بدأت البنوك الروسية اعتبارًا من الأول من سبتمبر تجربة إدخال الخدمات المصرفية الإسلامية في روسيا، وطبقًا لما هو مقرر فإنه في غضون عامين، سيتم اختبار الخدمات المصرفية الجديدة بموجب الشريعة الإسلامية في أربع مناطق، هي: بشكيريا وداغستان وتتارستان والشيشان، وقد تم التوقيع على قانون إجراء هذه الاختبارات في أوائل أغسطس من قبل الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”.

ويُذكر أن العدد الأكبر من البنوك الإسلامية يقع في الشرق الأوسط، في دول الخليج وماليزيا، ومن هذه المناطق سيكون من الممكن جذب الاستثمار الأجنبي.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للخدمات المصرفية الإسلامية أن تساعد في زيادة عدد المشاريع في روسيا من خلال تمويل الشركاء للشركات والأفراد.

وبالإضافة إلى الاستثمار المشترك، سيحصل المقترض على تدقيق دائم لأنشطته، كما يقول فلاديمير تشيرنوف، المحلل في Freedom Finance Global.

ووفقًا لتحليل السوق، يبلغ عدد عملاء التمويل الإسلامي المحتملين 7.5 مليون شخص على الأقل، وأكثر من نصفهم (4.7 مليون شخص) هم بحكم الواقع عملاء لمصرف سبيربنك.

وقال “أوليغ غانيف” النائب الأول لرئيس سبيربنك، في مقابلة مع كوميرسانت: “إن الـ 2.8 مليون شخص المتبقين هم عملاء جدد محتملون”.

يمكن استخدام الخدمات المصرفية الإسلامية ليس فقط من قبل المسلمين، بل ومن قبل ممثلي جميع الأديان، على الأقل، يجري إدراج هذه المسألة بشكل منفصل في القانون.

هناك مسألة أخرى تتمثل فيما إذا كانت البنوك ستوافق على العمل وفق الشريعة الإسلامية مع كل من يرغب.

وفي هذا الصدد، قال “ألكسندر باختين” استراتيجي الاستثمار في BCS Mir Investments: “نعتقد أن هناك آفاقًا للصيرفة الإسلامية في روسيا، نظرًا للنسبة الكبيرة من المسلمين، وبشكل عام، الاهتمام المتزايد بالاستثمارات في البلاد، ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنتشر الخدمات المصرفية الإسلامية بشكل نشط خارج المناطق التي يُمارس فيها الإسلام في الغالب”.


* نقلاً عن:

– موقع روسيا اليوم في 3 سبتمبر 2023م.

– عرب جورنال في 3 سبتمبر 2023م.

– برسي بي في 3 سبتمبر 2023م.

– جريدة  العلم الإلكترونية في 3 سبتمبر 2023م.

يُعد هذا اللقاء الثاني ضمن حلقات الموسم الأول من الملتقى العلمي (ملتقى التحولات والقضايا العالمية)، [والذي ينظمه مركز الحضارة للدراسات والبحوث]، وقد ناقش فيه د. مصطفى كمال باشا (أستاذ كرسي السياسة الدولية بقسم السياسات الدولية – جامعة أبيريستويث) موضوعًا مهمًّا، عنوانه “التحولات العالمية الراهنة.. وموقع العالم العربي والإسلامي منها“.

واعتبر باشا هذا اللقاء إضافة للقاء الذي سبقه وقدَّمه كلٌّ من: د. نادية مصطفى، د. مدحت ماهر. وأمَّل أن يكون هذا اللقاء فاتحة لما بعده من لقاءات.

بداية استخلص باشا مجموعة من العناصر والأفكار والمفاهيم الأساسية تعتبر مفاتيح أساسية لفهم هذا المنتدى عن التحولات والقضايا العالمية من منظور حضاري:

العنصر الأول: مرتبط بتجديد الفكر؛ بإدراك أن هناك تراثًا إسلاميًّا، وأن هذا التراث الإسلامي يحتاج لإعادة استدعاء، وربما نتيجة التطوُّرات في الداخل والخارج انزوى الاهتمام به، ولكنه من الثراء الذي يحتاج لإعادة الاستدعاء والتجديد، وأنَّنا لا نتحدَّث فحسْب عن رؤية إسلامية أو رؤية لعلوم اجتماعية، وإنما عن قراءة إسلامية بالمعنى الحضاري للعلوم الاجتماعية، وهذا من المهم التركيز عليه في الرؤية الحضارية. كما رصد أن من العناصر الأساسية التي تنبني عليها هذه الفكرة هي فكرة أهمية استعادة الغرب لحضاريَّته؛ بأن يصبح الغرب حضارة ضمن حضارات أخرى تعيش وتتواجد، وأن لا يصبح هو الوحيد الذي ينتج المعرفة، وأن يدرك أن هناك حاجة لمراكز حضارية بديلة تنتج معرفة أخرى.

نقطة أخرى وهي العلم الذي لا ينفصل عن القيم ولا الأخلاق ولا الدين، ومن ثم هناك رفض لفكرة أن العلم يمكن أن يكون خاليًا من القيم، وهناك قناعة بأنه لا بدَّ أن يكون هناك أساسٌ أخلاقيٌّ للعلم الذي نسْعى لتأسيسه.

النقطة الخامسة: إدراك الحدود والقدرات، وحدود العلوم، حتى لا نتوهَّم الكمالَ ولا القداسة، وأن المطروح في هذه الفكرة الحضارية أنها رؤية لا تدَّعي القداسة، فهي تدرك حدودَها وحدودَ إمكانيَّاتها البشرية.

النقطة السادسة: تخصُّ مسألةَ تطبيق الرؤية الحضارية، وكيف يمكن تفعيل هذه الرؤية الحضارية، وما هي الأدوات والمناهج اللازمة لهذا الأمر، ويرى د. باشا أن المدرسة المصرية لمنظور حضاري إسلامي قطعت شوطًا هامًّا في التطبيق والتفعيل لهذه الرؤية الحضارية.

النقطة السابعة: لا وجود لنظرية تنفصل عن السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، ويرى باشا أن مشكلة نظرية العلاقات الدولية تتمحور حول هذه المسألة؛ وهي أنها لا تُحَدِّثُ العالمَ ولا تُحَدِّثَ الجنوبَ العالمي، ولا تُحَدِّثُ العالمَ الإسلامي، ولكنها تتحدَّث مع ذاتها، وتتحدَّث عمَّا تراه هي، وما تعبر عنه، كما لو كان هو العلاقات الدولية، بينما هو ليس كذلك.

النقطة الثامنة ترتبط بهذه المسألة وهي: كيف يجب أن نفهم ما هي المشكلات الدولية التي تحيط بنا، وما هي الحلول التي يمكن تقديمها في هذا الصدد.

النقطة التاسعة: كل حضارة لها عناصر أساسية ولها خصوصية، والخصوصية الإسلامية ترتبط بمعنى خاص بالقيم والأخلاق والثقافة، وهذه الخصوصية الإسلامية موجودة رغم التنوُّع الكبير عبر الأقاليم الإسلامية، نفس الحال ينطبق على الحضارة الغربية، فهي أيضًا لها خصوصية رغم اختلاف الدول والمناطق.

النقطة الأخيرة: وهو التحدِّي الأكبر الذي أشارتْ إليه المحاضرة السابقة، ويخصُّ التفاعل بين الأمة والدولة وبين الحالة العالمية، حيث لا ينفصل حال الأمة وتطوير حالها أو تغييره عن فهمنا ومعرفتنا بالعالم من حولنا.

وأشار إلى أن المحاضرة تقوم على أربعة أفكار أساسية:

“Common Sense” وهو طرح قدمه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي، حول المسلَّمات التي لا نتجادل معها، أو المنطق الذي نتعامل معه كونه مسلَّمات.

التحولات العالمية، ماذا يحدث حولنا من تحولات؟ ليس فقط العولمة، ولكن تحولات عميقة يرصدها د. باشا في نسيج وبنية العالم من حولنا.

ما التحديات التي تواجه الرؤية الحضارية؟

إعادة تخيل مفهوم العصبية كما طرحه ابن خلدون.

الفكرة الأولى: حول الأفكار السائدة عن العالم الإسلامي

وكيف يتم التعامل مع هذه الأفكار السائدة على أنها طبيعية وصحيحة، وعلى أنها حقائق (أن هذا العالم الإسلامي به عنف، وعدم مساواة، …).

بداية فهذه الصور الذهنية شديدة السلبية عن العالم الإسلامي يتمُّ التعامل معها في الغرب كما لو أنها واقعًا مسلَّمًا به، وليس مجرَّد صور ذهنية متحيِّزة ضدَّ هذا الإسلام، ومشكلتها الأساسية أنها تأخذ الصبغة العالمية، وتصبح مهيمنةً لدرجةٍ لا يمكن التشكيك في صحتها.

وهذا الفكر له تداعيات في الواقع كثيرة، وله مؤسِّسين ومنظِّرين أمثال برنارد لويس، ممَّن دفعوا بأن هناك خللًا جسيمًا في الحضارة الإسلامية، لا يمكن معه لهذه الحضارة أن تتطوَّر.

أما من وجهة نظر العالم الإسلامي فهناك شعور بالدونية، وهناك تشكيك في الذات والقدرات الذاتية، منبعه -في تقدير د. باشا- الاستعمار من ناحية، ثم هذا الفهم الغربي للعالم الإسلامي من ناحية أخرى، ثم لنرى كيف يتجلَّى هذا الشعور بالدونية في مساحات تفكير العالم الإسلامي في حلول لمشاكله السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو مشاكل الحكم أو غيرها.

ويرى د. باشا أن من أهمِّ إسهامات المدرسة الحضارية المصرية في هذا الصدد، أنها ترفض هذه الثنائية؛ ترفض التعامل مع هذه الصفات للعالم الإسلامي على أنها مسلَّمات، كما أنها ترفض هذا الشعور بالدونية، وترى أن هناك مصادر إسلامية كثيرة يمكن إعادة البناء عليها وتحقيق تغيير، ويرى أن من أهمِّ ما يميِّز المدرسة أنها تتحدَّث من منطلق الندِّية والتكافؤ وليس من موقع الشعور بالأفضلية على الآخرين.

يؤكِّد د. باشا أن هناك دائمًا خياريْن أمام كلِّ حضارة، إمَّا أنها ترفض الحداثة، أو تزدريها لعدم قدرتها على اللحاق بها. إلا أن المدرسة المصرية قدمت حلا ثالثا؛ وهو الإيمان بالعلم واحترام العلم ولكن أيضًا مع ربط هذا العلم بالقيم، والتأكيد على أن الحداثة التي تقدِّمها هي حداثة بفهمها الخاص، لا ترفض العلم ولا تنكره، ولكن تضيف له بصمات خاصة.

الفكرة الثانية: التحديات والتحولات العالمية

التحديات الجديدة في مواجهة التحديات القديمة

يرى د. باشا أن هناك تحديات قديمة ترتبط بالاستعمار الأوروبي، منذ وصول نابليون لهذه المنطقة، وتأثيره طويل المدى، وهو يمتدُّ ولا ينتهي، ويفت في عضد الجسد الاجتماعي للعالم الإسلامي.

ولكن هناك بالإضافة لذلك تحديات جديدة من بينها صعود الدولة القومية الحديثة، وهي وعاء جغرافي جديد، وتطور مؤسَّسي شهدْناه في القرون الماضية منذ ما بعد وستفاليا، ولكنها تعتبر المنافس الأساسي للحضارة، فالناس يعيشون داخل حضارة، ولكن هذا يتمُّ تحدِّيه بخلْق دولة مدنيَّة حديثة أصبحت واقعًا وتشكِّل تحدِّيًا للتفكير الحضاري.

هذا التناقض بين الحضارة والدولة، يحدِّد ملامح العديد من المشكلات التي نرصدها في واقعنا الإسلامي المعاصر، ولكن محاولة التفكير كما لو أن الدولة القومية غير موجودة هو جهدٌ لا طائلَ من ورائه، فالأهم هو كيف نفكر في الحضارة في ضوء هذه المعطيات الجديدة؟ وهذا ما فعلتْه المدرسة الحضارية، حيث كانت الموازنة بين الاثنين حاضرة، على سبيل المثال في فكر ابن خلدون: كان واعيا بهذه المواجهة بين الإسلام كحضارة وبين الدولة.

إن أزمة الحضارة الإسلامية أنها فقدت القوة السياسية والاقتصادية والثقافية، وهذا جعلها الطرف الأضعف في مواجهة الدولة، ولكنه يرى أن هذا أيضا يتغيَّر، وأن هذا الفقدان للقوة يرتبط بهيمنة قوة أو اثنتين على العالم، ولكن مع التعدُّدية أصبحت هناك فرصة لرؤية جديدة أن تظهر.

ومن ثم أهمية أن لا نقلِّل من القوة الحضارية، فالحضارة مكوِّن للقوَّة وليس مجرَّد إطارٍ للتفكير، وهذه القوة الحضارية التي ترتبط بإدراكنا لذاتنا وإدراكنا للوجود، لا يلتفت لها الكثيرون من النخبة في العالم الإسلامي، لا إلى أهمية الثقافة ولا إلى أهمية التعليم كقوة، وهذه القوة الثقافية ليست القوة الناعمة وإنما القدرة على تطوير إجابات أو حلول لمشاكلنا من منطلقات ذاتية.

بالإضافة إلى ذلك هناك مجموعة من التحديات المهمة في خلفية واقعنا المعاصر:

التحدي الأول هو الحداثة الغربية: وكيف أنه يتم التعامل معها على أنها مرجعية عالمية، تُقَيَّمُ على أساسها الحضارات والمجتمعات والمناطق الحضارية المختلفة، ويرى د. باشا أن هذه المسألة يتمُّ التشكيك في صحتها تدريجيًّا، وأصبح هناك إدراك متنامٍ بأن هناك سبلًا متعدِّدة للتحديث وليس مجرد سبيل واحد.

التحدِّي الثاني: يخصُّ تلك العلاقة بين الحداثة والعلمانية، وكيف أن الحداثة تقوم على صلةٍ وطيدةٍ بالعلمانية، ومن ثم كان هناك تصوُّر أن الدين هو عائق أمام الحداثة والتطوُّر، وهي فكرةٌ يرى أيضًا أنه يتمُّ تحدِّيها والخروج عليها تدريجيًّا.

والتحدِّي الثالث: الفصل بين الأخلاق والسياسة، وهي فكرة يتمُّ غرسُها وتغذيتُها في مجتمعاتنا، حتى أضْحى كثيرون يتصوَّرون أن السياسة يمكن لها أن تتحرَّك بلا ضابط أخلاقي، وأن السياسة هي ممارسة القوَّة وإنجاز الأمور بأي وسيلة، ويؤكِّد باشا أن الرؤية الحضارية تذكِّرنا أن السياسة بدون أخلاق هي سياسة شديدة الضعف.

ننطلق للعنصر الثاني في هذه المحاضر، وهو يدور حول: ماذا يحدث حولنا من تحولات عالمية أساسية؟

بحيث إن إدراكها واستيعابها يقوِّي ويدعم من الرؤية الحضارية وقدرتها على الإسهام.

التحول عن النظام الليبرالي العالمي، وظهور نظام ما بعد ليبرالي: فنحن في عالم يتجاوز مرحلة العالم الليبرالي، ويدرك أن هناك أجزاء لم يصل إليها، ولكن أربعة عناصر تحدِّد هذه الصفة وإن كانت لم تتبلْور بعد بالكلية:

التحول نحو المزيد من التعدُّدية في مراكز القوى، وهي تعدُّدية ثقافية واقتصادية وسياسية، ومركزها ليس فقط الغرب، بل مركزها خارجَه كالصين والهند؛ كذلك ترتبط بهذه المسألة -في تقدير د. باشا- فكرة وجود مساحة حركة كبيرة لم تكن موجودة من قبل للدول والحضارات الأخرى، مثالا على ذلك حالة أوكرانيا، وكيف أنها نجحت في الاستفادة من هذه التعدُّدية في الاتفاق على بعض القضايا وفي تصويت الأمم المتحدة.

إضعاف الهيمنة الغربية، وكيف أن المركز الثقافي والسياسي والاقتصادي يتحرَّك تدريجيًّا من الغرب إلى آسيا.

وجود نماذج بديلة من التنمية، وكيف أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد أصبحت لها أشكال أو تصورات متعدِّدة ولم يعد لها تصوُّر واحد، حتى العلاقة بين الديمقراطية والتنمية لم تعد بتلك الأهمية التي كانت عليها من قبل، والمثال الحاضر هو الصين.

ما بعد العولمة: وكيف أن هناك اتجاهات تعادِي العولمة في ظلِّ وجود اتجاهات تؤكِّد وجودَها، صحوة للقومية على سبيل المثال مرتبطة بوباء كورونا وكيف تمَّ وضع حدودٍ ومعوِّقات قومية سريعًا بين الدول، وكيف أصبح العالم المعولَم معاديًا للعولمة، أيضًا ما يخصُّ الهجرة: فبالفعل هناك حركة مفتوحة بين المال وانتقال التكنولوجيا، ولكن حركة البشر ليست بهذه السهولة، والاتحاد الأوروبي يحرص على توقيع اتفاقيات مع دول مثل تونس وليبيا من أجل الحدِّ من هذه الهجرات.

تراجع في منطق الحداثة العلمانية، حيث حدث رفضٌ كبيرٌ من شعوب العالم لهذه الحداثة العلمانية، وليس العالم الإسلامي وحده. الهند بها رفض شديد للحداثة العلمانية أيضًا.

يؤكِّد د. باشا على أكثر من جزئية: القومية العلمانية كانت هي السائدة في الستينيات والسبعينيات ولكنها لم تعد بهذه الأهمية على الإطلاق، النقطة الثانية التي تخصُّ صعود أو عودة تجدُّد الاهتمام بالديني، حيث يذكر د. باشا أن هذا ليس حال العالم الإسلامي أو الشرق الأوسط فحسْب، وإنما هذا الاهتمام بالديني موجود في آسيا وفي جنوب شرق آسيا، وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، فهناك وعي يومي متزايد حول كيف نأكل وكيف نتحدَّث وكيف نلبس، وكل ذلك مرتبط بمكون الدين، وفي حين كان يُنظر إلى الحديث بخطاب ديني في فترة مضت على أنه حديث متخلِّف لم يعد هذا هو الحال الآن.

النقطة الأخيرة هي الوعي الحضاري، سواء في العالم الإسلامي أو في غيره بإرث حضاري ممتدٍّ عبر القرون الماضية.

غياب الدقة وعدم اليقين وقلة الشعور بالمخاطر المشتركة التي تُحيط بنا، فلم يصل واقعنا لهذه الدرجة من عدم الاستقرار من قبل.

يرى د. باشا أن هناك حالة متزايدة من الانقسام في العالم الإنساني، أعداد قليلة جدًّا تسيطر على موارد كبيرة جدا، 1% يسيطرون على 52% من موارد العالم، هناك قابلية للاختراق غير مسبوقة، وهناك حاجة لأن نقدِّم إجابات حضارية للبشر، لكي نُعيد إليهم الشعور بالأمل والهُوية، ونُعطيهم منطقًا للتعامل مع الحياة من حولهم، وهم غالبية البشر، هناك حالة من عدم اليقين مرتبطة كذلك بالتكنولوجيا التي جعلت كل نواحي حياتنا محفوفة بالمخاطر.

صعود الشعبوية: مع فكرة أنها تطرح حلولًا سهلة لمشكلات معقَّدة، وكيف أن شعوب العالم ككل أصبحت تبحث عن هذه الحلول السهلة.

يرصد د. باشا كيف أن هناك تراجعًا في السياسة التقليدية، في الشمال وفي الجنوب. وهناك سياسة استقطاب كبيرة في الشمال تهيمن على المجتمعات الغربية بحيث يكاد لم يعد هناك مجال للحوار بين القطبين المختلفين، أيضًا يتم تحميل الطبقات الأضعف والأفقر (كالمهاجرين وغيرهم) مشاكل المجتمعات، ومحاولة تشويه صورتهم بحيث يحملون كافة آفات هذه المجتمعات.

بالإضافة إلى التراجع في الالتزام بالقيم الديمقراطية -والذي يرصده د. باشا- خاصة في وسط وشرق أوروبا، وكيف أن هذه القيم الديمقراطية تتراجع مقابل قيم شعبوية آخذة في الصعود.

التكنولوجيا: أحد أكبر مصادر التهديد التي نواجهها كبشر وعالم إنساني، وأبعاد هذا التهديد والخطر لم يتم إدراكه كلية بعد.

يرصد د. باشا ثلاثة متغيرات حديثة في عالمنا: شبكات التواصل الاجتماعي، ومسألة الرقابة المتزايدة على حياتنا، والذكاء الاصطناعي. وتساءل ما المشترك بينهم؟ المشترك هو أنهم يغيرون علاقتَنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا، وبعضنا البعض، في كيفية معيشتنا كعالَم إنساني، وكيف يغيرون ملامح هذا العالم الذي نعيش فيه، والذي أصبحنا شديدي التعلُّق به. فكيف تؤثر هذه التكنولوجيا الاتصالية على الصداقات والعلاقات، وعلاقات الأهل والمعلمين بتلاميذهم، هناك إذن حاجة لرصد تأثير هذه التكنولوجيا على الحضارة الإنسانية.

مسألة الرقابة: نجد أن الخصوصية انتهكت بشكل غير مسبوق، لم تعد هناك مساحات خاصة لم تخترقها التكنولوجيا، ومجرد سحب نقود يعطي معلومات عن أين أنت وكيف ستنفق هذه النقود… إلى آخره.

مسألة الذكاء الاصطناعي: وكيف أنه تحدٍّ لا نستوعب مداه، في تصوُّره أن الذكاء الاصطناعي يؤثر بسرعة تغير أسرع بكثير مما نتصور وأننا شديدي البطء في إدراك هذا التأثير على العالم من حولنا، فهو يؤثر في الأفكار وفي إنتاج المعرفة وفي كيفية التفكير، وأبعاد أخرى كثيرة من حياتنا كبشر، له بالتأكيد تأثيرات إيجابية في قطاع الطب مثلا، لكن -في تقدير د. باشا- لو تحكَّمت التكنولوجيا في حياتنا وخسرنا حريَّتنا؛ فهذا تحدٍّ حضاري وجودي وليس تحديًا بسيطًا، لا بدَّ أن نبدأ اليوم في التفكير فيه.

التغير المناخي: ما نعيشه اليوم هو إرث من الثورة الصناعية، التي تنقلب على البشر وكأن الطبيعة تنتقم من البشر لإخلالهم بالتوازن الذي وضعه الله في الكون.

يؤكد د. باشا أن لدينا تصورًا إسلاميًّا خاصًّا عن هذه الأزمة تحديدًا؛ وأن هذه الأزمة هي منتج لتحطيم القيم، حين توقَّفنا عن التعامل مع الحياة والعالم والكون من حولنا كهبةٍ من الله، وأفرطْنا في الطمع كبشر وتصوَّرنا القدرة على السيطرة المتناهية على الطبيعة، واليوم نرى تداعيات هذه التصوُّرات.

ويرى أن من أهمِّ المشكلات الاجتماعية التي تتولَّد عن قضية التغيُّر المناخي هي مسألة عدم العدالة البيئية، لأن الذي يشارك أقلَّ في هذه المشكلة هو الذي يتحمَّل العبء الأكبر، ومثال على ذلك أفريقيا التي لا تتعدَّى مساهمتها 5% في هذه المشكلة، مشكلة الانبعاثات الكربونية وغيرها ولكنها مع ذلك تتحمَّل العبء الأكبر من هذه المشكلة.

يتساءل د. باشا عن ما هي التداعيات الحضارية والثقافية للتغير المناخي؟ ويرى أننا نحتاج لميثاق أخلاقي جديد مع الطبيعة وأن لا نتوهم القدرة على السيطرة على الطبيعة، واليوم.. أصبحت الصين والهند مصدرًا أساسيًّا للانبعاثات الكربونية؛ وبالتالي يجب علينا أن نبحث في إرثنا الثقافي أو الحضاري عن إجابات لهذه المشكلة.

الفكرة الثالثة: ما هي التحديات التي تواجه الرؤية الحضارية؟

– المشكلة الأكبر هي تلك العلاقة بين التحديات وبين القدرات فهي تحديات كبيرة تواجه مجتمعاتنا الإنسانية، ولكن هل نمتلك القدرات لمواجهة هذه التحديات، يرى أنه يجب أن ندرك حجم التحدِّي بأن نستوعب بالفعل حجمه الحقيقي ثم نستوعب حجم قدراتنا، وإن كنَّا نمتلكها أو لا، وإن لم نمتلكها فمن أين نأتي بها؟

– يؤكِّد أنه ليست لدينا إجابات جاهزة، وإنما هي مسائل تحتاج للتفكير العميق فيها، وبعض هذه التحديات شديدة الخطورة ولا يمكن حتى إصلاحها بسهولة متى شرعْنا في هذا.

ضغط الوقت يرصده د. باشا ويرى أنه لا بدَّ وأن نتحرَّك سريعًا، لأن بعض هذه المشكلات تمَّت صناعته في وقت ضئيل للغاية ولكن نحتاج وقتًا طويلًا للتعامل معها وليس لدينا رفاهية التفكير البطيء في الحلول.

الفكرة الرابعة: إعادة تخيل مفهوم العصبية كما طرحه ابن خلدون

يمكن أن نسأل أنفسنا ما هي الموارد الحضارية التي نمتلكها؟ نمتلك لغة وتاريخًا وفنًّا وموسيقى وأساطير، ولا نحتاج حتى لمجرد ترديد مقولات بأننا كنا حضارة عظيمة أو غيره، ولكن بالفعل هناك موارد وإمكانات يمكننا أن نستعيدها وأن نبني عليها.

المسألة الأخرى التي تسمح لنا بالتعاطي مع التحديات التي رصدها د باشا: هي مسألة أن المعرفة هي إرث عالمي مشترك، وهي ليست حكرًا على حضارة بعينها، فيمكن أن نعرف من الغرب أو الشرق، أينما وجدت المعرفة فنحن مطالبون بالبحث عنها والسؤال عنها.

يجب أن نتجنب الانغلاق على الذات، كما يجب أن نتجنَّب محاولة تقليد الآخرين، فلا نحن ننفتح على الآخرين دون وعي بالذات ولا نحن نقلِّدهم، وإنما نفهم التراث الإنساني بإبداع وانفتاح فكري، لا نرفض المعرفة لمصدرها، وإنما ننقِّح ونفهم ما لدى الآخرين، ثم نبحث ونؤسِّس أخلاقيًّا لما يمكن أن نقدِّمه.

إعادة تعريف القيم العالمية: يؤكِّد د. باشا أن هناك بالفعل قيمًا إنسانية عالمية مثل قداسة الحياة، وقداسة الطبيعة وبالتالي التعامل معها كهبة ونعمة كبيرة لا بدَّ أن نصونَها، وهي قيم ليست ذات خصوصية أو قومية أو غيرها وإنما هي قيم عالمية، ختم باشا حديثه بأنه يمكن أن نبدأ من هذه النقاط في محاولة لمواجهة التحديات والسعي في محاولة حقيقية للتغيير.


* نقلاً عن: موقع مركز الحضارة للدراسات والبحوث،

https://2u.pw/ichFFPD

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 3 يولية سنة 1999موافق 19 ربيع الأول سنة 142هـ.

بحضور السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال…………………… رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري، ومحمد على سيف الدين، وعدلي محمود منصور، ومحمد عبد القادر عبد الله، وعلى عوض محمد صالح، وأنور العاصي. وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق……………… رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ حمدي أنور صابر……………………………………… أمين السر

صدر الحكم قادما:

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا رقم 164 الحكم التاسع القضاء «دستورية».

المقامة من:

  1. السيد/ رئيس الجمهورية.
  2. السيد/ رئيس مجلس الوزراء.
  3. السيد/ رئيس اللجنة بمجلس الشعب.
  4. السيد/ وزير العدل.
  5. السيدة/ فتحية إبراهيم محمد.
  6. السيدة/ ابتسام زكى السيد أحمد.
  7. السيدة/ ايمان زكى السيد أحمد.
  8. السيدة/ هنادى زكى السيد أحمد.
  9. السيد/ بكر حسن أحمد حسنين.

التدابير

بتاريخ التاسع عشر من أغسطس سنة 1997، أودع المشهر هذه التنوعة بقلم كتاب المحكمة، طلبًا للحكم بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والخامسة من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 بحكم 1929 الخاص بالتمويل القانوني للتحكم بالقانون رقم 100 لسنة 1985.

أشكرت هيئة قضايا الدولة على مذكرة طلبت في ختامها حكم عدم قبول الطعن في المادة الأولى من المادة (۲۰) ومهمتها ورفض الاختصاص فيما يتعلق بذلك.

وبعد الانتهاء، وأودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونظرت لذلك على النحو المبين بمحضر النظر، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الترجمة على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الواقع – على ما يبين من محطات متنوعة وسائر الأصول – تتحصل في أن المدعى عليها الخامسة قد أقامت ضد كل من المدعى عليه والمدعى عليه التاسع التاسع أحوال شخصية «نفس» شبرا، ابتغاء القضاء بإلزامهما بتسليمها ابنتها الصغيرة المشمولة بحضانتهما فقط ابن أخيهما المكمل.

ونظرت في ذلك بدفع المسمى المسمى بعدم دستورية المادة نص (۲۰) من الرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص بقانون الائتمان الخاص بالحساب الشخصي بقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض قوانين اللعبة. تم اتخاذ قرار محكمة الموضوع الجديد للدفع؛ وأذنت للمسمى بمكان دستوري، وقد احتل المركز الماثلة.

وحيت في هذه السابقة القضائية أن باشرت الرقابة على دستورية الفقرة الأولى من المادة (۲۰) من الرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 – ماهرها – فأصدرت بجلستها المعقودة في الخامس عشر من مايو سنة 1993 حكمها في القضية رقم 7 قرار 8 القضاء الشرعية برفض الحظر بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية هذا النص. وقد نشر ذلك الحكم بالجريدة الرسمية بتاريخ 5/6/1993. إذ كان ذلك، للتداول في المحكمة الدستورية العليا قولا فصلا لا يقبل تويلا ولا تعقيبا من أي جهة كانت، فإن الخصومة الدستورية بالنسبة لذلك النص – تتطلب عينية بطبيعتها – قد تكون حاسمة وتغدو الأقسام – في هذا الشق منها – غير مقبولة.

وحيث إن النطاق – تلك المثابة – أصبح منحصرًا في القسم الخامس من المادة (۲۰) التي تسمح بأن:

«.. إثبات الحق في الحضانة العالمية، ثم للمحارم من النساء؛ مقدمًا فيه من يدلي بالأم على من يدلي بالأب، ويعتبره يستحق من الجهتين على الترتيب التالي:

الأم، فأم الأم وإن علت، فأم وإن علت …. فعمات الأب بالترتيب».

وحيثما تُدعى المدعى عليها ينى على هذا النص، مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية؛ والتي تُعتبر الحضانة السليمة للمحضون لا للحاضنة؛ ينبغى في كل حال الاعتداد بصلحه دون توقف عند الترتيب مجرد للحاضنة أو الحاضنة: فورا بمراعاة أمانتهم وكفاءتهم؛ حتى لا تولول الحضانة إلى مضيعة للصغار.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة، قد يتم طردها على أن حكم المادة من الدستور الثاني – بعد تعديلها في 22 مايو سنة 1980 – يقيد الامتياز المالي من تاريخ العمل بهذا الدمج؛ وأن مؤداه ألا تناقضاتها – ومن غير القانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ – مبادئ الشريعة الإسلامية التي لا تخضع للاجتهاد فيها؛ والتي تمثل ثوابتها – مصدرًا وتأويلًا – إذ هي عصبة على التأويل فلا يجب تحريفها، ولكن يجب الرد على النصوص الخاصة بها للفصل في تقرير يحدثها أو مخالفتها للدستور. ولا كذلك حكم الظن غير الذي بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما؛ إذ هي بطبيعتها تمتلك الشعر بتغير الزمان والمكان، ومارونتها ولمويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافاتها، وتصنيفها لشئون العبادة بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا يعطل تبعاً لحركتهم في الحياة، ومن ثم تنحصر دائرة الاجتهاد فيها على أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً ثانياً في إطار عناصر الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزماً ضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال على الحكم المنهجي، والقواعد الضابطة لإتقانها، كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة بما عليك الحفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن البيِّن من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ المشار إليه أن وجود الولد ذكرًا كان أم أنثى في يد الحاضنة – سواء قبل بلوغهما سن العاشرة أو الثانية عشرة أو بعدها – لا يغل يد والدهما عنهما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما؛ فإن عليه مراعاة أحوالهما، وتدبير أمورهما، وولايته عليهما كاملة؛ وإنما يد الحاضنة للحفظ والتربية ولها القيام بالضروريات التي لا تحتمل التأخير كالعلاج والإلحاق بالمدارس بمراعاة إمكانات الأب. وأن ترتيب الحاضنات والحاضنين من العصبة وذوى الأرحام مأخوذ من فقه المذهب الحنفي، بما مؤداه أن أحكام الأهلية للحضانة – بوجه عام – يرجع في شأنها إلى الأرجح من فقه ذلك المذهب.

وحيث إن الصغير تثبت عليه منذ مولده ثلاث ولايات: أولاها: ولاية التربية؛ ثانيتها: الولاية على النفس؛ وثالثتها: الولاية على ماله. وتثبت الولايتان الأخيرتان – كأصل عام – للعصبة من الرجال. أما ولاية التربية، وهي الحضانة، فغايتها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته التي لا يستغنى فيها عن النساء ممن لهن الحق في تربيته شرعًا. والأصل فيها هو مصلحة الصغير؛ وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه، وأقدر على صيانته؛ ولأن انتزاعه منها – وهى أشفق عليه وأوفر صبرًا – مضرة به إبان هذه الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره. وقد وردت الآثار الصحاح بأن النساء أحق بالحضانة في هذا الدور من حياة الصغير؛ فقد روى أن امرأة احتكمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حضانة صغيرها وقد أراد أبوه – مطلقها – أن ينزعه منها فقال لها الرسول الكريم: «أنت أحق به»؛ فلزم من ذلك أن تكون الحضانة للمحارم من النساء أولا؛ وأن تقدم قرابة الأم منهن على قرابة الأب؛ وهو ما توخاه النص المطعون فيه.

وحيث إنه ليس ثمة نص قطعي يقرر حكمًا فاصلًا في شأن ترتيب الحاضنات- بعد الأم – فيما بينهن؛ ومن ثم يكون باب الاجتهاد في هذا النطاق – عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية – مفتوحًا، فلا يصد اجتهادُ اجتهادًا أو يكتسب عصمة من دونه؛ ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التي تنظم الأسرة بغيره إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، بما لا يناقض شريعة الله ومنهاجه. وقد جاء بالأثر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وجدة ابنه «عاصم» – أم أمه – تنازعًا بين يدى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه على حضانته فأعطاه إياها، وقال للفاروق: «ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك». ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك. أما الفقهاء أصحاب المذاهب فقد اتفقوا على أن أم الأم -التي تدلى إليها مباشرة – تلي الأم في ترتيب الحاضنات. فقد قال الحنابلة بثبوت الحضانة للأم ثم أمها ثم أم أمها وهكذا ثم الأب ثم أمهاته. والشافعية على أنه إذا اجتمع الذكور مع الإناث فتقدم الأم على الأب ثم أم الأم وإن علت بشرط أن تكون وارثة ثم بعدهن الأب ثم أمه ثم أم أمه وإن علت إذا كانت وارثة. ويرى الحنفية – ومعهم المالكية – أن أحق الناس بحضانة الصغير بعد أمه أمها وإن علت. وإذ كان هذا هو ما نحاه النص الطعين؛ بما ارتآه محققًا مصلحة الصغير – وعليها مدار الحضانة – مستلهمًا بذلك مقاصد الشريعة الكلية، دائرًا في فلك الأصول العامة لها؛ فإن النعي عليه بمخالفته للمادة الثانية من الدستور يكون حريًا بالرفض .

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

أمين السر رئيس المحكمة

يمثل هذا الكتاب أحد الجهود العلمية المبذولة في سبيل إحياء تراث الأستاذ الدكتور حامد ربيع، وهو موضوع رسالة ماجيستير عن إسهامات أ. د. حامد ربيع في التراث السياسي الإسلامي للأستاذ عبده إبراهيم تحت عنوان: “التجديد السياسي عند حامد ربيع: دراسة في ضوء المنظور الحضاري”، وتأتي هذه الدراسة تجسيدًا لما مثله أ. د. حامد ربيع باهتمامه بمختلف فروع العلوم السياسية من نقلة حضارية للعلوم السياسية في الوطن العربي، فقد اهتم بمختلف فروع العلوم السياسية برؤية منهجية جمعت بين المعرفة الغربية، وقيم وأصالة التراث الإسلامي، وشمولية التراث الإنساني، وأسهمت إبداعاته الفكرية المتنوعة والمتكاملة وثوابته الحضارية ورسالته الكفاحية في الاهتمام بهموم أمته فهو عالم “حمل هم أمته في عقله وفكره وإنتاجه العلمي المتنوع..”، وكانت له رؤية تجديدية تمثلت في موضوعاته التي اهتم بها، وكذلك طريقة تناوله لها، وتعامله معها، في الوقت نفسه الذي امتاز بمنظور حضاري شامل أسهم من خلاله في تقديم رؤية حضارية لعلم السياسة العربي، تتضمن رؤية تجديدية نابعة من قلب الحضارة الإسلامية، وفي هذا السياق فقد جاءت هذه الدراسة “القيمة” للتعرف على جانب من إسهام حامد ربيع  الموسوعية، وقد ركزت على جهوده في التجديد الحضاري من منظور معرفي إسلامي.

وقد قام بتقديم الكتاب أ. د. سيف الدين عبد الفتاح أحد أنجب تلاميذ د. حامد ربيع المباشرين، ومما جاء في هذا التقديم:

” كان إحياء تراث أستاذي الدكتور حامد عبدالله ربيع (رحمة الله عليه) -ولا يزال- واحدًا من أهداف حياتي العلمية الأساسية، ولكم كانت سعادتي كبيرة عندما تحدث معي تلميذي عبده إبراهيم بشأن رغبته في أن يكون موضوع رسالته في الماجستير عن إسهامات أستاذنا الدكتور حامد ربيع في التراث السياسي الإسلامي، وبعد مناقشات ومداولات كثيرة استقر رأينا على أن يكتب في (التجديد السياسي عند حامد ربيع دراسة في ضوء المنظور الحضاري)، ولقد أنجز رسالته على خير ما يكون ولاقت استحسان لجنة المناقشة التي رأت أنها رسالة علمية ممتازة ومتميزة. إن الاهتمام بأستاذنا الدكتور حامد ربيع يحتاج إلى مشروعات بحثية تقوم عليها مؤسسات ومراكز بحثية، وهذا الكتاب وغيره من الكتب –التي سبق وأشرف على إصدارها قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية– إنما تمثل لبنات مقدرة في مشروع إحياء تراث هذا العلم الكبير.

فحامد ربيع هو أحد رواد علم السياسة في مصر والعالم العربي، يمتد مشروعه في مجالات علوم السياسة وقضاياها وتفريعاتها المتنوعة، وتشكل آثاره ومصنفاته ركيزة أساسية في مدرسة علم السياسة العربية، وتعبر عن حقبة تاريخية مهمة هي بمثابة عقدة إستراتيجية في تاريخ أمتنا المعاصر، خصوصا أن هذه الفترة شهدت معظم الأحداث الكبرى التي تشكلت على أساسها المنطقة العربية، ولا تزال متأثرة بها حتى يوم الناس هذا، وبالأخص أحداث وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي/ الصهيوني، والذي أولاه “ربيع” العناية والاهتمام البالغين، وقدم فيه الرؤية الحضارية العميقة الكاشفة عن طبيعة هذا الصراع الذي وصفه ربيع نفسه بالمصيري.

إلا أن إسهام ربيع الأساسي -والذي لا يزال يحتاج إلى دراسة أعمق واهتمام أكبر- يتمثل في إسهاماته في النظرية السياسية والتراث السياسي الإسلامي؛ وهو المقصد الذي وفقني الله تعالى لتحقيقه، وذلك بالقيام على تحرير وإعادة نشر إسهام أستاذنا في هذا المجال محققًا ومدققًا، وقد صدر تحت عنوان (مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي)، وبالرغم من ذلك فإن المجال الربيعي في أفكاره ومدوناته وآثاره لا يزال في حاجة إلى اهتمام أكبر يسهم في الكشف عن جواهره التي لا تقل قيمة وعمقا وثراء عن إسهام كبار المفكرين في النماذج الحضارية الأخرى قديمًا وحديثا.

وبالنسبة إلى النص الربيعي الذي دارت حوله هذه الدراسة، فإنه يلزم النظر إليه بوصفه نصًا حضاريًا جامعًا بين أضلاع مثلث من الخصائص، وهذا المثلث بدوره يشكل مجهر الرؤية والاهتمام للباحث في النص الربيعي بعموم؛ وتتمثل أضلاع هذا المثلث في كفاحية العالم، بنائية الخطاب، وكليات الفكر والنظر”.

وقد اشتملت الدراسة على ثلاثة فصول: الفصل الأول تناول الخريطة الإدراكية للأستاذ الدكتور حامد ربيع، أما الفصل الثاني فقد تناول إسهاماته المنهجية، أما الفصل الثالث فقد تناول مسألة الحضارة الإسلامية والتجديد السياسي عبر قراءة أ. د. حامد ربيع في إطار مقارن مع آخرين من مدرسة المنظور الحضاري.

 

رابط مباشر للكتاب

يأتي هذا الكتاب ضمن سعي الشيخ “أحمد أبو الفتح” نحو إعادة التذكير بفقه المعاملات في الشريعة الإسلامية وتوجيه نظر طلاب الحقوق إلى أصول القوانين المدنية والأحوال الشخصية من فقه المعاملات بالشريعة الإسلامية على المذهب الحنفي، وذلك حين كان مدرسًا للشريعة لإسلامية بمدرسة الحقوق الخديوية، وقد علل الاحتياج لذلك المؤلف بأن هناك حالة من الفتور والعناية بفقه المعاملات نتيجة الانشغال بدراسة القوانين المدنية والحقوقية، وأن العملية التعليمة تجعل من طلاب الحقوق مجرد نقلة لما تستلزمه متطلبات اجتياز الامتحان ولا تُكَوَّن لديهم الملكة الفقهية والتأصيلية للقوانين والقضايا المدنية والشخصية من خلال الشريعة الإسلامية، وذلك بخلاف ما كان يفعله الأعلام وشراح القوانين المدنية حيث كانوا يرجعون إلي كتب الفقه لتفهم الأحكام المتعلقة بالقوانين المدنية والشخصية. ويعد هذا الكتاب من أهم مؤلفاته في التشريع الإسلامي.

وقد عَرَّفَ بكتابه هذا في مقدمته بأنه كتاب في المعاملات الشرعية على المذهب الحنفي، ويهدف إلى تفهم الأحكام بعد حالة الفتور عنها بعد وضع القانون المدني الأهلي والعمل به بمقتضي الأمر الصادر في 28 أكتوبر 1883، وتخصيص المحاكم الشرعية بالنظر في قضايا الأحوال الشخصية، إذ المعهود في جميع الأزمنة والأمكنة أن العلم الذي لا يكون العمل جاريًا على مقتضاه في جهة من الجهات تنصرف عنه الأفكار. ولا يكون الإقبال عليه ممن يضطرون إلى ذلك لأداء امتحان مثلًا إلا ليحصلوا منه على أقل ما يوصل إلى النجاح ولا يلبث بعد ذلك إلا مقدار ما يلبث النقش على الماء والرسم على صفحات الهواء، ولولا المحافظون عليه من السادة الأعلام وشراح القوانين المدنية الذين يرجعون إلى كتب الفقه لحيف على هذا القسم العظيم. فرغبنا في تعميم تعليمه وتعلمه حتى يكون له من عناية الأمة المصرية ما لقسم الأحوال الشخصية منها حتى لا تتطرق إليه عوامل الاضمحلال والفناء لأن الله جل شأنه لا ينتزع العلم من الصدور انتزاعًا وانما ينتزعه بموت أهله. ولقد أجلنا النظر وسرحنا الفكر في جميع الوسائل التي تؤدي إلى هذه الغاية الشريفة؛ فبعد استطلاع آراء أعاظم العلماء وأكابر المفكرين وبعد الوقوف على رغبات كثير من طلبة العلوم الشرعية والقانونية وجدنا شبه إجماع على أن أفضل الوسائل وأسهل الطرق التي توصل إلى نيل تلك الأمنية تتمثل في إعداد كتاب في هذا القسم يجمع بين سهولة التعبير ووضوح المعنى وحسن الترتيب وبين إرداف الأحكام الشرعية للمسائل الكثيرة الحصول بنظائرها من أحكام اللوائح والقوانين الجاري عليها العمل في القطر المصري السعيد ليجتمع لمن يطلع عليه فائدة سهولة فهم الأحكام حكام الشرعية مع فائدة الإلمام بشيء من الأحكام الأهلية ليأخذ كل منه ما يريد.

رابط الجزء الأول من الكتاب: https://2u.pw/KETE6lq

ترادف كلمة عدالة كلمة Justice في اللغة الإنجليزية وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية Jus بمعني حق أو قانون، وفي اللغة العربية العدالة تعني الاستقامة، والعدالة هي إحدى الفضائل الأربع الكبرى التي سلم بها الفلاسفة في العصور القديمة. وهذه الفضائل هي الحكمة والشجاعة والاعتدال والعدالة.
ولقد قدم كل من أفلاطون وأرسطو تحليلًا لمفهوم العدالة أضحى ذا تأثير بالغ في تحديد مسار الفكر السياسي حول هذا المفهوم حتى يومنا هذا. ولقد جاء تحليل أفلاطون لمفهوم العدالة ردًّا على قول السفسطائيين على لسان تراسيماخوس بأن العدالة هي مصلحة الأقوى. فلقد دحض أفلاطون مقولتهم هذه ورفضها تمامًا في الجمهورية مؤكدًا أنه لا يجب ولا يجوز أن يكون هناك تواز بين الحق من جانب والقوة من جانب آخر. فالقوة في رأيه، لا تبرر الحقوق ولا تفرضها ثم مضى أفلاطون يعلن رأيه في ماهية العدالة فأعطاها صيغة سياسية عندما شرح أن العدالة هي أن يحصل كل فرد على ما هو حق له بمعني أن يعرف كل فرد وأن يؤدي ما هو مؤهل له بالطبيعة وألا يتدخل فيما هو حق للآخرين أي من هم مؤهلون للقيام به. فالعدالة عند أفلاطون هي السبيل الوحيد لتحقق المدينة الفاضلة حيث يؤدي كل فرد العمل المؤهل له تحت إمرة الفلاسفة الحكماء. وبتأثير هذا التحليل الأفلاطوني لمفهوم العدالة ما زال المفكرون السياسيون المنتمون إلى مدارس سياسية عديدة يؤمنون بأن العدالة هي السمة الأساسية المميزة للنظام السياسي الفاضل، بل ويعتبرها البعض الفضيلة السياسية الجامعة التي تنطوي تحتها وتترتب عليها كافة الفضائل السياسية الأخرى.
أما أرسطو فلقد اعتبر العدالة القضية المحورية للفكر السياسي كله ولقد عرفها بأنها حد وسط بين الظلم المتمثل في الاعتداء على ما يخص الآخرين والظلم المتمثل في اعتداء الآخرين على ما يخصك.
ولقد ميز أرسطو بين ما أسماه عدالة التوزيع وترجع إلى الدولة حيث تعمل على ضمان حصول كل فرد على نصيب عادل من موارد الدولة وعدالة التعويض وترجع إلى القضاء حيث يعمل على تعويض المظلوم من الظالم إما في المعاملات الارادية مثل البيع والإقراض وغير ذلك، أو في المعاملات غير الإرادية مثل السرقة والاعتداء وما إلى ذلك.
ورغم أن أرسطو يؤكد أن المبدأ المراعي في النوعين هو المساواة، إلا أن كثيرًا من المفكرين فهموا أن عدالته في التوزيع تراعي فضل الأفراد فتعطي كلًا على قدر فضله، في حين أن العدالة التعويضية تأخذ الظالم بما أخذ به المظلوم.

ولقد أثر هذا التقسيم الأرسطي لمفهوم العدالة في الفكر السياسي حتى يومنا هذا، وإن كان المفكرون المعاصرون لا ينظرون إلى العدالة التوزيعية والعدالة التعويضية بوصفهما نوعين من أنواع العدالة بل بوصفهما تطبيقين لنفس المفهوم. وعادة ما يبرز التركيز على مفهوم العدالة التعويضية عند الحديث عن القانون وعلاقته بالعدالة، في حين تعظم الإشارة إلى مفهوم عدالة التوزيع عند الحديث عن العدالة الاجتماعية.
إذا أخذنا فكرة عدالة التعويض أولًا وجدنا أنها كانت الفكرة المسيطرة على الفكر السياسي الخاص بمفهوم العدالة وحتى الثورة الصناعية. فقبل هذه الثورة ساد الفكر السياسي اتجاه قوي يربط بين العدالة من ناحية والقانون من ناحية أخرى ذلك أن القانون كان يعتبر الجسد الذي يتضمن مجموعة القواعد والمبادئ التي تحدد أشكال العلاقات بين الأفراد وتعين حقوق الأفراد المالية وغير المالية، وكان هذا الجسد القانوني مكونًا هامًا من مكونات البناء الاجتماعي في عصور ما قبل الثورة الصناعية. والعدالة وفقًا لهذا الاتجاه، هي احترام هذه المبادئ والقواعد والحقوق، فهذا الاتجاه يعتبر أن العدالة هي الفضيلة التي تحمي النظام الاجتماعي القائم حيث لكل فرد مركزه ووضعه القانوني المحدد. أما فيما يتعلق بالجانب العقابي المفهوم العدالة التعويضية فقد أكد أنصار هذا المفهوم أنه لابد من توافر ثلاثة شروط حتى يمكن أن نتكلم عن عدالة العقاب؛ الشرط الأول هو ان العقاب لا بد أن يقع على هؤلاء الذين أثبتت الإجراءات القانونية أنهم مذنبون دون النظر لاعتبارات العفو أو الرحمة أو تخفيف العقاب. الثاني أن العقوبات لابد أن تختلف باختلاف الجرائم. والثالث أنه لا بد أن يتناسب العقاب مع الجريمة.
وجنبًا إلى جنب مع مفهوم العدالة التعويضية هذه بدأت تظهر شيئًا فشيئًا مناقشات حول العدالة تذكر بمفهوم أرسطو عن عدالة التوزيع وهو ما مهد لظهور مفهوم العدالة الاجتماعية وتسيده للفكر السياسي في العصر الحديث خاصة منذ بدايات القرن التاسع عشر. ويرتكز مفهوم العدالة الاجتماعية على افتراضين أساسيين: الأول هو أن العمليات الاجتماعية تخضع لقوانين بشرية يمكن صياغتها وبالتالي فإنه يمكن عن طريق إعادة صياغة تلك القوانين إعادة تشكيل المجتمع، والثاني أن الحكومات كمصدر قوة وصاحبة سلطة يمكنها أن تنفذ إعادة تشكيل المجتمع هذا.
والمفكرون السياسيون الذين يتحدثون عن العدالة الاجتماعية ينقسمون إلى فريقين؛ الفريق الأول يناقش مفهوم العدالة الاجتماعية من جهة الاستحقاق والتقدير. أما الفريق الآخر فيناقشها من جهة الحاجة والمساواة.
أما العدالة الاجتماعية من جهة الاستحقاق والتقدير فتعني أن المركز الاجتماعي والدخل المادي لكل فرد لا بد أن يكون متناسبًا، بقدر الإمكان، مع مهاراته وكفاءاته.

ولقد ظهر هذا المفهوم أساسًا ليجابه مفاهيم مثل الامتياز بالوراثة ولينادي بمجتمع مفتوح، الفرص فيه متساوية للجميع حتى يبرز من يستأهل الصعود والتألق اعتمادًا على قدراته الذاتية. ولكن ثارت مشكلات عدة تتعلق بمفهوم الاستحقاق وكيف يمكن تحديد التقدير عمليًا حيث أكد بعض المفكرين أن القول بأن قيمة الفرد تحددها مهاراته وقدراته قول غير منطقي، لأن هذه القيمة لا بد أن يحددها ما يبذله من مجهود فعلي ويقف وراء هذه المناقشات الاتجاهان الليبرالي من جانب والاشتراكي من جانب آخر، ففي حين أن الفلسفة الليبرالية تؤكد أن السوق الحرة هي معيار تحديد قيمة الفرد وما يستأهله حيث يعرض كل فرد قدراته فتحدد قيمته وفقًا للعرض والطلب المفتوح، إلا أن المفكرين الاشتراكيين ينتقدون هذا الاتجاه الليبرالي مؤكدين أن السوق يتأثر بعوامل غير العرض والطلب مثل الحظ والبيئة الاجتماعية للعارض وغيرها من العوامل التي ليس لها أي علاقة بمهارات العارض وكفاءته فاقترحوا بالتالي أن تحدد قيمة ما يستأهله الفرد بوسائل مباشرة تقوم عليها الدولة مثل نظام تحديد الأجور في ظل اقتصاد موجه حيث تتولى الدولة مهمة التوزيع بين الأفراد حسب كفاياته ووفقًا للمصلحة العامة.
أما العدالة الاجتماعية من جهة الحاجة والمساواة فتؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا بإعادة توزيع الموارد وفقًا لمدى حاجة الأفراد إليها. ويؤكد أنصار مفهوم العدالة هذا إلى أنه يؤدي إلى سيادة مفهوم المساواة حيث إن إشباع حاجات الأفراد بتنويعاتها المختلفة تجعلهم متساوين بمعنى من المعاني، ولكن الصعوبة الأساسية التي تواجه أنصار هذا المفهوم تكمن في تحديد معنى الحاجة.
فهل الحاجة هي الرغبة والتفضيل، بمعنى أن كل من يرغب أو يفضل الحصول على شيء يكون بالفعل في حاجة إليه؟ وينبع من هذه الصعوبة صعوبة أخرى هي كيف يمكن تحديد ماهية الحاجة مع الاختلاف الشديد في حاجات الأفراد وفقًا للأنماط الحياتية المختلفة؟
وفي مواجهة هذه الصعوبات تبلور اتجاهان فكريان رئيسيان الأول هو الاتجاه الشيوعي الذي يرى أن كل فرد أقدر على تحديد حاجاته وأن على الدولة أن توفر بالفعل الموارد اللازمة لإشباع كل الحاجات بغض النظر عن مدى تباينها، ثم هناك الاتجاه الديمقراطي الاشتراكي الذي يرى أن السلطة العامة في الدولة لا بد أن تكون هي المناطة بتحديد حاجات الأفراد وفقًا للمستويات المعيشية السائدة في المجتمع.

أما أنصار النظرية النفعية فيرفضون مفهوم العدالة الاجتماعية القائم على توزيع الموارد وفقًا للحاجة، كما أنهم يرفضون التوزيع القائم وفقًا للاستحقاق والاستئهال ويؤكدون أن توزيع الموارد في المجتمع يكون عادلًا بالنظر إلى النتائج التي يحققها فإذا ترتب على توزيع تحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الأفراد فهو توزيع عادل بغض النظر عن المبدأ الذي اتبعه.
وربما بسبب هذه الصعوبات التي يثيرها مفهوم العدالة الاجتماعية المستند إلى مفهوم العدالة التوزيعية ظهر اتجاه حديث يرفض أصحابه التمسك بأفكار العدالة الاجتماعية ويطالبون بالعودة إلى المفهوم التقليدي للعدالة بمعنى احترام القانون والحقوق التي يحميها.

المصدر:  إسماعيل مقلد ومحمد ربيع (محررين)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الجزء الأول، ص: 295-296.

المقصود بالشرعية في اللغة

شَرعيّة: (اسم) مؤنَّث منسوب إلى شَرْع، وهي مصدر صناعيّ من شَرْع: كون الشيء قائمًا على أساس شرعيّ، واللاَّشرعيَّة: حالة من الفوضى وغياب الشرائع والنظم والعهود تفشَّت اللاَّشرعيّة في كثير من البلدان المعاصرة.

وبين الشرعية والشريعة جناس كامل لفظاً ومعني، فكلاهما مصدر من فعل واحد هو شرع، والشِراع بالكسر شِراع السفينة وأشرع باباً إلى الطريق أي فتحه إلى الشارع، وشرع فلان إذا اظهر الحق وقمع الباطل.

ومنه يصبح مبدأ الشرعية يطلق من الناحية اللُغوية على مجموعة القواعد الأساسية التي تُشكل أساس نظام معين والتي يمكن من خلالها الحكم على مدى مطابقة ما استحدث في هذا النظام مع أصوله وأسسه، لهذا عبّـر البعض عن الشرعية بالتطابق في القوانين، وعبر عنه البعض الآخر بالاستقامة والإنصاف.

المقصـود بمبـدأ الشرعيــة اصطلاحــًا

يُعّرف فقهاء القانون العام مبدأ الشرعية بأنه “خضوع كلٍ من الحكام والمحكومين للقانون بمعناه الواسع”، بمعني سيادة حكم القانون وخضوع جميع السلطات الحاكمة في الدولة لأحكامه، أي ضرورة أن تكون جميع تصرفات السلطات العامة في الدولة متفقة وأحكام القانون بمدلوله العام، سواء كانت هذه السلطات تشريعية أم قضائية أم تنفيذية.

ومقتضي هذا التعريف أن يستطيع الأفراد ذوي المصلحة والصفة طلب إلغاء جميع أعمال الهيئات العامة وقراراتها الملزمة غير المشروعة، أو طلب وقف تنفيذها أو طلب التعويض عن الأضرار التي تسببها لهم أمام القضاء الإداري المختص، فهـو يعني خضوع الدولة للقانون فـي كل ما تأتيه مـن أعمال وما تُجريه من تصرفات وما تتمتع به من امتيازات.

كما أن من معان الشرعية أن تكون السلطة القائمة متمتعة بقبول المحكومين، بإرادتهم الحرة ودون قهر. فقضية الشرعية هي قضية لماذا يستحق نظام ما أن يتمتع بمظاهر الولاء والالتزام السياسي من قبل أعضائه. ولقد اتفق المفكرون السياسيون على أن السلطة تكون شرعية عندما يكون القائم عليها متمتعًا بحق ممارستها ومن ثم فإن المفهومين المحورين عند دراسة فكرة الشرعية هما السلطة والحق، فمن أهم القضايا التي شغلت المفكرين السياسيين الباحثين في مفهوم الشرعية قضية «السلطات» التي تمارس باسم الدولة أو الحكومة وقضية ما الذي يعطي الدولة «الحق» في أن تمارس تلك السلطات على مواطنيها.

وقضية الشرعية لم تكن مطروحة بهذا الشكل الملح على مسرح الفكر السياسي في العصور الوسطي، ففي هذه العصور كان العالم الذي نحيا فيه يعتبر جزءًا من كل … جزءًا من الكون الذي يسيره الله بنظام معين ولغاية محددة. ومن ثم فإن هذا العالم السفلي له أيضًا وظيفة محددة وغاية معينة رسمها له الله في تناسق مع بقية أجزاء الكون. وكان ينظر بالتالي إلى النظام السياسي -في الدولة الدينية في الغرب- على أساس أنه انعكاس للنظام الكوني والسلطة السياسية على أساس أنها تعبير عن إرادة الله وأصبحت هذه القناعة التي تجعل من النظام السياسي والسلطة السياسية شيئًا مقدسًا على أساس أنهما انعكاس لإرادة الله التي هي مصدر الشرعية الأساسية.

ولكن مع زوال هذا الإطار الفكري بانتهاء العصور الوسطى حدثت أزمة في الفكر السياسي الخاص بالشرعية وبدأ البحث عن أسس جديدة لها. ذلك أنه إذا لم يعد النظام السياسي شيئًا مقدسًا كجزء من نظام كوني حدد الله غايته فكان هو مصدر شرعيته فإن القواعد التي يضعها النظام ويطالب الناس باتباعها أو بالامتناع عن اتباع غيرها ستضحى قيودًا على الحرية غير مرغوب فيها من قبل أعضاء النظام. وأضحى الحل الجديد لإضفاء نوع من الشرعية على هذه القيود يجعلها مقبولة هو أن يكون مصدرها الإرادة الإنسانية، أي إرادة البشر الذين يحيون في ظل النظام وليس الإرادة الإلهية كما كان سائدًا في العصور الوسطى.

ويمكن إجمال النظريات المعاصرة حول قضية الشرعية في ثلاثة اقسام رئيسية، القسم الأول: يضم تلك النظريات التي تحاول إعادة مفهوم الشرعية بالصورة التي كان سائدًا بها في العصور الوسطى مؤكدة أن العالم الذي نحيا فيه في كل مناحيه، ولا يستثنى من ذلك نظمه السياسية، مسير بإرادة الله ويعد تجسيدًا أو انعكاسًا لهدف يعلو فوق إرادة البشر. فهذا النوع من النظريات يقوم من ثم على مقولة أن الشرعية السياسية تستمد من شيء يقع خارج نطاق الأفعال والإرادة الإنسانية، أما القسم الثاني: من نظريات الشرعية فتؤكد أن المجتمعات المعاصرة رغم التحديث الهائل فيها فإنها تستند إلى الأعراف، وأن إجماع الناس على الأعراف التي تحكم علاقة المواطن بالدولة واحترام النظام السياسي لهذا الجانب من الأعراف هو مصدر الشرعية السياسية. أما القسم الثالث من النظريات السياسية الخاص بالشرعية فيؤكد أيضًا دور العرف في الحياة الحديثة، ولكنه يبرز أن العرف يحكم كافة أوجه الحياة في المجتمع ويخلص من ثم إلى أن الأعراف التي تحكم مناحي الحياة كلها، وليس العلاقة بين المواطن والدولة وحسب، هي مصدر الشرعية، فإجماع الناس على طريقة حياة متكاملة وتكريس النظام السياسي لأسلوب الحياة تلك يضحي هو مصدر شرعية.

وهناك أربعة محاور أساسية يدور حولها تحليل مفهوم الشرعية:

المحور الأول يقع في مجال تخصص الفلسفة السياسية ويدور حول التساؤل عن الأسس الفكرية التي تجعل حكومة ما أو السلطات التي تمارسها تلك الحكومة شرعية، وهو تساؤل مواز في جوهره للتساؤل عن الالتزام السياسي، أو ما الذي يلزم المواطن بأن يطيع الحكومة.

أما المحور الثاني فيقع في مجال اهتمام رجل الدولة الممارس، ذلك لأنه لا يمكن لأي سياسي محترف أن يتجاهله ويدور حول التساؤل عما يجعل الناس يؤمنون بأن حكومة ما هي حكومة شرعية.

والمحور الثالث يقع في مجال الدراسات القانونية ويدور حول التساؤل عن المحددات والضوابط القانونية للسلطة الشرعية، وهو تساؤل تخطف إجابته من دولة إلى أخرى باختلاف نظمها السياسية والقانونية.

والمحور الرابع يقع في مجال كل من السياسة العملية والقانون ويدور حول المحددات القانونية التي تضبط عملية تولي السلطة فتضفي عليها سمة الشرعية، فمثلًا تعد الانتخابات الديمقراطية، وفقًا للدستور الأمريكي، هي الوسيلة الشرعية الوحيدة لتولي الرئيس مهام سلطاته في حين أن الصورة تختلف تمامًا في بريطانيا مثلًا وفقًا لقواعد الدستور البريطاني.

ورغم أن الدستور يخدم وظيفة إضفاء الشرعية على السلطة سواء عند توليها الحكم أو في ممارستها الفعلية المهام السلطة، فإن المشكلة الأساسية تظهر عندما لا يكون المواطنون مقتنعين بهذا الدستور أصلًا. وهذا تظهر أهمية المحورين الأول والثاني في التحليل دون المحورين الثالث والرابع فالدستور وحده لا يكفي في إضفاء الشرعية على الحكومة القائمة إذا لم يكن هناك إجماع من الشعب على تقبل الحكومة فنجاح الحكومة في أن تجعل المحكومين يؤمنون بشرعيتها ويقتنعون بهذا طواعية هو أهم معايير نجاح السلطة في اكتساب الشرعية السياسية. وهنا يبرز الفكر الماركسي دور الأيديولوجية في مساعدة النظام السياسي على تحقيق هذه المهمة، فيؤكد هذا الفكر على أن إحدى وظائف الأيديولوجية الرئيسية هو أن تضع المؤسسات والمناصب السياسية القائمة في النظام في إطار يجعل الطاعة والالتزام السياسيين يبدوان وكأنهما السلوك الصائب والمنهج الطبيعي. ومن ثم فإن مهمة إضفاء الشرعية على النظام السياسي تنبع في الدول الماركسية من الدولة ذاتها عن طريق التنشئة السياسية للمواطنين وفقًا لعقيدة معينة موجهة نحو تبرير وجود النظام بالصورة التي يوجد عليها وتبرير أساليبه ووسائله في الحكم. في حين أنه على الجانب الآخر نجد أن النظم المحافظة، ورغم إيمانها بأهمية ومحورية الشرعية لبقاء النظام، إلا أنها ترفض أن تضطلع الدولة بهذه المهمة وتؤمن أن اكتساب الشرعية للنظام لا بد أن يتم باستقلال تام عن العقيدة السياسية والمؤسسات السياسية فتقوم به، ومن ثم المؤسسات المدنية الاجتماعية أو المحلية أو الدينية.

الشرعية في النظام السياسي الإسلامي:

من فقهاء الشريعة الإسلامية من عبّر عن مصطلح الشرعية بمبدأ حاكمية الله في مقابل حاكمية البشر، ومنهم من عبّر عنه بمبدأ سيادة أحكام الشريعة، وعلي الرغم من التباين في تناولت مبدأ الشرعية في النظام الإسلامي إلا إنه ومما لا شك فيه فإن الدولة الإسلامية هي دولة قانونية تقوم على أساس تكريس مبدأ الشرعية، ويوضح القرآن الكريم قانونية الدولة وسيادة القانون في خطابه للرسول صلي الله عليه وسلم، الممثل للولاية والسلطة الشرعية، فيقول سبحانه وتعالي: ]وَإذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إلى إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(، ويقول سبحانه وتعالي: ]ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(.  فهذه الآيات القرآنية وغيرها قد اعتبرت الرسول صلي الله عليه وسلم منفذ ومتبع للشريعة والأوامر الإلهية وليس فوقهما، مما يجعل القانون سيداً وركناً أساسياً في بناء الدولة، ومن ثم فلا شك أن الدولة الإسلامية هي دولة خاضعة للقانون وليست فوق القانون، بل هي منفذة للقانون وقائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد. وأن النظام القانوني في الإسلام قد ورد في الكتاب والسنة ومعه الأهداف الأساسية والقيم العليا للمجتمع الإسلامـي في آن واحد، فالحاكم حين يلتزم في قراراته بالكتاب والسنة إنما يلتزم في نفس الوقت بالنظام القانوني الإسلامي وبالمبادئ الأساسية والأهداف العليا للمجتمع الإسلامي، كما وردت في هذين المصدرين في آن واحد، مـن ثم فإن شرعية السلطة -في النظام الإسلامي- مرهونة من حيث قيامها واستمرارها لا بمجرد الالتزام بالنظـام القانونـي كمـا ورد في الكتاب والسنة فقط، وإنما في الالتزام بالعمل على تحقيق أهـداف المجتمع الإسلامـي العليـا، وبهذا المفهوم يكون هناك فرق جوهري بين الشرعية في النظام الإسلامي عنها في النظام الوضعي، إذ نجد أنه في النظام الوضعي مجرد التزام السلطة في الدولة بنظامها القانوني يكفي لتحقق شرعيتها، في حين أن مبدأ الشرعية في النظام الإسلامـي يعني التزام القائم على السلطة بإقامة مجتمع إسلامـي كما صـور في الكتاب والسنة، وهي بذلك شكلًا وموضوعًا تقع داخل النظام القانوني الإسلامـي، كما أن شرعية السلطة في الدولة الإسلامية مرهـونة في قيامها وفي استمرارها بالتزامـها بالعمـل على إعمال النظام القانوني الإسلامي في جملته دونما تمييز بين أحكامه المنظمة لسلوك المسلم كمواطـن وسلوكه كحـاكم، وبين تلك القيم الأساسية والأهداف العليا التي وردت في الكتاب والسنة.

_________________

المراجع:

  1.  إسماعيل مقلد ومحمد ربيع (محررين)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الجزء الأول، ص: 290-291.
  2. شريف طه، قضايا الشرعية والمشروعيـة بين الشريعـة والقانــون، المعهد المصري للدراسات، 29 نوفمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: .

المساواة لغة: مصدر قولهم: ساواه يساويه إذا عادله، قال الراغب: المساواة هي المعادلة المعتبرة بالذرع ّوالوزن والكيل، يقال: هذا الثوب مساو لذاك الثوب، وهذا الدرهم مساو لذلك الدرهم، (وهذا التمر مساو لهذا التمر)، وقد يعتبر بالكيفّية، ولاعتبار المعادلة ّالتي فيه (أي في لفظ السواءّ) استعمل استعمال العدل، وتسوية الشيء (بالشيء) جعلهما سواء، إما بالرفعة وإما بالضعة والسوي: يقال فيما يصان عن الإفراط والتّفريط من حيث القدر والكيفّية.

أما اصطلاحًا، فيقصد بالمساواة: “التماثل بين الجميع في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب اللون أو العرق أو الدين أو الحالة الاجتماعية، وتوافر معاملة مساوية لكل بني البشر، وإلغاء الفوارق الموجودة والتي تظهر بحكم الطبيعة”.

يرتكز حق المساواة على حقيقة أن البشر متساوين فيما بينهم، أي: لا يوجد أناس فوق أناس، أو أناس تحت أناس. وهو حق أساسي في المجتمع الديموقراطي، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات لا فضل لأحد على أخر. وهناك فارق بين المساواة والتسوية حيث أن التسوية هي جعل الناس سواسية على خط العمل والكسب، أما المساواة فهي النظر إلى أبناء الجنس البشري على درجة واحدة من القيمة، فالأسود كالأبيض، والقصير كالطويل، والقبيح كالجميل، والعاجز كالقادر، من حيث القيمة الإنسانية، ولا فضل لأحد على الآخر من هذه الناحية.

ويتقاطع مفهوم المساواة مع مفهوم العدل؛ حيث نجد أن كلمة العدل نفسها أخذت معناها -في لسان العرب- من معنى المساواة؛ فالعدل -بالكسر أو الفتح- هو المثل، وعَدَلَ الشيء بالشيءِ أي ساواه به. ثم أُخذ منه معنى القيمة، فالعدل -بالفتح- هو قيمة الشيء، وقيمة الشيء هي أقصى ثمنه! مما يعني أن اللغة نفسها لا يُفهم فيها العدل إلا على أساس المساواة.

وحين يأتي القرآن الكريم ليتبنى هذا اللسان العربي، فإنما يتبناه على شروطه وقواعده. فإذا قال القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة: 48). فإن المعنى لا يقبل منها فداء نظير ما اقترفت من جرم، والنظير هو المثيل المساوي. ليس هذا فحسب، بل إن اللغة تذهب خطوة أخرى في النكاية بالمتلاعبين بها، حين تقول: إن العدل نفسه قد يكون في بعض سياقاته ظلماً وخطيئة؛ مثل أن يعدل العبد بربه آلهة أخرى، أي يساوي بينه وبينها: جاء في القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1). أي يسوون بينه وبين الآلهة الزائفة. وقال ابن عاشور في تفسيره للآية: ومعنى يعدلون يسوون، والعدل التسوية، تقول: عدلت فلاناً بفلان إذا سويته به. ومعنى هذا أن كلمة العدل نفسها -التي يهرب إليها أنصار مقولة الحق الإلهي والامتياز العرقي- تُفسر حسب سياقها، مثل كلمة المساواة سواء بسواء! فمثلما أن بعض المساواة ظلم وبعضها الآخر عدل، فإن بعض العدل حق وبعضه الآخر باطل، بحسب دلالة السياق الذي ترد فيه الكلمة! والسياق الحديث الذي ترد فيه كلمة المساواة هو سياق الحقوق والحريات. والمساواة بهذا السياق مصطلح يؤكد التماثل التام بين الأفراد.

ويستخدم مصطلح المساواة بمعنيين معنى معنوي ومعنى توزيعي، فبالمعنى المعنوي العام: تعني المساواة ضرورة عدم التمييز بين الأفراد في الحقوق والواجبات لأي سبب كان تأسيسًا على مقولة أن الأفراد يولدون متساوين، وعلى نظرية الحقوق الطبيعية التي تقرر أن كل الأفراد -بالطبيعة- لهم القدر نفسه من الحقوق بما يؤهلهم للقدر نفسه من الامتيازات. ويصل مفكرون من أمثال هيلفيتيوس: إلى حد القول بأنه لا توجد اختلافات بين الأفراد حتى في القدرات العقلية والإدراكية وأن ما نلاحظه من تفاوت في هذه القدرات بين البشر إنما يرجع إلى اختلاف مستوي الخدمات التعليمية التي يتلقونها. ولكن يرفض الكثير من المفكرين المساواة بين البشر على أساس أنها مخالفة لقوانين الطبيعة، ثم هناك فريق ثالث من المفكرين يتخذ طريقاً وسطًا بين المؤيدين والرافضين لمفهوم المساواة فنجد إيمرسون: على سبيل المثال يقدم ما اسماه بمبدأ (التعويض) والذي مؤداه أن كل فرد قد لا يمتلك كل ما يملكه فرد آخر وبالنسب نفسها، ولكنه يؤكد أنه وإن كان يفتقد ما يمتلكه الآخر في جانب فإنه يمتلك ما يفتقده هذا الآخر في جانب ثان بحيث تضحى المحصلة النهائية هي أن الأفراد كلهم متساوون إذا ما نظر إلى مفهوم المساواة نظرة كلية.

إضافة إلى هذا المضمون المعنوي لمفهوم المساواة فهناك استخدام آخر له هو استخدام توزيعي: يحاول، تأسيسًا على المعنى الأول، أن يقرر توزيعًا متساويًا للسلع الاقتصادية والفرص الاجتماعية والحقوق السياسية بين الناس. ويرتبط هنا مفهوم المساواة بمفهوم العدالة حيث المقولة الأساسية انه طالما ان الأفراد يولدون متساوين فإن التمييز بينهم في الثروات أو الامتيازات أو الظروف يضحى أمرًا غير عادل.

وإذا نظرنا إلى المساواة السياسية على وجه التحديد لوجدنا أنها تعني أن يكون لكل المواطنين فرص متساوية للمشاركة في كل ما يتعلق بعملية صنع القرار السياسي بوصفهم أندادًا سياسيين، ولقد رأى روسو أن تحقق هذه المساواة السياسية لا يمكن أن يتم إلا عن طريق إلغاء نظم الحكم النيابية التمثيلية والعمل على تضييق نطاق المجتمع إلى أقصى درجة ممكنة بما يسمح بإعادة مفهوم المشاركة السياسية المباشرة -كما كانت مطبقة في أثينا في العصور القديمة. وبحيث يصبح كل مواطن ملمًا بأمور مجتمعه كما يلم بأمور أفراد أسرته المباشرة. وإذا كان الكثير من معاصري روسو قد أدرك صعوبة تقليص المجتمع إلى الحجم الذي تحدث عنه إلا أنهم أكدوا معه أن إلغاء نظام الحكم النيابي هو السبيل الوحيد أمام إيجاد مساواة سياسية حقيقة بحيث يضحى للجميع فرصة للمشاركة في عملية صنع القرار السياسي بصورة مباشرة. ويرى فريق ثالث من علماء السياسة أن المساواة السياسية يمكن تحققها مع وجود حكومة تمثيلية شريطة وجود قنوات ومؤسسات تعمل على أن يكون ممثلو الشعب أكثر قدرة على التعرف وباستمرار على مطالب ورغبات من يمثلونهم مع ضمان استجابة النواب لمطالب الناخبين.

ويرفض البعض مفهوم الحكومة الديمقراطية كلية، سواء تمثيلية أم مباشرة على أساس أنها وان كرست مفهوم المساواة السياسية، بمعنى مشاركة الجميع بصورة من الصور في عملية صنع القرار السياسي، إلا أنها بتمكينها دائمًا لقرار الأغلبية أن يسود فإنها قد تضر بمفهوم المساواة الاقتصادية مثلًا إذا ما قررت الأغلبية حرمان الأقلية من ممتلكاتهم. ومن ثم فإن أنصار هذا الفريق يؤكدون أن الحكومة المركزية هي وحدها القادرة على تحقيق مفهوم المساواة في التوزيع بمعناه الواسع لأنها تضمن أن يصل إلى الجميع القدر نفسه من الخدمات سواء اقتصادية أم تعليمية أم سياسية … الخ. ويرد أنصار الحكومات الديمقراطية بأن نظم الحكم المركزية، وإن كانت تضمن بالفعل قدرًا عاليًا من المساواة الاقتصادية، إلا أنهم يؤكدون أنها تحرم غالبية المواطنين من فرص المساواة السياسية حيث تقصر المشاركة السياسية الحقيقية على نخبة ضيقة من أعضاء الحزب الواحد الحاكم.

ومن أهم الانتقادات التي يقول بها مناهضو مفهوم المساواة التوزيعية أنه لا يمكن تحقيق مبدأ المساواة في التوزيع إلا عن طريق الإخلال بحقوق الملكية الطبيعية. ويشيرون في هذا الصدد إلى تأكيد الماركسية على أنه لا يمكن تحقيق المساواة دون إلغاء الملكية الفردية وتصفية الطبقية. كما أن نيتشه يؤكد على أن تحقيق الذات لا يتم إلا عن طريق المنافسة والصراع والنجاح والفشل وأن هذا بدوره يتطلب الإقرار بوجود قدر مقبول من اختلاف القدرات والمواهب بل والثروات لأن هذه التمايزات هي التي تحفز الناس لدخول حلبة المنافسة. فالمساواة التامة تصب الناس في قوالب متشابهة فتقضي على المواهب.

المساواة في القانون:

ويقتضي هذا المفهوم مساواة الجميع أمام القانون، وذلك عن طريق التزام يقع على كل من يطبق القاعدة القانونية يفرض عليهم ألا يرتكبوا تمييزًا بين الخاضعين للقاعدة القانونية لا تنص عليه هذه الأخيرة، ومن دون شك فإن هذا المظهر للمساواة أمام القانون لا يتعلق بمحتوى العمل التشريعي ذاته، إنما يتعلق فقط بأساليب تطبيقه.

وهذا يعني أن هذا النوع من المساواة لا يفرض على الحكام إلا التزامًا بالامتناع حيث يحظر عليهم أن يرتكبوا أي تمييز بين الأفراد مهما كان نوعه خارج نطاق قاعدة القانون.

وفي الحقيقة أن المساواة أمام قاعدة القانون تكون تاريخيًا التعبير الأول عن المساواة، بحيث تطرح نظامًا قانونيًا يقوم على إبطال جميع أنماط التمييز التي تقترف من قبل القائمين على تطبيق القاعدة القانونية، وقد ظهرت هذه القاعدة لتقضي على التمايزات الاجتماعية التي كانت توجد خصوصًا في النظم الإقطاعية القديمة، ولتطرح مبدأ قانونيًا جوهريًا يقوم على وحدة البنية القانونية التي تطبق على الجميع من دون استثناء، أي ضرورة تطبيق قانون وحيد على الجميع، فإذا كان الأفراد يملكون جميعًا الحقوق نفسها ضمن المجتمع السياسي فإنه من الطبيعي أن يخضعوا لقانون واحد، ولمعيار واحدٍ يطبق على الجميع للتمييز.

وبالتالي فإن الوظيفة الأساسية التي يطرحها مفهوم المساواة أمام قاعدة القانون إنما تتمثل في تجميع كل المواطنين في فلك قانوني واحد، وبغض النظر عن مراكزهم الواقعية التي يشغلونها.

ويعد مبدأ المشروعية الذي يقوم على أساس مطابقة القاعدة القانونية الأدنى للقاعدة الأعلى ضمانًا مهمًا لتحقيق المساواة أمام القانون؛ لأن من شأنه أن يحول دون ارتكاب تغييرات عن طريق الأعمال القانونية الأدنى (لوائح، قرارات فردية، …) بالمخالفة لمقتضى ومضمون القواعد القانونية الناجمة عن الأعمال القانونية الأعلى مثل القوانين.

المساواة في الشريعة الإسلامية:

إن الله تعالى استقل بالخلق والتشريع ليضع أرسخ قاعدة لكفالة حق الناس في المساواة أمام حكمه وشرعه، وقطع بذلك السبيل أمام أي فرد أو فئة من الناس قد تدعي لنفسها الفضل والتميز عن غيرها، وتذهب بالسيادة فتضع لغيرها من الأحكام ما تهواه، ومن أنظمة الحياة ما تشتهيه، سواء أضرها أم لا، ولذلك اختص الله وحده بالتشريع ابتداءً، كما اختص كذلك بالخلق والتكوين قال الله تعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” وقوله تعالي:” وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ”، وإنما اختص الله بالتشريع، لأن التشريع يراد به إصابة الحق ِوالعدل، وعدم التحيز للهوى والشهوات والإنسان مهما وضع من نظم وقوانين، فلا يمكنه إصابة الحق والعدل فيها على الدوام، بل إن أصابه مرة، أخطأه مرات، لأنه تتحكم فيه الأهواء والنزعات، وينتابه النقص والقصور، ولهذا امتلأ التاريخ البشري بأنواع كثيرة من الظلم، في الأحكام التي صنعتها يد الإنسان، أو تدخلت فيها، أما كيف يتساوى الناس أمام الشريعة، فذلك أن خطاب الشرع عام يشمل جميع الناس، حكاما ومحكومين، رجالا ونساء، فالأوامر كلها كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوه، يطالب الجميع بأدائها والقيام بها، فيطالب الراعي بالصلاة ونحوها، كما يطالب بها المرعى، وكذلك النواهي كالسرقة والزنا والقذف، يطالب من الجميع الكف عن ذلك دون استثناء أحد، وهذا معنى المساواة أمام الشريعة.

وقد دلت السنة النبوية في عدد النصوص على معاني المساواة بين البشر جميعًا، فلا يمتاز أحد عن أحد إلا بالتقوي والعمل الصالح، ونجد ذلك في قوله صلي الله عليه وسلم {النَّاسُ سواءٌ كأسنانِ المُشطِ وإنَّما يتفاضلون بالعافيةِ}، وفي خطبة الوداع قال رسول الله صلي الله عليه وسلم{أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى}، وقال أيضًا: {الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللّهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالهِ}.

________________________________

المراجع:

  • أمير بن محمد المدري، المساواة في الإسلام، ص8.
  • دينا سليمان كمال لاشين، حول مفهوم المساواة ابعاد واشكاليات، المركز الديمقراطي العربي، 11يوليو 2019، https://democraticac.de/?p=61684.
  • عصام القيسي، العدل أم المساواة “لعبة اللغة”، الجزيرة نت، 22 نوفمبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: 

المؤسسة في اللغة:

جمع مؤسسات، وهي صيغة جمع المؤنث لمفعول أسَّسَ.

وهي منشأة تؤسس لغرض معين، أو لمنفعة عامة ولديها من الموارد ما تمارس به هذه المنفعة، كدار المسنين أو السجن ونحوهما: مؤسسة علمية/دستورية/خيرية …، أو مؤسسات الجامعة وما يتبع لها من كليات ومعاهد ومكتبات ومراكز بحوث.

المؤسسة في الاصطلاح:

تُعرّف المؤسسة بأنها “كل هيكل تنظيمي مستقل ماليًا، ويخضع لكل من الإطار القانوني والاجتماعي، وهدفها دمج جميع عوامل الإنتاج من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنتاج، أو تبادل السلع، أو تبادل الخدمات المختلفة، وأن المؤسسة باعتبارها منظمة تعتبر في ذات الوقت هيكلًا اجتماعيًا واقعيًا ومتعاملًا اقتصاديًا، وتتبع خصائص تنظيم متكامل”. 

والمؤسسة (بالإنجليزية: Institution): منظمة تم تأسيسها من أجل تحقيق نوع ما من الأعمال، مثل تقديم الخدمات وفقًا لمعايير تنظيمية خاصة في مجال عملها، وتعرف المؤسسة أيضًا بأنها تسعى إلى تحقيق هدف ما، سواء أكان تعليميًا، أو وظيفيًا، أو اجتماعيًا.

ومن التعريفات الأخرى للمؤسسة: “هي إنشاء وتأسيس مكان خاص، أو عام من أجل تطبيق برنامج مُعيّن، أو فكرة ما، ومن الأمثلة على ذلك: مؤسسات رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة”.

ويُعِّرف المفكر الفرنسي موريس هوريو Maurice Hauriou المؤسسة بأنها “فكرة عمل أو مشروع يتحقق ويدوم قانونيًا في وسط اجتماعي، ولتحقيق هذه الفكرة يفترض إيجاد سلطة لديها أجهزة تمكنها من عملية الضبط والتنفيذ، كما يفترض أن تتولد مظاهر تقارب بين أعضاء المجموعة الاجتماعية المعنيين، توجهها أجهزة السلطة وتنظمها أصول وقواعد”.

المؤسسة في القانون:

لا يرتبـط مفهـوم المؤسسـة فـي لغـة القانـون بموضـوع ثابـت؛ لأنـه مفهـوم متحـرك يعـرف بالنظـر إلـى فـرع القانـون الـذي يتواجـد فيـه، فتعريفهـا بالنظـر إلـى القانـون التجـاري يختلـف عنه فـي قانـون العمـل، حيـث تعتبـر فـي القانـون التجـاري وحـدة اقتصاديـة تقـوم علـى مجموعـة مـن الأجهـزة بهـدف الإنتـاج أو التوزيـع، بينمـا ينظـر إليهـا فـي قانـون العمـل علـى أن الأشـخاص -وهـم الأجـراء- يمارسـون نشـاطًا مأجـورًا تحـت سـلطة شـخص آخـر يُدعـى المسـتخدم.

يرتبــط تحديــد الوجــود القانونــي للمؤسســة بظهورهــا بأحــد الأشــكال القانونيــة، كالمؤسســة ذات الشـخص الوحيـد مثـلا، ومـع هـذا لا يتحقـق هـذا الظهـور دائمـًا لأن المؤسسـة قـد تكـون عبـارة عـن نشـاط مصغـر أو مقاولـة حـرة، وقـد تأخـذ المؤسسـة شـكل الشـركة التجاريـة كمـا يمكنهـا أن تنشــأ دون الاعتبار للشــكل التجــاري، وهنــا قــد يرجــع الأمــر لحجمهــا ونــوع النشــاط الــذي تمارســه. وعليــه لا يغطــي مفهــوم الشــركة فــي المقابــل وبالضــرورة مفهــوم المؤسســة فيمكــن للمؤسسـات أن تنشـأ دون أن تأخـذ شـكل الشـركة التجاريـة.

علـى العكـس مـن ذلـك يمكـن أن نجـد عنـد تطبيـق قانـون العمـل مجموعـة مـن الشـركات تحمـل اختلافـات كثيـرة ومـع ذلـك تسـمى مؤسسـة، لكـن بتوظيـف تعريـف المؤسسـة فـي قانـون العمـل أو مـا يعـرف بالهيئـة المسـتخدمة.

ويصعــب إعطــاء تعريــف قانونــي للمؤسســة لســبب بســيط كــون أن المؤسســة هــي مفهــوم اقتصــادي أكثــر منــه قانونــي، ومــع ذلــك يســاعد تصنيفهــا بالنظــر إلــى الأشــكال القانونيــة التــي تظهــر بهــا أو الطابــع الاقتصادي الــذي يغلــب علــى نشــاطها أو طبيعــة ملكيتهــا علــى تحديــد مفهومهــا، وفــي كل الأحــوال يختلــف تعريفهــا بحســب النظــام الاقتصادي المُتبع.

وتصنــف المؤسســة بالنظــر إلــى الشــكل القانونــي )إلي مؤسسات فردية أو شركات تجارية للأموال أو الأشخاص، في حين تصنف بالنظـر إلـى الطابـع الاقتصادي إلـى صناعيـة، فلاحيـة، تجاريـة، خدماتيـة أو حرفيـة لتشـترك فـي مجملهـا فـي اعتبارهـا وحـدة منظمـة أو مهيكلـة تقـوم علـى تجميـع وسـائل بشـرية وماديـة مـن أجـل الإنتـاج أو التوزيـع أو تقديـم الخدمـات، أو حتــى القيــام بنشــاط الاستيراد، بينمــا تقســم بحســب طبيعــة الملكيــة فيهــا إلــى مؤسســات عامــة ومؤسسـات خاصـة، وإذا كانـت المؤسسـة الخاصـة لا تطـرح إشـكالًا مـن حيـث الطابـع الاقتصـادي والإطــار القانونــي، فــإن الأمــر لا يبــدو كذلــك علــى الأقــل بالنســبة للإطــار القانونــي للمؤسســة العموميـة.

المؤسسة في المجال العام:

أما المؤسسات في المجال العام حديثا؛ فإن التنظيمات الحديثة تنتهي إلى تحديد جهات ثلاثة يتوزع بينها العمل العام أو النشاط العام، بحيث يكون من يصدر القرار أو يصوغ الإرادة العامة غير من ينفذ هذه الإرادة غير من يشرف على صحة تطبيقها.

فالمؤسسة الأولى التشريعية: وهي مصدر القرار العام وهي تتكون بطريقة تمكنها من أن تقوم بهذه الوظيفة، إذ يكفل لها أسلوب اختيار أعضائها أن تكون على علاقة مباشرة بقوى الرأي العام الموجودة في المجتمع، وتمارس عملها بإجراءات تتيح لها أن تكون بقدر الإمكان جهازًا متصلا بالرأي العام وخارجها، عن طريق اتصال أعضاء هذا الجهاز بالمؤسسات ذات الشأن في المجتمع.

والمؤسسة الثانية: هي المؤسسة التنفيذية، وهي تتعلق بالإدارة والتنفيذ، وتخضع في عملها للسياسة التي تقررها الهيئة التشريعية، فهي أداة لتنفيذ هذه السياسة وأداة لإدارة العمل اليومي. ومؤسسة التنفيذ تُبنى بطريق هرمي، رئاسي، حيث تقوم رئاسة مفردة أو قليلة من حيث عدد الأشخاص، وتقوم باختيار الأشخاص في الوظائف الأدنى نزولا من قمة الهرم إلى أسفله وقاعدته العريضة، وحركة الدفع ترد من أعلى إلى أسفل، فالسياسات ترسم في المستويات الأعلى كما أن الإشراف والرقابة يأتيان من المستويات الأعلى للمستويات الأدنى منها وهكذا. وهذا هو أسلوب التشكيل الذي يتلاءم مع الوظيفة التنفيذية التي تأتي بعد اتخاذ القرارات ورسم السياسات. ولذلك تعتمد على إصدار الأوامر للتنفيذ، وهذا هو شأن الوزارات والمصالح المختلفة وهو كذلك الشأن بالنسبة لأجهزة الضبط كالشرطة والجيش.

والمؤسسة الثالثة: هي “القضاء” وتختلف نظمنا القائمة في طريقة تعيين القضاة ولكن يبقى أنه جهاز يراقب الشرعية ويقضى بها، سواء في تعاملات الأفراد أو في عقاب المجرمين أو في رقابة نشاط السلطات العامة. وهو يتكون من وحدات متماثلة في الأساس يتوزع العمل عليها حسب التوزيع المحلى للأعمال (في المناطق المختلفة) أو التوزيع النوعي الذي تنشأ به محكمة لكل من أنواع القضايا المدنية والجنائية والتجارية… وهكذا. والقضاء الآن جهاز محصور النشاط في تطبيق القوانين والقرارات التي تصدرها جهة التشريع، وفى الإشراف على سلامة تطبيق تلك القرارات على الوقائع والأنشطة المختلفة، وهو يمارس عمله في النظم القائمة الآن وفقا لمجموعة كبيرة من الإجراءات المحددة سلفا، والتي نظمتها القوانين المختلفة.

أما المؤسسات في المجال العام من المنظور الإسلامي؛ فقد فصل في شرحها المستشار طارق البشري، حيث ننقل عنه تفصيلاً ما أورده حول هذا الأمر لأهميته في هذا المقام، وذلك على النحو الآتي:

 الشائع أن النظام الإسلامي لم يعرف تعدد المؤسسات في المجال العام التي توزع عليها السلطة، ومرد ذلك أن أسس النظام الإسلامي تختلف اختلافًا جذريًا عن أسس النظام السائد الآن من حيث إن النظام الحديث نظام وضعي لا يعترف بشريعة أو شرعية للحكم منزلة من السماء، في حين أن النظام الإسلامي يبدأ من مقولة أساسية هي مصدرية السماء لتشريع الأرض وانعكس ذلك على شكل المؤسسات وتوزيع السلطات. فالهيكل التشريعي في النظم الإسلامية كان يصدر عن هيئات جد مختلفة عما تخيلته النظرة الوضعية العلمانية في توزيعها للسلطة. وأن الهيكل التشريعي كان في النظر الإسلامي أكثر بعدًا عن هيمنة السلطة التنفيذية.

أما بالنسبة للمؤسسة القضائية فإن النظام الإسلامي يتصور الوظيفة القضائية جزءًا من الولاية العامة التي يمارسها «الإمام» وذلك حسبما نعرف من وقائع النظم الإسلامية وحسبما يثبت فقهاء «الأحكام السلطانية»، وقد كان الخلفاء الراشدون يقضون بأنفسهم فيما يتنازع فيه الناس من أمور. كما أن للإمام أن يعين القضاة وله أن يسمح للولاة والأمراء في الأقاليم أن يعينوا القضاة في الأقاليم التي يتولون عليها. وهذا الوضع ما يثير الكلام حول شمولية الحكم الإسلامي وأن القضاء تابع لسلطات الحكم التنفيذي، بحسبان أن القاضي إنما يستمد ولايته من إنابة الأمير أو الوالي له. كما أن التصور الفقهي في الإسلام جعل الإمام صاحب السلطة التنفيذية، وأن مهمة التشريع بعيدة عن مجال هيمنته وإشرافه وليست خاضعة له. وذلك لا يجرى بموجب توزيع السلطة كما يرسمه النظام الوضعي، ولكن بموجب سابقة الإقرار بأن التشريع منزل من الله سبحانه وتعالى بالقرآن والسنة. وسلطة الحاكم مقيدة ليس فقط بموجب التوازنات بين المؤسسات المختلفة، إنما هو قيد يستمد من الأصل العام المعترف به في المجتمع الإسلامي وهو الخضوع للشريعة، وأن الحاكم لا يملك تغيير هذا القانون وأن ليس لأية مؤسسة من مؤسسات الدولة أن تعدله. والقاضي في هذا التصور وإن تولى وظائفه بالإنابة من الإمام أو من الوالي، فهو لا يخضع لمن عينه عندما يستقى أحكامه مباشرة من القرآن والسنة وباجتهاده من هذين المصدرين.

إن المؤسسة التشريعية في النظم الغربية تعرف وظيفتين، الأولى: أنها المؤسسة التي تصدر التشريعات والقوانين في المجتمع والوظيفة الثانية: أنها المؤسسة التي تراقب أعمال السلطة التنفيذية ولها عليها وجه إشراف ونوع سطوة تختلف في حجمها ونوعها حسب الدول والمجتمعات. وقد أشرنا إلى الوظيفة الأولى وما يقابلها في النظم التي عرفها التاريخ الإسلامي، وتبقى الوظيفة الثانية وقد أشرنا من قبل إلى دور مؤسسة القضاء كرقيب على الشرعية، سواء “الشرعية الوضعية” المعروفة في النظم الغربية، أو “الشرعية الإسلامية” المستمدة من أصول التشريع الإسلامي. ولكن الرقابة التي يكفلها الجهاز القضائي في أي من النظامين لا تكفي؛ لأن الجهاز القضائي حسب الأصل الغالب فيه لا يتحرك إلا إذا قام نزاع يعرض عليه وهو لا يتحرك حسب الغالب أيضًا إلا في صدد ارتكاب الجرائم أو انتهاك الحقوق.

أما ما يتصل بحسن أعمال السياسات المختلفة أو سوئها وما يتعلق بالحض على المعروف ومنع المناكر بعامة ومراعاة المصالح للجماعة والأفراد. فهذه دائرة أوسع كثيرا من اختصاص الجهات القضائية وفى النظم الغربية توجد المؤسسة التشريعية التي تقوم بالدور الرقابي بالنسبة لسياسات الحكومات. كما توجد أجهزة أخرى لرقابة النشاط الإداري الجهاز الدولة في الأعمال اليومية المرسلة التي يقوم بها، وهي أنواع رقابة تتنوع في كل نظام، فمنها الرقابة الذاتية التي تنشئها أية مؤسسة بداخلها لتراقب عمل رجالها، ومنها إيجاد أجهزة لرقابة مركزية على مستوى الدولة كلها لتراقب أجهزة الدولة التنفيذية على تنوعها وتعددها، فتكون أجهزة لرقابة الشؤون المالية أو لمراقبة الشرعية في سلوك عمال الدولة ومنها أجهزة رقابة خارجية أي تراقب أجهزة التنفيذ وتنتمي إلى سلطة بعيدة عن السلطة التنفيذية. وفي هذا الصدد هناك نوعين من هذه الرقابة مما عرفه تاريخ التنظيمات الإسلامية. أحدهما يشكل داخل الجهاز الحاكم ويشكل قمة الرقابة الذاتية السلطة الدولة. والثاني: له وجه اتصال بالحركة الشعبية مما يمكن أن يقوم بدور رقابة خارجية على جهاز الدولة وعلى حياة المجتمع كلها والأول هو ديوان المظالم، والثاني هو نظام الحسبة.

ومن الملاحظ أن التدوين الفقهي والتاريخي قد نقل إلينا تلك التقسيمات العامة في المؤسسات والمناصب التي توزع عليها عمل الدولة التنفيذي، مثل الإمامة وزارة التفويض وزارة التنفيذ، الإمارة (الولاية على إقليم)، إمارة الجيش القضاة المظالم، المحتسب … إلخ. ونجد الفقه يعتني ببيان شروط التولية لكل من هذه المناصب، وبما لكل من صلاحيات في العمل، ولكننا لا نجد تحديد العلاقات بين كل من هذه المناصب والآخر، كما لا نجد رسما للعلاقات التي تنشأ وراء كل منصب منها، ذلك أن أيًا من هذه المناصب لا يتصور أن يمارس فرد واحد كل صلاحياته لضخامتها وسعتها. والمؤكد أن كل من يلى واحدا من هذه المناصب، إنما يستعين بأفراد آخرين ينوبون عنه في بعض المهام ويعينونه فيما يقوم أعمال، بمعنى أن كلا من هذه المناصب لابد أن ينشأ له مؤسسة أو جهاز يقوم به، ويقف صاحب الولاية على رأسه هذا الجهاز، كما لا نجد أن الفقه اعتنى ببيان طريقة بنائه والسمات العامة لتوزيع الأعمال بداخله والعلاقات المتبادلة بين العاملين فيه وبينهم وبين رؤسائهم وطريقة تعيينهم وغير ذلك، كما أننا نقرأ عن أهل الحل والعقد، وأحيانًا عن أصحاب أو أهل الشورى، وأحيانا يتكلم البعض عن “المجتهدين” ، ولكننا لا نصادف أي بيان لتكوين تنظيمي لأى من هذه الأعمال، ولا نجد أن مجلسًا أنشئ على وجه الاستمرار للقيام بعمل منها، أو أن نظامًا اتبع في استطلاع آراء أي من هذه الجماعات في أي من الأوقات. ويبدو أن الأمر كان يجرى بأسلوب تلقائي، وأنه كان يتم بالتحري الشخصي أو جمع من يتيسر جمعه ممن يعتبرون أهل الحل والعقد لاستطلاع آرائهم وفق المشيئة الفردية للحاكم وحسبما يراه مناسبًا وحسب ما يتعارف عليه الناس في كل زمان أو مكان بالنسبة لمن يعتبر من ذوي الرأي أو ذوي المكانة الاجتماعية، بمعنى أنه لم يرد على هذا النوع من الأعمال العامة شيء من الضبط الفقهي أو التكوين المؤسسي التنظيمي الذي يوجد هيئة معينة مكونة من أشخاص تبين صلاحياتهم وتحدد طريقة عملهم معا. إن الفقه الإسلامي في مجال القانون الدستوري والإداري؛ لم يعن ببحث تكوين المؤسسات والكيانات التنظيمية ذات الصفة الثابتة نسبيا. ولا نجد جهة حددت تشكيلها من عناصر متعددة إلا ديوان المظالم. ولم يكن هذا النقص عيبًا تتسم به أعمال الفقهاء، ولكنه كان سمة ظاهرة في أسلوب تنظيم الأعمال الإدارية بعامة على مدى تاريخي طويل جدا، حيث كانت الوظيفة أو المنصب يندمج في شخص القائم به، وكانت العلاقات بين الرئيس والمرؤوس تندمج في علاقة تنطوي على نوع من التبعية الشخصية، وتمارس من خلال هذه العلاقات الشخصية ونقصد بالعلاقات الشخصية هذا النمط من العلاقات الذي يجرى بأسلوب عفوي طليق من الضوابط الموضوعية المرسومة التي السلطة تحدد أسلوبه وإجراءاته. وكثيرا ما تكون أدوات العمل كالمقار التي يتم فيها والأوراق وغير ذلك مما يقع في حوزة العامل شخصيًا. كما أن الأعمال الإدارية الصغيرة كانت أقرب للحرف التي يمارسها الشخص ويدرب عليها أبناءه وعادة ما يتولونها من بعده، مثل أعمال «الصرافة» أي جمع الضرائب، وأعمال مسح الأراضي وتنظيمها وغير ذلك. وعرفت أعمال الإدارة العليا أيضا نوعا من التوارث من الآباء إلى الأبناء بشرط اعتماد الوالي بطبيعة الحال. ولم تعرف كثيرا فكرة تقسيم العمل الواحد إلى عديد من العناصر التي توزع على أفراد متخصصين في كل من هذه التقسيمات.

أما الفكر الإداري الحديث فقد عرف أسلوبًا آخر في العمل، هو الأسلوب غير الشخصي وهو الأسلوب المؤسسي المتجرد من الشخصنة، وهو يستند في بدايته على تجريد المنصب أو الوظيفة عن شخص العامل بها، فهو يرسم خريطة للوظائف وللمهام المطلوبة في أي عمل، ثم يختار لكل منها من يقوم بها من العاملين حسب مؤهله وتخصصه. والوظائف بهذه الكيفية تحدد وتوزع على أسلوب نوعي يتعلق بنوع العمل المطلوب تأديته، وأسلوب محلى يتعلق بالإقليم المطلوب أداء المهام به. وأسلوب رأسي بين رئيس ومرؤوسين. وترسم مستويات للعمل تعلوها مستويات أخرى للتوجيه والإشراف، وهكذا، وكل ذلك يتخذ شكله في صورة تنظيمات وقرارات مكتوبة وتعتمد الإدارة الحديثة بعامة، على الوثائق المكتوبة التي تحفظ أصولها، وبهذا ينفصل العمل الوظيفي عن النشاط الشخصي للقائم به، فتصير المعلومات اللازمة للقيام بالعمل، والخبرة التي تتراكم بشأنه، يصير كل ذلك مودعا في جهة وليس حبيس التجربة الشخصية للموظف. وبهذا يمارس العمل وفق أصول موضوعية أو شبه موضوعية وفي إطار سلطة مقيدة لمن يقوم به، وتنفصل أدوات العمل ومنشآته وأماكن مزاولته عن الملكية الخاصة بمن يقوم به. كما يقوم النظام الحديث على أساس تميز علاقة المرؤوس عن الرئيس، فهو يعين وفقا الضوابط ومعايير معروفة سلفا، وعلاقاته بجهة العمل محددة سلفا من حيث صلاحيات العمل وحجم الراتب وأسلوب زيادته من حيث طريقة ترك العمل. ولم يعد عزل التفويض يعنى عزل من كان عينهم في أعمالهم كما يذكر في كتب الأحكام السلطانية.

ومن هذه الملاحظات يتبين أن أسلوب العمل ممارسة، وطريقة السلطة قد تغيرت عن الوضع القديم من جانبين:

أولًا: تقسيم العمل الواحد عبر العديد من الأجهزة والهيئات.

ثانيًا: حلول القرار الجماعي بهذه الهيئات محل قرار الفردي.

وهذا مما يعبر عنه بحكومة الهيئات والمؤسسات في مقابل حكومة الأشخاص التي عرفتها النظم السابقة. وهذا الوجه من وجوه التنظيم للعمل العام هو ما يتعين إثراء النظام الدستوري والإداري الإسلامي به.

_______________________________

المصادر:

– طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2007، ص:53-80.

– عبد الله قادية، الإطار القانوني للمؤسسة العمومية في الجزائر كعون اقتصادي، مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية، المجلد 16، العدد 1، يونيو 2019، ص: 611-612.

– تعريـف المؤسـسة وخـصائـصها، المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، 11 أكتوبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://www.almerja.com/reading.php?idm=186353. –  محمود حديد، المؤسسة، الموسوعة العربية: الفلسفة وعلم الاجتماع والعقائد، المجلد 20، ص 11، https://arab-ency.com.sy/ency/details/10544/20.

هو حق تمتلكٌه خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن وهي، روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، يُخولها رفض أي قرار يُقدم للمجلس دون إبداء أسباب.

ويعود أصل كلمة “فيتو” إلى اللغة اللاتينية، وتعني “أنا أعترض”، شَاع مدلولها أكثر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام الأمم المتحدة عام 1945.

ويَكفي اعتراض أي من الدول الخَمس دائمة العضوية في مجلس الأمن -من أصل 15 عضوًا في المجلس- ليتم رفض القرار وعدم تمريره نهائيًا، حتى وإن كان مقبولًا للدول الأربع عشرة الأخرى.

نشأة حق الاعتراض (الفيتو):

لَم تكن فكرة امتلاك حق الاعتراض على تَصرفات المُنظمات الدولية بالشيء الجديد في عام 1945 فقد كان لكل عضوٍ في مجلسِ العصبةِ حقًا للاعتراض فيما يتعلق بالمسائلِ غيرِ الإجرائية.

عند تَأسيس العٌصبة، كان هُناك أربعة أعضاءٍ دائمين وأربعة غير دائمين، وتَوسع المجلس بِحلول عام 1936، ليَضُم أربعة أعضاءٍ دائمين وإحدى عشر عضوًا غير دائم، مما يعني أن هناك خَمسة عشر دولة تَتَمتعُ بحقِ الاعتراض، ووُجود هذا العدد الكبير من أصحابِ الكلمةِ جعلَ من الاتفاق على أيّ أمرٍ يُطرح صعبٌ للغاية.

وظٌهور حق الاعتراض “الفيتو الحالي” كان نَتيجةً لمناقشاتٍ مستفيضةٍ خلال المفاوضات لتشكيل الأممِ المتحدةِ في مؤتمر دمبارتون أوكس – Dumbarton Oaks Conference في عام 1944 ويالطا عام 1945.

 والدليل على ذلك هو أنَّ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة والصين أيّدوا جميعًا مبدأ الإجماع، ليس لرغبتهم كقوى كُبرى في العمل معًا، ولكن أيضًا لحمايةِ حُقوقها السياديةِ ومَصالحها الوطنية، وقد أوضَحَت الدول العظمى في سان فرانسسكو -San Francisco بأنه في حَال لم يتم منحهم حق الاعتراض فإنَّه لن يكون هُناك أمم متحدة.

الفيتو في ميثاق الأمم المتحدة:

تنص المادة (27) من ميثاق الأمم المتحدة فيما يخص حق الاعتراض “الفيتو”:

  • لكل عُضو في مجلسِ الأمنِ صوتٌ واحد.
  • تُتخذ قَرارات مجلس الأمن بشأن المسائلِ الإجرائية بعد التصويت الإيجابي للأعضاءِ الخمسةِ الدائمين.
  • تُتَخذ قرارات مجلس الأمن بشأن المسائل الأخرى بعد التصويت الإيجابي من تسعة أعضاء، بما في ذلك الأصوات المتزامنة للأعضاءِ الدائمين.

إن التصويت السلبي من قِبَل أي من الأعضاء الدائمين سَيَمنَع اعتماد مَشروع القرار. ولكن امتناع أو غِياب أحد الأعضاء الدائمين عن التصويت لا يمنع إصدار القرار.

وعلى الرغم من أنَّ حَق الاعتراض لم يُذكر بالاسم في ميثاق الأمم المتحدة، فإنَّ المادة 27 تَتَطَلب أصوات متزامنة من الأعضاء الدائمين، لهذا السبب يُشار أيضًا إلى “قوة حق الفيتو” على أنها مبدأ (إجماع القوى العظمى).

استخدامات الدول الأعضاء لحق الفيتو:

 بدأ استخدام حق الفيتو في عام 1945م بعد قيام منظّمة الأمم المتحدة، فاستخدمته موسكو 120 مرّة، مرّتان منها في عهد الاتحاد الروسيّ والباقي في عهد الاتحاد السوفيتيّ، أمّا فرنسا فاستخدمته 18 مرّة، واستخدمت بريطانيا حقّ النقض 32 مرة، كانت تتفق مع الولايات المتّحدة في جزء منها، وفي جزء آخر مع فرنسا، وأحيانًا تتّفق مع كلتيهما، وكان من استخدام بريطانيا له دفاعها عن رودسيا لمنع انهيارها؛ إلّا أنها انهارت وأُقيمت دولة زيمبابوي على أرضها، أمّا الولايات المتحدة فقد استخدمت حقّ الفيتو 77 مرّة منها 36 مرّة دفاعًا عن مصالح إسرائيل، أمّا الصين فقد استخدمته أقلّ مقارنة ببقية الأعضاء، فبلغ عدد مرّات اعتراضها 5 مرات فقط.

أفرطت موسكو في استخدامها لحق الفيتو؛ الأمر الذي دعا إلى تلقيب وزير خارجيتها بالسيد “نيات”؛ أي الشخص دائم الرفض، أمّا سبب الإفراط فهو معاندة موسكو للغرب المبالغ بها، وبالنسبة للولايات المتّحدة فقد رفضت 54 قرارًا، منهم 36 مرة تعترض فيها على انتقاد اسرائيل أو مطالبتها بالانسحاب من فلسطين التي احتلتها منذ عام 1967م، وفي عام 1976م وقفت الولايات المتحدة الأمريكية في وجه قرارين طالبا بمنح الشعب الفلسطيني حقّ تقرير مصيره، كما استخدمت الولايات المتّحدة حق الفيتو لرفض إدانة الإسرائيليّين عندما حرقوا المسجد الأقصى، وعندما تم اغتيال الشيخ أحمد ياسين المؤسّس لحركة حماس، وفي عام 2011م رفضت الولايات المتّحدة قرارًا يدين استيطان إسرائيل بالرغم من موافقة أربعة عشر عضوًا عليه.

أنواع حق الاعتراض(الفيتو):

  • الفيتو الحقيقي أو المبسّط: وهو يعني التصويت السلبي من قِبل عضو من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على مسألة موضوعية، أي أنَّه في حالة ما إذا صوّتت أي من الدُول الأعضاء الدائمين سلبًا ضد أي مشروع قرار يتعلق بالمسائلِ الموضوعية فإنَّ القرار لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يَصدر، وهذا الفيتو هو النوع المألوف والشائع الاستعمال في أروقة مجلس الأمن ويسمى الفيتو الحقيقي أو الافتتاحيّ.
  • الفيتو المُزدوج: لم تَرِد المسائل الإجرائية ولا المسائل الموضوعية على سَبيل الحصرِ في الميثاق، لذلك فإنّه ولِغرضِ تكييف مسألة معينة يصار إلى عرضها أمام مجلس الأمن للتصويت عليها لبيان طبيعتها هل هي مسألة إجرائية أم موضوعية، وأثناء التصويت يقوم العضو الدائم الذي يريد الحَيلولَة دون صدور قرارٍ معين من مجلسِ الأمن لِصالح تلك المسألة بتكييف تلك المسألة على أساس أنَّها موضوعية وليس إجرائية، و ذلك باستخدام حق الاعتراض بِقصد تحويل المسألةِ المعروضة المراد تكييفها من إجرائية إلى موضوعية، ولقد ظهر الاعتراض المزدوج استنادًا إلى اعتبارِ مسألة التكييف القانونية مسألة موضوعية حيث تستطيع الدول الدائمة استعمال حق الاعتراض سواء عند البحث في موضوع التكييف وسواء عند دراسة الموضوع ذاته.
  • الفيتو المُستتر: يعني الدفع بثلث الأعضاء للامتناع عن التصويت أو التصويت ضِد مشروع القرار المعروض أمام مجلس الأمن، وهذا النوع من الفيتو صورة تكشفُ واقعَ العملِ في مجلسِ الأمنِ خصوصًا بالنسبةِ لنظام التصويت، وتوضيحًا لهذا النوع، فإنَّ الولايات المتحدة تمكنت عن طريق السيطرة على عددٍ كافٍ من الأصواتِ داخلَ المجلس من مَنع صُدورِ أيِّ قرارٍ من المجلس يتعارضُ مع مصالحها، ومن دون أن يَستعمل أي من الأعضاء الدائمين حق الاعتراض، وتأسيسًا على ذلك يكونُ الاختلاف بينَ كلٍ من الاتحاد السوفيتي (السابق) والولايات المتحدة اختلافًا شكليًا أو ظاهريًا أكثر منه اختلافًا حقيقيًا أو واقعيًا، فَكلا الطرفينِ استعمل حق الفيتو وإن كانت روسيا قد استعملت حق الفيتو القانوني أي الظاهري إلا أنَّ الولايات المتحدة استعملت ما يمكن تسميته بالفيتو الواقعي أي المستتر.
  • الفيتو بالوكالة: يُمكن استعمال الفيتو بالوكالة أو بالنيابة عندما تٌقَدِّم دولة دائمة العضوية على استعمالِ حقِّ النقض الفيتو لصالحِ دولة أخرى من الدول الدائمة العضوية، فَيستطيع عضو مجلس الأمن الدولي الدائم الذي يكون طرفًا في نزاعٍ معروضٍ على المجلس الامتناعِ عن التصويت ويمكن أن يُنيب هذا العضو عضوًا آخر في مجلس الأمن باستخدام حَق الفيتو، وهذا التصرف يُعرَف بالفيتو بالوكالة، وأكثر الدول التي تمارس هذا النوع من الفيتو هي الولايات المتحدة الأمريكية.
  • الفيتو الجماعي: يُمكن للأعضاءِ غيرِ الدائمين في مجلسِ الأمن أن يَكون لهم الحَق في نقضِ أيّ مشروع قرار يُعرض أمامَ المجلس، فَمتى ما رُفضَ أكثر من سِتة أعضاء غير دائمين في المجلسِ مَشروع القرار أثناء التصويت عَليه فإنَّ الأغلبية المطلوبة من تِسعة أصوات لا يمكن أن تَتحقق حتى لو صوتَ كُل الأعضاء الدائمين لصالحِ مشروع القرار، وهذا النوع من الفيتو نادر الحُصول، ولهذا لهذا السبب يُشار أيضًا إلى “قوة حق النقض” على أنها مبدأ )إجماع القوى العظمى).

انتقاد حق الفيتو:

 تعرّض حق الفيتو للكثير من الانتقادات، فيقول منتقدوه أنّ الكثير من القرارات التي يُقرّها مجلس الأمن الدولي لا يتم تنفيذها بسبب الفيتو، كما أنّ الأعضاء الخمسة الفائزون في الحرب العالمية الثانية لا يعكسون الأوضاع السياسية الحالية، فعلى سبيل المثال لم تَعُد بريطانيا وفرنسا تمثلان قوى عسكرية أو اقتصادية عظمى في العالم، وبعبارة أخرى لم تعودا من القوى الرئيسية كالسابق، كما يرى منتقدو الفيتو أنّه إذا تم إلغاؤه سوف يصبح المجلس أكثر ديمقراطية وسوف يسود رأي الأغلبية من الأعضاء؛ الأمر الذي يؤدي إلى زيادة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وبالتالي حل المزيد من الأزمات العالمية.

فهناك تناقض واضح بين حق الفيتو وقواعد الأنظمة الديمقراطية الأخرى؛ حيث لم يتمّ انتخاب الدول دائمة العضوية بطريقة ديمقراطية، كما أنّ نظام التصويت لا يتّفق مع نظام الأغلبية المعروف؛ حيثُ تنصّ قاعدة استخدام حقّ الفيتو على أنّه لكلّ عضو من أعضاء مجلس الأمن صوت واحد فقط، وعلى الرغم من أنّ عدد الأعضاء خمسة عشر إلّا أنّ تنفيذ أيّ قرار يتطلب تسعة أصوات فقط من بينها أصوات الأعضاء الدائمين، أمّا النتيجة الحاسمة فتعتمد على رأي الأعضاء الدائمين فقط لكون مسؤولية حفظ الأمن والسلام تقع على عاتقهم، وتمتنع عن التصويت الدول التي تكون واقعة في النزاع المشار إليه في القرار، كما يضع مجلس الأمن شروطًا لمشاركة الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة والتي تكون طرفًا في النزاع؛ حيث يمكن للدول الأعضاء في هيئة الأمم أن تشارك في المناقشات المطروحة؛ إلّا أنه ليس لها الحق في التصويت على مشاريع القرارات.

 الجدير بالذكر أنّ من سلبيات حق الفيتو على مستوى القضية الفلسطينيّة أنّه منح الولايات المتحدة الحقّ في دعم إسرائيل بإبطال أيّ قرار يقضي بوقف الاحتلال وأعمال العنف والقتل في أراضي فلسطين، وهذا ما أدّى إلى التشكيك في مصداقية الأمم المتحدة على مختلف الأصعدة.

وقد اقترحت دول عدم الانحياز في هيئة الأمم المتحدة مشروع قرار يسعى إلى إجراء تعديلات في بعض نصوص ميثاق الأمم المتحدة، وذلك لكي تتلاءم نصوص الميثاق مع الوضع السائد حاليًا في المنظمات الدولية، ومن أهم التعديلات المقترحة تعديل فقرة مجلس الأمن الدولي ليصبح مجلس الفيتو الأمريكي، ولكي يتناسب مع دور القوة الأمريكية العظمى التي تستعمل حق الرفض لإبطال مشروع أي قرار يقف في صف أي جهة مستضعفة.

___________________________

المصادر:

  • الفيتو … حق النقض في مرمى النقد، الجزيرة نت، 19 مايو 2015، https://2u.pw/iL4J2oE.
  • سائد عبد الله، النقض (الفيتو) – Veto، الموسوعة السياسية، 28 يوليو 2017، https://2u.pw/KDKGWg2.
  • حق الفيتو، موسوعة معرفة، https://2u.pw/Q7AEWDC.
  • عبد الله دردونة، تعريف حق الفيتو، موقع موضوع، 11 أغسطس 2022، https://2u.pw/of7yyux.