاهيمي من خلال تفكيك وتحليل مصطلحات مركزية مثل "العلم" و"المعرفة" و"الثقافة"، فوضح أن مفهوم "العلم" في أصله القرآني والنبوي كان يشمل كافة أشكال الوعي والفهم، ولم يكن مقصورًا على ما عُرف لاحقًا بـ "العلوم الشرعية"؛ ففي العصور الإسلامية الأولى، كان التعامل مع المعرفة يتسم بالشمولية، حيث اندرجت المعارف الإنسانية والكونية تحت مظلة الخطاب الشرعي. ولكن مع مرور الزمن، وبسبب ظروف تاريخية معينة وتأثيرات الفلسفات الوافدة، حدث انقسام وازدواجية في التعليم، وتم تصنيف العلوم وتقسيمها إلى علوم دينية وأخرى دنيوية، مما أدى إلى تجزئة العقل المسلم. كما تطرق المحاضر إلى مصطلح "الثقافة"، مشيرًا إلى أن النسق الثقافي الإسلامي أرحب وأشمل بكثير من المفهوم الغربي للكلمة، فهو يمثل العقيدة والتصور الشامل للحياة والسلوك والقيم التي تنظم حياة الفرد والمجتمع.

وأبرز المحاضر تحليلًا نفسيًا واجتماعيًا دقيقًا لرد فعل العقل المسلم تجاه أزمته الحضارية، حيث يصفه بأنه في حالة من "الهروب العاجز" الذي اتخذ مسارين متناقضين؛ المسار الأول هو "الهروب إلى الماضي" عبر التغني بأمجاد الأجداد والتعلق بالتاريخ، كنوع من التخدير واكتساب راحة مؤقتة تمنع العقل من مواجهة تعقيدات الحاضر ومشكلاته. أما المسار الثاني فهو "الهروب إلى التبعية للغرب"، حيث ينبهر البعض بالنموذج الغربي ويستوردون حلوله الجاهزة دون تمحيص، ليصبحوا مستغربين في أوطانهم. وقد تعمقت هذه الأزمة النفسية وتُرجمت مؤسسيًا فيما أطلق عليه المحاضر "ازدواجية التعليم"، حيث انقسمت النظم التعليمية في البلدان الإسلامية إلى مسارين منفصلين: مدارس وجامعات "عصرية" مدنية تُعنى بالعلوم التطبيقية والإنسانية، وأخرى "دينية" أو شرعية، مما أدى إلى شطر العقل المسلم وخلق أجيال تعاني من انفصام نكد بين قيمها واعتقاداتها وبين واقعها العلمي والعملي.

مناقشات الجلسة الأولى: شهدت نهاية هذه الجلسة وبداية الجلسة التي تلتها نقاشات مهمة أدارها د. جمال الدين عطية. تركزت الأسئلة حول سبب عدم حصر فريضة طلب العلم في "العلم الشرعي" فقط، فأجاب د. العلواني بأن القرآن لم يقيد مفهوم العلم، بل شمل كل ما يتعلق بالوعي والكون. وفي الجلسة التالية، طرح د. عطية تساؤلًا حول إسهامات العلماء المسلمين الأوائل (كابن خلدون) في تأسيس العلوم الإنسانية، فأوضح د. العلواني أنه رغم وجود نظريات متناثرة ونواة حقيقية، إلا أن ظروفًا تاريخية وسياسية (مثل سيطرة الحكام وتغييرهم المستمر للمعتقدات) حالت دون أن تتبلور هذه الإسهامات إلى "علوم" مستقلة ومتكاملة المنهج كعلم الاجتماع أو الاقتصاد.

 

المحاضرة الثانية: معالم نظرية المعرفة والموقف من التراث

بدأ الدكتور العلواني هذه المحاضرة بالانتقال من تشخيص الأزمة إلى وضع معالم الحل، وفيما يتعلق بنظرية المعرفة، أبرزت المحاضر بوضوح أن الإسلام يعتمد على مصدرين أساسيين متكاملين للوصول إلى الحقيقة: "الكتاب المقروء" وهو الوحي المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، و"الكتاب المفتوح" وهو الكون وما يضمه من سنن وقوانين أودعها الخالق. وللتعامل مع هذين المصدرين، زود الله الإنسان بوسيلتين هما "العقل" و"الحواس". وقرر د. العلواني أن الطرح الإسلامي يرفض بشدة النظرة الغربية المادية التي تحصر المعرفة في حدود العالم المحسوس والظواهر المادية فقط، وتنكر ما وراء الطبيعة أو "عالم الغيب"؛ ففي الرؤية الإسلامية، لا يوجد تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، بل إن العقل هو الأداة التي تستوعب الوحي وتتفكر في آيات الكون، والإيمان بالغيب يوسع مدارك الإنسان ولا يقيده، مما يؤسس لمنهجية علمية شاملة تربط بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

انتقل المحاضر بعد ذلك لمعالجة قضية بالغة الأهمية وهي الموقف من "التراث الإسلامي" ومسألة "التقليد"، حيث وجه المحاضر نقدًا لاذعًا للعقلية التي تضفي هالة من القداسة والعصمة على التراث الفقهي والفكري الذي أنتجه العلماء السابقون، مؤكدًا أن هذا التراث هو نتاج بشري قابل للمراجعة والنقد والتطوير. واستشهد بمواقف تاريخية لكبار الأئمة، مثل الإمام مالك والإمام الشافعي، وصولًا إلى ابن تيمية، الذين كانوا دائمي المراجعة لآرائهم وأحكامهم بناءً على تغير الظروف والوقائع. وأكد المحاضر أن التوقف عن الاجتهاد، والركون إلى التقليد الأعمى، والتعصب المذهبي الذي وصل في بعض الفترات التاريخية إلى حد التكفير والاقتتال، هي عوامل أدت إلى شلل العقل المسلم وعجزه عن مواجهة التحديات المعاصرة. لذا، اعتبر المحاضر أن التحرر من هذا الجمود، وإعادة قراءة التراث بعقلية نقدية منفتحة، يُعد خطوة حتمية في مسيرة إسلامية المعرفة.

مناقشات المحاضرة الثانية (حوار حول منهجية أصول الفقه): واحتلت مناقشة منهجية "أصول الفقه" مساحة واسعة في الحوار بين المحاضر والمعقب (د. جمال الدين عطية). فقد طرح الدكتور العلواني فكرة رائدة تتمثل في إمكانية الاستفادة من "علم أصول الفقه" كمنهج بحثي يمكن تجريده وتطويره ليصبح أساسًا منهجيًا للعلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة، بدلًا من اقتصاره على استنباط الأحكام الفقهية الجزئية. ورأى أن هذا العلم يمتلك أدوات دقيقة في التعامل مع النصوص وفهم المقاصد والمآلات التي يمكن أن تفيد الباحث في تحليل الظواهر الاجتماعية. في المقابل، أثار الدكتور جمال الدين عطية تساؤلًا منهجيًا دقيقًا حول مدى صلاحية منهج صُنع خصيصًا لاستخراج "الأحكام التكليفية" (افعل ولا تفعل) لدراسة "الأحكام الوضعية" أو السنن الكونية والاجتماعية التي تصف الواقع كما هو، مما يفتح الباب أمام نقاش علمي ثري حول ضرورة ابتكار منهج إسلامي جديد يستوعب طبيعة الظاهرة الإنسانية والاجتماعية المعقدة ولا يكتفي بالجانب الفقهي التكليفي.

 

المحاضرة الثالثة: تكامل المعرفة والموقف من العلوم الغربية

خصص الدكتور العلواني هذه المحاضرة لمناقشة "تكامل المعرفة"، منتقدًا النظرة التي جزأت المعرفة وجعلت هناك فواصل بين علوم الوحي وعلوم الكون. أما الموقف من العلوم الغربية الحديثة، فقد مثّل محورًا نقديًا جوهريًا في المحاضرة؛ إذ نبّه د. طه جابر العلواني إلى خطورة الاستيراد العشوائي للعلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية. فهذه العلوم -في نظره- ليست أدوات محايدة، بل هي مشبعة بخلفيات فلسفية ورؤى كونية تشكّلت في سياق تاريخي خاص، اتسم بصراع مع الدين في التجربة الغربية، الأمر الذي انعكس في نزعات مادية وإقصائية للوحي. ومن ثمّ، فإن نقل هذه العلوم إلى البيئة الإسلامية دون تمحيص، وهي قائمة في كثير من نماذجها التفسيرية على مقاربات داروينية أو ماركسية أو فرويدية، يفضي إلى حالة من الاغتراب الفكري، ويُحدث خللًا في بنية الرؤية للإنسان والمجتمع.

وعليه، تبرز الحاجة إلى مشروع "إسلامية المعرفة" بوصفه مسارًا تأسيسيًا لا تلفيقيًا؛ فهو لا يقتصر على تزيين المنتج المعرفي الغربي بإشارات دينية سطحية، بل يستهدف إعادة بناء العلوم الإنسانية والاجتماعية من جذورها، في ضوء التصور الإسلامي المتكامل للإنسان والكون والحياة، وبما يفضي إلى تأسيس علوم -كعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد- تنطلق من الغايات والمقاصد الإسلامية، وتعبّر عن خصوصية المرجعية الحضارية للأمة.

مناقشات المحاضرة الثالثة: شهدت هذه المحاضرة تعقيبات لافتة من د. جمال الدين عطية حول الفهم الصحيح لبعض النصوص القرآنية في ظل العلوم الحديثة. فقد عارض د. عطية الاستدلال بآية (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا...) على مسألة غزو الفضاء، معتبرًا إياها تتحدث عن أهوال يوم القيامة وليس عن إنجازات كونية. كما ناقش آية (أفلم يكونوا يرونها) في سياق الحديث عن الحواس والمعرفة. وامتد النقاش بينهما إلى قضية فلسفية حول "تعدد الصواب"؛ حيث اعتبر د. العلواني أن أقوال الأئمة تحتمل الصواب والخطأ وأن الحق لا يتعدد، بينما اقترح د. عطية أن مسار البحث قد يقبل الرأي والرأي الآخر؛ كلاهما صواب في المسائل العقلية.

 

المحاضرة الرابعة: إشكاليات المنهج اللغوي والتقييم التاريخي للنهضة

افتتح الدكتور العلواني المحاضرة الأخيرة بالإشارة إلى إشكالية منهجية كبرى؛ وهي أن العلوم الإسلامية في مجملها بُنيت على "النص"، مما أدى إلى هيمنة الدلالات اللغوية (الظاهر، الباطن، الحقيقة، المجاز) على العقل المسلم. ومع مرور الزمن، تحولت هذه القواعد اللغوية إلى التزام حرفي صارم (كقواعد الأصوليين) مما قيَّد الانطلاق الفكري وجعل العقل المسلم حبيس التفسيرات اللفظية الجزئية بدلًا من المقاصد الكلية.

سطحية الاستجابة التاريخية للتحدي الغربي وواقعية مشروع إسلامية المعرفة: سلط المحاضر الضوء على خطأ تشخيصي تاريخي وقعت فيه الأمة عند بداية مواجهتها للتحدي الغربي، حيث ظنت الدولة العثمانية وكذلك تجربة محمد علي في مصر أن التخلف هو مجرد "تخلف مادي وعسكري". بناءً على ذلك، انصب الاهتمام على استيراد الأسلحة والمصانع والعلوم التقنية، مع إهمال تام لمراجعة الفكر وتصحيح الحالة الثقافية، وهو ما أدى إلى فشل هذه التجارب وسقوطها في النهاية، وذلك في مفارقة واضحة مع التجربة اليابانية التي نجحت في الاستيعاب والتفوق.

وبناءً على إدراك عمق هذا الخلل المعرفي، طرح الدكتور العلواني مشروع "إسلامية المعرفة" بواقعية شديدة بعيدًا عن الحماس العاطفي، مقرًا بصعوبة المهمة. وضرب مثلًا بجهود تأسيس "علم الاقتصاد الإسلامي"، مشيرًا إلى أنه رغم مرور حوالي ثمانية عشر عامًا من العمل الجاد، فإن ما تحقق لا يتجاوز 10% إلى 15% من الطريق المطلوب. هذا يؤكد أن الأسلمة ليست مجرد وضع عناوين إسلامية على علوم غربية، بل هي عملية شاقة تتطلب صبرًا، وتراكمًا معرفيًا، وجهدًا يمتد لأجيال للخروج من حالة التخلف والتبعية.

 

خاتمة المحاضرات (خلاصة المشروع)

خلصت المحاضرات في مجملها إلى أن مشروع "إسلامية المعرفة" هو مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تحرير العقل المسلم من التبعية المزدوجة؛ التبعية لتقليد الماضي الأعمى، والتبعية للغرب العلماني. ويدعو إلى توحيد مصادر المعرفة الإنسانية، ودمج القراءة في كتاب الله المقروء مع القراءة في كتاب الكون المفتوح. ويؤكد على أهمية تجاوز الخلافات الفقهية الجزئية والصراعات التاريخية، وتوجيه طاقات الأمة نحو بناء نسق ثقافي ومعرفي إسلامي أصيل قادر على تقديم إجابات وحلول حقيقية لأزمات الإنسان المعاصر، ووضع قواعد جديدة للبحث العلمي تتلاءم مع مقاصد الاستخلاف وعمارة الأرض، بما يضمن استعادة الأمة الإسلامية لدورها الشهودي والحضاري.

 

لتحميل ملف المحاضرات (هنا)

 

* الدكتور طه جابر العلواني (1935 - 2016م) هو عالم ومفكر عراقي، حاصل على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر الشريف عام 1973م. يُعد أحد الأعضاء المؤسسين للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وشغل منصب رئيس جامعة قرطبة في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى كونه رئيسًا للمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية لفترة. ترك إرثًا ضخمًا من المؤلفات التي أسست لفقه الأقليات، وتجديد أصول الفقه، ومقاصد الشريعة.

 
الصفحة 1 من 70