مقال للدكتورة فاطمة حافظ منشور في موقع إسلام أون لاين

شكل نشوء الدولة الحديثة حدثا مفصليا في العالم الإسلامي تغيرت معه كثير من المفاهيم واختفت معه الأنظمة والأنساق التي حكمت وسادت لقرون وحلت أخرى محلها، وعلى سبيل المثال فالنظام القانوني الذي استند إلى الشريعة الإسلامية وحكم المسلمين وغيرهم لم يعد قائمًا مع التوجه صوب اقتباس القوانين الوضعية الأوروبية ووضعها موضع التطبيق في مصر والدولة العثمانية بحجة وجود صعوبات تكتنف صوغ الفقه الإسلامي في صورة قانونية عصرية، وقد نتج عن هذا الانقلاب القانوني إشكالات عديدة؛ بعضها يتعلق بعدم ملائمة هذه القوانين للبيئة الاجتماعية وعوائدها فالقانون المدني المصري جعل الزوجة تنفق على زوجها بل تنفق على زوجة أبي زوجها، وبعضها الآخر يتعلق بإشكاليات الصياغة القانونية والتبويب وعيوب التطبيق المتسرع[1]. وعلى هذا تصاعدت الدعوات الرامية إلى إحياء الفقه الإسلامي وتجديده وقد رفع لواءها نفر من الفقهاء والمشرعين وفي مقدمتهم عبد الرازق السنهوري (1895-1971) المشرع المصري المعروف.

مشروع السنهوري الفكري

ولد عبد الرازق السنهوري في الإسكندرية عام 1895 وتلقى تعليما مدنيا حديثا لكنه مبكر قرأ في وقت مبكر درر التراث العربي كالأغاني والعقد الفريد والأمالي، ثم التحق بمدرسة الحقوق وسافر إلى فرنسا في مطالع العشرينيات ليدرس القانون المقارن والغريب أنه تقدم برسالتين لنيل درجة الدكتوراه أحداها حول العقود ورسالة ثانية حول الخلافة الإسلامية لم يكن مطالبا بها ليدحض أطروحة على عبد الرازق حول عدم اشتمال الإسلام على نظام سياسي خاص به واقتصاره على الشئون الدينية، وعقب عودته تدرج في المناصب حتى تولى عمادة كلية الحقوق ورئاسة مجلس الدولة، كما كان أحد المساهمين البارزين في وضع القانون المدني في مصر وعدد من البلدان العربية. ومنذ العشرينيات أخذ مشروعه الفكري في التبلور والتمحور حول فكرتين مركزيتين: الأولى إمكانية التوفيق بين الإسلام ومنتجات الحداثة الغربية وأفكارها، فلم ير بأسا في تأييد فكرة الديمقراطية أو اقتباس بعض التنظيمات الغربية وإكسابها لبوسا إسلامية كدعوته إلى إنشاء عصبة أمم شرقية على غرار عصبة الأمم الدولية لتحل بديلا عن مؤسسة الخلافة الكلاسيكية، وكان يعتقد أن هذا هو الشرط الوحيد لاستمرارها في ظل عصر تبدلت فيه المفاهيم والكيانات وقواعد وأطر العلاقات الدولية. أما الفكرة الثانية فهي ضرورة إحياء الفقه الإسلامي وتجديده ليصبح مصدرا رئيسا للقانون في الدولة؛ وبحسب السنهوري فإن ثمة علاقة تربط الاستقلال السياسي بالاستقلال القانوني؛ فحين أفقدتنا الإمبريالية الغربية استقلانا السياسي تبع ذلك فقدان استقلالنا القانوني بالتوجه نحو اقتباس القوانين الغربية، وبالتالي فإن واجبنا في عهد الاستقلال أن نستقل بتشريعنا عن التشريع الغربي “فلا نبقى عيالا على الفقه الغربي”، وخير الوسائل للوصول إلى هذه الغاية هي العودة إلى تراث أجدادنا الفقهي الذي لا يقل عن القانون الروماني في الصناعة وجودة الصياغة، لكنه يحذر من أن هذا العمل ينبغي أن يكون في منطقه وصياغته “فقها إسلاميا خالصا لا مجرد محاكاة للقوانين الغربية” وذلك لما لاحظه من أن بعض المشتغلين بالقانون يعمدون إلى إيراد النصوص القانونية ثم يحاولون إخراجها على النصوص الإسلامية.

عوامل التطور الفقهي

ناقش السنهوري في كثير من مؤلفاته خصائص الفقه التي تسمح له بالتطور ليصبح مدونة قانونية عصرية، وأول هذه الخصائص هي أن الاحكام الفقهية تنقسم إلى قسمين رئيسيين: أحكام دينية وأحكام دنيوية أو عبادات ومعاملات حسب الاصطلاح الفقهي؛ فالأحكام الدنيوية تختص بتنظيم العلاقة بين العبد وخالقه وهذه لا تتغير ولا ينبغي لها أن تتطور لأن الخالق أزلي أبدي لا يجوز عليه التغيير ولا التبديل فالعلاقة بينه جل شأنه وبين العبد ثابتة. أما الأحكام الدنيوية فتختص بتنظيم العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض وتنظيم شئون الدولة وعلاقاتها بالأفراد، وهي فما يرى السنهوري لها خاصيتان الأولى أنها تنزل على حكم العقل وتبنى على المصلحة، فالعقل هو الذي يحدد ما هي المصلحة ونحن نبني عليه العلم لأن العلم اجتماعيا كان أو طبيعيا لا يُدرك إلا بالعقل، ولأجل هذا استشار النبي صلوات الله عليه أصحابه في تدبير الشئون الدنيوية لأنها قائمة على العقل. والثانية أنها تتطور مع الزمان والمكان فهي تابعة للتطور الاجتماعي وللعلم، وقد تطورت هذه الأحكام بالفعل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار وكان لهذه المؤاخاة من الأثر القانوني ما يجعل الأخوين يتوارثان، واستمر العمل بها فترة، فلما تغيرت الظروف الاقتصادية للمهاجرين -حسبما يقول- أبطل النبي صلى الله عليه وسلم سنة المؤاخاة واستقل كلٌ بماله “فانظر كيف يتطور التشريع من عمل إلى إبطال، ومن خلق نسب قانوني إلى الرجوع إلى النسب الطبيعي وذلك تمشيا مع التطور الاقتصادي، وتبعا لما تقتضيه الظروف، وتلمسا للمصلحة في النظم التي تُقرر”[2]. أما الخاصية الثانية التي تكفل تطور الفقه فهي الإجماع، وبحسب السنهوري فإن هناك “مصادر عليا للتشريع الإسلامي” هي الكتاب والسنة، ولما كانت الأحكام الدنيوية تتطور باستمرار وكان لابد من انقطاع الوحي بقبض الرسول بات محتما أن يكون لدى المسلمين مصدر ثالث يضمن تطور الأحكام وهذا ما كفله الإجماع الذي يتخذ معنى “القانون” إذا توافق المجتهدون على رأي معين في زمن معين.

الفقه وإعادة الهيكلة

تبرهن الخاصيتان السابقتان على قابلية الفقه للتجدد لكن هذا لا يعني حتما إمكانية تحوله إلى مصدر للقانون أو مدونة قانونية، ولذلك يفترض السنهوري أن هناك مسئولية تقع على عاتق المشتغلين بالقانون لتقريب الفقه من القانون، وهو ما يتطلب أولا إعادة تسمية الفقه تسمية جديدة أكثر دلالة في التعبير عن مضمونه ويقترح له اسم “القانون الإسلامي” ، ويتطلب ثانيا إعادة هيكلته وفق أسس جديدة بحيث تتسع دائرته فلا تقتصر على أبواب المعاملات أو ما يطلق عليه الدائرة القانونية للفقه وإنما يضاف إليها علم أصول الفقه وبعض مباحث من علم الكلام تتعلق بالإمامة. وليقسم “القانون الإسلامي” بعد ذلك تقسيما حديثا إلى قانون عام وقانون خاص؛ فالقانون الخاص يشمل القواعد التي تضبط علاقات الأفراد بعضهم البعض، ويتضمن أبواب المعاملات والأحوال الشخصية، أما القانون العام فيشمل قواعد وحدود السلطات العامة في الدولة، وبهذا التقسيم يكون الفقه قد رتب ترتيبا أقرب إلى المدنية الحديثة وأكثر انطباقا على النظم القانونية المعاصرة، ولا يغرب عن بال السنهوري التوكيد على أنه “لا يُراد بهذا التقسيم أن تندمج الشريعة الإسلامية في القانون الحديث وأن تفقد استقلالها، وإنما يراد بهذا تسهيل المقارنة بين الشيئين، وفتح باب لترقية الشريعة الإسلامية بحيث تتمشى مع القانون الحديث في تقدمه”[3]. وإذا كانت مقترحات السنهوري لم تعرف طريقها نحو التطبيق لدواعي عديدة إلا أنها وجدت أنصارا لها بين المفكرين الأزهريين الذين آمنوا بجدواها وجعلوها جزءا من أطروحاتهم التجديدية بعد أن أضافوا إليها ونذكر من بينهم محمد يوسف موسى وفتحي عثمان، ولازالت هذه المقترحات تجد صداها لدى المعاصرين.

___________________________

[1] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د/ت، ج1 ، ص7.
[2] عبد الرازق السنهوري، الدين والدولة في الإسلام، القاهرة: مجلة المحاماة الشرعية، ع1، جمادى الأولى 1348هـ ، ص 8-9.
[3] نفس المرجع السابق، ص10.

تم نشر الطبعة الثالثة من هذا الكتاب من قبل المكتبة التوفيقية بالقاهرة، ولقد حرص مؤلفه على دعوة الأمة  إلى الاجتماع على كلمة  سواء، تعرف لله قدسيته، وللوطن حرمته، وللناس كرامتهم، وللحياة أمنها، وللأمة حضارتها، وللعالم كله السلام والتعاون.

وجاء في مقدمة هذه الطبعة:

فما زالت الحاجة ملحة إلى دستور إسلامي يحفظ للأمة حقوقها، ويعبر بها إلى آفاق الرقى والحضارة وبخاصة في هذا الوقت الذى يتنادى فيه الحاكم والمحكوم بتعديلات دستورية لمصرنا المحروسة.

وإذا كان المسلمون طوال عصورهم التاريخية قد احتكموا إلى القرآن العظيم والسنة المطهرة مباشرة نظرًا لوجود المجتهدين الأفذاذ الذين يستنبطون الأحكام والقوانين من هذين المصدرين المعصومين، إلا أن النظام الحديث يجعل الشعب والحاكم يخضع كل منهما لمواد دستورية تكون فيصلا فيما شجر بينهم، وبما يحقق التواصل ومسيرة الخير والنماء للأمة، كما يجعل نظام التقاضي قائمًا على مواد قانونية يحاول القاضي تكييف الوقائع التي ترد إليه وفق هذه المواد، ومن هنا فإن علماء المسلمين لم يدخروا وسعا في تقنين الشريعة وصياغة المواد الدستورية.

وقد ظلت الشريعة الإسلامية زهاء ثلاثة عشر قرنًا من الزمان هي المطبقة في مصر منذ الفتح الإسلامي إلى أن ظهرت المحاكم المختلطة سنة ۱۸۷٥م، وجاء القانون الفرنسي تحت وطأة الزحف الأوربي والتدخلات الاستعمارية، وصدر دستور سنة ۱۹۲۳م لينص على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ولكن انحصرت أحكام الشريعة في الأحوال الشخصية.

ولما عزمت الحكومة سنة ١٩٤٧ على تعديل القانون المدني رفع الاتحاد العام للهيئات الإسلامية في مصر خطابا إلى الملك السابق فاروق يناشدونه تطبيق الشريعة الإسلامية.

ثم جاء دستور سنة ۱۹۷۱م ونص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.. وقام علماء الأزهر والمخلصون من رجال القانون بجهد ممتاز لتقنين الشريعة وصياغة مواد الدستور..

تقسيمات الكتاب:

استوعبت الدراسة مشروع الدستور الإسلامي في أبوابه التسعة، ومواده الثلاث والتسعين على النحو التالي:

  • الباب الأول: الأمة الإسلامية: وفيه أربع مواد.
  • الباب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي: وفيه ثلاث عشرة مادة.
  • الباب الثالث: الاقتصاد الإسلامي: وفيه عشر مواد.
  • الباب الرابع: الحقوق والحريات الفردية: وفيه ست عشرة مادة.
  • الباب الخامس: الإمام: وفيه سبع عشرة مادة.
  • الباب السادس: القضاء: وفيه اثنتان وعشرون مادة.
  • الباب السابع: الشورى والرقابة وسن القوانين: وفيه مادتان.
  • الباب الثامن: الحكومة: وفيه مادتان.
  • الباب التاسع: أحكام عامة وانتقالية: وفيه سبع مواد.

رابط مباشر لتحميل الكتاب

مقال للدكتور عثمان خليل عثمان منشور في مجلة العربي الكويتية يتحدث فيه عن تطور مفهوم حقوق الإنسان، من خلال تتبع مسيرة هذا المفهوم عبر التاريخ، ثم بيان آل إليه هذا التطور بشأن “مضمون” تلك الحقوق.

رابط لقراءة المقال كاملًا

كتب الدكتور عثمان خليل عثمان مقدمة مهمة بين فيها شيئًا من مراحل تطور الفكر السياسي وعلاقته بالبناء القانوني والدستوري للدولة، وهي مقدمة لكتاب “تطور الفكر السياسي” لمؤلفه جورج ساباين، وترجمة حسن جلال العروسي، وقد وضع العلامة الراحل عبد الرازق السنهوري تصديرًا للكتاب نفسه، ننشره لاحقًا، والكتاب صدر عام 1954 عن دار المعارف في مصر.

رابط مباشر لتحميل المقدمة

بحث منشور عام 1956 في مجلة مصر المعاصرة، الصادرة عن الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع للأستاذ أحمد صفوت رئيس محكمة استئناف الاسكندرية سابقًا.
وقد جاء في تقديم المؤلف للكتاب ما يلي:

“في 31 من ديسمبر عام 1955 انتهى نظام القضاء الشرعي في مصر بالقانون رقم 1955/462 بعد أن استمر فيها ثلاثة عشر قرنًا. وكان إلى صدور أول لائحة شرعية في سنة 1897 يجري على النظام الشرعي المدون في كتب الفقه والمعمول به من صدر الإسلام، وبعد صدور هذه اللائحة لم يبق له من صفة القضاء الشرعي إلا أنه يحكم طبقًا للشريعة الإسلامية ومن بعدها أصبح اختصاصه وإجراءاته ونظامه مقررًا بقوانين، مثله في ذلك مثل المحاكم المدنية تمامًا، فاستخفت في هذه الحقبة الطويلة مميزاته الأصلية وبإلغائه تنطوي صفحته فلا يرجع إليها إلا للبحث التاريخي، لذلك رأيت جمع شتات ما اطلعت عليه من تاريخه قيدًا له وبيانًا لما كان عليه.

ثم قُسم البحث إلى النقاط الآتية:

  • نظام التقاضي في الجاهلية.
  • نظام الحكم في الإسلام.
  • نشوء وظيفة القاضي.
  • مجلس القضاء ونظام المشورة.
  • إجراءات التقاضي.
  • مراسم تعيين القضاة.
  • وظيفة الإفتاء.
  • وكلاء الدعوى.
  • قضاء الشرطة.
  • قضاء المظالم.
  • قضاء نقيب الأشراف.
  • أثر القضاء الشرعي.
  • القضاء بين الذميين.
  • القضاء الملي.
  • القضاء القنصلي والامتيازات الأجنبية.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

أعرض فى هذا المقال لسيرة اثنين من عظماء الفقه الدستورى فى مصر، وكيف أنهما أسهما بعلمهما فى ترسيخ قيم الوطنية الحقة، وهما المرحومان عثمان خليل عثمان وعبدالحميد متولى.

كلاهما ينتمى إلى النصف الأول من القرن العشرين. الأول ولد سنة ١٩١١ والثانى عام ١٩٠٠. وكلاهما ينتمى للطبقة الوسطى الريفية المصرية. وكلاهما تعلم فى مدارس الحكومة، ونبغ فى دراسته إلى أن أصبح أستاذا مرموقا للقانون الدستورى، وكلاهما لم تنزلق به دراسة القانون إلى خطيئة استخدام علمه للتزلف للحكام وتبرير خطاياهم.

ولد الدكتور عثمان خليل عثمان فى بلدة الحواتكة بمركز منفلوط محافظة أسيوط. وتعلم فى المدارس الحكومية ومدارس الجمعية الخيرية. ثم التحق بمدرسة الحقوق ونال منها شهادة الليسانس مع مرتبة الشرف سنة ١٩٢٤. وعين معيدا بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) ونال درجاته العلمية ثم درجة الدكتوراة من نفس الجامعة عام ١٩٣٧. سافر إلى فرنسا والتحق بالسوربون، لكنه عاد بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.


وظل يمارس تعليم القانون الدستورى والإدارى للأجيال المتعاقبة. وكنا نجلس أمامه طلابا فى مدرج جامعة القاهرة نستمع إلى كلماته حول مبدأ المشروعية وخضوع الدولة للقانون وكأننا أمام عازف متمكن يعزف لحن العدل والحرية.

وارتقى أستاذنا فى مراتب العمل الجامعى حتى عين عميدا لكلية حقوق عين شمس. قدم استقالته لوزير التعليم الضابط كمال الدين حسين اعتراضا على سياسته. ولكن الوزير التقى به وأثناه عن الاستقالة ثم أحاله للمعاش فى اليوم التالى عملا بمبدأ حكومتنا الخالد أن الموظف يقال ولا يستقيل.

وكانت للدكتور عثمان خليل جهود فى مجال إعداد مشروعات الدساتير فى مصر والعالم العربى. عند قيام ثورة 23 يوليو 1952 تم اختياره عضوا بلجنة الدستور التى شكلتها الثورة لإعداد إطار دستورى للبلاد عقب إلغاء العمل بدستور 1923 وتحول مصر من الملكية إلى الجمهورية. وتم وضع مشروع دستور ١٩٥٤ الذى صرفت الدولة النظر عنه لطابعه المفرط فى ليبراليته بما لا يناسب مرحلة بناء الأوطان التى مازلنا نحياها حتى الآن.

ولأن دولته هجرته فقد هجرها إلى دولة الكويت للإشراف على وضع الدستور بها. وكان العمل فى الدستور قد بدأ بصدور المرسوم رقم 1 لسنة 1961، الذى أنشأ المجلس التأسيسى، وحدد له مهمة وضع دستور يبين نظام الحكم على أساس المبادئ الديمقراطية. وعاش وفيا لمبادئه تاركا وراءه سيرة عطرة وعلما ينتفع به وطلابه الذين يدعون له بالخير.

الدكتور عبدالحميد متولى ينتمى إلى نفس الجيل. نشأ فى مركز السنطة بمحافظة الغربية، وتربى فى نفس البيئة النقية الزاخرة بتقديس قيمة الحرية. تعلم فى المدارس الحكومية، ثم التحق بمدرسة الحقوق الملكية بالقاهرة، فحصل على ليسانس الحقوق فى يونيو عام 1923، ودبلوم الدراسات الإدارية والمالية من كلية الحقوق بجامعة باريس فى يوليو سنة 1926، والدكتوراة فى الحقوق بجامعة باريس فى مايو سنة 1931.

كان الدكتور عبدالحميد متولى من فقهاء القانون الدستورى الذين انتبهوا منذ مرحلة مبكرة إلى دقائق العلاقة بين القانون والسياسة، كما تفرد بالتعمق العلمى فى مجالين مهمين هما النظام السياسى فى الإسلام ونظام الحكم فى الدول النامية.

وفى أكتوبر سنة 1936 عمل أستاذا بكلية الحقوق ببغداد، وفى يناير سنة 1937 تولى عمادة الكلية.

وفى يوليو 1961 اختير عضوا بالشعبة المصرية للمؤتمر الدولى للعلوم الإدارية (ومقره بروكسل) وكان يرأسها الدكتور عبدالحميد بدوى وكيل محكمة العدل الدولية.

وفى يوليو سنة 1962 قرر مجلس إدارة معهد الدراسات العربية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية انتدابه لإلقاء محاضرات على طلبة المعهد من عام 1963 عن (النظام السياسى لإسرائيل).

وفى عام 1956 أنشا ببلدته سحيم- مركز السنطة بمحافظة الغربية (الجمعية الخيرية) وتولى رئاستها إلى وفاته.

وكان الدكتور متولى شديد الاهتمام بدراسة النظام السياسى فى الفقه الإسلامى. ولكن دراساته لم تكن من منطلق سياسى، ولم يخلط أبدا بين الدين والسياسة، لكنه درس الفقه السياسى الإسلامى بمنهج علمى خالص، وهو نفس المنهج الذى اتبعه السنهورى فى دراسته لمصادر الحق فى الفقه الإسلامى، وهو ذاته منهج سليمان مرقص وشفيق شحاتة فى دراساتهما عن العلاقة بين القانون والدين كمجالين منفصلين سياسيا ومتداخلين علميا.

هناك ملامح مشتركة بين سيرتى هذين الفقيهين الجليلين تلقى الضوء على النخبة القانونية فى مصر فى المرحلة الليبرالية فى النصف الأول من القرن الماضى.

أول هذه الملامح الانتماء إلى الشرائح الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى التى تلقت تعليما حكوميا جيدا مجانيا أو شبه مجانى. وثانيها أن القانون عندها ليس مجرد نصوص تشريعية يضعها حاكم مستبد لتوطيد أركان حكمه. ففارق بين القانون الحق والتشريع وإن صيغ فى قالب القانون.

القانون الحق يهدف إلى تنظيم السلوك وتحقيق التوازن بين المصالح بما يحقق التضامن الاجتماعى وليس إشعال فتن الصراعات بتقنين القهر والتمييز. القانون الحق يقيم دعائم دولة المساواة والعدالة ولا يستثنى من تطبيقه أحد.

هذه النخبة لم تكن ترهبها عصا أو يغريها ذهب ومبادئها لا تباع. إنها نخبة جمعت بين ثقافتها الغربية وانتمائها القومى. وكانت ترى فى الفقه الإسلامى رافدا يسهم فى تحقيق مبدأ قومية القانون دون مزايدات سياسية.

تلك كانت أخلاقيات مهنة القانون فى ذلك الوقت. ثم خلف من بعدهم قوم اتبعوا الشهوات وتمرسوا على إلباس الباطل قناع الحق فسوف يلقون غيا من الله والتاريخ.

نُشر هذا المقال في الموقع الإلكتروني لجريدة المصري اليوم بتاريخ 27 يوليو 2018

هذا الكتاب هو مقاربة بحثية أصلها رسالة ماجستير في مجال النظرية السياسية لدراسة واستيعاب السياق التاريخي لنشوء أو تبلور مفهوم السلطة السياسية داخل السياق الإسلامي من خلال الرجوع لعصر التكوين، وترى أن علم النظرية السياسية من العلوم التي لم تنل ذلك القسط الوافي من البحث داخل مجال العلوم السياسية -وخاصة فيما يتعلق بالتراث الإسلامي- من المختصين في المجالين معًا (الفقه والعلوم السياسية)، فهناك الكثير من الدارسات السياسية المحضة حول هذا الموضوع وهناك الكثير من الدراسات الفقهية التأصيلية، لكن الصورة لا تتضح دون بناء نموذج يعتمد على كلا المنهجين، فالنظرية السياسية الإسلامية مبنية عليهما معًا.

واستعرض الباحث في دراسته تطور مفهوم السلطة وتوابعه في الحضارة الغربية من اليونان وحتى مجموعة العقد الاجتماعي تاركين العصور الحديثة في كلا السياقين الأوروبي والإسلامي لدراسة أخرى. ثم انتقل لبحث مصادر تلك السلطة مفرقين في هذا السياق بين السلطة من حيث هي قدرة على الإجبار والقهر، والسلطة ذات الأحقية فيما اصطلح على تسميته لاحقًا بالشرعية.

وقد جاء في خاتمة الدراسة ما يأتي:

انطلقت الدراسة من فرضية وجود نظرية للسلطة السياسية داخل الفكر الإسلامي، وخصوصًا فترة الخلفاء الراشدين لما لهم من أهمية تشريعية داخل مدرسة أهل السنة والجماعة، وقد أثبتت هذه الدراسة أن:

(1) مفهوم السلطة السياسية هو مفهوم مشترك بين الحضارات الإنسانية، ولكل حضارة ظروفها الخاصة بها، وقد تطور داخل المجتمع الإسلامي تبعًا لمنظومة الأفكار الإسلامية، ويمكننا تعريف السلطة السياسية في العموم بأنها: «قوة عليا ذات شرعية ومساحة تأثير مباشر، وقابلية للتوزيع والانتقال»، ويميزها في النظرية الإسلامية مرجعيتها.

(2) تعاريف السلطة في الثقافة الغربية والإسلامية تغيرت على مدى العصور بتغير الظروف المنتجة لها، فتعاريف مفكري عصر النهضة مختلف عن العصور الوسطى، مع اتسام التعريف الإسلامي بنوع من الثبات كونه ينحدر من أصل واحد تقريبًا.

(3) مصادر السلطة السياسية تنقسم إلى نوعين؛ مصادر للقوة ومصادر للشرعية، وتنقسم مصادر القوة إلى ناعمة وخشنة.

(4) المصادر الناعمة للقوة السياسية هي القوة الكاريزمية والاقتصادية، أما الخشنة فهي القوة البدنية والعائلية والعسكرية.

(٥) مصادر الشرعية هي: الدم والعائلة والدين والتفويض، ولا تمنع المرجعية الإسلامية من اجتماع تلك المصادر معا في ذات السلطة الحاكمة، إلا أن الحاكم لديها هما المصدران الأخيران.

(٦) كانت الدولة الإسلامية في عهد مؤسس الدولة – النبي ﷺ ذات طابع ديني غير ثيوقراطي، بمعنى أن الشعب كان يعتقد بتأييد النبي بالوحي، لكن هذا لمن يمنع من المشاركة في العملية السياسية من خلال الاستشارة والإمارة.

(۷) زالت أي معالم يمكن أن تُسمى بالثيوقراطية بعد وفاة مؤسس الدولة وانتقال السلطة إلى الخليفة الأول أبو بكر الصديق.

(۸) استخدم المسلمون أسلوب البيعة للتأكيد على أحقية الشعب في تقرير حاكمه، وجعل أهل الحل والعقد وصاة عليه.

(۹) استخدم أسلوب التوصية من قبل أبي بكر لعمر إلا أن الشرعية أتت من بيعة الناس له.

(۱۰) استخدم عمر بن الخطاب طريقة مجلس الاختيار لتحديد الخليفة من بعده، وهي طريقة متعلقة باختيار أهل الحل والعقد لمن يتولى السلطة السياسية.

(۱۱) استخدم عبد الرحمن بن عوف طريقة الاستفتاء العام لتحديد الأولى من بين المرشحين لمنصب الخلافة، واشترط على المرشحين السمع والطاعة في حال اختيار الآخر.

(۱۲) القيود الواردة على السلطة السياسية في الفكر الإسلامي تأتي من مصدرين؛ شرعية وحقوقية.

(۱۳) احتوى الفكر الإسلامي على مؤسسات تقييد السلطة الحاكمة التشريعية والتنفيذية وهي مؤسسة أهل الحل والعقد والمشورة، ومؤسسة الحسبة، والقضاء، والمجتمع.

(١٤) طبيعة القيود الواردة على الدولة إما حقوقية وإما شرعية وإما مصلحية.

(١٥) حقوق الأقليات هي قيد من القيود على السلطة الحاكمة إلا في حال ظهرت لهم ولاءات خارج الدولة الإسلامية.

(١٦) المصلحة قيد مهم على سلطة الدولة، وقد ربط الكثير من علماء السياسة الشرعية طاعة الحاكم بكون أوامره موافقة المصلحة الجماعة البشرية التي يحكمها مع اتساقها مع النظام الإسلامي العام.

وأوصت الدراسة -بعد دراسة حيثيات مفهوم السلطة وتطبيقاته ومصادره وقيوده- بالآتي:

(۱) البحث في تطوير صيغ معاصرة لإجراءات اختيار الحكام وذوي السلطة موافقة للنظرية المدروسة في هذه الرسالة من خلال تحديد القيود الواردة على السلطة التنفيذية بشكل أكبر، وتحديد الشروط المطلوبة فيمن يستلم السلطة وطريقة تنفيذها.

(۲) البحث بشكل أعمق في التشابه والتخالف بين نظام البيعة ونظام العقد الاجتماعي، مما سيجعل التوفيق بينهما أكثر سهولة أو على النقيض تماما يجعله مستحيلا.

(۳) البحث في فلسفة نشوء السلطة في المجتمعات المسلمة بشكل منفصل عن النظرة الاستشراقية بهدف منح المجتمعات المسلمة خصوصيتها الديمغرافية والثقافية.

(٤) العمل على تطوير الخطاب السياسي في المجتمعات المسلمة؛ ليصبح أكثر وعيًا بالحقوق والواجبات ومهمات السلطات المختلفة مما يساعد على الاندماج السياسي السليم.

(٥) البحث بشكل أعمق في تطوير مبدأ الشورى؛ ليستوعب مهمات السلطة التشريعية في نظام الدولة الحديثة، ونشر الأبحاث بشكل مستمر على شكل مشاريع متتابعة.

(٦) وضع الخلاف المتعلّق بالخلافة بين الخلفاء الأربعة في موضعه كخلاف سياسي لا كخلاف ديني، حيث يتعامل معه على أساس المصلحة والمفسدة لا على أساس عقدي.

(۷) إجراء دراسات مشتركة بين كليات العلوم السياسية وكليات الشريعة ومراكز دراسة العالم المعاصر تبحث الآثار الناتجة عن تطبيق أو عدم تطبيق النظرية السياسية داخل المجتمعات المسلمة تاريخيًا وأثر المشاركة السياسية للمسلمين في الغرب بعيدًا عن تلك النظرية.

تقسيم الكتاب:

قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول:

  • الفصل الأول: عن مفهوم السلطة السياسية.
  • الفصل الثاني: مصادر السلطة.
  • الفصل الثالث: القيود الواردة على السلطة السياسية.

المصدر:

  • يوسف القرشي، عن نظرية السلطة في الإسلام … دراسة في مفهوم السلطة السياسية ومصادرها والقيود الوارد عليها”، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، الطبعة الأولي، 2019، رابط الكتاب.

من بين الأبحاث العديدة المقدمة في إطار الحوار حول “أزمة الديمقراطية في الوطن العربي” يكاد بحث “أنظمة الحكم في الوطن العربي” ينفرد بتسليط الضوء على شريحة محددة من شرائح البنية المتراكبة في الجسد العربي، وهي شريحة “البناء الفوقي”، ذي الطبيعة الدستورية أو القانون.. وهذا ما يضفي عليه قدرًا من الوضوح قد لا يكون لغيره من الأبحاث التي تنقب في الطبقات التحتية لبنية المجتمعات العربية.

ومع ذلك أبادر فأقول أن “النظم القانونية والدستورية” وإن تكن تعبيرًا عن سائر مكونات البنية الاجتماعية، ونتيجة من نتائج وجود عناصرها المختلفة وتفاعل تلك العناصر، فإنها، فوق ذلك، أداة تأثير وتغيير.. يتحققان من خلال تفاعل جديد بين هذه “البيئة الفوقية” باعتبارها حينئذٍ أحد معطيات الواقع الاجتماعي وبين سائر عناصر البيئة الاجتماعية السابقة عليها منطقيًا وتاريخيًا..

ولهذا، فإن التركيز على ما قد يراه البعض عنصرًا شكليًا أو تابعًا، أمر جائز تمامًا، ومفيد -من الناحية العملية– تمامًا كذلك.. وذلك أن “أنظمة الحكم” بحالتها الراهنة وواقعها القائم، هي من وجهة نظر الفرد وسائر القوى الاجتماعية، “الحقيقة” التي يجرى التعامل معها يوميًا، بغض النظر عن جميع الشروح والتحليلات التي تصف تلك الحقيقة أو تبحث عن جذورها، أو تسعى لتغييرها.

بعد هذه المقدمة التي تتعلق بموضوع البحث أكثر من تعلقها بمضمونه ومحتواه كما حدده الباحث، أنتقل إلى المحتوى نفسه فألاحظ أن البحث حاول أن يبتعد عن تناول أنظمة الحكم القُطرية تناولاً متعاقبًا يتحول معه البحث إلى تجميع وصفي أو تحليل لواقع الأنظمة، وآثر بدلاً من ذلك أن يصنفها على أساس معايير مشتركة.. فبدأ بقوله أن “أقطار الوطن العربي تنتمي كلها إلى ذلك الجزء من العالم يعرف باسم العالم النامى.. أو ما يقال له اصطلاحًا دول العالم الثالث”.

1- والحق أنني لم أعد متاكدًا من دقة هذا التصنيف الذي يرجع -عند التحليل- إلى مكونات متعددة، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي واجتماعي.. وليس من الضروري لذلك أن تتحقق هذه المكونات كلها بدرجة واحدة .. وأن تكون لها –بالتالي –النتائج والآثار نفسها على “نظام الحكم السائد”.. إن “التخلف الاقتصادي” أمر أكثر تحديدًا، وأوضح تأثيرًا على خصائص نظام الحكم. كما أن “التبعية السياسية والاقتصادية” أمر محدد، ويمكن أن ترصد له أثار محددة على نظام الحكم.. ولكن الانتماء إلى “العالم الثالث” بهذا العموم لا يكفي وحده لتوضيح طبيعة خصائص نظام الحكم السائد في كثير من الأقطار العربية.. وقد انتبه الباحث نفسه إلى هذه الحقيقة فلاحظ أن بلاد العالم الثالث تضم أكثر من ثلث دول العالم وأكثر كثيرًا من نصف سكانه، وأنها تستند إلى جذور حضارية متباينة.. وتنتمى إلى أمم شتى “على ذلك فإن الحديث عن الخصائص المشتركة بين هذه البلاد لا يجوز له أن يُخفي عنا حقيقة أخرى وهي أن تلك البلاد يوجد بينها وبين بعضها من الاختلافات أمور كثيرة ومتعددة” .. وأنها لذلك “ليست جميعًا حتى في خصائصها المشتركة- على درجة واحدة”.

لهذا كنت أوثر في الحقيقة ألا يعتبر الباحث الانتماء للعالم الثالث –بهذا العموم– سمة مشتركة بين الأنظمة العربية. 

2 – كذلك لم أعد متأكدًا من دقة استخلاص النتائج العديدة المترتبة على وصف دولة ما بأنها متخلفة، بغض النظر عن الصورة التي يأخذها هذا التخلف.. ذلك أننا إذا سلمنا مع الباحث بأن التخلف الاقتصادي والاجتماعي يقاس بمعيارين أساسيين، يتعلق أولهما بمتوسط دخل الفرد ويتعلق الثاني بتقدم الفنون الإنتاجية، وإذا سلمنا نتيجة لذلك بأن “اقتصادًا قوميًا يتمتع بوفرة الموارد الطبيعية، ولكن تنقصه التكنولوجيا يكاد يكون في الفقر نفسه الذي يعانيه اقتصاد قومي لا تتوفر له هذه الموارد”.

تقول إذا سلمنا بهذا كله، فإن أثر التخلف على “نظام الحكم” يمكن أن يختلف اختلافًا كبيرًا بحسب ما إذا كنا إزاء مجتمع يتميز بضآلة مستوى الدخل على نحو حاد، كما يتميز -فوق ذلك– بغياب العدل التوزيعي غيابًا صارخًا.. وما إذا كنا إزاء مجتمع وفير الموارد.. ولكن تنقصه التكنولوجيا.. ذلك أن وفرة المواد، قد تتيح للأفراد فرصًا كبيرة للتعليم وللأمن الاقتصادي، كما قد توفر للمجتمع كله درجة من درجات الاستقرار السياسي يمكن في ظلها أن تتطور نظم الحكم في اتجاهات لا تسمح بمثلها ظروف مجتمع يتمثل تخلفه أساسًا في النقص الشديد في المواد والهبوط الحاد في متوسط الدخل الفردي.. ويكفي في هذا الصدد أن نقارن ظروف بلد عربي كالكويت بظروف بلد عربي آخر كاليمن، لنرى كيف أمكن في بلد كالكويت يتوفر له عنصر وفرة المواد دون عنصر حيازة الفنون الإنتاجية، أن يقوم نظام للحكم يعتمد على مؤسسات منتخبة، وتمارس فيه درجه معقولة من الحرية، ويشارك فيه الأفراد –مشاركة نسبية بطبيعة الحال– في كل من السلطة السياسية والثروة.. إن من الخطأ تفسير قيام التجربة الديمقراطية في الكويت بتوفر الرخاء الاقتصادي وحده، إذ لو صح ذلك لقامت تجارب مماثلة في سائر الأقطار النفطية المحيطة بها، ولكن من المؤكد –فيما نعتقد– أن غياب “المشكلة الاقتصادية والاجتماعية الحادة” كان –على أقل تقدير– عنصرًا مهمًا من العناصر التي مكنت من قيام تلك التجربة واستمرارها..

كذلك يربط الباحث ربطا لا نشاركه فيه بين ظاهرة التمزق القومي، وظاهرة عدم الوعي بمفهوم الدولة، وإن كنا لا نعرف على وجه التحديد ما يقصده بغياب الوعي بمفهوم الدولة.. فالتمزق القومي في خصوص “الأمة العربية” إن أُريد به تقسيم الشعب العربي إلى شعوب قطرية على رأسها حكومات قطرية، فنحن معه في أن الوجود الاستعماري قد كان عنصرًا مهما من عناصره ومحركًا نشطًا من محركاته.. ولكن المسألة –فيما نرى– أشد تعقيدًا من ذلك.. وهي ترتبط –في تقديرنا– بمسألتين أخريين:

الأولى: مدى قوة “الشعور القومي” والإحساس بالانتماء المتبادل بين أبناء الأمة العربية.. وما يخضع له هذا الشعور من مد وجزر وهبوط شديدين، وهي مقولة لا يتسع لبسط القول فيها.

الثانية: أن وجود “الشعور القومي”، أو تحقيق “الانتماء القومي” كواقعة تاريخية وحضارية، لا يعنى بالضرورة التوجيه إلى الحركة السياسية الوحدوية.. إننا هنا نميل إلى الفصل بين وجود القومية كحقيقة تاريخية، وبين “التوحد القومي” كاختيار سياسي متمي… كما نؤكد على وجود صور متعددة “للتوحد” القومي، أهمها وجود مشروع حضاري وتنموي ذو أبعاد قومية، ولو قامت على تنفيذه كيانات سياسية مستقلة بالمفهوم الدستوري والقانوني.

أما الذي يسميه الباحث “عدم الوعي بمفهوم الدولة ” فهو –في خصوص الوطن العربي– يتصل بظاهرة أخرى، هي حداثة قيام الدولة نسبيًا، واستمرار المفاهيم القبلية والأسرية في عدد من الأقطار العربية، كما يتصل بظاهرة انتشار الحكم الفردي، الذي تختلط فيه شخصية الحاكم بشخصية الدولة وهو ما سنعود إلى بيان رأينا فيه.

أما التصنيفات الأخرى التي عرضها الباحث وهي تقسيم أنظمة الحكم العربية إلى أنظمة ملكية وأخرى جمهورية، وأنظمة تقدمية وأخرى محافظة، وأنظمة تأخذ بتعدد الأحزاب وأخرى تأخذ بنظام الحزب الواحد.. فلنا عليها ملاحظتان:

الأولى: تتعلق بقيمتها الحقيقية، إذ في تقديرنا أن هذه التقسيمات ليست أكثر من تقسيمات لفظية لا تعبر بحال عن الحقيقة السياسية القائمة.. فأكثر الأنظمة الجمهورية في الوطن العربي هي في حقيقتها أنظمة فردية مطلقة.. والحاكم يضمن فيها استمرار حكمه حتى نهاية حياته، كما يملك –من الناحية السياسية والدستورية- أن يختار خليفته.. ما لم تعصف بهذا الاختيار حقائق سياسية تتعلق بموازين القوى عند موته.. وهي حقائق يمكن أن يقوم مثلها تمامًا في ظل الأنظمة الملكية والوراثية.. وما قيل في هذا يقال عن واحدية الحزب وتعدد الأحزاب تعددًا ظاهريًا، وتضع مقاليد الأمر كله بين يديه، وبذلك لا تكون التعددية إلا شكلاً مفرغًا من مضمونه.. ولعل مما يلفت النظر في هذا المقام، أن النظامين اللذين نصا صراحة على منع نظام الحزب الواحد، أو على مبدأ تعدد الأحزاب هما نظامان ملكيان، النظام المغربي، والنظام الأردني.

الثانية: تتعلق بالأساس الذي اعتمده الباحث لتقسيم أنظمة الحكم إلى تقدمية وأخرى محافظة.. وفي تقديرنا –بادئ ذي بدء- أن هذا التصنيف في المصطلح الجاري والمتعارف عليه سياسيًا هو تصنيف “لتوجهات الأنظمة في الميادين السياسية والاجتماعية” وليس تصنيفًا “لنظام الحكم” نفسه.. فالأنظمة التقدمية هي التي تتبنى سياسات اجتماعية واقتصادية من شأنها تحريك المجتمع نحو إقرار مزيد من العدل الاجتماعي والإفساح للقوى الاجتماعية العاملة على تحقيق هذا العدل والانحياز في السياسة الخارجية إلى القوى الدولية التي تعبر عن الاتجاه نفسه أو تساعد القوى الداخلية على تحقيقه..

أما الأنظمة المحافظة فهي التي ترفض التغيير إبقاءً على علاقات اجتماعية قائمة على الاستغلال، والتي تنحاز داخليًا وخارجيًا للقوى العاملة على بقاء الحال على ما هو عليه في هذه الميادين..

أما مسألة “قابلية النظام للتطوير من داخله” فهي-فيما نرى- أمر متصل بديمقراطية النظام…، أو هي –على التحقيق- معيار ديمقراطيته.. ولعل ما أراد الباحث أن يؤكده ونوافقه عليه –أن الأنظمة الاشتراكية لا يصح أن توصف بالتقدمية إلا إذا اشتملت على عنصر “ديمقراطي” مؤداه إمكان تغيير النظام من داخله.. وتلك إضافة نتحمس لها، ومؤداها أن النظام قد يكون اشتراكيًا ويكون مع ذلك “محافظًا” لأنه لا يسمح بحدوث التطور من داخله.. فكأن الباحث “يتبني” بذلك مدلولاً “للتقدمية” مكونًا من عنصرين: أحدهما متعلق بالمضمون، والآخر متعلق “بالأسلوب”.. وهو اختيار ذاتي نوافق –من جانبنا- عليه..

إن ما تقدم جميعه خاص بالجزء الأول من دراسة الباحث، أما الجزء الثاني منها والخاص “بالسمات المشتركة بين أنظمة الحكم في البلدان العربية”.. فهو –في تقديرنا- أكثر أهمية وأولى بالتعقيب: ويجمع الباحث هذه السمات المشتركة في أمور أربعة هي: المباعدة بين النصوص الدستورية والواقع العملي وعدم رسوخ مفهوم الدولة، وغياب التعددية السياسية، وتقييد الإرادة السياسية نتيجة التبعية السياسية..   

ونحن من جانبنا لا نجادل في وجود هذه السمات في أكثر الأنظمة العربية.. ولكننا نذهب في تصويرها مذهبًا مختلفًا:

  1. نقطة الانطلاق الأولى عندنا أن نظم الحكم القائمة في البلاد العربية ليست ثمرة طبيعية من ثمرات التطور الحقيقي للحضارة العربية، وإنما هي نتاج مولدَّ، بعض عناصره محلية ذاتية، وبعضها الآخر مستنبت في البيئة العربية عن طريق الاستيراد المباشر من الحضارة الأوروبية… وقد تمّ هذا الاستيراد في الأغلب الأعم من الحالات نتيجة الإعجاب بما أنتجته أنظمة الحكم الغربية من ثمرات طيبة في بيئتها الأصلية، فاستقر في ضمير النخبة الحاكمة والنخبة المثقفة على السواء، أن نظام الحكم “الليبرالي” القائم في الدول الأوروبية، بما يقرره من حق الاقتراع العام، وحماية حرية التعبير، والفصل بين سلطات ثلاث تتولى الحكم.. له فضل كبير في تحقيق النهضة الاجتماعية والاقتصادية.. واعتبرت معالم هذا النظام مكونًا أساسيًا من مكونات “التحديث” و”النهضة”.. توافقت على المناداة به سائر التيارات الإصلاحية، دينية كانت أم علمانية..

ولأن أكثر عناصر هذا النظام الدستوري كانت عناصر مستنبتة أو مستوردة من تجارب سياسية واجتماعية معبرة عن روح حضارة مختلفة.. فإن الضمير العربي لم يعن عناية كافية بفهم هذه العناصر، ولم يتفاعل معها تفاعلاً حقيقيًا، ولذلك لم نؤد في معظم الحالات وظائفها الحقيقية.. ولعل هذا أحد الأسباب الكامنة وراء المفارقة بين النصوص الدستورية والواقع العملي، التي يتحدث عنها الباحث.. إن من المُسَّلم به في الفقه الدستوري المقارن أن النصوص الدستورية لا تعبر عادة تعبيرًا كافيًا أو دقيقًا عن حقيقة النظام الدستوري القائم، وأن الظروف الموضوعية والتطورات المتعاقبة التي تمر بها الحياة السياسية والاجتماعية من شأنها أن تباعد قليلاً أو كثيرًا بين النصوص وبين واقع تطبيقها العملي.. ولهذا يتحدثون في الغرب عن المفارقة بين النصوص الدستورية، وما يسميه البعض الدستور الحي (The Living Constitution)([1])… ولكن الظاهرة في الوطن العربي تجاوز هذا كثيرًا.. وهذا التجاوز كما يرجع إلى الانفصال بين أنظمة الحكم وبين تطور مقومات الحضارات العربية، فإنه يرجع إلى ظاهرة عربية أخرى –يختص علماء الاجتماع وعلماء النفس بتفسيرها- وهي ظاهرة “اللفظية” في الحياة العربية وتصور إمكان حلول “الكلمة” محل “الفعل”.. وإقناع “الذات” والآخرين بإمكان هذا “الحلول”.. بمعنى أن الديمقراطية تتحقق في “التصور العربي” إذا تمّ صدور إعلان يقررها، وأن سيادة القانون تكتمل إذا نصت عليها “وثيقة” من الوثائق.. وهذا يفسر تراكم الوثائق والإعلانات في أعقاب “الكوارث” و”النكسات” و”الأزمات”.. كما يفسر حاله إدمان “الخطابة” من جانب بعض الزعامات والقيادات العربية على نحو لا مثيل له في العالم من حولنا ولا في التاريخ من قبلنا..

وبصورة لا يمكن إلا أن يكون تعبيرًا عن مرض مستفحل لدى تلك الزعامات يقابله مرض آخر لدى “المحكومين” يقبلون فيه “الكلمة” بديلاً عن الفعل.. وتسحرهم فيه “الخطبة” أو تُخدرهم إلى حين.. أن هذه الظاهرة العربية “الخاصة” مسؤولة عن تحول الوثائق الدستورية في كثير من الحالات إلى صكوك بغير رصيد.. وتَحَوّل كثيرٍ من المؤسسات القائمة إلى هياكل شبحية مجردة تمامًا من وظيفتها..

2- أما نقطة الانطلاق الثانية فهي أن “السلطة” في المجتمعات العربية لم “تتأسس” أبدًا على نحو كافٍ، بمعنى أن الحكام لا يزالون يتمتعون بقوة فعلية أكبر كثيرًا من “الأطر القانونية والنظامية” التي يعملون في ظلها.. بحيث أن القيود “القانونية” المفروضة على الحكام هي في الغالب قيود ذاتية يخلعونها عن أكتافهم كلما بدا لهم ذلك..

وتلك ظاهرة تحتاج إلى دراسة تفصيلية تحيط بأسبابها، كما تحيط بآثارها ومظاهرها.. وحسبنا أن نشير –مع ذلك إلى بعض الآثار المترتبة على هذه الحقيقة:

  • فمن أهم هذه الآثار أن شخص الحاكم متداخل في وعي جهاز السلطة، وفي وعي الجماهير بشخصية الدولة.. ولهذا فإن الولاء السياسية يظل –في المقام الأول- ولاء لشخص الحاكم الأعلى والخلاف مع شخص الحاكم الأعلى التي تطلق عليه كثير من الأنظمة اسم “القيادة السياسية”!! تجهيلاً لحقيقته وتلاعبًا بالألفاظ والمصطلحات في أمر لا يحتمل التلاعب، هذا الخلاف يصنف على أنه خلاف مع الدولة ونقص في الولاء لها..

ويزيد من خطر هذه الآثار ما تتمتع به السلطة التنفيذية في أكثر الأقطار العربية من نفوذ هائل قوي، يرجع بعض أسبابه إلى ملابسات تاريخية بالغة القدم.. كما تتصل بعض أسبابه بالحاضر أو الماضي القريب.. فأكثر “الرؤساء” أو “الزعماء” العرب ينتحلون لأنفسهم أوصافًا تتصل بالقيادة والزعامة، وما يصاحبها من إلهام وقدرات خاصة تصل إلى حد “القداسة” و”العصمة” والارتفاع فوق احتمالات الخطأ..([2]).

  • ومن آثارها أن الحكام يلازمهم الإحساس بعدم تمتعهم بشرعية حقيقية تؤمن استمرار حكمهم فليجؤون إلى أمرين.. أولهما، ملء المناصب ذات التأثير بأتباع وعملاء وأشخاص ذوي ولاء شخصي مباشر لهم يشكلون -في الغالب- حجابًا حاجزًا بينهم وبين الجماهير كما يشكلون أداة للفساد والإفساد.. نتيجة اضطرار الحكام إلى مواصلة العطاء لهم حفاظًا على ولائهم المشترى..

والأمر الثاني، إقامة أجهزة أمن وقمع متعددة ومتداخلة الاختصاص في معظم الأحيان، وثقيلة اليد على حريات وحقوق الأفراد والأقليات وقوى المعارضة السياسية والاجتماعية.. وهي ظاهرة تقف –بالضرورة- حاجزًا منيعًا في وجه الممارسة الديمقراطية الحقيقية، كما تفرض على المعارضة أن تلجأ إلى الوسائل الانقلابية للتعبير عن رأيها أو كسب الأنصار لمواقفها، أو محاولة التغيير السياسي والاجتماعي..

3- أما نقطة الانطلاق الثالثة، فترجع إلى أن الإرادة السياسية للأنظمة العربية لم تعد إرادة حرة، لا بسبب التبعية الاقتصادية فحسب، وهو عنصر ذكره الباحث ولا اعتراض لنا عليه.. وإنما بسبب تعاظم مصالح القوى الكبرى في الوطن العربي، ووجود قواتها العسكرية قريبًا من أراضي الأقطار العربية ومياهها، أو داخل هذه الأراضي والمياه.. إن هذه الدول الكبرى قد صارت لها مصالح محددة في استمرار أوضاع سياسية معينة، وفي تجنّب حدوث تغيرات سياسية واجتماعية أخرى داخل كل بلد عربي، وهي لا تتورع ولا تتردد كثيرًا في استخدام كل أسلحتها الإعلامية والاقتصادية والسياسية والعسكرية إذا اقتضى الأمر لتوجيه الأوضاع السياسية في الأقطار العربية الوجهة التي تخدم مصالحها.. ولقد كان عدم الانحياز “صيغة” دفاعية لجأ إليها الوطن العربي، أو بعض قياداته على الأقل لتقليل أثر هذا العنصر الأجنبي.. ولكننا صرنا اليوم في شك عظيم من إمكان تكرار هذه الصيغة على نحو يحقق الفاعلية نفسها.

تبقى لنا في نهاية هذا التعقيب ملاحظتان مهمتان:

الأولى: أن انتشار الحكم العسكري، أي الحكومات العسكرية في الوطن العربي، يشكل أحد مظاهر أزمة الديمقراطية فيها.. ولقد استند هذا الحكم عند قيامه إلى مبررات ثلاثة: الأول، بطء حركة المجتمع في اللحاق بالعالم المتقدم نتيجة عجز الحكم المدني، والثاني، مواجهة التحدي الصهيوني ذي الطابع العسكري، الثالث، مقاومة فساد الأحزاب والفئات السياسية المتصارعة. ولذلك كله ارتبط الحكم العسكري في الوطن العربي بنظام “الحزب الواحد” كمتمم طبيعي لمهمة الإصلاح الثوري السريع والحاسم، التي تصدي لها..

وقد كان من نتائج انتشار الحكم العسكري حدوث شرخ يتعسر إصلاحه في المسار الطبيعي للتطور الديمقراطي كما أن هذا الحكم العسكري قوّى التوجه القائم نحو “الواحدية السياسية”.. وحال دون نمو “التعددية الحقيقية” في الحياة السياسية والاجتماعية.. ولا يزال علينا أن ننتظر اكتمال مسار نمو النخبات السياسية المدنية التي تحاول استرداد مراكز المبادرة والتأثير في الحياة السياسية العربية من بقايا الأنظمة العسكرية التي تدثر أكثرها بشعارات أو بتنظيمات حزبية، يعلم القريب والبعيد أنها هي الأخرى ليست سوى منظمات شبحية تعبر عن إرادة فرد أو جماعة محدودة العدد وصلت في دفاعها عن مواقعها على قمة السلطة إلى طريق مسدود..

الثانية: أن انتشار الفكري الديني الشمولي ذي الطابع المحافظ، من شأنه أن يثير قلقًا إضافيًا حول مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي.. وذلك لأسباب ثلاثة: الأول، أن الفكر الديني –بصفة عامة- فكر شديد الالتزام، قليل الاستعداد لقبول التعددية، وشديد الميل إلى التصنيفات الحدية، وسريع الانتقال من التكفير العقائدي إلى التكفير السياسي.. الثاني، أن التيارات الدينية الغالبة في وطننا العربي تمثل موجة غضب وخوف على الذات، أكثر من تمثيلها موجة انبعاث واعٍ وتنوير حضاري.. وفي إطار الغضب يصعب تصور “التسامح” بصفة عامة، كما يخشى من انتشار الطائفية واضطهاد الأقلية… الثالث، أن التجربة السياسية لأكثر ممثلي التيارات الدينية تجربة محدودة.. وأعضاء تلك التيارات يشتركون مع سائر المواطنين العرب في نقص التربية السياسية ونقص “الوعي” بالحرية كقيمة إنسانية أساسية، بغيرها تهدد عشرات من القيم المتوقفة عليها…

إن الأثر النهائي لانتشار المد الإسلامي، على مستقبل الديمقراطية رهن –فيما نرى- بمصير الصراع داخل التيار الديني بين الروافد المحافظة الغاضبة وغير العقلانية.. وبين الرافد الذي تلوح لنا بعض بشائره والذي يتمتع بإدراك عميق لجذرية المنهج العقلي في التصور الإسلامي.. وإدراك عميق أخير لجذرية “الحرية” كشرط للفضيلة وللمسؤولية.. وتلك قضية تحتاج –بدورها- إلى بحث مستقل، ولكنها -وهذا هو الأهم- تحتاج إلى جهد ثقافي وسياسي لترشيد مسار الوعي الديني المتعاظم.


* نُشر هذا البحث وتعقيب د. كمال أبو المجد عليه في: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، د. سعد الدين إبراهيم وآخرون، ط3، مايو 2002م، ص355- 370، 381- 388.

(1) في الولايات المتحدة على سبيل المثال غيَّر التطبيق العملي كثيرًا من الأوضاع والاختصاصات المبينة في نصوص الدستور الاتحادي، ولذلك وجدنا فقهيًا دستوريًا، مثل برنارد شوارتز، يضع كتابًا عن الدستور الأمريكي يقسمه إلى قسمين، يتحدث في أولهما عن النظام الدستوري كما يُستخلص من النصوص، ثم يتحدث في القسم الثاني في عدة فصول مقابلة لفصول القسم الأول عن التطورات الكثيرة التي طرأت في العمل على مدلول النصوص الدستورية.. وفي خصوص نظام رئاسة الجمهورية نرى باحثًا مثل هيغز (E.J.Hughes) ينشر عام 1972 مؤلفًا بعنوان: The Living Presidency، يستعرض فيه خصائص نظام الرئاسة كما تحددت في العمل.

(2) قارن هذا -على سبيل المثال المجرد- بما ذهبت إليه المحكمة العليا الأمريكية عام 1952 من رفض التسليم لرئيس الولايات المتحدة بحق تقرير استيلاء وزارة التجارة على مصانع الصلب وإدارتها في أعقاب إضراب عمالي واسع النطاق تقرر البدء فيه والدولة متورطة في الحرب الكورية.. إذ حاول الرئيس الاستناد إلى سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة، وإلى مجموع سلطاته الدستورية فرفضت المحكمة هذا المنطق مقررة في حكم شهير لها أن الدستور قد جعل الرئيس قائدًا أعلى للقوات المسلحة ولكنه لم يجعل منه قائدًا أعلى للأمة، وأنه إذا سمح للرئيس بممارسة مثل هذا الاختصاص بعيدًا عن رقابة المحاكم لأصبح الرئيس وليس الدستور هو القانون الأعلى للبلاد.

بحث الدكتور يحيى الجمل “أنظمة الحكم في الوطن العربي” رابط مباشر

تعقيب الدكتور أحمد كمال أبو المجد رابط مباشر

– عام 1963م وضع المجتمع الدولي 13 صكاً قانونياً لمنع الأعمال الإرهابية تحت إشراف الأمم المتحدة.

– التعريفات الدولية للإرهاب لم تحسم بشكل واضح إشكالية عدوان الدول وارتكابها جرائم “إرهابية” ضد المدنيين.

– تعريفات الإرهاب في الشريعة الإسلامية ربطته بالاعتداء على المقاصد الخمسة الكلية للشريعة.

– تعريف الإرهاب في الشريعة الإسلامية أدخلت فيه جرائم الدول ضد الأفراد الأبرياء.

– كلام ابن تيمية عن الإرهاب يصلح أن يكون منطلقاً لتوحيد مفهوم الإرهاب عالمياً.

– لحل إشكاليات مفهوم الإرهاب يجب الاتفاق على عناصر محددة لما يعد إرهاباً من عدمه.

أصبح الإرهاب –شئنا أم أبينا- اللفظ الأبرز والأشهر دولياً منذ عدة عقود، فلا يكاد يمر يوم دون أن تحدث عملية أو جريمة ما توصم بأنها إرهابية، وغالباً ما يتم الربط بينها وبين الإسلام تحديداً، والذي يجري تصديره على نطاق واسع على أنه دين “إرهابي” أو على الأقل سند للإرهابيين وعقيدة لهم!

والواقع أن الغرض من هذا المقال لن يكون مناقشة تلك الادعاءات التي ترى أن الإرهاب إسلامي بالضرورة، ولكنه سيحاول أن يبحث في مفهوم الإرهاب نفسه من منظور القانون الدولي، ثم يعرض هذا المفهوم على مرجعية الشريعة الإسلامية لنتلمس موقفها من ذلك المفهوم لفظاً ومضموناً؛ بهدف طرح بعض الأفكار التي قد تساعد على ضبط هذا المفهوم بما يساعد على الوعي بظاهرة الإرهاب وبسبل تحجيمها عالمياً على أسس واقعية غير متحيزة أو مسيسة.

مفهوم الإرهاب من منظور القانون الدولي:

ظهر مفهوم الإرهاب أول ما ظهر في ملحق الأكاديمية الفرنسية عام 1798م حين وصم بالإرهاب حكومة الثورة الفرنسية التي كانت ترهب الشعب، وبخاصة الملكيين، وكلمة Terreur الفرنسية أصلها لاتيني ومشتقة من الفعلين اللاتينيين: Tersere، وTerrere، ويعنيان: جعله يرتعب ويرتجف، والاسم لهما terror وTerroris، ومنهما جاء الاسم الفرنسي Terreur؛ ومعناه اللغوي: رعب وخوف شديد، اضطراب تحدثه في النفس صورة شر حاضر أو خطر قريب، وأول عملية وُصفت بالإرهابية في العصور الحديثة كانت محاولة اغتيال “نابليون بونابرت” عام 1800م (د. عبد الله بن بيه، الإرهاب: التشخيص والحلول، ص17).

وجاء أول تعريف لمفهوم الإرهاب على المستوى الدولي عام 1937م عبر عصبة الأمم، التي عرفته بأنه: “عمل إجرامي، يهدف إلى إثارة الرعب والخوف، موجَّه لأشخاص معينين أو لمجموعة من الأشخاص، أو للعموم”، بينما اقترحت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريفه بأنه: “كافة الأفعال الإجرامية ضد دولة من الدول التي من شأنها بحكم طبيعتها أو هدفها إثارة الرعب في نفوس شخصيات معينة أو جماعات من الأشخاص أو في نفوس العامة”، ثم عادت الجمعية عام 1999م وأطلقت مفهوم الإرهاب على الأعمال الإجرامية التي من شأنها إثارة الرعب في نفوس العامة أو مجموعة من الأشخاص لأغراض سياسية غير مبررة، تحت أي ظرف، ومهما كانت طبيعة الاعتبارات السياسية أو الفلسفية أو الأيدولوجية أو الراديكالية أو العرقية أو الدينية أو أي اعتبارات أخرى تستغل لتبريرها.

وبدءاً من عام 1963م، وضع المجتمع الدولي 13صكاً قانونياً لمنع الأعمال الإرهابية، أُعدت تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تناولت فقط بعض الجرائم الإرهابية كالاعتداء على الطائرات والمطارات والموظفين الدوليين والرهائن.. وذلك دون أن تعتمد أياً من تلك الاتفاقات والبروتوكولات تعريفاً موحداً لمفهوم الإرهاب، وهو أمر نأمل أن تتداركه الأمم المتحدة في الاتفاقية الدولية الرابعة عشرة التي تتفاوض حولها حالياً الدول الأعضاء، والتي يراد لها أن تكون اتفاقية شاملة بشأن الإرهاب الدولي تكمل الإطار القائم الذي تمثله الصكوك الدولية المناهضة للإرهاب (انظر: الصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب، تقرير منشور على موقع: الأمم المتحدة في مواجهة الإرهاب).

ولم تقتصر محاولات تعريف الإرهاب على المنظمات الدولية وحدها، بل امتدت إلى الاتحادات الإقليمية وإلى الدول في تشريعاتها الداخلية كذلك، فمثلاً عرَّف الاتحاد الأوروبي الإرهاب بأنه: “هو العمل الذي يؤدي لترويع المواطنين بشكل خطير، أو يسعى إلى زعزعة استقرار أو تقويض المؤسسات السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لإحدى الدول، أو المنظمات، مثل الهجمات ضد حياة الأفراد أو الهجمات ضد السلامة الجسدية للأفراد، أو اختطاف واحتجاز الرهائن، أو إحداث أضرار كبيرة بالمؤسسات الحكومية، أو اختطاف الطائرات والسفن ووسائل النقل الأخرى، أو تصنيع أو حيازة المواد أو الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، أو إدارة جماعة إرهابية، أو المشاركة في أنشطة جماعة إرهابية”.

كما عرفت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب عام 1998م الإرهاب بأنه: “كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به مهما كانت بواعثه وأغراضه، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو إلحاق الأذى بهم، أو تعريض حياتهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”.

أما على مستوى الدول – منفردة – فلقد عرفت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا – على سبيل المثال – الإرهاب بأنه: “الاستخدام المدروس للعنف، أو التهديد بالعنف لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية في طبيعتها.. من خلال الترهيب والإكراه أو بث الخوف”.

وعلى هذا النحو جاءت الكثير من التعريفات الدولية للإرهاب، ومعظمها تركز على توافر عنصر التخويف وإثارة الرعب عبر التهديد بالعنف أو استخدامه بالفعل ضد أفراد أو مؤسسات أو دول.. لتحقيق أغراض أو أهداف معينة، بغض النظر على مدى شرعية تلك الأهداف من عدمه، فالتركيز الآن هو على السلوك الإجرامي بغض النظر عن الغاية منه، وهو ما أوجد لبساً بشأن ما تسمى بحركات التحرر الوطني، وقد يتصادم مع حق تقرير المصير الذي يستوجب أحياناً استخدام القوة المشروعة لأجل التحرير، ولمقاومة الاحتلال، وهو أمر حاولت المنظمات الدولية تداركه بالاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وباعتبار المساهمين في عمليات التحرير الوطني محاربين لا إرهابيين، إلا أنها لم تفلح تماماً في منع الخلط بين الإرهاب والمقاومة، وذلك نتيجة لضغوط من بعض الدول الكبرى التي تمثل الجانب المعتدي الذي تقاوم الدول الصغرى اعتداءاته.

ويلاحظ على التعريفات الدولية للإرهاب كذلك أنها لم تحسم بشكل واضح إشكالية عدوان الدول وارتكابها جرائم “إرهابية” ضد المدنيين الأبرياء، بصورة أفظع من تلك التي يرتكبها أفراد أو جماعات منظمة في غالب الأحيان، مثل ضرب مدينتي هيروشيما ونجازاكي بالسلاح النووي على سبيل المثال، وهو أمر بدوره يكشف مدى الخلل في التنظيم الدولي العالمي الذي يتحكم فيه الأقوياء في تحديد ما يعد إرهابياً وما لا يعد كذلك وفق مصالحها التي كثيراً ما تتناقض مع القانون الدولي نفسه، ناهيك عن أبسط القيم الإنسانية!

ولذلك كتب المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” مقرراً – بحق – من أن مشكلة تعريف الإرهاب في أن كثيراً من الدول لا تبحث عن تعريف شامل للإرهاب، بل أقصى ما يشغلها هو التساؤل عن تعريف للإرهاب يستبعدها منه. (انظر كتابه بالمشاركة مع “جلبير الأشقر”: كيف تستبعد نفسك؟ السلطان الخطير- السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، دار الساقي، ص11).

والحقيقة أن هذا الأمر الذي ذكره “تشومسكي” يحتاج إلى تفسير أعمق يتعلق بمفهوم الأخلاق نفسه في الفكر الغربي الذي ينبني على العقلانية، والتي تتحدد هي الأخرى في الحصول على المنفعة المادية وتحاشي الألم؛ مما أدى إلى نسبية وهلامية وسيولة أخلاقية تمنع كثيراً من الثبات على مبادئ وقيم محددة، باعتبار أن الإنسان كائن “هوائي” في حاجة دوماً إلى أن تحكمه مرجعية مفارقة ملزمة، وهو الأمر الذي توفره بالتأكيد الشريعة الإسلامية، مقاصد وقيم وأحكام، على ما سنرى حالاً بإيجاز. 

مفهوم الإرهاب في الشريعة الإسلامية:

الإرهاب لغة يرجع إلى لفظ رهبه رهباً ورهبة ورُهباً بمعنى: خافه، ويقال: أرهب فلاناً خوَّفه وفزَّعه، و”الإرهابيون” وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية (المعجم الوسيط، مادة “رهب”، وجاء لفظ الإرهاب في كثير من المعاجم العربية بالمعنى ذاته؛ أي: الإخافة والتفزيع).

وقد وردت مشتقات لفظ “الإرهاب” – لا اللفظ نفسه – في القرآن الكريم في اثني عشر موضعاً أكثرها يتعلق بالخوف والرهبة من الباري جلت قدرته، أو ردع المعتدين مثلما ورد في قوله تعالى: )وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {60}) (الأنفال).

وأما اصطلاحاً فلم يرد لفظ الإرهاب بمعانيه المعاصرة التي أشرنا إليها من قبل، وإنما عبرت عنه مصطلحات أخرى حين تناولت جرائم مماثلة تماماً لتلك الموصومة بالإرهابية حالياً، بعضها يعاقب بالحدود المقررة شرعاً، وبعضها الآخر يعاقب تعزيراً، مثل جرائم الحرابة، والبغي، والإفساد في الأرض.. وغيرها من الجرائم التي تمت معالجتها بتوسع وتفصيل في كتب الفقه الإسلامي المختلفة، قديماً وحديثاً.

ولقد أدى شيوع مفهوم “الإرهاب” – على ما يبدو – إلى تبنيه من قبل العديد من المؤسسات الإسلامية، ومنها المجمع الفقهي الإسلامي الذي عرف الإرهاب – في دورة المجمع السادسة عشرة – بأنه: “عدوان يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغياً على الإنسان (دينه، ودمه، وعقله، وماله، وعرضه)، ويشمل صنوف التخويف والأذى، والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو حريتهم، أو أمنهم أو أحوالهم للخطر، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة، أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة أو تعريض أحد الموارد الوطنية، أو الطبيعية للخطر، فكل هذا من صور الفساد في الأرض التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها”.

كما عرّف مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف “الإرهاب” – في بيان له – بأنه: “ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية بغياً وإفساداً في الأرض”.

والمتأمل في هذين التعريفين يجد أنهما أقرا المعنى السلبي للفظ “الإرهاب” في اللغة العربية وهو “إثارة الفزع والترويع”، دون أن يقفا عند معناه الإيجابي “الردع”، وهو اختيار محمود باعتباره يراعي السياق والمقاصد والأدوات التي يستخدم في ظلها ذلك المفهوم، وإن كان الأولى بالطبع هو اعتماد لفظ آخر لا يثير اللبس في تحريمه؛ مثل الترويع.

ويحمد لهذين التعريفين كذلك تأكيدهما على كون الجرائم الإرهابية تمثل اعتداء على المقاصد الخمسة الكلية للشريعة الإسلامية (وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض)، لما يؤدي إليه ذلك من استبعاد الأفعال التي لا تمثل عدواناً بل دفاعاً عن تلك المقاصد، مثل الجهاد ومقاومة الاحتلال على سبيل المثال.

كما أن التعريفين المذكورين استخدما ألفاظاً لا تدع مجالاً لاستثناء جرائم الدول في حق الأبرياء من الوقوع تحت مفهوم الإرهاب، بل نص التعريف الأول صراحة على ذلك، بينما ركز التعريف الثاني على السلوك الإرهابي نفسه؛ مما يعني ضمنياً التأكيد على إرهاب كل من يرتكب ذلك السلوك سواء كان دولة أو جماعة أو فرداً.

ويلاحظ أن التعريفين استخدما تعبيرين مختلفين عن محل الاعتداء الإرهابي المُجَرَّم، فالتعريف الأول جعل الإنسان (مطلق الإنسان) هو محل العدوان، بينما التعريف الثاني استخدم لفظ “الآمنين” تعبيراً عن هذا المحل، والواقع أنه لا يوجد فارق حقيقي بين الاتجاهين، باعتبار أن الفعل لن يُعدَّ إرهاباً إلا إذا مثل اعتداء غير مشروع على الإنسان الآمن، وهو مفهوم يقترب في معناه من لفظ “المدني البريء” الذي يحرم قانوناً ارتكاب العنف ضده أو التهديد به والتخويف منه، فضلاً عن أنه ينهى عما حرمه الإسلام تحريماً قاطعاً من استهداف “غير المقاتلين” سواء بقتلهم، أو بالتمثيل بهم، أو بالثأر منهم، أو بتخريب قراهم ومدنهم، أو قتل دوابهم، وقطع أشجارهم، أو غير ذلك من صور الاعتداء الأخرى.

يقول الإمام ابن تيمية: “وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله” (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار المعرفة، ج 1، ص 104-105).

وهو أمر يحتاج إلى التوقف عنده قليلاً باعتباره من الممكن أن يسهم في توحيد مفهوم الإرهاب عالمياً.

نحو مفهوم عالمي موحد للإرهاب:

رأينا مما سبق أن مفهوم الإرهاب يعاني من إشكاليات عدة، بل هو نفسه قد وقع ضحية للإرهاب، إرهاب المستغلين له لتحقيق مآرب سياسية ولو على حساب ضحايا العمليات الإرهابية من الأبرياء، الذين يجري الاعتداء عليهم بغير حق من دول وجماعات وأفراد كل منهم يتهم الآخر بالإرهاب!

كما لمسنا كيف تأثر مفهوم الإرهاب بالأزمة الأخلاقية التي يعاني منها العالم، والتي تمثلت في نسبية هذه الأخلاق وسيولتها بما يمكن منها من يتلاعبون بها وبقيمها لحسابهم، فباتوا يحجمون عن الاتفاق على مفهوم موحد للإرهاب خشية أن يقعوا تحت طائلته، فلم يميزوا حتى بين الدفاع عن الإنسان والاعتداء عليه، وانشغلوا فقط باستبعاد أنفسهم وحماية مواطنيهم من دون بقية الناس.

لأجل ذلك فإنه لم يعد هناك من سبيل لحل إشكاليات مفهوم الإرهاب إلا عبر الاتفاق على عناصر محددة لما يعد إرهاباً من عدمه، وأرى أن العنصر الرئيس دوماً أن يكون الاعتداء – فعلاً أو تهديداً – موجهاً إلى المدنيين الأبرياء (أي من غير أهل الممانعة والمقاتلة على حد تعبير الإمام ابن تيمية سالف الذكر) لتحقيق أهداف معينة، سواء كانت تلك الأهداف مشروعة أو غير مشروعة؛ فالاعتبار ينبغي أن يتوجه دوماً لحماية الإنسان وقيمه ومبادئه الأساسية، ومن ثم تحريم كل فعل يستهين به وبنفسه وعرضه وكرامته ومعتقده وماله وعقله، سواء كان الفاعل فرداً أو جماعة أو دولة، وهذا ما يدعو إليه الإسلام دوماً الذي حان الوقت للاعتراف الدولي لا ببراءته من الإرهاب، بل بأهمية ثوابته في الحماية من الإرهاب ومن الانحرافات الأخلاقية غير الإنسانية بصفة عامة، وخاصة تلك التي تفرق بين إنسان وآخر في الحقوق الأساسية التي تشمل الجميع.

 

نُشر في مجلة المجتمع الكويتية في العدد رقم (2110) لعام 2017

رابط المقال من الموقع الإلكتروني للمجلة