أصدرت الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت “قاموس مصطلحات الوقف”، في أربعة أجزاء، صدر الجزء الأول منها عام 2017، بينما صدر الجزء الرابع عام 2022، وجاري العمل على إصدار الجزء الخامس والأخير.

وفيما يلي مقدمة فريق العمل للجزء الرابع، ننشرها كاملة لأهميتها:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فالإسلام بشريعته السامية، ومبادئه الخالدة، قد عالج ما حوله من مشاكل بحلول علمية عملية، ونظم تشريعية، ليحقق العيش الأكرم، والمستقبل الأفضل، من خلال قضائه على مشاكل الأمم من الفقر والجهل والمرض والبطالة، بوسائل إيجابية متكاملة، بما يحقق للفرد سعادته، وللأسرة كفايتها، وللمجتمع سلامته، وللدولة ولايتها، بالعدل الشامل الداعي إلى الألفة، والباعث على الطاعة، بما تعمر به الأرض، وتثمر به الأموال.
ولما كان الوقف من أجلِّ أبواب القرَب الكثيرة الثواب، النافعة لصاحبها يوم المرجع والمآب، فقد عُدَّ من أعظم مسالك البر وأنفعها، فكم شيّد من مساجد ورُبط ومعاهد، وأنار من بيوت ومشافٍ، للأفراد والجماعات.
ومن المباحث الجليلة المتعلقة بمسائل الأوقاف، معرفة المصطلحات التي استخدمت في الكتب والمصنفات، وشرح ألفاظ الواقفين، والتي تختلف أحكامها، وتكثر فيها شكوك الناس وأوهامهم، فكثرت التآليف، واتسعت التصانيف، واشتغل بأحكام الوقف المتقدمون، وجاء كل منهم في عمله بما يقر العيون، ويزيل الشجون، والحمد لله الذي جعل الخير موصولاً في هذه الأمة إلى يوم الدين.
وتعدّ التعريفات وشروح المصطلحات المدخلَ الرئيس لأي بحث في أيٍّ من مجالات المعرفة، وقد يتباين المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الذي يمكن استخراجه من كتب اللغة، فكانت الحاجة ماسة إلى قاموس يضم مصطلحات الوقف، لتتم معرفة المعنى الاصطلاحي المراد، فيوفّر على الباحثين والمهتمين بعلوم الوقف مرجعاً موحداً في معرفة مصطلحات الوقف، يتوفّر من خلال هذا القاموس المعنى اللغوي ابتداء، ثم الاصطلاحي، فالاقتصادي، فالقانوني.
ولتحقيق أكبر فائدة ممكنة من هذا القاموس، ولكون علم الوقف غير مقتصر على علوم الفقه، ولأن الباحثين في مجالات الوقف ليسوا فقط من المتخصصين في المجالات الشرعية والدينية فحسب، بل في كافة التخصصات وشتى المجالات، ويشهد على ذلك رسائل الماجستير والدكتوراه في الوقف من ذوي الاختصاصات العلمية، كالطب والهندسة والعمارة وغيرها، ومن ذوي الاختصاصات الاجتماعية، كالسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع وسواها، ليس ذلك فحسب، بل إن البحث في هذه الموضوعات لم يقتصر على العرب والمسلمين، بل امتد الاهتمام به لغيرهم من مختلف الجنسيات والديانات؛ لكل ذلك كان لزاماً علينا عدم قصر مجال القاموس وتضييق الاستفادة منه بذكر المصطلحات الشرعية، بل امتد ليغطي اهتمامات وموضوعات مختلف الباحثين في مجالات هذا الاختصاص المتشعب الجوانب والصلات حتى تتم الفائدة، وحتى يكون للباحث في مجال الوقف والعمل الخيري (أياً كان اختصاصه) معجم واحد يعتمد عليه، ويسهل له الوصول إلى كافة المعاني الممكنة التي ترِد عليه أثناء اطلاعه، ويوفر عليه الوقت والجهد، بدلاً من التنقل بين العديد من المعاجم والقواميس وغيرها من المصادر، والتي قد لا تفي بالغرض في بعض الأحيان.
لذا فإن عملية تحديد المصطلحات واستقاء معانيها – وفق المنهجية الموضوعة للقاموس – تعتمد على مجموعة ضخمة من المصادر والمراجع، لا تشمل المعاجم والقواميس فحسب، بل تعتمد في المقام الأول على أدبيات الأوقاف باختلاف أشكالها، مع التركيز على الحجج والوثائق الوقفية، باعتبارها المصدر الأهم والأساس للمصطلحات، باختلاف استخدامها الزماني والمكاني، خاصة وأن هذه النوعية من المصادر تشتمل على الكثير من المصطلحات الغريبة الاستعمال لدينا، والكثير منها لا يبدو له علاقة بالوقف للوهلة الأولى، فمنها ما هو محلي، ومنها ما هو عامي، ومنها ما اقتصر استخدامه على معنى بعينه، في مكان معيّن، وزمن محدد.
وقد وضع في الاعتبار عند التغطية أن كثيراً مما وقف عدم فهم المصطلحات الواردة ببعض الوثائق، حائلاً دون فهم فحوى الوثيقة برمتها، وعلى سبيل المثال: فإن الباحث من خارج منطقة الخليج إذا تناول حجة وقف كويتية لدراستها، ووجد أن ما تم وقفه بالحجة هو: “حظرة” مثلاً، فلا سبيل له لمعرفة معنى هذه الكلمة، لعدم وجودها في معظم المعاجم اللغوية، وبالتالي فلن يتمكن الباحث من معرفة موضوع الوثيقة أو فحواها بالكامل، لأن المصطلح يعبر عن الشيء الموقوف، والذي يمثل أساس الحجة، وأحد أهم أركانها، لذا كانت شمولية التغطية – قدر المستطاع – هدفاً أساسياً لإثراء القاموس، ومن ثم نجاح المشروع في تحقيق الأهداف التي وضعت من أجله.
إلا أن ذلك لا يعني شمولية هذا القاموس لكافة مصطلحات المجال، لعدم توفّر شروح بعض المصطلحات، فيتم إغفالها، أو لعدم وضع فريق العمل يده على كافة المصطلحات، خاصة وأن الحجج الوقفية – التي هي أهم أدبيات الأوقاف التي تحتاج إلى شرح ما فيها من مصطلحات – تختلف من زمان لآخر، ومن مكان لآخر، وأن تغطيتها والإحاطة بها أمر شبه مستحيل تحقيقه، فالكمال لله وحده، وكم ترك الأولون للآخرين.
 وهذا المشروع الذي يهتم بجمع وتعريف المصطلحات المتعلقة بمجالات الوقف والعمل الخيري في نسخته التجريبية، يمثل دوراً كبيراً للأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، لتسهيل كل صعب، وتقريب كل بعيد، وتوضيح كل مشكل في المصطلحات المتعلقة بالوقف والتعريف بها.
وقد قامت الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت بتشكيل فريق من ذوي الاختصاصات (اللغوية، والشرعية، والاقتصادية، والقانونية، والمكتبية، والمعلوماتية) للقيام بهذه المهمة، والتي رأت إخراج هذا القاموس في نسخة تجريبية في جزأين، يحتوي الجزء الأول على حرف الألف فقط، ويحتوي الجزء الثاني على حروف الباء والتاء والثاء، من أجل إعطاء فرصة للمختصين بإبداء الرأي والملحوظات حول هذا الإصدار، مما سيتم استدراكه لاحقاً في الحروف الباقية، إلى أن يتم الإصدار النهائي للقاموس.
 
الأهداف:
1-التعريف بالمصطلحات المتعلقة بالوقف والعمل الخيري.
2-إيجاد أداة مرجعية تحصر المصطلحات المتعلقة بعلوم الوقف والعمل الخيري، وتقديم معانيها المستعملة في المجال.
3-استكمال منظومة التعبير اللفظي مع مكنز علوم الوقف([1]).
4-مساعدة الباحثين في مجال الوقف والعمل الخيري على إعداد بحوثهم وأعمالهم دون مشقة، مع الحفاظ على الأسلوب العلمي في تناول المصطلحات.
5-  مساعدة الباحثين في المجالات البحثية الأخرى غير الوقف، ممن يعتمدون على الحجج الوقفية كمصادر أساسية للدراسة في أبحاثهم ودراساتهم.
6- مساعدة الهيئات القضائية والقانوينة (وكذلك الأفراد) على فهم المفردات الغريبة الواردة في الوثائق الوقفية التي تعُرض على القضاء. وكذلك النظار القائمين على الأوقاف القديمة منها والحديث.
7- توثيق وتثبيت معاني المصطلحات المتداولة في الماضي والحاضر، لإفادة الأجيال القادمة عند اندثار استخدام أي من هذه المصطلحات.
8- المساهمة في تحقيق الأهداف المناطة بدولة الكويت – ممثلة في الأمانة العامة للأوقاف – لكونها دولةً منسقة لملف العمل الوقفي بين الدول الإسلامية.
 
الصعوبات:
1- تناثر المصطلحات في مؤلفات كثيرة وعلوم مختلفة، مما لها صلة بالوقف أو العمل الخيري.
2- اختلاف استعمال الألفاظ والمعاني بحسب الزمان والمكان.
3-صعوبة تفسير مصطلحات الواقفين في الحجج الوقفية، لاختلاف الأعراف.
4-              ظهور ألفاظ معاصرة في أدبيات الوقف، بحاجة إلى تأصيل وتفسير.
5-              وجود مصطلحات دون تعريفات علمية لها، أو وجود التعريفات في غير مظانّها المناسبة، كوجود معنى اقتصادي في مصدر أو مرجع قانوني.
6-تنوع المعنى الاصطلاحي من شرعي إلى تاريخي ومعماري وعرفي.
7-ندرة المختصين في المجال الوقفي.
 
المنهج:
1- ذكر المصطلحات حسب ما هو متداول في أدبيات الوقف([2]) والعمل الخيري والاستعمال اللفظي، لا بحسب جذر المصطلح.
2- استخراج التعريفات من مصادرها ومراجعها التراثية والمعاصرة، وتقع المسؤولية العلمية على عاتق المصدر أو المرجع المنقول منه طالما حافظنا على العزو.
3-  حقائق المصطلحات يمكن أن تكون بالحدّ، أو بالرسم، أو بالمثال.
4-ذكر التعريف اللغوي، ثم الاصطلاحي فالاقتصادي فالقانوني إن وُجدوا.
5- المصطلح (أو الجزء منه) والذي لا أصل له في لغة العرب لكونه فارسياً أو تركياً أو معرّباً أو مصطلحاً مهنياً، إن وجدنا له معاني في المعاجم اللغوية ذكرناها مع أصل المادة اللغوية إذا توفّرت، وإن لم نجد له معنى ذكرنا عبارة “لم نجد له أصلاً في اللغة”.
6-              وضع المعاني اللغوية – وإن تباينت – متتالية دون الفصل بينها.
7-              في حال توافق المعنى الاصطلاحي مع أحد المعاني اللغوية، يشار في “اصطلاحاً” بعبارة “المعنى السابق الوارد في اللغة” في بداية التعريفات، وإذا لم يخرج المعنى الاصطلاحي عن اللغوي يكتفى بالإشارة إلى ذلك بعبارة “لا يخرج عن المعنى اللغوي”، أما في حال وجود تعريف اصطلاحي أشمل من التعريف اللغوي أو أوضح، أو كان مشتملاً على فائدة، ذكرناه في الاصطلاح.
8-عند ورود لفظ سبق شرحه لغوياً ضمن مصطلح سابق، تتم الإحالة إلى السابق باستخدام عبارة “تقدم تعريفه …”.
9- يعاد ذكر التعريف اللغوي للمصطلح الذي تقدم تعريفه في مصطلح سابق في الحالات التالية:
‌أ.  وجود عبارة “لا يخرج عن المعنى اللغوي”.
‌ب. وجود عبارة “المعنى السابق الوارد في اللغة”.
‌ج.  إذا كان التعريف اللغوي السابق لا يخدم المصطلح الحالي واتضحت الحاجة لتقديم معان أخرى أو المزيد من التعريفات.
10- في حال وجود أكثر من معنى للمصطلح في المصادر أو المراجع -اللغوية أو الاصطلاحية أو الاقتصادية أو القانونية – يُختار ما يتعلق منها بمجالات الوقف، والعمل الخيري، والتطوعي، دون غيرها من المعاني.
11-التعريف الاصطلاحي يشمل المعنى الشرعي والمعماري والتاريخي والعرفي، كلٌّ في محِلِّه ومكانه، وغالباً ما يُذكر التعريف في عمومه ضمن أدبيات الوقف والعمل الخيري.
12-  ذكر المعاني إذا تباينت التعريفات في معانيها، رغبةً في تيسير فهم المعنى المراد من المصطلح من جهة، وفي اطلاع القارئ على أكثر من تعريف يرد لذلك المصطلح من جهة أخرى.
13- الاكتفاء بذكر تعريفٍ واحدٍ جامعٍ مانعٍ عند تشابه التعريفات من عدة مصادر، مع الإحالة عليها لاحقاً.
14-  سرد التعريفات من غير ترجيح بينها.
15- عدم الإشارة إلى المذاهب في تعريف المصطلحات إلا إذا استدعت الحاجة.
16-  مراعاة استعمال المصطلح بحسب زمانه ومكانه إذا احتيج لذلك.
17- لا يقتصر القاموس على الألفاظ الفصحى، وإنما يدرج الألفاظ العامية أيضاً ذات الصلة بالموضوع لأهميتها، وأهمية تقديم معانيها.
18- اعتماد صيغة المصدر المفرد في المصطلحات في الغالب الأعم، إلا إذا اشتهرت صيغة الجمع، أو اختلف المعنيان بين المفرد والجمع، فيذكران جميعاً.
19-  في حال تغاير معنى صيغة المفرد عن الجمع، يشار إلى كلٍّ منهما في موضعه ( مصطلح أوقاف في حرف الهمزة، ومصطلح وقف في حرف الواو).
20-  عند وجود صيغ للجمع ضمن الاستخدام الاصطلاحي ولم نجدها في معاجم اللغة، ذكرناها في الاصطلاح، على سبيل المثال: “بنيقة” جمعها في اللغة “بنائق”، وفي الاصطلاح “بوانيق”.
21-عند اللزوم نضع بعد المصطلح – بين قوسين – ما يلزم من المرادفات، أو الصور الأخرى للهجاء (حروفاً أو ضبطاً)، أو المصطلحات الأخرى المشروحة تحت المصطلح، من مثل: ترست (استئمان أهلي – استئمان خيري – أمانة وقفية – أمانة مؤقتة – أمانة طويلة الأمد أو دائمة – اتحاد شركات – Trust)
22- تضاف لفظة “وقف” أو اشتقاقاتها إلى المصطلح في حال عدم استقامة المعنى إلا بأسبقية هذه اللفظة.
23- ضبط شكل ما يوهم الالتباس من الألفاظ والكلمات.
24-  ترتيب المصطلحات ألفبائياً، بحسب الحرف الأول، ثم الحرف الثاني.
25- إسقاط أل التعريف من المصطلحات في ترتيب المواد.
26-  اعتبار الألف الممدودة ألفين (آجام قبل أب).
27- اعتبار الهمزة حرفاً سابقاً للألف، سواء كانت على ألف أو واو أو ياء (ائتمان قبل آبدار).
28- اعتبار التاء المربوطة [ة] تاءً (إجارة قبل إجارتان).
29- اعتبار الحرف المشدد حرفاً واحداً، دون فكّ إدغامه.
30-  في المصطلحات المركبة من أكثر من لفظ واحد، يسبق الشق الأول وتوابعه المصطلحات التي تحتوي على الشق اللفظي باعتباره جزءاً منه ( بنو الأخياف تأتي قبل بنو الأعيان، وكلاهما يسبق البهرج).
31- بعد الانتهاء من كل مصطلح تذكر مراجعه في متن القاموس، بذكر عنوان المرجع فقط، إلا إذا التبس بغيره فيذكر اسم المؤلف للمرجع الأقل استعمالاً في القاموس.
32-  فهرس المراجع تذكر فيه جميع البيانات الببليوجرافية، مرتبة حسب اسم الكتاب، ثم اسم المؤلف، ثم بيانات الطبعة والناشر.
33-  تكتب الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع كتابة اسم السورة ورقم الآية بعدها.
34-  تخرّج الأحاديث النبوية من مظانّها، بذكر من خرّجها في كتب السنة النبوية.
35- تأجيل المصطلحات التي لم يتوفر تعريفات علمية مناسبة لها في المصادر المتاحة، إلى حين إصدار النسخة النهائية من القاموس.
36-  إرجاء ذكر المرادفات والإحالات إلى حين الانتهاء من القاموس كاملاً.
 
الخطوات:
1- الاطلاع على المجهودات السابقة للمشروع والإفادة منها، مع الإضافة عليها.
2- المسح الأولي لمكنز علوم الوقف، وأخذ المصطلحات منه، لاحتواء المكنز على العديد من مصطلحات الوقف.
3-  إضافة مصطلحات لم يتضمنها المكنز من خلال البحث والحصر.
4- وضع منهجية خاصة بالتعريفات.
5-   الاستعانة بالمختصين في علوم الوقف لإطلاعهم على ما تم حصره من المصطلحات، إضافة إلى المنهجية والتنفيذ.
6- اعتماد قواميس ذات علاقة بالوقف والعمل الخيري، لاستخلاص التعريفات من مظانّها، إضافة إلى أدبيات الوقف، كالبحوث، والرسائل الجامعية، وأوراق المؤتمرات، وغيرها من الدراسات.
وبهذا تم الجزء الرابع في نسخته التجريبية المشتمل على حروف (س حتى ل) حيث منّ الله علينا بالانتهاء من جمع مصطلحاته وتعريفاته وإخراجه بحلته التي بين يدي القارئ الكريم، والله نسأل أن يسدد خطانا في إكمال هذا المشروع، خدمة للباحثين وطلاب العلم، وللأمة الإسلامية جمعاء.
 
           فريق عمل  مشروع قاموس مصطلحات الوقف

رابط مباشر لتحميل الأجزاء الأربعة للقاموس

يقول الباحث عمر بن سكا:

الهدف الرئيس من هذا المقال هو الكشف عن الرؤية “الجديدة” التي طرحها فيلسوف الأخلاق المغربي طه عبد الرحمان من أجل تجديد مباحث الدرس المقاصدي، بغية تجاوز ما أسماه بــــــــ”الثغرات” التي خلفها الأصوليون والرواد الأوائل لعلم المقاصد؟ لقد دخل الدكتور طه عبد الرحمان مبحث المقاصد من باب الاهتمام بقضية التجديد المنهجي في تقويم التراث الإسلامي، وكان منطلقه الأول في الدعوة إلى تجديد مبحث المقاصد هو صياغة تعريف ومفهوم جديدين لعلم المقاصد يقترن بدلالات ثلاث هي: المقصود (المضمون الدلالي)، القصْد(النية)، والغاية أو الحكمة. أما منطلقه الثاني فيرتكز على النظر إلى علم المقاصد باعتباره علما أخلاقيا غايته ومنتهاه تحقيق صلاح الإنسان، وبالتالي تحقيق العبودية لله تعالى. وباختصار شديد، وقبل الخوض في معالم التجديد في مقاصد الشريعة عند طه عبد الرحمان، تجدر الإشارة إلى أن مشروعه الأخلاقي ذاك يتأسس على ثلاث نظريات يكمل بعضها البعض أطلق عليها تباعا: “نظرية القيم (الغايات)”، “نظرية النيات”، “نظرية الأفعال (الوسائل)”. حيث تتبوأ “نظرية القيم” أعلى مرتبة، تليها “نظرية النيات”، ثم “نظرية الأفعال”.

طالع البحث كاملًا من هنا

نص مترجم لمحاضرة ألقاها الدكتور محمد عبد دراز رحمه الله باللغة الفرنسية، مندوبًا للأزهر في مؤتمر القانون الإسلامي المنعقد بباريس في 7 أغسطس عام 1951م، وحملت المحاضرة عنوان “الربا في نظر القانون الإسلامي”

قسم الدكتور دراز رحمه الله محاضرته إلى ثلاثة أقسام؛ تضمن القسم الأول منها مقدمة تاريخية تحدث فيها د. دراز عن الربا في طائفة من التشريعات السابقة، مدنية ودينية، مثل مصر في عهد الفراعنة، وأثينا وروما واسبارطة واليهودية والنصرانية، ثم أوروبا المسيحية وبلاد العرب قبل الإسلام، والبلاد الإسلامية في العصر الحاضر.

وجاء القسم الثاني تحت عنوان “حقيقة الربا في الإسلام أخذًا من المصادر الأولى للتشريع”، وطرح فيه تساؤلًا عن حقيقة الربا في الإسلام، وهل الإسلام يبيح الربا اليسير؟ وأخذ يسرد نصوصًا من الشريعة الإسلامية تجيب عن هذا التساؤل.

القسم الثالث جاء تحت عنوان “وجاهة التشريع الإسلامي من النواحي الثلاث الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية”.

ختم المؤلف محاضرته بما يلي:

“وكل ما أريد أن أقوله الآن يتلخص في جملتين صغيرتين، أرجو أن يتخذا أساسًا للبحث في التفاصيل.

الأولى: هي أن الإسلام قد وضع إلى جانب كل قانون، بل فوق كل قانون، قانونًا أعلى يقوم على الضرورة التي تبيح كل محظور، (وقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (119/7). cryptogamingca.com

الثانية هي أنه لأجل أن يكون تطبيق قانون الضرورة على مسألة ما تطبيقًا مشروعًا لا يكفي أن يكون المرء عالماً بقواعد الشريعة، بل يجب أن يكون له من الورع والتقوى، ما يحجزه عن التوسع أو عن التسرع في تطبيق الرخصة على غير موضعها كما يجب أن يبدأ باستنفاد كل الحلول الممكنة المشروعة في الإسلام؛ فإنه إن فعل ذلك عسى ألا يجد حاجة للترخص ولا للاستثناء، كما هي سُنَّة الله في أهل العزائم من المؤمنين (وَمَن يَتَّقِ الله يجعل له مخرجا وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يحتسب) (٢/٦٥ – ٣).”

رابط مباشر لتحميل نص المحاضرة

أنهى الإمام الشاطبي مرحلة التقعيد والتنظير لعلم المقاصد بنهاية القرن الثامن الهجري، ليخلو الزمان من البحث في المقاصد ويتوقف تطور علم المقاصد فترة ستة قرون، إلى أن يظهر الإمام المجدد محمد الطاهر بن عاشور فاتحا عهدا جديدا في تطور علم المقاصد بدعوته إلى تأسيس علم المقاصد وفصله عن علم الأصول. ولم يعرف تطورا في مكوناته الأساسية من الجوانب النظرية أو التطبيقية، فبقي علم المقاصد دهرا طويلا من الزمن لم يتجرأ عليه العلماء بالتجديد لا في الجزئيات و لا في الكليات، حتى بعث الله إمام المقاصد في العصر الحديث الشيخ الطاهر بن عاشور ليفتح باب الاجتهاد في دراسة علم المقاصد من جديد فانطلقت البحوث العلمية والأكاديمية في الجامعات المتخصصة، فتناوله الباحثون بالبحث والدراسة وفق المناهج العلمية الحديثة، وقد ساهم الكثير في وضع أسسه و قواعده و تطبيقاته، لينتقل من مباحث متفرقة في أصول الفقه إلى علم متكامل مستقل.

طالع الورقة كاملة من هنا

يعد محمد كامل مرسي باشا من أبرز المحامين والقانونيين البارزين في القرن الماضي، لما له من بصمات واضحة في القضاء والمحاماة، فكان أول من أدخل نظام “القضاء الإداري” إلى مصر، وأول رئيس لمجلس الدولة، ومدير جامعة فؤاد، وأول رئيس تحرير لمجلة (القانون والاقتصاد).

ولد محمد كامل مرسي باشا فى مطلع 1889 بمدينة طهطا السوهاجية، واختار لنفسه دراسة القانون، فحصل عن اقتدار على ليسانس الحقوق عام 1910. بعدها أوفدته الحكومة المصرية في بعثة لدراسة القانون بجامعة ديجون الفرنسية، لينال منها درجة الدكتوراه ويعود إلى مصر عام 1914 .

تتفق المصادر على أن رحلة كامل مرسي بدأت بالمحاماة أولا قبل أن ينتقل إلى العمل بالنيابة العامة عام 1915 فى قنا. ولكن المحطات الفارقة في مسيرته كانت بدايتها عام 1920، عندما عين أستاذًا في مدرسة الحقوق، وهناك أسهم في تعريب عملية التدريس، التي كانت تقوم أساسًا على الإنجليزية دون غيرها.

مناصب عديدة تنقل بينها، وأهمها ما كان من تدرجه في المناصب الدبلوماسية، ممثلا لمصر فى لندن، ولاهاي، وتركيا. ويعود بعد ذلك إلى كلية الحقوق، حيث تولى عمادة الكلية بين عامي 1928 و1936. ومن أهم المحطات اللاحقة، كان عمله ضمن لجان تعديل القوانين المصرية بعد إلغاء “الامتيازات الأجنبية”، والالتزام بقانون موحد يطبق على الجميع. المحطة التالية كانت بقرار تعيينه وزيرًا للعدل في فبراير 1946، وهنا كانت ذروة الدور الذي انتخبته من أجله الأقدار. فقد كان وراء إعداد “قانون مجلس الدولة”، وإدخال نظام “القضاء الإداري” إلى مصر لأول مرة [وهو القضاء الذي يشبه قضاء المظالم في النظام القضائي الإسلامي]. ولأن الرجل كان صاحب نظرة ثاقبة، فإنه أطلق حملة لمخاطبة الرأي العام وتوعيته بأهمية “القضاء الإداري” للفصل في النزاعات وحماية المواطنين من تعسف ما قد يقع عليهم من جانب الجهات الإدارية.

وبجانب نظرته الثاقبة، كان كامل مرسي صاحب مواقف حاسمة، فقد حاول مجلس الوزراء وقتها إرجاء تمرير “قانون مجلس الدولة”، دافعًا بضرورة الانتظار لدورة برلمانية جديدة بخلاف تلك التي كانت أوشكت على الانقضاء، فدافع هو عن القانون الجديد دفاعًا مستميتًا بلغ حد تقديم استقالته من وزارة العدل، فاستجابت الحكومة، وتم إقرار المشروع (قانون مجلس الدولة).

وفى 12 سبتمبر 1946، عُين الدكتور محمد كامل مرسى كأول رئيس لمجلس الدولة، ووقتها علق إسماعيل صدقي باشا، رئيس الوزراء في حينها، على خروج القانوني الفذ من منصبه وزيرًا، بأن “كامل باشا قد رقى إلى وظيفة أعلى وأسمى”.

وعقب إحالته إلى المعاش، عاد د. كامل مرسي إلى ممارسة المحاماة، ثم عين رئيسًا لجامعة فؤاد الأول ما بين نوفمبر 1949، ومايو 1951، وفي العام التالي عاد إلى وزارة العدل وزيرا، ولكن جاءت ثورة 23 يوليو لتعيده إلى المحاماة، بعد أن مكث في الوزارة 24 ساعة، ثم رجع أيضا إلى المحاماة سنة 1953، كما عاد وتولى بعدها منصب مدير جامعة القاهرة في 9 سبتمبر 1954، ورئاسة مجلس الجامعات الثلاث (1954 – 1957)، وعضوية المجمع العلمي المصري.

وقد أسس مجلة “القانون والاقتصاد” وكان أول رئيس تحرير لها، ونائب رئيس تحرير مجلة الاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، ورئيس تحرير مجلة “l’Egypte contemporaine”.

مؤلفاته:

له 15 كتابًا مطبوعًا، منها:

  1. المجموعة المدنية المصرية.
  2. الملكية العقارية في مصر وتطورها التاريخي من عهد الفراعنة حتى الآن.
  3. التأمينات الشخصية والعينية.
  4. الملكية والحقوق العينية (أربعة أجزاء) .
  5. شرح قانون العقوبات.
  6. أصول القوانين.
  7. الشفعة، في القانون الأهلي والمختلط وفي الشريعة الإسلامية.
  8. العقود المدنية الصغيرة.
  9. الملكية والحقوق العينية (أربعة أجزاء).
  10. قوانين المحاكم المختلطة.
  11. شرح القانون المدني الجديد كبير.
  12. الأموال.

وفاته:

توفي في 21 ديسمبر 1957. ومُنح الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة في العام ذاته ثم وسام الجمهورية من الطبقة الأولى في يناير 1958.

على قناتنا باليوتيوب: أول رئيس لمجلس الدولة المصري: د. محمد كامل مرسي

_________________________

المراجع:

– محمد كامل مرسي، موسوعة معرفة، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/kEvKlqu.

– أشرف زهران، محمد كامل مرسي.. المحامي الذي أدخل نظام القضاء الإداري في مصر لأول مرة وأول رئيس لمجلس الدولة وعين وزيرا للعدل، نقابة المحامين المصرية، 19 ديسمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/HoDW2xs. – في ذكرى وفاته الـ 63… عزيمة كامل مرسى واكتمال ولادة مجلس الدولة، جريدة الأهرام، 19 ديسمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/zZfFGVO.

بحث منشور للدكتور محمد سليم العوا في مجلة المسلم المعاصر عام 1975، بعنوان “بين الاجتهاد والتقليد”، بدأ فيها بتمهيد عن دعوة الإسلام لتحرير العقول من الخرافات، وكيف تعلم الصحابة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه كيف يكون التدبر العاقل والتفكير الحر، ثم تناول بعد ذلك النقاط الآتية:

  • الاجتهاد مصدر غير المنصوص عليه من الأحكام
  • نشأة التقليد
  • موقف الفقهاء من التقليد
  • تقدير الرأيين
  • خاتمة في الاجتهاد في هذا العصر

يمكن تحميل البحث كاملًا من هنا

يقول الدكتور عوض محمد عوض الأستاذ المتفرغ في قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق في جامعة الاسكندرية في بداية دراسته التي نُشرت في مقدمة كتاب “أخطاء القضاة.. دراسة مقارنة بين التشريع الإسلامي والقوانين الوضعية”:

الكتاب الذي نُقدِّم له اليوم عُرِّب أو تُرِجم من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية للمرة الأولى منذ نيف ومئة سنة، وعلى وجه التحديد في عام 1333هـ الموافق 1914م، وذكر القائمون على ترجمته أنها كانت بناء على توصية من جانب المستر إيموس ناظر مدرسة الحقوق الخديوية منذ كان مستشارًا بمحكمة الاستئناف الأهلية تعميمًا لنفعه بعد أن استشار مؤلفه، ورأوا أن هذا الكتاب جدير بأن تتناوله أيدي من يهمهم شأن القضاء من قضاة ومحامين وخبراء ومتقاضين من الناطقين بالضاد. وأشاروا إلى أن مؤلف الكتاب تحرى في تدوين فصوله المعززة بالشواهد والاستنتاجات الرجيحة انتقاد عيوب إذا كانت فاشية في بلد كفرنسا عرفت بأنها مبعث العلوم القضائية، فهي في بلد كمصر لم يتجاوز نظامه القضائي -وقت ترجمة الكتاب- أربعة عقود أكثر فشوًّا وأشد ضررًا بالمتقاضين.

طالع الدراسة كاملة من هنا

ملخص:

يعمل هذا البحث على استنطاق التاريخ القانوني والأخلاقي للدولة الحديثة، بهدف إلقاء الضوء على مفهومي القانون والأخلاق في سياق ما قبل الدولة الحديثة وما بعدها، ومناقشة جدلية اتصالهما وانفكاكهما، قبل الانتقال إلى تحديد نطاق الأخلاق والقانون في سياق الشريعة الإسلامية في محاولة جادة لمقاربة إشكال: مدى توافق أو تنافر هذين المفهومين في مختلف السياقات؟ ويخلص البحث إلى أنه لا يمكن فصل القانون عن الأخلاق في التشريع، في ظل انتفاء وجود لتشريع عقلاني خالص، وأن اعتماد النص الشرعي في صياغة نظرية تشريعية متناسقة لا يتنافى مع العقلانية. بل من شأنه أن يكشف عن أن الحرية المجتمعية بمفهوم القانون الحديث ليست من مقاصد الشريعة؛ على اعتبار أن تحقيق “العدل المجتمعي” يجسد تلك المقاصد، حيث لا بد أن تبقى المحكمات الشرعية ثابتة؛ لأن لها مقاصد تتعلق بالنظام الاجتماعي الإسلامي ككل، ولا يصح أن تلبس منظومة الحرية المجتمعية -كما يفهمها القانون الحديث- لباس مقاصد الشريعة؛ فالشريعة لها نظامها الخاص، ويُطبق وفق نسق وجودي ومعرفي أصلاني متكامل، دون تجزئة مخلة بمقاصده وأهدافه.

Abstract

The objective of this research is to investigate the legal and moral history of the modern state in order to shed light on the concepts of law and ethics in the context of pre-modern and post-modern states. Furthermore, the research aims to discuss the dialectic relationship and disengagement between these concepts before examining the scope of morals and law in the context of Sharia. This research endeavors to address the question of the compatibility or incompatibility of these two concepts in various contexts. The research concludes that it is impossible to separate law from morality in legislation, particularly in the absence of a purely rational legal system. Furthermore, reliance on the legal text in formulating a coherent legislative theory isn’t inconsistent with rationality. It also reveals that societal freedom, as understood in the modern legal sense, is not one of the objectives of Islamic law. Rather, achieving “social justice” embodies the objectives of Islamic law, and the Sharia courts must remain steadfast because they serve purposes that are integral to the Islamic social system as a whole. It is incorrect to try to reconcile the system of societal freedom, as understood by modern law, with the objectives of Sharia. This is because Sharia has its own system that is applied according to a comprehensive and foundational existential and epistemological structure, without fractionalization that undermines its objectives and purposes.

Keywords: Sharia: Positive Law; the Modern State; Legislation: Morals

مقدمة:

في الوقت الذي ضرب الفيلسوف الألماني نيتشه Nietzsche ضربته القاصمة والأخيرة لغيبيات ولاهوتيات الدين المسيحي، معلنًا “موت الإله”، ومستبدلًا إياه بسمو الإنسان وعقلانيته، كانت الدولة القومية الحديثة قد توغلت وأحكمت قبضتها على المواطن، وسيطرت على كل ما يدور داخل حدودها (المبتدعة تاريخيًا)، متسلحة بغيبياتها وقدرتها على إلحاق الأذى، فهي الإله الجديد بحسب كارل سمیت Carl Schmitt. واحتكرت إذن الدولة لوحدها ولأول مرة في التاريخ عملية التشريع أو التقنين أو التنظيم للسلوك البشري بين الفرد والفرد، والفرد والمجتمع، وتغيرت الآن المفاهيم جذريًا، لا الفرد هو ذاته قبل مفهوم الدولة، ولا المجتمع هو ذاته قبل الدولة الفرد الآن قد يكون في مواجهة “قانونية” -إن صح التعبير- مع الدولة، والتي أيضًا هي “كيان قانوني معنوي بالمفهوم الحديث للقانون(1)، لكن يجب ألا نقع في فخ التعريف الحديث لمفهوم “القانون” فلعله تعريف حداثي مرتبط بمفهوم الدولة. إذن في إطارنا المفاهيمي، وفي محاولة مناقشة موضوع البحث الدقيق أخلاقية التشريع” يجب أن نحدد معاني وسياقات لمفاهيم مهمة؛ حتى يكون البحث متسقًا وانسيابيًا وعلميًا، (وهي التشريع والأخلاق والعلاقة بينهما في سياق الشريعة والقانون. إن الحرية في التشريع تناقش من خلال اتجاهين الحرية المجتمعية، ويقابلها الحرية الفردية، لكن أولًا عن أي حد نتحدث بالنسبة لمفهوم الحرية؟ الحديث هنا ليس عن الإرادة الداخلية بين الانتخاب والحتمية كمفاهيم فلسفية، الحديث عن الحرية كممارسة فردية، لكنها مرتبطة بالمجتمع. الحرية في أحد تعريفاتها هي “التقييد من خلال القانون بحسب منتسكيو Montesquieu في روح الشرائع(2) ..، وهي أيضًا عملية ضبط من خلال وقوعها ضمن مفهوم العقد الاجتماعي، بحسب جان جاك روسو -Jean Jacques Rousseau(3)، هذه المدرسة يمكن أن يُطلق عليها المدرسة القانونية للحريات، بالإضافة إلى مدارس أخرى مثل: الليبرالية المتطرفة التي أسسها جون ستيوارت مل John Stuart Mill، التي تقدم فيها المصلحة الفردية على الدولة، وتكون العدالة وسيلة إلى تحقيق الحرية وليس العكس(4) مدرسة أخيرة، وهي مدرسة هيجل Hegel وماركس Marx، وفيها يُقدم المجتمع على الفرد. هذا السياق المفاهيمي الغربي بالنسبة للحرية، لكن في السياق الإسلامي هل يمكن التطابق في معنى المصطلح؟ إن هذا المفهوم الحديث للحرية كمصطلح غير موجود في المراجع الرئيسة في الإسلام على الأقل لغويًا، أما مجازًا فله سياقات ومعان أخرى محددة.

نقطة الانطلاق ترتكز على حتمية أن هناك اتفاقًا في السياق الإسلامي والغربي، على أنه لا يوجد مفهوم حرية مطلقة، على الأقل بالمعنى القانوني. وهذا يندرج حتى على الليبرالية المتطرفة، وباعتراف مل نفسه أن هناك حالات يقيد فيها الفرد، وفيها لا يضر الفرد إلا نفسه مثل لعب القمار. لذا يتجاوز البحث الحالي الجدل الفلسفي والاجتماعي، مَن يُشكل مَن؟ هل الفرد يُشكل المجتمع أم العكس؟ لكن يؤكد في السباق الغربي والإسلامي أن الفرد مقيد بالمجتمع وتابع له. نحن لا نتحدث عن سلوك داخلي كشعور الإنسان بالجوع، ولا على السباق أن كل فرد له حيز خاص به منعزل عن الآخر (جزيرة صغرى لكل فرد أو كوكب صغير يعيش عليه)، ليس بحاجة لتنظيم علاقته مع غيره في هذه الحالة. ينعدم معنى مفهوم الحرية أو الحرية المجتمعية، ولأنه ليس كذلك فهو كائن اجتماعي، فلا بد من وجود منظومة أو نسق يرتب وينظم هذه العلاقات. وكما سنرى لاحقًا انحسر واقترن تعريف القانون في السياق الغربي بارتباطه بالدولة، ثم انتقل هذا الطرح إلى البلاد الإسلامية،فلا بد أن نستسلم لطرح أن الدولة فحسب؛ هي من تحتكر التشريع، وبالتالي تحدد ما هو قانوني وما هو أخلاقي.

تقر الدساتير العربية أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس (أو مصدر رئيس) في عملية التشريع، لكن الواقع عند تبني اتفاقيات دولية مثل اتفاقية إنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) نرى تخبطًا وعدم وضوح في عملية المواءمة بين الشريعة والقانون الدولي بالنسبة للحريات وحقوق الإنسان، ومن الأمثلة على ذلك صدور قرارين متضادين من قبل المحكمة الدستورية في فلسطين، وتُفهم حقوق الإنسان في معظم استخداماتها على أنها حقوق كونية تشمل البشر جميعًا، في حين تفهم الحقوق المدنية على أنها مرتبطة بأبناء دولة معينة أو مجتمع معين، فيدعم أنصار الحقوق المدنية مثل: آدم فيرغسون Adam Ferguson وآدم سميث آليات التنظيم الاجتماعي غير المرتبطة بالدولة. الحقيقة أن كثيرًا من المصطلحات في القوانين العربية متضاربة؛ قسم منها تم وضعه من الفقه الإسلامي، وقسم آخر تم استيراده من التشريعات الغربية، علمًا أنه وفق الأنثروبولوجي القانوني الألماني ارنست هیرش Ernst Hirsch عند استيراد القوانين يجب تبيئتها وتكييفها وفق النظام القانوني المستقبل(5) ، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مفاهيم مثل: كرامة الإنسان وحريته، التي تراها الشريعة مختلفة (الاختلاف في مفهوم تعريف الجسد، والإشكاليات المتعلقة بالمثلية الجنسية)، كذلك تعريف مفهوم “المساواة” التامة بين الجنسين يُحدث إشكالية في مسألة الميراث الثابتة نصًا والمرتبكة مدنيًا، كذلك مقترح قانونية الخمر في بعض الدول العربية مثل تونس يخالف الدستور والذي يُقر بعدم مخالفة القوانين للشريعة الإسلامية، لذلك شارح الدستور يجب أن يكون له باع في الفقه الإسلامي وأيضًا في اللغات التي تم استيراد المصطلحات أو المفاهيم منها، مثلًا مصطلح “تنفيذ القانون جاء من اللغة الإنجليزية، بينما في اللغة الفرنسية يسمى المصطلح “تطبيق القانون”، لذلك الآن هناك فجوة في فهم الدستور بين دارس القانون أو القاضي وبين المشرع الذي وضع التشريعات في خضم الدولة ما بعد الاستعمارية، نحن بحاجة إلى أن ننظر في السياق والزمان اللذين تم وضع الدستور فيهما، فلا تنسف المجتمعات تقاليدها ومورثها العلمي، مثلًا المذهب التفسيري الأمريكي يستند إلى مقاصد واضعي الدستور.

وأهم ما في الأمر أنه انتقلت صلاحية من له الحق في التشريع في العالم الإسلامي، وأيضًا لأول مرة في التاريخ، من فئة الفقهاء المتخصصين وغير الرسميين إلى مصادر رسمية، فقهاء في إطار مؤسسات الدولة (مثل وزارة الأوقاف) أو إلى الجهات التشريعية النمطية الأخرى مثل البرلمان، علمًا بأنه في الحالة الإسلامية القانون يجب أن ينشأ مستقلًا من خلال الفقهاء غير الرسميين؛ لكي يكون في خدمة الفرد، يحميه أولًا من سطوة الحكم السياسي، وثانيًا طبقة الوسط (المفتي) تضبط عملية التشريع، وتضمن سيادة “الدستور” أعلى مستوى تشريعي في الدولة الحديثة” على الحكم السياسي المؤدلج من أو المبني على النسبية والأهواء.

ويهدف البحث إلى مناقشة ومقاربة مفهوم حرية التشريع وأخلاقياته من منظور إسلامي وغربي وفي سياق الالتقاء والتعاند بين الشريعة والقانون والأخلاق، وذلك من خلال استقراء النظريات الشرعية والقانونية والمقارنة فيما بينها.

محاولًا الإجابة عن الأسئلة الآتية:

  • هل ينفك القانون عن الأخلاق في الشريعة الإسلامية؟
  • هل انفصال الأخلاق عن القانون في السياق الغربي حتمي؟
  • هل هناك ضوابط أخلاقية عند التقنين والتشريع؟

لا بد من الإشارة إلى أن البحث يناقش جدلية الحرية في التشريع والتقنين، ليس بالمعنى الفلسفي أو المفاهيمي للمصطلح، لذا يندرج المنهج في إطار مفهوم أخلاقية التشريع” وبناءً عليه، يعرض التاريخ القانوني والأخلاقي للدولة الحديثة، ويوضح مفهومي القانون والأخلاق في سياق الدولة الحديثة، وما قبل الدولة، ويناقش جدلية انفكاك أو اتصال هذه المفاهيم بعضها ببعض، ثم يحدد نطاق الأخلاق والقانون في سياق الشريعة الإسلامية، ويحاول الإجابة عن إشكالية وجود توافق أو تنافر بين هذه المفاهيم في السياقات المختلفة.

إن الموضوع محل الدراسة يناقش أخلاقية التشريع وفق النظرية القانونية (التشريعية) الإسلامية، ويقارنها مع النظرية القانونية الغربية من خلال تناول موضوع الشريعة، والقانون والفلسفة في السياقين الإسلامي والغربي، ويرجى الملاحظة أن البحث لا يناقش النظريات المختلفة فحسب في سياق الدولة الحديثة؛ وإنما جوهر النقد يتجه نحو فلسفة وأخلاقية التشريع فيما قبل الدولة، وما بعد الدولة، كذلك النقد يتجه نحو الدولة القومية الحديثة عمومًا، ثم وبشكل أكثر تخصيصًا، ومن خلال أسئلة البحث، يناقش الآثار السلبية للدولة الحديثة على المنطقة العربية، ويبين البحث الفروقات الجذرية، والتناقضات في هدف التشريع، ودور الجهات التشريعية فيما قبل الدول وما بعدها على سبيل المثال اختلف دور الفقيه أو المفتي في سياق الدولة الحديثة عنه فيما قبلها، حيث إن المفتي الآن تابع لمؤسسة الدولة، بغض النظر عن نواياه وصدقه، فهو خاضع لتعليمات (قانونية) رسمية مثله مثل القاضي، وكل المواطنين مع العلم أن هناك قلة في الدراسات القانونية العربية التي تناقش هذه المسائل، لذلك كان لا بد من الرجوع إلى المصادر الأجنبية وهذا ما يضيف أصالة للبحث.

أولًا: في التباس الإشكالية: سيادة الدولة (السياسية) على القانون

الإنسان كمخلوق اجتماعي عكف على تنظيم علاقته والآخر منذ القدم فهو يتبع منظومة تحدد تلك العلاقات بدءًا من الدائرة الصغرى، الأسرة ثم القبيلة، والعشيرة والدين، وأخيرًا الدولة. الإنسان لا يفعل ما يطيب له فهو مقيد وحريته الفردية أيضًا مقيدة ومحدودة بالنسبة للآخرين، إن المجتمع الليبرالي المتطرف أيضًا لا يمكن أن يدعي الحرية المطلقة، عندما أطلق الليبرالي لابنه اسمًا، وعندما أعطاه التطعيم الطبي من دون موافقته؛ فهو بذلك تعدى على حريته، إن أحد أضداد الحرية التقييد، وتختلف منظومات التقنين أو التقييد فيما بينها في التسميات أو المصطلحات، وتختلف أيضًا في المرجعيات والآليات، ومنهم من يُسمّي ذلك ممنوعًا مسموحًا، شرعيًا أو غير شرعي، حلالًا- أو حرامًا قانوني غير قانوني، لكنها كلها ترمي إلى نفس الهدف، والذي يكمن في تنظيم العلاقات بين البشر.

بحسب ميشيل فوكو فإن الدولة الحديثة بتطبيقها لنظام الحوكمة كأسلوب قوة وسلطة تتدخل بالأفراد في جميع مناحي الحياة، فهي ليست حاكمًا فحسب؛ بل معلم للمواطن، لذلك فعملية التشريع والتقنين من قبل فئة محددة تتبع فكرًا سياسيًا معينًا تحدد من هو المواطن الصالح. ووفق كارل شميت الدولة هي إله جديد تسلّحت بغيبياتها وقدرتها على إلحاق الأذى(6). ومع التغيير الجذري في أحقية وصلاحية الُمشرع انتحلت الدولة صفة المشرع وصارت هي من يحدد ما هو قانوني أو غير قانوني ،غير مكترثة لأخلاقية هذا التقنين، والدولة العربية “القانونية” – إن صح التعبير – بشكل خاص هي وليدة الاستعمار، فهي ضاربة عرض الحائط كثيرًا من التراث القانوني الذي له خصوصية مجتمعية أصيلة، وتتبنى نظرية القانون الوضعي الليبرالي الغربي.

في عملية التشريع وفي الحالة الجيدة الدولة تُشرع وتكون منحازة وغير موضوعية؛ لأن الأمر لا يسمح أن تكون غير منحازة، لذا عملية تحديد الحرية نسبية، ومبنية على أساسين اثنين؛ مفهوم الدولة القومية الحديثة، وأن هذه الدولة تتبع نهجًا معينًا في الحكم مبنيًا على مذهب قانوني غربي مستورد، مما خلق من جهة أولى اضطرابًا في الطبيعة القانونية للحكم نفسه، ومن جهة أخرى إشكالية في تطبيق القوانين المتضاربة مع الموروث والتقاليد الشرقية، وخصوصية المجتمع الشرقي. وانتقلت صلاحية من له الحق في التشريع في العالم الإسلامي، وأيضًا لأول مرة في التاريخ، من فنة الفقهاء المتخصصين وغير الرسميين إلى مصادر رسمية، فقهاء في إطار مؤسسات الدولة (مثل وزارة الأوقاف) أو الجهات التشريعية النمطية الأخرى مثل البرلمان. الولايات المتحدة التي تطبق نظامًا قانونيًا هجينًا تعتمد منذ عام 1973 “مقياس ميلر” لتنظيم حرية التعبير، المعيار الأساسي هنا “إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير مقبولة”، لذلك المصلحة العامة تتقدم على المصلحة الخاصة إذا تعارضتا، وكذلك “الحرية المجتمعية” في كل المجتمعات تتقدم على الحرية الفردية. إذن أين تكمن الإشكالية؟ كيف نحدد ما هو صالح للمجتمع؟ ما الأسس التي نرتكز عليها؟ وهل هناك حقيقة كونية واحدة في هذا الإطار؟.

يرى أتباع الوضعية القانونية أمثال جون أوستين وهوبز أن المعيار الأساسي هو أن الفعل يبقى قانونيًا ما لم يتأذى به الآخرين، لذا القمار عنده قانوني طالما الأمر صدر من قبل الدولة صاحبة السيادة فيجب أن يطاع، لكن من الواضح أنه هنا أيضًا حصل تقييد للحريات من قبل الدولة التي فرضت نفسها وأيديولوجيتها الفكرية والسياسة من خلال القانون، إن عملية تشريع القوانين حسب الدولة الحديثة تكون من خلال المؤسسات الرسمية التابعة لها، والطريقة المثلى حاليًا تكون من خلال اقتراح نواب المجلس التشريعي للقوانين، الذي يكون أعضاؤه منتخبين من قبل أفراد الدولة، وهؤلاء النواب ينتمون لحزب معين يتبع أيدولوجية فكرية معينة، وغالباً “دولة سيادة القانون”؛ الحديثة والقومية تتبع مذهبًا قانونيًا وحيدًا هو “الوضعية القانونية الليبيرالية”، إذن نحن أمام ضرورة مناقشة مفاهيم يعتقد أنها من المسلمات في آلية ونظام الحكم، مثل مفهوم الدولة القومية، دولة سيادة القانون، النظرية القانونية لما بعد الاستعمار، وأخيرًا الاستشراق القانوني. إن مرحلة ما بعد الاستعمار هي الآن النهج الرئيس الذي يتم فيه مناقشة علاقة الغرب بـ “الآخر” بشكل نقدي والدراسة النقدية للقانون في طليعة هذه العلاقة. تم وصف الدراسات القانونية لما بعد الاستعمار” على أنها ممارسة تركز على القانون باعتباره أداة للاستعمار”، ويشير الباحثون إلى أن المشروع القانوني الغربي المضمن في تقاليده الوضعية الليبرالية استبعد عمومًا (أو لم يعترف) أشكال القانون الأخرى، ويستبعد هذا النظام القانوني المتحيز والعرقي إمكانية وجود قانون خارج نطاق حدوده وإطاره “الخاص”، لذلك يستبعد من فكره أو مفهوم القانون أي قانون لا يتوافق مع النموذج الغربي: وهي – على سبيل المثال لا الحصر – النظرية القانونية الوضعية، والنظرية القانونية النسوية، ونظرية العرقية النقدية، والنظرية القانونية النقدية والواقعية القانونية(7). وأصبحت آثار الاستعمار والاستشراق القانوني جزءًا لا ينفصم عن الثقافة القانونية والتعليمية والمؤسسية؛ بحيث لا تزال الدولة الاستعمارية بمثابة نقطة مرجعية في الخطاب المحلي(8).

إن أحد أهداف نظرية ما بعد الاستعمار هو تفكيك مصدر هذه النظريات الغربية وإعادة بناء معان جديدة في الخطاب والحوار، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن نظرية ما بعد الاستعمار تعرضت للنقد السلبي فيما يتعلق بنرجسيتها الواضحة؛ فقد اعتبرها البعض طريقة أخرى تواصل بها النظرية الأوروبية “المتفوقة” حوارها (مع نفسها) لتفسير “الآخر”، وهي بأي حال من الأحوال ليست نظرية متجانسة ووحدوية، بحسب تعريف ميشيل فوكو للحدود الشاملة للنظرية(9). إن نظرية ما بعد الاستعمار تطورت من خلال مجموعة من “المصادر المفاهيمية”، دون وجود منهجية واحدة، علاوة على ذلك تعتمد نظرية ما بعد الاستعمار على مجموعة واسعة – وغالبًا ما يتم الاختلاف عليها – من النظريات والممارسات من أجل تطوير نظرية المعرفة الخاصة بها(10). وفي سياق إشكالية دولة سيادة القانون يرى المفكر الإيطالي جورجو أغامبين Giorgio Agamben أننا هنا أمام حالة الاستثناء والتي تقع على الحدود الفاصلة بين السياسة والقانون، ومن ثم يصعب تعريفها، والتي تطبق في حالات الحرب الأهلية مثلًا، والانتفاضة والمقاومة، وهي تلك الحالة التي يسهل فيها تبرير أي أفعال يقوم بها صاحب السيادة، الذي يمتلك سلطة مطلقة (تكاد تكون إلهية)، حفاظًا على النظام القانوني، كأنها تعليق للقانون من أجل القانون. وفي هذا الإطار يُعرف أغامبين الشمولية الحديثة بأنها: “عملية تأسيس حرب أهلية قانونية من خلال تطبيق حالة الاستثناء، بما يسمح بإمكانية التصفية الجسدية ليس فقط للخصوم السياسيين؛ بل لشرائح كاملة من المواطنين تعتبرهم السلطة لسبب أو لآخر غير قابلين للاندماج في النظام السياسي(11). وهناك دلالات واضحة على أن حالة الاستثناء حالة دائمة ومتواصلة حتى في البلاد الديمقراطية، فإذا صح تأطير “حالة الاستثناء” ضمن تعريف نظري، لتبين أنها تلك الحالة “السائلة” التي تذوب فيها مادة القانون، بتعليقه أو غيابه، مع استخدام الأدوات الأمنية والشرطية غير الاعتيادية، لتنتج في النهاية واقعًا قمعيًا يبدو مشروعًا تمامًا(12)، يشير أغامبين إلى أن طبيعة حالة الاستثناء تقدم نفسها كنموذج للحكم، أي اعتبارها قاعدة، وليست تدبيرًا استثنائيًا؛ بل هي ترغب في أن تغدو هي القاعدة والنموذج الأمثل للحكم، من خلال الذوبان الفاحش للسلطات المختلفة. إذن حالة الاستثناء حالة يصعب التمييز فيها بين حالات السلام وحالات الحرب، بين الطارئ والدائم، بين الاستثناء والقاعدة، بين الضرورة والحكمة، إنها ليست شرعنة الأمر غير قانوني؛ بل تُقدّم نفسها “كضرورة” وجب خوضها ضد الخصوم السياسيين، لا أحد يعلم متى تنتهي ومتى بدأت، إن الجميع يكون ضمنها عاريًا تمامًا، عاريًا أمام آلة السُلطة القمعية، ومُجردًا من أية هوية قانونية. في هذه الحالة يُثار جدل حول إمكانية الفرد العادي (كشخصية قانونية) أن يقاضي الدولة (ككيان قانوني معنوي) في عمل (مثلًا خوض الدولة حربًا غير عادلة) غير أخلاقي. الدولة الحديثة امتلكت أدوات العنف والتشريع، وبذلك فرضت الدولة وقانونها الحديث نفسيهما على النظام الاجتماعي، لذا يجب علينا عند مناقشة موضوع البحث أن نأخذ بالحسبان واقع الدولة الحديثة التي هيمنت أيضًا على الثقافة القانونية، وفرضت نفسًا معينًا من البحث العلمي القانوني، وحددت معرفة قانونية كونية واحدة(13).

ثانيًا: انحسار مشروعية التشريع في مفهومي “السيادة” “والدولة الحديثة”:

قامت حنة أرندت “Hannah Arendt” بنقد فكر هوبز الذي يرى أن المصدر الوحيد للتشريع هو إرادة السلطة، فالقانون يكون تشريعًا صحيحًا بفضل سلطة الإلزام التي تفرضها الدولة؛ لذا بحسب هوبز، إن معايير الأخلاق نابعة من الإنسان نفسه، وليس من نظام كوني، ولا من إرادة إلهية. القواعد الأخلاقية هي من ابتكار العقل البشري، وتتأثر باعتبارات مثل: سلامة النظام الاجتماعي، وأهمية الحفاظ على الحياة، واعتداء شخص على آخر. إن نظرية هوبز تقرر أن الأخلاق يجب أن تقوم على قوانين موضوعية يتوصل لها العقل البشري، وليس اعتمادًا على التقاليد أو السلطة الدينية للنصوص المقدسة(14). وقد أدت إلى تأسيس مفهوم جديد وحديث عن العلاقة بين القانون والأخلاق في ذلك الوقت، وهذا المفهوم الحديث هو ما تُسلّم به الدوائر الفلسفية الغربية(15). أهم ما يتعلق بهذا التغيير الجذري أنه يعتبر نقطة تحول فاصلة في التاريخ. إن مصادر العقل، وبالتالي اللزوم والوجوب وغير ذلك من أفكار الضرورات الحتمية عند كانط “Kant” صارت الآن تكمن في النفس، في القوى البشرية الداخلية، ولم تعد نتاجًا فكريًا في النظام الكوني بالمفهوم الأرسطي أو الأفلاطوني، أو غيرهما، أو حقيقة ثقافية، أو تتخذ المثال الإنساني مقياسًا لها كما ذهب بروتاجوراس Protagoras”” الفيلسوف اليوناني. وبفعل ذلك تقطع الحرية – كما فعل العقل – علاقتها مع العالم الخارجي وتصبح جزءًا من النفس البشرية، وتدور معها دائمًا في حدودها. إن الفيلسوف نيتشه قد أخذ ثنائية ديكارت “Descartes” إلى أكثر نتائجها تطرفًا، فهو في كثير من الأحوال قد قلب الأخلاق الأوروبية المسيحية التي أسسها القديس توما الإكويني “Thomas Aquinas” رأسًا على عقب؛ فالرابط المتداخل بين ما ينبغي أن يكون وما هو قائم بالفعل في العالم المسيحي، قد تفرع عند ديكارت وكانط، في حين أزاله تمامًا نيتشه، مع العلم أن الوضعية القانونية عند أوستن “Austen” لم تذهب إلى ذلك الحد الذي ذهب إليه فكر نيتشه، لكنها بوضوح تشير أنه لا مكان للأخلاق في القانون وهو الموقف الذي اختلف عند هارت Hart”” الذي جادل بأن هناك تداخلات أخلاقية كامنة في القانون. إذن الانقسام بين القانون والأخلاق له مرجعية فلسفية في أوروبا، وأصبح لاحقًا مُسلَّما به، وشكّل حقيقة علمية، وأثر ذلك في القانون الإسلامي، حتى صار يدعي كثير من المستشرقين أن القانون الإسلامي لا يمتلك نظرية تعاقدية، أو أنه لا يفرق بين القانون الموضوعي والقانون الإجرائي، وأنه لا يميز بين الأخلاق والقانون وانتقادات أخرى(16). وإذا كان المصطلح الأخلاقي كما يفهم في عصر الحداثة لم يوجد في الإسلام قبل الحداثة؛ فإن التمايز بين الأخلاق والقانون لم يكن له وجود كذلك، لا في الشريعة عامة ولا في القرآن خاصة. وقد أصبح مصطلحًا قانونيًا متأثرًا أيدلوجيًا بأفكار ميشيل فوكو عن المراقبة والعقاب والهيمنة على الأفراد الذين يخضعون للسلطة، وهذه كلها آليات للتحكم تجعل فهمنا الحديث للقانون ينسحب على فهمنا للأخلاق مختلفًا عن أي نظام قانوني سابق، وبناء عليه فإنه مختلف عن أي مفاهيم سابقة عن القانون، فما هو قانوني في القرآن هو كذلك أخلاقي، والعكس صحيح. ويرى حلاق أنه “يمكننا حتى أن نقلب التحيزات الحديثة، ونقول: إن القانون كان في الأساس مشتق من الأخلاق، وبهذا تكون الأخلاق هي الأصل، إذا بحثنا عن مفهوم القانون الخالص وفصلناه عن المساحة الأخلاقية الواسعة لا يعني مجرد سوء فهم لمقاصد القرآن فحسب؛ بل سيقودنا هذا أيضًا إلى تفكيك البنى المعرفية للشريعة كلها(17).

ثالثًا: سيادة الشريعة (القانون) على الحكم (اللا دولة) السياسي:

أما بالنسبة إلى آلية التشريع وعلاقتها بالأخلاق في السياق الإسلامي بالطبع فإنها تختلف جذريًا عنها في السياق الغربي، فإن الفقهاء المتخصصين طبقة مكونة من علماء غير رسميين جعلت من دراسة الفقه أمرًا تعبديًا، وهم لم ينشأوا من الطبقة السياسية المتمايزة عن غيرها، كما كان الحال في الغالب بالنسبة إلى فقهاء الرومان خلال الفترة الجمهورية، كما أنهم لم يحصلوا على مقابل مادي لجهودهم في دراسة الفقه، كذلك لا يستقيم الفقه النظري إلا إذا عُمِل به؛ لذلك فإن الاستقراء والاستنباط، وكل المنهجيات الفكرية، ومحاولة فهم ما ينبغي فعله في كل موقف (الإفتاء) كان نوعًا من التعبد بالنسبة إليهم، وعليه فتقليد النظام المتبع في المؤسسة الرومانية لم يكن ليؤدي لنشأة هذه الظاهرة، وأهم ما في الأمر أن القادة السياسيين (ولاة الأمر) لم يحاولوا أبدًا أن يشرعوا للدولة التي سرعان ما صارت إمبراطورية إسلامية، على الرغم من امتلاكهم لكل وسائل الإكراه والقوة السياسية، وإنهم على الرغم من اهتمامهم بدراسة الفقه قد تركوا إصدار الأحكام الفقهية للعلماء غير الرسميين الذين لم يكونوا جزءًا من الجهاز التنفيذي على الإطلاق، ولم يفكروا يومًا في تشريع قانون للإمبراطورية كما فعل الأباطرة الرومان، أو البيزنطيون، أو الصينيون(18)، وكانت البنية الدستورية للإسلام تطبق سيادة القانون بصورة أكثر كفاءة من أي مثيلاتها المعاصرة، بما في ذلك النظام الأورو الأمريكي، ومن المعلوم أن النظام الإسلامي كان أيضًا غير مسبوق، فلم يكن في الثقافة السياسية للشرق الأدنى التي كان المسلمون المؤسسون الأوائل على اتصال بها قد طورت أي مفهوم مماثل عن سيادة القانون، وبالتالي أي نظام فعال للفصل بين السلطات(19)، لذلك تعد الحوكمة الحديثة هوية بسيطة بين الدولة وأفرادها؛ حيث يتداخل المجتمع والثقافة مع الحكومة والحكم. ويرى فوكو أن الفرد القومي الحديث والمواطن في الدولة الحديثة قد نشأ كنموذج مصغر للكيان الأكبر وهو الدولة، وتأسيسًا على تلك الفكرة جاء قول فوكو وما بعد البنيوية وغيرهم بأن الدولة في كل مكان، وأن من الخداع البحث عن انقسام ذي مغزى بين الدولة والثقافة، ما دامت الدولة تُشكّل المواطن، وما دام المواطن بدوره كائنًا اجتماعيًا ونفسيًا وسياسيًا وثقافيًا شكل الدولة(20)، وإذا كان الإحكام والقوة والمراقبة والحماية في أوروبا أدوات لتدريب مواطن مطيع، وفي الوقت ذاته، كفء ومنتج ماديًا، ويدين بالولاء السياسي للدولة القانونية، فإن الخضوع والحاكمية بمعناها الصحيح في القرآن إنما يكون للسلطة الإلهية من أجل إنتاج أنساق من الأجواء العامة الصالحة، والمحاسبة الأخلاقية، والمسؤولية الاجتماعية، وهذا كله من أجل العدالة التي هي مبدأ أساسي في الشريعة الإسلامية(21)

رابعًا: نطاق التشريع في السياق الإسلامي:

جادل کولسن “Coulson” أن الأحكام القرآنية بدأت تعدِل الممارسات المبنية على العادات والعرف، بصورة متدرجة ومستمرة خلال القرن الهجري الأول، لكنه غير مقتنع بحجم الآيات التشريعية في القرآن عند مقارنتها مع الوصايا الأخلاقية، فمن بين 500 آية تشريع أو أكثر 80 آية فحسب هي التي تتعلق بموضوعات قانونية خالصة، أما الآيات الأخرى فلا تدخل في التصنيف القانوني؛ لأنها تتعلق بالفروض التكليفية، كالعبادات: الصلاة، والصوم، والحج، وعلى الرغم من أن الآيات التشريعية تناولت تفاصيل كثيرة إلا أنها ما زالت – من وجهة نظره – لا تمثل إلا حلولًا لمشكلات معينة، من كونها محاولة لمعالجة الموضوعات العامة معالجة كاملة شاملة، فهو ينظر للقرآن على أنه مدونة قانونية، ويزداد الأمر إشكالًا عندما يظن كولسن وكثير من المستشرقين أن معظم القيم الأخلاقية في القرآن ليست لها آلية إلزامية واقعية في هذا العالم(22). برأي حلاق يفترض كولسن بأنه لا يكون لتلك القيم تأثير قانوني حقيقي إلا إذا كان لها مثل تلك الآلية، ومن ثم فإن القانون لا يعتبر قانونًا في الحقيقة إلا إذا ارتبط مع أحد مفاهيم الإلزام والإكراه سواء في ذاتها أم بالتبعية، أما إذا كانت النصوص القرآنية لا تتوافق مع تلك المفاهيم، فهي لا تعدو أن تكون مجرد وصايا أخلاقية لا قوة لها شأنها شأن أي مواعظ دينية(23). وهذا بالطبع تصوّر مغلوط في فهم أحكام الشريعة، فالطرح الحالي متأثر في تعريف الأحكام الشريعة بسياق المعنى الحداثي القانوني للأحكام، هذا الطرح مجرد من معاني الأخلاق في الشريعة الإسلامية.

إن الأصل في القواعد أنها أخلاقية تحدد سلوك كل فرد بالنظر إلى ذاته ونفسه؛ من حيث كمالها والسمو بها، وفي هذا السبيل تفرض الشريعة واجبات أخلاقية شتى لسمو الإنسان، لأن تلك من المهمة الأولى للشريعة، والجزاء على الإخلال بهذا الواجب عدم قبول الرأي العام، وجزاء في الدار الأخرى، وهذه السلطات تنافس بقوة سلطان الجزاء الدنيوي. على أن القاعدة الأخلاقية قد ترتقي إلى قاعدة شرعية فقهية تحدد سلوك الفرد بالنسبة لغيره؛ إذا ترتب على الإخلال بها الضرر بالناس، وذلك بترتيب جزاء دنيوي فتواجه أثر الإخلال بالواجبات إلى الغير، وتقرّر للمضرور حقًا في الضمان أو التعويض عما لحق به من ضرر قضائيًا. وفي الحقيقة إن القاعدة الشرعية، مثل: قاعدة منع الضرر، وقاعدة نفي الحرج، وقاعدة الأمور بمقاصدها؛ نجدها كلها قواعد أخلاقية في الأصل، أصبحت قواعد شرعية لحماية قيم الإنسانية في المجتمع والفقه الإسلامي، بما هو ديني الصبغة يتسق مع كل قاعده أخلاقية كانت أم فقهية؛ للتأكيد على الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة وهو جلب المصالح ودرء المفاسد، وكل هذه الأحكام مرتبطة بالضرورات الخمس(24). إن الحكم الشرعي منشأ الحق، وفي اعتبار الحق شرعيًا من استناده إلى تقرير الشارع وتقريره إنما يكون بحكم، ولما كانت الأحكام في الشريعة عند جمهور الأصوليين والفقهاء معلقة بمصالح العباد في الدارين جملة وتفصيلًا، وبمعنى أن الحكم في الشريعة مندمج مع ما هو أخلاقي، ويمكن تعليله، عدا كل ما يتعلق بالعبادات والمقادير الشرعية، مما لا يستقل العقل بإدراكه. ويذكر الإمام الشاطبي أن الشارع وضع الأحكام في مصالح العباد في العاجل والآجل معًا، ودليله الاستقراء الذي يؤدي إلى القطعية، استقراء النصوص يُبيّن المقاصد التي تقع ضمن ثلاثة منازل: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات(25). وفيما يتعلق بالاستدلال القياسي أصر الشافعي(26) على أنه لاستخدام أي علة – نسبة تشريعية بمفهوم القانون الحديث – يجب أن يتم تتبعها بشكل صريح إلى نص إلهي موثق من أجل أن تكون صالحة كأساس للقياس، ولا تُعزى إلى تقليد أهل المدينة، حسب رأي المالكية. واقترح الغزالي(27) بصفته من أتباع الشافعية تسوية بارزة؛ حيث يمكن أن يسمح الاجتهاد القائم على أغراض الشريعة الإسلامية بالاستدلال القانوني القياسي من مبدأ عام، ولا يرتبط بشكل خاص بنص معين، بشرط أن يحتفظ بواحد أو أكثر من أغراض المقاصد الخمسة. بهذه الطريقة اقترح الغزالي استخدام النصّ والنظر في المقصد، من أجل استنباط القاعدة. يمكن القيام بذلك باستخدام مصادر غير نصية، وفي الوقت نفسه، عدم الوقوع في فخ الذاتية. في رأي الغزالي فإن القانون هو مزيج بين النص المنزل ومبادئه القانونية المتجذرة والأغراض العليا للقانون. في هذا الصدد تعتبر المالكية أن المصلحة هي نفسها قاعدة من قواعد الشريعة، ونتيجة لذلك ليس من العائق بالنسبة للمالكيين دمج المصالح التي ليس لها مصدر نصي في اجتهادهم. ومع ذلك عندما تسكت الشريعة تمامًا عن أي أمر فهذه علامة أكيدة على أن المصلحة المعنية ليست أكثر من مصلحة خادعة لا تصلح للتشريع.

وأعرب الشاطبي عن وجهة نظر مفادها أن الطريقة الاستقرائية يمكن أن تخلق فكرة المصلحة في الشريعة، كموضوع عام … وأيضًا في وصف العلة للأوامر المختلفة بالتفصيل. ويؤكد الشاطبي أن بلوغ المصالح غاية نهائية للشريعة الإسلامية على أساس الدراسة الاستقرائية للشريعة الإسلامية. ويلاحظ الشاطبي أن المقارنات الدالة على الدلالة، ونقاط (الحكمة) الكامنة وراء أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمعاملات الاجتماعية والاقتصادية (المعاملات)؛ غالبًا ما يتم تحديدها بوضوح في المصادر النصية للقانون، والتي يعتبرها مؤشرًا على أنه من المتوقع أن يهتم (الباحث الشرعي – القانوني) باتباع مقاصد تلك الأحكام عند تطبيقها وألا يهتم فقط بالتمسك بصيغة الحكم(28).

ويعلق حلاق قائلًا: “هذه الطريقة الجديدة ليست كالطريقة التقليدية، فهي تتجاوز النظرة الوحدوية للقرآن لدى بعض الفقهاء. ويقدم الشاطبي نظرية فريدة من نوعها يُنظر فيها إلى النص باعتباره وحدة متكاملة”(29) ، في نظر الشاطبي يمكن أن يخلق هذا نظرة ضيقة ومائلة للقانون، ويفتقد أهمية المصلحة بسبب عدم مراعاة مجمل المصادر الموثوقة.

وينتقد الشاطبي اعتماد الفقهاء المفرط على القياس الشكلي في استنباط الأحكام القانونية على أساس قضايا ثابتة معزولة، بالاعتماد على القياس ينحصر عمل الفقيه في الصيد، وإيجاد حالة واحدة واضحة يمكن أن يستمد منها العلة ومن ثم إصدار أحكام جديدة.

من ناحية يمكن النظر إلى حجة الشاطبي على أنها إدانة لعقيدة الوحدوية التي تسود جميع مجالات الفكر الإسلامي الكلاسيكي، لقد أثرت الخاصية الوحدوية للتركيز على الخاص مقابل العالمي بشكل كبير على الفكر الإسلامي، بما في ذلك النظرية القانونية، وهدف الشاطبي هو تخفيف سيطرة المذهب الوحدوي على النظرية القانونية من خلال إدخال مقاربة شاملة للقانون في التفكير القانوني، بدلًا من نهج خاص تمامًا، ويصنف الشاطبي إلى جانب الشافعي من حيث الأهمية: لأن عرضه لهدف وروح الشريعة الإسلامية أتاح للشريعة الإسلامية الخروج من الضيق الذي قاده التقيد الصارم بالحدود التي حددها البعض في أصول الفقه، مهد أصول فقه الشافعي الطريق لعلم الفقه الذي حدد الأصول من حيث المصادر، وحصر بعض الفقهاء أسلوب الاستنباط الشرعي في القياس، وأدت هذه الطريقة إلى طريق مسدود في حل المشاكل القانونية الحديثة في غياب السوابق، وسعى الشاطبي للخروج من هذا المأزق من خلال مذهبه في مقاصد الشريعة.

خامسًا: التباس نطاق التشريع بين السياق الشرعي والغربي

إن القاعدة القانونية تنظم الأفعال البشرية بالإضافة إلى قواعد أخرى مثل قواعد الأخلاق وقواعد الدين وقواعد الشرف، وحسب الوضعية القانونية ما يميز القاعدة القانونية عن غيرها من القواعد الأخرى أن المصدر الذي يضمن الجزاء في القاعدة القانونية السلطة العمومية(30)، لكن غارديس Gardish يقول: إن الفرق بين القانوني وغير القانوني هو فرق في الدرجة؛ ففي الضمير الجمعي يُحدِث خرق القاعدة القانونية أثرًا أكبر من الأثر الذي خلق القاعدة الأخلاقية. لكن قد ينقض هذا القول مؤكدًا أن ثمة حالات يكون فيها أثر عدم احترام القاعدة الأخلاقية أشد وقعًا من أثر عدم تطبيق القاعدة القانونية، ويعرض غارديس للقارئ قول كوبتن Copton، ومضمون هذا القول أن ميدان القاعدة الأخلاقية أوسع من ميدان القاعدة القانونية؛ إذ إن الأولى تشمل زيادة على علاقة الفرد بأمثاله علاقة الفرد بنفسه، وعلاقة الفرد بالله تعالى، ويجادل عبد المجيد في أنه يمكن أن نزيد ونقول إنه حتى في إطار علاقة الفرد بالفرد هناك جوانب لا تغطيها القاعدة القانونية، بل القاعدة الأخلاقية تغطي ذلك، مثلًا لا يعاقب القانون شخصًا لا يرد السلام، بينما تفعل الأخلاق ذلك على الأقل في حالات معينة، هذا قول البعض لكن غارديس يرد أن هذا الكلام صالح في إطار القوانين الغربية المعاصرة، وهو ليس صحيحًا في أطر أخرى فكم من أنظمة وكم من إمبراطوريات أجبرت -قانونيًا- الأفراد على عبادة إله معين، ثم إنه لا توجد قوانين تناولت الانتحار/ محاولة الانتحار؛ أي تناولت العلاقة بين الفرد ونفسه في السياق الغربي، أين يكون إذن الفرق بين القاعدة القانونية والأخلاقية على مستوى البنية، فلا فرق على هذا المستوى للقاعدة الأولى عن الثانية؛ لأنه يمكن ما يتعلق بالبنية أن نتحدث عن قاعدة تنظم السلوك وحسب، ونصفها في الحالتين القانونية والأخلاقية؛ من حيث إننا نتحدث عن كون القاعدة توجب وتمنع وتبيح، وأما على مستوى الطبيعة، يوجد فرق يتمثل في أن القاعدة القانونية مرتبطة بالجزاء إن غاب غابت، هل هذا يعني أن أدوات السلطة التنفيذية هي العنصر الأساس في القاعدة القانونية؟ ينبغي القول إن الجزاء المرتبط بالقاعدة يكون عنيفًا، لكن أحكام قانون الكنيسة الكاثوليكية مثلًا مرتبطة بعقوبات من دون عنف، وإن هذا المثال للقانون الكنسي يظهر أن القانون لا يفترض وجود دولة، إذن الفرق بين القانون والأخلاق لا يكمن في أن العقوبة في القانون توقعها السلطة العمومية والعقوبة في الأخلاق لا توقعها هذه السلطة، بل الفرق أن الأخلاق ليس مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالعقوبة وإن كانت إلهية وهذا خلافٌ للقانون(31).

من هنا نفهم قول أرسطو ومن بعده القديس توما الإكويني بأن القانون يهدف إلى إصلاح الفعل الخارجي الذي يمكن للغير أن يتحكم فيه، ومن ثم ما يمكن أن يعاقب عليه هذا الفارق في الطبيعة بين القانون والأخلاق، وهذا لم يمنع دولة كليانية من فرض قوانين تتعلق بالعقيدة، لكن هذه القوانين غير قابلة للتطبيق، وهكذا فإن ما يمنع القانون من أن يوسع في مجاله، ومن أن يتمدد إلى ما تمددت إليه الأخلاق؛ أن القانون لا يستطيع أن يطبق في هذه الحالة. من كل ما تقدم يُخلص إلى أن الأخلاق غير مرتبطة بالجزاء، وإن كان هذا الجزاء القانوني مرتبطًا ارتباطًا بالدولة أو غير الدولة، هذا عن الفرق أما عن علاقة القانوني والأخلاقي فالأخلاق يمكن أيضًا أن نستثني الحالات النادرة التي يقر فيها القانون بقاعدة أخلاقية أو يأتي بقاعدة لا تتلاءم مع الأخلاق، أن تتمثل في أن يعاقب القانون ما هو مناف للأخلاق؛ بهذا يضيف القانون الجزاء، ويدعم بذلك الأخلاق، ويتجاهل القانون بعض القواعد الأخلاقية مثلًا ألا يتناول من قام بمحاولة الانتحار. يمكن أن نرى فارقًا آخر بين القانون والأخلاق من زاوية أخرى، القانون يعاقب المخالف ولا يثيب المحترم والمنفذ للقانون، أما في الأخلاق فيمكن أن يكون الجزاء لا سلبيًا فحسب بل إيجابيًا أيضًا(32).

 في الحديث عن مفهوم الالتزام “القانوني” في سياق الوضعية القانونية يقول دوركين Dworkin إن لدينا فهمًا هشًا للغاية لهذه المفاهيم، ويمكن قول الشيء نفسه عن فكرة القانون نفسها؛ لأنه كما يقول دوركين: “نحن معتادون على تلخيص مشاكلنا في مسألة الفقه الكلاسيكية: ما هو “القانون”؟(33) في الإجابة عن هذا السؤال ترى الوضعية القانونية النظرية العامة لما هو القانون – عام بمعنى أنه غير مرتبط بنظام قانوني معين، أو ثقافة قانونية، ولكن يسعى لإعطاء توضيح وتبيان معنى القانون(34). ماذا تقول الوضعية القانونية عن القانون إذن؟ التوصيف الذي قدمه دوركين، يؤكد أن الوضعية القانونية، أولًا: إن القوانين هي قواعد مدعومة من القوة العامة، التي يستخدمها مجتمع من الناس، لتنظيم أعمالهم والشؤون في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، لكن الأكثر إثارة للاهتمام “هذه … القواعد يمكن تحديدها وتمييزها بمعايير محددة، عن طريق الاختبارات التي لا تتعلق بالمحتوى ولكن بنسبتها أو الطريقة التي بها اعتمدت أو تطورت(35) ، النظام القانوني لديه اختبار أساسي للقانون في شكل قاعدة تقريرية(36). ثانيًا: إن مجموعة من هذه القواعد القانونية الصحيحة هي شاملة لكل من “القانون”؛ بحيث إذا لا تغطي هذه القاعدة حالة شخص ما بشكل واضح … ثم لا يمكن أن تقرر هذه القضية من خلال التطبيق الجاف للقانون، بل يجب أن يقررها بعض المسؤولين مثل القاضي عند ممارسة سلطته التقديرية، وهو ما يعني التخطي وراء القانون لجلب أنواع من المعايير لإرشاده في تصنيع قاعدة قانونية جديدة أو تكملة قاعدة قديمة.. ثالثًا: [يقول] دوركين: إن شخصًا ما لديه التزام قانوني، هو القول إن قضيته تقع بموجب قاعدة قانونية صالحة تتطلب منه القيام به أو الامتناع عن القيام بشيء ما…. في غياب مثل هذه القاعدة القانونية الصحيحة لا يوجد أي التزام قانوني. الجدل الذي يطرحه دوركين بعدم وجود تمييز نهائي بين القواعد القانونية والمعايير الأخلاقية هو بالضبط ما ينكره جون أوستن في هذه الكلمات الشهيرة: وجود القانون هو شيء بعينه؛ الفضل أو الجدارة، والنقص هو آخر، سواء كان استفسارًا واحدًا أم لا، سواء كان ذلك متوافقًا مع معيار مفترض أم غير متوافق، فهو تحقيق مختلف القانون، الموجود بالفعل، هو قانون على الرغم من أننا نكرهه أو أنه قد يختلف عن النص الذي ننظم بموجبه أنفسنا استحسنناه أو ورفضناه “(37).

في السياق الإسلامي جادلت المعتزلة بأن العدالة معروفة من خلال العقل البشري، وفي القطب الآخر جادل (أهل الحديث) والأشاعرة أن السبب (العقلانية) هو بالضرورة نزوي ومتقلب، وأن العدالة لا تتحقق إلا من خلال الوحي بالمقابل، على حد تعبير عبد الجبار إن الوحي يكشف فقط جوانب في خصيصة هذه الأفعال التي يجب أن نتعرف على شرورها أو صلاحها من خلال التعقل، لأننا إذا عرفنا أن الصلاة ذات فائدة عظيمة لنا … وأننا سنكافأ في الحياة الآخرة؛ كان ينبغي لنا أن نعرف طابعها الإلزامي [أيضًا] بسبب التعقل، لذلك نقول إن الوحي لا يستلزم وجوب الشر أو الخير من أي شيء، فإنه يكشف فقط عن خصيصة الفعل عن طريق الإشارة إليه، لكن من غير المقبول عمومًا الادعاء أن المعتزلة كانوا نفعيين. وفقًا لحوراني. اختار المعتزلة تحديد المصطلحات الأساسية للأخلاقيات بطرق تتفادى الغائية، أخلاقيات المعتزلة تحاول تحديد أن الفعل صحيح أم خاطئ؛ لأنها تفسر واجبًا (إلزاميا) حسنًا وقبيحًا (سيئًا) ليس بالكامل، من خلال العلاقات مع المآلات، ولكن في بعض الأحيان على الأقل تخصيصه الأفعال نفسها(38).

خاتمة

تقر المدرسة الوضعية متمثلة بهارت أن للقانون مكنونات أخلاقية، ويؤكد دوركين أنه في بعض المسائل نحتاج أن نذهب إلى ما وراء القانون لنُقر قاعدة قانونية أو ننشئ قاعدة جديدة، إذن لا يمكن فصل الأخلاق عن القانون بالتمام، بالمقابل تُقرّ المدارس القانونية الغربية باستخدام العقلانية في التشريع، وتقر بوجود أنساق ومنظومات قانونية موضوعية وضعية يتوصل لها العقل البشري من فعل الإنسان الحداثي العقلاني غير الموضوعي (النسبي)، بالمقابل فإن بناء نظرية معرفة قانونية بحسب منهجية منسقة ترتكز على مرجعية النص الشرعي، يعتبرها البعض تنافي العقلانية، ولا يجدر بنا الانغلاق ضمن نسق وجودي أو ديني ما، الحقيقة أن نمط وأسلوب حياة العقلانية الحداثية مضبوطة ومفيدة بمنظومات وأنساق في جميع مجالات الحياة ومن ضمنها التقييدات القانونية، وفي هذا السياق تجد أن مبادئ العقلانية يتم تبنيها مع الزعم أنها ليست مبنية على أي مبدأ عقلي وأية أسس قبلية، والواقع أن هذا الزعم يظل مجرد ادعاء وهمي دون أي تحقق فعلي في سلوكه التفكري والعملي؛ لأن العقلاني حين يفكر وينتج معرفة قانونية ما ينطلق من نسق معرفي ما، أو نظرية قانونية معينة في البحث العلمي، ويعالج معطيات بحثه بمبادئ عقلية ومعارف قبلية ما، وإلا لما كانت هناك أي إمكانية لإنتاج معرفة عملية.

والسؤال المثير للجدل هنا: هل القانون قوالب جاهزة لتنظيم المجتمع أم أن المجتمع يضع القانون لتنظيمه؟ لا تنسف المجتمعات تقاليدها ومورثها العلمي، مثلًا المذهب التفسيري يستند إلى نص ومرجعية، الذي يرجع إلى مقاصد واضعي الدستور الأمريكي. إذن في تحديد أخلاقية التشريع في السياق الإسلامي نستند إلى مرجعية شرعية مبنية على نظرية معرفة إسلامية خاصة، مرتبطة بوجودية إيمان، وترتكز على منهجية تأسست من خلال علم أصول الفقه، العملية متشابكة ليست عامودية وتتضمن تحليلًا لأحكام الشريعة، وليست المسألة تقنية مجردة؛ إذ إن ربطها بالمقاصد الشرعية والمصالح يجعلها مختلطة بالأخلاق، لذلك في التقنين الشرعي هناك وجود للمبادئ والسياسات والمعايير التي يفتقرها القانون الغربي الخالص. وصف أبو حنيفة الفقه بأنه معرفة الروح/ النفس حقوقها وواجباتها، وفي الخطاب الفقهي التقوى والأخلاق والقانون تتحد في رواية واحدة متماسكة، تتشابه المعتزلة مع أنصار القانون الطبيعي في السياق الغربي؛ حيث للعقل منزلة أولى، أما الأشعرية فتتفق مع مدرسة الوضعية القانونية في أنّ المرجعية الأولى للنص، غير أن الاختلاف الجذري هنا أن ثوابت النص الشرعي وقطعياته لا تتبدل وتتغير بمرور الزمان، إلا أنه بالنسبة للقانون الوضعي فما هو لازم وضروري وقطعي في مرحلة ما من التاريخ قد يتغير ويتبدل بتطور المجتمع، والذي حاجته هي التي تتحكم بمشروعية القوانين، علمًا بأن تقدير العامة لما هو مناسب لها مثار جدل في النظريات القانونية الغربية؛ فمنهم من يرى بتقيد العامة في تحديد مصلحة المجتمع، وهذا يقع في صلب نقد مفهوم الديمقراطية، مثلًا كانت العلاقة الزوجية الشرعية لا تتم إلا من خلال عقد يقرّه القانون، وبطابع رسمي، بل حتى مكان انعقاد العلاقة (الكنيسة) كان شرطًا أساسيًا، لكن بمرور الزمن وبموت الكنيسة صارت العلاقة الزوجية تعتبر شرعية في إطار خارج عقد زواج رسمي، مثلًا في إطار القانون العقلاني، ولما احتكرت الدولة صفة المشرع، وصارت هي من يحدد ما هو قانوني أو غير قانوني غير مكترثة لأخلاقية هذا التقنين، ولطالما الأمر صدر من قبل الدولة صاحبة السيادة فيجب أن يُطاع، مع أنه هنا أيضًا حصل تقييد للحريات من قبل الدول التي فرضت نفسها وأيديولوجيتها الفكرية والسياسية من خلال القانون في عملية التقنين وفي الحالة الجيدة – ليس ليبيرالية متطرفة – الدولة تُشرّع، وتكون منحازة، وغير موضوعية؛ لأن الأمر لا يسمح أن تكون غير منحازة، لذا عملية تحديد الحرية المجتمعية نسبية وضابطها موافقة غالبية المجتمع. لكن بما أن التشريعات تلك بحسب تصنيف أبو حامد الغزالي في كتاب محك النظر تتعلق بالمشهورات، مثل تحديد أن الكذب قبيح، تعتمد على شهادة الكل أو الأكثر أو شهادة الجماهير. إذن المشهورات لا تُضفي إلى يقين، وهي نسبية ومحل خلاف ونظر، بحسب الجهة المشرعة، وبما أن هذه الجهة تتبع توجهًا فكريًا معينًا؛ فعندما تُقين لا تأخذ بالحسبان الأخلاق، فقد تُلغي هذه القوانين أحد الثوابت الأخلاقية، فلا غرابة أن فرنسا سنت مؤخرًا قانونًا ووفق مبدأ الحرية المجتمعية، يحظر تسجيل كلمة أم أو أب في الاستمارات والأوراق الرسمية؛ بل أوجبت تسجيل والد رقم “1” و ” والد رقم 2، أما في الحالة الإسلامية فإن القانون ينشأ مستقلًا من خلال الفقهاء غير الرسميين، وكذلك هو في خدمة الفرد يحميه من سطوة الحكم السياسي، فطبقة الوسط المفتي غير الرسمي تضمن سيادة القانون على الحكم السياسي المؤدلج، إنّ الحرية المجتمعية بمفهوم القانون الحديث ليست من مقاصد الشريعة؛ بل العدل المجتمعي، والقسط المجتمعي هو المعنى المقاصدي السليم، الصورة الكلية هي أنه لا بد من أن تبقى المحكمات الشرعية ثابتة؛ لأن لها مقصودات تتعلق بالنظام الاجتماعي الإسلامي ككل، ولا يصح أن نلبس منظومة الحرية المجتمعية -كما يفهمها القانون الحديث- لباس مقاصد الشريعة، فالشريعة لها نظامها الخاص، ويُطبّق وفق نسق وجودي ومعرفي أصلاني متكامل دون تجزئة مخلة بمقاصده وأهدافه.

الهوامش:

  1. الدولة ككيان قانوني لها مركز قانوني معنوي، لها شخصيتها القانونية، تُقاضي وتُقاضى، مثلها مثل الشخص (الفرد) القانوني العادي.
  2. شارل مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، الجزء 1-2 (القاهرة: دار المعارف، 3591-4591).
  3. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة عادل زعيتر (بيروت: دار الرافدين، 2102).
  4. جون ستيوارت ميل، الحرية، تعريب طه السباعي ط1 (الإسكندرية: مكتبة ومطبعة الشعب، 2291).
  5. E.D. Hirsch, Validity in Interpretation (New Haven: Yale Univ. Press, 1967).
  6. كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 8102، ص 15).
  7. Young Robert, Postcolonialism: An Historical Introduction (Oxford UK: Blackwell, 2001).
  8. إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، (القاهرة: دار رؤية النشر والتوزيع، 8791).
  9. Michel Foucault. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language (New York: Barnes & Noble, 1972), p.114.
  10. Robert, p. 64.
  11. جورجو أغامبين، حالة الاستثناء، ترجمة: ناصر إسماعيل، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 5102، ص44.
  12. السابق نفسه.
  13. Marc Galanter. “The Modernisation of Law”, in: Myron Weiner, ed., Modermsation: The Dynamics of Growth (New York: Basic Books, 1966). pp. 153-165.
  14. Hannali Arendt, The Origins of Totalitarianism (San Diego: Harcourt, 1976), pp. 139-157.
  15. وائل حلاق، القرآن والشريعة: نحو دستورية إسلامية جديدة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 19102، ص 23.
  16. السابق، ص 53.
  17. السابق نفسه.
  18. Wael Hallaq. The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament, (U.S.A: Columbia University Press, 2013), pp. 48-70.
  19. Ibid. pp. 37-73.
  20. Michel Foucault, Power: Essential Works of Foucault, 1954-1984, edited by James Faubion, (New York: the New Press, 1973), pp. 207-220.
  21. Hallaq, pp. 79-89.
  22. N. J. Coulson, Introduction to Islamic Law (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1964), p. 34.
  23. حلاق، ص 52.
  24. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة دار ابن عفان، ط1، الأوقاف السعودية، 7991)، ص 52.
  25. السابق، ص 16.
  26. محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحليق أحمد محمد شاكر (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 8531هـ / 1940م)، ص 93.
  27. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المستصفى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي (القاهرة: دار الكتب العلمية، 3991)، ص 271.
  28. الشاطبي، ص 16.
  29. حلاق، ص 621.
  30. HL.A. Hart, The Concept of Law (Oxford New York: Clarendon Press, Oxford University Press, 2nd ed, 1994), p. 24.
  31. عبد المجيد الزروقي، أصول الفقه – مسار عملية استنباط القانون الإسلامي (منهجية الفقه وفلسفته (بيروت: دار الكتب العلمية 7102)، ص 13.
  32. السابق، ص 43
  33. Ronald Dworkin, Taking Rights Seriously (Cambridge, Mass. Cambridge University Press 1978), p. 14.
  34. Hart, p. 24.
  35. Dworkin, p. 17.
  36. Ibid. p. 59.
  37. John Austin, and Wilfrid E Rumble, The Province of Jurisprudence Determined (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), p. 157.

Fathi Hourani, Reason and Tradition in Islamic Ethics (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1985), p. 153.

المراجع

أولا: العربية

أغاميين، جورجو. حالة الاستثناء ترجمة ناصر إسماعيل القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015.

حلاق، وائل. القرآن والشريعة: نحو دستورية إسلامية جديدة. بيروت الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019.

روسو، جان جاك. العقد الاجتماعي. ترجمة عادل زعيتر. بيروت: دار الرافدين 2012.

الزروقي، عبد المجيد. أصول الفقه – مسار عملية استنباط القانون الإسلامي (منهجية الفقه) وفلسفته. بيروت: دار الكتب العلمية، 2017.

سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم العربية للشرق. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 1978.

الشاطبي. الموافقات في أصول الشريعة. دار ابن عفان، ط1، الأوقاف السعودية، 1997.

الشافعي، محمد بن إدريس. الرسالة. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1358هـ/1940م.

شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد المستصفى. تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي. القاهرة: دار الكتب العلمية، 1993.

مونتسكيو، شارل. روح الشرائع. ترجمة عادل زعيتر الجزء 1-2. القاهرة: دار المعارف، 1953-1954.

میل جون ستيوارت الحرية تعريب طه السباعي. ط1. الإسكندرية: مكتبة ومطبعة الشعب، 1922.

ثانيًا: الأجنبية

References:

Agamben, Giorgio. Aghambyn, jwrjw halat al-Istithna’. (in Arabic), trans Naşir Ismail. al-Qahirah: Madarat lil- Abhath wa-al-Nashr, 2015.

Al-Zarriqi, Abd al-Majid. usil al-fiqh-masar ‘amaliyat istinbat al-qamin al-Islami (manhajiyah al-fiqh) wa falsafanihu. (in Arabic), Bayrut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyah 2017.

Al-Shatibi al-Muwafaqat fi usul al-shari’ah. (in Arabic), al-Awqaf al-Sa’ūdīyah Ed., Dar Ibn ‘Affan, 1997.

Al-Shafi, Muhammad ibn Idris. Al-Risalah. (in Arabic), tahqiq Ahmad Mulhammad Shakir al-Qahimh: Mustafa al-Babi al-Halabi 1358 H-1940.

Al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad. M-Mustafa. (in Arabic), tahqiq Muhammad Abd al-Salam ‘Abd al-Shafi. al-Qahirah: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyah 1993.

Arendt, Hannah. The Origins of Totalitarianism New ed with added prefaces ed. San Diego New York London: Harcourt Brace Jovanovich, 1994.

Austin, John, and Wilfrid E Rumble, The Province of Jurisprudence Determined. Cambridge: Cambridge University Press 1995.

Bentham, Jeremy. An Introduction to the Principles of Morals and Legislation Dover ed. Mineola N.Y: Dover Publications, 2007.

Coulson, N. J. A. History of Islamic Law. Edinburgh University Press, 1964.

Dworkin, Ronald. Taking Rights Seriously. Cambridge, Mass… Cambridge University Press, 1978.

Foucault, Michel. Power: Essential Works of Foucault, 1954-1984, edited by James Faubion, New York: the New Press, 1973.

Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language. New York: Barnes & Noble, 1972.

Galanter, Marc. “The Modernisation of Law” in: Myron Weiner, ed., Modernisation: The Dynamics of Growth. New York: Basic Books, 1966.

Hallaq, Wä’il. Al-Qur’an wa-al-shari’ah: Nahwa dustūrīyat Islāmīyah jadidah. (in Arabic), Bayrüt: al-Shabakah al-Arabiyah lil-Abhith wa-al-Nashr, 2019.

Hallaq, Wael. The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. New York: Columbia University Press, 2013.

Hart. H. LA. The Concept of Law. 2 ed. Oxford New York: Clarendon Press, Oxford University Press, 1994.

Hourani, George. Reason and Tradition in Islamic Ethics. Cambridge: Cambridge University Press 1985.

Mill, John Stuart. Al-Hurriyah (in Arabic), ta rib Tāhā al-Sibā’ī, al-Iskandariyah: Maktabat wa-Matba’at al-Sha’b, 1″ Ed, 1922.

Montesquieu, Charles. Ruh al-shara T. (in Arabic), trans Adil Zu aytir. B 1-2, al-Qahirah: Dar al-Ma’arif, 1953- 1954.

Rousseau, Jean-Jacques. Al-‘Igd al-ijtimai. (in Arabic), trans ‘Adil Zu’aytir. Bayrüt: Dar al-Rafidayn 2012.

Said, Edward. Al-Istishraq: al-mafahim al-Gharbiyah lil-Sharq. (in Arabic), al-Qahirah: Dar ru’yah lil-Nashr wa-al-Tawzi, 1978.

Schmitt, Carl. Al-Lahut al-siyasi. (in Arabic), trans Raniyah al-Sahili wyasr alṣārwt. al-Dawḥah/Bayrüt: al-Markaz al-‘Arabi lil-Abbath wa-dirasat al-Siyāsāt, 2018.

Young, Robert. Post colonialism: An Historical Introduction. Oxford UK: Blackwell 2001.


* مجلة تجسير، المجلد الخامس، العدد 1 (2023)، تصدر عن مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية وتنشرها دار جامعة قطر.

** أستاذ مساعد في القانون، جامعة القدس فلسطين، ‏عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته..

ورقة بحثية للدكتور علي أحمد علي مرعي، جاءت بعنوان “من تاريخ التشريع الإسلامي: المنزلة التشريعية للسنة”، يتحدث فيها عن معنى السنة ومدى حجيتها ومنزلتها من القرآن الكريم.

حمّل الورقة من هنا

دراسة قام بترجمتها الباحث محمود عبد العزيز ونشرها مركز نهوض للدراسات والأبحاث من تأليف الدكتور أحمد عاطف الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، يستعرض فيها تاريخ أصول الفقه في أسلوب حكائي قصصي، وكأن أصول الفقه شخص يتحدث عن نفسه ويستعرض خصائصه وأهم مراحله وأبرز معالمه المنهجية وأعلامه المؤسسين والمطورين.

يمكنك تحميل البحث كاملًا من هنا