محكمــــة النقــــض

الدائــــــرة المـــدنيـــة

دائرة الخميس (ج)

محضر جلسة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

برئاسة السيد القاضي/ شريـــــــــف ســـــــلام         "نائـــــــب رئيس المحكمة"

وعضويـــــة السادة القضاة/ خالــــــد مصطفـــــــى، وائـــــــل قنديـــــــــــــل حمــــــدي طاهــــــــــر وعـــــــــلاء الزهيـــــــري

"نـواب رئيس المحكمــــــــة"

 

وبحضور أمين السر السيد/ أشرف مصطفى.

في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.

في يوم الخميس 23 من جمادى الأولى سنة 1445هـ الموافق 7 من ديسمبر سنة 2023م

أصدرت القرار الآتي:

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 11213 لسنة 89 ق.

المرفوع من

 

السيدة/ ..................................

المقيمة في/ ..................................

ضد

1- السيدة/ ..................................

2- السيدة/ ..................................

المقيمان في/ ..................................

3 ورثة/ .................................. وهم:

أ- السيد/ ..................................

ب السيدة/ ..................................

ت - السيدة/ ..................................

ث - السيدة/ ..................................

4- ورثة/ .................................. وهو:

السيد/ .................................. عن نفسه وبصفته ولى طبيعي على ولديه ..................................

5- ورثة/ .................................. وهم:

أ- السيد/ ..................................

ب - السيد/ ..................................

ت السيدة/ ..................................

ث - السيدة/ ..................................

المقيمون في/ ..................................

6- ورثة/ .................................. وهم:

أ- السيد/ ..................................

ب - السيد/ ..................................

ت - السيدة/ ..................................

المقيمون في/ ..................................

ث - السيد/ ..................................

المقيم في/ ..................................

المحكمـــــــة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة:

لما كان من المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أن النص في المادة 970 من القانون المدني في فقرتها الأولى على أنه (في جميع الأحوال لا تكسب حقوق الإرث بالتقادم إلا إذا دامت الحيازة مدة ثلاث وثلاثين سنة) مفاده -وفقًا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة- أن حق الإرث يسقط بمضي ثلاث وثلاثين سنة، فلا يجوز سماع دعوى المطالبة به متى أنكره الورثة؛ لأن التركة ليست شيئًا ماديًا ترد عليه الحيازة، وإنما هي مجموع من الأموال لا تقبل أن تكون محلًا لها. وعلى ذلك فإن إعمال هذا النص في خصوص حق الإرث مقصور على سقوط الحق في الدعوى عند الإنكار وسريان قواعد التقادم المسقط لا المكسب، وليس في القانون ما يحرم الوارث أن يتملك بالتقادم نصيب غيره من الورثة متى استوفى الشرائط الواجبة في القانون.

لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه أقام قضاءه برفض الدعوى على ما أورده بمدوناته "أن المستأنفتين لم تقيما أية دعوى للمطالبة بحقهما في الإرث لكي يتم دفعها بسقوط حقهما فيه أو بعدم جواز سماعها كما أن المستأنف ضدهم ليسوا هم كل الورثة ... المستحقين للتركة/ [تم حجب الاسم] حتى يمكن القول أن كل الورثة أنكروا على المستأنفتين حقهما في تركة مورثهما؛ إذ من الجائز أن يقر باقي الورثة بحق المستأنفتين في التركة لا سيما وأن مجرد ترك عقار للتداعي أو إهماله -إن كان- مهما طال الزمن من غير أن يتعرض له أحد أو يغتـصبه وينكر حق المستأنفتين فيه لا يترتب عليه البتة -لا في الشريعة الإسلامية ولا في غيرها من الشرائع- لا سقوط حق ملكيته ولا منع سماع الدعوى به لو تعرض لها متعرض بعد زمن الإهمال المديد"؛ فإن هذا الذي أوردته المحكمة إن هو إلا إنزال لحكم القانون الصحيح على واقع الدعوى ويكون النعي في هذا الخصوص على حكمها بالوجه الثاني من السبب الأول والسبب الثاني على غير أساس.

ولما كانت الأوراق قد خلت مما يدل على سبق تمسك الطاعنة ببطلان إعلان تصحيح شكل الاستئناف أمام محكمة الموضوع ولم تقدم الدليل على تمسكها بهذا الدفع أو محاضر جلسات الاستئناف، فلا يجوز لها التمسك به لأول مرة أمام محكمة النقض ويكون النعي بالوجه الأول من السبب الأول عارٍ عن الدليل غير مقبول، ويكون الطعن مقامًا على غير الأسباب المبينة بالمادتين 248، 249 من قانون المرافعات وتأمر المحكمة بعدم قبوله عملًا بالمادة 3/263 من ذات القانون.

 

لــــــــذلـــــــك

أمرت المحكمة –في غرفة مشورة– بعدم قبول الطعن، وألزمت الطاعنة المصروفات مع مصادرة الكفالة.

 

أمين السر                                                                                   نائب رئيس المحكمة

يُعد كتاب "في التسيير والتخيير: بين الفلسفة العامة وفلسفة القانون" للفقيه الدكتور رءُوف عبيد، أطروحةً فلسفيةً قانونيةً تتصدى لواحدة من أعقد الإشكاليات الوجودية والمعرفية التي واجهت العقل البشري، وهي جدلية الحتمية والحرية الإنسانية؛ إذ ينتهج المؤلف مقاربةً بينيةً تدمج بين "المنهج الوضعي" المستند إلى الحقائق العلمية والروحية، وبين "التحليل القانوني" المعمق، بهدف تفكيك مذهب الجبرية المطلقة وتأصيل مفهوم "حرية الإرادة" كحقيقة واقعية ونظام كوني، مبرهنًا على أن العدالة الجنائية والتشريعات العقابية تفقد مشروعيتها الأخلاقية والمنطقية ما لم ترتكز على أساس راسخ من الاختيار الحر والمسؤولية الفردية، وذلك في سياق توفيقي يربط بين نواميس السماء وقوانين الأرض.

الإطار التمهيدي والمنهجي للكتاب:

أسس الدكتور رءوف عبيد أطروحته في مقدمة الكتاب بوضع القارئ أمام المعضلة الوجودية الكبرى التي يرى أنها من أخطر ما واجه العقل البشري، وهي التناقض الظاهري بين "عدالة السماء والأرض" وبين "القدرية المطلقة". وطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى المسؤولية القانونية والأخلاقية إذا كان الإنسان مُسيرًا في كل خطوة يخطوها، رافضًا الركون إلى التفسيرات الجبرية المتشائمة التي سادت لدى بعض الفلاسفة مثل شوبنهور أو الشعراء كأبي العلاء المعري. ومن الناحية المنهجية، تبنى المؤلف "الأسلوب الوضعي" المستند إلى أفكار أوجست كونت، لكنه لا يقف عند حدود المادة الصرفة، بل يمد هذا المنهج ليشمل الحقائق التي يكشف عنها "العلم الروحي الحديث"، معتبرًا أن الوصول إلى اليقين يتطلب دمج الحقائق المادية بالحقائق الروحية المثبتة تجريبيًا، وذلك لتأصيل حرية الإرادة كحقيقة واقعية لا مجرد افتراض نظري، وهو الأساس الذي لا غنى عنه لقيام أي نظام قانوني عادل.

الباب الأول: الجوانب العامة وجدلية العلم والاعتقاد

ناقش المؤلف في هذا الباب العلاقة الجدلية بين العلم والاعتقاد، مؤسسًا لنظرية تكاملية تنفي الصراع الحتمي بينهما، وذهب الكتاب إلى أن التطور العلمي، ونظريات التطور البيولوجي، لا تتعارض مع الغريزة الدينية، بل تهذبها وتنتقل بها من مرحلة "الإذعان الأعمى" إلى مرحلة "الإيمان المستنير". واستعرض الباب موقف العلم الحديث من الغريزة الدينية، وكيف أن الصراع بين العلم والدين نشأ نتيجة جمود المفاهيم اللاهوتية القديمة، مقدمًا رؤية توفيقية تربط بين النظريتين المادية والروحية. وخلص إلى أن الفهم العميق لنواميس الكون يثبت أن الحرية الإنسانية جزء من النظام الكوني وليست خروجًا عليه، مما يمهد الطريق لمناقشة التسيير والتخيير من منظور يتجاوز التناقض التقليدي بين "الحتمية العلمية" و"الإرادة الحرة".

الباب الثاني: النواميس الخلقية الطبيعية

انتقل المؤلف في هذا الجزء إلى تأصيل الأخلاق، طارحًا فرضية أن الأخلاق ليست مجرد توافقات اجتماعية نسبية، بل هي "نواميس طبيعية" ثابتة تحكم السلوك الإنساني مثلما تحكم الجاذبية الأجسام المادية. استعرض المؤلف تاريخ الفكر الأخلاقي بدءًا من الحضارة الفرعونية والإغريقية وصولًا إلى العصر الحديث، متوقفًا بالنقد والتحليل عند مدارس الإنكار، وعلى رأسها فلسفة نيتشه التي حاولت هدم القيم التقليدية. أثبت المؤلف من خلال معطيات علم النفس وعلم الإجرام أن هناك قانونًا طبيعيًا للأخلاق قوامه التفاعل بين "الإيثار" (كمحرك للخير وبقاء الجماعة) وبين "الأثرة" (حب الذات)، وأن الخروج على هذه النواميس يولد اضطرابًا فرديًا واجتماعيًا، مما يؤكد أن الإنسان مزود ببوصلة أخلاقية فطرية تمكنه من الاختيار.

 الباب الثالث: السببية بين التشريع الطبيعي والوضعي

خصص المؤلف هذا الباب لتحليل مبدأ "السببية"، لا باعتباره قانونًا فيزيائيًا فحسب، بل كناموس أخلاقي وقانوني يحكم الوجود. يربط العرض بين المفهوم الفلسفي للسببية (كما عند الغزالي وديفيد هيوم) وبين تطبيقاتها في العلوم الوضعية التي تهتم بالمسببات والنتائج. يوضح المؤلف أن السببية هي الجسر الذي يربط بين الفعل والمسؤولية؛ فبدون الإيمان بأن لكل فعل نتيجة، تفقد القوانين الوضعية معناها. كما يشير إلى أن السببية الطبيعية تتضمن جوانب من "الرحمة" أو المرونة التي تتيح للإنسان تصحيح مساره، وهو ما يجب أن ينعكس في التشريع الوضعي. وخلص الباب إلى أن السببية ليست قيدًا يلغي الحرية، بل هي النظام الذي تمارس الإرادة الحرة عملها من خلاله، مما يجعل التنبؤ بالسلوك البشري ممكنًا دون نفي الاختيار.

 الباب الرابع: الإرادة والعقل عبر التاريخ الفلسفي

قدم هذا الباب مسحًا تاريخيًا وتحليليًا شاملًا لتطور مفهوم "الإرادة الحرة" والعقل. يبدأ من الفلسفة الإغريقية (أفلاطون وأرسطو والرواقيين)، مرورًا بالفلسفة الوسيطة والحديثة (القديس أوغسطين، ديكارت، كانط، هيجل)، وصولًا إلى الفلسفات المعاصرة (وليام جيمس، برجسون، وسارتر). يركز التحليل على العلاقة العضوية بين "الإرادة" و"العقل"، حيث اعتبر المؤلف العقل "سيد الإرادة" وموجهها. يناقش الباب بعمق فلسفة التشاؤم عند شوبنهور الذي نفى الإرادة الحرة، ويرد عليها بفلسفة تفاؤلية ترى في الوعي والعقل أدوات للتحرر. انتهي هذا الجزء بتعريف الإرادة الحرة تعريفًا علميًا ينفي عنها العشوائية، ويؤكد قدرة الإنسان على الاختيار الواعي رغم الضغوط الخارجية.

الباب الخامس: موقف العقل والإرادة من النواميس الطبيعية:

عالج هذا الباب إشكالية العلاقة بين حرية الإنسان وحتمية القوانين الطبيعية. وطرح المؤلف فكرة مركزية وهي "واجب الاتساق"، أي أن الحرية الحقيقية لا تعني التمرد على قوانين الطبيعة، بل تكمن في فهمها والاتساق معها. يحلل المؤلف ظاهرة "الألم" والشر، معتبرًا إياهما نتاجًا للاحتكاك الناشئ عن مخالفة الإرادة للنواميس الطبيعية، وبالتالي فإن للألم وظيفة تهذيبية تنبه الإرادة وتصحح مسارها. استند العرض هنا إلى فلسفة كانط ومفهوم الواجب، ليؤكد أن احترام النواميس الكونية هو قمة ممارسة الحرية، وأن الإنسان يملك القدرة على تطويع هذه النواميس لخدمته بدلًا من الصدام معها، مما يثبت مساحة واسعة للاختيار والتطوير.

الباب السادس: التسيير المطلق ومذهب الجبرية:

تصدى المؤلف في هذا الباب للحجج القائلة بـ "التسيير المطلق" أو الجبرية. وعرض أسانيد هذا المذهب، سواء كانت أسانيد مادية بيولوجية (الوراثة والجينات) أو اجتماعية بيئية، والتي ترى الإنسان مجرد آلة تحركها ظروف خارجة عن سيطرته. ثم انتقل المؤلف إلى مرحلة النقاش والتفنيد، مبينًا تهافت النظرية المادية الصرفة، وموضحًا أن العوامل الوراثية والبيئية تمثل "ميولًا" أو "دوافع" ولكنها لا تصل لدرجة "الحتميات" القهرية التي تلغي الإرادة. حذر المؤلف من أن قبول الجبرية المطلقة يؤدي منطقيًا إلى هدم المسؤولية الأخلاقية، ونفي البطولة والشجاعة، وتحويل الحياة إلى مسرحية عبثية مكتوبة سلفًا، وهو ما يرفضه الواقع والوجدان الإنساني السليم.

 الباب السابع: التوفيق بين التسيير والتخيير (نظرية الكتاب):

يمثل هذا الباب ذروة البناء الفلسفي للكتاب، حيث قدم المؤلف رؤيته التوفيقية. واستعرض محاولات التوفيق السابقة عند فلاسفة الغرب (مثل توما الأكويني ومالبرانش) وفلاسفة الإسلام (المعتزلة، الأشاعرة، ابن رشد، ومحمد عبده). يخلص المؤلف إلى صياغة نظرية تعتمد على "الحقائق الوضعية"، محورها "الضمير" الإنساني. يرى أن الإنسان "مسيَّر" في الأطر العامة لوجوده وفيما لا يملك تغييره من سنن كونية، ولكنه "مخير" في دائرة سلوكه وردود أفعاله تجاه هذه الأقدار. وأكد أن تفاعل الروح مع المادة يخلق مساحة للمسؤولية، وأن القدر لا يعمل بشكل عشوائي، بل يترك مساحة لحرية الاختيار التي تتجلى في صوت الضمير والقدرة على التمييز بين الخير والشر.

الباب الثامن: التطبيق في المدارس العقابية:

ينقلنا المؤلف من الفلسفة النظرية إلى التطبيق العملي في علم العقاب. يستعرض الصراع التاريخي بين "المدرسة التقليدية" (بكاريا وبنتام) التي بنت نظام العقاب على حرية الإرادة المفترضة والردع، وبين "المدرسة الوضعية الإيطالية" (لومبروزو، فيري، جاروفالو) التي نظرت للمجرم كمريض مسير بعوامل بيولوجية واجتماعية وطالبت بالتدابير الوقائية بدلًا من العقوبة. ينتصر المؤلف للاتجاهات الحديثة مثل "حركة الدفاع الاجتماعي" والمدرسة "التقليدية الجديدة"، التي تحاول التوفيق بين حماية المجتمع وبين العدالة الفردية، معترفة بنسبية حرية الإرادة وضرورة تفريد العقاب ليلائم ظروف كل جانٍ، بدلًا من التمسك بقواعد جامدة لا تراعي الفروق الفردية.

الباب التاسع: التسيير والتخيير في التشريع العقابي المصري والمقارن:

دخل هذا الباب في صلب القانون الجنائي، محللًا نصوص التشريع المصري والمقارن لإثبات ارتكازها على مبدأ حرية الإرادة، حيث فصل المؤلف في أركان الجريمة، موضحًا كيف أن "القصد الجنائي" (العمد) يتطلب انصراف إرادة الجاني الحرة لارتكاب الفعل، وكيف أن القانون يعالج "الخطأ غير العمدي". ثم أسهب في شرح عوارض الأهلية وموانع المسؤولية، مثل الجنون، والعاهات العقلية، والسكر (بنوعيه الاختياري والاضطراري)، والإكراه، وحالة الضرورة. يثبت المؤلف من خلال هذا التحليل الدقيق أن المشرع المصري جعل "حرية الاختيار" شرطًا لازمًا للمسؤولية، فإذا انتفت الحرية (كما في الجنون أو الإكراه) انتفت العقوبة، مما يؤكد التطبيق العملي لفلسفة التخيير في قاعات المحاكم.

الباب العاشر: التسيير والتخيير في التشريع الإجرائي:

اختتم العرض التفصيلي بمناقشة قانون الإجراءات الجنائية، موضحًا أنه السياج الذي يحمي حرية الإرادة أثناء الخصومة الجنائية. كما استعرض ضمانات المتهم، مثل الحق في الصمت، وحق الدفاع، وحظر انتزاع الاعترافات بالإكراه المادي أو المعنوي، وقرينة البراءة. ورأى المؤلف أن هذه الإجراءات ليست مجرد شكليات، بل هي اعتراف قانوني بكرامة الإنسان وحريته، تهدف لضمان ألا تُسلب حرية الفرد إلا بناءً على دليل يقيني صادر عن إرادة حرة ومحاكمة عادلة. كما يناقش قضايا تسبيب الأحكام وتنفيذ العقوبات، معتبرًا أن غاية الإجراءات هي تحقيق التوازن بين سلطة المجتمع في العقاب وبين حق الفرد في ممارسة حريته في الدفاع عن نفسه.

 الباب الحادي عشر: الخاتمة والنتائج النهائية:

في ختام الكتاب، لخص الدكتور رءوف عبيد نظريته الشاملة، مؤكدًا أن الحياة هي محصلة لتفاعل خلاق بين "التسيير" (الماضي والحتميات) و"التخيير" (الحاضر والمستقبل). ونفي فكرة الصدفة العبثية، وأكد أن عدالة السماء وعدالة الأرض تلتقيان عند حقيقة المسؤولية القائمة على الحرية. وخلص إلى أن الإيمان بحرية الإرادة -ولو كانت نسبية- هو ضرورة حتمية لاستقامة الحياة، وأن الإنسان بصراعه مع القدر وممارسته لحريته يحقق غاية وجوده ويرتقي بضميره الإنساني.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* رءوف عبيد، في التسيير والتخيير: بين الفلسفة العامة وفلسفة القانون، دار الفكر العربي، القاهرة: الطبعة الثالثة، 1984.

** الدكتور رءُوف عبيد (1917–1989) هو أحد أعمدة الفقه الجنائي في العالم العربي، جمع في مسيرته بين صرامة القانون وتحليق الفلسفة الروحية. بدأت رحلته الأكاديمية بتفوق لافت، حيث تدرج في المناصب العلمية بكلية الحقوق جامعة عين شمس حتى شغل منصب رئيس قسم القانون الجنائي ثم وكيلًا للكلية، ليصبح واحدًا من أشهر أساتذة "الجيل الذهبي" للقانون في مصر. لم تقتصر مسيرة د. عبيد على التدريس، بل كان مرجعًا استشاريًا ومحاميًا قديرًا أمام محكمة النقض، وصاحب مدرسة قانونية تعتني بـ "أصول علمي الإجرام والعقاب" وربط النصوص القانونية بالواقع العملي. وتقديرًا لإرثه العلمي الذي تتلمذت عليه أجيال من القضاة والمحامين، خلدت جامعة عين شمس ذكراه بإطلاق اسمه على إحدى كبرى قاعات كلية الحقوق. تتنوع مؤلفات الدكتور رؤوف عبيد بين رصانة الفقه القانوني وعمق الدراسات الروحية، حيث قدم للمكتبة القانونية مراجع لا غنى عنها مثل كتاب "المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية" بمجلديه، وكتاب "أصول علمي الإجرام والعقاب"، بالإضافة إلى مؤلفاته التخصصية ككتاب "جرائم التزييف والتزوير" و"مبادئ القسم العام من التشريع العقابي" ودراسته الهامة حول "السببية في القانون الجنائي". أما في الجانب الفلسفي والميتافيزيقي، فقد اشتهر بمؤلفات أثارت صدى واسعًا، أبرزها موسوعته "الإنسان روح لا جسد"، وكتابه الجدلي "في العودة للتجسد"، إلى جانب كتب أخرى مثل "في الإلهام والاختبار الصوفي" و"الاتصال بين عالمين" و"عروس فرعون"، وهي أعمال تعكس محاولاته المستمرة للربط بين العلم المادي وما وراء الطبيعة.

يُمثل كتاب "في المنظور الحضاري الإسلامي: رؤى منهاجية وقضايا أساسية"، (الصادر عن دار "تاسك" بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2025م)، ضمن مشروع "وقف القلم" للأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح*، محاولة جادة لهندسة الوعي المسلم المعاصر. ومن الأهمية بمكان الإشارة ابتداءً إلى أن هذا العمل ليس كتابًا تقليديًا متصل الفصول تم تأليفه دفعة واحدة، بل هو في جوهره مجموعة من البحوث والدراسات المستقلة التي كتبها المؤلف في فترات وسياقات مختلفة، لكنها انتظمت جميعًا في خيط ناظم واحد هو "الهمّ الحضاري" والبحث عن "المنظور" حيث يعالج كل فصل إشكالية محددة بعمق، ويجمعها جميعًا إطار كلي يوضح أسس المنظور الحضاري الإسلامي.

وفي تقديمه للكتاب يرى د. سيف الدين عبد الفتاح أن المنظور الحضاري ينطلق من إطار مرجعي قيمي ومنهج موضوعي يهدف إلى تقديم حلول واقعية لمشكلات الإنسان، متجاوزًا المحلية إلى العالمية. ولتحقيق ذلك، يرى أن على الأمة الارتقاء بوعيها وأدواتها المعرفية لتواكب "عصر العالمية"، معتبرًا أن ما تمر به الأمة حاليًا من ضعف ليس إلا مرحلة مخاض وإنضاج للوعي استعدادًا لدورة نهضوية جديدة.

كما أكد د. سيف على ضرورة تأسيس "علم سياسة إسلامي" للتحرر من هيمنة المنظور الغربي. ويبرز الفارق الجوهري بينهما؛ ففي المنظور الغربي: تُعرَّف السياسة بأنها "صراع"، وبأنها تقوم على مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة". بينما في المنظور الإسلامي: تعرَّف السياسة بأنها "القيام على الأمر بما يصلحه" (الإصلاح والعمران)، وبأنها تقوم على مبدأ "الغاية تفرض الوسيلة" وتتقيد بالحق والعدل.

وأكد المؤلف على مركزية "بناء المفاهيم" فهي تعد حجر الزاوية في هذا المشروع، لأنها تشكل البنية الفكرية وتوجه السلوك والممارسة. لذا، تركز أبحاث الكتاب على تأصيل المفاهيم ووضع أطر منهجية وتفسيرية لها (مثل الاجتهاد الحضاري، المقاصد، والسُنن) كخطوة أولى نحو التغيير والإصلاح. وأوضح أن هذه الدراسات تندرج ضمن "مدرسة المنظور الحضاري الإسلامي" التي أسسها الدكتور حامد عبد الله ربيع، والتي يواصل جيلها الثالث (ومنهم المؤلف) مراكمة الجهود لاستكمال بنيانها المعرفي.

 

مقدمة أساسية حول عملية بناء المفاهيم

استهل الكتاب بمقدمة نظرية عميقة تؤسس لمركزية "المفهوم" في العملية المعرفية، حيث طرح د. سيف عبد الفتاح رؤية مفادها أن عملية "بناء المفاهيم" ليست مجرد ترفٍ أكاديمي أو عملية منعزلة تقتصر على صياغة "مفاهيم إسلامية أصيلة"، بل هي مشروع حضاري معقد وشائك يمس صميم الهوية والوجود الثقافي للأمة. ونظر د. سيف إلى المفاهيم كمنظومة مترابطة ومنسجمة تشبه البنيان، حيث لا يمكن التعامل معها ككتلة صماء واحدة، بل يجب التمييز بين مستوياتها المتعددة (المفاهيم القاعدية، المحورية، الإطارية، مفاهيم الوسائل والمقاصد، وغيرها). ولضبط هذه العملية، طرح منهجية دقيقة تتكون من إحدى عشرة قاعدة أو خطوة تأسيسية، تبدأ بتحديد "نسب المفهوم" وتصنيفه، ثم تحديد المقاصد من بنائه، والبحث في هويته ومرجعيته وتطوره التاريخي. وتستمر المنهجية بدراسة الوضع الراهن للمفهوم (خاصة "المفاهيم الرحّالة" التي تنتقل عبر الزمان والمكان)، لتصل إلى مرحلة اتخاذ موقف نقدي واعي (قبولًا أو رفضًا أو تعديلًا)، ثم الشروع في "إعادة البناء" وفق قواعد منضبطة. وشدد على ضرورة التعامل الحذر والذكي مع المفاهيم الوافدة من الحضارة الغربية، رافضًا منطق القبول المطلق أو الرفض المطلق، وداعيًا إلى "إفادة" واعية تميز بين الغث والسمين. وفي ذروة طرحه، دعا المؤلف إلى تأسيس علم جديد يسميه "هندسة المفاهيم" أو "العمارة المفاهيمية" ضمن أصول الفقه الحضاري، يهدف إلى ترتيب الأولويات المفاهيمية وفق سلم (الضروريات والحاجيات والتحسينيات)، لضمان أن يكون البناء المعرفي للأمة متماسكًا ومعبرًا عن هويتها المستقلة، بعيدًا عن التبعية العمياء أو الانغلاق غير المبرر.

 

بناء المفاهيم الإسلامية: ضرورة منهاجية

انتقل د. سيف من التنظير العام للمفاهيم إلى خصوصية "المفهوم الإسلامي"، معتبرًا أن قضية "بناء المفاهيم الإسلامية" ضرورة منهجية ملحة، لا مجرد ترف فكري، وذلك لمواجهة الهيمنة المعرفية للمفاهيم الغربية التي تسعى لتنحية المرجعية الإسلامية وتشويه وعي الأمة، وبدأ بتشخيص الواقع، مشيرًا إلى أن المفاهيم الغربية تُقدم كبدائل جاهزة ومفصلة، بينما تعاني المفاهيم الإسلامية من التبعثر والجزئية؛ مما يدفع الباحثين الإسلاميين إما إلى التقليد (قياس المفاهيم الإسلامية على الغربية) أو الرفض العاجز (دون تقديم بديل). وانتقل بعد ذلك لنقد أربع محاولات توفيقية أو تلفيقية سعت للتعامل مع هذا المأزق:

  1. محاولة المؤشرات الإجرائية: التي تحاول اختزال السلوك الإسلامي (الذي هو إيمان وعمل) في مؤشرات كمية مادية لا تعبر عن حقيقة التدين.
  2. محاولة التجديد اللغوي: التي تخلط بين المصطلحات القابلة للتغيير والحقائق الشرعية الثابتة.
  3. محاولة "منطقة العفو": التي تتعامل معها كفراغ تشريعي يمكن ملؤه بأي وافد، بينما هي منطقة رحمة منضبطة بالمقاصد.
  4. محاولة "التحيل": التي تفرغ المفهوم من مضمونه مع الإبقاء على شكله لتمرير أجندات مغايرة (مثل تبرير الاستبداد).

وفي هذا القسم طرح د. سيف مقترحًا لبناء المفاهيم الإسلامية يستند إلى خمس ركائز: العقيدة كأساس يضبط الحركة، الوعي النقدي لمواجهة التقليد، اللغة كأداة بيان دقيقة (تحاشي الألفاظ الموهمة)، الوحي (الكتاب والسنة) كمصدر تأسيسي، والخبرة التاريخية التي يجب تقويمها بمعيار المبادئ الثابتة لا العكس. وينتهي بجملة توصيات تؤكد على ضرورة بناء "منظومة مفاهيمية متساندة"، وضبط المصطلحات (كاستخدام "الإصلاح" بدل "الثورة")، وتحقيق المناط للمفاهيم المتشابهة (كالشورى والديمقراطية) لضمان الاستقلال المعرفي والحضاري للأمة.

 

مفهوم الشرعية

عالج الكتاب قضية "الشرعية" (Legitimacy) كقضية مفصلية في الفكر السياسي الإسلامي، حيث فكك د. سيف هذا المفهوم ليعيد تركيبه بعيدًا عن المنظور الوضعي الضيق. ربط الكاتب بين مصطلح "الشرعية" وجذره اللغوي والاصطلاحي "الشريعة"، مؤكدًا أن الشرعية السياسية في الإسلام لا تنفك عن الالتزام بالمرجعية العليا (الشريعة) وعن رضا المحكومين (الشورى والبيعة). وفي هذا القسم نَقد المؤلف النظم التي تفصل بين الأخلاق والسياسة، وقدم طرحًا يرى أن الحاكم يستمد شرعيته من مدى تحقيقه للعدل ومقاصد الدين، وليس من مجرد التغلب أو القوة المادية، مما يجعل "الشرعية" مفهومًا مركبًا يجمع بين الرضا الشعبي والالتزام المبدئي القيمي.

 

العملية الاجتهادية وأصول الفقه الحضاري: دراسة في سياقات المدخل المقاصدي

مثل هذا القسم قلب المشروع التجديدي في الكتاب، حيث دعا د. سيف إلى توسيع دائرة الاجتهاد الفقهي ليتجاوز الفتاوى الجزئية الفردية إلى ما أسماه "الفقه الحضاري" أو "فقه العمران"، وشرح كيف يمكن توظيف "مقاصد الشريعة" (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) كأطر كلية لتوجيه حركة المجتمع والدولة لا مجرد حماية حقوق الأفراد. وطرح د. سيف فكرة أن الاجتهاد الحضاري يتطلب "فقهًا للواقع" يوازي "فقه النص"، مما يستدعي من الفقيه والمفكر إدراكًا عميقًا للسنن الاجتماعية والتحديات العالمية، ليكون الفقه قادرًا على صناعة الحضارة وليس مجرد رد فعل على النوازل.

 

مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)

في الجزء الأول من تناول قضية التنمية، قدم الكتاب نقدًا جذريًا لمفهوم التنمية الغربي الذي يركز غالبًا على المؤشرات الاقتصادية المادية (النمو، الدخل القومي) ويهمل الأبعاد الإنسانية والروحية. وطرح د. سيف بديلًا ينطلق من الرؤية المقاصدية، حيث تُعرّف التنمية بأنها عملية "عمارة الأرض" التي استخلف الله فيها الإنسان. ركز هذا القسم على تأصيل مفهوم "الحياة الطيبة" كغاية للتنمية الإسلامية، والتي تجمع بين الكفاية المادية والسكينة الروحية، مستدعيًا نصوصًا قرآنية ونماذج تراثية تؤكد أن التنمية في الإسلام عملية شاملة لا تقبل التجزئة بين المادي والقيمي.

 

مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (2)

استكمل هذا القسم ما بُدأ في القسم السابق، ولكنه يغوص أكثر في التفاصيل الإجرائية والمعايير. وناقش الكتاب هنا كيف تتحول المقاصد الخمسة إلى "مؤشرات تنموية"؛ فمثلًا، حفظ النفس لا يعني فقط منع القتل، بل يشمل الرعاية الصحية وتوفير الغذاء والأمن (التنمية البشرية)، وحفظ العقل يشمل التعليم والبحث العلمي، وحفظ المال يشمل التنمية الاقتصادية والعدالة في التوزيع. ربط د. سيف بين أفكار ابن خلدون في العمران وبين نظريات التنمية المعاصرة، ليقدم نموذجًا تنمويًا يرى أن "العدل هو أساس العمران"، وأن الظلم (السياسي أو الاقتصادي) هو المؤذن بخراب العمران وانهيار التنمية.

 

العلاقة بين الديني والمدني والسياسي: مقدمات منهجية

خاض الكتاب في مساحة شائكة تتعلق بجدلية "الديني والسياسي"، حيث رفض د. سيف الثنائيات الحادة (دولة دينية ثيوقراطية مقابل دولة علمانية لا دينية). وقدم العرض هنا طرحًا منهجيًا يميز بين "المقدس" (الوحي) و"البشري" (الاجتهاد والممارسة السياسية)، مؤكدًا أن المجال السياسي في الإسلام هو مجال "مدني" بامتياز، يخضع للاجتهاد البشري والمصلحة المرسلة، ولكنه يعمل داخل "إطار مرجعي قيمي" يحدده الدين. وضح د. سيف أن "المدنية" في الإسلام لا تعني إقصاء الدين، بل تعني تحويل قيم الدين إلى موجهات للسلوك المدني والسياسي، مما يؤسس لمجتمع مدني فاعل ومسؤول.

 

المنهجية الإسلاميّة: سباعية القيم كإطارٍ مرجعي

قدم د. سيف في هذا القسم إطارًا تحليليًا مبتكرًا يعتمد على ما يسميه "المنظومة القيمية" أو سباعية القيم (العقيدة الدافعة: تمثل الأساس والدافع النفسي والسلوكي (التوحيد والتزكية). والشرعة الرافعة: القواعد والأحكام التي ترفع الإنسان وتنظم حياته. والأصول الحاكمة: قيم حاكمة مثل العدل، الشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمة الجامعة: تعزيز الوحدة، الخيرية، والشهود الحضاري. والحضارة الفاعلة: التركيز على الحضور والفاعلية في البناء والعمران وليس الوجود الشكلي. والسنن القاضية: القوانين الإلهية في الكون والنفس والتاريخ (سنن التغيير). والمقاصد الحافظة: حفظ المقاصد الشرعية (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) كغايات للفعل الاجتماعي). وشرح المؤلف كيف أن هذه القيم ليست مجرد شعارات أخلاقية، بل هي "أدوات منهجية" و"مفاهيم حاكمة" يمكن من خلالها تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية؛ ما يجعل هذه القيم تشكل شبكة مترابطة توجه العقل المسلم في فهم العالم والتعامل معه.

 

المنهجية الإسلامية: المقومات وأطر التحليل وقواعد التفسير

انتقل الكتاب هنا إلى البعد الفني في المنهجية، حيث فصَّل د. سيف في الأدوات التي يستخدمها الباحث المسلم في التحليل والتفسير. وتناول المؤلف قواعد التفسير التي تربط الظواهر بأسبابها المباشرة وغير المباشرة، مع استحضار البعد الغيبي والسنني. وركز على بيان أن المنهجية الإسلامية منهجية "كلية" و"توحيدية" ترفض التفسيرات الأحادية (مثل التفسير المادي البحت للتاريخ)، وتتبنى تفسيرًا مركبًا يأخذ في الاعتبار العوامل النفسية والاجتماعية والعقدية والاقتصادية في آن واحد، مما يوفر قدرة تفسيرية أعلى للظواهر الإنسانية المعقدة.

 

المنهجية الإسلامية: المدخل السنني وأنماط التفكير

خصص د. سيف مساحة واسعة للحديث عن "المدخل السنني"، وهو النظر في سنن الله في الآفاق والأنفس. وشرح في هذا القسم كيف أن القرآن الكريم وجه الأنظار إلى وجود قوانين صارمة تحكم حركة التاريخ وصعود وسقوط الحضارات (سنن التغيير، سنن التداول، سنن الإهلاك). ودعا إلى تحويل هذه السنن من مجرد مواعظ إلى "قوانين علمية" و"أنماط تفكير" تحكم العقل المسلم، بحيث يصبح التخطيط للمستقبل قائمًا على فهم هذه السنن واحترام أسبابها ومسبباتها؛ مما يخرج العقل المسلم من دائرة التواكل أو العشوائية إلى دائرة الفعل الحضاري المنظم.

 

المنهجية الإسلامية: مقدمات التفكير ومقومات المنهج

أعاد هذا القسم التأكيد على الأسس التي يقوم عليها التفكير المنهجي السليم. وتناول د. سيف شروط التفكير القويم مثل: الموضوعية (بالمفهوم الإسلامي وليس الحياد السلبي)، والشمول، والواقعية. وناقش فيه "فقه الموازنات" و"فقه الأولويات" كجزء من مقومات المنهج، حيث لا يكفي معرفة الحق من الباطل، بل لا بد من معرفة خير الخيرين وشر الشرين عند التزاحم. وركز العرض على أن بناء المنهج يتطلب عقلًا نقديًا قادرًا على التمييز والفرز، وقادرًا على التعامل مع التراث بوعي ومع المعاصرة بذكاء.

 

الإطار المنهجي: بين الإمكانات الغربية المتاحة والمنهاجية الأصيلة والبديلة

في هذا القسم المقارن، أقام د. سيف جسرًا نقديًا مع المناهج الغربية (الوضعية، السلوكية، البنيوية)، حيث رفض الكتاب الرفض المطلق للناتج المعرفي الغربي، كما رفض القبول الأعمى له. بدلًا من ذلك، وطرح منهجية "التعامل النقدي"؛ الاستفادة من الأدوات والتقنيات (الإحصاء، طرق جمع المعلومات) التي طورتها العلوم الغربية، مع رفض الفلسفات المادية الكامنة وراءها. ودعا د. سيف إلى صياغة "منهاجية أصيلة وبديلة" تنبع من الذات الحضارية الإسلامية، وتكون قادرة على تقديم إجابات وحلول لم تعجز المناهج الغربية عن تقديمها، خاصة في الجوانب الروحية والقيمية.

 

المنهجية الإسلامية التطبيقات ونماذج التشغيل

انتقل الكتاب من التنظير الفلسفي إلى الممارسة العملية، حيث استعرض نماذج لتطبيق هذه المنهجية في حقول معرفية مختلفة (كالعلوم السياسية، والاجتماع، والتربية). ووضح هذا القسم كيف يمكن تحويل "القيم" و"السنن" و"المقاصد" التي تم شرحها سابقًا إلى برامج عمل وسياسات عامة. وقدم د. سيف أمثلة لكيفية "تشغيل" المفاهيم الإسلامية في تحليل أزمات الواقع، مما يثبت أن المنظور الحضاري الإسلامي ليس يوتوبيا خيالية، بل هو منهج قابل للتطبيق والقياس إذا توفرت الإرادة والأدوات المعرفية اللازمة.

 

المدخل السُفُنِي وبناء علوم ونماذج وتوليد مناهج

اختتم الكتاب رؤيته بالتأكيد على أن الغاية النهائية لهذا المشروع الفكري هي "توليد العلوم" وبناء النماذج المعرفية انطلاقًا من الوحي وشرح د. سيف في هذا القسم الأخير كيف يمكن لـ "المدخل السفني" أن يكون أساسًا لثورة علمية تعيد صياغة العلوم الاجتماعية. واستلهم د. سيف هذا المدخل من حديث "المَثَل" النبوي (مثل القائم على حدود الله...)، ليعيد صياغته كنموذج إرشادي (Paradigm) في علم الاجتماع والسياسة، قائمًا على فكرة "المصير المشترك" و"المسؤولية التضامنية". لا يقف المدخل عند الوعظ، بل يتحول إلى أدوات تحليلية دقيقة؛ فهو في "تحليل الأسرة" يشخص "تذرير" العلاقات وتآكل الروابط، طارحًا "ثقافة السفينة" كبديل يعزز التماسك والتربية على المسؤولية. وهو في "الاجتماع السياسي" يفكك ثنائية (الحرية/الفوضى) عبر مفهوم "حدود الله" التي تحفظ سلامة الهيكل الاجتماعي. وطرح المؤلف هذا المدخل كقاعدة لبناء "فقه العمران" الذي يشمل "فقه الأزمة والإنقاذ" و"فقه البوصلة"، داعيًا إلى تأسيس مراكز أبحاث متخصصة (مراكز دراسات السفينة) تعمل على تحويل هذه القيم إلى سياسات عملية وبرامج تربوية، وبذلك يثبت أن السنة النبوية تملك طاقة تفسيرية هائلة قادرة على إنتاج علوم اجتماعية إسلامية تتجاوز القصور في المناهج الوضعية وتعالج أزمات الواقع بفاعلية.

 

في الختام؛ يُبلور كتاب "في المنظور الحضاري الإسلامي" أطروحة إبستمولوجية (معرفية) متكاملة تسعى لإعادة هندسة "العقل المسلم" وتحريره من الهيمنة المعرفية للنماذج الغربية، وذلك عبر تأسيس نسق منهجي ينطلق من فرضية علمية مؤداها أن الأزمة الحضارية للأمة هي في جوهرها أزمة "مفاهيم" و"مناهج نظر" قبل أن تكون أزمة موارد أو سياسات؛ حيث بدأ المشروع بـ "تفكيك" البنية المفاهيمية الوافدة و"إعادة تركيب" المفاهيم الإسلامية (كالشرعية، والتنمية، والمدنية) استنادًا إلى ثنائية "التأصيل من الوحي" و"التنزيل على الواقع"، مرورًا بتوسيع نطاق "النظر المقاصدي" ليتجاوز الفقه الفردي إلى "فقه العمران" الذي يجعل من مقاصد الشريعة معايير حاكمة لقياس الرشد السياسي والكفاءة التنموية، وتوظيف "المدخل السنني" و"المدخل السفني" لتحويل القيم الأخلاقية المجردة إلى قوانين اجتماعية صارمة (سنن التغيير والاستبدال) تفسر حركة التاريخ وتضبط التوقعات المستقبلية، ليخلص العمل في نهايته إلى أن الخروج من التيه الحضاري لا يتحقق إلا بـ "توليد علوم" اجتماعية وإنسانية جديدة تنبع من الذاتية الإسلامية، وتمتلك القدرة التفسيرية والتشغيلية لحل معضلات الإنسان المعاصر بعيدًا عن الثنائيات الحدية المادية، محققة بذلك مفهوم "الحياة الطيبة" كنموذج إسلامي فريد للتنمية والرفاه.

 

فهرس موضوعات الكتاب

تقديم

مقدمة أساسية حول عملية بناء المفاهيم.

بناء المفاهيم الإسلامية: ضرورة منهاجية.

مفهوم الشرعية

العملية الاجتهادية وأصول الفقه الحضاري: دراسة في سياقات المدخل المقاصدي

مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)

مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)

مقاصد ومعايير التنمية

رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (2)

العلاقة بين الديني والمدني والسياسي: مقدمات منهجية

المنهجية الإسلاميّة: سباعية القيم كإطارٍ مرجعي

المنهجية الإسلامية: المقومات وأطر التحليل وقواعد التفسير

المنهجية الإسلامية المدخل السنني وأنماط التفكير

المنهجية الإسلامية: مقدمات التفكير ومقومات المنهج

الإطار المنهجي: بين الإمكانات الغربية المتاحة والمنهاجية الأصيلة والبديلة

المنهجية الإسلامية التطبيقات ونماذج التشغيل

المدخل السفني وبناء علوم ونماذج وتوليد مناهج

 

* يُعد الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل -المولود عام 1954- أحد أبرز أساطين العلوم السياسية في العالم العربي، وهو أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقًا. وعُرف بكونه أحد مؤسسي ومنظري "مدرسة المنظور الحضاري الإسلامي" في العلوم الاجتماعية وأحد أنجب تلامذة رائدها الأكبر د. حامد عبد الله ربيع؛ حيث كرّس مشروعه الفكري لإعادة بناء المفاهيم السياسية من داخل التراث الإسلامي وربطها بالواقع المعاصر، متجاوزًا أطر التقليد الغربي. شغل الدكتور سيف الدين عبد الفتاح مواقع أكاديمية وإدارية رفيعة، منها إدارته لمركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، وعمله مستشارًا أكاديميًا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، حيث أشرف على مشاريع معرفية ضخمة مثل موسوعة "بناء المفاهيم" وشارك في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام". كما أسهم في تأسيس وإدارة العديد من المؤسسات البحثية الهامة؛ مثل مركز الحضارة للدراسات السياسية، ويتميز إنتاجه العلمي بالجمع بين العمق الأصولي (التراثي) والصرامة المنهجية الحديثة.

كشفت وثائق أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرًا عن مراسلات إلكترونية تعود لعام 2016، تُظهر محاولة الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين الترويج لمشروع مالي غريب، يقوم على إطلاق ما أسماه «عملة الشريعة»، في مسعى واضح لجذب استثمارات من «الشرق الأوسط» باستخدام لغة دينية.

وتأتي هذه المراسلات ضمن ملايين الملفات التي نُشرت في إطار الإفراج القانوني عن وثائق مرتبطة بقضية إبستين، لتكشف جانبًا آخر من نشاطه لا يتصل مباشرة بجرائمه الجنائية المعروفة، بل بمحاولاته التسلل إلى عالم المال الرقمي، مستفيدًا من صعود العملات المشفرة والاهتمام المتزايد بالتمويل «المتوافق مع الشريعة».

ماذا اقترح إبستين؟

في رسالة مؤرخة في 13 أكتوبر 2016، ذكر إبستين أنه تحدث مع من أسماهم «بعض مؤسسي البيتكوين»، أثناء عرضه فكرة نظام نقدي مزدوج على جهات اتصال عربية. ويتضمن هذا النظام:

- عملة ورقية تحمل اسم «The Sharia» (الشريعة)، مخصصة للاستخدام في الشرق الأوسط، وتحمل عبارة In God We Trust (نثق بالله)، على غرار الدولار الأمريكي.

- عملة رقمية «متوافقة مع الشريعة»، مبنية على تقنية البلوك تشين، ومرتبطة بشبكة البيتكوين، لتعمل كنظام مكمّل للعملة الورقية.

وادعى إبستين في الرسالة أن مطوري البيتكوين كانوا «متحمسين للغاية» للفكرة، دون أن تتضمن الوثائق أي دليل مستقل يؤكد صحة هذا الادعاء، وهو ما يفتح الباب لاحتمال استخدامه كأداة إقناع وتسويق أمام مستثمرين محتملين.

بيتكوين… وادعاءات بلا دليل

يثير حديث إبستين عن «مؤسسي البيتكوين» بصيغة الجمع تساؤلات إضافية، في ظل الغموض المعروف حول هوية مبتكر هذه العملة الرقمية. وحتى الآن، لا يوجد ما يثبت أن تلك المحادثات قد حدثت بالفعل، مما يجعل ما ذكره إبستين أقرب إلى ادعاء منه إلى حقيقة موثقة.

الشريعة كعلامة تجارية

الأهم من تفاصيل المشروع نفسه هو دلالته؛ فهذه المراسلات تكشف كيف يمكن لمفهوم «الشريعة» أن يُستخدم بوصفه أداة جذب مالي، لا بوصفه منظومة أخلاقية وقيمية؛ إذ جرى اختزال الشريعة في اسم أو شعار، يُضاف إلى منتج مالي ناشئ ومثير للجدل، بهدف إضفاء هالة من المشروعية والثقة.

في الرؤية الإسلامية، لا ينفصل الاقتصاد عن الأخلاق، ولا تُختزل المعاملات في الأرقام والأرباح. ومن هنا، فإن محاولة شخص متورط في شبكة واسعة من الجرائم الجنسية والابتزاز -بحسب ما ثبت قضائيًا- اقتحام مجال التمويل الإسلامي، تثير أسئلة عميقة حول هشاشة المعايير الأخلاقية في النظام المالي العالمي، وكيف يمكن للدين أن يتحول إلى «واجهة خادعة» إذا غابت الرقابة والوعي.

الدرس الأوسع

لا تمثل «عملة الشريعة» التي طرحها إبستين مشروعًا حقيقيًا بقدر ما تمثل إنذارًا؛ إنذارًا من خطورة التعامل مع كل ما يُسوّق تحت لافتة «إسلامي» أو «متوافق مع الشريعة» دون تدقيق في:

- من يقف خلف المشروع؟

- مدى صدق أهداف المشروع ومدى توافقها مع مقاصد المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية؟

- ما طبيعة الأموال؟

- وأين تذهب العوائد؟

فالاقتصاد الإسلامي ليس اقتصاد شعارات، بل اقتصاد قيم وأخلاقيات، ولا يمكن فصل «طهارة المصدر» عن «سلامة المنتج». وما تكشفه هذه الوثائق هو أن تسليع الشريعة وتحويلها إلى أداة في سوق المال قد يفتح الباب أمام تبييض السمعة، أو تمرير مشاريع مشبوهة باسم الدين!

 

لتحميل ملف الوثيقة (هنا)

استهدف هذا الكتاب إعادة قراءة المشروع الفكري والقانوني للفقيه الدستوري والقانوني الأبرز في العصر الحديث، الدكتور عبد الرزاق السنهوري، من خلال تسليط الضوء على "الوجه الإسلامي" في عبقريته، والذي يرى المؤلف أنه غُيّب أو طُمس عمدًا أو جهلًا لصالح صورته كفقيه قانوني وضعي متأثر بالغرب. واعتمد الكتاب منهجية استقرائية تجمع بين الوثائق الشخصية للسنهوري (مذكراته) وبين كتاباته الأكاديمية ومشروعاته القانونية؛ ليثبت أن السنهوري كان صاحب مشروع حضاري إسلامي متكامل يهدف إلى "أسلمة القانون" ونهضة الشرق عبر بوابة الشريعة الإسلامية، وليس مجرد صائغ للقوانين المدنية الوضعية، مما يجعله مرجعًا أساسيًا لفك الاشتباك الدائر حول هوية القانون في العالم العربي والإسلامي.

تقديم

استهل الدكتور محمد عمارة كتابه بمقدمة تأسيسية وضح فيها الدافع الرئيس وراء هذا العمل، وهو الرغبة في إنصاف الدكتور عبد الرزاق السنهوري وإعادته إلى موقعه الطبيعي كأحد أئمة التجديد والإحياء الإسلامي، إلى جانب الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي. ورأى عمارة أن النخبة المثقفة اختزلت السنهوري في شِقِّه القانوني الفني، بينما تجاهلت مشروعه الأكبر المتمثل في "نهضة الشرق بالإسلام". وأشار المؤلف إلى أن السنهوري لُقِّب بـ"الإمام الخامس" من قبل فقهاء القانون في الغرب نظرًا لضلوعه العميق في الشريعة الإسلامية ومقارنتها بالقوانين الوضعية. وأكد التقديم أن السنهوري لم يكن يرى تعارضًا بين الاستفادة من الصياغة القانونية الغربية وبين الاستناد إلى الفقه الإسلامي كمصدر مادي وموضوعي للتشريع، بل كان يعتبر القوانين المدنية التي صاغها (المصري، العراقي، السوري، وغيرها) خطوات مرحلية نحو حلمه الأكبر: "القانون المدني العربي الموحد" المستمد كليًا من الشريعة.

 

بطاقة حياة

 1- الميلاد.. والنشأة.. والتعليم

تناول هذا القسم البدايات الأولى للسنهوري الذي وُلد بالإسكندرية عام 1895م في بيئة فقيرة، وكيف أثَّر اليُتم والفقر في تكوين شخصيته العصامية. وأبرز المؤلف تأثر السنهوري في مرحلة شبابه بمدرسة الزعيم مصطفى كامل التي جمعت بين الوطنية والجامعة الإسلامية، خلافًا لمدرسة سعد زغلول التي ركزت على الوطنية المصرية البحتة. كما وضَّح المؤلف شغف السنهوري المبكر بالأدب واللغة العربية، وحصوله على ليسانس الحقوق عام 1917م بتفوق، وكيف بدأت تتشكل لديه ملامح مشروع نهضوي يربط بين العظمة الوطنية والانتماء الإسلامي، معتبرًا أن الفقر كان دافعًا له نحو الإتقان والعمل الجاد.

 2- العمل بالنيابة والتدريس والمشاركة في ثورة سنة (1919م)

انتقل الكتاب إلى مرحلة عمل السنهوري في النيابة العامة، حيث لم تمنعه وظيفته القضائية من الانخراط في الهموم الوطنية، فشارك بفاعلية في ثورة 1919م، بل وقاد إضراب الموظفين في مدينة المنصورة، مما أدى إلى نقله عقابيًا إلى أسيوط. وكشف هذا القسم عن الحس الاجتماعي المرهف لدى السنهوري وتألمه لأحوال الفقراء، كما سلط الضوء على انتقاله للتدريس في "مدرسة القضاء الشرعي" عام 1920م، وهي المحطة التي زامل فيها كبار علماء الشريعة وعمقت صلته بالتراث الفقهي قبل سفره إلى الغرب.

 3- الابتعاث إلى فرنسا (سنوات: 1921-1926م)

تُعد هذه المرحلة المنعطف الأهم في التكوين الفكري للسنهوري. ووضح د. عمارة كيف سافر السنهوري إلى فرنسا وهو يحمل "رؤيا" منامية وواقعية تتمثل في "نقل شمس الشرق" لتضيء العالم. فبدلًا من الانبهار بالحضارة الغربية، اتخذ موقفًا نقديًا ونديًا، وخطط لمشروعه الإصلاحي المتمثل في تجديد الفقه الإسلامي، وإنشاء "جامعة شرقية" توازي عصبة الأمم. وأشار القسم إلى إنجازه رسالتين للدكتوراه: واحدة في القانون المدني، والأخرى والأهم في "فقه الخلافة"، التي رد فيها على كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، مثبتًا أن الإسلام دين ودولة، ومبشرًا بعصبة أمم إسلامية كبديل عصري للخلافة التقليدية.

4- العودة إلى مصر.. والتدريس بكلية الحقوق.. والإنتاج الفكري والنشاط العلمي (سنوات: 1926-1935م)

استعرض هذا القسم عودة السنهوري ليعمل مدرسًا للقانون المدني، حيث بدأ مشروعه التربوي والعلمي في صياغة عقول طلابه وبث روح الاعتزاز بالفقه الإسلامي. وتطرق المؤلف إلى الصدامات السياسية التي تعرض لها السنهوري بسبب مواقفه الوطنية وعلاقته ببعض الرموز السياسية كالنقراشي باشا، مما أدى إلى فصله من الجامعة عام 1934م. ورغم ذلك، كانت هذه الفترة غزيرة الإنتاج الفكري، حيث أصدر دراسات تأسيسية مثل "الدين والدولة في الإسلام" و"نظرية العقد"، وبدأ الدعوة لتنقيح القانون المدني المصري وتخليصه من التبعية المطلقة للقانون الفرنسي.

5- الرحلة الأولى إلى العراق.. (1935-1936م)

وصف هذا الجزء رحلة السنهوري إلى بغداد لإنشاء كلية الحقوق وتولي عمادتها. وأبرز المؤلف كيف وجد السنهوري في العراق بيئة خصبة لتطبيق أفكاره حول "أسلمة القانون"، نظرًا لرسوخ مجلة الأحكام العدلية (الفقه الحنفي) هناك. وبدأ السنهوري بوضع مشروع القانون المدني العراقي الذي جمع فيه بين الفقه الإسلامي والصياغة الحديثة، معتبرًا إياه خطوة متقدمة على القانون المصري في مضمار الأسلمة، كما ألف كتبًا تعليمية لطلاب العراق تربط بين المجلة والقانون الحديث.

6- العودة إلى مصر عميدًا للحقوق.. والعمل بالقضاء والمحاماة ووزارة المعارف (سنوات: 1936-1943م):

تناول هذا القسم تولي السنهوري عمادة كلية الحقوق ثم دخوله المعترك السياسي والوزاري "كرهًا" كما يعبر هو. وركز المؤلف على الإنجاز الأضخم في هذه المرحلة وهو رئاسة السنهوري للجنة وضع القانون المدني المصري الجديد (الذي صدر عام 1948). ووضح المؤلف كيف ناضل السنهوري لجعل الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا للقانون، وكيف صاغ نصوصًا ثورية (مثل "الملكية وظيفة اجتماعية" التي حذفها مجلس الشيوخ). كما سرد معاناته من التقلبات الحزبية التي أبعدته عن مناصبه عدة مرات، مما عمق شعوره بالغربة السياسية رغم نجاحاته التشريعية.

7- الرحلة الثانية إلى العراق.. وسوريا لوضع القوانين المدنية (سنتي: 1943، 1944م):

عاد السنهوري لاستكمال مشروعه التشريعي العربي. يشرح المؤلف كيف انتقل السنهوري بين بغداد ودمشق بضغط من الحكومات والظروف السياسية، منجزًا القانون المدني العراقي والسوري. في هذه المرحلة، تبلورت فكرة "الوحدة العربية" عند السنهوري كخطوة نحو "الجامعة الإسلامية"، ووضع مخططات لإنشاء معهد عالٍ للفقه الإسلامي يهدف إلى تخريج جيل من الفقهاء المجددين القادرين على استنباط الأحكام الشرعية بلغة العصر.

8- ولاية وزارة المعارف ومجلس الدولة (سنوات: 1945-1954م)

يُبرز هذا القسم دور السنهوري كرجل دولة وإصلاحي مؤسسي. ففي وزارة المعارف، أسس جامعات جديدة (الإسكندرية وعين شمس) وفتح أبواب التعليم لأبناء الفقراء. وعندما تولى رئاسة مجلس الدولة عام 1949م، حوله إلى "حصن للحريات"، متصديًا لتعسف السلطة التنفيذية (بما فيها الحكومة والملك). وسرد المؤلف وقائع تاريخية، مثل تصديه لحكومة الوفد حين حاولت إقالته، وأحكامه الجريئة التي ألغت قرارات مصادرة الصحف، مؤكدًا أن السنهوري كان يرى في القضاء المستقل الرافعة الأولى لإصلاح نظام الحكم.

9- الوفاق.. والشقاق مع ثورة يوليو (سنوات: 1952-1971م)

حلل المؤلف العلاقة المعقدة بين السنهوري وثورة 23 يوليو. في البداية، دعم السنهوري الثورة وساهم في صياغة قانون الإصلاح الزراعي ومبادئ الدستور الجديد، انطلاقًا من مبادئه في العدالة الاجتماعية. لكن الخلاف سرعان ما دبّ حول قضية الديمقراطية وعودة الجيش للثكنات، مما أدى إلى "أزمة مارس 1954" والاعتداء الجسدي عليه داخل مجلس الدولة. ووضح القسم كيف تحولت العزلة الإجبارية التي فُرضت عليه بعدها إلى "منحة"، حيث تفرغ لإنجاز موسوعته الكبرى "الوسيط" وكتاب "مصادر الحق في الفقه الإسلامي"، ليختتم حياته وهو يرى تكريم الدولة له متأخرًا قبل وفاته عام 1971م.

ثبت بأعمال السنهوري القانونية والفكرية

قدم الكتاب جردًا (ببليوجرافيا) لأهم أعمال السنهوري، مُقسِّمًا إياها إلى مشروعات القوانين والدساتير (المصري، العراقي، السوري، الكويتي، الليبي، السوداني)، والمؤلفات والأبحاث الفكرية. تشمل القائمة رسالتيه للدكتوراه، وكتبه المنهجية مثل "الوسيط" (10 أجزاء)، و"مصادر الحق" (6 أجزاء)، بالإضافة إلى مقالاته في "أوراقه الشخصية" ودوريات القانون، مما يُظهر ضخامة الإنتاج الفكري وتنوعه بين التنظير الفلسفي والتطبيق التشريعي.

الوجه الإسلامي لعبقرية السنهوري

مثل هذا الفصل مدخلًا تحليليًا للقسم الثاني من الكتاب، والذي جادل الدكتور عمارة فيه بأن عبقرية السنهوري لا يمكن فهمها بمعزل عن مرجعيته الإسلامية، وأكد أن السنهوري لم يكن "علمانيًا" كما يصوره البعض، بل كان يرى الإسلام كـ"مدنية وحضارة وقانون" بجانب كونه عقيدة. كما مهد هذا الفصل لطرح نظرية السنهوري في التمييز بين "دائرة العقيدة" (الخاصة بالمسلمين) و"دائرة المعاملات/المدنية" (التي تشمل جميع مواطني الدولة الشرقية)، وهو التمييز الذي مكنه من الدعوة لتطبيق الشريعة في مجتمعات متعددة الأديان.

ووضح المؤلف منهجه في دراسة إسلاميات السنهوري، والذي يجمع بين "المنهج الموضوعي" (تجميع آراء السنهوري المتفرقة حول قضايا محددة مثل الإيمان، الدولة، الشريعة) و"المنهج التاريخي" (تتبع تطور هذه الآراء عبر مراحل حياته). واعتمد المؤلف بشكل رئيس على "الأوراق الشخصية" للسنهوري كمصدر يكشف عن مكنونات صدره ومناجاته لربه، والتي لم تكن منشورة من قبل، ليرسم صورة متكاملة للفقيه المؤمن الذي جعل من القانون أداة لخدمة الدين والأمة.

في الإيمان بالله

يغوص هذا الفصل في الجانب الروحي للسنهوري من خلال مذكراته الخاصة، حيث كشف د. عمارة عن "فيلسوف إلهي" يرى في الإيمان بالله مصدرًا للسعادة والقوة النفسية، وليس مجرد طقوس. كما ناقش السنهوري في تأملاته علاقة العلم بالإيمان، مؤكدًا أن العلم الحقيقي يقود إلى الإيمان، وأن العقل البشري قاصر ويحتاج إلى نور الوحي. وأورد المؤلف نصوصًا مؤثرة لمناجاة السنهوري لربه، خاصة في أوقات المحن (مثل أزمة مارس 1954)، حيث كان يلوذ بالإيمان كملاذ وحيد، معتبرًا أن "القوانين الطبيعية" هي من سنن الله التي لا تتعارض مع مشيئته.

هيئة الأمم الإسلامية

تناول هذا الفصل الرؤية السياسية العالمية للسنهوري. ورأى السنهوري أن "الشرق" وحدة حضارية لا يمكن تجميعها إلا بالإسلام. يطرح فكرته عن "عصبة أمم شرقية" تكون نواة لجامعة إسلامية كبرى، حيث لا تتعارض القوميات والوطنيات المحلية مع هذه الرابطة الأوسع، بل تكون لَبِنات فيها. وحلل المؤلف كيف سبق السنهوري عصره في الدعوة لتكتل دولي إسلامي يواجه الهيمنة الغربية، وكيف أن نظريته في الخلافة كانت تهدف إلى تطوير المؤسسة التقليدية لتصبح منظمة دولية حديثة تحفظ وحدة الأمة الثقافية والتشريعية.

الإسلام دين ودولة .. دين الأرض ودين السماء

فنَّدَ هذا الفصل -استنادًا لكتابات السنهوري- الأطروحات العلمانية التي تدعي أن الإسلام دين روحي لا علاقة له بالسياسة (مثل أطروحة علي عبد الرازق). وأثبت السنهوري بالأدلة التاريخية والفقهية أن النبي ﷺ أسس دولة مدنية كاملة الأركان. وقدَّم السنهوري هنا اجتهاده المتميز في التمييز بين "الدين" (العقائد والعبادات الثابتة) و"الدولة" (المعاملات والنظم المتغيرة)، داعيًا إلى فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية إجرائيًا، مع بقاء الشريعة مرجعية عليا ومصدرًا للقانون، مما يحقق معادلة "التمييز دون الفصل".

المدنية الإسلامية

عالج هذا الفصل مفهوم "المدنية" عند السنهوري، الذي يرى أن الإسلام ليس مجرد دين للمسلمين، بل هو "ثقافة وحضارة" للشرق كله بمسلميه وغير مسلميه. ووضح المؤلف كيف نظر السنهوري إلى التراث الإسلامي والفقه واللغة العربية كوعاء حضاري مشترك يجمع سكان المنطقة. وبناءً على ذلك، فإن الدعوة لسيادة المدنية الإسلامية وتطبيق فقه المعاملات لا تعني فرض الدين على غير المسلمين، بل تعني الرجوع إلى "القانون الوطني" وتراث المنطقة الأصيل بدلًا من استيراد القوانين الغربية الغريبة عن البيئة الشرقية.

إحياء الشريعة الإسلامية

ركز هذا الفصل على المشروع العملي للسنهوري: كيف نحيي الشريعة في العصر الحديث؟ أوضح المؤلف استراتيجية السنهوري القائمة على "التدرج" و"المقارنة"؛ فلم يدعُ السنهوري للتطبيق الفوري الحرفي للأحكام القديمة، بل دعا إلى صياغة الشريعة في قوالب قانونية حديثة (تقنين الفقه) لتنافس القوانين الغربية. واعتبر السنهوري أن الشريعة تتميز بالمرونة والقابلية للتطور، وأن إحياءها هو السبيل الوحيد للاستقلال التشريعي والحضاري للأمة، وأظهر الفصل كيف كانت القوانين المدنية التي وضعها تطبيقات عملية لهذه الرؤية.

تجديد الفقه الإسلامي

أكمل هذا الفصل سابقه بالحديث عن الأدوات الفنية للتجديد. رأى السنهوري أن الفقه الإسلامي (خاصة فقه المعاملات) يمتلك ثراءً نظريًا يتفوق أحيانًا على القانون الغربي (مثل نظرية التعسف في استعمال الحق، والظروف الطارئة). ودعا السنهوري لإنشاء معاهد متخصصة للفقه المقارن، وفتح باب الاجتهاد الجماعي، واستخدام المنهج المقارن لإبراز عالمية الفقه الإسلامي. واستعرض المؤلف جهود السنهوري في "مجمع اللغة العربية" ومعهد الدراسات العربية العالية كمنصات لتنفيذ هذا التجديد.

 

وفي الختام؛ يُعد كتاب "الدكتور عبد الرزاق السنهوري: إسلامية الدولة والمدنية والقانون" وثيقة فكرية بالغة الأهمية، حيث حاول الدكتور محمد عمارة في إعادة رسم صورة السنهوري بصفته مفكرًا إسلاميًا صاحب مشروع حضاري شامل، وليس مجرد تقني قانوني. ومن خلال استعراض حياته الحافلة، وكتاباته الخاصة والعامة، اتضح أن السنهوري كان يحمل همّ "أسلمة الدولة والمجتمع" عبر أدوات القانون والمدنية، متبعًا منهجًا متدرجًا يجمع بين رسوخ العقيدة ومرونة الفقه. وأثبت الكتاب أن السنهوري استطاع بعبقرية فذة أن يفكك التناقض المفتعل بين الدولة الحديثة والشريعة الإسلامية، مقدمًا نموذجًا تطبيقيًا لما يمكن تسميته بـ"الحداثة الإسلامية" في مجال التشريع.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* محمد عمارة، الدكتور عبد الرزاق السنهوري: إسلامية الدولة والمدنية والقانون، القاهرة: دار السلام، الطبعة الأولى، 2009.

هل لايزال القانون الدولي ذا أهمية؟

أعادت أحداث عام 2025- من أوكرانيا وغزة إلى السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية- إحياء نقاش مألوف ومقلق: هل ما زال القانون الدولي ذا معنى؟ ومع الأيام الأولى من عام 2026، عاد هذا السؤال بقوة إلى صدارة العناوين، عقب الإجراءات الأمريكية في فنزويلا، وما قابلها من ردود فعل أوروبية خافتة على نحو لافت.

يرى منتقدون على نحو متزايد أن القانون الدولي بات بائدًا ولم يعد سوى سياسة متنكرة في زي قانون. فالدول القوية تنتهكه عندما يناسبها الأمر، وتستحضره بشكل انتقائي، وتتجاهله كليا حين يقيد مصالحها، ثم تعود لتستدعي قدسيته عندما يخرق الخصوم القواعد.

وفي ضوء ما نشهده اليوم، تبدو هذه الشكوك مفهومة؛ إذ نعيش مرحلة تتسم بانتهاكات واضحة ومستمرة للقانون الدولي.

ينبع هذا التشكيك جزئيا من المقارنة مع القانون الوطني، وهو قانون يختبره الناس مباشرة باعتباره ينظم حياتهم اليومية. فالأنظمة القانونية الوطنية تتسم عادة بوضوح المسار: تحديد القاعدة، إثبات الانتهاك، ثم فرض الجزاء. أما القانون الدولي فنادرًا ما يعمل بهذه الطريقة.

ومن ثم، فالسؤال المطروح لا يدور حول ما إذا كان القانون الدولي مرآة للقانون الداخلي، بل ما إذا كان لا يزال يؤدي غرضًا ذا معنى.

 

هل جميع فروع القانون الدولي متساوية؟

القانون الدولي ليس بمنأى عن النقد، لكن أي إطار يسعى إلى الحد من العنف يظل مسعى مشروعا في جوهره. فالقانون الدولي، في صلبه، يحاول التعبير عن قيم مشتركة، لا سيما حالات اللجوء إلى العنف، من خلال فرض قيود واضحة على استخدام القوة.

وهو يحقق ذلك بطريقتين أساسيتين:

أولا، من خلال تقييد متى وكيف يجوز للدولة أن تلجأ إلى القوة ضد دولة أخرى بشكل مشروع.

وثانيا، من خلال تنظيم كيفية استخدام القوة عند اندلاع النزاع، بغض النظر عن مدى مشروعية اللجوء إلى القوة من الأساس.

ويعرف هذا الإطار الأخير عادة باسم قوانين الحرب أو القانون الدولي الإنساني.

وبينما قد تتركز التغطية الإعلامية الراهنة على التهديدات التي تواجه القانون الدولي الإنساني، إلا أنه يتضح أن القانون الدولي ككل يتعرض لضغوط أوسع نطاقًا.

فانتهاكات ميثاق الأمم المتحدة، وتآكل القواعد المتعلقة بالسيادة والنظام الدولي، تطورات مقلقة للغاية. وهي أمور ذات أهمية قصوى، ويجب إدانتها أينما وقعت ومتى وقعت. غير أن ثمة تدرجًا في مستوى القلق، وعنصرًا من البراغماتية، في كيفية التعامل مع انتهاكات القانون الدولي في سياق النزاعات المسلحة.

فعلى سبيل المثال، اعتبر البعض أن الاستخدام غير المشروع للقوة ضد فنزويلا قد يكون مبرَرا بإمكانية تحقيق نتيجة أكثر ديمقراطية وازدهارا. فتخلص مجتمع ما من دكتاتورية قاسية، بغض النظر عن كيفية حدوث هذا التغيير، قد يعد نتيجة إيجابية، وبالتالي مشروعة.

وسواء قبل هذا المنطق أم لا (أو حتى إن تحققت تلك النتيجة الإيجابية بالفعل)، فإنه يكشف عن مساحة من الجدل الأخلاقي تقل حدتها عند النظر إلى القواعد التي تنظم سير الحرب بحد ذاتها.

إن تنظيم العنف متى اندلعت الحرب يقوم على أساس أخلاقي وقانوني مختلف تماما. فلا مجال- وإن وجد فيجب إغلاقه فورا- للنقاش الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بجرائم الحرب.

فمحاولات تبرير هذه الأفعال، والتي غالبا ما تبرر على أنها ضرورية أو حتمية أو ناجمة عن التفوق الحضاري، ليست باطلة قانونيا فحسب، بل هي أيضا مفسدة أخلاقيا. والقبول بها من شأنه أن يفرغ القانون الدولي الإنساني من جوهره.

 

إطار قانوني ناقص لكنه أساسي

حتى وإن كان القانون الدولي الإنساني يطبق بشكل غير متساوٍ، أو شابته ازدواجية المعايير، أو تعرض لانتهاكات متكررة، يبقى السؤال الأعمق: هل يفقِد عدم الكمال هذا القانون صفته الشرعية؟ هل تفقد قاعدة ما جدواها لأنها فشلت في إنقاذ الجميع؟ وهل تعد الجهود المبذولة للحد من العنف عبثية لأنها لا تستطيع لجمه؟

قد يكون صحيحا أن القانون الدولي الإنساني يحتاج إلى التطور للتصدي للحروب الحديثة والتقنيات الناشئة، كما تطور مرارًا منذ نشأته.

غير أن جوهره، ولا سيما حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية، يجب أن يظل أساسيا. فالتراجع عن هذه المبادئ لن يؤدي إلا إلى فتح الباب أمام مزيد من الوحشية. ولا يجوز مكافأة منتهكي القواعد بالتخلي عن القواعد ذاتها التي وضعت لتقييدهم.

 

لماذا يعد التخلي عن القانون أو ابتكار «معايير جديدة» أمرا خطيرا؟

يجب رفض أي توجه نحو صياغة قواعد جديدة يزعم أنها تتناسب أكثر مع الواقع الجيوسياسي المعاصر. فحتى الدعوات حسنة النية تفترض أن هذه القواعد البديلة ستكتب بنزاهة. لكن الواقع يشير إلى أن الدول الأكثر حماسة للتخلي عن القيود القائمة هي غالبا تلك التي تنتهكها. وأي إطار جديد سيعكس على الأرجح المعايير الدنيا التي تكون هذه الدول على استعداد لقبولها، مما يؤدي إلى ترسيخ حماية أضعف وإلى إضفاء الشرعية عليها.

وهذا لا يعد تكيفًا، بل استسلامًا، وسيكون المدنيون، الذين يتحملون النصيب الأكبر من ويلات الحروب، هم الأكثر تضررًا.

ففي ظل تآكل القانون الدولي، يخلص البعض إلى أن الإطار القانوني برمته قد فشل، إذ يتم تطبيقه بشكل انتقائي، وهو غير متكافئ من الناحية الهيكلية، ويتعرض لانتهاكات متكررة، مما يجعله بلا جدوى.

ومع ذلك، نعم، يتعين علينا أن نقر بالقيود والثغرات. ويجب الاعتراف بالعيوب الهيكلية للقانون الدولي- من جذوره الغربية إلى تطبيقه غير المتكافئ وضعفه أمام سياسات القوة- غير أن أيا من ذلك لا ينفي قيمته، لا سيما في أكثر أشكال التفاعل الإنساني تطرفًا، أي في الحروب.

ولا يمكننا أيضًا أن نطلب من القانون ما لا يمكنه بطبيعته أن يحققه، ألا وهو تحقيق العدالة الكاملة، والكرامة الكاملة، واستئصال العنف.

لا يمكننا أبدا إنكار أن القانون الدولي الإنساني قد أنقذ أرواحا، وصان كرامة البشر، ورسم حدودا لم تكن لتوجد لولاه. وأحيانًا، تكفي قاعدة قانونية واحدة- وإن طبقت بشكل غير كامل- لإنقاذ حياة، أو حياة كثيرين. وهذا وحده سبب كافٍ للدفاع عن الإطار القانوني القائم.

 

* ستيفن ويلكنسون، لماذا لا نزال بحاجة إلى القانون الدولي حتى حين يُنتهك ويُهمش؟، الحزيرة نت، 29 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4bsVi9p

** مدير مركز القانون الدولي الإنساني في مؤسسة دياكونيا، هو محامٍ دولي متمرس ومتخصص في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. تشمل خبرته العمل مع وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية غير الحكومية، والمؤسسات الأكاديمية، مثل جامعة هارفارد وأكاديمية جنيف. بالإضافة إلى ذلك، ألّف عددًا من المنشورات المتعلقة بتقصي الحقائق، والتحقيقات، ومعايير الإثبات.

في احتفاء مستحق بقامة علمية كرست عقودًا من الزمن لتأصيل المعرفة العربية والإسلامية في حقل العلوم السياسية، أعلنت جائزة الكتاب العربي في دورتها الثالثة (2026) فوز الدكتورة نادية محمود مصطفى، أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، بالجائزة عن "فئة الإنجاز" في الدراسات الاجتماعية والفلسفية.

ويأتي هذا التكريم تتويجًا لمسيرة أكاديمية حافلة، وانطباقًا دقيقًا لمعايير الجائزة التي تُمنح لأصحاب المشاريع المعرفية التي تتميز بالجدة والأصالة، وتشكل إضافة نوعية للمعرفة الإنسانية، متجاوزة حدود النقل والترجمة إلى فضاءات التنظير والبناء المعرفي المستقل.

 

دلالات التكريم: انتصار للأصالة المعرفية

لا يُعد فوز الدكتورة نادية مصطفى مجرد تكريم لشخصها، بل هو اعتراف أكاديمي بنجاعة وجدوى "المشروع المعرفي" الذي قادته لسنوات طويلة. لقد حصلت الدكتورة على هذه الجائزة استنادًا إلى حيثيات فئة الإنجاز التي تشترط:

  1. الأصالة والجدة: حيث لم تكتفِ الدكتورة نادية بتدريس نظريات العلاقات الدولية الغربية، بل عملت على تفكيكها ونقد "تحيزاتها"، مقدمة بديلًا نابعًا من الخبرة التاريخية والحضارية للأمة.
  2. الإضافة للمعرفة الإنسانية: عبر تقديم "المنظور الحضاري" كأداة تحليلية قادرة على فهم التفاعلات الدولية المعقدة، مما يثري حقل العلاقات الدولية العالمي برؤى غير غربية.

 

من هي الدكتورة نادية محمود مصطفى؟

تُعد الدكتورة نادية محمود مصطفى -المولودة في القاهرة في 14 أغسطس عام 1951م- واحدة من أبرز منظري العلاقات الدولية في العالم العربي، ومؤسسة لمدرسة فكرية متميزة جمعت بين الصرامة الأكاديمية والعمق التراثي.

  1. التدريس الأكاديمي:

حاليًا، تشغل أ. د. نادية محمود مصطفى منصب أستاذ متفرغ بقسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وهي الكلية التي تُعرف بأنها "مدرسة السياسة" في مصر والعالم العربي.

وسبق أن قامت د. نادية -في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كذلك منذ 1981 وحتى 2012م-، بتدريس المواد الدراسية التالية:

تطور العلاقات السياسية الدولية، العلاقات السياسية الدولية (قسم الاقتصاد)، التنمية السياسية، سياسات خارجية عربية، مشكلات دولية معاصرة، فكر سياسي إسلامي، العلاقات العربية الدولية، الوطن العربي في السياسات الدولية، قضايا دولية معاصرة، نظرية العلاقات الدولية (دراسات عليا)، الثقافة والسياسة العالمية، العالم الإسلامي في السياسات العالمية (دراسات عليا)، النظم السياسية في أمريكا اللاتينية، اقتصاد سياسي دولي.

كما قامت الدكتورة بتدريس مادة العلاقات الدولية من منظور إسلامي في كلية الدراسات الإسلامية- مؤسسة قطر، في الفترة من يناير - يونيو 2008. كما سبق لها أن أُعيرت إلى جامعة الإمارات العربية المتحدة اعتبارًا من سبتمبر 1992 وحتى يونيه 1996؛ حيث قامت بتدريس المواد التالية: قضايا دولية معاصرة، العالم الإسلامي، السياسات الخارجية للدول العربية، حلقة دراسية في الشرق الأوسط، حلقة دراسية في أمريكا اللاتينية، حلقة دراسية في الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا، السياسات الخارجية للدول الكبرى، مبادئ العلاقات الدولية.

  1. إدارة المؤسسات البحثية:

تشغل د. نادية حاليًا منصب مدير "مركز الحضارة للدراسات والبحوث" منذ إنشاء هذا المركز في ديسمبر 1997م، وهو المركز الذي كان -ولا يزال- بمثابة الحاضنة للمشروع المعرفي الذي رعته. كما تولت من قبل إدارة العديد من المؤسسات البحثية والأكاديمية، بل وأسست بعضًا منها؛ فهي:

- مؤسس ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (أبريل 2002- يونيه 2002).

- والمشرف على برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (يونيه 2002- يونيه 2006).

- ومدير مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية (10/ 6/ 2002- 8/ 6/ 2006).

- ومدير مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والذي تغير اسمه من: برنامج حوار الحضارات إلى: برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات اعتبارًا من بداية عام 2007، (سبتمبر 2008 – سبتمبر 2010).

وذلك فضلا عن عضويتها في الكثير من اللجان والجمعيات والهيئات الاستشارية في المجلات العلمية؛ مثل: عضوية الجمعية العربية للعلوم السياسية، واللجنة الوطنية المصرية لليونسكو، وزارة التعليم العالي (2005 – 2007)، ولجنة العلوم الاجتماعية، مكتبة الإسكندرية (2005-2007)، ولجنة جائزة الأمير عبد المحسن بن جلوي العلمية التي يمنحها مركز عبد المحسن بن جلوي للدراسات الإسلامية- الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، والهيئة الاستشارية لمجلة "حوار العرب التي تصدرها مؤسسة الفكر العربي- بيروت، ولجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة والعلوم والفنون (2008 – 2011).والهيئة الاستشارية لمجلة المسلم المعاصر...، الخ.

 

  1. المشروع الفكري: "العلاقات الدولية في الإسلام"

لعل الإنجاز الأبرز الذي استحق هذا التقدير هو إشرافها وقيادتها للمشروع العلمي الضخم "العلاقات الدولية في الإسلام"، الذي صدر في (12) مجلدًا. لم يكن هذا المشروع مجرد تجميع لنصوص تاريخية، بل كان محاولة جادة لـ:

  • بناء أصول نظرية للعلاقات الدولية من منظور إسلامي.
  • إعادة قراءة التاريخ الإسلامي ليس كسرد للأحداث، بل كنموذج تطبيقي للقيم والمفاهيم السياسية.
  • الاشتباك مع النظريات الغربية (الواقعية والليبرالية) من موقع الند للند، وليس من موقع التابع.

وبالطبع لم يقتصر عطاء الدكتورة نادية على هذا المشروع العملاق، بل تجاوزت ما ألفته من بحوث ودراسات المائتين وخمس عشر دراسة، فضلا عن إشرافها على عشرات الرسائل العلمية والمشروعات البحثية، إضافة إلى مشاركاتها الفعالة في المؤتمرات والندوات العلمية والأكاديمية، وغير ذلك من الإسهامات الفاعلة (بلغت السيرة الذاتية للدكتورة نادية -والتي ننشرها رفق هذا التقرير- ما يزيد على ثمانين صفحة)!

  1. الاهتمام بقضايا الأمة

لم تبقَ الدكتورة نادية حبيسة القاعات الدراسية، بل كان لها حضور بارز في الاشتباك مع القضايا الحية، وعلى رأسها: القضية الفلسطينية: حيث قدمت تحليلات استراتيجية عميقة للصراع، تتجاوز السطح السياسي إلى الجذور العقائدية والحضارية. فضلا عن إصدارها حولية بعنوان "أمتي في العالم"، والتي "تهتم بقضايا العالم الإسلامي، وتعتبر منظارًا راصدًا لمجريات الأمور داخل "الأمة المسلمة" –سواء داخل النطاق الجغرافي الأساس للإسلام أو عبر الأقليات المسلمة المتناثرة خارج هذا العالم"، بالإضافة إلى دراسات د. نادية وأنشطتها العلمية والفكرية والبحثية الأخرى التي لا يملك الناظر إليها إلا التعجب من حمل شخص واحد لهموم الأمة بهذا الشكل، وقيادته لفرق عمل دؤوبة تشاركه الرسالة ذاتها بكفاءة وإخلاص نادرين.

  1. نموذج للعالم "المربي"

يُمثل فوز الدكتورة نادية مصطفى بجائزة الكتاب العربي رسالةً للباحثين الشباب، مفادها أن "الإنجاز" الحقيقي في العلوم الاجتماعية لا يكمن في استيراد القوالب الجاهزة، بل في مشقة الحفر في الذات الحضارية لاستخراج نظريات ومفاهيم قادرة على تفسير واقعنا ومعالجة أزماتنا. إنها جائزة لمشروع عمرٍ قضته الدكتورة نادية ليس فقط في تأليف الكتب، بل في "تأليف الرجال والنساء" من الباحثين الذين يحملون اليوم مشعل هذه المدرسة في جامعات ومراكز أبحاث حول العالم.

 

نبذة عن جائزة الكتاب العربي:

والجدير بالذكر أن جائزة الكتاب العربي، التي أطلقها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة- قطر، تُعد إحدى أبرز المنصات التقديرية المستحدثة في المشهد الثقافي العربي، والمكرسة حصرًا للاحتفاء بالإنتاج الفكري الرصين في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد تأسست الجائزة، التي بلغت دورتها الثالثة في عام 2026، انطلاقًا من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي الجاد، وسد الفجوة القائمة في تكريم المؤلفات غير الأدبية، عبر معايير تحكيمية صارمة تشترط في الأعمال المترشحة الأصالة، والجدة المنهجية، والإضافة النوعية للمعرفة الإنسانية، بعيدًا عن النقل أو التكرار. وتتجاوز الجائزة فكرة تكريم "الكتاب الواحد" عبر استحداثها "فئة الإنجاز" (للأفراد والمؤسسات)، وهي الفئة الأرفع التي تُمنح لأصحاب المشاريع الفكرية الممتدة الذين كرسوا مسيرتهم لتأصيل المعرفة وبناء المدارس الفكرية، مما جعل الجائزة تتحول في زمن قياسي إلى "مؤشر معياري" يقيس حيوية العقل العربي وقدرته على الاشتباك مع قضايا واقعه بأدوات تحليلية رفيعة المستوى.

وتستند جائزة الكتاب العربي إلى ظهير مؤسسي وأكاديمي رصين يضمن إلى حد كبير استقلاليتها ونزاهة معاييرها. إذ تنبثق الجائزة بشكل رئيس من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" (بالدوحة)، الذي يُعد الحاضنة والممول الأساسي للمشروع، ومظلة تنظيمية توفر للجائزة ثقلها البحثي. وتتكامل هذه الرعاية مع شراكة استراتيجية عضوية مع "معهد الدوحة للدراسات العليا"، الذي يمثل الذراع الأكاديمي للجائزة، حيث يشارك نخبة من أساتذته وباحثيه في لجان التحكيم والفرز، مما يضفي على الجائزة صبغة "الأكاديمية الصارمة". كما تحظى الجائزة بدعم لوجستي واحتفاء رسمي من وزارة الثقافة القطرية، التي تستضيف حفل التوزيع غالبًا ضمن الفعاليات الثقافية الكبرى في الدوحة.

وفي الحقيقة؛ لم يكن فوز الدكتورة نادية مصطفى في الدورة الثالثة حدثًا معزولًا، بل جاء حلقةً في سلسلة ذهبية بدأت مع انطلاق الجائزة، التي حرصت منذ موسمها الأول (التأسيسي) على وضع معايير استحقاق عالية السقف، مكرمةً "الآباء المؤسسين" للعلوم العربية الحديثة. ففي الموسم الأول، دشنت الجائزة مسارها بمنح "فئة الإنجاز" لقامات شامخة، يتقدمهم فيلسوف الأخلاق المغربي د. طه عبد الرحمن، الذي يُعد نظيرًا للدكتورة نادية في مشروع "تأصيل المفاهيم"، والمحقق المصري الكبير د. أيمن فؤاد سيد، الذي أعاد كتابة تاريخ التراث المخطوط، إضافة إلى عالم الأنثروبولوجيا السعودي د. سعد الصويان، وشيخ البلاغيين د. محمد محمد أبو موسى. وقد تواصل هذا النهج في الموسم الثاني، الذي رسخ هوية الجائزة عبر الاحتفاء برواد المعاجم التاريخية والدراسات النقدية المقارنة، لتشكل قوائم الفائزين في الموسمين السابقين "كتلة حرجة" من العقول العربية التي جمعت بين العمق التراثي والمنهجية الحديثة، وهو السياق الذي جاء فيه تكريم الدكتورة نادية مصطفى هذا العام (2026) ليضيف "العلوم السياسية" إلى خارطة التميز التي رسمتها الجائزة عبر تاريخها القصير والمكثف.

 

قائمة بأهم مؤلفات وأعمال الدكتورة نادية محمود مصطفى (تأليفًا، أو تحريرًا، أو إشرافًا ومشاركة):

  • مشروع العلاقات الدولية في الإسلام (موسوعة من 12 مجلداً) (للمزيد: هنا)
  • إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (موسوعة من 7 مجلدات) (للمزيد: هنا)
  • العدالة والديمقراطية: التغيير العالمي من منظور نقدي حضاري إسلامي (للمزيد: هنا)
  • موسوعة الأمة في قرن (6 مجلدات) (للمزيد: هنا)
  • العلاقات الدولية في عالم متغير (للمزيد: هنا)
  • الثورة المصرية.. نموذجًا حضاريًّا (للمزيد: هنا)
  • العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي (للمزيد: هنا)
  • مسارات علم العلاقات الدولية (للمزيد: هنا)
  • مدخل في علم السياسية (للمزيد: هنا)
  • نحو مدرسة حضارية في حقل العلاقات الدولية (للمزيد: هنا)
  • في الذاكرة التاريخية للأمم: تحولات ومالات حضارية معاصرة (للمزيد: هنا)
  • في تجديد العلوم الاجتماعية (للمزيد: هنا)
  • القيم في الظاهرة الاجتماعية (للمزيد: هنا)
  • قراءة في فكر أعلام الأمة (للمزيد: هنا)
  • الديمقراطية العالمية من منظورات غربية ونحو منظور حضاري إسلامي في علم العلاقات الدولية (للمزيد: هنا)
  • المنهاجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية – حقل العلوم السياسية نموذجًا (للمزيد: هنا)

 

جائزة الكتاب العربي الموسم الثالث (2026) للمزيد: هنا

السيرة الذاتية الكاملة لـ أ. د. نادية محمود مصطفى (هنا)

نظرة طائر على الحياة اليومية العربية، تشير إلى تمدد الفوضى في بعض المدن والأرياف والبوادي، حيث ارتفاع معدلات الانفجار السكاني، والزيادات المستمرة للسيارات العامة والخاصة، ويثور السؤال الذي يتردد دائمًا دون توقف: أين القانون الذي ينظم علاقة «المواطن» بالقانون؟ لماذا لا يهتم الفكر القانوني والسياسي بمسألة الدولة والقانون والحرية والفوضى في عالمنا العربي حال استقرار وقوة النظام السياسي التسلطي؟ لماذا يقارن المثقفون، وغيرهم من المتعلمين، بين سيادة القانون في المجتمعات الأكثر تقدمًا في شمال العالم، وبين الفوضى واللانظام في حياتنا اليومية العربية؟

المقارنات بين وضعية القانون واحترام المواطنين لقواعده في المجتمعات الغربية المتقدمة، مختلفة تمامًا عن بعض الحالات العربية وثقافة الفوضى، ومرجع ذلك إلى الأنظمة القانونية – اللاتينية، والأنجلوساكسونية، والألمانية الجرمانية- وعلى الرغم من جذورها التاريخية في القانون الروماني والثقافة اليهودية المسيحية، هي أهم إبداعات العقل الفلسفي والقانوني والسياسي الحداثي الأوروبي والأمريكي، ومن ثم كان القانون تعبيرًا عن الحداثة والتحديث، ومن ثم تطورات النظام الاجتماعي والسياسي، والثقافة المدنية والرأسمالية، وهي تجارب تاريخية بالغة الصعوبة والتعقيد حتى الرأسمالية النيوليبرالية. من ثم كانت هذه التجارب وليدة صراعات طبقية ضارية من الإقطاع إلى البورجوازية والرأسمالية، وتشكل البنى الطبقية والأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني والفردانية والفرد، والحريات الشخصية والعامة، وهي تشكلات كانت وراءها صراعات وكفاح من الطبقات الوسطى والعمالية والفلاحية والمواطنين، والأحزاب والجماعات، ولا تزال. ومن ثم لم تسقط القوانين نسبيًا من أعلى السلطة على المواطنين، وإنما كانت القوانين جزءًا من السعي لتحقيق مصالح كل طبقة أو فئة اجتماعية لمصالحها عبر ممثليها من الأحزاب السياسية والجماعات النقابيّة والمهنية، في ظل مجتمعات شهدت ثورات كبرى، وأيضًا مسألة الحرية كجزء من الثقافة السياسية والقانونية، وتنظيمها على نحو يؤدي إلى ضمانات لتحقيقها في الواقع الموضوعي ومشكلاته.

القوانين الحديثة في عالمنا العربي، جاءت قبل الاستقلال وبعده، من المرجعيات الأوروبية والدول التي استعمرت بلداننا –فرنسا وبريطانيا وإيطاليا-، وهي قوانين ولدت من أرحام الليبرالية الغربية، والعلمانية، والتمايز بين القوانين والأديان، ومن حركة الطبقات الاجتماعية نحو صون الحريات والمصالح الاجتماعية في ظل الطبقة المسيطرة ودفاعها عن مصالحها، وتبني مصالح القوى الاجتماعية الأخرى لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وأيضًا الوعي القانوني لدى الأفراد بأهميته في تنظيم الحريات، وأيضًا في حمايتها وتحقيق الاستقرار والأمن المجتمعي. في بعض مجتمعاتنا العربية، لم تكن البنيات الاجتماعية متبلورة كطبقات لأنها مجتمعات انقسامية، وللقيود المختلفة على الحريات تحت نير الاستعمار، أو النظم التسلطية بعد الاستقلال. بدا القانون الغربي الحديث في الوعي شبه الجمعي وكأنه غريب عن ثقافة الأعراف والتقاليد والقواعد المستمدة من القواعد الدينية العقيدية والعرفية الشعبية.

الفكر السياسي العربي – الليبرالي، والقومي، والماركسي - لم يكن يهتم كثيرًا بمسألة الدولة والقانون والحريات العامة والفردية إلا قليلًا، وركز على قضايا السيادة الوطنية، ومفاهيم الحرية، والاستقلال الوطني، وقضايا التبعية، وضرورة التنمية المستقلة، لا سيما عقب الاستقلال والصراع بين الكتلة الرأسمالية الغربية والكتلة السوفيتية الاشتراكية والصين وحركة عدم الانحياز. ركز الفكر السياسي القومي والماركسي على التنمية المستقلة والحقوق الاجتماعية ومفاهيم العدالة الاجتماعية، وبعضهم ركز على نقد النظم السياسية، وقلة – من الماركسيين – ركزت على القانون وأهميته في تنظيم الحريات وعلاقته بالمصالح المسيطرة بعد الاستقلال.

الفقه القانوني الوضعي في كليات الحقوق ركز على تقاليد الدرس الأكاديمي الأوروبي الشكلاني الوضعي في دراسة القوانين – العام الدستوري والإداري، والقانون الخاص المدني والتجاري والأحوال الشخصية.. إلخ - في نزعة تجريدية وعامة لقواعد القانون في حالة انفصال عن الأبعاد الطبقية والاجتماعية والوعي الفردي والجمعـي بالقوانين وأهميتها، أو في علاقتها بالثقافات الشعبية في المجتمع العربي، ومن ثم لم تحدث متابعات لدراسات علم الاجتماع القانوني في الدراسات الغربية أو بعض من استمداداتها في كتابات بعض من أساتذة علم الاجتماع العرب على قلتها. بعض الكتابات القانونية الماركسية القليلة المترجمة وبعضها المؤلف الذي يعيد إنتاجها، تناولت نظريًا مسألة القانون والدولة البورجوازية المسيطرة، وأثرها على مضمون المصالح المسيطرة التي يحميها القانون وقواعده، وهي كتابات مستمدة من متن القانون النظري الماركسي على عمومياته وتجريداته النظرية فقط، دونما ترجمة لتطبيقات هذه الأطروحات الفلسفية القانونية على الواقع الفعلي في المجتمعات الغربية، أو إنزالها تطبيقًا على علاقة القوانين بالدولة السوفيتية –السابقة -، والدول الشيوعية قبل انهيارها! من ثم ظلت محض كتابات نظرية وتجريدية وفلسفية عامة، وذات طابع تبشيري، ومحدودة التأثير لدى القانونيين من الماركسيين، أو لدى «الكوادر» الحزبية للأحزاب الشيوعية العربية، ومن ثم لم تكن على قائمة اهتماماتها الأيديولوجية والسياسية إلا قليلًا في مناقشة بعض القوانين، ومرجع ذلك أيضًا أن غالب هذه الأحزاب كانت محجوبة عن الشرعية السياسية والقانونية، أو جزءًا من ائتلافات و«جبهات قومية».

مع تبني النظم السياسية العربية النيوليبرالية الرأسمالية، زاد تضخم القوانين والنزعة التجريمية والعقابية في عديد المجالات، وهو ما أدى إلى فجوات بين الوعي الجمعي وانهمار التشريعات واللوائح التنظيمية والقرارات الإدارية، على نحو فاقم الفجوات الواسعة ما بين غالبية «المواطنين» وبين القانون ومصالحهم الاجتماعية، وهو ما ساهم في تمدد قانون الفوضى واللانظام والمكانة، على الرغم من التجريم والعقاب الذي فقد بعضًا من ردعه العام والخاص في بعض المجتمعات والدول العربية، في عالم وواقع مضطرب.

 

* نبيل عبد الفتاح، العقل القانوني النصوصي .. وأزمات الدولة العربية، جريدة الأهرام، 15 يناير 2026، https://bit.ly/49wBbWE

** هو صحفي وباحث مصري، متخصص في شؤون الجماعات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، حصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1974، ثم الماجستير من جامعة السوربون الفرنسية في صراع الحضارات عام 1984. كان يشغل منصب مساعد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إلي أن أصبح رئيس مركز تاريخ الأهرام في 12 أغسطس عام 2009 بقرار من الدكتور عبد المنعم سعيد وهو مختص في شئون الجماعات الإسلامية ورئيس تقرير الحالة الدينية في مصر، وله عدة كتب في هذا المجال منها: المصحف والسيف، وسياسات الأديان، والحرية والمراوغة، النص والرصاص، وبالإنجليزية "العنف المحجوب"، وأخرى.

يُعد كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" للعلامة المجدد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والذي نُشرت طبعته الأولى في منتصف القرن العشرين (1946م)، لبنة تأسيسية كبرى في الفكر الإسلامي الحديث ومشروعًا علميًا طموحًا يهدف إلى إعادة صياغة علم أصول الفقه وتجديده. وسعى المؤلف من خلال هذا العمل إلى إثبات أن للشريعة الإسلامية مقاصدَ كليةً ومعانيَ حكيمةً، يمكن استنباطها عبر الاستقراء لا عبر الظواهر اللفظية فحسب، بغية جعل الفقه الإسلامي قادرًا على مواكبة المستجدات الحضارية دون جمود. وتكمن الأهمية القصوى لهذا الكتاب في كونه أخرج "المقاصد" من كونها مبحثًا هامشيًا داخل كتب الأصول، ليجعلها علمًا مستقلًا بذاته، رابطًا بين النصوص الجزئیة والكليات العقلية، ومؤسسًا لقاعدة "حفظ نظام الأمة" كغاية عظمى للتشريع.

 

دراسة تمهيدية (بقلم المحقق: د. محمد الطاهر الميساوي):

استهل الكتاب بدراسة تحليلية مفصلة وضعها المحقق، تهدف إلى وضع القارئ في السياق التاريخي والمعرفي للمؤلف وكتابه. ركز هذا القسم على استعراض البيئة الفكرية التي عاش فيها ابن عاشور في تونس، وكيف أثرت التحديات الاستعمارية وحالة الجمود الفقهي آنذاك في تشكيل عقليته الإصلاحية. وطرح المحقق أطروحة مفادها أن ابن عاشور لم يكن مجرد ناقل للتراث المقاصدي (مثل الشاطبي)، بل كان ناقدًا ومطورًا، حيث سعى لتخليص علم الأصول من "الآفات" التي لحقت به كالمجادلات الكلامية والافتراضات النظرية البعيدة عن الواقع. وتُعد هذه الدراسة مدخلًا منهجيًا ضروريًا لفهم المصطلحات التي سيعتمدها المؤلف لاحقًا، وتبرز القيمة المضافة للكتاب مقارنة بالمصادر السابقة.

 

مقدمة المؤلف:

انتقل بنا الكتاب إلى مقدمة الشيخ ابن عاشور نفسه، والتي تمثل البيان التأسيسي للكتاب. وطرح المؤلف هنا إشكالية قصور "علم أصول الفقه" بوضعه التقليدي عن تلبية حاجات التشريع المتجددة، معللًا ذلك بغلبة النزعة اللفظية والجدلية عليه. وقدم المؤلف حجته المركزية بضرورة تدوين علم جديد يُسمى "مقاصد الشريعة"، يكون قطعي الدلالة في معظمه، ليُتخذ مرجعًا عند اختلاف الفقهاء وتعارض الأدلة. أظهر هذا القسم براعة ابن عاشور في تشخيص الداء، حيث ربط بين جمود الفقهاء وغياب النظرة الكلية للشريعة، ممهدًا بذلك الطريق لطرح نظريته القائمة على "القطعيات" بدلًا من "الظنيات" التي تملأ كتب الفروع.

 

القسم الأول (إثبات مقاصد الشريعة)

  1. إثبات أن للشريعة مقاصد:

في هذا الفصل، أسس ابن عاشور للقاعدة الصلبة التي سيبني عليها كتابه، وهي أن أحكام الشريعة ليست تعبدية محضة لا تُعقل معانيها، بل هي معللة ولها غايات. واستخدم المؤلف منهج "الاستقراء" لتصرفات الشريعة في مختلف الأبواب لإثبات أن الشارع الحكيم لا يشرع عبثًا، وأن كل حكم شرعي يحمل في طياته مصلحة مرجوة أو مفسدة مدفوعة. وناقش الفصل موقف الظاهرية ومنكري التعليل، ورد عليهم بأدلة عقلية ونقلية تؤكد أن سريان المعاني والمقاصد هو الأصل في التشريع، مما يجعل الفقيه ملزمًا بالبحث عن هذه العلل لتعدية الأحكام إلى النوازل الجديدة.

  1. احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة

انتقل ابن عاشور لبيان الوظيفة العملية لهذا العلم، مجيبًا عن سؤال: لماذا يجب على الفقيه معرفة المقاصد؟ يُقرر ابن عاشور أن المجتهد لا يستغني عن معرفة المقاصد في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع، خاصة عند تعارض الأدلة أو غياب النص الخاص. وطرح فكرة أن المقاصد هي "الميزان" الذي يضبط الاجتهاد ويمنع الفقيه من الوقوع في التناقض أو التمسك بظاهر النص مع إهدار روحه. يُعد هذا الفصل محوريًا لأنه ينقل المقاصد من حيز الترف الفكري إلى حيز الضرورة الفقهية الملحة لضبط الفتوى والقضاء.

 

  1. طرق إثبات المقاصد

تناول هذا الفصل المنهجية العلمية التي يقترحها ابن عاشور للكشف عن مقاصد الشارع. ورفض المؤلف الاعتماد الكلي على أدلة الآحاد الظنية، واقترح بدلاً من ذلك الاعتماد على "الاستقراء" (تتبع الجزئيات للوصول إلى حكم كلي) و"التواتر المعنوي". وقسم طرق الإثبات إلى استقراء العلل المعروفة في الأحكام، واستقراء أدلة الشريعة العامة، ودلالة المناسبات السياقية. يمثل هذا الفصل الجانب "الإبستمولوجي" (المعرفي) في الكتاب، حيث يضع قواعد صارمة تمنع من ادعاء مقاصد لا دليل عليها، وتضمن علمية هذا الفن الجديد.

 

 ثالثًا: القسم الثاني (مقاصد التشريع العامة)

  1. المقصد العام من التشريع

حدد ابن عاشور في هذا الفصل "الغاية الكبرى" للإسلام، وهي "حفظ نظام العالم" وصلاح أحوال الناس. وجادل بأن الشريعة جاءت لتنظيم حياة البشر بما يضمن استمرار النوع الإنساني وسلامة اجتماعه. وربط المؤلف هنا بين المفهوم الديني (الصلاح والتقوى) والمفهوم الحضاري (النظام والعمران)، مؤكدًا أن إصلاح الفرد هو وسيلة لإصلاح المجتمع. وقدم شواهد قرآنية تدل على نفي الفساد وطلب الإصلاح، معتبرًا أن كل حكم يؤدي إلى اختلال نظام المجتمع فهو مناقض لمقصد الشارع.

  1. الفطرة

تُعد نظرية "الفطرة" حجر الزاوية في فكر ابن عاشور المقاصدي، وطرح في هذا الفصل أطروحة جريئة مفادها أن "الشريعة هي الفطرة"، بمعنى أن أحكام الإسلام تتماشى تمامًا مع الخلقة التي طبع الله الناس عليها دون تكلف أو عنت. وحلل معنى الفطرة لغويًا وشرعيًا، ويستنتج أن الإسلام هو دين الفطرة لأنه لا يصادم الحقائق الكونية ولا الطبائع البشرية السوية. وربط هذا المفهوم بعالمية الإسلام، فبما أن الفطرة الإنسانية واحدة، فإن الدين الذي يوافقها صالح لكل زمان ومكان، مما يجعله المقصد الكلي الذي تندرج تحته سائر المقاصد.

  1. السماحة

وأفرد ابن عاشور فصلًا خاصًا لمقصد "السماحة"، معتبرًا إياها وصفًا لازمًا للشريعة وليست مجرد رخص طارئة، وعرّف السماحة بأنها سهولة التكليف ورفع الحرج، واستدل على ذلك باستقراء الرخص الشرعية وأدلة رفع العسر. قرر ابن عاشور أن السماحة مقصد مقصودُ لذاته؛ لما لها من إثر في ضمان بقاء الشريعة ومحبة الناس لها، ولتيسير دخول الأمم فيها. وناقش التوازن بين العزيمة والرخصة، وحذر من التشديد الذي يُنفر الناس، مؤكدًا أن "الوسطية" هي تجسيد لهذه السماحة.

  1. مصالح الناس (المصلحة)

تناول هذا الفصل المفهوم التقليدي للمقاصد (جلب المصالح ودرء المفاسد) ولكن بنظرة تحليلية أعمق. وأعاد ابن عاشور تقسيم المصالح إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، مع تفصيل دقيق لمراتبها وكيفية الترجيح بينها؛ حيث ميَّز بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وقرر قاعدة تقديم المصلحة العامة عند التعارض. تميز هذا الفصل بالدقة في تعريف "المصلحة" لإخراج الأهواء والشهوات منها، وضبطها بضوابط الشرع والعقل السليم، مما يغلق الباب أمام التلاعب بالأحكام بدعوى المصلحة المرسلة.

  1. المساواة

ناقش ابن عاشور "المساواة" كمقصد شرعي أصيل، مؤسسًا لمبدأ أن الأصل في التشريع هو عموم الخطاب وتساوي الناس أمام الأحكام. واستعرض الأدلة على إلغاء الفوارق الطبقية والعرقية في الإسلام، وكيف أن الاستثناءات في الأحكام (مثل أحكام المرأة أو العبيد قديمًا) لها علل خاصة لا تقدح في أصل المساواة. كما عالج المؤلف بحكمة قضية الفوارق البيولوجية والاجتماعية، موضحًا أن المساواة في الإسلام هي مساواة في الحقوق الإنسانية والكرامة والعدالة، وليست بالضرورة تماثلًا ميكانيكيًا في كل تفصيل جزئي.

  1. الحرية

في طرح تقدمي سابق لعصره، عالج ابن عاشور مفهوم "الحرية" كمقصد من مقاصد الشريعة. وميز بين الحرية الوجودية (خلو الذات من سيطرة الغير) والحريات الحقوقية (حرية التصرف، التملك، الاعتقاد). واستدل بمحاربة الإسلام للرق وتشوّفه للعتق تدريجيًا دليلًا على أن الحرية هي الوضع الطبيعي الذي يسعى الشرع لتكريسه. وربط المؤلف بين الحرية والمسؤولية، مؤكدًا أن الحرية المقاصدية ليست فوضى، بل هي قدرة الإنسان على التصرف في شؤونه بما لا يضر بالآخرين ولا يخالف النظام العام، واضعًا بذلك تأصيلًا إسلاميًا لمفهوم الحريات المدنية.

 

القسم الثالث (مقاصد التشريع الخاصة)

  1. مقاصد أحكام العائلة

انتقل الكتاب من الكليات النظرية إلى التطبيق العملي، بادئًا بأهم وحدة اجتماعية وهي الأسرة. وحلل ابن عاشور نظام الأسرة في الإسلام، مبينًا أن مقصده الأسمى هو "حفظ النسل" و"إحكام الآصرة الاجتماعية". وناقش قضايا الزواج، والطلاق، والولاية، والميراث، موضحًا كيف تخدم كل جزئية منها استقرار العائلة. وأبرز المؤلف حكمة التشريع في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة بناءً على الفطرة والكفاءة، وكيف أن القيود المفروضة في هذا الباب تهدف لحماية المجتمع من التفكك واختلاط الأنساب.

  1. مقاصد التصرفات المالية (المعاملات)

استعرض هذا الفصل فلسفة المال في الإسلام، حيث قرر أن المقصد العام هو "روج المال" (تداوله) و"حفظه" و"وضوح ملكيته". وفصل المؤلف في الحديث عن منع الغرر، وتحريم الربا، وتوثيق الديون، معتبرًا أن هذه الأحكام تهدف لمنع النزاع وضمان استثمار الأموال وتنميتها. وطرح فكرة أن المال "قوام الحياة"، وبالتالي فإن الشريعة حاطته بسياج من الضوابط التي تمنع تجميده أو تبديده في غير نفع، رابطًا بين الاقتصاد والأخلاق في منظومة متكاملة.

  1. مقاصد أحكام العمل (العمل والعمال)

خصص ابن عاشور حيزًا للحديث عن العمل وحقوق العمال، مستنبطًا مقاصد الشريعة في إيفاء الأجير حقه وعدم استغلاله. ورأى أن المقصد هنا هو إقامة العدل الاجتماعي وحفظ كرامة الإنسان الكادح. وناقش قضايا الإجارة والمساقاة وغيرها، مؤكدًا أن الشريعة تهدف إلى حماية الطرف الأضعف في المعادلة الاقتصادية، وتشجيع الإنتاج والكسب المشروع باعتباره وسيلة لعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف.

  1. مقاصد العقوبات والقضاء

اختتم المؤلف أبواب الكتاب ببحث مقاصد النظام الجنائي والقضائي. مؤكدًا أن الغاية من العقوبات (الحدود والتعازير) هي "الزجر" و"الإصلاح" و"جبر الضرر"، وليست مجرد الانتقام. وحلل فلسفة القصاص كحياة للمجتمع، ويوضح أهمية القضاء المستقل في فصل الخصومات ومنع الناس من الانتصاف لأنفسهم مما يؤدي للفوضى. وربط هذا الفصل بين حفظ الأمن العام وتحقيق العدالة، معتبرًا أن إقامة العدل هي الوجه الآخر لحفظ نظام الأمة.

 

خاتمة

يمثل كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" لمحمد الطاهر بن عاشور وثيقة تجديدية بالغة الأهمية، نجحت في إعادة وصل الفقه الإسلامي بأصوله العقلية وغاياته الإنسانية. من خلال فصول الكتاب المتسلسلة، أثبت المؤلف أن الشريعة نسق متكامل يهدف إلى تحقيق "الفطرة" و"السماحة" و"صلاح العالم"، متجاوزًا النظرة الجزئية للنصوص. خلص الكتاب إلى نتيجة جوهرية مفادها أن استمرار صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان مرهون بقدرة العقل الفقهي على استيعاب مقاصدها الكلية وتنزيلها على الواقع المتغير، مما جعل هذا الكتاب المرجع الأساس لكل محاولات التجديد الفقهي المعاصر.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

 

المراجع: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2001م.

يُعد الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879- 1973م)، واحدًا من أبرز أقطاب الفكر والاجتهاد الإسلاميين في العالم الإسلامي في العصر الحديث، وشخصية علمية فذة جمعت بين التضلع في العلوم الشرعية والانفتاح الواعي على الثقافة المعاصرة. لم يكن الشيخ مجرد عالم دين تقليدي، بل كان رائدًا من رواد الإصلاح والتجديد الذين حملوا على عاتقهم مهمة إخراج العقل المسلم من دوائر الجمود والتقليد إلى رحابة الاجتهاد ومواكبة مقتضيات العصر، وقد تجلى ذلك في مسيرته الحافلة التي تنوعت فيها أدواره بين تفسير القرآن الكريم والتدريس والقضاء والإفتاء ومشيخة الجامع الأعظم، تاركًا بصمات واضحة في مسار التعليم الزيتوني وفي المكتبة الإسلامية.

 

الأسرة والجذور:

وُلد محمد الطاهر بن عاشور في قصر جده لأمه بضاحية المرسى، إحدى ضواحي تونس العاصمة، في سنة 1296هـ الموافق لعام 1879م، ونشأ في كنف أسرة علمية عريقة تمتد جذورها إلى الأندلس، وعُرفت بإنجاب العلماء والقضاة الذين تخرجوا في جامع الزيتونة وتقلدوا أرفع المناصب. كان من بين هؤلاء جده الذي حمل الاسم نفسه، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، والذي توفي عام 1868م بعد أن شغل مناصب خطيرة كالقضاء والإفتاء ونظارة بيت المال، بالإضافة إلى علماء آخرين من الأسرة مثل أحمد ابن عاشور ومحمد ابن عاشور، مما هيأ للحفيد بيئة علمية خصبة ساهمت في تكوين شخصيته الفذة. وقد تزامنت نشأته مع فترة تاريخية تموج بالدعوات الإصلاحية في العالم الإسلامي، حيث كان لأفكار المصلحين الكبار مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده صدى واسع في تونس، وتزامن ذلك مع تأسيس مؤسسات تعليمية رائدة كالمدرسة الصادقية والجمعية الخلدونية، مما شكل المناخ الثقافي الذي تفتح عليه وعي الشيخ.

 

مسيرته العلمية:

بدأ ابن عاشور رحلته العلمية بحفظ القرآن الكريم على يد المقرئ الشيخ محمد الخياري، ثم أقبل بنهم على حفظ المتون العلمية الأساسية كمتن ابن عاشور والأجرومية والرسالة، قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة عام 1310هـ (1892م) وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. وفي رحاب الزيتونة، انكبَّ على دراسة طيف واسع من العلوم شملت النحو والصرف والبلاغة والمنطق والتفسير والحديث وأصول الفقه، مُظهرًا نبوغًا مبكرًا وهمة عالية في التحصيل، كما تميز عن أقرانه في ذلك العصر بإقباله على تعلم اللغة الفرنسية بمساعدة أستاذه محمد النجار، مما مكّنه من الاطلاع على الثقافات الغربية وتوسيع مداركه. وقد توجت هذه المرحلة بحصوله على شهادة التطويع (العالمية) عام 1317هـ (1899م)، ليلتحق بعدها مباشرة بسلك التدريس.

تتلمذ الشيخ ابن عاشور على يد نخبة من كبار علماء عصره الذين غرسوا فيه روح الإصلاح والتجديد، ومن أبرزهم الشيخ محمد النخلي، والإمام سالم بوحاجب الذي لازمه وتأثر به كثيرًا وحصل منه على الإجازة العلمية عام 1323هـ، وكذلك جده لأمه الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور الذي أجازه بكل مروياته. وشملت قائمة شيوخه أعلامًا مثل شيخ الإسلام محمود بن الخوجة، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ صالح الشريف، والشيخ محمد طاهر جعفر، الذين شهدوا له جميعًا بالتفوق والقدرة الفائقة على استيعاب العلوم.

 

اللقاء بالإمام محمد عبده:

شكلت زيارة الإمام محمد عبده الثانية لتونس عام 1903م محطة مفصلية في حياته، حيث التقى به وتوطدت العلاقة بينهما نظرًا لتقارب رؤاهما الإصلاحية، حتى إن محمد عبده لقبه بـ "سفير الدعوة في جامع الزيتونة"، كما ربطته علاقة وثيقة بالشيخ محمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده، ونشر الشيخ رضا في مجلته "المنار" مقالات عدة للإمام ابن عاشور.

 

التدرج الوظيفي والمناصب القيادية:

تدرج الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في المناصب العلمية والإدارية والقضائية، فبدأ مدرسًا بجامع الزيتونة، ثم اختير للتدريس في المدرسة الصادقية عام 1904م، وهي تجربة عمقت وعيه بضرورة ردم الهوة بين التعليم التقليدي والتعليم العصري. وفي عام 1907م عُين مدرسًا من الطبقة الأولى ونائبًا عن الدولة لدى النظارة العلمية بجامع الزيتونة، حيث بدأ في طرح رؤاه لإصلاح التعليم. وشارك بفاعلية في العديد من اللجان والمجالس، منها لجنة تنقيح برامج التعليم الأولي، ومجلس المدارس، ومجلس الأوقاف الأعلى، والمحكمة العقارية. وفي عام 1913م عُين قاضيًا مالكيًا، ثم باش مفتي المالكية عام 1927م، وصولًا إلى تعيينه "شيخ الإسلام المالكي" عام 1932م، ليكون أول من تولى هذا المنصب من المالكية. وفي العام نفسه، جمع بين مشيخة الإسلام ومشيخة الجامع الأعظم وفروعه، إلا أنه استقال بعد فترة قصيرة بسبب العراقيل التي واجهت مشروعه الإصلاحي، قبل أن يعود لمشيخة الجامع مرة ثانية عام 1944م ليقود نهضة تعليمية شاملة، ثم عُين عميدًا للجامعة الزيتونية عام 1956م.

 

المشروع الإصلاحي والرؤية التربوية:

ارتكز المشروع الإصلاحي لابن عاشور على رؤية عميقة لأسباب تدهور التعليم الإسلامي، والتي حصرها في فساد المعلم، وفساد التأليف، وفساد النظام العام. وسعى من خلال مناصبه إلى معالجة هذه الاختلالات عبر إدخال العلوم الحديثة كالرياضيات والطبيعة في مناهج الزيتونة، واستبدال الكتب القديمة بمناهج تنمي الملكات العقلية، والدعوة إلى التقليل من التلقين والإكثار من التطبيق لتنمية الفهم لدى الطلاب. كما اهتم بإحياء علوم اللغة العربية وآدابها، فدرس بنفسه شرح ديوان الحماسة، وسعى لتوحيد الرؤية بين تياري الأصالة والمعاصرة، مدونًا أفكاره الإصلاحية في كتابه الشهير "أليس الصبح بقريب". وقد أثمرت جهوده في فترته الثانية بمشيخة الزيتونة عن زيادة عدد المعاهد والطلاب وتطوير البيئة التعليمية بشكل ملحوظ.

 

الآثار العلمية والمؤلفات:

أثرى الشيخ المكتبة العربية والإسلامية بإنتاج علمي غزير ومتنوع، غطى مجالات التفسير والفقه والمقاصد واللغة والأدب. ويأتي في مقدمة أعماله تفسيره العظيم "التحرير والتنوير"، وكتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية" الذي أحيا به علم المقاصد، وكتاب "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام". كما ترك تحقيقات ودراسات أدبية ولغوية هامة، منها "أصول الإنشاء والخطابة"، و"موجز البلاغة"، وشروحات لدواوين الشعراء العرب مثل النابغة الذبياني وبشار بن برد، بالإضافة إلى تحقيقاته في الحديث الشريف مثل "كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ". ولم يقتصر نشاطه على التأليف، بل ساهم في تأسيس المجلات العلمية مثل "السعادة العظمى"، وكتب في مجلات "المنار" المصرية، و"الزيتونية"، وصحف مثل "النهضة" و"الزهرة"، وكان عضوًا فاعلًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة والمجمع العلمي العربي بدمشق.

وفاته:

اختتم الشيخ ابن عاشور حياته بموقف مبدئي صلب، حيث أُحيل إلى التقاعد من منصبه مفتيًا لتونس عام 1960م؛ بسبب رفضه الانخراط في الحملة الداعية للإفطار في رمضان والتي تزعمها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، مستمسكًا علانية بثوابت الدين متخليًا بموقفه القوي هذا عن بريق المناصب.

توفي رحمه الله في 13 رجب 1393هـ الموافق 12 أغسطس 1973م، ودُفن بمقبرة الجلاز، بعد عمر مديد ناهز المائة عام كرسه لخدمة العلم والدين، تاركًا إرثًا فكريًا وحضاريًا عظيمًا وصفه العلماء بأنه ذخيره لا تقدر بثمن؛ حيث قال عنه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: "إنه إمام في العلميات لا ينازع في إمامته أحد"، ووصفه الشيخ محمد الغزالي بأنه "رجل القرآن وإمام الثقافة الإسلامية".

 

المصدر:

  • محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية. تقديم: حاتم بوسمة. سلسلة في الفكر النهضوي الإسلامي. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2011.