في كتابه «نحو دستور إسلامي»*، يستلهم العالم الجليل أ. د.  محمد سيد أحمد المسير** جهدًا امتدّ على أكثر من ربع قرن، ليقدّم رؤيةً متكاملة لصياغة دستورٍ عصري ينبع من الشريعة الإسلامية ويستجيب لمتطلبات الدولة الحديثة. وقد انطلق المشروعُ في مرحلته الأولى بتكليفٍ وتوصيةٍ من مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف عام 1397هـ (1977م)، حيث صاغت الأمانة العامة للمجمع مسودةً أولى عرضت على مؤتمر المجمع التالي ونشرتها مجلة الأزهر، قبل أن يتوقف العمل بها. ثم أعاد الدكتور المسير إحياء الفكرة بتوسيع الدراسة التعليقية على نصوص المشروع، وإثراء أبوابه التسعة، ومواده الثلاث والتسعين، بإضاءاته الفقهية والفكرية الخاصة، فجمع في نسخته النهائية بين الصيغة المؤسسية التي أرساها الأزهر واجتهاده العلمي الشخصي، ليصير لدينا دستورٌ مقترحٌ يستلهم روحه من ثوابت الشريعة ويواكب روح العصر ومتغيراته.

صدرت الطبعة الثالثة من كتاب «نحو دستور إسلامي» للدكتور محمد سيد أحمد المسير (أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعتي الأزهر وأم القرى) في أبريل 1995م (ذو القعدة 1415هـ)، عن الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية–الأزهر الشريف ومجلة الأزهر، وضمّت نحو 350 صفحة من القطع الكبير، وجُمعت فيه جهود المؤلف واجتهاده الشخصي على تسعة أبواب تضمنت 93 مادة دستورية، جاعلة منه مرجعًا متكاملاً لصياغة دستور إسلامي عصري.

يشرح الدكتور المسير في مقدمته أن فكرة الكتاب مرت بثلاث مراحل أساسية:

  • المرحلة الأولى (مؤسسية) عام 1977، عندما أوصى مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بوضع دستور إسلامي نموذجي ليكون مرجعًا لأي دولة ترغب في تطبيق الشريعة. أُنجز المشروع عام 1978 تحت إشراف الإمام الأكبر عبد الحليم محمود، ونُشر في مجلة الأزهر عام 1979، لكنه أُهمل رغم شموليته.
  • المرحلة الثانية (صحفية) عام 1991، حيث ردّ الدكتور المسير عبر سلسلة مقالات في "الأهرام المسائي" على محاولة المستشار سعيد العشماوي صياغة دستور إسلامي، مُحييًا مشروع الأزهر. توقفت المقالات فجأة بحجة أن مصر "دولتها إسلامية"، لكنها أثارت اهتمامًا دوليًا.
  • المرحلة الثالثة (أكاديمية) بين 1993–1995 أثناء إعارته لجامعة أم القرى بمكة، حيث أعاد صياغة الكتاب كردّ على هجمات العلمانيين والماركسيين، مكتملاً بشرح تفصيلي لمواد الدستور.

 

في مقدمة الطبعة الثالثة يفتتح الدكتور محمد سيد أحمد المسير حديثه بالتأكيد على أن الأمة الإسلامية لاتزال في أمسّ الحاجة إلى دستور يستلهم مبادئ الشريعة حيّةً وفاعلةً في حياة المسلمين المعاصرة. يبرز المسير أن صياغة دستور إسلامي عصري لا تعني مجرد إعادة صياغة نصوص قرآنية وحديثية، بل هي جسر يربط بين هدي الوحي ومتطلّبات الدولة الحديثة، بما يكفل حقوق الإنسان وحفظ كرامته ويعزّز مسيرة الحضارة والرقي. وفي هذا الإطار يشير إلى أن نظم التقاضي الحديثة تتطلّب نصوصًا دستورية واضحة تقنن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتضع قواعد عادلة للفصل في النزاعات.

وحرص المؤلف على دعوة الأمة إلى الاجتماع على كلمة سواء، تعرف لله قدسيته، وللوطن حرمته، وللناس كرامتهم، وللحياة أمنها، وللأمة حضارتها، وللعالم كله السلام والتعاون، وقد جاء في مقدمته:

"فما زالت الحاجة ملحة إلى دستور إسلامي يحفظ للأمة حقوقها، ويعبر بها إلى آفاق الرقى والحضارة وبخاصة في هذا الوقت الذى يتنادى فيه الحاكم والمحكوم بتعديلات دستورية لمصرنا المحروسة، وإذا كان المسلمون طوال عصورهم التاريخية قد احتكموا إلى القرآن العظيم والسنة المطهرة مباشرة نظرًا لوجود المجتهدين الأفذاذ الذين يستنبطون الأحكام والقوانين من هذين المصدرين المعصومين، إلا أن النظام الحديث يجعل الشعب والحاكم يخضع كل منهما لمواد دستورية تكون فيصلا فيما شجر بينهم، وبما يحقق التواصل ومسيرة الخير والنماء للأمة، كما يجعل نظام التقاضي قائمًا على مواد قانونية يحاول القاضي تكييف الوقائع التي ترد إليه وفق هذه المواد، ومن هنا فإن علماء المسلمين لم يدخروا وسعا في تقنين الشريعة وصياغة المواد الدستورية، وقد ظلت الشريعة الإسلامية زهاء ثلاثة عشر قرنًا من الزمان هي المطبقة في مصر منذ الفتح الإسلامي إلى أن ظهرت المحاكم المختلطة سنة ۱۸۷٥م، وجاء القانون الفرنسي تحت وطأة الزحف الأوربي والتدخلات الاستعمارية، وصدر دستور سنة ۱۹۲۳م لينص على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ولكن انحصرت أحكام الشريعة في الأحوال الشخصية، ولما عزمت الحكومة سنة ١٩٤٧ على تعديل القانون المدني رفع الاتحاد العام للهيئات الإسلامية في مصر خطابًا إلى الملك السابق فاروق يناشدونه تطبيق الشريعة الإسلامية، ثم جاء دستور سنة ۱۹۷۱م ونص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.. وقام علماء الأزهر والمخلصون من رجال القانون بجهد ممتاز لتقنين الشريعة وصياغة مواد الدستور.. وهذا الكتاب ثمرة من هذه الثمار الطيبة المباركة".

 

أما موضوعات أبواب وفصول الكتاب فكانت كالتالي:

  • في الباب الأول -الذي جاء تحت عنوان "الأمة الإسلامية"- يقدم الكتاب تصورًا شاملاً لأبعاد الأمة الجامعة، مبينًا ضرورة وحدة صفِّها وتضامنها، ومشدّدًا على أن انتماء الفرد للأمة هو الأساس الذي تبنى عليه الحقوق والواجبات، بحيث يُنظر إلى الأمة ككيان حيّ يتفاعل مع المتغيرات ويصوّب مسيرته وفق منهج إسلامي راسخ.
  • ينتقل الكتاب في الباب الثاني -المعنون "أسس المجتمع الإسلامي"- إلى استعراض المبادئ التي يقوم عليها النظام الإسلامي، من حكم الإسلام دينًا ودستورًا إلى القيم الأخلاقية والتربوية والاجتماعية التي تنسج خيوطَ الحياة العامة؛ فتظهر المادة الخامسة مثلاً لتنص على نبذ الظلم والعدوان، والمادة السادسة لتحفظ كرامة الإنسان وحرمة المعتقد، مع توجيه خاصٍّ لتفعيل تعاليم العدل والمساواة.
  • أما الباب الثالث -الذي جاء بعنوان "الاقتصاد الإسلامي"- فقد خصصه المؤلف لوضع إطار تشريعي ينظّم علاقة المال بالدين، فيستعرض مبادئ الزكاة والوقف والوصايا والتجارة المشروعة، ويناقش الحظر الإسلامي للربا والصرف والتضامن الاجتماعي عبر نظم التوزيع والإنفاق العام؛ ليضمن الكتاب أن يكون الدستور محفّزًا للاقتصاد العادل القائم على التكافل.
  • وفي الباب الرابع – الذي عنونه المؤلف بـ "الحقوق والحريات الفردية"- يعرض الكتاب تصورًا إسلاميًا للحقوق، مبينًا أنها ليست امتيازات تُمنح، بل هي أماناتٌ محفوظة في الشريعة، تشمل حق الحياة والحرية والكرامة والأمن والتعليم والعمل، مع الالتزام بمبدأ المساءلة وإقامة العدل دون تمييز بين الأفراد.
  • يركز الباب الخامس -المعنون: "الإمام على المسؤولية القيادية في الدولة الإسلامية"، على بيان شروط اختيار الحاكم ومواصفاته، وحقوقه وواجبه في الحكم، وطريقة تولّيه وتنحيه، كل ذلك ضمن ضوابط دستورية تحمي الأمة من التعسف والجهوية، وتحقّق مبدأ البيعة والشورى.
  • وأما الباب السادس: "القضاء"، فقد خصّصه المؤلف لإظهار دور القضاء الإسلامي في تحقيق العدالة، فحدّد الكتاب تركيبة المحاكم واختصاصاتها وإجراءات التقاضي، مع حماية حقوق الخصوم وضمان استقلالية القاضي ومنع التدخّلات، استنادًا إلى المواد التي تؤسّس القضاء على هدي الكتاب والسنة والإجماع.
  • ثم يأتي الباب السابع عن "الشورى والرقابة وسن القوانين" ليبيّن الآليات التي تُتيح للأمة المشاركة في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، فخصص موادّ لتشكيل مجالس شورى منتخَبة أو منبثقة عن عُلوم الشرع، وبيّن أساليب الطعن في القوانين ومراجعتها ضمانًا لمطابقتها لأحكام الشريعة.
  • وفي الباب الثامن: "الحكومة"، يضع المؤلف إطار عمل السلطة التنفيذية، فحدّد أركانها وتنظيمها وعلاقاتها بمؤسسات الدولة الأخرى، مع التشديد على أن تكون الحكومة نِظامًا فعالًا يَلتزم بمبادئ الشفافية والمساءلة والحياد، ويعمل لخدمة المصلحة العامة.
  • وأخيرًا، يعالج الباب التاسع -تحت عنوان "الأحكام العامة والانتقالية"- الأمور التي لا بُدّ من تنظيمها في مرحلة التأسيس، مثل سريان الدستور على القوانين القائمة وإجراءات إصدار القوانين التنفيذية، إضافةً إلى قواعد انتقالية تهيئ الأمة لتحمل مسؤولياتها الدستورية.

 

وختامًا،

يُعدّ كتاب «نحو دستور إسلامي» للأستاذ الدكتور محمد سيد أحمد المسير إسهامًا فكريًا وتاريخيًا رائدًا في محاولة بلورة رؤية متكاملة للدولة الإسلامية المعاصرة، وقد تميَّز هذا المشروع بقدرته على جمع ثوابت الشريعة ومقاصدها مع متطلبات العصر؛ إذ صاغ المؤلف مبادئ حماية الكليات الخمس وتحريم الربا وغيرها من القواعد الشرعية الصريحة في قالب دستوري حديث يتناغم مع نظم الحكم والقضاء الراهنة، مما يجعله قادرًا على مواجهة تحديات السياسة والاقتصاد والمجتمع دون التفريط في المبادئ الأساسية. ومع ذلك، إلا أن اعتماد الكتاب على بعض الأمثلة والتطبيقات التي كانت تصلح في سياق الثمانينيات والتسعينيات، قد يستدعي تحديثًا دوريًا ليتلاءم مع التطورات القانونية والسياسية الحديثة. كما أن الإطار النظري للكتاب يظل بحاجة إلى مرونة أكبر تسمح بتكييفه مع خصوصيات المجتمعات المتنوعة وغير المتجانسة خارج النموذج المصري. ورغم هذين القيدين النسبيين، يظل «نحو دستور إسلامي» مرجعًا أساسيًا لمن يرغب في استنباط دستور إسلامي متوازن يحافظ على ثوابت الشريعة العربية والإسلامية، وفي الوقت نفسه يفتح الآفاق أمام تجربة دستورية مدنية قادرة على الصمود أمام تحديات العصر.

 

رابط تحميل الكتاب

 

وللاطلاع على مقال تعريفي بالدكتور محمد المسير سبق أن نشره موقعنا:

العالم الدكتور محمد سيد أحمد المسير- صاحب كتاب “نحو دستور إسلامي

 

* صدرت الطبعة الأولى من كتاب "نحو دستور إسلامي" للأستاذ الدكتور محمد سيد أحمد المسير عام 1994م عن دار الشروق، وصدرت الطبعة الثالثة منه عام 2008م عن مكتبة الإيمان بالقاهرة.

** الدكتور محمد سيد أحمد المسير (1948–2008)، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعتي الأزهر وأم القرى، ولد الدكتور محمد سيد أحمد المسير عام 1948 في أسرة أزهرية عريقة، إذ نشأ في بيت علمي؛ حيث كان والده الأستاذ الدكتور سيد أحمد المسير وجده لأمه من كبار علماء الأزهر. أتمّ المسير حفظ القرآن في سن مبكرة، وتفوّق دراسيًا فحصل على المركز الأول في الشهادة الإعدادية (1964)، ثم في الثانوية الأزهرية (1969)، وحصل على درجة “ممتاز مع مرتبة الشرف” في البكالوريوس من قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين–القاهرة (1973)، ثم نال الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة الأزهر (1978). عُيّن أستاذًا مشاركًا ثم رئيسًا لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بفرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، وأستاذًا للعقيدة والأديان بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وانتدب للتدريس في جامعتي قناة السويس والإسماعيلية، وعمل مستشارًا لوزير الأوقاف المصري (1992)، بالإضافة إلى نشاطه التدريسي في معهد الإذاعة والتلفزيون ودورات الأئمة، وعضوياته في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولجنة اختيار قراء القرآن بالتلفزيون المصري، ولجان جائزة الملك فيصل العالمية، وعمله عميدًا لمعهد إعداد الدعاة بالمطرية. شارك في الجمعية الفلسفية المصرية، وترجمت بعض كتبه إلى الإندونيسية والماليزية والألبانية، كما مثل مصر في مؤتمرات دولية عدّة في القاهرة ومكة والرياض ومسقط وأبو ظبي وبغداد والكويت وبيروت وطهران والجزائر وموسكو والعاصمة الكازاخية آستانا وطشقند وباكو وعشق آباد وتيرانا، متوجّهًا برسالة علمية شرعية عبر الفضاءات المحلية والدولية حتى وفاته عام 2008.

يقدِّم الدكتور سعيد إسماعيل علي* في كتابه "دور الأزهر في السياسة المصرية"** رؤيةً شاملة تنطلق من مكانة الأزهر الشريف المركزية في التاريخ المصري الوسيط والحديث، باعتباره أعرق مؤسسة دينية في العالم الإسلامي، وتربط بين دوره الديني التعليمي ونشاطه الوطني والسياسي. لا يكتفي الكتاب بسرد تاريخي تقليدي، بل يحلل بعمق طبيعة هذه العلاقة، تفاعلاتها، توتراتها، وتحولاتها في ضوء السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية المتغيرة.

 

محاور أساسية يطرحها الكتاب:

  1. الأسس الفكرية والتاريخية: يستعرض الكتاب الجذور التاريخية لنشأة الأزهر وتبلور دوره الديني والعلمي، وكيف أسس هذا مكانته التي مكنته لاحقًا من لعب دور سياسي. كما يبحث في الإطار الفكري الإسلامي الذي يحكم نظرة الأزهر إلى العلاقة بين الدين والسياسة (مفهوم الشورى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولاية الأمر).
  2. التطور التاريخي للدور السياسي للأزهر الشريف: يرصد الكتاب تطور هذا الدور عبر العصور الرئيسية:
  • العصرين المملوكي والعثماني: دور الأزهر كمركز للإشعاع الديني والثقافي وحافظ للهوية في ظل حكم غير عربي، ومواقفه من السلطة.
  • الحملة الفرنسية (1798-1801): ظهور دور وطني سياسي واضح للأزهر كمقاوم للاحتلال وقائد للثورة.
  • عصر محمد علي وأسرته (القرن 19 وأوائل 20): محاولات الدولة السيطرة على الأزهر وتقليص نفوذه، وردود فعل المؤسسة الأزهرية.
  • ثورة 1919: مشاركة الأزهر الفاعلة ودوره في توحيد الصف الوطني.
  • عصر ما بعد 1952 (ثورة يوليو): التحولات الجذرية في علاقة الأزهر بالدولة الحديثة، وتأميمه (قانون 1961) وتحويله إلى أداة في يد النظام السياسي لتأييد سياساته وتبريرها دينيًا، مقابل ضبط دوره المستقل.
  • فترات ما بعد الرئيسين السادات ومبارك وصولًا إلى ثورة 25 يناير 2011 وما بعدها: استمرار حالة التبعية مع محاولات متقطعة لاستعادة بعض الاستقلالية، ودوره في مواجهة التطرف من جهة، وموقفه من التحولات السياسية من جهة أخرى.

 

يناقش الدكتور سعيد إسماعيل علي بإسهاب الإشكاليات الجوهرية التي تحكم علاقة الأزهر بالسياسة:

 

  1. إشكالية الاستقلالية مقابل التبعية: هذا هو المحور الرئيسي للكتاب. كيف حاول الأزهر الحفاظ على استقلاليته كمرجعية دينية مستقلة عن هيمنة السلطة الحاكمة؟ وكيف عملت الأنظمة السياسية المتعاقبة (خاصة بعد 1952) على تدجين الأزهر ودمجه في أجهزة الدولة، مستغلة هيبته الدينية لشرعنة سياساتها؟ يقدم الكتاب أمثلة دقيقة على تدخلات السلطة في شؤون الأزهر (التعيينات، المناهج، الخطاب).
  2. طبيعة الدور: رقابي أم تبريري؟ هل دور الأزهر السياسي الأمثل هو مراقبة السلطة وتقويمها وفقًا للشريعة ("الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" السياسي)؟ أم انحصر دوره في الغالب في تبرير وتأييد سياسات الحكام بعد تأميمه، خاصة في عهدي عبد الناصر والسادات ومبارك؟
  3. الأزهر والجماعات الإسلامية: كيف تعامل الأزهر مع ظهور الجماعات الإسلامية السياسية (الإخوان المسلمون، السلفية، الجماعات الجهادية)؟ هل كان دورًا تنافسيًا أم تكامليًا؟ وكيف استخدمته الدولة كبديل "معتدل" لمواجهة هذه الجماعات؟
  4. التحديث والهوية: كيف وازن الأزهر بين مطالب التحديث والانفتاح على العصر (التي فرضتها الدولة أحيانًا) والحفاظ على الهوية الإسلامية والثوابت الشرعية؟ يظهر هذا جليًا في قضايا مثل مناهج التعليم، قوانين الأحوال الشخصية، والخطاب الديني.
  5. الأزهر والمجتمع المدني: ما هو دور الأزهر في تشكيل الرأي العام المصري؟ وكيف تفاعل مع مطالب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة بعد ثورة 2011؟

 

يخلص الدكتور سعيد إسماعيل علي إلى عدة نتائج أساسية:

  1. التأرجح التاريخي: يؤكد الكتاب أن دور الأزهر السياسي لم يكن ثابتًا، بل تأرجح بين الاستقلالية النسبية والتأثير الفاعل (كما في مقاومة الفرنسيين وثورة 1919) وبين التبعية للسلطة وتوظيفه لأغراضها (خاصة بعد تأميمه عام 1961).
  2. هيمنة الدولة: يشير إلى أن التوازن انقلب لصالح الدولة بشكل كبير منذ منتصف القرن العشرين، حيث أصبح الأزهر مؤسسة حكومية بامتياز، مما أضعف قدرته على القيام بدور رقابي مستقل على السلطة.
  3. أزمة الشرعية المزدوجة: يسلط الضوء على الأزمة التي يواجهها الأزهر نتيجة تبعيته للدولة؛ حيث قد يفقد شرعيته الدينية في أعين قطاع من الشعب الذي يراه أداة حكومية، وفي نفس الوقت، تظل شرعيته لدى الدولة مشروطة بمدى تأييده لسياساتها.
  4. التحدي المستمر: يؤكد أن استعادة الأزهر لدوره الريادي المستقل، القائم على التوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات العصر، مع الحفاظ على مسافة نقدية من السلطة، يظل التحدي الأكبر للمؤسسة وللمجتمع المصري ككل.

 

أهمية الكتاب:

   يعد الكتاب مرجعًا علميًا موثوقًا وأساسيًا لفهم تاريخ وتطور العلاقة بين الدين والسياسة في مصر عبر عدسة مؤسسة الأزهر؛ حيث يقدم تحليلًا متوازنًا وعميقًا، معتمدًا على وثائق وأدلة تاريخية، بعيدًا عن التبسيط أو الانحياز المفرط، ويضع إصبعًا على الجروح العميقة في العلاقة بين المؤسسة الدينية الأعظم في مصر والدولة، مقدمًا إطارًا لفهم التحديات الحالية والمستقبلية، كما يقدم نقدًا بناءً لواقع الأزهر، ساعيًا لتجديد دوره الحقيقي كحارس للهوية ومرجعية دينية مستقلة ومراقب للضمير المجتمعي.

 

إن كتاب "دور الأزهر في السياسة المصرية" ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو دراسة تحليلية نقدية ضرورية لفهم أحد أهم العوامل المؤثرة في المشهد السياسي والاجتماعي المصري عبر التاريخ وحتى اليوم؛ فالكتاب دعوة لإعادة النظر في نموذج العلاقة بين الدين والدولة في مصر، من أجل استعادة الأزهر لمكانته الحقيقية كمنارة للعلم والوسطية والاستقلال.

 

فهرس الكتاب:

مقدمة

الفصل الأول: الأصول السياسية لنشأة الأزهر.

الفصل الثاني: موقف الأزهر من المذاهب الحاكمة.

الفصل الثالث: ظهور زعامة الأزهر.

الفصل الرابع: الأزهر يقاوم الاستبداد والظلام.

الفصل الخامس: مقاومة الأزهر للاحتلال الفرنسي.

الفصل السادس: من الانتصار إلى الانتكاس.

الفصل السابع: دور الأزهر في حركة اليقظة القومية.

الفصل الثامن: الاصلاح التربوي كسلاح في حركة مواجهة الاحتلال البريطاني.

الفصل التاسع: من الاصلاح التربوي إلى الثورة السياسية.

الفصل العاشر: صراع السلطة يقتحم الأزهر.

الفصل الحادي عشر: الأزهر تحت المظلة الفاروقية (١٩٣٧ - ١٩٥٢).

 

 

رابط تحميل الكتاب

 

 ** ولد الأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل علي بالقاهرة عام (1937م).

- تخرج في كلية الآداب، قسم الفلسفة، جامعة القاهرة عام (1959م).

- عمل مدرسًا بوزارة التربية والتعليم من (1960 - 1962م).

- حصل على دكتوراه الفلسفـة في التربيـة من كليـة التربيـة بجامعـة عيـن شمس عام (1969م).

- اختير معيدًا بكلية التربية بجامعة عين شمس عام (1962م)، وتدرج بها إلى درجة أستاذ عام (1979م)، واستمر بها حتى الآن.

- دعي أستاذًا زائرًا بجامعات صنعاء، وأم القرى، والكويت، وعجمان، واليرموك، عدة فصول دراسية.

- دعي إلى مهمات علمية في الولايات المتحدة وبريطانيا عدة مرات، فترات مختلفة.

- شارك في مؤتمرات عدة عقدت -على سبيل المثال- في: السعودية، والعراق، والبحرين، وقطر، وتونس، والجزائر، ولبنان، والأردن، والإمارات العربية، وسلطنة عمان، ولندن، وسان فرانسيسكو. له العديد من المؤلفات والدراسات الأكاديمية في مجال تخصصه، منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • المدارس في الإسلام: نشأتها وتطورها حتى نهاية العصر العباسي.
  • الفكر التربوي عند ابن خلدون.
  • التعليم في مصر في العصر الفاطمي.
  • الأزهر: ألف عام من العلم والإيمان.
  • قضايا في الفكر التربوي الإسلامي.
  • التربية الإسلامية: أسسها وتطبيقاتها.
  • دور الأزهر في مقاومة الغزو الفكري.

** صدر هذا الكتاب عن دار الهلال، ضمن سلسلة "كتاب الهلال، العدد 431، صفر 1407ه/ نوفمبر 1986م.

يُعد الدكتور عبد الحميد متولي (1907 - 1985) أحد أبرز وأعمق الفقهاء الدستوريين في مصر والعالم العربي خلال القرن العشرين، وأحد الروّاد الذين أسسوا لفقه دستوري إسلامي معاصر، حيث ترك إرثًا علميًا ضخمًا وأثرى الحياة الأكاديمية والسياسية بأطروحاته ودراساته.

 

مولده ومحطاته العلمية والعملية البارزة:

ولد الدكتور عبد الحميد متولي عام 1907 في مركز السنطة بمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية، ونشأ في بيئة تؤكد قيمة الحرية. التحق بكلية الحقوق بالقاهرة (مدرسة الحقوق الملكية) فحصل على ليسانس الحقوق (بدرجة الشرف) عام 1923. ثم أكمل دراسته في باريس حيث نال دبلوم الدراسات الإدارية والمالية (كلية الحقوق–جامعة باريس) عام 1926، وحصل على الدكتوراه من جامعة باريس (السوربون) عام 1940 بأطروحة رائدة تحت عنوان "الرقابة على دستورية القوانين في مصر ودول الإسلام" تحت إشراف الفقيه الكبير جورج بوردو أحد عمالقة الفقه الدستوري الفرنسي، والتي نُشرت بعدة لغات وأصبحت مرجعًا أساسيًا.

بعد عودة د. متولي من باريس مباشرة تم تعيينه مدرسًا في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، حيث تدرج في السلك الأكاديمي ليكون أستاذًا ورئيسًا لقسم القانون العام لسنوات طويلة، ودرّس أجيالًا من القانونيين المصريين والعرب، حيث عمل كذلك أستاذا في جامعة بغداد في فترة الخمسينيات، قبل تعيينه لاحقًا عميدًا لكلية الحقوق لاحقًا، كما شغل منصب رئيس معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، مما وسع دائرة تأثيره الفكري.

شارك بفاعلية كخبير في لجنة صياغة دستور مصر عام 1954 (والذي لم تعتمد السلطة حينها إصداره)، كما أشرف على عدد يصعب حصره من الرسائل العلمية في العديد من كليات الحقوق بالجامعات المصرية والعربية.

 

أهم الإسهامات الفكرية والكتابات:

   يعتبر د. عبد الحميد متولي مؤسس المدرسة المصرية الحديثة في الفقه الدستوري، التي مزجت بين الفقه الدستوري المقارن (خاصة الفرنسي) والواقع السياسي والقانوني المصري والعربي، وأثرت آراؤه النظرية والعملية في النقاشات الدستورية في مصر والوطن العربي. وكان اهتمامه مركزًا على قضايا الشرعية الدستورية وضماناتها، خاصة عبر مؤسسة الرقابة القضائية على دستورية القوانين، ومبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها.

سعى بجدية، خاصة في كتاباته عن النظام السياسي الإسلامي، إلى البحث عن جذور للمبادئ الدستورية الحديثة (كالعدل، الشورى، المساواة) في التراث الإسلامي، دون أن يكون ذلك على حساب التحليل العلمي الموضوعي، مما يجعله من أبرز رواد الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وكان يُنظر إليه على أنه "شيخ الدستوريين" في مصر الحديثة، حيث وضع اللبنات النظرية والعملية للفقه الدستوري المعاصر. تميزت كتاباته بالدقة المنهجية، والتحليل المقارن العميق، واللغة القانونية الرصينة والواضحة في آن واحد. لا تزال كتبه، وخاصة "الوجيز"، تُدرّس في كليات الحقوق في مصر والعديد من البلدان العربية، وتشكل مراجع أساسية للباحثين والطلاب.

 

باختصار، كان الدكتور عبد الحميد متولي فقيهًا دستوريًا موسوعيًا، جمع بين النظرية والتطبيق، وبين العمق الأكاديمي والإسهام العملي في الحياة الدستورية. ترك تراثًا فكريًا غنيًا ومؤثرًا جعله علامة فارقة في تاريخ الفكر الدستوري المصري والعربي، ومازالت أفكاره تشكل منارة للدارسين في هذا الحقل المعرفي الحيوي.

 

 

من مؤلفاته:

 أولاً: المؤلفات الأساسية في القانون الدستوري والنظم السياسية:

  1. الرقابة على دستورية القوانين

       (أصله أطروحة دكتوراه - السوربون 1940، صدرت بالفرنسية 1942، ثم طبعات عربية متتالية). 

       الناشر: دار النهضة العربية (القاهرة). 

       الكتاب المؤسس لمدرسته الفقهية.

 

  1. الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري

       (طُبع لأول مرة في الخمسينيات، ثم طبعات منقحة ومزيدة متعددة، آخرها بعنوان "الوجيز في النظم السياسية"). 

       الناشر: دار النهضة العربية (القاهرة). 

       المرجع الجامعي الأشهر، ظل يُدرَّس لأجيال.

 

  1. النظم السياسية: دراسة مقارنة

       (تطور عن "الوجيز"، يغطي النظم الغربية والعربية). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. مبادئ نظام الحكم في الإسلام (1966)

       الناشر: دار النهضة العربية. 

       تطوير لأفكاره عن الدستورية الإسلامية.

 

  1. الأسس العامة للتنظيم السياسي والإداري في الإسلام (1954)

       الناشر: دار الفكر العربي (القاهرة). 

       أول دراسة منهجية معاصرة للحكم الإسلامي من منظور دستوري.

 

  1. دراسات في الدستور المصري

       (تحليل لنصوص دستور 1956/1971 في ضوء المبادئ الدستورية). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

 

 ثانياً: كتب في القانون العام والإداري:

  1. القانون الإداري: التنظيم الإداري

       (يُعد مرجعًا أساسيًا في الكليات). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. القانون الإداري: الأعمال الإدارية

       (تكملة لكتاب التنظيم الإداري). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. السلطة التقديرية للإدارة

       (دراسة رائدة في حدود اختصاصات الإدارة). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

 ثالثاً: دراسات في الفكر السياسي والقانوني

  1. فلسفة الثورة: دراسة في المذاهب السياسية والاجتماعية

       (تحليل نقدي لأيديولوجيات القرن العشرين). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. المذاهب السياسية الكبرى

       (تغطية شاملة للليبرالية، الاشتراكية، الشيوعية، الفاشية). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. الإسلام والديمقراطية

       (مقالات ومحاضرات حول التوافق بين المبادئ الإسلامية والدستورية الحديثة).

 

 رابعاً: ترجمات وإشراف علمي

  1. ترجمة كتاب: النظم السياسية في الغرب (لمؤلف فرنسي).
  2. الإشراف على ترجمة: موسوعة القانون الدولي العام (مشروع جماعي).
  3. تحرير وتقديم: سلسلة "أبحاث في القانون العام" (بالاشتراك مع أساتذة آخرين).

 

 خامساً: أبحاث ومقالات محورية (مجموعة في كتب لاحقة)

  1. "الشرعية الدستورية" (بحث في مجلة القانون والاقتصاد المصرية).
  2. "السيادة في الفقه الإسلامي والدستوري" (مجلة كلية الحقوق - جامعة الإسكندرية).
  3. "ضمانات استقلال القضاء" (بحث مقدم لمؤتمر القانونيين العرب).
  4. "مكانة القضاء الدستوري في الدولة الحديثة" (مجلة المحاماة المصرية).

       ملاحظة: بعض هذه الأبحاث جُمِعَت لاحقًا في كتب مثل "بحوث في القانون الدستوري والنظم السياسية" (تحرير تلاميذه).

 

 سادساً: كتب جامعية ومحاضرات (غير مطبوعة على نطاق واسع)

  1. محاضرات في القانون الدستوري (مطبوعات جامعة الإسكندرية - كلية الحقوق).
  2. شرح دستور الجمهورية العربية المتحدة (1963 - للطلاب).
  3. مذكرات في القانون الإداري (توزيع داخلي بالكلية).

 

 سابعاً: مؤلفات مفقودة أو قيد النشر (مذكورة في مصادر عنه)

  1. مذكرات شخصية عن الحياة الدستورية في مصر (لم تُنشر، يُشار إليها في كتاب د. محمد كامل ليلة).
  2. تطوير نظام الشورى في العصر الحديث (مخطوط غير مكتمل، ذكره د. فؤاد عبد المنعم أحمد).

 

 

كتب ودراسات عنه:

  1. "عبد الحميد متولي: رائد الفقه الدستوري" (إشراف وتقديم: د. محمد كامل ليلة): (الهيئة المصرية العامة للكتاب - سلسلة "أعلام المصريين"، 1990).
  2. "الفكر الدستوري عند عبد الحميد متولي" (رسائل علمية):

       توجد عدة رسائل ماجستير ودكتوراه في كليات الحقوق (جامعات القاهرة، الإسكندرية، عين شمس، إلخ) تحمل هذا العنوان أو عناوين مشابهة مثل "إسهامات عبد الحميد متولي في الفقه الدستوري".

 

 

وفاته:

توفي الدكتور عبد الحميد متولي في 29 أكتوبر 1985 عن عمر ناهز 78 عامًا، وذلك في مدينة الإسكندرية (مصر)، حيث عاش وعمل أغلب حياته. وشُيِّعت جنازته من مسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية (أشهر مساجد المدينة)، بحضور زملائه وتلاميذه، وممثلي نقابة المحامين ووزارة العدل. ونعته كبرى الصحف المصرية والعربية (مثل الأهرام، الشعب، الجمهورية)، ووصفته بأنه "عميد الفقه الدستوري في العالم العربي". 

وقد أطلقت كلية الحقوق جامعة الإسكندرية اسمه على إحدى قاعاتها الرئيسية تكريمًا له (قاعة "عبد الحميد متولي").

وكان رحيله خسارة فادحة للحياة الفكرية العربية، لكن إنتاجه العلمي ظل حيًا يؤثر في الأجيال الجديدة من الدستوريين.

 

المصادر:

  1. "عبد الحميد متولي: رائد الفقه الدستوري"، إشراف وتقديم: د. محمد كامل ليلة، الهيئة المصرية العامة للكتاب - سلسلة "أعلام المصريين"، 1990.
  2. اشتراك الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي رئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية في المؤتمر الدولي للعلوم الإدارية، منشورات قانونية، https://bit.ly/3ZHwsM8
  3. محمد نور فرحات، أخلاقيات مهنة القانون في زمن فات، المصري اليوم، 27 يونيو 2018، https://bit.ly/45BE72l
  4. المفصل في القانون الدستوري، حوارات الشريعة والقانون، 1 أبريل 2024، https://bit.ly/4jspJNm

 

صدر هذا الكتاب للباحث د. حازم علي ماهر[*] تحت عنوان "تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية"، وهو نفسه –وبلا تغيير يُذكر بناء على طلب أستاذه المستشار طارق البشري (رحمه الله)- أطروحة الدكتوراة التي قدمها الباحث إلى كلية الحقوق- جامعة القاهرة، بعنوان "تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر- دراسة تطبيقية حول النصوص الدستورية"، والتي نوقشت مناقشة علنية يوم السبت الموافق 14 مايو من العام 2016م، حيث تكونت لجنة مناقشتها من كل من: أ. د. أحمد كمال أبو المجد- أستاذ القانون العام بكلية الحقوق – جامعة القاهرة (مشرفًا ورئيسًا)، وأ. د. عبد العزيز رمضان سمك- أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق – جامعة القاهرة (مشرفًا وعضوًا)، وأ. د. زكي زكي حسين زيدان- أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق- جامعة طنطا (عضوًا)، وأ. د. محمد كمال الدين إمام- أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية (عضوًا)، وانتهت اللجنة إلى منح الباحث درجة الدكتوراة في الحقوق بتقدير (جيد جدًا).

 

وقد قدم للكتاب المستشار الجليل طارق البشري (رحمه الله)، حيث جاء في مقدمته:

"هذه الدراسة هي بحث موثَّق لجوانب مهمة من وجوه الصراع الثقافي الذي جرى في مصر على مدى القرن العشرين ولا يزال قائمًا حتى اليوم. وإن بناء النظام القانوني على أسس الشريعة الإسلامية أو إقصاءها أو إحلال نظم تشريعية وافدة من خارج الجماعة كلها، إن ذلك هو من أهم جوانب الصراع الثقافي الذي قام في مصر وفي البلاد العربية بعامة من منتصف القرن التاسع عشر، وذلك عندما بدأت الدولة العثمانية باسم "الإصلاح" في الأخذ في تقنيناتها من النظم الغربية فيما عُرف بمرحلة "التنظيمات" التي أعلنها السلطان عبد المجيد باسم "خط جلخانة" 1839، ومنذ وفدت هذه التشريعات الغربية إلى مصر مع إنشاء المحاكم المختلطة الخاصة بالأجانب في سنة 1875م ثم أخذ بها النظام المصري القانوني كاملة في المعاملات والمحاكم المصرية في سنة 1883م بعد الاحتلال البريطاني لها بسنة واحدة.

ونحن مع هذه الدراسة التي بين أيدينا، بما كشفته من مادة علمية وتاريخية عبر السنين من تاريخنا المعاصر والمعيش، وفيما انتهت إليه من نتائج وتوصيات، مؤكدين على أن أول دستور مصري عرفته مصر المستقلة وكان له حظ التطبيق العملي لحقبة تاريخية تبلغ نحو ثلاثين سنة، هذا الدستور كان ينص في المادة (149) منه على أن "الإسلام دين الدولة"، وهذا النص القانوني يقتضي التأكيد على أن المرجعية الإسلامية هي المرجعية الثقافية العقائدية السائدة للدولة ولنشاطها وما يصدر عنها من أفعال وأقوال. إن الدولة شخص اعتباري وليست شخصًا طبيعيًّا؛ فهو لا ترد عليه الأحكام المرتبطة بالشخص الطبيعي من صلاة وصيام وأحكام الزواج، إنما ترد عليها الأحكام المرتبطة بالمرجعية الثقافية العامة بمعنى أن تصدر عن العقيدة الإسلامية فيما تسلك وما تشرع وما تحتكم إليه من معايير الصواب والخطأ ومعايير الصحة والبطلان في التصرفات والأعمال، وذلك فيما تحتمله المعاني طبقًا لمناهج التفسير السائدة لفهم النصوص الإسلامية.

وقد أبدى المستشار البشري –في ختام مقدمته- سعادته من هذه الدراسة قائلاً: "وفي الخاتمة أود أن أشكر صاحب هذه الدراسة على ما قدَّم لبلده ووطنه ودينه من عمل طيب صالح. وإن ليّ سعادة خاصة بهذا العمل لأنه في المجال الذي رصدت له الغالب من جهدي – جهد المقل- خلال العقود الثلاثة الأخيرة".

 

ويتلخص موضوع هذه الدراسة –حسبما أورد الباحث في مستخلصها- في أنه بعد إقصاء الشريعة الإسلامية عن مكانتها الحاكمة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مصر منذ القرن التاسع عشر، هيمنت الدولة الحديثة على المجالين الثقافي والتشريعي، وغيرهما، واكتفت بتضمين بعض دساتيرها نصوصًا إشكالية تتعلق بالإسلام، مثل أنه "دين الدولة"، وأن "الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي [أو المصدر الرئيسي] للتشريع". وقد اتسمتْ هذه النصوص الدستورية بكثير من الغموض والعموم الذي أدَّى إلى إثارة العديد من الالتباسات والجدالات حول معانيها وآثارها، طُرحتْ معظمها تحت عنوان "قضية تطبيق الشريعة الإسلامية"، مما استوجب البحث في هذه النصوص للنظر في معانيها ودلالاتها، والسياقات التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية التي وضعت فيها، وتقديم قراءة نقدية لجهود السلطاتِ العامةِ الثلاث في مصر في التعامل معها، في محاولة للوصول إلى منهج واضح في فهم هذه النصوص بغية الإسهام في تفعيلها في الواقع المعيش على النحو الذي يمنع الشقاق والتنازع حولها ويُمكن لسيادة الشريعة والقانون في البلاد.

واستهدفت الدراسة الإجابة عن سؤال محوري وأساسي، يتكون بدوره من عدة أسئلة متضافرة، وهو: كيف جرى تطبيق النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية عبر السلطات العامة الثلاث في الدولة الحديثة؟، وتحديدًا في مصر، وهل قامت بدورها المنشود في هذا المقام، أم أنها قصَّرت في هذا الجانب؟ وما الاعتبارات التي حكمت موقفها في هذا الشأن؟ وكيف يمكن تفعيل هذا الدور بما يمكن لمبادئ الشريعة الإسلامية من أن تكون –بحق- هي المصدر الرئيسي للتشريع في مصر؟

كما تستهدف الدراسة كذلك الإجابة عن الأسئلة المتفرعة عن السؤال السابق، وهي:

  • ما المفهوم الصحيح لكل من الشريعة وتطبيق الشريعة الإسلامية، وما معيار القول بتطبيقها من عدمه؟
  • هل سادت الشريعة الإسلامية على مدى التاريخ الإسلامي -في مجال التشريع وغيره من المجالات- أم أنها لم تكن الشريعة الحاكمة كما ردد البعض مؤخرًا؟!
  • هل أقصيت الشريعة في العصر الحديث، وما العوامل الحاسمة التي أدت إلى هذا الإقصاء إن كان قد حدث؟
  • كيف جرى النص على أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع في الدساتير المصرية الحديثة؟ وهل كانت عودتها حقيقية وفعالة أم أنها عودة منقوصة وشكلية؟ أو -بمعنى آخر- هل كانت للنصوص الدستورية المتعلقة بالشريعة الإسلامية صدى في التطبيق بحيث نعتبرها عودة حقيقية لسيادة الشريعة الإسلامية للمجالين التشريعي والقضائي، أم أنها لم تكن كذلك؟
  • ما موقف السلطات العامة الثلاث في الدولة –التشريعية والتنفيذية والقضائية- من النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية؟ هل قامت بالأدوار المنوطة بها في هذا الشأن باعتبارها هي المخاطبة أصالة بتلك النصوص؟ وهل وضْعها الدستوري والعملي يمكنها من القيام بتلك الأدوار على نحو فعال وصحيح؟ وإذا كانت تلك السلطات لم تقم بدورها كاملاً في هذا الشأن فما العوامل التي تمنع من ذلك؟ وهل من حلول مقترحة للتغلب على هذا الأمر؟ وما موقف الفقهين الشرعي والقانوني من كل ما سبق؟
  • ما السبل المقترحة على المستويين النظري والعملي للمضي قدمًا نحو تفعيل راشد ومتدرج للنصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية برؤية مقاصدية وإنسانية؟

واعتمدت الدراسة بشكل أساسي على منهج تحليل النصوص (تحليلا ًكيفيًا)، حيث قام الباحث بدراسة النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية في مصر، مستعرضًا السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، ومجمل الظروف التي وضعت فيها هذه النصوص، ومبينًا الأساس التاريخي لها، وموقف السلطات الدستورية حيالها، كما قام بتحليل بنية هذه النصوص وتفسير كل من السلطات العامة لها، لاسيما القضاء ومعه الفقه، مستنبطًا منها الدلالات الصريحة والمسكوت عنها لهذه النصوص، ومحاولاً استكشاف منهج وطريق تفعيل هذه النصوص من خلال ما سبق.

واختتمت الدراسة بعدد كبير من النتائج والتوصيات، حيث أورد الباحث العديد من النتائج المهمة، والتي قدم لها بهذه النتيجة الجامعة:

"تبين من خلال هذه الدراسة أنه على الرغم من أن هناك مشكلات عديدة أعاقت تفعيل النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع على نحو صحيح في مصر –بل وفي بقية دول العالم الإسلامي- فإن العامل الأبرز في ذلك أن إقصاءها عن تلك المصدرية كان نتيجة لتبني نموذج الدولة الحديثة المستوردة من الخارج دون مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمعات الإسلامية، ودون خطة واضحة وشاملة للنهوض الحضاري، وتحت ضغوط شديدة من الاستعمار الأوروبي ونفوذه السياسي والاقتصادي السابق على احتلاله لغالبية دول العالم الإسلامي وتجزئته، ثم أثناء هذا الاحتلال، ثم تحكمه فيها –بعد جلائه عنها- عن بُعد وبطريق غير مباشر، مستغلاً حالة التخلف الحضاري التي يعيشها المسلمون منذ قرون عديدة، وهذا هو العامل الذي انتهيت إلى أنه هو الأكثر إسهامًا في إقصاء الشريعة الإٍسلامية عن مصدرية التشريع، بل وعن ريادتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في كل المجالات، وهو ما سبق أن عبّر عنه باختصار المفكر الجزائري مالك بن نبي بمصطلحه "القابلية للاستعمار"، التي تجلب "الاستعمار" وتمكّن له. فخلاصة الإجابة عن التساؤل حول العامل الرئيس وراء إقصاء الشريعة الإسلامية هو استغلال الغرب لحالة الوهن والتمزق والجمود والتعصب والتوهان التي كان عليها المسلمون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي مَكنَّته من فرض هيمنته الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ومن ثم الثقافية ومن ضمنها القانونية، ومن ثم فإن استعادة سيادة الشريعة الإسلامية لا يكون إلا بالتخلص أولًا من حالة الوهن تلك، والعمل الجاد على تحقيق استقلال وطني حقيقي يتيح للأمة أن تسترد عافيتها وتتحرر من أغلالها الذاتية والخارجية، وهذا لا يحققه رفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية والتوجه به إلى الدولة مما يحدث معها صدامًا متكررًا ضرره أكبر من نفعه، بل تحويل هذا التطبيق إلى حقيقة واقعية عبر استثمار الإنسان لقدراته الكامنة ووقته مستلهمًا الدين بروح عقيدته، ومستهدفًا تحقيق مقاصده الكلية والجزئية فينتزع حريته واستقلاله الذاتي والحضاري، ومن ثم يطبق ما عجز عن تطبيقه من شريعة دينه بفكر واثق جديد يجيب على أسئلة العصر ويعطي القدوة والمثال لغير المسلمين في الداخل والخارج بعد أن أصبح العالم كله يشبه القرية الواحدة.

ويرتبط بذلك ما توصلت إليه الدراسة من أن الدولة الحديثة نفسها لم تنقل إلى العالم الإسلامي على نحو صحيح، بل كانت دولة متغولة، هيمنت تمامًا على الشأن العام، ولم تكن مؤسساتها منبثقة عن المجتمع، بل كانت تكاد تمثلها وحدها، لأنها كانت هي المتحكمة –عمليًّا- في اختيارها، ومن ثم فإنه كان من الخطأ الكبير الاعتماد على تلك الدولة –بحالتها هذه- في تفعيل النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية، فقد عانت الدولة ولم تأخذ بيد الأمة، بل قيدتها وحدَّت من فاعليتها وحضورها، وصادرت في الوقت نفسه مرجعيتها، وبدلاً من أن تركز غالبية الحركات الإصلاحية الإسلامية على استعادة الأمة لعافيتها وتحريرها، دخلوا في صدام مع الدولة لأجل أن تصدر قرارًا بتطبيق الشريعة الإسلامية، تطبيقًا آليًّا نمطيًّا، واتخذوا استعادة الخلافة عوضًا عن استعادة استقلالية الأمة ذاتها أولًا وجعلها "قوية مرهوبة الجانب" (على حد تعبير الشيخ الطاهر بن عاشور)!".

 

أما بخصوص توصيات الدراسة فنوردها جميعًا لأهميتها البالغة:

  • ضرورة استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية بالتركيز على ما يحقق مقاصدها الكلية، وهذا لن يتحقق -على وجهه الصحيح- إلا بتحرير الدولة من الهيمنة الخارجية، وتحرير المجتمع من تغول الدولة، وبالعمل الراشد والجاد على غرس القيم والأخلاق الإسلامية لا في مواطِني مصر والأمة الإسلامية فقط، بل في العالم أجمع بعد أن بات في حاجة ماسة إلى نموذج أخلاقي يمنعه من الانهيار الذي يسارع إليه، وأن ذلك لن يتحقق بدوره إلا عبر عملية تحريرية للإنسان، ومن خلال تبني فكر جديد يركز على مقاصد الشريعة الإسلامية، وينظر إلى مكونات الشريعة الإسلامية نظرة متكاملة لا فصل بينها بل تمييز يُمَكِّن لها مجتمعة، وبتبني خطابًا تنويريًا ييسر على الخلق ويبرز محاسن الإسلام وما يستهدفه من تحقيق مصالح الأنام، كل الأنام، ليمكن الإنسان من القيام بمهمته الاستخلافية في الأرض بتعميرها لا بتدميرها.
  • ضرورة العمل على إصلاح حال المؤسسات الدستورية في الدولة لكونها من مستلزمات التطبيق الصحيح للشريعة الإسلامية في الدولة الحديثة، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بإدراك الجميع أن الدولة جميعَها فرع عن الأمة، وأن مؤسساتها الدستورية لابد أن تكون ممثلة عنها بحق خاضعة لرقابتها، وهو أمر لن يحدث إلا بالحرص الكامل على أن تكون كافة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية حرة ونزيهة، مع ضمان استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا تقييده واستغلاله وعدم احترام أحكامه كما يحدث أحيانًا كثيرة في الواقع العملي.
  • إنشاء معهد أو مركز دراسات –يفضل أن يكون ذا تمويل أهلي وقفي ضمانًا لاستقلاليته- يقوم على متابعة تفعيل النصوص الدستورية المتعلقة بالشريعة الإسلامية في الدساتير العربية والإسلامية، وعلى رسم منهج متكامل لهذا التفعيل، يستفيد من الجهود والخبرات السابقة في تقنين الشريعة الإسلامية والفقه الآخذ عنها، فضلاً عن الدراسات المقارنة بين القانون والشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى دراسة تغيرات الواقع في العالم الإسلامي في العصر الحديث عما كان عليه من قبل، وذلك عند المقارنة بين الفقه الموروث والفقه المعاصر، وتشجيع الاجتهاد بما يجنب هذا الواقع الانفلات عن كليات الشريعة الأساسية ويعمل على رسم خطة مدروسة لإخضاعه لها.
  • تشكيل لجنة شرعية دائمة ومستقلة تُلحق بمجلس النواب لدراسة مدى توافق مشروعات القوانين مع مبادئ الشريعة الإسلامية من عدمه، على أن يكون ذلك بالتنسيق مع أهل الاختصاص في اللجان الدائمة الأخرى بالمجلس لضمان مراعاة القوانين التي سيصدرها المجلس للواقع والمآلات وتحقيق مصالح المواطنين التي يقرها الشرع أو على الأقل لا يلغيها.
  • تشكيل مجلس للخبراء في الشئون التي ترى المحكمة الدستورية العليا أهميتها بالنسبة لها، ومن ضمنهم بعض علماء الشريعة من أساتذتها في جامعة الأزهر وكليات الحقوق في الجامعات الأخرى، تختارهم المحكمة بنفسها ليكونوا ضمن مجلس استشاري لها، وهذا الأمر يمكن أن ينظمه القانون العادي ولا حاجة للنص عليه في الدستور، أي يمكن تطبيقه حتى في ظل الدستور الحالي.
  • إعادة المحكمة الدستورية العليا النظر في تفسيرها مفهوم "مبادئ الشريعة الإسلامية" بحصرها في أحكام الشريعة الإسلامية قطعية الثبوت والدلالة وحده، بأن تستبدل به مفهوم "كليات الشريعة الإسلامية" الذي فسر به د. عبد الرزاق السنهوري مفهوم مبادئ الشريعة الإسلامية من قبل، وهو مصطلح شرعي محدد ومعروف، ويشتمل على كل ما رأت المحكمة أنه يمثل ثوابت الشريعة الإسلامية، سواء كانت هذه الثوابت منصوصًا عليها بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، أو عن طريق الاستقراء التام، فضلاً عن أنها تلزم الجميع بنصوص الشريعة الإٍسلامية الكلية والجزئية كذلك.
  • دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعادة النظر فيما يتعلق بالنطاق الزمني للمادة الثانية بتفرقتها بشأن إلزامية نصها بين النصوص السابقة على تعديله (سنة 1980م) وتلك اللاحقة عليه، وذلك بأن توسع النطاق الزمني لذلك النص ليشمل كافة النصوص القانونية سواء صدرت قبل التعديل الدستوري على المادة الثانية أو بعده، بأن تواجه كل حالة تعرض عليها فيما يخص نصًّا قانونيًّا أو لائحيًّا سابقًا على صدور دستور 1971م، وتعمل القواعد الشرعية في هذا الشأن ومن ضمنها المعيار الذي انتهت إليه بشأن تفرقتها بين الأحكام قطعية الثبوت والدلالة، بما يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية، وقواعد تطبيقها، مثل التدرج، والتيسير، ورفع الحرج، وغيرها من القواعد التي كان على المحكمة أن تعملها في هذا الشأن.
  • تنظيم دورات تدريبية لتثقيف القضاة تثقيفًا شرعيًا يمكنهم من القيام بدورهم في تفعيل النصوص الدستورية المتعلقة بالمصدرية الشرعية للتشريع، على أن يتولى هذا الأمر مركز الدراسات القضائية بالتعاون مع المؤسسات الدينية في مصر، ولاسيما الأزهر الشريف، وجامعة الأزهر، ودار الإفتاء، وذلك بالتوازي مع إصلاح التعليم الأزهري ومنح الأزهر استقلالية مالية وإدارية عن سلطة الدولة، حتى يتمكن هو الآخر من القيام بمسئولياته الشرعية بحرية كاملة.
  • العمل على إعداد موسوعة شاملة تضم الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، والتي وإن كانت موجودة بشكل واضح في كتب الفقه والأصول بل وفي كتب التفسير وكتب السنة كذلك! إلا أنها لم ترد مصنفة ولا محددة بدقة ومميزة عن غيرها من الكليات والجزئيات، ولا تزال محل إشكال، خفف منه إلى حد كبير- إصدار "معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية"، وبقي –من وجهة نظري- إعداد موسوعة للأحكام الشرعية الجزئية القطعية على النسق نفسه، حتى تكتمل موسوعة كليات الشريعة الإسلامية بصفة عامة مما يعد فتحًا كبيرًا لتيسير مصدرية مبادئ الشريعة الإسلامية للأنظمة القانونية العربية التي تنص على هذه المصدرية.
  • وفيما يتعلق بالدراسات المستقبلية أوصى الباحث بضرورة التركيز على دراسة كيفية الوصل بين العقيدة والأخلاق والقانون من الناحية العملية، فضلاً عن دراسة كيفية المواءمة –ولو مرحليًا- بين الدولة الحديثة والمبادئ الأساسية للحكم الإسلامي، بتقديم نموذج حضاري جامع بين ميزاتهما ومتحاشٍ لسلبياتهما قدر الإمكان، يكون منطلقًا من القرآن والسنة، ومُقَدِمًا لمفاهيم إسلامية أصيلة كالفطرة، والتعارف، والبر، والتعاون على الخير، والعدالة، والحرية، والكرامة الإنسانية.

 

تقسيمات الكتاب:

قسم الباحث كتابه إلى مدخل تمهيدي وثلاثة فصول، تليها خاتمة، وثَبْتٌ بأهم مصادرها، وذلك على الوجه الآتي:

مقدمة المستشار طارق البشري

مقدمة الباحث

مدخل تمهيدي: في التعريف بالمفاهيم والمصطلحات

الفصل الأول: مراحل تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر

المبحث الأول: الفتح الإسلامي لمصر وبدء سيادة الشريعة الإسلامية فيها

ملامح النظام القانوني في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى إقصاء الشريعة الإسلامية عن المرجعية التشريعية فيها

المبحث الثاني: إقصاء الشريعة الإسلامية عن مصدرية التشريع في العصر الحديث

المبحث الثالث: تطبيق الشريعة الإسلامية في الفترة من صدور دستور 1923م وحتى صدور دستور 1971م.

الفصل الثاني: موقف السلطتين التشريعية والتنفيذية تجاه النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية

المبحث الأول: السلطتان التنفيذية والتشريعية في مصر بين النصوص الدستورية والواقع العملي

المبحث الثاني: موقف برلمانات عقد السبعينيات من النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية

المبحث الثالث: موقف برلماني عقد الثمانينيات من النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية

المبحث الرابع: موقف برلمانَي عقد التسعينيات: 1990، و1995م

المبحث الخامس: موقف البرلمانات والتعديلات الدستورية خلال الفترة من سنة 2000 إلى 2014م.

الفصل الثالث: موقف القضاء والفقه من النصوص الدستورية المتعلقة بمصدرية الشريعة الإسلامية

المبحث الأول: موقف القضاء والفقه من عبارة "الإسلام دين الدولة"

المبحث الثاني: مبادئ الشريعة الإسلامية

المبحث الثالث: موقف القضاء والفقه من مفهوم "المصدر الرئيسي"

المبحث الرابع: موقف القضاء والفقه من مفهوم "التشريع".

الخاتمة

أولًا: النتائج

ثانيًا: التوصيات

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

[*] باحث مهتم بدراسة تطبيقات الشريعة الإسلامية في الدساتير والقوانين المعاصرة، وبكيفية تحقيق التفاعل بين الشريعة والقانون الوضعي. حاصل على الدكتوراة في القانون. مؤسس ورئيس تحرير موقع "حوارات الشريعة والقانون". له العديد من الأبحاث والمؤلفات منها، كتاب "تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية" (تقديم المستشار الجليل طارق البشري- رحمه الله)، كتاب: "دور الوقف في مواجهة الغلو والتطرف" (محكم علميًا)، وكتاب "مسألة تطبيق الشريعة بين اختطاف النموذج ونموذج الاختطاف"، (بالاشتراك مع د. فارس العزاوي) وكتاب (بالاشتراك): "الأحكام القضائية والفتاوى الشرعية في الأوقاف الكويتية" صادر عن الأمانة العامة للأوقاف سنة 2015م، والمشاركة في كتاب "إسلامية المعرفة ودور المعهد العالمي للفكر الإسلامي" مع كل من الأستاذ الدكتور/ جمال الدين عطية، و"الدستور المصري المنتظر.. جدل السياسي والثقافي والمجتمعي" بحث منشور ضمن كتاب: الثورة المصرية والتغيير الحضاري والمجتمعي، (أمتي في العالم-حولية قضايا العالم الإسلامي)، القاهرة: دار الشروق الدولية، 2013م، و"تحولات التشريع والقضاء في مصر بين ثورتي 1919 و1952"، بحث منشور ضمن فصلية "قضايا ونظرات"، وبحث بعنوان "مالك بن نبي" منشور بمجلة المسلم المعاصر...

يُعد كتاب "الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور"* للفقيه الدستوري الكبير دكتور عبد الحميد متولي** دراسةً فقهيةً دستوريةً موضوعيةً تهدف إلى إبراز مكانة الشريعة الإسلامية، ليس فقط كمجموعة من الأحكام الجزئية، وإنما كمنظومة متكاملة قادرة على تنظيم شؤون الحكم والدولة. ويقدم د. عبد الحميد متولي في هذا العمل إطارًا علميًا يعرض فيه الآراء المعارضة التي ترى فصل الدين عن التشريع وتتهم الشريعة بالجمود، ثم يواجه هذه الآراء بنقد مستفيض يُظهر مدى انفتاح القرآن والسنة والإجماع على مبدأ الاجتهاد وضرورة مراعاة المصلحة والضرورة وسنة التدرج في التشريع.

وتكمن أهمية الكتاب في كونه يقدّم نموذجًا متوازنًا يربط بين الثوابت الشرعية ومتطلبات العصر الديمقراطي وحقوق الإنسان، من خلال تحليل منهجي لمصادر التشريع الإسلامي وآليات تفسيرها، ورصد مرونتها وقدرتها على استيعاب تطورات المجتمعات، كما يسلط الضوء على مقاصد الشريعة الكبرى -كالعدل والمصلحة العامة- ويقترح آليات عملية لجعل هذه المقاصد أساسًا في صياغة دستور يعبر عن الهوية الإسلامية للأمة ويضمن استقرارها وتنميتها في آنٍ واحد.

ينطلق الكتاب بكلمة افتتاحية لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، حيث يؤكّد على عصمة الشريعة وحيادها الخالص للهداية الإنسانية في كافة شؤون الحياة، ويثني على المؤلف باعتباره "قمة من قمم الفقه الدستوري في مصر"، معتبرًا أن هذا الكتاب جاء "نتيجة لدراسات طويلة في سنوات عدة، وكان ثمرة لجهد مستمر ودراسة مستفيضة"، معلنًا أنه وإن لم يتفق معه في بعض الأمور، إلا أنه متفق معه في الغاية التي تم تأليفه من أجلها "وهذه الغاية نعمل لها ويعمل لها كل محب لدينه ووطنه".

وفي مقدمته يعرض المؤلف الدكتور عبد الحميد متولي محاور أربعة تحدّد إشكاليّة الكتاب: أولها الخلاف حول صياغة النص الدستوري هل يجعل الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع أم أحد المصادر المتعددة؟ ثانيها محاولة تصنيف المصادر الشرعية وتبيان أنواع النصوص التي تستمد منها التشريعات. ثالثها مناقشة طبيعة التشريع نفسه؛ هل هو شامل عام، أم ظرفي مؤقت؟ ورابعها وضع منهجية واضحة للتقسيم العلمي والموضوعي للدراسة، مما يمكن القارئ من تتبّع مراحل الحجاج والنقاش خطوة بخطوة.

يتناول المبحث الأول بلغة علمية متزنة وجهة الرأي القائل بعدم صلاحية الشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًا للدستور، مستعرضًا أولًا رأي من يذهب إلى أن الإسلام "دين فحسب" لا علاقة له بالتشريع المدني، ثم ينتقل إلى أسباب اتهام الفقه الإسلامي بالجمود من وجهة نظر المستشرقين، مرورًا بنقد علماءٍ مثل الشيخ علي عبد الرازق الذين رأوا أن نظام الخلافة التاريخي لا ينسجم مع روح التطور الحديث، ووصولًا إلى الاعتراضات على عقوبات الحدود (خاصة حد السرقة وحدّ الخمر) وانتقادات عدم المساواة بين المسلمين وأهل الذمة في الحقوق السياسية والقضائية والتنفيذية.

يرد المبحث الثاني على هذه النقاط بالوقوف إلى جانب رأي أهل الصلاحية للشريعة مصدرًا دستوريًا، فيُفند ادعاء الجمود بالتأكيد على أن الإسلام دين متكامل يجمع بين أصول الشريعة وروح الاجتهاد، ويثبت ارتباط الدين بالدولة من خلال السيرة النبوية للدولة الأولى في المدينة. كما يوضح كيف أن الشريعة توازن بين مصالح الدنيا والآخرة، وينقض أدلة الشيخ عبد الرازق، ويبرر اعتباره للخلافة "مصالح عامة" مخولة للأمة، قبل أن يبين شروط تطبيق حدود السرقة والعقوبات التعزيرية للخمر، ويشرح حرص الإسلام على معاملة أهل الذمة وحفظ حقوقهم ضمن إطار من العدالة والمساواة أمام القانون.

في المبحث الثالث يقدم "الرأيان في كفتي الميزان" ويخوض نقاشًا معمقًا حول مرونة مصادر الشريعة وإمكاناتها الدستورية. ينقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب: يناقش الأول طبيعة النصوص القرآنية والسنّة والإجماع من حيث كميتها وظروفها الزمنية والظنية، ثم يُعنى الثاني بمنهج التفسير والاجتهاد القويم، مستعرضًا اختلافات مدارس أهل الرأي والحديث وأثر بيئات الخلفاء الراشدين ومعاصريهم على منهجية الاستنباط. أما المطلب الثالث فيتوسع في قواعد المصلحة والضرورة وسبل سد الذرائع، في حين يؤكد المطلب الرابع على روح الاعتدال وسنة التدرج في التشريع، بما يضمن تحديث الأحكام وفقًا للظروف دون تجاوز لمقاصد الشريعة.

يختتم المبحث الرابع الكتاب بعرض الأسباب المنطقية والحضارية التي تدعونا إلى اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًا للدستور. في المطلب الأول يستعرض سمو مبادئ الشريعة واستقلالها وقبولها على ألسنة فقهاء الغرب والمؤتمرات الدولية للقانون المقارن. ثم يعرض المطلب الثاني مظاهر سمو الحضارة الإسلامية وفضلها على الحضارة الغربية، مستعينا بشهادات المؤرخين والعلماء الغربيين. وأخيرًا يناقش المطلب الثالث كيفية سد الفراغ التشريعي والثقافي الذي خلّفه الانقطاع عن التشريع الإسلامي، قبل أن يختم الكتاب بدعوةٍ إلى النهوض بالفقه الإسلامي عبر التجديد والاجتهاد المنضبط وتضافر جهود علماء الفقه والقانون.

 

فهرس الكتاب:

تقديم فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر

الإهداء

تقديم الكتاب للمؤلف

المقدمة

المبحث الأول: الرأيُ القائل بعدم صلاحية الشريعة الإسلامية كمصدرٍ أساسي للدستور

 

المبحث الثاني: وجهاتُ نظر أنصار الرأي القائل بصلاحية الشريعة الإسلامية كمصدرٍ أساسي للدستور

 

المبحث الثالث: "الرأيان في كفتي الميزان"

المطلب الأول: بحث في مدى مرونة مصادر الشريعة الإسلامية وبخاصة في الشؤون الدستورية

المطلب الثاني: منهج التفسير (والاجتهاد) القويم

المطلب الثالث: مبدأ المصلحة (ونفي الحرج والضرورة)

المطلب الرابع: مراعاة روح الاعتدال والأخذ بسنة التدرج في التشريع

 

المبحث الرابع: الأسباب التي تدعونا إلى اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً للدستور

المطلب الأول: سموُّ مبادئ الشريعة الإسلامية

المطلب الثاني: سموُّ الحضارة العربية الإسلامية وفضلها على الحضارة الغربية

المطلب الثالث: سدُّ الفراغ التشريعي والثقافي

 

لتحميل ملف الكتاب

 

* صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار "منشأة المعارف" بالإسكندرية عام 1975م.

** فقيه دستوري مصري. أستاذ القانون العام بجامعتي بغداد والإسكندرية، وأحد روّاد الفقه السياسي الإسلامي، حاصل على دبلوم الدراسات الإدارية والمالية من جامعة باريس (1926) ودكتوراه الحقوق من الجامعة ذاتها (1931). عمِل عميداً لكلية الحقوق بجامعة بغداد وأستاذاً بقسم القانون العام في جامعة الإسكندرية، وشارك في مؤتمرات دولية للقانون والإدارة، من أبرز مؤلفاته "القانون الدستوري والنظم السياسية"، و"الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور"، وساهم في الحوار بين الفقه الإسلامي ومبادئ الدساتير الحديثة.

"ضمير العالم الإسلامي في زمانه، والشاهد لقرنه، الفقير إلى ربه مالك بن نبي، 1323-1393".

(عبارة مكتوبة على قبر مالك بن نبي).

 

ألَّف فيلسوف الحضارة مالك بن نبي الجزء الأول من كتابه "مذكرات شاهد للقرن" باللّغة الفرنسية عام 1965م، وعَنوَنَه «الطفل»، حيث يروي فيه مذكراته في الفترة بين 1905 و1930م، وصدرت طبعته الأولى عام 1966، ثم ترجمه الدكتور (عبد المجيد النعنعي) إلى اللغة العربية، ونشره عام 1969م، بينما ألَّف بن نبي الجزء الثاني من الكتاب باللّغة العربية مباشرة عام 1969م، تحت اسم «الطالب»، والذي يروي فيه مذكراته في الفترة بين 1930 و1939، وطُبع للمرة الأولى عام 1970.

كما أفرجت ابنة مالك بن نبي (رحمة) فيما بعد عن جزئين إضافيين من تلك المذكرات طُبعا تحت إشراف أ. نور الدين بن قروح، أولهما تحت عنوان "الكاتب" (وغطى الفترة من عام 1940م- 1954)، وثانيهما تحت عنوان الدفاتر (والتي غطت الفترة من عام 1958 حتى وفاته عام 1973)، ليصبح كتاب شاهد للقرن عبارة عن "مجموعة" من أربعة أجزاء: (الطفل، الطالب، الكاتب، الدفاتر)، تغطي فترة حياة مالك بن نبي كلها عدا سنوات أربع (من عام 1954- 1958) حيث فقدت مذكراته عن تلك الفترة حتى الآن على الأقل.

ويضاف إلي تلك المذكرات كتاب آخر روى فيه مالك مذكراته كذلك (وتنشره [دار حكاوي] رفق هذا الكتاب وكتب أخرى لمالك) وهو كتاب "العفن"، والذي ألَّفه قبل مذكرات شاهد للقرن بخمسة عشر عامًا (تقريبًا)، وبالتحديد عام 1951، وهو الكتاب الذي لم ينشر إلا مؤخرًا (عام 2007م)، وجاء في قسمين: "الطالب"، و"المنبوذ"، وقد جاء فيه أسلوب بن نبي متسمًا بالحدة وباستخدام ألفاظ لم يعتدها القارئ من مالك، معبرًا عن غضبه الشديد لما عاناه في تلك الفترة من وطأة الضغوط الشديدة التي سببها له تحالف الاستدمار/ القابلية الاستدمار (العَفِن) ضده.

وقد قارن تلميذ مالك ومحاميه الذي استأمنه على أوراقه وكتاباته الوزير اللبناني السابق عمر كامل مسقاوي في كتابه "في صحبة مالك بن نبي"- بين "مذكرات شاهد للقرن" و"العفن"، وخلص إلى أن شاهد القرن، كان حصاد مرارة مالك في جزائر ما بعد الثورة، وأن كتابه "العفن" في الجزائر "المستدمرة"، حصاد مرارته من الاستدمار الفرنسي.

والواقع أن الإحاطة الكاملة بسيرة مالك بن نبي تستوجب، ليس فقط الاطلاع على كتابيه "مذكرات شاهد القرن" و"العفن"، بل تقتضي كذلك مراجعة ما ذكره في بعض كتبه وأوراقه الأخرى من وقائع حدثت له في حياته، مثلما روى في كتابيه: "تأملات" و"الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"، بل وتستلزم الاطلاع كذلك على كتاب بالغ الأهمية صدر فيما بعد تحت عنوان "وثائق مالك بن نبي في الأرشيف الوطني الفرنسي" للدكتور رياض شروانة، والدكتور علاوة عمارة، (طبعة أولى عام 2021م، وطبعة ثانية مزيدة عام 2022م)، وهو الكتاب الذي تناول -كما هو واضح من عنوانه- ما يمكن أن نعتبره سردًا لحياة مالك بن نبي من منظور أجهزة الأمن والمخابرات الفرنسية التي تابعت مالك بن نبي في كل أحواله، في الجزائر وفي فرنسا!

وهذا الأمر يتطلب -في الحقيقة- إجراء دراسات مقارنة مستقلة يتتبع فيها الباحثون كل ما رواه مالك بنفسه من أحداث تخص سيرة حياته، في مذكراته وفي غيرها من مؤلفاته، وما نطقت بشأنه وأوردته وثائق الأرشيف الوطني الفرنسي، مع الحذر من الفهم السطحي المتعجل لما ورد بتلك الوثائق بشأن مالك، وهو الأمر الذي نبه الباحثان اللذان أعدا الكتاب الذي يضم تلك الوثائق إلى ضرورة تجنبه، وأوردا فيه أمثلة لوقائع محددة يتعين الحذر في التعامل معها وعدم التعجل في فهمها أو فصلها عن السياق التي حدثت فيه.

على أية حال، تنتمي "مذكرات شاهد للقرن" -محل هذا التقديم- إلى التأريخ للأفكار ومراحل توليدها، مع الالتزام كذلك بالتأريخ لتفاصيل الحياة الشخصية للكاتب ذات الصلة بتكوينه وتشكيل رؤيته ومشروعه الفكري، وهي في هذا أقرب إلى السيرة غير الذاتية (أي التي لا تسرد تفاصيل حياة صاحبها التي لا تفيد القارئ بل تركز على الأحداث التي عايشها وأثرت في تشكيل شخصيته وقناعاته) غير الموضوعية (أي غير المنفصلة عن  صاحبها وتحيزاته الفكرية والقيمية) -على حد تعبير د. عبد الوهاب المسيري في وصف مذكراته هو الشخصية-، ونستشرف هذا بمجرد الاطلاع على تقديم مالك للكتاب، والذي طلب فيه أن يتخيل القارئ أن هذا الكتاب كان كتابًا تركه "صدّيق" له بجواره وهو يصلي العصر في المسجد في قسنطينة، طالبًا من القارئ أن يتقبله على أنه "أفكار جزائري أراد أن يتحدث إليه من وراء حجاب محتفظًا باسمه لنفسه".

ومن خلال هذه المذكرات نتعرف على تكوين مالك بن نبي، وخطوات تشكل اهتماماته ومشروعه الفكري، حتى إن القارئ يستطيع أن يرى في ثنايا حياة مالك طفلًا وطالبًا -كما رواها في هذا الكتاب- بذور تفكيره التي أثمرت فيما بعد كتبه ومحاضراته وندواته المختلفة، فضلًا عن التعرف على السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي والنفسي الذي أحاط بمالك وأسهم في طرحه وتأسيسه لهذا الفكر العميق الذي لا تزال أمتنا في حاجة إلى تفعيله والمراكمة عليه.

فقد ولد مالك في مرحلة تاريخية بالغة الصعوبة؛ وقعت فيها غالبية دول العالم الإسلامي تحت الاحتلال العسكري الأوروبي، حيث تقاسمت بريطانيا وفرنسا العالم الإسلامي فيما بينها، دون أن تحرم إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وهولندا من بعض الغنائم، ووجد مالك بلده الجزائر محتلا من الفرنسيين منذ عام 1830م، أي قبل مولده بحوالي خمسة وسبعين عامًا، كما عايش إلغاء الخلافة الإسلامية رسميًا عام 1924، حيث لم يكن مالك قد تجاوز عمره تسعة عشر عامًا تقريبًا.

وقد انعكس ذلك الأمر على قلب مالك وعقله، فَكَرِهَ الاستدمار حتى من قبل أن يعاين بنفسه ظلمه وجرمه، وذلك من خلال استماعه -عبر جدته- لحكايات جدة أمه التي عايشت الغزو الفرنسي للجزائر، عما فعله الفرنسيون ببني وطنه وببناته، من مجازر ومذابح يُندى لها الجبين، فضلًا عما رآه من حال أُمُهِ وفقرها المدقع وتضحياتها بالغالي والثمين لأجل إطعامه وتعليمه، وهو الفقر الذي أدرك مالك بالتدريج أنه من فعل الاستدمار وعملائه.

كما عاين مالك -وكَرِهَ بشكل أكبر- مقدار تخلف بني وطنه (الأهالي الأصليين أو الإنديجين -أهالي المستدمرات الفرنسية- كما سمَّاهم المستدمرون الفرنسيون) واستسلامهم -إلا قليلًا- لتلك الحالة من الانهيار العقَدِي والفكري والنفسي والأخلاقي والاقتصادي، والتي أودت بهم إلى استبطان العجز عن مقاومة الاحتلال، ورؤيتهم لأنفسهم بأنهم أضعف منه، وأنه يتفوق عليهم في كل شيء، وأن الاحتلال قدر إلهى لا ينبغي الاعتراض عليه! ومن ثم مكنوا له وسهلوا من مهمته في استنزافهم وثرواتهم، فقعدوا عن العمل الجدي تجاه التحرر والنهوض، بعد أن افتقدوا للوعي وللروح ولفاعلية عقيدة التوحيد التي سبق أن انتشلتهم من تلك الحالة وأهَّلَتهُم لريادة العالم.

هكذا علم مالك الداء، الذي سماه "الاستعمار والقابلية للاستعمار"، فآل على نفسه أن يبذل جهده ووقته وكل ما يملك في محاربته، حيث سنرى في هذه المذكرات كيف استحال -رويدًا رويدًا- إلى مناضل وكاتب وناشط سياسي وفيلسوف ومصلح اجتماعي ومُعَلِّم ومفكر، وهو في كل ذلك شاهد لله قائم بالقسط في مواجهة الجميع؛ مستدمَرين ومستدمِرين، تقدميين ومحافظين، شيوعيين ورأسماليين، مسلمين ويهود ومسيحيين وملحدين، سياسيين وطلبة وعمال..، عملاء بالاتفاق أو بالانغلاق، دراويش ومدعي الإصلاح النفعيين!

والذي يثير الإعجاب -والتعجب في الوقت نفسه- أن مالكًا ظل هكذا صلبًا قابضًا على جمر دينه وقيمه مبادئه رغم أنه حارب لأجلها أعداء لا قدرة لبشر على الاستمرارية في محاربتهم، حتى إن القارئ لهذه المذكرات قد يتصور أحيانًا أنه لا يقرأ لبن نبي بل يقرأ لنبي!

لقد حارب مالك بن نبي قوى مهولة على مدى حياته -كما يظهر من مذكراته بصفة عامة، وهذه المذكرات بصفة خاصة- كان على رأسها احتلال معروف بشراسته وبإجرامه وبدهائه، ظل مالك مسكونًا دومًا بمطاردته له، وبأنه يلاحقه ويضيق عليه ويحاصره هو وأسرته، منذ أن تعرف عليه في أول محاضرة ألقاها مالك على الطلبة المغاربة في الحي اللاتيني بباريس في شهر ديسمبر 1931م، بعنوان "لماذا نحن مسلمون؟"!، مرورًا بمحاولات المستشرق ماسينيون -المتعاون بمكر ودهاء مع السلطة الاستدمارية- تجنيده لمصلحة الاستدمار، وحرمانه من الالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية كما كان يحلم، ومنعه حتى من الحصول على شهادة تخرجه كمهندس كهربائي فيما بعد، والوقوف ضد محاولاته للحصول على عمل مناسب لمؤهله ولمقامه، فضلًا عن نقل أبيه من عمله، والذي أدى فعليًا إلى تقاعده في بيته بلا عمل مبكرًا، للضغط على مالك، والتضييق على أسرته بشكل عام!

انظر إلى رد فعل مالك: "كنت أتأثر من هذه المحن التي بدأت تنصَبّ على أهلي بسببي، دون أن أغيّر سلوكي بسببها، بل كانت الأحداث نفسها تزيدني تصلّباً وتحدّياً في نظر الإدارة الاستعمارية"!

 وقد كان البعض قد شكك في مصداقية مالك وفي صحة اعتقاده بملاحقة الإدارة الاستدمارية له، ولكن التاريخ أنصفه مؤخرًا حين كشفت الوثائق الفرنسية (التي نشرت في كتاب "وثائق مالك بن نبي..." المشار إليه من قبل) عن صدق كل ما شعر به مالك ولمسه من تتبع الاستدمار له، فقد أحصوا عليه كل أنشطته وكتاباته، سواء في الجزائر أم في فرنسا، بل وحاولوا استمالته وتوظيفه لحسابه كما وظف غيره، ولكن مالك ظل ثابتا كالجبال، مقاتلا له ولعملائه حتى النهاية.

وحين تأملت في صمود مالك وفي إصراره العجيب على الانتصار لمبادئه ضد من يخالفها أيًا كان، وعدم التراجع عنها أبدًا رغم حصاره وإفقاره ومحاولات التحقير منه ومن كتاباته (حتى من بعض هؤلاء الذي وهب حياته للدفاع عنهم وعن حرياتهم وكرامتهم!)، ورغم أن شغله الفكري يقتضي الصفاء الذهني والاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وجدت أن هذا الصمود مرجعه إلى قوة عقيدة مالك الدينية واستقامته الأخلاقية، وقوة كراهيته للاستدمار وللقابلية له، وإلى إيمانه بنفسه وبرسالته، فضلا عن ذكائه الحاد وقوة شخصيته وإرادته الفولاذية واستقلالية فكره وتحرره، وتأثير ثقافته العميقة المتنوعة التي جنبته اهتزاز الثقة بالنفس والانسحاب أمام الظروف الصعبة والآلام، متجنبًا مصير صديقه وأستاذه "حمود بن الساعي" الذي كان أقوى فكريًا من مالك -باعترافه- ولكنه "كان يعاني حالة عدم اتزان مشؤوم يجمع بين طموح جبار وإرادة واهية، فقد كان طموحه يعرقله عن العمل المشترك الخاضع للإرادتين، وضعف إرادته يعطله عن العمل الفردي المتواصل" على حد ما وصفه صديق مالك-، فلم يتحمل مكر ماسينيون وشراسة الاستدمار، ولم يكمل دراسته للدكتوراة في جامعة السوربون، وانزوى وانعزل عن الناس ثلاثين عامًا حتى مات وحيدًا شريدا لا يشعر به أحد (رحمه الله وقيض لعلمه من ينشره وينفعنا به)!

هذه الطباع والصفات منحت مالك القدرة على الدراسة والتحليل لكل ما يراه أمامه، كما وهبته الإنصاف والتركيز على الأولويات ووضع كل شيء في موضعه، فهو -على سبيل المثال- حين ذهب إلى باريس ذهب محملا بهموم أمته، وبكراهية من صادروا حاضرها وعرقلوا نهضتها، فلم يذهب إلى باريس سائحًا، بل دارسًا متأملًا محللًا لسر قوتها وأسس بناء حضارتها، ولم يتوقف كثيرًا أمام هذا العري والانفلات الجنسي الذي أحاط بمنطقة سكنه في باريس، ولم يفتتن بمظاهر التقدم، ولا حتى بالنظر إلى ما يمكن استيراده من منتوجات تلك الحضارة وتكديسها، بل نظر بعمق في جامعاتهم وفي قدراتهم العلمية والعملية المذهلة، ولمس أن هذا هو سر تقدم هؤلاء على المسلمين، دون أن يقع فيما وقع فيه نظراء له من الافتتان بالغرب، أو التحقير لمنجزاته، بل تأمل أحواله كجندي مقاوم يدرس مكامن قوة المعتدي ونقاط ضعفه، ليتمكن من صد عدوانه والتحرر من هيمنته.

كما لم يفتتن مالك بماضي أمته العريق فيذهل عن واقعها الغريق، بل درس بإمعان عوامل تقدمها في الماضي ثم تقهقرها إلى ذيل الأمم، دون أن يوقعه هذا في براثن الإحباط، بل جعل من هذا التقهقر دافعًا له ليبحث ويتأمل عسى أن يجد علاجًا أكثر نجاعة وأشمل، وظل هذا هاجسه طوال حياته، بل والأعجب أن هذا ظل شاغله حتى فيما بعد مماته، فألف كُتبًا للمستقبل أجّل نشرها إلى ما بعد وفاته!، فكأنه لم يقدم لحياته فقط، بل قدم لحياة أمته كذلك!

وقد يظن البعض أن سيرة مالك بن نبي تنتمي إلى الماضي ولم تعد لها تلك القيمة الكبرى التي كانت، بعد أن تغيرت الظروف والأحوال، ونال المسلمون والعرب الاستقلال، وحكموا أنفسهم بأنفسهم، والحقيقة أن السياق الذي نعيش فيه لا يختلف كثيرًا عن السياق الذي عاش فيه مالك بن نبي؛ فالاستدمار "رحل ليبقى" -على حد تعبير أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح-، وغاية ما في الأمر أنه قد غير جلده، وبات يعتمد على السيطرة عن بعد عبر استخباراته وعملائه الذين نصبهم لحكم البلاد المستدمرة، كما أنه يستعمل القوة عند الحاجة لذلك، سواء بنفسه، أم عبر ذراعه في المنطقة (الكيان الصهيوني)، فضلًا عن أنه استعاض عن احتلال الأرض باحتلال العقل والإرادة، بينما القابلية للاستدمار ترسخت أكثر، وما أخذه مالك بن نبي على "الأهالي" من صفات جلبت المستدمر ومكنت له، ازدادت رسوخًا، حتى بات الذين تتلمذوا على كتابات بن نبي وتبنوا أفكاره، يعملون الآن على مقاومة تحول هؤلاء العوام إلى أنعام لا يهمها سوى تحصيل طعامها وشرابها وإشباع شهواتها المادية، كما يجتهدون في محاربة "التغريب التطوعي"، واستخدام اللهجات العامية في الكتابة بدلا من العربية، وعدم اعتبار الخيانة "وجهة نظر" يُحترم أصحابها، فقد انتشر تلامذة ماسينيون وبات صوتهم أعلى من صوت مالك بن نبي وصدى مؤلفاته القيمة وصرخات تلاميذه!

ويبدو أن المشكلة كانت في أن من يقرأ مذكرات مالك كان يحشرها في عصرها دون أن يدرك أن الأزمة مستمرة ومستعرة، وأنه لا خلاص إلا بالاقتداء بهذا الرجل في سيرته وفي تركيزه على جوهر هذه الأزمة، إنها أزمة حضارة أفلت لم تعد ترى طريق النجاة، وأزمة النفس قبل أن تكون أزمة المتسلطين (من الخارج ومن الداخل) وجشعهم وجبروتهم وظلمهم، ولا حل لتلك الأزمة إلا بما فعله مالك وعاشه في حياته وسجله في كتاباته، الإصرار على المقاومة الحضارية، وتحدي كل العوائق والعراقيل، والبُعد عن "السياسة" المخادعة والشخصنة والشعبوية، وقيادة الأمة نحو قيامها بواجباتها لأجل التخلص من تلك الهاوية المعقدة، هاوية التخلف والجهل والقابلية للاستخفاف والاستعباد.

ولذلك، فنحن لا نزال في حاجة إلى قراءة تلك المذكرات، بعين المريض الذي يحتاج إلى الدواء، ولن نجد في هذا أفضل من الاطلاع الجاد على سيرة مالك بن نبي وأمثاله من مفكري الأمة المخلصين الأفذاذ، وأقربهم إليه من وجهة نظري المفكر البوسني علي عزت بيجوفيتش، حيث نشأ كذلك في ظل هيمنة الفكر الغربي والاحتلال اليوغسلافي، وانسحاق المسلمين واستسلامهم أمام تلك الهيمنة، فناضل فكريًا وسياسيًا واجتماعيًا، مثله مثل مالك بن نبي، وإن لم يحققا هدفهما كاملًا إلا أنهما أحدثا هزة عنيفة في الوجدان الحضاري الإسلامي، وقدما -ومعهما عبد الوهاب المسيري مثلًا-، نموذجًا عمليًا، للمفكر الإنساني الرسالي المناضل، الذي لم ينسحق لأعدائه، وظل عصيًا على التوظيف لصالحهم، بل ظل جنديًا مخلصًا لأمته شاهدًا على أزمتها وقائمًا بالقسط ينضم إلى قائمة المصلحين الصادقين الذين احترقوا لأجل النهوض لأمتهم ولم يُخترقوا أبدًا لحساب أعدائها!

والمقصود بالاطلاع الجاد هو النظر إلى تلك السيرة المالكية نظرة تأمل ودراسة وتحليل تبتغي استخراج ما يمكن أن نستفيده منها في حاضرنا -الذي أشرنا من قبل أنه لا يختلف كثيرًا عن حاضر مالك بل ازداد انحدارًا-؛ فكم تغنى الكثيرون بمالك وبسيرته وفكره -ولا يزالون- دون أن يتجاوزوا تلك المرحلة لبيان كيفية الانتفاع بما قدمه فعلا والبناء عليه، ولذلك لم تستفد الأمة من مالك بن نبي بعد حق الاستفادة، بدليل أن العالم الإسلامي ازداد تخلفًا، وأن الحركات الإصلاحية الإسلامية ظلت تظن أن الحل سياسيًا (بالمعنى الضيق)؛ ينحصر في اعتلائها للسلطة والمحافظة عليها مهما كانت التنازلات، متوهمة أن مشكلة الأمة ليست فكرية ولا أخلاقية ولا حضارية بل أزمتها فقط تنحصر في عدم قيام الدولة الإسلامية أو الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، وليس في عدم التركيز على استنهاض الأمة -أفرادًا وجماعات- لإعادة تشييد الحضارة الإسلامية!

لقد كشف مالك مبكرًا عن أمراض النخبة الإسلامية في عصره، والتي لم يلمسها الكثيرون إلا في الفترة التالية لثورات الربيع العربي (أي بعد وفاة مالك بما يقرب من أربعين عامًا!)، حتى إن القارئ لهذه المذكرات سيجد أوصافًا قد يظن أن مالك يصف بها تلك النخبة في هذه الفترة، ومن ذلك مثلًا مقولاته تلك:

- "لا أدري إن لاحظت- ولكن كان بإمكاني أن ألاحظ من هذه المناسبة- أن النخبة الإسلامية قد استولى عليها حب الظهور في المراتب السياسية، فقد أهملت المشكلات الرئيسية التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم، بينما لو كان لهذه النخبة نصيب من الإدراك والنزاهة والتواضع لحلت تلك المشكلات منذ ثلاثين سنة. ولكن القوم كانوا يتصارعون على أن يصبحوا (زعماء) و(أبطال) المعارك الانتخابية، فسلكوا بشعوبهم ملتويات السياسة ومنعرجاتها بدعوى أنهم يختصرون الطريق، في حين أنهم زادوا في طولها".

- "إذ كان رأيي السياسي قائمًا على مبدأ، لم يتغير، بل أكدته الأيام، هو أن نظامًا اجتماعيًا ما، لا يقوم إلا على نظام أخلاقي، حتى إن تلك المظاهرات الصاخبة لم تكن تغويني، بل على العكس كنت أظنها عقيمة ومضرة عندما تعطي لعقول غير مهيأة الفرصة لمعارك وهمية وبطولات تمثيلية".

- "إن الظروف السانحة وضعت العلماء أمناء على مصلحة الشعب، فسلموا الأمانة لغيرهم لأنهم لم يكونوا في مستواها العقلي، وسلموها لمن يضعها تحت أقدامه لتكون سُلمًا يصعد عليه للمناصب السياسية".

- "ولم يكن في استطاعة العلماء مواجهة هذا التيار، لأنهم بادئ ذي بدء لا يشعرون به ولا يؤيدون من يشعر بخطورته، فقد كانوا يفضلون من يخون عهدهم ويرضي غرورهم، على من يخلص لهم وينقد سلوكهم".

- "ولكنها صخرة (سيزيف) يرفعها إلى القمة، فتسقط مرة أخرى في الهاوية السحيقة. كذلك أصبح ضمير الجمهور الجزائري لا يرتفع في لحظة موفقة إلى مستوى المشكلات الحيوية، دون أن يهوي مرة أخرى في الثرثرة والمظاهرات، بتأثير جاذبية الظهور، جاذبية مُحكمة يجيد الاستعمار تسليطها على الحركات الناشئة لتعكس اتجاهها إلى أسفل. ولم يكن العلماء على جانب من الخبرة بوسائل الاستعمار في مجال الصراع الفكري حتى يفطنوا إلى هذا الانحراف، ولم يكن لديهم من حدة المزاج وصرامة الإرادة ما يكفي حتى يتداركوا الموقف. وربما كان هذا السبب الأول في فتور علاقاتي بهم، ولسوء التفاهم بيننا فيما بعد".

هذه المقولات الكاشفة كان من شأنها إن تم الالتفات إليها والإيمان بصحتها وبصدقها، أن تسهم في تجنيبنا إجهاض ثورات الربيع العربي وفقدان النخبة بصفة عامة -علمانية وإسلامانية- لثقة الجماهير كما فقدت من قبل ثقة مالك بن نبي نفسه، إذ كان التركيز لن ينصب على الدولة بل على المجتمع، كان سيتركز على الاستقلال الحضاري لا على الإصلاح السياسي عبر الانتخابات وحدها، كما كان سيقضي على الغفلة عن أزمات مجتمعاتنا الفكرية والأخلاقية.

وليس عندي تفسير حاسم للذهول عن أهمية هذه المذكرات لتغيير واقعنا، ولكن ظني أن مالكًا لم تكن له جماعة تدعمه وتحميه، وكانت عقليته النقدية الحادة وصراحته غير المسبوقة وصرامته في الدفاع عن أفكاره أسبابًا في انفضاض النخبة المثقفة [أو المثيقفين على حد تعبيره] السائدة من حوله، بل وتجاهله والتعمية عليه، وكأنها أرادت بالفعل -عن غير قصد- التصديق العملي لمقولات مالك بن نبي عن تحالف الاستدمار والقابلية للاستدمار ضده!

ولهذا أختتم هذه المقدمة بالدعوة إلى إعادة قراءة تلك المذكرات بإمعان، قراءة واعية غير متحزبة أو متعصبة -حتى لمالك نفسه الذي لم يتحزب أبدًا لأحد إلا لدينه ولحضارته ولوطنه ولقيمه ومبادئه- والاسترشاد بتلك المذكرات -وبمثيلاتها من المؤلفات والأدبيات المخلصة والعميقة والجادة- في إعداد خطة شاملة للإصلاح الفكري والأخلاقي والثقافي والسياسي والاقتصادي للأمة، دون التعويل على قوى الاستكبار العالمي والمحلى التي ثبت تكرارًا ومرارًا عدواتها للحضارة الإسلامية ولمرجعيتها، وإصرارها على تطويعها واستعبادها، وعرقلة نهوضها بكل السبل.

 

د. حازم علي ماهر

 10/9/2024م

 

رابط تحميل الكتاب

(ننشر نسخة الكتاب كاملا مع المقدمة ... هدية من الموقع بالترتيب مع دار النشر)

 

 

* مقدمة أحدث طبعة من كتاب "مذكرات شاهد للقرن" الصادرة عن دار (حكاوي) بالقاهرة، عام 1445ه/2024م، والتي ننشرها رفق هذه المقدمة لأول مرة على الشبكة.

** رئيس تحرير موقع "حوارات الشريعة والقانون": https://hewarat.org/.

صدر حديثًا -عن دار النهضة العربية بالقاهرة- كتاب "فلسفة القانون" للأستاذ الدكتور السيد عبد الحميد فودة -أستاذ فلسفة القانون وتاريخه ونائب رئيس جامعة بنها لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، في عمل أكاديمي يعدّ من الإسهامات المعاصرة في مجال الفكر القانوني من زاوية فلسفية. ويمثل الكتاب جهدًا علميًا رصينًا يتناول فيه المؤلف الأسس الفلسفية التي يقوم عليها القانون، في محاولة لفهم العلاقة بين القانون والأخلاق، والعدالة، والسلطة، والنظام الاجتماعي، من خلال تحليل نقدي للمذاهب القانونية الكبرى، وتتبع تطور الفكر القانوني منذ العصور القديمة حتى الفكر المعاصر.

 

ومما جاء في تقديم الكتاب:

"إذا كانت فلسفة القانون تهدف إلى تحديد الغاية المثلى للقانون، وتوجهه نحو بلوغ هذه الغاية، وتقويم سيره كلما حاد عن الطريق القويم، وتوجيهه وتطويعه في يسر على مر السنين، وكثيرا ما دفعته أمامها دفعات قوية، بلغت حد الثورات العنيفة في بعض الأحيان، فإن دراستها لا تقل أهمية عن دراسة علم القانون، إن لم تفقها. ويكاد يجمع علماء فلسفة القانون على أنها تتناول ثلاثة موضوعات رئيسية، وهي: أساس القانون، وغايته ومنهجه، بالإضافة إلى تاريخ النظريات الفلسفية القانونية، وهذه الموضوعات الثلاثة تكون الهيكل العام لفلسفة القانون وهي وثيقة الصلة بعضها ببعض".

 

ويتضمن الكتاب عدة محاور رئيسة، حيث يفتتحه مؤلفه بمدخل تمهيدي يحدد طبيعة علم القانون وأهدافه، فيبدأ بتعريف فلسفة القانون باعتبارها وضح معالم الرؤية الفلسفية لمسائل التشريع والسلطة والعدالة، ثم يوضح منهج البحث المتبع في دراسته، مبينًا أدوات التحليل الفلسفي والمنهج الاستنباطي والتاريخي والمقارن. ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى ترسيم نطاق علم فلسفة القانون وتمييزه عن الفقه القانوني الوظيفي، ويؤكد أهمية الإلمام بهذا العلم لفهم البنية النظرية للنظم القانونية، ويختتم التمهيد بعرض علاقة فلسفة القانون بالعلوم الأخرى، فتتضح الصلات الوثيقة مع الفلسفة النظرية وعلم النفس والأخلاق والاجتماع والقانون والسياسة.

في الباب الأول، يعالج الكتاب أساس القانون بتقسيم الباب إلى ثلاثة فصول، تبدأ بـ«المذاهب الشكلية» التي تصور القانون بوصفه شكلًا وقاعدة مجردة، فتعرض الوضعية القانونية، ومذهب أوستن، ومذاهب الشرح على المتون وهيجل وقلنسو وغيرهم، ثم تُجري تقييمًا نقديًا لهذه الاتجاهات، ثم يشرح الكتاب بعد ذلك «المذاهب الموضوعية»، التي تستند إلى واقع اجتماعي أو فلسفي، فتعرض القانون الطبيعي عبر العصور (اليونانية والرومانية والوسطى والحديثة) وتبدي تطوره، ثم ينتقل الكتاب إلى المذاهب الواقعية كالتاريخي والكفاح والغاية والتضامن الاجتماعي، مع إبراز أسس كل مذهب ونتائجه وتقييمه، وأخيرًا يستعرض «المذاهب المختلطة» كاتجاه جيني والأسس الواقعية والمثالية في الفقه المعاصر، فيجمع بين عناصر متعددة لتحديد جوهر السلطة القانونية.

أما الباب الثاني فيركز على غاية القانون؛ فيعالج أولًا «الأهداف الأيديولوجية» المتمثلة في المذهب الفردي الذي يقر بأولوية الحرية الفردية والمصلحة الخاصة، والمذهب الاجتماعي الذي يركز على المصلحة الجماعية والتضامن، ثم ينتقل إلى كون القيم محورًا لغاية القانون، فيفصل بين ثلاثة مباحث رئيسة: العدالة (تعريفها، مفاهيمها، أركانها وتقسيماتها المتنوعة من شكلية إلى توزيعية وتبادلية واجتماعية)، والأمن القانوني (ماهية هذا المفهوم، علاقته بالعدالة، مقوماته وسبل تحقيقه عبر القواعد والنظم)، والخير العام (التوفيق بين الخير الفردي والجماعي ودور الدولة في ضمانه).

وفي الباب الثالث، يستعرض المؤلف المنهج القانوني باعتباره إطارًا لتحليل القانون وتفسيره فلسفيًا، فيبدأ بـاستعراض «نشأة علم المنهج القانوني»، موضحًا ماهيته وعلاقته بفلسفة التحليل اللغوي من مدارس كامبريدج وأكسفورد وأدوات تحليل المفاهيم القانونية (الرمزي والواقعي والوظيفي)، ثم يتناول اللغة القانونية وأساليب التعريف والتفسير الاصطلاحي. بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى بيان "صياغة التشريعات"، مستعرضًا تعريفها وأهميتها وعناصرها ومعاييرها (العمومية والتجريد)، وصور الصياغة (جامدة ومرنة، آمرة ومكملة، مادية ومعنوية)، مع بيان أخطاء وغموض النصوص. ويختتم الباب بـ«تفسير القواعد القانونية»، حيث يعرض تعريف التفسير ونطاقه وأنواعه (تشريعي وقضائي وفقهي)، إضافة إلى مدارس وطرائق التفسير اللفظي والمنطقي، ليقدم بذلك خارطة متكاملة لفهم كيفية بناء وتطبيق وتفسير القانون من منظور فلسفي.

لتحميل فهرس موضوعات الكتاب

 

صدر كتاب "الحضارة الإسلامية: أسباب الانحطاط والحاجة إلى الإصلاح" لمؤلفه الخبير الاقتصادي محمد عمر شابرا[1]، في جزء واحد في 270 صفحة، عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2012م (1433هـ)، وقام بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية محمد زهير السمهوري.

يمثل الكتاب إضافة نوعية في مجال الفكر الإسلامي المعاصر، حيث يعد من الكتب المهمة التي تتناول بعمق إشكاليات الواقع الإسلامي المعاصر وسبل النهوض به، من خلال تقديمه رؤية متكاملة للإصلاح تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتستفيد من دروس التاريخ لاستشراف المستقبل، كما يتميز بمنهجية علمية موضوعية تجمع بين مختلف التخصصات والمعارف لتقديم حلول عملية وواقعية للنهوض بالأمة الإسلامية.

ينطلق شابرا في كتابه من رؤية منهجية تستلهم فلسفة ابن خلدون في تحليل التاريخ، حيث يقسم ابن خلدون التاريخ إلى ظاهر وباطن، فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو سجل لمسيرة البشرية الطويلة، تتكامل فيه دروس الماضي مع تحديات الحاضر لاستشراف آفاق المستقبل، وهو مرآة تعكس نشوء الأمم والحضارات وانهيارها، مما يستدعي الغوص العميق في أحداثه لاستخلاص العبر واكتشاف القوى الكامنة وراء الظواهر التاريخية.

كما يستند المؤلف إلى الدعوة القرآنية للتأمل في التاريخ والتفكر في العوامل المعنوية والمادية المؤثرة في ارتقاء الأمم وانحطاطها، ويشير إلى أن القرآن الكريم يقدم رؤية تؤكد أن رسالة الإسلام رحمة للبشرية، لكن واقع العالم الإسلامي المعاصر لا ينسجم مع هذه الرؤية بسبب تراكم أسباب الانحطاط عبر القرون.

 

أسباب انحطاط الحضارة الإسلامية

يحلل الكتاب أسباب انحطاط الحضارة الإسلامية من منظور متعدد الأبعاد، يجمع بين العوامل السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية. ومن بين الأسباب التي يبرزها المؤلف:

  1. العوامل الاقتصادية والسياسية: حيث يشير المؤلف إلى أسباب مهمة لانهيار النظام الإسلامي، خاصة في العهد العثماني، منها:
  • كثرة الحروب وزيادة أعداد الجند وما ترتب على ذلك من أعباء مالية ثقيلة أرهقت خزينة الدولة.
  • إهمال تطوير وسائل الزراعة واستمرار بدائيتها، مما أدى إلى ضعف مساهمة هذا القطاع الحيوي في بناء اقتصاد قوي للدولة العثمانية.
  • سوء توزيع الثروة وتركزها في يد فئات محدودة، حيث تم توزيع الإقطاعيات الزراعية بشكل واسع على فئات عسكرية وسياسية مع إعفائها من الضرائب، مما ألقى بالعبء على كاهل المزارعين البسطاء.
  1. العوامل الفكرية والاجتماعية: يتطرق الكتاب أيضًا إلى العوامل الفكرية والاجتماعية التي أسهمت في تراجع الحضارة الإسلامية:
  • غياب الاجتهاد وانتشار التقليد وجمود الفكر الديني.
  • تدهور نظام التعليم وعدم مواكبته للتطورات العلمية والتكنولوجية.
  • انتشار الفرقة والانقسام بين المسلمين وغياب الوحدة والتضامن.

 

إستراتيجية الإصلاح وإعادة البناء

لا يكتفي شابرا بتشخيص أسباب الانحطاط، بل يقدم إستراتيجية شاملة ومتكاملة للإصلاح وإعادة البناء، تتميز بالشمولية والتوازن، منطلقًا من قوله "إن الدعوة إلى الإصلاح الشامل في البلدان الإسلامية لعكس دائرة السببية الدورية، التي أطلقها انتهاء المحاسبة السياسية واشتداد الحكم الاستبدادي، تثير تلقائياً السؤال الهام: من أين نبدأ؟ إن أفضل مكان نبدأ منه هو حيث بدأ النبي نفسه بإصلاح البشر، فهم يقومون بدور المحرك في نهضة أي حضارة أو سقوطها. وبالرغم من الحاجة إلى إيلاء الأولوية القصوى لهم، فإن هذا لا يعني ضرورة أن العوامل الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، التي تعرضت إلى الفساد عبر القرون من خلال عملية السببية الدائرية لا تحتاج إلى اهتمام متزامن مع إصلاح البشر".

وقد تضمنت إستراتيجية الإصلاح من وجهة نظر المؤلف، العناصر الرئيسة التالية:

  • الإصلاح الفكري والروحي: ينطلق الإصلاح من استعادة الرؤية الإسلامية الشاملة، المتضمنة للمعاني الأخلاقية والروحية والتصورية، كأساس لأي نهضة حقيقية. يؤكد الكتاب على ضرورة إحياء القيم الإسلامية الأصيلة وتجديد الفكر الديني بما يتلاءم مع متطلبات العصر.
  • الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي: يقترح المؤلف إعادة هيكلة النظام الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات الإسلامية على أسس عادلة ومستدامة، تضمن التوزيع العادل للثروة، وتحقق التكافل الاجتماعي، وتعزز التنمية الشاملة.
  • الإصلاح السياسي والمؤسسي: يؤكد الكتاب على أهمية إصلاح المؤسسات السياسية والإدارية في العالم الإسلامي، وترسيخ قيم الشورى والعدل والمساءلة والشفافية في الحكم.
  • توظيف التكنولوجيا والعلوم الحديثة: يدعو شابرا إلى الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي في النهوض بالمجتمعات الإسلامية، مع الحفاظ على هويتها الحضارية وقيمها الأصيلة.

 

فهرس موضوعات الكتاب

تصدير

استهلال

مقدمة.

الفصل الأول: نظرية ابن خلدون في التنمية والانحطاط.

الفصل الثاني: عوامل ساهمت في نهضة المسلمين.

الفصل الثالث: عوامل مسؤولة عن انحطاط المسلمين.

الفصل الرابع: الانحطاط الاقتصادي.

الفصل الخامس: الانحطاط في التعليم والعلوم والتكنولوجيا.

الفصل السادس الانحطاط الاجتماعي.

الفصل السابع: بعض العبر من التاريخ الإسلامي.

الفصل الثامن: الإخفاق في الاستفادة من العبر.

الفصل التاسع: الحاجة إلى الإصلاح.

المراجع.

الكشاف

لتحميل ملف الكتاب

 

[1] محمد عمر شابرا خبير اقتصادي مرموق متخصص في الاقتصاد الإسلامي، له العديد من الدراسات والأبحاث في هذا المجال.

المولد والنشأة

ولد الشيخ محمد أحمد مصطفى أحمد أبو زهرة في 6 ذي القعدة 1316هـ، الموافق 29 مارس 1898م، بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في مصر، ونشأ في أسرة معروفة بالعلم والصلاح. التحق منذ صغره بالكتّاب، فأتم حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بمدينة طنطا، أحد أهم معاهد العلم الديني في مصر، حيث تلقى علوم العربية والشرعية على يد كبار العلماء، وكان هذا الجامع يُسمى بــ"الأزهر الثاني" لمكانته العلمية الرفيعة.

 

التعليم والتكوين العلمي

بعد ثلاث سنوات قضاها في الجامع الأحمدي، التحق أبو زهرة بمدرسة القضاء الشرعي عام 1916م، وهي مدرسة أنشأها محمد عاطف بركات لإعداد القضاة الشرعيين للمحاكم المصرية. اجتاز اختبار القبول وكان أصغر المتقدمين سنًا وأكثرهم تفوقًا. مكث في المدرسة ثماني سنوات حتى تخرج عام 1924م (1343هـ) حاصلاً على شهادة "عالمية القضاء الشرعي"، ثم واصل دراسته في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ونال معادلتها عام 1927م (1346هـ)، ليجمع بذلك بين تخصصين قويين في علوم الشريعة واللغة العربية.

 

المسيرة الأكاديمية والوظيفية

بدأ الشيخ أبو زهرة حياته العملية مدرسًا للغة العربية في المدارس الثانوية، ثم عُين عام 1933م (1352هـ) أستاذًا في كلية أصول الدين، حيث درّس مادة الخطابة والجدل، وألف أول كتاب مستقل في الخطابة العربية. بعد ذلك انتقل إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة لتدريس الشريعة الإسلامية، ثم تدرج في مناصبها حتى أصبح رئيسًا لقسم الشريعة ووكيلًا للكلية، كما شغل منصب أستاذ محاضر للدراسات العليا، وعضو المجلس الأعلى للبحوث العلمية، وشارك في تأسيس معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة.

 

مساهمته في تطوير معهد الدراسات الإسلامية

شارك الشيخ محمد أبو زهرة مع نخبة من العلماء في تأسيس معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، ليكون منارة علمية متخصصة في الدراسات الشرعية واللغوية، ويخدم شريحة من الطلاب الذين لم تتح لهم فرصة الدراسة في الكليات الشرعية التقليدية. كان الهدف من المعهد تعويض هؤلاء الطلاب وتزويدهم بأساس متين من العلوم الإسلامية، مع التركيز على جودة التعليم وعمق التكوين العلمي.

لم يقتصر دور الشيخ أبو زهرة على التأسيس فقط، بل كان من أوائل الأساتذة الذين ألقوا المحاضرات في المعهد، وقدم علمه وجهده دون مقابل مادي، تعبيرًا عن إيمانه برسالة المعهد وأهمية نشر العلم الشرعي. كما شغل منصب وكيل معهد الدراسات الإسلامية، وأسهم في وضع المناهج العلمية وتطويرها، وحرص على أن تجمع بين الأصالة والانفتاح على قضايا العصر.

 

الإنتاج العلمي والفكري

يُعد الشيخ محمد أبو زهرة من أبرز فقهاء القرن العشرين، وتميزت مؤلفاته بغزارتها وعمقها وسعة أفقها واعتدالها، وقد بلغت أكثر من ثلاثين مؤلفًا في الفقه المقارن، أصول الفقه، التفسير، السيرة النبوية، وقضايا المجتمع الإسلامي. وقد تميزت كتبه بالدقة العلمية واللغة السهلة، واعتمد عليها آلاف الطلاب والباحثين في العالم الإسلامي.

ومن أشهر كتب الشيخ محمد أبو زهرة:

  1. "تاريخ المذاهب الإسلامية"
  2. "العقوبة في الفقه الإسلامي"
  3. "الجريمة في الفقه الإسلامي"
  4. "الأحوال الشخصية"
  5. "خاتم النبيين" (سيرة نبوية في ثلاثة مجلدات)
  6. "المعجزة الكبرى – القرآن الكريم".
  7. موسوعة عن أئمة المذاهب: أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد بن حنبل، زيد بن علي، جعفر الصادق، ابن حزم، ابن تيمية
  8. "تفسير زهرة التفاسير" (لم يكتمل).

 

مواقفه الإصلاحية والجريئة

كان الشيخ أبو زهرة صاحب فكر إصلاحي، جريئًا في الدفاع عن الشريعة الإسلامية وحقوق الأمة، ووقف ضد محاولات تهميش الأزهر أو تدجينه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وشارك بقوة في الدفاع عن جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع في الدستور المصري. دعا إلى إصلاح الأزهر من داخل رسالته، ورفض إنشاء كليات غير دينية تحت مظلته، واقترح تثقيف أصحاب المؤهلات العليا دينيًا من خلال الأزهر.

كما كان له موقف حاسم ضد الربا، وبيّن بالأدلة فساد نظريته، ودعا إلى حماية المجتمع من مخاطره. اشتهر بصراحته في مواجهة الاستبداد والسلطة، وحرص على استقلال العلماء وحرية الفكر، وكان يرى أن الشورى هي أساس الحكم في الإسلام، وأن الحاكم يجب أن يُختار من الأمة بحرية.

 

المنهج العلمي والأسلوب

اتسم منهج الشيخ أبو زهرة بالتحليل العميق، والمقارنة بين المذاهب الفقهية، والابتعاد عن التعصب، والاعتماد على الأدلة النقلية والعقلية معًا. كان يحرص على عرض حياة الأئمة وأفكارهم واجتهاداتهم بشكل موضوعي، ويعرض الخلافات الفقهية بروح علمية، ويشجع على الاجتهاد المعاصر المنضبط بأصول الشريعة.

 

تأثيره وتلاميذه

تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء والباحثين، من أشهرهم: الشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد الطيب النجار ود. عبد العزيز عامر. وكان للشيخ أبو زهرة أثر بالغ في تطوير الدراسات الفقهية المقارنة في الجامعات المصرية والعربية. بقيت كتبه مرجعًا أساسيًا للباحثين وللمهتمين بالدراسات الإسلامية، وامتد تأثيره إلى خارج مصر، حيث استفاد من علمه وكتبه طلاب العلم في العالم الإسلامي.

 

وفاته:

توفي الشيخ محمد أبو زهرة عام 1974م (1394هـ) بعد حياة حافلة بالعلم والجهاد الفكري، وترك تراثًا علميًا ضخمًا، ومواقف مشهودة في الدفاع عن الشريعة الإسلامية وحقوق الأمة، ليظل اسمه رمزًا للعلم والجرأة والإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث.

 

المصادر:

  1. محمد بدران، الإمام محمد أبو زهرة ومعالم فكره التربوي، مجلة التأدب، العدد 8، يناير 2013.
  2. الشيخ محمد أبو زهرة الحق على لسان رجل، إسلام ويب، 22 أكتوبر 2002، https://bit.ly/4kguiee
  3. كتاب “محمد أبو زهرة.. إمام الفقهاء المعاصرين والمدافع الجريء عن حقائق الدين” للدكتور محمد عثمان شبير، حوارات الشريعة والقانون، 11 أكتوبر 2023، https://bit.ly/4dhrXNV
  4. محمد زاهد، العلامة الفقيه المجاهد الحر محمد أبو زهرة، رابطة العلماء السوريين، 12 يناير 2015، https://bit.ly/43w4g1a
  5. فهد النمري، الشيخ محمد أبو زهرة وآراؤه الاعتقادية عرضًا ونقدا، مكتبة الألوكة، 22 نوفمبر 2014، https://bit.ly/4mgs3cM
  6. أحمد الشريف، الشيخ محمد أبو زهرة.. كتب عن الأئمة الأربعة وله أكثر من 30 كتابا، اليوم السابع، 29 مارس 2023، https://bit.ly/3EUbRxf
  7. فاطمة حافظ، الشيخ محمد أبو زهرة والتجديد في فقه الأسرة، إسلام أونلاين، https://bit.ly/4jdjUmY

على مر التاريخ، ظهرت حركات العصيان المدني كوسيلة للتعبير عن الرفض الجماعي للحكومات والنظم السياسية التي تتسم بالظلم والطغيان والقمع. هذا النوع من الاحتجاج لا يعتمد على العنف، بل على أساليب سلمية تُستخدم للضغط من أجل تغيير الأنظمة القائمة وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد أصبح العصيان المدني أحد الأساليب الأساسية في النضال الشعبي ضد الفساد والاستبداد، سواء على الصعيد العالمي أم في المجتمعات المحلية.

 

العصيان المدني لغة واصطلاحًا:

كلمة "العصيان" مشتقة من الجذر (عصى) الذي يشير إلى الرفض وعدم الخضوع أو المعصية. ففي معجم "لسان العرب" يُذكر أن العصيان يعني التمرد على السلطة والامتناع عن الطاعة، وفي معاجم أخرى مثل "القاموس المحيط" يُفسَّر على أنه خروج عن النظام أو عدم الالتزام بالأوامر المفروضة. أما كلمة "المدني" فهي مشتقة من كلمة "مدينة" وتدل على ما يتعلق بالشأن العام والحياة الاجتماعية للمجتمع. وبجمع هذين المعنيين، يُعرَّف "العصيان المدني" لغةً بأنه الامتناع عن طاعة أو تنفيذ أوامر وقوانين تُعتبر ظالمة أو غير مشروعة، وهو ما يُمارس عادة من قبل الأفراد أو الجماعات في إطار الشؤون المدنية دون اللجوء إلى العنف.

أما اصطلاحا فيمكن تعريف العصيان المدني بأنه الرفض الجماعي أو الفردي لتنفيذ أو تطبيق قوانين أو سياسات تُعتبر غير عادلة أو جائرة. وهو نشاط يهدف إلى إثارة الوعي المجتمعي بالمشكلات التي يعاني منها المواطنون، ويهدف إلى دفع النظام السياسي إلى إجراء تغييرات تؤدي إلى إصلاح الوضع القائم. ولعل أحد أهم سمات العصيان المدني هي الالتزام بأساليبه السلمية وعدم اللجوء إلى العنف، مما يجعله وسيلة فعالة للضغط على الجهات الحاكمة دون الإضرار بالبنية الاجتماعية.

 

مكونات العصيان المدني:

تتعدد مكونات العصيان المدني وتشمل عدة عناصر أساسية، وهي:

  1. الوعي السياسي والاجتماعي: يتعين أن يكون لدى الأفراد فهمًا عميقًا للمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر على حياتهم. هذا الوعي يُشكل الدافع الأساسي للانخراط في حركات العصيان المدني.
  2. الرفض السلمي: يعتمد العصيان المدني على أساليب سلمية في التعبير عن الرفض، مثل الإضرابات والمقاطعات والاعتصامات والمسيرات. يُعد الابتعاد عن العنف شرطًا أساسيًا يحافظ على شرعية الحركة ومصداقيتها.
  3. التبرير الأخلاقي: يحتفظ العصيان المدني ببُعد أخلاقي رئيسي، حيث يستند إلى مبادئ العدالة والحرية وحقوق الإنسان، فيقوم المشاركون بإيضاح أن رفضهم للقوانين أو السياسات ينبع من ضرورة تصحيح مسارات تخلت عن المبادئ الأخلاقية.
  4. التنظيم الجماعي: تتطلب حركات العصيان المدني تنظيمًا منسقًا يضمن استمرارية الفعل الاحتجاجي وتوجيهه نحو أهداف محددة. يشمل ذلك هيكلة وتحالفات بين مختلف الفاعلين في المجتمع.
  5. التواصل الفعال مع الرأي العام: تُستخدم وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر الرسالة وتوثيق الأحداث، مما يساهم في إضفاء الشرعية والضغط على الحكومات للتجاوب مع المطالب.

من خلال هذه العناصر، يستمد العصيان المدني قوته من التزامه بالمبادئ التي تجعل من الاحتجاج السلمي أداة فعالة للتغيير الاجتماعي والسياسي.

 

الجذور التاريخية للعصيان المدني:

يمكن القول إن جذور العصيان المدني تمتد إلى عصور قديمة، حينما استخدم الشعوب أساليب مختلفة للتعبير عن رفضهم للحكم الظالم. ومع مرور الزمن، تطورت هذه الوسائل لتصبح أكثر تنظيمًا وشمولية، خاصة مع ظهور الحركات الاحتجاجية التي قادها مفكرون وزعماء سياسيون بارزون. كانت لحركات مثل الاحتجاجات ضد الأنظمة الاستبدادية في القرون الماضية، بداية لتشكيل نظريات سياسية واجتماعية حديثة ترتكز على مفهوم العصيان المدني. ومن الأمثلة الشهيرة في التاريخ الحديث حركات النضال ضد الاستعمار، حيث استخدم الناشطون أساليب العصيان المدني لتحقيق الاستقلال والإصلاح.

وقد مرّ "العصيان المدني" بثلاث محطات رئيسية:

المحطة الأولى:

هي ولادة المصطلح على يد الفيلسوف والشاعر الأميركي هنري ديفد ثورو (1817-1862)، الذي كان من أكبر المناهضين للعبودية في بلاده، وسخّر حياته للدفاع عن العبيد الفارين. ففي عام 1846 سُجن لرفضه دفع الضرائب محتجا بمعارضته للسياسة الأميركية ومنها الحرب ضد المكسيك. وتورو هو أول من استعمل المصطلح ونظَّر له في كتابه الشهير "العصيان المدني" الذي يقول فيه: "لو رفض ألف دفع ضرائبهم، فلن يكون هذا عملا دمويا خلافا للدفع الذي سيمكّن الحكومة من مواصلة الحروب وإراقة الدم البريء. ها قد أصبحت الثورة السلمية ممكنة. وإن سألني جابي الضرائب ماذا أفعل؟ فسأقول له: استقل. وعندما يرفض المواطن الطاعة ويستقيل الموظف فإن الثورة تكون قد نجحت".

المحطة الثانية:

هي تأثرُ الزعيم الهندي المهاتما غاندي بأفكار ديفد ثورو ومحاولته تطبيقها عبر ملاحم مقاومة معروفة، منها مطالبته عام 1906م العمال الهنود في جنوب أفريقيا برفض إعطاء بصماتهم تطبيقا لقانون عنصري. ومن ذلك أيضا دعوته عام 1930م مواطنيه الهنود إلى مقاطعة الملح الذي كانت جبايته مصدرا هاما لخزانة السلطات الاستعمارية البريطانية، فقاد الجماهير نحو البحر ليستخرجوا منه ملحهم، ثم أتبع ذلك بصرخته المعروفة: "غادروا الهند" التي انتقل بها من رفض القوانين الاستعمارية إلى المناهضة السلمية للاستعمار نفسه.

المحطة الثالثة:

هي معركة الحريات المدنية التي قادها الزعيم الأميركي الأسود مارتن لوثر كنغ في ستينيات القرن العشرين برفض الانصياع للقوانين العنصرية للولايات الجنوبية في أميركا.

دوافع متعددة:

تعددت مظاهر وتطبيقات العصيان المدني منذ بداية القرن العشرين في بلدان كثيرة وخاصة في الدول الغربية، ومن بينها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا، سواء تعلّق الأمر برفض القوات المتحاربة مواصلة إطلاق النار في الحرب العالمية الأولى، أم في فرنسا حيث دعم البعض استقلال الجزائر، أم في ألمانيا حين منع العصاة المدنيون تحرك النفايات النووية، كما استخدِم في جنوب أفريقيا لمقاومة الفصل العنصري، وانتهجته حركات السلام في أنحاء العالم.

 

العصيان المدني في فلسطين:

تكوّن مفهوم العصيان المدني في المجتمع الفلسطيني عبر تراكم طويل من النضال الشعبي وتجارب يومية وحركات منظمة ضد الاحتلال. لم يكن احتجاجًا عابرًا، بل استجابة جماعية شاملة جمعت بين الرفض السياسي والأبعاد الثقافية والاقتصادية: من الامتناع عن دفع الضرائب ومقاطعة الإدارة المدنية إلى تعزيز الروابط عبر المؤسسات المحلية والحركات النسائية، مما رسّخ الهوية الوطنية والوعي السياسي. حوّلت هذه الممارسات الروتينية إلى أدوات فعّالة للتحدي، فدفعت نحو إعادة توزيع السلطة والمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية جذرية. بهذا، صار العصيان المدني تجسيدًا للقوة الجماهيرية والالتزام بحق تقرير المصير، كنموذج مقاوم يُحتذى به في مواجهة القمع وتحقيق التغيير الإيجابي.

ظهرت ممارسات العصيان المدني في السياق الفلسطيني كأداة مقاومة سلمية ضد الاحتلال، بدءًا من فترة الانتداب البريطاني، وتجسدت بوضوح في الإضراب العام عام 1936 الذي استمر ستة أشهر، مطالبًا بوقف الهجرة اليهودية ووعد بلفور. شمل الإضراب مقاطعة البضائع البريطانية، ووقف العمل في الموانئ، وامتناع الطلاب عن الذهاب للمدارس. أدى هذا العصيان إلى شل الاقتصاد، وامتد ليتحول إلى ثورة شعبية أسفرت عن استشهاد 1200 فلسطيني، بينهم فرحان السعدي الذي أُعدم أثناء صيامه رمضان.

خلال الانتفاضة الأولى (1987)، برزت تجربة بيت ساحور كأحد أبرز نماذج العصيان المدني المنظم. امتنع الأهالي عن دفع الضرائب للاحتلال الإسرائيلي، وأقاموا تعاونيات محلية للإنتاج الزراعي والصناعي، مثل تعاونية الأبقار لضمان الاكتفاء الذاتي. شكلت لجان شعبية متخصصة (كالتموين، الصحة، التعليم) لتنظيم الحياة اليومية، متحدين الحصار الاقتصادي والقمع العسكري الإسرائيلي الذي حاول كسر إرادتهم عبر فرض غرامات باهظة.

في العصر الحديث، استمر توظيف العصيان المدني كأداة ضغط، كما حدث في مخيم شعفاط عام 2022، حيث فرض الأهالي إغلاقًا شاملًا للمحال التجارية، وقطعوا الطرقات، وامتنعوا عن العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، مما أجبر الاحتلال على التراجع عن حصاره. كما دعت جهات فلسطينية في أبريل 2025 إلى عصيان مدني شامل نصرةً لغزة، رغم عدم توفر تفاصيل ميدانية عن نتائجه.

تعتمد هذه الأساليب على التنظيم المجتمعي واللاعنف، مستفيدةً من الدروس التاريخية كإضراب 1936، مع تطوير آليات تكيف كالزراعة المنزلية والمقاطعة الاقتصادية.

 

 العصيان المدني في الشريعة الإسلامية

يُشكل العصيان المدني إحدى القضايا الإشكالية في الفقه السياسي الإسلامي، حيث تتقاطع مفاهيم الطاعة الشرعية مع مقتضيات العدالة الاجتماعية، وفي هذا الجزء نستهدف رصد التطور التاريخي لموقف المذاهب الفقهية من القضايا المشابهة للعصيان المدني، مع تحليل الاتجاهات المعاصرة في التعامل مع هذا المفهوم في ضوء المستجدات السياسية.

 

المفهوم الفقهي للعصيان المدني وأصوله الشرعية (التأصيل النصي للمفهوم):

تقوم فكرة العصيان المدني في الإسلام على ثنائية الطاعة في المعروف والعصيان في المنكر، المستمدة من قوله تعالى: "وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ" (الشعراء: 151). وقد حدد الحديث النبوي الإطار العام بالقول: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ" (صحيح البخاري). هذا النص يؤسس لمبدأ التفريق بين الطاعة المطلقة لله والطاعة المشروطة للحكام.

لم يعرف التراث الفقهي مصطلح "العصيان المدني" بمفهومه الحديث، لكنه تناول ظواهر مماثلة تحت عناوين مثل "المناصحة"، "الهجرة السياسية"، و"العزل الجماعي". فقد أشار القرافي المالكي إلى أن "الأمة إذا أعلنت البراءة من حاكمها الظالم جاز لها مقاطعته في المعاملات العامة". هذه الصورة التاريخية تقترب من مفهوم المقاومة السلمية المعاصرة.

 

آراء المذاهب الأربعة في القضايا المشابهة للعصيان المدني:

المذهب الحنفي: التمييز بين أنواع المخالفة

ذهب أبو حنيفة إلى جواز الاعتراض اللفظي على الحاكم الجائر، مع تحريم الخروج المسلح إلا في حالات الكفر البواح. واستدلوا بقول عمر بن الخطاب: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وقد نص السرخسي في "المبسوط" على أن "للرعية حق النصيحة للحاكم بالطرق السلمية، ومنها الامتناع عن التعاون في الظلم". هذا الموقف يفسر قبول الحنفية للاحتجاجات السلمية كوسيلة ضغط إصلاحية.

 

المذهب المالكي: أولوية درء المفاسد

اعتمد المالكية على قاعدة "ارتكاب أخف الضررين"، حيث أجاز ابن رشد الجد التعبير عن الاعتراض عبر المقاطعة الاقتصادية عند عجز الوسائل الأخرى. وقد ورد في المدونة الكبرى: "إذا أمَر الوالي بمنكر، فالأولى مخالفته عملًا لا قولًا". هذا التوجه يفسر قبول بعض الفقهاء المالكيين للعصيان المدني كبديل عن المواجهة المسلحة.

 

المذهب الشافعي: مراتب إنكار المنكر

قسّم الشافعية وسائل الإصلاح إلى ثلاث درجات: الإنكار القلبي، اللساني، ثم اليدوي. وقد أشار النووي في "روضة الطالبين" إلى أن "الإنكار اليدوي للحاكم الظالم يكون بالامتناع عن تنفيذ أوامره الظالمة دون المواجهة المباشرة". هذا التدرج يفتح الباب أمام أشكال العصيان السلمي كمرحلة متقدمة من النصيحة.

 

المذهب الحنبلي: التوازن بين النصيحة والاستقرار

بالرغم من تشدد المذهب الحنبلي في مسألة الخروج المسلح، إلا أن ابن تيمية أقر بوسائل ضغط غير عنيفة. فقد ذكر في "السياسة الشرعية": "إذا أظهر الحاكم المنكرات، وجب على الرعية تغيير قلوبهم عليه وقطع الولاية عنه بالطرق المشروعة". هذا الرأي يؤسس لشرعية المقاومة المدنية المنظمة.

 

الاتجاهات المعاصرة في فتاوى العصيان المدني:

يعارض التيار السلفي التقليدي فكرة العصيان المدني، مستندًا إلى أحاديث وجوب الصبر على جور الحكام. ويحذر عبد العزيز بن باز من أن "العصيان المدني يضعف هيبة الدولة الشرعية"، مؤكدًا أن "التغيير يجب أن يتم عبر القنوات الرسمية للنصيحة". هذا الرأي يستشهد بتجارب تاريخية حيث أدت الاحتجاجات إلى فتن أشد.

بينما يتبنى عدد من الفقهاء المعاصرين مثل د. يوسف القرضاوي ود. علي جمعة رأيًا مشروطًا بجواز العصيان المدني. يستندون إلى أن "الأمر بالمعروف لا يقتصر على الأفراد بل يشمل المؤسسات"، وأن "الامتناع السلمي عن التعاون مع الظلم صورة من صور النصيحة العملية". وقد أصدروا فتاوى بجواز الاحتجاجات السلمية في حالات الفساد المستشري، شريطة الالتزام بضوابط السلمية وعدم المساس بالمرافق الحيوية.

وميَّز د. طه جابر العلواني بين العصيان ضد الأنظمة العلمانية والأنظمة الإسلامية. ففي الحالة الأولى يُعتبر العصيان وسيلة شرعية لاسترداد الهوية الإسلامية، بينما في الثانية يقتصر على آليات النصيحة الدستورية. يستند هذا التوجه إلى قاعدة "تغير الأحكام بتغير الزمان".

 

إطلالة على الإشكالات المعاصرة وتحديات التأصيل:

يطرح باحثون مثل عبد الوهاب الأفندي إشكالية تطبيق مفاهيم التراث الفقهي على الأنظمة الديمقراطية. حيث إن "الدولة الحديثة تستمد شرعيتها من الشعب لا من البيعة الشرعية"، مما يفتح الباب لإعادة تأصيل مفهوم العصيان في إطار العقد الاجتماعي الإسلامي.

كما أثارت حملات المقاطعة الإلكترونية جدلًا فقهيًا حول مدى انطباق أحكام العصيان المدني على الفضاء الافتراضي. حيث يرى د. محمد سليم العوا أن "المقاطعة الرقمية للشركات الداعمة للظلم تدخل في نطاق الهجرة المعاصرة"، بينما يحذر د. سعد الدين الهلالي من "استخدام المنصات الإلكترونية لبث الفتنة".

 

ومما سبق يتضح تعدّد موقف الفقه الإسلامي من العصيان المدني تبعًا لموازنة دقيقة بين مقاصد الشريعة والحالة الواقعية؛ فالمذاهب التقليدية تؤكّد على أولوية حفظ الاستقرار، بينما فتح الاجتهاد المعاصر المجال للاحتجاج السلمي ضد أنظمة فاسدة بشرط استنفاد كل الوسائل الأخرى أولًا. تقوم صياغة ضوابط العصيان على ثلاثة مرتكزات رئيسية: وضوح الظلم، واستنفاد الطرق السلمية، وضمان عدم الانجرار إلى الفوضى، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية.

وترتكز الشريعة في تقييمها للعصيان على قيم العدالة وحفظ كرامة الإنسان، فتعتبر رفض تنفيذ القوانين الظالمة حقًا مشروعًا إذا دعت الضرورة إلى حماية حقوق الفرد والمجتمع. ويُنظر إلى الاعتراض السلمي ليس كخرقٍ للسلطة، بل كواجبٍ ديني حين يخالف النظام الحاكم المبادئ الأخلاقية والإنسانية.

يواجه الفقهاء تحديًا مستمرًا في تحقيق التوازن بين حفظ النظام العام والالتزام بمبدأ الإنصاف، فالعصيان المدني يصبح وسيلةً لتصحيح المسار السياسي والاجتماعي فقط عند تهديد حقوق الإنسان بشكل جسيم وغياب السبل الإصلاحية الأخرى. ومع التطورات السياسية والاجتماعية الراهنة، يبرز دور الاجتهاد المؤسّسي في تقديم نموذج متوازن للعصيان يحقق الإصلاح دون الإخلال بالقانون أو الثوابت الشرعية.

بهذه المعايير، يتضح أن العصيان المدني في الشريعة الإسلامية ليس احتجاجًا عفويًا، بل ممارسة مقيدةٌ بضوابطٍ شرعية تهدف إلى إقامة نظامٍ عادل يحفظ حقوق الناس ويضمن الاستقرار العام في آن واحد.

 

المصادر:

_________________

  1. ماذا يعني العصيان المدني؟، الجزيرة نت، 9 يونيو 2019، https://bit.ly/43NzUrH
  2. محمد على فقيه، هنري ثورو.. منظّر "العصيان المدني"، الميادين، 24 مارس 2023، https://bit.ly/4j8dOoH
  3. أكرم كساب، العصيان المدني رؤية شرعية، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 23 يونيو 2015، https://bit.ly/3EeHD7L
  4. أحمد عز الدين، بلاد على أهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيت ساحور، المركز العربي، 26 ديسمبر 2021، https://bit.ly/42v4K63
  5. د. سعود العجمي، العصيان المدني وعلاجه في ضوء القرآن الكريم، مجلة كلية دار العلوم، العدد 36، ص: 989-1023.
  6. ابن جبرين، كتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد، حكم الخروج على ولاة الأمر، ج 2، ص 2.
  7. حكم الخروج على الحاكم، إسلام ويب، https://bit.ly/4lQvV4a
  8. خالد أبو الفضل، التمرد والعنف في الفقه الإسلامي، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسيات، 2 فبراير 2025، https://bit.ly/4cNUp9X
  9. حسين عمر، العصيان المدني، عمون، 8 سبتمبر 2019، https://bit.ly/4iBGlBQ
  10. أحمد أسعد، شهادات من الانتفاضة: العصيان واللجان والشبكات والقيادة والتنظيم الشعبي، 18 أغسطس 2023، https://bit.ly/3GuzsEZ