جرت العادة في مصر عند الحديث عند أي تعديل للدستور أو عند وضع دستور جديد، أن يكون التركيز منصبًا على قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو أمر وإن كان يعتبر مؤشرًا إيجابيًا على تمسك المصريين بشريعة دينهم، وعدم استطاعة أحد نزع حب هذه الشريعة من قلوبهم، إلا أنه يكشف كذلك دائمًا عن العديد من الجوانب السلبية الخطيرة والمتجددة في منهج التعامل مع هذه القضية الأساسية، والتي تحتاج إلى ثورة فكرية تجديدية للخلاص من هذه السلبيات، وهي:

  1. عدم وضوح المقصود بمفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية عند الكثيرين؛ فمنهم من يضيق به حتى
    يحصره في “الحدود” و”فرض الحجاب على المرآة” و”إطلاق اللحية بالنسبة للرجال” (وهذا أمر يتساوى فيه بعض الذين يسمون بـ”السلفيين،” وكذلك بعض “العلمانيين)” ومنهم من يتوسع فيه إلى درجة المساواة بينه وبين مفهوم “الحل الإسلامي” الشامل والذي يتعدى الجانب القانوني إلى ما عداه من جوانب الشريعة الأخرى.
  2. تصور أن الشريعة الإسلامية هي كيان تشريعي جاهز تمامًا للتطبيق، ولا تحتاج لاجتهاد
    جديد، أو حتى تدرج لفرضها على الناس، باعتبار أنها اكتملت باكتمال رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، مصداقًا لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ) [المائدة:3]
  3. تصور أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتم إلا عبر نص دستوري واضح ومحدد ينص على مصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع، مما يجعل كل مساس بالدستور ينتج عنه معركة شرسة بين المؤيدين لتطبيق الشريعة والمعارضين له، تؤدي دائمًا إلى غفلة عن نصوص دستورية أخرى هي ذاتها قد تحول دون التطبيق الصحيح للشريعة بل ودون النهوض بالوطن نفسه، مثل تلك النصوص التي من شأنها ترسيخ الاستبداد والحكم الفردي، وتقنين الاعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم.
  4. عدم الإدراك الصحيح للبيئة السياسية والتشريعية والقضائية التي يراد تطبيق الشريعة الإسلامية
    فيها؛ فقد يتصور البعض -على سبيل المثال- أن المشكلة الأساسية والعائق الأكبر الذي حال دون تطبيق الشريعة هو أن نص المادة الثانية من الدستور يتحدث عن “مبادئ الشريعة” كمصدر رئيسي للتشريع، وليس عن “أحكام الشريعة” أو عن “الشريعة الإسلامية” بدون إضافة مبادئ أو أحكام، غافلين عن أن المشكلة الحقيقية لم تكن في النص الدستوري نفسه بل كانت تتمثل في انعدام الإرادة السياسية لتطبيق الشريعة، ووجود حاكم فرعوني استخف بالمحكومين فأطاعوه، وأن هذا الأمر- لا غيره- هو الذي دفع بالمحكمة الدستورية العليا إلى تحجيم النطاق الزمني والنطاق الموضوعي لنص المادة الثانية من الدستور، فجعلتها لا تسري على القوانين السابقة على نفاذ هذا النص بعد تعديله سنة 1981م، وضيقت من مفهوم مبادئ الشريعة الإسلامية فحصرته في الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة وحدها، وجعلت الخطاب في النص موجهًا للمشرع وحده وليس للقاضي كذلك، وبما أن المشرع- أي مجلس الشعب-كان تحت الهيمنة الكاملة لرئيس الدولة الذي هو نفسه رئيس السلطة التنفيذية، فإن المشرع لم يتحرك قيد أنملة نحو تفعيل هذا النص، فبقي شبه منعدم الأثر، يُستدعي فقط عند أي تعديل دستوري لإلهاء المواطنين عن إصدار المزيد من النصوص السالبة لحرياتهم وكرامتهم!

وإذا كانت هذه هي السلبيات -باختصار- فما هو السبيل إلى المنهج الصحيح في النظر إلى
قضية تطبيق الشريعة الإسلامية؟

يحتاج الأمر إلى ثورة حقيقية للتخلص من تلك السلبيات والتوصل إلى التطبيق الصحيح المنشود
للشريعة الإسلامية، ويمكن تلخيص معالم هذه الثورة في النقاط الآتية:

  1. الوعي بأن الشريعة الإسلامية وإن كانت قد اكتملت قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا
    أن تطبيقها على الواقع يحتاج إلى وعي واجتهاد وتدرج في التنزيل حتى لا يساء تطبيقها فيردها الناس جملة واحدة.
  2. أن ندرك أن العبرة في الإلزام بتطبيق الشريعة الإسلامية ليست بالضرورة في وجود نص دستوري حاسم وجازم يضمن هذا التطبيق، بل إن العبرة تتمثل في وجود رأي عام قوي وواعي يؤمن بالهوية الحضارية الإسلامية للوطن، ويضمن هذا التطبيق ويحميه حتى لو كان النص الدستوري يكتفي بأن “الإسلام دين الدولة” فهذا وحده كاف للاستناد إلى مصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع باعتبار أن الدين الإسلامي لا يمكن فصل الشريعة فيه عن العقيدة، فضلًا عن أن الوضع في مصر قد تغير الآن وأصبحت هناك إرادة سياسية معلنة بتبني تطبيق الشريعة في ظل وجود رئيس للدولة ينتمي إلى جماعة إسلامية كبيرة، واحتمالية وجود أغلبية برلمانية إسلامية في مجلس الشعب المقبل من السهل عليها -حينئذ- سن قوانين تستمد من الشريعة الإسلامية أيًا كانت صيغة نص المادة الثانية من الدستور.
  3. أن ندرك أن الشريعة الإسلامية ليست حدودًا وحجابًا للمرأة فقط، فهي عقائد وأخلاق ومعاملات، ولن يفلح أي تطبيق يتغاضى عن أي من هذه المكونات الثلاثة، ولاسيمًا العقيدة التي تحرم الشرك بالله سبحانه، ومن ثم تستلزم القضاء على “الشرك” الذي حال دون التطبيق الصحيح للشريعة الإسلامية، وهو “الاستبداد” الذي يمثل منازعة لله في حكمه، ويجعل من حاكم البلاد وكأنه يقول للشيء كن فيكون، مما جلب التبعية والفساد للبلاد، فأذل وأفقر العباد.
  4. إدراك أن فشل جميع تجارب تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحديث كان ناتجًا -في
    الأساس- عن التركيز المبالغ فيه على الحدود الشرعية التي تمثل الجانب العقابي في التشريع الإسلامي وعلى الاهتمام ببعض الجوانب الفرعية والشكلية الأخرى، غافلة عن أن الأولى كان البدء بتحرير الإنسان أولًا من “شرك” الاستبداد، وإقامة الدولة العادلة الحرة المستقلة، والتي تحفظ للإنسان كرامته وحريته، وتضمن له عيشة هنية سوية، وبعد ذلك وليس قبله تطبق الحدود التي تبقى سياجًا منيعًا تحول دون تضييع مكتسبات تطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق مقاصدها.
  5. ويبقى بعد ذلك الإيمان بحقيقة أن تطبيق الشريعة الإسلامية في النهاية هو تطبيق “بشري” لنصوص إلهية، ومن ثم فهو سيكون دائمًا عاجزًا عن تحقيق الفردوس الأرضي لأن هذا سينافي سنة إلهية قضت بأن الإنسان خلق في “كبد” ومشقة، وأن كل بني آدم خطاء، وأن واجبنا فقط أن نسعى غاية وسعنا إلى التخفيف على الناس والتيسير عليهم في إطار الالتزام بمرجعية الشريعة الإسلامية وبما يحقق مقاصدها ومكارمها.

والله تعالى أعلى وأعلم

__________________________________

* المقال المنشور هو كلمة التحرير لمجلة المسلم المعاصر العدد رقم (144)، وهو متاح على الموقع الإلكتروني للمجلة.

يستلزم الحديث عن مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية تحديد المنوط بهم هذا التطبيق، لا سيما في العصر الحديث، حيث تنبغي التفرقة بين مستويين فيما يخص تحديد المكلفين بتطبيق الشريعة الإسلامية:

المستوى الأول: مستوى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهذ العمل يقوم به العلماء الذين تتوافر فيهم شروط الاجتهاد الشرعي، التي تحدثتْ عنها باستفاضة كتب أصول الفقه الإسلامي، مع استعانة علماء الشرع بأهل الخبرة والاختصاص فيما يخص فقه الواقع لأنهم الأكثر دراية به، كلّ وفق اختصاصه، وباعتبارهم ضمن «أهل الذكر» كما ذهب بعض العلماء مثل الشيخ محمود شلتوت، والشيخ زكريا البري.

والمستوى الثاني: مستوى التنفيذ؛ أي تنفيذ الحكم الشرعي في الواقع المعيش، وهذا المستوى يقوم به كل من الفرد، والمجتمع (الأمة)، والإدارة (الحكومة أو السلطة)، والقضاء، كل بحسب مسؤولياته. (د. جمال الدين عطية في كتابه: النظرية العامة للشريعة الإسلامية).

وهكذا كانت الإجابة عن سؤال: من يطبق الشريعة في العالم الإسلامي، قبل فرض الدولة القومية الحديثة عليه؛ حيث كانت سلطة التشريع –عمليًا- في يد العلماء «المجتهدين» لاعتبارات موضوعية بحتة تتعلق بتمكنهم العلمي، وصلاحهم الشخصي بمعزل عن سلطة الحكم والسياسة التي لم تكن تتدخل في عملية التشريع إلا في حالات نادرة بعد امتلاكها أدوات الاجتهاد الشرعي، وفي نطاق أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، فضلاً عن امتلاكها سلطة تعيين القضاة أو عزلهم، غير أن الحكام (أو الخلفاء أو الأئمة أو الولاة..)، حتى في هذا الاختصاص، كانت عليهم قيود أدبية ومجتمعية يخشون معها في الإفراط أو التفريط في استعمال سلطتهم هذه حتى لا تضيع مصداقيتهم بين الناس ويفقدون شرعيتهم السياسية. (انظر: د. وائل حلاق، السلطة القضائية والدولة – الأزمة الفقهية للإسلام في العصر الحديث).

أما مع فرض الدولة الحديثة على العالم الإسلامي بمؤسساتها وهياكلها وفلسفتها المختلفة عن كل ما مر على المسلمين من أنظمة مختلفة للحكم والإدارة، فقد ثار التساؤل عمن يختص بتطبيق الشريعة الإسلامية، في ظل تقسيم السلطات العامة في البلاد إلى سلطات ثلاث: تشريعية وتنفيذية وقضائية، يعلوها حاكم للبلاد، يسمى رئيسًا أو ملكًا أو أميرًا أو سلطانًا، وفق دستور -مكتوب غالبًا- يحدد اختصاصات كل سلطة من هذه السلطات.

ومن اليسير القول مباشرة بأن هذه السلطات الثلاث (باعتبار أن الحاكم ينتمي لسلطة منهما، وهي السلطة التنفيذية، وإن كان هو المتحكم في هذه السلطات أو على الأقل الحَكَم بينها)، هي من ينطبق عليها مفهوم «أولي الأمر» في ظل الدولة القومية الحديثة، فهي التي تختص وحدها بتطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة، وهذا ما ذهب للقول به غالبية الفقهاء الدستوريين والقانونيين، مثل أ.د. صوفي أبو طالب الذي ذهب إلى أن السلطات الثلاث هي التي ينطبق عليها مفهوم أولي الأمر في ظل النظم المعاصرة، أو على حد تعبيره: «ولي الأمر هو المؤسسة الدستورية في الدولة تبعًا لنظام هذه الدولة، هذا هو ولي الأمر في مفهوم العصر الحديث» (تقنين الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب، 1983). 

وهذا القول يختلف بالطبع عما استقر عليه الفقه الموروث من أن أولي الأمر ليسوا الحكام فقط، بل هم العلماء والأمراء، وليس الأمراء وحدهم كما هو في الوضع الحالي، وهذا ما قرره صراحة، على سبيل المثال، شيخ الإسلام ابن تيمية (في كتابه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»)، والإمام الغزالي (في كتابه «المستصفى»).

كما أن الرأي السابق لم يشر إلى أمر بالغ الأهمية، وهو أن من يستأمنهم الناس على تطبيق الشريعة الإسلامية ينبغي أن يكونوا قد جاؤوا باختيار حر (أو بيعة حرة) من هؤلاء الناس حتى يمثلونهم، وقد كانت هذه هي الحال بشأن اختيار العلماء على مدى التاريخ الإسلامي كله، وكذلك عند اختيار الخلفاء الراشدين.

وتجدر الملاحظة هنا، أن السلطة المنوط بها التشريع (البرلمان أو المجلس النيابي أيًا كان مسماه)، هي الأخرى ينبغي أن يتوافر في أعضائها أمران؛ أولهما: أن يكون اختيارهم كذلك قد تم عبر انتخاب حر ونزيه من الشعب حتى يكونوا نوابًا عنهم بالفعل، وثانيهما: أن تكون هناك جهة ما من العلماء الموثوق بهم للتأكد من عدم مخالفة التشريعات المزمع إصدارها من البرلمان قبل اعتمادها، ولا يصح الاعتراض على ذلك بحجة أن هذه ستكون سلطة دينية من «رجال الدين»، باعتبار أنه من المتعارف عليه أن تكون هناك لجان متخصصة تساعد أعضاء البرلمان في أعمالهم وتضم الخبراء في مجالات مختلفة، ومن ضمنها اللجنة التشريعية، واللجنة الاقتصادية، ولجنة التخطيط، فما المانع أن تكون لعلماء الشرع لجنة مستقلة، أو حتى تتواجد تحت مسمى «اللجنة التشريعية»!

والأمر الأهم من ذلك هو أن يكون الحاكم نفسه قد تمت بيعته أو جرى انتخابه بطريق حر ونزيه، ولم يفرض نفسه أو يفرضه أحد على الشعب، وإلا فكيف يؤتمن على تطبيق الشريعة حاكم مغتصب للسلطة قاهر للناس، متحكم في مؤسسات الدولة، ومن أهمها فيما نحن بصدده المؤسسات الدينية!

وينبغي في هذا الإطار الالتفات إلى إشارة مهمة ذكرها أ.د. عبدالحميد متولي في كتابه «مبادئ الحكم في الإسلام»، حين لفت النظر إلى أن «بعض علماء الشريعة يستعملون أحيانًا في كتاباتهم لا سيما في عهد ما قبل الثورة في مصر (يقصد ثورة 23 يوليو 1952)- اصطلاح «ولي الأمر» أي بصيغة المفرد، وهم يعنون به رئيس الدولة، مع أن القرآن الكريم لم يستعمل بتاتًا هذا الاصطلاح بهذه الصيغة، بل كان دائمًا لا يذكر إلا «أولي الأمر» بصيغة الجمع، هذه الملحوظة ليست كما يُظن مجرد مسألة شكلية، بل هي تنطوي على مغزى جوهري هو أن الإسلام لا يقر لفرد أن يستأثر وحده بجميع الحكم، أو بالاجتهاد والفُتيا في الشؤون الدينية».

ولذا، فإن الاهتمام بدور الحاكم في عملية التطبيق، بل وبدور السلطات الثلاث في الدولة الحديثة، ينبغي ألا يلهي عن الاهتمام بدور كل من الفرد والمجتمع في تنزيل الأحكام الشرعية الإسلامية الشاملة على أرض الواقع، فضلاً عن دور العلماء الأساسي في هذا الشأن، سواء في فهم النصوص الشرعية والدستورية، أم في عملية تطبيق الشريعة وتقنين أحكامها، فتطبيق الشريعة الإسلامية هو عملية تشاركية في الأساس، لكل ممن ذكرنا دوره فيها.

وقد كان من المؤسف أن الاتجاه الغالب للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية كان يتوجه إلى الدولة والحاكم المتغلب فيها، ولم يتوجه -إلا قليلًا- إلى الفرد المسلم والمجتمع المسلم، على حين أن غالبية التكاليف الشرعية موجهة إليهما، وأن الأمة في الإسلام هي الأصل، والسلطة الحاكمة هي الفرع، وإذا صَلُحَ حال الأصل انصلح حال الفرع، وإذا قام كل من الفرد والمجتمع بواجباتهما نحو تطبيق الشريعة، كل فيما يخصه، ستطبقها الدولة طواعية أو جبرًا!

______________________

*نُشر هذا المقال على موقع مجلة المجتمع الكويتية بتاريخ 26 مارس عام 2023.

قبل نزعها الأخير نصت الدولة العثمانية في المادة الحادية عشرة من قانونها الأساسي الصادر سنة 1876م على أن “دين الدولة العثمانية هو دين الإسلام”، ثم احتذتها غالبية الدول الإسلامية فنصت دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة، وزادت بعضها على ذلك بأن أضافت عبارات أخرى لتؤكد هذا المعنى، مثل النص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”، أو “المصدر الرئيسي” له.

استقبلت هذه النصوص غالبًا بالرضا والامتنان من قبل “الجماهير” وعورضت ممن يسمون بالعلمانيين باعتبار أن تلك النصوص وأمثالها اعتداء على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، فرد عليهم الإسلاميون وكثير من علماء الدين ومفكروه بأن “الإسلام دين ودولة” ولا يمكن أن يقبل الفصل بينهما.

وقد تصاعد هذا الجدل الإسلامي/العلماني فيما بعد تحت عناوين مختلفة، مثل: الدولة الدينية والدولة المدنية، والشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، ولكن كان أبرزها على الإطلاق: “تطبيق الشريعة الإسلامية” فهو العنوان الذي ثار تحته سجال إسلامي علماني منذ أربعينات القرن العشرين، وتفاقم في سبعينيات وثمانينيات القرن نفسه، وصولا إلى “ثورات الربيع العربي” في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

ولكن الملاحظ أن غالبية هذه السجالات كانت تركز على مدى العلاقة التي يمكن أن تقوم بين الدين والدولة وكأنهما متكافئين، وكأن الدولة صنو الدين، فالبعض يرى الإسلام “دين ودولة” أي شعائر ونظام حياة، والبعض يراه “دين وفقط”، أي يحصره في العلاقة الخاصة بين العبد وربه، ومن ثم كان مثار الخلاف دائمًا يتوجه إلى النص الدستوري على أن الإسلام دين الدولة، ومدى منطقيته وشرعيته ومدى مساسه بحقوق غير المسلمين…إلخ.

والحقيقة أنه قد آن الأوان للنظر بشكل آخر إلى القضية محل الخلاف، وطرح أسئلة جديدة قد تسحب البساط ممن يشعلون خلافات نظرية بحتة -وغير واقعية-تجعل أبناء الحضارة العربية والإسلامية شيعًا متصارعة، مثل: هل معنى أن الإسلام دين الدولة أن تلتزم الدولة به أم أن الإسلام يغدو ملكًا لها تفعل فيه ما تشاء؟ هل نظرية السيادة تسوغ هيمنة الدولة على الدين، أم أنها ينبغي أن تقصر سيادتها تجاه تدخلات الدول الأخرى ولا تسودها على مكون أساس لهوية المجتمع أسبق من الدولة وأخلد منها، وهو الدين؟ كيف يمكن أن ننقذ المجتمع من استغلال الدولة للدين في ترسيخ الاستبداد وهدر حقوق المواطنين وحرياتهم؟

ذلك أنه في زحام السجالات –وصخبها-حول “دين الدولة” لم تجد أغلبية المتناحرين يتوقفون عند بديهية مدهشة، وهي أنه لا يمكن أبدًا أن يكون الإسلام خاضعًا لأحد دون الله عز وجل، وأن فهم نسبته إلى الدولة شابه قدر كبير من التعسف والتلاعب بالألفاظ وسوء التأويل عن قصد أو عن غير قصد، أدت إلى إضفاء شرعية زائفة على قيام الدولة بتطويع الدين لصالحها تحت ستار تجديده أو تطوير الخطاب الديني أو أي مسوغ آخر.

كما أن هيمنة الدولة على الدين يحوله (أو يحوسله على حد تعبير د. عبد الوهاب المسيري) ليكون مجرد أداة من أدوات الدولة في فرض سيطرتها على المجتمع واستبدادها بالشأن العام فيه (بل وبالشأن الخاص!) كما هو مشاهد في كثير من البلاد العربية بصفة خاصة، ليصدق على هذا الدين “المطوَّع” و”المطوِّع” وصف ماركس له بأنه: “أفيون الشعوب”!

هذا الكلام النظري يجد مصداقه العملي في أن الدولة الحديثة فعلاً باتت تمثل مرجعية لنفسها، وسيطرت تمامًا على المؤسسات الدينية، وحاصرت الدين، حتى في مفاهيمه ومدلولاته، لدرجة أن مفهوم الشريعة الإسلامية –على سبيل المثال- انحصر تقريبًا في القواعد القانونية الملزمة التي تصدرها الدولة، وباتت السلطة المختصة بسنِّه هي البرلمان لا الفقهاء الذين كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية المبثوثة في القرآن والسُنُّة، وكان سلطانهم في المجتمع هو سلطان الحجة والدليل، والصلاح الشخصي، الذين كسبوا من خلاله ثقة الناس، بل وثقة القضاة، الذين أخذوا –طواعية- فتاويهم ومصنفاتهم مرجعًا لهم في قضائهم، حتى إن تصنيف القضاة أنفسهم كان يجري بحسب المذاهب الفقهية التي ينتمي إليها كل منهم ويقضي وفقه!

ولم تهيمن الدولة الحديثة على التشريع (سواء كان مستمدًا من الشريعة أو من أي مصدر آخر) وحده، بل هيمنت على القضاء نفسه، ليس فقط عن طريق سلطتها في تعيين القضاة وعزلهم، بل -وهو الأهم- عبر مصادرة مرجعيتهم الشرعية التي كانت بمثابة تحرير لهم من أي سلطة بشرية، وميدان فسيح للإبداع المنهجي في كيفية تحقيق العدالة بين الناس دون أن تُحاصر بنصوص بشرية محدودة الأفق يضعها أفراد بعضهم يجيدون القراءة والكتابة بالكاد يسمون (نواب الشعب)، بعد أن كان القضاة يعتمدون على نصوص ذات مصدر إلهي، تتجاوز البشر والزمان والمكان، واجتهادات تستنبط من تلك النصوص أحكامًا تَتَغَيَّا مصالح الناس، وتراعي الزمان والمكان والأحوال والأشخاص التي تصدر في ظلها.

وقد يدفع البعض بأن الدولة الحديثة تتبنى مبدأ الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذي يحد من مخاطرة هيمنتها على التشريع والتنفيذ والقضاء في الوقت نفسه، ولكن هذا الدفع مردود بأنه حتى في أعتى الديمقراطيات الغربية قد تضيق المسافة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية عندما يفوز حزب رئيس الدولة بأغلبية أعضاء البرلمان في النظام الرئاسي، أو حين تشكل الأغلبية النيابية الحكومة في النظام البرلماني، وقد بات هذا هو الوضع الغالب في غالبية الدول “الديمقراطية” الحديثة، حيث تحدث عادة “وحدة عضوية” بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، تعاني منها السلطة القضائية.

وإذا كان هذا هو حال الدولة الحديثة الديمقراطية، فكيف بالدولة التي ترتدي ثوب الحداثة وهي في حقيقتها دولة متسلطة، تجمع دائمًا بين سلطتي التشريع والتنفيذ ومن ثم يسهل لها تمامًا التحكم في القضاء لتكون هي وحدها مصدر السلطات ومرجعها والحكم بينها في الوقت نفسه، كما هو حادث في غالبية الدول التي تسمى بدول العالم الثالث حاليًا، التي كاد حكامها أن يدَّعوا “الألوهية” نتيجة سلطاتهم المطلقة المنصوص عليها –صراحة أو ضمنًا- في دساتير لا توضع عادة للحد من هذه السلطات بل لضمان إطلاقها دون حسيب أو رقيب!

والواقع يشهد بأن هيمنة الدولة الحديثة لم تقتصر على سلطاتها العامة الثلاثة وحدها، بل امتدت لتشمل المؤسسات الدينية كذلك، حتى إنها تتحكم عبر تشريعاتها في الإطار العام الذي يحكم عمل هذه المؤسسات، وكذلك في نظامها التعليمي، وفي مراقبة أعمالها، بينما تزداد هذه الهيمنة في الدول التسلطية التي تتحكم –فضلا عما سبق- في التعليم الديني ومناهجه، وفي تعيين العاملين والدعاة بهذه المؤسسات وفي عزلهم، وفيما يقولون ولا يقولون، حتى إن بعض حكام هذه الدول باتوا يتحكمون علنًا في تحديد موضوعات خطب الجمعة التي سيلقيها الخطباء (المعينون من قبل الدولة بموافقة مسبقة ولاحقة من مؤسساتها الأمنية) على مدى سنوات مقبلة، وقد تمكنت من السيطرة تلك بعد أن ألغت –تدريجيًا- استقلالية هذه المؤسسات وصادرت الأوقاف التي كانت تمثل ضمانًا لتلك الاستقلالية عبر تكفلها بمعاش العلماء والدعاة والإداريين، الذي أصبح بيد الدولة منفردة.

وهذا هو نموذج الدولة الحديثة الذي فرضه الاحتلال الأوروبي على دول العالم الإسلامي بما يضمن تبعيتها له بعد جلائه عن أراضيه؛ دولة متضخمة (على حد تعبير د. نزيه نصيف الأيوبي في كتابه: تضخيم الدولة العربية) متغولة على المجتمع/الأمة، موظفة للدين في إحكام هيمنتها تلك، حتى كادت أن تصبح هي نفسها –من الناحية العملية- دينًا يُعبد من دون الله، وحاصرت كل المؤسسات التي من شأنها أن تحد من تغولها وتألهها، فتحكمت في المجالات التي كان يتولاها المجتمع الإسلامي من قبل عبر نظام الوقف، والزكاة والصدقات، كمجالات التعليم والصحة والاقتصاد وغيرها من المجالات.

فالدولة الحديثة بنوعيها (الديمقراطي والتسلطي) باتت تتحكم في الدين –بدرجات متفاوتة- مثلما تحكمت في الدنيا، وساعدها على ذلك تحكمها في وسائل الإعلام، واحتكارها شرعية امتلاك وسائل القوة واستعمالها حسبما تذهب بها مصالحها. وعلى الرغم من تلك الحقيقة الناصعة فإن الغالبية العظمى لا تزال تحذر من مخاطر “الدولة الدينية” الغائبة تقريبًا عن الواقع العربي الإسلامي، ونادرًا ما يتحدث أحد عن “الدين الدولتي” الغارق فيه هذا الواقع البائس!

وماذا بعد؟

قد يبدو من العرض السابق وكأن الحل في فصل الدين عن الدولة الحديثة كما نادى العلمانيون من قبل ومن بعد، بحيث تلغى النصوص الدستورية على أن “الإسلام دين الدولة”، وهذا الأمر يعقد المسألة ولا يحلها لاصطدامه مع عقيدة الأمة والنظام العام في الدولة دون تأثير حقيقي على العلاقة السائدة بين الدين والدولة، فالمستهدف الآن ليس الفصل العلماني المطلق (الأسطوري) بينهما، بل تحرير الدين من هيمنة الدولة ووصايتها، وتحرير المجتمع من استبداد الدولة به عبر الدين، وهذا المقصد لا يكون بتغيير النصوص الدستورية المقررة لإسلامية الدولة بل بتأكيد هذا المعنى؛ أي بالتأكيد على “أسلمة الدولة” لا “دولنة الإسلام”، وأن كون الإسلام دين الدولة لا يعني أنه ملكها تفعل به ما تشاء، بل هي التي تخضع له؛ قيما ومقاصد وأحكامًا كلية وجزئية.

فالأسلمة المرجوة للدولة ينبغي أن يتغير مفهومها بأن تقترب من المعنى اللغوي للإسلام، أي بإخضاع الدولة نفسها لله عز وجل عبر إلزامها بمقاصده في الخلق، وبالقيم الأساسية التي بعث من أجلها برسله عليهم السلام، وعلى رأسها أن تقوم بالعدل، وتُحكَم بالشورى، وأن تحرر الإنسان ليكون عبدًا لله وحده، وتكون رحمة بالناس، تزع عنهم المنكر، وتحثهم على المعروف، لا كما هو حاصل منذ عقود عدة، حين أُسيء فهم الأسلمة بحيث كادت تنحصر في حرية إعفاء اللحى وارتداء الحجاب وتطبيق الحدود (العقوبات المقدرة شرعًا)، وذلك عبر استخدام القوة غير المشروعة (الإرهاب) أو من خلال البرلمانات التي قد تكون منبثقة عن انتخابات زورت فيها إرادة الشعب، أو ضللت عبر إعلام طاغ يتلاعب بالعقول، كما يحدث فعلاً في كثير من الدول الحديثة شرقًا وغربًا.

وحتى تتحقق الأسلمة بمعناها السابق لابد من أن يُفتح الباب للتفكير العملي الراشد، الذي يبدو أن المسلمين يتهربون منه في منذ قرون (كما ذهب بحق مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة) وكذلك كي يفهمه غيرهم ممن يجهلونه فيخافونه.

ويمكن تلخيص مقتضيات هذا التفكير الراشد في ضرورة تفعيل مقاصد الشرع الإسلامي في سياسة الدولة تجاه المجتمع، عبر التوافق على رؤية استراتيجية تمهد الطريق لغل يدها عن المواطن –المسلم وغير المسلم- من خلال إعادة النظر في فلسفة التشريع ومنطلقاته، والعمل على ضمان استقلاليته وتعبيره عن حاجات المواطنين ورغباتهم في العيش فيما بينهم في عدل وسلام وأمان وحرية مسئولة ومساواة، والعمل على تحقيق توازن فعلي بين السلطات العامة التي تتولى الوظائف الأساسية في المجتمع (وهو أمر يسهم فيه التوافق على مرجعية شرعية إنسانية)، وأن تترك للمجتمع حرية تحديد كيفية التعامل مع مؤسساته الدينية بما يحقق استقلالية أعضائها إداريًا وماليًا ومن ثم فكريًا، وهو الدور الذي كان يتولاه الوقف الإسلامي قبل أن تحاصره الدولة الحديثة وتصادره لحسابها، والذي يمكن إعادة تفعيله من جديد بالتزامن مع دعم ما يسمى بالقطاع الثالث، وهو القطاع الخيري، وتفعيل أدوار المجتمع الأهلي (المدني) بصفة عامة.

عندئذ يكون الدين لله وحده بعد أن يتحرر من سلطة الدولة، وهو أمر من شأنه أن يسهم في تحرير الأمة/المجتمع من تغول الدولة وفي استعادتها لدورها الحضاري المهدد بالانقراض!

رابط مباشر لقراءة المقال

—————————————–

مقال منشور على موقع المعهد المصري للدراسات بتاريخ 30 يناير 2017

 

مقال للدكتور خالد فهمي أستاذ التاريخ بجامعة توفتس Tufts بالولايات المتحدة الأمريكية، منشور في العدد العشرين من مجلة “طيبة” في مارس 2023، والتي تصدر عن مؤسسة المرأة الجديدة.
هذا المقال معني بتوضيح الفرق بين نصوص الفقه والواقع المعاش، ويتناول تحديدًا هذا الفرق في موضوعين يتعلقان بمؤسسة الزواج وهما: النفقةُ التي “تجب للزوجة المطيقة للوطء الممكنة من نفسها”، والضرب الذي يحق للزوج أن يباشره على زوجته الناشز.

يعرض المقال لهذين الموضوعين من خلال دراسة قضية نظر فيها قاضي الإسكندرية عام 1018 هجرية الموافق لعام 1610 ميلادية. في هذه القضية ادعت امرأة اسمها (تَوزّر) على زوجها تطالبه بصداقها ونفقتها وأجرة عملها بمنزل الزوجية طوال خمس وعشرين سنة من الزواج إضافة، لـ”تأديبه” نظير ضربه لها وكسره ذراعها، هذه القضية مسجلة ضمن سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية التي تقتنيها دار الوثائق القومية بالقاهرة مع المئات، بل الآلاف، من سجلات المحاكم الشرعية في طول البلاد وعرضها.

يبدأ المقال بعرض لطبيعة هذه السجلات وتوضيح لأهميتها كونها مصدرًا لدراسة، ليس التاريخ الاجتماعي أو الاقتصادي فحسب، بل لدراسة تاريخ الفقه أيضا، ولكن ليس الفقه كما سطره الفقهاء أو وضحه المفتون أو علق عليه الشراح وأصحاب الحواشي، ولكن الفقه الذي مورس على أرض الواقع وطبق في المحكمة الشرعية. ويعرض المقال لبعض الدراسات الحديثة التي تناولت تاريخ مؤسسة الزواج اعتمادًا على سجلات المحاكم الشرعية. وينتقل المقال بعد ذلك لعرض قضية تَوزّر بنصها، ويحللها بالتفصيل، مقابلا ما تحتويه القضية من تفاصيل مع المبادئ الفقهية الحاكمة.
أما الخاتمة فتشمل بعض النقاط التي تشير إلى أهمية دراسة تاريخ المجتمعات الإسلامية وتطبيقها للفقه في مواضيع مثل: النكاح والنفقة والنشوز والخلع والطلاق، وعدم الاكتفاء بدراسة كتب الفقه التي تناولت هذه المواضيع تنظيرا وتجريدا فقط.

رابط مباشر لتحميل المقال

في هذا البحث الذي قُدم إلى “الندوة العلمية لتطبيق الشريعة الإسلامية” التي عُقدت بمركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ,تستهدف هذه الورقة إعادة تركيب الوقائع في سياقها التاريخي، واستجماع عناصرها ليتسنى لنا إدراك الحقيقة التي شوهت، ومواجهة الأباطيل التي روج لها أعداء الشريعة، حتى نعلم بيقين كيف استبعدت الشريعة، وكيف تم الاستجلاب التشريعي؟، وهل كان واقعنا إزاء هذه الأحداث الخطيرة في حركة أم سكون؟

 

رابط مباشر لتحميل البحث

____________________________

*بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر العدد رقم (58) الصادر عام 1991، ومتاح على الموقع الإلكتروني للمجلة

تمهيد:

قامت ثورة 1919م مستهدفة تحقيق الاستقلال الوطني، وهي وإن لم تحقق هدفها كاملاً إلا أنها استطاعت أن تضع الأولويات الوطنية في إطارها الصحيح، ولفتت النظر إلى أن المعركة الأهم هي معركة الاستقلال، وإجلاء المحتل البريطاني عن البلاد، وأن ما عداها من قضايا ومعارك فرعية ينبغي أن تتوارى؛ لأنها في أحسن حالاتها تشوش على ما ينبغي التركيز عليه، وفي أسوأها تعرقله وتمكن للمحتل من ترسيخ سيطرته على الوطن، أرضًا وعقًلا وإرادة!
وعلى الرغم من أن التحولات الكبرى فيما يتعلق بمجالي التشريع والقضاء قد سبقت قيام ثورة 1919م، حين جرى إحلال القوانين الوضعية (الفرنسية) محل الشريعة الإسلامية، وتم استبدال المحاكم القنصلية بالمحاكم الوطنية (في القضايا التي يكون أحد أطرافها أجنبيًا)، بل وتشكلت المؤسسات والهياكل المتعلقة بكل من التشريع والقضاء على نسق غربي مغاير لما استقرت عليه مئات السنين، فإن هذه الثورة كان لها تأثيرات مهمة كذلك على حركتي التطور التشريعي والقضائي، وإن كانت تلك التأثيرات تابعة للتحولات السياسية المترتبة على نمو الحركة الوطنية وإيجاد ممثلين لها في الواقع السياسي والاجتماعي ومن ثم التشريعي، فضلا عن شيوع الروح الوطنية وغلبتها على أية تحزبات سياسية أخرى.
وقد تكون أهم تلك التحولات القانونية والقضائية التي حدثت بعد ثورة 1919م حتى ثورة يوليو 1952م، تتمثل في صدور الدستور المصري الأول سنة 1923م، وإحلال المحاكم الأهلية محل المحاكم المختلطة، فضلا عن حركة التغييرات التي جرت في بعض التشريعات المصري، وعلى رأسها القانون المدني، وما ترتب على هذه التحولات جميعها من من التضييق من اختصاصات المحاكم الشرعية وصولا إلى إلغائها تمامًا فيما بعد في عهد ثورة يوليو 1952، وهي كلها تحولات سنرى أنها ارتبطت في الأساس بتطورات سياسية دفعت إليها ثورة 1919، أو على الأقل تأثرت بها، وذلك على التفصيل الآتي:

أولاً- صدور دستور 1923م:

لم يبدأ سعي القوى الوطنية إلى إصدار أول دستوري مصري كامل مع قيام ثورة 1919م، بل بدأ قبل قدوم الاحتلال البريطاني، وكاد المصريون أن يتمكنوا من هدفهم في أثناء الثورة العرابية (1881م) فأصدروا “اللائحة الأساسية” في 7 يناير 1882م، والتي حدَّت من تغول السلطة التنفيذية لصالح البرلمان لتضع مصر على أعتاب الحكم الدستوري، مما لاقى رفضًا صريحًا من بريطانيا وفرنسا(1)، وأدى في النهاية إلى قدوم الاحتلال البريطاني (1882م) وقضائه على تلك الثورة وما سعت إليه من إقامة حياة حرة وكريمة للمواطن المصري، فألغت اللائحة الأساسية وأصدرت بدلا منها ما أسمته بـ”القانون النظامي” الذي خلا من النصوص الضامنة لاستقلالية البرلمان عن السلطة التنفيذية، ومن ثم كان من الطبيعي أن يتجدد السعي الحثيث نحو انتزاع الدستور بعد قيام ثورة 1919م.
ولعل الخطوة الرئيسة التي مهدت لصدور الدستور، وكان لثورة 1919م تأثير مباشر في حدوثها، تتمثل في صدور تصريح 28 فبراير 1922م، الذي أعلنت فيه الحكومة البريطانية إنهاء الحماية على مصر وأن مصر باتت دولة مستقلة ذات سيادة (بتحفظات أربعة مشهورة تكاد تسحب بموجبها ذلك الاستقلال المزعوم) كما تضمن إلغاء الأحكام العرفية المفروضة في مصر منذ عام 1914م(2) وهو التصريح الذي وإن كانت قد رفضته القوى الوطنية حينها لأسباب تتعلق بصوريته، وبأنه يعطي انطباعًا مخادعًا للعالم يظهر مصر وكأنها قد نالت استقلالها عن الاحتلال البريطاني على غير الحقيقة، ومن ثم فإن قبولهم به سيسبغ شرعية زائفة على وجود الاحتلال البريطاني في مصر، إلا أنه كانت لهذا التصريح أهمية نظرية تتمثل في اعتراف (الوصي) بنفسه بأن القاصر -في زعمه- قد بلغ رشده، وبات يتولى أمره بنفسه، وهي ورقة سياسية فتحت الباب لإصدار أول دستور حقيقي للبلاد، سنة 1923م، بعد أن وضعته لجنة شكلتها حكومة السيد عبد الخالق ثروت، سميت بـ “لجنة الثلاثين” باعتبارها كانت تضم ثلاثين عضوًا، خلاف رئيس اللجنة ونائبه(3)!
وقد أدى اختيار لجنة مشكلة من قبل الحكومة لوضع الدستور إلى رفض كل من حزب الوفد (حزب زعماء ثورة 1919 وأكبر حزب سياسي في بلاد حينئذ) والحزب الوطني، المشاركة في وضع هذا الدستور، الذي “كان يجب أن يُعهد وضعه إلى جمعية وطنية تأسيسية تمثل الأمة لا إلى لجنة تؤلفها الحكومة”(4).
ولكن رغم عدم مشاركة حزب الوفد في لجنة وضع الدستور، ورغم أن زعيمه وزعيم الثورة –سعد باشا زغلول- كان منفيًا حينها خارج البلاد ولم يعد إلا بعد صدور هذا الدستور بالفعل، فإن الثورة لم يغب تأثيرها الذي مكن للأمة من تكليل جهادها بوضع دستور للبلاد(5) يخفف من قبضة الاحتلال والاستبداد معًا، ويضع إطارًا يؤسس لحماية الحقوق والحريات، ويسهم في التأسيس لاستقلال القضاء، ويُمكِّن لنواب الأمة في كل من مجلسي النواب والشيوخ من الإسهام في سن التشريعات التي تنظم معاملاتها وتحمي مصالحها، وهو أمر الذي سنلاحظه حين نرى للمجلسين كلمة مقدرة –إلى حد ما- في سن قوانين ما بعد الثورة، حتى قيام ثورة يوليو، بعد أن كان هذا الأمر مخولاً للملك منفردًا (تحت ضغط الاحتلال البريطاني أو بتوجيه من ممثلي هذا الاحتلال والدول الأوروبية النافذة).
كما سنلمس روح الوحدة الوطنية التي دعمتها ثورة 1919، في أعمال اللجنة، حين لم نر أي أثر لاعتراض النواب –بكافة تبايناتهم الفكرية وانتماءاتهم الدينية والسياسية المختلفة- على النص في هذا الدستور على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية” وذلك في المادة 149 منه، والذي كان بناءً على اقتراح قدمه الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي الديار سابقًا) -في جلسة 19 مايو 1922-(6)، في وقت كان الاحتلال البريطاني يحرص فيه كل الحرص على تأجيج الصراع الطائفي في البلاد مدعيًا أنه يحمي الأقليات في البلاد، حتى أنه ضَمَّن تحفظًا في تصريح 22 فبراير يخوله حماية الأقليات!
كما أن الدستور صدر على غير رغبة حقيقية من الملك فؤاد الذي حاول كثيرا أن يدخل تعديلات على مشروع الدستور المقدم من “لجنة الثلاثين”، تحد من مزاحمة مجلسي النواب والشيوخ لانفراده بالسلطة، وتمنع من أن تكون الأمة مصدر السلطات، ولكنه لم يفلح في ذلك نتيجة تصاعد الاحتجاجات من الرأي العام الذي زادت من فاعليته ثورة 1919، وكان من أكثر هذه الاحتجاجات تأثيرًا ما جاء في الخطابين اللذين أرسلهما عبد العزيز فهمي باشا إلى رئيس الوزراء -يومئذ- يحيى إبراهيم باشا، معترضًا في كل منهما على ما جرى تداوله من إدراج تعديلات على مشروع الدستور تجعل منه مسخًا، استنادًا إلى فكرة رجعية كانت لدى رئيس الوزراء السابق محمد توفيق نسيم –الذي كان قد حسم رأيه بالموافقة على تلك التعديلات-، مؤداها أن “الدستور منحة من الملك، لا حق من حقوق الأمة”(7).
وفند فهمي باشا في هذين الخطابين -المشار إليهما- تلك التعديلات بلغة قوية ومؤثرة في الرأي العام المصري، أسهمت في النهاية في إصدار مشروع الدستور ذاته الذي وضعته لجنة الثلاثين كاملا، عدا مادتين اعترض عليهما المندوب السامي البريطاني نتيجة ذكرهما للسودان، فجرى حذف اسم السودان من المادتين (29) و (45) من مشروع الدستور، ليفصل بين البلدين المحتل الذي أملى إرادته في النهاية -بالتهديد والوعيد- متفوقًا على سلطتي الشعب وملك مصر (وحدها) دون السودان(8)!
وقد أعقب إصدار الدستور مباشرة –في 19 إبريل 1923م- صدور قانون الانتخاب، في 30 إبريل 1923م، والذي نظم كيفية انتخاب أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ومكنَّ المصريين جميعًا من انتخاب ممثليهم في البرلمان بخطوات واشتراطات معينة، وهي خطوة تشريعية مهمة أخرى في سبيل نيل الأمة لاستقلالها وحريتها، عبر إشراكها لممثليها البرلمانيين في حكم البلاد.
ولكن –في المقابل- صدرت عدة قوانين تمثل قيدًا على الحريات التي كفلها الدستور الجديد، أصدرتها الحكومة، استباقًا لانعقاد البرلمان، بل وقبل انتخاب أعضائه أساسًا، وهي:
1) قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية، رقم 14 لسنة 1923، الصادر في 30 مايو من العام نفسه، الذي قيد حق الاجتماعات بقيود تكاد تصادر الحق نفسه، وهو القانون الذي ظل ساريًا في مصر لمدة تسعين عامًا! حيث تم إلغاؤه عام 2013م بالقانون (رقم 107 لسنة 2013م، بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية)، والذي لم يقتصر فقط على مصادرة حق الاجتماعات والتظاهرات بل منح شرعية لتدخل قوات الشرطة في فض هذه الاجتماعات والمواكب والتظاهرات بكافة السبل المناسبة، حال تقدير الشرطة أنها قد خالفت قواعد القانون!
2) قانون الأحكام العرفية، الصادر في 26 يونية 1923، والذي ينظم الأحكام العرفية في مصر ومدى سلطة الحكومة في ظلها، حيث خوَّل الحاكم العسكري سلطات واسعة تتيح له إهدار حقوق المواطنين وحرياتهم دون قيود أو ضمانات حقيقية، خلال فترة الحكم العرفي، والتي امتدت حتى وقتنا هذا بمسميات مختلفة، إلا في فترات زمنية محدودة جدًا!
3) قانون التضمينات، الصادر في 5 يوليه 1923، والذي حَصَّن الإجراءات التشريعية والقضائية والتنفيذية التي اتخذتها السلطة العسكرية البريطانية أثناء الأحكام العرفية في الفترة من نوفمبر عام 1914 إلى تاريخ صدور هذا القانون، أي تسع سنوات كاملة!
ولا يخفى أن هذه القوانين قد أثارت الرأي العام حينئذ، ولكن تأثير القوى الوطنية –حتى بعد ثورة 1919م- لم يصل بعد للقوة اللازمة التي يواجه بها قوتين كبيرتين متمثلتين في الاحتلال البريطاني ثم الحكم الملكي الاستبدادي، لاسيما إذا تحالفا معًا على حساب المواطنين، وهو وضع يبدو أنه بقيَ حتى لحظتنا الراهنة مع استبدال شكل الاحتلال وتغيير مسمى الحاكم من ملك إلى رئيس!
ولذلك فقد فشلت المحاولات دومًا من جانب البرلمانات المصرية المتعاقبة لترشيد تلك القوانين (المكبلة) للدستور، وظلت عصية على التغيير إلا إلى الأسوأ، بل وجرى حل البرلمان نفسه غير مرة بالمخالفة لأحكام الدستور، والذي جرى انتهاكه من قبل الملك وحكوماته مرات عديدة، انتهت إلى إلغائه كله وإصدار دستور جديد (دستور 1930م)، وهو الدستور الذي سحب العديد من الاختصاصات من مجلس النواب لحساب السلطة التنفيذية مما أدى إلى اتفاق حزبي الوفد والأحرار الدستوريين على عدم الاعتراف به ولا بالانتخابات التي ستقام في ظله، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إلغاء هذا الدستور سنة 1935 تحت ضغط شعبي وسياسي، واستجابة لرهن محمد توفيق نسيم باشا موافقته على تشكيل حكومة جديدة بإعادة العمل بدستور 1923م(9).
ولكن –على أية حال- كان لصدور الدستور أثره الكبير في مجالي التشريع والقضاء من خلال تقسيمه الوظائف الرئيسة الثلاث في الدولة؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، على هيئات ثلاث؛ البرلمان والحكومة، والقضاء، كما تغير التوصيف الأساسي للأفراد فأصبحوا –وفقًا لنصوص الدستور- مواطنين تابعين للدولة، دون تصنيفهم على أساس ديني أو عرقي، وإن ظلوا –في الواقع- مصنفين تصنيفات طبقية، تتعارض مع الحقوق الطبيعية للإنسان، كما استمر إهدار مبدأ سيادة القانون في الواقع العملي، لتظل مصر –ومعها معظم دول العالم الثالث- دولة فيها دستور، وليست دولة دستورية أو ديمقراطية(10)، بفضل استبداد الحاكم –في الداخل-، وضغوط الدول المحتلة للإرادة الوطنية– في الخارج، لتظل لهما وحدهما السلطة على البلاد و(العباد)!

ثانيًا- إلغاء المحاكم المختلطة وإصدار تقنينات جديدة:

مثلما كان إصدار تصريح فبراير 1922، هو الذي أتاح وضع الدستور، فإن معاهدة 1936 التي وقعتها مصر مع الحكومة البريطانية، كانت هي التي مهدت لإحداث حركة تغيير تشريعي وقضائي واسع في البلاد، حيث تبعها إبرام معاهدة مونترو (8 مايو 1937) بين مصر والدول الاثنتي عشر صاحبة الامتيازات، والتي أسفرت عن إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر، بعد أن تعهدت مصر في المقابل بأن التشريع الذي سيسري على الأجانب لن يتنافى مع المبادئ المعمول بها على وجه العموم في التشريع الحديث(11).
وبالفعل فقد استتبع توقيع مصر على معاهدة مونترو –بالضرورة- تغيير الأوضاع التشريعية والقضائية التي كانت مرتبطة بوجود الامتيازات الأجنبية المجحفة والمهينة، ومن ذلك: إلغاء المحاكم المختلطة، وإحلال تقنينات جديدة محل التقنينات التي سبق وأن فرضها المحتل –على عجل- سنة 1883م، وهو أمر يحتاج إلى مزيد من التفصيل، لاسيما فيما يتعلق بإلغاء المحاكم المختلطة، والمناقشات التي دارت حول مشروع القانون المدني الجديد.

1) استبدال المحاكم الأهلية بالمحاكم المختلطة:

قضت اتفاقية مونترو بتحديد فترة انتقالية تبدأ من 15 أكتوبر سنة 1937م، وتنتهي في 14 أكتوبر سنة 1949م، أي اثنتي عشرة سنة، تلغى بعدها الامتيازات الأجنبية تمامًا وينتقل اختصاص المحاكم المختلطة إلى المحاكم الأهلية (الوطنية)(12).
وحتى نصل إلى التوصيف الصحيح لهذا التغيير القضائي، وما إذا كان إصلاحًا أم استلابًا، ينبغي أن نفهمه في سياقه التاريخي والسياسي، حيث سنجد أن التاريخ يخبرنا بأن القضاء في مصر كان قضاءً إسلاميًا (شرعيًا) منذ الفتح الإسلامي لمصر في القرن السادس عشر الميلادي، وأن المحاكم الشرعية كانت تنفرد بوظيفة القضاء وحدها حتى جاءت الحملة الفرنسية (سنة 1798- 1801م)، حين أنشأ نابليون بونابرت محكمة سمّاها “محكمة القضايا” في كل من الإسكندرية ورشيد ودمياط، وكانت مكونة من اثني عشر تاجرًا، نصفهم من المسلمين ونصفهم الآخر من المسيحيين، وأسندت رئاستها إلى قاض مسيحي (هو ملطى القبطي الذي كان كاتبا عند أيوب بك الدفتردار!)، وجعل من اختصاصها النظر في أمور التجار والعامة والمواريث والدعاوي، ولكن هذه المحكمة زالت بزوال الاحتلال الفرنسي(13).
ثم بدأ محمد علي في تأسيس نموذج موازٍ للنظام القضائي المصري المعتمد على المحاكم الشرعية وحدها فأسس –بدءًا من عام 1258هـ- ما عُرف بـ”مجالس التجار” والتي كانت مجالس قضائية حقيقية، أخذت اختصاصاتها تتسع على حساب اختصاص المحاكم الشرعية، وكانت هذه المجالس تطبق تشريعات صادرة على النسق الأوروبي، بدأت بما عُرفت بـ “قوانين الوالي”، والتي اعتمد فيها محمد علي تمامًا على تقليد الأوروبيين وصرح بذلك فعلاً في مقدمات نصوصها(14).
واستمر خلفاء محمد علي على النهج نفسه حيث أنشأ (الخديوي عباس الأول) خمسة مجالس قضائية للأقاليم تغطي أقاليم مصر جميعها بدءًا من عام 1268هـ (1851م)، ثم أنشأ مجلس استئناف المسائل التجارية سنة 1272هـ (1885ه) بناء على طلب القناصل الأجانب، ثم جاء من بعده (الخديوي سعيد) فأنشأ “مجلس قومسيون مصر” وخَصَّه بنظر الخصومات بين الأهالي والأجانب، ولذا أشرك في عضويته مصريين وأجانب وكان يطبق القوانين المعمول بها في الدولة العلية (وهي قوانين غلب على الكثير منها الطابع الأوروبي) مع مراعاة الأصول المرعية في القطر المصري(15).
وهذه الاقتطاعات من اختصاصات المحاكم الشرعية (ومن ثم من الفقه الإسلامي مصدر التشريع الوحيد لهذه المحاكم) أضيفت إليها “المحاكم القنصلية” التي كان يخضع لها الأجانب في مصر استنادًا إلى نظام “الامتيازات الأجنبية” حتى صارت هناك سبع عشرة محكمة قنصلية يتبعها ثمانون ألف أجنبيٍّ(16)، وهو النظام الذي أفضى إلى حدوث فوضى قضائية/تشريعية، دفعت إلى البحث عن بديل أفضل، وقد تمثل هذا البديل حينها في “المحاكم المختلطة” التي أنشئت في عهد الخديوي إسماعيل –بعد اعتماد الدول الأوروبية للفكرة- سنة 1875، وبدأت عملها في أول يناير 1876م، وأُخذت قوانينها ونظام القضاء فيها عن القوانين الفرنسية والإيطالية والبلجيكية، ووضعها محام فرنسي كان متواجدًا في مصر في ذاك الوقت اسمه “مونروي” بتكليف من نوبار باشا، وكانت غالبية قضاة المحاكم المختلطة من الأجانب أيضًا(17).
وبعد إنشاء المحاكم المختلطة وضعت الحكومة المصرية لائحة لإعادة تنظيم المحاكم الشرعية سنة 1880م أخذت عن قانون المرافعات -المأخوذ عن القانون الفرنسي-، والذي كانت تطبقه المحاكم الأهلية والمحاكم المختلطة(18)، ثم فعلت الأمر نفسه بالنسبة للمحاكم الأهلية (الوطنية) فوضعت أول لائحة لتنظيمها سنة 1881م، ثم أُنشئت المحاكم الأهلية لتقوم بالقضاء بين المصريين، كما تقوم المحاكم المختلطة، بأمر عال من الخديوي توفيق سنة 1883م، وهو العام نفسه الذي صدرت فيه التقنينات الستة التي ستطبقها المحاكم الأهلية، والتي استعانت اللجنة التي وضعتها بتقنينات المحاكم المختلطة إلى حد أنها كادت تنقلها بحروفها، مع بعض التعديلات الطفيفة التي اقتضتها الظروف وقتئذ(19).
ولقد كان الغرض من إنشاء المحاكم الأهلية وتطبيق القوانين ذاتها التي تطبقها المحاكم المختلطة، هو التخلص من المحاكم المختلطة بأسلوب يتحاشى اعتراض الأوروبيين، حسبما أفصح حسين فخري باشا (ناظر الحقانية آنذاك) في مذكرته إلى مجلس النظار حين قال: “لي أمل بأنه مع اعتدال محاكمنا الأهلية التي تنشأ عن النظام الجديد، وقيامها بحق واجباتها، بموجب ذات القوانين المتبعة في المحاكم المختلطة، يتيسر للحكومة الاستغناء عن هذه المحاكم ببرهان عدم الحاجة إليها.. لإدخال الأجانب في المحاكم مزية أخرى، وهي أن المحاكم المختلطة محاكم استثنائية، وإيجادها ما كان إلا لعدم وجود محاكم أهلية يمكن طمأنة الأوروبيين بها، والاستحصال على ثقتهم بكفاءتها وحقانيتها، فإن ترتيب المحاكم الأهلية بالصورة المقدم ذكرها طبعًا ترتاح لها نفس الأوروبايين…”(20).
وهكذا يتبين أن إنشاء المحاكم المختلطة -بقوانينها المأخوذة عن قوانين فرنسية- كان بهدف إلغاء المحاكم القنصلية والتخلص مما سببته من فوضى، وما تمثله من اعتداءٍ صارخ على السيادة المصرية، ثم كان إنشاء المحاكم الأهلية النظامية على نسق المحاكم المختلطة وبقوانينها ذاتها تقريبًا، مستهدفًا إلغاء المحاكم المختلطة دون اعتراض الأوروبيين، ولذلك حين حانت الفرصة، ألغيت هذه المحاكم تمامًا بموجب معاهدة مونترو، وجرى التفكير في إصدار تشريعات مصرية خالصة تسهم في استرداد الاستقلال التشريعي والقضائي، وإن كان استقلال ناقصًا، ولكنها السياسة التي من صفاتها أنها “فن الممكن”، ومن سماتها أنها تحقق بالتدريج ما ترنو إلى تحقيقه في النهاية دون تجاوز ما يسمح به الواقع السياسي البائس للبلاد، والتي كان أقصى أمانيها حينها أن تمصر القضاء والقوانين انتزاعًا من قوى الاحتلال الغربي، حتى لو كان ذلك على حساب المحاكم الشرعية، وما يستتبع ذلك من تنحية للشريعة الإسلامية عن مصدرية التشريع إلا قليلا(21)، وهو أمر يمكن فهمه الآن، لا باعتباره معاداة من النخبة لمرجعية الشريعة الإسلامية، ولكن بأنه جاء نزولا على ضرورات الخضوع للاحتلال وللاستبداد في الوقت ذاته، والذي يستهدف في النهاية إلغاء المحاكم الشرعية، ويسعى إلى استقرار احتلاله للمجال القانوني في الدول التابعة له وتشكيلها على النحو الذي يضمن له تحقيق مصالحه وإشباع أطماعه، وهو أمر يحسن أن نعود إليه عند استعراض تحولات التشريع التي حدثت هي الأخرى، ترتيبًا على إلغاء الامتيازات الأجنبية، والذي حان وقت بيانه.

2) إصدار تقنينات جديدة، القانوني المدني نموذجًا:

بدأ العمل مباشرة بعد إبرام معاهدة مونترو على إصدار تشريعات مصرية جديدة بدلا من التشريعات التي فرضها الاحتلال الإنجليزي من قبل بمجرد احتلاله للبلاد، ومن ضمنها قانون العقوبات الجديد سنة 1937م الذي صدر دون اختلاف كبير عن قانون العقوبات السابق الصادر في عام 1883، ووضعته لجنة كان من ضمن أعضائها السير (آرثر بوت) آخر المستشارين الإنجليز لوزارة العدل المصرية(22)، كما صدر قانون الإجراءات الجنائية في العام نفسه، ليحل محل قانون 1876م، متضمنًا كثيرًا من التعديلات عليه، “وقد اقتبس معظمها عن طريق التقنين الأهلي الصادر في سنة 1904م، ومن بعض القوانين الأجنبية كالقانون الإيطالي”(23).
وكان من ضمن القوانين الجديدة التي جرى إصدارها كذلك (القانون المدني) والذي اختلف أسلوب وضعه عن بقية التقنينات، إذ استمر العمل فيه من عام 1936م إلى أن صدر وبدأ العمل به في 15 أكتوبر سنة 1949م، بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي حددتها اتفاقية مونترو لإلغاء المحاكم المختلطة بيوم واحد فقط، حيث أصدر مجلس الوزراء (برئاسة على باشا ماهر) قرارًا بتاريخ 27 من فبراير 1936م بتشكيل أول لجنة للقيام بهذه المهمة برئاسة مراد سيد أحمد باشا وعضوية ثمانية من رجال القانون، وقد حُلَّت هذه اللجنة بعد ثلاثة أشهر فقط، وحلَّت محلها لجنة أخرى بقرار من مجلس الوزراء كذلك، وأسندت رئاستها إلى كامل صدقي بك، ثم حُلَّت هذه اللجنة بعد ثمانية عشر شهرًا، حيث تقدمت وزارة العدل بمذكرة إلى مجلس الوزراء تقترح فيها أن يعهد بوضع التشريع التمهيدي إلى اثنين من كبار المشتغلين بالقانون على أن يتفرغا لعملهما ويُتمَّاه في مدى ستة أشهر، ولقي اقتراح وزارة العدل موافقة مجلس الوزراء، وبناء عليه أصدر وزير العدل بتاريخ 28 يونيه سنة 1938 قرارًا بإسناد هذه المهمة إلى كل من د. عبدالرزاق أحمد السنهوري بك (باشا) القاضي بالمحاكم المختلطة حينذاك، ومسيو إدوارد لامبير من كبار رجال الفقه في فرنسًا(24).
وقد جرى الإعداد لهذا التشريع ومناقشته في ظل مناخ يختلف كثيرًا عن المناخ الذي كان قائمًا أثناء ثورة 1919 وما بعدها مباشرة، ليس فقط من حيث إدراك الأولويات الوطنية التي يتعين الانتباه إليها والعمل وفقها، بل من خلال الروح السائدة فيما بين السياسيين، والمثقفين، إذ كادت تغيب معركة الأمة ضد الاحتلال والحكم الفردي المطلق، لتحل محلها معركة كبرى بين التوجهين الإسلامي والعلماني، ألقت بظلالها على مناقشات القانون المدني.
وقد رأينا من قبل كيف مر النص الدستوري على أن الإسلام دين الدولة من دون أي خلاف، ولكن بعد صدور دستور 1923 بعام واحد فقط أعلنت تركيا إلغاء الخلافة العثمانية رسميًا في عام 1924م، وقد كان لسقوطها تأثير كبير على الحالة الفكرية المتعلقة بالوضع القانوني والقضائي الذي جرى اعتبار التغييرات التي طرأت عليه هو الآخر بمثابة إلغاء لمصدرية الشريعة الإسلامية عن المجالين معًا، وزاد الأمر سوءًا، صدور كتاب (الإسلام وأصول الحكم) للشيخ الأزهري علي عبدالرازق الذي أعلن فيه تبرؤ الدين الإسلامي(25)، مما أدى إلى إحالته إلى التحقيق من قبل هيئة علماء الأزهر، ثم إصدار قرار بشطب اسمه من سجل علماء الأزهر وتجريده من مناصبه القضائية والإدارية، الأمر الذي أدى إلى نشوب سجال كبير بين المخالفين لما جاء في الكتاب، وبين المعارضين لمحاكمة كاتبه باعتبار ذلك يعد اعتداءً على حرية الفكر، وكان من اللافت أن من ضمن الذين ردوا على مؤلف الكتاب وفندوا حججه كل من الشيخ محمد بخيت المطيعي (صاحب اقتراح إدراج النص على أن الإسلام دين الدولة في دستور 1923م) حيث أصدر على الفور –سنة 1926- كتاب: (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، وكذلك الإمام الأكبر محمد الخضر حسين -شيخ الأزهر فيما بعد- في كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) الذي صدر في العام نفسه، ثم د. عبد الرازق السنهوري –رئيس لجنة إعداد التقنين المدني فيما بعد!- في كتابه (أصول الحكم في الإسلام(، بينما دافع عن الكتاب الكثير من المفكرين والسياسيين كذلك، ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل، وعباس محمود العقاد عن عبد الرزاق، واستقال عبد العزيز باشا فهمي من وزارة الحقانية في وزارة زيور باشا في 13 مارس 1925 م، احتجاجًا على ما رآه ظلمًا وقع على الشيخ علي عبدالرازق(26).
ثم نشبت معركة أخرى حين تقدم بعض أعضاء مجلس النواب بعدد من مشروعات القوانين تستهدف منع (الوقف الأهلي)، بعد أن مهدت لها حملة صحفية، يبدو أنها كانت ممنهجة، تهاجم الوقف وتطالب بإلغائه، بعد أن زعمت أنه “ليس من الدين” أساسًا، غير أن مشروعات القوانين لم تقر، إما بسبب رفض البرلمان، أو لحله، غير أنها حققت هدفًا مرحليًا عام 1946م بصدور القانون رقم 48 لسنة 1946م الذي يعتبر أول قانون موحد لنظام الوقف، وقد مهد السبيل لهيمنة الدولة الحديثة على الوقف، ونقل المرجعية بشأنه من الفقه الإسلامي إلى القانون الوضعي(27)!
وهذه مجرد نماذج تفتتت –في ظلها- الحركة الوطنية لحساب معركة إسلامية علمانية [إلى جانب معارك أخرى فرعية دفعت إليها تحزبات سياسية ضيقة]، لاسيما بعد إعلان أتاتورك سنة 1928 أن تركيا دولة علمانية واستمراره في اتخاذ إجراءات معادية للدين بشكل صارخ، مما زاد من استفزاز الشعور الديني لدى الشعب المصري –والشعوب الإسلامية بصفة عامة-، وأدى –على ما يبدو- إلى تأسيس جماعة “الإخوان المسلمين” في العام نفسه (1928م) رافعة –في المقابل- شعار “الإسلام دين ودولة” ومنتهجة السبيل السياسي لإقامة الخلافة الإسلامية من جديد، ومن هنا جاء تسييس التغييرات التشريعية والقضائية، لا من باب أنها قضية يحاول المصريون بها استكمال استقلالهم –الناقص- عن الاحتلال في المجال التشريعي، ووسيلة للتضييق على الحكم الفردي الاستبدادي، ولكن باعتبارها تمثل مجالا للمعركة بين الإسلاميين والعلمانيين!
وفي خضم هذه المعركة المتصلة، جاءت مناقشات مشروع التقنين المدني الجديد الذي وضعته اللجنة التي يترأسها السنهوري باشا، والتي شهدت جدالا حادًا بسبب الاعتراض على اعتماد هذا المشروع على استمداد نصوصه من القوانين الأوروبية لا من الشريعة الإسلامية، وكذلك لتأخير الشريعة الإسلامية لما بعد النص والعرف، في ترتيب المصادر التي سيعود إليها القاضي عندما يعرض عليه نزاع ما، والوارد في المادة الثانية من مشروع التقنين [المادة الأولى من القانون فيما بعد]، والتي نصت على أن: “1- تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. 2- فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد، فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة”.
ولم يأت هذا الاعتراض من الحركة الإسلامية الناشئة وحدها كما قد يعتقد البعض، بل جاء -في الأساس- من جانب كثير من علماء الأزهر الشريف، ومنهم الشيخ سيد عبد الله علي حسين الذي ألف كتابًا تحت عنوان (المقارنات التشريعية) يقارن فيه بين القانون المدني الفرنسي (المسمى بقانون نابليون) وبين مذهب الإمام مالك، مستهدفًا إثبات أن هذا القانون مأخوذ عن مذهب الإمام مالك ولكن “المشرعين الوضعيين” أجمعوا إجماعًا سكوتيًا على إنكار ذلك(28)، وقد أعد الشيخ سيد هذا الكتاب الفترة من (1940- 1949) أي بالتوازي مع إعداد مشروع القانون المدني ومناقشته داخل البرلمان وخارجه، وشن في مقدمته هجومًا حادًا على ما ورد بالمادة الثانية من مشروع القانون (التي أصبحت المادة الأولى من القانون بعد ذلك) من وضع الشريعة الإسلامية بعد العرف كمصدر من المصادر التي يلجأ إليها القاضي إذا لم يجد نص تشريعي في الواقعة المعروضة عليه، واعتبر ذلك هجرًا للتشريع الإسلامي في بلاد الإسلام، وأن تقديم العادة على الشرع الإسلامي لا يمكن إلا أن يكون نابعًا عن جهل أو عداء له، وقرر أن التشريع الإسلامي يستحق غضبة من رجال القضاء كي يحل محل هذا التشريع الدخيل علينا المأخوذ عن عشرين تشريعًا أجنبيًا، وتساءل: كيف سيقر نواب البرلمان قانونًا “يتلاشى به التشريع الإسلامي؟!”، وهل اليمين الذي أقسموه على احترام الدستور –وفيه أن دين الدولة الإسلام- يبرر إقرار هذا القانون المخالف للتشريع الإسلامي؟!(29).
وقد وجدت دعوة الشيخ سيد عبد الله حسين –على ما يبدو- استجابة من البرلمان ومن القضاة في الوقت نفسه، فإذا بالمشروع يلقى هجومًا عاصفًا عند مناقشته في مجلس الشيوخ بحضور بعض مستشاري محكمة النقض ومحكمة الاستئناف والقضاء المختلط وأساتذة كلية الحقوق، فقد رفض المستشار حسن الهضيبي [المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين فيما بعد] مناقشة مشروع القانون المدني من حيث المبدأ، طالما أنه لم يستمد من القرآن والسنة، وقرر أنه لن يشارك في مناقشة المشروع من حيث الموضوع لأن خطأه وصوابه عنده سيَّان، وأنه قد حضر فقط لبيان رأيه هذا(30).
بينما كان من ضمن الفريق الذي عارض مشروع هذا القانون المستشار بمحكمة النقض محمد صادق فهمي بك، الذي أسهم في وضع نموذج لمشروع تقنين مدني مستمد بالكامل –حسب تصور واضعيه- من الشريعة الإسلامية، ولكن الدكتور عبد الرزاق السنهوري هاجم بشدة المشروع الذي تقدم به المستشار فهمي ورفاقه، مقررًا أن “صادق بك فهمي في النموذج الذي وضعه، وقال إنه اقتبسه من الشريعة الإسلامية قد ابتعد كل الابتعاد عن أحكام هذه الشريعة، بل أتى بأحكام مضادة لها”(31)، وبعد أن أورد أمثلة ليؤكد بها على صحة مقولته تلك، قرر أنه: “ولو صح أن النصوص التي أوردها صادق بك في نموذجه –وهي تطابق نصوص المشروع- هي أحكام الشريعة الإسلامية، لجاز لنا أن نقول نحن أيضًا على نصوص المشروع إنها هي أحكام الشريعة الإسلامية، ولأسقطنا بذلك الحجة التي تقدم بها. ونموذج صادق بك يكاد يماشي المشروع نصًا نصًا. فإذا انحرف عنه في نص واحد زلَّ وعثر”(32)، وقرر أنه “لو كان صادق فهمي بك نجح في هذه المحاولة لكنت بلا نزاع أول من يتفق معه لأنه لا يوجد شخص في هذا العالم يحب الشريعة الإسلامية كما أحبها أنا، وقد ناديت، ولا أقول أني أول واحد نادى بهذا، وإنما أقول إني من أوائل من نادى بأن الشريعة الإسلامية يجب العناية بها والاهتمام بدراستها في دور القانون المقارن”(33).
بينما فضل المستشار صادق فهمي أن يدافع عن وجهة نظره، من خلال الاعتراض على ما أوردته المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون من أنها “أخذت نصوصها من عشرين تشريعًا” مؤكدًا على أهمية وحدة المصدر الذي يستمد منه القانون ووضوحه بالنسبة للقاضي، وضرب مثلا على ذلك بأنه “لما كان مصدرنا هو القانون الفرنسي في كل أحكامنا وفي كل فقهنا وفي كل تفكيرنا فإنكم تجدون أن الأحكام تسير بانسجام، وإذا ما رجعتم إلى القضاء الفرنسي تجدون أننا نسير جنبًا إلى جنب مع محكمة النقض، ولقد وصل الأمر عندنا إلى حد أننا نترجم بالكلمة أحكام محكمة النقض والأحكام الفرنسية لأن النصوص مصادرها معروفة”، ولذلك طالب بأن يكون مصدر القانون الجديد واحد فقط، مع استبدال الشريعة الإسلامية بالقانون الفرنسي؛ “أنا أرى أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا للقضاء العادي ولدى النصوص” بعد أن أكد على أن “الشريعة الإسلامية واسعة، ومنها مذاهب كثيرة، لدرجة أنك تجد لكل شيء حلاً”، ولذلك طالب بأن تكون هيئة كبار العلماء ممثلة في اللجنة(34)، غير أن الرد عليه جاء من جانب محمود حسن باشا -وزير الدولة- بأنه قد ثبت أن كثيرًا من أحكام التشريع الحالي تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، بينما برر عضو مجلس الشيوخ (علي ذكي العرابي باشا) عدم ملاءمة الأخذ عن الشريعة الإسلامية بقوله: “إن كتب الفقه بحالتها الراهنة لا تفهم بسهولة، ولذلك فإن القاضي سيجد صعوبة في الرجوع إليها، أكثر مما لو رجع إلى القانون البولوني أو الألماني، فإذا وضعت الشريعة الإسلامية وضعًا حديثًا أمكن الانتفاع بها”، وهو الأمر الذي رد عليه المستشار صادق فهمي بأن “المسائل الشرعية في المحاكم المختلطة عبارة عن مثل أعلى فيما يختص بتطبيقها”، وانتهت الجلسة بتأكيد المستشار صادق فهمي على معارضته لما جاء بالمذكرة الإيضاحية من أنها أخذت نصوصها من عشرين تشريعًا، وإلا فإنه سيطالب بمذكرة إيضاحية لكل نص(35)!
ولكن المناقشات حول مصدرية الشريعة لم تنته بنهاية الجلسة السابقة، فقد تكررت تساؤلات بعض نواب البرلمان عن وضع الشريعة الإسلامية في التقنين الجديد، حتى في أواخر جلسات مجلس الشيوخ، وتحديدًا في جلسة (8 يونية 1948م)، حين وجه عضو مجلس الشيوخ (عبد الوهاب طلعت باشا) سؤالا محددًا إلى د. عبد الرزاق السنهوري باشا، وهو: “هل رجعتم إلى الشريعة الإسلامية؟”، فأجاب السنهوري باشا بقوله: “أؤكد لك أننا ما تركنا حكمًا صالحًا في الشريعة الإسلامية يمكن أن يوضع في هذا التقنين إلا وضعناه، والدليل على ذلك أن أحد حضرات المستشارين أراد أن يضع نموذجًا مأخوذًا من الشريعة الإسلامية فأتى بنفس نصوص القانون ونسبها للشريعة الإسلامية”، فرد عبد الوهاب باشا بسؤال آخر: “وهل استعنتم بالفقهاء الشرعيين لعلهم يمكنهم أن يساعدوا في هذا السبيل؟”، فعقب السنهوري باشا بقوله: “لقد قمنا بما يمكن عمله في هذا السبيل، وأخذنا كل ما يمكن أخذه عن الشريعة الإسلامية مع مراعاة الأصول الصحيحة في التقنين الحديث ولم نقصر في هذا” فردَّ عبد الوهاب باشا قائلاً: “أنا كرجل يؤمن بالكتاب المنزل، وكرجل درس الشريعة الإسلامية كما درس المعاملات فيها، أرى أن ما فيها ما يتسع لكل شيء”، فدعاه السنهوري باشا لزيارته ليبحث معه الموضوع واثقًا من أنه سيقتنع(36)!
وهكذا انتهت النقاشات إلى إبقاء نص المادة الأولى كما هي دون تعديل وبقيت مبادئ الشريعة الإسلامية كما هي مصدرًا تاليًا للتشريع والعرف، وكان من غير المحتمل أن ينتهي الأمر إلى غير ذلك في ضوء السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي جرى فيها إعداد المشروع ومناقشته وإصداره، حتى إنه قد بدأ إعداده مع تكرم الأوروبيين بإلغاء نظام الامتيازات الأجنبية، وتم إقراره مع قبولهم الاستجداء بإلغاء المحاكم المختلطة، فكيف كانت الحكومة المصرية ستقنع الدول العظمى باستمداد القانون المدني من الشريعة الإسلامية وحدها بعد أن سبق وتعهدت لهم باستمداد هذه القوانين من التشريع الحديث على الوجه المشار إليه سلفًا؟ وهل كانت تلك الدول ستسمح بنيل الشعب المصري استقلاله التشريعي كاملا حينئذ وهم أساسًا لم يُمكنّوه من نيل استقلاله السياسي والاقتصادي والثقافي!
على أية حال فإن المتأمل في مناقشات البرلمان يلمس أنه حتى في ظل السياق المعادي لتحقيق استقلال تشريعي وقضائي حقيقي في مصر “المحتلة”، كان يمكن استبدال السجالات حول دور الشريعة الإسلامية بعمل موحد وجاد بين الأطياف المختلفة في هذا السبيل، لا سيما وأننا لم نلمس في هذه المناقشات عداءً حقيقيًا تجاه مرجعية الشريعة، بدليل أن رئيس لجنة إعداد القانون المدني نفسه –وهو العلامة د. عبد الرزاق السنهوري باشا- كثيرًا ما عبَّر -قولا وعملا- عن حبه للشريعة الإسلامية وحلمه بأن تكون هي المصدر الوحيد للتشريع، وأن تأخذ مكانتها التي تستحقها في القانون المقارن، ولكنه مع الأسف لم يستمع إلى نصائح مخالفيه، ولم يتعاون معهم في دعم دور الشريعة في القانون الجديد، رغم أنهم طلبوا منه أكثر من مرة الاستعانة بممثلين لهيئة كبار العلماء في لجنة القانون المدني، خاصة وأنه يدرك جيدًا بخبرته القانونية والشرعية الكبيرتين أنه كان يمكن الاعتماد على الشريعة الإسلامية في كثير من نصوص القانون الجديد أكثر من غيرها من المصادر الأجنبية التي اعتمد عليها، ولاسيما أنه كانت هناك تجارب سابقة بالفعل يمكن الاستفادة منها، مثل تقنينات محمد قدري باشا والفتاوى الهندية ومجلة الأحكام العدلية، والتي استفاد منها هو نفسه فيما بعد عند إعداد القانون المدني العراقي(37).
وعلى الجانب الآخر فإن الناظر إلى المحاولات التي سعت للتمكين للشريعة الإسلامية وللفقه الآخذ عنها واسترداد مرجعيتها التشريعية والقضائية، سيلاحظ أن بعضها لم يُراع بالقدر الكافي المناخ الذي توضع فيه التقنينات المصرية الجديدة، وعدم ملاءمة الدخول في صراع حول هذا الأمر إلا بالقدر الذي تسمح به وضعية البلاد مسلوبة الأرض والإرادة والحرية، فضلا عن أنهم كانوا مطالبين بأن يكونوا أكثر عمقًا في أطروحاتهم ليكونوا أكثر إقناعًا بتفوق الشريعة الإسلامية على القوانين المعاصرة، بدلا من تقديم مشروعات توصف بالسطحية وبأنها تُردد ما ورد في مشروع التقنين ولكن بغطاء إسلامي، بل وقد يلاحظ أنه حتى محاولة الشيخ سيد عبد الله حسين تَصُبّ في النهاية لصالح قانون نابليون لأنها تسبغ عليه شرعية كاملة باعتبار أنه مأخوذ من الفقه المالكي، على طريقة “بضاعتنا ردت إلينا”، وهي ليست بضاعتنا، ولا ترد إلينا، بل تسلبنا مرجعيتنا مستغلة لجهلنا وغفلتنا، وتضعها في يد دولة تابعة ومتسلطة تستغلها لإسباغ شرعية إسلامية على أعمالها وإجراءاتها المخالفة –غالبًا- لروح الشريعة الإسلامية ولقيمها ومبادئها!
وعلى أية حال فإن نص المادة الأولى من القانون المدني الجديد يحمد له أنه عاد بالشريعة الإسلامية فعليًا إلى مرتبة المصدر الرسمي بالنسبة للقاضي، حتى وإن كانت في مقام ضيق وتالية للتشريع والعرف، بعد أن كان قد تم حصرها في نطاق الأحوال الشخصية وحدها، كما أن النص عُدَّ سابقة تطورت فيما بعد إلى ورود نص دستور 1971، وفي الدساتير اللاحقة عليه، يستخدم ذات المصطلح الذي صَكَّه السنهوري باشا، وهو “مبادئ الشريعة الإسلامية”، ليجعلها مصدرًا رئيسًا للتشريع، فضلاً عن أن الشريعة الإسلامية قد استردت جزءًا من ريادتها كمصدر تاريخي وموضوعي في بعض من مواد القانون المدني الجديد، حيث استمد منها “كثيرًا من نظرياتها العامة وكثيرًا من أحكامها التفصيلية”(38) كما يقول الدكتور السنهوري، والذي أكد على أن هذا المشروع أدخل في شأن الشريعة الإسلامية “تجديدًا خطيرًا” بجعلها مصدرًا رسميًا من مصادر القانون المصري، وباعتبار أن “الفروض التي لا يعثر فيها القاضي على نص في التشريع ليست قليلة، فسيرجع القضاء إذن للشريعة الإسلامية، يستلهم مبادئها في كثير من الأقضية، وفي هذا فتح عظيم للشريعة الغراء، لاسيما إذا لوحظ ما ورد في المشروع من نصوص هو أيضًا يمكن تخريجه على أحكام الشريعة الإسلامية دون كبير مشقة. فسواء وجد النص أم لم يوجد، فإن القاضي في أحكامه بين اثنتين، إما أنه يطبق أحكامًا لا تتناقض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وإما أنه يطبق أحكام الشريعة ذاتها”(39).
ولكن هذا القانون برمته –على حد قول الدكتور السنهوري باشا نفسه كذلك- يبقى قانونًا “يمثل الثقافة المدنية الغربية، لا الثقافة القانونية الإسلامية”(40)، “وهو “يمثل الثقافة المدنية الغربية أصدق تمثيل، ويمثلها في أحدث صورة من صورها”(41)، ولم لا وقد اعتبر البعض أن هذا كان لزامًا على مصر تجاه الأوروبيين بالسير سيرتهم في الحكم والإدارة والتشريع مقابل إلغاء الامتيازات الأجنبية(42)؟!

خاتمة:

يتضح مما سبق كيف كانت ثورة 1919 مفتاحًا لحصول البلاد على استقلال (منقوص) أسفر عن تحولات في التشريع والقضاء اتسمت هي الأخرى باستعادتها سيادة البلاد عليهما جزئيًا، وخاصة بصدور أول دستور مصري كامل، وهو دستور 1923، والذي لم يتحقق مبتغى الحركة الوطنية منه، نتيجة انتهاكه مرارًا من قِبَل حاكم البلاد رسميًا (الملك فاروق)، وحاكمها فعليًا (المندوب السامي البريطاني)، إما عبر إصدار تشريعات في غيبة البرلمان “مكبلة” للدستور، لا “مكملة” له، أو باتخاذ إجراءات غير مشروعة تخرج عن أحكام الدستور خروجًا صريحًا، ولكن -في المحصلة النهائية -كان وضع البلاد بعد صدور الدستور أفضل من وضعها قبله، بفضل ما أوجدته ثورة 1919 من روح للتحدي والمقاومة لدى المواطنين جميعًا.
وكان من أهم الإنجازات التشريعية والقضائية التي حدثت فيما بين ثورة 1919 وثورة 1952 -كذلك- إلغاء الامتيازات الأجنبية، وما ترتب عليه من إلغاء للمحاكم المختلطة، وإصدار تقنينات جديدة بديلة عن تلك التي نقلت حرفيًا من القوانين الفرنسية، ومن ضمنها القانون المدني الذي أعاد للشريعة الإسلامية بعضًا من التواجد الذي حرمت منه منذ الاحتلال البريطاني لمصر، ولكنه كان غير كاف، ولا مقنع لكثير من المصريين، خاصة وأنه كان من الممكن توسعة الأخذ عن الشريعة الإسلامية دون إحداث ضجيج مستفز لقوى الاحتلال ولا للحكم الاستبدادي، ولكنه أمر لم يكن ليحقق الاستقلال التشريعي في الحقيقة، طالما أن البلاد لم تنل بعد استقلالها السياسي والثقافي والاقتصادي، ولم تمتلك تحديد مصيرها وفق ما لا يتعارض مع هويتها الثقافية والتشريعية والسياسية، وهو الهدف الأسمى للثورات المصرية جميعها، التي من الممكن أن نخلص الآن إلى أن تحولات التشريع والقضاء التي يمكن أن تسهم في تحقيقه، هي تلك التي تعض بالنواجز على نصوص دستورية -غير قابلة للتعديل خلال فترة انتقالية تبلغ ثلاثين عامًا على الأقل- تضمن حكم الشعب بنفسه لنفسه عبر إتاحة تداول السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة، تجري بإدارة وإشراف قضاء حر ومستقل عن السلطة السياسية، وتقدم ضمانات راسخة للحقوق والحريات العامة، تمكن الوطن عن اللحاق بالدول المتقدمة في احترامها لحقوق الإنسان وحمايته من القهر والهدر، وذلك بدلا من الدخول في صراعات لا جدوى منها، تستغلها الدولة في الإلهاء عن تسلطها، والتبرير لتغولها.
*****

الهوامش

* نُشرت هذه الدراسة على الموقع الإلكتروني لمركز الحضارة للبحوث والدراسات بتاريخ 13 أبريل 2019
(1) انظر في تفاصيل اعتراض البريطانيين والفرنسيين على اللائحة الأساسية (دستور 1882م) ما أورده المؤرخ عبد الرحمن الرافعي من إرسال الرقيبين الإنجليزي والفرنسي: كولفين ودي بلنيير بمذكرة مشتركة إلى قنصليهما في مصر بتاريخ 6 فبراير 1882م، بعد تعيين وزارة البارودي بيومين، وقبيل إعلان الدستور بيوم واحد، اعترضا فيها على هذا “الانقلاب” متبرمين من النظام الدستوري بأكمله، مصرحين بأنهم يفضلون حكم الخديوي ووزرائه على حكم نواب الشعب والجيش! (انظر: الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الرابعة، 1404 هـ/1983م، ص ص 205-207).
(2) انظر النص الكامل لتصريح 22 فبراير في: عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية – ثورة 1919م، (القاهرة: دار المعارف، الطبعة الرابعة، 1407هـ/1987م)، الجزء الأول، ص ص 62-63.
(3) انظر في تفاصيل تشكيل هذه اللجنة وأسماء أعضائها: في أعقاب الثورة المصرية – ثورة 1919م، المصدر السابق نفسه، ص ص84-85.
(4) عبد الرحمن الرافعي، المصدر السابق ، ص85.
(5) كتب د. يحيى الجمل مؤكدًا على أن دستور 1923 كان “نتيجة مباشرة لثورة 1919” انظر: النظام الدستوري في جمهورية مصر العربية مع مقدمة في دراسة المبادئ الدستورية العامة (القاهرة: دار النهضة العربية، 1974م) ص107.
(6) مجلس الشيوخ: الدستور: تعليقات على مواده بالأعمال التحضيرية والمناقشات البرلمانية (القاهرة: مطبعة مصر، 1940م)، ج3، ص3381.
(7) عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب ثورة 1919، المصدر السابق، ص117.
(8) انظر لمزيد من التفاصيل: عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب ثورة 1919، المصدر السابق، ص ص117-147.
(9) انظر: د. محمد محمد نور فرحات، ود. عمر فرحات، التاريخ الدستوري المصري- قراءة من منظور ثورة يناير 2011، (الدوحة- قطر: مركز الجزيرة للدراسات، بيروت- لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، 1432 هـ/2011م)، ص35.
(10) تنطبق هنا على الحال في مصر مقولة الفقيه القانوني الفرنسي (بوردو): “هناك دول بها دستور وهناك دول دستورية، والثانية فقط هي التي يوجد بها نظام ديمقراطي دستوري” [نقلا عن: أ. د. يحيى الجمل، حصاد القرن العشرين في علم القانون (القاهرة: دار الشروق، 1427 هـ – 2006م)، ص110].
(11) عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب ثورة 1919، (القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، 1409ه/1989م) الجزء الثالث، ص44.
(12) عبد الرزاق أحمد السنهوري، وأحمد حشمت أبو ستيت، أصول القانون -أو المدخل لدراسة القانون (القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط 1950م)، ص216. وانظر كذلك في تفاصيل جهود نوبار باشا –بتوجيه من الخديوي إسماعيل -لإقناع الدول الأوروبية الكبرى بالموفقة على استبدال المحاكم المختلطة بالمحاكم القنصلية: مذكرات نوبار باشا، القاهرة: دار الشروق، 2008م.
(13) عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، (بيروت: دار الجيل، د.ت ج2)، ص209.
(14) انظر: د. محمد نور فرحات، البحث عن العقل -حوار مع فكر الحاكمية والنقل، سلسلة “كتاب الهلال”، (القاهرة: دار الهلال، العدد 560، أغسطس 1997م)، ص ص 239، 247.
(15) راجع: د. محمد نور فرحات، المصدر نفسه، ص247؛ وكذلك: سيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي- مقارنة بين الفقه الفرنسي ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه، دراسة وتحقيق: مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية: أ. د. محمد أحمد سراج، وأ. د. علي جمعة محمد، وأ. أحمد جابر رضوان (القاهرة: دار السلام،1421هـ/2001م)، مج1، ص ص41- 42.
(16) طارق البشري، في المسألة القانونية المعاصرة- الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، (القاهرة، دار الشروق، 1417هـ/1996م)، ص16.
(17) سيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي، مصدر سابق، ص ص42- 43.
(18) انظر: عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي (القاهرة، دار المعارف، الطبعة الرابعة، 1404ه/1983م)، ص68.
(19) راجع: عبد الرزاق أحمد السنهوري، أصول القانون، مصدر سابق، ص ص200- 203، وسيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي، مصدر سابق، ص43.
(20) راجع محضري جلستي مجلس النظار في الثاني من نوفمبر، والواحد والعشرين من ديسمبر عام 1882م (نقلاً عن المستشار طارق البشري، الوضع القانوني..، مصدر سابق، ص56).
(21) لعل من أوضح الأدلة على استهداف المحتل البريطاني نفسه -من بدايات احتلاله لمصر- إحلال المحاكم الأهلية محل المحاكم الشرعية، ما صرح به اللورد كرومر –وهو القنصل البريطاني والحاكم الفعلي لمصر في الفترة منذ علم 1883 حتى 1907م- في رسالته –عام 1896م- إلى رئيس وزراء بريطانيا آنذاك (اللورد ساليسبري) “ثمة علاج أوحد وفعال للموقف، وهو إلغاء المحاكم الشرعية بوصفها مؤسسة مستقلة كليًا، ونقل ولايتها القضائية إلى المحاكم المدنية العادية. وهو ما قد تم في الهند قبل عدة سنوات، وأنا لن أيأس أبدًا من تحقيق تغير مشابه لم يسبق له الحدوث في مصر”. نقلاً عن: عزة حسين، سياسات تقنين الشريعة، النخب المحلية، والسلطة الاستعمارية، وتشكل الدولة المسلمة، ترجمة: باسل وطفة، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2019م)، ص287..
(22) ج. ن. أندرسون، “الإصلاحات القانونية في مصر- 1850- 1950، ترجمة دكتور رضوان السيد، مجلة الاجتهاد، ع 3، ربيع 1989م، بيروت: دار الاجتهاد، ص277، وكذلك: د. شفيق شحاتة، الاتجاهات التشريعية في قوانين البلاد العربية، (القاهرة، جامعة الدول العربية: معهد الدراسات العربية، سنة 1960)، ص42.
(23) انظر: د. شفيق شحاتة، المصدر السابق، ص43.
(24) الحكومة المصرية- وزارة العدل، القانون المدني- مجموعة الأعمال التحضيرية، (القاهرة: مطبعة دار الكتاب العربي، غير مبين سنة النشر أو رقم الطبعة)، الجزء الأول، ص5-6.
(25) علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام، (القاهرة، مطبعة مصر، 1343هـ – 1925م)، ص13.
(26) انظر في تفاصيل هذا السجال: د. محمد عمارة، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، سلسلة في التنوير الإسلامي “19”، القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، أبريل 1998م.
(27) والملفت أن من أبرز من واجهوا تلك الحملة على نظام الوقف –أيضًا- الشيخ محمد بخيت المطيعي –رحمه الله- الذي عقب على تلك الحملة المغرضة بقوله: “لو جاز لولاة الأمور إبطال الأوقاف … لجاز لهم أن يبطلوا جميع الأحكام، شرعية كانت أو أهلية، وذلك فتح لباب الفساد والفوضى” محاضرة الشيخ محمد بخيت المطيعي في نظام الوقف، (القاهرة، المطبعة السلفية، 1928م)، ص13. وانظر في تفاصيل هذه المعركة حول نظام الوقف، كلاً من: د. إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، (القاهرة: دار الشروق، 1419 هـ- 1998م)، ص ص425- 434، ومليحة محمد رزق، التطور المؤسسي لقطاع الأوقاف في المجتمعات الإسلامية- دراسة حالة جمهورية مصر العربية، (الكويت: الأمانة العامة للأوقاف، سلسلة الدراسات الفائزة في مسابقة الكويت الدولية لأبحاث الوقف -8-، 1427هـ/2006م)، ص ص124- 130.
(28) سيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي، مصدر سابق، ص ص61-62.
(29) المصدر نفسه، ص54، 57، 58 (بتصرف واختصار).
(30) الحكومة المصرية- وزارة العدل، القانون المدني- مجموعة الأعمال التحضيرية، مصدر سابق، ص ص 48، 45.
(31) الحكومة المصرية- وزارة العدل، القانون المدني- مجموعة الأعمال التحضيرية، المصدر نفسه، ص86.
(32) القانون المدني- مجموعة الأعمال التحضيرية، مصدر سابق، ص88.
(33) القانون المدني- مجموعة الأعمال التحضيرية، مصدر سابق، ص85-86. وقد علق د. السنهوري في موضع آخر على هذه المحاولة بأن هؤلاء حاولوا أن يستبقوا الحوادث “فدرسوا الشريعة الإسلامية دراسة سطحية فجة، لا غناء فيها، وقدموا نموذجًا يشتمل على بعض النصوص في نظرية العقد، زعموا أنها أحكام الشريعة الإسلامية، وهي ليست من الشريعة الإسلامية في شيء”. الوسيط في شرح القانون المدني، مصدر سابق، ص48، هامش رقم (1).
(34)المصدر السابق، ص ص112- 115.
(35)المصدر السابق، ص ص115- 116.
(36)المصدر السابق، ص ص159- 160.
(37) كان للسنهوري باشا فضل كبير في الدراسات المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون، وطبق ذلك في القوانين المدنية التي وضعها بعد ذلك، لاسيما في القانون المدني العراقي، وكذلك في بعض مؤلفاته الأخرى (انظر تفصيل ذلك في كتاب “إسلاميات السنهوري” الذي أعده د. محمد عمارة في مجلدين كاملين- مرجع سابق).
(38) د. عبد الرزاق السنهوري، “وجوب تنقيح القانون المدني وعلى أي أساس يكون هذا التنقيح”، مقال منشور في: د. محمد عمارة، إسلاميات السنهوري باشا، القاهرة: دار الوفاء، الطبعة الأولى، 1426ه/2006م، ج1، ص ص472-473.
(39) المصدر نفسه، وكذلك: القانون المدني- مجموعة الأعمال التحضيرية، مصدر سابق، ص20.
(40) راجع مقاله المعنون: القانون المدني العربي، إسلاميات السنهوري باشا، مصدر سابق، الجزء الثاني، ص541.
(41) المصدر نفسه، ص542.
(42) انظر ما كتبه الدكتور طه حسين (1306 – 1393 هـ/1889 – 1973 م) في هذا الشأن: “.. فالتزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة، ونسلك طريقها في التشريع التزمنا هذا كله أمام أوروبا. وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال (عام 1936 م) – ومعاهدة إلغاء الامتيازات – (عام 1937 م) إلا التزاما صريحا قاطعا أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة والتشريع؟” (مستقبل الثقافة في مصر، القاهرة: دار المعارف، ط2، 1996م.ص34).

 (1) الأصل في الشرائع كلها أنها وضعت لخير الإنسان – أفرادا كانوا أو جماعات – لا فرق في ذلك بين شريعة قديمة وحديثة، ولا بين سماوية ووضعية؛ فكلها تسعى إلى غاية واحدة، وهي حماية المجتمع بضمان أمنه وكفالة استقراره وتقدمه، وحماية أفراده بالمحافظة على حقوقهم. ويمكن القول بأن المقصد الكلي لكل تشريع هو درء المفاسد وجلب المصالح، وإن تميزت الشرائع السماوية بأنها تهدف كذلك إلى تحقيق سعادة الإنسان في الحياة الآخرة.

 (2) غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تطابق الشرائع كلها، فما زالت الشرائع رغم اشتراكها في الغاية أو المقصد الكلي متباينة في بعض أحكامها. ويرجع هذا التباين إلى سببين: الأول اختلاف الأنظار في تحديد ما يعد مفسدة وما يعد مصلحة، لاتسام كلتيهما بالنسبية؛ فما تراه بعض الشرائع مصلحة قد يراه البعض الآخر مفسدة، والعكس صحيح. والثاني تباين الآراء في اختيار أمثل الطرق لدرء المفاسد وجلب المصالح. على أن اختلاف الشرائع فيما بينها لا يبلغ حد القطيعة أو التناقض الشامل، بل المشاهد أن ما بين الشرائع من التوافق هو أكثر مما بينها من التباين والتنافر وذلك لوحدة العقل البشري، وهو فرع من وحدة الأصل الإنساني.

ويعلل العز بن عبد السلام هذا التوافق بأن معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل في معظم الشرائع، إذ لا يخفي على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، واتفق الحكماء وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال، وإن اختلف في بعض ذلك فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان، فيتحير العباد عند التساوي، ويتوقفون إذا تحيروا في التفاوت والتساوي.[1]

ويشرح العز أسباب التوافق والتباين بين الشرائع فيقول: المصالح ثلاثة أقسام: أحدها واجب التحصيل، فإن عظمت المصلحة وجبت في كل شريعة، والقسم الثاني مندوبة التحصيل، والثالث مباحة التحصيل … والمفاسد ثلاثة أقسام: أحدها ما يجب درؤه، فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في كل شريعة كالكفر والقتل والزنا والغصب وإفساد العقول، والقسم الثاني ما تختلف فيه الشرائع، فيحظر في شرع ويباح في آخر تشديدًا على من حرم عليه وتخفيفًا على من أبيح له، والثالث ما تدرؤه الشرائع كراهية له.[2]

وهذا النظر سديد؛ فثم مصالح لا يختلف العقلاء في وجوب تحصيلها، ومفاسد لا يختلفون في وجوب درئها، وثم مصالح ومفاسد تتفاوت أنظار العقلاء في شأنها. ثم الحال في الطائفة الأخيرة معتبرة حتى عند الجماعة الواحدة تبعًا لاختلاف الأحوال والأزمان.

(3) واختلف الرأي في الأداة التي تتحدد بها المصلحة والمفسدة. أما الشرائع الوضعية فلا خلاف في أن العقل فيها هو المحكم، فهو وحده الذي يحدد المصلحة الواجب حفظها أو جلبها والمفسدة الواجب درؤها. أما فقهاء الشريعة فجمهورهم على أن الشرع هو المحكم؛ فما اعتبره الشرع مصلحة فهو مصلحة، وما اعتبره مفسدة فهو كذلك.

على أن ذلك لا يعني أنهم أسقطوا دور العقل. يقول العز بن عبد السلام: «إن مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته».[3] فهو يرى أن العقل والشرع لا يختلفان في معرفة المصالح والمفاسد إلا أن تفسد فطرة الإنسان أو يصاب طبعه بحول، فهو عندئذ إما جاهل غلبت عليه الشقاوة أو أحمق زادت عليه الغباوة.[4]

وغالى بعض الفقهاء في دور العقل حتى إن منهم من عده من مصادر الأدلة الشرعية كالمعتزلة، بل لقد قدمه البعض على النص والإجماع كالطوفي، فهو يفرق في رسالته عن رعاية المصلحة بين العبادات والمعاملات، ويرى أن المعول عليه في العبادات والمقدرات هو النص والإجماع، أما المعاملات وباقي الأحكام فالمعول عليه فيها مصالح الناس، لأن العبادات حق للشرع خاص به ولا يمكن معرفة حقه كيفا وكما وزمانا ومكانا إلا من جهته بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسة شرعية وضعت لمصالحهم فكانت هي المعتبرة. وتحسَّب الطوفي لاعتراض قد يتجه إليه ودفعه بقوله: ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالح الناس فلتؤخذ من أدلته، لأن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فليقدمها في تحصيل المصالح، وإنما يقال هذا في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل.[5]

غير أن الشاطبي – وهو لا ينكر دور العقل في تعرف المصالح والمفاسد وفي الترجيح بينها عند تعارضها – لا يضع العقل في الصدارة ولا يعتبر دوره حاسمًا، بل يجعل هذا الدور محدودًا، إذ يقول إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له؛ فقد يكون ساعيًا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها عاجلاً لا آجلاً، أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تربى في الموازنة على المصلحة، فلا يقوم خيرها بشرها. ويقول: فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فإذا كان ذلك كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال، بخلاف الرجوع إلى ما خالفه[6]. وحذر الشاطبي من التعويل على العقل وحده، لأن الأحكام إنما وضعت لمصالح العباد على حسب توقيف الشارع وعلى الحد الذي حده، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم، إذ يترتب على توارد الأهواء والأغراض على الشيء الواحد انخرام النظام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنين: 71]. ويستدل الشاطبي على صحة رأيه بأنه لو كان الأمر على ما قاله المخالفون بإطلاق لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة وحدها، وذلك لم يكن.[7]

وما قرره الشاطبي في هذا الخصوص صحيح في الجملة، غير أنه جعل العقل مرادفًا للأهواء والشهوات وهو ما لم يقصده المخالفون على التحقيق. فهم لم يقصدوا عقل آحاد الناس، بل قصدوا العقل الجمعي، ثم إنهم لم يجعلوا هذا العقل شاملاً عقل العوام، بل قصروه على عقل الفئة الرشيدة. لكن هذا كله ليس من شأنه دفع وجوه النقد التي أثارها الشاطبي. وقد أصاب حين عارضهم بأنه لو كان الأمر على ما قالوا ما كان الشرع بحاجة إلى تبيان مصالح الدنيا ومفاسدها اكتفاء بحكم العقل وحده. وفضلاً عن ذلك فقد أثبت الواقع أن الناس لو تركوا لعقولهم وحدها فليس من المحتم أن يهتدوا إلى كل المصالح الحقيقية والمفاسد الحقيقية، وألا يخلطوا بينها. والدليل على ذلك – كما يقول الشاطبي – أنه لما جاء الشرع بعد زمان فترة تبين منه ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام[8]. والشواهد على صحة هذا النظر كثيرة، فقد كان العرب يئدون النبات وينكحون نساء الآباء ويستحلون الربا، وكان قوم لوط يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وكان الناس يعبدون الأوثان ويسفهون من يدعوهم إلى التوحيد ويقولون مستنكرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، ونحو ذلك كثير.

والمسلّم أن الله لا يفعل شيئًا عبثًا، فهذا يتنافى مع حكمته. وقد خلق الإنسان وأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين، وشرع له أحكامًا تنظم علاقته بربه وبسائر خلقه. ولا شك أن خالق الإنسان أدرى منه بما يصلح أمره. وإذا كان قد خلقه وزوده بالعقل ولم يكله مع ذلك إلى عقله في كل أمره، بل امتن عليه فشرع له من الدين ما أوحى به إلى رسله، ثبت أن شرع غيره أدنى من شرعه، وأنه لا يحقق خير الإنسان كما يحققه شرع ربه وذلك لسببين، الأول أن الله لا يعود عليه من شرعه نفع لنفسه، والثاني أنه عليم مطلق العلم حكيم مطلق الحكمة، فما يأمر به خير وما ينهى عنه شر. أما شريعة البشر فإن واضعها مهما يتمسك بالحيدة – حقيقة أو تظاهرا – فليس في وسعه أن يتحرر كلية مما هو كامن في نفسه من نزوع إلى تحقيق مصلحته الشخصية أو مصلحة فئته التي يمثلها أو حتى شعبه الذي ينتمي إليه، ولو أدى ذلك إلى غمط حقوق غيره أو غير فئته أو الشعوب الأخرى. كذلك فإن واضعي شرائع البشر – وفيهم قصور البشر – لا يحيط علمهم بوجوه المصالح كما يحيط بها علم الله، ولا تبلغ حكمتهم في الموازنة والترجيح بينها عند التعارض مبلغ حكمة الله.

المقاصد الشرعية

(4) لم يلزم فقهاء الشريعة جميعًا مصطلح المقاصد فيما كتبوه، لكنهم عبروا عن هذا المعنى بعبارات تختلف في لفظها وتتفق في مدلولها. فقيل هي جلب المصالح ودرء المفاسد، وقيل هي الأصول التي اعتبرها الشارع في التشريع وتكون أساسًا لدليل القياس، وقيل هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو في معظمها، وقيل هي الأهداف التي شرعت الأحكام لتحقيقها، سواء كان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أو عن طريق دفع المضار.

(5) وحصر قدامى الفقهاء مقاصد الشرع في عدد محدود غايته المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوتها فهو مفسدة. وتحفظ بعض الفقهاء على هذا الحصر ورأوا أن رعاية هذه المصالح لا تستغرق مقاصد الشرع، لأنها أرحب من ذلك، ومن ثم فقد زاد بعضهم مقصدًا أو أكثر.

ويبدو لي أن الفقهاء الذين حصروا مقاصد الشرع فيما أسموه الضروريات الخمس لم يعتمدوا في ذلك على استقراء جملة أحكام الشريعة، وهي الطريقة المثلى في استنباط المقاصد، بل سلكوا مسلكًا أراه محل نظر. وأغلب الظن أنهم ركزا اهتمامهم على طائفة من الجرائم هي التي عاقب الشارع عليها حدًا أو قصاصًا، ورأوا أنه ما دام الشارع قد عنى بالنص عليها صراحة فما ذلك إلا لأنها في تقديره أشد الجرائم جسامة، وأن جسامتها ناشئة من مساسها بأخطر المصالح، واستنتجوا من ذلك أن رعاية هذه المصالح هي مقصوده الأساسي، فقالوا إن حد الردة شرع للمحافظة على الدين، والقصاص والدية للمحافظة على النفس، وحد الشرب للمحافظة على العقل، وحد الزنا والقذف للمحافظة على النسل – عند البعض وعلى النسل والعرض عند آخرين – وحد السرقة والحرابة للمحافظة على المال.

وربما زكى هذا النظر لدى الفقهاء أن الشارع أفرد هذه الجرائم بأحكام خاصة، فعنى ببيان طريقة إثباتها وتحديد عقوبة كل منها – نوعًا ومقدارًا – وكيفية تنفيذها، وحظر زيادتها أو نقصها أو إبدالها، ومنع العفو عند الحد إذا بلغ الإمام، واختلف الرأي في أثر التوبة على العقوبة عدا توبة المحارب قبل القدرة عليه.

(6) والراجح لدينا أن عناية الشارع بتنظيم أحكام الحدود والقصاص لا يتأذى منه بالضرورة أن هذه الجرائم هي أشد الجرائم خطورة ولا أن عقوباتها هي أشد العقوبات جسامة، ولا أن رعاية المصالح التي تنال منها هذه الجرائم هي كل مقصود الشرع. والدليل على ذلك أن السرقة وهي عدوان على المال معاقب عليها بقطع اليد، ومع ذلك فإن خيانة الأمانة والنصب لا قطع فيهما رغم اتحادهما مع السرقة في علة القطع وهي العدوان على المال. ولا يعترض بأن صاحب المال في السرقة لم يفرط، بل بذل في صون ماله غاية جهده فحفظه في حرز فكان إمعان الشرع في حمايته أوجب، بخلاف الحال في خيانة الأمانة والنصب لأن صاحب المال في الحالين مفرط، إذ لم يحتط لماله بالقدر الواجب، بل وضع ثقته فيمن ليس أهلاً لها في الحالة الأولى، وتخلى عن ماله بغير روية في الثانية. فهذا الاعتراض مردود بأنه لا يطرد، فقد تقوم ضرورة ملجئة لا يجد صاحب المال إزاءها من يعهد إليه بماله سوى من ائتمنه، وقد يكون صاحب المال سليم الطوية والنصاب واسع الحيلة فيكون الأول معذورًا إذا انطلت عليه حيلته. وإذا جازت المنازعة في ذلك فما القول فيمن يحفظ متاعه في حرز فينتهكه الجاني ثم لا يخرج منه شيئًا، بل يتلف فيه ما يبلغ نصابًا، والإجماع على أنه لا يقطع! هذا من جهة الفعل، أما من جهة العقوبة فالمقرر أن عقوبة زنا غير المحصن الجلد مائة، وعقوبة القذف ثمانون، وعقوبة الشرب أربعون، ومن غير المقبول أن تكون هذه العقوبات هي أشد العقوبات جسامة، وإلا امتنع العقاب تعزيرًا بما هو أشد منها، وهو غير مسلم من جمهور الفقهاء؛ فهم يجيزون التعزير حتى بالقتل في بعض الجرائم. ولا سوغ القول بأن الشرع يحظر العقاب على الرشوة والتزوير والحريق والاتجار بالمخدرات وخطف الإناث والتجسس لصالح الأعداء بما هو أشد من الجلد أو بما يجاوز الأربعين جلدة. وشذوذ هذه النتائج فرع من شذوذ القول بأن جرائم الحدود والقصاص هي أخطر الجرائم وأن عقوباتها هي أشد العقوبات جسامة، وأن مقاصد الشرع تنحصر كلها في المصالح التي تهدرها تلك الجرائم.

والطريقة المثلى لاستقصاء مقاصد الشرع يجب أن تتجاوز هذه النظرة الضيقة وأن تتسع لتشمل جملة أوامر الشرع ونواهيه، لأن الشرع لا يأمر إلا بما يحفظ أو يحقق مصلحة ولا ينهى إلا عما يعد مفسدة. ومن جماع الأوامر والنواهي يمكن استنباط سائر المقاصد.

(7) وقد أشرنا إلى أن من الفقهاء من لم يقنع بالمقاصد التي تمثلها الضروريات الخمس، بل سعى إلى إضافة مقاصد أخرى. وبدا لي من واقع اهتمامي بالتشريع الجنائي الإسلامي أن المقصد الذي تدور حوله عامة أحكام هذا التشريع أو أصوله هو العدل. وهذا لا يعني أن هذا المقصد أكثر وضوحًا في هذا المجال منه في سائر المجالات، بل الصحيح أنه شديد الوضوح فيها جميعًا، بل لعل له الصدارة على غيره من المقاصد في كل الأحكام، وذلك لسبب بسيط هو أن أحكام الشريعة أوامر ونواه، ولكل أمر أو نهي جزاء، والعدل لا ينفك عن الجزاء. ولهذا فإنه مما يجري على ألسنة الفقهاء أن العدل عماد الشريعة، كما أن التوحيد عماد العقيدة. والعدل مركوز في الفطرة الإنسانية، ولذلك فالشرائع كلها تقره ولا تقرره، أي أنها تنزل على حكمه ولا تنشئه. وإذا كانت للجسد حواس فللعقل مثلها، ومن هذه الحواس حاسة العدالة. ولما كان الإسلام دين الفطرة فمن الطبيعي أن تكون أحكامه أكثر انسجامًا مع فكرة العدل.

(8) ولا يتسع المقام هنا لإيراد النصوص التي تؤكد هذا المقصد، فهي أكثر من أن يحيط بها الحصر، ويكفي أن العدل هو أحد أسماء الله الحسنى. وإنما يقتصر بحثنا على بيان الدور الذي يؤديه مقصد العدل في تقرير وفي ضبط كثير من الأحكام في المجال الجنائي. ويحسن التنبيه هنا إلى أننا لا نسعى في هذه الدراسة إلى استقصاء كل الأحكام الجنائية التي تتجلى فيها فكرة العدل، فهي لا تكاد تنفك عن أي حكم، ولكننا نعرض فقط لطائفة منها يبدو فيها مقصد العدل أكثر وضوحًا ونتناولها بالقدر اللازم لإبراز هذا المعنى.

أولا: مبدأ الشرعية

(9) يتردد هذا المبدأ في الدساتير المعاصرة، ومنها الدستور المصري، فقد نصت المادة 67 منه على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون. وهذا المبدأ مقرر في الشريعة الإسلامية بوجه عام، وهو من القواعد الكلية التي تدل عليها النصوص. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: 59]. وهذه القاعدة يمليها العدل، لأن الأصل في الأفعال الإباحة، وأنه لا تكليف قبل ورود الشرع. فمتى أريد حظر فعل أو الإلزام لفعل فالعدل يوجب إعلام المخاطب أولاً بالأمر أو بالنهي، وإلا كانت مفاجأته بالعقاب ظلمًا. وقد أراد الشرع بالنذارة قبل العقاب أن يقطع الحجة على العصاة، ولهذا قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى تنزيها لذاته عن الظلم: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: 134]. والمعنى أنه لو جاز أن يحاسب الإنسان عما لم يكلف به لانخرمت العدالة وكان لعتابه على من يحاسبه وجه.

(10) وقد طبقت هذه القاعدة بصرامة بالنسبة لطائفة من الجرائم وهي الحدود والقصاص، فقد تعينت أفعالها وتحددت عقوباتها. وقد يظن أن القاعدة انحسرت عن التعازير، اعتمادًا على أنه لا توجد نصوص تفصيلية بشأنها تحدد الأفعال المجرمة والعقوبة المقررة لكل منها، وأن لولي الأمر بناء على ذلك أن يؤدب من يشاء على ما يشاء بما يشاء، فهذا القول فيه إطلاق تأباه مبادئ الشريعة وروحها. والمتفق عليه أنه لا تعزير إلا في معصية، والمعصية هي فعل المحظور أو ترك الواجب. والأمر والنهي يقتضيان نصًا، فلا جريمة إذن بغير نص. وبهذا يسلم شطر القاعدة الأول. أما الشطر الثاني وهو تحديد العقوبة فقد دل العمل على ولاة الأمر لم يكونوا يحرصون على إعلام المخاطبين سلفًا بالعقوبة المقررة لكل معصية. غير أن ذلك لا يعني أن أصول الشرع تحظر عليهم ذلك وتخولهم سلطة العقاب دون سبق نذارة، بل إن روح الشرع توجب النص على العقوبة، لأن هذا هو ما يقتضيه العدل حتى يكون كل امرئ على بينة من أمره، وكي لا يختل ميزان العدل إذا ترك الأمر لمطلق تقدير ولي الأمر في كل حالة على حدة؛ فقد يفضي ذلك إلى اختلاف مصائر المتهمين باختلاف أولي الأمر وما قد يعتريهم من أهواء. ومن هذا نرى أن قاعدة الشرعية مقررة في شطرها الأول في الشرع، وأنها في شطرها الثاني مقررة في طائفة من الجرائم، ولا يتعارض إعمالها في سائر الجرائم مع الشرع، بل إن إعمالها فيه أكثر اتفاقًا مع مقصد العدل.

(11) ويتفرع عن مبدأ الشرعية مبدأ آخر هو عد الرجعية، وهو مقرر كذلك في الشريعة الإسلامية، ويعتمد في أساسه على العدل؛ فالعدل يأبى أن يعاقب شخص عن فعل أتاه أو امتنع عن إتيانه إلا إذا كان ما وقع منه تاليًا لصدور الأمر أو النهي، لأن تكليفه بالامتثال قبل ذلك تكليف لما لا يطاق. فإذا عوقب رغم ذلك كان هذا هو الظلم بعينه. وثمة شواهد من النصوص على ذلك، قال تعالى في سورة النساء بيانًا للمحرمات: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: 22]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ … وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الآية: 23]، فدل ذلك على ما وقع قبل ذلك لا إثم فيه ولا جزاء عليه.

(12) وقد ذهب بعض المحدثين إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تأبى أن يكون للنصوص الجنائية أثر رجعي في بعض الأحوال إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، وعلى الأخص بالنسبة للجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام والنظام العام. واستدل على ذلك بأن الرسول ﷺ أقام الحد على قذفة عائشة رغم أن ما وقع منهم كان سابقًا على نزول آية القذف في سورة النور، وأنه أقام حد الحرابة على العرنيين رغم أن ما وقع منهم كان سابقًا على نزول آية الحرابة في سورة المائدة.[9] وقد حقق الدكتور محمد سليم العوا الواقعتين وأثبت أن ما وقع من قذفة عائشة كان تاليًا لنزول آية القذف، وأن عقاب العرنيين لم يكن حدًا، بل كان تعزيرًا طبقًا للقواعد العامة التي توجب معاملة الجاني بمثل ما فعل، وذلك عملاً بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾.[10]

وعندنا أنه إذا اختلف الرأي في مثل هذه الأحوال ولزم الترجيح فيجب أن يكون الرجحان من نصيب الرأي الذي يتفق أكثر من غيره مع مقاصد الشرع، وهو هنا مقصد العدل. ولا شك أن العدل ينخرم إذا جعل للنص أثر رجعي فعوقب الشخص حدًا لعدم امتثاله لحكم شرعي لم يكن قائمًا وقت إتيانه السلوك المحظور، لأن هذا يعني تكليفه بما لا يطاق، وهو العلم بما كان غيبًا في ذلك الوقت.

ونشير في هذا المقام إلى خطورة القاعدة التي صاغها الرأي المخالف، وهي إجازة رجعية النص الجنائي كلما اقتضت ذلك المصلحة العامة خروجًا على الأصل المقرر، وهو حظر الرجعية. فهذا الرأي يفتح باب الشر واسعًا للحكام الظلمة للالتفاف حول أحكام الشرع بدعوى المصلحة. وإذا كان الله – وهو أعدل العادلين – يتنزه عن عقاب عباده قبل أن ينذرهم، فكيف نبيح لغيره ما حرمه الله على نفسه! ولهذا فنحن نرى أن عدم رجعية النصوص المجرمة أصل مطلق في الشرع لا يقبل الاستثناء في أي حال.

ثانيا: مناط المسؤولية

(13) المسؤولية عبء لا يقوى كل شخص على حمله، وإنما يحمله من كان أهلاً لذلك، ولهذا فليس بمستبعد أن يقع الفعل المؤثم من شخص ثم لا يسأل عنه، لأن التلازم غير مطرد بين ارتكاب الجريمة وتحمل عقوبتها. وإذا كان العدل يقضي بعقاب الجاني، فهو يقضي في الوقت نفسه بأن يكون الجاني أهلاً لأن يسأل عن أفعاله. ولهذا فاستحقاق العقاب لا يرتهن فقط بارتكاب الجريمة، بل يرتهن كذلك بكون الجاني أهلاً لتحمل المسؤولية. ومناط المسؤولية في القانون الوضعي هو التمييز وحرية الاختيار. وقد قننت ذلك المادة 62 من قانون العقوبات المصري فنصت على أنه لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل.

والأمر كذلك في الشريعة الإسلامية؛ فمناط التكليف فيها هو العقل والاختيار. وضابط العقل فيها هو البلوغ والسلامة من الآفات العقلية، وضابط الاختيار حرية الإرادة والقدرة على الامتثال. ولهذا لا يسأل الصغير الذي لم يبلغ الحلم لعدم اكتمال عقله، ولا يسأل المجنون لزوال عقله، ولا يسأل المجنون لزوال عقله، ولا يسأل من أتى فعلاً محظورًا نتيجة إكراه تعرض له فأعطب إرادته أو عطلها لعدم اختياره. ذلك لأنه لا يكفي للعقاب إتيان مادة الفعل أو صورته، بل العدل يأبى عقاب من كان وقت ارتكاب الفعل فاقد العقل أو الاختيار.

(14) وقد يصاب الشخص بآفة تضعف لديه القدرة على الإدراك أو الاختيار دون أن يصل الضعف إلى حد الفقد التام. وبعض التشريعات الوضعية تعتبر هذا الضعف عذرًا يخفف العقاب، وبعضها يغفل شأنه ويعامل الجاني معاملة الشخص السوري. ويرى بعض المحدثين أن أصول الشريعة الإسلامية لا تسمح بالأخذ بفكرة التخفيف إلا في الجرائم التعزيرية، أما جرائم الحدود والقصاص فلا يصح فيها تخفيف العقوبة ولا استبدال غيرها بها لخطورة هذه الجرائم واتصالها الشديد بحياة الأشخاص وأمن الجماعة ونظامها.[11] ولدينا أن هذا الرأي محل نظر في شقة الأخير؛ فالمتداول على ألسنة الفقهاء أن الحد والقصاص عقوبة محضة فيستدعي جناية محضة، ويقصدون بهذا أنه لا ينبغي أن تخالط الجناية شبهة، فإن خالطتها درئت العقوبة. ولا شك أن ضعف الإدراك شبهة تلحق بالفاعل فتخل بكمال الشروط اللازمة لإيقاع العقوبة عليه. ولهذا فالراجح لدينا أن الحد والقصاص يندرئان في هذه الحالة – عدلاً – وإن كان ذلك لا يحول دون تعزير الفاعل بالعقوبة الملائمة.

ثالثا: العلم شرط لاستحقاق العقاب

(15) ينقسم العلم من حيث محله عند فقهاء القانون الوضعي قسمين: علم بالقانون وعلم بالواقع. أما الأول فمفترض في جانب المخاطبين كافة لمجرد نشر القانون في الجريدة الرسمية، فلا يعذر أحد لجهله به، ولهذا فالعلم الحقيقي به والجهل سواء. وأما العلم بالواقع فلا يفترض، غير أنه لا يدخل في نظرية المسؤولية الجنائية، بل يدخل في نظرية الركن المعنوي للجريمة. ولذلك فإن أثره يختلف باختلاف نوع الجريمة؛ فإن كانت عمدية فالجهل بالواقع ينفي القصد الجنائي، أما إن كانت غير عمدية فإن الجهل بالواقع لا ينفي الركن المعنوي إلا إذا استحال نسبة التقصير في تحصيل الواقع إلى الفاعل، إذ ينتفي الخطأ عندئذ في جانبه.

(16) وهذا التقسيم نفسه سبق إليه فقهاء الشريعة؛ فالعلم عندهم ينقسم إلى علم بالحكم الشرعي وعلم بالعين أي بالواقع. ويبدو مقصد العدل واضحًا فيما قدموه من حلول لمشكلة الجهل بالأمرين، وهو ما يفسر وجه الخلاف بينهم وبين فقهاء القانون الوضعي في بعض الأمور.

(17) ويرى فقهاء الشريعة أن العلم بالحكم شرط للتكليف، لأن تكليف من يجهل الحكم الشرعي بالامتثال له تكليف بما لا يطاق، وهو لا يستقيم مع عدل الله. يقول ابن حزم: اختلف الناس فيمن لم يبلغه الحكم الوارد من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الشريعة في خاص منها (أي في حكم بعينه) أو في جميعها: فقالت طائفة: كل أحد مأمور ومنهي ساعة ورود الأمر أو النهي، إلا أنه معفو عنه غير مؤاخذ بما لم يبلغه من الأمر والنهي، وقالت طائفة إن الله تعالى لم يأمر قط بشيء من الدين إلا بعد بلوغ الأمر إلى المأمور، وكذلك النهي ولا فرق، وأما قبل انتهاء الأمر أو النهي إليه فإنه غير مأمور ولا منهي. ويقول: وبهذا نقول لقول الله عزَّ وَجَلَّ: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾، ولقوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾. ثم يقول: فصح أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة إلى المنذر، وأنه لا يكلف أحد ما ليس في وسعه، وليس في وسع أحد علم الغيب في أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه، فصح يقينًا أن من لم تبلغه الشريعة لم يكلفها.[12] والخلاف الذي أشار إليه ابن حزم نظري بحت؛ فالفقهاء – مع اختلافهم – متفقون على أنه لا عقاب على من سلك على خلاف الأمر أو النهي إذا ثبت جهله بالأمر أو بالنهي. وإنما كان اختلافهم فيما إذا كان الفاعل في هذه الحال مكلفًا سقط الجزاء عنه لعذر الجهل، أو أنه لم يكلف ابتداء لعدم بلوغ الأمر أو النهي إليه، ولذلك فهم مجمعون على أن من جهل تحريم الزنا أو شرب الخمر لا حد عليه إن زنا أو شرب. ويروى أن رجلاً تضيف أهل بيت باليمن فأصبح يخبر الناس أنه زنى بربة البيت، فكتب إلى عمر رَضِيَ الله عَنْهُ، فقال عمر: إن كان يعلم أن الله حرم الزنا فحدوه، وإن كان لا يعلم فعلموه، فإن عاد فحدوه.

على أن الجهل المعتبر في نفي التكليف هو الجهل بالحكم الشرعي وحده، أي الجهل بالتحريم. فأما إن علم التحريم وجهل جزاء مخالفته فإن الجزاء لا يسقط عنه. وليس في هذا إخلال بمقصد العدل، إذ كان على المكلف – كما يقول الفقهاء – وقد علم بالتحريم أن يمتنع عن إتيان الفعل المحرم، فإذ لم يفعل فإنه يكون عاصيا جديرا بالعقاب. والحق أن العلم بنوع العقوبة ومداها لا اعتبار له في هذا المقام، لأنه إذا كان التحريم من خطاب التكليف، فإن استحقاق المكلف للعقاب عند مخافة التحريم هو من خطاب الوضع، فلا يلزم علم المكلف به. وهذا تطبيق لقاعدة فقهية حاصلها أن من علم تحريم شيء وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك.

(18) هذا عن الجهل بالحكم الشرعي، والأمر كذلك بالنسبة للجهل بالعين؛ فالمتفق عليه لدى الفقهاء أنه إذا قام الجهل في جانب الفاعل وكان محله ركنًا أو شرطًا لازمًا لثبوت التحريم فلا عقاب على الفاعل. وهذا ما يقتضيه العدل، لأن من أتى الفعل بحسن نية ليس كمن أتاه وهو على بينة من أمره وإن حقق كلاهما بفعله نفس المفسدة. ذلك أن الثاني آثم أما الأول فغير آثم، فلا ينبغي التسوية بينهما في مجال العقاب، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ولهذا قال الفقهاء: إن زفت إليه غير زوجته وقيل هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه، وكذلك إذا دعا زوجته فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه. وقال الفقهاء إذا شرب ما ظنه ماء أو دواء ثم ظهر أنه مسكر فلا حد عليه.

على أن الجهل بالعين إذ حال دون العقاب في الجرائم العمدية بإطلاق، كالحدود والقصاص، فإنه لا يحول دون التعزير في الجرائم غير العمدية ما لم يثبت أن الفاعل كان معذورًا في جهله، وأنه لم يأل جهدًا في تحري حقيقة الواقع، وأن الشخص العادي كان قمينًا أن يقع فيما وقع فيه لو أنه وجد مكانه. أما إذا كان الجهل ناشئًا عن خفة ورعونة أو عن تقصير وإهمال، فهذا الجهل لا يعفي من عقوبة التعزير، وإن كان العدل يوجب أن تكون هذه العقوبة أدنى من عقوبة من توفر العلم في جانبه، لأن الجهل والعلم لا يستويان واقعًا فلا يستويان حكمًا.

رابعا: شخصية المسؤولية

(19) هذا المبدأ من تجليات مقصد العدل. وربما بدا هذا المبدأ للفكر المعاصر من البديهيات التي تستغني عن التعليل والبرهان. غير أنه لم يكن كذلك فيما مضى، بل وإلى عهد قريب. فقد كانت بعض النظم القانونية لا تستنكف أن يمتد العقاب إلى غير الجاني، فكانت تجير فضلاً عن عقابه عقاب أفراد أسرته، وأحيانًا كل عشيرته، سواء كانوا ضالعين معه في الجريمة أو غير ضالعين، عالمين بفعلته أو غير عالمين، وسواء كان لهم عليه سلطان أم لم يكن. ولا شك أن هذا كان يتنافى مع العدل، لأن العدل يأبى امتداد العقاب إلى غير من أجرم. وقد أقرت الشريعة الإسلامية هذا المبدأ، والنصوص في شأنه تترى. من ذلك قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الآيتان 134 و141]، وقوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الآية: 164]، وقوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الطور: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الآية: 21]، وقوله ﷺ لأبي رمثة حين رآه مع ابنه: «أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه».

وتدل نصوص القرآن على أن هذا المبدأ لكونه من الفطرة فهو ليس من خواص الدين الإسلامي وحده، بل هو من خصائص شرع الله أيا كان الرسول المبلغ. قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 36 – 38].

(20) وقد توحي بعض النصوص بعدم اطراد هذا المبدأ وبجواز معاقبة الإنسان في بعض الأحوال عن إثم لم يقع منه، بل وقع من غيره. غير أن هذا الوهم لا يلبث أن يزول، إذ يتضح عند التأمل أن العقاب لم يكن بسبب فعل الغير، بل كان بمناسبته، وإنما وجب العقاب من أجل فعل آخر أتاه من استحق العقاب. من ذلك قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78 – 79]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. وليس في هذه الآيات وغيرها مما هو من قبيلها دليل على انخرام مبدأ شخصية المسؤولية، لأن العقاب فيها كان إما عن ارتكاب ذات المنكر أو على عدم التناهي عنه، وهو منكر بدوره.

(21) ومما يدل على أن امتداد العقاب إلى غير من أجرم يصادم الفطرة ويتنافى مع عدل الله ما ورد على لسان موسى عَلَيْهِ السَلاَم في سورة الأعراف: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الآية: 155]. وربما سبق إلى ظن موسى عَلَيْهِ السَلاَم في لحظة دهشة وذهول أن ما أصاب من معه كان بسبب اتخاذ بعض قومه من حليهم عجلاً جسدًا له خوار عبدوه من دون الله، أو بسبب قول فريق منهم أرنا الله جهرة، ولم يكن الأمر كما تبادر إلى ظنه. وينزه بعض المفسرين موسى عَلَيْهِ السَلاَم من هذا الظن، وينفون حمل سؤاله محمل التعجب، إذا لا يخفى عليه أن الله لا يهلك أحدًا بذنب غيره، ويؤولون سؤاله على أنه من باب الدعاء، أي لا تهلكنا، وذلك على غرار ما ورد في ختام سورة البقرة على لسان المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [الآية 286].

خامسا: المساواة

(22) من المعلوم أن القواعد التشريعية كلها – وضعية كانت أو شرعية – هي قواعد عامة، أي أنها تسري على كل من تتوافر فيه شروطها. والشروط التي وضعتها الشريعة الإسلامية لانطباق أحكامها شروط مجردة لا تميز إنسانًا على إنسان بسبب جنسه أو أصله أو لغته أو مكانته أو حتى بسبب دينه. وإنما هي تساوي في المعاملة بين الناس جميعًا.

ومبدأ المساواة يضرب بجذوره في الشريعة ويتغلغل في عامة أحكامها. ويرجع هذا إلى سبب جوهري صرحت به النصوص كثيرًا، وهو وحدة الأصل الإنساني؛ فلا يستقيم مع عدل الله وقد خلق الناس جميعًا من أب وأم واحدة أن يفضل بعضهم على بعض بحكم خلقته أو انتمائه إلى أسرة أو جماعة معينة فيقرر له حقوقًا يحجبها عن غيره. وإنما يتفاضل الناس لديه بأعمالهم، سواء في الدنيا أو في الآخرة. والنصوص التي تقرر مبدأ المساواة لا تحصى كثرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقال ﷺ في خطبة الوداع: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، وكلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب». ووصف ﷺ الناس بأنهم «سواسية كأسنان المشط» وقال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ولما تولى أبو بكر الخلافة خطب الناس فقال: «القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ له حقه». ويحفظ التاريخ قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وجبلة بن الأيهم، فقد ضرب محمد بن عمرو بن العاص مصريًا زاعمًا أنه ابن الأكرمين، فشكاه المصري إلى عمر فاستدعى عمرا وابنه وقال للمصري: «دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين»، وقال لعمرو مغضبًا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. أما جبلة بن الأيهم فكان من ملوك بني غسان بالشام، ولما أسلم قدم على عمر في رهط من قومه، وفيما هو يطوف بالكعبة وطئ أعرابي رداءه فلطمه، فشكاه الأعرابي، فأمر عمر جبلة بأن يرضي الأعرابي أو يقيده منه، وعز على جبلة أن يتساوى بالأعرابي فيلطمه كما لطمه، فهرب ولحق بأرض الروم وتنصر، ولم يعبأ عمر بذلك، ولو أنه تمكن منه لأنفذ فيه قضاءه.

(23) قد يبدو للناظر في بعض الأحكام أنها تنطوي على تفاوت في المعاملة بين الناس يخل بمبدأ المساواة. غير أنه يبين عند التحقيق أنه ليس فيها تمييز فئة عن فئة ولا تفضيل إنسان على إنسان، وإنما يرجع التفاوت إلى اختلال بعض الشروط المعتبرة في الحكم الشرعي. أما القاعدة المطردة في الشريعة الإسلامية فهي المساواة في المعاملة عند التساوي في العناصر الفاعلة. وهذه القاعدة هي ما تقتضيه شريعة تجعل العدل من أبرز مقاصدها، إذ لا يستقيم ميزان العدل إذا تميز إنسان على غيره دون أن يكون لتميزه سبب يقره العقل وتطمئن له النفس وتقبله مبررًا للتميز.

على أن التفاوت في الجزاء عن الفعل الواحد قد يقع لا على وجه المحاباة بالتخفيف عن الفاعل – وهو محظور –، بل من باب النكير عليه لوجوده في حال كانت تفرض عليه التنزه عن إتيان ما وقع منه. فالنعمة التي يخص الله بها بعض عباده توجب عليهم أن يكونوا أكثر التزامًا بأوامر الشرع ونواهيه، وتقتضي – عدلاً – أن تكون عقوبتهم عند المخالفة أشد من عقوبة غيرهم، لأن إثمهم يكون أكبر من إثم غيرهم. والإثم لا يقاس بالمفسدة التي أحدثها الفعل فحسب، بل بها وبحال الفاعل أيضًا، وهذا منتهى العدل، ليكون أصل العقاب مقابل المفسدة وتكون الزيادة فيه مقابل جحد النعمة. وهذا ما تدل عليه نصوص الشرع؛ قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة الأحزاب: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الآية: 30]. وهو ما تقرر بالنسبة للزاني المحصن، إذ كان تغليظ العقاب عليه مقابلاً لنعمة الإحصان.

(24) وربما كان اختلاف الدين من الشبهات التي تلقي ظلاً كثيفًا من الشك حول عموم مبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية. ذلك أن أحكامها لا تسوي بصفة مطلقة بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق والواجبات. ولو صحت هذه الشبهة لانخرم مقصد العدل فلم يكن من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وهو ما لا نسلم به. ومما يدحض هذه الشبهة أن إسلام المؤمنين به لا يكتمل إلا إذا آمنوا برسل الله السابقين بالكتب التي أنزلت إليهم. واعترف الإسلام بالأديان السابقة هو اعتراف بوحدة الدين، وهذا الاعتراف ينفي أن تميز الشريعة الإسلامية بين الناس في الحقوق والواجبات لمجرد اختلافهم في الدين. ومن هنا كانت القاعدة أن لغير المسلمين ما لنا وعليهم ما علينا. ويقول السرخسي إنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم. ولهذا فإن لغير المسلمين في الدولة الإسلامية أن يباشروا التصرفات التي تسمح بها شرائعهم ولو كانت تتعارض مع ما تقضي به الشريعة الإسلامية كالتعامل في الخمر وتربية الخنازير، ويضمن المسلم قيمة خمر الذمي وخنزيره إذا أتلفه. وليس صحيحًا أن من أصول الإسلام أن يعامل غير المسلمين في الدولة الإسلامية بذلة وصغار. وإذا كنا نجد في بعض المؤلفات ما يرشح لهذه التهمة فإنها ثمرة تأويلات خاطئة دعت إليها ظروف تاريخية معينة، لكنها بيقين ليست من صحيح الدين. ولا نود الخوض في تعقب تلك التأويلات أو الممارسات الخاطئة حتى لا نخرج على موضوع البحث. وحسبنا أن نشير هنا إلى أقوال الفقهاء في مدى جواز قتل المسلم بالذمي. يقول ابن رشد في بداية المجتهد: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، فقال قوم: لا يقتل مؤمن بكافر، وقال قوم يقتل به، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى، وقال قوم لا يقتل به إلا أن يقتله غيلة، وذلك بأن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله. وذكر أن أصحاب أبي حنيفة اعتمدوا في ذلك آثارًا، منها أن رسول الله قتل رجلاً من أهل القبلة برجل من أهل الذمة، وقال أنا أحق من وفى بعهده، وروي ذلك عن عمر. واعتمدوا كذلك على القياس فقالوا إن إجماع المسلمين على أن يد المسلم تقطع إذا سرق مال الذمي، وتساءلوا: إذا كانت حرمة ماله كحرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه.[13] ولنا أنه إذا تساوت أدلة الفقهاء المختلفين، فإن مبدأ المساواة يصلح أن يكون مرجحًا لرأي الأحناف. ويروى أن جنازة مرت على رسول الله وكان جالسًا فوقف، فقيل له إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفسا! وهذا دليل على أن نفوس البشر كلها تتكافأ، وأن حرمة أي نفس كحرمة كل نفس.

(25) واختلف الفقهاء في مقدار دية غير المسلم. فذهب الأحناف إلى أن قدر الدية لا يختلف بالإسلام والكفر، ولذلك فدية الذمي والحربي والمستأمن كدية المسلم. وروي أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر قضوا في دية أهل الكتاب بدية المسلمين. وهذا قول ابن مسعود وجماعة يعتد بهم من الفقهاء. أما الأئمة الثلاثة فيرون أن دية الكتابي على النصف من دية المسلم. وحجة الأحناف قول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فقد أطلق سبحانه تَبَارَكَ وَتَعَالَى القول بالدية في جميع أنواع القتل من غير فصل، فدل أن الواجب في الكل على قدر واحد.[14]

وقد أشرنا من قبل إلى أنه إذا اختلف الرأي وتعارضت الأدلة وجب ترجيح الرأي الذي يكون أكثر اتفاقًا مع مقاصد الشرع. ولما كانت النفوس تتكافأ فكذلك أبدالها، ولهذا فالأصح في اعتقادنا أن دية غير المسلم يجب أن تكون مثل دية المسلم. وهذا ما يوجهه كثير من المحدثين، فقد ذكر الشيخ محمود شلتوت أن نظرية اتحاد قدر الدية بالنسبة إلى جميع الناس مبنية على أن الدية في مقابل الدم فقط، والناس في نظر الشريعة من هذه الحيثية سواء.

ونقل عن الشيخ محمد عبده أن الواجب في قتل المعاهد الذمي هو كالواجب في قتل المؤمن.[15] ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن الحق في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنفية من التسوية بين الدماء المعصومة.[16]

(26) وربما ثارت شبهة كذلك في مدى مساواة المرأة بالرجل، لما هو ثابت من اختلافهما في بعض الأحكام الشرعية كالشهادة والميراث. وقد أفاض كثيرون في تعليل هذا الاختلاف، وليس من شأننا هنا الخوض فيه. لكن الذي يعنينا أن نقول بوجه عام إن اختلاف المرأة عن الرجل في بعض الأحكام ليس دليلاً على أنها في نظر الشرع أدنى من الرجل، وإنما يرجع الاختلاف إلى اعتبارات موضوعية يقرها العدل، بل يفرضها فرضًا. وليس من المقبول عقلاً أن تتهم الشريعة الإسلامية بالتحيز للرجل ضد المرأة لا لشيء إلا لأنه ذكر وأنها أنثى. ولو صح أن الشريعة تنتصر للرجل على حساب المرأة لأبقت على الأحكام الظالمة التي كانت تنال من حقوقها بل من إنسانيتها في الجاهلية. ولا يمكن للناظر في كتاب الله أن يقبل مثل هذه الدعوى. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].

ولا ندري كيف يكون الذكر أفضل من الأنثى وقد ولدته أنثى، وكيف يكون أفضل منها وكلاهما يجزى عند الله عن عمله على وزن واحد. ولهذا فقد اتفق عامة أهل العلم على أن الذكر يقتل بالأنثى، وقيل إنه إجماع.[17]

ويقول الشيخ محمود شلتوت إن دم المرأة مساو لدم الرجل، والحكم فيهما واحد، وهو القصاص، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، ويشير إلى أن الجزاء الأخروي في الاعتداء على حياة المرأة من نوع الجزاء في الاعتداء على حياة الرجل، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، ويذكر أن الله رتب الجزاء الأخروي على وصف الإيمان، وهو مشترك بين الرجل والمرأة. ويدفع الشيخ شلتوت شبهة ثارت من ظاهر قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ [البقرة: 178]، ويقول إن البعض قد يزعم أن الرجل لا يقتل بالأنثى، ويرد على ذلك بأنه لو صح هذا القول لكان مقتضاه أن الأنثى لا تقتل بالرجل وأن الحر لا يقتل بالعبد ولا العبد يقتل بالحر، وهو ما لا يمكن التسليم به. ويذكر علة نزول الآية فيقول إنه قصد بها إبطال ما كان عليه العرب من الإسراف في القتل وعدم اتخاذ القصاص فيه أساسًا للجزاء، إذ كانوا لا يكتفون بالقصاص من القاتل إن كان عبدا، بل يقتلون سيدًا من سادته، ولا يقتلون المرأة إن كانت هي القاتلة، بل يقتلون رجلاً من قبيلتها.[18]

(27) واختلف الفقهاء في دية المرأة وهل هي مثل دية الرجل أو على النصف منها. ومذهب الأكثرين أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحجتهم أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك، وأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل. وذهب أبو بكر الأصم وابن علية إلى أن دية المرأة مثل دية الرجل، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. والإجماع على أن هذه الآية يدخل فيها الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيهما ثابتًا بالسوية. وقد عرض الشيخ أبو زهرة للرأيين ورجح الثاني، وعلل بأن النصوص التي اعتمد عليها الرأي الأول أكثرها أخبار آحاد والتوفيق بينها ممكن، ولا يمكن ترجيح خبر على خبر، وأن الآية صريحة في عموم أحكام الدية في القتل الخطأ.[19]

وإذا كان الأئمة الأربعة متفقين على أن دم المرأة في القصاص كدم الرجل، وأن كلا منهما يقتل بصاحبه، فمن التناقض القول بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل، لما هو معلوم من أن الدية بدل النفس، ومقتضى المنطق أن تكون ديات النفوس المتكافئة متكافئة. أما قياس دية المرأة على شهادتها وميراثها ففيه بعد، لأن لكل من الحكمين علة معقولة المعنى لا وجود لها في قضية الدية. وإذا لم يكن من القياس بد فإن قياس الدية، وهي بدل النفس، على القصاص، وهو إتلاف نفس، أولى من قياسها على الشهادة والميراث، ودلل على أن حكم المرأة فيهما ليس مبنيًا في الإسلام على أن إنسانيتها أقل من إنسانية الرجل، وإنما هو مبني على أسباب أخرى بينها تفصيلاً.[20] والخلاصة أنه إذا تساوى اثنان في الشروط الموجبة للحكم، فالعدل يوجب التسوية بينهما في ذات الحكم، ومن ثم فالرأي الذي يستقيم مع أصول الشريعة هو أن دية المرأة كدية الرجل.

سادسا: التناسب بين الجرم والعقاب

(28) التناسب بين الجرم والعقاب في الشريعة الإسلامية فرع من أصل عام، هو التناسب بين الفعل وجزائه، عقابًا كان أو ثوابًا، وهو مقتضى العدل، لأن اختلال التناسب بين الفعل وجزائه غبن وظلم. ولما كان العدل مركوزًا في فطرة الإنسان فقد تعارف الناس على أن العقوبة العادلة هي التي يسغيها العقل والمنطق وتطمئن إليها النفوس ويتقبلها الناس بالرضا والتسليم. وقد حرصت الشرائع الوضعية بوجه عام على مراعاة التناسب بين الجرائم وعقوبتها، فنراها ترصد أغلظ العقوبات لأخطر الجرائم، وتعاقب الجرائم الهينة بما دون ذلك. ودل العمل على أن المشرع إذا شذ عن ذلك فقرر عقوبة مغلظة لجريمة هينة أو عقوبة هينة خطيرة انفرط عقد الأمن في المجتمع، إذ يتعاطف الناس في الحالة الأولى مع الجاني، وقد يعمدون إلى الامتناع عن الإبلاغ عن جريمته أو الشهادة ضده، بل إن القضاء نفسه قد يحتال لتفادي عقابه، وذلك بإظهار الشك في أدلة الاتهام. أما في الحالة الثانية فربما استهان الناس بالعقوبة فلم تصدهم عن مقارفة الجريمة، وبهذا تغدو العقوبة عاجزة عن تحقيق غرضها. وإنما يستقيم الميزان ويستقر الأمن بالعدل وحده، أي بمراعاة التناسب بين الجريمة وعقوبتها، وهو ما تعبر عنه المحكمة الدستورية العليا في مصر بمعقولية العقوبة.

وإذا كان هذا هو الشأن في قوانين البشر، فأولى أن يكون كذلك في شرع الله. غير أنه لما كان الشارع هو الرب، فإنه لا يجعل الجزاء في كل أحواله محكومًا بالعدل وحده، بل يجعله كذلك محكومًا بالفضل، وهو ما يجاوز العدل. ولهذا فهو يعاقب المسيء بما يوجبه عدله، ويثيب المحسن بما يقتضيه فضله. والآيات في هذا الشأن تترى. قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]، ودل بهذا التذييل على أن الزيادة عما يقتضيه العدل ظلم يتنزه عنه سبحانه.

(29) ولكي يتحقق معنى العدل في عقوبته يجب أن يتناسب في نوعها ومقدارها مع طبيعة المفسدة ومداها من جهة، وأن يراعى فيها حال الجاني وملابسات الجريمة من جهة أخرى. ذلك أنه لما كانت المفاسد تتفاوت نوعًا ومدى، فلا ينبغي التسوية بينهما في العقاب، ولما كانت أحوال الجناة تختلف فليس من العدل أن يسوى في المعاملة بين غير المتساوين.

ولا خلاف لدى فقهاء الشريعة في وجوب التزام هذين الضابطين في مجال التعزير، وهي الجرائم التي لم تحدد لها الشريعة عقوبة معينة، أو حددت لها عقوبة لكن لم تتوافر شروط استحقاقها. يقول ابن القيم: اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر، وبحسب الجاني في الشر وعدمه. واختلف العلماء بعد ذلك فيما إذا كان يجوز التعزير بما يزيد عن عقوبة الحد. فيرى الأحناف أنه إذا تعلق الأمر بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد فالتعزير فيها متروك أمره إلى الإمام، فهو يحدد نوع العقوبة وقدرها، على أن يراعي في ذلك ظروف كل شخص ليكون التعزير أفعل في الزجر. أما المالكية فيرون أن الأمر في التعزير مفوض للإمام مطلقًا، وهو يراعي فيه طبيعة الجناية وحال الجاني والمجني عليه وسائر الظروف والملابسات. وإذا أدى اجتهاده إلى أن يعزر بما يزيد عن الحد فله أن يفعل ذلك ولا ضمان عليه ولو أدى إلى هلاك النفس. ورأي الحنابلة قريب من ذلك، وإن تحفظ بعضهم على التعزير بالقتل وأخذ المال. أما الشافعية فلا يجيزون التعزير بالقتل ولا بالضرب بما يجاوز الحد، لكنهم يجيزون التعزير بالحبس. ويقول الشيخ شلتوت إنه يتضح من أقوال الفقهاء أن التعزير مجال واسع أمام الحاكم يؤدب به من شاء على ما شاء غير مقيد في العقوبة بشيء، لا في نوعها ولا في كمها ولا في كيفيتها ما دام رائده النظر والمصلحة وقصد الردع والتأديب وإقرار الحق والعدل.

والحق أن فكرة العدل هي التي تحد من الغلو في العقوبة ومن التهاون فيها. والسائد لدى فقهاء الشريعة – ولدى فقهاء القانون الوضعي أيضا – أن الغرض من العقوبة هو زجر الغير عن ارتكاب الجريمة وزجر الجاني نفسه عن الإقدام عليها ابتداء وعن العودة إليها مرة أخرى. ولو أن العقوبة تجردت من فكرة العدل لجاز القول بأن الإفراط فيها أدعى إلى تحقيق الغرضين على الوجه الأمثل، لكن فكرة العدل هي التي تضبطها وتقف بها عند حد الاعتدال.

(30) وتبدو فكرة العدل واضحة في القصاص بجلاء، وعلى الأخص في القصاص في النفس. فالأصل في القصاص التماثل، حيث المقاصة بين القاتل ونفس القتيل. ولأن النفوس تتكافأ فلا تفضل نفس نفسًا لاعتبار يتصل بالجنس أو العرق أو بالسن أو بالمكانة الاجتماعية أو بالحالة الصحية، فإن من قتل غيره يستحق –عدلاً – أن يقتل به. والقصاص عند الفقهاء هو إيقاع عين الأذى بالجاني، فقط من حيث محله، بل ومن حيث وسيلته أو أداته أيضًا إلا أن يحول دون ذلك مانع شرعي. وقد اقتضت فكرة العدل مع ذلك الاعتداد بحال معينة من أحوال الجاني، وهي موقفه النفسي وقت ارتكاب فعل القتل، وهل تعمد إزهاق روح المجني عليه أو أحدث الوفاة خطأ. ذلك أن القصاص بمعناه الدقيق لا يقتضي المماثلة في الفعل وحده، بل يقتضيها فيه وفي القصد أيضا. فإذا كان الجاني لم يتعمد قتل المجني عليه عدوانًا، فلا يجوز لولي الدم ولا لولي الأمر أن يتعمد قتله قصاصًا، لأن اختلاف القصد في الحالتين يذهب بمعنى القصاص. ولهذا قضت الشريعة الإسلامية بالقصاص في القتل العمد وبالدية في القتل الخطأ، وهو منتهى العدل، قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، وبين العلة فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [الآية: 179]. وقال تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة النساء: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [الآية: 92]، فدلت المغايرة على أن القصاص لا يثبت إلا عند تعمد القتل.

(31) أما القصاص في الجروح ففيه مقال، سواء من حيث مشروعيته، أو من حيث شروطه عند القائلين به.

أما من حيث مشروعيته فليس هناك نص واضح في القرآن ولا حديث قطعي الدلالة في السنة على تقرير القصاص في الجروح. وقد عرض الشيخ محمود شلتوت للنصوص الخاصة والعامة الواردة في هذا الشأن وانتهى إلى أنها غير حاسمة في إيجاب القصاص فيما دون النفس. ووقف بوجه خاص عند قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الآية: 45]. وذكر أنها وردت حكاية عما فرضه الله على بني إسرائيل في التوراة، وأشار إلى الخلاف المعروف عند علماء الأصول بشأن شرع من قبلنا ومدى اعتباره شرعا لنا، ونقل عن جمهور الشافعية والأشاعرة والمعتزلة وعن الرازي والآمدي أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. وخلص إلى القول بأن للباحث أن يساير هؤلاء، ولا يقبل هو أيضًا أن تكون آية المائدة مصدر تشريع القصاص فيما دون النفس. كما عرض للآيات العامة ولحديث ورد في كتب الصحاح في هذا الشأن، وانتهى إلى أنها جميعًا لا تصلح عند كثير من الأصوليين للاستدلال بها على مشروعية القصاص فيما دون النفس. لكنه مع ذلك يرى أن لهذا القصاص مصدرًا آخر يعتد به، وهو الإجماع.[21]

ب – وأما عن الشروط اللازمة لاستيفاء القصاص فيما دون النفس فالملاحظ أن الفقهاء جميعًا يتشددون فيها حتى ليصح القول بأن الأصل أصبح منع هذا القصاص والاستثناء إمكانه.[22] يقول ابن رشد في بداية المجتهد: يشترط في الجرح الذي يوجب القصاص أن يكون على وجه العمد، وأن يكون مما يمكن القصاص فيه، وألا يخشى من القصاص تلف النفس. ولهذا منع القصاص في الجراح التي هي متالف مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر وما أشبه ذلك. ومنع القصاص كذلك فيما لا يمكن فيه التساوي في القصاص، مثل الاقتصاص من ذهاب بعض السمع أو بعض البصر. ومنع القصاص أيضًا عند عدم المثل، كأن يفقأ أعمى عين بصير. وحكى الخلاف في الأعور يفقأ عين الصحيح عمدًا، وقال من منع القصاص إن عين الأعور بمنزلة العينين، فمن فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنتين في واحدة.[23]

وينقل الشيخ محمود شلتوت عن الأحناف أنهم يشترطون للقصاص فيما دون النفس أن تكون الجناية متعمدة وأن يكون الاستيفاء ممكنًا من غير حيف، وأن يكون العضو الذي يجرى القصاص فيه مماثلاً للعضو الذي أصابه الجاني من كل الوجوه، سواء من جهة السلامة والشلل، والكمال والنقصان، والأصالة والزيادة وذلك لانتفاء التماثل؛ فلا قصاص بين عضو وعضو أشل، ولا بين يد كاملة الأصابع وأخرى ناقصتها، ولا بين إصبع أصلية وأخرى زائدة، ولا رجل وامرأة، ولا بين واحد وجماعة. ويرى الأحناف أنه لا قصاص إذا كانت الجروح في غير الوجه والرأس، وأن القصاص في جروح الرأس والوجه لا تكون إلا في واحدة، وهي الموضحة[24]، فلا قصاص فيما قبلها ولا فيما بعدها، وبشرط ألا يستتبع هذا الجرح جراحة أخرى. وعندهم أنه إذا وقعت الجناية على محل فأحدثت عاهة في غيره لم يجب فيه القصاص. والحالة الثانية التي أجاز الأحناف فيها القصاص هي الجناية على مفصل أو ما يشبه وبالشرط السابق أيضًا. وما عدا ذلك من جروح فالأحناف مختلفون فيها، إما مع بعضهم أو مع غيرهم.[25]

والفقهاء متفقون على أنه يشترط في القصاص أن يكون ممكنا من غير حيف. ولما كان من العسير تحقق الشروط التي وضعها الفقهاء على صعيد الواقع فقد قلنا إن الأصل يكاد أن يكون هو حظر القصاص فيما دون النفس لتعذر ذلك. والواقع أن المماثلة من كل وجه هي من لوازم القصاص، فإذا استحالت أو تعذرت فات معنى العدل. وقد يرى الناظر في كتب الفقه أن الفقهاء أسرفوا في الفروض للتحقق من توافر المماثلة واستبعدوا القصاص في كثير من هذه الفروض، وربما حملهم على ذلك خشيتهم من إنكار القصاص فيما دون النفس كقاعدة حتى لا يتهموا بمخالفة النصوص. غير أن مقصد العدل مع ذلك تمكن منهم فلم يسعهم إلا إحاطة القصاص بما أحاطوه به من شروط.

وإذا امتنع القصاص فيما دون النفس وجب تحميل الجاني بالدية، ولا يخل ذلك بحق ولي الأمر في تعزيره، لأن الدية في تقديرنا ليست عقوبة، بل هي ضرب من التعويض.

(32) أما الحدود فالشأن فيها مختلف، والكلام في التناسب بين مفسدتها وعقوبتها يثير كثيرا من الجدل، سواء من حيث نوع العقوبة المقررة لها، ومن حيث الأحكام الشرعية التي تنفرد بها. والمعلوم أن عقوبات الحدود مقدرة شرعًا، وأنها لا تقبل التبعيض، فإما أن تجب بتمامها أو لا تجب أصلاً، وقلما تتأثر الحدود بحال الجاني. والملاحظ أن عقوبات الحدود تتفاوت شدة وخفة تبعا لنوع المفسدة التي تنشأ عنها؛ فعقوبة الحرابة أشد من عقوبة السرقة، وهذه أشد من عقوبة القذف ومن عقوبة الشرب عند من يرى شرب الخمر حدًا. غير أن عقوبة الحد الواحد لا تتفاوت بتفاوت المفسدة التي أحدثها. ولهذا سوى الشارع في العقوبة بين من سرق دينارًا ومن سرق ألف دينار، كما سوى بين شارب قطرة من الخمر وشارب جرة منها. وإذا كانت حال الجاني ليس لها من الأثر في جرائم الحدود مثل ما لها في مجال التعزير، فهذا لا يعني أنها عقيم من كل الوجوه. فالحدود كلها لا تقع إلا عمدًا، فإن وقعت أفعالها خطأ لم يقم الحد على الفاعل. كذلك فإن حد الزنا يختلف باختلاف حال الفاعل، فإن كان غير محصن فحده الجلد، وإن كان محصنًا فحده الرجم. وفيما خلا ذلك فإن عقوبة الحد لا تختلف باختلاف حال الجناة، بل هي واجبة وتستوفى كاملة في كل حال.

(33) وقد حاول ابن القيم بيان وجه المناسبة بين عقوبات الحدود ومفاسدها، فذكر أن الله شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس فأحكم وجوه الزجر الرادعة منها غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس. وقال: أما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس، وكانت عقوبته من جنسه، وجعله أيضًا عقوبة الجناية على الفروج المحرمة لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والإفساد العام. وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلاً، وهي عقوبة السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبة الجلد، ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم. أما المحارب فلما كان ضرره أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم فقد ضم إلى قطع يده قطع رجله ليكف عدوانه وشر يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا تفوت عليه منفعة الشق بكامله. وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يوجب القتل ولا إبانة طرف، إلا الجناية على الأبضاع، فإن مفسدتها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضتها في البكر شدة الداعي وعدم المعوض، فانتهض ذلك المعوض سببًا لإسقاط القتل، ولم يكن الجلد وحده كافيًا في الزجر فغلظ بالنفي والتغريب ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجره عن المعاودة. وأضاف أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا ووصفًا وقدرًا لذهبت بهم الآراء كل مذهب، فكفاهم أرحم الراحمين مئونة ذلك وأزال عنهم كلفته وتولى تقديره نوعًا ومقدارًا ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة.[26]

(34) ونرى أن ما ذكره ابن القيم لا يخلو من تكلف، وهو أدنى إلى التبرير منه إلى التعليل، وإلا فمن الممكن معارضته في كثير مما قاله. والذي يحسن قوله في هذا المقام أن عقوبات الحدود لكونها مقدرة بالنص، فإنها تلحق من حيث التعليل بالعبادات وسائر المقدرات، بحيث يصح القول بأنها غير معقولة المعنى. نعم هي تتفاوت من حيث جسامتها بتفاوت المفسدة الناتجة عنها، لكنها من حيث النوع والمقدار يتعذر تعليلها عقلاً. وهذا ما لم ينكره ابن القيم حين تحدث عن رحمة الله بالناس فكفاهم مؤونة ترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية ولم يكلهم إلى عقولهم، فدل بذلك على أن إدراك العلة في ذلك قد تستعصى على أفهامهم. وقد تساءل إمام الحرمين: لو زنا محصن واستوجب الرجم ورأى الإمام أن يقتل بالسياط ويحلها محل الأحجار، فهل يجوز ذلك، وأجاب قائلاً: لسنا نرى إقامة السياط مقام الأحجار، فإن الحدود لا تتغير كيفياتها ولا تبدل آلاتها.[27] وتحدث العز بن عبد السلام عن مفاسد الجرائم التي شرعت عنها الزواجر، وذكر أن مفسدة الزنا الذي استوجب الحد هي اختلاط المياه واشتباه الأنساب وإرغام أنف العصبات والأقارب، ورأى أن هذه المفسدة هي موجب العقاب، ثم نظر إلى عقوبة الزنا – وهي الجلد والرجم – وعقب على اختلافها بقوله: ولم أقف على المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني، وقد قيل فيها ما لا أرتضيه.[28] ويبدو أنه لم يطمئن إلى ما قيل تبريرًا لاختلاف عقوبة المحصن عن عقوبة غير المحصن، ولا من حيث معقولية أصل الاختلاف، بل من حيث التباين الصارخ بين العقوبتين.

(35) ولم يقف الفقه الشرعي جامدًا أمام صرامة طائفة الحدود، بل وضع الفقهاء لها أحكامًا خاصة حرصوا فيها على تحقيق التوازن بين صرامة الحد والمبادئ الكلية للشريعة الإسلامية، وعلى رأسها مقصد العدل. ومن هذه الأحكام حصر الحدود في نطاق الجرائم التي وردت بها النصوص، اعتبارًا بأن عقوباتها مقدرة شرعًا، فوجب أن تكون جناياتها محددة شرعًا، عملاً بقاعدة أن المقدرات الشرعية لا يدخلها القياس. ولهذا يقول الفقهاء إنه لا يجوز قياس فعل قوم لوط على جريمة الزنا، ولا القذف بهذا الفعل على القذف بالزنا، ولا اغتصاب المال على جريمة السرقة. وبرروا حظر القياس بأن العلة التي من أجلها كان الحكم الأصلي وتمييزها من بين سائر الأوصاف لا يعرف على وجه اليقين.[29]

(36) ومن هذه الأحكام أيضًا تشدد الفقهاء في شروط الحدود تشددًا قد لا يحتمله ظاهر نصوصها. وعلى سبيل المثال فقد اشترط الفقهاء في السرقة الموجبة للقطع أن يكون المسروق في حرز وأن تبلغ قيمته نصابًا مع أن آية المائدة تخلو من الحرز والنصاب، ولهذا فقد أنكر أهل الظاهر هذين الشرطين. أما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على وجوبهما وأسهبوا في تحديد معنى الحرز وبيان أقسامه وشروطه، واختلفوا في مقدار النصاب اختلافًا كبيرًا، كما اختلفوا في الوقت الذي يعتمد به عند حسابه. وأخرج الفقهاء من السرقة المعاقب عليها حدًا طائفة كبيرة من الأموال لم يقطعوا فيها ولو بلغت نصابًا، كالأموال التافهة جنسًا، وما يوجد جنسه مباحًا في الأصل بصورته، وما يتسارع إليه الفساد، وكتب العلم وغيرها.

(37) وتشدد الفقهاء بوجه خاص في إثبات جرائم الحدود تشددًا يوشك أن تكون إقامة الحدود بسببه متعذرة عملاً. ويبدو من جملة أقوال الفقهاء، أن الحد – ومثله القصاص – لا يثبت إلا بأحد الدليلين، هما البينة والإقرار،[30] وذلك بخلاف التعزير، فإنه يثبت بالبينة والإقرار وبطائفة أخرى من الأدلة، بعضها متفق عليه والبعض مختلف فيه، وهي النكول وشهادة النساء والشهادة على الشهادة وكتاب القاضي وعلم القاضي وقرائن الحال. ويمكن القول – بناء على ذلك – بأن الفقهاء يجعلون القاعدة في التعزير هي حرية الإثبات، أما في الحدود فهي التقيد بأدلة محددة. ويشترط الفقهاء للاعتداد بالإقرار والشهادة شروطًا صارمة، فهم يشترطون في المقر البلوغ والعقل وسلامة الإرادة، وأن يكون إقراره صريحًا في لفظه واضح الدلالة على الحد الذي أقر به، كما يشترطون العدد في الإقرار ببعض الحدود كالزنا، حيث يوجبون أن يقر الزاني أربع مرات. ويجيز الفقهاء لمن أقر أن يعدل عن إقراره فيسقط اعتباره دليلاً. ويثبتون له حق العدول حتى بعد صدور الحكم وإلى أن يتم التنفيذ. ويشترط الفقهاء في الشاهد شروطًا مماثلة، ويضيفون إليها العدالة وسلامة الحواس والإسلام، وألا يكون بينه وبين المشهود عليه عداوة أو ضغينة. بل إن بعض الفقهاء يرى أن الشهادة ترد إذا تقاعس الشاهد عن أدائها زمنًا لغير سبب معقول. ويشترط الفقهاء للتعويل على الإقرار والشهادة أن يكون كلاهما متناهيًا في البيان، بحيث يشمل الماهية والكيفية والزمان والمكان وكل عنصر من العناصر اللازمة لقيام الحد. وفي خصوص الزنا يشترط الفقهاء أن تكون الشهادة بمعاينة فرج الزاني في فرج الزانية، وأن تكون الشهادة بالتصريح لا بالكتابة، وفي مجلس قضاء واحد. وجمهورهم على أنه يجب على الشهود ألا يختلفوا في زمان الزنا ولا في مكانه حتى ولو وقع الزنا في بيت واحد. وإذا نقص عدد شهود الزنا عن أربعة، أو كانوا أربعة ولكن شهادة أحدهم لم تستوف شروطها، أو نكل أحدهم في مجلس القضاء بعد أن شهد الآخرون حد الشهود الثلاثة حد القذف. ولا يصح للقاضي أن يحتال للحصول على الإقرار، بل يستحب له أن يظهر الكراهية له كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع ماعز، فقد أعرض عنه أكثر من مرة عندما أقر له بالزنا. ويرى الفقهاء أن الإمام مندوب لدرء الحد وتلقين المقر الرجوع. روي أن النبي ﷺ أتي بسارق فقال: أسرقت؟ ما إخاله سرق، فقال: نعم، فقال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه. وروى عن ابن مسعود أنه أتى بسوداء يقال لها سلامة فقال: أسرقت؟ قولي لا، قالوا: أتلقنها؟ قال: أجئتموني بأعجمية لا تدرى ما يراد بها حين تقر فأقطعها. وروى مثل ذلك أيضًا عن أبي الدرداء.

ويستحب الفقهاء لشهود الحد ألا يشهدوا ليندرئ الحد. ويرى الفقهاء توفيقًا بين الاعتبارات المختلفة أن يشهد الشاهدان في السرقة أن هذا متاع هذا من غير أن يذكرا السرقة، لأنهما ندبا إلى الستر من جهة، ونهيا عن كتمان الشهادة التي تبطل حق الغير من جهة أخرى، فكان الطريق الذي يعتدل فيه النظر هو أن يشهدا بلفظ الأخذ دون السرقة ليكون الأخذ مجبرًا على رد العين أو قيمتها، فيصل صاحب المتاع إلى حقه ولا يقام الحد على الآخذ.

(38) وإذا كان المتفق عليه أن الشفاعة لا تجوز في الحدود فإنما يكون ذلك بعد بلوغ الإمام وثبوت الحد لديه بدليله الشرعي. أما قبل بلوغ الإمام فتجوز الشفاعة لدى المجني عليه، بل وتجوز لدى الإمام قبل ثبوت الحد.

(39) ولعل نظام الشبهة من أظهر الأدلة على حرص الفقهاء على الاقتصاد في إيقاع الحد – وكذلك القصاص – على الجاني. وهي باب واسع تمكن الفقهاء من خلاله من درء العقوبة. وعلى الأخص عقوبة القتل والقطع والرجم في أحوال كثيرة رغم توافر شروط إيقاعها ظاهرًا.

(40) واختلف الفقهاء في التوبة ومدى أثرها على عقوبة الحد، فمنهم من قصرها على المحارب قبل القدرة عليه. ومنهم من جعلها شاملة لكل الحدود ومانعة من إيقاع عقوبتها.

(41) ويتضح من الأحكام المتقدمة أن فقهاء الشريعة أدركوا أن الشارع إذ جعل عقوبات الحدود ذات حد واحد وأوجب إيقاعها على كل الجناة في كل حال إذا توافرت شروطها، وإذا كان العدل من مقاصده فقد فهموا من ذلك أنه يحثهم على إعمال العقل لضبط أحكام الحدود ووضع شروط لها تستغرق كل الاحتمالات بحيث إذا توافرت لم تعد الفروق بين الجناة معتبرة، وهذا ما فعله الفقهاء. وإذن فلم يكن مراد الشارع إقامة الحد على كل الجناة رغم اختلاف ظروفهم وأحوالهم، بل كان المراد أن يكون اختلاف هذه الأحوال بعد ضبط أحكام الحدود غير مؤثر في استحقاقهم العقاب.


*نشرj هذا الدراسة في الكتاب التالي: مقاصد الشريعة وقضايا العصر (مجموعة بحوث)، 2017، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ص 173- 210، وأتيح على الموقع الإلكتروني للمؤسسة.

[1] قواعد الأحكام في مصالح الأنام جـ 1، ص 5 و6.
[2] المرجع السابق ص 42 – 43.
[3] المرجع السابق ص 10.
[4] المرجع السابق ص 6.
[5] انظر نص رسالة الطوفي في مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 106 – 144.
[6] الموافقات للشاطبي جـ 1 ص 261.
[7] المرجع السابق جـ 2 ص 37.
[8] الموافقات – المرجع والموضع السابقان.
[9] عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي – القسم العام ص 266 وما بعدها. ويلاحظ أنه وإن لم يجزم بصحة الوقائع التي بني عليها القول بأن العقاب كان بأثر رجعي إلا أنه لم ير أن رجعية الحكم في الحالتين تتنافى مع أصول الشريعة الإسلامية.
[10] الدكتور محمد سليم العوا – في أصول النظام الجنائي الإسلامي، الطبعة الثالثة ص 79 وما بعدها.
[11] عبد القادر عودة – المرجع السابق ص 589.
[12] الإحكام في أصول الأحكام جـ 1 ص 55.
[13] بداية المجتهد لابن رشد ج 2 ص 399.
[14] بدائع الصنائع ج 10 ص 4664 – 4665.
[15] الإسلام عقيدة وشريعة ص 432.
[16] العقوبة ص 648.
[17] المغني لابن قدامة ج 5 ص 169 وبداية المجتهد المرجع والموضع السابقان.
[18] الإسلام عقيدة وشريعة، ص 256 – 257.
[19] العقوبة، ص 646.
[20] الإسلام عقيدة وشريعة ص 258 وما بعدها.
[21] الشيخ محمود شلتوت – المرجع السابق ص 403 – 407. أما الحديث المشار إليه فهو حديث أنس بن مالك، وفيه أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية فطلبوا إلى أهلها العفو فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله ﷺ: يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله ﷺ: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (رواه البخاري والخمسة إلا الترمذي).

وقد عرض الشيخ شلتوت للخلاف في هذا الحديث وعقب: وللباحث أن يقول بعد هذا كله إن الحديث على فرض صحته حديث آحاد، وقد أنكر كثير من الأصوليين صحة الاستدلال به على مشروعية العقوبات، كالحدود والقصاص.
[22] يستثنى من ذلك أهل الظاهر، فعندهم أن كل الجروح فيها القصاص سواء كانت بالرأس أم كانت بغيرها، وسواء كانت تنتهي إلى عظام أم لم تنته إلى عظام، وعلى القضاة والمنفذين أن يتحروا المماثلة ما أمكنت، لأن النص صريح في القصاص، ولا شك أن المماثلة ممكنة ولو على وجه التقريب من غير ما أمكن. وإيقاع القصاص أولى من أخذ الأرش أو التعويض لأنه أردع وأعدل وأشفى لغيظ المجني عليه وأنكى بالجاني. انظر في عرض رأيهم العقوبة لأبي زهرة، ص 455.
[23] بداية المجتهد ج 2 ص 406 – 408.
[24] الموضحة هي إحدى جراحات الوجه والرأس، وهي التي توضح العظم. وهذه الجراح عند الأحناف عشرة وقيل تسعة وقيل تسعة وقيل أحد عشر، وكل منها تحمل اسما يناسب هيئة الجرح أو أثره أو موضعه، وتتفاوت الجراح في جسامتها، وأدناها الخارصة وهي التي تخدش الجلد، وأقصاها الأمة وهي التي تصل إلى أم الدماغ وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ، والدامغة وهي التي تخرق تلك الجلدة وتصل إلى الدماغ.
[25] الإسلام عقيدة وشريعة، ص 399 – 401.
[26] القياس في الشرع الإسلامي لابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ص 99 – 100.
[27] غياث الأمم من التباس الظلم للجويني، ص 375.
[28] العز عبد السلام – المرجع السابق، ص 194.
[29] الشيخ محمد أبو زهرة – العقوبة، ص 211.
[30] وإن بعض الفقهاء يجيز الإثبات في بعض الحدود بأدلة أخرى كالزنا وشرب الخمر.

قبل تقنين أحكام الشريعة كأساس لتطبيقها
لا بد من حوار علمي بين أهل الاختصاص في مناخ ديمقراطي صحيح
بعض المتحمسين لتطبيق الشريعة الإسلامية يلحون على أن تتضمن دساتير بلادهم النص على أن الشريعة هي مصدر التشريع.

وقد يحدث أن يوضع مثل هذا النص بصيغة من الصيغ التي قلد تلقى الرضا المطلق من هؤلاء المتحمسين أو تلقى بعض التحفظات. ثم تجد الدولة التي وضعت في دستورها مثل هذا النص مصاعب شتى في سبيل إعمال النص تشريعيا. فهناك أكداس من القوانين التي صدرت لا بد من مراجعتها في ضوء أحكام الشريعة، ثم هناك قوانين تبدو الحاجة المتجددة إلى إصدارها ولا بد من مراعاة أحكام الشريعة فيها. وأمام الصعوبات الواقعية التي تصحب عادة فترات الانفصال، قد ترى السلطة التنفيذية التي تقترح مشروعات القوانين، أو السلطة التشريعية التي تقرر إصدار هذه القوانين –في حدود صلاحياتها المقيدة بأحكام الشريعة طبعا- التراخي “عمليا” في إعمال النص الدستوري الذي يقرر أن الشريعة مصدر التشريع!!
يضاف إلى هذا صعوبات عملية إجرائية، في تحديد جهة الاختصاص من علماء الشريعة التي تقرر موافقة أي تشريع مقترح لأحكام الشريعة والتي يكون لرأيها وزنه الفقهي إذ لا بد من تحديد جهة استشارية فقهية ثابتة تتبع مجلس الدولة إذا وجد، أو تتبع وزارة العدل، أو تتبع السلطة التشريعية نفسها. ولا يكتفي بما ينتج عرضا عن المصادفة وحدها من أن يكون بين أعضاء السلطة التنفيذية أو التشريعية بعض علماء الشريعة، وإن كان من الأفضل، أو من اللازم أن يكون بعض هؤلاء الأعضاء من العلماء بل من المجتهدين، حتى يتحقق شرط “الاجتهاد” في الهيئات القائمة بمسئوليات الحكم “كجماعة”، ما دام يتعذر أن يتحقق في كل فرد أو عضو من أعضائها على حدة.

محمد فتحي عثمان

لكن تبقى الصعوبة الكبرى الأهم أمام تقنين أحكام الشريعة وهي “الصعوبة الموضوعية” التي تمس بعض القضايا الأساسية المتعلقة بالحريات العامة وكيفية ممارستها والحدود القانونية لهذه الممارسة، أو المتعلقة بالحقوق العامة لبعض فئات المواطنين، إلى غير ذلك من القضايا التي تتصل بأسس النظام السياسي أو النظام الاجتماعي أو النظام الاقتصادي للدولة.

فلقد قطعت بعض الدول الإسلامية –مثلا- شوطا في “تأميم” وسائل الإنتاج، وفي تحديد الملكية الفردية، وفي توسيع نطاق الملكية العامة الاقتصادية بما تتطلبه من تحديد علاقات التعايش؛ أو التنافس، أو التعاون بين القطاعين: العام والخاص، بينما لم ترتض دول مسلمة أخرى أن تمضي في هذا الشوط، واكتفت بتأمين بعض “الخدمات” الضرورية عن طريق الدولة. مثل التعليم، أو العلاج، أو المواصلات، مع السماح للجهود الفردية بالنشاط في هذه المجالات نفسها، إلى جانب تملك الدولة للمؤسسات العاملة في موارد محددة –على سبيل الحصر- مثل البترول والثروة المعدنية، أو لنسبة كبيرة من رؤوس أموال هذه المؤسسات بما يحقق إشراف الدولة عليها وإخضاعها لسياستها وإدارتها.

وقد يستثير مسلك هذه الدول أو تلك المناقشات حول مدى “إسلامية” سياسة التأميم، وممارسة الدولة للنشاط الاقتصادي، وتوسيع نطاق الملكية العامة الاقتصادية أو مدى “إسلامية” سياسة ابتعاد الدولة عن هذا كله وانحصارها في المهام التقليدية للدولة في مجال الخدمات. فليست الصعوبات التي تقابل تطبيق أحكام الشريعة مقصورة على نطاق قواعد قانونية جزئية تحكم بعض المعاملات أو تشرع بعض العقوبات، فإن مثل هذه الصعوبات “الفنية” قد تثير جدلا أقل بكثير من الصعوبات “السياسية” التي تتعلق بفلسفة الدولة وسياستها العامة في الحكم. والحوار في قضية تتعلق بالفلسفة السياسية للدولة، أو بالأيدولوجية العامة للحكم لا يمكن حصره في نطاق محدود من أهل الذكر والاختصاص، فهو يمس عقيدة كل مسلم من مواطني الدولة، ويمس حقوق غير المسلمين ومصالحهم، كما يتعلق “بسياسة” لها جذورها وكيانها وآثارها من نواحٍ متعددة: نفسية، واجتماعية، واقتصادية، ولا بد من تقرير آراء الخبراء المتمرسين بهذه النواحي والمتابعين لها.

لذلك لا بد أن يتجاوب الخبراء “الأيدولوجيون” والخبراء “التكنولوجيون” في مناخ ديمقراطي صحيح، يتابعه الجمهور في يقظة ووعي وايجابية، على ألا تعني “الايجابية” ممارسة لضغوط مادية أو معنوية على المتحاورين، بل مشاركة بالكلمة الصادقة المخلصة، حين يحس أي فرد الحاجة لذلك، والقدرة عليه. ومثل هذه التجربة الفذة في تاريخ المسلمين الحديث، يفسدها أي إرهاب أو إغراء للمتحاورين، سواء أكان ذلك مقصودا بصورة مباشرة أو لم يكن كذلك، وسواء أصدر ذلك بحسن نية، أو بسوء نية، فإن الجناية على هذا “الحوار” -البناء الجليل- واقعة في جميع الأحوال، أيا كان حجم الضرر أو صورته.

ولندع أمور السياسة الاقتصادية جانبا في هذا المقال، مع التأكيد على أهميتها والضرورة الملحة على مناقشتها والتماس الرؤية الواضحة من جانب المتحمسين لتطبيق الشريعة الغراء. ولنتناول ما قد يبدو للغالبية أهم وأخطر، أو ما قد يظن أن الاتفاق في شأنه أيسر وأعم.

إنه من الواضح أن إطلاق “الحريات العامة” بدون أي قيد من القانون الذي ترعى تنفيذه السلطة المختصة، قد صار شيئا “تاريخيا” قررته الليبرالية الكلاسيكية وعدله التطور المعاصر في الديمقراطيات الغربية القائمة، وهي المثل الأعلى التطبيقي للديمقراطية في عالمنا. فكل الديمقراطيات التي نعرفها تقرر تدخل الدولة –بصورة من الصور- في تلك الأنشطة والعلاقات المتشابكة الخاصة التي لا يمكن للدولة أن تقف إزاءها متفرجة أو محايدة، وبخاصة أن النشاط “الخاص” في عصرنا: لا يعني النشاط “الفردي” لأن أي نشاط خاص لا يضمن لنفسه الاستقرار والفعالية، إلا إن ارتكز إلى “جماعة” تتآزر طاقاتها الرأسمالية على العمل، وقد تصل هذه “المؤسسة الجماعية الخاصة” إلى قوة تهدد الحرية الحقيقية للفرد.

ومن هنا كان ضمان ممارسة الحريات العامة بصورة حقيقية فعالة، قد يتطلب تدخل الدولة لحماية الأفراد والمجتمع، لا حيادها أو سلبيتها. فليس الخلاف إذن حول الحاجة لوضع “حدود” قانونية لممارسة الحرية، وإنما منشأ الخلاف حول ما يمكن أن تكون عليه هذه الحدود. وللإسلام أحكامه وآدابه –مثلا- في اختلاف الرأي حتى لا تتمزق وحدة الأمة.

وإذن: فهل يجوز قيام الأحزاب في دولة تتحاكم إلى الإسلام؟ وللإسلام أحكامه وآراؤه في ممارسة “النقد”، وفي التفرقة بين ما يجوز إعلانه على الملأ وما لا يجوز، وما يجوز ممارسته في نقد “الشخص العام” أو من يتولى مسئولية عامة للمسلمين وفي نقد أي فرد آخر من الأفراد لا ينبغي أن تقتحم خصوصياتها أو أن تشاع على الملأ. ولكن هذا كله قد لا يكون جليا بالصورة الكافية. ومن شأن الحوار: أن يزيد الصورة وضوحا ويزيد الموضوع ثراء، حتى لا يتجه فريق من المسلمين، أو من علماء شريعة إلى الإسراف في وضع القيود على ممارسة بعض الحريات مما يضيق على الناس الخناق ويفتح الطريق إلى استبداد مقنع –بتشديد النون المفتوحة- بالدين وهذا كله مسيء إلى الإسلام أمام المسلمين، وأمام العالم أجمع. والحوار ضروري لتحديد اتجاهات الإسلام –مثلا- في حرية الرأي والاعتقاد وحرية الاجتماع، وحق التظاهر وحق الإضراب…الخ.

ولا بد أن نسلم: أن تمرس فقهائنا بالقانون العام محدود. إذ أن تميز أحكام القانون العام عن أحكام القانون الخاص –بحكم طبيعة المجال الذي يحكمه كلا الفرعين- ظاهرة حديثة في مجال التطور القانوني بوجه عام. على أن لفقهاء الشريعة نظرات جزئية متفرقة صائبة في هذا التمييز، وإن لم تتحول إلى قاعدة عامة مطردة.

وتستطيع أن تتابع بعض هذه الجزئيات فيما تناوله به الماوردي، وأبو يعلي، وابن تيمية، وغيرهم، مركز “الدولة” القانوني في العلاقات التي تكون طرفا فيها. ولكن هذا لا ينفي الحاجة إلى نظرة كلية شاملة تترتب عليها تطبيقات مطردة متسقة في مختلف الحالات. أو مجالات “النشر” أو “الإعلام” في عصرنا –مثلا- قد تطورت وتقدمت واتسع نطاقها ومجالها حتى ترتبت عليها آثار لم تكن في تقدير فقهائنا السابقين –بطبيعة الحال- وأصبح لا بد من نصب ميزان العدل بين ضمان “الحرية” التي تمثل هذه الوسائل (رئتها) الضرورية، وبين توقي الحيف على بعض القيم الأخلاقية والنظم الاجتماعية، ثم لا بد من نصب ميزان العدل لضمان حرية الاعتقاد وحرية الرأي بين أصحاب العقائد والآراء المتباينة بتقرير واضح للحقوق والواجبات بالنسبة لصاحب العقيدة أو الرأي، فردا كان أو جماعة.

ويحتاج تناول هذه القضايا الحساسة والعلاقات المتشابكة والاجتهاد في تقرير ما يبدو أنه وجه الحق فيها على هدي أحكام الإسلام، إلى حوار علمي بين الفقهاء المسلمين المعاصرين، يستهدف تقرير أحكام مفصلة محددة لا سرد عموميات، ومطلقات، قد فرغ من تقريرها تراثنا الفقهي من قديم، أو إزجاء خطب وأحاديث لا تقطع بحكم بات في أية قضية مفصلة بعينها من القضايا التي تثار في صدد الموضوع. وبدون هذا التحديد: قد تغلب على اجتهاداتنا في قضايا النشر أو الإعلام طابع “الحظر” والإسراف في النهي والتحريم، أو قد تواجه وسائل النشر والإعلام تراخيا وسلبية من جانب أولي الأمر والتوجيه، بما يجعل نشاطها مجرد استمرار ومواصلة لما كانت عليه قبل تطبيق أحكام الشريعة، مع بعض الحرص “الشكلي” على إعلان مواقيت الصلاة والصوم، أو الاحتفال بالمناسبات الدينية المعدودة، في حين أن حقيقة الدين أن ينبث في كل الثنايا والحنايا بأسلوب موفق كثيرا ما يأتي بصورة غير مباشرة.

وقد يرتبط بمجالات النشر أو الإعلام كثير من مسائل “الفن” التشكيلي أو التعبيري، وما يجوز منه –في حكم الإسلام- وما لا يجوز. فمثلا: هل النهي عن “النحت” –وربما اقترن به التصوير أيضا- عام شامل أو مقصور على ما يتخذ فقط للعبادة أو التقديس، أو ما قد تثور حوله هذه الشبهات؟ وهل هذا النهي مؤبد أو موقوت بزمن كان فيه العرب المسلمون “حديثي عهد بكفر” أو وثنية؟. هل الموسيقى فن يبيحه الدين أو هو من مزامير الشيطان، أو أن من الموسيقى ما هو رفيع مباح، ومنها ما هو خسيس مبتذل مرفوض؟؟ وما حكم الغناء من الرجل أو المرأة، في الحب وغيره؟ هل يجوز اشتراك المرأة مع الرجل في المسرح والسينما؟؟ وهل يجوز أن يدور الأدب والفن حول ذلك المحور الذي طالما دار في فلكه التعبير الأدبي والفني منذ أقدم القدم، وأعني الحب بين الرجل والمرأة. وما هي الحدود المشروعة للتعبير في هذا المجال؟؟ كل هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة مفصلة تكون حاضرة عند إعداد قوانين جديدة للنشر والإعلام بمختلف الوسائل والأساليب، أو عند مراجعة القديم منها ليبدو متوافقا مع أحكام الإسلام. وهذه الأجوبة لازمة لتحديد مهمة “الفن” ووسائل الإعلام في التثقيف والتسلية.

ويسوقنا هذا إلى الحديث عن “المرأة” ووضعها القانوني في مجتمع يحتكم إلى شريعة الإسلام. وما يجوز لها وما لا يجوز. فإن تحديد هذا الوضع لازم لمجالات متعددة من مجالات التشريع.

فما هو زي المرأة المشروع، وماذا يجوز أن يبدو من جسمها؟ وهل تشرع عقوبة –من باب التعزير- على تجاوز المرأة حدود الزي المباح؟؟… وهل تقتصر عليها شخصيا أم تشمل وليها أيضا؟.

وما هو نشاط المرأة المشروع في المجتمع الإسلامي: سواء في مجال طلب العلم، أو في مجال العمل، أو في مجال الخدمة الاجتماعية، أو في المجال السياسي؟؟… هل هو مباح بإطلاق أم أن هناك حدودا وضوابط، وماذا عسى أن تكون تلك الحدود والضوابط؟؟ هل ينبغي أن يكون تكافؤ الفرص هو القاعدة لكل رجل وامرأة في مجال طلب العلم وفي مجال العمل، بحيث تغدو كل تفرقة إخلالا بالمساواة. مثلا هل يجوز للمرأة أن تكون قاضية وجيولوجية ومهندسة مناجم؟ هل يجوز أو تستثنى دراسات أو وظائف معينة لا تباح لغير الرجال، أو يتجه التشريع لإيثار تفرغ المرأة للواجبات الأسرية وتشجيعها على ذلك؟؟ هل يجوز للمرأة أن تكلف بواجبات الخدمة العسكرية؟؟ وفيما يتاح للمرأة من تعلم وعمل هل يجوز اختلاطها بالرجال أو يكون الفصل بين الجنسين هو الأصل والقاعدة؟ وما هي حدود الاختلاط المباح؟؟.. وكيف يحارب الاختلاط غير المباح؟ هل يكون من وسائله التشريع العقابي أم يقتصر الأمر على التربية والتوعية ورقابة الأسرة وسلطان التقاليد؟؟… وهل يعمل الطبيب والطبيبة والمدرس والمدرسة وغيرهم بين الرجال والنساء معا؟؟ وهل ثمة قواعد تنظيمية في مثل هذه الحالات؟.

والحقوق السياسية هي الأخرى قضية –أي قضية- عند علماء الشريعة. هل يجوز للمرأة المسلمة أن تكون ناخبة؟ وهل يجوز أن تكون ذات نشاط ومسئولية قيادية في حزب سياسي إذا أجيز قيام الأحزاب؟؟ وهل يجوز أن تكون نائبة عن الرجال والنساء معا بطبيعة الحال؟ وهل يجوز أن تكون وزيرة، ولا نقول رئيسة وزراء؟ وهل يجوز أن تكون رئيسة على مجموعة كبيرة من الرجال؟ أم هناك قيد عام في الحديث “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”؟؟ وما هي الحدود بين ما يجوز وما لا يجوز؟؟ هل يجوز أن تشترك المرأة في مظاهرة –إذا أبيح حق التظاهر- وفي الإضراب والاعتصام بمكان ما –إذا كان ذلك من الحقوق المباحة للرجال؟؟.. إن التشريعات الخاصة بتنظيم ممارسة الحقوق السياسية وتشريعات الجمعيات والأحزاب والتظاهر والإضراب تنتظر كثيرا من ثمار الحوار البناء في هذه الموضوعات.

وهل تظل شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل أيا كان مستوى التعليم والخبرة لكل منهما، باعتبار وجود فارق فسيولوجي وظيفي بين الرجل والمرأة يبرر هذا الفارق على وجه التأييد، أو أن العلة التي ذكرها القرآن هي شرط الحكم “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى- البقرة 283″، وهي علة موقوتة مرهونة بالظروف الاجتماعية المتغيرة، ويدور معها الحكم وجودا وعدما؟.

ثم تأتي مشكلة أخرى ينبغي أن تعالج بصراحة وفي نقاش مثمر: هي مشكلة وضع المواطن غير المسلم –أو ما اصطلح على تسميته بالذمي- في الدولة التي تطبق شريعة الإسلام.

هل يكون الأصل هو المساواة التامة بين جميع المواطنين في جميع الحقوق والواجبات؟؟ هل يجوز أن يكون المواطن غير المسلم نائبا ووزيرا، وقاضيا، ومسئولا في الجيش، هل شهادته مقبولة في حق المسلم، ودمه سواء هو ودم المسلم، ولو قتله مسلم عمدا قتل به المسلم؟؟ هل “الجزية” حكم لازم مؤبد، وما هو تكييفها القانوني المقبول؟ وقد اختلفت فيه الفقهاء قديما وحديثا؟ هل يستمر القول بأنها “عوض عن حق الدم” أو يؤخذ بأنها “أجر لسكنى الدار” أو يقبل التكييف الذي قدمه فقهاء معاصرون استنادا لوقائع تاريخية رواها مؤرخون ثقات كالطبري والبلاذري: أنها “بدل عن الخدمة العسكرية الواجبة”؟؟ وهل يجوز لقانون التجنيد أن يفرض على كل مواطن غير مسلم أداء واجب الخدمة العسكرية كقاعدة عامة أصيلة؟؟ وما هي القواعد التي تحكم وضع غير المسلم في الجيش؟؟ ثم ماذا عن “الصغار” المفروض؟؟ هل يكون المقصود ما ذكره بعض الفقهاء –ومنهم ابن القيم- من أنه جريان أحكام الإسلام على غير المسلم؟؟

ما هي حقوق غير المسلمين في إنشاء معابد مستحدثة، وهل هناك أية قيود مفروضة على أشخاصهم في الزي أو الركوب والسكن أو غير ذلك، أو على ممارستهم لشعائرهم؟؟

كل هذه مسائل لا بد أن تجلي تماما للمسلمين ولغير المسلمين.. فلا تكفي النوايا الغامضة أو العبادات المائعة أو الخطب الرنانة، ثم التهامس من وراء الظهور!! ولا يعني أبدا –أن نتجاهل- في هذا الصدد المشكلة أو نقول إنها غير موجودة، أو نسقط من تراثنا الفقهي بعض ما يخشاه غير المسلمين من أحكام ونزعم أنها لم ترد أصلا أو أنها خاطئة. لا بد من تناول القضية بأمانة المؤمنين.

إن غير المسلمين قد عاشوا في ظل “الدولة العلمانية”، وتابعوا الثقافة الغربية التي ترى أن مثل هذه الدولة هي الغاية والمثل الأعلى المنشود الذي يحقق المساواة بين المواطنين، وعايشوا مكائد الاستعمار التي استغلت “حقوق الأقليات” لعرقلة الاستقلال وطالما استثارت القلاقل بين المسلمين وغيرهم وبين المواطنين والأجانب، وهم قد تكون لهم ذكريات سيئة عن حكم طاغية تسمى بأسماء المسلمين أو عن حوار غير كريم من جانب أحد المسلمين.

ومن حق هؤلاء المواطنين غير المسلمين أن يؤمنوا على مركزهم القانوني وحقوقهم ومستقبلهم، وأن تبسط لهم وجهة النظر الإسلامية في معاملتهم، وأن يبين لهم الفرق بين الأحكام الثابتة القطعية المؤبدة، وبين الشروح والآراء الفقهية الاجتهادية التي يؤخذ منها ويترك، والتي تتأثر بالظروف التاريخية المتغيرة. من حقهم أن يبصروا بالقول الفصل في شأن ما قدمنا من مسائل وأمثالها، حتى تتضح الحقيقة بكل أبعادها، لا أن يصدموا بتشريع دستوري مفاجئ ينص على أن شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، وبمراجعة تشريعية شاملة لكل ما فات من تشريعات لتتمشى مع هذا الأصل الدستوري، بينما بعض الأحكام التي تتضمنها كتب الفقه تثير لدى غير المسلمين شبهات، وتغشى بالضباب والغبار الأصول العامة وللإسلام نفسه كدين ووقائع التعايش التاريخي بين المسلمين وغيرهم التي كثيرا ما لفتت أنظار مؤرخين أعلام من غير المسلمين.

لا بد من الشروع في الحوار حول هذه القضايا والمسائل فورا، دون أي إبطاء. فالقضية ليست قضية “توفيق” أو “تلفيق” جزئي بين أحكام المعاملات الواردة في كتب الفقه وأحكام التقنين المدني القائم، أو بين أحكام الحدود والقصاص الواردة في كتب الفقه وأحكام قانون العقوبات القائم. إنها قضية أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية عامة هامة، تحتاج إلى إيضاح حكم الإسلام فيها على هدى ونور، وبعد المناقشة المتأنية المتبصرة على علم، والحوار الجاد الرصين بمنطق وذوق، لأن لهذه الأوضاع آثارها الكبرى في تشريعات متعددة، تمس الحريات العامة والحقوق السياسية والنشر والإعلام والعمل كما تمس الأسرة والحقوق المدنية والمعاملات التجارية والإثبات والعقوبات والإجراءات… الخ.

ولهم –الجمهور، مسلمين وغير مسلمين، أفرادا وجماعات- أن يتابعوا النقاش ويتعرفوا على ما يستقر عليه الرأي، حتى يتبين الهدي لكل ذي رشد، ولا يشذ إلا معتد متجن مفرق مستحق لتحمل جريرته “ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى” – النساء 115 ذلك أن هذا الحوار ليس “جدلا أكاديميا” بين المتخصصين، وإنما يمس المعتقدات والآراء والتقاليد الفكرية والاجتماعية كما يمس الحريات والحقوق السياسية والمراكز القانونية للمواطنين فهو يهم جمهور الأمة في الصميم.

وقد ينبغي البدء بتشكيل لجنة موسعة من علماء الشريعة وأحبار الدين غير المسلمين أو دعوة هؤلاء إليها في جلسات معينة، كما تضم لجنة المفكرين البارزين والمتخصصين والخبراء في مختلف مجالات الإنسانيات من قانون واجتماع واقتصاد وتربية وتاريخ وغير ذلك، ثم تتفرع اللجنة العمة إلى لجان أضيق وأكثر تخصصا لمناقشة موضوعات بعينها. وتنشر المداولات الهامة والنتائج التي يتوصل إليها في هذه الاجتماعات.

وقد ينبغي الاتجاه مستقبلا إلى تحديد “جهة فقهية معينة” لعرض أي تشريع مقترح عليها للتأكد من موافقته للشريعة، بدلا من ترك هذا للمصادفات التي قد تأتي ببعض علماء الدين إلى مجلس الأمة أو إلى مقعد وزارة الأوقاف. ويمكن أن تتبع هذه الجهة “مجلس الدولة” أو الهيئة التشريعية المختصة على أن ينص على وجوب عرض التشريعات المقترحة كلها على تلك الجهة، سواء أكانت مقدمة من السلطة التنفيذية، أو مقترحة من أحد أعضاء الهيئة التشريعية. وعلى أن يكون الرأي في هذه الجهة “جماعيا” لا فرديا. فلا يكتفي مثلا بمراجعة مفت واحد كما فعل وزير المالية المصري في مشروع قانون الضرائب إذ عرضه على المفتي التابع لوزارة العدل.

وقد ينبغي تعبئة أجهزة الإعلام والتوجيه ومؤسسات التربية والتعليم لتنوير الجماهير في هذه القضايا، وبيان الحق في حرص تعاليم الإسلام على كفالة حرية الاعتقاد وسائر الحريات العامة، وعلى توفير الضمانات الأخلاقية والسلوكية والقانونية لإقامة مجتمع يسوده حسن المعاملة وإتقان العمل وطيب القول ورعاية حقوق الأفراد الآخرين ومصالح الجماعة ولتنظيم الحوار الرصين البناء في جو من الصراحة والمودة والتفاهم والتعاون بين مختلف العقائد والآراء.

وقد يكون من آثار هذه التعبئة الإعلامية التوجيهية التربوية، أن تألف الأمة “الحوار” ومناهجه وآدابه، بحيث يصير من عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة بدل ما يشيع فينا وعنا من فرض الآراء والتهرب من أية مناقشة، والحوار مع النفس فقط أو مع من يعرف المرء اتفاقهم معه أو سكوتهم عن مخالفته، أو الحوار “المفترض” مع الآخرين خلف ظهورهم!!

وأنا أقدر لمثل هذا الحوار الضروري لتحديد المفاهيم قبل تطبيق أحكام الشريعة في شتى المجالات، مدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام حتى يكون الحوار جادا له نتائجه التي يمكن أن يستفاد منها. على أن أمد هذا الحوار (التأصيلي) لا ينبغي أن يطول بحال عن أربع أو خمس سنوات، لأن الحوار سيظل موصولا ما وجد التفكير وما وجد الاختلاف في التفكير عند الفرد الواحد نفسه وبين الأفراد المتعددين. وإنما المقصود هنا حوار (تأصيلي) كما قلت، وهو ضروري لتحديد المفاهيم الأساسية في القضايا الكبرى، وليس المقصود إجراء حوار شامل يتناول كل الجزئيات والتفاصيل في شتى المجالات وتعتبر هذه الفترة “انتقالية” تسبق التقنين والتطبيق لأحكام الشريعة على وجه الشمول ولا يتعارض حكم هذه الفترة الانتقالية الضرورية مع النص الدستوري بجعل الشريعة مصدر التشريع. إذا كان مثل هذا النص قد تقرر في دستور الدولة. وهي تقي عثرات كثيرة في التطبيق قد تؤدي إلى تأخير أطول أمدا أو تراجعا نهائيا لا قدر الله.

ولما كان المناخ الديمقراطي الصحيح شرطا أساسيا لقيام هذا الحوار بين أهل الذكر المتخصصين ونجاحه، ولمتابعة الجمهور له ومشاركته فيه، فغني عن القول أن توفير مثل هذا المناخ لا بد أن يكون مطلب كل داعٍ للإسلام مناصر لتطبيق شريعته.. وإنه ينبغي أن يتقدم حتى على الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة نفسها.. وأن ضمان الحريات العامة مطلب أساسي لرسالة الإسلام وشريعته، وهو مطلب حيوي ضروري لكل إنسان، ومن ثم يجب أن يتضافر عليه سائر المخلصين “للإنسان” وليس إلحاح الإسلاميين على توفير الحرية بحال بمجرد “تكتيك مرحلي” حتى يقفزوا إلى السلطة، بل هو أصل شرعي حاكم على المسلمين سواء أكانوا دعاة بين جماهير الشعب أو حاكمين في مقاعد السلطة. فالإسلام الصحيح لا يعرف تناقضا بين إسلام “الدعوة” وإسلام “الدولة” ويحذر من النفاق والرياء وفتنة القول والعمل والشرك الخفي “كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”- الصف 3.

__________________________________________

ورقة علمية للباحث أحمد زغلول شلاطة بعنوان “الإسلاميون والشريعة: جدالات الديني والسياسي”، نٌشرت في إطار مشروع بحثي تحت عنوان “مفهوم تطبيق الشريعة في فكر دعاة الإسلام السياسي مقاربة نقديّة”، من تقديم أنس الطريقي، وصدرت عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، جاء ملخص الورقة كما يلي:

“ظلَّت مقولة «تطبيق الشريعة» أبرز المقولات التأسيسية الأساسية عند الجماعات الإسلامية بمختلف تنوّعاتها. وأتت التطورات السياسية في سنوات الربيع العربي لتضع مُسلّمات ودعوات المشروع الإسلامي عامّةً قيد الاختبار. فها هي الفرصة السياسية أصبحت مواتية لاختبار الأفكار، التي طالما نادت بها جميع هذه الجماعات، وطالبت بتحقيقها.
ومن واقع التجربة المصرية؛ تنطلق الورقة من فرضية مفادها أنّ الإسلاميين لا يملكون تصورًا واضحًا فيما يخصّ تطبيق الشريعة دستوريًا، خارج إطار الحديث الوعظي، الذي اعتمدوا عليه في تجييش قواعدهم لسنوات، وأنّ الدافع، وراء خطابهم المكثف حول الهوية وتطبيق الشريعة، ما هو إلا فرض الوجود السياسي، وضمانة استمراريتهم في تصدّر المشهد، وهو ما أثبتته التجربة في دستورين اشتركوا في إعدادهما”.

 

رابط تحميل مباشر للورقة

بعض الناس يفهم أن إقامة الحدود الشرعية ضرب من القسوة والغلظة، وكأنهم ينظرون إليها من زاوية الجناة لا من جانب المجني عليهم، أو خلال رؤية فرد ظالم لا مصلحة مجتمع مظلوم!
والرحمة لا تقتضي العاطفة الحمقى التي حذرنا الله منها حيث يقول في سياق إقامة الحدود فيما يدنس الأعراض في المجتمعات {وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النور:2).
من هنا تأتي أهمية هذا البحث (تطبيق الشريعة الإسلامية على حقوق الافراد في قانون العقوبات المصري) للمستشار بمجلس الدولة د. حسين توفيق رضا، وهو بحث منشور في مجلة مصر المعاصرة (العدد رقم 359 عام 1975)، حيث اعترض المؤلف على انحسار الشريعة في مصر الذي واكب فرض القانون الوضعي مع بدايات الاحتلال الإنجليزي لمصر، حيث كتب في مقدمة بحثه يقول “عُهد شرح القانون إلى أساتذة من الفرنسيين والإنجليز، أعجزهم لسانهم الأعجمي عن أن يحيطوا بأحكام الشريعة وتطبيقها بالبلاد عند صدور القانون في مدوناتها العربية، ولم يعن كثير من المصريين الذين جاءوا بعدهم أن يتقصوا تلك الأحكام واتبعوا سبيل الغربيين في دراستهم فعرضوا تاريخ الشرائع الأوروبية ودور المسيحية في تطويرها، وإن أشاروا إلى الإسلام عدوا شريعته مرحلة تتوسط النظم البدائية الفطرية والتشريعات الحديثة، فالدية الشرعية عندهم صورة من الانتقام الخاص، والحدود الشريعة يرونها تقوم على أساس ديني جعلها ممعنة في القسوة ردعًا وتنكيلًا، وسوغ كل أولئك لهؤلاء الشراح أن ينتقصوا من الحقوق الشرعية التي نص القانون على بقائها، وانتهى بعضهم إلى أن ينادي بإلغاء تلك الحقوق جميعًا، إلا ما تعلق منها بالإباحة.
ولكن ما أن نشطت دراسة الشريعة الإسلامية، باعتبارها دستور التفكير القانوني في الحضارة العربية قاطبة، وعُني الباحثون من علماء القانون والاجتماع على اختلاف أديانهم وألسنتهم بالإحاطة بالأحكام الجنائية الشرعية، حتى تبين ما للشريعة من رفيع المكانة بين سائر الشرائع والقوانين الحديثة، وأن الشريعة قد سبقت إلى كثير من الأحكام الجنائية، كاشتراط الأهلية للعقوبة في المسئولية الجنائية، وكذلك تفريد العقوبة بالتعزير الذي يقدره القاضي حسب حال الجاني، مما لم تعرفه القوانين الغربية إلا حديثًا، مما بعث في مجال التقنين العربي روح الأوبة إلى معين الشريعة الغراء، وبدأت في تنقيح القانون المدني المصري، ثم علت تلك الروح لتتمثل في الدستور حيث قرر أن مباديء الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”.

رابط مباشر للبحث