صدر كتاب “روح الشرائع” لمؤلفه مونتسكيو، وترجمة: عادل زعيتر عن دار المعارف بمصر، 1953م، ووصف المترجم هذه الكتاب بقوله:
وكتاب “روح الشرائع” هو سِفرُ مُونتسكيو السياسي الرائع، ولم يؤلف في الغرب ما يفوقه، وهو «أعظم كتاب فرنسي في القرن الثامن عشر»، والكتاب جامع لفلسفة الاشتراع وحكمة التاريخ والفقه الدستوري”، وكتاب “روح الشرائع” سِفر تحليلي أمكن تعديل بعض جزئياته، ولكنه ظل قائمًا في مجموعه، وهو في موضوعه أكثر الكتب تأثيرًا في الأزمنة التي جاءت بعده، ولم يَظْهَر مثلُ واضعه كاتب مثَّل في التاريخ السياسي دورًا مهمًا، فقد استوحته دساتير فرنسا منذ ذَرَّ قَرْن الثورة الفرنسية، وكان له الأثر البالغ في وضع دساتير العالم حتى يومنا هذا، ومن الواضح انتحال الدساتير الأمريكية لمبادئه في فصل السلطات على الخصوص، وكتاب “روح الشرائع” هو الأثر الذى عُدَّ به مونتسكيو واضع علم السياسة وعلم الاجتماع في الغرب.
وقد ألمعنا إلى وجوب البحث عن ضمان الحرية والسلامة في فصل السلطات، وهذا هو المذهب المشهور الذي اكتشفه مونتسكيو ونشره، وما فتئ الناس منذ القرن الثامن عشر يستلهمون هذا المبدأ في كل مكان يراد إقامة حكومة حُرَّة فيه، سواء أفي المجالس أم في الصحافة أم في عالم النشر أم فوق المنابر، وأي حزب لا يدعو الأحزاب الأخرى إلى احترام مبدأ فصل السلطات؟
و”روحُ الشرائع” هو الكتاب الذي حَرَّر به مونتسكيو معشر المشترعين من السير مع هوى الناس ومن مصادفات الأحوال، وردّهم إلى أساس الطبيعة البشرية، فنال من الصيت البعيد منذ صدوره ما طُبع معه عشرين مرة في أقل من عامين، وتُرجم إلى جميع لغات أوروبا، و”روح الشرائع” هو ما قال عنه عدو مونتسكيو الأزرق فولتير: «كان الجنس البشرى قد أضاع حَجَجَه، فأعادها مونتسكيو إليه، وهو ما قال عنه إميل فاغيه: «روح الشرائع أكثر من كتاب، هو أثر تاريخي عظيم ينزل إلى الوقائع فيترك فيها أثرًا عميقًا لزمن طويل جدًا».
والحق أن “روح الشرائع”، هو أثر روح عالية، والحق أن “روح الشرائع” هو روح إنسانية يدين الظلم والاعتداء ويُوصى باللطف والعطف، وهو يسير بقارئيه إلى مثل الثورة الفرنسية الأعلى، يسير بهم إلى خلاصة هذا المثل: الحرية والمساواة والإخاء.
وعلى ما يتصف به كتاب “روح الشرائع” من تعقيد في الأسلوب والتباس في العبارة فإنه الغامض الواضح الذي يُعَدُّ من أقوى ما احتوته اللغة الفرنسية من كتب النثر، فهو جامع جمعًا عجيبًا منسجمًا بين الخيال والحقيقة والعقل والإحساس والجرأة والاعتدال، وعلى من يود أن يستوعب “روح الشرائع”، ويستخرج منه كل عبرة أن يعرف كيف يقرأه، وقد جاء فيه: “لا ينبغي أن يُبلغ من استقصاء أحد الموضوعات دائمًا ما لا يُترك معه شيء يَعْمَلُه القارئ، فالمهم ألًا يُرغب في القراءة، بل في التفكير”.
ويظهر أن ما في الكتاب من غموض والتباس وما في عبارته من تعقيد ناشئ عن وضعه في عهد ملك عَضُوض، في زمن كان الاعتقال والسجن والقتل جزاء من يُبدى رأيًا صريحًا يهدف إلى تغيير النظام السياسي وتعديله، وربما كان هذا سِر قول مونتسكيو في مقدمته: «إذا وُجد، فيما اشتمل عليه هذا السفر من أمور لا تُحصى، ما قد يسيء خلافًا لما أتوقع لم يكن فيه ما صدر عن سوء قصد …. وقديمًا كان أفلاطون يحمد الرب على أنه وُلِدَ في زمن سقراط، وأجدني شاكرًا للرب ولادتي في عهد الحكومة التي أعيش فيها ومشيئته أن أطيع من جعلني أحب … ولو كنتُ قادرًا على تزويد جميع الناس بأسباب جديدة يحبون بها واجباتهم وأميرهم ووطنهم وقوانينهم ويَشْعُرُون بأنهم سعداء في كل بلد وكل حكومة وكل مركز يكونون فيه لعَدَدْتُني أسعدَ الوَرَى».
حقًا كان مونتسكيو مؤرخًا فيلسوفًا فقيهًا من الطراز الأول…
وكان مونتسكيو وطنيًّا صادقًا ضمن المعنى السائد للقرن الثامن عشر، وذلك أنه كان رجلًا يتوخى النفع العام في جميع أفعاله، كما أنه كان وطنيًا ضمن المعنى الذي ساد القرن التاسع عشر، وذلك أنه وقف نفسه على عظمة وطنه ومجد قومه، مع الاستعداد للدفاع عنه والموت في سبيله تجاه الأجنبيّ، غير أن وطنية مُونْتِسْكيُو لا تنطوي على ازدراء الأجنبيّ ولا على تحدِّيه ولا على مقته، فهو يَحْمِل حُبًا شاملًا للإنسانية مع طلب الخير للأمم التي تتألف منها والمطالبة بالرِّفْق بها، ولا يعنى هذا أنه يُعَرِّض بلاده للهلاك عن حُبٍّ للإنسانية، وإنما كان من الشجاعة ما يُضَحِّى معه بمنفعةٍ خاصةٍ لبلاده في سبيل مصلحة النوع البشرىِّ العامة، فهو ليس ممن يُوقِدُون العالَم سَلْقًا لبَيْضَةٍ على حسب التعبير العصريّ.
ولم يَسْلَم مُونْتِسْكيُو من حَمَلَاتٍ كانت تشُنُّها الكنيسة وغيرُ الكنيسة عليه بعد وضع “روح الشرائع”، ويقضى السنين السبع التي بقيت له من عمره بعد نشر “روح الشرائع” في الرَّدِّ على هذه الحَمَلات في كتاب “الدفاع عن روح الشرائع” على الخصوص.
وفى لابريدَ، لا في باريس، أكثرُ ما تمتع مُونْتِسْكيُو بما تَمَّ له من نجاحٍ وبُعْد صيتٍ بَعْدَ نشر “روح الشرائع”، فمُونْتِسْكيُو عاد لا يأبَهُ لحياة المجتمع الراقي بباريس كما في شبابه.
ولم يَعِشْ مُونْتِسْكيو طويلًا بعد كتابه العظيم، ففي سنة ١٧٥٤ زار باريس للخلاص من إجارة منزله فيها، ولكنه لم يَلْبَث أن مَرِض في باريس، ولم يُمْهِلْه المرض، فمات في ١٠ من فبراير سنة ١٧٥٥ ابنًا للسادسة والستين ودُفِنَ في كنيسة سان سُولْيِبس بباريس.
واسْمَعْ بعض ما قاله مُوبِرْ تِويس مؤبِّنًا مُونْتِسْكيُو، في 5 يُونْيه سنة 1755، في المجلس العامِّ لمجمع العلوم الملكيِّ ببرلين:
“كان مُونْتِسْكيُو يميل إلى الرِّفق والإنسانية دائمًا فيَخْشَى من التحوُّلات مالا يستطيع أعظمُ العباقرة أن يُبْصِرُوا نتائجَه في كلِّ حين، وكان يُطَبِّق على كلِّ شيءٍ هذه الروحَ المعتدلة التي يَرىَ بها الأمور من غرفته وتَحْفظها بين ضوضاء العالَم وفى حُمَيَّا الأحاديث، وكنتَ تَجِدُ الرجلَ عينَه مع جميع الأوضاع، وهنالك كان يَظْهَر أكثرَ روعةْ مما في آثاره، كان يَظْهَر بسيطًا عميقًا جليلًا فيَفْتِن ويتَقُّفُ ولا يُسِئ مطلقًا، وكان لي شرفُ العيش، مِثْلَه، في ذات المجتمعات، فأبصرتُ مع مشاطرةٍ، عدمَ الصبر الذى كان يُسْتَمَع به إليه دائمًا، والسرورَ الذي كان يَبْدُو عند مشاهدة وصوله.
وكان وقارُه الحُرُّ مع الحَيَاءِ يشابه حديثَه، وكان معتدلَ القامة، وهو على ما كان من ذهاب إحدى عينيه تقريبًا وشِدَّةِ ضعف الأخرى لم يلاحَظْ ذلك عليه قَطُّ، فكانت سيِماه جامعةً بين السَّمَاح والسُّمُوِّ.
وكان قليلَ العناية بثيابه، وكان يتهاون بكلِّ شيء خلا النظافة، وكان لا يَلْبس سوى النسائج البسيطة غيرَ مضيفٍ إليها ذهبًا ولا فِضةً، وكانت عينُ البساطة تلاحَظ على مائدته وفي بقية تدبيرِه المنزليّ، وهو على الرغم من النفقة التي اقتضتها رِحْلاتُه ومعاشرتُه للخواصّ وضَعْفُ نظره وطبعُ كتبه لم يقتطع شيئًا من تُرَاثه المتوسط الذي انتقل إليه من آبائه غيرَ مكترثٍ لزيادته مع جميع الفُرَص التي اتفقت له في بلدٍ وعصرٍ تُفْتَح فيهما أبواب الثَّراء لأقَلِّ الأهليات”.
وهنا نذكر أن بعض موضوعات الكتاب مسبوق وبعضها غير مسبوق، غير أن الكتاب في مجموعه تام الجدة كاملُ الإبداع حتى في منهاج المسبوق منه، ولا تقابل هنا بين المؤرخ الفيلسوف الفقيه العربي ابن خلدون ومُونْتِسْكيُو لنرى أنها أكثر إبداعًا من الآخر وأحق منه في لقب واضع على السياسة والاجتماع، فلكل منهما نواح أبدع فيها أكثر من الآخر، وكل منهما عالج موضوعات لم يتناولها الآخر، وكل منهما أفاض في موضوعات أكثر مما أفاض الآخر، وهما كفرسي رهان كما يبدوان أول وهلة، وليس من الرأي أن يُقطع في كون ابن خلدون علا مونتسكيو عبقرية، ولو في بعض الموضوعات، لأن ابن خلدون أقدم عصرًا من مونتسكيو، ولأن ابن خلدون سبق مونتسكيو في معالجة أمورًا بحث فيها هذا الأخير وانتهى إلى نتائج مماثلة لما انتهى إليه ابن خلدون، فالقدم ليس أمرًا مهمًا في التفضيل ما دام ابن خلدون قد ظهر في زمن عُرفت فيه أسرار حضارة العرب وجميعُ وجوهها فكان هذا من أعظم العوامل في تجلى عبقرية ابن خلدون، وما دام مُونْتِسْكيُو قد ظهر بعد اكتشاف أمريكا وظهور كثير من النظم الحكومية والمبادئ الإدارية والمالية والاقتصادية وما انطوى عليه هذا من مساوئ، وما دام مُونْتِسْكيُو ظهر في زمن بلغت الحضارة الأوربية فيه درجة رفيعة بعد دور النهضة، فكان هذا من أعظم العوامل في تجلى عبقرية مُونْتِسْكيُو، وإنما يقضي الإنصاف بأن يُبحث في كون مُونْتِسْكيُو قد اطلع على مقدمة ابن خلدون أو عرف أمرها ممن اطلعوا عليها فاستوحاها في وضع مطالبه، كما أن الإنصاف يقضي بالبحث في مجموع المسائل التي عالجها كل منهما ومقدار ما أبدع فيها ثم المقارنة بين ذلك حتى يمكن القول بأن أحدها أعلى من الآخر عبقرية في موضوعات معينة أو على العموم.
تقسيمات الكتاب:
قسم مونتسكيو كتابه “روح الشرائع” إلى واحد وثلاثين بابًا تم توزيعهم على ستة أجزاء، على النحو الآتي:
- الجزء الأول: يشتمل على ثمانية أبواب يعالج فيها أمر القوانين وأشكال الحكومة.
- الجزء الثاني: يشتمل على خمسة أبواب تعالج فيها التدابير العسكرية مع أمور الجباية.
- الجزء الثالث: يشتمل على ستة أبواب تعالج فيها الأوضاع والطبائع واتباعهما لأحوال الأقاليم.
- الجزء الرابع: يشتمل على أربعة أبواب تعالج فيها المسائل الاقتصادية.
- الجزء الخامس: يشتمل على ثلاثة أبواب هي: القوانين من حيث صلتها بالدين القائم في كل بلد، القوانين من حيث صلتها بقيام دين كل بلد وضابطته الظاهرة، والقوانين من حيث صلتها بنظام الأمور التي تقضي فيها.
- الجزء السادس: يشتمل على ثلاثة أبواب تعالج فيها القوانين الرومانية والفرنسية والإقطاعية.
رابط مباشر لتحميل الكتاب الأول
رابط مباشر لتحميل الكتاب الثاني