المؤلف:

يُعد عمر لطفي بك (1867- 1914) أحد أبرز رجال القانون والأكاديميين المصريين في مطلع القرن العشرين، حيث جمع بين العمل القضائي والتدريس الأكاديمي المتخصص، وتولى منصب وكيل مدرسة الحقوق الخديوية وكان مدرسًا شرفيًا بها، بالإضافة إلى عمله مدرسًا للقانون الجنائي بمدرسة البوليس. ثم عمل محاميًا حتى وفاته. امتلك عمر لطفي بك خبرة تعليمية واسعة استمدها من ممارسة تدريس الفقه الجنائي والتعليق على القوانين الأوروبية وأحكام المحاكم الأهلية لزمن مديد. يعد أحد رواد الحركة التعاونية على مستوى العالم، كما أنه هو صاحب فكرة تأسيس النادي الأهلي المصري. اختاره المؤرخ عبد الرحمن الرافعي ضمن أعظم عشر شخصيات مصرية في النصف الأول من القرن العشرين. من أهم مؤلفاته: الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية، حقوق المرأة، حرمة المساكن، حق الدفاع، الامتيازات الأجنبية، الوجيز في شرح القانون الجنائي، شركات التعاون في مصر.

 

نظرة عامة على الكتاب:

يُعد كتاب "الوجيز في القانون الجنائي"* أطروحة علمية وأكاديمية تأسيسية في المكتبة القانونية المصرية، حيث صاغه المؤلف بصفته خبيرًا أكاديميًا وممارسًا شغل منصب وكيل مدرسة الحقوق الخديوية ومدرسًا للقانون الجنائي بها وبمدرسة البوليس. تكمن الأهمية العلمية للكتاب في كونه جاء استجابةً لضرورة تشريعية ملحة عقب صدور قانون العقوبات الجديد سنة ١٩٠٤، مما تطلب وضع مرجع يفسر فلسفة هذا القانون ويقارن بين القواعد القديمة والحديثة. وقد اعتمد المؤلف منهجية أكاديمية رصينة تقسم العمل إلى جزأين؛ يختص الأول بالقواعد العمومية (الموضوعية)، بينما ينفرد الثاني بتحقيق الجنايات (الإجرائية)، مما يوفر رؤية شاملة للمنظومة الجنائية.

وفي صلب النظرية الجنائية، يقدم الكتاب تحليلًا دقيقًا لـ أركان الجريمة، حيث يفصل في الركن المادي متتبعًا مراحل الجريمة من "التصميم" إلى "الشروع" وصولًا إلى "الجريمة التامة"، مع استعراض تطبيقات قضائية وقانونية معقدة في جرائم النصب والسرقة والتسميم. كما يبحث في الركن الأدبي القائم على الإرادة والتمييز، مفصلًا في عوارض المسؤولية الجنائية كالسن، والعته، والسكر، والإكراه، والقصد الجنائي بشقيه العام والخاص. ويُتوج هذا التحليل بالبحث في الركن الشرعي القائم على مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، وهو ما يمثل حجر الزاوية في ضمان الحريات الفردية.

علاوة على ذلك، يتوسع الكتاب في دراسة نطاق تطبيق القانون من حيث الزمان والمكان، مبينًا قواعد تنازع القوانين ومبدأ إقليمية القانون الجنائي وسلطة الدولة على أراضيها وبحارها الإقليمية. ولعل من أبرز الإضافات العلمية للكتاب هو رصده الدقيق لتاريخ الامتيازات الأجنبية في مصر وتأثيرها على السيادة القضائية وتطبيق القانون الجنائي على الأجانب، فضلًا عن القواعد الدولية المنظمة لتسليم المجرمين. إن هذا العمل لا يمثل مجرد شرح للقانون، بل هو مرجع فقهي يجمع بين التأصيل التاريخي، والتحليل الفلسفي، والتطبيق القضائي، مما يجعله ركيزة أساسية في دراسة السياسة الجنائية المصرية.

 

المنهجية العلمية:

من الناحية المنهجية، يتبنى الكتاب المنهج التاريخي المقارن، حيث لم يكتفِ بشرح النصوص، بل غاص في أصول التشريعات الجنائية الغربية (الرومانية، والجرمانية، وأحكام الكنيسة) وتطورها الفلسفي الذي أدى إلى ظهور المدارس الحديثة في حق العقاب مثل مدرسة "العقد الاجتماعي" لروسو و"المنفعة العامة" لبنتام. هذا التأصيل النظري مكن المؤلف من ربط التشريع المصري بمنابعه الأوروبية، مع تسليط ضوء أكاديمي كثيف على خصوصية التشريع المصري وتطوره من أحكام الشريعة الإسلامية (حدود، قصاص، تعازير) مرورًا بفرمانات محمد علي باشا وقانون الفلاح، وصولًا إلى التقنينات الحديثة التي تلت إنشاء المحاكم الأهلية.

 

أبرز موضوعات الكتاب

 أولًا: تاريخ التشريع الجنائي الغربي:

تناول الباب الأول من الكتاب تاريخ وتطور التشريع الجنائي في البلاد الغربية، موضحًا أن القوانين الجنائية المصرية الحالية تستمد أصولها من الشرائع الأوروبية، مما يجعل دراسة تاريخ تدوين هذه القوانين أمرًا ضروريًا لفهم أسرارها ومرامي نصوصها. ويبين المؤلف أن العقوبات عند الأمم السالفة كاليونان والرومان والجرمان كانت تتسم بالشدة والصرامة المفرطة، حيث كانت الفكرة السائدة هي الانتقام من الجاني وتعذيبه، فكان اليونانيون يعاقبون بالسم أو السقوط في الجب أو الجلد حتى الموت، بينما كان الرومان يلقون بالمجرم من فوق صخرة عالية أو يلقونه في البحر داخل كيس يضم حيوانات مفترسة. واستمرت هذه القسوة حتى ما قبل الثورة الفرنسية، حيث كانت العقوبات تشمل الحرق أو الربط في خيول تساق في اتجاهات مختلفة، فضلًا عن العقوبات المزدرية بالشرف كالتمثيل والتشهير بالمحكوم عليه.

ويذكر الكتاب أن قوانين أوروبا استمدت أصولها من ثلاثة منابع هي: القانون الروماني، والعوائد الجرمانية، وقوانين الكنيسة. وبينما اعتنى القانون الروماني بالمسائل المدنية، إلا أنه ترك تقسيمًا مهمًا للجرائم إلى جنايات عامة وجنايات خاصة، وكان يعطي للمحاكم سلطة مطلقة في تكييف الجرائم. أما العوائد الجرمانية فكانت تمتاز بفكرة الانتقام الفردي، ولم تكن تعتد بالنية أو القصد الجنائي بل بالنتائج المادية للفعل، وكان لديهم ما يسمى بالدية (Wergeld) للاعتياض عن القتل أو الجروح بالمال. وجاءت أحكام الكنيسة لتساهم في تهذيب الشعوب الغربية وإخراجها من دور الوحشية، حيث أوجدت محاكم كنسية تعاقب على أفعال تعتبرها مخالفة للشريعة المسيحية كالردة والزنا، وقد ظل تأثير قوانين الكنيسة في أوروبا لفترات طويلة.

وفي النصف الأخير من القرن الثامن عشر، ظهرت حركة إصلاحية كبرى قادها فلاسفة وعلماء مثل فولتير وبكاريا لإنقاذ الأمم من ظلم الحكومات واستبدادها، فنادوا بالحرية والمساواة والعدل في الأحكام. وقد كان لكتاب بكاريا الشهير في الجرائم والعقوبات أثر عظيم، حيث كان أول من جاهر بوجوب إلغاء عقوبة الإعدام وحذفها من القوانين. وأدت هذه الأفكار إلى البحث في مشروعية حق العقاب، فظهرت مذاهب فقهية متعددة؛ منها مذهب "العقد الاجتماعي" لروسو الذي يرى أن الإنسان تنازل عن جزء من حريته للهيئة الاجتماعية مقابل حمايتها له، ومذهب "المنفعة العامة" لبنتام الذي يرى أن الغرض الوحيد من العقوبة هو تحقيق مصلحة المجتمع وإرهاب الجاني لمنعه من العودة للجريمة.

كما برز مذهب "العدالة المطلقة" للعلامة الألماني كانت، الذي يرى أن العقوبة يجب أن تنزل بالجاني لمجرد استحقاقه لها بسبب مخالفته للواجب الأخلاقي، دون النظر لمنفعتها الاجتماعية. ثم جاء المذهب "المنتخب" الذي يجمع بين مذهبي المنفعة والعدالة، وهو المذهب الذي اعتمده أغلب الفقهاء في وضع الشرائع الجنائية الحديثة. وبناءً على هذه النظريات، بدأت الدول الأوروبية في تدوين قوانينها، وكان قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1810 هو النموذج الذي احتذت به معظم الدول، حيث وضع قواعد واضحة للتناسب بين الجرم والعقوبة.

وفي العصر الحديث، تطورت الغاية من العقوبة فلم تعد مجرد إيلام للجاني، بل أصبح الهدف هو إصلاحه وتهذيبه، ولذلك اهتمت الحكومات بإصلاح السجون وتعليم المسجونين وتدريبهم على أعمال نافعة. كما استقرت القواعد الجنائية الحديثة على مبادئ هامة، منها قاعدة عدم سريان القانون على الماضي، وضرورة وجود نص قانوني لكل جريمة وعقوبة، والتمييز بين مسؤولية الفاعل الأصلي والشريك. كذلك وضعت القوانين قواعد خاصة لمسؤولية الصغير والمجنون والمكره، ومنحت القاضي سلطة تخفيف العقوبة إذا وجد ما يدعو للرأفة، كما استحدثت نصوصًا تسمح بإيقاف تنفيذ الحكم في الجرائم الصغيرة كنوع من الترغيب للجاني في الإصلاح.

 

ثانيًا: تاريخ التشريع الجنائي المصري:

تناول الباب الثاني من القسم التمهيدي للكتاب تاريخ التشريع الجنائي في البلاد المصرية، حيث بدأ المؤلف بالإشارة إلى صعوبة الوقوف بدقة على تفاصيل الشرائع الجنائية في مصر قبل الفتح الإسلامي، لا سيما في زمن الفراعنة، لكونها لا تزال محلًا للبحث من قبل علماء الآثار واستنطاق النقوش القديمة. ومع دخول العرب لمصر، أصبحت الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للقانون، وهي شريعة تستمد أحكامها من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس. وقد أقرت هذه الشريعة بعض ما كان متبعًا عند العرب في الجاهلية من أعراف لا تتنافى مع العدل والمنطق، كالدية والقسامة، مع إدخال تعديلات جوهرية عليها لتهذيبها، مثل تحديد عدد الزوجات وإقرار المساواة وحماية أموال اليتامى.

وبين الكتاب أن الجرائم في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي الحدود والقصاص والتعازير. والحدود هي عقوبات مقدرة حقًا لله تعالى، وتشمل جرائم محددة مثل السرقة والزنا والقذف وشرب الخمر والردة. وقد فصل الكتاب شروط إقامة هذه الحدود، ففي حد السرقة مثلًا، يشترط أن يكون المال المأخوذ خفية، ومن مكان محرز، وأن يبلغ نصابًا معينًا، وتكون عقوبتها قطع اليد. أما في حد الزنا، فتختلف العقوبة بين الرجم للمحصن (المتزوج) والجلد لغير المحصن، مع التشدد الكبير في شروط الإثبات. وبالنسبة لـ حد القذف وشرب الخمر، فقد حدد الشارع لها عقوبة الجلد لردع المعتدين على أعراض الناس وعقولهم.

أما القسم الثاني فهو القصاص والدية، ويختص بجرائم الاعتداء على النفس وما دونها، حيث ينقسم القتل إلى عمد، وشبه عمد، وخطأ. والقتل العمد هو ما يقصد فيه الجاني إزهاق روح المجني عليه بآلة تقتل غالبًا، وعقوبته القصاص إلا إذا عفا أولياء الدم، فتجب الدية. أما القتل الخطأ فلا قصاص فيه، بل تجب فيه الدية والكفارة. وقد استعرض المؤلف مقادير الدية في الشريعة وكيفية تقديرها في الجروح وفقد الأعضاء، مشيرًا إلى دقة التشريع الإسلامي في مراعاة جسامة الضرر الناتج عن الفعل. والقسم الثالث هو التعزير، وهي عقوبات غير مقدرة يترك تقديرها للقاضي أو الإمام لتأديب الجاني في الجرائم التي ليس فيها حد أو قصاص، والغرض منها الإصلاح والزجر.

وانتقل الكتاب بعد ذلك إلى العصور اللاحقة، موضحًا كيف تداخلت السلطات الإدارية مع القضائية في عهد المماليك، مما أدى إلى استبداد الولاة وظهور أنواع قاسية من التعذيب بعيدة عن أحكام الشريعة. ومع تولي محمد علي باشا الحكم، بدأ في إصلاح أحوال البلاد ووضع قوانين لضبط الأمن، منها "قانون الفلاح" سنة ١٢٤٥ هجرية، الذي تضمن أحكامًا لزجر التعديات الواقعة من المزارعين وحماية المحاصيل والمواشي، وكانت عقوباته تشمل الضرب بالكرباج. ثم صدر في عهد سعيد باشا "القانون الهمايوني" سنة ١٨٥٥، والذي قسم الجرائم إلى فصول تتناول القتل والجرح والقذف والتعدي على الأموال، واتسم بكونه مزيجًا بين القواعد الإدارية والجنائية.

وفي المرحلة الأخيرة من التطور التشريعي، شرح المؤلف كيف وضعت مصر قانون العقوبات الأهلي سنة ١٨٨٣ على نمط القوانين الغربية (لا سيما الفرنسي)، تزامنًا مع إنشاء المحاكم الأهلية. ومع الوقت، ظهرت الحاجة لتعديل هذا القانون لمواكبة رقي المجتمع المصري وتلافي الثغرات، فتشكلت لجنة بوزارة الحقانية لدراسة المشروعات المقترحة، وهو ما أسفر في النهاية عن صدور قانون العقوبات الجديد سنة ١٩٠٤. ويختتم المؤلف هذا الباب بالتأكيد على أن هذا القانون الجديد هو المطبق حاليًا، والذي سيقوم بشرح قواعده العمومية في الأجزاء التالية من الكتاب.

 

ثالثًا: أطراف الجريمة:

كرّس عمر لطفي بك "الباب الثالث" من كتابه لبحث أحكام الجاني والمجني عليه في قانون العقوبات الساري حينذاك، مقسمًا إياه إلى ثلاثة فصول رئيسية تتناول أطراف الجريمة والروابط التي قد تجمع بينهما وتأثير ذلك على المسؤولية الجنائية والعقوبة. يبدأ الفصل الأول بتحديد ماهية الجاني، حيث يقرر أنه لا يُعد جانيًا في نظر القانون إلا الشخص الحر المميز القادر على التفرقة بين الخير والشر والنفع والضر؛ فإذا فقد الإنسان إحدى هاتين الصفتين فلا يمكن مؤاخذته قانونًا. وبناءً على ذلك، استبعد المؤلف الجماد والحيوان من دائرة الجناة لعدم امتلاكهم العقل أو الإرادة، مشيرًا إلى أن المحاكمات التي كانت تُجرى للحيوانات في العصور الوسطى بفرنسا قد ولّى زمنها، وأصبح القانون المعاصر يكتفي أحيانًا بمعاقبة صاحب الحيوان إذا أهمل في حراسته.

وفي سياق متصل، ميَّز الكتاب بين الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري (المعنوي) في المسؤولية الجنائية، موضحًا أن الإنسان هو المسؤول الأول عن الجنايات التي يرتكبها بصفته المادية. أما الأشخاص الاعتبارية مثل الشركات والجمعيات والمصالح الحكومية، فإنها وإن كانت تتمتع بشخصية قانونية تمكنها من البيع والشراء والتقاضي، إلا أنها لا يمكن أن تُسأل جنائيًا عن الأفعال المادية؛ إذ لا يُتصور صدور جناية عن كيان معنوي. ويؤكد المؤلف هنا على مبدأ "شخصية العقوبة"، وهو أن العقاب يجب أن يقع على الفرد الذي ارتكب الفعل حقيقة (كالمدير أو الوكيل) ولا يصح أن يمتد إلى ذمة الشركة أو الكيان الاعتباري، لأن ذلك سيؤدي إلى تضرر أشخاص آخرين لا ذنب لهم. ومع ذلك، يجيز القانون للحكومة حل الجمعيات أو تشديد الرقابة عليها إذا تبين أنها تشكل خطرًا على النظام العام، كما يحق للمتضررين مطالبة تلك الجهات بالتعويضات المدنية عن الأضرار التي أحدثها ممثلوها أثناء تأدية وظائفهم.

انتقل المؤلف في الفصل الثاني للحديث عن المجني عليه، وهو كل ذات لها حقوق يقررها القانون، سواء كان شخصًا حقيقيًا أو ماديًا، صغيرًا كان أم كبيرًا، وطنيًا أم أجنبيًا. ويشمل هذا المفهوم في التشريع الجنائي المصري الجنين في بطن أمه، حيث شدد القانون العقوبات على إسقاط الحوامل حماية لحق الجنين في الحياة. كما ناقش الكتاب مسألة رضاء المجني عليه، مبينًا أن رضاء الشخص بوقوع الجريمة عليه لا يمنع من مؤاخذة الجاني في الجرائم التي تمس النظام العام أو الحق في الحياة، كالحريق العمد والقتل والجرح، لأن الإنسان لا يملك التصرف في نفسه بما يضر المجتمع. أما في الجرائم التي تقع على الأموال كالسرقة، فإن رضاء صاحب المال قبل ارتكاب الفعل قد ينفي صفة الجريمة، بشرط أن يكون هذا الرضاء صحيحًا وصادرًا عن شخص كامل الأهلية.

وجاء في الفصل الثاني أيضًا أن الحيوان أو الجماد لا يعتبران "مجني عليهما" بالمعنى القانوني لافتقارهما للحقوق البشرية، وإنما يقع التجريم في حال الاعتداء عليهما باعتبارهما ملكًا للغير أو لمساس ذلك بالمصلحة العامة. في المقابل، يمكن أن يكون الشخص المعنوي مجنيًا عليه في جرائم معينة، كالسرقة من أموال الشركات أو اختلاس الأموال الأميرية، أو في جرائم السب والقذف الموجهة ضد الهيئات الحاكمة أو الطوائف أو المصالح العمومية.

أما الفصل الثالث والأخير، فقد خُصص لبحث الصلة أو الرابطة بين الجاني والمجني عليه وتأثيرها على جسامة الجريمة. ويشير المؤلف إلى أن وجود علاقة معينة قد يكون سببًا في تشديد العقوبة، كما هو الحال في جرائم هتك العرض إذا كان الجاني من أصول المجني عليه أو المتولين تربيته أو خدمته، وذلك لتمكن الجاني من إيقاع الضرر بالضحية بسبب هذه الصلة. ومن جهة أخرى، قد تكون الرابطة سببًا في تخفيف العقوبة أو الإعفاء منها كنوع من الرأفة أو تقديرًا لظروف اجتماعية، ومثال ذلك إعفاء الجاني من عقوبة السرقة إذا وقعت بين الأقارب في حدود معينة، أو إعفاء الخاطف من العقوبة إذا تزوج المخطوفة زواجًا شرعيًا، وذلك بهدف حفظ كرامة الأسرة وعرض المجني عليها.

 

رابعًا: نظرية الجريمة وأركانها:

استعرض عمر لطفي بك في "الباب الرابع" من كتابه أركان الجرائم بشرح وافٍ ومفصل، مقررًا أن للجرائم نوعين من الأركان: أركان عامة تشترك فيها جميع الجرائم وتعد القواعد الكلية التي يبنى عليها البحث الجنائي، وأركان خاصة تختلف باختلاف طبيعة كل جريمة وعناصرها المكونة لها. وتتمثل الأركان العامة في الركن المادي، والركن الأدبي، والركن الشرعي، إضافة إلى ما سماه المؤلف "ركن التعدي". أما الأركان الخاصة فهي التي تميز جريمة عن أخرى؛ فمثلًا يشترط في السرقة "اختلاس مال منقول مملوك للغير بقصد الاستحواذ عليه"، بينما يتطلب التزوير "تغيير الحقيقة بطرق محددة قانونًا مع قصد الإضرار"، مما يجعل لكل جريمة كيانًا قانونيًا مستقلًا يفرضه المشرع.

وفي الفصل الأول من هذا الكتاب، فصَّل الكتاب في الركن المادي للجريمة، مبينًا أنه يبدأ بـ "التصميم" وهو العزم الباطني الذي لا يؤاخذ عليه القانون كقاعدة عامة إلا إذا خرج إلى حيز التنفيذ أو شكل بحد ذاته خطرًا على النظام العام كجريمة التحزب. تلي ذلك مرحلة "التأهب" أو الأعمال التحضيرية كشراء السلاح أو إعداد الأدوات، وهي أفعال لا يعاقب عليها القانون عادةً لأنها لا تضر المجتمع مباشرة ولإتاحة الفرصة للجاني للعدول عن فعله. ومع ذلك، استثنى القانون بعض الأعمال التحضيرية لخطورتها الذاتية، مثل صناعة المفاتيح المصطنعة، أو حمل السلاح بدون ترخيص، أو التواجد في أماكن محددة بقصد ارتكاب جرم، حيث اعتبرها المشرع جرائم قائمة بذاتها.

أما مرحلة "الشروع"، فهي البدء في تنفيذ العمل الإجرامي بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها. وحدد المؤلف ثلاثة أركان للشروع: البدء في العمل، وعدم تمام الجريمة، وأن يكون سبب عدم التمام خارجًا عن إرادة الجاني. كما ناقش الكتاب مسألة "الجرائم المستحيلة"، وهي الحالات التي يبذل فيها الجاني جهده لكن الجريمة لا يمكن أن تتحقق (كإطلاق النار على جثة)، مستعرضًا الآراء الفقهية حول معاقبة الجاني في هذه الحالة بناءً على نيته الإجرامية وخطورته على المجتمع. وقدَّم هذا القسم تطبيقات واسعة على الشروع في جرائم النصب والسرقة والتسميم وهتك العرض لتوضيح الحدود الفاصلة بين العمل التحضيري والتنفيذ المعاقب عليه.

وفيما يخص عقوبة الشروع، نبه المؤلف إلى ضرورة التفرقة بين الجنايات والجنح والمخالفات؛ ففي الجنايات يعاقب على الشروع دائمًا بعقوبات أخف من الجريمة التامة، أما في الجنح فلا عقاب إلا بنص خاص، بينما لا عقاب على الشروع في المخالفات مطلقًا. ويشرح الكتاب كيفية تقدير هذه العقوبات في القانون المصري الجديد مقارنة بالقديم، موضحًا سلطة القاضي في تخفيف العقوبة أو استبدالها حسب ظروف الدعوى والرأفة. وينتهي الفصل بالحديث عن "الجريمة التامة"، مبينًا الوسائط المستخدمة فيها كالقوة والحيلة، وأهمية تحديد زمن ومكان ارتكابها، والضرر الناتج عنها، مع الإشارة إلى أثر تدارك الجاني للضرر (مثل رد المسروقات) في تخفيف المسؤولية أو العقوبة.

انتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى الركن الأدبي، مؤكدًا أن المسؤولية الجنائية تتطلب توفر الإرادة والتمييز لدى الفاعل. وبدأ ببحث "السن"، حيث قسم المشرع مراحل عمر الإنسان جنائيًا؛ فمن لم يبلغ السابعة لا مسؤولية عليه، ومن السابعة إلى الخامسة عشرة يعتبر في دور التمييز المحدود وتطبق ضده تدابير إصلاحية، أما من تجاوز الخامسة عشرة فيدخل دور الرشد الجنائي مع مراعاة تخفيف العقوبات حتى سن الثامنة عشرة. كما تناول حالات العته والجنون والسكر (إذا كان بغير اختيار) والنوم واليقظة والتنويم المغناطيسي، مبينًا كيف تؤدي هذه الحالات إلى انتفاء المسؤولية الجنائية لفقدان الإدراك.

وأفاض المؤلف في شرح "القصد الجنائي" وسبق الإصرار، معتبرًا القصد هو تعمد الفعل المحظور مع العلم بحقيقته. كما بحث في أثر الإكراه المادي والمعنوي، والجهل بالقانون أو الغلط فيه، موضحًا أن القاعدة المستقرة هي "عدم الاعتداد بالجهل بالقانون" كعذر لارتكاب الجرائم، إلا في نطاق ضيق جدًا. واختتم هذا القسم ببيان الحالات التي يتجاوز فيها ضرر الجريمة غرض الفاعل الأصلي وكيفية تقدير المسؤولية عنها.

أما الفصل الثالث والأخير، فقد خُصص لـ الركن الشرعي، القائم على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص". وفيه ناقش المؤلف قواعد سريان القانون من حيث الزمان، مرجحًا قاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم، ومن حيث المكان، مؤكدًا على مبدأ إقليمية القوانين الجنائية وسلطة الدولة على أراضيها. كما تطرق إلى سريان القانون على الأشخاص، مستعرضًا تاريخ الامتيازات الأجنبية في مصر وكيفية التعامل القضائي مع الأجانب، بالإضافة إلى القواعد الدولية المتعلقة بتسليم المجرمين، مما يجعل هذا الباب عرضًا شاملًا للمقومات القانونية والأدبية والمادية التي تقوم عليها الجريمة في التشريع المصري.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* عمر لطفي بك، الوجيز في القانون الجنائي، الطبعة الأولى، مطبعة الشعب، مصر، د. ت (يرجح صدوره في أوائل القرن العشرين، بعد صدور قانون العقوبات عام 1904م).

صدرت حديثًا الطبعة الثالثة المزيدة والمنقحة من "الموسوعة القضائية العسكرية"، من تأليف المستشار فؤاد أحمد عامر، القاضي السابق بالمحاكم العسكرية، لتمثل مرجعًا قانونيًا شاملًا يغطي تفرعات القضاء المدني، والعمالي، والجنائي، والإداري، والدستوري في سياق القضاء العسكري. وتأتي هذه الطبعة لتعزز ما قدمه المؤلف في طبعات سابقة بدأت بمجلد واحد ثم تطورت لتشمل ثلاثة مجلدات؛ حيث استهدف الكاتب من خلالها تقديم يد العون لرجال القضاء والمحامين والموظفين والضباط وكل مهتم بالثقافة القانونية العسكرية.

تتألف الموسوعة من ثلاثة مجلدات ضخمة، حيث يركز المجلد الأول بشكل مكثف على شرح موضوعات قانون القضاء العسكري وتطبيقاته العملية، بينما يتناول المجلدان الثاني والثالث جرائم التجنيد وأسباب البراءة فيها، مع استعراض مستفيض للمبادئ القانونية الصادرة عن المحاكم العليا. وقد حرص المؤلف في هذه النسخة على تحري الدقة واستهلاك غاية الجهد لتخرج الموسوعة في أبهى صورها العلمية، متبعًا منهجًا يجمع بين الشرح الفقهي وتأصيل المبادئ القضائية.

ونظرًا لارتفاع تكاليف الطباعة الورقية والمواد الخام، أعلن المؤلف عن إتاحة هذه الموسوعة إلكترونيًا عبر موقع "أمازون" لضمان وصولها إلى أكبر عدد من القراء بسعر ميسر، كما وفر خيار الحصول عليها مطبوعة على أسطوانة مدمجة (CD) للتواصل المباشر، مما يعكس مرونة في النشر تتماشى مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية الحالية. وتعد هذه الموسوعة إضافة نوعية للمكتبة القانونية، حيث تجمع بين دفتيها شرحًا وافيًا للقوانين مدعومًا بأحدث أحكام محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا والإدارية العليا.

 

فهرس الموسوعة القضائية العسكرية

المجلد الأول: قانون القضاء العسكري

  • الباب الأول: شرح أهم موضوعات قانون القضاء العسكري (ويشمل فصولًا عدة):
  • الفصل الأول: قواعد اختصاص القضاء العسكري.
  • الفصل الثاني: الحبس الاحتياطي.
  • الفصل الثالث: المحاكم العسكرية.
  • الفصل الرابع: انتهاء التحقيق والتصرف في الدعوى.
  • الفصل الخامس: انقضاء الدعوى العسكرية.
  • الفصل السادس: المحاكمة الغيابية.
  • الفصل السابع: التصديق.
  • الفصل الثامن: في قوة الأحكام العسكرية.
  • الفصل التاسع: طرق الطعن في الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية.
  • الفصل العاشر: تنفيذ الأحكام العسكرية.
  • الفصل الحادي عشر: العقوبة في الجريمة العسكرية.
  • الفصل الثاني عشر: المشكلات العملية الهامة بشأن تطبيق قانون القضاء العسكري.
  • الفصل الثالث عشر: شرح أحكام جرائم الهروب والغياب.
  • الباب الثاني: مجموعة المبادئ القانونية بشأن قانون القضاء العسكري (ويشمل عدة فصول):
  • الفصل الأول: أحكام المحكمة العليا والدستورية العليا (ويشمل عدة مباحث):
      • المبحث الأول: الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية.
      • المبحث الثاني: الأحكام الصادرة في تنازع الاختصاص.
      • المبحث الثالث: الأحكام الصادرة في دعاوى التفسير.
  • الفصل الثاني: أحكام المحكمة الإدارية العليا - دائرة توحيد المبادئ.
  • الفصل الثالث: أحكام المحكمة الإدارية العليا - الدوائر العادية.
  • الفصل الرابع: أحكام محكمة النقض (ويشمل مبحثين):
      • المبحث الأول: أحكام النقض الجنائي.
      • المبحث الثاني: أحكام النقض المدني والعمالي.

المجلد الثاني والثالث: التجنيد والمبادئ القانونية للخدمة العسكرية

  • الباب الأول: أسباب البراءة في جرائم التجنيد (ويشمل فصولًا عدة):
  • الفصل الأول: شرح جريمة التخلف عن التجنيد.
  • الفصل الثاني: شرح جريمة التخلف عن الاستدعاء.
  • الفصل الثالث: جرائم التخلص من الخدمة العسكرية (بطريق الغش، أو تجنيب الفرد، أو إحداث جرح).
  • الفصل الرابع: نماذج أسباب البراءة في جرائم التجنيد.
  • الباب الثاني: مجموعة المبادئ القانونية بشأن الخدمة العسكرية:
  • الفصل الأول: أحكام وقرارات المحكمة الدستورية العليا.
  • الفصل الثاني: أحكام المحكمة الإدارية العليا - دائرة توحيد المبادئ.
  • الفصل الثالث: أحكام المحكمة الإدارية العليا0.
  • الفصل الرابع: أحكام محكمة النقض (الدائرة الجنائية، والدوائر المدنية والعمالية).
  • الباب الثالث: أحكام التظلم من قرارات التجنيد.
  • الباب الرابع: مجموعة المبادئ القانونية بشأن الخدمة العسكرية (مجلد إضافي):
  • الفصل الأول: أحكام وقرارات المحكمة الدستورية العليا (دعاوى التفسير، الدعاوى الدستورية، منازعات التنفيذ).
  • الفصل الثاني: أحكام المحكمة الإدارية العليا (دائرة توحيد المبادئ).
  • الفصل الثالث: أحكام المحكمة الإدارية العليا.
  • الفصل السابع: أحكام محكمة النقض (الدائرة الجنائية، والدائرة المدنية والعمالية).

 

ثانيًا: قواعد البناء الأساسية

يجمع بين الأعمدة الأساسية السابق توضيحها قاعدة كبرى، وتتكرر هذه القاعدة في الطوابق المختلفة من البناء (الكتب الخمسة)، فيتحقق من خلالها التماسك والاتصال بين الأعمدة. وبذا يكتمل للبناء طرازه الخاص الذي يميز فكر طارق البشري بالمقارنة مع غيره حول نفس القضية.

ويمكن توصيف هذه القاعدة على النحو التالي:

إن هذه القاعدة تتمثل في التحديات المتتالية التي جابهت الأمة عبر القرنين التاسع عشر والعشرين، وأنماط الاستجابات لها سواء على صعيد الفكر أو الحركة أو المؤسسات والتنظيمات. ويقدم البشري باقتدار شديد، وبتمكن ملحوظ للعملية التاريخية التي جمعت بين هذه التحديات وهذه الاستجابات منذ نهاية القرن الثامن عشر. ويتبين من هذا التفاعل الذي تم في ظل اقتحام الغرب وما مارسه من قهر وإكراه كيفية ظهور الصدع والانقسام والازدواجية ومحاولات رأبها على مستويات مختلفة. ولقد طرح البشري هذه الثنائية: التحديات/ الاستجابات في مرحلية تاريخية ومن زوايا عدة تناظر الزوايا التي اقترب من خلالها من المعضلة الأساسية التي تشغل فكره - كما سبق التوضيح. وتجدر الإشارة منذ البداية إلى أن هذا الطرح -على تعدد مستوياته كما سنرى لاحقًا- يبرز أن أحد المنطلقات الفكرية التي يسعى البشري لتأكيدها هي أن الاستجابات المختلفة إنما تعكس طبيعة الظرف التاريخي: زمانًا ومكانًا؛ حيث إن التحديات ذاتها تختلف باختلاف هذا الظرف، ومن ثم فإن تقييم هذه الاستجابات لا يمكن أن ينفصل عن «فقه الواقع». ولقد عبر البشري عن ذلك المعنى بوضوح في مواضع متفرقة عديدة من كتبه الخمسة نذكر منها على سبيل المثال ما أورده في دراسته تحت عنوان «بين الإسلام والعروبة» (ك: ١، ص: ١٩) في معرض اقترابه من المشترك بين العروبة والإسلام عبر التاريخ والذي تطمسه ظروف الواقع الحاضر وملابساته، فهو يقول (ص: ١٩) "... لقد كانت الحركات السياسية والمفكرون يستجيبون للتحدي المطروح على مجتمعاتهم في كل ظرف تاريخي خاص، وإن أمرنا مع هذه الجهود العملية والفكرية أن نفحصها ونتبين وظائفها في الظروف التاريخية الخاصة بكل منها. وبهذا يستقيم لنا النظر في أي من الدعوات والمذاهب، نقيس فاعليتها بمقدار قدرتها على الاستجابة للتحديات التي واجهت الجماعة في ظرف ما".

كما يقول (ص: ٢٥ - ٢٦): "تنقلنا هذه الملاحظة إلى نقطة تالية هي المقصودة ابتداء من هذا الحديث، فإن أمرنا مع أي من الدعوات السياسية أو الفكرية، هو أن نفحصها ونتبين وظائفها في الظروف التاريخية التي ظهرت فيها، وبهذا يستقيم لنا النظر فيها وقياس قدرتها على الاستجابة للتحديات التي واجهتها الجماعة في أي ظرف خاص، ومدى تلاؤمها مع ما يتطلبه وجود الجماعة واستمرارها من وظائف.

إن لنا عددًا كبيرًا من الخصائص الجمعية، وكل منها يصلح أن يكون معيارًا لتصنيف ما، وكل منها يتلاءم مع نوع المواجهة المطلوبة لشكل معين في ظرف تاريخي أو اجتماعي خاص. وهناك خصائص عديدة تشكل مقوماتنا الفكرية والحضارية، وينمو بعضها إزاء بعض عندما يثور من الأمور ما يقتضي نمو الخصائص المواجهة لأمر ما. ونحن يتعين أن نولي لكل خصيصة القدر المعلوم من الاهتمام الذي تصلح به الجماعة ويصلح به قيامها وبقاؤها".

 

وإذا انتقلنا إلى بيان الزوايا التي طرح من خلالها البشري - في كتبه الخمسة - إشكالية التحديات / الاستجابات يمكن أن نوجز ما يلي:

في كتابه الأول «بين الإسلام والعروبة» وحتى يبرز المشترك بين العروبة والإسلام من وجهة التاريخ والجغرافية السياسية أو التكوين النفسي الثقافي؛ فهو يقدم إطلالة تاريخية جغرافية قصد منها كما يقول (ص: ٢٢) «قصدت من هذه الإطلالة التاريخية الجغرافية، بيان أن الدعوة العربية تنوعت موارد نشوئها في البلاد العربية، وفقًا للموقف التاريخي الذي أحاط بكل من مناطقها الثلاث الكبرى: الشرق الشامي والغربي الإفريقي، والجنوب العربي، وليس من الصواب -فيما يبدو لي- أن يتخذ النموذج الشامي كنموذج وحيد وفريد للفكرة العربية؛ لأن الفكرة العربية هناك -دعوة وحركة- قامت في أصل نشأتها بوظيفة انسلاخية عن الجامعة الإسلامية العثمانية، وحكمتها ظروف هذه النشأة، بينما تخلقت الفكرة العربية في إفريقيا في أصل نشأتها وفقًا للوظيفة التوحيدية التي كانت مطلوبة منها. وهذا فارق هام يتعين إثباته والاهتمام به عند تحديد وضع العروبة إزاء الجامع الإسلامي، وعلاقة كل من الجامعتين إحداهما بالأخرى».

كما قصد منها أيضًا -كما يوضح في موضع آخر- بيان أثر الظرف الهندي التاريخي على العلاقة بين الإسلام والقومية وهي علاقة انسلاخية. وعلى ضوء هذا المنطلق في دراسته الأولى يتابع البشري في بقية دراسات كتابه الأول مناقشة أوجه التقارب وأوجه التنافي بين الإسلام والعروبة، أو القومية العربية على مستويات مختلفة (النخبة الجماهير - بداية الوجهة العربية لمصر في العصر الحديث بداية إسلامية، اختلاف نشأة الفكرة القومية العربية الحديثة في مصر والمغرب العربي عن نشأتها في بلاد المشرق). كما يتابع التحول إلى التوجه القومي في الإطار المصري ثم في الإطار العربي والذي جرى في الأساس كحركة وكنشاط أكثر مما جرى كدعوة فكرية عن القومية. ويتابع هذا التحول كإطار يقدم من خلاله موضوع الأقباط والوحدة العربية في ظل طبيعة تحديات واستجابات الإطار التاريخي الحديث.

أما الكتاب الثاني فيقدم البشري على صفحاته إشكالية التحدي/ الاستجابة من زاوية أخرى وهي زاوية تطور العلمنة أو أمرنا مع الفكر الوافد على حد قوله. ويمكن القول أن البشري قد ميّز بين ثلاث مراحل من المواجهة مع الغرب؛ تختلف من حيث طبيعة أهدافها وآلياتها ونتائجها، ولقد اختلفت في كل منها التحديات ومن ثم الاستجابات، وأخيرًا النتائج المتتالية وصولًا إلى ظواهر العلمنة المختلفة بالتركيز على الحالة المصرية بصفة خاصة التي أضحت تحديًا في حد ذاته قائمًا في قلب المجتمعات الإسلامية، تولدت عنه استجابة لازمة وهي الدعوة الإسلامية الحديثة والفاصل بين هذه المراحل -كما سنرى- هو درجة الاختراق الغربي؛ ومن ثم درجة تأثيره على الأبنية الفكرية والمؤسسية خلال السعي لمحاولة إصلاحها.

وكان هذا يقتضي كما يقول البشري "... أن نستحضر قضية هذه المواجهة السياسية والعسكرية على مدى القرنين الماضيين.. إن هذه المواجهة... قد شحذت همم المفكرين والقادة السياسيين العرب والمسلمين ليفتشوا عن مكامن قوة الغرب ويعملوا على نقلها ويفحصوا مكامن الضعف في أنفسهم، ويعملوا على تلافيها. وجرى كل ذلك سواء في مجال الإنتاج والدفاع العسكري، أو في النظم والأساليب والأفكار والقيم. وكان من الطبيعي في مثل هذا السعي أن تتشعب وجوه النظر والمذاهب، وأن تختلف التيارات وتتنوع التجارب... ثم كان للقوة العسكرية والسياسية - المؤيد بالتفوق العلمي والنظمي- ما اختل به ميزان التقدير في أيدي مفكري العالم العربي والإسلامي وقادتهما من ناحية مدى قدرتهم على الاختيار فيما يأخذون من الغرب وما يدعون... ثم جاء الاقتحام العسكري والسيطرة السياسية التابعة بين الربع الأخير من القرن الماضي والربع الأول من القرن الجاري، فاضطربت تمامًا معايير الانتقاء لما يفيد العرب والمسلمين من منجزات الغرب، وشلت القدرة على التمييز بين النافع وغير النافع، وانطمست الفروق بين التجديد والتقليد، وبين النهوض ومحض التغيير، وبين الإصلاح والإحلال." (ص: ٨ - ٩).

هكذا عبر البشري -بإيجاز- أولًا عن تطور التحديات والاستجابات في مرحلية تاريخية امتدت عبر ما يقرب من القرنين. ثم فصّل بعد ذلك في دراسات هذا الكتاب حول هذه المراحل على النحو الذي يتبين منه المراحل التالية:

في المرحلة الأولى التي مع بداية الأخذ عن الغرب لإصلاح مكامن الضعف (محمد علي، محمود الثاني) "اقتصر الأمر على نقل العلوم العسكرية والطبيعية والنظم العسكرية.... ولكنها كانت واردة لتخدم كيانًا سياسيًا إسلاميًا.. ولذلك نجد أنه من غير الصواب الزعم بأن محمد علي أقام نظامًا علمانيًا، أو أن تاريخ النظم العلمانية يبدأ بهذه الفترة.... ثم بدأت المحاكاة الحقيقية للغرب على عهد التنظيمات في الدولة العثمانية (١٨٣٩ - ١٨٧٦). وهنا تبدأ المرحلة الثانية... التي أخذ النفوذ الأوروبي يتغلغل خلالها في كل مجالات النشاط الاجتماعي السياسي والاقتصادي.. حيث تدفق خلالها الوافد الأجنبي بشتى الطرق. وحيث ظهرت المحاكاة للغرب في وسائل العيش.. وحيث أضحت البعثات التعليمية تتجه إلى العلوم الإنسانية، وبخاصة ما يتعلق بالآداب وما يتعلق بإعادة تربية الوجدان وصياغة العقول والرؤى الحضارية... (ولكن) في هذه الفترة كنا نحاكي نماذج، ولم نكن نحاكي فكرًا وعقائد. لذلك كانت المحاكاة (رغم علو موجتها) مدانة.. لأن معايير الاحتكام السائدة في المجتمع والأطر المرجعية منه بقيت كما هي تصدر عن الأسلاف عقيدة وفكرًا وسلوكًا... كانت النهضة الوطنية تصدر في الأساس عن قاعدة إسلامية، وكان الاستعمار وحلفاؤه المحليون متغربين في الأساس، وبقي الإسلام متصل الأواصر بنظام الحياة على مدى القرن التاسع عشر.....".

وتبدأ المرحلة الثالثة: مع بدايات القرن العشرين حين بدأ الفكر الغربي يروج ممثلًا في نظرياته السياسية والاجتماعية والفلسفية... أي أن الأمر صار أساسًا نظريًا وعقليًا ووجدانيًا متكاملًا، صار صياغة جديدة غربية للعقل والوجدان، إعادة تركيب لماكينة التفكير والشعور، بدأنا نستورد الميزان نفسه وأداة القياس والمكيال وبدأنا نطلب الشجرة والتربة نفسها.. صرنا (بعد ذلك بعشرات السنين) ننتج الغرب ونعيد إنتاجه في مجتمعنا. صار (الأمر) إنشاء لأرض حضارية فكرية جديدة وغرسًا جديدًا ومعايير جديدة للتقويم والاحتكام.. قاعدة للشرعية ومناهج للفكر... (ولكن) لم تسر هذه الحركة بمعدل واحد في كل بلادنا الإسلامية والعربية... وجرى ذلك في نطاق الشرائح الاجتماعية والقوى السياسية ذات الاتصال بالمصالح الأوروبية، واستمرت الحركات الوطنية والرؤى الاجتماعية تصدر عن الأصول الإسلامية في السياسة وغيرها... بقيت التكوينات الفكرية والصياغات الوجدانية ورؤى المستقبل وتصورات المدينة الفاضلة للإنسان ومعايير التحاكم في السلوك والتعامل والتداول... واستمرت كلها إسلامية" (ص: ٨ - ٢٠).

وبعد الحرب العالمية الأولى تدشنت مرحلة رابعة في تطور العلاقة بين الوافد والموروث أسماها البشري "الوطنية العلمانية".... "ففي العشرينيات من هذا القرن لم تعد العلمانية ولا نظريات الغرب محض شجيرات وافدة تغرس في أصص محمولة، ولا محض أنشطة تفرضها إرادة الحاكم الأجنبي... لم تعد موظفة للصالح الأوروبي لمعناه السياسي والاقتصادي، إنما آل قسم منها إلى مكافحة تلك المصالح وهذا ما أكسب هذا القسم شرعية الوجود في البيئة الإسلامية والعربية..." (ص: ٢٤).

وفي تلك المرحلة أيضًا، وكاستجابة لهذا التحدي المتزايد الخطورة فيها ".... بدأت الدعوة الإسلامية تتبلور في مناهج وأبنية تنظيمية لم يكن بقي من الأبنية السياسية القائمة ما يعبر عنها أو يمثلها... صار على هذه الدعوة أن تبني مناهجها وأنظمتها المستقلة بمؤسسات تؤكد على مقاومة الوفود، وترسيخ الفكرة الإسلامية... ظهرت الحركة الإسلامية في ذلك الوقت كدعوة لاسترداد الأرض المفقودة أو الأرض المغزوة بالمعنى الفقهي والحضاري السياسي؛ لذلك ظهرت كدعوة لمطلق الإسلام كنظام للحياة»." (ص: ٢٥ - ٢٧) وفي آخر حلقات التحليل المرحلي لظاهرة الوفود العلماني: كيف بدأ وكيف انتشر وكيف كانت جذور الأخذ عن الغرب استجابة في البداية لتحدي الضعف ثم تحولت -بتزايد الاتجاه العلماني- إلى تحدٍ في حد ذاته احتاج بدوره لاستجابة جديدة- وفي آخر هذه المراحل انتقل البشري إلى دراسة القضايا التي تبرز المواجهة بين تغلغل العلمانية من ناحية وأوجه القصور في الحركة الإسلامية من ناحية أخرى، وتقع هذه القضايا في صميم التحدي الذي يواجه الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية المعاصرة والتي تفترض الحوار الذي لم يصل إلى مراده بقدر ما تحول إلى حروب فكرية كما سبقت الإشارة.

وإذا كان موضوع الشريعة الإسلامية، والجامعة السياسية من أهم الموضوعات التي قال البشري في الكتاب الأول إنها أخطر ما يواجه البحث عن صيغة فكرية للعلاقة بين التيار الإسلامي وتيار الوحدة العربية (ص: ١١)، وإذا كان قد تصدى إلى الجامعة السياسية في كتابه ذلك؛ فإن الكتاب الثالث تصدى لموضوع الشريعة الإسلامية على النحو الذي يعرض زاوية أخرى من زوايا نظر البشري إلى إشكالية التحديات والاستجابة عبر قطاع طولي من التاريخ أيضًا.

وهذا العرض يبين كيف أنه منذ القرن التاسع عشر تفاعلت عبر مراحل تاريخية متتالية ثلاثة عناصر هي الجمود في الاجتهاد التشريعي، والحاجة إلى التجديد والإصلاح، والغزو الأوروبي السياسي الاقتصادي والعسكري، على النحو الذي أدى إلى الاضطراب في البناء التشريعي وهياكله وأنساقه. وهو الاضطراب الذي تبلور بدوره عبر عدة حلقات أو مراحل في ظل الغزو الاستعماري وخلال الاستعمار ثم في عهد الاستقلال. وتحمل لنا هذه المراحل نفس ظلال المراحل التي استعرضنا من خلالها زوايا النظر في الكتابين السابقين. وهي الظلال التي لو اجتمعت لسطرت الكلمات التالية: إن النقل والتقليد عن الغرب في التشريع ليس إلا طاقة مهدرة أفرزت كثيرًا من السلبيات في مجال العلاقة بين القانون والمؤسسات (تفكيك للنظم الوافدة - وللأواصر، وضربت ما يمكن أن نسميه الجامعية) وفي مجال العلاقة بين القانون والأخلاق، وبين القانون والدين.

وإذا كان الجمود قد ساد قبل الغزو الاستعماري؛ إلا أن موجات من حركات التجديد والإصلاح قد تعاقبت في النمو والظهور في أطراف الدولة العثمانية وليس في قلبها. ولقد تعاقبت في ظل ظروف مختلفة بحيث كانت كل منها -من حيث طبيعتها- استجابة لطبيعة التحدي الذي تجابهه الأمة من جانب القوى الغربية (كما سنرى بالتفصيل لاحقًا) (ص: ٥ - ٣٢).

ولكن فيما يتصل بالتجديد الفقهي الشرعي -بصفة خاصة- يتناول البشري في دراسة أخرى (ص: ٤٣ - ٤٤) مظاهر الضربة التي وجهت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية منذ سنة ١٨٧٥، وكيف واجه الفقه الإسلامي تلك الضربة بانبعاث روح التجديد منه، "لأنه فقه ينطوي على مادة عظيمة الخصوبة، ودقة في الصياغة الفنية مدهشة، وقابلية للتجاوب مع ظروف الزمن والمكان... ولكن يلاحظ بطء التجديد فيه عن حركة المجتمع".

وهكذا يستمر البشري في بيان كيف تتوالى الاستجابات في مواجهة التحديات في مجال التشريع الإسلامي والتجديد فيه بمساراته ومناهجه المختلفة بصفة عامة أو في مصر بصفة خاصة (ص: ٥١ - ٦٨).

ولعل أعظم النتائج التي تتبلور أمامي من مجمل تحليل البشري لهذا الموضوع وعلى مدار هذا العرض الطولي التاريخي هو ما يجيب عنه في دراسته تحت عنوان «هل غابت الشريعة بعد عهد الراشدين؟» (ص: ٧١ - ٨٤).

فبالرغم من كل مشاكل الجمود وتحديات التجديد ومخاطر العلمنة فإن خلاصة هذه الدراسة تقول: لا لم تغب الشريعة بعد الراشدين. وينبري البشري بقناعة شديدة وعمق شديد لتوضيح هذه الإجابة الموجزة من خلال عناصر شديدة الأهمية. ولعلنا ننتبه إليها ونحن ننظر إلى أحوال الأمة بمقياس الشريعة/ القانون الوضعي. ولا أستطيع هنا أن أقتبس فقرات أو سطور من هذه الدراسة لتوضيح المشار إليه عاليًا. فالصفحات الخمس عشرة التي تتكون منها الدراسة هي من بين أكثر الصفحات تكاملًا بين دراسات البشري. ولا يمكن إلا الإحالة إليها في مجموعها فإن النقل منها لن يكون إلا افتئاتًا عليها.

وإذا كان الكتابان الأولان قد ركزا على المواجهة بين الإسلام والعروبة والإسلام والعلمانية، وإذا كان الكتاب الثالث قد تمحور حول الشريعة الإسلامية والتشريع الإسلامي في مواجهة القوانين الغربية الوضعية؛ فإن الكتابين الأخيرين قد ركزا على موجات ودوائر الفكر الإسلامي المعاصر، وعلى نحو يبرز أيضًا إشكالية التحديات/ الاستجابة.

وبالرغم من أن الكتب السابقة قد أشارت بإيجاز، وفي مواطن متفرقة إلى بعض ملامح التجديد في الفكر الإسلامي في التاريخ المعاصر؛ إلا أن الكتابين الرابع والخامس أعطيا لهذا الموضوع درجة أكبر من التفصيل.

فنجد أن الكتاب الرابع تتصدره دراسة شاملة جامعة (ص: ٥ - ٣٠) تعرض باقتدار شديد للتطور في التحديات والتطور في الاستجابات الفكرية، عبر عدة موجات من الفكر والإصلاح، وعلى نحو يقدم- كما يقول البشري: «الملامح العامة لحركة تراكم الفكر السياسي الإسلامي في المرحلة التاريخية المعاصرة»، ومن ثم إذا كانت قضية المجتمع المصدوع تسكن في خلفية هذه الدراسة باعتبارها أحد التحديات؛ إلا أن الدراسة تنطلق من القاعدة الأساسية في فكر البشري والتي نعيد التذكرة بها من خلال العبارة التالية التي صدر بها البشري تحليله، يقول: ".... نحن نختار هذا الطريق التاريخي لعرض مفردات الفكر السياسي الإسلامي في زماننا... لنوضح الظرف التاريخي الذي نبتت فيه أي ثمرة من ثمار هذا الفكر، وهذا يلقي الضوء على المفصل الذي يصل الفكر بالواقع من حيث الأعمال والمقاصد. أي من حيث مدى احتياج جماعة المسلمين لفكرة حركية ملائمة في لحظة بعينها، ومن حيث توظيف هذه الفكرة لصالح الإسلام وجماعته في مرحلة ما. وهذا يوضح أيضًا أن كثيرًا مما نعتبره خلافًا في الرأي، .. كان أساسه اختلاف الزمان والمكان، ولم يكن خلاف حجة وبرهان.. فإن ثمة حقائق إسلامية عليا ومصالح إسلامية عليا، ونحن كل في زمانه ومكانه - نتوسل إلى رعايتها وصيانتها وإعلائها بالعديد من المواقف الفكرية والحركية التي تتباين بتباين الظروف والأوضاع. ومن هنا ندرك أن كثيرًا مما نسميه اختلافًا هو إلى التنوع أقرب" (ص: ١١).

وهكذا ينتقل البشري في هذه الدراسة، وكذلك في دراسة أخرى (ص: ٥٢ - ٦٠) إلى استعراض عدة موجات متتالية من الفكر تلك الموجات التي جاءت كل منها استجابة لتحديات ظرف تاريخي خاص.

الموجة الأولى شهدت حركة التجديد الفقهي والفكري من منتصف القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر والتي صاحبتها موجة الإصلاح المؤسسي الأولى على نحو أفرز الانفصام بين الحركتين. وإذا كانت الموجة الأولى بشقيها قد جاءت قبل الغزو الاستعماري، وفي مواجهة تحديات التقليد والجمود فإن الموجة الثانية بروافدها المختلفة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين قد جاءت استجابة لمجموعة أخرى من التحديات، وهي الغزو الأوروبي الذي أمسك بمنطقة القلب من العالم الإسلامي (محور استنبول - الشام - القاهرة) وتراوح تغلغله من الاحتلال العسكري إلى الهيمنة السياسية والسيطرة الاقتصادية، إلى النفوذ الفكري والثقافي. وفي ظل هذه الظروف الجديدة جاءت الموجة التجديدية الثانية التي حملت وظائف جديدة تختلف عن وظائف الموجة الأولى. ولذا فإنه إذا كان فكر الأفغاني قد وضع اللبنات الأولى في فكرنا الإسلامي الحديث المقاوم للاستعمار؛ فإن محمد عبده وضع اللبنات الأولى في الفكر المقاوم للقابلية للاستعمار، والذي صار فكر محمد رشيد رضا امتدادًا له بعد وفاة محمد عبده. أما حسن البنا -في ظل تصاعد تحديات الفكر العلماني وتطبيقاته خلال عملية الكفاح الوطني ضد الاستعمار، والتي ظهرت في هذه المرحلة في بداية العشرينيات بصورة علمانية- فلقد كان مقدمًا لفكرة شمول الإسلام ولارتباط الفكر بالعمل، والدعوة بالتنظيم الحركي، والدين بالسياسة. ولكن التأكيد على هذا المعنى الشامل للإسلام هو ما به تمثلت الاستجابة الإسلامية الصحيحة في هذا الوقت، فلقد تطلبها الواقع عندما اتجهت حركة المجتمع إلى إضمار الإسلام وحصره وإقصائه عن أن يكون حاكمًا لنظام المجتمع وعلاقاته.

وعدا هذه الموجات الكبرى من الاستجابات المرحلية لتحديات متطورة، ينتقل البشري -تدعيمًا لقناعته بأن كل فكر ما هو إلا إفراز لظرف تاريخي- إلى التمييز بين حالتين يواجه الإسلام في كل منهما حصارًا وتضييقًا شديدين، ولكن جاء رد الفعل في إحداهما عنيفًا وحادًا (فكر أبي الأعلى المودودي وسيد قطب) في حين جاء رد الفعل في الثاني في شكل الانتشار بالتسرب العقدي الهادئ، ومن ثم البعد عن الاحتكاك المباشر مع الخصوم، ويبتعد عن السياسة وجوانب الإسلام الخاصة بنظم الحياة والشرائع، ويركز أعظم جهده على الجانب العقدي الإيماني والتعبدي وغاية جهده أن يحفظ العقيدة والعبادة (سعيد النورسي في تركيا وجماعة التبليغ في الهند).

ويقول البشري في نهاية المطاف (ص: ٣٠): «وهكذا كان الظرف التاريخي وأوضاع التحدي التي تقوم أمام الجماعة وأمام الإسلام، هي ما تولد أسلوب المواجهة للدفاع عن الإسلام بوصفه كيانًا حيًا، وهي التي تحدد وسائل الدفاع وأدواته».

وفي الكتاب الخامس «ماهية المعاصرة» وإن كانت فصوله تدور حول قضايا محددة إلا أن ثناياها توضح مرة أخرى ملامح إشكالية التحدي الاستجابة في ظل خصائص الظرف التاريخي، ولكن في إطار مختلف ولغاية مختلفة وهي «.... اختبار مدى الملاءمة بين الصيغ العصرية الوافدة: للديموقراطية والاشتراكية، والقومية، والإصلاح الديني، وبين الواقع المعاصر وحركته في مجتمعاتنا. حيث نشأت جميعها وتعمل -فكرًا ونظمًا- في ظروف أوروبية غربية تغاير الظروف العربية الإسلامية التي تشمل مجتمعاتنا...» (ص: ٢٤).

ولهذا فحين يناقش البشري فكر الإصلاح الديني (ص: ٢٦ - ٣٤) فهو يقسم تيارات الإصلاح التي تصدت لمشكلات البيئة الإسلامية إلى ما هو ضال وفاسد وما هو مستجيب للمشكلات الحقيقية والتحديات الأساسية للواقع الإسلامي. ويضع البشري السيد أحمد خان (١٨١٧ - ١٨٩٨) السياسي الهندي في خانة ما يسميه "الوافد الضال.."؛ لأنه كان يسعى لتذويب الشعوب في مستعمريهم.

ولأنه "أخضع الإسلام والقرآن لما أسماه العقل والعلم الحديث، وجعلهما محكومين بهذين الأمرين، وليسا حاكمين لهما، فأبدل الموزون والميزان وجعل الميزان هو العقل الأوروبي والعلم المعاصر، وجعل الموزون هو الإسلام والقرآن بدل أن يكون العكس.. ووجه الضلال في هذا الإصلاح، أنه يتغافل عن أهم ما يهم من خصائص الدعوة الإسلامية الإصلاحية، وهو أن تكون استجابة لما يواجه الأمة من تحديات، وأن تكون استجابة متناسبة مع نوع التحدي المطلوب، ومع حجم التحدي الذي يتهدد الجماعة.."، كذلك يتناول البشري كتاب «الإسلام وأصول الحكم» باعتباره نموذجًا آخر على الإصلاح الديني الضال.

أما أوضاع الإصلاح الرشيد فيتناول البشري أمثلة لها ما يلي: جمال الدين الأفغاني في مجال الإصلاح الديني، ومحمد إقبال على الصعيد الفكري الفلسفي، وابن عبد الوهاب في الجانب الفقهي، "ووجوه الإصلاح الرشيد فعالة لأنها صدرت عن الاستجابة الصائبة للتحديات الحقيقية التي كانت تواجه الجماعة الإسلامية. ربط الأفغاني بين الإسلام وحركة مقاومة الغزو الاستعماري... وقرر إقبال وأمثاله واحدية الدين وشئون الدنيا، وواحدية الجماعة والفرد، وعمل على أن يجنب الجماعة الإسلامية تلك الثنائية التي تقيم التعارض وتقيم الصراع بين جوانب حياتنا المتعددة. وقرر ابن عبد الوهاب وإقبال طريق تجديد الفقه الإسلامي، وطريق تحرير الإرادة الإنسانية للمسلم في إطار حاكمية الله والتوحيد الإسلامي الخالص.....".

وعلى صعيد تناول البشري لقضية الفكر القومي (ص: ٣٥ - ٤٠) وانطلاقًا أيضًا من قوله عن "... قياس المفاهيم والدعوات السياسية بمقياس الصلاح والفساد في مقاومة التحديات الأساسية والمشكلات التي تواجه الجماعة المعنية" نجد البشري يميز أيضًا بين مجموعتين من الأفكار القومية التي ظهرت بين العرب وهما ضال وفاسد أو رشيد وحميد. ومثال النوع الأول في تقدير البشري هو نجيب عازوري لأنه ذو فكر تفتيتي انفصالي تابع. ولذا يحذر البشري من وضع فكره ودعوته ".... في إطار دعاوى القومية العربية التي تفترض أنها ترمي إلى تشكيل وطن عربي واحد، وأمة واحدة ناهضة مستقلة".

أما المثال عن الفكر القومي الرشيد الحميد فنموذجه عند البشري هو رفيق العظم. ففكره توحيدي تجميعي؛ يجمع بين الرابطتين الوطنية والدينية.

وفي نهاية التفكر في هذا الجانب؛ أي الأعمدة الأساسية من فكر البشري تجدر الإشارة إلى أن البشري قد قدم هذا العرض الطولي التاريخي لإشكالية التحديات الاستجابة سواء من منظار العلاقة بين الإسلام والعروبة، أو الإسلام والعلمانية، أو التشريع الإسلامي، والملامح العامة للفكر السياسي المعاصر، وكان في ذلك كله حريصًا على التأكيد على أن هذه الاستجابات المرحلية هي في نطاق المتغير والذي لا ينفي الثابت في الإسلام بالرغم من تغير العصور، ومن هنا كان منهج وأصول النظر العقلي في إدراك العلاقة بين الثابت والمتغير من أهم الجوانب المنهجية التي حرص البشري على إبرازها أكثر في موضع في كتبه الأربعة (مثلًا: دراسة الإسلام والعصر: ك: ٤، ص: ٤٧ - ٥٢) ودراسة: شمولية الشريعة الإسلامية (عناصر الثبات والتغير: ك: ٣ ص: ٩٩ - ١١٤). وهو الأمر الذي سنجدد الإشارة إليه في موضعه من المكون الرابع من مكونات بناء فكر البشري في هذه السلسلة، والخاص بالملامح المنهاجية.

 

قراءة في فكر البشري: حول المسألة الإسلامية المعاصرة (1-3)

 

* دراسة مستلة من كتاب: طارق البشري: القاضي المفكر "الكلمات والبحوث التي ألقيت في الندوة العلمية الأهلية للاحتفاء بالمستشار طارق البشرى، بمناسبة انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري، تحرير وتقديم: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/ 1999م)، ص170- 215.

** أستاذ العلاقات الدولية المتفرغ، والرئيس الأسبق لقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة، ورئيس مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة.

 

11- تمهيد:

شخصية الفرد في الدولة الإسلامية بارزة لا تفنى فيها وإنما تقوم بإزائها، تعينها وتعمل على بقائها وصلاحها، كما تعمل هي على بقاء شخصية الفرد وصلاحه؛ لأن بقاء وصلاح كل منهما ضروري للآخر، فلا تنافر بين الاثنين ولا تعارض، ولا مصلحة لأحدهما في مخاصمة الآخر ومعارضته لمحض المخاصمة والمعارضة. وإنما قد يحدث شيء من ذلك عند انحراف أحدهما عن نهج الإسلام الذي يخضع له الاثنان...

من أجل هذا كله يتمتع الفرد في الدولة الإسلامية بكامل حقوقه التي أقرها له الإسلام، لأن ما أقره الإسلام تقره دولة الإسلام. ثم إن تمتع الفرد بحقوقه يعتبر أعظم ضمان لبقاء الدولة الإسلامية قوية سليمة البنيان قادرة على تحقيق أهدافها. ومن ثم فإن الدولة تحرص على تمتع الأفراد بحقوقهم، كحرص هؤلاء على هذه الحقوق.. ولا مصلحة مطلقًا للدولة في السطو على هذه الحقوق؛ لأنها قامت لتمكين الأفراد من أن يحيوا الحياة الإسلامية، ومن أهم أسباب هذا التمكين تمتعهم بحقوقهم بل ودفعهم إلى استعمال هذه الحقوق.

 

12- منهج البحث:

وتسهيلًا للبحث نقسم الحقوق التي يتمتع بها الأفراد في الدولة إلى قسمين: حقوق سياسية، وحقوق عامة، وسنتكلم عن كل منهما في مبحث على حدة.

 

المبحث الأول

الحقوق السياسية للأفراد

13- المقصود بالحقوق السياسية:

الحقوق السياسية عند القانونيين، هي الحقوق التي يكتسبها الشخص باعتباره عضوًا في هيئة سياسية مثل حق الانتخاب والترشيح وتولي الوظائف العامة في الدولة[17]. أو هي الحقوق التي يساهم الفرد بواسطتها في إدارة شؤون الدولة أو في حكمها[18].

ونحن في هذا المبحث سنتكلم عن الحقوق السياسية في الشريعة الإسلامية بمعناها الذي بيّناه عند القانونيين لكي يتبين لنا مدى ما اعترفت الشريعة به من هذه الحقوق للأفراد.

 

أولًا - حق الانتخاب

 14- انتخاب رئيس الدولة:

للأفراد حق انتخاب رئيس الدولة، فمن اختاروه لهذا المنصب فهو رئيس الدولة الشرعي، وبهذا صرح الفقهاء. فمن أقوالهم الصريحة في هذه المسألة قولهم: «من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته»[19]. وقولهم أيضًا: «الإمامة -أي رئاسة الدولة- تثبت بمبايعة الناس له -أي لرئيس الدولة- لا بعهد السابق له»[20]. فرئيس الدولة رجل تختاره الجماعة وترضى به وهو يستمد سلطانه من هذا الرضا وذاك الاختيار.

15- أساس هذا الحق:

وإذا كان للأفراد حق انتخاب رئيس الدولة، فما أساس هذا الحق؟

الذي نراه أن هذا الحق يقوم على أساس مبدأ الشورى الذي أقرته الشريعة، ومبدأ مسؤولية الجماعة عن تنفيذ أحكام الشرع وإدارة شؤونها وفق هذه الأحكام.

16- أولًا: مبدأ الشورى:

وهذا المبدأ نطق به القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فهذا النص صريح في أن أمور المسلمين، لا سيما المهمة منها، تدار بطريق الشورى. ولا شك أن منصب رئيس الدولة من الأمور الخطيرة التي يجب أن تجري فيها المشاورة؛ لأنه أمر يهمهم جميعًا ويتعلق بصميم شؤونهم فيجب أن يكون لهم رأي فيمن يولى عليهم. والمشاورة تستلزم أن يبدي كل واحد رأيه فيمن يراد انتخابه رئيسًا للدولة.

 

17- ثانيًا: مسؤولية الجماعة عن تنفيذ أحكام الشرع:

فالجماعة مسؤولة عن تنفيذ أحكام الشرع وإدارة شؤونها وفق هذه الأحكام، وهذه المسؤولية تستفاد من مجموع النصوص القرآنية، وتؤيدها السوابق التاريخية الثابتة. فخطابات الشارع في القرآن الكريم موجهة إلى جماعة المسلمين، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ... وَاتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾. فهذه النصوص وأمثالها تدل دلالة واضحة على مسؤولية جماعة المسلمين عن تنفيذ أحكام الشرع ومنها ما تعلق بجميع شؤونهم.

18- وهذه المسؤولية الضخمة الملقاة على عاتق الجماعة تقتضي أن يكون السلطان من حق الجماعة نفسها لتستعين به على تنفيذ ما هي مسؤولة عنه، وهو تنفيذ أحكام الشرع وإدارة شؤونها وفق هذه الأحكام.

19- ولكن مباشرة الجماعة سلطانها هذا لا يمكن أن يتم بصفتها الجماعة، فإن هذا غير ممكن عملًا، ولهذا ظهرت نظرية النيابة في مباشرة ما للجماعة من سلطان، فالجماعة تختار من ينوب عنها في مباشرة سلطانها لتنفيذ ما هي مكلفة به شرعًا. وهذه الإنابة من خالص حقها؛ لأن المالك يحق له أن يوكل غيره فيما يملكه، والأمة -جماعة المسلمين- تملك السلطان فتملك التوكيل فيه... فهي وحدها تختار رئيس الدولة.

20- المركز القانوني لرئيس الدولة:

وبناءً على ما قدمنا يتضح بجلاء المركز القانوني لرئيس الدولة، فهو مركز النائب والوكيل، الوكيل عن الأمة، فهي التي انتخبته نائبًا عنها ليدير شؤونها وفق مناهج الشرع الإسلامي ولتطبيق سائر أحكامه، وهذا ما صرح به الفقهاء. فمن أقوالهم، ما ذكره الفقيه المشهور الماوردي وهو يتكلم عن أثر موت الخليفة أو الوزير في سلطة الأمير، ما نصه: «وإذا كان تقليد الأمير من قبل الخليفة لم ينعزل -أي الأمير- بموت الخليفة، وإن كان من قبل الوزير انعزل بموت الوزير، لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين، وتقليد الوزير نيابة عن نفسه»[21].

21- الأمة مصدر السلطات:

وإذا كان مركز رئيس الدولة مركز الوكيل، فمن البديهي أنه يستمد سلطاته من موكله، أي من الأمة. فالأمة هي مصدر السلطات، كما نقول في الاصطلاح القانوني الحديث، وهو يباشر هذه السلطات باسم الأمة وبهذا الاعتبار.

ويلاحظ هنا أن الأمة وإن كانت هي مصدر السلطات، إلا أن سلطانها محدود غير مطلق، محدود بسلطان الله المطلق وبإرادته المتمثلة فيما شرعه من أحكام للأفراد ونظام للجماعة. ومن ثم فإن سلطان الأمة سلطان تنفيذ لهذا النظام وليس بسلطان خلق وإنشاء له..

ويترتب على هذه الطبيعة لسلطانها أنها لا تملك تغيير هذا النظام ولا استعمال سلطانها فيما يناقضه أو يؤدي إلى تغييره. وإذا كانت الأمة لا تملك تغيير شرع الله ولا استعمال سلطانها فيما يناقضه، فرئيس الدولة -وهو وكيلها- لا يملك أيضًا هذا الأمر لأن الوكيل لا يملك فيما وكل فيه أكثر مما يملكه الموكل...

ويترتب على ما قلناه، أن الأمة، إذا شرعت ما يخالف شرع الله أو نفذت ما يناقض شرع الله، أو قام رئيس الدولة -وهو وكيلها- بشيء من ذلك، كان هذا العمل منهما أو من أحدهما بلا سند شرعي لتجاوزه حدود سلطانهما فيكون باطلًا.. لأن سلطان الأمة كما قلت سلطان تنفيذي، ينفذ شرعًا إلهيًا قائمًا وليس بسلطان إنشائي يخلق شرعًا جديدًا وينفذه.

22- الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر:

وإذا كانت الأمة تملك حق انتخاب رئيس الدولة، كما ذكرنا، فكيف تباشر هذا الحق فعلًا؟ أيقوم أفراد الأمة به مباشرة؟ أم يقوم بهذا الحق طائفة منهم بتخويل من الأمة؟ الواقع أننا لا نجد في الشريعة نظامًا محددًا صريحًا في كيفية قيام الأمة بحقها في انتخاب رئيس الدولة، مما يدل على أن تنظيمه متروك لتقدير الأمة حسب الظروف الزمانية والمكانية، فيمكن أن يكون بأسلوب الانتخاب المباشر أو غير المباشر، فكلا الأسلوبين، في نظرنا، مما تتسع له قواعد الشريعة.

فالانتخاب المباشر يجد له سندًا في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فهذا النص، بظاهره، يقتضي أن يتشاور أفراد الأمة في شؤونهم، ومنها انتخاب رئيس الدولة، فيباشرون جميعًا هذا الحق إلا من استثني منهم بدليل شرعي، كالصغار والمجانين وغير المسلمين. ويؤيد رأينا هذا في اشتراك أفراد الأمة في هذا الانتخاب ما قاله الإمام الرازي في تفسير هذه الآية، قال: «إذا وقعت واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم. أي لا ينفردون برأي، بل ما لم يجتمعوا عليه لا يعزمون عليه»[22].

أما الانتخاب غير المباشر فيجد له سنده في السوابق التاريخية الثابتة في عصر الخلفاء الراشدين، وهو خير العصور فهمًا للإسلام وتطبيقًا له، فقد تم انتخاب أولئك الخلفاء الكرام من قبل طائفة من الأمة هم الذين يسمون بأهل الحل والعقد، وتابعهم الناس الموجودون في المدينة فبايعوا من اختاروا لرئاسة الدولة. ولم ينتخبهم جميع المسلمين في جميع المدن الإسلامية، ولم ينقل لنا اعتراض على هذه الكيفية لا من الخلفاء الراشدين أنفسهم ولا من غيرهم فيكون ذلك إجماعًا منهم على صحة أسلوب الانتخاب غير المباشر في انتخاب رئيس الدولة.

كما أننا نجد سندًا للانتخاب غير المباشر في حق الأمة باختيار رئيسها. فما دام لها هذا الحق فلها أن تباشره رأسًا أو بالواسطة بأن تنيب عنها من يباشر حقها هذا، إذ ليس من اللازم على صاحب الحق أن يباشره بنفسه بل له أن يوكل فيه غيره.

وقد أقر الفقهاء الانتخاب غير المباشر؛ لأنهم صرحوا بأن رئيس الدولة ينتخبه أهل الحل والعقد، فلا حاجة لاشتراك جميع الأمة في اختياره. قال ابن خلدون في مقدمته: «وإذا تقرر أن هذا المنصب -أي نصب الخليفة- واجب بإجماع فهو من فروض الكفاية، وراجع إلى اختيار أهل العقد والحل، فيتعين عليهم نصبه ويجب على الخلق طاعته»[23]. ويقول الماوردي: «والإمامة -أي رئاسة الدولة الإسلامية- تنعقد بوجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل، والثاني بعهد الإمام من قبله»[24].

23- أهل الحل والعقد:

وإذا كان انتخاب رئيس الدولة بالانتخاب غير المباشر أسلوبًا سائغًا في الشرع الإسلامي وأن الذين يباشرونه هم من يسميهم الفقهاء بأهل العقد والحل، فمن هم أهل العقد والحل؟ وما علاقتهم بالأمة؟ وكيف يحوزون هذه المنزلة؟

أما عن السؤال الأول: فإن الفقهاء يذكرون أوصافًا عامة لأهل العقد والحل، فالماوردي، مثلًا يجعل لهم ثلاثة أوصاف: «أحدها العدالة الجامعة لشروطها، والثاني العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها. والثالث الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم»[25].

ويذهب بعض الفقهاء المحدثين إلى تحديد أوضح في أوصاف أهل الحل والعقد، فيقول رشيد رضا صاحب تفسير المنار ما نصه: «أولو الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة»[26]. فيفهم من هذا القول ومما ذكره الفقهاء أن أهل الحل والعقد هم المتبوعون في الأمة الذين تثق بهم وترضى برأيهم لما عرفوا به من الإخلاص والاستقامة والتقوى والعدالة وحسن الرأي والمعرفة بالأمور والحرص على مصالح الأمة.

أما عن السؤال الثاني أي علاقتهم بالأمة، فهي علاقة النائب والوكيل فهم يباشرون انتخاب رئيس الدولة نيابة عن الأمة، فهم وكلاء عنها في مباشرة حق الانتخاب هذا، ومن ثم يعتبر اختيارهم رئيس الدولة اختيار الأمة نفسها.

أما عن السؤال الثالث أي كيف يحوزون منزلة الحل والعقد في شؤون الأمة، فإن المتبادر إلى الذهن أن الأمة هي التي ترفعهم إلى هذه المنزلة باختيارها لهم. ولكننا لا نجد في السوابق التاريخية القديمة ما يشير إلى أن الأمة اجتمعت وانتخبت طائفة منها وأعطتها صفة أهل الحل والعقد. ومع هذا فإن خلو السوابق التاريخية مما ذكرنا لا يدل على أن من كانوا يسمون بأهل الحل والعقد ما كانوا يمثلون الأمة ولا يعتبرون وكلاء عنها؛ لأن الوكالة -كما هو معروف- تنعقد صراحة أو ضمنًا. وقد كانت وكالة أهل الحل والعقد عن الأمة في عصر الإسلام الأول -عصر الخلفاء الراشدين- وكالة ضمنية؛ لأنهم معروفون بكفاءتهم وإخلاصهم وعدالتهم وسابقتهم في الإسلام، ومن ثم فقد كانوا حائزين رضا الأمة وثقتها، فما كانت هناك من حاجة لقيام الأمة بانتخابهم صراحة، وحتى لو قامت بهذا الانتخاب لما فاز فيه إلا أولئك ولما ظهر لهم منازع ينازعهم في كونهم أهل الحل والعقد، ومن ثم كان انتخابهم رئيس الدولة بتوكيل ضمني من الأمة وبرضا منها.

24- معرفة أهل الحل والعقد في الوقت الحاضر:

وإذا أخذنا، في الوقت الحاضر، بالانتخاب غير المباشر لرئيس الدولة، وفقًا للأحكام الشرعية، فلا مناص من قيام الأمة بانتخاب من يمثلونها وينوبون عنها في مباشرة هذا الانتخاب. ومن تنتخبهم الأمة لهذه المهمة يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل الحل والعقد لمشايعة الأمة لهم ومتابعتها لهم ورضاها بنيابتهم. وعلى الدولة أن تضع النظام اللازم لإجراء هذا الانتخاب وضمان سلامته، وأن تعين في هذا النظام الشروط الواجب توافرها على ضوء ما ذكره الفقهاء -فيمن تنتخبهم الأمة لتكوين جماعة «أهل الحل والعقد». ومثل هذا الانتخاب ضروري ولازم لإيجاد أهل الحل والعقد، وإثبات وكالتهم عن الأمة بالتوكيل الصريح، لأن التوكيل الضمني يتعذر حصوله في الوقت الحاضر لكثرة أفراد الأمة، ولأن إجازة مثل هذا التوكيل الضمني يفتح بابًا خطرًا على الأمة ويؤذن بفوضى وشر مستطير؛ إذ يستطيع كل عاطل عن شروط أهل الحل والعقد أن يجعل نفسه منهم وينصب نفسه ممثلًا عن الأمة بحجة أنها ترضى بنيابته عنها ضمنًا، وهذا ما لا تجوزه الشريعة ولا يستسيغه عقل.

25- ولاية العهد:

وقد يعترض البعض على ما قلناه من أن الأمة هي التي تختار رئيس الدولة بأن الفقهاء قالوا إن تولي رئاسة الدولة يتم بعهد من الخليفة السابق إلى الخليفة اللاحق. فالماوردي، مثلًا، يقول: «والإمامة -رئاسة الدولة- تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل والثاني بعهد الإمام من قبله»[27].

والجواب على هذا الاعتراض أن التكييف القانوني لولاية العهد أنه ترشيح من الخليفة السابق لمن يتولى رئاسة الدولة وليس بتعيين، بدليل أن أهل الحل والعقد يبايعون المرشح، فلو كان مجرد العهد له يكفي لتوليه رئاسة الدولة لما احتاج إلى مبايعتهم. ولو قدر أنهم أو الأمة لم يقبلوا هذا الترشيح لما صار المرشح رئيسًا للدولة، وهذا ما صرح به بعض الفقهاء، فقالوا: «الإمامة -أي رئاسة الدولة- تثبت بمبايعة الناس له -أي لرئيس الدولة- لا بعهد السابق له»[28].

ثانيًا - حق المشاورة

26- والحق الثاني للأفراد هو حق المشاورة، وهو في الحقيقة امتداد لحق الأمة في انتخاب رئيس الدولة، فما دامت هي التي تختاره، وهو وكيلها في إدارة شؤونها، فمن حقها عليه أن يشاورها فيما يريد تنفيذه مما يتعلق بشؤونها.

27- اعتراض ودفعه:

وقد يعترض علينا بأن الأمة ما دامت هي التي اختارته وهو محل ثقتها فلا معنى لإلزامه بمشاورتها. والجواب على هذا الاعتراض من وجهين:

الوجه الأول: أن رئيس الدولة، وإن كان محل ثقة الأمة، وهي التي اختارته، فقد يقدم على أمور تضر الأمة بقصد أو بدون قصد، ولا سبيل إلى إصلاح هذا الضرر بعد وقوعه، فمن حق الأمة أن تحتاط لنفسها فتلزمه بالمشاورة، دفعًا للضرر عنها.

الوجه الثاني: أن وكالة رئيس الدولة عن الأمة وكالة مقيدة. ومن قيودها أن يشاور الأمة؛ لأن المشاورة ورد بها النص الشرعي فلا تملك الأمة التنازل عنها؛ لأن سلطانها، كما قلنا، سلطان محدود بحدود الشرع، فلا تستطيع أن تفوض لوكيلها -رئيس الدولة- استعمال سلطانها إلا بهذا القيد -قيد المشاورة- سواء صرحت بهذا عند انتخابه أو لم تصرح.

أما النص الشرعي الوارد في المشاورة فهو قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾[29].

فهذا النص صريح في وجوب المشاورة على رئيس الدولة الأعلى؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب إلا إذا صرفته قرينة عن ذلك[30]. وإذا كان الخطاب في الآية الكريمة -وفيه الأمر بالمشاورة- موجهًا إلى الرسول الكريم (ص) على جلالة قدره وعظيم منزلته، فوجوب المشاورة على غيره من حكام الدولة الإسلامية أوجب وألزم. وعلى ما قلناه تدل أقوال الفقهاء والمفسرين، من ذلك ما جاء في السياسة الشرعية لابن تيمية: «لا غنى لولي الأمر عن المشاورة فإن الله تعالى أمر به نبيه (ص)»[31]. وفي تفسير الطبري في تفسير هذه الآية: «إنما أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه تعريفا منه أمته ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم»[32]. وفي تفسير الرازي: «قال الحسن وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك -أي أمر النبي (ص) بالمشاورة- ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته»[33].

28- من سنة النبي (ص) الثابتة مشاورته للأمة:

ومما يؤكد حق المشاورة للأمة على حكامها، أن النبي (ص) على عظيم قدره ومنزلته وتأييده بوحي السماء، كان كثير المشاورة لأصحابه؛ شاورهم يوم بدر في الخروج للقتال، وشاورهم في أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو. وأشار عليه الحباب بن المنذر يوم بدر بالنزول على الماء فقبل منه. وأشار عليه السعدان، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، يوم الخندق بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما[34]. وهكذا كان رسول الله (ص) كثير المشاورة لأصحابه حتى ذكر العلماء أنه «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم»[35].

29- ترك المشاورة موجب لعزل رئيس الدولة:

ونظرًا لثبوت حق الأمة في المشاورة ولزومه على رئيس الدولة، صرح الفقهاء بأن ترك هذا الحق من قبل رئيس الدولة موجب لعزله، فقد جاء في تفسير القرطبي، قال ابن عطية: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب»[36]. فلا بقاء لحاكم مستبد في دولة تقام على أساس الإسلام.

30- في أي شيء تجري الشورى؟

المشاورة مع الأمة تجري في شؤون الدولة المختلفة، وفي الأمور الشرعية الاجتهادية التي لا نص فيها، أي أن رئيس الدولة يستشير في أمور الدين والدنيا كما يعبر الفقهاء. فقد جاء في تفسير الجصاص: «والاستشارة تكون في أمور الدنيا وفي أمور الدين التي لا وحي فيها»[37]. والمشاورة في أمور الدنيا إنما تكون في المسائل المهمة منها، مثل سياسة الدولة العامة، وتسيير الجيوش وإعلان الحرب، وعقد المعاهدات ونحو ذلك، ولا تكون الاستشارة في كل شيء حتى في صغائر الأمور وجزئياتها؛ لأن هذا غير ممكن ولا معقول ولا حاجة إليه ولا منفعة فيه ولا دليل عليه.

31- أهل الشورى:

ولكن كيف تتم المشاورة؟ هل يجب على رئيس الدولة أن يشاور الأمة كلها أو طائفة منها أو أفرادًا منها؟

المستفاد من أفعال النبي (ص) وهديه في الشورى، أنه كان يشاور جمهور المسلمين في الأمور التي تهمهم مباشرة كما حصل في مسألة الخروج إلى قتال المشركين في أحد، فقد استشار جمهورهم الموجودين في المدينة، وكان يقول لهم: «أشيروا علي»[38]. وكذلك في مسألة غنائم هوازن، فقد حرص النبي (ص) على أن يعرف آراء جميع المسلمين المشتركين في حرب هوازن في مسألة الغنائم التي صارت إليهم، فقد جاء في أخبارها أن النبي (ص) بعد أن ذكر لهم ما يراه بصدد الغنائم قال الحاضرون: «يا رسول الله رضينا وسلمنا»، قال: «فكان زيد بن ثابت على الناس فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم أكلهم رضي». ثم سألهم: هل سلموا ورضوا؟ فأخبروه أنهم سلموا ورضوا ولم يتخلف عنهم رجل واحد.. إلخ[39]. فهذه الواقعة تدل على أن أهل الشورى كانوا جميع المسلمين الذين يتعلق بهم موضوع المشاورة.

وأحيانًا كان يستشير بعض أصحابه لا كلهم كما حصل في مسألة أسرى بدر، فقد استشار بعض أصحابه في هؤلاء الأسرى ماذا يفعل بهم وهل يأخذ الفداء عنهم أم لا.

واستشار السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في مسألة مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن قتال المسلمين في معركة الخندق فقالا له: إن كان هذا أمرًا من السماء فامض له، وإن كان أمرًا لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف. فأخذ الرسول (ص) برأيهما وترك موضوع المصالحة مع غطفان[40].

فهذه السوابق الثابتة في سنة النبي (ص) تدل على أن أهل الشورى، تارة يكونون جمهور الأمة، كما في مشاورة النبي (ص) للمسلمين في مسألة الخروج إلى أحد. وطورًا يكون أهل الشورى جميع المسلمين الموجودين وقت المشاورة ويهمهم موضوعها كمسألة غنائم هوازن. وأحيانًا يكون أهل الشورى المتبوعين في قومهم كما في مسألة غطفان فإن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة من سادات الأنصار والمتبوعين فيهم. وأحيانًا أخرى يكون أهل الشورى بعض المسلمين كما في مسألة أسرى بدر.

وفي ضوء هذه السوابق، يمكن أن نقول إن من يشاورهم رئيس الدولة يختلفون باختلاف موضوع المشاورة، فإن كان من الأمور العامة المهمة التي تهم الجميع، وجب عليه أن يستشير الأمة كلها إذا أمكن ذلك، أو يستشير فيها أهل الحل والعقد أي المتبوعين من قبل الأمة. وإن كان من المسائل التي تحتاج إلى نوع معرفة وحسن رأي، فإنه يستشير أهل الاختصاص، وهذا ما أشار إليه القرطبي في تفسيره، فقال: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها... إلى أن قال: قال العلماء صفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالمًا دينًا، وصفة المستشار إن كان في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا»[41].

32- تنظيم الشورى في الوقت الحاضر:

بينا في الفقرة السابقة السوابق الثابتة في السنة النبوية في موضوع الشورى، ومجموعها يدل على أن الشريعة الإسلامية لم تضع نظامًا خاصًا محددًا للشورى، وهذا من حسناتها واحتياطها للمستقبل؛ لأن تحقيق الشورى عملًا مما يختلف باختلاف الزمان والمكان، فتركه للأمة تنظمه حسب الظروف والأحوال هو السبيل الأقوم للشورى. وعلى هذا نرى أن ما يوافق أحوال العصر أن تقوم الأمة بانتخاب أهل الشورى الذين يشاورهم رئيس الدولة في المسائل العامة، ويخولون أيضًا سلطة انتخاب رئيس الدولة إذا شغر منصبه. على أن يكون لرئيس الدولة الحق في مشاورة أهل الاختصاص في موضوع اختصاصهم سواء كانوا من أهل الشورى المنتخبين أو من غيرهم. وأن يكون له استفتاء الأمة في المسائل الخطيرة، ويوضع نظام لكل هذه المسائل وغيرها مما له علاقة في موضوع الشورى مثل كيفية انتخاب مجلس الشورى وصلاحياته في ضوء قواعد الشريعة العامة.

ولضمان سلامة انتخاب مجلس الشورى، وانتخاب الأكفاء المخلصين لعضويته، لا يكفي وضع نظام لهذا الانتخاب، بل لا بد من إشاعة المفاهيم الإسلامية، ورفع المستوى الأخلاقي في الأمة، وتربية الأفراد على مخافة الله وتقواه حتى لا ينتخبوا إلا الأصلح، وليقوم من تنتخبه الأمة بواجبه كما يأمر الإسلام.

33- الخلاف بين رئيس الدولة ومجلس الشورى:

وقد يختلف رئيس الدولة مع مجلس الشورى، فما الحل في هذه الحالة؟ الحل هو ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. فيرد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه (ص) وبهذا قال المفسرون[42]. فإذا وجد الحكم صريحًا في الكتاب أو في السنة وجب اتباعه ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك. وإن لم يوجد الحكم صريحًا فأي الآراء أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به[43].

ولكن ما العمل إذا لم يظهر الرأي الذي هو أشبه بكتاب الله وسنة رسوله؟ هناك ثلاثة حلول:

الحل الأول: طريقة التحكيم:

وهذا يستلزم اختيار هيئة خاصة من أهل الفقه والرأي الجيد والمعرفة بشؤون الدولة، وتعطى الضمانات الكافية لاستقلالها في العمل وعدم التأثير عليها، وهذه هي التي تفصل في أمر الخلاف بين رئيس الدولة ومجلس الشورى ويكون رأيها ملزمًا. وقد يستأنس لهذا الحل بما روي عن الإمام عمر بن الخطاب أنه توجه إلى الشام فأخبر في الطريق بوقوع وباء في الشام فاستشار من معه من المهاجرين في أمر الرجوع أو المضي في السير فاختلفوا، فاستشار الأنصار الذين كانوا معه فاختلفوا، فدعا من كان موجودًا من مشيخة قريش من المهاجرين الأولين واستشارهم فأشاروا بالرجوع فأخذ برأيهم ورجع بمن معه[44].

الحل الثاني: الأخذ برأي الأكثرية:

ويقتضي هذا الحل أن يأخذ رئيس الدولة برأي الأكثرية وإن خالف رأيه. ويعضد هذا الرأي أن النبي (ص) أخذ برأي الأكثرية في مسألة الخروج لمقاتلة المشركين في معركة أحد، وكان ميله (ص) إلى عدم الخروج[45]. ثم إن الكثرة معدن الجودة ومظنة الصواب وإن كانت ليست دليلًا قاطعًا على الصواب، فقد يكون الخطأ إلى جانبها والصواب إلى جانب القلة.

الحل الثالث: الأخذ برأي رئيس الدولة مطلقًا:

ومقتضى هذا الحل أن رئيس الدولة بعد أن يشاور أهل الشورى يأخذ بما يراه دون تقيد برأي الكثرة أو القلة. ويستأنس لهذا الحل ما قاله البعض في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾. قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم[46]. ويقوي هذا الحل أن رئيس الدولة مسؤول ومحاسب عن عمله، فيقتضي إعطاؤه حرية العمل بما يراه ما دام أمرًا اجتهاديًا لا يخالف نصًا قطعيًا من نصوص الشريعة.

يوضحه أن كون الإنسان مسؤولًا عن عمله أنه يعمله باختياره ورأيه لا أن يعمله تنفيذًا لرأي غيره ويكون رأي الغير ملزمًا له. فليس من المستساغ أن يلزم المرء برأي غيره ويحاسب هو على هذا الرأي.

34- الحل الذي نختاره:

الرأي الثالث قوي سديد من الناحية النظرية، ولكن نظرًا لضرورات الواقع، وتغير النفوس ورقة الدين وصفح الإيمان وندرة الأكفاء الملهمين، كل هذا يقتضينا أن نأخذ بالرأي الثاني فنلزم رئيس الدولة برأي الأكثرية بشروط:

(الأول): إذا لم يقتنع رئيس الدولة برأي الأكثرية فله أن يحيل الخلاف إلى هيئة التحكيم.

(الثاني): إذا لم يقتنع برأي هيئة التحكيم فله إجراء استفتاء عام حول موضوع الخلاف فإن أيدت الأمة رأي رئيس الدولة أخذ برأيه وإن لم تؤيده فعليه أن يأخذ برأي الأمة أو يستقيل.

(الثالث): أن يعطى حرية اتباع الرأي الذي يراه في الأحوال الاستثنائية كحالة الحرب أو حدوث خطر داهم يهدد سلامة البلاد دون تقيد برأي سوى ما يراه هو.

 

ثالثًا - حق المراقبة وما يترتب عليه

35- وللأمة، والفرد واحد منها، حق مراقبة رئيس الدولة وسائر ولاتها، في أعمالهم وتصرفاتهم التي تخص شؤون الدولة. وتستمد الأمة هذا الحق من طبيعة علاقتها مع رئيس الدولة، فعلاقتها معه علاقة وكالة فهي التي اختارته ومن حق الموكل أن يراقب وكيله ليطمئن على حسن قيامه فيما وكله فيه.

36- حق المراقبة لا يراد لذاته بل لغيره:

وحق المراقبة يراد لتقويم رئيس الدولة إذا انحرف عن النهج القويم -نهج الإسلام- في الحكم.

وأول منازل التقويم تقديم النصح الخالص له، جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، أن النبي (ص) قال: «الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

فإن لم يفد النصح فمن حق الأمة استعمال القوة اللازمة لتقويمه، وردعه عن الظلم وعن سائر مظاهر الانحراف والاعوجاج، فقد جاء عن النبي (ص) أنه قال: «والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا ولتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم»[47]. وفي حديث آخر: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب منه»[48].

37- الحكام المسلمون يدعون الأمة لمراقبتهم:

وحق الأمة في مراقبة رئيس الدولة وسائر ولاتها وحكامها كان مرعيًا أحسن رعاية في عصر الإسلام الأول، وأكثر من ذلك كان رؤساء الدولة الإسلامية يدعون الأمة لمراقبتهم وتقويمهم إذا رأوا في سيرتهم اعوجاجًا. وقد حفظ لنا التاريخ سوابق خالدة في هذا الباب، من ذلك ما قاله الخليفة أبو بكر الصديق في خطبة له: «...فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت قوموني»[49]. ومن خطبة للخليفة عمر بن الخطاب: «من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقومه»، فقال له أحد الحاضرين: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا. فقال الإمام عمر بن الخطاب: «الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمر بسيفه».

 

رابعًا - حق العزل

38- حق الأمة في عزل رئيس الدولة:

قلنا إن المركز القانوني لرئيس الدولة هو مركز الوكيل بالنسبة للأمة، فمن البديهي أن يكون من حقها عزله إذا خرج عن حدود وكالته أو لم يقم بمهام الوكالة عجزًا أو تقصيرًا. ولأن من يملك التعيين يملك العزل، والأمة هي التي اختارته فتملك تنحيته. ومباشرة هذا الحق يستلزم المبرر الشرعي وهو ما ذكرناه من خروج على حدود الوكالة أو عجز عن القيام بمهامها، وهذا ما صرح به الفقهاء من ذلك قولهم: «وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين كما كان لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها»[50]. ويقول الفقيه المعروف ابن حزم الأندلسي، وهو يتكلم عن الإمام -أي رئيس الدولة- ما نصه: «...فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن أذاه إلا يخلعه خلع وولي غيره»[51].

39- طرق العزل:

وإذا كان للأمة عزل رئيس الدولة، فلها أن تباشره بواسطة ممثليها وهم أهل الحل والعقد بأن يسحبوا ثقتهم منه ويقرروا عزله. ولكن قد لا يستجيب رئيس الدولة لهذا القرار، وفي هذه الحالة يجوز للأمة استعمال القوة لتنحيته من منصبه إذا وجد المبرر الشرعي لذلك مثل خروجه السافر على نهج الإسلام وأحكامه مما يعتبر كفرًا في نظر الإسلام. جاء في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت: «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان»[52].

ولكن اللجوء إلى القوة مشروط بتوافر القوة اللازمة ورجحان النجاح، وبدون ذلك لا يجوز العنف؛ لأن من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يكون العمل على إزالة المنكر مستلزمًا منكرًا أعظم، ولا شك أن عدم تهيؤ القوة لإزاحة رئيس الدولة من منصبه ثم إعلان الخروج عليه بالسيف -كما يعبر الفقهاء- لا يؤدي إلا إلى سفك الدماء وخراب البلاد وضعف الدولة، وكل هذه الأمور منكرات فلا يجوز مباشرة أسبابها.

 

خامسًا - حق الترشيح

40- حق الفرد في الترشيح:

حق الترشيح أن يرشح الإنسان نفسه لمنصب من مناصب الدولة أو وظيفة من وظائفها العامة، فهل يملك هذا الحق الفرد في الدولة الإسلامية؟

الظاهر أنه لا يملك هذا الحق -كقاعدة عامة- فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي (ص) قال له: «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»[53]. والترشيح يتضمن طلب المنصب أو الوظيفة، فلا يجوز. أما ترشيح الإنسان غيره فجائز لأنه لا يتضمن طلب الإمارة وإنما يتضمن دعوة الأمة إلى انتخاب المرشح الكفء، ومثل هذه الدعوة أمر جائز مستساغ.

41- حكم الترشيح في الوقت الحاضر:

وإذا كان ترشيح الشخص نفسه لا يجوز، كقاعدة عامة، ولكن إذا قضت به الضرورة أو المصلحة الشرعية جاز. ولا خلاف أن الأمور تعقدت في وقتنا الحاضر واتسعت وما عاد بالإمكان معرفة الأمة للأكفاء الصالحين حتى تنتخبهم، ولما كان تولي هؤلاء مناصب الدولة في غاية الأهمية حتى يساهموا في إدارة شؤون الدولة وفق الشرع الإسلامي، فإن ترشيح الكفء نفسه يعتبر من قبيل الدلالة على الخير ومن قبيل إرشاد الأمة وإعانتها على انتخاب الأصلح لتحقيق المطلب المهم فيجوز.

وقد يستأنس لرأينا هذا بقول يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. ولا يظن بيوسف عليه السلام أنه طلب هذا المنصب حرصًا منه على المنصب، ولكن طلبه ليجعله وسيلة لتحقيق مقاصد مرضية عند الله تعالى.

42- الدعاية للمرشح:

وإذا جاز الترشيح في الوقت الحاضر للضرورة، فلا يجوز لمن يرشح نفسه أن يقوم بما يسمى بالدعاية الانتخابية التي يقوم بها المرشحون من مديح لأشخاصهم وتنقيص بغيرهم، وإنما يجوز للمرشح أن يعرف نفسه للناخبين ويبين لهم فكرته ومنهاجه في العمل ولا يزيد على ذلك.

 

سادسًا - حق تولي الوظائف العامة

43- تولي الوظائف العامة تكليف وليس حقًا للفرد:

تولي الوظائف العامة في الشريعة الإسلامية -على ما نرى- ليس حقًا للفرد على الدولة وإنما هو تكليف على الفرد من الدولة. فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي موسى الأشعري أنه قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله تعالى. وقال الآخر مثل ذلك. فقال: إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه»[54]. فهذا الحديث صريح في أن تولي الوظائف العامة ليس حقًا للفرد على الدولة، إذ لو كان حقًا له لما كان طلب الوظيفة أو الولاية سببًا لحجبها عن طالبها؛ لأن صاحب الحق لا يمنع من حقه إذا طلبه أو طالب به أو حرص عليه.

44- كيف تولى وظائف الدولة للأفراد؟

وإذا كان طلب الوظيفة في نظر الشريعة غير مرغوب فيه فكيف يمكن إسناد وظائف الدولة إلى الأفراد؟ هنا يبرز واجب رئيس الدولة وسائر ولاتها، فعليهم أن يتحروا عن الأصلح لكل عمل من أعمال الدولة، ولا يجوز لهم أن يعدلوا عن الأصلح إلى غيره لقرابة أو صداقة أو حزبية أو لأي معنى من المعاني التي لا علاقة لها بصلاح الشخص لما يراد توليته من أعمال. فقد قال النبي (ص): «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله»[55]. وقد لا يجد رئيس الدولة، أو غيره من المسؤولين، من هو صالح لوظيفة معينة، ففي هذه الحالة عليهم أن يتخيروا الأمثل فالأمثل أي أصلح الموجودين لكل وظيفة من وظائف الدولة لا سيما المهمة منها بعد بذل أقصى الجهد، فهذا هو المستطاع والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

45- ميزان الصلاحية للوظائف العامة:

وإذا كان على رئيس الدولة وسائر ولاتها التحري عن أصلح الموجودين لإسناد وظيفة ما إليه، فعليهم أن يعرفوا أن ميزان الصلاحية هو: القوة والأمانة. قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. والقوة هي القدرة والكفاءة على القيام بمهام الوظيفة، وهي تختلف باختلاف الوظائف. أما الأمانة فترجع إلى إدارة شؤون الوظيفة حسب ما يقضي به الشرع الإسلامي مع خشية الله ومراقبته لا خشية الناس وطلب مرضاتهم.

46- تولية الوظائف العامة في الوقت الحاضر:

وإذا كان طلب الوظيفة غير مرغوب فيه في نظر الشريعة، وأن على ولي الأمر التحري عن الأكفاء للوظائف العامة، فكيف يمكن تطبيق هذه القواعد في الوقت الحاضر؟

الجواب عن هذا السؤال، هو أن وظائف الدولة المهمة كالوزارة وقيادة الجيش ورئاسة الوحدات الإدارية، هذه الوظائف يجب على رئيس الدولة أن يتحرى الأكفاء لها ومن ثم تطبق القواعد الشرعية السابقة وميزان الصلاحية. أما الوظائف الأخرى، فلا نرى بالإمكان قيام المسؤولين بأنفسهم بالتحري المباشر عن الأكفاء، وإنما الممكن أن يوضع نظام تذكر فيه شروط التوظف والحد الأدنى من الكفاءة ويسمح للراغبين في التوظف بالتقدم بطلباتهم، وعلى المسؤولين فحص طلباتهم وجميع ما يستدل به على كفاءتهم وأمانتهم بروح متجردة غير متحيزين ولا متأثرين بوساطة أو قرابة أو حزبية، فمن وجدوه كفوءًا مستكملًا الشروط عينوه وإن كان من خصومهم، ومن وجدوه غير ذلك لم يجيبوا طلبه وإن كان من أصدقائهم...

إن السلطة بيد رئيس الدولة وسائر ولاتها أمانة بأيديهم فعليهم أن يخرجوا من عهدة هذه الأمانة بأن يستعملوها فيما يرضي الله، والله يرضيه أن يولي الأصلح، حسب الموازين الشرعية، وظائف الدولة العامة لا أن يولي الأقرب ويبعد الأكفأ والأصلح، فإن هذا الصنيع خيانة للأمانة وتضييع لها. قال النبي (ص): «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قيل وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله»[56].

لتحميل ملف الجزء الثاني (هنا)

لتحميل ملف الدراسة كاملة (هنا)

*  د. عبد الكريم زيدان، الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية، بغداد: مطبعة سلمان الأعظمي، 1966م.

** الدكتور عبد الكريم زيدان (1921م - 2014م)، فقيه عراقي، وأحد علماء أصول الفقه والشريعة الإسلامية، تولى وزارة الأوقاف العراقية عام 1968م، وعمل أستاذًا للشريعة الإسلامية ورئيسًا لقسمها في كلية الحقوق بجامعة بغداد سابقًا، وكان عضوًا بالعديد من المجامع العلمية الإسلامية. حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية عام 1417هـ/ 1997م، وذلك تقديرًا لجهوده العلمية ومؤلفه الموسوعي "المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية"، كما أن له مؤلفات عديدة أخرى في الشريعة الإسلامية وفي الفقه الإسلامي وفي الفقه المقارن، منها: "نظام القضاء في الشريعة الإسلامية"، و"القصاص والديات في الشريعة الإسلامية"، و"القيود الواردة على الملكية الفردية للمصلحة العامة في الشريعة الإسلامية"، و"الكفالة والحوالة في الفقه المقارن مع مقدمة في الخلاف وأسبابه"، و"المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية"، و"نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية".

[17] أصول القانون للدكتور السنهوري وحشمت أبو ستيت، ص 268.

[18] القانون الدولي الخاص للدكتور جابر جاد، ج 1، ص 272.

[19] المغني لابن قدامة الحنبلي، ج 8، ص 106.

[20] منهاج السنة النبوية للإمام ابن تيمية، ج 1، ص 142.

[21] الأحكام السلطانية للماوردي، ص 29.

[22] تفسير الرازي، ج 27، ص 177.

[23] مقدمة ابن خلدون، ص 193.

[24] الماوردي، ص 4.

[25] الماوردي، ص 3-4، وذكر أبو يعلى نفس هذه الشروط في كتابه الأحكام السلطانية، ص 3-4.

[26] تفسير المنار، ج 5، ص 181.

[27] الأحكام السلطانية، ص 6.

[28] منهاج السنة، ج 1، ص 134.

[29] سورة آل عمران، الآية 159.

[30] كتابنا الوجيز في أصول الفقه، ص 240.

[31] السياسة الشرعية لابن تيمية، ص 169.

[32] تفسير الطبري، ج 4، ص 94، وانظر تفسير القرطبي، ج 4، ص 250.

[33] تفسير الرازي، ج 9 ص 66.

[34] تفسير الرازي، ج 9، ص 67، إمتاع الأسماع، ص 219.

[35] السياسة الشرعية لابن تيمية، ص 169.

[36] تفسير القرطبي، ج 4، ص 249.

[37] أحكام القرآن للجصاص، ج 2، ص 40.

[38] إمتاع الأسماع، ص 116.

[39] إمتاع الأسماع، ص 429.

[40] إمتاع الأسماع، ص 236.

[41] تفسير القرطبي، ج 4، ص 249 - 250.

[42] تفسير الطبري، ج 5، ص 87، وتفسير القرطبي ج 5، ص 261، أحكام القرآن للجصاص ج 2، ص 212.

[43] السياسة الشرعية، ص 170.

[44] تفسير المنار، ج 5، ص 196-197.

[45] سيرة ابن هشام، ج 2، ص 6.

[46] تفسير القرطبي.

[47] رواه أبو داود، انظر رياض الصالحين، ص 112.

[48] رياض الصالحين، ص 113.

[49] الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 3، ص 183.

[50] المواقف للإيجي، وشرحه نقلاً عن كتاب النظريات السياسية الإسلامية للأستاذ ضياء الدين الريس، ص 270.

[51] المرجع السابق، ص 270.

[52] البخاري، ج ،9 ص 85.

[53] البخاري، ج ،9 ص 114.

[54] تيسير الوصول، ج 1، ص 18.

[55] السياسة الشرعية لابن تيمية، ص 4.

[56] تيسير الوصول، ج 1، ص 32.

 

مقدمة

١ – أزمة حقوق الإنسان:

لوحظ خلال القرن الحالي فشو النزعة إلى الاعتداء على الحقوق الطبيعية للإنسان، سواء كان متهمًا بجريمة أو لم يكن. والسبب في ذلك هو ظهور نظم تسلطية لا يبغى القائمون عليها إلا المحافظة على مكاسبهم، ولو كان السبيل إلى ذلك هو الاعتداء على حقوق الإنسان في حياته وحريته وسلامة جسمه وشرفه وسمعته وعرضه. وهدأت الحال نسبيًا عقب الحرب العالمية الثانية، بعد أن قضى على النازية والفاشية. فكانت فرصة الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر سنة ١٩٤٨. بعد ذلك أبرم الاتفاق الأوروبي في روما بتاريخ ٤ نوفمبر سنة ١٩٥٠ لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وبعد الإعلان العالمي اتجهت الأمم المتحدة إلى تحويل المبادئ إلى مواد معاهدة تقرر التزامات قانونية على كل دولة مصدقة. وفي نهاية الأمر وافقت الجمعية العامة بتاريخ ١٦ ديسمبر سنة ١٩٦٦ على اتفاقيتين تتناول الأولى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد دخلت حيز التنفيذ في ٣ يناير سنة ١٩٧٦. أما الاتفاقية الثانية فخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، وأصبحت بدورها نافذة يوم ٢٣ مارس سنة ١٩٧٦.

 

٢ – ملاحظات على الإعلان والاتفاقيات الدولية:

يجب عدم المبالغة في قيمة الإعلان العالمي والاتفاقيات الدولية، ذلك أنه قلما تشترك في إعدادها خيرة المتخصصين، مثلًا فيما يتعلق بحقوق الإنسان التي يكفلها القانون الجنائي، يبدو أنه لم يشترك في اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية أحد من علماء القانون الجنائي، وإلا ما وقعت أخطاء علمية في الاتفاقية المذكورة. وأهم الملاحظات على الإعلان والاتفاقية المذكورة ما يأتي:

أولًا: إن نصوص الوثائق المذكورة تحتوي على مبادئ مجردة لا يرفضها أحد، وقد زهد المجتمع في ترديد شعارات جوفاء وأصبح يتطلب تحديدًا. فمن السهل أن توافق الدولة على تقرير حق، ولكنها تتردد في الموافقة على حصر ما يقيد الحق، مثلًا تنص المادة التاسعة من الإعلان العالمي على أنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفًا». وتنص المادة الثانية عشرة على أنه «لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته». فمتى يكون القبض أو التدخل تعسفيًا أو لا يكون كذلك. إن الدساتير التقليدية تردد مثل ذلك، أما الدساتير التالية على الحرب العالمية الثانية فقد عنت بتحديد القيود التي ترد على حقوق المتهم بالقدر الذي تتطلبه مصلحة المجتمع، على ما سيأتي.

ثانيًا: يلاحظ كذلك فقدان الترتيب العلمي بالنسبة للحقوق التي تنتمي إلى فروع القانون المختلفة، بل كثيرًا ما فرق نص دخيل بين نصوص متجانسة، وأحيانًا يتضمن النص الواحد مبدأين لا تجمعهما صلة.

ثالثًا: لم تراع الوثائق المذكورة بعض القواعد العلمية المسلمة، فهي تسوي بين الجريمة التي ينص عليها قانون الدولة وبين الجريمة التي يقضي بها القانون الدولي، كجريمة إبادة الجنس، مع أن القاضي الوطني لا يتلقى الخطاب إلا من المشرع الوطني. وقد جمعت المادة السابعة من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية بين أمرين مختلفين: عدم اخضاع أي فرد للتعذيب أو لعقوبة أو معاملة قاسية أو غير إنسانية، وعدم اخضاعه لتجربة طبية أو علمية إلا برضائه الحر. وقد نقل الدستور المصري هذا الشطر الأخير في المادة ٤٣، مع أن المسلَّم أن رضاء الإنسان وحده لا يبرر اجراء تجربة علمية، وربما استقام النص لو اشترط أن يكون من تجرى عليه التجربة مريضًا ويقصد منها علاجه، فلا تجوز التجربة على شخص سليم. فضلًا عن أن التجربة يجب أن يكون من المرجح معها شفاء المريض، والعبرة في ذلك بالأصول العلمية المسلَّمة.

 

٣ – جهود الجمعية الدولية لقانون العقوبات:

تدعو هذه الجمعية إلى مؤتمر دولي كل أربع سنوات في المتوسط، وتصدر كبرى المجلات القانونية في العالم، وهي المجلة الدولية لقانون العقوبات. وفي سنة ١٩٥٣ عقد المؤتمر السادس في روما وكان أحد موضوعاته الأربع «حماية الحرية الشخصية في التحقيق الابتدائي». وفي سنة ١٩٦٦ نشرت المجلة المذكورة في عدديها الأول والثاني اثني عشر بحثًا في حماية حقوق المشتبه فيهم والمتهمين بجرائم جنائية في اثنتي عشرة دولة (السنة السابعة والثلاثون). ثم تعود الجمعية فتعنى بحقوق الإنسان في الاجراءات الجنائية، وتفرد لها أحد موضوعات المؤتمر الدولي الثاني عشر لقانون العقوبات الذي عقد في همبورج في سبتمبر سنة ١٩٧٩، وسنشير إلى أهم توصيات هذا المؤتمر كلما اقتضى المقام.

 

٤ – أزمة القضاء:

إذا كان الدستور المصري الأخير قد تقدم عن الدساتير السابقة في ايراد بعض ضمانات للمتهم في الاجراءات الجنائية، فإنه لم يتقدم بالنسبة للنصوص المتعلقة بالقضاء، مع أن شخص القاضي وما يلزم فيه من نزاهة وحيدة وخبرة هو أهم الضمانات لمحاكمة عادلة. فالدستور الحالي يردد الشعارات المعتادة باستقلال القضاء وحصانته (المواد ١٦٥ و١٦٦ و١٦٧)، ولكنه لا يحدد ولاية المحاكم وكيفية حل التنازع بينها، وغير ذلك. مما ترتب عليه انشاء محاكم استثنائية لا تتوفر في أعضائها الشروط اللازمة لتولي القضاء، ومع ذلك طغى اختصاصها على اختصاص المحاكم العادية. في الخمسينات وأوائل السبعينات شكلت محاكم استثنائية، ان صحت تسميتها محاكم؛ محكمة الغدر ومحكمة الثورة ومحكمة الشعب وما إليها، وكانت تشكل من أشخاص غير مؤهلين، وكأن القانون يكتسب بحسن البديهة والحدس أو التخمين ولا يحتاج الى دراسة وممارسة كأي علم من العلوم. ورغم أن جميع الدساتير المصرية قد نصت على استقلال القضاء وحصانته وعدم جواز عزل القضاة، فإن هذا لم يمنع صدور القانون المشهور رقم ٨٣ لسنة ١٩٦٩ بإعادة تشكيل الهيئة القضائية.

هناك عدد يذكر من الدساتير يفصل المبادئ الأساسية التي تقوم عليها السلطة القضائية، فلا يترك الأمر في ذلك لقانون السلطة القضائية أو بغيره من القوانين، ولعل أكثرها تفصيلًا هو دستور الهند الصادر في ٢٦ نوفمبر سنة ١٩٤٩. ومن هذه المبادئ ما يتعلق بوحدة القضاء وتحديد ولاية الجهات القضائية وتخصص القضاة وصلاحيتهم للحكم والقواعد الأساسية للمحاكمة وشروط صحة الأحكام، وغير ذلك.

وهنا يصح التساؤل عما إذا كان من الممكن أن يتضمن الدستور، بقدر الامكان، القواعد الأساسية للإجراءات الجنائية متى كانت متعلقة بالنظام العام، وسواء كانت هذه القواعد متعلقة بالضبط القضائي أو بالتحقيق الابتدائي أو بالمحاكمة.

(أ) حقوق المتهم كإنسان

٥ – شخص الإنسان:

يضع أغلب الدساتير حقوق الأفراد تحت عناوين عامة، فالدستور المصري يعنون الباب الثالث بعبارة «الحريات والحقوق والواجبات العامة». وقد نقل المشرع السوري هذا التعبير في دستور سنة ١٩٧٣. ولا يكاد يخلو دستور من ايراد عبارة «الحرية الشخصية مصونة لا تمس». مثل هذه العبارات ليس فيها من القوة ما يشعر القارئ بإيمان واضع الدستور بشخص الإنسان، فصيانة كرامة الإنسان وحقوقه هي الهدف الأساسي من الدستور.

يفضل ذلك ما نصت عليه المادة الأولى من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية (الصادر في ٢٣ مايو سنة ١٩٤٩) من أن «كرامة الإنسان مصونة وتلتزم السلطات العامة باحترامها وحمايتها، ومن ثم يعترف الشعب الألماني بحقوق الإنسان المقدسة الثابتة أساسًا لكل مجتمع بشري». أما دستور السنغال فيعنون الباب الثاني بعبارة «الحريات العامة والشخص الإنساني»، وجاء نص المادة السادسة منه هكذا: «شخص الإنسان مقدس والدولة ملزمة باحترامه وحمايته». في مثل هاتين الدولتين لا شك أن الفرد يعامل معاملة إنسانية ولو ارتكب جريمة وحكم عليه فيها.

 

٦ – الضمانات المقررة للمتهم في الدستور:

يؤمن الدستور حقوق الإنسان بوجه عام وحقوق المتهم بوجه خاص، وكان يجب الفصل بين النوعين، والنوع الثاني هو الأهم، ذلك أن الشكوى من الاعتداء على حقوق الإنسان تغلب في معرض الاتهام، ولأن المتهم طرف ضعيف أمام خصمه وعلى الدستور أن يضمن له، حسب تعبير مؤتمر همبورج، المساواة في الأسلحة égalité des armes، أي يكون للدفاع الحق في مساواة حقيقية أثناء الاجراءات فتوفر له الوسائل الضرورية لتفنيد الأدلة التي يقدمها الادعاء وتقديم أدلة النفي.

لقد نص الدستور المصري على بعض ضمانات المتهم، وأوردها متفرقة في مواضع مختلفة، ولا تجمعها نظرية واحدة، ومن ثم جاءت مبتورة لا تتقدم كثيرًا على مجرد الشعارات. وفي الجملة لم تكن هناك دراسة جدية لحقوق المتهم بحيث يتحقق الغرض المنشود.

 

٧ – قرينة البراءة:

هذا مبدأ لا يحتاج إلى نص يقرره، ورددته محكمة النقض قبل أن يدون في الدستور الحالي. فهو يمثل الشرعية الاجرائية، ومن ثم كانت له الصدارة في توصيات مؤتمر همبورج. وقد نصت المادة ٦٧ من الدستور المصري على أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه»، وهو نص نقل حرفيًا من المادة ٣٤ من دستور الكويت الصادر في ١١ نوفمبر سنة ١٩٦٢. ولو وضعت في الدستور نظرية متكاملة لحقوق المتهم لجاء مبدأ قرينة البراءة في صدرها، لأن مراعاته تبدأ من القبض والحبس الاحتياطي والتفتيش. وايراد المبدأ على الوجه المذكور لا يعد تقدمًا، وانما كان يجب ايراد مضمونه أو نتائجه. وقد تقدم الدستور السوداني الصادر في سنة ١٩٧٣ خطوتين في هذا السبيل، فقد نصت المادة ٦٩ منه على أنه لا يطلب من المتهم تقديم الدليل على براءة نفسه، وأنه بريء إلى أن تثبت إدانته دون ما شك معقول. واذا كان القضاء المصري قد جرى على أن الشك يفسر لصالح المتهم فإنه يتقيد بالنصوص الاستثنائية التي تكلف المتهم بتقديم أدلة النفي، كما هو الشأن في المادتين ٦٣ و ١٩٥ من قانون العقوبات، ٥٨ من قانون التموين رقم ٩٥ لسنة ١٩٤٥، ١٥ من القانون رقم ١٦٣ لسنة ١٩٥٠ بشأن التسعير الجبري، ١٢٣/٢ من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة الثانية من القانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٤١ بشأن قمع الغش والتدليس، وغيرها، أن عبء اثبات التهمة، وكذلك عدم وجوب سبب يحول دون توقيع العقوبة، يجب أن يقع على عاتق النيابة في جميع الأحوال وبغير استثناء.

وفيما يلي نص التوصية الأولى لمؤتمر همبورج عن قرينة البراءة:

«قرينة البراءة مبدأ أساسي في القضاء الجنائي، وهي تتضمن:

(أ) أن أحدًا لا يمكن إدانته إلا إذا كان قد حوكم بالمطابقة للقانون وبناء على اجراءات قضائية.

(ب) ولا يجوز توقيع جزاء جنائي عليه طالما لم تثبت مسئوليته على الوجه المنصوص عليه في القانون.

(ج) لا يكلف شخص بإثبات براءته.

(د) يستفيد المتهم دائمًا بأي شك».

 

٨ – استجواب المتهم:

لم يرد في الوثائق الدولية غير عبارات عامة تسري على المتهم وغيره، فتنص المادتان الخامسة من الاعلان العالمي والسابعة من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية على أنه لا يجوز اخضاع أي فرد للتعذيب أو العقوبة أو معاملة قاسية أو غير انسانية. والظاهر أن واضع الدستور المصري لم يطلع على ما ورد في الدساتير عن الاستجواب، فاقتصر في المادة ٤٢ على القول بأنه «لا يجوز ايذاؤه -يقصد المتهم- بدنيًا أو معنويًا.. وكل قول يثبت أنه صدر من مواطن تحت وطأة شيء مما تقدم أو التهديد بشيء منه يهدر ولا يعول عليه». وقد سبق أن نصت على ذلك المادة ٣٤ من دستور الكويت.

ولكن دساتير أخرى أكثر تحديدًا وتفصيلًا، مثلًا تنص المادة ٣٨ من دستور اليابان (الصادر في ٣ نوفمبر ١٩٦٣) على أنه «لا يجوز اكراه أحد على الادلاء بأقوال تسيء الى مصالحه، والاعتراف الذي يتم نتيجة للإكراه أو التعذيب أو التهديد أو القبض أو الحبس لفترة تجاوز ما يقضي به القانون لا يجوز أن ينهض دليلًا في الاثبات. كما لا يجوز ادانة أحد أو توقيع عقوبة جنائية عليه إذا كان اعترافه هو الدليل الوحيد القائم ضده». وقد ورد في المادة ٢٦ من دستور أفغانستان ما يأتي: «لا اعتبار للبيان الذي ينتزع من المتهم أو شخص آخر بوسيلة الاكراه. الاعتراف بالجريمة عبارة عن اعتراف المتهم برضاء كامل وفي حالة عقلية سليمة وبحضور محكمة ذات صلاحية بارتكاب الجريمة المنسوبة اليه قانونًا». وقد جاء في التوصية الرابعة لمؤتمر همبورج:

(أ) لا يعتد بالأدلة التي تنتج عن استعمال وسائل تشكل اعتداء على حقوق الانسان كالتعذيب أو المعاملة الوحشية أو غير الانسانية أو المهينة.

(ب) لا يدان أحد على أساس مجرد اعتراف لم تتحقق صحته.

ومن المرغوب فيه أن تجمع ضمانات الاستجواب في نص في الدستور وليكن هكذا: «استجواب المتهم حق له يدافع به عن نفسه، فلا يجوز للمحقق أو المحكمة استجوابه إلا إذا قبل ذلك. ومن ثم لا يجوز أن يكون رفضه للاستجواب قرينة ضده، وعلى المحقق أو المحكمة أن تنبهه الى ذلك والى أن من حقه ألا يجيب الا بحضور محاميه، ولا يجوز لأي سبب الفصل بين المتهم ومحاميه في أي دور من أدوار الدعوى. ويجب السماح للمحامي بالاطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب أو المواجهة. وعندما يدلي المتهم بأقواله يجب أن يكون بمأمن من كل تأثير عليه، ومن ثم لا يعتد بأقوال تصدر منه تحت تأثير اكراه مادي أو معنوي أو اغراء أو تغرير. والاعتراف الذي يؤخذ دليلًا على المتهم هو الذي يصدر منه أمام المحكمة، ومع ذلك لا تجوز إدانته إذا كان اعترافه هو الدليل الوحيد ضده».

 

٩ – القبض على المتهم:

جمعت المادة ٤١ من الدستور بين القبض وتفتيش الشخص والحبس ثم نصت المادة ٤٤ على تفتيش المساكن، والمادة ٤٥ على حرمة المراسلات، وكان من الملائم أن يخصص نص لكل من القبض والحبس الاحتياطي والتفتيش، سواء كان لدى الشخص أو في منزله. وقد أجازت المادة ٤١ بغير أمر قضائي اتخاذ أي من الاجراءات السابقة في حالة التلبس وبغير قيد، مع أن المسلم أنها غير جائزة في المخالفات ولا الجنح التي يعاقب عليها بالغرامة أو بالحبس لمدة قصيرة. كما أن هذه المادة قد تركت للقانون تحديد مدة الحبس الاحتياطي، الأمر الذي لا يساير نصوص دساتير أخرى.

وكان من الملائم أن يتضمن الدستور نصًا خاصًا بالقبض وحده يكون دقيقًا وشاملًا، وليكن كما يأتي:

«لا يجوز للبوليس القضائي القبض على شخص إلا إذا شاهده متلبسًا بجريمة يعاقب عليها القانون بالحبس ستة شهور على الأقل، ويجب عليه عندئذ أن يسلمه للمحقق في خلال أربع وعشرين ساعة من القبض عليه. وفي غير هذه الحالة يجوز للمحقق أو المحكمة القبض على الشخص، وذلك عندما توجد دلائل كافية على اتهامه بجريمة يعاقب عليها بالحبس، ولا تجاوز مدة القبض أربعًا وعشرين ساعة من القبض، فإذا لم تثبت براءته جاز حبسه احتياطيًا إذا توفرت شروطه».

 

١٠ – الحبس الاحتياطي:

هو أخطر أوامر التحقيق واستثناء من قرينة البراءة، ولذلك أولاه مؤتمر همبورج عناية فائقة، وكذلك كثير من الدساتير، وكان يستحق نصًا متكاملًا في الدستور المصري الذي اقتصر على نتف متفرقة في المادتين ٤١، ٧١.

ويحرص بعض الدساتير على بيان مبررات الحبس، فالمادة ٤٨ من دستور يوغوسلافيا تنص على أنه لا يجوز الحبس الاحتياطي إلا إذا كان ضروريًا لسير التحقيق أو لصيانة أمن الناس، وقد نقلت هذه العبارة في المادة ٤١ من الدستور المصري، ومفهومه أن يكون هناك اتهام بجريمة. وأفضل من ذلك التوصية السابعة لمؤتمر همبورج من أنه لا يجوز القبض على أحد أو حبسه إلا إذا وجدت أسباب معقولة للظن بأنه ارتكب جريمة، ولا محل لذلك إلا في حالات الضرورة في الجنايات والجنح الخطيرة، على أن يراعى الاقتصاد في الحبس إلى أقل حد ممكن سواء في حالاته أو في مدته، وأن يستعاض عنه بقدر الامكان ببدائل أخرى كالكفالة وفرض القيود على المتهم.

وتنص المادة ٤٨ من دستور يوغوسلافيا كذلك على أن يكون الحبس الاحتياطي لأقصر مدة ممكنة، وأن يصدر به أمر من المحكمة، فإذا صدر من غيرها -يقصد النيابة العامة- فلا يجوز أن تزيد مدته على ثلاثة أيام، ولا تمد محكمة أول درجة الحبس لأكثر من ثلاثة شهور، وتعده المحكمة العليا إلى ستة شهور على الأكثر. فإذا لم يكن موضوع الاتهام قد صفى في نهاية هذه المدة وجب الافراج عن المتهم. وينص كثير من الدساتير على ضرورة تعريف من يقبض عليه أو يحبس احتياطيًا بأسباب ذلك وتمكينه من التظلم الى القضاء والاستعانة بمن يرى الاستعانة به. وقد ورد ذلك أيضًا في التوصية السابعة (هـ) لمؤتمر همبورج.

ومن مجموع ذلك يمكن أن نخلص إلى النص التالي:

«لا يجوز حبس شخص احتياطيًا إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق، إذا وجدت دلائل قوية على اتهام هذا الشخص بجريمة يعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن ستة شهور. وللنيابة العامة أن تأمر بالحبس الاحتياطي لمدة لا تجاوز ثلاثة أيام، وفيما عدا هذا يصدر الأمر من القاضي لمدة أو مدد قصيرة. ولا يجوز أن تطول مدة الحبس الاحتياطي عن ثلاثة شهور في الجرائم المعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات، ولا عن ستة شهور في الجرائم الأخرى. فإذا لم يتقرر احالة المتهم إلى المحكمة في خلال المدد المذكورة وجب الافراج عنه حتمًا. ويبلغ فورًا كل من يقبض عليه أو يحبس احتياطيًا بأسباب القبض أو الحبس، ويكون له حق الاتصال بمن يرى ابلاغه بما وقع أو الاستعانة به على الوجه الذي ينظمه القانون. ويجب اعلانه على وجه السرعة بالتهمة الموجهة اليه، وله ولغيره التظلم أمام القضاء من الاجراء الذي قيد حريته الشخصية. وينظم القانون حق التظلم بما يكفل الفصل فيه خلال مدة محددة والا وجب الافراج حتمًا».

 

١١ – التفتيش والضبط:

قيدان على حق المتهم في السر. وقد نصت المادة الثانية عشرة من الاعلان العالمي على أن «لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته». ولم يعد الدستور الحديث يقنع بهذه الشعارات، بل يحدد شروط انتهاك حرمة السر، وخاصة حرمة المساكن. فالمادة ٣٥ من دستور اليابان تنص على أنه «لا يجوز الاخلال بحق كل شخص في أن يكون مسكنه وأوراقه ومنقولاته في مأمن من الانتهاك أو التفتيش بغير أمر قانوني صحيح مبينًا به صراحة محل التفتيش والأشياء المراد ضبطها فيما عدا الحالة المنصوص عليها في المادة ٣٣»، ومع أن الشروط الشكلية تأتي في المرتبة الثانية للشروط الموضوعية للتفتيش فإن المادة ٥٢ من دستور يوغوسلافيا قد نصت على أن «لأصحاب المساكن والمحال التي يجرى تفتيشها، ولأفراد أسرهم ووكلائهم» حق حضور التفتيش، ولا يجوز اجراء التفتيش الا في حضور اثنين من الشهود.

أما الدستور المصري فاقتصر على النص في المادة ٤٤ على أن «للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب وفقًا لأحكام القانون». وقد ظهر أول قصور في هذا النص أن قضاء النقض قد جرى على أن المادة ٤٤ المذكورة، وكذلك المادة ٩١ من قانون الاجراءات الجنائية، لم توجب تسبيب الأمر بالتفتيش الا إذا كان منصبًا على تفتيش المساكن، فلا يبطل الأمر بالتفتيش لعدم تسبيبه إذا اقتصر على تفتيش الشخص. علمًا بأن حصانة الشخص هي الأساس ومنها تستند حصانة مسكنه.

وكان من المرغوب فيه أن يصاغ النص كالآتي:

«للمساكن حرمة، فلا يجوز دخولها أو تفتيشها بغير رضاء أصحابها الا بموجب أمر قضائي لضبط أشياء تفيد في كشف الحقيقة في جريمة. ويبين أمر التفتيش المحل الذي يقع فيه والأشياء المطلوب ضبطها. ولأصحاب المساكن التي يجرى تفتيشها ولأفراد أسرهم ووكلائهم حق حضور التفتيش. ولا يجوز اجراء التفتيش الا بحضور شاهدين، ويأخذ حكم المسكن كل محل يعتبره صاحبه مستودعًا لسره، كما تسري الأحكام المذكورة على تفتيش الأشخاص وأمتعتهم».

 

١٢ – تسبيب الأوامر القضائية:

اقتصر الدستور المصري على النص على تسبيب أمر تفتيش المسكن وضبط المراسلات. وهناك أوامر أولى بهذا التسبيب كالأمر بالحبس الاحتياطي، بل ان الدستور لم ينص على تسبيب الأحكام، ولعله اكتفى في ذلك بالنص عليه في قانون الاجراءات الجنائية. وهذا القانون تطلب كذلك تسبيب الأوامر التي تصدرها سلطات التحقيق بألا وجه لإقامة الدعوى، بل والأمر الذي يصدره مستشار الاحالة على المحكمة. ويفضل كل ذلك أن يورد الدستور نصًا عامًا على غرار نص المادة ١١١ من الدستور الإيطالي: «يجب أن تسبب جميع الاجراءات القضائية، ويجيز القانون دائمًا الطعن أمام محكمة النقض لمخالفة القانون وذلك في الأحكام والاجراءات التي تتعلق بالحرية الشخصية والصادرة من الهيئات القضائية العادية أو الخاصة ولا يجوز مخالفة هذه القاعدة إلا بالنسبة لأحكام المحاكم العسكرية وفي زمن الحرب».

 

١٣ – المادة ٥٧ من الدستور:

نصت هذه المادة على ما يأتي:

«كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضًا عادلًا لمن وقع عليه الاعتداء».

هذه المادة كما جاء في المذكرة الايضاحية للقانون رقم ٣٧ لسنة ١٩٧٢، لا نظير لها في أي دستور في أي جزء من أجزائها الثلاثة، وقد وضعت بغير روية فيما يبني على اطلاقها من آثار خطيرة، وهي مادة لا يمكن تطبيقها بذاتها وانما لابد من قانون يحدد مجال هذا التطبيق. فهي لم تحدد الجرائم لأن التحديد لا يكون الا بتعيين العقوبة المقررة لكل منها. وليس من المعقول أن يعد جريمة كل اعتداء على حق أو حرية عامة، فالحقوق والحريات العامة لا تدخل تحت حصر، وعلى رأي واضع المذكرة الايضاحية للقانون رقم ٣٧ لسنة ١٩٧٢ إن جميع الجرائم الواردة في قانون العقوبات تحمى بشكل أو بآخر الحقوق والحريات العامة، ولا يعقل بالتالي أن تكون جميع هذه الجرائم غير قابلة للتقادم، وإلا، كما تقول المذكرة الايضاحية أيضًا، انقلب هذا الضمان الذي قصد به تأمين حرية المواطنين وبالًا عليها؛ اذ إن التقادم يعد من بعض النواحي ضمانًا لسلامة اجراءات سلطة الدولة في العقاب ووسيلة للاستقرار القانوني؛ اذ إن الجريمة تنسى بمرور الزمن ويصعب إثباتها بعد طول المدة، بل يستحيل في بعض الأحيان.

أما عن كفالة الدولة تعويض من وقعت عليه الجريمة فأمر لم تصل اليه أغنى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وهو موضوع عرض له المؤتمر الدولي الحادي عشر لقانون العقوبات، الذي عقد في بودابست سنة ١٩٧٤. فقد يحصل في جرائم العنف أن يظل الجاني مجهولًا أو أن يكون معسرًا، ويكون المجني عليه في حاجة الى تعويض عاجل. والدول الثرية فقط أصدرت قوانين تكفل هذا التعويض الى حد هو أقرب الى المعونة منه الى التعويض، على أن ترجع بما دفعته على المسئول. اما الدساتير فتقتصر على النص على التعويض عن أخطاء القضاء، على ما سيجيئ.

 

(ب) ضمانات القضاء

١٤ – وحدة القضاء:

يجب أن تكون هدفًا لكل تنظيم قانوني، وبغيرها لا تتحقق العدالة، ففي نظام تتعدد جهات القضاء في مسائل متماثلة يختلف خط المتقاضين بحسب الجهة التي يلجؤون اليها. فالمادة ٤٤ من دستور الهند تنص على أن «تبذل الدولة جهدها لكي تكفل للمواطنين قانونًا مدنيًا موحدًا في جميع أنحاء الأراضي الهندية». وتنص المادة ١٣٢ من دستور يوغوسلافيا على أن «تؤدى وظيفة القضاء في ظل نظام قضائي موحد». وتحت عنوان "وحدة النظام القضائي" تنص المادة ٩٥ من دستور الصومال على أنه «لا يجوز انشاء هيئات قضائية خاصة أو غير عادية، ولا يجوز انشاء المحاكم العسكرية الا في وقت الحرب». وتنص المادة ١٠١ من دستور ألمانيا الاتحادية على أن «انشاء المحاكم الاستثنائية محظور، ولا يمنع شخص من الالتجاء إلى القاضي المختص». وتنص المادة ٣٢ من دستور تركيا على أنه «لا تجوز احالة شخص الى جهة قضائية غير المحكمة المختصة التي يحددها القانون، كما لا يجوز انشاء سلطات استثنائية تصدر أحكامًا قضائية».

ووحدة النظام القضائي لا تتعارض مع توزيع المسائل التي تنظرها المحاكم على جهات متعددة لكل منها ولاية بنظر مسائل معينة: مدنية وجنائية وإدارية وأحوال شخصية وعمالية وحتى جرائم عسكرية. ومظهر وحدة القضاء عندئذ هو أن تكون هناك محكمة عليا واحدة تشرف على تطبيق القانون بمعرفة كل الجهات القضائية، وتفصل في التنازع على الاختصاص فيما بينها. مثلًا محكمة النقض الفرنسية تنظر في الطعون في أحكام محاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية. والمادة ١١١ من دستور ايطاليا تعطي لمحكمة النقض سلطة النظر والطعن في أحكام مجلس الدولة ومحكمة المحاسبة.

لقد كان المشرع المصري موفقًا عندما ألغى سنة ١٩٥٥ المحاكم الشرعية وعهد باختصاصها الى المحاكم المدنية. وقد كان عليه أن يستمر في هذه الخطة، ولكنه في الدستور الحالي، بدلًا من ان يتجه نحو وحدة القضاء، لجأ الى تفتيتها، فأنشأ محاكم أمن الدولة ومحاكم عسكرية ومحكمة دستورية عليا، ولا بأس ان تكون أحكام محاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية خاضعة لرقابة محكمة النقض. وكان يجب ان تعطى محكمة النقض اختصاصات المحكمة الدستورية العليا، على أن تنعقد بصورة هيئة عامة.

 

١٥ – تشكيل المحاكم:

ينص بعض الدساتير على ضمانات خاصة بتشكيل المحاكم. فالمادة ٢٥ من دستور إيطاليا تنص على أنه «لا يجوز أن يحرم شخص من القاضي الطبيعي الذي يعينه القانون». والظاهر أن الدستور المصري قد اقتبس هذه الفقرة في المادة ٦٨ ولو أن صياغتها لا تفيد المعنى المقصود هنا. ونصت المادة ١٠٢ من الدستور الايطالي كذلك على أن «يباشر الوظيفة القضائية قضاة عاديون يختارون وفقًا للوائح التنظيم التي تنظم نشاطهم، ولا يجوز أن يعين قضاة استثنائيون أو قضاء خاصون». وفي ألمانيا الاتحادية أدخلت المادة ٩٦ (أ) على دستورها بقانون اتحادي صدر في ١٩ مارس سنة ١٩٥٦، وقد أجاز إنشاء محاكم عسكرية لا تباشر اختصاصها إلا في زمن الحرب وعلى أفراد القوات المسلحة خارج ألمانيا. والمهم أن هذه المادة اشترطت أن يكون قضاة هذه المحاكم حائزين للصفات المطلوبة لممارسة وظائف القضاة. كما نصت الفقرة الأخيرة على أن الهيئة القضائية العليا الاتحادية للمحاكم العسكرية هي المحكمة العليا الاتحادية.

وبناء على ما ذكر كان من المأمول أن يرد نص في الدستور المصري بشأن المحاكم العسكرية كالآتي:

«يقتصر اختصاص المحاكم العسكرية على الجرائم العسكرية وحدها وفي زمن الحرب فقط. ويجب أن يكون قضاة هذه المحاكم حائزين للصفات المطلوبة لممارسة وظائف القضاة. ويجوز الطعن في أحكامها أمام محكمة النقض».

 

١٦ – القواعد الأساسية للمحاكمة:

غالبية الدساتير لا تنص الا على قاعدة «علنية الجلسة» الا إذا رأت المحكمة جعل الجلسة سرية مراعاة للنظام العام أو الآداب. وجدير بالذكر ان المادة ٨٢ من دستور اليابان تشترط لجعل الجلسة سرية أن يصدر بذلك حكم من المحكمة بإجماع آراء قضاتها. كما تنص هذه المادة على وجوب نشر مرافعات الخصوم إذا كان الأمر متعلقًا بجرائم سياسية أو صحفية أو بالحقوق الأساسية للمواطن التي يكفلها له الدستور. وينص معظم الدساتير على أن الحكم يصدر علنًا في جميع الأحوال.

ومن المرغوب فيه أن ينص الدستور على جميع القواعد الأساسية، ومنها شفوية المرافعة، وعلى هذا تنص المادة ١٠٣ من دستور تشيكوسلوفاكيا. ومن المرغوب فيه كذلك النص على حق المتهم في الاستعانة بمحام، سواء كانت الجريمة جناية أو جنحة، فان استحال عليه ذلك وجب أن تندب له المحكمة محاميًا على نفقة الدولة. وعلى هذا نصت المادة ٣٧ من الدستور الياباني، وبهذا أوصى مؤتمر همبورج (التوصية السادسة).

ومن القواعد الأساسية كذلك أن تتقيد المحكمة بالوقائع الواردة في التكليف بالحضور أو في أمر الاحالة، كما تتقيد بالمتهم المقدم لها، فلا يجوز لها تغيير الواقعة أو الحكم على شخص لم يُقدم لها كمتهم. وهذا ما يقضي به مبدأ الفصل بين وظيفتي الاتهام والحكم.

 

١٧ – تعويض الدولة للأخطاء القضائية:

نصت المادة ٤٠ من دستور اليابان على أن «لكل شخص الحق في مطالبة الدولة بالتعويض عن القبض عليه أو حبسه إذا صدر حكم يقضى ببراءته وذلك وفقًا لأحكام القانون». ونصت المادة ٣٠ من دستور تركيا على أن تعوض الدولة الأضرار التي يصاب بها الأشخاص الذين يعاملون معاملة تخالف الأسس التي ينص عليها بشأن القبض والحبس الاحتياطي. ونصت المادة ١٧ من دستور اليابان على أن «لكل فرد الحق في مطالبة الدولة أو الهيئات الإدارية بتعويض الأضرار التي لحقته نتيجة عمل غير مشروع قام به موظف عمومي، وذلك وفقًا لأحكام القانون». وكان الدستور السوري السابق (لسنة ١٩٥٠) ينص على أن لكل شخص حكم عليه حكمًا مبرمًا ونفذت فيه العقوبة، وثبت خطأ الحكم، أن يطالب الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به (المادة ١١). ونصت المادة ٢٤ من دستور إيطاليا على أن يحدد القانون شروط وطرق التعويض عن الأخطاء القضائية.

وهكذا يكون التزام الدولة بالتعويض في حدود، والغالب أن يكون أساسه سوء القصد أو الخطأ المهني الجسيم. ذلك أن المصلحة العامة تقضي بأن يكون الأصل هو عدم مسئولية الدولة عن أخطاء القضاء، فهي سترجع على القاضي بما دفعته، ولا يخفى الخطر الذي يترتب على تهديد القاضي بمثل ذلك.

وعلى كل حال لم يتجه واضع الدستور المصري الى التعويض عن بعض أخطاء القضاء وانما كانت له وجهة أخرى في المادة ٥٧ لا نظير لها في أي دستور، على ما سبق.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* د. محمود محمود مصطفى، "حقوق المتهم في الدستور المصري والدستور المقارن"، مجلة مصر المعاصرة، الصفحات ٦٥-٧٧ [١٤، ١٥، ٢٦].

** أحد أهم رواد مدرسة القانون الجنائي في العالم العربي، حصل على ليسانس الحقوق من كلية الحقوق جامعة القاهرة 1934، ثم على دكتوراه القانون الجنائي 1938، ثم الأستاذية في القانون الجنائي 1948. رئيس قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة القاهرة، ثم عميد كلية الحقوق جامعة القاهرة 1958، ونائب رئيس الجمعية الدولية لقانون العقوبات. من أهم مؤلفاته:

  • شرح قانون الإجراءات الجنائية.
  • شرح قانون العقوبات بقسميه العام والخاص.
  • نموذج لقانون العقوبات.
  • أصول القانون العقوبات في الدول العربية.
  • الإثبات في المواد الجنائية في القانون المقارن.
  • الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن.
  • الاتجاهات الجديدة في مشروع قانون العقوبات في الجمهورية العربية المتحدة.

في خطوة تشريعية تثير الكثير من الجدل على الساحتين القانونية والحقوقية، صادق الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا على قانون جديد ينص على تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. يأتي هذا التطور في ظل سياق سياسي وأمني معقد، حيث يطرح القانون تساؤلات جوهرية حول مدى توافقه مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان، فضلًا عن التداعيات القانونية والشرعية لمثل هذه التشريعات التي تتسم بطابع التمييز في تطبيق العقوبة.

 

تفاصيل إقرار القانون وتوقيته:

في يوم 30 مارس/آذار 2026، والذي تزامن مع إحياء ذكرى "يوم الأرض"، صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وقد حظي القانون بتأييد 62 عضوًا مقابل معارضة 47 عضوًا، وجاء هذا الإقرار بدعم مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يعكس هذا التصويت توجهًا تصعيديًا في السياسة التشريعية الجنائية المتبعة تجاه الفلسطينيين.

 

أبرز بنود القانون:

ينطوي القانون على أحكام صارمة ومقيدة، من أبرزها:

  1. إلزامية العقوبة: ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام بشكل إلزامي (وجوبي) على الأسرى الفلسطينيين المدانين بتهم محددة، دون ترك مساحة لتقدير القاضي في تخفيف العقوبة.
  2. سرعة التنفيذ: يُلزم القانون الجهات التنفيذية بتطبيق حكم الإعدام خلال مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز 90 يومًا من تاريخ صدور الحكم النهائي.
  3. انعدام فرص العفو: يغلق التشريع الباب أمام أي إمكانية لالتماس العفو أو طلب تخفيف العقوبة، مما يتنافى مع المبادئ المستقرة في النظم الجنائية الحديثة التي تتيح دائمًا مسارًا للمراجعة أو الاسترحام.

 

الطابع التمييزي وإشكالية الازدواجية القانونية:

من الناحية القانونية المحضة، يُعد الطابع التمييزي لهذا التشريع من أبرز الإشكاليات التي تواجهه؛ فالقانون مصمم ليُطبق حصرًا في المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي يخضع لها الفلسطينيون من سكان الضفة الغربية، في حين يُستثنى المستوطنون الإسرائيليون المقيمون في نفس النطاق الجغرافي من هذه الأحكام (إذ يخضعون للقانون المدني الإسرائيلي). هذا التمييز على أساس الانتماء القومي أو الإثني دفع العديد من المنظمات الحقوقية إلى تصنيف هذا القانون كتشريع "عنصري" يكرس نظامًا قانونيًا مزدوجًا، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع الاتفاقيات الدولية، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

 

الردود الحقوقية والدولية:

أثار القانون موجة من الإدانات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية:

 

 

 أولًا: المنظمات الحقوقية والقانونية داخل فلسطين المحتلة

  • مؤسسات الأسرى (هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير): أصدرت هذه المؤسسات بيانات مشتركة اعتبرت فيها أن القانون يمثل "تشريعًا مقننًا لجرائم الاغتيال والتصفية الجسدية". وشدد القانونيون في هذه المؤسسات على أن الأسرى الفلسطينيين هم، وفقًا للمواثيق الدولية، حركات تحرر ومقاتلون شرعيون يدافعون عن حق تقرير المصير، وبالتالي يجب أن تنطبق عليهم اتفاقيات جنيف، ولا يجوز محاكمتهم كمجرمين جنائيين، فضلًا عن إعدامهم.
  • مركز عدالة والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: ركز الخبراء القانونيون هنا على إشكالية "التمييز العنصري الممأسس" (الأبارتهايد). وأشاروا في تعقيباتهم ومذكراتهم التمهيدية للطعن أمام المحكمة العليا إلى أن تطبيق عقوبة الإعدام في المحاكم العسكرية (التي تفتقر أصلًا إلى ضمانات المحاكمة العادلة) على الفلسطينيين فقط، واستثناء المستوطنين الإسرائيليين الذين يُحاكمون أمام محاكم مدنية وبقوانين مختلفة، يُعد انتهاكًا صارخًا لمبدأ "المساواة أمام القانون".
  • منظمة "بتسيلم" (B'Tselem) وجمعية حقوق المواطن في إسرائيل: حذرت المنظمات الحقوقية الإسرائيلية من الانحدار الخطير في المنظومة التشريعية. وأكدت جمعية حقوق المواطن أن عقوبة الإعدام هي عقوبة "لا رجعة فيها"، وتطبيقها من قبل قضاة عسكريين في ظل نظام احتلال يعني حتمية إعدام أبرياء. من جانبها، وصفت "بتسيلم" القانون بأنه استعراض للقوة وتكريس لتفوق الإثنية اليهودية على حساب دماء الفلسطينيين.

 

 ثانيًا: المنظمات الحقوقية الدولية الطوعية

  • منظمة العفو الدولية (Amnesty International): أدانت المنظمة بأشد العبارات التشريع الجديد، مؤكدة معارضتها المبدئية لعقوبة الإعدام في كافة الظروف. وأشار باحثو المنظمة إلى أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية تسجل نسبة إدانة للفلسطينيين تتجاوز 99%، ما يعني أن هذه المحاكم هي مجرد أداة لتثبيت الإدانة وليست منصات للعدالة، وبالتالي فإن منحها صلاحية الإعدام هو بمثابة تفويض بالقتل التعسفي.
  • هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch): أدرجت المنظمة هذا القانون ضمن سلسلة الإجراءات التي تعزز اتهام إسرائيل بارتكاب جريمتي "الفصل العنصري" (الأبارتهايد) و"الاضطهاد" كجرائم ضد الإنسانية. وأوضحت أن حرمان فئة معينة من الحق في الحياة بناءً على هويتهم القومية يُعد من أخطر الانتهاكات لنظام روما الأساسي المكون للمحكمة الجنائية الدولية.

 

 ثالثًا: المواقف الرسمية والأممية (المجتمع الدولي)

  • خبراء ومقررو الأمم المتحدة: أعرب المقررون الخواص التابعون لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن صدمتهم البالغة. وأكدوا في بياناتهم أن إسرائيل، بصفتها "القوة القائمة بالاحتلال"، مُلزمة بحماية أرواح السكان الواقعين تحت الاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. وشددوا على أن إقرار تشريعات محلية تتناقض مع الالتزامات الدولية لا يعفي الدولة من المسؤولية الجنائية الدولية.
  • الاتحاد الأوروبي (EU): أصدرت الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية بيانًا صارمًا يُذكّر إسرائيل بأن الاتحاد الأوروبي يرفض عقوبة الإعدام رفضًا قاطعًا وفي جميع الأوقات والظروف. وحذر البيان من أن تفعيل هذا القانون سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعا إلى تجميد العمل به فورًا.
  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): رغم لغتها الدبلوماسية المعتادة، عبرت اللجنة عن قلقها من تداعيات هذا التشريع على وضع المعتقلين، مُذكرة بأهمية احترام الضمانات القضائية الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، والتي تحظر إصدار أحكام وتنفيذ عقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلًا قانونيًا تكفل جميع الضمانات القضائية.

                                                     

يمثل هذا القانون انتهاك للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، والذي ينص بالمادة (6) على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى الرغم من أن العهد لم يلغِ الإعدام تمامًا، إلا أنه اشترط أن يُحكم به في "أشد الجرائم خطورة" ووفقًا لـ "محاكمة عادلة". وبما أن المحاكم العسكرية للاحتلال تفتقر لمعايير الاستقلالية والحياد، فإن أي إعدام يصدر عنها يُعد "حرمانًا تعسفيًا من الحياة". كما أنه يمثل استغلال القانون كأداة للردع السياسي فالعقوبات يجب أن تهدف إلى الإصلاح والعدالة، لكن هذا القانون صيغ، باعتراف السياسيين الإسرائيليين أنفسهم، لتحقيق "الردع" و"الانتقام السياسى"، وهو ما يُخرج القانون من إطاره العدلي إلى إطار التوظيف الأمني القمعي. إن إقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يمثل منعطفًا خطيرًا في مسار التشريعات الإسرائيلية المتعلقة بالفلسطينيين. فهو لا يثير فقط إشكاليات تتعلق بانتهاك الحق في الحياة، بل يضرب في صميم مبدأ "المساواة أمام القانون". ويبقى رهان البعض في المرحلة المقبلة على التحركات القانونية أمام المحاكم العليا، والضغط الحقوقي والدولي لوقف تنفيذ هذا التشريع الذي يُنذر بتبعات إنسانية وقانونية بالغة الخطورة، غير أن الأحداث أثبتت منذ نشأة هذا الكيان (المحتل/المختل) حتى الآن، أنه لا رهان حقيقي إلا على المقاومة واستخدام القوة المشروعة من منظور الشرع والقانون في كبح جماح ووحشية الاحتلال ومنعه من تنفيذ تلك الجرائم التي يخجل منها قانون الغاب، ناهيك عن قوانين العدالة بين البشر!

 

المصادر:

  1. "قانون إعدام الأسرى في يوم الأرض.. هل هي؟" الجزيرة نت، 31 مارس/آذار 2026. https://www.ajnet.me/news/2026/3/31/قانون-إعدام-الأسرى-في-يوم-الأرض-هل-هي
  2. "مظاهرات في غزة وإدانات أوروبية لقانون إعدام الأسرى." الجزيرة نت، 31 مارس/آذار 2026. https://www.ajnet.me/news/2026/3/31/مظاهرات-في-غزة-وإدانات-أوروبية-لقانون
  3. "الكنيست يصادق نهائيًا على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين." الترا فلسطين، 30 مارس/آذار 2026. https://ultrapal.ultrasawt.com/الكنيست-يصادق-نهائيًا-على-قانون-إعدام-الأسرى-الفلسطينيين
  4. "أبرز بنود قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين." المركز الفلسطيني للإعلام، 30 مارس/آذار 2026. https://palinfo.com/news/2026/03/30/1104697
  5. "الكنيست الإسرائيلي يقر قانوناً لإعدام فلسطينيين أدينوا بشن هجمات مميتة." يورونيوز، 30 مارس/آذار 2026. https://arabic.euronews.com/2026/03/30/the-israeli-knesset-approves-a-law-to-execute-palestinians-convicted-of-deadly-attacks

 

يُعد كتاب "القرآن والقتال" لشيخ الأزهر الأسبق، الإمام الأكبر محمود شلتوت، أحد أهم المؤلفات الفقهية والفكرية التي سعت إلى تقديم رؤية إسلامية مستنيرة حول فلسفة الحرب والسلم في الإسلام. يهدف الكتاب إلى بيان مقاصد القتال في القرآن الكريم وتوضيح الأحكام الشرعية المتعلقة به، بعيدًا عن التفسيرات المتطرفة.

أصل مادة هذا الكتاب هي مجموعة من المحاضرات الإذاعية التي ألقاها الإمام عبر أثير الإذاعة المصرية عام 1951م، ثم جُمعت في هذا الكتاب الذي صدر لأول مرة في العام نفسه. ويبرز الكتاب كوثيقة فقهية مركزة تعكس فكر الشيخ شلتوت خلال الفترة التي سبقت توليه مشيخة الأزهر (1958-1963م)، وقد حظي الكتاب باهتمام مؤسسة الأزهر التي أعادت طباعته في العصر الحديث لأهميته في توضيح الحقائق الشرعية.

ينطلق الشيخ شلتوت في كتابه من قاعدة شرعية تؤكد أن الأصل في الإسلام هو السلم، وأن القتال ليس إلا ضرورة استثنائية يلجأ إليها المسلمون لدفع العدوان، وحماية حرية الدعوة، وتأمين حدود الدولة. ويتميز منهجه بالتحليل الدقيق للسياقات التاريخية والقرآنية، مُفندًا الشبهات التي تدعي انتشار الإسلام بحد السيف، ليقدم صياغة فقهية محكمة توازن بين حق المسلمين في الدفاع عن أنفسهم، وبين المبادئ الإنسانية الداعية إلى التعايش والوئام.

 

مقدمة الكتاب

في تقديمه للكتاب قدم الشيخ عز الدين بليق رؤية تأصيلية لمنهج الإسلام في القتال -وهي خلاصة ما عرضه الشيخ شلتوت في كتابه-، مؤكدًا أن الرسالة المحمدية في جوهرها دعوة هداية تعتمد على مخاطبة العقل والوجدان، وأن الإيمان لا يصح إلا باختيار حر واقتناع كامل. ويشير إلى أن التشريعات المتعلقة بالقتال جاءت لتكون سياجًا يحمي القيم الإنسانية من العبث والظلم، ممهدًا بذلك لقراءة آيات الجهاد في سياقها التاريخي والتشريعي الصحيح لإرساء قواعد التعايش السلمي. يستهدف الكتاب بصفة أساسية كلًا من المسلمين وغير المسلمين، ساعيًا لتقديم حجج وبراهين مجردة حول غايات الحرب في الإسلام. ويشير الإمام إلى أن فهم قضايا القتال يتطلب نظرة شاملة تتجاوز المديح العاطفي لتصل إلى عمق الفلسفة التشريعية التي تضبط علاقة الدولة الإسلامية بمحيطها الدولي في السلم والحرب.

 

الطريقة المثلى في تفسير القرآن

تتجلى الطريقة المثلى لدى الشيخ شلتوت في ضرورة فهم الآيات ضمن سياقها الخاص، عبر استقراء شامل لجميع النصوص لربط الجزئيات بالكليات. ويقوم هذا المنهج على ربط الأحكام بمقاصد الشريعة العليا -كحفظ كرامة الإنسان- بدلًا من الوقوف عند التفسيرات الحرفية. إن هذا التوجه العقلاني يبرز عالمية الإسلام، ويجعل من القرآن كتابًا قادرًا على معالجة قضايا العصر برؤية إنسانية رحبة. ويؤصل الشيخ شلتوت في كتابه لهذا المنهج من خلال "التفسير الموضوعي" باعتباره الأسلوب الأنجع لفهم مراد الله؛ حيث يقوم هذا المنهج على جمع كافة الآيات المتفرقة التي تتناول موضوعًا واحدًا، كالقتال أو العفو، والنظر فيها مجتمعة ككتلة واحدة. هذا الاستقراء يمنع تفسير الآيات بشكل منفرد أو مجتزأ، مما يحمي النص القرآني من التأويلات التي قد تخالف مقاصده الكلية.

 

طبيعة الدعوة الإسلامية

واستعرض الشيخ شلتوت ما أقره الإسلام بوضوح من مبدأ حرية المعتقد، معتبرًا أن اختيار الإيمان أو الكفر هو حق أصيل للإنسان قرره القرآن في نصوصه. وبما أن الإيمان اختيار وجداني، فإن مبررات نشر الدعوة بالقوة تنتفي تمامًا؛ إذ لا توجد حاجة شرعية أو عقلية لإجبار الناس على اعتناق الدين، وهو ما تؤكده الوقائع التاريخية لمسيرة الدعوة الإسلامية التي لم تكن إجبارية في أي من مراحلها. والتي اتسمت بأنها رسالة عالمية هدفها الهداية لا السيطرة. وتقوم على مبدأ إعمال العقل والتدبر؛ فالقرآن قرر بوضوح قاعدة "لا إكراه في الدين"، مبينًا أن وظيفة الرسول تنحصر في التبليغ والبيان. ومن هذا المنطلق، لم تتخذ الدعوة من القتال وسيلة لنشر العقيدة، بل اعتبرته أداة لتأمين حق الأفراد في اختيار دينهم دون خوف من اضطهاد أو فتن.

 

آيات القتال

حدد الشيخ شلتوت أسبابًا دقيقة للحرب ضد غير المسلمين تنحصر في رد العدوان الفعلي، أو مواجهة عدو يعتزم مهاجمة ديار المسلمين، أو حماية الدعاة المسالمين الذين يتعرضون للقتل في بلدان أخرى أثناء تبليغ رسالتهم. فالكفر ليس مسوغًا لشن الحرب، بل إن القتال شُرع لردع الطغيان وتأمين الأوطان، مع وجوب معاملة المعتدي بعد ارتداد عدوانه بالعدل والقسط لا بالانتقام. وتبرز آيات القتال كتشريع ضروري استجاب لواقع العدوان المادي الذي سعى لاستئصال الدعوة. ووضح الكاتب أن الإذن بالقتال مشروط بوقوع الظلم أو الإخراج من الديار، وأن "الكفر" في حد ذاته لا يعد سببًا موجبًا للحرب في المنطق القرآني. وبذلك تعمل هذه الآيات كضمانة لحرية العقيدة واستعادة الحق المفقود، وليس لإشباع غريزة التوسع.

 

علاقة آيات العفو بآيات القتال

يُحلل الكتاب العلاقة بين آيات العفو والقتال باعتبارها علاقة تكامل. فآيات الصفح تمثل الأصل الثابت والقاعدة المستمرة، بينما تمثل آيات القتال أحكامًا استثنائية للتعامل مع واقع الاعتداء. ومن أبرز ما يطرحه الشيخ هنا هو تفنيده الحاسم لدعوى "النسخ" القائلة بأن "آية السيف" أبطلت آيات العفو؛ مؤكدًا أن القرآن منظومة واحدة لا تتناقض، وبمجرد زوال سبب القتال يعود الحكم إلى أصله الدائم وهو السلم والبر، فآيات القتال تحض على الاستعداد المادي (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) لمواجهة المحاربين، بينما تظل آيات البر والعدل هي الحاكمة في التعامل مع غير المحاربين. إن كف العدوان هو الشرط الذي تبرز عنده قيمة العفو والصفح كأصل مستمر في علاقة المسلم بغيره.

 

آيات تنظيم القتال

يفسر الشيخ شلتوت نظام "الجزية" بعيدًا عن المفهوم المالي المحض؛ فهي ليست عوضًا عن التمسك بالدين لأن ذلك يصادم حرية الاعتقاد، بل هي علامة على خضوع الأطراف للسلطة الحاكمة واعتراف بالولاء للدولة. كما أنها تُمثل مساهمة في أعباء الأمن العام الذي يتمتعون به دون المشاركة الفعلية في القتال، وهو ما يفسر استخدام القرآن لمصطلحات تؤكد هذا الخضوع التنظيمي للدولة.

وتضع آيات تنظيم القتال قاعدة قانونية وأخلاقية صارمة تبدأ بالنهي المطلق عن الاعتداء وتجاوز الحدود. وقد نظم القرآن العمليات العسكرية بدقة من خلال:

  • حصر القتال في دائرة "الذين يقاتلونكم"، مما يوجب تحييد المدنيين وتحريم استهداف النساء والأطفال والشيوخ والرهبان.
  • حظر الغدر، والتمثيل بالجثث، وتخريب العمران أو قطع الأشجار دون ضرورة قتالية قصوى.
  • إيجاب الاستجابة الفورية لأي ميل للصلح، مع تقديس الوفاء بالعهود والمواثيق.
  • تنظيم ملف الأسرى بحصر الخيارات الشرعية في "المنّ" (الإطلاق بلا مقابل) أو "الفداء"، حفاظًا على كرامة الإنسان.

 

التطبيق العملي لأحكام القرآن في القتال

تجسدت هذه المنظومة عمليًا بدءًا بالصبر وضبط النفس في مكة لثلاثة عشر عامًا، ولم يُفعل خيار القتال إلا في المدينة المنورة كاستجابة لواقع طرد المسلمين ومصادرة أموالهم. وفي الميدان، التزم المسلمون بالمنظومة الأخلاقية الآنف ذكرها التزامًا تامًا؛ من تحييد لغير المقاتلين، وحماية للبيئة، ووفاء دقيق بالاتفاقيات حتى مع الخصوم، مما برهن للعالم أن الحرب الإسلامية كانت "حربًا شريفة" مقيدة بهدف استعادة الأمن فقط. كما يشمل التطبيق العملي قتال "الفئة الباغية" من المسلمين، حيث يكون الهدف هو ردع الظلم وإقامة العدل، فإذا فاءت الطائفة وانتهى البغي، وجب الكف عن قتالها ومعاملتها بالعدل بعيدًا عن التشفي.

 

خلاصة

قدّم الشيخ محمود شلتوت عبر "القرآن والقتال" تأصيلًا فقهيًا نسقيًا يضع فاصلًا حاسمًا بين مفهوم القتال كأداة مشروعة للدفاع عن كيان الدولة وحرية أفرادها، وبين التوظيف الخاطئ له كأداة للإكراه في الدين. لقد أسهم الكتاب في إثبات أن الأصل في العلاقات الدولية الإسلامية هو السلم، مفندًا دعاوى النسخ، ومبرزًا توافق التشريع القرآني مع أرقى مبادئ القانون الدولي الإنساني من خلال ضوابطه الصارمة التي تحفظ وحدة الجنس البشري وتحترم الكرامة الإنسانية.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* محمود شلتوت، القرآن والقتال، بيروت- لبنان: دار الفتح للطباعة والنشر، 1403هـ - 1983م.

** يُعدُّ الشيخ محمود بن محمد بن عبد الهادي شلتوت (1892م - 1963م) أحد كبار أئمة الأزهر الشريف والفقهاء المصلحين في العصر الحديث. ولد في قرية "منشأة بني منصور" بمحافظة البحيرة في مصر، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية قبل أن يلتحق بمعهد الإسكندرية الديني. تميز بتفوقه العلمي ونال شهادة العالمية من الأزهر سنة 1916م، وتدرج في المناصب التعليمية والإدارية حتى عُين شيخًا للأزهـر في عام 1958م، وكان رحمه الله أول من حظي بلقب "الإمام الأكبر"، وقد عُرف بمنهجه الإصلاحي التجديدي ودعوته المستمرة لتطوير مناهج الأزهر. كان من رواد التقريب بين المذاهب الإسلامية، وسعى جاهدًا لإزالة الجفاء وتوثيق الصلات بين السنة والشيعة، كما أدخل فقه الشيعة في دراسات كلية الشريعة لتعزيز الفهم المتبادل. ترك الإمام ثروة علمية هائلة من المؤلفات، من أبرزها "الإسلام عقيدة وشريعة"، وتفسيره للأجزاء العشرة الأولى من القرآن، وكتابه الشهير "القرآن والقتال" الذي أصل فيه لفلسفة السلم والحرب في الإسلام. نال الشيخ تقديرًا دوليًا واسعًا، حيث منحته أربع دول الدكتوراه الفخرية، وحصل على أوسمة رفيعة من ملوك ورؤساء عدة دول مثل المغرب وأفغانستان والكاميرون تقديرًا لأبحاثه وجهوده في خدمة الإسلام. توفي الإمام الأكبر في القاهرة في ديسمبر من عام 1963م عن عمر ناهز السبعين عامًا، مخلفًا وراءه مدرسة فكرية تمتاز بالوسطية والاعتدال.

على الرغم من سماع صليل السيوف من حولنا، كان لي نصيب المشاركة في جلسة نقاشية عقدها منتدى فالداي للحوار في العاصمة الروسية موسكو خلال الفترة من 9 إلى 10 فبراير 2026، بعنوان "الاستمرارية والتغيير: الشرق الأوسط في خضم انهيار النظام العالمي". ما يلفت الانتباه أن الموضوع الذي هيمن على النقاش -بما في ذلك اللقاء الذي جمعنا مع وزير الخارجية سيرجي لافروف- هو تراجع القيم وانهيار النظام الدولي القائم على القواعد ولاسيما من قبل الدول المؤسسة له. لم يكن ذلك مفاجئًا لي، حيث إنه في لحظات التحول الكبرى في تاريخ النظام الدولي، لا تختفي القيم بين عشية وضحاها، بل تتآكل تدريجيًا تحت وطأة الممارسة اليومية للقوة. وعليه، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع للمعايير الأخلاقية أو القانونية التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، بل هو انزلاق نحو ما يمكن تسميته مجازًا "عصر ما بعد القيم"، حيث لم تعد الشرعية معيارًا يعتد به، ولم تعد القواعد الدولية سوى أدوات انتقائية تُستخدم حينًا عندما تخدم مصالح القوى الكبرى، ويتم غض الطرف عنها أحايين أخرى عندما تقف عائقًا أمام أطماعها التوسعية.

على أن هذا التحول لا يمكن فهمه -من وجهة نظري- دون العودة إلى التراث الكلاسيكي في الفكر السياسي الذي استقينا مناهجه ونحن على مقاعد الدراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، على أيدي أساتذة أجلاء مثل العلامة حامد ربيع. قد يكون من المفيد إعادة قراءة ثوسيديدس للحرب البيلوبونيسية، حيث قدّم وصفًا مبكرًا لعالم تحكمه معادلة القوة الغاشمة وفقًا للقول المأثور: "القوِي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يستحق". غير أن القراءة السطحية لهذا القول –والتي أصبحت اليوم شعارًا ضمنيًا للعديد من صنّاع القرار– تغفل الدرس الأهم وهو أن الإفراط في استخدام القوة يقوض لا محالة الأسس التي تقوم عليها القوة نفسها. وهكذا يخبرنا التاريخ منذ العصر القديم وحتى اليوم.

 

فخ ثوسيديدس وغطرسة القوة

في العالم القديم نجد أمثلة متعددة على غطرسة القوة وغياب القيم والأخلاق، وهي جميعها تكشف لنا أن منطق القوِي يفعل ما يريد أفضى دومًا إلى نتائج كارثية ولم يكن بلا ثمن آنذاك. في عام 416 ق.م. حاصرت أثينا جزيرة ميلوس الصغيرة الوادعة رغم إعلانها الحياد في الحرب البيلوبونيسية، وطلبت منها الاستسلام أو الإبادة. الناظر إلى "حوار ميلوس" الذي ورد في كتاب المؤرخ ثوسيديدس يلاحظ أن الأثينيين يسخرون من مفهوم العدالة، ويؤكدون أن العدالة لا تُناقَش إلا بين المتكافئين في القوة، أما حين تختل الموازين، فالقوِي يفرض شروطه. اغتر قادة أثينا بفائض القوة لديهم وانتهوا إلى قتل الرجال جميعًا واسترقاق النساء والأطفال، فقط لتأديب جزيرة صغيرة ومحايدة وقفت عائقًا في طريق هيبتهم الإمبراطورية. هذا النموذج يجسّد غطرسة قوة مطمئنة لجبروتها، على استعداد لارتكاب جريمة إبادة جماعية وفقًا لمصطلحات العصر الحديث باسم الردع السياسي. بيد أن أثينا التي جسّدت غطرسة القوة في ميلوس انتهى بها المطاف إلى هزيمة نكراء أمام إسبرطة عام 404 ق.م. تفكك أسطولها البحري، وهُدمت أسوارها العالية، وتحوّلت من قوة مهيمنة إلى مدينة منهكة، لتفسح الطريق لاحقًا أمام هيمنة قوى أخرى. ولعل الدرس المستخلص هنا هو أن غطرسة القوة دون رادع أخلاقي لم تستطع إنقاذ مشروعها الإمبراطوري، بل رافقت مسار سقوطه.

مرة أخرى في عام 146 ق.م. قررت روما، بعد أن جرّدت قرطاج من سلاحها، المضي إلى أبعد من النصر العسكري، فاختارت تدمير المدينة بالكامل وقتل معظم سكانها، بمنطق الإبادة الجماعية كما حصل في ميلوس اليونانية القديمة. هذا القرار لم يكن ضرورة دفاعية بقدر ما كان تعبيرًا عن تصور يرى في محو مدينة مزدهرة شرطًا لترسيخ هيبة روما وتطهيرها الداخلي، وهو ما أثار نقاشات أخلاقية حتى داخل النخبة الرومانية حول حدود ما يسمح به النصر. سرعان ما دخلت روما مرحلة سلام بلا أعداء تسللت فيها الصراعات إلى الداخل؛ إذ يربط المؤرخون بين انتصارات روما الخارجية وبين بدايات انحدارها الأخلاقي وصعود العنف في السياسة الداخلية بعد زوال التهديد القرطاجي. وبالمثل في المشرق القديم بنت الإمبراطورية الآشورية نفوذها على سياسة رعب ممنهجة من خلال تعذيب الأسرى، والتمثيل بالجثث، وتعليق الرؤوس على الأسوار، وعمليات ترحيل جماعي تتم توثيقها في النقوش الملكية بوصفها أداة مشروعة لتثبيت أركان الهيمنة. هذه الممارسات لم تكن انحرافات فردية، بل استراتيجية مُعلَن عنها، حيث تم تمجيد القوة الغاشمة في الفنون لتخويف الخصوم وإرسال رسالة مفادها أن لا مكان للرحمة حين يتكلم السيف بما أنه أصدق أنباء من الكتب.

على أن الآشوريين، الذين بنوا سلطانهم على الرعب، انهارت دولتهم بشكل مخجلٍ؛ فسقوط نينوى عام 612 ق.م بعد حصار مشترك من البابليين والميديين أنهى الإمبراطورية الآشورية كقوة مهيمنة خلال سنوات قليلة فقط. المدينة التي كانت تعد من أعظم مدن العالم أُحرقت وأضحت أثرًا بعد عين، حيث تحولت الإمبراطورية إلى ذكرى في ظل بروز بابل الجديدة كوريثة لها. ولعل الخلاصة التي نود التوكيد عليها هنا أن هذه الإمبراطوريات استفادت من قوتها عسكريًا في المدى القصير، لكنها لم تستطع تحويلها إلى استقرار دائم؛ فالإفراط في العنف، وإهمال الاعتبارات الأخلاقية والشرعية، عمّق الأحقاد، وأضعف الحلفاء، وأطلق ديناميات داخلية وخارجية انتهت بتقويض الأسس التي قامت عليها تلك القوة نفسها.

 

الترامبية وعودة منطق القوة

كتبنا في هذا المكان عن الترامبية الخشنة التي تتعامل على نحو مشابه. فمن الواضح أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتعامل مع التحالفات بوصفها أعباءً وليس بحسبانها أصولًا استراتيجية. فقد تعرض الحلفاء للإهانة والابتزاز، وأُعيد تعريف الالتزامات الأمنية بوصفها معاملات تجارية. وفي هذا السياق، يتم السعي إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل على حساب الثقة والتضامن. كما أصبحت السياسة مدفوعة بطموحات فردية بدلًا من جملة أهداف استراتيجية متماسكة، وهو ما يوازي ما حدث في أثينا بعد بريكليس الذي ارتبط اسمه بسيادة القيم الديموقراطية والثقافية. فقد امتلكت أثينا بعده قوة هائلة لكنها فقدت البوصلة الأخلاقية والاستراتيجية التي تضبط استخدامها فانحدرت سريعًا. وعليه، فإن القوى المعاصرة التي ترفع شعار "القوة أولًا" دون حكمة أو ضوابط أخلاقية تسير على مسار مشابه، حيث تتحول مكاسب القوة قصيرة المدى إلى مقدمات لتآكلها وسقوطها على المدى البعيد. وتُظهر هذه الحركية كيف تتحول المصالح الجماعية إلى ذرائع لتحقيق مكاسب شخصية، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إضعاف الدولة. وعلى الصعيد الداخلي، أدى هذا الأسلوب إلى تآكل التماسك المجتمعي، حيث تغيب السردية الجامعة القادرة على دعم سياسات طويلة الأمد، ويحل محلها خطاب انقسامي يحمّل المسئولية للأعداء في الداخل والخارج.

ومن الملاحظ أن النزوع الإمبراطوري في رئاسة دونالد ترامب يزداد وضوحًا في تبنّي رؤية للسياسة الخارجية تقدم الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة تتجاوز القيود المؤسسية والمتعددة الأطراف. ولعل هذا النزوع يترجم عمليًا في تمركز القرار في البيت الأبيض، وتوظيف الأدوات العسكرية والاقتصادية والعقابية لفرض نفوذ مُهيمن في مناطق متعددة، من الشرق الأوسط إلى نصف الكرة الغربي، إلى جانب تلميحات علنية أو غير مباشرة إلى توسعات جيوسياسية محتملة، مثل الحديث عن السيطرة على غرينلاند أو تعزيز الادعاء بإعادة تشكيل خريطة النفوذ في أمريكا اللاتينية. وعلى الصعيد الداخلي، يتوازى هذا النزوع مع تقوية سلطة الرئيس التنفيذية عبر الأوامر التنفيذية والخطاب التصعيدي الشعبوي، ما يعيد تأكيد صورة "الإمبراطورية" التي تربط القوة الصلبة بسيطرة مركزية على القرار، وترفع شأن المصالح والرؤية الرئاسية التي تقوم على منطق الصفقات على حساب المؤسسات والقواعد المتعددة الأطراف.

 

تراجع القيم في النظام الدولي

يمكن تلمس ملامح النظام الدولي المعاصر بوضوح ولاسيما في ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية. فالقوة لا يتم تبريرها عبر منظومات معيارية، ولكنها أصبحت هي المعيار ذاته. فالتدخلات العسكرية، والضغوط الاقتصادية، واستخدام سلاح العقوبات، وحتى التهديدات الإقليمية، كلها تُمارس دون اكتراث حقيقي بشرعية دولية أو توافق جماعي. الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لم يعد استثناءً، بل يتحول تدريجيًا إلى نمط سائد يعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية. ألم يهدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بنقل سيناريو التهجير والتدمير الذي حدث في غزة إلى الجنوب اللبناني، وهو الأمر الذي يرقى إلى درجة جرائم الحرب وفقًا لمعايير القانون الدولي الإنساني.

- إن أحد أبرز ملامح "ما بعد القيم" هو إعادة تعريف التحالفات الدولية. فبدلًا من كونها ترتكز على التزامات مشتركة ورؤية استراتيجية طويلة الأمد، أصبحت أقرب إلى ترتيبات مؤقتة قائمة على المنفعة المباشرة. الحلفاء لم يعودوا شركاء، بل أوراق تفاوض؛ والالتزامات الأمنية لم تعد ضمانات، بل صفقات قابلة لإعادة التقييم. هذا التحول يقوّض الثقة، وهي العملة الأكثر أهمية في العلاقات الدولية، ويؤدي إلى تفكك تدريجي في بنية التحالفات. ويمكن في هذا الخصوص الإشارة إلى أزمة مضيق هرمز 2026، حين طالب الرئيس ترامب دول الناتو بالمشاركة العسكرية الفورية لحماية الناقلات النفطية ضد إيران، لكنه واجه رفضًا أوروبيًا، خاصة من قبل ألمانيا وفرنسا، خوفًا من تصعيد إقليمي خارج نطاق الحلف، فوصفهم علنًا بـ"الجبناء" قائلًا: "لن ننسى موقفكم". بل إنه وصف حلف الناتو بأنه نمر من ورق. نتيجة لذلك، بدأت أوروبا في تسريع خطط الدفاع الذاتي وتنويع التحالفات مع الخليج وآسيا، بينما تراجعت الثقة في واشنطن كقائد يمكن الوثوق به.

- في هذا السياق، تتآكل أيضًا فكرة النظام الدولي القائم على القواعد. فحين تُنتهك هذه القواعد بشكل انتقائي، تفقد قوتها الإلزامية، وتتحول إلى مجرد أدوات خطابية. وعليه، فإن الدول الصاعدة تراقب هذا السلوك وتتعلم منه، فتتبنى منطقًا مشابهًا: إذا كانت القوى الكبرى لا تلتزم بالقواعد إلا عندما يناسبها ذلك، فلماذا ينبغي على الآخرين الالتزام بها؟ وهكذا، ندخل في حلقة مفرغة من تقويض المعايير، حيث يصبح الانتهاك هو القاعدة، والالتزام هو الاستثناء. ولعل فوضوية النظام الدولي بهذه الصورة تكرس قاعدة القوة تخلق الحق وتحمية في التفاعلات الدولية. ومن ثم تصبح المؤسسات الدولية التعاونية وعلى رأسها الأمم المتحدة دون فاعلية تذكر.

- لكن المشكلة لا تقتصر على السلوك الخارجي للدول، بل تمتد إلى الداخل. فعصر ما بعد القيم يرتبط أيضًا بتآكل السرديات الوطنية الجامعة. في السابق، كانت الدول الكبرى تسعى إلى بناء توافق داخلي حول دورها العالمي، وتبرير سياساتها الخارجية عبر خطاب يستند إلى قيم مثل الحرية، والديمقراطية، أو الأمن الجماعي. أما اليوم، فإن الخطاب الداخلي يتسم بالتشظي، ويُستخدم لتعبئة الانقسامات بدلًا من توحيدها. هذا الضعف في التماسك الداخلي ينعكس بدوره على القدرة على تبني استراتيجيات طويلة الأمد. لقد اعتادت الولايات المتحدة على تبرير تدخلاتها العسكرية والسياسية في دول أخرى بمجموعة من القيم النبيلة في ظاهرها مثل نشر الديمقراطية، وتعزيز الحريات الليبرالية، وحماية حقوق الإنسان، كما في حالات العراق وأفغانستان وليبيا، حيث كانت الخطابات الرسمية تُصوِّر الولايات المتحدة بحسبانها منارة العالم. غير أن هذه الستار الأخلاقي تلاشى تمامًا في عهد ترامب، الذي أعلن صراحة أن منطق "أمريكا أولًا" لا يقبل شراكات مجانية أو حملات إنسانية باهظة التكلفة. بدلًا من الديمقراطية، أصبح المعيار الوحيد هو "الصفقة الجيدة"؛ ففي الناتو، هدد بالانسحاب إلا إذا دفع الحلفاء حصتهم، وفي الشرق الأوسط، شكل مجلس السلام آملًا في بناء ريفيرا الشرق في غزة، وهلم جرا.

- ومن زاوية أخرى، يفتح هذا التحول المجال أمام قوى دولية أخرى لإعادة تشكيل موازين القوة. ففي ظل انشغال القوى التقليدية بصراعاتها الداخلية، وتآكل شرعيتها الدولية، تظهر قوى صاعدة تعتمد استراتيجيات أكثر صبرًا وهدوءًا. هذه القوى لا تسعى بالضرورة إلى المواجهة المباشرة، بل تستفيد من الفراغات التي يخلقها تراجع الآخرين، وتعمل على توسيع نفوذها تدريجيًا من خلال الاقتصاد، والمؤسسات، والشراكات البديلة. وربما يسمح ذلك بصعود عالم الجنوب مدشنًا حقبة جديدة في عالم ما بعد الغرب.

إن المفارقة الأساسية في عصر ما بعد القيم هي أن السعي إلى تعظيم القوة بشكل مباشر قد يؤدي إلى تقليصها على المدى الطويل. فالقوة التي لا تُمارس ضمن إطار من الشرعية تُنتج مقاومة، وتدفع الآخرين إلى التكتل ضدها، أو إلى البحث عن بدائل تقلل من اعتمادهم عليها. وهذا ما نشهده في تنامي النزعات نحو "الاستقلال الاستراتيجي" لدى العديد من الدول، ومحاولاتها تنويع شراكاتها وتخفيف ارتباطها بالقوى المهيمنة.

من هنا، يمكن القول إننا لا نعيش فقط أزمة تآكل قواعد النظام الدولي، بل أزمة تصور حول معنى القوة نفسها. هل القوة هي القدرة على الفعل فقط، أم القدرة على الامتناع عن الفعل عندما يكون ذلك أكثر حكمة؟ هذا السؤال كان في صلب تجربة الامبراطوريات القديمة التي عانت من فائض القوة كما ذكرنا، وهو يعود اليوم ليطرح نفسه بإلحاح في سياق مختلف، لكن بدلالات مشابهة. إن العودة إلى نظام دولي قائم على القواعد لا تعني المثالية أو تجاهل واقع القوة، بل تعني إدراك أن القوة تحتاج إلى شرعية تضبطها لكي تكون مستدامة. فالتاريخ، قديمًا وحديثًا، يوضح أن الهيمنة التي تعتمد فقط على الإكراه لا تدوم، وأن الاستقرار يتطلب توازنًا دقيقًا بين المصالح والقيم الأخلاقية.

ختامًا، يمكن القول إن عصر ما بعد القيم ليس قدرًا علينا أن نقبل به، بل هو نتاج خيارات سياسية يمكن إعادة النظر فيها. غير أن ذلك يتطلب إرادة واعية لإعادة بناء الثقة، وإحياء الالتزام بالقواعد الدولية، والأهم من ذلك، إعادة تعريف القوة ليس فقط كقدرة على الإكراه، بل كقدرة على الإقناع والقيادة. ففي عالم يزداد تعقيدًا، قد يكون أعظم مظاهر القوة هو ضبط النفس، وليس إطلاق العنان لها. وذلك هو التحدي!

 

* حمدي حسن، عصر ما بعد القيم في النظام الدولي: هل تصبح القوة بديلا عن الشرعية؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 28 مارس 2026، https://bit.ly/47tjMMY

** أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد والقاهرة.

عرفت النظم القانونية في الماضي الأخذ بالتعذيب في أثناء التحقيق الابتدائي. وقد مورس هذا الإجراء في فرنسا إلى أن أُلغي نظام التحري والتنقيب، وذلك بموجب الأمر الملكي الصادر في 24 أغسطس سنة 1780م. وفي ظل هذه الثقافة السائدة في العالم كله، كان من الطبيعي أن نجد بعض الآراء في الفقه الجنائي الإسلامي التي تجيز ضرب المتهمين. ففي مؤلفه المعنون «الاعتصام»، وتحديدًا في الباب الثامن الذي جاء تحت عنوان «البدع والمصالح المرسلة والاستحسان»، يقول الإمام الشاطبي: اختلف العلماء في الضرب بالتهم، وذهب «مالك» إلى جواز السجن في التهم، وإن كان السجن نوعًا من العذاب، ونص أصحابه على جواز الضرب، وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع، فإنه لو لم يثبت السجن والضرب بالتهم، لتعذر استخلاص الأموال من أيدي السراق والغصاب، إذ قد تتعذر إقامة البينة، فكانت المصلحة في التعذيب وسيلة إلى التحصيل بالتعيين أو الإقرار. فإن قيل في هذا فتح لباب تعذيب البريء! قيل: ففي الإعراض عنه إبطال استرجاع الأموال، بل الإضراب عن التعذيب أشد ضررًا، إذ لا يعذب أحد بمجرد الدعوى، بل مع اقتران تهمة تحيك في النفس وتؤثر في القلب نوعًا من الظن، فالتعذيب في الغالب لا يصادف البريء، وإن أمكن مصادفته، فمغتفر كما اغتفر في تضمين الصُناع. فإن قيل: لا فائدة في الضرب، وهو لو أقر، لم يقبل إقراره في تلك الحال! فالجواب: إن له فائدتين: إحداهما: أن يعين المتاع، فتشهد عليه البينة لربه، وهي فائدة ظاهرة. والثانية: أن غيره قد يزدجر، حتى لا يكثر الإقدام، فتقل أنواع هذا الفساد. وقد عد له «سحنون» فائدة ثالثة، وهي الإقرار حالة التعذيب، فإنه قد يؤخذ عنده بما أقر به في تلك الحال. قالوا: وهو ضعيف؛ فقد قال الله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» البقرة: 236. ولكن نزله «سحنون» على من أُكره بطريق غير مشروع؛ وكما إذا أكره على طلاق زوجته، أما إذا أكره بطريق صحيح، فإنه يؤخذ به؛ كالكافر يُسلم تحت ظلال السيوف، فإنه مأخوذ به. وقد تتفق له هذه الفائدة على مذهب غير سحنون، إذا أقر حالة التعذيب، ثم تمادى على الإقرار بعد أمنه، فيؤخذ به. قال الغزالي، بعد ما حكى عن الشافعي أنه لا يقول بذلك: «وعلى الجملة: فالمسألة في محل الاجتهاد». قال: «ولسنا نحكم ببطلان مذهب مالك على القطع، فإذا وقع النظر في تعارض المصالح؛ كان ذلك قريبًا من النظر في تعارض الأقيسة المؤثرة».

وإذا كان الإمام ابن حزم قد قال إنه «لا يحل الامتحان في شيء من الأشياء بضرب ولا بسجن ولا بتهديد لأنه لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة ثابتة ولا إجماع»، نجده يذهب إلى أنه إذا عذب المتهم بالسرقة، فأقر بالمال المسروق، وظهر عنده، قطعت يده، لا بناء على الإقرار الذي أكره عليه، ولكن بوجود المال المسروق معه الذي توصل إليه الإقرار. ونرى مع بعض الفقه أن هذا القول لا يتفق مع الشريعة الإسلامية؛ لأنه يصدم بقاعدة فقهية مقررة، وهي أنه لا يبنى صحيح على باطل، لأن سد الذرائع يقتضي إبطال نتيجة الإكراه حتى لا يغري ضعاف النفوس باستخدام التعذيب.

والواقع أن الآراء الفقهية القديمة بجواز التعذيب لم تعد مقبولة في العصر الحالي. ولا يسوغ أن يؤيدها أو يسوغها إنسان عاقل ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين، لاسيما أن هذه الآراء لا يوجد لها سند من القرآن والسنة. بل إن نصوص القرآن والسنة النبوية قاطعة بعكس ذلك. ومن ناحية أخرى، فإن حظر تعذيب المتهمين غدت قاعدة مستقرة في الدساتير المعاصرة كافة، وبحيث يمكن اعتبار هذا الحظر أحد «مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدينة»، وذلك وفق تعبير النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. وهكذا، يحظر الدستور المصري الحالي لعام 2014م التعذيب بجميع صوره وأشكاله، مقررًا اعتباره «جريمة لا تسقط بالتقادم» (المادة الثانية والخمسون من الدستور). وفيما يتعلق بالحبس الاحتياطي على وجه الخصوص، وطبقًا للمادة الخامسة والخمسين من الدستور، «كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته، تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحيًا، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة. ومخالفة شيء مما ذكر جريمة يعاقب مرتكبها وفقًا للقانون. وللمتهم الصمت، وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شيء مما تقدم، أو التهديد بشيء منه، يهدر ولا يعول عليه». والله من وراء القصد.

 

* أحمد عبد الظاهر، التجديد القانونى للخطاب الدينى.. حظر تعذيب المتهم، جريدة الوطن، 21 مارس 2022، https://bit.ly/4bB9m0b

**  أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة، يجمع في مسيرته بين الأكاديمية والعمل الصحفي التنويري. يشتهر بمقالاته التحليلية في جريدة "الوطن" ومؤلفاته المرجعية في شرح قانون العقوبات من منظور فلسفي وقانوني عميق.

الصفحة 1 من 70