بحث للأستاذ الدكتور أحمد سعد البرعي منشور في المجلد (14) العدد (48) بمجلة دار الافتاء المصرية، جمهورية مصر العربية، الصادرة في يناير 2022م.
تناولت هذه الدراسة موضوعًا من أهم الموضوعات المثارة الآن، ألا وهو “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي”، وجاء في مقدمة هذه الدراسة:
فإنه لم يكن من المتوقع في يوم من الأيام أن يجد الفقهاء والقانونيون أنفسهم مطالبين بالبحث عن التكييفات الفقهية والطبيعة القانونية لآلات جامدة باتت تحمل من الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والقرار الذاتي، ما يجعلها قادرة على محاكاة السلوك البشري، والقيام بما يقوم به الإنسان من وظائف وأعمال.
فالذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد ضربًا من ضروب الخيال العلمي، ولم يعد البحث فيه وفي أحكامه نوعًا من أنواع الترف الفكري، بل إنه بات حقيقة واقعة يتجه العالم إليها بقوة، وستُبنى عليه في السنوات القادمة اقتصاديات دول، وميزانيات حكومات، فالمدن الذكية التي تطوَّر هنا وهناك، والمركبات المستقلة (Autonomous Vehicles (AV التي يتوقع لها أن تستحوذ على مكانة رئيسة في النقل والمواصلات في السنوات القليلة القادمة، والطائرات بدون طيار (Drones) واستعمالاتها المدنيَّة والتجارية التي انتشرت مؤخرًا، والتي ستسيطر في المستقبل القريب على مجال الشحن والتوصيل، بعد أن سُمح لشركات التجزئة وشركات البريد باستخدامها في مجال توصيل البضائع والطرود البريدية، وظهور الجيل الثاني من هذه الطائرات ذاتي التشغيل والتوجيه والتنفيذ (Autonomous Drones) وما يُثيره من القضايا الأخلاقية والشرعية والقانونية المتعلقة بالتسليح، والحدود الفاصلة بين المشروع منه والمحظور، وانتشار الوكلاء الأذكياء في التجارة الإلكترونية والاعتماد عليهم في إبرام العقود وتنفيذ المعاملات، وتطوير الروبوتات المستقلة التكيُّفيَّة، القادرة على التعلم الآلي، والتكيف الذاتي والتطور الاجتماعي، والتي ستقتحم مجال الخدمات المهنية والمنزلية والشخصيَّة في السنوات القادمة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا فقهية وقانونية تتعلق بتكييف طبيعتها الفقهية، وسط ما ينادي به بعضُ القانونيين اليومَ من إضفاء صفة «الشخصية القانونية» و«الأهلية» على هذه الروبوتات؛ نظرًا لما تحويه من ذكاء واستقلالية في التصرف يجعلها مغايرة تمام المغايرة لغيرها من الآلات التقليدية، والأجهزة الصماء، وما تثيره هذه الروبوتات من مسائل تتعلق بالمسؤولية والضمان في حال ما لو انفلتت فأحدثت ضررًا في نفس أو عضو أو مال، وكذا ما مكنت له التطورات في مجال تكنولوجيا النانو (Nanotechnology) من تطوير روبوتات نانوية يمكن زرعها في الأجسام البشرية لأداء وظائف معينة، ومهام متعدّدة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا وأحكام، إلى غير ذلك من القضايا الأخرى المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، والتي فرضت كثيرًا من المسائل والمستجدات أردتُ أن أتناولها بالبحث والبيان في هذه الدراسة، التي عنونت لها باسم: “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي“، راجيا الله تعالى أن تكون مفيدة في بابها، نافعة لكاتبها وقارئها، وأن تكون فاتحة خير للبحث الفقهي المتعمّق في هذه الموضوعات باعتبارها واحدة من أولى الدراسات الفقهية الموضوعة في هذا الباب، والتي جاءت كثير من التكييفات الفقهية فيها مبنية على تخريج ورأي مني، أسأل الله تعالى أن أكون قد وُفقت فيه، ويبقى المرجع دائمًا في مثل هذه النوازل والمستجدات إلى الاجتهاد الجماعي، والرأي المؤسسي.
وقد قُسمت هذه الدراسة إلى مقدمةٍ، وفصلين، وخاتمة؛ حيث تناولت المقدمة: أهمية البحث وخطة الدراسة، في حين تناول الفصل الأول الذكاء الاصطناعي وأدوات الثورة الصناعية الرابعة، بينما تناول الفصل الثاني الأحكام الفقهية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
بحث للدكتور أحمد نجيب قربي منشور في العدد (4)، المجلد (39) بمجلة الحقوق، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي الصادر في ديسمبر 2015م.
تناول البحث دراسة مبدأ القاضي الطبيعي الذي يُعد الجهة الأمينة على حق التقاضي، وذلك في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي؛ حيث تحوز فكرة القضاء الطبيعي أهمية كبيرة في أي نظام قانوني؛ لأن وضع ضوابط محددة لهذه الفكرة يساهم في إيجاد جهة قضائية يمكن للأفراد أن يأتمنوها على حقوقهم وحرياتهم، فالقضاء -والذي هو حصن الحقوق وموئل الحريات- يُشكل أحد الحصون المنيعة التي تقف في وجه السلطات إذا ما حاولت اغتيال هذه الحقوق والحريات أو إنقاصها.
وفي سبيل توضيح الفكرة السابقة قسم الباحث دراسته إلى أربعة مطالب، حيث تناول في المطلب الأول مفهوم القاضي الطبيعي في كل من الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وتوصل في نهاية المطلب إلى وضع تعريف محدد لمبدأ القاضي الطبيعي.
وفي المطلب الثاني قام بدراسة عناصر القضاء الطبيعي التي تتمثل في خمسة عناصر أساسية تتمثل في أن يكون إنشاء المحكمة وتحديد اختصاصها بقانون قبل نشوء الدعوى بشرط أن تكون ولايتها دائمة، وأن تتوافر في هيئة المحكمة ضمانات التخصص والكفاءة، وأن يضمن القانون لهذه الهيئة حصانة ضد العزل.
وبحث في المطلب الثالث شروط القاضي الطبيعي التي تجسدت في شَرْطَي كفالة حق الدفاع وتعدد درجات التقاضي.
ثم خصص المطلب الرابع لتوضيح مدى اعتبار بعض أنواع القضاء المتخصص -كالقضاء العسكري ومحاكم الأحداث- من القضاء الطبيعي.
نُشر هذا البحث في كتاب “وجوب تطبيق الشريعة والشبهات التي تُثار حول تطبيقها”، وهو كتاب يضم عدة بحوث قُدمت في مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام 1396هـ، يستعرض فيه الدكتور الزرقا -رحمه الله- الخطوط العريضة للنظام القانونى فى الشريعة الإسلامية، والقواعد التي أرساها في جميع فروع القانون الرئيسية المعروفة إلى اليوم، ويوضح صلاحها الدائم للتطبيق المنتج المحقق للعدل الحقوقي والاجتماعي، ثم كيفية النظر وطرق النظر التي بها تستجيب الشريعة الإسلامية لحاجات المجتمعات المتطورة في كل زمان ومكان. جاء البحث في فصلين، تناول الأول الحقوق الخاصة في كل من الأحوال الشخصية، والولاية والوصاية، والميراث، ثم انتقل للحديث عن الحقوق المدنية (المعاملات) فتناول الالتزامات والعقود والنظام الجنائي، ثم تحدث عن الحقوق العامة، فتعرض للحقوق الداخلية، في الناحيتين الدستورية والإدارية، والحقوق الخارجية، ثم طرح في الفصل الثاني سؤالًا عن كيفية استجابة الإسلام لحاجات الحياة المتطورة، وكيف أن طبيعة النصوص العامة في الشريعة الإسلامية أدت إلى اكتفائها الذاتي في المباديء الأساسية.
بحث للأستاذ الدكتور محمود نجيب حسني منشور في العدد (3)، المجلد (28) بالمجلة الجنائية القومية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الصادر في نوفمبر 1985م.
يتناول البحث موضوع مفهوم الدفاع الاجتماعي على الصعيد العربي ومظاهر الدفاع الاجتماعي في الشريعة الإسلامية”، حيث أشار في مقدمة هذه الدراسة إلى أن البحث في هذا الموضوع يتطلب تحديد المدلول العام للدفاع الاجتماعي كمذهب للسياسة الجنائية، والتعريف بأصوله، وبيان المفهوم العربى لهذا المدلول، والبحث فيما إذا كانت الشريعة الإسلامية قد تضمنت من الأصول والقواعد ما يتسق مع الأفكار التي يقوم عليها الدفاع الاجتماعي على نحو يمكن معه القول بأن الشريعة الإسلامية قد انطوت على نواة الأفكار التى قام عليها فيما بعد مذهب الدفاع الاجتماعي أو على الأقل أن تطبيق هذا المذهب لا يتعارض مع المبادىء الإساسية في الشريعة الاسلامية بل يمكن أن تلتئم معه بحيث تصبغه بطابعها وتضفي عليه من روحها، على نحو يجوز معه القول بنشوء مذهب جديد يطلق عليه تعبير “الدفاع الاجتماعي الإسلامي” قوامه مبادیء الدفاع الاجتماعى المجردة، وقد اصطبغت بالطابع الإسلامي المستلهم من المبادى الخالدة للشريعة الإسلامية.
وفي سبيل الإجابة على التساؤلات التي أثارتها الدراسة قسم سيادته هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: التعريف بالمبادىء الاساسية في الدفاع الاجتماعي، في حين عالج الفصل الثاني: مفهوم الدفاع الاجتماعى على الصعيد العربى، أي تطبيق مباديء الدفاع الاجتماعي في الوطن العربي، بينما عالج الفصل الثالث استقراء أهم مظاهر الدفاع الاجتماعي في الشريعة الإسلامية.
بحث بعنوان “الاتفاق على الأموال المشتركة بين الزوجين (راتب الزوجة بين الشريعة والقانون)” للدكتورة حفيظة طالب، نُشر في مجلة الحضارة الإسلامية العدد رقم (15) الصادر عام 2011. يتناول البحث قضية صارت شائكة في هذه الأيام، وهي الأموال المشتركة بين الزوجين، وكيفية النظر إلى راتب الزوجية بمنظور كل من الشريعة والقانون. وقد تضمن البحث الحديث عن نظرة الإسلام للمال وكون حفظ المال من الضرورات الخمس للشريعة، ثم انتقل للحديث عن حقوق المرأة المالية، وحقها في الملكية، وكذلك مشروعية تصرف أحد الزوجين في مال الآخر.
أُلقيت هذه المحاضرة في الملتقى السابع للفكر الإسلامي الذي عُقد في تيزي وزو بالجزائر في الفترة من 1-22 جمادى الثانية 1393هـ الموافق 1-22 يوليو 1973م، ونشرت هذه المحاضرة وما اشتملت عليه من تعليقات الحضور ضمن منشورات وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية الجزائرية في المجلد الأول، وتحديدًا من صفحة 399 حتى صفحة 472.
وجاء في بداية المحاضرة:
الشريعة الإسلامية مطبقة في تشريع المسلمين اليوم، أم غير مطبقة؟
ولذلك جواب يوجب الحسرة والأسى، ويضيق حتى يكون معناه الشريعة الإسلامية متحقق روحها في التشريعات القائمة اليوم، وإن لم تكن مطبقة بحذافيرها وغير قائمة حدودها ولا منفذة زواجرها الاجتماعية، ولا نظمها الاقتصادية، وقد يزداد في هذه المعنى، فيُدعى أن روحها قائمة في التشريع، لأنها قائمة على المصلحة الإنسانية فى زعم الزاعمين، وادعاها البعض متفقة مع هذا الزمان في كثير من المسائل!
كان هذا التشكيك في المعنى -أو الشك فيه- سببًا في حيرة المعنى؛ لأن الروح معنى فيه اتهام، إلا إذا قلنا أن روح القانون أو الشريعة إما أن تكون سالبة وإما أن تكون موجبة، وعلى ضوء هذا المعنى نقول علاقة القوانين المطبقة اليوم سالبة أم موجبة، أي للشريعة تأثير فيها أم ليس لها تأثير، بل مناقضة.
وحصر الشيخ أبو زهرة محاضرته حول ثلاثة موضوعات هي: مقام الشريعة من التطبيق في الماضي، ومغزى تطبيقها، والعلاج مع القوانين القائمة.
وقد خلص الشيخ أبو زهرة إلى أنه يجب على المسلمين في كل البقاع الإسلامية -قاصيها ودانيها- أن يرفعوا عن أنفسهم رق الحكام، ويجعلوهم مسئولين ككل الناس، وإلا استمر الضياع.
إقامة العدل مقصد رئيس من مقاصد الشريعة الإسلامية أكدته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ ومنها قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ” (النحل: 90) ، و” وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” (النساء: 58) وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ” إن المقسطين عند الله على منابر من نور”
وعبر تاريخهم فهم المسلمون ما تأمر به النصوص القطعية من وجوب إقامة العدل وتنزيله من إطاره النظري ضمن أطر ومؤسسات واقعية تضطلع بمهمة تطبيق العدالة، وفي هذا السياق أقيمت مؤسسة القضاء في الإسلام وعهد إليها بمهمة الفصل في المنازعات، ومنحت صلاحيات لبعض رجال الإدارة المحلية مثل: المحتسب ورجال الضبط “الشرطة” من أجل ضمان تنفيذ العدالة. وفي السطور التالية أحاول التطرق إلى بنية المؤسسة القضائية وخصائصها ومهام أفرادها، وأروم من ذلك إلى الإجابة عن سؤال كيف طبقت العدالة داخل السياق الإسلامي.
المؤسسة القضائية: البنية والمهام
المحكمة هي الجزء الأبرز داخل المنظومة القضائية الإسلامية، وهي تفصل في المنازعات التي ترفع إليها من المتنازعين، وقبيل أن نتطرق لهيكل المحكمة ينبغي الالتفات إلى أنه بينما تُحل معظم النزاعات في المجتمعات المعاصرة ضمن المؤسسة القضائية الرسمية إلا أن المجتمعات ما قبل العصر الحديث كانت تمتلك بعض الآليات التي تمكنها من حسم النزاعات قبيل الوصول إلى ساحة القضاء، وكان قضاة الشرع منخرطون في حل هذه النزاعات بشكل غير رسمي، ولذا كانت النزاعات التي ترفع إلى المحكمة محدودة العدد وجلها يتعلق بالجنايات أو البيوع والأوقاف، لأن معظم النزاعات قد تم تسويتها بشكل غير رسمي. وبصفة عامة كانت هيئة المحكمة مكونة من تنظيم هرمي يتألف من :
القاضي:
وهو أعلى منصب قضائي داخل المحكمة فصاحبه تلقى تعليما دينيا رفيعًا أهله لأن يصبح موضع ثقة الأهالي في الفصل في دعاويهم، وفي القرون الأولى كان القاضي ينظر القضايا في المسجد، وبمضي الوقت صارت المحكمة مؤسسة مستقلة لها قضاة معينون من قبل ولاة الأمر ، وكان القضاة يحكمون في القضايا استنادا إلى المدونة الفقهية التي هي جهد جماعي للفقهاء من مختلف العصور والأمصار، إذ لم يكن هناك قانون مدون مكتوب من صنع الحاكم كما هو الحال مع “قانون جستنيان” على سبيل المثال، وهو ما يعني أمران: أن القانون لم يكن مرتبطا بالنخبة الحاكمة ولم يصطبغ بطابع إقليمي معين، وأن إعمال القانون كان يعني تطبيق الشريعة الإسلامية.
كانت المهمة الرئيسة للقاضي هي الفصل في الدعاوى التي ترفع إليه وإصدار الحكم فيها وفقا للبينة التي يقدمها كل من المتداعيين، وينتقد بعض الدارسين القانونيين الغربيين ما أسموه “الدور السلبي للقاضي في عملية التقاضي” معتبرين أنه لم يكن يمتلك سلطة التحقيق في الدعوى وإنما اقتصر دوره على مراجعة الإجراءات القانونية وتقييم البينة (الشهادة)، فضلا عن أنه لم يمتلك سلطة إلزام المتنازعين المثول بين يديه كما يفعل المدعي العام في عصرنا، وهذا الانتقاد يغض الطرف عن مسألة هامة تميز القضاء الإسلامي وهي عدم انفراده بالفصل بالنزاعات إذ يلعب أفراد المجتمع المحلي دورا في العملية القضائية فالقاضي لا يصدر حكمه إلا بناء على الشهادة التي يؤديها أفراد المجتمع، فليس للقاضي تلك السلطة المطلقة التي يتمتع بها اليوم، من جانب آخر فإن مؤسسات الدولة في العصور الإسلامية لم تكن مؤسسات إلزامية، وكان تدخلها في حياة الأفراد هامشيا خلافا للعصور الحديثة التي تلعب فيه هذه المؤسسات دورا مركزيا بما لها من صفة إلزامية.
الشهود العدل:
وهم الذين يقوم القاضي بتعيينهم ضمن هيئة المحكمة ممن يتمتعون بالنزاهة الأخلاقية، وتتمثل مهمتهم في التحري عن عدالة واستقامة الأشخاص الذين لهم دعاوى أمام القضاء، وكثيرا ما كانوا يمثلون أمام المحكمة نيابة عن المتنازعين بصفة وكلاء، وكانت محاضر المحكمة عادة ما تذيل بتواقيع هؤلاء الشهود الذين كانوا عادة ما يكونون قادة محليين (فقهاء أو وجهاء أو ذوي مكانة اجتماعية) ولم يكن توقيعهم سوى موافقة جماعية على أن ما ورد بالمحضر من إجراءات وأحكام يلقى قبولا اجتماعيا فضلا عن القبول الشرعي.
كتبة المحكمة:
وهم المسئولون عن تدوين محاضر الدعاوى ضمن سجلات المحكمة، وقد اقتضت طبيعة عملهم وثيقة الارتباط بالفقه أن يكونوا ممن نالوا تعليما دينيا، وكانوا مثل الشهود العدول همزة وصل بين المحكمة والمجتمع المحلي الذي تأسست فيه المحكمة.
وإضافة إلى هؤلاء الذين يشكلون البنية المؤسسية القضائية، يمكن الحديث عن المتداعيين الذين يمثلون طواعية أمام المحكمة ويعرضون قضاياهم بشكل مباشر دون وسيط محترف (المحامي)، مستخدمين في ذلك لغة غير قانونية دون اعتراض من هيئة المحكمة، وكان هذا شائعا لأنه لم تكن هناك تلك الهوة التي تفصل بين المحكمة كمؤسسة شرعية/قانونية وبين من يلجأون إليها أيا كان وضعهم الاقتصادي والاجتماعي ومستواهم التعليمي، وليست طبيعة المحكمة -التي لا تتقاضى أتعابا باهظة ولا تتطلب معرفة قانونية خاصة- هي من جسرت هذه الهوة وإنما الفضل يعود إلى الأفراد أنفسهم؛ لأنه خلافا للمجتمع الحديث الذي يعاني اغترابا في مجال القانون فإن أفراد المجتمع الإسلامي كانوا على معرفة بالمنظومة القانونية للشريعة، وكانوا يعيشون أخلاق التشريع ومبادئه في ممارساتهم الاجتماعية، وهو ما جعل الشريعة عرفا حيا ومعاشا داخل المجتمع.
ضمانات العدالة:
جسدت المحكمة فكرة العدالة تجسيدا حيا بما وفرته من ضمانات كفلت للفئات الأضعف داخل المجتمع نظر قضاياهم بالقسط، ومن تلك الضمانات التي استخرجناها من مدونة الفقه الحنفي الذي كان معمولا به في الدولة العثمانية والولايات التابعة لها، والتي عرفت طريقها للتطبيق على يد قضاة الشرع:
أن أحكام القضاة تصان عن الإلغاء والإبطال ولا يتم التعرض لها بالنقض إلا في حالة واحدة فقط وهي أن يصدر القاضي حكما لم يستوف شرائطه الشرعية عندئذ لا يكون نافذا.
الحق لا يسقط بتقادم الزمان. – يُمهل صاحب الحق إلى أن يتمكن من إقامة الدعوى دون تقيد بمضي خمسة عشر عاما كما ينص الأمر السلطاني.
3. لليتيم بعد بلوغه أخذ حقه وملكه ممن استولى عليه.
للمكره بعد زوال الإكراه فسخ البيع، ولا يبطل حق الفسخ بموت أحد المتعاقدين، فلورثة المكره الرجوع على المشتري أو ورثته.
لا تقبل شهادة مشايخ البلد [رؤساء القرى] في الدعاوى.
خصائص النظام القضائي
تحملنا الضمانات السابقة على الاعتقاد أن النظام القضائي الإسلامي كانت له خصائص تميزه عن غيره من الأنظمة القضائية، ومنها:-
الحضور الأخلاقي: وهو يتبدى في مسائلتين الأولى : مصداقية الشهادة – وهي أهم أركان العملية القضائية- التي كانت تستند إلى الأخلاق وحسن السيرة، لقد كانت وظيفة شهود المحكمة تزكية شهود العيان قبيل قيامهم بأداء الشهادة، وكانت إجراءات التزكية بالغة الدقة بحيث يستبعد من الشهادة من هو غير محمود السيرة، والثانية : عملية إصدار الحكم، إذ غالبا ما كان القاضي يستفسر عن مدى الالتزام الأخلاقي للمدعي وهل يمكن أن يكذب في ادعائه ضد المدعى عليه، وكان الحكم النهائي للقاضي يصدر بناء على هذا التقييم الأخلاقي للشخص.
المساواة الاجتماعية: وهي تتجلى في أن إجراءات المحكمة لم تكن تميز بين أصحاب القوة والثراء وبين المعوزين، وكانت الأحكام تصدر دون مراعاة للأوضاع الاجتماعية للمتداعيين، ولعل هذا ما شجع الفئات الأضعف على التصدي لمن هم في مواقع القوة والنفوذ، وضمن هذا السياق كان الفلاحون غالبا ما يكسبون قضاياهم ضد ملاك الأراضي الجائرين، وكان اليهود والنصارى يكسبون قضاياهم ضد شركائهم المسلمين.
أولوية الصلح على التداعي: وهي سمة لا نجد لها نظيرا في الأنظمة القانونية الأخرى وتجد صداها في مقولة “الصلح سيد الأحكام” التي تعكس النظرة المتجذرة بأن الوساطة والتحكيم جزء أساسي من العملية القضائية، وأنه ربما يتفوق على عملية الادعاء والتقاضي في ظل مجتمع يقدس العلاقات الأسرية ويعتقد بأن النزاعات التي تحوي أمورا حميمية يجب حجبها عن العامة ومعالجتها في نطاق ضيق. _____________________________ *نُشر هذا المقال على موقع إسلام أون لاين
عرض الدكتور محمد حسن جبل لمعاني تعبير (العدل) ومشتقاته في القرآن الكريم وانتهى بعد استقراء مواضع الاستعمال القرآني لهذه الكلمة إلى أنها ترد في مواضعها كلها بمعنى العدل الذي هو ضد الظلم، اللهم إلا في أربعة مواضع.[1] ويذكر الدامغاني أن العدل في القرآن الكريم يفسَّر على خمسة أوجه هي: الفداء، الإنصاف، القيمة، شهادة أن لا إله إلا الله، الشرك.[2]
وقد ورد لفظ العدل وما اشتق منه في القرآن الكريم، تسع عشرة مرة، مستعملا بمعاني الحكم بالحق، وضد الجور، والإنصاف، والقسط، والسوية وما إليها، مما سبق ذكره.[3]على أنه ينبغي التنبه دائمًا إلى أن المقاصد القرآنية هي أصل المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية. ومقاصد القرآن مبسوطة في الكتاب العزيز كله لا يقتصر البحث عنها على الآيات التي ورد فيها اللفظ الدال عليها أو المؤدي معناها، وإنما يرتحل للوقوف عليها بين دفتي المصحف الشريف، المرة بعد المرة، ليقف الراغب في التعرف على مقاصد القرآن الكريم على طلبته. كيف لا وهو الذي لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، ويظل غضًا في فم كل قارئ وقلبه ما أخلص النية في تلاوته، وقصد بها وجه الله تعالى.
فمن ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل…﴾ وقوله في الآية نفسها ﴿…فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يُمِلَّ هو فليملل وليه بالعدل…﴾[البقرة:282]. والمراد بالعدل في هذه الآية، بموضعيها، الحق،[4] بألا يزيد في الدَّيْن ولا ينقص منه بل يتحرى الحق والمعدلة بينهم.[5]
ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل…﴾[النساء:58]. والخطاب الآمر بالحكم بالعدل في هذه الآية موجه للذين يتولون الحكم بين الناس في الخصومات، والمكلف بالحكم بين المتنازعين – كالقاضي والمحكّم ومن إليهما – عليه العناية بإظهار المحق منهما من المبطل، أو إظهار الحق لأحدهما وأخذ حقه ممن اعتدى عليه. والعدل: مساواة بين الناس في تعيين الأشياء لمستحقيها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه. والعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو من حسن الفطرة. والعدل في الحكم، وفي أداء الشهادة بالحق هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قِيدَ أنملة يجر إلى فساد متسلسل.[6] والعدل – في هذه الآية – عند الشوكاني هو فصل الخصومة على ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وليس الحكمُ بالرأي المجردِ من الحقِّ في شيء.[7]
ولا ريب في أن هذا المعنى – لو انفرد – لجعل العدل مقصدًا قرآنيًا عامًا، ذلك أنه لا يختلف اثنان في أن صلاح المجتمع والأمة من أعظم المقاصد التي رعاها الإسلام وحثَّ عليها القرآن الكريم. ولا ريب في إتيان الشريعة بالنهي عن الفساد كله. والعدل هو الذي يحقق منع الفساد، فهو مقصود لذاته ومقصود لغيره. فأما أنه مقصود لذاته فبيانه أن القرآن والسنة متظاهران على الأمر بإيتاء كل ذي حق حقه، وعلى تحريم العدوان، ورده إن وقع، بإعادة الحق إلى صاحبه أو بتعويضه عما لحقه من ضرر؛ وأما أنه مقصود لغيره فبيانه أن صلاح العالم لا يكون إلا به، وما يقتضيه المقصود الشرعي بحيث لا يتحقق إلا به يكون مقصودًا كذلك وإلا تناقضت أدلة الشرع وتهاترت، وهذا عبث ينزه الشارع – سبحانه وتعالى – عنه في قول المسلمين كافة.[8]
ومن مواضع ذكر (العدل) في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَرون﴾ [النحل:90]. وقد اختلف في تأويل العدل والإحسان في هذه الآية، فنقل الطبري عن عبد الله بن عباس t أن المراد بالعدل قول لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض[9] وأصَّل الطبري ذلك على فهم العدل على أنه «الإنصاف، ومن الإنصاف الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله، وأن نولي الحمد أهله… فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له».[10] ونُقِل عن علي بن أبي طالب t أن العدل هو الإنصاف، والإحسان التفضل. وعن سفيان بن عيينة أن العدل ها هنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية.[11] واستحسن الشوكاني – بعد ذكره لتلك المعاني – تفسير العدل بمعناه اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فيكون المقصود أن يكون العباد على حالة متوسطة في الدين، ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغُلوّ المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين[12] وذهب ابن عطية إلى أن العدل هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع، وأداء الأمانات وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق.[13]
وأولى ما قيل، في معنى العدل هنا، بالصواب هو ما ذهب إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور[14] من أن العدل كلمة مجملة جامعة فيصار فيها إلى ما هو مقرر بين الناس في أصول الشرائع، وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، إذ مرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة. وحقوق الناس بعضهم على بعض قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية. وهو يصف هذه الآية بأنها جامعة أصول التشريع. وأن العدل فيها يعني إعطاء الحق لصاحبه. وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجيّ من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات.[15]وإذا كان العدل أصلا جامعًا للحقوق، على هذا النحو، فلا ريب أنه يمثل مقصدًا عامًا من المقاصد القرآنية التي يتحقق بمراعاتها والنزول عندها مراد الشارع من التشريع بوجه عام.
وقد روي عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها ثم قال: «إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئًا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعه».[16] ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «هذه أجمع آية في القرآن لخير يُمتَثَلُ، ولشر يجتنب».[17]
وفي القرآن الكريم أمرٌ لرسول الله ﷺ: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾ [الشورى:15]. قال الشوكاني: «والظاهر أن الآية عامة في كل شيء»[18]، ونقل الطبري عن قتادة أنه قال: «أُمر نبي الله ﷺ أن يعدل فعدل حتى مات صلوات الله عليه. والعدل ميزان الله في الأرض، به يُأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدِّق الله الصادق، ويكذِّب الكاذب، وبالعدل يردُّ المعتدي ويوبخه».[19] والمقصود بالعدل هنا هو العدل في جميع الأحوال.[20]
وقد أمر الله بالتزام العدل في الشهادة على الوصية فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم…﴾[المائدة:106].[21] وقال تعالى، في الإشهاد على الطلاق:﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله…﴾[الطلاق:2].[22] ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بينة واضحة، بعيدة عن الاحتمالات والتوهمات».[23]
ولم يأمر القرآن الكريم بالعدل في الحكم والفعل فحسب، بل فرض الله، سبحانه وتعالى، في كتابه، العدل في الكلام المنطوق ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى…﴾[الأنعام:152]. قال الشيخ ابن عاشور: «وهذا جامع كلَّ المعاملات بين الناس [التي تكون] بواسطة الكلام… والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق: بإبطالها أو إخفائها… ومنه التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة، وقول الحق في الصلح… وإذا وعد القائل لا يخلف، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث، ولا يحلف على الباطل، وإذا مدح أحدًا مدحه بما فيه. وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقًا فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به… والمرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل. وأما أن يقول الظلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك… وجاء طلب الحق بصيغة الأمر بالعدل، دون النهي عن الظلم أو الباطل…».[24] ومرد هذا الفهم الصحيح للآية الكريمة أن كلام الناس يكون حقًا أحيانًا، ويكون باطلاً أحيانًا أخرى، والأمر بالعدل أمر بألا يكون الكلام إلا بالحق، فهذا هو مراد الشارع من الآية. وفي قوله تعالى ﴿ولو كان ذا قربى﴾ نهي عن التعصب لقريب أو التعصب على بعيد، ونهي عن الميل مع صديق أو على عدو، بل الواجب هو التسوية في الحق بين الناس لأن ذلك هو العدل الذي أمر الله به.[25]
ولأن واجب القيام بالعدل، أو بما يوجبه العدل من حق للغير لا يسقط عن المسلم في أي حال كان، ولأن الإنسان قد لا يستطيع القيام بالواجب منه على الوجه الأكمل فإن القرآن الكريم لم يأمر بالعدل الكامل التام في كل حال، بل أمر بما يمكن منه عندما يكون الوصول إلى تحقيقه كاملا غير مستطاع. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء:129]. فالعدل الذي تنفي هذه الآية إمكانه هو العدل المطلق الكامل، الذي يسوي فيه الرجل بين زوجاته في الأقوال والأفعال والمحبة والمعاشرة، وغير ذلك من صور التعامل بين الرجل ونسائه.[26] وعبّرت الآية الكريمة بــــ ﴿لن﴾ للمبالغة في نفي إمكان العدل التام، وعلل ذلك ابن عاشور بأن «أمر النساء يغالب النفس، لأن الله جعل حُسْنَ المرأة وخُلُقَها مؤثرًا أشد التأثير، فرب امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهن في ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتًا في محبة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصًا على إظهار العدل بينهن، فلذلك قال ﴿ولو حرصتم﴾. وأقام الله ميزان العدل بقوله: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ أي لا يُفْرِطْ أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهن حتى يسوء الأخرى بحيث تصير كالمعلقة».[27] وقد نهى الله تعالى عن الميل كل الميل، لأن ترك الجور كل الجور في وسع الرجل، فليكن الميل بقدر، وليتجنب ما يعد منه جورًا تصبح معه إحدى الزوجتين – أو الزوجات – كالمعلقة.[28]
ومع أن العدل الكامل غير مستطاع – بصريح النص القرآني – فإن القدر الممكن منه واجب على الزوج إعمالا لقاعدة التكليف بالوسع. والعدل في أداء حقوق الزوجة الواحدة – حال عدم التعدد – واجب وجوبه بين الزوجات المجتمعات إذا تعددن. فلا يجوز للرجل أن يميل عن زوجته ميلا يعد ظلمًا لها ولو لم يبلغ بها أن تكون كالمعلقة. فإن من واجب الأزواج البرُ بالزوجات وإحسان الصلة بهن وهذا بعض معنى قول الله تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء:34]، فإن القوَّام هو القائم على الشيء بما يصلحه. وليس الإصلاح أن يظلمها أو يميل عنها أو يقصر في حقوقها. فإن «من الحب حظًا هو اختياري، وهو أن يَرُوضَ الزوج نفسَه على الإحسان لامرأته، وتحمل ما لا يلائمه من خَلْقِها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتى يحصل من الإلف بها والحُنُوَّ عليها، بطول التكرر والتعود، ما يقوم مقام الميل الطبيعي».[29] وهذا أحد المواضع التي استنبطت منها القاعدة القائلة: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».
وأمر الله سبحانه أن يكون العدل أساس الحكم في جزاء قتل الصيد عمدًا في الحرم ﴿… فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة…﴾[المائدة:95]. والحكمان من ذوي العدل – في هذا المقام – يجب أن يَجْمعا، إلى العدالة الذاتية، المعرفةَ بقيمةِ الصيد الذي قتله المُحْرِم لأنه ليس كل عدلٍ يعرف ذلك. وما يحكم به الحكمان يكون ملزمًا للمحكوم عليه.[30]
وفرض الله – تبارك اسمه – القيام بالعدل بين المسلمين وأعدائهم ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾[المائدة:8]. والشنآن هو البغض، أو شدته، فنهى الله تبارك وتعالى عن ترك العدل الواجب على المؤمنين بسبب البغضاء بينهم وبين غيرهم. ثم أكد سبحانه وجوب العدل في كل حال بجملة ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار.[31]
وقد جمع القرآن الكريم بين الأمر بالعدل الخاص والأمر بالعدل العام في آية واحدة هي قوله تعالى في شأن قتال البغاة من المسلمين: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات:9]. فبعد أن تبغي إحدى الطائفتين على الأخرى يأتي الأمر بالإصلاح بينهما بالعدل. والمراد به العدل الخاص في شأن الخسائر التي لحقت بكل فريق إذ تفاوتها يوجب النظر الذي يراعي تحقيق العدالة لكل منهما. والفئة التي خضعت للقوة وألقت السلاح تكون شاعرة بانتصار الفئة الأخرى عليها، كسيرة الخاطر لهزيمتها، فأوجب الله تعالى على المسلمين أن يستعيدوها إلى الجماعة ويشعروها بأخوة الإسلام لئلا يورث القتال بينها وبين الطائفة الأخرى بغضاء ذميمة، أو شحناء مستكنة، يستثيرها أدنى مثير فينشب القتال من جديد.
ثم بعد هذا العدل الخاص أمر ربنا – تبارك اسمه – بالعدل العام بقوله ﴿وأقسطوا﴾ ومؤداه أن يعدل المسلمون في كل أمورهم، وزاد الترغيب فيه بقوله ﴿إن الله يحب المقسطين﴾. فالعدل العام واجب في كل حال، والعدل الخاص واجب عند وقوع ما يقتضيه، فلا تنفك الأمة، أو الجماعة المسلمة، عن أن تكون على حال في العدل دائمة لا يسوغ لها التحلل منها أو التغاضي عن النزول على حكمها.[32]
ويلفت النظر في الآيتين الكريمتين، من سورة المائدة وسورة الحجرات، أن القرآن الكريم قدم في إحداهما ذكر القسط على العدل، وقدم في الثانية ذكر العدل على القسط. وقد يلوح للمتأمل أن المغايرة في الصيغة يترتب عليها مغايرة في المعنى ولابد. لكن الصحيح أن اللفظين بمعنى واحد في كلام العرب وفي الاستعمال القرآني، وما التقديم والتأخير في النظم القرآني إلا أداة من أدوات البلاغة المعجزة لهذا الكتاب العزيز.
وقد ورد لفظ القسط ومشتقاته منفردًا مرادًا به العدل في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾[آل عمران: 18]. وأهل التفسير متفقون على أن ﴿بالقسط﴾ تعني بالعدل.[33] قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور «والقسط: العدل… وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نظمها، وفي تقدير بقاء الأنواع، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل: لدفع ظلم بعضهم بعضًا، وظلمهم أنفسهم، فهو القائم بالعدل سبحانه، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله».[34]
وذهب الشيخ ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله…﴾[النساء:135]، إلى أن القسط هو العدل، غير أن القسط كلمة معربة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحكم، وأما لفظ العدل فأعم من ذلك.[35]ومقصود الآية أمر المؤمنين بالشهادة بالحق – وهو العدل – على أنفسهم بحقوق الغير، وعلى والديهم أو الأقربين بما يلزم أيًا منهم من حقوق لغيره، وذكر الأبوين لأنهما أحب الخلق، في العادة، إلى الإنسان، وذكر الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا شهد المرء بما على نفسه وبما على هؤلاء المقربين إليه من حقوق للغير كان أحرى أن يشهد على الأجنبي من الناس حيث ينتفي داعي كتمان الشهادة أو تغيير وجه الحق فيها.[36]
ومن تلك الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿… وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾[الأنعام:152]. ومثله قوله سبحانه في سورة هود ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾[هود:85]، ومثل ذلك في الآية (35) من سورة الإسراء، وفي الآيتين (181) و(182) من سورة الشعراء، وفي الآية (9) من سورة الرحمن. ودلالة هذه الآيات، في تكرارها، على أهمية العدل في العلاقات التجارية، من بيع وشراء ونحوها لا تخفى، إذ في مثل ذلك يكثر الطمع والتغابن والتطفيف، فنبه الله – تبارك اسمه – على خطورة ذلك وعلى أهمية اتباع العدل في تلك المعاملات ونظائرها، وفاءً بالحقوق لأصحابها وتوقيًا لأكل مال الناس بالباطل الذي تَفسدُ به الدنيا، وتُمحقُ به البركة، وهذا كله مخالف لمقصود الله تعالى في إحقاق الحق وإبطال الباطل.
ولعل أجمع آية في وجوب حمل الناس على العدل هي قوله تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد:25]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله تعالى وحقوق خلقه. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ فمن عَدَلَ عن الكتاب قوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد رُوي عن جابر بن عبد الله t أنه قال: «أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا – يعني السيف – من عَدَل عن هذا – يعني المصحف -».[37] ومذهب بعض أهل التفسير في هذه الآية أنها خبر عن إرسال الرسل وإنزال الكتب وشَرْعِ العدل (=القسط) وتعليم صناعة السلاح ليحاربَ به من عاند، ولم يهتد بهديْ الله، فلم يبق له عذر.[38]والقسط في هذه الآية هو العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور، لأن القسط يقتضي إجراء أمور الناس كلها على ما يقتضيه الحق، فهو عدل عام. أما العدل الذي يقتضيه ذكر الميزان فهو مختص بالفصل بين متنازعيْن في كل منازعة على حدة.[39]
والآية رقم (25) من سورة الحديد، مثلها مثل الآية رقم (9) من سورة الحجرات، تذكر كل منهما عدلين: عدلا عامًا وعدلا خاصًا، في تنبيه، لا يخطؤه النظر، من القرآن الكريم على وجوب العدل في كل حال وتحريم الجور في كل مجال. ولذلك قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرفاتها بأن مقصدها أن يكون للأمة ولاة يسوسون مصالحها، ويقيمون العدل فيها وينفذون أحكام الشريعة بينها… وقد أشار إلى هذا قوله ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط…﴾ [الحديد:25]… ومقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء كلها على الجملة أن يشتمل على ما فيه إعانة على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي… وقد ظهر أن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغه الحقوق إلى طالبيها، وذلك يعتمد أمورًا: أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه، والعدالة» وهي «الوازع عن الجور في الحكم والتقصير في تقصِّي النظر في حجج الخصوم؛ فإن القضاء أمانة ولذلك قرنه الله بالأمانات في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[النساء:58]».[40]
وقد نصت الآيات المذكورة آنفًا على العدل في جميع مجالات الحياة، جليلها وصغيرها، ليتبين أولو الألباب أن العدل – باعتباره مقصدًا قرآنيًا – يجب تحقيقه في كل علاقة بين طرفين، نُصَّ عليها في القرآن الكريم أم لم ينص؛ فوجوبه بين الرجل وأهله، وبين الحاكم والمحكومين، وفي كتابة الديون والإشهاد على الوصية، والإشهاد على الطلاق، ووجوبُه في القول وجوبَه في العمل… كل ذلك دليل يقاس به ما لم يُنَصَّ عليه من أفعال الناس وأقوالهم وعلاقاتهم وتصرفاتهم، من حيث وجوب العدل فيه، على ما نص عليه القرآن بخصوصه.
وينبغي التنبه إلى أن الاحتفاء بمفهوم العدل في القرآن الكريم لا يتبين من تتبع مواضع ورود الألفاظ الدالة عليه وحدها، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة دالة على وجوب العدل دون أن تكون متضمنة كلمة (العدل) أو (القسط)، أي إن هذه الآيات تدل على مقصد العدل، وكونه من مقاصد القرآن الكريم، بطريق الإشارة أو الإيماء دون طريق العبارة الصريحة اللفظ. مما يقتضي تأمل القرآن الكريم كله، فإن كثيرا من آياته التي لا تتضمن تلك الألفاظ تدل بمؤداها على كون العدل مقصدًا قرآنيا أساسيًا. تأمل، إن شئت، قول الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًأ﴾[البقرة:143]. والوسط: السواء والعدل والنصف.[41]
ومن أمر القرآن الكريم بالعدل، دون إيراد لفظه أو لفظ مرادف له، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا﴾ [النساء:9]. ودون خوض في تأويلات المفسرين، من القدامى والمحدثين، لمعنى هذه الآية، فإن الذي يعنينا منها هو تفسير القول السديد. قال الطبري: «والسديد من الكلام هو العدل والصواب»[42] وكذلك قال القرطبي، ثم قال: «وقيل المعنى قولوا للميت قولا عدلا»،[43] أي في حال احتضاره.
وأحكام الميراث مبناها كلها على العدل في قسمة المال الموروث بين مستحقيه، وهو عدلٌ لو أنفق أهل الأرض فيه أعمارهم ما هم ببالغيه، وكفى دليلا لصحة ذلك قول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾[النساء:11]. وذهب الطبري إلى أن معنى هذه الآية الكريمة أن الله تعالى «لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي عليه من مواضع المصلحة في البدء والعاقبة».[44]
ومن هذه الآيات قوله سبحانه في شأن النساء ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾[البقرة:231]. وقوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ [البقرة:232]. وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ [النساء:19]. وقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾[النساء:20].
وتأمل، كذلك، الآيات الكريمة الدالة على التوسط في الأمور المذكورة فيها، من مثل قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسُطها كل البسط فتقعد ملومًأ محسورًا﴾ [الإسراء:29]، وقوله ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنْسَ نصيبك من الدنيا﴾[القصص:77]، وقوله سبحانه ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:67]. فهذه الآيات، ونظائرها، تدل على معنى العدل وإن لم يرد فيها لفظه أو لفظ مرادف له.[45]
ونظائر هذه الآيات الكريمة كثيرة جدًا في القرآن الكريم، وهي مفرقة في مجالات متعددة، الأمر الذي يدل على أن مقصد العدل مقصد محيط، في التشريع القرآني، بأحكام العلاقات الإنسانية كافة. ولينظر من شاء في أحكام الزواج والطلاق والميراث والوصية، والبيع والشراء، والحدود والقصاص فإنه يجد مدار الأمر فيها على العدل ومناط النهي فيها هو الظلم. وهذا قاطع في اعتبار العدل مقصدًا قرآنيًا يُتحرى ويُتبع ويُؤمر به ويُنهى عن ضده، وهو الظلم، في أي نوع من أنواع العلاقات الإنسانية.[46]
[1] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة 2010، ج3 ص 1423. والمواضع التي أريد بها غير المعني المذكور هي: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾[البقرة 48 و123]، فالمراد هنا الفدية؛ ﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾[المائدة:95]، والآية فيمن قتل الصيد وهو محرم والمراد صيام أيامٍ تساوي قيمة الصيد المقتول، وللعلماء في تحديد تلك الأيام أقوال عدة، انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، ط دار ابن حزم، بيروت 1423هــ / 2002م عند تفسير الآية؛ ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾[الأنعام:70]، أي إن تَفْدِ النفسُ الكافرةُ يوم القيامة بكل فداء لا يقبل منها؛ ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾[الأنعام:1]، أي يشركون بأن يُسووا بين الله تعالى وبعض خلقه. ومما يخرج عن معنى العدل الذي هو ضد الظلم -ولم يذكره- قوله تعالى ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك﴾[الانفطار:7]، فمعناه جعلك أيها الإنسان معتدلا سَوي الخلْق.
[2] الدامغاني، السابق، الموضع نفسه. وهو يرى أن العدل في قوله تعالى:﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى… ﴾[النحل:90]، يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد، ص 80.
[3] هذا العدد لا يشمل مواضع ورود لفظ (العدل) ومشتقاته حيث قصد به معنى آخر.
[4] محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس 1997، ج3 ص 101 و105.
[5] الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فنيَّ الرواية والدراية من علم التفسير، دار ابن حزم ودار الورّاق، بيروت 2000، ص 255؛ وابن عطية، المحرر الوجيز، دار ابن حزم، بيروت 2002، ص 259.
[6] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 93-95، وص 224 في تفسير الآية 135 من سورة النساء.
[7] الشوكاني، فتح القدير، السابق، ص 391.
[8] راجع، في تقريب هذا المعني، كتابيْ الأخ العلامة الدكتور أحمد الريسوني: مقاصد المقاصد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت، ومركز المقاصد للدراسات والبحوث، الرباط، الطبعة الثالثة 2014؛ والذريعة إلى مقاصد الشريعة، دار الكلمة، القاهرة 2015.
[9] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله التركي، دار عالم الكتب، الرياض 1434هــ / 2013، ج14 ص 334.
[10] المصدر نفسه.
[11] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي، القاهرة 1387هـــ / 1967م (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، ج10 ص 160.
[12] فتح القدير، السابق، ص 969.
[13] ابن عطية، السابق، ص 111.
[14] ابن عاشور، التحرير والتنوير، السابق، ج 14 ص 255.
[15] المصدر نفسه، ص 254.
[16] الشوكاني، السابق، ص 971.
[17] القرطبي، السابق، ص 165.
[18] فتح القدير، السابق، ص 1585,
[19] تفسير الطبري، ج20، ص 486.
[20] تفسير القرطبي، ج 16 ص 13.
[21] انظر تفسير الآية في: ابن عاشور، السابق.
[22] ابن عاشور، السابق، ج28 ص 309 وفي مقتضى صيغة الأمر: هل هو للوجوب أم للندب، وهل يشمل الفراق والرجعة أم يقتصر على الرجعة وحدها؟ خلاف فقهي لخّصه ابن عاشور في هذ الموضع.
[23] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 114، في تفسيره لآية سورة البقرة 282.
[24] ابن عاشور، السابق، ج8، ص 166-168. وكلامه نفيس فراجعه.
[25] الشوكاني، السابق، ص 556.
[26] ابن عطية، السابق، ص 487.
[27] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 218. والمعلقة التي ليست أيمًا ولا ذات زوج.
[28] الشوكاني، السابق، ص 421. والقصد بعبارة «ترك الجور كل الجور في وسع الرجل» هو أن بعض الجور ملازم لعدم استطاعة العدل الكامل بين النساء، فكانت الرخصة فيما لا يمكن التخلص منه مما لا تصبح مضارة المرأة معه كاملة أو مؤذية لها بمثل إيذاء المعلقة.
[31] ابن عطية، السابق، ص 508؛ الشوكاني، السابق، ص 450.
[32] ابن عاشور، السابق، ج26 ص 240؛ الشوكاني، السابق، ص 1662. [33] ابن الجوزي، زاد المسير، المكتب الإسلامي، بيروت، 1384هــ / 1964م، ج1 ص 362؛ الشوكاني، السابق، ص 274؛ ابن عطية، السابق، ص 284. [34] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 187. [35] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 225. والمقصود بأنها كلمة معربة أنها نقلت إلى العربية من كلمة just الإنجليزية ونظيراتها في اللغات الأوروبية الأخرى. وتأمل ما ذكرناه في الحاشية رقم 53 الآتية. [36] الشوكاني، السابق، ص 422. [37] ابن تيمية، السياسة الشرعية، دار الشعب، القاهرة 1969، ص 26؛ وقرب: الشيخ محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار القلم، القاهرة 1964، ص 466. وحديث جابر رواه سعيد بن منصور في سننه، القسم الثاني من المجلد الثالث، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت د.ت، رقم 2935 ص 335 وقد أورده ابن تيمية بصيغة التمريض (رُوي) إشارة إلى ضعفه عنده. والصواب أن الكلام ليس لجابر t ولكنه لرجل ممن كانوا خرجوا على عثمان t قاله يسوِّغُ به خروجه. وهو هكذا في المستدرك يرويه جابر عن هذا الخارج على عثمان t وصحح الحاكم رواية جابر وتابعه الذهبي. راجع المستدرك، الحديث 5939، ط دار الفكر، تحقيق دكتور محمود مطرجي، بيروت 1422 / 2002، ج4 ص 151. [38] ابن عطية، السابق، ص 1828. [39] ابن عاشور، السابق، ج27 ص 415. وقارن ما نقلناه عنه في تفسير الآية (135) من سورة النساء في الفقرة رقم (27) من هذا البحث. فقد ذهب هناك إلى خصوص القسط وعموم العدل، وهو هنا يقول بالعكس، أو هكذا يبدو والله تعالى أعلم. [40] باختصار في مواضع النقط من: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، السابق، ص 495-503. وهو في الطبعة التي حققها الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة ج3 ص 518-529. [41] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق 1423ه / 2002م، ص 869. [42] الطبري، جامع البيان، ج6 ص 453. [43] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5 ص 52 و53، وهذا القول الثاني المراد به أن يقال ذلك عند احتضار الشخص فتكون تسميته «ميتًا» بحسب المآل، وشرح القرطبي القول العدل بأنه تلقين الميت «لا إله إلا الله» بأن يقولها الحاضر عنده بحيث يسمعه إياها ولكن لا يأمره بقولها. وفي الآية أقوال أخرى لكن ما نقلناه عن الطبري والقرطبي هو الصواب إن شاء الله. [44] الطبري، السابق، ص 473؛ وانظر: القرطبي، السابق، ص 75. [45] لفتني إلى هذه الآيات ودلالتها سؤال أوردته الابنة الأستاذة أمل العشماوي في أثناء تعليقات المشاركين في الدورة الثانية لمقاصد القرآن الكريم بعد تقديم هذه الدراسة. [46] راجع: دكتور علي الزوبي، السابق، ص 67.
لا يجهل باحث في أصول الفقه، ولا في مقاصد الشريعة، ولا في سماحتها، عظم قدر رسالة «تعليل الأحكام: عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد» للشيخ العلامة محمد مصطفى شلبي، فهي مرجع لا غنى عنه، فضلا عن كونها أول مؤلف يحمل هذا الاسم في التاريخ الإسلامي، وللأمر دلالة. بل قد صارت الرسالة علمًا يشار إليه دون حاجة إلى تعيين اسم كاتبها، فيقول المؤلفون: قال صاحب «تعليل الأحكام»، كأنما صار هذا لقبًا جديدًا له. لكن الرسالة، على عظمتها – فهي من درر مؤلفات الشيخ – إن أوفت الشيخ قدره عالمًا فلن توفه القدر إنسانًا ومعلمًا. لذا كتبت هذه الترجمة، تعريفًا بالشيخ الذي صاحبته أعوامًا متواصلة، بلغت ثمانية وثلاثين عامًا، فما رأيت منه إلا إجلالًا للعلم وتواضعًا مع طلابه.
قصة صاحب الرسالة
ولد الشيخ محمد مصطفى شلبي في السبت الموافق 14 شعبان 1328هـ (20 أغسطس/آب 1910م)، بقرية ميت عفيف، التابعة لمركز الباجور، بمحافظة المنوفية. وكعادة أهل ذلك الزمان، التحق بكتاب القرية، وأتم حفظ القرآن سنة 1340هـ (1923م)، ثم التحق بمعهد القاهرة الأزهري، وواصل دراسته الأزهرية على المذهب الحنفي حتى حصوله على شهادة العالمية سنة 1356هـ (1937م). ليجتاز بعدها الامتحان التمهيدي المؤهل لإعداد رسالة للحصول على «العالمية من درجة أستاذ»، التي سينالها بالفعل عن رسالة «تعليل الأحكام».
عقب التخرج، عمل الشيخ مدرسًا للفقه والأصول في معهد الزقازيق الديني، فلما خلت درجة وظيفية في كلية الشريعة نقل إليها مدرسًا سنة 1366هـ (1947م)، وانتدب للتدريس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1373هـ (1953م)، ثم عين أستاذًا مساعدًا، فأستاذ كرسي الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة 1390هـ (1970م).
تعاقد بعدها فضيلته مع المعهد العالي للقضاء الشرعي سنة 1392هـ (1972م) للعمل أستاذًا، ثم مع جامعة بيروت العربية للعمل أستاذًا في كلية الحقوق سنة 1393هـ (1973م). إلى أن عاد إلى مصر سنة 1400هـ (1980م) أستاذًا متفرغًا للشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، وعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية (هيئة كبار العلماء) بالأزهر الشريف، وهي العضوية التي نالها سنة 1390هـ (1970م). استمر رحمه الله في أداء مهام وظيفته في جامعة القاهرة، وممارسة واجبات عضويته في مجمع البحوث الإسلامية، إلى أن توفي يوم الخميس 18 من ربيع الآخر 1418هـ (21 أغسطس/آب 1997م).
أذكر من مواقف الشيخ الشجاعة، في الدفاع عن الشريعة الإسلامية، أن اللجنة المعنية بمناهج كليات الحقوق كانت قد أعدت دراسة لتقليص مناهج الشريعة الإسلامية، وإلغاء أصول الفقه، وحدّدَ موعد الاجتماع الخاص ببحث هذه المسألة صبيحة إلقاء الرئيس جمال عبد الناصر خطابه الشهير بعد نكسة يونيو/حزيران 1967م. كان الشيخ قد أعدّ مذكرة مفصلة تناهض ذلك التوجه، فبدأ كلامه بالتحذير من مخالفة توجه الدولة الذي عبر عنه الرئيس بقوله: «لابد من العودة إلى الدين». قال لهم: كيف تواجهون رئيسًا هذا رأيه بإلغاء منهج أصول الفقه الإسلامي؟ فلم يجد بعد ذلك حاجة لعرض مذكرته، فقد وافقوا فورًا، وبالإجماع، على بقاء المناهج كما هي، ولا تزال كما هي حتى كتابة هذه السطور.
جدير بالذكر أن الشيخ قد تتلمذ على كبار شيوخ الأزهر في عصره، واختص بالتلمذة للعلامة الشيخ عيسى منون، شيخ رواق الشوام، وعميد كلية الشريعة، وقد كان الشيخ عيسى – الشافعي المذهب – مثلًا احتذى به الشيخ، رحمه الله، في التفرغ للعلم والتعليم.
قصة الرسالة
أما قصة رسالة «تعليل الأحكام»، بإيجاز، كما سمعتها من شيخي أكثر من مرة، وكما ذكر في المقدمة المعنونة بـ«قصة هذه الرسالة»، التي وضعها للطبعة الثانية، الصادرة عن دار النهضة العربية بيروت، سنة 1981، أنه لما عزم على نيل العالمية من درجة أستاذ، استعرض موضوعات كثيرة ليختار منها موضوعًا لرسالته، لكن الاختيار استعصى عليه، حتى كاد اليأس يتسرب إلى نفسه، فترك التفكير في المسألة، وفوّض أمره إلى الله داعيًا إياه أن يهديه إلى ما يذهب حيرته.
كان ذلك في أول شهر رمضان سنة 1361هـ (1942مـ). وقبل أن ينقضي الشهر، رأى نفسه في المنامه يدخل مكتبة كلية الشريعة، فيجد فيها حشدًا من الشيوخ والطلاب، وإذا بأمين المكتبة ـ وكان رحمه الله شيخًا وقورًا – يسرع إليه ويناوله كتابين: أحدهما مطبوع والآخر مخطوط، ويقول له: «خذ هذين الكتابين من مراجع رسالتك»، فقال له الشيخ: «إنني لم أختر موضوع رسالتي بعد». فأجابه الأمين: «رسالتك في تعليل الأحكام». يقول الشيخ: «استيقظت بعد هذه الرؤيا وأنا في حيرة مما رأيت: هل هي رؤيا أم مجرد خاطر نفسي؟ وسرعان ما استبعدت الثاني لأنني لم أكن أفكر في موضوع الرسالة، ولا خطر ببالي هذا الموضوع من قبل». ثم يكمل قصة الرسالة، مسميًا إياها بـ«الكتاب»، وقد صرح بتأسيه في ذلك بالإمام الشافعي الذي لم يسم رسالته الأصولية إلا بهذا الاسم، رحمهما الله تعالى.
ومن طريف ما لم ينشر من «قصة هذه الرسالة»، ما حدثني به الشيخ، أنه عند تقديمها إلى كلية الشريعة، لتحديد موعد المناقشة، ظلت بين أيدي أعضاء اللجنة المكلفة بمناقشتها سنة أو تزيد ـ ولم يكن ذلك معهودًا آنذاك ـ وأنهم اجتمعوا مرات عدة، وكان رأي غالبيتهم أن ترد الرسالة إلى صاحبها، بينما رأت أقلية منهم، أو بالأحرى فرد منهم، أنها رسالة يجب أن تجاز، وإلا فليكتبوا أسبابًا مقنعة لردها. فلما لم يجدوا شيئًا يسوّغ ما يريدون، ناقشوها في 20 من ربيع الأول 1364هـ (4 أبريل/نيسان 1945م)، لتنال أول تقدير «امتياز» في تاريخ كلية الشريعة، وخرج الشيخ من الكلية محمولًا على أعناق الطلبة، بعد مناقشة استمرت ساعات طويلة.
انتشرت رسالة «تعليل الأحكام» في مختلف أرجاء العالم، منسوبة إلى صاحبها أحيانًا، ومنتحلة أحيانًا أخرى، في جرأة بلغت بأحدهم درجة انتحالها كاملة بعنوانها في إحدى كبريات الجامعات داخل مصر. كما انتحل أحد كبار الشيوخ الجامعيين بحثه المعنون بـ«الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية»، وحين أطلعت الشيخ شلبي على البحث المنتحل منشورًا في إحدى كبريات المجلات الثقافية العربية، منسوبًا إلى هذا الشيخ، في عام 1388هـ (1968م)، لم يزد أن قال: «يا بني: فائدة العلم أن ينتفع به».
أيام مع الشيخ
بدأت صلتي بالشيخ في أول محاضرة لي طالبًا في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية سنة 1389هـ (1959م)، ولم تنقطع إلا بوفاته. إذ اعتدت صحبته في أيام السبت والأحد والاثنين – وهي الأيام التي كان يقضيها بالإسكندرية – من الكلية إلى الفندق الذي يقيم فيه، وكان يأبى أن أحمل عنه حقيبته أو أوراقه، ويقول لي: «صاحب الشيء أولى بحمله». كان يكرر هذه العبارة حتى ظننتها حديثًا نبويًا يتأسى به، وقد شغلني الأمر حتى بحثت عنه في كتب الحديث فلم أجده. وفي اللقاء التالي مباشرة، هممت أن أحمل حقيبته، وأنا أخبره بروح الفتى المنتصر أن عبارته الشهيرة ليست بحديث، فنظر إلي باستغراب وتهكم، وقال لي: «هو حدّ قال لك إنه حديث!». يومها أدركت أن صنيعه كان حسن خلق وتواضعًا ذاتيًا. كما لم أره مرة يسمح لأحد بتقبيل يده، بل كان يأبى ذلك بشدة، ويدعو لمن يحاول فعله، إرضاءً له، حتى لا يتوهم الناس أنه يفعلها أنفة فيظلمونه.
صاحبت الشيخ أعوامًا متواصلة بلغت – كما قلت – ثمانية وثلاثين عامًا، لم تقطعها الأسفار، فقد كنا نتكاتب في أثنائها مرتين أسبوعيًا، وكنت أسافر في سنوات الدراسة من الإسكندرية إلى القاهرة، في شهور الإجازة الصيفية، في كثير من أيام الخميس والجمعة، لأصحبه فيهما في بيته بحدائق شبرا، ثم في بيته بالدقي، إلى وفاته رحمه الله. وقد عهد إلي في العامين الأخيرين من حياته بحفظ أمواله، وأوصاني بتوزيع تركته بعد إخراج ثلثها في وجوه برّ معينة، وقد فعلت ذلك بفضل الله ونعمته.
ولشيخنا فتاوى كثيرة مكتوبة، لم تنشر بعد، وله بحوث قدمها إلى مجمع البحوث الإسلامية، الذي كان من أقدم أعضائه، أسأل الله أن ييسر لي جمعها ونشرها بإذنه تعالى. رحم الله شيخنا محمد مصطفى شلبي أوسع رحمة، وأجزل له المثوبة عنا، وعن آلاف لا تحصى من طلبة العلم الذين درسوا على يديه في الجامعات أو انتفعوا بمؤلفاته.
من أعمال الشيخ محمد مصطفى شلبي المطبوعة:
تعليل الأحكام: عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد.
المدخل لدراسة الفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه.
أحكام الأسرة في الإسلام: دراسة مقارنة بين فقه المذاهب السنية ومذهب الشيعة الإمامية.
أحكام الوصايا والأوقاف في الفقه الإسلامي.
أحكام المواريث.
الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية.
تطبيق الشريعة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين.
الاستحسان في الفقه الإسلامي وعلاقته بالتشريع. _______________________________________ *نٌشر هذا المقال على موقع إضاءات بتاريخ 12 مارس 2018.
تدرس المقالةُ المهامَ التشريعية والقضائية للفقهاء وكيف قاموا بها في البنية الدستورية أو القانونية الأعم. بينما تأثرت التجربة الباكستانية بالنموذج الإيراني لمشاركة الفقهاء في التشريع، اتخذت مصرُ طريقًا مختلفًا، فلم تعطِ أي دور رسمي للفقهاء مع اعتراف غامض بالتشريع الإسلامي. قد يأخذ الدورُ التشريعي شكلَ إدخال فقهاء إلى المجلس التشريعي، أو تشكيل لجنة مكوّنة جزئيًا من الفقهاء، أو إحالة مهمة تشريعية ما إلى مؤسسة فقهية. وعلى الرغم من أن الأسلمة كانت استجابةً لمطالب شعبية، إلا أنها وظّفت آليات استبداية وتسلطية. حاول مشروع الأسلمة استبدال فئة الفقهاء المبرّزين مجتمعيًا بلجان مُعيّنة أحال إليها التقنين الإسلامي. لذلك، طُعِن في التجربة من جهة مدى كفاءتها أو إسلاميتها، لكنها لم تنتهِ أبدًا إلى تأسيس محاكم شرعية إسلامية أو تشريعات “رجال دين” في مصر.
مدخل
إن إشكالية التكوين الدستوري الحديث ودور العلماء([1]) المسلمين في دول الأغلبيات المسلمة يمثلان وسيلة لمعرفة الموقع التقليدي لهؤلاء العلماء؛ وهم يمارسون عملهم في موقع أسميه “المجال ماوراء الدستوري”. تقدّم التجارب الدستورية المختلفة في العالم الإسلامي أمثلةً متنوعة على الكيفية التي يتم بها التعامل مع العناصر الإسلامية والعلماء المسلمين. ونعطي هنا مصر اهتمامًا خاصًا باعتبارها حالة للدراسة، بينما يتم التعرض للبلاد الأخرى التي تحمل سمات مشابهة كباكستان في بعض الأقسام([2]).
يتناول البحث أربع إشكاليات في أربع أقسام. فأولًا، تستكشف المقالة السياق الدستوري الحالي للعالم الإسلامي والعربي، والمراحل المبكرة من الدستورية الإسلامية. ثانيًا، يشرح دور العلماء المسلمين في الأنظمة الدستورية ووضع الدساتير. سيناقش البحث أيضًا دور العلماء في مساحتين اثنتين: التشريع والحكم القضائي. ويناقش القسم الثالث المواد الدستورية الإسلامية مع تركيز خاص على المادة الثانية من الدساتير المصرية الأخيرة. ثم ينتقل إلى إشكالية سلطة التفسير ويختم بالتطبيق القضائي للشريعة الإسلامية في مصر.
النظام الدستوري الحالي
يحاول هذا القسم عرض بدايات النظام الدستوري الحديث في البلاد الإسلامية والعربية. لقد شهدت هذه التجارب الدستورية المبكرة تأثيرًا وحضورًا قاطعًا للفقه والنصوص الإسلامية. وتناقش الصفحات التالية التكوين الدستوري ودور الإسلام في البلدان الإسلامية، وكذلك تأثير التجارب الدستورية الحديثة المبكرة على وضع الإسلام الحالي في هذه البلاد. ستمثل الحالة المصرية موضع تركيز النصف الثاني من هذا القسم، مع الأخذ في الاعتبار التطور السابق في الإمبراطورية العثمانية وأثر العوامل المتنوعة على صنع النظام الدستوري المصري الحالي.
السياق الدستوري
أصدرت الإمبراطورية العثمانية خلال فترة التنظيمات، أي عام 1839م، وثيقة دستورية أولى باسم الخط الشريف ضَمِنَت الحرية الدينية والمساواة في جميع أراضيها (Rafeq, 2005:11; Roder, 2011:325). وبعد عقدين، أي عام 1857م، اتبعت تونس الخطى العثمانية وأصدرت وثيقة مماثلة كانت كإعلان حقوق إنسان باسم عهد الأمان. كان من المفترض أن يكون الإعلان بمثابة استجابة لنداءات الإصلاحيين التونسيين ممن ظلوا يطالبون بصورة أكثر جوهرية بالحكم المقيد بدلًا من الحكم المطلق (Roder, 2011:325).
زاد عهد الأمان التونسي من رغبة الإصلاحيين في الضغط على حكومة الباي من أجل سياسات تشاركية، مما أدى بالفعل عام 1861م إلى قانون الدولة؛ “أول دستور في بلد عربي … يؤسس لمـَلَكية دستورية …” (Roder, 2011:325). أسس الدستور مجلسًا أعلى شارك الملك في بعض المسئوليات، وسمح كذلك ببعض المحاسبة. إلا أن هذه التجربة الدستورية كانت قصيرة العمر (1861-1864م) (N. J. Brown, 2002:16-19).
لقد أيد المفكر التونسي خير الدين باشا (ت. 1890م) -والذي كان أبو دستور 1861 التونسي- أسلوب الحكم المقيد عبر إيراد نصوص إسلامية، واستنتج أن السياسة التشاركية والتفويض السياسي وحدهما اللذان يتوافقان مع شرط الحكم الإسلامي (al-Tunisi, 1868:15–18; S. A. Arjomand, 2007:116; N. J. Brown, 2002:19–20).
وكان ابن أبي الضياف (ت. 1874م) محررًا مؤثرًا آخر من محرري هذا الدستور. إذ رفض في كتاباته الحكم المطلق سواء كان دينيًا أو سلطانيًا، وقدّم الحكم التشاركي باعتباره إسلاميًا، مؤيدًا أطروحته بنصوص واستدلال إسلامي. ففي رؤية ابن أبي الضياف، الحاكم مسئول أمام الله (أي أمام شرع الله ممثَّلًا بالشريعة الإسلامية)، ومسئول أمام الأمة التي تشهد وتوقّع “العهد” (العقد) بينهم وبين الحاكم. (S. A. Arjomand, 2007:116; Bin Diyaf, 2005:15–66). ويختم بأنه “إن نكث السلطان بعهد، يجتمع الناس في بلاطه، ويمثل اجتماعهم هذا نذيرًا بخلعه عن العرش” (S. A. Arjomand, 2007:116; Bin Diyaf, 2005:66).
وفي مركز الإمبراطورية العثمانية، دفعت طموحات شبيهة إلى إثارة مسألة وضع دستورٍ للدولة؛ من ثمّ عيّن السلطان لجنةً نخبوية مكوّنة من قادة عسكريين وسياسيين ودينيين لتحرير للدستور، والذي تم إصداره عام 1876م تحت اسم القانون الأساسي. وكالحالة التونسية أيضًا، استمر الدستور في العمل لمدة سنتين فقط. ومع ذلك، أصبح دستور 1876م العثماني “أساسًا لكتابة معظم الدساتير العربية في القرن العشرين” (N. J. Brown, 2002:20-26).
وكخير الدين باشا وابن أبي الضياف، أيّد نامق كمال (ت. 1888م) أحد أبرز محرري الدستور العثماني عام 1876م وجود حكومة مقيّدة بنوعٍ ما عبر الفصل بين السلطات ودعم أطروحته بنصوص واستدلالات إسلامية. دافع كمال عن دستور 1876م واعتبره متوافقًا بشكل كامل مع الشريعة (S. A. Arjomand, 2007:116).
قد تمثّل هذه الفترة بدايةً لما أسماه سيد آرجوماند المرحلة الأولى من الدستورية الإسلامية؛ أي الإسلام باعتباره قيدًا على الحكم والتشريع (S. A. Arjomand, 2007:115). لم تكن المهمة هي إعادة بناء النظام ليكون “خاضعًا للشريعة”. لكن لم يكن يعني ذلك أن الإسلام كان منفصلًا عن الواقع أو غير ذي أهمية، بل كان الأمر يبدو وكأن الشريعة من المفترض اجتماعيًا وسياسيًا أنها مسئولية الأمة بأكملها، وأن النظام لا يحتاج إلا رقابة إسلامية شعبية، وليس بناءً إسلاميًا شاملًا من الأساس (pp. 115-116; kamali, 2011:31; Roder, 2011:323). ووفقًا لآرجوماند، كانت المرحلة الثانية عندما أصبح الإسلام أساسًا للنظام بأكمله، كما بدا في الدول المسلمة ما بعد الفترة الاستعمارية. في هذه المرحلة، كان الافتراض هو أن يكون أساس النظام يقذّم مشروعًا شاملًا يعيد بناء النظام بالكامل وفقًا للإسلام (p. 115). كانت المرحلة الثالثة هي عودة “الدستورية الإسلامية الخالية من الأيديولوجية” عندما عادت فكرة الحكومة المقيّدة. فالقانون ليس “إسلاميًا” صِرفًا، بل إن الإسلام هو مجرد عنصر هام و”مصدر” واحد للتشريع من بين مصادر أخرى (p. 115)([3]).
يقدّم روديجر ولفرام تقسيمًا آخر يبحث فيه الدستورية الإسلامية أساسًا عبر آثارها القانونية والسياسية. فالدول المسلمة تختلف بين من يدعمون اعترافًا رمزيًا بالإسلام لكن بآثار محدودة، وعلى الجانب الآخر من يدعمون التزامًا أكثر جوهريةً بالشريعة الإسلامية “يعكس فيه تنظيمُ سلطة الدولة وعملُها إقرارًا عميقًا بالإسلام” (Wolfrum, 2011:79).
لقد استجابت الأنظمة الدستورية الحالية في العالم الإسلامي لظروف بلادها الخاصة، واتخذت مسارات مختلفة، لكن يمكن المقارنة بينها نسبيًا([4]). فقد أثّرت التجربة الدستورية العثمانية على العديد من البلاد الإسلامية وكانت ملهمةً للعديد منها في الهيكل والمضمون. يهتم القسم التالي بمصر باعتبارها حالةً دراسية تأثرت بسياق بلاد إسلامية ناقشناها في القسم السابق، وكانت بدورها تجربة مهمةً أثّرت على بلاد أخرى.
الإطار الدستوري في مصر
كانت أول وثيقة شبيهة بالدستور في مصر الحديثة هي اللائحة الأساسية عام 1882م، والتي كانت نتيجة للثورة العرابية، لكن سرعان ما ألغاها الخديو توفيق، وأصدر بدلًا منها القانون النظامي عام 1883م. وتحت الاحتلال الإنجليزي، وضع هذا القانون النظامي السلطات في يد توفيق وألغى فكرة وجود مجلس تشريعي منتخب. وقبيل الحرب العالمية الأولى، روجِع القانون النظامي عام 1913م ومُنح المجلس التشريعي سلطةً مقيّدةً جدًا، إلا أن التجربة انتهت عام 1915م (N. J. Brown, 2002:26–41; Farahat & Farahat, 2011:100–115; Hamad, 2012:2)([5]).
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، نشأت حركة قومية من الوفد الذي تفاوض مع البريطانيين حول الاستقلال المصري. أصبحت الحركة حزبًا قوميًا باسم “حزب الوفد” تحت قيادة سعد زغلول. ترجم الوفد سخط المصريين على الاحتلال الإنجليزي إلى تعبئة شعبية أدت إلى ثورة 1919م. وبعد فشل مفاوضات مكثفة، اعترف البريطانيون منفردين باستقلال مصر لتكون ملكيةً عام 1922م، وأدت هذه الخطوة إلى صياغة دستور 1923م. منح الدستور بعض السلطة للبرلمان إلا أنه منح الملك اليد العليا من خلال قدرته على حل البرلمان (Botman, 1991:25–55; N. J. Brown, 2002:36–41; Farahat & Farahat, 2011:109–115; Hamad, 2012:2–3; Roder, 2011:343).
وفي عام 1952م، قاد بعض “الضباط الأحرار” ثورةً وأصدروا إعلانًا دستوريًا ألغوا فيه الملكية الدستورية وأنشأوا جمهورية. وبحلول عام 1971م، كان قد تمت خلال عهد جمال عبد الناصر (ت. 1970) صياغة ثلاثة دساتير كانت جميعها تخدم الحكومة وتتسم بانعدام المساءلة القانونية والدستورية (N. J. Brown, 2002:78–85; Farahat & Farahat, 2011:115–131). أصدر أنور السادات (ت. 1980م) دستور عام 1971م في محاولةٍ منه لإبعاد الجمهورية عن السياسات الاشتراكية ودمج بعض العناصر الإسلامية في البنية الدستورية، كما سنرى في أقسام قادمة. برهن هذا الدستور على أنه طويل العمر (من 1971 حتى 2011م) وأدخل عناصر جديدة إلى الهيكل الدستوري المصري. كانت المادة الثانية والمحكمة الدستورية العليا من بين هذه العناصر التي لا زالت قائمةً حتى اليوم، والتي سنناقشها في مواضع مختلفة.
عَكَسَ دستور 1971م بعد تعديله عام 2007م نيةَ من قاموا بصياغته لإضفاء الصبغة الدستورية على أعمال غير دستورية. ويعني ذلك أن الإجراءات والمواد الدستورية تم استخدامها لتبرير غايات تكون عادةً غير دستورية في النظم الديمقراطية([6]). وعلى الرغم من أنه يبدو ديمقراطيًا من الناحية الدستورية، إلا أن هذا الدستور ألقي عليه اللوم لأنه أسس لنظامٍ تسلطي ودعم يد السلطة التنفيذية الطولى والحزب الحاكم الذي استمر حاكمًا لعقود في مصر (Bernard-Maugiron, 2011:373-374). جعل الدستور منصب الرئيس بالانتخاب (المادة السادسة والسبعون)، وأكد أن نظام الدولة “نظام تعددي” (المادة الخامسة)، وأعلن أن “السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات” (المادة الثالثة) (الدستور المصري لعام 1971م، المواد: 76، 75، 73).
منذ 1971م حتى 1979م، كان مفترضًا أن التشريع من اختصاص مجلس الشعب حصرًا، إلا أنه في الواقع كان جمال عبدالناصر هو المشرِّع الفعلي. ومن عام 1979 حتى 2014م، تم إدخال غرفةٍ تشريعية أخرى ذات مهام استشارية أكثر من كونها تشريعية باسم “مجلس الشورى”. ففي 1979م، أسفر استفتاء عن إدخال مجلس الشورى ليكون غرفةً عليا للهيكل البرلماني القائم. والسلطة القضائية مقسّمةٌ بين محاكم إدارية وجنايات ومدنية ، و أخيرًا ولكن أكثر أهمية: محاكم دستورية.
المحكمة الدستورية العليا
كانت الصورة الجنينية الأولى للمحكمة الدستورية العليا هي المحكمة العليا التي أسسها مرسوم رئاسي عام 1969م في محاولة من نظام عبدالناصر لضبط السلطة القضائية والقضاء على ميولها الاستقلالية. وبذلك، مُنحت المحكمة العليا السلطة الحصرية للرقابة القضائية، وكانت تتحكم فيها السلطة التنفيذية من خلال التعيينات وتنظيم المحكمة وإجراءاتها وهيكلتها (Moustafa, 2007:65-67).
استحدث دستور 1971م الشكل الحالي للمحكمة الدستورية العليا. يشرح الدستور سلطات المحكمة في المواد 174 حتى 178. وشددت المادة 175 على أن المحكمة تملك حق المراقبة القضائية عندما أقرّت أنها “تتولى دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وتتولى تفسير النصوص التشريعية …” (دستور مصر 1971م، جزء من المادة 175). رغم هذه المادة، لم تتأسس المحكمة فعليًا حتى عام 1979م للإشارة إلى إيمان الرئيس السادات بالاستثمار في النمو الاقتصادي لمصر وتطبيق فكرة الانفتاح الاقتصادي. فبتأسيس المحكمة، أراد السادات أن يؤكد للمستثمرين الأجانب أن مصر يحكمها القانون، وأنهم يمكنهم التمتع بالاستقرار. ووفقًا لمصطفى تامر وناثان براون وكلارك لومباردي، كانت المحكمة تتمتع باستقلال معتبر (N. J. Brown, 2002:83; Grote, 2011:222; Lombardi, 2006:141–145; Moustafa, 2007:57–89).
تتمثل سلطة المحكمة الرئيسية في أنها المرجع الحصري للفصل بين تفسيرات التشريعات المتنازعة، والحَكَم النهائي في النزاعات القضائية حول الاختصاص، وكانت مشرّعًا سلبيًا من خلال ممارسة سلطة الرقابة أو المراجعة القضائية (Lombardi, 2006:145; Moustafa, 2007:79–80). مارست المحكمة أيضًا دور حارس البوابة، إذ يجب على أصحاب الدعاوى أن يقيموا الدعاوى أمام المحاكم الدنيا أولًا، لكي تصرّح لهم هذه المحاكم الدنيا برفع الدعوى أمام المحكمة الدستورية العليا (Grote, 2011:232; Lombardi, 2006:145; Moustafa, 2007:80–81)([7]).
تتشكل المحكمة من أحد عشر قاضيًا بمن فيهم رئيس المحكمة، تسمّيهم الجمعية العامة للمحكمة ويعتمدهم الرئيس (Hirschl, 2003:2-3). ولم تغير هذه العملية الكثير فيما يخص سلطة المحكمة أو سير أعمالها أو تعييناتها([8]).
وبعد عرضٍ مختصر للإطار الدستوري، ستعرض الأقسامُ التالية التشريعَ الإسلامي في الهيكل الدستوري كي نفهم موقع العلماء ووظيفتهم في التكوين الحالي.
التقنينات الإسلامية في مصر الحديثة
ترمي مناقشة التقنينات الإسلامية في مصر إلى تصوير الكيفية التي تم بها تصوير الإسلام في الدولة عبر التقنينات، نتيجة وجود مفهوم ضمني عن الحق في التشريع. وعلى الرغم من أنها تأثرت بالأعمال الفقهية، إلا أن التقنينات سهّلت من الانفصال عن قانون الفقهاء.
كانت المجلة العثمانية أحد أكثر مسودات التشريعات الإسلامية المقننة تأثيرًا. كان هذا التقنين المكوّن من ستة عشر فصلًا مقدمةً من المفترض أن تتلوها تقنينات مشابهة في ميادين قانونية أخرى ليتم إصدارها باعتبارها قانون الأراضي. وألهم التقنين مشروعات مشابهة في دولٍ إسلامية مختلفة (Arjomand, 2007:123–124; Chambers, 1972:42–44; Goadby, 1939; Lombardi, 2006:70–74; Peters, 2002:87–89).
صدر تقنين مشابه في مصر بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر على يد قدري باشا -ناظر حقانية سابق- وعُرف بتقنين قدري (Peters, 2002:89–90; Qadri Pasha, 1893). وفي فترة ما بعد عرابي (بعد عام 1882م)، أرادت الحكومة المصرية تبني التقنين كي تقنع القوة المحتلة بحداثتها، إذ إنها ظلت من الناحية القانونية تابعةً للإمبراطورية العثمانية، لكنها كانت مستعمرةً من الناحية الواقعية (Lombardi, 2006:61–71). وبعد ذلك، تم تجاهل مشروع قدري بشكل كامل، إلا أن فكرة القانون المدوّن كانت قد انتشرت.
وصف رادولف بيترز هذا التحول نحو التقنينات بأنه تحول من قانون الفقهاء إلى القانون الوضعي (Layish, 2004; Peters, 2002:81). وعند لومباردي، بدأت مصر في فترة التقنين قانونًا معلمنًا (أي: محوّلًا نحو العلمانية) (Lombardi, 2006:60–71)([9]). وبنهاية ثورة 1919م، لم تتبنَّ النخب المصرية النافذة مشروع الأسلمة، بل دعمت تقنينات ومدارس علمانية، أدت -وفقًا للومباردي- إلى “إضعاف قبضة العلماء على النظرية القانونية” (Lombardi, 2006:72).
ويرى لومباردي أن مصر قد وصلت إلى نقطة إجماع على ضرورة امتلاك قانون وضعي، بحيث يجب أن تكون جميع القوانين الحاكمة -إسلاميةً أو مدنية- مفروضة ومدوّنة (Lombardi, 2006:60–63). إذ لم يعارض الجمهور -باستثناء العلماء وقواهم الاجتماعية- القوانين الوضعية. تمثلت بعض تحفظات العلماء في أن الفقهاء المسلمين التقليديين يجب أن يُسمح لهم بأن يكونوا أكثر انخراطًا في مناقشة القوانين والتشريعات وصياغتها (pp. 62-72). وكان آخرون معارضين بشكل أعمق لوجود قانون مدوّن لأن ذلك سيمهد طريق العلمنة (Layish, 2004:100–102; Peters, 2002:89–91)([10]).
قام مشروعٌ وحيدٌ بمحاولة حل معضلة القوانين المعلمنة هذه من خلال تقديم بديل يقوم على المتطلبات الإجرائية للقوانين المدونة، وفي نفس الوقت يعكس مضمون الفقه الإسلام. كان ذلك هو المشروع الذي قام عليه عبد الرزاق السنهوري (ت. 1971م) الذي كان أحد أهم المنظرين القانونيين في العالم العربي في القرن العشرين.
دعا السنهوري في النصف الأول من القرن العشرين إلى تشكيل لجنة تشرف على تدوين قانون إسلامي شامل يناسب مختلف البلاد الإسلامية (Hill, 1987; Layish, 2004:90–91; Lombardi, 2006). لكنه أخذ على عاتقه وضع هذه التقنينات، وكان القانون المدني نتاج عمل السنهوري مع آخرين.
وفي رد فعل على مشروع السنهوري في الأربعينيات، قاوم علمانيون وإسلاميون التقنين على حد سواء، إذ رفضه العلمانيون لأنه كان إسلاميًا جدًا بينما رفضه العلماء والإسلاميون لأنه لم يكن إسلاميًا بمافيه الكفاية!. ونظر العديد إلى المشروع باعتباره تلفيقًا فاشلًا. وشك الإسلاميون والعلماء في أن مشروعات التقنين ستقصي دور العلماء التقليدي (Lombardi, 2006:109–132). إلا أن دور العلماء لم يكن واضحًا من الأصل، أو على الأقل لم يكت مُتفقًا عليه.
سيناقش القسم التالي المسارات المختلفة التي اتخذتها البلاد المسلمة الحديثة فيما يخص دور العلماء، سواء في التشريع أو القضاء أو خارج أجهزة الدولة بالكلية.
دور العلماء في مؤسسات الدولة
بعد عرض السياق الدستوري للنظم الحالية في البلاد المسلمة، سيناقش هذا الجزء دور العلماء في التكوين الدستوري بالتركيز على حالة مصر.
سيبدأ هذا القسم ببحث المهمة التشريعية للفقهاء المسلمين وكيفية قيامهم بها في الهيكل الدستوري أو القانوني العام. ثم سأناقش انخراطهم في القضاء، سواءً الوضعي أو الشرعي. وسأختم هذا الجزء باختبار فكرة الدستورية الثيوقراطية ومشروعات الأسلمة الدستورية، والتركيز على الكيفية التي لعب بها العلماء دورهم.
الفقهاء في التشريع
سيبحث هذا القسم المهمة التشريعية للفقهاء المسلمين في الدولة المسلمة الحديثة. استلهمت التجربة الباكستانية النموذج الإيراني السابق عليها من انخراط الفقهاء في المجالس التشريعية. بينما اتخذت مصر مسارًا مختلفًا عبر عدم الاعتراف بأي دور رسمي للفقهاء المسلمين باعتبارهم فقهاء، مع اعتراف غامض بالفقه الإسلامي في التشريع. قد يأخذ الدورُ التشريعي شكلَ إدخال فقهاء إلى المجلس التشريعي، أو تشكيل لجنة فيها فقهاء، أو إحالة مهمة تشريعية ما إلى مؤسسة فقهية.
كان من المتوقع أن يتم أخذ آراء الفقهاء المسلمين -أي من يعبرون عن الشريعة ويفسرونها- في الاعتبار عند فهم وتطبيق القانون. لكن الكيفية التي يتم بها التعامل مع هذه الآراء في الدول ذات الأغلبية المسلمة اختلفت من دولة إلى أخرى، بل من فترة إلى أخرى ونظام إلى آخر (Fadl, 2011:48; Feldman, 2008:28–74).
استلهمت التجربةُ الباكستانية في النصف الثاني من القرن العشرين ومحاولتها إدماج الفقهاء في التشريع نظيرتَها الإيرانية. فقد قاد الفقهاء في إيران الجماهير إلى الانتصار أثناء الثورة الدستورية (1906-1911م) وأثّروا بشكل واضح على الوضع الدستوري بعد ذلك (S. Arjomand, 2011:147–150; S. A. Arjomand, 2007:117–119; Bayat, 1991:123–143). وكان أحد المطالب الرئيسية هو وضع كل تشريعات البرلمان تحت رقابة كبار الفقهاء. تم دمج شرط موافقة الفقهاء على التشريع هذا في القانون الأساسي المكمل الذي تبناه البرلمان الإيراني عام 1907م (S. Arjomand, 2011:168; S. A. Arjomand, 2007:118, 125)، وأُسنِدت مهمة الرقابة على التشريع إلى لجنة من خمسة فقهاء على الأقل كي يمر أي مشروع قانون في البرلمان.
وباستلهامها للنموذج الإيراني، شملت عملية بناء الدولة الباكستانية بعض عناصر انخراط العلماء في وضع الدستور وإقرار التشريعات. ففي 1949م، شكّلت الجمعية التأسيسية الباكستانية لجنة من العلماء المسلمين للتعامل مع الفقه الإسلامي (Ahmad, 1972:260–261). وفي الخمسينيات، طرح بعض العلماء الباكستانيين ضرورة تأسيس لجنة يناط بها فحص موافقة التشريعات للإسلام، إلا أن الفكرة أثارت معارضةً شديدة. وعام 1955م، ألغت اللجنة التأسيسية أي ذكر للجنة الفقهاء من التقرير النهائي للمبادئ الأساسية (Kennedy, 1992:3; Zaman, 2010:88). فلم تنجح محاولة إدماج العلماء في عملية التشريع الرسمية في باكستان لأسباب عدة؛ من أهمها فيما يخصنا هنا هو “الرفض السني التقليدي للكهنوتية” (Skovgaard-Petersen, 2013:279).
وبعد أكثر من ثلاثة عقود وتغير العديد من النظم، شكّل رئيس وزراء باكستان نواز شريف عام 1991م لجنةً من أعضاء البرلمان والمحامين والعلماء لصياغة مشروع قانون إسلامي يستهدف تسهيل “تطبيق الشريعة”، وتم تمريره في البرلمان وأصبح قانونًا. إلا أنه وفقًا لتشارلز كينيدي، كان تطبيق هذا القانون محدودًا. فقد لعبت القيود الدستورية دورًا كبيرًا في تقليل أثره، بالإضافة إلى حدود الاختصاص التي وضعتها المحكمة الباكستانية العليا أمام تطبيقه (Kennedy, 1992:12).
على عكس باكستان، ترجع التجربة المصرية فيما يخص دور العلماء المسلمين في التشريع إلى القرن التاسع عشر. فعندما كانت مصر جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، كان دور شيخ الإسلام مألوفًا في مراقبته للقرارات لجعلها تعكس الفقه الإسلامي. أثّر نظام الفحص الفقهي هذا على مصر، وشكّل فهمها المبكر للتشريع. وفي محاولات تحويل التنظيم نحو القانون الوضعي في أواخر القرن التاسع عشر، تم تعيين العديد من الفقهاء من مذاهب عدة لفحص القوانين وإسلاميتها، على الرغم من أنه لم يكن واضحًا ما السلطة التي يملكونها، أو إن كانت قراراتهم مُلزِمةً أم استشارية (Lombardi, 2006:55–66)([11]).
ولعقود، ظل العلماء لاعبين رئيسيين، إلا أنهم لم يكونوا في موقع تشريعي ثابت. وفي الثلاثينيات، تحالف العلماء مع الملك فؤاد (ت. 1936م) لتقديمه خليفةً في مقابل الضغط عليه ليتبنى نهجًا يأخذ العلماء في الاعتبار عند التشريع. دعمت حركة مصر الفتاة السياسية مشروع العلماء من أجل الرقابة على القوانين وفكرة أن يفحص فقهاء أزاهرة القوانين للتأكد من اتساقها مع تفسيرهم للشريعة (Lombardi, 2006:103–104).
تراجع دور العلماء التشريعي في المجال الرسمي قبل بداية السبعينيات، لعوامل عدة؛ كان من أهمها عداء نظام عبد الناصر لأي خطاب إسلامي يرى فيه “حركة رجعية” قد تعوق الإصلاحات الاشتراكية التي يقوم بها النظام. لكن المزاج “الإسلامي” للسادات أحيا المطالبات الداعية لدمج الفقهاء في التشريع. ففي 1976م، شكّل الأزهر لجنةً كانت ستقترح إصلاحات تشريعية تضمن اتساق القوانين مع الفقه الإسلامي. وهي خطوة دعمتها أكبر جماعة إسلامية؛ جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أن الاقتراحات كانت مؤثرة، إلا أن اللجنة لم تكن سلطة تشريعية رسمية، ولا تم دمجها في البرلمان (Lombardi, 2006:126–127).
وفي عام 1980م، وبعد تصويت برلماني أقر ضرورة تعديل القوانين وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية، أصدر رئيس لجنة مقترحات الإصلاح تقريرًا يقضي بأن المقترحات تتضمن النظر في النصوص الإسلامية بما فيها القرآن والسنة وآراء أئمة وعلماء المسلمين في الاعتبار (Lombardi, 2006:134–135, 166). لكن ذكر العلماء هذا لم يحدد إن كان مِن المفترض أن يصبح الفقهاء ضمن لجنةٍ تشريعية ملزمة، أو أن تكون آرائهم المنشورة فقط محل نظر من اللجنة المسئولة عن المقترحات. أرسلت اللجنة مسودات القوانين المعدّلة للأزهر، وأحدثت بعض التعديلات بناءً على ذلك، إلا أن فكرة فحص العلماء للتشريعات اُهمِلت بالكلية تدريجيًا (pp. 135-137).
بشكلٍ عام في مصر، يبدو أن الاستناد إلى العلماء في التشريع استشاريٌ وانتقائيٌ للغاية. فعلى سبيل المثال، عند محاولة إصدار قانون الأسرة المثير للجدل (المعروف بقانون جيهان)، أرسل السادات (ت. 1981م) المسودة إلى المفتي لاختبار مدى اتساقها مع الشريعة الإسلامية. اتخذ السادات هذه الخطوة ربما لعلمه بالطبيعة الخلافية لهذا القانون، لذلك أراد أن يستبق ويحتوي أي معارضة إسلامية للقانون (Lombardi, 2006:170)([12]).
إن القاعدة العامة في مصر هي منع تمكين أي مؤسسة دينية أو كيان إسلامي من أي سلطة دينية أو حكومية رسمية، حتى في أمور الفقه الإسلامي أو تفسير الشريعة. حتى محاولات نقل السلطة التفسيرية إلى الفقهاء كانت إما استشارية تفتقر إلى أي سلطة ملزمة، أو انتقائية في موضوعٍ معين تعلم الدولة مسبقًا نتيجته، وتحتاج فقط إلى ختم الشرعية من الفقهاء (Backer, 2009:169–170).
وتمثّل بلاد المغرب نموذجًا طويل العمر ومثيرًا للاهتمام. إذ لا يوجد مفتون للدولة في المغرب ولا تونس ولا الجزائر، ولا توجد مؤسسة إفتاء إسلامية رسمية تعترف بها الدولة أو تمثل جهازًا من أجهزتها. وعلى الرغم من وجود مجالس إسلامية عليا، إلا أنها ليست مؤسسات الدولة الدينية ولا تملك أي سلطة دينية خاصة على التفسير إلا فيما يخص احترام الناس وتقديرهم لها (K. Brown, 1972:127–148; L. C. Brown, 1972:47–91; Burke, 1972:93–125; Roy, 2011:116).
ورغم أن لومباردي يصف المطالبين بانخراط الفقهاء في التشريع أنهم من المدرسة “التقليدية المحدثة” (Lombardi, 2006:80-97)، يبدو أنه لا يدرك المدرسة الأكثر تقليدية ورسوخًا التي تمتنع عن الانخراط في تشريعات الدولة لأجل أن يبقوا في مساحة إنتاج الفقه المستقل وغير الملزم بشكل خاص. وبالتالي، ينبغي أن يكون وصف “التقليدية المحدثة” أكثر انطباقًا على المجموعات المتنوعة من الفقهاء المستقلين عن الدولة ممن لا زالوا -حتى عند تأسيسهم أو انتسابهم لكيانات إسلامية كما في المغرب وتونس والجزائر- ينتجون فقهًا إسلاميًا مستقلًّا بلا تشريع ولا تحكم من الدولة (Quraishi, 2011:63).
الإسلام في القضاء (الفقهاء في القضاء والمحاكم الإسلامية الشاملة)
استكشف القسم السابق المهام التشريعية أو المحاولات التي سعت إلى تضمين الفقهاء في المجلس التشريعي أو إسناد مهمة تشريعية إلى مؤسسة إسلامية أو لجنة فقهية. وسينظر هذا القسم في المهام القضائية المـُسندة إلى الفقهاء سواء في المحاكم العامة أو المحاكم الإسلامية المعروفة عادةً بالمحاكم الشرعية.
يدعي أحد الباحثين أن البنية السنية في القرون الوسطى عرفت الازدواجية القضائية، حيث يتجاور نوعان من المحاكم في نظام واحد: كان الأول هو نوع يقف فيه القاضي والمحاكم التي يقيمها الفقهاء، والتي يشمل اختصاصها مواضيع متنوعة، إلا القضايا ذات الطابع الإداري. النوع الثاني كان المحاكم الإدارية المحضة، التي يشمل اختصاصها القضايا الخاصة بفرمانات ومراسيم الحكام. ولم يكن القائمون على هذه الأخيرة من الفقهاء (Lombardi, 2006:54)([13]).
تمثل باكستان في العصر الحديث حالةً بارزةً على هذه الازدواجية القضائية في الإسلام السني. مر الفقهاء في المحاكم الباكستانية ودورهم القضائي بمرحلتين؛ الأولى بدأت في السبعينيات واستمرت حتى عام 1980م، إذ كان هناك دوائر شرعية تعمل داخل المحاكم العامة. لم تكن هناك نيابة أو محامون في هذه الدوائر، بل بدا أن الفقهاء يمثلون مايسمى ب”شهود خبراء” أكثر من كونهم قضاةً أو محامين. كان مفترضًا أن تعمل هذه الدوائر باعتبارها كيانات إسلامية استئنافية تفصل في القضايا بالقانون الجنائي الإسلامي. ولكن إن أراد أحد أطراف القضية أن يستأنف، عليه (أو عليها) أن يذهب بالقضية إلى الدائرة الشرعية في المحكمة العليا خلال ستين يومًا. ولا تقتصر هذه الدوائر على الفصل في القضايا وفقًا للقانون الجنائي، بل إنها أيضًا تملك سلطة إبطال القوانين التي تراها غير إسلامية، وهي صلاحية توجد حصرًا في يد المحاكم الدستورية أو العليا في دول سنية أخرى كمصر (Ahmad, 1972:261–267; Grote, 2011:232; Lau, 2005:122–124; Lombardi, 2006:145; Moustafa, 2007:80–81).
عام 1980م، حُلَّت الدوائر الشرعية وتم استبدالها بنظام قضائي إسلامي سُمّي بالمحاكم الشرعية الفيدرالية. باشرت المحاكم حديثة الإنشاء سلطات الدوائر الشرعية بما فيها سلطة الحكم على القوانين بمنافاة الشريعة الإسلامية. يجري الإلزام بأحكام هذه المحكمة على جميع المحاكم الأخرى، ولا يمكن الاستئناف ضدها إلا في المحكمة الفيدرالية العليا (Backer, 2009:164; Lau, 2005:143, 196–147)([14]).
كان التطور الملحوظ في إنشاء المحاكم الشرعية الفيدرالية في باكستان هو اشتمالها على علماء شرعيين في هيكلها. وبعد 1985م، حدث تثبيت رسمي للعلماء في هذه المحاكم من خلال تعديل دستوري اشترط وجود بعض العلماء في المحاكم الشرعية. نص التعديل على أن يكون من بين قضاة المحاكم الشرعية الفيدرالية ما لا يزيد عن ثلاثة من العلماء المتبحرين إلى جنب خمسة من القانونيين (Kennedy, 1992:5; Lau, 2005:130; Zaman, 2010:89–90). وفي الواقع، انتهت أحكام المحكمة الباكستانية العليا – وفقًا لتشارلز كينيدي – إلى تجريد هذه المحاكم الشرعية الفيدرالية من العديد من سلطاتها، وأنكرت عليها “اختصاصها في العديد من المجالات التي تهم الإصلاحيين الإسلاميين فيمايتعلق بنظامهم القانوني الباكستاني المقترح” (Kennedy, 1992:5).
وفي ماليزيا، أسس النظام القضائي محاكم شرعية إلى جانب المحاكم العليا والمحاكم الفيدرالية. لكن يمكن للمحكمة العليا أن تتجاوز المحاكم الشرعية وتقبل استئنافات على أحكامها، على عكس المحاكم الفيدرالية التي لا يمكنها الفصل في القضايا المرتبطة بالشريعة الإسلامية. ولذلك، وعلى الرغم من الوظائف الغامضة التي تقوم بها المحاكم الشرعية خارج مساحات قانون الأسرة، تشرف المحكمة العليا العلمانية على النظام القضائي بأكمله بما فيه المحاكم الشرعية. فعلى عكس باكستان، حيث العلماء قضاةٌ كغيرهم، أو السعودية حيث كل القضاة في المحاكم العامة من العلماء أو خريجي الكليات الشرعية، لا يبدو أن ماليزيا تشترط أمرًا كهذا (Backer, 2009:174; Esmaeili, 2009:33–40; Vogel, 2000:3–165).
يبدو أن تجارب المحاكم الإسلامية هذه أو وجود بعض الوظائف القضائية المـُسندة إلى علماء شرعيين لم تعمل بشكل جيد، أو على الأقل لم تأخذ فرصتها في العمل نتيجة لقيود دستورية أو قضائية عليا. وعلى الجانب الآخر، لم تشهد مصر الحديثة المحاكم الشرعية أبدًا ولم تنظر في أمرها بجدية. قد يكون السبب في تجنب فكرة المحاكم الإسلامية في مصر هو الذكرى السيئة المتعلقة بالمحاكم المختلطة التي ارتبطت دائمًا بالمحاباة والفساد فضلًا عن امتيازات الأجانب وغير المصريين (Sherif, 1998:12–15).
استكشف هذا القسم العلماء ودورهم في القضاء الإسلامي. وعلى الرغم من وجود محاكم إسلامية عاملة، إلا أنها كانت جزءًا من نظام مدني أشمل لم يقتصر على التخفيف من إسلامية النظام، بل حدد أيضًا ماهو الإسلام والقانون الإسلامي. ويقودنا ذلك إلى مناقشة العلمنة في مقابلة الأسلمة في النظم القانونية، ومفهوم الثيوقراطية الدستورية.
السلطة الفقهية والثيوقراطية الدستورية
دائمًا ما يثير النقاش حول دور العلماء الشرعيين في التشريع أو القضاء الخوفَ من الثيوقراطية أو أيٍ من أشكالها. لكن لأن مشروع الأسلمة في الدول ذات الأغلبية المسلمة كمصر لا يتسق مع الفكرة التقليدية عن الثيوقراطية، يحاول مفهوم الثيوقراطية الدستورية أو الدستورية الثيوقراطية تقديم تحليلٍ لهذه الظاهرة الدستورية. يعرض هذا القسم لبعض المفاهيم المرتبطة بالأسلمة الدستورية، ويحاول دراستها ويختم بمشروع الأسلمة ودور العلماء فيه.
بنهاية القرن العشرين، كان هناك انطباع شائع في عالمية القانون الدستوري والدستورية التي تتجاوز البلاد والثقافات. بدا هذا النظام العالمي وكأنه مبدأ الحكم الدستوري الوطني الشرعي الوحيد، والذي يجب على الجميع اتباعه واحترامه. إلا أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بزغ توجهٌ جديد وفهمٌ أكثر تعددية للحكم الدستوري في الدوائر البحثية الأمريكية والعالمية. وكما أرادت المبادئ الدستورية العالمية المتجاوزة محاربة التطرف وإحداث حالةٍ من التناغم الدستوري، أراد التيار الأكثر تعددية وتجزئًا أن يصل إلى الاستقرار ويحارب التعصب بشكل غير تقليدي (Backer, 2009:3–15)([15]).
أحد الاتجاهات الكبرى الجديدة نسبيًا في الحكم الدستوري يقوم على نظام يقبل مبادئ الدستورية الأساسية كوجود الدساتير والفصل بين السلطات وإرادة الشعب، وفي الوقت نفسه يتضمن بعض المبادئ الدينية المحلية. يمثل العالم الإسلامي المسرح الأساسي لهذا النوع من الحكم الدستوري الديني المنتشر. يصف ران هيرشل هذا النظام بأنه “ثيوقراطية دستورية”. فيشير إلى أنه بينما تُركّز الثيوقراطيةُ التقليدية السلطةَ في يد رجال الدين أو المؤسسات الدينية، توجد ظاهرةٌ جديدة من “الثيوقراطية الدستورية” التي يقوم عليها رموز سياسية من غير رجال الدين، ومتفقةً مع القيود الدستورية ولكنها في بعض أجزاءها أو كلها مستوحاة من الدين (Hirschl, 2008:3–4).
وعلى عكس الدرجات المختلفة من الفصل بين الدين والدولة، تتبنى الثيوقراطيات الدستورية دينًا محددًا بشكل رسمي وهيكلي لكل دولة توسف بأنها ثيوقراطية دستورية. وعلى الرغم من وعي هيرشل بالنمط الذي تتبعه بعض الدول الأوروبية في اعترافها بدين واحد في الدستور، إلا أنه يفسر هذا الاعتراف باعتباره كيان جماعي أو قيد اجتماعي في حين أن الثيوقراطيات الدستورية تشترط أن تكون القوانين ملتزمةً دينيًا (Hirschl, 2008:5, 2011:3). ووفقًا لهيرشل، لكي نصف أي نظام بأنه ثيوقراطية دستورية يجب أن تتوفر فيه سمات أربعة: 1) الالتزام بكل الجوانب الضرورية للدستورية الحديثة، 2) وجود دين للدولة تعترف به وتقرّه باعتباره الدين الوحيد المهيمن، 3) التأسيس الدستوري للدين باعتباره مصدرًا للتشريع، 4) وجود علاقة معترفٍ بها دستوريًا بين القضاء والكيانات الدينية ذات نوع معين من الاختصاص في قضايا بعينها (Hirschl, 2008:3, 2011:5).
وبعد استقصاء بلدان مختلفة تمثل ثيوقراطيات دستورية، يميز هيرشل بين تسع مقاربات فيما يخص العلاقة بين الدين والدولة([16]): 1) دولٌ معادية للدين كالشيوعية الملحدة، 2) دول لادينية كفرنسا وتركيا الكمالية، 3) دول النموذج المحايد كالولايات المتحدة، 4) نموذج مخفف من الفصل الرسمي بين الكنيسة والدولة ككندا، 5) اعتراف فضفاض بالدين وتأسيسه باعتباره “دين الدولة” الرمزي كالنرويج والدنمارك وفنلندا وأيسلندا واليونان وقبرص وإنجلترا، 6) هيمنة فعلية لدين ما كإيرلندا ومالطا وبولندا وشيلي وكولومبيا والمكسيك والأرجنتين، 7) استيعاب انتقائي للدين في مساحات قانونية معينة كالهند ونيجيريا، 8) ترسيخ كامل للدين مع وجود جيوب علمانية معينة كالسعودية، 9) نظام مزدوج من الاعتراف بالمبادئ الدينية باعتباره أساسًا للقانون، وبالمبادئ الدستورية العالمية، كباكستان ومصر (S. A. Arjomand, 2007:115; Hirschl, 2008:6–7, 2011:26–54; Jelen, 1993:2–5; Rabb, 2008:531).
ويتفق لاري كيتا باكر مع هيرشل في أن ما سماه الأخير “الثيوقراطيات الدستورية” لا تتوافق مع المبادئ الدستورية العلمانية العالمية. إلا أن باكر يؤكد أن الثيوقراطية ترتبط بالاستبداد، بينما تميل الدستورية إلى تقييد القوة وتوزيع السلطة، مما يجعلها غير متوافقة مع الثيوقراطية (Backer, 2009:120–130). ويوسّع باكر من نقده لهيرشل قائلًا إن هذا الأخير يقلل من دور الدين في بناء القيم، في مقبل أن باكر يؤكد أهمية الدين في بناء نسق كاملٍ من القيم (Backer, 2009:104–105, 127–108). لكن الأكثر أهمية أن باكر يختلف مع هيرشل في فكرة أن “الثيوقراطية الدستورية” هي نموذج معيب من الدستورية في مقابل ما تمثله الدستورية العلمانية العالمية. إذ يقيّم باكر هذه “الثيوقراطيات الدستورية” في نطاقها باعتبارها نظمًا سياسية شرعية (pp. 130-131). فبالنسبة لباكر، تتحقق فيما يسميه هيرشل “الثيوقراطيات الدستورية” قواعد القانون الإجرائية، والقيم الديمقراطية يتم احترامها إلى حد كبير، فلديها العناصر الدستورية الأساسية راسخة. إلا أن مصدر القيم في الدستورية العلمانية مختلف عن نظيره في الدستورية الدينية. ولذلك، سمّى باكر هذه الظاهرة “الدستورية الثيوقراطية” مشددًا على أنها نوع صالح من الدستورية، بدلًا من التشديد على طبيعتها الثيوقراطية كما في مصطلح هيرشل عن “الثيوقراطية الدستورية” (pp. 130-133).
وفي “الدستورية الثيوقراطية” لدى باكر، من الممكن تطوير نظام ملتزم بالمبادئ الدستورية العالمية، مع الحفاظ على بعض عناصر الدستورية الثيوقراطية (Backer, 2009:160)([17]). ويبدو أن باكر أكثر وعيًا بأن التدين التقليدي موجودٌ في الأنظمة العلمانية (pp. 104-105, 108-127). ومع ذلك، يُفرِد الرجلان (هيرشل وباكر) الأديان التقليدية باعتبارها ساحةً معرضةً للثيوقراطية، ويقللان من شأن التدين غير التقليدي بالدين المدني الذي تقوم عليه الدستورية العلمانية العالمية. وعلاوة على ذلك، الدين العلماني أكثر دينية في التعامل مع غير المؤمنين بنظامه وقيمه (Gentile, 2006:16–45). ويمكننا القول إن العقلية الثيوقراطية للأنظمة تامة العلمانية تؤكد على تدينها العلماني؛ وهي عبارة قد تبدو متناقضة إن لم نكن قد رأينا أديانًا سياسية متعددة لم تنشأ من الأديان التقليدية كاليهودية والمسيحية والإسلام بل من مباديء علمانية تمّ التعامل معها بنفس الطريقة الدينية (pp. 16-45).
وقد يشير ما يسميه تيد جيلين بالدول “الحازمة في الفصل” (Jelen, 1993:2–5) والتي يصفها هيرشل بأنها دول “معادية للدين”، بالإضافة إلى “الدول اللادينية” (Hirschl, 2008:6–7, 2011:26–27) إلى ظاهرةٍ دستورية أخرى؛ يمكننا تسميتها “دستورية لاثيوقراطية”. فكما ينفي الإلحادُ الدينَ من نسقه القيمي، تنفي الدستوريةُ اللاثيوقراطية الدينَ -بمعناه التقليدي- من مجالها العام([18]).
يمكن اعتبار تركيا الكمالية مثالًا على هذه الدستورية اللاثيوقراطية في العالم الإسلامي. ففي عام 1928م، وبعد سنوات قلائل من تفكيك نظام الخلافة (الإمبراطورية العثمانية)، أزال نظام مصطفى كمال أتاتورك (ت. 1938م) أي إشارة إلى الإسلام أو الشريعة من الدستور والقانون. وفي المقابل، تم تبني العلمانية، ودخلت كلمة “العلمانية” في دستور 1937م. ومن المفارقات أنه تم تأسيس وزارة علمانية (رئاسة الشئون الدينية) لإدارة الأوقاف الدينية والشئون الدينية المباشرة وفرض خطاب ديني معين يقبله النظام العلماني (Ozbudun, 2011:136–139). وباختصار، وكما يعبر عن ذلك إرجون إزبودان، “تبدو العلمانية التركية نظام دين تتحكم في الدولة، أكثر من كونه فصلًا بين الدين والمؤسسات الدينية” (p. 139). وقد وصلت إلى هذا المستوى عندما جعل نظام 1982م الكمالي العلماني التعليمَ الديني إلزاميًا من أجل تقديم تفسيرٍ تنويريٍ للإسلام، وهي خطوة لم تعارضها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (p. 139). تمثل الحالة التركية نموذجًا لما يسميه أحمد كورو “العلمانية الحازمة” في مقابل “العلمانية السلبية”. تمتلك العلمانية الحازمة خطابًا وتوجهًا دينيًا، أو بالأحرى معادٍ للدين، ضد الأديان التقليدية، وبالتالي يتحكم في تعليمه وحركته. وفي الناحية الأخرى، تمثل العلمانية السلبية ما يسميه البعض الحياد الديني، مع التأكد من عدم ترسيخ الدولة لأي دين (Kuru, 2007:568–572; Ozbudun, 2011:138).
ففي حين أن الدستورية الثيوقراطية والثيوقراطية الدستورية تحاولان تفسير موجة الأسلمة، هناك دستورية معاكسة تميل إلى نفي دينٍ معين، وتتبنى باسم العلمانية خطابات دينية مماثلة ضد إرادة الشعوب. ومما يثبت ظاهرة مناهضة الدين هذه هو الرفض الممنهج للمظاهر الإسلامية باعتبارها جزءًا من الحرب على الثيوقراطية. ويظل السؤال عن كون مشروع الأسلمة يمثل شكلًا من أشكال الثيوقراطية سؤالًا مطروحًا. وسيناقش القسم التالي الأسلمة، وخاصةً آلية التقنين ودور الإسلاميين والفاعلين الآخرين إلى جنب العلماء.
المنافسون على الإسلام من غير العلماء
اتخذ مشروع الأسلمة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أشكالًا عدة، إلا أنها تشاركت في معظمها أفكار الإحيائية الإسلامية التي وسمت هذه الفترة (Lau, 2005:5). ولدى سيد آرجوماند، اتسمت أسلمة هذه المرحلة بـ ” التعامل الأيديولوجي مع الإسلام والدستور كليهما” (S. A. Arjomand, 2007:119). فمثلًا، يصف آرجوماند الأسلمة الباكستانية في الفترة من 1949م حتى 1956م بأنها تحول من نظام الراج القانوني البريطاني الموروث إلى سيادة الله (p. 120). كان من المفترض أن باكستان تتبنى الإسلام وشريعته، لكن لم يكن واضحًا كيف يتم تنفيذ ذلك (Kennedy, 1992:3).
لقد كان هناك خياران لتنفيذ مشروع الأسلمة؛ إما إعلان هيمنة الشريعة الإسلامية وترك تطبيقها للقضاء، أو اتخاذ سبيل التقنين. فضّل تقيّ العثماني -عالم باكستاني نافذ وقاضي سابق بالمحكمة الشرعية- التقنين لأسباب عدة منها ضعف القضاة المحدثين في الفقه الإسلامي. وعلى الرغم من أن تقيّ العثماني اعترف بأن التقنين ليس هو الآلية التقليدية لتعميم الشريعة الإسلامية في العصر ما قبل الحديث، إلا أنه لا زال يرى أن التقنين هو الطريقة المثلى لضمان تطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة الإسلامية الحديثة (Zaman, 2010:93–98)([19]). بدأ العلماء الباكستانيون في التقنين ودعموا مقترحاته باعتباره شكلًا مقبولًا من الأسلمة. ولم يُنظر إلى تقنين الشريعة في باكستان باعتباره يمثل خطرًا على سلطة العلماء الفقهية. ومع ذلك، ظلت الأعمال الفقهية المؤلَفة خارج مؤسسات الدولة ذات تأثير (Zaman, 2010:93–98)([20]).
لقد صيغت العديد من الدساتير الإسلامية في باكستان وأُبطِلت، وتعاقبت أنظمة متنوعة؛ إلا أن وجود الإسلام في القانون كان أمرًا لا جدال فيه. وكان الانقلاب العسكري الإسلامي عام 1977م بقيادة ضياء الحق (ت. 1988م) نقطة تحول نحو التسلطية الإسلامية (Kennedy, 1992). إذ أصدر قرارات بمحاربة الأنشطة غير الإسلامية، وقوانين تجرّم “المذاهب المنحرفة” (S. A. Arjomand, 2007:122). وضع ضياء الحق مع الجمعية الوطنية مخطط التقنين الإسلامي، إلا أنه سرعان ما ضجر من “تقدم الأسلمة البطئ” وحل الجمعية الوطنية بأكملها (Kennedy, 1992:10).
يمثل نموذج ضياء الحق مشروع الأسلمة عبر الاستبداد. فقد تم إصدار تقنينه عبر قرارات رئاسية. وكانت الشريعة المقننة كما قدمها نظام ضياء الحق أداة في يد صاحب السلطة من أجل إحكام القبضة على كل أفرع الحكومة والقطاع الديني. وتحققت محاولة نقل السلطة الدينية من شبكات مجتمعية إلى مؤسسات حكومية عبر تقنين الشريعة الإسلامية ولجانها المعيّنة. وعن باكستان، يشير محمد قاسم زمان:
“لقد عَمِلت الأسلمة أيضًا على إحكام سيطرة الدولة على المجتمع، وتوسعة نفاذها إلى مساحات جديدة وتعميقه، بما في ذلك صور من الحياة الدينية. وعَمِلت أيضًا باعتبارها أداة تقوية سلطة الحكومة الخاصة … (Zaman, 2010:101)”.
وفي مصر، كانت الأسلمة عام 1971م ودستورها أيضًا تغييرًا قام بها نظام السادات الاستبدادي. كان هناك نوعين من الحضور الديني في خطة السادات الإسلامية: مؤسسات العلماء الدينية خاصةً الأزهر، والأحزاب السياسية والحركات “الاجتماعية” الدينية وخاصةً جماعة الإخوان المسلمين. مثّل العلماء السلطة الدينية التقليدية التي حملت الإسلام والشريعة وعلومها عبر التاريخ، في حين نشأت الجماعات السياسية الاجتماعية كالإخوان المسلمين باعتبارها ظاهرةً حديثة تشكلت من إسلاميين عوام. قد تكون الحركات الإسلامية والإسلاميون المعاصرون قد نشأوا من هيكل نظام الأخوّة في الطرق الصوفية في التاريخ الإسلامي. تراوحت العلاقة بين هذين الفصيلين (العلماء والإسلاميون) بين المنافسة على السلطة والتعاون من أجل تعزيز حضور الإسلام في المجتمع.
بينما قد تشكل الحركات الإسلامية تحديًا لدور العلماء التقليدي باعتبارهم حاملي الإسلام، يمكن للإسلاميين أيضًا أن يكونوا لاعبين سياسيًا يساعدون مؤسسة دينية كالأزهر في القيام بدورها الفعال (Ahmad, 1972:257; Crapanzano, 1972:327; Gellner, 1972:307; Hirschl, 2003:2; B. G. Martin, 1972:275; R. Martin & Barzegar, 2010; Skovgaard-Petersen, 2013; Wickham, 2002).
على الرغم من أن الأسلمة في مصر يفترض أن تكون لإحياء الفقه الإسلامي، إلا أنه في الواقع كانت آلية تلك الأسلمة هي الجمع بين إعلان الشريعة الإسلامية من جهة وتقنينها من جهة أخرى وهي الأشياء التي كان يسيطر عليه نظام السادات الاستبدادي ويتحكم فيه. وعلى الرغم من شيوع الفكرة التي ترى أنه كان متعاطفًا مع الاتجاه الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين بالأخص، إلا أن الطريقة التي تمت بها إدارة مشروع الأسلمة كشفت عن شك وارتياب عميقين، فبعد إصدار المسودات الإسلامية المقننة، لم يتسامح النظام مع أي نقد، وخاصةً من الإسلاميين (Lombardi, 2006:116–136; Moustafa, 2000:3–7; Sherif, 2011:125–126). وكان مشروع الأسلمة المصري على المحك عند اغتيال السادات عام 1981م. فبمجرد أن تسلّم الرئيس حسني مبارك السلطة، أُلغيت خطة الأسلمة، ووضعِت القوانين الإسلامية على الرفوف (Lombardi, 2006:136–139).
على الرغم من حقيقة أن مشروعات الأسلمة كانت وفقًا لمطالب شعبية، إلا أنها وظّفت آليات استبدادية وتسلطية خشنة. وحاول المشروع استبدال الطبقة النموذجية من الفقهاء المبرّزين اجتماعيًا باللجان المعيّنة المـُسند إليها التقنين الإسلامي. فلذلك، يطعِن في عمِلِها ومدى إسلاميتها.
خاتمة
تمثل مسألة التكوين الدستوري الحديث ودور العلماء المسلمين في الدول ذات الأغلبية المسلمة طريقةً لاختبار الموقع التقليدي لهؤلاء العلماء. وتقدّم التجارب الدستورية المختلفة في العالم الإسلامي أمثلةً متنوعة على الكيفية التي يتم بها التعامل مع العلماء والعناصر الإسلامية. أخذنا مصر باعتبارها حالةً دراسية، وذكرنا بعض البلدان الأخرى التي تشاركها بعض الخصائص المتشابهة في بعض الأقسام، مثل باكستان.
وبعد استكشاف السياقِ الدستوري الحالي في العالم الإسلامي والعربي، والمراحلِ المبكرة للدستورية الإسلامية، شرح البحث دور العلماء في النظم الدستورية ووضع الدساتير. درسنا دور العلماء في مساحتين؛ التشريع والأحكام القضائية. وعلى الرغم من حقيقة أن مشروعات الأسلمة كانت وفقًا لمطالب شعبية، إلا أنها وظّفت آليات استبدادية وتسلطية. وحاول المشروع استبدال الطبقة النموذجية من الفقهاء المبرّزين اجتماعيًا باللجان المعيّنة المـُسند إليها التقنين الإسلامي، فلذلك يُطْعنُ في عملِها و”مدى إسلاميتها”. _____________________________________________________________________ المراجع
Ahmad, A. (1972). Activism of the Ulama in Pakistan. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 257–275). Berkeley, CA: University of California Press.
Al-Fahad, A. H. (2005). Ornamental constitutionalism: The Saudi basic law of governance. Yale Journal of International Law, 30, 375–395.
al-Kasasbih, H. (2001). Al-Sultah al-Qadha’iyyah fi al-’Asr al-’Abbasi (1st ed.). Abu Dhabi, AE: Zayed Center for Heritage and History.
al-Tunisi, K. A.-D. (1868). Aqwam al-Masalik Li Mu’rifat Ahwal al-Mamalik (1st ed.). Tunis, TN: State’s Publisher in Tunisia.
Arjomand, S. (2011). The Kingdom of Jurists: Constitutionalism and legal order in Iran. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity. Oxford, UK: Oxford University Press.
Arjomand, S. A. (2007). Islamic constitutionalism. Annual Review of Law and Social Science, 3, 115–140. doi:10.1146/annurev.lawsocsci.3.081806.112753
Backer, L. C. (2009). Theocratic constitutionalism: An introduction to a new global legal ordering. Indiana Journal of Global Legal Studies, 16, 85–172.
Bayat, M. (1991). Iran’s first revolution: Shi’ism and the constitutional revolution of 1905–1909. Oxford, UK: Oxford University Press on Demand.
Bernard-Maugiron, N. (2011). Strong presidentialism: The model of Mubarak’s Egypt. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 373–387). Oxford, UK: Oxford University Press.
Bin Diyaf, A. (2005). Consult them in the mMatter: A nineteenth-century Islamic argument for constitutional government (LC Brown, Trans.). Fayetteville, AR: The University of Arkansas Press. (Original manuscript written 1872).
Botman, S. (1991). Egypt from independence to revolution, 1919–1952. Syracuse, NY: Syracuse University Press.
Brown, K. (1972). Profile of a nineteenth-century Moroccan scholar. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious in the Middle East since 1500 (pp. 127–148). Berkeley, CA: University of California Press.
Brown, L. C. (1972). The religious establishment in Husainid Tunisia. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 47–91). Berkeley, CA: University of California Press.
Brown, N. J. (2002). Constitutions in a nonconstitutional world: Arab basic laws and the prospects for accountable government. Albany, NY: SUNY Press.
Burke, E., III. (1972). The Moroccan Ulama, 1860–1912: An introduction. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 93–125). Berkeley, CA: University of California Press.
Chambers, R. L. (1972). The Ottoman Ulema and the Tanzimat. Berkeley, CA: University of California Press.
Crapanzano, V. (1972). The Hamadsha. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 327–348). Berkeley, CA: University of California Press.
Dabash, H., & al-Wazeeri, H. (2011). Al-Masy al-Yawum Tanshur Nas Wathyqat al-Mabadi’ al- Dusturiyyah, news. Almasry Alyoum. Egypt Constitution of 1971.
el-Din, A. K., Hill, E., & Graham-Brown, S. (1985). After Jihan’s Law: A new battle over women’s rights. The Middle East Magazine, 17–20.
Esmaeili, H. (2009). On a slow boat towards the rule of law: The nature of law in the Saudi Arabia legal system. Arizona Journal of International and Comparative Law, 26, 1.
Fadl, K. A. E. (2011). The centrality of Shari‘a to government and Constitutionalism in Islam. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 35–63). Oxford, UK: Oxford University Press.
Farahat, M. N., & Farahat, O. (2011). Al-Tarikh al-Dusturi al-Masri: Qira’ah min Mandhour Thawrat 2011 Yanayir. Beirut, LB: The Arabic House for Sciences.
Feldman, N. (2008). The fall and rise of the Islamic state. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Gellner, E. (1972). Doctor and saint. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 307–326). Berkeley, CA: University of California Press.
Gentile, E. (2006). Politics as religion. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Goadby, F. (1939). The Moslem Law of civil delict as illustrated by the Mejelle. Journal of Comparative Legislation and International Law, 21, 62–74.
Grote, R. (2011). Models of institutional control: The experience of Islamic countries. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 221–239). Oxford, UK: Oxford University Press.
Hamad, M. (2012). The constitutional challenges in Post-Mubarak Egypt. Insight Turkey, 14, 51.
Hamoudi, H. A. (2011). Repugnancy in the Arab World. Willamette Law Review, 48, 427–450.
Hill, E. (1987). Al-Sanhuri and Islamic law: The place and significance of Islamic law in the life and
work of’Abd al-Razzaq Ahmad al-Sanhuri, Egyptian jurist and scholar 1895–1971. Cairo, EG: The American University in Cairo Press.
Hirschl, R. (2003). Constitutional courts vs. religious fundamentalism: Three Middle Eastern tales. Texas Law Review, 82, 1819, 1829–1833.
Hirschl, R. (2008). The theocratic challenge to constitution drafting in post-conflict states. William & Mary Law Review, 49, 1179–1211.
Hirschl, R. (2011). Constitutional theocracy. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Jackson, V. C., & Tushnet, M. V. (1999). Comparative constitutional law. New York, NY: Foundation Press.
Janiwlat, O. (2012). Qwaneen al-Dawlah al-’uthmanyyah. Herndon, VA: The International Institute of Islamic Thought.
Jelen, T. G. (1993). The political world of the clergy. Westport, CT: Praeger.
Kamali, M. H. (2011). Constitutionalism in Islamic countries: A contemporary perspective of
Islamic Law. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 19–35). Oxford, UK: Oxford University Press.
Kennedy, C. H. (1992). Repugnancy to Islam: Who decides? Islam and legal reform in Pakistan. The International and Comparative Law Quarterly, 41, 769–787.
Kuru, A. T. (2007). Passive and assertive secularism: Historical conditions, ideological struggles, and state policies toward religion. World Politics, 59, 568–594.
Lau, M. (2005). The role of Islam in the legal system of Pakistan. Leiden, NL: Brill.
Layish, A. (2004). The transformation of the Shar: From Jurists’ Law to Statutory Law in the Contemporary Muslim World. Die Welt Des Islams, 44, 85–112.
Lichtenstadter, I. (1957). The Muslim woman in transition based on observations in Egypt and Pakistan. Sociologus, 7, 23–38.
Lombardi, C. B. (2006). State law as Islamic law in modern Egypt: The incorporation of the Shari‘a into Egyptian constitutional law (Vol. 19). Leiden, NL: Brill Academic.
Martin, B. G. (1972). A short history of the Khalwati Order. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 275–306). Berkeley, CA: University of California Press.
Martin, R., & Barzegar, A. (2010). Islamism: Contested perspectives on political Islam. Palo Alto, CA: Stanford University Press.
Moustafa, T. (2000). Conflict and cooperation between the state and religious institutions in contemporary Egypt. International Journal Middle East Studies, 32, 3–22.
Moustafa, T. (2007). The struggle for constitutional power: Law, politics, and economic development in Egypt. New York, NY: Cambridge University Press.
Ozbudun, E. (2011). Secularism in Islamic Countries: Turkey as a model. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 135–147). Oxford, UK: Oxford University Press.
Peters, R. (2002). From jurists’ law to statute law or what happens when the shari’a is codified. Mediterranean Politics, 7, 82–95.
Qadri Pasha, M. (1893). Qanun al-’adl wa-l-insaf Ii-l-qada’’ala mushkilat al-awqaf. Cairo, EG: Al- Matba’a al-Ahliyya.
Quraishi, A. (2011). The separation of powers in the tradition of Muslim governments. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 63–77). Oxford, UK: Oxford University Press.
Rabb, I. A. (2008). “We the jurists”: Islamic constitutionalism in Iraq. University of Pennsylvania Journal of Constitutional Law, 10, 527–579.
Rafeq, A. K. (2005). A different balance of power: Europe and the Middle East in the eighteenth and nineteenth centuries. In A companion to the history of the Middle East (pp. 229–247). Oxford, UK: Blackwell.
Roder, T. (2011). The separation of powers in Muslim countries: Historical and comparative perspectives. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 321–373). Oxford, UK: Oxford University Press.
Roy, T. L. (2011). Constitutionalism in the Maghreb: Between French heritage and Islamic concepts. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 109–121). Oxford, UK: Oxford University Press.
Sherif, A. O. (1998). Overview of the Egyptian judicial system, and its history. In Yearbook of Islamic and Middle Eastern Law (Vol. 5, pp. 3–28). Leiden, NL: Brill.
Sherif, A. O. (2011). The relationship between the Constitution and the Shari‘a in Egypt. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 121–135). Oxford, UK: Oxford University Press.
Skovgaard-Petersen, J. (2013). Egypt’s ’Ulama in the state, in politics, and in the Islamist vision. In S. A. Arjomand & N. J. Brown (Eds.), The rule of law, Islam, and constitutional politics in Egypt and Iran (pp. 279–303). New York, NY: SUNY Press.
Stilt, K. (2010). Islam is the solution: Constitutional visions of the Egyptian Muslim Brotherhood. Texas International Law Journal, 46, 73–108.
Vogel, F. E. (2000). Islamic Law and the legal system of Saud_ı: Studies of Saudi Arabia (Vol. 8). Leiden, NL: Brill.
Wickham, C. R. (2002). Mobilizing Islam: Religion, activism and political change in Egypt. New York, NY: Columbia University Press.
Wolfrum, R. (2011). Constitutionalism in Islamic countries: A survey from the perspective of international law. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 77–89). Oxford, UK: Oxford University Press.
Zaman, M. Q. (2010). The Ulama in contemporary Islam: Custodians of change. Princeton, NJ: Princeton University Press.
_________________________________________________ الهوامش: *نُشرت هذه المادة على موقع معهد العالم للدراسات بتاريخ 15 مارس 2018، وترجمها إلى العربية محمد صلاح، والدكتور عبدالله العودة باحث سعوديّ، في مرحلة ما بعد الدكتوراه في القانون والحضارة الإسلامية في جامعة ييل. يعتني بمسألة الشريعة والديمقراطيّة في العالم العربيّ، والاستقلال القضائيّ والإصلاح. نشر العديد من الدراسات والمقالات.
([1]) متعلمو الإسلام؛ أي من يملكون فضيلة العلم الشرعي بأشمل معانيها (Britannica.com). ([2]) كان هناك بعض البلدان الواقعة على نفس الخط الجغرافي لمصر كليبيا وتونس، والتي كانت أيضًا جزءًا من ظاهرة الربيع العربي، لكن بنتائج مختلفة. وتُذكر باكستان كثيرًا في هذا البحث لأن بينها وبين مصر العديد من المشتركات غير مجرد كونها دولة مسلمة وذات أغلبية مسلمة. فكليهما يمتلك بنية دستورية متشابهة، وقضاء دستوري شبه مستقل؛ وتمتلكان تنوعًا قويًا في العلماء والإسلاميين النشطين جدًا. موطن التشابه الثالث هو أن كليهما لديه جيش قوي تحكّم في السياسة وقام بالعديد من الانقلابات. والموطن الرابع أن مصر وباكستان مرتا بمشروعات أسلمة وتقنين متشابهة، وتشتركان في بعض المواد الدستورية الإسلامية المتشابهة. انظر: Lichtenstadter (1957:23–25). ([3]) لم تكن هذه المراحل متتالية، لأن في مصر على سبيل المثال كانت مرحلة الإسلام باعتباره مصدرًا وليس المصدر أسبق من المرحلة الثانية. إذ إن الرئيس السادات قد عدّل المادة الثانية من الدستور المصري عام 1980م. ([4]) يرى ناثان براون أن الهياكل الدستورية التونسية والعثمانية المبكرة كانت استراتيجية من الحكام لمناشدة ود القوى الغربية والتحالف معهم وإضعاف خصومهم المحليين، وجيرانهم المنافسين. ثمّ سمّى بعض الأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي بأنها “دساتير في عالم غير دستوري” (N. J. Brown, 2002:16–29). ([5]) يبدو أن السيد حمد يشير ضمنًا إلى أن التجربة الدستورية المصرية بوصفها متفرّدة ورائدة دستوريًا في المنطقة. إلا أن تونس المجاورة كان لديها دستور منذ 1861م، وكذلك الدستور العثماني الذي حكم معظم البلاد العربية تمت صياغته عام 1861م. وكلاهما تأسس قبل عقود من اللائحة الأساسية الأولى في مصر عام 1882م والتي كانت أول تجربة دستورية مصرية. ([6]) انظر لأجل الإجراءات الدستورية بدون حكم دستوري: Jackson and Tushnet (1999:219–220, 244–215). وانظر لأجل حالة مصر والعالم العربي: N. J. Brown (2002:97–111). وانظر كذلك أطروحة عبد العزيز الفهد المثيرة التي تتمثل في أنه على الرغم من أن القانون السعودي الأساسي غير ديمقراطي، إلا أنه أمين في ذلك، إذ أنه لا يدّعي تمثيل “الإرادة العامة” أو أي حكم دستوري ديمقراطي رسمي (al-Fahad, 2005:7). ([7]) حاول الإخوان المسلمون في خطابهم عن سيادة الشريعة الإسلامية تقديم مقترح بتوسيع تفسيرهم للشريعة في الدستور، والسماح لأي شخص بالطعن في أي قانون يراه غير إسلامي (Hamoudi, 2011:12[FT44]; Stilt, 2010:98–101). ([8]) تنص مادة 193 من دستور 2014 على أن “تؤلف المحكمة من رئيس، وعدد كاف من نواب الرئيس. وتؤلف هيئة المفوضين بالمحكمة من رئيس، وعدد كاف من الرؤساء بالهيئة، والمستشارين، والمستشارين المساعدين”. ([9]) باستقراء الطريقة التي يتعامل بها لومباردي مع التقنين، يبدو أنه يربطه دائمًا بالعلمنة، وهو أمر لا يصدُقُ دائمًا. فقوانين الشريعة قد تكون آليات “علمانية” في الدولة الحديثة، إلا أنها ليست علمانية دائمًا في المضمون والجوهر. وقد يكون صحيحًا ما يطرحه بيترز ولايش بأن التقنين الإسلامي وتهميش الفقهاء يمهد الطريق لقانون وضعي تمامًا يميل نحو العلمانية، إلا أن بعض التقنين قد يكون مُستمَدًا من الشريعة، على الأقل في مساحةٍ بعينها وبلدان بعينها. قارن بين Layish (2004:91) و Peters (2002:82). ([10]) شددت الحجة التي تقضي بأن التقنين يقود إلى العلمنة على حقيقة أن التقنين يضع سلطة التشريع في أيدي الدولة ومؤسساتها وحدها ويُغفل دور العلماء ونقاشاتهم العلنية. ([11]) كان الوضع في القرن التاسع عشر سابقًا، إلا أنه لم يحتوي أي سلطة مُلزمة إلا التأثير والاعتراف الاجتماعي والذي يقع فيما أسميه المجال فوق الدستوري. انظر: Chambers (1972:35– 37) وقارنه بـ Janiwlat (2012:121–187). ([12]) أُطلِق على القانون (قانون جيهان) لأنه يشيع الظن أن جيهان زوجة الرئيس السادات كانت دافعًا كبيرًا وراء صدوره. عن القانون وعن جيهان، انظر: el-Din, Hill, and Graham-Brown (1985).
([13]) يعتمد لومباردي على جوزيف شاخت في تمييزه بين هذين النوعين من المحاكم في الإسلام إبّان القرون الوسطى. إلا أنني أظن ذلك خاطئًا. لا شك في أن المحاكم التي يقيمها الفقهاء كانت موجودة، لكن تلك “المحاكم الإدارية” لا أظنها دقيقة. إذ يبدو أنه حدث خلط وتم اعتبار المجالس السياسية التي يعقد فيها الحكام اجتماعاتهم ويصدرون فيها فرماناتهم محاكمَ قضائية. انظر لأجل فكرةٍ عامة عن النظام القضائي في الإسلام في القرون الوسطى: الكساسبة (2001:183–193). ([14]) بعد استقراءه للعديد من القضايا التي أرادت المحاكم أن تحكم فيها بأن القوانين منافية للأحكام الإسلامي، وجد مارتن لاو أن المحاكم الشرعية رفضت العديد من هذه الاعتراضات والقضايا، وبدت بذلك حريصةً نسبيًا في إبطالها القوانين. ([15]) يشير باكر بشكل مثير للاهتمام إلى أن القبول الأمريكي الواسع للمفهوم التعددي والخصوصي للدستورية جاء بعد الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق، وبعد الدستورية الثيوقراطية التي نشأت هناك في ًاعادة بناء الحكم الدستوري. وجدير بالذكر هنا انه بعد الثورة المصرية عام 2011، دعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، السلطة الحاكمة حينئذٍ، إصدار وثيقة تدعو لتبنٍ وطني لـ “مبادئ فوق دستورية”. وكان هناك تكهن بأن هذه الوثيقة كانت لتحمي مفهوم الدستورية العالمية من أي حكم إسلامي/ثيوقراطي. لكن واجهت الوثيقة معارضة حادة من قسمٍ قويٍ من الثوار مع تعاطف من الإسلاميين (Dabash & al-Wazeeri, 2011). ([16]) حدد هيرشل عدد نماذج العلاقة بين الدين والدولة إلى ستة نماذج في إصدار سابق له (Hirschl, 2008:6-7). ويبدو أنه في عمل تالٍ أكبر وأكثر تفصيلًا، أضاف ثلاثة نماذج أخرى (Hirschl, 2011:26–54). ([17]) ما يتناوله باكر هنا يبدو مشابهًا لما تسميه انتصار رب بـ “الإضفاء المتناسق للطابع الدستوري”، إذ “يحتوي الدستور على الشريعة الإسلامية، وقوانين الإجراءات الديمقراطية، والقيم الليبرالية؛ وكلهم على قدم المساواة” (Rabb, 2008:531). ([18]) لا ننوي دراسة هذه الظاهرة الآن، لكننا فقط نثير الأسئلة حول مفاهيم الدستورية الثيوقراطية والثيوقراطية الدستورية. ومع ذلك، وانطلاقًا من مصطلح جينتيل عن “الدين السياسي”، أستخدم هنا كلمة “لاثيوقراطي atheocratic” في مقابل “ثيوقراطي” كما في “الإلحاد atheism” مقابل “الإيمان بإله theism”. كما في الثيوقراطية الدستورية، تتخذ اللاثيوقراطية الدستورية أشكالًا متعددة وقد تحارب بعض الأنظمة اللاثيوقراطية المتشددة أي مظهر للدين التقليدي في المجال العام. فالحق الأوحد لتفسير النظام اللاثيوقراطي يكمن فقط في أيدي الحاملين النموذجيين للأعلام الوطنية. هؤلاء المفسرون الشرعيون يرفضون أي تفسير غير مصرح به للمفاهيم اللاثيوقراطية لأن إعادة التفسير قد تشوه وتقوض الأسس اللاثيوقراطية كالقومية والعلمانية والمواطنة. انظر لأجل “الدين السياسي” عند جينيل ومناقضاته: Gentile (2006:16–45). ([19]) من بين الأسباب التي أدت بالعثماني إلى أن يفضل التقنين هي قابليته للتكيف الحديث، وقدرته على التغير، متبِّعًا في ذلك المدرسة الفقهية السائدة، بدلًا من تركه لاجتهاد القضاة، وأخيرًا بسبب مشروعات التقنين الموجودة بالفعل. ([20]) يعتقد لومباردي أن الباحثين والأكاديميين ممن “يحاولون استرجاع الفقه من خلال تقديم (قوانين) يتصرفون كأنهم فقهاء بالمعنى التقليدي”. هو يغض الطرف بالتأكيد عن فرقٍ واضح بين التقنين الذي تقدّمه لجان الدولة الحديثة، وبين علماء مستقلون يبذلون جهدهم للخروج بالتفسيرات والآراء. لا يقتصر ذلك الفرق على الآراء الفقهية، بل والأكثر أهمية هو التوازن الذي يحدثونه في المجتمع والدولة. انظر: Lombardi (2006:99).
بحث منشور في مجلة الحقيقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية العدد رقم (19) الصادر عام 2011 للدكتور حمودين بكير الذي ذكر في التعريف ببحثه ما يلي: يمثل العلامة مصطفى الزرقا نموذجا فريدا في الجرأة والتجديد والاجتهاد، فقد تمكن من إرساء منهج فقهي جديد؛ ساعده على ذلك نبوغه وتفوقه العلمي في مجال الفقه والقانون، وكذا تفتحه على ثقافة عصره، خاصة في جانب اللغات الأجنبية. ومن أعظم ما ألف العلامة الزرقا سلسلته الفقهية الرائعة “الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد” فهي على رأس مؤلفاته التي نال بها شهرته ومكانته في حقل الدراسات الفقهية؛ أخرجها في أربعة أجزاء: الجزء الأول والثاني منها بعنوان “المدخل الفقهي العام”، والثالث بعنوان “المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي”، والرابع بعنوان “العقود المسماة في الفقه الإسلامي”.
تميزت هذه السلسلة بالمقارنات المهمة بالقانون، استطاع المؤلف أن يعرض النظريات الإسلامية العامة كما تعرض النظريات القانونية، حيث تؤصل المسائل، وتعرض الكليات، ثم تستخرج الفروع من أصولها؛ فمن قرأ كتابه خرج منه بفائدتين، الإطلاع على النظريات الفقهية الجديدة، وكذا الإلمام بآراء الفقهاء التي لخصت للقارئ فأغنته عن قراءة عشرات من كتب الفقه.
كان الشيخ الزرقا من هؤلاء العلماء الذين حملوا أمانة الدين وإقامة الشرع، ونافحوا عما استلزمته حكمة الشارع الحكيم من شمولية هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، واجتهدوا في بيان الأحكام الفقهية فيما نزل بالمسلمين مجردا في إطار الأصول الشرعية والقواعد الفقهية، في هذا القرن الأخير وهذا ما سأحاول بيانه وإثباته في هذا البحث من خلال مطلبين اثنين: المطلب الأول: نبذة من حياته ويتضمن فروعا ثلاثة؛ نشأته وتكوينه، ثانيا أعماله وإنجازاته، ثالثا وفاته وآثاره العلمية. المطلب الثاني: كتابه “المدخل الفقهي العام: منهجه؛ وملامح التجديد فيه”، ويشتمل على فرعين؛ أولًا منهجه في الكتاب، ثانيًا ملامح التجديد فيه.
في أحضان الشريعة الإسلامية تبلورت في بلادنا مدرسة قانونية جمعت بين فقه الشريعة الإسلامية، وبين ثروة القانون الغربي في الصياغة والتقنين.
وكان الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا واحدًا من أبرز أعلام هذه المدرسة التي تصدت لمحاولات تغريب القانون وعلمنته في بلادنا، وسعت إلي تجديد الفقه الإسلامي، وإلي بعث الشريعة الإسلامية لتتخطي أعناق القرون، ولتكون المصدر الوحيد للقانون في بلاد الشرق الإسلامي، وليكون لها الحضور اللائق بها في الميادين الدولية والمؤتمرات الدولية التي تقارن بين المنظومات العالمية للقوانين.
كان بعث الشريعة الإسلامية، وتجديد الفقه الإسلامي هو حلم حياة السنهوري، والمشروع الفكري الذي لم يغادر حمل أثقاله علي امتداد سنوات عمره… وعندما ذهب إلي باريس في عشرينيات القرن العشرين لنيل الدكتوراة، كان تضلعه في فقه الشريعة الإسلامية السبب الذي جعل أساتذته يطلقون عليه: الإمام الخامس!… ولقد أسقطت الخلافة الإسلامية في ذلك التاريخ، وصدر كتاب الإسلام وأصول الحكم] سنة 1925م الذي أهال التراب علي مبدأ الخلافة، وعلي تاريخها، والذي سعي إلي علمنة الإسلام.. ويومها تطوع السنهوري رغم تحديات المناخ الفكري الغربي المعادي للخلافة، والمدافع عن علمنة الإسلام تطوع فقدم دكتوراه ثانية عن فقه الخلافة الإسلامية، وكيف تصبح عصبة أمم إسلامية، تراعي مستجدات القوميات والوطنيات والقطريات مع وفائها بمقاصد الخلافة الثلاث: 1ـ وحدة الأمة 2ـ وتطبيق الشريعة 3 ـ وتكامل دار الإسلام… كما قام بالرد على كتاب الإسلام وأصول الحكم تحت عنوان: رأي شاذ!…
ولقد تبوأ السنهوري باشا على امتداد حياته القانونية والدستورية والقضائية مكانة جعلته حجة لدي كل المشتغلين بالقانون، فهو الوحيد عالميًا الذي وضع القانون المدني وشرحه.. وهو الذي وضع المقومات القانونية والدستورية للعديد من الدول العربية مصر.. والعراق… وسوريا… والكويت.. والإمارات.. والسودان… وليبيا.
وإذا كان هذا الجانب من إنجازات السنهوري معروفًا ومشهورًا… فإن الوجه الإسلامي لهذا الفقيه القانوني لم يأخذ حقه الكامل عند كثير من القانونيين.. بل ولا الإسلاميين!.. لقد كونت إسلاميات السنهوري مجلدات نافست مجلداته في القانون… ويكفي في هذا المقامـ أن نقدم عددًا من صياغاته الفكرية التي تلفت الأنظار إلى هذا الوجه الإسلامي عند هذا الفقيه العظيم..
لقد قال: إن الشرق بالإسلام, والإسلام بالشرق.. إنهما شيء واحد، وإذا تحدثت عن أحدهما فكأنني أتحدث عن الآخر والشريعة الإسلامية هي شريعة الشرق منتزعة من روح الشرق وضميره أوصي بها الله إلي عبد شرقي في أرض شرقية… إنها شريعة الشرق ووحي أحكامه… وإن دول الشرق لا يمكن أن تجتمع علي شيء واحد غير دين الإسلام…
وإذا كان السنهوري باشا قد علق بعث الشريعة الإسلامية كي تتخطي أعناق القرون لتصبح المصدر الوحيد للقوانين في الشرق على تجديد الفقه الإسلامي وتقنينه.. بعد إشادته بالتقنين الذي أنجزته الدولة العثمانية لفقه معاملات المذهب الحنفي ـ في مجلة الاحكام العدلية سنة 1869م،ـ وثنائه علي التقنين الذي أنجزه في إطار المذهب الحنفي ـ محمد قدري باشا ـ… لقد شاء الله لأحد تلامذة السنهوري باشا الأستاذ الدكتور صوفي أبو طالبـ أن يقود إنجاز هذا المشروع العظيم تقنين الفقه الإسلامي بمذاهبه الموثقة والمعتمدة من خلال العمل الكبير الذي تبناه مجلس الشعب المصري، والذي استغرق إنجازه أكثر من أربعين شهرًا من ديسمبر سنة 1978م إلي يوليو سنة 1982م، والذي قامت به ثماني لجان ضمت ما يقرب من مائة عضو من كبار فقهاء الشريعة والقانون من بينهم كوكبة من رجال القانون الأقباط، ولقد استعانت هذه اللجان في عملها بشيوخ الأزهر وعلماء الإفتاء وعمداء وأساتذة الشريعة والحقوق، وأركان الهيئات القضائية ووزراء العدل والأوقاف.
لقد تحققت أحلام السنهوري في تقنين الفقه الإسلامي.. وتحقق مطلبه بأن يعمل في هذه الحركة الاصلاحية إلي جانب المسلمين غيرهم من الشرقيين غير المسلمين، من القانونيين والاجتماعيين..
وفي الجلسة التي عقدها مجلس الشعب في أول يوليو سنة 1982م تحدث القانوني القبطي الأستاذ اسطفان باسيلي الذي أمضي في العمل القانوني سبعة وخمسين عامًا عن تقنين الشريعة الإسلامية قانونًا للأمة بأديانها المختلفة، فقال: باسم الله الوهاب.. إني إذ أتحدث الآن، وفي هذا الموضوع بالذات، فإنني أشعر أن التاريخ هو الذي يتكلم لشيخوختي أولا، ولأنني عشت في العمل القضائي سبعة وخمسين عامًا محاميًا، ولقد عرفت بمضي المدة أن الشريعة الإسلامية هي خير ما يمكن أن يطالب بها لا المسلم وحده بل وأيضًا المسيحي تصفيق].. لأن بها كل ما يرضينا، والعهدة النبوية الموجودة في دير سيناء، والمكتوبة بخط الإمام علي تؤكد الحفاظ علينا في كل ما لنا من حقوق وما علينا من واجبات.. والقاعدة الشرعية: أمرنا بتركهم وما يدينون به، واليوم مع هذه البهجة التي أراها أحس كأنه يوم دخول الإسلام إلي مصر، اليوم يستكمل كل ما كان ناقصًا وواجب الاكتمال فيما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية وما فيها من مصادر الرحمة الكثير بالنسبة للمواطنين.
هكذا تحققت آمال العلماء العظام علماء الدين، وفقهاء الشريعة والقانون ـ من الطهطاوي.. إلى قدري باشا.. إلي الأفغاني.. ومحمد عبده.. والسنهوري باشا الذين تصدوا لتغريب القانون وعلمنته في بلادنا… والذين رفضوا دعاوى تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني، ودافعوا عن استقلال هذه الشريعة ـ ذات المصدر الإلهي كمنظومة قانونية مستقلة ومتميزة وممتازة.. فكتب الله النصر المبين لهؤلاء العلماء المجاهدين العظام.
*المصدر: جريدة الأهرام، ع: 46182، السنة 137، الخميس 6 من رجب 1434هـ الموافق 16 مايو 2013م.
بحث للأستاذ الدكتور علي نجيدة منشور في العدد (1) بالمجلة القانونية والقضائية، مركز الدراسات القانونية والقضائية، وزارة العدل، قطر، الصادر في يونيو 2015م.
يتناول البحث موضوع دور الشريعة الإسلامية في القانون الوضعي “دراسة مقارنة”، حيث أكد أستاذنا الدكتور علي نجيدة في هذه الدراسة على أن كثيرًا من المتخصصين من غير المسلمين لم يعطوا لأنفسهم فرصة للتعرف على الدين الإسلامي وكتابه ورسوله وشريعته. وربما اعتقد الكثيرون منهم أن الشريعة الإسلامية أو الدين الإسلامي لا يختلف عن الديانات الأخرى من حيث الاهتمام بالجانب العقائدي فقط بالنسبة للإنسان، وذلك ليس صحيحًا على الإطلاق. إذ سوف يتضح لنا فيما بعد أن الميزة الكبرى للشريعة الإسلامية، أنها دين ودولة في نفس الوقت. فلم يقتصر اهتمامها على الجانب العقدي فقط، بل ربما كان اهتمامها أكبر بتنظيم علاقة الأفراد في المجتمع من كل جوانبها.
لهذا لم يكن غريبًا أن نصت كل التشريعات العربية على اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر القانون فيها لا يسبقها إلا التشريع لدى بعض المشرعين ويسبقها التشريع والعرف لدى البعض الآخر. كما نصت الدساتير العربية جميعها على اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع فيها. وكما أن هناك ثلاث ديانات إلهية بثلاثة من الرسل وثلاثة من الكتب، فإن هناك ثلاثة نظم قانونية معاصرة: النظام اللاتيني والنظام الأنجلوسكسوني والنظام الإسلامي الذي يغفل عن ذكره الكثيرون من فقهاء الغرب سواء بقصد أو بدون قصد.
وفي سبيل الحديث عن الشريعة الإسلامية وموقعها بين النظم القانونية المشار إليها، فقد قسم د. نجيدة هذه الدراسة إلى أربعة مباحث؛ حيث تناول المبحث الأول التعريف بالشريعة الإسلامية، في حين تناول المبحث الثاني مصادر الشريعة الإسلامية ومصادر القانون، ثم تناول المبحث الثالث مدى إلزام القواعد الشرعية “قواعد الشريعة الإسلامية” في “القانون الوضعي”، ثم عالج المبحث الرابع مظاهر مرونة الشريعة الإسلامية.
بحث للدكتور معتز الخطيب بعنوان “الوسطية الإسلامية وفقه الدولة: قراءة نقدية” منشور في العدد الثالث من مجلة “تبين” للدراسات الفكرية والثقافية الصادر عام 2013، وفيما يلي ملخص البحث: تحليل نقدي لأطروحة “الدولة الإسلامية” وتطوّر التفكير فيها داخل تيار الوسطية الإسلامية، وتبيان ما يكتنفها من غموض والتباس بين جملة مفاهيم (الدولة الحديثة، الخلافة، الإمامة، الحكم)، وهو ما اقتضى عودةً إلى السياقين التاريخيّ والمفهوميّ لأطروحة “الدولة الإسلامية” بغية الكشف عن الإشكالات التي أحاطت بالتفكير الإسلامي الوسطي على مستوى بناء منظومته، وما تميّز به هذا البناء من غياب الاتّساق والتنافر وعدم دقة أطروحات أصحابه بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية.
هكذا، يرصد البحث جملة من الإجراءات التي تجمع بين متنافرات، وتقطع في مسائل اجتهادية، وتمارس الانتقائية والتحوير والتكييف استجابةً لضغط التاريخ والتطور التاريخي من جهة، ولدواعي الفقه الحركي الأيديولوجي وسجالاته من جهة أخرى؛ ذلك الفقه الذي ارتكب عددًا من التوليفات التراثية والحديثة لبناء تصوراته عن المسألة السياسية ومركزية الدولة الإسلامية وأسبقيتها على المجتمع، بل وعلى الشريعة في بعضالأحيان، حتى بات من لا يؤمن بذلك منقوص الإسلام.