(4)

نحن نلحظ من متابعة وقائع حركة المطالبة بالعودة إلى الشريعة الإسلامية أنه كلما توجهت هذه الحركة إلى الدولة كلما تعثرت وارتدّت آثارها، وكلما توجهت إلى الجماعة -سواء في خاصتها أو عامتها-كلما ازدهرت وزَهت. وموقف الدولة الحديثة ليس مرجعه إلى أنها لم تؤمن بالتوجه إلى الشريعة الإسلامية بعد، ولكن مرجعه إلى أنها بمركزيتها الطاغية وامتلاكها للمجتمع لا تستطيع إلا أن تمتلك مصدر الشرعية في المجتمع، فلا تكتفي بامتلاك سلطة التشريع، كما لا تستطيع إلا أن تكون لديها القدرة على صياغة القيم وامتلاك الأساس الذي تقوم عليه القيم. بمعنى أنه متى وُجدت دولة تمتلك المجتمع، وتعمل على السيطرة المنفردة على مقدراته لتكون هي المؤسسة الوحيدة ولتحطّم ما دونها وما يماثلها، وما قد يعلوها من وحدات الانتماء الأخرى الجامعة للبشر على اختلاف مشاربهم وتنوّع أنشطتهم، متى وُجدت دولة بهذه المواصفات فلابدّ أن تكون علمانية، لتصير شرعيتها مستمرة من ذاتها، ونشاطها صادرًا عن محض مشيئتها.

ونخلص من ذلك أنه لا يقوم رجاء معتبر في تحققٍ له شأنه أن تبادر الدولة الحديثة في بلادنا وتأخذ على عاتقها مهمة إعادة الشريعة الإسلامية كشريعة حاكمة وشرعية مسيطرَة على الأفعال والأقوال والنظم. إنما الرجاء جله في السعي بهذه المطالبة لدى جماعات الأمة؛ فهي مطالبة في هذا المجال أَنْفَذُ وأَفْعل، لأنها تستثير فيهم تراثًا يحفظونه وعقيدةً يتعلقون بها وقيم سلوك وتعامل يألفون الاحتكام إليها وقوة تماسك يترابطون بها مع بعضهم البعض. وبقدر ما يشيع تبنّي هذه المطالبة بين أفراد الأمة وجماعاتها، بقدر ما يهيئ ذلك وجوه الضغط على الدولة لتعدل من طبيعتها والتخفّف من غلواء تفردها. وأفعل ما يقوم به هذا الأثر هو تخلّل الأمة هيئاتٍ وجماعات وطوائف، ثم ما يشيعه ذلك من تغلغل في أبنية الدولة الحديثة من خلال العاملين بها كلٌّ في مجاله ومحيطه. وأفعل ما يكون هذا الصنيع في أجهزة الدولة الحديثة ذات الهيمنة المركزية وذات الضخامة والتوغّل في شؤون الجماعة، لأنها دول ذات أجهزة كبيرة تضمّ أعدادًا غفيرة من المواطنين، بما تنضح به عقائدهم وآراؤهم، وبما يرشح من ذلك من آثار بقدر كثافتهم وقوّة اقتناعهم.

إن لنا في تجربة أحداث ۱۹۱۹ في مصر عبرة يمكن استدعاؤها في هذا الصدد، فإن مطلب الاستقلال عندما ارتفع وشاع بما يشبه الإجماع استطاع أن يحمل مؤسسات الدولة والإدارة إلى ما صارت به؛ تزاور عن حركة شعب أعزل سلاحه تماسكه وأداته وقوفه صفًّا كالبنيان المرصوص، فصار ذلك الجهاز محايدًا ثم متعاطفًا ثم مشاركًا، وهذا ما أكسب حركة المصريين وقتها صبغتها السلمية ومضاء عزيمتها في الوقت ذاته. عبر اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر عن موقف جهاز الدولة المصري وقتها بقوله: «إن الحكومة صارت مستحيلة»، وفي الحقيقة «إن الحكومة صارت مصرية»؛ نَضَح عليها مجمل شعور الرأي العام المصري بما يطلب وما يبغي.

وكان جهاز الدولة ذاك هو عينه الذي حكم الإنجليز المصريين به ما يجاوز خمسًا وثلاثين سنة سبقت، فامتنع في ۱۹۱۹ على حاكمية وسَلْس للمحكومين به في لحظات حاسمة، وتعدّلت طبيعة الدولة ونوع أدائها من بعد إلى درجة لا بأس بها بالقياس إلى سابق عهدها. وقد قصدت بذكر هذا المثال بيان أن التوجّه إلى الأمة من شأنه أن يفضي إلى التأثير بالتعديل في طبيعة الدولة ونوع أدائها، مادامت اجتمعت الأمة بهذا التوجّه على مطلبٍ معين.

ومن جهةٍ أخرى، فنحن نتابع في خبرة الواقع المعاش حركةَ المناداة بالحجاب بعد السفور؛ ولنا أن نتصوّر لو أن حركةَ العودة إلى الحجاب بين النساء كانت توجّهت إلى الدولة لتعميم الحجاب أو تزكّيه في المدارس وأماكن العمل؛ فأولًا كان الأمر الواقع سيكون في صالح السفور، وكان الحجاب سيقوم بمثابة دعوة لتغيير الواقع. ثانيًا كان سيلقى من الصدود ما لا يمكنه من الإقناع بدعوته. وثالثًا كان سيولد نقطة احتكام بينه وبين الدولة لأنه ينازعها على قرارها ولأنه يريدها على الخروج من علمانيتها. ولكن الحادث أن دعوة الحجاب توجّهت إلى جمهور الأمة، ولم نشاهد القول بها بقدر ما شاهدنا الفعلَ لها، الذي صار إلى الانتشار والتغلغل في المجتمعات التي اعتادت بعض أوساط النساء فيها على السفور منذ عشرينات القرن العشرين، حتى صارت الأزياء حاسرةً عما لا يجوز كشفه، ثم آلّ الأمر إلى العكس فدنت الجلابيب وتغطّت الشعور، وأثرّت المحاكاة آثارها، وتغيّر الوضع المحيط، وانسدلت الملابس، وصارت الحاسرة تفاجأ من أمر نفسها بأنها قد صارت أقرب إلى الانكشاف والعرى رغم ثبات زيّها طولًا وسعةً، لأن «الوسط» قد تغيّر وكشف لها من أمر نفسها ما لم تكن تلحظ، واكتسب الحجاب الأمر الواقع، وجاءت دعوة التغير من دعاة السفور، وظهرت الدولة حييةً مترددة تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى، وتلزم بالسفور في المدارس ثم تعود فتعدّل وترمي بأنصاف الأقوال ونواقص القرارات.

هذا ما قصدت بيانه من التوجّه إلى الأمة، واكتساب قدمٍ راسخةٍ فيها، قبل التوجّه إلى الدولة، والتوجّه إلى الأهالي بالنصيحة، وبالفعل الفردي والجمعي قبل التوجّه إلى الحكومة لإصدار القرارات...

 

***

(5)

إلى أي مدى يمكن التوجّه بطلب العودة إلى الشريعة الإسلامية، التوجّه به إلى الأمة لممارسته، وهو متعلق بتطبيق القانون النافذ في المجتمع ممّا تملكه الدولة ومما يعتبر جوهر سيادتها؟ وهل يمكن ممارسة الأهلية للتحاكم بالشريعة الإسلامية في ظل سيادة الدولة القائمة والنظام القانوني الوضعي السائد؟ إنني أحاول أن أضع السؤال بهذا الأسلوب الملتبس حتى يمكننا تحريره واستخلاص حقيقة المقصود. فليس المقصود تحدّي سلطَة الدولة، وليس المقصود إيجاد قانون بطريقة تأباه نظم الدولة السائدة، إنما المقصود الذي أريد أن أوضحه هو كيفية تخلّل الشريعة الإسلامية للنظام القانوني السائد. وهذا ما يجعلنا نحدد في البداية ما هو المقصود من «الشريعة الإسلامية».

عندما عدلت تشريعاتنا من الأخذ عن الشريعة الإسلامية إلى الأخذ عن القوانين الأوروبية -فرنسية أو إنجليزية أو غيرها- لم يكن قصد النفوذ الغربي من ذلك -في ظني- استبدال أحكام محددة في القانون المدني أو التجاري بأخرى؛ فقد كان ذلك ممكنًا في إطار حاكمية الشريعة الإسلامية بما تسع من تعدّد وتنوّع في الاجتهادات والمذاهب والآراء. ولم يظهر أن مسعى من ذلك جرت محاولته قبل إدخال القوانين الأجنبية، ولا أن هذه القوانين الغربية أدخلت بعد اليأس من محاولات تجديد الشريعة الإسلامية؛ لم يظهر أيٌّ من ذلك، إنما كان المقصود في ظني هو العدول عن الإطار المرجعي الشرعي إلى إطار مرجعي آخذ عن الغرب وقوانينه، بما يقضي على استقلالنا التشريعي ويكرّس التبعية للغرب في نظمنا التشريعية واجتهادات قضائنا ومفتينا وشراح القوانين عندنا. وهذا ما حدث؛ فقد صرنا بعد أن كنا نقول: «قال الله وقال الرسول»، صرنا نقول: «قال قانون نابليون» وقال «القانون الروماني من قبله»، وبدل أن نستدل بمالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل، صرنا نستدل بـ«بلاتول» و«دوجي» و«كابيتان»... إلخ، وبدل أن نلجأ للفتاوى الهندية ومبسوط السرخسي، صرنا نلجأ إلى «اللوز» وأحكام النقض الفرنسية.

لا تثريب علينا أن نطلب العلم من كل مكان، ولو من الصين (ولم تكن من أهل العبادات السماوية)، ولكن التثريب أننا لم نضف علمًا إلى علمٍ، إنما استبدلنا بعلمنا علمَ الآخرين، والإثمُ الأعظم أننا فصلنا تنظيماتنا عن عقيدتنا كأصل للشرعية ومعيار للاحتكام، وأخذنا من عقائد الآخرين أصل شريعتهم ومعايير احتكامهم. لم يكن المقصود إذًا استبدال حكم فرعي في واقعة أو نازلة محلّ حكمٍ آخر، إنما كان المقصود العدول عن أصول الشريعة الإسلامية إلى أصول شرعية وضعية غربية وافدة. ويُقال إن القانون المدني الذي أُعِدّ لمصر من القانون الفرنسي وصُدِر في ۱۸۸۳ كانت نصوصه قد ضمّت بعض علماء الشريعة فتحدّث بعضهم عما وجده من وجوه الشبه بين أحكام هذا القانون وبين اجتهادات الفقه المالكي في عديد من المسائل، وهذا يؤكد أن لم يكن المقصود العدول عن الأحكام، إنما هو العدول عن المصدر الشرعي للحكم، وهذا ما تحقق فعلاً فيما تلا ذلك من عقود حتى ظهرت الدعوة لاستقلال القانون المصري من القانون الفرنسي بمجموعة التقنينات التي صدرت في الأربعينات، وكان أساس حركة الاستقلال هذه هو الفصل بين أحكام هذه التقنينات وبين الأصل المرجعي لها سواء كان قانونًا فرنسيًا أو قانونًا ألمانيًا أو غير ذلك.

وبهذا يظهر أن حركة العودة للشريعة الإسلامية إنما تجد أساسها وحقيقة مقصودها في العودة إلى الإطار المرجعي والمصدر التشريعي للأحكام الشرعية التي ولدها الفقه الإسلامي بأساليب الاجتهاد المعروفة، من الأصلين الثابتين للشريعة الإسلامية، وهما القرآن الكريم وسنة سيدنا رسول الله ﷺ. لذلك أخال أننا أخطأنا أحيانًا عندما استدرجنا للحديث عن الأحكام التفصيلية؛ كان طبيعيًا ومطلوبًا أن نثبت بالحديث عن الأحكام الفرعية قدرة الشريعة الإسلامية على البقاء والتجدد وتنظيم حياتنا المعاصرة ووجوه النفع الاجتماعي من تطبيقها، ولكن هذا المسعى للإثبات غَلَا أحيانًا وجعل البعض يظنّ أن طلبتنا أحكامًا فرعية محددة بموجب كونها كذلك، مع أن مطلبَنا هو إعادة أصل الشرعية الإسلامية لتكون حاكمة ومعيار احتكام ومصدرًا تشريعيًا للمعاملات والنظم، فضلاً عن قيم السلوك الضابط للأخلاق. المطلوب هو المرجعية؛ هو المورد والمشرع وعين الماء. المطلوب ليس الموزون مجرّدًا، بل الميزان في الأصل والأساس. ونحن نطلبها كإطار فسيح يسع -كما وسع دائمًا على مدى تاريخي طويل وفي مجال جغرافي عريض- العديدَ من الاجتهادات وتنّوعات الأحكام واختلافاتها وتغيرها؛ نطلبها ونعلم أنها تسع اجتهادات وتنّوعات بقدر ما تسع وطبقًا لمناهج التفسير وأصوله المعروفة والمعترف بها.

 

***

(6)

المقصود هنا بالتوجّه إلى الأمة بالمطالبة بعودة الشريعة الإسلامية لا يَبغِي تحدّي سلطة الدولة، ولا يصل إلى إيجاد قانون وتنظيم بديل على غير ما سنّت الدولة، ولا يبلغ الخروج على قوانينها. وفي الوقت ذاته ليس المقصودُ فقط هو عموم الدعوة إلى الشريعة الإسلامية وتزكية أطرها المرجعية ومعاييرها في الاحتكام بها بين الناس، إنما المقصودُ منزلةٌ بين هاتين المنزلتين، وهذا ما أحاول عرضه في هذه الورقة حول "منهج دراسة القانون مقارنًا بالشريعة الإسلامية".

المقصود ليس فقط الدعوة للمطالبة؛ إنما هي دعوة تفيد الحثّ على الممارسة، ولكنها ممارسةٌ مقصود أن تُجرى لا لتغيير الأحكام القائمة (فهذا أمر تبقى بالنسبة له الدعوة إلى المطالبة بتغيير ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية وتشريع ما توصيه مما لا يزال غير نافذ بسلطان الدولة). ولكنها ممارسة تجري لتغيير الأطر المرجعية، أي تعديل قواعد الاحتكام للنصوص والأحكام السارية الآن، ليصير مصدر الشرعية لها هو اتفاقها مع الشريعة.

المطلوب هنا هو النظر فيما تسعه الشريعة الإسلامية من أحكام تقوم بها القوانين والتشريعات السارية والنافذة في المجتمع الآن، وردّ هذه الأحكام إلى أطرها المرجعية من الشريعة الإسلامية، وإسنادها إلى ما يمكن أن تستند إليه من مصادر التشريع الإسلامي وفقًا لما تفتق عنه اجتهاد الفقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا. وهذه المسألة هي ما أحاول عرضه: أن يتجه رجال القانون والفقه والعاملون بالقانون من المحامين والقضاة والشارحين والدارسين والأساتذة المعلمين، أن يتجه كلٌّ هؤلاء إلى بيان الإسناد الشرعي لأحكام القوانين القائمة، في حدود ما تطيق الشريعة الإسلامية وفقهها إسناده من أحكام تلك القوانين.

وأبادر فأذكر أن الأمر هنا لا يعني إضفاء بردة الدين والشرع الحنيف على نظام قانوني وضعي علماني، ولكنه أمر تخلّلٍ للنظام القانوني القائم الذي لا أستطيع إبداله؛ تخلّله بالتدريج لردِّ أصول مرجعيته إلى المصادر التشريعية الإسلامية. والفرق بين العمليتين بنائيّ من وجوه ثلاثة هي ما يلي:

أولًا: إن إضفاء بردة الإسلام على ما ليس منه مقصود به تثبيت الوضع القائم وإبقاء المصدرية الوضعية العلمانية للتشريعات القائمة، وهي تبغِي إذابة الفروق بين الصيغة العلمانية الوضعية والصيغة الشرعية الإسلامية. وهي تنكر مبرر قيام دعوةٍ إسلامية تهدف إلى تطبيق الشريعة وإقرار حاكميتها في المجتمع باعتبار أن الشريعة قائمة ونافذة فعلًا.

بينما التخلّل المطلوب للنظام القانوني يستبقي وضوح الفروق لديه بين أحكام ونظم وقوانين ذات مصدر علماني وضعي حسب أصل نشأتها وتقريرها، وبين أحكام ونظم وقوانين ذات مصدر شرعيّ إسلامي. وهو بدعوته إلى تخلّل النظام القانوني لا ينكر وجوب قيام الدعوة العامة بإقرار مرجعية الشريعة الإسلامية؛ فهو يضيف وسيلة إلى الوسائل ولا يستعيض بوسيلة مقترحة عن الوسائل القائمة الآن فعلًا، فهو يضيف ولا ينقص.

ثانيًا: إن إضفاء بردة الإسلام على ما ليس منه إنما تصطنع فقهًا واجتهاداتٍ لا تجري وفق أصول التفسير والفقه التي يجريها علماء الشريعة، إنما يؤولون الأحكام الشرعية بما يخرجها عن وجوه القياس الصحيحة إلى ما ليس مقصودًا به إلا إضفاء الصيغة الشرعية على أحكام تتعارض معها. فهو باجتهاده يصل في الحقيقة إلى التعطيل وليس إلى الإعمال.

بينما القائل بالتخلّل للنظام القانوني لا يبغي أن يصطنع فقهًا يخرج عن مألوف ما تجرى به مناهج الفقه الإسلامي وسوابق اجتهادات المجتهدين من داخل الفقه الإسلامي وبمادته، وهو بذلك يخضع نصوص الأحكام الوضعية لهيمنة الشريعة الإسلامية ومصادرها وفقها، ولا يُخضع أحكام الشريعة لهيمنة النظر الوضعي العلماني.

ثالثًا: إن من يضفي بردة الإسلام على الأحكام الوضعية العلمانية إنما يبذل الطاقة ليخفي الفارق بينه وبين دعاة الشريعة الإسلامية، وهو ينشط لإثبات أن المطالبين بالشريعة الإسلامية إنما يطلبون أحكامًا فرعية مما يتعلق بوقائع الحياة الجارية وتوازنها، ويحاول أن يثبت أن لا فرق في تلك الأحكام إلا في النزر اليسير.

بينما القائل بالتخلّل يحاول بما يبذل من طاقة ردّ الأحكام السارية إلى إسنادها الشرعي أن يكشف عن أمرين هامين: أحدهما أن الفارق بين الموقفين هو فارق يتعلق بمصدرية الحكم وليس بالحكم ذاته، وأنه إذ يوافق على الحكم الفرعي فهو يؤكد اختلافه فيما يتعلق بمصدرية هذا الحكم ويصرّ على التمسك بالمصدرية الإسلامية الأصل التي تُضفي شرعية الحكم الفرعي؛ فهو لا يتبنّاه إلا مشروطًا بارتباطه بهذه المصدرية الشرعية. فهو موقف يكشف عن جوهر المسألة المختلف عليها ولا ينغمس في الجزئيات.

والأمر الآخر أنه بصرامة التزامه بالحدود الشرعية والضوابط المنهجية إنما يقوم بعملية فرز تشريعي بين ما يتفق من القوانين الوضعية السارية مع أحكام الشريعة الإسلامية وما لا يتفق؛ وكل ذلك يفضي بعد ذلك إلى فرز الأحكام المخالفة للإسلام فرزًا دقيقًا، وتنجلي للناس بذلك مجالات المخالفة واضحة بينة. وكما أن السيدة الحاسرة ازداد مع الوقت انكشاف محاسرها لغلبة المحجبات من حولها، كذلك سيزداد الحكم المخالف للشريعة انحسارًا لعمليّة انكشاف ما يتفق مع الشرعية من الأحكام الأخرى.

والأمر كلّه هنا هو التوسل إلى استرداد الشريعة الإسلامية للشرعية في المجتمع بهذا التخلّل للنظام القانوني كوسيلة تمكّن من الاستفادة بالمتاح وبأقل جهدٍ صدامي.

وفي إطار السعي للحركة الإسلامية بعامة لاستكمال استرداد كل الشرعية الإسلامية وسيادتها الكاملة، فهو مجال لا ينفي غيره ولا يستبعده ولا يستعيض عنه، ولكنه يكمل ويتمّ ويقوم مساعدًا وميسّرًا.

 

 لتحميل ملف الدراسة

رابط الجزء الأول من الدراسة

_______________________

* بحث قدم لندوة انعقدت بجامعة قطر في ديسمبر سنة 1995، ونُشر بصحيفة الحياة اللندنية على ثلاث حلقات في الأسبوع الأول من مارس سنة 1996، كما نشر أيضا في كتاب البشري: الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، دار الشروق، الطبعة الأولي، القاهرة: 1996.

** المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري (1933–2021) قاضٍ وفقيه قانوني ومؤرخ مصري بارز، شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، ورأس لجنة التعديلات الدستورية عقب ثورة 25 يناير 2011. عُرف بعمق فكره القانوني والإصلاحي، وبدراساته في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي والعلاقات بين التيارات الإسلامية والعلمانية، ومن أبرز مؤلفاته الحركة السياسية في مصر 1945–1952 والمسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، وسلسلة كتب أصدرها تحت عنوان رئيسي «في المسألة الإسلامية المعاصرة» بدأ صدورها سنة 1996م بالعناوين التالية: ماهية المعاصرة، الحوار الإسلامي العلماني، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.

الأديان واحترام حرية التعبير*

وجيه دراز

في كلمته [مقالته] عن "حرية الرأي واحترام الأديان"[1]، تجاوز الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد عن موضوع مصادرة كتاب «مسافة في عقل رجل» والحكم الصادر بالسجن على مؤلفه وناشره؛ بل ومصادرة مجمع البحوث الإسلامية لعدد من الكتب في معرض الكتاب كما جاء في دعوتكم لسيادته لفتح باب المناقشة في الموضوع. نَحَّى ذلك كله جانبًا بكلمة استخفت بالقضية ومن حُكم عليه بالحبس فيها؛ ولم يقدم لنا سيادته "تكييفه" لمحل النزاع!

فإذا كانت القضية "قذف وسب"، فليقل ذلك صراحة بدلًا من تلميح يجرِّم المحكوم عليه دون أن يلزم القائل! وهل كان ذلك هو نفس تكييف الكتب المصادرة في معرض الكتاب (بصرف النظر عن الرجوع عنه)؟ وقد اختار د. أبو المجد بدلًا من ذلك أن يناقش قضية "حرية الرأي" مناقشة هامة دافع فيها دفاعًا طويلاً عن حرية التعبير: وضرورة إفساح المجال لها، وحمايتها حماية خاصة منعًا من الزلل وهداية للرشد، وأبان ما خصتها بها المحكمة العليا الأمريكية من افتراض أن أي قيد تشريعي عليها يخالف الدستور إلى أن يثبت العكس، خلافًا للأصل من افتراض مطابقة أي قانون للدستور إلى أن تثبت المخالفة. ونبّه سيادته إلى أن أي قيد محدود في البداية يتجه إلى التصاعد مع خطورة الآثار السلبية الناتجة عن التوسع في فرض القيود على حرية التعبير.

واستطرد سيادته إلى بعض صور التعبير التي سلم بأن الدساتير لا تحميها: وضرب مثلا بـ"الفحش" -Obscenity- أو الإثارة الجنسية Pornography التي أخرجها عن نطاق حرية الرأي، ووثق سيادته ذلك -مرة أخرى- استنادًا إلى أحكام المحكمة العليا الأمريكية.

من هذه المقدمات يقفز بنا د. أبو المجد قفزة خطيرة: إذ يرفع الحماية الدستورية عن "استخدام عبارات وعرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، ومستثار بسبب عرضها على نحو يهدد باختلال الأمن"!!! أين هذا التوسع والمنطق البوليسي؟- الذي لم يقدم د. أبو المجد هذه المرة أي توثيق له- من تحذير د. أبو المجد نفسه لنا من تصعيد الحجر على حرية الرأي استنادًا إلى أي قيد يفرض عليها؟؟ ومع تسليمي بأني لست من رجال القانون، إلا أني سأكون في غاية الدهشة إذا قدم د. أبو المجد توثيقًا لما ذهب إليه من المذاهب القانونية الليبرالية الديمقراطية التي استند إليها سيادته في توثيق مقدماته!!

الإخلال بالأمن:

بل كيف تتطور المجتمعات إذا منعنا عرض أفكار معارضة أمام الجمهور الرافض تمامًا لها؟ ألم يُعرض الإسلام في مواجهة "جمهور رافض تمامًا"؟؟ بل وقد أدت الدعوة إلى الإسلام إلى "الإخلال بالأمن" في المجتمع الجاهلي. هل يعني د. أبو المجد أنه كان من الواجب ألا يُعرض الإسلام على جمهور رافض؟؟ ألم يكن الجمهور رافضًا تمامًا لادعاء جاليليو أن الأرض تدور حول الشمس وكان يؤمن بالعكس؟ هل يقر د. أبو المجد قهر الكنيسة لجاليليو وإرغامه على إنكار علمه والارتداد إلى رأي الجمهور؟ إن رفض الجمهور لأية أفكار لا يستوجب منعها، بل الواجب حماية المنادي بها، ودعوة الجمهور للتسامح إزاءها ومناقشتها مناقشة موضوعية للتثبت من صحتها أو خطتها. إني لا أشك في أن د. أبو المجد يقصد شيئًا من ذلك، غير أن تلك هي النتيجة المنطقية لإطلاقه إباحة تقييد أفكار في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، دون تحفظ؛ إذ إنه يعطي بذلك رخصة مفتوحة للمتزمتين الذين يقفون في وجه التطور.

وهنا تعن ملاحظة -وأكرر، أنها ملاحظة شخص من العامة وليس من دارسي القانون- يحسن إثباتها قبل الاسترسال في الرد. يشير د. أبو المجد إلى «ما عرف في الفقه الدستوري باسم مخاطبة الجمهور الرافض- hostile audience». ويخيل إليّ أن الترجمة الأنسب لـ hostile audience هي الجمهور المعادِ. إذ إن «الجمهور الرافض» ترجمة لـ«rejecting audience»، وأعتقد أن فارقًا بين الإثنين. هل تُحمى الجمهور المعادي من المتحدث؟ أم المتحدث من الجمهور المعادي؟

وإذا استأنفنا قراءة د. أبو المجد بعد هذه الملاحظة العارضة نَجد أنفسنا في حيرة! فبينما نجده في فقرة يستبيح فرض القيد على مجرد "عرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا"، دون أي تحفظ؛ نجده في فقرة أخرى يفرق بين "حرية النقد وحق مخالفة الأفكار السائدة، وبين صور من التعبير تتجه مباشرة إلى خدش الحياء العام أو إلى تجريح المعتقدات الدينية السائدة تجريحًا لا تقتضيه الضرورات الأدبية والفنية، ولا تكون له أية قيمة اجتماعية هادفة".. (التشديد من عندي) أين التزيُّد في استباحة تقييد حرية الرأي في الفقرة الأولى من تضييق مساحة التقييد في الثانية إلى درجة التحفُّظ في إطلاق القيد حتى في الحالات الجارحة؟

 

مناقشة التفاصيل:

ولكن مناقشة مثل هذه العموميات لا تساعد على رسم الحدود بين حرية التعبير المباحة التي يحميها الدستور، وما يرى د. أبو المجد إلا حماية له. فإن مثل هذه العموميات لما يصعب الاختلاف عليه، ولكن المحك هو في مناقشة تفاصيل حالات معينة. ولا شك في أن أهلية د. أبو المجد لذلك هي التي دفعت الهلال إلى دعوته لافتتاح المناقشة ولسنا في حاجة لاختلاق حالات افتراضية تُجرى حولها المناقشة، ففي تاريخنا وذاكرتنا القريبة حالات فعلية وقعت فيها مصادرة الكتب باسم الإسلام والفضيلة:

  • «الإسلام وأصول الحكم»: للشيخ علي عبد الرازق.
  • «مقدمة في فقه اللغة العربية»: للدكتور لويس عوض.
  • «أولاد حارتنا»: للأستاذ نجيب محفوظ.
  • «الإسلام السياسي (وكتب أخرى)»: للأستاذ المستشار سعيد عشماوي.
  • «مسافة في عقل رجل»: للأستاذ علاء حامد.
  • «الفتوحات المكية»: لابن عربي.
  • «ألف ليلة وليلة».

إن مناقشة هذه الحالات على اختلاف طبائعها وأسباب منعها ومصادرتها، وما جرى في بعضها من الرجوع عن المصادرة، لكفيل بأن يوضح للرأي العام عامة والمثقفين خاصة أوجه الإباحة والمنع بما يمكنهم من الاشتراك الموضوعي في المناقشة والإسهام في تحديد حدود المنع عَسَى أن تجد سبيلها إلى التشريع آخذين في الاعتبار احتمالات التوسع في التقييد عند التطبيق كما أشار إلى ذلك د. أبو المجد.

وكما تقول الهلال -وبحق- فإن د. أبو المجد العالم بالشريعة والقانون الدستوري ودوره كمفكر إسلامي أحق بأن نسمع له في هذه القضية. ولكن لنسمع الرأي في الحدود والملابسات: لماذا وكيف، ولا نكتفي بمسلمات لا خلاف عليها نقف عندها دون توضيح لحكم أو دفاع عن ظلم. وليس بكافٍ أن يحكم بالعدل، بل يجب أن يرى الناس أن الحكم كان بالعدل، وإلا مثّل ذلك - كما يقول د. أبو المجد- نكسة خطيرة ينفتح بها باب إرهاب الباحثين والمفكرين والأدباء والنقاد، وتفرض بمقتضاها وصاية على عقول الناس وضمائرهم يمسك زمامها أفراد معدودون من رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية الرسمية.

 

حدود حرية التعبير*

(تعقيب على تعقيب)

بقلم د. أحمد كمال أبو المجد

تأكدت بعد قراءة تعقيب المهندس وجيه دراز على كلمتي التي نُشرت في العدد الماضي من الهلال بعنوان «حرية الرأي واحترام الأديان»، من أنني والمهندس دراز نقف من هذه القضية في خندق واحد وهو خندق الحرص على هذه الحرية وتوفير الضمانات لممارستها، والحساسية الشديدة نحو أي قيد يفرض عليها ويقيم "وصاية" على عقول الناس وضمائرهم.

كما تأكدت من صحة ما أشرت إليه من أن المشكلة الحقيقية في حماية حرية التعبير إنما تكمن في صعوبة وضع المعايير التي يعتمد عليها في التمييز بين صور التعبير التي يحميها الدستور والنظام القانوني وبين صور قليلة من صورها لا تستحق أن تتمتع بهذه الحماية.

غير أن المهندس وجيه دراز قد أَفْزَعَه وأقلقه فيما كتبت أمران:

أولهما: ما أشرت إليه من حق المجتمع، في أحوال معينة، من رفع الحماية الدستورية عن استخدام عبارات وعرض أفكار معينة في مواجهة جمهور رافض لها تمامًا، وهو يصف هذا التوسع بأنه "منطق بوليسي"، يعطِي رخصة مفتوحة للمتزمتين الذين يقفون في وجه التطور. ويلاحظ -فوق ذلك- أنني لم أقدم توثيقًا له.

الأمر الثاني: أنه لا يرى فائدة كبيرة من مناقشة مثل هذه العموميات التي اشتمل عليها المقال، إذ إن في تاريخنا وذاكرتنا القريبة حالات فعلية وقعت فيها مصادرة الكتب باسم الإسلام والفضيلة. كما يرى أنني قد تجاوزت في كلمتي موضوع مُصادرة كتاب «مسافة في عقل رجل»، والحكم الصادر بالسجن على مؤلفه وناشره، كما تجاوزت مُصادرة مجمع البحوث الإسلامية لعدد من الكتب في معرض الكتاب.

1 - فأما موضوع الجمهور الرافض أو المعترض أو "المعادي" كما يُؤثِر المهندس دراز أن يسميه، فلا أريد أن أطيل الحديث فيه، لأنه يمثل حالة استثنائية تتعلق بالإخلال بالأمن -Breach of the Peace- أكثر من اتصالها بحدود حرية التعبير. إذ إن ما قد يمنع في إطار ظروف محلية وظرف خاص يمكن أن يباح تمامًا إذا تجردت الملابسات من الاحتمال الراجح بوقوع إخلال بالأمن. وأما توثيق هذا المثال فلم يكن يعنيني لأنني لم أشأ أن أحمل هذا المثال الاستثنائي فوق ما يحتمل أو أن أصرف القراء به عن جوهر البحث، وهو الجوهر المتعلق بحدود حرية التعبير في غير حالات الإخلال المباشر بالأمن والنظام. ومع ذلك فإنني أحيل المهندس دراز إلى أحكام المحكمة العليا الأمريكية التي قررت هذا المبدأ وأهمها الحكم الصادر عام 1951 في قضية فينز ضد نيويورك Feinsr v. New York، وفي هذا الحكم كتب القاضي فرانكفورتر -وهو أحد الحريصين على حماية حرية التعبير- رأيًا مستقلًا قال فيه: حينما يكون السلوك واختلاف نطاق التعبير المسموح به عن الرأي فإن رجال البوليس يكونون حراسًا لأمن المتحدث وأمن السامعين على السواء. على أن سلطة المحافظة الفعالة على النظام لا يمكن تنحيتها بإعطاء المتحدث حصانة مطلقة. (انظر كذلك حكم المحكمة العليا في قضية Kunz v. New York حيث سحبت الإدارة ترخيصًا ممنوحًا للمدعى Kunz بعقد اجتماعات دينية في شوارع نيويورك لأنه تعرض بالإهانة لجماعات دينية أخرى كاليهود والكاثوليك).

2 - وأما إنني لم أتعرض لتفاصيل وملابسات مصادرة كتاب «مسافة في عقل رجل»، وكتب أخرى كانت معروضة في معرض الكتاب فلأنني لم أطلع على نص الحكم الصادر في قضية الكتاب الأول وإنما قرأت الكتاب كما عرفت النصوص القانونية التي استند إليها الحكم وهي نصوص معروفة في قانون العقوبات. فاكتفيت بالتعقيب عليها لأنها تعالج بعض حالات استخدام "التعبير" استخدامًا يقصد به صاحبه إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية... وكان كل ما قررته أن العقاب على مثل هذا الاستخدام لا ينطوي على إهدار للضمان الدستوري المقرر لحرية التعبير. أما أن يكون كتاب بعينه داخلاً في نطاق الحظر التشريعي الذي تتضمنه نصوص العقوبات فتلك مسألة "وقائع" تتحقق منها المحاكم في كل حالة على حدة.

وأما الكتب الأخرى التي جرت مصادرتها من معرض الكتاب كما يقول المهندس دراز فليس في علمي أن منها ما ينطوي على الجريمة التي عالجها في المادة 98 من قانون العقوبات. ولذلك لا أتردد في الدفاع عن حق أصحابها في عرض أفكارهم وآرائهم، مؤمنًا بأن الوسيلة الدستورية السليمة في التعامل معها لابد أن تتم في إطار حرية التعبير ذاتها عن طريق مناقشة العلماء والباحثين وأصحاب الرأي لما جاء فيها.

ولا أزال مع ذلك -في النهاية- مؤمنًا بأن صور التعبير عن الرأي التي تتجاوز عرض الرأي والموقف لتدخل في باب القذف والسب في حق الأشخاص، أو التحقير والازدراء في حق العقائد التي تدين بها الأمة.. مثل هذه الصور لا تتمتع بالحماية الدستورية لأنها "كما قلت" تقتحم على الناس -بالعدوان- دائرة المشاعر الدينية والقيم الاعتقادية المستقرة دون أن تضطر أصحابها إلى ذلك ضرورات خدمة هدف سياسي أو اجتماعي له حد أدنى من القيمة الاجتماعية. ومع التسليم بأن هذا المعيار سيبقى دائمًا معيارًا مرنًا وتقريبيًا، فإن الضمان النهائي الممكن سوف يتمثل دائمًا في قيام القضاء الطبيعي المستقل بتطبيق هذه المعايير بعيدًا -بحكم حياده واستقلاله وتحصنه- عن كل صور الخضوع للإرهاب والابتزاز. ومدخلًا في اعتباره مجموعة القيم الأساسية السائدة التي تمثل: النظام العام والآداب في الجماعة -وهي قيم لا يخلو منها نظام سياسي واجتماعي- ولا يمكن أن تعتبر المحافظة عليها قيدًا ثقيلًا على الحرية يصادر انطلاق الفكر الحر أو يهدد الإبداع الذي ينمو ويزدهر في ظلال الحرية.

لتحميل ملف المقالين

_______________________

* وجيه دراز، الأديان واحترام حرية التعبير، مجلة الهلال، العدد الرابع، 1 أبريل 1992.

[1] سبق أن نشرنا هذه المقالة على موقعنا، يمكنكم الاطلاع عليها عبر هذا الرابط:

https://hewarat.org/index.php/2023-09-21-15-43-50/item/575-2023-10-12-13-29-30

* كمال أبو المجد، حدود حرية التعبير، مجلة الهلال، العدد الرابع، 1 أبريل 1992.

في تقريرٍ جديد مثيرٍ للجدل، قدّمته المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانسيسكا ألبانييز إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 2 يوليو 2025، تحت عنوان «From Economy of Occupation to Economy of Genocide» (من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة)، جرى توثيق التحوّل الخطير الذي شهده الاقتصاد الإسرائيلي من اقتصادٍ قائمٍ على الاحتلال والاستغلال إلى اقتصادٍ يُغذّي بصورة مباشرة ما وصفه التقرير بـ«جرائم إبادة» ضدّ الشعب الفلسطيني، خصوصًا في قطاع غزة بعد أكتوبر 2023م.

 

من الاحتلال إلى الإبادة: بنية اقتصادية تمكّن العنف:

يؤكد التقرير أن الاحتلال الإسرائيلي، الممتد منذ عام 1967، لم يكن مجرد مشروع سياسي أو عسكري، بل كان في جوهره نظامًا اقتصاديًا استعماريًا هدفه السيطرة على الموارد الفلسطينية واستغلالها، ثم تحويلها إلى مصدر ربحٍ للشركات الداعمة لهذا النظام. لكن مع تصاعد الحرب على غزة بعد أكتوبر 2023، يرى التقرير أن هذا الاقتصاد انتقل إلى مرحلةٍ جديدة هي «الاقتصاد الإبادي» الذي يشارك -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- في تمويل وتيسير أعمالٍ وصفتها المقررة بأنها جرائم جسيمة وفق القانون الدولي الإنساني، تشمل القتل الجماعي والتدمير الممنهج للبنية التحتية والتهجير القسري.

 

نطاق التحقيق وحجمه:

اعتمد التقرير على قاعدة بيانات موسّعة تضمّ نحو 1000 كيانٍ تجاري جُمعت معلوماتها من أكثر من 200 مساهمة واستطلاع، وأُخطرت 45 جهةٍ تجارية رسميًا بالنتائج الأولية، تلقّت منها المقررة 18 ردًّا فقط. هذا الجهد الاستقصائي غير المسبوق سمح برسم صورةٍ دقيقة لشبكة المصالح التي تربط بين الحكومة الإسرائيلية ومجموعةٍ واسعة من الشركات المحلية والدولية التي تدعم الاحتلال بصورة مباشرة أو عبر سلاسل الإمداد.

 

الشركات المتورطة وقطاعات النشاط:

يُبرز التقرير مسؤولية شركاتٍ ومؤسساتٍ من سبعة قطاعات رئيسية، هي:

  1. صناعة الأسلحة والدفاع التي تزود الجيش الإسرائيلي بتقنياتٍ وتجهيزاتٍ تُستخدم في العمليات ضد المدنيين.
  2. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تمكّن أنظمة المراقبة والتعقب الرقمي للفلسطينيين.
  3. قطاع النقل والشحن الذي يسهل نقل الجنود والمعدات إلى الأراضي المحتلة.
  4. قطاع البناء والإنشاءات الذي يشارك في توسعة المستوطنات وبناء الجدار العازل.
  5. المصارف وصناديق الاستثمار والتأمين التي تموّل المشاريع الاستيطانية أو تغطي مخاطرها.
  6. الجامعات ومراكز البحث التي تطوّر أبحاثًا وتقنيات عسكرية تُختبر على الفلسطينيين.
  7. سلاسل التجزئة والزراعة التي تستغل الأراضي المحتلة لتسويق منتجات تحت علامة «صنع في إسرائيل».

وترى المقررة أن هذه المنظومة تمثل «اقتصادًا مُمكّنًا للإبادة» لأنها تُمدّ آلة الاحتلال بالتمويل والشرعية التقنية والقانونية والبحثية.

 

المسؤولية القانونية والدعوة إلى المساءلة:

استند التقرير إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، ولا سيّما النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ليؤكد أن استمرار الشركات والمؤسسات في دعم الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن يرقى إلى «مساهمة متعمدة في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة». ولهذا دعا التقرير الدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية إلى اتخاذ إجراءاتٍ عملية، تشمل:

  • فرض عقوبات اقتصادية على الكيانات المتورطة.
  • تجميد الأصول ووقف تصدير الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام المزدوج.
  • التحقيق القضائي مع المسؤولين التنفيذيين في الشركات التي يثبت تورطها.
  • إلزام الدول والشركات بتعويض الضحايا الفلسطينيين عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة.

كما شددت المقررة على أن الحياد الاقتصادي غير ممكن في سياق الإبادة، وأن الصمت المؤسسي أو التواطؤ المالي يمثل مشاركةً فعلية في الانتهاكات.

 

السياق الأكاديمي والأهمية البحثية:

يُعدّ هذا التقرير وثيقةً مرجعية في فهم التداخل بين الاقتصاد السياسي والعدالة الدولية، إذ يربط لأول مرة بين البنية الرأسمالية العالمية وسياسات الاحتلال العسكري في فلسطين. ويفتح أمام الباحثين القانونيين والاقتصاديين والحقوقيين آفاقًا لدراسة المسؤولية المشتركة للشركات في النزاعات المسلحة، كما يوفّر مادة تحليلية يمكن البناء عليها في تطوير مبادئ قانونية جديدة حول "اقتصاد الإبادة".

 

دعوة إلى الفعل والمقاطعة المسؤولة:

يختم التقرير بدعوةٍ موجهةٍ إلى الدول والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني إلى مراجعة علاقاتهم التجارية والعلمية مع الكيانات المتورطة، والانخراط في مبادرات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، بوصفها أدواتٍ سلمية لمساءلة الاقتصاد الاستعماري ومناهضة الإبادة.

يمثل تقرير «من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة» لحظةً فارقة في الخطاب الأممي، إذ يتجاوز توصيف الانتهاكات إلى تحليل جذورها الاقتصادية وشبكات تمويلها. فهو لا يكتفي بتجريم الأفعال العسكرية، بل يوسّع دائرة المسؤولية لتشمل الشركات والمستثمرين والمراكز البحثية التي توفر الغطاء المادي والمعرفي للعدوان.

ويضع التقرير العالم أمام سؤالٍ أخلاقي وقانوني حاد:

هل يمكن الاستمرار في التعامل مع اقتصادٍ يُنتج الإبادة وكأنه جزءٌ من الاقتصاد العالمي الطبيعي؟

 

تحميل ملف التقرير باللغة الإنجليزية

__________

المصدر:

تقرير المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة: From Economy of Occupation to Economy of Genocide، مجلس حقوق الإنسان – الأمم المتحدة، الوثيقة رقم (A/HRC/59/23)، 2 يوليو 2025.

وقّع حاكم تكساس غريغ أبوت قانون مجلس النواب رقم HB 4211، الذي يستهدف تنظيم مشاريع سكنية يُشتبه بأنها تمييزية على أساس ديني، ويُلزم مطوّري المشاريع بالإفصاح عن طبيعة استثماراتهم ويمنع إحالة النزاعات إلى هيئات تحكيم خارج المحاكم الأمريكية والتكساسية.

 

مضمون القانون ونصّ التصريحات:

أُعلن عن توقيع القانون في 12 سبتمبر 2025، وخلال مراسم التوقيع أكّد أبوت أن الهدف من القانون هو حماية حرية الدين وصدّ استغلال بعض الجهات «ذات النوايا السيئة» -حسب تعبيره- التي يُزعم أنها سعت إلى إنشاء «مجمّعات تمييزية» دينيًا. وأشار في مؤتمره الصحفي إلى أن مشروعًا مرتبطًا بجامع يُعرَف باسم "EPIC" كان يخطط لإنشاء مجتمع "مخصّص للمسلمين فقط"، وادّعى أن القائمين عليه يسعون لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وفرض قيود على بيع العقارات.

وقبل التوقيع، نشر أبوت تغريدة عبر منصة X (تويتر) في 8–9 سبتمبر 2025 قال فيها: «وقّعتُ قوانين تحظر الشريعة الإسلامية ومجمعات الشريعة في تكساس. لن يخشى أي شخص أمثال هؤلاء الحمقى. وإذا حاول أي شخص فرض (الامتثال للشريعة) فليبلّغوا الجهات الأمنية». ركّزت هذه التصريحات على البعد الرمزي للحظر، رغم أن نصّ القانون HB 4211 لا يذكر الشريعة صراحة، بل ينظّم معاملات عقارية وإجراءات قانونية ضمن مشاريع محدّدة.

 

السياق القانوني والدستوري

يثير موضوع حظر "الشريعة" حساسيات دستورية مهمة في الولايات المتحدة. فالتعديل الأوّل للدستور الأميركي يمنع سنّ تشريعات تُفضّل دينًا على دين آخر أو تعرقل ممارسة الشعائر الدينية، ويؤمّن حماية حرية الدين لكل المواطنين. كما يحتوي دستور ولاية تكساس (المادة 1، القسم 6) على ضمانات قوية لحرية الضمير وحرية العبادة.

في تكساس سجّلت تشريعات سابقة تتعلق بمنع تطبيق القوانين الأجنبية أو الدينية في المحاكم. ففي 2017 أُقرّ ما عُرف بقانون منع تطبيق القوانين الأجنبية/الدينية في المحاكم التكساسية (قرار سابق لمجلس النواب)، كما توجد تشريعات لحماية حقوق غير المسلمين ومنع التمييز في مجال الإسكان. لذلك يرى كثير من الخبراء أن تبنّي حظرٍ عام على ما يُسمّى "الشريعة" قد يتعارض مع هذه الحصانات الدستورية، وقد يندرج تحت طائلة التمييز الديني.

كما أشار بعض المراقبين إلى سابقة قضائية في أوكلاهوما (2013) قضت فيها محكمة فيدرالية بعدم دستورية تعديل يمسّ سلطة المحاكم في النظر في "الشريعة" أو في القانون الدولي. وعبّرت جمعيات مهنية، بينها نقابات المحامين، عن معارضة لقوانين مماثلة بقولها إنها تتجاوز الحاجة وتخالف مبدأ الحياد الديني.

 

السياق السياسي والاجتماعي

ترافقت وفاة النقاشات حول القانون مع تصاعد خطاب معاداة المسلمين على الصعيدين الوطني والمحلي. شجّع هذا المناخ حملات من قِبل مجموعات يمينية وأفراد ناشطين في نشر تحذيرات عن "مناطق الشريعة" و"مشاريع مخصّصة"، مستهدفين مشاريع مثل مشروع EPIC City السكني المرتبط بمجمع مسجدي شمال دالاس.

في أبريل 2025، دعا بعض النواب الجمهوريين، بينهما السيناتور جون كورنين، وزارة العدل إلى التحقيق في المشروع بدعوى احتمال انتهاك الحقوق الدستورية لغير المسلمين. ومن منظوره، حاول الحاكم أبوت تصوير القانون على أنه حماية للمجتمع من "الفصل الديني" ودرء للمناطق المغلقة، فيما اعتبر بعض المحلّلين والحقوقيين القرار خطوة انتخابية تكتيكية تستهدف قاعدته المحافظة قبل الانتخابات المقبلة.

من جهتها، انتقدت منظمات مدنية مثل مجلس العلاقات الأميركية-الإسلامية كير (CAIR) تصريحات الحاكم، ووصفت دعوته إلى الإبلاغ عن أي "امتثال للشريعة" بأنها تصريحات مثيرة وسجّلت اعتراضًا واضحًا على وجود مزاعم لا أساس لها. وأكدت منظمات حقوقية ومسؤولون مسلمون أن المسلمين في تكساس لا يشكّلون تهديدًا قانونيًا وأن الحملات ضدّهم مبنية على معلومات مضلّلة.

 

الوضع القضائي والآفاق

لم تُبتّ بعدُ قضايا طعن مباشرة في نصّ القانون، لكن التوقّعات تشير إلى احتمال لجوء جهات مدافعة عن الحريات الدينية أو منظمات حقوق الإنسان إلى الطعن أمام المحاكم الفدرالية إذا ما ظهرت شكاوى تثبت التمييز. وتشير خبرات سابقة إلى أن قوانين مواجهة ما يُسمّى "الشريعة" قد تُعرض حرية الممارسات الدينية للخطر، وقد تُؤثّر سلبًا على مجموعات دينية مختلفة لا سيما الأقليات.

 

 

مقدمة

برزت منعطفات مهمة خلال التاريخ الإسلامي على مستوى الفكر والحركة. وتعتبر الثورة الإيرانية بدون شك إحدى هذه المنعطفات، حيث بلور مفكروها نقلة نوعية في الفكر الشيعي المعاصر. كما أضاف البعد الثوري الحيوية الحركية على هذا المضمون الفكري الجديد. وقد تعدت الآثار السياسية والفكرية للثورة الإيرانية حدود البلاد، سواء بصورة متعمدة فيما عرف بتصدير الثورة، أو عن غير قصد كنتيجة طبيعية للحدث البارز. والواقع، أن أهمية البعد الفكري لا تقل بأي حال من الأحوال عن دلالات البعد الثوري الحركي. فقد جاءت الثورة الإيرانية كنتاج لتحولات نوعية في الفكر الشيعي، تمخضت بدورها عن سلوكيات حركية متميزة في سجل الحركة الشيعية.

إن التفرد الشيعي في التاريخ الإسلامي يرجع بالأساس إلى عاملين. تجلى الأول في ظهور الشيعة حركة سياسية بالأساس معارضة، حيث خاضت معارك سياسية وحربية ضد الخلافة الأموية ومن بعدها العباسية. ويعبر العامل الثاني عن الدور المحوري الذي لعبه أئمة الشيعة في قيادة الحركة، حتى تاريخ الغيبة الكبرى لآخر الأئمة في القرن العاشر، والتي أدت إلى فقدان الشيعة لقيادتهم الروحية والسياسية، بينما استمر اضطهاد العباسيين لهم. ولذلك، طور فقهاء الشيعة فقه التقية، بمعنى الابتعاد عن الانخراط في الشؤون والممارسات السياسية، بغض النظر عن طبيعة الحاكم وسلوكياته. وفي غياب الإمامة وغلبة التقية السياسية، تعايش غالبية الشيعة مع الخلفاء والحكام المتعاقبين. إلا أن الثورة الإيرانية استطاعت إحداث تحول فكري هام، وهو بلورة مبدأ ولاية الفقيه، وبمقتضاه ينوب الفقيه عن الإمام في قيادة الجماهير الشيعية، على مستوى التوجيه الروحي والسياسي الحركي. وترجع الجذور الفكرية لمبدأ ولاية الفقيه إلى جهود مجموعة من علماء الفقه الشيعي، وعلى رأسهم الإمام آية الله الخميني.

وقد تعرض مبدأ ولاية الفقيه لعدة هَزَّات، على المستوى الفكري والإطار الحركي، قبيل وفاة الخميني وبعد وفاته. أدت هذه الهزات الفكرية إلى تحولات ملموسة في تطبيق مبدأ ولاية الفقيه مع اختيار علي خامنئي، المرشد الحالي للجمهورية الإيرانية، وشروعه في ممارسة سلطاته السياسية والروحية في البلاد وخارجها. وتعرض هذه الدراسة جذور مفهوم ولاية الفقيه وتحولاته، فضلًا عن آثاره السياسية، في الفقه الشيعي الإيراني. كما تناقش التحولات الفكرية والتطبيقية التي طرأت عليه بعد وفاة منظره آية الله الخميني عام 1989، والتحديات التي تواجه المبدأ على مستوى الفكر والحركة. وتقسم الدراسة إلى مبحثين، يركز الأول على الجذور التاريخية والأطروحات الفكرية المتعددة لمبدأ ولاية الفقيه وتطوره على يد آية الله الخميني. ويعنى المبحث الثاني بالتحولات النظرية والتطبيقية للمبدأ قبيل وفاة الخميني وبعدها، والتحديات التي تواجه المفهوم داخل إيران وخارجها.

 

المبحث الأول

ولاية الفقيه في الفقه الشيعي: الجذور التاريخية والتطورات الفكرية

الجذور التاريخية لمبدأ ولاية الفقيه

مر الفقه الشيعي بثلاث مراحل فيما يتعلق بالعلاقة بالسلطة السياسية. تمثل أولها في ظهور الشيعة كحركة سياسية معارضة، عانى مؤيدوها تحت إمرة أئمتهم الإثنى عشر من القمع الشديد خلال الحكم الأموي والعباسي. [1]واضطر الشيعة بنهاية هذه الحقبة في عام 260 هجريًا إلى مواجهة عواقب اختفاء الإمام الثاني عشر محمد العسكري، بما يعنيه ذلك من غياب القيادة السياسية والروحية. [2] وبناءً على ما اعتبر غيبة الإمام، طور فقهاء الشيعة مذهب التقية، حيث استمر افتقاد السلطة السياسية للشرعية في نظرهم، كما رفضوا استبدال قيادة الإمام الغائب بأية قيادة بديلة. [3]ودشن تأسيس الحكم الصفوي في إيران في القرن السادس عشر مرحلة جديدة للفقه الشيعي، حيث اعتبر المذهب الشيعي هو مذهب الدولة الرسمي. واستعان الصفويون بالعديد من العلماء الشيعة في المناصب الرسمية والاجتماعية، لإضفاء الشرعية على حكمهم، خاصة مع تأجج الصراع الصفوي- العثماني.[4] وقد تراجع الدور السياسي للفقهاء الشيعة في العهد القاجاري، لكنهم استمروا في التواجد على صعيد الشؤون الاجتماعية بقوة. [5] وبرغم التواجد الملموس لفقهاء الشيعة في العهد الصفوي والقاجاري، إلا أنهم استمروا بعيدين عن مراكز صنع القرار والقضاء.

ومع بداية القرن العشرين، دخلت إيران مرحلة جديدة بتعرضها لموجات من التحديث في عديد من مجالات الحياة. [6]وتراجعت أدوار الفقهاء الشيعة بصورة ملموسة، بعد تحالف نخبة المثقفين مع السلطة السياسية وقوات الاستعمار البريطاني لتغليب المؤسسات غير الدينية على المؤسسة الدينية. إلا أنه، واقعيًا، وبخلاف التحالف السابق بين السلطة والاستعمار والمثقفين، لم تكن هناك قوى مؤثرة في المجتمع سوى القيادات الدينية الشيعية. واستدعت الأوضاع السياسية والاجتماعية تحرك هذه القيادات فيما يتعلق ببعض القضايا المحورية في المجتمع، مثل قضية فتاوى التبغ (1891-1892)، والثورة الدستورية في عام 1906. [7] وأحيت قيادات هذه الثورة نظرية عن الحركية السياسية لأحد أبرز فقهاء الشيعة في القرن الحادي عشر الميلادي وهو الشريف مرتضي.[8] وبعد سقوط نظام مصدق عام 1953، أصبح فقهاء الشيعة مجددًا القوة الأكثر تأثيرًا وتماسكًا في المجتمع الإيراني، مما دفعهم لقيادة ما عُرف بالثورة البيضاء على حكم الشاه عام 1963. إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن القيادات الشيعية اهتمت بخروج الاستعمار من البلاد أكثر من تركيزها على إصلاح حكم الشاه. [9]

التطورات الفكرية لمبدأ ولاية الفقيه

يصعب القول بمسؤولية آية الله الخميني منفردًا عن تطوير مبدأ ولاية الفقيه. فمن ناحية، ظهرت عدد من المحاولات الفقهية السابقة حول تنشيط الحركة السياسية الشيعية، وكذلك تطوير الأدوار السياسية للعلماء كمندوبين عن الإمام الغائب.[10] وكان "محمد بن مكي الجزيني العاملي" في جبل عامل بلبنان عام (876هـ= 1471م) صاحب أول تطوير حقيقي في الفقه الشيعي فيما يتعلق بنظرية ولاية الفقيه، حيث وسع الجزيني نطاق عمل الفقهاء، التي كانت قاصرة على الفتاوى الفقهية وما يحصلونه من نسبة الخمس، وعمق تأثيرهم في حياة الشيعة مستندا إلى ما يسمى "نيابة الفقهاء العامة" عن "المهدي المنتظر"، وشملت هذه النيابة القضاء والحدود وإقامة صلاة الجمعة.[11]

ومن ناحية أخرى، قدم مفكر الثورة علي شريعتي أطروحته حول ولاية المفكر الملتزم، والتي تشابهت مع مفهوم ولاية الفقيه. وبرغم وجود بعض الاختلافات بين مبدأ ولاية الفقيه ومفهوم ولاية المفكر الملتزم، إلا أن أطروحة شريعتي مهدت الطريق لرؤية الخميني لتصل وتُقبل لدى قطاعات المثقفين. فقد اتفق المفهومان حول محورية دور القائد في تطوير الحركة السياسية الشيعية، وركزا على قيادته الروحية للأمة جنبًا إلى جنب مع القيادة السياسية. وطرحت فكرة شريعتي فقهاء الشيعة كأحد بدائل المفكر الملتزم المقبول كقائد، وهو ما استطاع الخميني التركيز على الجانب الديني فيه واعتبار الفقيه البديل الوحيد "المقبول" في قيادة الأمة، نظرًا لنيابته عن الإمام الغائب.

وتقوم الولاية لدى شريعتي على إعادة تفسير الشريعة الإسلامية بشكل يحررها من الممارسات الزائفة، وصياغتها بما يتناسب مع المستجدات المعاصرة.[12] وبرغم انطباق شروط المفكر الملتزم على فقهاء الشيعة، إلا أن شريعتي قيد ولايتهم باعتبارها لابد ألا تتعدى المرحلة الانتقالية، كما يجب أن تتم بصورة جماعية. [13]ولم يستطع شريعتي استبعاد فقهاء الشيعة من دائرة الفئات المقترحة للولاية، كما استبعد الخميني المثقفين، نظرًا لتماسك المؤسسة الدينية وقدراتها التنظيمية وسيطرتها الروحية على الجماهير. واشترط شريعتي في ولاية المفكر الملتزم؛ وجود المفكر الذي يملك الأيديولوجيا ولا يكتفي بالمعارف الدينية التقليدية. وكذلك، لابد من وجود الالتزام بمسار الرسول (ص) وآله وحوارييه، وثلاثيتهم وهي: العقيدة والوحدة والعدالة الاجتماعية، والتركيز على مقتضيات الأيديولوجيا: الإيمان والصراع والتضحية.[14]

مبدأ ولاية الفقيه قبل الخميني

ظهرت بعض الاجتهادات في فترة الثورة الدستورية (1905-1911) تسعى لإثبات التكليف الديني في مباشرة الفقيه للحقوق العامة، ولكن داخل هذه الجماعة تعددت الاجتهادات أيضا حول شكل الولاية وحدودها وسلطاتها، ومن هذه الاجتهادات:[15]

  • الولاية العامة لعامة الفقهاء:

ترتبط بولاية فقهاء الشيعة على الشؤون الاجتماعية والأحوال الشخصية لعموم الجماهير الشيعية. ومن أبرز الداعين إليها محمد مهدي نراقي كاشاني وآية الله العظمى كلبايكاني المتوفى عام 1993م.

  • ولاية شورى الفقهاء:

طالب آية الله العظمى السيد محمد شيرازي "بإنشاء مجلس فقهاء يتكون من أصحاب أعلى درجات العلم الديني لضمان الطابع الإسلامي للدولة. ويرى أن على كل آية عظمى في المجلس المقترح خدمة تابعيه في منطقته باعتباره مرجعهم الأعلى في المسائل الشرعية والاجتماعية والأخلاقية، وأن حل القضايا التي تتخطى حدود المناطق يتم باقتراع الأغلبية في المجلس.[16]

  • الولاية المقيدة بالانتخابات:

قدم الميرزا محمد حسين النائيني نموذج الولاية المقيدة بالانتخابات خلال الثورة الدستورية في إيران 1905-1911. فقد دعا إلى وجود هيئة دستورية متمثلة بالجمعيات العمومية، أو البرلمانات، أو المجالس التمثيلية، تكون قوة ضابطة ورادعة ومسددة. ويعتبر النائيني أن "صيغة الشورى لا تتناقض مع دور الفقيه في المذهب الإمامي، فالدور الذي تفرضه نيابة الإمام، والذي يتمثل في القيام بالوظائف الحسبية (...) مع عدم ثبوت النيابة العامة في جميع الوظائف، يندرج في نظام شوروي حيث تتحقق الشوروية الملية العمومية، لا مع البطانة وخواص شخص الوالي فقط، بل مع عموم الأمة."[17] ومن أبرز الداعين إلى هذا النموذج آية الله حسين علي منتظري وفقهاء حوزة مدينة قم الإيرانية.

  • الولاية الرشيدة:

شرح سيد محمد باقر الصدر نظرية "الخلافة الشعبية برقابة المرجعية الدينية"، معتبرًا أن الحقوق السياسية للشعب مستقلة عن الفقهاء بشكل رسمي، ويجب أن يكون هناك مزيد من الرقابة على وضع الفقهاء. وعلى المستوى التنفيذي يتم اختيار المرجع الديني بشكل اعتيادي تقليدي، وليست بالانتخابات الديمقراطية.[18]

  • الولاية المطلقة: ودعا إليها الإمام الخميني.

ولاية الفقيه لدى الخميني

انطلقت رؤية الخميني في ولاية الفقيه من عدة منطلقات. أولًا: اعتبر الخميني أن الحظر على النشاط السياسي لفقهاء الشيعة منذ غيبة الإمام الثاني عشر يعد من الأخطاء الكبرى. فمن ناحية، فإن الفقهاء والعلماء مسؤولين عن تطبيق أحكام الشريعة، والتي لم تنزل للتنفيذ فقط في القرنين الأوليين من الهجرة، أثناء عهد الرسول (ص) والأئمة. ومن ناحية أخرى، يعد تطبيق هذه الأحكام ضرورة في فترات الحكم المستبد، كما هو الحال في الظروف المعاصرة. [19]ثانيًا: إن العلماء هم أكثر الفئات علمًا بأحكام الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهم الأكثر قدرة على النيابة عن الإمام الغائب في تطبيق الشريعة. ولابد ألا تقتصر قيادة العلماء على القيادة الروحية، بل تمتد إلى الزعامة السياسية، تأسيًا بالأدوار السياسية للإمام الغائب. [20]

وبناءً على ذلك، فقد صاغ الخميني نظريته عن ولاية الفقيه، من حيث ضرورة ممارسة الفقهاء أدوار سياسية، بجانب الإرشاد الروحي للأمة. ويقوم العلماء بتعيين القيادات السياسية الأخرى وذوي المناصب التنفيذية، فليس من الضروري ممارسة الفقهاء للمناصب السياسية بأنفسهم. ويكون العلماء مسؤولين فقط أمام الحوزة، وليس تجاه الجماهير أو الفئات الأخرى من المجتمع. [21]

ارتكز الخميني على نظرية ولاية الفقيه المطلقة، والتي تعتمد على أربعة أركان أساسية:[22] أولًا: الولاية: ومعناها التصدي والأولوية في إنجاز شئون الآخرين، فالولاية هي القوامة على الناس، وليس للناس أي دخل في تنصيب أو عزل الولي الفقيه، أو في أعمال وإنجازات الولاية، فجميع الأوضاع العامة تضمن مشروعيتها بانتسابها للولي الفقيه، وينحصر دور الشعب -بشكل تشريعي- على الطاعة والتبعية الكاملة لأوامره ونواهيه، فهذه ولاية قهرية، وليست اختيارية، دائمة أبدية دوام العمر، وليست مؤقتة، عامة على الجميع بدون قيد أو شرط. ثانيًا: النصابة: ومعناها أن تعيين الشخص الصالح للحكم محدد من قبل الإمام الغائب، أي معهودة للفقهاء، ولا يمكن أن يتم اختيار "الولي الفقيه" بناء على رغبة الشعب. ويعزل الفقيه المفتقد لشروط الفقه والعدالة نفسه بنفسه أو بواسطة الله سبحانه.

ثالثًا: الإطلاق: بمعنى أن نطاق سلطة الولي الفقيه تنسحب على المجال العام وقضايا الحكم والسياسة، فلا يوجد ما هو خارج عن محيط ولاية الفقيه، لأن صلاحيات الولي الفقيه هي نفسها اختيارات النبي (ص) والأئمة. وتتمتع هذه الأمور فقط بوجوبية التبعية والإذعان الخاصة بالأمور الشرعية، بل إنها مقدمة كليًا على كل الأحكام الشرعية الفرعية. رابعًا: التفقه أو الفقهية: وتعد أهم الشروط الواجب توفرها لإدارة المجتمع، فالفقه يلعب دورا أساسيا في تشكيل المجتمع وأساليب إدارته، فكل تشكيل سياسي لا بد أن يعتمد على أسس فقهية، فللفقيه القدرة على حل كل مشاكل العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية، لقدرته على إرشاد المجتمعات.[23]

الجماهير في ولاية الفقيه

يلاحظ تغييب الخميني لأدوار الجماهير في بلورة النظام السياسي المستند إلى مبدأ ولاية الفقيه، متشابهًا مع علي شريعتي، فالولاية والقيادة للنخبة الدينية، كما الفكرية لدى شريعتي، بحيث تكتفي الجماهير بالاتباع. ورأى الخميني، أسوة بالدور التاريخي للجماهير الشيعية، ضرورة سريان اتباع الجماهير للولي الفقيه بصورة دائمة. فطالما امتلك الفقيه العلم والمعرفة بالأحكام الشرعية فهو واجب اتباعه. ولا يوجب الخميني على الفقيه الشفافية في اتخاذ القرار مع الجماهير أو المحاسبة، فهو مسؤول فقط أمام أقرانه من فقهاء الحوزة.[24]

وفي المقابل، اعتبر علي شريعتي اتباع الجماهير لولاية المفكر الملتزم مرحلي خلال فترة انتقالية، حتى تمتلك الجماهير الوعي الكافي للحركة. فالمفكر الملتزم يؤدي دورًا في تعريف الجماهير بالحضارة الإسلامية ورفع وعيها بالمعرفة المعاصرة، حتى تبلغ الوعي المناسب بقضايا الأمة، وتمارس دورها الحضاري. [25]كما أعطى فقهاء الشيعة الداعين لأشكال ولاية الفقيه الأخرى، مثل الولاية المقيدة بالانتخابات وشورى الفقهاء، مساحات متباينة لأدوار سياسية فعالة للجماهير الشيعية. إلا أنهم اتفقوا على الاستمرار في التقاليد الشيعية المتعلقة باعتبار الأئمة مراجع تقليدٍ للجماهير. وشدد الخميني على محورية دور الفتاوى والتقاليد الدينية في تأجيج حماس الجماهير للثورة، مستخدمًا فكرة الشهادة ونموذج الإمام الحسين للتركيز على ضرورة وإلحاح الثورة ضد الشاه. [26]وفي مراحل ما بعد الثورة، أكد الخميني على الأدوار التنفيذية للجماهير بدون مشاركة في عملية صنع القرار أو المحاسبة. فالعلاقة بين الفقيه والجماهير لدى الخميني علاقة هيراركية من الأعلى إلى الأسفل.

وفيما يتعلق بالمثقفين، وبرغم قبول علي شريعتي لإمكانية اعتلاء الفقهاء قمة نموذج المفكر الملتزم ذو الولاية، فإن الخميني لم يطرح هذه الرؤية، حيث الولاية للفقيه حصريًا. واقتصر دور المثقفين على الجوانب التنفيذية للحكم الخاضعة لسلطة الفقيه، كما الحال مع الجماهير. [27]فالفقيه الولي لدى الخميني عالم دين فقط. وبرغم دعوة الخميني إلى التجديد في تفسير الشريعة والابتعاد عن توافه الأمور، إلا أنه لم يركز على ضرورة إلمام الفقيه بالعلوم الحديثة أو الحرص على توعيته بالأبعاد الحضارية للإسلام. وفي المقابل، تعامل شريعتي مع المفكر الملتزم باعتباره يجب أن يكون ملمًا بالفكر والعلوم الحديثة، كما إلمامه بالإسلام كحضارة وليس قاصرًا على الأحكام. [28]

وبناءً على ذلك، فإن مبدأ ولاية الفقيه لم يبتكره آية الله الخميني من العدم، بل إن الجذور التاريخية للمبدأ تؤكد على جانبين. يتمثل الجانب الأول في وجود اجتهادات فقهية شيعية سابقة على جهود الخميني الفكرية، انصبت نحو بلورة أدوار سياسية، بدرجات متفاوتة، للفقهاء الشيعة، فضلًا عن قيادتهم الروحية للجماهير المتبعة. ويعبر الجانب الثاني عن وجود بيئة سياسية وفكرية مواتية لدى شيعة إيران في الستينيات والسبعينيات لظهور أطروحات تجسد محورية الزعيم الفرد في قيادة الأمة، سواء كان فقيهًا أو مفكرًا ملتزمًا. وقد مهدت هذه الاجتهادات الفقهية التاريخية والبيئة المواتية الطريق لمبدأ ولاية الفقيه لتبوء صدارة أطروحات الثورة، فضلًا عن دور شخصية الخميني الكاريزمية في تجسيد الزعيم القائد. وارتكزت أطروحة الخميني على الإطلاق في صلاحيات الولي الفقيه، مقابل تهميش الأدوار السياسية للجماهير والمثقفين، وغياب المحاسبة والشفافية في سلطات الولي وممارساته. 

 

 

* باحثة وأكاديمية مصرية.

[1] لمزيد من التفاصيل، انظر:

  1. Montogomery Watt, The Significance of The Early Stages of Imami Shi’ism, in Nikki R. Keddie (editor) Religion and Politics In Iran: Shi’Ism from Quietism to Revolution (New Havens, Yale University Press, 1983) pp21-23

[2]  لمزيد من التفاصيل، انظر:

 Ibid, pp23-32

[3]  لمزيد من التفاصيل حول نظرية الإمامة في الفقه الشيعي، انظر: أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي (لندن:  دار الشورى، 1997).

[4] Azar Tabari, The Role of The Clergy in Modern Iranian Politics, in Nikki R. Keddie (editor) op.cit., pp47-48; Hamid Alger, The Roots of The Islamic Revolution (Ontario, The Open Press, 1983) pp13-15

[5] Ibid, pp48-49

[6] Ibid, pp59-60

[7] لمزيد من التفاصيل، انظر: إبراهيم الدسوقي شتا، الثورة الإيرانية (القاهرة:  الزهراء للإعلام العربي، 1988)؛ وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في إيران الصفوية - القاجارية والدولة العثمانية (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2001).

[8] لمزيد من التفاصيل، انظر:

Juan R. Cole, Imam Jurisprudence and The Role The Ulama: Mortaza Anzari on Emulating The Supreme Example, in Nikki R. Keddie (editor) op.cit., pp33-47

[9] Khomeini, Hamid Algar (translator and annotator) Islam and Revolution: Writings and Declarations (Berkeley, Mizan Press, 1981) pp40-54

[10]  لمزيد من التفاصيل، انظر: محمد الأرناؤوط، جذور ولاية الفقيه ما بين لبنان وإيران، شبكة أقلام الثقافية، بدون تاريخ.

[11]  محمد الأرناؤوط، جذور ولاية الفقيه ما بين لبنان وإيران، المرجع نفسه.

[12] Hamid Algar, op.cit., pp 71-82; Shahrough Akhavi, Shari’ati’s Social Thought, in Nikki R. Keddie (editor) op.cit., pp136-140

[13] Ibid., pp 106-120

[14]  لمزيد من التفاصيل حول رؤية علي شريعتي حول مفهوم "ولاية المفكر الملتزم"، انظر: عبد الرزاق الجبران، علي شريعتي وتجديد التفكير الديني: بين العودة إلى الذات وبناء الأيديولوجية ( بيروت: دار الأمير للثقافة والعلوم، 2002) ص 259-287.

[15]  لمزيد من التفاصيل، انظر: مصطفى اللباد، حدائق الأحزان: إيران وولاية الفقيه (القاهرة، دار الشروق، 2006) نقلًا عن حامد محمود، ولاية الفقيه بين الفارسية والشيعية، islamonline.net، 9 يناير 2007.

[16]  ويلفريد بوختا، من يحكم إيران؟ بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دراسات مترجمة (17) (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 2003) ص 123.

[17]  وجيه كوثراني، مرجع سبق ذكره، ص 140-141.

[18]  محمد السعيد عبد المؤمن، المرجعية الشيعية في إيران والعراق، islamonline.net، 25 سبتمبر 2003.

[19] Khomeini, op.cit., pp40-54

[20] Ibid, pp55-65

[21] Gregory Rose, Velayat-e Faqih and The Recovery of Islamic Identity in The Thought of Ayatollah Khomeini, in Nikki R. Keddie (editor) op.cit, pp176-190;

عادل عبد المهدي، ولاية الفقيه: الديمقراطية والثيوقراطية، مجلة التوحيد (طهران: مؤسسة الفكر الإسلامي، السنة 16، العدد 92، يناير 1998)؛ علي الشفيعي، مشروعية ولاية الفقيه (طهران: مؤسسة الفكر الإسلامي، السنة 16، العدد 92، يناير 1998).

[22]  محمد السعيد عبد المؤمن، المرجعية الشيعية في إيران والعراق، islamonline.net، 25 سبتمبر 2003.

[23]  المرجع السابق.

[24] Gregory Rose, op.cit, pp 176-180; Khomeini, Islam and Revolution, op.cit, pp 75-125

[25]  عبد الرزاق الجبران، مرجع سبق ذكره، ص 259-287.

[26] Khomeini, Islam and Revolution, op.cit, pp 174-176, 200-207, 212-227, 239-240

[27] Greory Rose, op.cit, 175-185

[28] Hamid Algar, op.cit, pp 71-82;

علي شريعتي، إبراهيم شتا (مترجم) العودة إلى الذات (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1986) ص 115-127.

يُعَدّ الدكتور فتحي عبد القادر الدريني (1923–2013م) أحد أبرز أعلام الفكر الفقهي والأصولي في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين. جمع بين الدراسة الشرعية العميقة والتكوين القانوني والفلسفي الحديث، فأسهم في تطوير منهج الاجتهاد المقاصدي، وإعادة بناء العلاقة بين الشريعة والقانون على أسس عقلانية ومنهجية. وقد مثّلت أعماله الفكرية جسرًا بين الأصالة الفقهية وروح العصر، وتجلّت رؤيته في العناية بالتنظير الفقهي، والمقارنة التشريعية، والبحث في مقاصد الشريعة وأخلاقيات التشريع.

 

أولًا: المولد والنشأة العلمية

وُلِدَ الدكتور فتحي الدريني في مدينة الناصرة عام 1923م، حيث أنهى دراسته الثانوية في فلسطين، ثم توجَّه إلى مصر فالتحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ونال شهادتها بتفوّق عام 1950م، ومنحه رئيس الوزراء حينها جائزة لتفوقه.

ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، فحصل على شهادتها في العلوم السياسية عام 1954م.
نال درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله بمرتبة الشرف الأولى من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1965م.

كما حصل على دبلوم العلوم السياسية (دراسات عليا) من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ودبلوم العلوم القانونية من معهد البحوث والدراسات القانونية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، والعالمية مع إجازة في القضاء الشرعي من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والعالمية مع الإجازة في التدريس من كلية اللغة العربية بالأزهر، ودبلوم في التربية وعلم النفس من كلية التربية بجامعة عين شمس، فضلًا عن ليسانس في الآداب من جامعة القاهرة، وليسانس في الشريعة من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.

 

ثانيًا: الوظائف العلمية

سافر إلى دمشق، حيث عُيِّن مدرسًا في دار المعلّمين، ثم في كلية الشريعة بجامعة دمشق معيدًا حتى عام 1960م، حين أوفدته الجامعة في بعثة علمية إلى مصر، فنال الدكتوراه عام 1965م.
اختارته كلية الحقوق في جامعة دمشق أستاذًا لتدريس مواد الشريعة والقانون وأصول التشريع الإسلامي لسنوات عديدة، ثم تولّى عمادة كلية الشريعة في الجامعة ذاتها.

ظلّ يُدرّس حتى أُحيل إلى التقاعد عام 1988م، ثم انتقل إلى الأردن بطلب منها، حيث كان قد خرّج عددًا من أساتذة كلية الشريعة في عمّان أثناء عمله في دمشق.

عُيِّن أستاذًا للدراسات العليا في قسم الدكتوراه الذي أنشأه بنفسه في الكلية، واستمر في التدريس حتى عام 2001م، مع تدريسه في قسمي الماجستير والدكتوراه. كما درَّس في الجزائر أربع سنوات، وفي السودان سنتين.

 

ثالثًا: مشروعه الفكري

تميّز فكرُ الدكتور الدريني بتنوّع روافده بين الفقه والقانون والفلسفة والأدب، وتجلّت ملامح مشروعه العلمي في محاور عدة، من أهمها:

1) السياسة والحكم:

انشغل بالفلسفة التشريعية التي يقوم عليها النظام الإسلامي في الحكم وإدارة المجتمعات، محللًا الظواهر بمنهج منطقي عقلي، ومقارنًا بينها وبين نظم الحكم الوضعية.

ويرى أن الفقه السياسي الإسلامي لم يُدرَس بالتحليل الاستقرائي الكافي الذي يكشف فلسفته التشريعية الكامنة خلف نصوصه، إذ يقول:

»إن الفقه السياسي الإسلامي بوجه عام وخصائص تشريعه بوجه خاص لم يُعالج أيٌّ منهما بالاستقراء والتحليل المنطقي موضوعًا وحكمًا ومقصدًا معالجةً تنفذ إلى الفلسفة التشريعية التي تنهض عليها مبادئه العامة وأصوله الكلية».

2) تنظير الفقه الإسلامي:

سعى الدريني من خلال كتاباته إلى إثبات قدرة الفكر الفقهي على وضع أطرٍ كليةٍ ومنظوماتٍ نظرية تستوعب الجزئيات، وترتقي بالفقه من معالجة الفروع إلى استكشاف الأسس والمقاصد الجامعة.

3) معالجة مستجدات العصر:

تناول قضايا معاصرة بجرأة علمية، رابطًا بين الحكم الشرعي ومقاصده الاجتماعية والاقتصادية. ففي بحثه عن حقوق الابتكار، كتب يقول:

«والموضوع حيوي وواقع في عصرنا وله نطاق عالمي، فلا يجوز أن يكون مصيره الإهمال تحريًا لما هو الحق عند الله تعالى».

4) المقارنة التشريعية ومنهجه:

اعتمد الدريني المنهج المقارن لا لمجرد عرض الفروق، بل للنقد والتقويم وإبراز تفوق الفقه الإسلامي في معالجاته.

  • في قضية الباعث في العقود، رأى أن الفقه الإسلامي ذو نزعة مثالية تُعلي من شأن القيم الأخلاقية، بخلاف الفقه الوضعي الذي يميل إلى النزعة المادية.
  • وفي مسألة الإيصاء، بيّن الفرق بين حرية الموصي المطلقة في القانون الفرنسي، وتقييدها في الفقه الإسلامي تحقيقًا للعدالة بين الورثة.
  • وفي نظرية التعسف في استعمال الحق، أثبت بالأدلة النقلية والأصولية أن الفقه الإسلامي سبق القوانين الوضعية في تقرير هذه النظرية، مؤكدًا أن النصوص الشرعية والقواعد الكلية تضمّنت بذورها الأولى قبل تدوينها فقهيًا.

 

رابعًا: مؤلفاته

خلّف الدكتور فتحي الدريني تراثًا علميًا زاخرًا من المؤلفات، من أبرزها:

  1. المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي.
  2. حق الابتكار في الفقه الإسلامي.
  3. الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده.
  4. خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم.
  5. نظرية التعسف في استعمال الحق.
  6. أصول المعاملات في الفقه الإسلامي.
  7. بحوث ودراسات في الفكر الإسلامي المعاصر.
  8. النظريات الفقهية.
  9. بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي.

 

خامسًا: وفاته

تُوفي الدكتور فتحي الدريني يوم السبت 22 رجب 1434هـ، الموافق 1 يونيو 2013م في سوريا، بعد أن خلّف إرثًا فقهيًا وقانونيًا عظيمًا ترك بصمته على الفكر الإسلامي المعاصر، وجيلٍ كامل من الباحثين في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

 

المراجع

  • فتحي الدريني، حق الابتكار في الفقه الإسلامي المقارن، مؤسسة الرسالة، ط2، 1402هـ/ 1981م.
  • فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، مؤسسة الرسالة، ط2، 1434هـ/ 2013م.
  • رابطة العلماء السوريين، طارق شيخ إسماعيل، «العلامة الفقيه فتحي الدريني»، 5 مايو 2013م.
  • فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، مؤسسة الرسالة، ط3، 2013م.
  • فتحي الدريني، النظريات الفقهية، منشورات جامعة دمشق، ط4.

 

يواجه الواقع التشريعي والقانوني في عالمنا العربي والإسلامي إشكالية التباين بين المرجعية الشرعية الإسلامية الأصيلة، التي شكّلت عبر قرون أساس النهضة المدنية ومصدرًا للعدالة والاستقرار، وبين القوانين الوضعية الوافدة التي فُرضت في عصور الاستدمار وما بعدها. وقد برزت في هذا السياق محاولات للتأصيل الشرعي لهذه القوانين، عبر ردّها إلى الشريعة الإسلامية وإلى الفقه الآخذ عنها ما أمكن، وكشف ما يصادم منها هذه المرجعية، وهو اتجاه جدير بالاهتمام والتطوير. ومن هنا يقدّم موقع "حوارات الشريعة والقانون" دليلًا بيبليوغرافيًا لأهم المؤلفات التي سلكت هذا المنهج؛ ليكون أداة علمية نافعة للباحثين ورجال القانون، مع تحديثه المستمر بما يستجد من دراسات في هذا الحقل.

وقد رأينا أن نقسم المكتبة التأصيلية على النهج المعاصر، بحسب فروع القانون الآتية:

أولًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون المدني.

ثانيًا:  كتب ودراسات التأصيل الشرعي في فلسفة القانون وتاريخه.

ثالثًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الجنائي.

رابعًا:  كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدولي.

خامسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدستوري.

سادسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الإداري.

 سابعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القوانين التجارية و(المصرفية).

ثامنًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام قانون المرافعات.

تاسعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام قانون الإجراءات الجنائية.

عاشرًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام التشريعات الاجتماعية وقانون العمل.

حادي عشر: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام الأحوال الشخصية.

 

ثانيًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي في فلسفة القانون وتاريخه (الجزء الأول)

  1. أبحاث في التاريخ العام للقانون، بحث الشريعة الإسلامية نشأتها وتطورها وانتشارها، علي بدوي، مطبعة مصر، 1947م.
  2. أثر المصلحة في تشريع الأحكام بين النظامين الإسلامي والإنجليزي، مجيد حميد العنبكي، رسالة ماجستير بكلية القانون والسياسة، جامعة بغداد، متوفرة بكلية الحقوق- جامعة القاهرة، تحت رقم (141/1).
  3. أثر الوعي الإسلامي في النهضة القانونية الأوربية في العصور الوسطى دراسة تاريخية تحليلية، أحمد محمد بخيت، مجلة الأمن والقانون، دبي، السنة التاسعة، العدد الثاني، 1422هـ، 2001م.
  4. الاجتهاد الجماعي وأهميته في مواجهة مشكلات العصر، ودور المجامع الفقهية في تطبيقه، شعبان محمد إسماعيل، دار السلام، الطبعة الأولى، 2011م.
  5. الاجتهاد -النص- الواقع، أحمد الريسوني، الشبكة العربية للأبحاث، مصر، 2013م.
  6. الاجتهاد في الإسلام، أصوله -أحكامه - آفاقه، نادية شريف العمري، مؤسسة الرسالة، مصر، 1985م.
  7. الاجتهاد، محمد مصطفى المراغي، مؤسسة مفكرون للنشر، مصر، 2019م.
  8. الإجماع في الشريعة الإسلامية، أحمد محمد حسن، رسالة ماجستير بكلية الحقوق، القاهرة، (متوفرة بمكتبة الكلية تحت رقم 150 لعام 1952م).
  9. أزمة قاعة البحث القانوني في ضوء سمو القانون الإلهي على التشريع، أحمد محمد حشيش، مجلة مصر المعاصرة، مصر، أكتوبر 2005م، العدد 480.
  10. الاستحسان: حقيقته - أنواعه - حجية تطبيقاته المعاصرة، يعقوب عبد الواهب الباحسين، مكتبة الرشد، الرياض، 2007م.
  11. الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقهها، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، 1408ه/ 1988م.
  12. أصول الفقه الإسلامي، محمد كمال إمام، دار المطبوعات بالإسكندرية، مصر، 2014م.
  13. أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ/1986م.
  14. أصول القانون مقارنة بأصول الفقه، محمد عبد الجواد، منشأة المعارف، مصر، 1991م.
  15. أصول القانون، عبد الرزاق السنهوري، وأحمد حشمت، مطبعة القاهرة، مصر، 1950م.
  16. أهداف القانون بين النظرية والتطبيق، محمد جمال عطية عيسى، المجلة القانونية الاقتصادية، الزقازيق، العدد السابع 1995م.
  17. بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، صوفي أبو طالب، دراسة محمد عمارة، ط الأزهر، 1434هـ.
  18. تأثير الفقه الإسلامي على تكوين القانون الإنجليزي، برهان محمد عطا الله، مجلة قضايا الدولة، العدد 53، يوليو، 2009م.
  19. التاريخ الاجتماعي للقانون في مصر الحديثة- العصر العثماني، محمد نور فرحات، مكتبة الأسرة، مصر، 2012م.
  20. التاريخ العام للقانون في مصر القديمة والحديثة، شفيق شحاتة، المطبعة العالمية، مصر، 1962م.
  21. تاريخ الفقه الإسلامي ونظرية الملكية والعقود، بدران أبو العينين بدران، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999م.
  22. تاريخ الفقه الإسلامي، محمد أحمد سراج، وأحمد فرج حسين، دار المطبوعات بالإسكندرية، مصر، 1999م.
  23. تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، وائل حلاق، ترجمة أحمد الموصلي، دار المدار الإسلامي، ليبيا، 2007م.
  24. تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، صوفي أبو طالب، دار النهضة العربية، مصر، 2007م.
  25. تجديد الفقه الإسلامي، جمال عطية، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الثانية 2002م.
  26. تجديد النظرية العامة للقانون، نحو توظيف أصول الفقه الإسلامي في بناء أصول القانون، مصطفى محمد الجمال، دار الفتح، مصر، 2002م.
  27. تحويل المرجعية التشريعية في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، طارق البشري، القاهرة: مركز البحوث والدراسات الاجتماعية. كلية الآداب- جامعة القاهرة، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، 2002م.
  28. تحويلات الفكر القانوني في العصر الحديث، محمد علي الصافوري، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية كلية الحقوق جامعة المنوفية، مصر، 2014م، العدد 27.
  29. التشريع الإلهي والتشريع الإنساني والقانون في التاريخ القانوني الإسلامي، محمد علي الصافوري، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية بالمنوفية،مصر، عدد أكتوبر، 2002م.
  30. التشريع بين الفكر الإسلامي والنظم الغربية، أبو الوفا محمد أبو الوفا، مجلة مصر المعاصرة، مصر، عدد 453- 454، يناير 1999م.
  31. تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، صوفي أبو طالب، دار النهضة العربية، مصر، الطبعة الثالثة 1990م.
  32. تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر الحديثة: دراسة في التطور القضائي والفقهي والتشريعي، علي عمر الفاروق، رسالة دكتوراه بإشراف محمد كمال الدين إمام، الإسكندرية، مصر، 2012م، رقم (1/314).
  33. تطبيق القوانين الأجنبية في مصر الإسلامية في ضوء فلسفة القانون وتاريخه، أنور حلمي عبد الهادي رسالة دكتوراه بإشراف صوفي أبو طالب، القاهرة 2006م، رقم (2/339).
  34. التطور التاريخي للنظام القانوني في مصر الإسلامية ومشاكل تطبيق الشريعة الإسلامية، محمد محمد أبو سليمة، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، رقم (1/129).
  35. تطور مفهوم العدالة دراسة فلسفية وتاريخية مع التطبيق على بعض القضايا المعاصرة، أحمد عبد الحليم العطار رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة المنوفية، مصر، رقم (586/2).
  36. تفسير النصوص في القانون والشريعة، محمد صبري السعدي، دار النهضةالعربية، مصر، ط1، 1399هـ/ 1979م.
  37. تكوين الشرائع وتاريخ القانون المصري، د عمر ممدوح مصطفى، مطبعة دون بوسكو الإسكندرية، مصر، 1958م.
  38. التنظير الفقهي، جمال الدين عطية، الطبعة الأولى، المؤلف هو الناشر، 1407ه/ 1987م.
  39. دراسة في تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر، فتحي المرصفاوي، دار الفكر العربي، مصر، 1981م.
  40. السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمن تاج، تقديم محمد عمارة، ط الأزهر، مصر، 2013م.
  41. العقل عند الأصوليين، عبد العظيم الديب، دار الوفاء بالمنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1415هـ/ 1995م.
  42. العقيدة والشريعة في الإسلام، تاريخ التطور العقدي والتشريعي في الدين الإسلامي، جولدتسيهر، ترجمة: محمد يوسف موسى، وعلى حسن عبد القادر، وعبد العزيز عبد الحق، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مصر، عام 2013م.
  43. علم أصول الفقه وعلم أصول القانون، محمد زكي عبد البر، حولية كلية الشريعة، جامعة قطر، 1403هـ.
  44. علم أصول الفقه ويليه تاريخ التشريع الإسلامي، أحمد إبراهيم بك، دار الأنصار، مصر، 1939م.
  45. علم أصول الفقه، وخلاصة تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الوهاب خلاف، دار الفكر العربي، 1428هـ/2007م.
  46. علم أصول القانون، عبد الرزاق السنهوري، مطبعة فتح الله، مصر، 1936م.
  47. الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، محمد أحمد سراج، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1997م.
  48. فقه الواقع أصول وضوابط، للدكتور أحمد بوعود، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 2006م.
  49. فلسفة التشريع في الإسلام، صبحي المحمصاني، دار الكشاف، بيروت، 1365ه/ 1946م.
  50. فلسفة النظم القانونية وتطورها، فايز محمد حسين محمد، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2015م.
  51. فن الصياغة الفقهية تشريعًا وفقها وقضاء، عبد القادر الشيخلي، دار الثقافة، عمان، 1995م.
  52. في تاريخ التشريع، كولسون، ، ترجمة محمد أحمد سراج، دار المؤسسات الجامعية، مصر، ط1، 1992م.
  53. القانون الروماني والشريعة الإسلامية، صوفي أبو طالب، ط1، الأزهر، مصر، ذي القعدة، 1434هـ.
  54. القواعد الكلية في الفقه الإسلامي، أحمد يوسف، دار الزهراء، (دون ذكر سنة النشر).
  55. مبادئ تاريخ القانون، صوفي أبو طالب دار النهضة العربية، مصر، 1387هـ - 1967م.
  56. المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 142هـ/2004م.
  57. المدخل إلى السياسة الشرعية، عبد الرحمن تاج، طبعة الأزهر، مصر، 2013م.
  58. المدخل إلى السياسة الشريعة، عبد الأحمد عطوة، تعليق محمد عمارة، طبعة الأزهر، مصر، 2013م.
  59. المدخل لدراسة علم أصول القانون وأصول الفقه، دراسة مقارنة، ماهر عبد المجيد عبود، مؤسسة الضحى، مصر، الطبعة الأولى، 2011م.
  60. المدخل للعلوم القانونية (النظرية العامة للقانون والنظرية العامة للحق)، عبد المنعم البدراوي، دار الكتاب العربي، مصر، 1962م.
  61. المدخل للفقه الإسلامي- تاريخه- نظريته- مصادره العامة، محمد سلام مدكور، دار الكتاب الحديث، مصر، 1969م.
  62. المدخل للفقه الإسلامي، تاريخه، نظريته، مصادره العامة، محمد سلام مدكور، دار الكتاب الحديث، مصر، 1969م.
  63. مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، عبد الوهاب خلاف، دار القلم، دمشق ، 1982م.
  64. مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1425هـ/ 2004م.
  65. المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، مصر، ط3، 2013م.
  66. موسوعة القواعد الفقهية، محمد صدقي بن أحمد البرونو، مؤسسة الرسالة، مصر، الطبعة الأولى، 1424هـ/2003م.
  67. نحو تجديد الفكر الاجتهادي، جمال عطية، مجلة المسلم المعاصر، مصر، العدد 69، 2000م.
  68. نحو تفعيل مقاصد الشريعة، جمال عطية، دار الفكر، دمشق، 1424ه/ 2003م.
  69. الندوة الرابعة عشر بعنوان تطور العلوم الفقهية - فقه العصر - مناهج التجديد الديني والفقهي - محور الأصول النظرية لفقه العصر ومسارات الإصلاح في الفقه والأصول، تقديم عبد المحمود أبـّو. الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد، الســـــودان - 5- 8 أبريــل 2015م.
  70. نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، وائل حلاق، ترجمة رياض الميلادي، دار المدار، ليبيا، 2007م.
  71. نظرات عامة في تاريخ الفقه الإسلامي (تطوره وتأثيره في القوانين الغربية)، محمد أحمد سراج، دار الفكر العربي، مصر، 1991م.
  72. نظرية الحكم الشرعي والقاعدة القانونية، الأساس والخصائص، حسن سالم مقبل، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، (1/159).
  73. نظرية المقاصد الشاطبي، بحث مسالك الاجتهاد المقاصدي، أحمد الريسوني، طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مصر ، 2015م.
  74. الواقع والمثال في الفكر الإسلامي المعاصر، جمال الدين عطية، دار الهادي، لبنان، 2001م.
  75. الوضع القانوني بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، طارق البشري، مقال بمجلة الأزهر، مصر، عدد شوال 2011م.

مقدمة:

حين شرعت في إعداد رسالتي لنيل درجة الدكتوراه عن موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية المقررة لذلك، فوجئت بكم كبير من السجالات والانقسامات حول مصطلحات ومفاهيم وقضايا ومسائل كنت أظنها محسومة ولا خلاف كبير حولها، مثل: مصطلح "الشريعة الإسلامية" المراد تطبيقها، ومفهوم "تطبيق الشريعة الإسلامية"، وكون الشريعة الإسلامية ظلت هي السائدة في مصر منذ فتحها على يد الصحابي عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، وحتى إحلال القانون الوضعي محل الشريعة على يد الاحتلال الإنجليزي، ومثل أن هذا الإحلال وجد رفضا ومقاومة من المصريين، وأنهم لا يزالون يحلمون بعودتها وريادتها من جديد... إلخ.

وقد وجدت كذلك سطحية كبيرة في فهم الشريعة الإسلامية، وفي النظر إلى أولويات تطبيقها، كما وجدت أن هناك من اختزلوا تلك الأولويات في الحدود الشرعية وحجاب المرأة وتحريم الربا، فركزوا على المطالبة بها، بينما واجههم آخرون ركزوا على رفضها، بل ولم يعترفوا بتلك الأحكام ودفعوا بـ "تاريخيتها"، أي بأنها كانت مخصصة لعصرها فقط، أو بالكثير حتى دخول الإنسان في عصر "الحداثة"، و"ما بعد الحداثة"، حيث أصبحت الشريعة غير ملائمة لعصرنا، ومن ثم فإن المطالبين باستعادة مرجعيتها "متخلفون" عن العصر!

لاحظت كذلك أن البعض تصور القضية صراعًا -يستحيل إنهاؤه- بين الشريعة والقانون، ثم لمست كم جرى تسييس القضية برمتها من غالبية الأطراف المتصارعة، حتى باتت قضية "تطبيق الشريعة الإسلامية" مجرد شعار انتخابي يرفعه نادرًا مرشحو الدولة، وغالبًا جانب من قوى المعارضة، كما رأيت كيف أصبح كثير من الشباب ضحايا لهذا الصراع فتحولوا بدورهم إلى (جناة) في حق مجتمعاتهم من حيث أرادوا إصلاحه، فرفعوا راية العنف لإجبار الدولة على تطبيق شرع الله- من وجهة نظرهم!

وفي ظل هذه المتاهة -وأنا القانوني الباحث عن الحقيقة وراء إقصاء شريعة الإسلام عن مرجعية التشريع، وكيف تعود لها الريادة من جديد- كان من الطبيعي أن أبحث عن مرافئ لسفينتي التي أبحرت بها في خضم من العواصف والأنواء، وأنا لست بالخبير، بل مجرد شاب متحمس لدينه يريد أن يضع نفسه في خدمته، حتى رست بي هذه السفينة أخيرًا عند مدرسة ليست كسواها، تحمل هم الشريعة ولكنها لا تكره القانون، تحب الوطن ولا ترى في هذا تعارضا مع حبها للإسلام وأمته، تثق في الفقه الإسلامي ولكنها تسعى إلى (تجديده) لتغير حال المسلمين وتبدل وضعهم في العالم وانحداره، من رواد إلى ضحايا للاستعباد، فتدفع كل الهجمات "الحمقاء" التي تذهب بنا إلى (تبديده)، وتعلم أن السياسة هي من الدين بالضرورة، ولكنها ترفض أي محاولة للتوظيف السياسي الانتهازي لشريعته، كما ترفض المتاجرة بتلك القضية الحضارية وإخضاعها للأهواء السياسية.

هذه هي مدرسة "المنظور الحضاري" التي اتسعت نظرتها، لقضية تطبيق الشريعة، لترى فيها قضية دين وهوية، وأمة تحولت من الشهود الحضاري إلى خصم ضعيف يتلاعب به الجبابرة، ومن ثم أدركت أنها في حقيقتها قضية استقلال حضاري عن "احتلال قانوني" يعد جزءًا من احتلال أشمل، جثم على أراضي الأمة الإسلامية وعقلها وإرادتها.

وكان من حسن الحظ أن هذه المدرسة التي وضع أساسها كل من عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا ومالك بن نبي وعلي شريعتي وآخرون، قد خلفت تلاميذًا نجباءً في مجال الشريعة والقانون، المجال الذي أبحث فيه، فإذا بي أجد أستاذنا الدكتور أحمد كمال أبو المجد الذي قبل الإشراف على رسالتي على الفور، والمستشار طارق البشري الذي كان بمثابة أب روحي ومرشد لي في مسيرتي حتى النهاية، ود. جمال الدين عطية الذي كان بمثابة المثال الذي يواجه الواقع البائس الذي ذكرته، ود. محمد سليم العوا الذي عرفتني كتاباته كيف أن النظام السياسي في الإسلام أوسع من مجرد دعوة لاستعادة الخلافة الإسلامية بشكلها التقليدي الذي كانت قد انتهت إليه وعليه.

ثم كان لقائي مع علم آخر من أعلام هذه المدرسة، يحمل جيناتها نفسها، ويمتاز بالعقلية الراشدة ذاتها، غير أنه اختار سبيلا موسوعيًا امتاز به عن كل هؤلاء الأعلام الأفذاذ الذين ذكرتهم، إنه أستاذنا الدكتور محمد كمال إمام، رحمه الله، والذي رحل عن دنيانا منذ عدة شهور فقط (بالتحديد في الثامن من أكتوبر سنة 2020م).

وتلك هي الشخصية الكبيرة محل هذه الدراسة، والتي سنستعرض من خلالها ما اتصف به أعلام مدرسة المنظور الحضاري في مجال التشريع الإسلامي من سمات تميزها عن غيرها، مع التركيز على ما اختص به الدكتور محمد كمال إمام من صفات جعلت منها نموذجًا فاعلا يستحق التنويه والاحتذاء، لاسيما من المهتمين بقضية تحكيم الشريعة.

فمن هو الدكتور محمد كمال إمام؟ وما الصفات التي اتسم بها وجعلته من رواد الفقه المقارن في مصر والعالمين العربي والإسلامي؟

هذان هما السؤلان اللذان ستحاول هذه الدراسة الإجابة عنهما.

أولًا: التعريف بالدكتور محمد كمال الدين إمام([1]):  

اسمه بالكامل: محمد كمال الدين إمام نور الدين خليل، ولد في مدينة (إسنا) التي تتبع حاليًا محافظة قنا بجمهورية مصر العربية، بتاريخ: 20/4/1946م، وقد حصل على درجة الليسانس في الحقوق، من كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، ثم على دبلوم الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية الذي قدم فيه بحثًا بعنوان: "فكرة الحرب في الإسلام"، كما حصل على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، حيث قدم خلاله بحثًا بعنوان: "العرف الدستوري ما بين الشريعة والقانون"، وبعد ذلك حصل د. إمام على الدكتوراه في الحقوق بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف عام ١٩٨٠م، في القانون المقارن، في موضوع: "أساس المسؤولية الجنائية- دراسة مقارنة بين القانون الفرنسي والشريعة الإسلامية".

وكانت باكورة أعمال د. محمد كمال الدين إمام الرائدة أنه كان من مؤسسي إذاعة القرآن الكريم في مصر، والتي تأسست عام 1963م، ثم حذت حذوها الكثير من الإذاعات الأخرى حول العالم، وسُميت بالاسم نفسه غالبًا، غير أن إذاعة القرآن الكريم المصرية ظلت هي الإذاعة الأكثر استماعًا على مستوى الإذاعات كلها في جميع دول العالم، وفق إحصاء الأمم المتحدة، وقد بدأ د. إمام العمل بها كأول مذيع على الهواء (أي مذيع مباشر)، حتى وصل إلى منصبي كبير مذيعي إذاعة القرآن الكريم والمدير التنفيذي بها.

وقد تولى د. إمام العديد من المناصب الأكاديمية، ومنها:

  • أستاذ مساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام 1983م.
  • أستاذ مساعد ورئيس قسم لشريعة الإسلامية بجامعة المنيا، عام 1992م.
  • أستاذ مساعد ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة بيروت العربية، عام 1994م.
  • أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
  • أستاذ متفرغ بكلية الحقوق الإسلامية عام 2006م، حتى وفاته عام 2020م.

وأشرف خلال توليه تلك المناصب الأكاديمية على أكثر من خمسين رسالة دكتوراه وماجستير في جامعات: الإمام محمد بن سعود، وجامعة القاهرة، وجامعة الإسكندرية، وجامعة المنيا، وجامعة جنوب الوادي، وجامعة بيروت، وناقش عشرات الرسائل في أغلب جامعات مصر، كما قام بتحكيم عدد من أعمال الترقية لدرجة أستاذ في مصر، والسعودية، والكويت، والأردن.

وقام د. إمام بالعديد من المهام العلمية الأخرى عبر عضويته في العديد من اللجان والمجالس والمراكز البحثية حول العالم، ومن ذلك أنه كان عضوًا في:

  • اللجنة القومية للإصلاح التشريعي بجمهورية مصر العربية.
  • المجالس العلمية بالمعهد العالي للدعوة والإعلام بالرياض عام 1983م.
  • مجلس إدارة مركز الحوار بالأزهر الشريف.
  • اللجنة الاستشارية للمجلة العلمية لجامعة الإمام محمد بن سعود 2009م.
  • اللجنة الاستشارية لمجلة دار الإفتاء المصرية.
  • اللجنة الاستشارية لمجلة دور الإفتاء بالعالم.
  • مجلس إدارة مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية (في لندن).

فضلا عن تولي د. إمام لعدد من المناصب الأخرى في الأزهر الشريف، ومنها أنه كان المستشار القانوني لجامعة الأزهر (2007-2008م)، ومستشارًا لشيخ الأزهر (الإمام الأكبر أحمد الطيب حفظه الله)، كما أنه اختير كبيرًا لخبراء (مكتبة الإسكندرية) لمشروعات النهضة، ومديرًا لتحرير مجلة المسلم المعاصر لمدة تزيد على عشرين عامًا، ثم رئيسًا لتحرير المجلة نفسها من عام 2017م حتى وفاته رحمه الله.

وشارك الدكتور إمام في عدد كبير من المؤتمرات العلمية في العديد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية، منها في السعودية: مؤتمرات رابطة العالم الإسلامية ومؤتمرات وزارة الحج، ومؤتمرات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومنها في أوروبا: مؤتمر القمة لحوار الأديان بنيويورك، ومؤتمرات الفاتيكان لحوار الأديان.

وله -رحمة الله عليه- أكثر من أربعين كتابًا، منها([2]):

  • الدليل الإرشادي إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، (في عشر مجلدات)، تُرجم إلى الأوردية، ويترجم إلى الإنجليزية.
  • مآلات الأفعال في المصطلح المقاصدي 2006م.
  • المصلحة في المصطلح المقاصدي 2008م.
  • أصول الفقه الإسلامي، بيروت، 1994م.
  • التطليق لعدم الاتفاق، القاهرة، 2005م.
  • الحرب والسلام في الفقه الإسلامي، القاهرة، 1972م.
  • النظرة الإسلامية للإعلام، القاهرة، 1981م.
  • أحكام الأسرة في الإسلام، القاهرة، 1995م.
  • الوصايا والأوقاف قواعد ومقاصد، القاهرة، 1998م.
  • المسؤولية الجنائية في الفقه الإسلامي، القاهرة، 1984م.
  • الزواج دراسة قضائية وتشريعية، القاهرة، 1994م.
  • الطلاق عند المسلمين، القاهرة، 1999م.
  • العُرف الدستوري، القاهرة، 2001م.
  • الإنسان والدولة، القاهرة، 1985م.
  • هموم المثقفين في العالم الإسلامي، بيروت، 1986م.
  • الأصول العامة للنظم السياسية، القاهرة، 1986م.
  • نظرية الفقه في الإسلام، بيروت، 1998م.
  • المقارنات والمقابلات نص ودراسة، بيروت، 2017م.
  • تاريخ العقل الفقهي، القاهرة، 2010م.
  • منهجية التقنين، القاهرة، 1995م.
  • أصول الحسبة في الإسلام وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية، القاهرة، 1985م.
  • الدستور والسلطة، القاهرة، 1984م.

كما أن للدكتور محمد كمال الدين إمام أكثر من مائة بحث قدمت في مؤتمرات علمية عالمية، ونُشرت ضمن أبحاث تلك المؤتمرات باللغات: العربية، والفرنسية، والإيطالية، والألمانية، والإنجليزية.

وأخيرًا، فقد حصل على العديد من الجوائز وشهادات التكريم من المؤسسات العلمية، والجامعات العربية والإسلامية، كان من أبرزها:

  • جائزة الجامعة التشجيعية لجامعة الإسكندرية 1994م.
  • جائزة الجامعة التقديرية في العلوم الاجتماعية 2016م.

فضلا عن الجائزة الأهم، وهي حب الناس له واحترامهم لشخصه وفكره، والذي نرجو أن يكون شفاعة له وعلامة على رضا ربه -سبحانه وتعالى- عنه.

 

     ثانيًا: بعض السمات التي تميز بها الدكتور أ. د. محمد كمال الدين إمام في حب الشريعة:

  • الرسالية:

جلس الطالب (محمد كمال الدين إمام) في قاعة الدرس في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية في شمال مصر، قادمًا من الصعيد (جنوب مصر) يترقب أول محاضرة له الكلية (عام 1963م)، وإذا بأستاذ مادة تاريخ القانون يدخل للمرة الأولى ويبدأ حديثه مباشرة عن الأنظمة القانونية التي "كانت في سالف العهد" ويذكر من ضمنها الشريعة الإسلامية، فإذا بالطالب ينتفض سائلًا أستاذه: "أليست شريعة الإسلام خالدة؟ متى أصبحت تاريخًا كالقانون الروماني سواءً بسواء؟"، فأمعن الأستاذ النظر في هذا الطالب الضئيل –جسدًا- الذي وجه له السؤال، ولكنه أجابه بهدوء: "يا بني، لم يقبل القرن العشرون إلا وشريعة القرآن بعيدة عن واقعنا التشريعي، في كل العالم الإسلامي، اللهم إلا في المملكة العربية السعودية حيث يسود مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وفي اليمن حيث يسود مذهب الزيدي، وسكت قليلا ثم أردف: إنها محنة ولا شك يا بني، ولكنها الواقع الذي نعانيه"([3])

 ويبدو أن هذه كانت هي اللحظة الحاسمة التي حددت توجه هذا الطالب النحيل ليتحول إلى خادم دؤوب للشريعة الإسلامية، عزم على العمل على ألا تظل تلك الشريعة الرائدة ضمن أنظمة قانونية عفا عليها الزمن وباتت من التاريخ، إلا فيما يتعلق بالشعائر وحدها، فانطلق يدافع عن قيمها وأحكامها ومقاصدها وعللها، من تلك اللحظة حتى وفاته رحمه الله سنة 2020م، أي على مدى ما يقرب من خمسين عامً!

فإن التأريخ الصحيح لبدء د. إمام لمسيرته في خدمة الشريعة الإسلامية يبدأ من سؤاله المنزعج لأستاذه: "أليست شريعة الإسلام خالدة؟ متى أصبحت تاريخًا كالقانون الروماني سواءً بسواء"؟ لأن هذا كان هو الفعل الإيجابي الأول الذي قام به د. إمام نحو الشريعة الإسلامية، وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل ذهن كل طالب في كلية الحقوق، بل وكل مسلم يفهم معنى أن يكون مسلمًا؛ إذ كيف يتقبل المسلم الحق أن يتم الفصل بين شريعة الإسلام وعقيدته؟!

وهذا هو المؤشر الأول على رسالية العالِم، حين يتحول اهتمامه كله إلى تحقيق هدف واحد يظل يسعى إليه طوال حياته، لا يحيد عنه، سواء كان الهدف نبيلا أو غير ذلك، ولكنه في حالة د. إمام كان من أنبل الأهداف، وهو استعادة سيادة الشريعة الإسلامية وهيمنة أحكامها على ما عداها من أحكام وقواعد وضعها البشر على غير هدى من الإسلام، فحمل همّ هذه الرسالة منذ أول يوم وضع فيه أقدامه طالبًا في كلية الحقوق، حتى وفاته بعدها بما يقرب من ستين عامًا!

 

  • الكفاحية:

قد يحمل الإنسان هَمَّ رسالة ما (يتمنى) أن تتحقق، ولا يفكر أبدًا في السعي لتحقيقها، وحتى إذا قرر ذلك سرعان ما قد يتوقف عند أول عقبة تقف في طريقة، ولكن الدكتور محمد كمال الدين إمام لم يتوقف عن الكفاح منذ أن لمس أن شريعة القرآن تحولت إلى نظام "سالف" وأصبحنا نتحدث عنه بصيغة الماضي، فحمل الرسالة وأقدم على حمل الأمانة، وبدا ذلك من خلال اختياره الشريعة الإسلامية لتكون محل دراسته العليا، حيث قدم بحثين يتعلقان بالشريعة في دبلومي الشريعة الإسلامية والقانون العام، على النحو سالف الذكر، بينما اتجه في حياته العملية إلى العمل بإذاعة القرآن الكريم حيث لم تخل برامجه التي قدمها من الدفاع عن رسالته بالتمكين للإسلام ولشريعته، حيث يظهر ذلك من مجرد ذكر بعض عناوين تلك البرامج، مثل: "عيون التراث الإسلامي"، و"من فيض الإيمان"، و"قادة الفكر الإسلامي"، و"مأدبة الله"، وغيرها من البرامج المهمة.

وحين انتقل د. إمام إلى التدريس الجامعي كان يمكنه أن يكتفي بهذا القدر ويقتصر جهده على تنشئة أجيال من الطلبة تفهم الشريعة والفقه الآخذ عنها، ولكنه تحرك في كل اتجاه ممكن مكافحًا لأجل تحقيق رسالته، تأليفًا، ومحاضرًا، ومشاركًا في لجان التشريع، وفي الموسوعات الإسلامية، ونجمًا متألقًا في المؤتمرات والندوات المتعلقة بالشريعة وبالثقافة الإسلامية عمومًا وبالحوار مع أهل الديانات الأخرى، وضيفًا في القنوات الفضائية، ومستشارًا لمؤسسات إسلامية رائدة في العالم الإسلامي، حتى توفى وهو مستشار لشيخ الأزهر الشريف، بالإضافة إلى عمله الأكاديمي، ورئاسته لمجلة المسلم المعاصر، وغيرها من المناصب التي أشرت إليها من قبل، والتي لا يمكن أبدًا فصلها عن الرسالة التي اختار حمل همها والكفاح لأجلها منذ بدايات حياته وحتى وفاته!

 

  • النظرة الحضارية لقضية تطبيق الشريعة:

وقع الكثيرون في فخ النظرة التجزيئية لمشكلات المسلمين بصفة عامة، وللمشكل التشريعي بصفة خاصة، ولكن الدكتور محمد كمال الدين إمام لم يكن من هؤلاء؛ فقد سار على درب المصلحين الكبار من قبله، الذين امتازوا بالنظرة الكلية إلى الأزمة المعقدة التي يعاني منها المسلمون، مثل مالك بن نبي الذي رأي أن مشكلة المسلمين ليست تربوية فقط، أو تشريعية فقط، أو سياسية فقط، بل هي مشكلة حضارته التي غابت عن الحضور والشهود، ومن ثم فإن علاج أزمة المسلم يكمن في حل مشكلة حضارته([4]).

فلم يقع د. إمام فيما وقع فيه غيره من قصر قضية تطبيق الشريعة الإسلامية على ما يتعلق بوضع المرأة، والعقوبات الحدية، والربا، كما أنه وقف في مواجهة من سعي إلى تجزئة الإسلام نفسه أو اعتباره مجرد شعار يزين بعض الدساتير العربية، مؤكدًا على أن معنى الإسلام دين الدولة أن تكون الحياة فيها "وفق الإسلام وبالإسلام"، مقررًا أن الإسلام نظام كلي شامل لا يقبل التبعيض، وأنه إذا كانت بعض الدساتير تصر على فهم الإسلام على هذا النحو، فهذا الإصرار لا يعبر عن حقيقة الإسلام، ولكن يدمغها بالتناقض لأنها تجزئ ما لا يقبل التجزئة، مؤكدًا أن رأيه هذا لا يأتي انسياقًا وراء عاطفة دينية، بل استنادًا إلى فهم علمي صحيح لحقيقة الإسلام([5]).

ثم عاد د. إمام وأكد على منظوره الحضاري لقضية تطبيق الشريعة الإسلامية حين قرر أن المشاريع الحضارية القومية والغربية والمشاريع الأخرى التابعة لها التي جرى تجريبها في عالمنا الإسلامي قد أصابتنا بالفشل والإحباط، وجرعتنا المرارة والهزيمة، ولم تعد أمامنا إلا مرجعيتنا الإسلامية لتكون محور مشروع حضاري جديد تتجاوز به الأمة أزمتها ومحنتها، ومن ثم كان طبيعيًا أن يصبح الحديث عن الشريعة الإسلامية –نظامًا حاكمًا وتقنينا ملزمًا- هو مدخل ذلك المشروع الحضاري وممهداته([6]).

ولهذا فإن تحرك د. إمام لخدمة الشريعة الإسلامية كان هو الآخر تحركًا غير تقليدي، يتطابق مع فهمه الكلي لها وللواقع المحيط، فتوزعت جهوده على مدافعة كل ما يرسخ من بقاء الشريعة مجرد مصدر تاريخي من مصادر القانون، وعمل على إعادة الفاعلية لا لنصوص الشريعة وحدها، بل وإلى الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية المنبثقة عن تلك النصوص، مثل نظام الوقف الإسلامي، حيث كانت له كتابات عدة تبحث في أسباب تعطيل الوقف وتعمل على تفعيله، غير غافل عن أن هذا التعطيل هو جزء من عملية "علمنة التشريع" التي تجري على قدم وساق منذ عشرات السنين، وأن هذه المعركة –حول الوقف-  كانت تجسد -في مصر- "صراعًا بين الشريعة وخصومها"، حيث إن الأوقاف "ظلت تؤرق الحكام حتى قبل عصر التقنين، ومع ظهور فكرة الدولة الحديثة في مصر، نما اتجاه علماني في السياسة والتشريع، ظل يتحرك في العلن والخفاء من أجل إبعاد الشريعة عن المجتمع إن لم يكن في كل المجالات"([7]).

كما أنه فهم جيدًا أن إقصاء الشريعة الإسلامية عن التطبيق لم يتحقق فقط بإحلال النصوص القانونية الوضعية محل النصوص الشرعية، بل عبر تغيير الواقع نفسه وعلمنته، ولذلك قرر أن "تطبيق الشريعة الإسلامية لا يعني صياغة التراث الفقهي في مواد أو تقنينات، بل يعني أولًا احتكام الواقع إلى الشريعة وإخضاع كل المساحات التي تتحرك عليها القوانين المستوردة، والأنظمة المقلّدة للأحكام الشرعية، وليس ذلك فحسب بل لابد من تحريك التفاصيل والجزئيات في حياتنا الخلقية والعلمية– العامة والخاصة- لتصنع على عين الشريعة، لأن الإسلام منهج كلي لا يقبل التبعيض، وإن سمح المنهج التشريعي الإسلامي بالتدرج واتسمت قواعده العامة بالمرونة"([8]).

ونلمس هنا روح المقاومة الحضارية للدكتور محمد كمال الدين إمام وهو يدعو إلى تحريك واقعنا ليصنع على عين الشريعة، ولذلك فقد طبيعيًا أن ألجأ إلى كتاباته حين اكتشفت أن البعض قد زعم أن إقصاء الشريعة الإسلامية لم يجد مقاومة تذكر من المجتمع، بما يعنيه ذلك من رضاء المجتمع عن هذه الخطوة، فعثرت على ضالتي فعلا في أحد أبحاثه المهمة([9]) حيث وجدته يؤكد فيه على أن هذا الادعاء يفتقر إلى السند التاريخي "بل هو محض خيال"، ورأيته يستشهد باستشهادات عدة للدلالة على قوة المقاومة الفكرية والقانونية لهذا الإقصاء، فاستدل –على سبيل المثال- بما كتبه أفرام البستاني عند شرحه لقانون العقوبات الأهلي أحد القوانين التي فُرضت بديلا عن الشريعة والذي كان معاصرًا لبدء العمل به، من "أن هذا التشريع لقي معارضة شديدة لمخالفته للشريعة وعوائد البلاد، وذلك ثابت في المضابط ومحاضر مجلس النظار"([10]). وكذلك استدل د. إمام بما ورد في كتاب محمد رشيد رضا "المسلمون والقبط" من أن المسلمين في مصر "هاجوا" على الحكومة حين أرادت أن تجعل في المحكمة الشرعية العليا عضوين من مستشاري محكمة الاستئناف الأهلية، فحملوا عليها في الجرائد واجتمع علماء الأزهر لأول مرة للإنكار عليها ذلك، بينما فضل الإمام محمد عبده مقاومة المشروع سرًا جهد طاقته، لأن الجهر بالمقاومة في هذا السياق "يضر ولا يفيد المطلوب"([11])

وهذا الفهم الكلي الشامل والعميق للإسلام ولأسلوب إقصاء شريعته عن مرجعية التشريع- أدى بالدكتور إمام إلى أن يكون تحركه هو الآخر شاملا كذلك على النحو الذي ظهر من استعراض سيرته الذاتية، حيث توزعت جهوده في كل اتجاه يرى أنه يخدم رسالته في العمل على استعادة سيادة الشريعة الإسلامية من جديد.

 

  • الرؤية التجديدية والمواءمة بين الأصالة والمعاصرة:

على الرغم من أن د. محمد كمال الدين إمام كان يرى أن الواقع نفسه يتغير في مصادمة روح الشريعة وأحكامها، إلا أنه لم يقف موقفًا جامدًا من ذلك، بل اتخذ موقفًا إيجابيًا يستهدف إلى استيعاب التشريع الإسلامي للتغييرات التي حدثت في واقع المسلمين فيما يسعه أن يستوعبه ويحتويه، ولذلك فلم يدخر جهدًا في الدعوة إلى تجديد الفقه الإسلامي وفق أصوله، وفي إطار مقاصد الشريعة وقيمها ومبادئها وأحكامها، ومارس هو نفسه هذا التجديد، سواء في تأصيله لمقاصد الشريعة أو في كتاباته المختلفة التي لا تغيب عنها أبدًا روح التجديد، مؤمنًا بأن: "التجديد هو سنة الحياة، فكما أن كل شيء يتجدد فكذلك أيضًا الأحكام التي تضبط هذا المتغير تتجدد"([12]).  

ويتميز د. إمام فيما يخص الدعوة إلى التجديد بأنه كان دائمًا "يستهدف التغيير من خلال الثبات" على حد وصف المستشار طارق البشري([13])؛ فقد كان يرتكز على المنهج الذي اعتمده كبار الأصوليين في فقه التجديد وإطاره وأدواته، فلم ينجرف أبدًا إلى الوقوع في فخ التبديد كما وقع كثيرون ممن يدعون للتجديد أو يزعمونه، فها هو يؤكد على "مسلمتين" أساسيتين ينبغي أن ينطلق منهما أي حديث عن التجديد، أولهما: أن الإسلام عقيدة وشريعة، وعبادة ومعاملة، فلا يمكن أبدًا فصل المعاملات عن الدين، وثانيهما: أن التجديد لا يعني عزل النصوص عن ولايتها الشرعية ولا تنصيب العقل وصيًا عليها، بل ينبغي تحديد مهمة العقل في استعادة الفهم الصائب لتلك النصوص من خلال الإدراك الصحيح للغة النص ومصدره ومقاصده([14]).   

ثم يفند د. إمام أفهام المبددين الخاطئة للمقولات التي يستندون إليها في المطالبة بالتجديد المبدد، مثل مقولة "تغير الأحكام بتغير الأزمان والأماكن والأشخاص" حيث يوضح أن المقصود هنا ليس الحكم بمعناه الأصولي "أي خطاب الله للمكلفين" وهو منزه عن التغيير، بل بالمعنى الفقهي له وهو الذي يتغير([15]).

كما أنه وضع حدًا آخر يفصل بين التجديد والتبديد، يتمثل في التمييز بين الاجتهاد والتجديد، فالأول ميدانه الأحكام الشرعية، وفارسه هو الفقيه المتمكن من العلم الشرعي المتصف بالعدالة الأخلاقية، والثاني لا يكون إلا في النظم، وعالم الوقائع ميدانه الفسيح، ومنهاجيته محورها الخبرة والتجريب، وأهله هم أهل الاختصاص في كل فرع من العلوم الطبيعية والاجتماعية([16]).

وهذه النظرة الأصولية التجديدية لم تغب أبدًا عن المدرسة الحضارية التي ينتمي إليها د. إمام، فهم وإن كانوا يتمسكون بالأصول والثوابت، فإنهم يتسمون بالمرونة الكاملة فيما يخص المتغيرات والمستجدات، ويدعون إلى التعامل الإيجابي معها بحيث يجري استيعابها وتقديرها في الوقت ذاته، بما يدرأ عن الناس المفاسد ويحقق مصالحهم وفق ما يقره الشرع ويرضاه الشارع الحكيم عز وجل، ومن ثم فلم يقعوا في حيرة تجاه المواءمة بين الأصالة المعاصرة، ولم يرونها ثنائية صراعية تستلزم معركة صفرية، بل رأونها تحديًا يمكن الانتصار فيه بالجمع بينهما –وفق ما تسعه الشريعة الإسلامية- بما يحقق مصالح الأنام ويدفع عنهم الآثام، وهو مقصد الشرع مما افترضه من مبادئ وقيم وأحكام!

 

  • الموسوعية:

تميز أ. د. محمد كمال الدين إمام بموسوعيته، أي بإنتاجه الموسوعي، حيث استطاع أن يترك لنا موسوعة "الدليل الإرشادي إلى مقاصد الشريعة الإسلامية (كتب- رسائل- أبحاث)" والذي صدر في عشرة أجزاء من القطع الكبير، وقد كان هو نفسه صاحب فكرة "صناعة" هذا الدليل، حيث قدمها في الاجتماع التأسيسي لمركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية [عام 2005م]، فتمت الموافقة عليها بالإجماع، وكلف المجتمعون د. إمام بإعداد الدليل الإرشادي، حيث التزم بالموعد الذي قدره لهم لإنجازه([17]).

وقد اشتمل هذا الدليل على رصد التراكم المعرفي حول المقاصد الشرعية، "منذ تنزل النص القرآني على رسلنا خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا"([18])، وصدر في عشرة أجزاء (ترجمت إلى عدة لغات)، نُشر الجزء الأول منها عام 2007م، بينما نُشر الجزء العاشر والأخير سنة 2014م، ليشكل بذلك أضخم عمل موسوعي يضم عناوين وخلاصات للكتب والأطروحات العلمية والأبحاث المتعلقة بالمقاصد الشرعية، فضلًا عن معجم منهج أعلام المقاصد، ومعجم قواعد المقاصد، ومعجم مصطلحات المقاصد، إضافة إلى مجلد خاص لفهارس الدليل الإرشادي ومعاجمه([19]).

والمطلع على هذه الموسوعة يدرك على الفور مدى حب د. إمام لهذا المشروع الرائد وتفانيه وإخلاصه في إنتاجه، فالكتب هي الأخرى قد تفصح عن روح كاتبها ومشاعره، وتسفر عن مكنون نفسه، وتكشف نيته، وهذا العمل لم يكن ليتم لولا قناعة صاحبه به وبضرورته، وبإسهامه في تحقيق رسالة الصانع له الهادفة دومًا للتمكين للإسلام ولشريعته.

وأذكر في هذا المقام أن أستاذنا د. جمال الدين عطية –وقد كان أحد مؤسسي مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية وضمن المجتمعين الذين اعتمدوا الفكرة- ذكر لي مرة أن من أكثر من رآهم في حياته دأبًا وإخلاصًا في عمله، د. محمد كمال إمام، وأنه جسده كاد أن يختفي من كثرة العمل (ويشير هنا إلى نحافة د. إمام، والذي كان يصف نفسه دومًا أنه من أصحاب "وزن الريشة")!

والواقع أن من عرف د. إمام جيدًا سيدرك أنه لو توافرت له الإمكانيات المادية من قديم، لأبدع الكثير من الموسوعات بالإضافة إلى الدليل الإرشادي المذكور، خاصة وأن عقله نفسه يمكن وصفه بالموسوعي، فيكفي أن يُطرح أي موضوع أمامه يخص الشريعة الإسلامية، فإذا به يذكر الكثير من الاقتباسات مما كتب فيه قديمًا، ويطوف بين روضات كتابات الفقهاء القدامى والمحدثين، وكأنه يفتح تلك الكتب في وقت واحد ويقرأ منها([20])!

 

  • الجمع بديلا عن الطرح:

على الرغم من أن أستاذنا الدكتور محمد كمال الدين إمام كان مدركًا أن تغييب الشريعة الإسلامية كان جزءًا من معركة حضارية، وأنه بمثابة جندي يخدم الشريعة في تلك المعركة إلا أن ذلك لم يجُرّه إلى معارك شخصية جانبية مع المخالفين ممن يؤمنون بأن الشريعة الإسلامية لم تعد صالحة للتطبيق في هذا العصر وأن الأَولى هو الأخذ عن الغرب وشرائعه لنتقدم كما تقدموا!

ولعل السبب الرئيس في ذلك أن د. إمام اختار السبيل العلمي لمقاومة هذا التحدي الحضاري بديلا عن الطريق السياسي، والذي يؤدي غالبًا إلى الدخول في صراعات لا تنتهي، وهو الأمر الذي لاحظه –بحق- المستشار طارق البشري (حمه الله)، حين خلص إلى أن صبغ الحركات السياسية موضوع استعادة تطبيق الشريعة الإسلامية بالصبغة السياسية قد أدى إلى نقل موضوع المرجعية التشريعية برمته من مجال المتخصصين في الفقه القادرين على الجدل البناء المؤدي إلى الإثراء الفكري إلى مجالات الصراعات الفكرية العامة، شارحًا ذلك بأن المشتغلين بالفكر السياسي والاجتماعي أو بالفكر الفلسفي، تشغلهم العموميات الفكرية وتصرفهم عن تفهم كيفيات المعالجات الفنية المتخصصة لهذا المجال الفقهي المتخصص، على عكس رجال الفقه والقانون في مجالي الفقه الإسلامي والقانون الوضعي؛ لأن كلا من الفريقين يعرف أصالة الفقه الإسلامي وصياغاته الفنية والبالغة أعلى مستويات الدقة، وكل منهما يعرف ويعترف بالحد الأدنى من الأسس التي تقوم عليها وجهة النظر المقابلة، وكل منهما مدرك الوسائل الفنية والمناهج التطبيقية التي تمكن من الملاءمة بين عناصر الثبات والتغير، ولذلك كان الحوار فيما بينهما أهدأ وأوغل في التفاصيل ودقائق المسائل، وأكثر قدرة على الوصول إلى الحلول، من ذلك الصخب العجيب الذي يجري التعامل به بين رجال الفكر السياسي والفلسفي([21]).

ويبدو أن هذا الأمر كان قد أدركه بالفعل د. محمد كمال الدين إمام، فلم يعرف عنه أبدًا أنه انضم إلى حركة سياسية ما، أيًا كان توجهها، وسواء كانت في الحكم أم في المعارضة، وظل مستقلًا منهمكًا في القيام بدوره العلمي في سبيل التمكين للشريعة الإسلامية، دون أن يدخل في صدامات حادة، مع أحد، فقد حسم أمره واختار العمل بديلًا عن السجال والجدل.

وقد ترتب على ذلك أن شخصية د. إمام كانت جاذبة حتى للمخالفين في التوجه، فكان مطلوبًا للتعاون على المتفق عليه، ويعذر غيره ويعذرونه في المختلف فيه، ولهذا فقد استعانوا به كبيرًا للخبراء في مكتبة الإسكندرية، كما استعانوا به عضوًا في لجان الإصلاح التشريعي التابعة للدولة المصرية، وعُين مستشار قانونيًا للأزهر الشريف، كما استعانت به الكثير من الجامعات الحكومية والخاصة، مختلفة التبعية والتوجهات، وشارك في العديد من مؤتمرات حوارات الأديان، وغير ذلك من المهام الكاشفة عن طبيعة د. إمام التي تجمع بين الفرقاء، فكانت بالفعل شخصيته حضارية جامعة وقلبه يتسع للجميع متمثلا في ذلك المشروع الحضاري الإسلامي الجامع.

والحقيقة أن هذه سمة عامة في الكثير من أعلام الفكر الحضاري، وخاصة في الجانب الفكري التشريعي منه، فقد كانت شخصيات مثل: د. أحمد كمال أبو المجد ود. جمال الدين عطية والمستشار طارق البشري رحمهم الله تعالى، ود. محمد سليم العوا –حفظه الله-، شخصيات جامعة يحترمها المثقفون من كل الاتجاهات، حتى من المخالفين، بل والمناوئين لهم في الفكر، وتفسيري لذلك هو السمات الأخلاقية الهائلة التي امتاز بها جميع من ذكرت، والتي حان وقت الإشارة إليها بالنسبة للدكتور محمد كمال الدين إمام.

 

  • حسن الخلق:

سألت أستاذنا الدكتور أحمد كمال أبو المجد يومًا متعجبًا، فقلت له: إنني ألمس احترامًا لشخصك من كل من أذكر اسم حضرتك عنده، حتى المخالفين للتوجه الإسلامي، فما تفسير حضرتك لذلك؟

فأجاب بأن تفسيره لذلك هو: الصدق؛ أن تصدق مع الجميع وتكون صريحًا، وهم في البداية سيغضبون من صراحتك ثم سيثقون فيك فيما بعد ويحترمونك حتى لو اختلفوا معك، حين يلمسون صدقك وشفافيتك، فضلا عن سلامة نيتك!

وأشهد أن أستاذنا الدكتور محمد كمال إمام كان مثل د. أحمد كمال أبو المجد في هذا، فقد كان الجميع يحترمه ويجله، وأذكر أن المرة الأولى التي رأيته فيها رحمه الله، حين شارك في حلقة نقاشية نظمها "مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي" في شهر فبراير عام 1999م، وذلك لمناقشة كتاب "نحو فقه جديد" للأستاذ جمال البنا (رحمه الله)، وكان من ضمن الحضور في الحلقة أستاذنا الدكتور أحمد كمال أبو المجد (رحمه الله)، ولفيف من أساتذة جامعة الأزهر، ولكن د. إمام أدهشني بأسلوب يجمع بين العمق والتواضع والرقة وعفة اللفظ، فلم تصدر منه أي عبارة فيها تجاوز يذكر في حق الأستاذ جمال البنا رغم اختلافه الشديد مع الكثير من أطروحاته في هذا الكتاب([22]).

ثم رأيته فيما بعد في الكثير من الندوات ومناقشات رسائل الدكتوراة في كلية دار العلوم وكليات الحقوق، ورأيت كيف كان رفيقًا بالطلاب وبمحاوريه، وكان من حسن حظي أن استدعاه المركز العالمي للوسطية في دولة الكويت –الذي كنت أعمل فيه باحثًا في الدراسات الإسلامية حينها- لمدارسة إنشاء موسوعة عن "الوسطية"، فاقتربت منه ورأيته إنسانًا مستغرقًا في عالمه الخاص، مخلصًا لرسالته، وفيًا لمهمته، يجمع بين الصرامة العلمية ولين الجانب، وعزة نفسه التي لا تمنعه من أن يتواضع لك كأنه تلميذك وهو أستاذ أساتذتك في الحقيقة!

وأذكر أنه حين رشحت اسمه للدكتور أحمد كمال أبو المجد (المشرف على رسالتي)، ليكون عضوًا في لجنة المناقشة، وكنت أريد حينها أن يكون المناقش رفيقًا ومهذبًا ومستقيم علميًا، فيركز على أساسيات البحث لا على قشوره، كما يفعل كثير من المناقشين حاليًا للأسف الشديد، وقد وافق د. أبو المجد على اقتراحي على الفور بعد أن أثنى على د. إمام كثيرًا، وكان حضوره كما كان متوقعًا منه، فانسابت أفكاره التي يستفيد منها الطالب والحضور ويقدرها زملاؤه، كل ذلك دون أن يقع قط في التحقير من مجهود الطالب، أو أن يقدح في شخصه، وهذه هي سمات العالم المتمكن مثله.

 

ولهذه السمات وغيرها استحق أستاذنا الدكتور محمد كمال إمام أن يصفه الإمام الأكبر أحمد الطيب (شيخ الأزهر) بأنه: "لم يدخر جهدًا في خدمة الإسلام والمسلمين، وترك إرثًا كبيرًا في مجال الفقه الإسلامي، وقد فقدنا بموته علمًا من أبرز علماء الشريعة الإسلامية في العصر الحاضر، وستظل كتبه ومؤلفاته -وبخاصة في مجال مقاصد الشريعة الإسلامية- مقصدًا لطلاب العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية حول العالم"([23]).

 

وختامًا،

فإن هذه الورقة تعتبر مجرد إطلالة مبدئية على شخصية وسمات هذا العالم المبدع، الذي نشهد أنه كان من الصادقين في حب الشريعة الإسلامية، والحقيقة أن شخصيته ونتاجه العلمي يستحقان أن يكونا موضوعًا للعديد من أطروحات الدكتوراه والماجستير، كما يستحق نتاجه العلمي أن يرصد ويجمع بحيث تنشر جميعًا في إصدار واحد، باعتباره من كبار رجال الفقه المقارن الذين أخلصوا في طلب الإصلاح ما استطاعوا، وخلفوا علمًا نافعًا نرجو أن تستفيد منه الأجيال وتسعى إلى تحقيق الهدف منه، وهو أن يحيا الناس "وفق الإسلام وبالإسلام" على حد قوله رحمه الله.

رحم الله أستاذنا الدكتور محمد كمال الدين إمام وسائر أساتذتنا الكرام، وجزاهم جميعًا عنا خير الجزاء.

لتحميل ملف الدراسة

 

____________________

* نشرت هذه الدراسة بمجلة المسلم المعاصر، العدد (168) السنة الثالثة والأربعون، مارس 2021.

** باحث مصري مهتم بدراسة الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في الدساتير والقوانين المعاصرة، حاصل على الدكتوراة في القانون العام والشريعة الإسلامية.

([1]) استقيت هذا التعريف من السيرة الذاتية المختصرة للدكتور محمد كمال إمام، التي أرسله إلي –مشكورًا- نجله المستشار إمام، نائب رئيس مجلس الدولة المصري، وكذلك من الحلقة المسجلة مع الدكتور رحمه الله تحت عنوان: "سيرة عقل"، الجزء الأول، والمتوفرة على صفحة قناة "السلام عليك أيها النبي"، على اليوتيوب، على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=q7-Zwu0N43g.

([2]) تعمدت الاحتفاظ بالترتيب الذي اعتمده أ. د. محمد كمال الدين إمام نفسه في سيرته الذاتية، والذي قد يكون بحسب الأهمية من وجهة نظره.

([3]) روى هذه الواقعة أ. د. محمد كمال الدين إمام بنفسه، في كتابه: هموم المثقفين في العالم الإسلامي، القاهرة: دار الهداية، 1406هـ/1986م، ص10.

([4]) تنظر كتابات مالك بن نبي العديدة حول هذا الأمر، لاسيما كتبه: "شروط النهضة"، و "وجهة العالم الإسلامي"، و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، و"ميلاد مجتمع".

([5]) ينظر كتابه: هموم المثقفين في العالم الإٍسلامي، مرجع سابق، ص12 (بتصرف).

([6]) ينظر: الخلفية الفكرية والتشريعية والاجتماعية لاستبعاد تطبيق الشريعة الإسلامية، أ. د. محمد كمال الدين إمام، مجلة المسلم المعاصر، السنة 15، العدد 58، منشور على موقع المجلة على الرابط الآتي:

 https://almuslimalmuaser.org.

([7]) الإطار التشريعي لنظام الوقف في بلدان وادي النيل، بحث منشور ضمن أعمال الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت تحت عنوان: "نظام الوقف والمجتمع المدني في الوطن العربي"، 2001م، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، سبتمبر 2010م، ص185، 197، 199.

 ([8]) الخلفية الفكرية والتشريعية والاجتماعية لاستبعاد تطبيق الشريعة الإسلامية، مرجع سابق؛ وينظر -في المعنى نفسه- بحثه المعنون: "مآلات تطبيق منهج تحقيق المناط في تأجيل بعض الأحكام أو تعليقها، مجلة المسلم المعاصر، السنة 37، العدد 148، رجب 1434هـ، يونيو 2013م، ص109- 123.

 ([9]) وهو بحثه المعنون: الخلفية الفكرية والتشريعية والاجتماعية لاستبعاد تطبيق الشريعة الإسلامية، مرجع سابق.

([10]) راجع: أفرام البستاني، شرح قانون العقوبات المصري، ج1، ص8، 1894م (نقلا عن: أ. د. محمد كمال الدين إمام، الخلفية..).

([11]) محمد رشيد رضا، المسلمون والقبط، القاهرة، 1329 هـ، ص27 (نقلًا عن أ. د. محمد كمال الدين إمام، المرجع السابق).

 ([12]) جزء من حواره مع جريدة "الدستور" المصرية، منشور بتاريخ 5 مارس 2019م على الموقع الإلكتروني للجريدة على هذا الرابط:

https://www.dostor.org/2541749.

 ([13]) ينظر تعقيبه رحمه الله على كلمة أ. د. محمد كمال الدين إمام، في سمنار: التدرج في تطبيق الشريعة، والذي نظمه كلا من: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ومجلة المسلم المعاصر، ونشر في العدد 143 من المجلة، (يمكن الاطلاع عليه من خلال الموقع الإلكتروني لمجلة المسلم المعاصر: https://almuslimalmuaser.org/).

 ([14]) ينظر: في التجديد والاجتهاد- مفاهيم وآليات (ورقة مبدئية ونقاط للتفكير)، أ. د. محمد كمال الدين إمام، ورقة بحثية يمكن تنزيل نسخة منها عبر هذا الرابط: http://www.roudabooks.com/book/39220، ص1.

 ([15]) ينظر: في التجديد والاجتهاد..، المرجع نفسه، ص2.  

 ([16]) ينظر: المرجع نفسه، ص4-5.  

 ([17]) ينظر: تقديم د. أحمد زكي يماني لكتاب: الدليل الإرشادي إلى مقاصد الشريعة الإسلامية (كتب- رسائل- أبحاث)، صنعه وقدم له: أ. د. محمد كمال الدين إمام، ويبلدون- لندن، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ومركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، 2007م، ص5.

 ([18]) ينظر: المرجع نفسه، ص7.  

 ([19]) ينظر: مقدمة أ. د. محمد كمال الدين إمام للمجلد السادس من الدليل الإرشادي، بدون تاريخ نشر، ص7.  

 ([20]) ينظر في المعنى نفسه: كمال الدين إمام.. وداعًا، د. ناجح إبراهيم، مقال منشور جريدة "الشروق" المصرية، بتاريخ: 16 أكتوبر 2020م.

 ([21]) ينظر: السياق التاريخي والثقافي لتقنين الشريعة الإسلامية، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 1432هـ - سبتمبر 2011م، ص10، 67-69.

 

 ([22]) عاد بعد ذلك أ. د. محمد كمال الدين إمام وناظر أ. جمال البنا -بالكيفية نفسها- على مدى ثلاثين حلقة في برنامج "دنيا ودين" الذي قدمه د. عمار علي حسن، وأذاعته قناة "دريم" المصرية بدءًا من: 20 يوليو 2011م، (يمكن الاطلاع عليه عبر صفحة القناة على اليوتيوب، على هذا الرابط:

 https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=2715111222061112&id=100006867823696).

([23]) جزء من نعي الإمام الأكبر أحمد الطيب –شيخ الأزهر- للدكتور محمد كمال الدين إمام، والذي نشرته صفحة الأزهر الشريف بتاريخ 8 أكتوبر 20120م.

يمثل كتاب "أحكام العمران في الفقه الإسلامي- أحكام اختيار الأرض ومواد البناء وتخطيط البيوت وكسوتها وإصلاحها وأحكام الجوار والاشتراك"، للدكتور أحمد محمد سعيد السعدي، دراسة فقهية منهجية تُعنى بمقتضيات العمران المادي والاجتماعي في ضوء التشريع الإسلامي، وهو في الأساس أطروحته التي نال عنها الدكتوراه من كلية الشريعة بجامعة دمشق.

وينطلق الكتاب من مفهوم موسّع للعمران لا يقتصر على إنشاء المباني فحسب، بل يشمل بناء العلاقات المجتمعية وتنظيم السكن بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. حيث يعالج الكتاب مسائل اختيار الأرض وشرائط مواد البناء والتخطيط والاتجاهات المعمارية والإكساء والفرش، كما يتناول بالتفصيل أحكام الترميم والإصلاح وحقوق الارتفاق والجوار وملكية الأجزاء المشتركة وإحداث المظلات والبروزات، مستندًا في عرضه إلى مصادر الفقه المتعددة وإلى توظيف المقاصد الشرعية كأداة لترتيب الأولويات التطبيقية.

كما تتميز الدراسة بسعيها إلى ربط الأحكام الفقهية بالواقع العمراني المعاصر، سواء من خلال مقاربة القواعد العامة (حرية التصرف، قاعدة لا ضرر ولا ضرار، مراعاة الخصوصية) أو عبر تقديم حلول فقهية لمسائل عملية مثل البناء على أرض غير المالك وتعويض الباني حسن النية، وضوابط نزع الملكية والتعويض، وحدود الإلزام في إصلاح الأبنية الآيلة للسقوط. كما تولي الدراسة اهتمامًا خاصًا للبعد الحضاري للعمران، معتبرة أن العمارة الإسلامية الحقيقيّة تقوم على تأسيس الإنسان وقيم المجتمع بقدر ما تقوم على الشكل المادي للبناء.

الكتاب صالح لأن يكون مرجعًا مفيدًا للفقهاء والباحثين والمشرّعين والمهندسين المعماريين على حد سواء، إذ يقدم إطارًا فقهيًا متوازنًا يجمع بين النصّ والغاية ويعطي أولوية لصون المنافع ودرء المفاسد في المسائل العمرانية، مع فتح آفاق للتطبيق العملي والتقنين التشريعي بما يتواءم وروح العصر.

يحمل الكتاب تعريفًا موسعًا لمصطلح العمران، فلا يقتصر العمران لديه على البناء المادي بل يتعدّاه إلى "بناء العلاقات" داخل المجتمع الساكن، ويجعل الإنسان محور البناء وغاية العمران لا وسيلة له. تستمدُّ الدراسة سياقها الحضاري من مقاصد الشريعة الخمس وتستعمل سلمَ المراتب (ضرورية ـ حاجية ـ تحسينية) كأداةٍ عملية لتقديم المصالح العمرانية وترتيب الأولويات، وهو إشكال منهجي يوفِّر إطارًا استنباطيًّا رغم حاجة التطبيق إلى معايير تقويمية دقيقة عند النزاع.

على مستوى الموضوعات الفنية يعالج الكتاب سلسلة متكاملة تبدأ بأحكام الأرض المراد البناء عليها، مرورًا بشروط مواد البناء من حيث الطهارة والصلابة وعدم التسبّب في أذى بيئي، ثم ينتقل إلى مسائل التخطيط: ارتفاع المباني، اتجاهاتها (مع إشارات عملية للقبلة) والأسس العامة لتصميم المسكن الإسلامي، إضافة إلى أحكام الكساوة والفرش والتزيين بما يوازن بين محبة الجمال وتحريم الإسراف. ما يميز المعالجة أنها تطرح قواعد عامة (الأصل حرية التصرف في الملك، لا ضرر ولا ضرار، مراعاة الخصوصية) وتطبّقها على مسائل يومية مثل حقوق الارتفاق وملكية السطوح ووضع خزانات الماء والهوائيات، كما تتناول الإيجار والإعارة والإجراءات المتعلقة بإنهاء المدة وحقوق الباني في أرض الغير.

في باب الجوار والاشتراك يقدّم الكتاب تأصيلًا فقهيًا لأحكام منع الضرر وصون الحرمات العمرانية: تعريف الضرر الفاحش واليسير، قواعد النظر والصوت والرائحة، وجوب مراعاة حرمات الخصوصية في تصميم الفتحات والنوافذ والمطلات، وحظر إقامة منشآت مَعِقّة للهدوء في أماكن سكنية حساسة (دور سينما، صالات حفلات داخل الأحياء الضيقة) إذا كان من شأنها إحداث أذى دائم متكرر. يُشدَّد الكتاب كذلك على أن مسألة الإضرار يجب أن تُعرَض على أهل الاختصاص لإثبات الضرر ودرجه، وأن الحسم القضائي ينبغي أن يكون مقرونًا بمحاولات الوساطة ومنع التضخيم القضائي للخلافات البسيطة.

تنطلق نتائج الكتاب من استقراء الفقه التقليدي ومقارنته بالممارسات المعاصرة، فتقترح مجموعة أحكام عملية حاضرة في خاتمة البحث، منها: أن البناء واجب لإسكان من تلزم نفقتهم إذا لم يجدوا طريقًا آخر، وأن الأصل الإباحة في البناء ما لم يعتُرها مانع شرعي، وأن الارتفاقات والهبات لا تلزم الالتزام الدائم إن كانت إحسانًا، مع ضمان تعويض عادل عند الرجوع إذا كان المرتفق متضررًا. كما يسرد الكتاب قواعد للتصرف في البناء على أرض غير مالكها (خيار المالك بين دفع قيمة البناء أو ثمن الأرض أو قبول الشراكة أو الهدم مع تعويض).

تشتمل توصيات الكتاب الصريحة على نقاط تشريعية وإجرائية: ضرورة تأصيل النظرية العمرانية على مقاصد الشريعة، مراعاة مقاييس الحماية والخصوصية في التنظيم العمراني، إلزامية تدخل الجهات الإدارية في حالات الضرورة مع مراعاة التعويض والنزاهة، وحظر استغلال أملاك الجمهور أو المقدسات لأغراض تجارية أو تكنولوجية تمس حرمة المكان (تحديدًا تأجير المآذن لأبراج اتصالات).

من المنظور العملي والسياسي يقدم الكتاب توصيات مُوجَّهة إلى المشرّع والمهندس والقاضي، منها: تشريع وضبط قواعد البناء بما يحفظ الحرية والملك الخاص مع وضع ضوابط واضحة لمنع الإضرار، إرساء آليات تعويض شفافة عند نزع الملكية قسريًا (مع تقديم بدائل قابلة للسكن)، تفعيل ضوابط لسلامة المواد ومصادرها البيئية بحيث لا تُسيء للنظام البيئي المحلي، وإدماج معايير الصحة والتهوية والخصوصية والاتجاهات القِبْلِيَّة حيثما أمكن.

على مستوى الحاجة البحثية المستقبلية يدعو المؤلف إلى عمل تكميلي في عدة محاور: دراسات حالة قضائية توضح تطبيق الأحكام، مقارنات تشريعية بين دولٍ إسلامية مختلفة بدل الاقتصار على نموذج وطني، وإضافة فصول أو أبحاث تركز على القضايا البيئية والاستدامة والابتكارات التكنولوجية في البناء الحديث.

في خاتمة العرض يمكن ترشيح إجراءات تنفيذية سريعة: تضمين مبادئ منع الضرر والخصوصية في قوانين البناء المحلية، اعتماد آلية قضائية-فَنية للبت في نزاعات الجوار (قضاة مدعومون بخبراء هندسة ومدنية)، وضع قواعد لتعويض من بنى بحسن نية على أرض غيره، وحظر الاستخدام التجاري أو التقني لمرافق عبادة دون موافقة شرعية وإدارية واضحة.

أخيرًا، يبقى كتاب د. أحمد السعدي مرجعًا مهمًا في استعادة خط الفقه العمراني بأسلوبٍ منظّم يجمع بين النصّ والمقاصد والرؤية الحضارية، وهو بداية صالحة لبرنامج بحثي تطبيقي يربط بين الفقه الإسلامي، التشريع الوضعي، والهندسة العمرانية. ويوصى بأن تُتبع هذه الدراسة بسلسلة تطبيقات ميدانية وحلقات عمل مشتركة بين الفقهاء والمهندسين والمشرّعين لتقعيد نماذج قابلة للتطبيق المحلي والحقوقي، مع توثيق قضايا عملية في سجلات قضائية لتغذية الاجتهاد الفقهي في قضايا العمران المعاصرة.

 

 

فهرس الكتاب:

تمهيد في مفهوم العمران الإسلامي ومصادره.

الباب الأول: إنشاء البناء وإصلاحه

 الفصل الأول - أحكام إنشاء البناء

  المبحث الأول - حكم إقامة المباني

   المطلب الأول - الحكم الأصلي لإنشاء البناء

  المطلب الثاني - ما يعتري البناء فيؤثر في حكمه

المبحث الثاني - أحكام الأرض ولوازم البناء

  المطلب الأول - أحكام الأرض المراد البناء عليها

 المطلب الثاني - أحكام لوازم البناء

المطلب الثالث: التنظيم الإداري للعمران

 المبحث الثالث - تخطيط البناء

المطلب الأول - علو البناء

المطلب الثاني - اتجاهات البناء

المطلب الثالث - الأسس العامة لتخطيط المسكن الإسلامي

المبحث الرابع - إكساء البيت وفرشه

المطلب الأول - إكساء البناء

المطلب الثاني - تزيين البناء

المطلب الثالث - أثاث البيت وفرشه

الفصل الثاني - أحكام ترميم البناء وإصلاحه

 المبحث الأول - إصلاح المسكن الخاص وترميمه

المطلب الأول - ترميم الدار منعًا للإضرار بالجار والمار

المطلب الثاني - ترميم الدار المؤجرة

المطلب الثالث - إصلاح الدار المرهونة

 المبحث الثاني - إصلاح الأجزاء المشتركة بين الجوار

المطلب الأول - الإصلاح في الملكيات المتلاصقة

المطلب الثاني - ترميم الأجزاء المشتركة في الملكيات المتراكبة

المبحث الثالث - إصلاح الأبنية الموقوفة

المطلب الأول - إصلاح الوقف الأهلي وترميمه

المطلب الثاني - ترميم الوقف الخيري

 

الباب الثاني - أحكام الجوار والاشتراك

الفصل الأول - أحكام الارتفاق ومنع الضرر عن الجار

تمهيد في مفهوم الجوار وأحكامه الأخلاقية

المبحث الأول - حقوق الارتفاق

المطلب الأول - تعريف حق الارتفاق وأحكامه العامة

المطلب الثاني - أهم حقوق الارتفاق في الفقه الإسلامي

المبحث الثاني - واجب الجار في دفع الضرر

المطلب الأول - القواعد العامة لمنع الضرر عن الجار

المطلب الثاني - تطبيقات النهي عن الضرر في العلاقات الجوارية

الفصل الثاني - حكم الأجزاء المشتركة والإحداث في الأبنية المتقاربة:

المبحث الأول - أحكام السقف والجدار بين دارين

المطلب الأول - أحكام الجدار المشترك

المطلب الثاني - ملكية السقف وحكم التصرف فيه

المبحث الثاني - التصرف والإحداث في الأبنية المشتركة

المطلب الأول - أحكام البروز وفتح الأبواب

المطلب الثاني - ملكية الأجزاء المشتركة والتصرف في الأبنية الطابقية

 

لتحميل ملف الكتاب

 

___________________

* أحمد السعدي، أحكام العمران في الفقه الإسلامي، دار الرواد للنشر، دمشق: الطبعة الأولي، 2010.

** هو عالم وباحث سوري متخصص في الفقه الإسلامي وأصوله، حصل على الماجستير عام 2002 ثم الدكتوراه عام 2007 من جامعة دمشق. تتلمذ على يد عدد من أبرز علماء الشام مثل العلامة الشيخ صادق حبنكة الميداني والدكتور مصطفى البغا، ونهل منهم علوم الفقه الشافعي والحديث وأصول الفقه. عمل محاضرًا في كليتي الشريعة بجامعتي دمشق وحلب، كما قام بالتدريس في جامعات بتركيا ولبنان، مما وسّع من خبرته الأكاديمية ونطاق تأثيره. تميزت مسيرته بالجمع بين التأصيل العلمي والاهتمام بالقضايا المعاصرة، حيث تتضح هذه السمة في مؤلفاته المهمة مثل كتابه الرائد "أحكام العمران في الفقه الإسلامي" الذي بدأ كرسالة دكتوراه، وكتاب "شروط المجتهد ومدى توافرها في الاجتهاد المعاصر"، وكتابه "العلامة الشيخ صادق حبنكة الميداني" الذي يُبرز اهتمامه بتاريخ العلماء وإسهاماتهم.

أولًا: ميلاده

ولد الشيخ الزرقا في مدينة حلب الشهباء سنة (1325هـ - 1907م).وقد نشأ في بيئة إسلامية، وأسرة عُرِفت بالعلم والصلاح، وقد أسس دعائم العلم فيها جده الكبير محمد الزرقا، وورثه ابنه والد شيخنا العلامة أحمد الزرقا، وتسلسل العلم في الأسرة المباركة حتى وصلت الراية إلى صاحب الترجمة، ولم تتوقف عنده بعد وفاته، فقد حملها عنه ابنه الأستاذ الدكتور أنس الزرقا من علماء الفقه والمتخصص في الدراسات الاقتصادية الإسلامية.

 

ثانيًا: مؤهلاته

في سوريا تخرج في:

  • معهد الحقوق العربي (كلية الحقوق).
  • مدرسة الآداب العليا (كلية الآداب).

وتخرَّج في هاتين الكليتين سنة (1933م) وحصل على المرتبة الأولى في كلا التخصصين.

 ثم سافر إلى القاهرة والتحق بكلية الحقوق، وحصل على  الدبلوم العالي في الشريعة (1947م).

 

ثالثًا: الأعمال التي تولاها

  • اشتغل بالمحاماة لمدة عشر سنين بعد تخرجه في كلية الحقوق أمام المحاكم الوطنية والمختلطة الفرنسية بحلب.
  • عُيِّن أستاذًا للحقوق المدنية والشريعة في كلية الحقوق بالجامعة السورية سنة ١٩٤٤م، وبقي فيها أستاذًا للقانون المدني، ورئيسًا لقسمه، وأستاذًا للشريعة الإسلامية إلى حين بلوغه سن التقاعد في آخر عام ١٩٦٦م.
  • اختارته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت سنة (١٩٦٦م) خبيرًا للموسوعة الفقهية، التي قامت الوزارة المذكورة بتنفيذ مشروعها، واستعارته لهذه الغاية من جامعة دمشق، وبقي في الكويت خمس سنوات قائمًا بهذه المهمة، حيث أنجز من مشروع الموسوعة الفقهية مقدارًا، ومعجمًا للفقه الحنبلي يقع في (١١٤٢) صفحة، مرتبًا هجائيًّا، إلى أن توقفت الوزارة في الكويت عن مشروع الموسوعة قبل أن تكملها وتصدرها فيما بعد لتكون مرجعًا لكل دارس للفقه الإسلامي أو مهتم به.
  • دعته الجامعة الأردنية للتدريس في كلية الشريعة، وذلك في عام ١٩٧١م، وظل هناك حتى عام (١٩٨9م) قائمًا بتدريس مادة المدخل الفقهي العام، ومدخل العلوم القانونية، وقواعد القانون المدني الوضعي.
  • شارك في وضع مشروع القانون المدني الأردني الجديد، المستمد من الفقه الإسلامي بصورة أساسية.
  • اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة عضوًا في المجمع الفقهي منذ إنشائه عام (١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م)، وقدم للمجمع عدة دراسات فقهية لمواضيع معاصرة.
  • اختارته إدارة التشريع والبحوث -في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية- عضوًا خبيرًا في لجنة الخبراء، الذين اختارتهم لوضع مشروع قانون مدني موحد للبلاد العربية، مستمد من الفقه الإسلامي ووافٍ بالحاجات الزمنية الحديثة، وذلك منذ عام ١٩٧٨م، ولا تزال اللجنة تواصل عملها.
  • كان أحد أعضاء هيئة التدريس بمعهد الدراسات العربية العليا، قسم الدراسات القانونية، بجانب فقهاء كبار وأجلاء، مثل عبد الرزاق السنهوري ومحمد يوسف موسى، وعبد الوهاب خلاف.
  • كان عضو اللجنة الرسمية التي وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري عام (١٣٧٢هـ - ١٩٥٢م).
  • ساهم في تأسيس كلية الشريعة في جامعة دمشق، ووضع مناهجها عام (١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م)، وكان فيها العديد من جوانب التجديد في تدريس الشريعة الإسلامية.

 

رابعًا: مشروعه الفكري ومنهجه

اهتم الأستاذ الزرقا بالعديد من المجالات التي تخص حاضر الفقه الإسلامي ومستقبله، ومنها:

  • تقريب صياغته حين كتب الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، وأشار إلى ضرورة تعديل صياغة الفقه الإسلامي بما يتناسب مع ذوق العصر.
  • التأصيل للنظريات الكبرى التي تحكم الفكر الفقهي، فقد كتب العديد من النظريات التي أصبحت مرجعًا هامًّا للباحثين والمقارنين على المستوى القانوني والفقهي مثل: نظرية الأهلية، والعرف، والفساد، والالتزام، كما اجتهد في بيان النظريات الفقهية التي تساعد في تطوير القوانين العربية مثل: نظرية التعسف في استعمال الحق.
  • العمل على مراجعة القوانين وإحلال الفكر الفقهي مكانها، ويظهر ذلك جليًّا في تعليقه على القانون المدني السوري، فلا يكاد يترك مادة إلا وبيَّن موقف الفقه الإسلامي منها، ومن ينظر إلى حواشي كتبه الحديثة يجدها كثيرة الإشارة إلى هذا الأمر.
  • الاهتمام بوضع موسوعات للفقه الإسلامي؛ لتيسير مراجعة أحكامه كفكرة الموسوعة الكويتية الذي كان واحدًا من مؤسسيها.
  • اعتنى بالمعاملات الحديثة وخاصة الأعمال المصرفية، واجتهد بصورة قوية في تأصيل المصارف التي تتوافق مع تصور الفقه الإسلامي، فقد كتب بحثًا في تطوير العمل المصرفي في البنوك، كما أشرف على عدد من البنوك التي حاولت تبني المنهج الإسلامي في تعاملاتها.
  • أما عن منهج الزرقا المقارن فيمكن أن نتلمسه من خلال الآتي:

أولًا: يهدف إلى تطوير الفقه الإسلامي، لكنه يرى أن التطوير لا يتعدى حدود الصياغة، ولا يحتاج سوى عملية تنظيمية لأحكامه، يقول الزرقا: "فهدفي أن أقلب صياغة الفقه الإسلامي، فأبني من قواعده ومبادئه نظرية عامة على غرار نظرية الالتزام العامة في الفقه القانوني الأجنبي الحديث؛ خدمة لفقهنا الجليل كي يتجلى ما فيه من جوهر نفيس كان محجوبًا بالأسلوب القديم الذي أصبح عسير الهضم على رجال العصر وفاء للحاجة إلى الطريقة التعليمية الحكيمة في الدراسة الجامعية لهذا العلم، أما الأحكام فقد أغنى التشريع الإسلامي عن كل اقتباس فيها عن أمة أخرى وتشريع غريب بما في الفقه الإسلامي الواسع الأفق من القواعد العامة المتنوعة، والأسس الثابتة التي رسخت فيها فكرة إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، ودرء المفاسد وجلب المصالح، واحترام الإرادات والعقود، ومنع الإكراه وإسقاط ما يترتب عليه، وإزالة الضرر واعتبار الضرورات، ومسؤولية التسبب، وتنويع وتوزيع الضمانات بعدل متوازن، واعتبار العرف والعادات في العقود والأعمال والالتزامات، إلى غير ذلك من المبادئ الأساسية الكثيرة المغنية في التشريع الإسلامي وفقهه".

ثانيًا: يعتمد  الزرقا في عملية المقارنة على المذهب الحنفي، ويتطرق أحيانًا للمذاهب الأخرى حين لا يجد حلًّا، يقول الزرقا: "وقد اتخذت من المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي أساسًا للبحث لأنه المعمول به في القضاء مع الإلمام بالمذاهب الأخرى في بعض المواطن بحسب حاجة البحث".

ثالثًا: اهتم الزرقا في مقارناته بالجانب النقدي في إظهار مدى تفوق الفقه الإسلامي على غيره، ولنا أن نفسر هذا التركيز على نقد القانون الفرنسي أو المصري ذي المرجعية الفرنسية بالظروف المحيطة به، حيث لم يكن الدافع للمقارنة -في المقام الأول- هو الإفادة منها، بل كان الدافع هو رد حالة العدوان التشريعي التي استباحت سوريا في عصره، ولا أدل على ذلك من مقدمته، فقد وضح أنه يحلم بأن يكون هناك قانون مدني مستمد من الفقه الإسلامي، وكتب بحثًا توجيهيًّا بعنوان (قانوننا المدني المنتظر وفضل بنائه من الفقه الإسلامي)، لكن الزرقا -وهو في طريقه إلى هذا العمل- فوجئ بإصدار القانون المدني السوري في عهده عام 1949م، وكان صدور هذا القانون بمساعي السيد أسعد الكوراني، الذي أقنع سيده الذي تولى السلطتين التشريعية والتنفيذية بأن قانونًا مدنيًّا أجنبيًّا بدلًا من التشريع الإسلامي في هذه البلاد هو خير وسيلة لخلود الذكر وعظيم المكانة في نظر الأجانب، وأوهمه أن هذا العمل يجعله كنابليون الذي كان القانون المدني الفرنسي أكثر تخليدًا له من فتوحاته! وقد وجدوا أن القانون المدني المصري الجديد يحقق هذا الغرض؛ لأنه أجنبي أوروبي المصادر، فأصدروه بين عشية وضحاها بجرة قلم، وهدموا بها أعظم صرح فقهي في العالم، وأقاموا بها قانونًا لا مرجع فيه لقاضٍ أو محامٍ أو دارس إلا أصوله واصطلاحاته الأجنبية.

وقد رأى الزرقا أن خير عمل يقوم به بعد هذه الجناية التي جنتها على مجد العروبة الفقهي أيدي شعوبية أثيمة -هو أن يتابع صياغة هذه السلسلة الفقهية الجديدة بتبسيط وإحكام؛ كي يعرف الجيل العربي الحقوقي الجديد ما أفاد وما ضاع، فيفتح له طريق الرجوع بعد أن يملك من المعرفة ما يحكم به على تلك الجناية وجناتها، واستعان الزرقا -في سبيل تحقيق هذا الغرض من المقارنة- بكل الكتب التي تقوم بنقد القانون المصري، ومنها كتاب: نقد مشروع القانون المدني الجديد، وطلب استمداده من فقه الشريعة الإسلامية بمذاهبه المختلفة مع نموذج لكتاب العقد من القانون مستمدًّا من الفقه الإسلامي قام بوضعه جماعة من علماء القانون والشريعة الإسلامية كلية الحقوق بجامعة القاهرة.

والزرقا لا يقف عند مرحلة النقد فقط، بل يرمي إلى أبعد من ذلك حين يقرر أن الفقه الإسلامي أمد الفكر القانوني بالعديد من المصطلحات، "ففي الاصطلاح القانوني الشائع اليوم في عصرنا يسمى انسحاب الأحكام على الماضي (أثرًا رجعيًّا)، ويستعمل هذا التعبير في رجعية أحكام القوانين نفسها كما في آثار العقود على السواء، فيقال: هذا القانون له أثر رجعي، وذاك ليس له، كما يقال: إن بيع ملك الغير بدون إذنه إذا أجازه المالك يكون لإجازته أثر رجعي، فيعتبر حكم العقد ساريًا منذ انعقاده لا منذ إجارته، وليس في القانون اسم لعدم الأثر الرجعي. أما الفقه الإسلامي الغني بلغته ومصطلحاته التي تتجلى فيها عبقرية فقهائه خلال العصور، فيسمي عدم "رجعية الآثار" اقتصارًا "بمعنى أن الحكم يثبت مقتصرًا على الحال لا منسحبًا على الماضي، ويسمي رجعية الأثر (استنادًا) وهو اصطلاح المذهب الحنفي، ويسميه المالكية: "انعطافًا"، وقانوننا المدني الجديد قد اقتبس هذا الاصطلاح من الفقه الإسلامي، فاستعملوا فيه لفظ الاستناد بمعنى الأثر الرجعي".

 

خامسًا: من مؤلفاته

 (أ) الفقه وأصوله.

  • المدخل الفقهي العام.
  • المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي.
  • العقود المسمَّاة في الفقه الإسلامي: عقد البيع.
  • وهذه الكتب الثلاثة صدرت تحت شعار الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد.
  • أحكام الأوقاف (الجزء الأول).
  • نظام التأمين: حقيقته، والرأي الشرعي فيه.
  • الفقه الإسلامي ومدارسه.
  • أحكام الزواج والأحوال المتفرِّعة عنه في سورية.
  • عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.
  • الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقهها.
  • الشمس الجلية في الرد على من أفتى ببطلان أوقاف الذرية.
  • فتاوى مصطفى الزرقا.
  • قرارات الهيئة الشرعية لشركة الراجحي.

 (ب) في القانون والصياغة التشريعية.

  • الفعل الضار والضمان فيه.
  • مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد في عهد الوحدة.
  • صياغة قانونية لنظرية التعسف باستعمال الحق في القانون الإسلامي.
  • شرح القانون المدني السوري: نظرية الالتزام العامة، المصادر: نظرية العقد والإرادة المنفردة.

 

 سادسًا: وفاته

بعد حياة قاربت على المائة من الجهد والاجتهاد والعطاء المتميز توفى شيخنا -رحمه الله- في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وذلك عصر يوم السبت 19/3/1420هـ الموافق 3/7/1999م.

 

 

 

 

 

المراجع:

  • علماء ومفكرون عرفتهم، محمد المجذوب، دار الشروق، مصر، الطبعة الرابعة، 2001م.
  • فتاوى مصطفى الزرقا، مجد مكى، دار القلم بدمشق، سنة (1999م).
  • صياغة قانونية لنظرية التعسف باستعمال الحق في القانون الإسلامي، مصطفى الزرقا، ط. دار البشير بعمَّان، سنة (1983م).
  • وجوب تطبيق الشريعة والشبهات التي تثار حول تطبيقها، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام سعود بالرياض، مطبوعات إدارة النشر والثقافة بجامعة محمد بن سعود، الرياض، (1401/1981م)، وقد شارك الرزقا ببحث قيم في هذا المؤتمر.
  • المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 142هـ/2004م.
  • المصارف: معاملاتها وودائعها وفوائدها، ط. جدة، سنة (1984م)، وقرارات الهيئة الشرعية لشركة الراجحي، ط. الرياض، سنة (1998م)، وكان الشيخ الزرقا عضوًا في الهيئة التي أصدرت القرارات.