اللّقاءَ بين الفكرْ الإسلامي والفِكر الغرْبي*

أ. محمّد المبارك**

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد فإن اللقاء بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي قاعدة انطلاق لجميع القضايا التي نبحثها، سـواء في الاقتصاد الإسلامي، أم الدولة الإسلامية، أم الإسلام والعلم.

هناك تأثير متبادل بين الفكرين، ولكن هذا التبادل في الواقع هو غزو فكري من الفكر الغربي للفكر الإسلامي والنتائج التي تتولد عن هذا اللقاء، وهذا الغزو خطير جدًا، ونحن في حيرة. أين نفتش عن الحقيقة؟

هل نبحث عنها في الفكر الإسلامي المنطلق من الوحي أم في الفكر الغربي المنطلق من الواقع والتفكيـر العقـلي وبالتالي العلمي؟

المثقفون يضعون هذه المشكلة أمامهم، لذلك يجب أن نعرف بالنسبة للفكرين طريق كل منهما في التحري للوصول إلى الحقيقة حتى نستطيع أن نحكم بتجرد، ونقنع غيرنا ممن لا يدين بعقيدتنا الدينية.

بعض المفكرين يريدون إخضاع الفكر الإسلامي حتى في قسمه الموحى به، أعني القرآن الكريم لمقاييـس الفكر الغربي، واعتبار الطريق الغربي وحده طريق الوصول إلى الحقيقة.

نسأل هؤلاء المفكرين الذين يريدون أن يخضع القرآن والإسلام للمنهج الغربي، أي منهج غربي يعنون؟ فمنذ خمسين سنة كان فريق كبير من الناس يعتبرون ماركس والجدلية المادية أمرًا قاطعًا نهائيًا لا يقبل الجـدل، ويؤمنون به إیمان المسلمين بالقرآن الكريم، والنصارى بالإنجيل، والآن نرى أن هذه القاعدة اهتزت وتزعزعت، وصار الماركسيون يخضعون ماركس للنقد، ويضعونه في اطاره التاريخي، وكثير منهم يعتبر الإلحـاد عـنـد ماركس موجة عارضة.

والموقف العلمي الحديث قد تغير، فبأي مقياس يريد أبناء المسلمين الذين يريدون نقد الإسلام بالفكر الغربي أن يمتحنوه؟ أبمقيـاس القـرن الثامن عشـر، أم التاسع عشـر، أم العشرين؟ لقد تطور الفكر الغربي وتطورت معه مقاييسه، وتطورت أيضًا فلسفة المعرفة (ابستمولوجی) وتطورت الماركسية، وتطورت الليبرالية، وتطورت الديمقراطية، وهم لا ينقدون الفكر الغربي لا داخليًا ولا خارجيًا.

أما الفكر العربي فقد نقد نفسه وصار أهـل كـل مـذهب ينقدونه من داخله، ويضعونه تحت البحث، ولا شك أنكم رأيتم كتاب رئيس الجمهورية الفرنسية السيد جیسکار دیستان الذي عنوانه: "الديمقراطية الفرنسية"، وفيه ينتقد الديمقراطية، ورأيتم الاستاذ روجيه غارودي، ومن قبله السيد هنري دومان البلجيكي وهما ماركسيان، كيف ينتقدان أسس الماركسية، أما أبناء المسلمين فإنهم لا ينظرون إلى نقد الفكر الغربي لنفسه ويأخذونه كأمور مسلم بها كأنه تنزيل من عزيز رحيم.

والشيء الآخر هو أنه لا ينبغي لنا، ولو لم ينتقد الغربيون فكرهم من الداخل أن نقبله على علاته، بل يجب أن نقف نحن منهم موقف الناقد، ننقد مذاهبهم من الخارج، لا موقف التابع الخاضع كأنه يعبد الفكر الغربي ويصطبغ بصبغته تمامًا، ويريد -من هـذا المـوقف- وضع الإسلام والقرآن تحت النقد.

ما هي طريقة الإسلام في التفكير؟

لنفرق جميعًا بين الفكر المنبثق من القرآن والسنـة مباشرة، وبين فكر المسلمين كالغزالي وابن سينا وأبى حنيفة، هذا الفكر الإسلامي المتولد أو المتأثر بالإسـلام قرآنًا وسنة هو فكر المسلمين خلال العصور وهو فكر يتطور أيضًا، ونحن اليـوم نتقيـد بالإسلام، ولكننـا نستطيع أن نستنتج تفكيرًا يختلف عن الغزالي وابـن سينا والفارابي.

أما المنهج القرآني في التفكير، والسنة تابعة للقرآن، فهو ينطلق من أن القرآن الكريم كتاب موحي به، وينطلق من العقل لنثبت لأنفسنا ولأولادنا ولغيرنا أن القرآن من الله، من وحي الله، فنقطة الانطلاق هي العقل، حين نزلت الآيات على نبينا عليه الصلاة والسلام (وهـذا اعتقادنا نحن المسلمين ولا نلزم به غيرنا) دعاهم بالحجاج والمناقشة للإيمان: (أم خلقوا من غيـر شـيء أم هـم الخالقون؟) (أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون)؟ طرح عليهم أسئلة، وناقشهم شخصيًا. فنقطة الانطلاق كانت العقل قبل الإيمان بنبوته، وبأن القرآن من وحى الله.

كان السلف يقولون: إيمان المقلد غير مقبول؛ أي لا بد من إیمان مبني على القناعة الشخصية، إذا ولدت من أب مسلم ونشأت وقلدت أباك فهذا لا يكفي، لا بد وأن يكون لديك دليل على صحة القرآن والإسلام ووجود الله، هذه النقطة هامة والبحث يستـحـق التكمـيـل والتوسيع من لدن الباحثين المسلمين.

فالنقطة الأولى هي العقل، وبالعقل وأدلته نثبت أن القرآن وحي، ونثبت بالتالي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن نصل إلى أن القرآن كتاب منزل موحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم نبحث بعد ذلك عن الطريقة التي يدعونا إليها القرآن الكريم للوصول إلى الحقائق.

القرآن الكريم يقسم الوجود إلى عالمين: عالم الشهادة وعالم الغيب استعمل القرآن كلمة (الغيب) وكلمـة (الشهادة) ولم يستعمل (عالَم الغيب والشهادة) بل استعمل (عالِم الغيب والشهادة) صفة لله سبحانه الذي يعلم الغيب ويعلم الشهادة، ولنصطلح في طريقة تفكيرنا أن نسمي هذين العالمين بهذين الاسمين.

إن كلمة (الشهادة) رائعة جدًا؛ لأنها تجمع كل الحواس: السمع والبصر .. حتى ولو اكتشفت حاسة سادسة فإنها تدخل في هذه الكلمة، وعالم الشهادة يحتوي على العالم وعلى طريقة الوصول إلى معرفته، والإنسان حينئذ شاهد بمعنى (حاضر) وشاهـد بمعنى (يرى) وبمعنى (يحس).

أما عالم الغيب فهو عالم مغيب عنا لا نشهده.

ما موقف القرآن في الوصول إلى حقائـق عـالـم الشهادة؟ هل نستنبط من القرآن الكريم طريقة يـدل عليها؟

هل يقدم لنا القرآن حقائق الكيمياء والفيزياء والفلك ويعرضها علينا، أم يدلنا على طريقة نحـن نسلكهـا ونمارسها لنصل إلى حقائق عالم الشهادة؟

لقد حاولت مرارًا أن أجمع الآيات المتعلقة بالطبيـعـة والكون والوجود والشمس والقمر والأرض والجـبـال والرياح والسحاب والنبات والأنعام الدواب (الخيل والبغال والحمير...)، وكل ما يتصل بأجزاء الطبيعة أو بحوادثها. إن القرآن مليء بها بشكل عجيب لا نظير له في التوراة والإنجيل، وهذا بحث يحتاج إلى الدراسة الموسعة؛ لأن المفردات المتعلقة بالكون كثيرة جدًا ومتكررة تشـمـل الأشياء الصغيرة كالذرة والهباء، والكبيرة كالسماوات والأرض وما بينهما، والقرآن يلح عليهـا ويطلـب إلى الإنسان النظر إليها وملاحظتها، وأكثر الآيات في هذا الموضوع تبدأ أو تنتهي بالألفاظ التالية: (أفلا ينظرون؟) (أو لم ينظروا؟) (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز؟) (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) فهو يستعمل كلمات تشير إلى السمع والبصر أي إلى الحواس وكلمات تشير إلى التفكير (يتفكرون، يعلمون، يعقلون، يفقهون، وأولو الألباب...)، وكلها دالة على العقل والعلم، فالقرآن بدلاً أن يعطينا حقائق الكيمياء والفيزياء يدلنا على الطريقة الموصلة لها بحواسنا وتفكيرنا.

غير صحيح إذن ما يقوله بعض العلماء والمشايخ أن الفيزياء والكيمياء والفلك تستنبط من القرآن مباشرة، فالقرآن أحالنا في ذلك على حواسنا وعلى عقولنا، وقد أيد هذا الحديث الشريف فالحديث يأتي دائمًا مبينًا للقرآن الكريم (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون).

والحديث فيه الحديث الصحيح وهو موجود في صحيح مسلم والبخاري وغيرهما.

وفي الحديث (أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر على قوم يلقحون النخل فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نؤبر النخل حتى يثمر، فقال: لو تركتموه، فتركوه فـلـم يثمر، فرجعوا إليه فقالـوا: إنـه خرج شیصًا) (أي لا يؤكل) فقال: إنما هو ظن ظننته وليس وحيًا، وأن الظن يخطئ ويصيب) هذا الحديث اعتبره مغيرًا لاتجاه الإنسانية كلها. لم يسبق له دين من الأديان، فالله سبحانه حکیم خبير يراعي تطور البشر وهو خـالقنا، وبمجيء الإسلام بلغ العقل سن الرشد، لذلك أعـلـن مبدأ أعظم من مبادئ حقوق الإنسان، وهو أن معـرفة حقائق الكون حقائق عالم الشهادة راجعة إلى تفكير الإنسان وعقله وليس مرجعه الوحي والنبوة ولم يسبق في تاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم أن أبرز هـذا الأمر هذا المبدأ الإسلامي إبرازًا كافيًا.

وهناك حديث آخر ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم معناه أن "الله أنزل لكل داء دواء فإذا أصاب الداء الدواء برأ بإذن الله"، فكأن هذا الحديث يخاطب الناس ويقول لهم: فتشوا أنتم عن الدواء، فإذا كـان هـنـاك مليون أو عشرة ملايين مرض فهناك مليون أو عـشـرة ملايين دواء، هذا من خلق الله وهذا من خلق الله.

والأحاديث كثيرة في هذا الموضوع منها حديث المكان الذي اختاره عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، فقال له أحد الصحابة (بعبارة مهذبة طبعًا): هذا وحي أم هذا رأيك؟ فقال: هذا ليس وحيًا، فقال له الصحابي: إذن أنا أقول رأيًا آخر في هذا الموضـوع الدنـيـوي العسكري. يفكر الرسول عليه الصلاة والسلام بصفته البشرية، وسمح لصحابته أن يتفكروا بصفتهم البشرية، ولو خالفوا رأيه، فلما أشار الصحابي إلى أن الموقع غير مناسب وافق الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك.

إذن: عالم الشهادة نصل إلى حقائقـه عـن طـريـق الحواس، وطريق التفكير، أما الفلسفة اليونانية فتعتمد التأمل.

الجانب الآخر هو عالم الغيب، هناك أمور أخرى غير عالم الشهادة جعل القرآن الكريم معرفتها عن طريق الوحي (الذي أثبتناه بالعقل).

إن الحياة الأخرى بعد هذه الحياة والروح من الأمور التي لا يمكن للعقل ولا للمخبر الكيمياوي ولا الفيزيائي ولا المرصد الفلكي تحليلها والوقوع على سرها، ويروى عن رئيس مخبر في الاتحاد السوفياتي أنه قال: بعد التجارب والبحوث الكثيرة أيقنا أن العلم لا يمكن له أن يصل إلى معرفة سبب الحياة.

هل هناك مخلوقات لا ترى ولا توضع تحت المجهـر (كالملائكة)؟ إن النفي غير ممكن هنا، والعلم لا يستطيع الإثبات، والأمر راجع للغيب.

هناك عنصر آخر قلما يذكره الناس في مجال البحث، وهو القيم المطلقة في الحياة والخير والشر، بعض علماء الاجتماع يقولون ليس هناك خير وشر، وبعضهم يقولون ليس هناك مقياس مطلق للخير والشر، وبعض الناس يقولون الزواج أفضل وبعضهم يقولون أن الزنى ليس شرًا، وقد درس هذا دورکهایم [عالم الاجتماع المعروف] محاولاً استخراج ما سماه: الظواهر السليمة الصحيحة والظواهر المرضية وبعضهم يقول: الاستبداد يولد النظام والديموقراطية المطلقة تولد الفوضى، وبعضهم يتساءل هل الأسرة الزوجية أفضل أم إلغاء الأسرة والزواج أفضل؟ إن العقول تتغير والأبحاث تتغير.

ما موقف الإسلام من كل هذا؟ جاء الإسلام بالثوابت؛ أي جاء ببعض الأمور في حياة الإنسان وثبتها وقـال: هذا خير بشكل نهائي، وهذا شر بشكل نهائي، فالزنى شر نهائيًا، وتكوين الأسرة خير نهائيًا، وقد ثبت الإسلام مبدأ الشورى (وأمرهم شورى بينهم) بشكل نهائي وأعلن أن الاستبداد لا يكون خيرًا أبدًا، كما ثبت أمورًا في حياة الفرد، فالخمر شر نهائيًا والخنزير شر نهائيًا.

قد يقال أن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير من عالم الشهادة، والجواب أن هناك بعض نقاط وأجزاء من عالم الشهادة حكم عليها الوحي بأنها خير أو شر.

نستطيع أن نقول بعد كل هذا أن المنهج القـرآني بالنسبة إلى العالم الفيزيائي أو عالـم الشهادة هو: الإنسان - الكـون - الله. أي عـلى الإنسان أن يعـرف الكـون ويتفكر في خلقـه للـوصـول إلى معرفة الله. ونقطة انطلاق الإنسان هي الواقع لا التفكير الفلسفي المجرد. قال تعالى في كتابه العزيز: (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟) وقال تعالى: (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) وبهذه الطريقة وصل إبراهيم عليه السلام إلى اليقين بوجود الله: (وكذلك نرى إبراهيم ملكـوت السماوات والارض وليكون من الموقنين، فلما جن علـيـه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفـل قـال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلمـا رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال یاقوم إني بريءٌ مما تشركون إني وجهت وجهي الذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين).

والتفكير بالكون ليس تفكيرًا عابرًا، بل يثير في ذهننا فكرة السببية داخل الكون: (الله الذي يـرسـل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء فيجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله). والمهم جـدًا هـو الفصل بين عالم الغيب والشهادة، فليس هناك تداخل.

وموقف الفكر الغربي من عالم الغيب (ميتافيزيقا) هو أن يحذفه مطلقًا، فهو عالم لا وجـود لـه. والنفي علميًا غير مقبول فلو قال «محتمل» بدلاً من "مستحيل" لكان أقرب للحقيقة. أن الميكروب والفيروس وأشباهها ما كان يراها أحد قبل مائة عام، وما كان يقبل بوجودها عقل العلماء وكان هذا الموقف غير صحيح. فالفكر الغربي يتطور ولا يقف عند حقيقة. أمـا الإسلام فعنده منهـج آخر، عنده عالم آخر، عالم القيم المطلقة، عالم الغيب يصل إليه عن طريق الوحي والنبوة. وقد وصلنا إلى الوحي والنبوة في الأصل عن طريق العقل. لكني ما استعرضت وسائل الإثبات العقلي لأن البحث يطول، لكني أرشدتكم إلى بعض المصادر.

يقول ماركس هناك جدلية، أي هناك قضية، وقضية مناقضة لها، وتركيب يجمع بينهما. ولكن من فرض على الكون قانون الجدلية؟ ومن فرض على الأجسام قانون الجاذبية؟ ليس للكون هو نفسه إرادة، فمـن فـرض عليه قوانینه؟ هل يمكن أن يكون الشيء نفسه فـاعـلاً ومنفعلاً في الوقت نفسه؟ (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)؟

(خلقوا من غیر شيء) مستحيل.

(هم الخالقون). عندما خلقوا أنفسهم أین کانوا. إذا كانوا معدومين فكيف يخلقون، وإذا كانوا موجودين فنحن نبحث عمن أوجدهم.

الإنسان وهو أعظم الموجودات، فهل استطاع حتى الآن أن يخلق ذرة تراب؟ الكيماوي يحلـل الأجسام ويعيـد تركيبها لكنه لا يخلق من العدم.

وإذا قلنا بأن قانون صراع الاضداد فرض على الكون، فهل فرض هذا القانون نفسه؟ هل القانون هو نفسـه إرادة وعقل؟ لا، هو علاقة والعلاقة لا تفرض نفسـهـا بنفسها. المشكلة مطروحة في القرآن الكريم كما سبق أن أشرنا إليه في فكرة السببية (الله الـذي يـرسـل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء)... فالمشكلة تبدأ بالله سبحانه وتعالى وتنتهى بالله وبينهما سلسلة واقعية عقلية علمية طبيعية تمامًا.

أكتفى بهذا المقدار لأقول أن هذه الموضوعات في رأيي ينبغي أن تهتموا بها جدًا، وتثيروا بين إخوانكم ورفاقكم ضرورة البحث في هذه القضايا، حتى يكون هنالك صراع على مستوى عالٍ بين الفكر الإسلامي (أعني الفكر المستنبط من القرآن والسنة) في مقابل الفكر الغربي، وحينئذ يمكن أن تكون لنا مقاييس مستقلة. وأنا لا أمانع أبدًا في ضمن هذه الحدود التي قنعنا بها أن نستفيد مـن الفكر الغربي، لأن الفكر الغربي محدود وليس هو في سعة الفكر الإسلامي. ولا ينبغي أن نحكم الفكر الغربي في ثقافتنا وتفكيرنا. يقول بعض الأساتذة الشرقيين، الذين استهواهم الفكر الغربي، أن قمة الفلسفة ماركس ونيتشه وفرويد، ويريدون أن يحكموا فلسفـة هـؤلاء الثلاثة في القرآن الكريم، ويقولون أن هذا القرآن الموحى به یتهاوی تحت مطرقة الفلسفة التي يتزعم قممها هؤلاء الثلاثة. هذه سخافة فيجب أن نجابه هذا الفكر، ونبين ضيق أفقه، وضيق مقاييسه وأن له موقعه الخاص في التاريخ، وأنه هو الآن يتهاوى تحت مطرقة التطور الإلهي الرباني. أرجوكم أن تقرؤوا بـهـذه المناسـبـة كـتـاب "الاشتراكية البناءة" -مؤلفه ماركسي- وهو يقول أن ماركسي أراد الخير ولكنه زرع الدمار في نظريته. يقول ماركس حسـب المؤلف لطبقة البروليتـاريـا، يجب أن تنـدفـعـوا لمصلحتكـم ضـد طبقة الرأسماليين وتصلوا إلى السلطة. إذن المصلحـة ثـم السلطة هذا الدافع. فإذا كان الأمر على هذا النحـو فلماذا تنتقدون الرأسماليين؟ فالرأسماليون هم أيضًا يريدون المصلحة والسلطة، فما هو المرجح لأحد الفريقين على الآخر؟ يقول مؤلف "الاشتراكية البناءة" لا بد من مرجح أخلاقي: ظلم الطبقة البروليتاريا فهي طبقة مظلومة والطبقة الرأسمالية ظالمة ولكن ماركس لا يقبل مفهوم الظلم والعدل لأن هذا يدخل في موضوع الأخلاق والأخلاق خرافة لا مكان لها في منظومته. وعليه فلا بد أن ينحدر مذهبه إلى الانتهازية (Opportunisme). هذا ما قاله مؤلف "الاشتراكية البناءة" منذ 40 سنة تقريبًا وفي ما قاله: أنا سأصحح الماركسية. لا بد من معايير أخلاقية تجعل هذا ظالمًا وهذا مظلومًا، وتجب مناصـرة المظلـوم على الظالم، وهذه المعايير الأخلاقية من حق وباطل وخير وشر وعدل وظلم، وما هو مصدرها؟

العلم لا يعطينا معايير أخلاقية، فلا بد إذن من الايمان والايمان مصدره الإله، فالماركسية لا تصل إذن إلى الايمان بالله.

أرجوكم أن يتولى بعضكم دراسة تطور الماركسية في الإلحاد والايمان. درسها من قبـل هنري دومـان في "الاشتراكية البناءة" والآن يدرسها روجيـه غـارودي وربما تجدون غيرهما كثيرين.

فلنقف موقف المستعلي بحق في الفكر الإسلامي، ونتسلط على الفكر الغربي بالنقد، وأنتـم وأمثالكـم تعرفون الفكر الغربي، وقادرون على نقـده، وعلمـاء المسلمين في بلادنا لا يستطيعون أن ينقدوا الفكر الغربي لأنهم لم يدرسوه، وكذلك فإن الذين يتصدون لانتقـاد الإسلام لا يعرفون غالبًا الفكر الإسلامي. وصدقوني أن كبار المستشرقين من النصارى بدأوا يقدرون ويتأثرون بالفكر الإسلامي أكثر من أبناء المسلميـن الملحـديـن. بالأمس كنت عند الأستاذ روجه أرنالديز وانتقد هو نفسه هؤلاء المسلمين في باريس وسماهم بأسمائهـم وقـال: الإسلام فيه قيم عظيمة لا يمكن انكارها، فيه روحانية علوية لا يمكن تجاهلها وما أقوله هو الحق.

فلنحذر الذين يقفون من الإسلام موقفًا غير صحيـح وغير منصف ولنستعد لمجابهتهم بقوة وأشكركـم عـلى الاستماع والحمد لله رب العالمين.

 

* خلاصة محاضرة منشورة بمجلة الهداية، التي يصدرها المجلس الإسلامي الأعلى بدولة تونس، في المجلد الثامن، العدد الرابع، ذو الحجة 1400ه/أكتوبر 1980م، ص48-52 (بتصرف طفيف).

** الأستاذ محمد المبارك من علماء المسلمين الذين جمعوا إلى الثقافة الإسلامية المتينة الاطلاع الواسع على ثقافة الغرب. يحاضر اليوم في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية وفي الجامعة الأردنية. وقد زار مكتب رابطة العالم الإسلامي في باريس في شوال 1399 سبتمبر 1979 وألقى فيه محاضرة ثمينة ننشر خلاصتها.

 

نُشِرَ كتاب المقارنات التشريعية للشيخ "سيد عبدالله علي حسين" أول ما نشر عام 1947م، إلا أنه لم يحظ بالتقدير الذي يستحقه على الرغم من أهميته، ثم صدرت طبعته الأولى عن دار السلام في أربعة مجلدات عام1421 هـ - 2001 م ، بتحقيق كل من أ.د.محمد أحمد سراج، و أ.د.محمد علي جمعة، و أ.أحمد جابر بدران، وهو العمل الثاني الذي يصدره (مركز الدراسات الفقهية المقارنة) من سلسلة دراسات المقارنات التشريعية.

   وقد جاء في مقدمة تحقيق الكتاب توضيح للمنهج العلمي الذي اتبعه الشيخ في عمله، نستخلص منها ملمحين:

- الملمح الأول: تبويب الموضوعات محل المقارنة: فقد أتى الشيخ بتسلسل الموضوعات محل المقارنة مرتبةُ حسب ترتيب الفقه الفرنسي في تتابع الموضوعات وتسلسلها وجعله أصلًا في مقارنة الفقه الإسلاميّ.

- الململح الثاني: المنهج الذي اتبعه الشيخ في المقارنة: فقد اتبع الشيخ منهجًا يوثق كل من الاتفاقات والاختلافات بين القانون المدني الفرنسي والمذهب المالكي ، مما يعطي صورة أقرب للاكتمال عن طبيعة العلاقة بين هذه العوالم التشريعية، فلم يكتف الشيخ بإيراد أوجه الاتفاق التي يظهر بها تأثير أحد التشريعات على الأخرى، بل وثق أيضًا مواطن الاختلاف بينهما. ويأتي عمل الشيخ في إطار حرصه على بيان ما للفقه المالكيّ من تأثير على القانون المدني الفرنسي، وقد بعثه إلى ذلك أمرين متصلين ببعضهما وإن بدا انفصالهما؛ فأما الأوَّل: فما عاينه من غزو قانونيٍّ للبلاد المسلمة وإنشاء كليات الحقوق التي يراها "تربي وتفرخ عقولًا تهيؤها لاعتناق هذه القوانين والدفاع عنها".

وأما الثاني فما عاينه عند سفره إلى الغرب من النقل عن الشريعة الإسلاميَّة وكتمان فضلها ودورها في تشريعاتهم في ذات الوقت الذي يرمون فيه الشريعة باتهامات تشربها أرباب القانون الوضعي من بني جلدتنا، يقول الشيخ: "وقد كان الباعث الأقوى والملزم الذي لم أجد مفرًّا من إجابته ما لمسته ورأيته في الأوساط الجامعيَّة الأوروبيَّة من النقل عن الشريعة الإسلاميَّة أحكامًا يتخذونها معايب يلصقونها

ليس بالمرء حاجةٌ إلى أن يكون مُؤرِّخًا واسع الاطلاع، ملمَّا بدقائق الحوادث لكي يعرف أنَّ نموَّ الإسلام وانتشاره، ثم ثباته واستقراره حيثما حلَّ ونزل، كان حدثًا فذَّاً، مُنقطع النظير في تاريخ البشريَّة، بل كان معجزةً من معجزاته.

 وليس بالمرء حاجةٌ إلى أن يكون فيلسوفًا عميق الفكرة، بعيد المقدِّمات، لكي يَستنتج من هذه الظاهرة العجيبة أنَّ الإسلام لابدَّ أن يكون قد حوى من عناصر الحق والخير والجمال كل ما تتطلبه الفطر السليمة على اختلاف مَشَاربها وأساليبها في الحياة، وأنَّ الحضارات التي نشأت في ظِلِّه فاحتضنها وصانها، أو التي اقتبسها مما حوله فنمَّاها وأضاف إليها، ووسمها بطابعه الخاص، كانت لابدَّ محقِّقةً لكل ما تطمح إليه الأممُ والشعب من القوَّة والرَّغَد.

بدأ الإسلام شعاعه من النور السماوي، هبطت على قلب رجل فرد، في عالم كله ظلمات بعضها فوق بعض: ضلالات وأوهام في العقائد، انحراف وانحدار في الأخلاق والعوائد، فوضى في المعاملات، تفكُّك في الأسرة، اختلال في التوازن بين طبقات المجتمع، السلطان كله للقوة الباطشة، أو للشهوة الجامحة، ولا سلطان للقانون...

وتألَّبت كل عناصر الظلام، في جزيرة العرب، ومن حول جزيرة العرب؛ لتطفئ هذه الشعاعة الأولى من النور، ولكن هذه الشعاعة لزمت مكانها (مكة) وثبتت في قوة وإصرار عشر سنين كاملة، أمام هذه الزوابع والأعاصير... ثم أذن الله لها (بفضل الهجرة إلى المدينة المنورة في سنة 622 الميلادية) أن تشتدَّ وتمتد، وأن تنتشر وتستبحر، فأخذت تزحف بدورها على جيوش الظلام لتبدِّدها، فلم تمضِ عشرُ سنوات بعد الهجرة حتى غمرت بنورها جزيرة العرب كلها.

ولم يفارق الدنيا صاحب هذا النور -صلوات الله وسلامه عليه- (في أول السنة الحادية عشرة من الهجرة) إلا بعد أن كان قد فتح لنوره طريقًا إلى خارج جزيرة العرب، ليبدِّد ما حولها من الظلمات، وليكف بأس القوى الشريرة التي تآمرت عليه في الدولتين العتيقتين: دولتي الفرس والروم، ذلك أن - في السنة التاسعة من الهجرة - قادَ بنفسه -صلى الله عليه وسلم- جيش المسلمين إلى (تبوك) مسارعة إلى صدِّ الحملة التي كان الروم قد تأهَّبوا لها في الشام، فكانت الهزيمة الأدبيَّة التي لحقت بجيش الروم يومئذ، حيث لم يجرؤ أن يتقدَّم لملاقاة جيش المسلمين هنالك، كانت هذه الهزيمة الأدبيَّة إرهاصًا قريبًا لهزيمة الدولتين عسكريًا، وسقوطهما نهائيًا، في أول عهد خلفائه الراشدين...

ثم تتابعت هزيمة الظلام، وتدفَّقَ نورُ الإسلام على الأرض شرقًا وغربًا، فكان ما فتحه المسلمون في قرن واحد (632-732م) أعظم وأضخم مما فتحته الدولة الرومانية في سبعة قرون كاملة.

غمرت الموجة الأولى من الفتح الإسلامي بلاد العجم والعراق والشام، ثم مصر وتونس، ثم الجزائر، ومراكش وصقلية وأسبانيا، ثم تجاوزت جيوش المسلمين جبال البرانس، وأوغلت في فرنسا حتى اقتربت من باريس... ولو شاء ربك لأسلمت أوروبا كلها، بل لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، ولكن قضت حكمته العليا ألا يزال الناس مختلفين: "وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ"... وهكذا توقَّفت الفتوح في هذا الجانب من العالم منذ سنة 732م، وعادت الجيوش من فرنسا لتستقرَّ في أسبانيا، وليؤسس المسلمون فيها مملكة عظيمة ظلَّ حُكْمُهم فيها قائمًا ثمانية قرون؛ لم يشهد التاريخ فترة مثلها حضارة وازدهارًا؛ على أنَّهم إن كانوا اليوم قد فارقوها مُلكًا وحكمًا؛ فإنهم لم يفارقوها أثرًا ورسمًا.

ولم تكد موجة الفتح تنحسر هذا الانحسار اليسير في الجانب الغربي حتى بدأت موجة أقوى منها في الجانب الشرقي، امتدَّ بها الفتح الإسلامي مشَرِقًا إلى بلوخستان والهند والصين، بل تجاوز القارة إلى الجزائر الإندونيسية، كما أنَّه انعطف مغرِبًا فدخل أوروبا من جنوبها الشرقي متجهًا نحو الغرب والشمال الغربي إلى النمسا وإلى قرب بحر البلطيق.

هذه الفتوح كلها يَعترف المنصفون من المؤرخين الغربيين بأنَّ الأساس الأول والأعظم فيها لم يكن هو الحرب، فهم يقولون بصريح العبارة: إنَّ المعارك الإسلامية الكبيرة كانت نادرة جدًا، وإن أكثر ما تمَّ من الفتح الإسلامي إنما كان بفضل التجارة، والدعوة السلميَّة، والإقناع الحكيم، والقدوة الحسنة.

وفي الحق لو كان دخول هذه الأمم في حظيرة الإسلام تحت سلطان السيف لخرجوا منها منذ دخلت السيوف في أغمادها، ومنذ غفل المسلمون عن أسلحتهم وأمتعتهم، فانعكست آية القوة الماديَّة، وأصبحت في يد غيرهم، ولكن الإسلام، كما قال هرقل (عاهل الروم في عصر النبوة): "متى خالطت بشاشته القلوب لا يرتد أحد عنه ساخطًا"، أو كما قال بعض المؤرخين[1] في العصور الحديثة: "إنه لا تعرف حادثة واحدة ارتدَّ فيها مسلم عن دينه رِدَّة حقيقية، بعد أن دخل في الإسلام دخولاً حقيقيًا، بينما حوادث الخروج من الأديان الأخرى إلى الإسلام أكثر من أن تحصى".

نقول: إنَّ في سرعة انتشار الإسلام هكذا في عالم يبلغ خمس الكتلة البشرية على الأقل، وبين أمم مختلفة في ألسنتها وألوانها، ونزعاتها وطبيعة أرضها، وطبيعة جوها، وأسلوب حياتها...، وإنَّ في ثباته واستقراره هذا على الرغم من كل عوامل التدمير التي سلطت ولا تزال تسلط عليه في داخل أرضه وفي خارجها.

وإنَّ في قابليته لزيادة الانتشار على الدوام كلها رفعت الحواجز الصناعية من طريقه، وإنَّ في سرعة تقبل النفوس له كلما عرض عليها دون صراع ولا خداع؛ إنَّ في ذلك كله لتفنيدًا بليغًا لزعم من زعم أنَّ الإسلام خلق للصحراء، وللأمم التي لم تجاوز طور الطفولة البشرية، إنَّ في ذلك كله لآية بينة على مَبلغ ما في طبيعة الإسلام من إشباع لحاجات العقول والقلوب، وتوفية لمطالب الأفراد والجماعات، ومجاوبة للفطرة الإنسانية العميقة، التي لا تختلف باختلاف الأقطار والعصور، ولا باختلاف المظاهر وأساليب الحياة، بل إنَّ في ذلك كله لآية على أنَّ الذي فطر الإنسان هو الذي شرع له هذا الدين، وفصَّله على مقياس طبيعته، وأنَّ ذلك كان هو السرَّ الأول في بقائه وخلوده: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ". "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ".

ولقد اتسم الإسلام في غضون تاريخه بسمتين أخريين، كان لهما أكبر العون على استمراره واستقراره، ظاهرتان من أهمِّ مُقوِّمات الحضارة الحقيقيَّة، لم يسع المحققين من علماء أوروبا إلا الاعتراف بهما، والتنويه بشأنهما: ظاهرة داخلية، بين معتنقيه، وظاهرة خارجية، تجاه المخالفين له.

فأما الظاهرة التي أسبغها على أتباعه فيما بَينهم: فتلك هي ظاهرة الأخوَّة الروحيَّة، التي جعل منها ظاهرة اجتماعية، تسمو على كل الفوارق العنصرية، وتمحو كل الحواجز الإقليمية، وإن اختلفت إدارتها ورياستها العليا، فلقد أتى على الإسلام حين من الدهر في مدى القرنين الرابع والخامس من الهجرة (العاشر والحادي عشر الميلاديين) كان يتولى الخلافة فيها ثلاثة خلفاء في وقت واحد: خليفة عباسي في العراق، وخليفة أموي في الأندلس، وخليفة فاطمي في مصر، ومع ذلك كان المسلم الذي يتنقل في سفره من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، في امتداد يقطعه الراكب في عشرة أشهر على الأقل، لا يجد حيثما حل إلا إخوة في عقيدته، إخوة في عبادته، إخوة في شريعته، نظراء في أخلاقه وعوائده، أو كما يقول المؤرخ الألماني (منز) "Mez" في كتابه (نهضة الإسلام) "Die Renaisance des Islams" كان المسلم يشعر أنّه حيثما حل فهو في قلب وطنه.

وأما الظاهرة الخارجيَّة: فهي ظاهرة التسامح بإزاء الأديان الأخرى، لا بإزاء اليهودية والنصرانية فحسب، بل بإزاء المجوسية، التي عاملها الإسلام معاملة الأديان السماوية...، ولم يقتصر الأمر في هذا التسامح على أنَّه ترك أصحاب هذه الديانات المختلفة يتمتعون بحرية عقائدهم وعباداتهم ولغاتهم[2]؛ بل إنَّ الخلفاء خوَّلوا لكل رئيس ديني أن يقضي في شؤون طائفته الخاصَّة التي لا تصطدم ومصالح الدولة، أضف إلى هذا أنَّ عددًا كبيرًا منهم كان أداة فعالة في جهاز موظفي الدولة، حتى إنَّ منصب وزارة الحربية أسند إلى المسيحيين مرتين أثناء القرن الثالث الهجري.

ولقد حاول المؤرخ الألماني (كريمر) Kremer في كتابه (حضارة الشرق في عهد الخلفاء) Kulturgeschichte des Orientts unter den Chalifen  أن يحلل طبيعة هذا التسامح الإسلامي، ويتعرف أسبابه، فنفى نفيًا قاطعًا أن تكون له بواعث سياسية، وأن يكون هدفه في نظر أولي الأمر المسلمين هو تسكين قلوب الرعايا غير المسلمين حتى لا يثوروا على الحكم... قال كريمر: "كلا فإنَّ هذه الفضيلة لم تكن خاصة بالخلفاء والرؤساء وحدهم، بل كانت سارية في الشعب عامة، ثم إنَّها لم تقتصرْ على عصر المسلمين القُدامى فحسب، بل شملت سائر العصور"...، ويَنتهي المؤرخ من تحليله إلى هذه النتيجة: وهي أنَّ المسلم يفصل فصلاً تامًا بين العقيدة، التي يحترم حريتها عند الآخرين، وبين المصالح الدنيويَّة التي تعتمد الكفاية والأمانة والتي لا تميز بين دين ودين في سبيل التعاون[3].

ولن يفوتنا أن نعد من بين هؤلاء المؤرِّخين المنصفين الأستاذ الفرنسي (جوتييه Gautier) فقد خصَّص في كتابه (أخلاق المسلمين وعوائدهم Moraus et coutumes des musulmans): فقرات طويلة قارن فيها مقارنة رائعة بين هذا التسامح الديني عند المسلمين بخاصة والشرقيين بعامة، وبين ما عند المسيحيين الغربيين من عصبية عنيفة توارثوها خلفًا عن سلف، وعلى سبيل التمثيل لهذه الحميَّة الجاهلية يشير المؤلف إلى ما حدث في جنوب فرنسا على يد البارون (سيمون دي مونفور) الذي توجه بإذن البابا على رأس لفيف من البارونات الفرنسيين، ومعهم فرقة من الرهبان إلى مقاطعة (لانج دوك) لاستئصال الديانة المجوسية منها، فأغرقوا الإقليم كله في أنهار من الدم والنار، حتى أهلكوا من كان فيه من المجوس... ويستطرد المؤلف فيقول: إن هذا العنف لم يؤد إلى نتيجة حاسمة من وجهة نظر الكنيسة؛ فقد نبتت هذه الفرقة المارقة مرة أخرى في (بوهيميا) فحوربت وهزمت. ثم نبتت مرة ثالثة في شمال ألمانيا باسم (الإصلاح الديني: La Réforme) وقد حوربت في هذه المرة أيضًا بأساليب أشد عنفًا، ودامت المعارك من أجلها ثلاثين عامًا، ولكنها لم تفلح في إخضاعها... فلما استنفدت الحروب جهود الطرفين وأرادوا أن تضع الحرب أوزارها لم تطوّع لهم أنفسهم قبول فكرة التسامح الديني فيما بينهم، بل فضّلوا أن تقسم المسيحية قسمين متناكرين، ليس بينهما تعايش سلمي في دولة واحدة؛ بل لكل دولة دينها، بحيث لا يعيش في كل أمة إلا مذهب واحد... يقول المؤلف: فأين هذا مما نشاهده في داخل بلاد الإسلام قديمًا وحديثًا، حيث يحتضن الإسلام دائمًا بين جناحيه من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي طوائف من غير المسلمين، يهودًا ونصارى، ومجوسًا وطوائف من المسلمين المبتدعين، شيعة وخوارج وإباضية... ولم يفكر العرب ولا المسلمون يومًا ما، حتى في أشد أوقات حميتهم الدينية، أن يطفئوا بالدم دينًا منافسًا لدينهم، بل لم يفكر الخليفة يومًا ما في أن يضطهد مسيحيًا يعقوبيًا أو مجوسيًا مانويًا... إنه مهما تكن الأسباب والبواعث على هذا التسامح الديني عند المسلمين فإنها فضيلة تستحق كل إعجاب وتقدير... وإنه لمن الخطأ في القياس أن نقارن بين هذه الفضيلة عندهم وبين ما نسميه نحن أحيانًا بالتسامح الديني عندنا؛ فإن هذا التسامح المزعوم ليس له أدنى قيمة خلقية، بل ليس له وجود حقيقي؛ لأنَّه يقوم على أساس التحلل الديني وعدم المبالاة بشؤون العقيدة؛ فلكي نقبل وجود ديانة أخرى في بلادنا يجب أن تكون ديانتنا قد ماتت من قبل في نفوسنا. أما المسلم فإنه يتسامح مع اعتزازه بدينه، واستمساكه التام بعقيدته.

وكأننا بالأستاذ (جوتييه) حين أشاد بفضيلة التسامح الديني عند المسلمين، وجعلها قاعدة عامة عندهم، توقع ما قد يجول بذهن القارئ من اعتراض على هذه القاعدة العامة بالأمثلة المشاهدة في المستعمرات، حيث إن المسلمين في الجزائر وغيرها يمقتون المسيحيين جميعًا، فرنسيين كانوا أم إنجليز أم هولنديين أم غيرهم.

فتصدّى لدفع هذا الاعتراض قائلًا:" إنَّهم لا يمقتون فينا مسيحيتنا، وإنما يمقتون أوربيتنا؛ فإن أوربا منذ قرن أو يزيد أصبحت خطرًا يهدّد سلام الكرة الأرضية؛ فالأوربي عندهم رمز للتدخل الذي يجرح كبرياءهم، ويحطم استقلالهم، ويفسد أسلوب مَعِيشتهم. أما عقائدنا الدينيَّة وآراؤنا الفلسفية، المخالفة لعقائدهم وآرائهم، فإن أمرها كان يهون عليهم لو بقيت محصورة في دائرة الاختلاف النظري... ولقد صدق!

***

هذان هما العنصران الأساسيان في بناء الحضارة عند كل أمة رشيدة تطمح إلى البقاء والخلود: عنصر الوحدة الروحية والوطن المشترك بين أبنائها على اختلاف مَذَاهبهم وأقطارهم؛ وعنصر التسامح والتعايش السلمي مع جيرانهم المخالفين لهم في عقائدهم.

غير أن هذين العنصريين لابد لهما من عنصر ثالث يمازجهما ويكملهما، ويجبر ما قد يعتريهما من نقص؛ ذلك أن رحمة الأخوة كثيرًا ما ينفلت زمامها، فتصل إلى حد التراخي والتهاون والإغضاء عن الإثم والفوضى والفساد الداخلي؛ كما أن نزعة التسامح وحب السلام العالمي كثيرًا ما يختل ميزانها، فتنحدر إلى مستوى الضعف والاستسلام أمام العدو الخارجي...

لهذا وذاك جاء الإسلام منظمًا لكلتى النزعتين، محتفظًا بما فيهما من خير ونفع، نابذًا ما فيهما من شذوذ وانحراف...

يتلخص هذا التنظيم الإسلامي في أنه جهز أتباعه بجهازين: داخلي وخارجي؛ وجعل كل واحد منهما يتألف من عنصرين: أدبي ومادي.

فأما في الداخل فقد جهزهم معنويًا بجهاز الدعوة إلى الخير، والتناهي عن المنكر، والتناصح والتواصي بالحق؛ دعوة وتناصحًا لا يمتاز فيهما كبير عن صغير، ولا يقل فيهما مأمور عن أمير... ثم جهزهم ماديًا بجهاز العقوبات والتأديبات التي يوجب توقيعها على كل من لم تنفعه الموعظة الحسنة، بالغًا ما بلغ قدره وخطره، دون أن تأخذنا به رأفة في دين الله.

وأما في الخارج فقد زود أتباعه معنويَّا بمبادئ العزة والحمية وإباء الضيم؛ أشربها قلوبهم مع عقيدة التوحيد، حتى "إذا قيل لهم: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ". ثم جهزهم ماديًا بقانون الجهاد الذي جعله عليهم فريضة محكمة، يدافعون به عن كيانه وكيانهم، ويرهبون به عدو الله وعدوّهم.

وهكذا كان الإسلام في لينه بعيدًا عن الضعف؛ كما كان في حربه بعيدًا عن العنف، وبذلك تجافى عن طرفي التفريط والإفراط اللذين انتهى إليهما الأمر في كثير من الديانات؛ نعم لقد جاء الإسلام بريئًا من طابع الخور والاستكانة التي اتسمت بها بعض الديانات الوعظية التبشيرية، التي لا حول لها ولا قوة، ولا سلطان لها على نظام المجتمع؛ كما جاء بريئًا من طابع الغرور والكبرياء والعتو، الذي اصطبغت به بعض الديانات المحرفة، التي توحي إلى أتباعها أن من عداهم ليسوا من فصيلة البشر، وأن دماء غيرهم وأموالهم ليست لها حرمة ولا قدسية.

هكذا جاء وفي وقت واحدًا مبرءًا من العناصر الخامدة الخائرة، ومن العناصر الهادمة المدمرة، مزودًا بعناصر الصلاح والإصلاح، وأسباب البقاء والإبقاء، جامعًا بين القوة والنظام، والرحمة والسلام.

رابط الاطلاع على الدراسة

* المصدر: مجلة المجلة، ع: 4، 1 أبريل 1957م.

[1] ‏Porter: Discours Préliminaire sur la Religion des Mahométans.‏

[2] يقول المؤرخ متز: إن الأقباط لم ينسوا لغتهم القبطية إلا في القرن الثالث الهجري.

[3] نقول: أليست هذه هي وصية القرآن الكريم: [وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا]. [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ].

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار الكتب العلمية ببيروت عام 2007م، للدكتور هاشم يحيى الملاح، عضو المجمع العلمي وأستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب- جامعة الموصل.

وجاء في مقدمة الكتاب ما يلي:

 عـلى الـرغـم مـن العناية الكبيرة التي أولاهـا المؤرخون، والمحدثون والفقهاء لحياة الرسول محمـد (صلى الله عليه وسلم) وأعماله، لكنهم لم يعطوا من اهتمامهم وعنايتهم لنظام الحكم الإسلامي في الدولة التي أنشأها ما يتناسب مع الأهمية التاريخية والحضارية لهـذا النظام، وقد طغى على اهتمامهم ما أثارته مسألة الخلافة أو الإمامة من خلافات، فـراحوا يؤلفـون الـكـتـب عـن صـاحب الحق في الخلافة، وفي شروط توليها، وواجبات الخليفة، وبذلك أصبح نظـام الخلافة وكأنه المرادف الوحيد لنظام الحكم في الإسلام في الكتب التي عرفت باسم (الأحكام السلطانية).

أمـا نظام الحكم في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي استمد منه نظام الخلافة شرعيـتـه فقـد أصبح في الظل، ولم يعد موضع عناية كبيرة من قبل الفقهاء الأقدمين، ربما لأنه لا خلاف حوله بين المسلمين. ولكن ما طبيعة هذا النظام؟ وما مواصفاته ومعالمه؟ وكـيـف كـان يعمل؟ وما جوانب الشبه بينه وبين نظام الخلافة؟ إن معظم هذه المسائل قد أهملت ولم تلـق مـا تـستحقه من الدراسة والتمحيص. وقد كان من شأن دراسة هذه المباحث أن تسهم في حـل عدد من مسائل الخلاف التي كانت تدور حول نظام الخلافة، ويمنع حصول بعض الانحرافات.

وربمـا كـان مـن المفارقات التي تدعو للتأمل أن ينصرف المسلمون بأقصى طاقتهم إلى الكتابة والتأليف في مسائل الخلاف ويهملـوا الدراسة والتعمق في مسائل الوحدة والـوفاق. يقـول الشهرستاني: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان).

لقد كان حريًا بالباحثين المعاصرين أن يعملوا على تجاوز هذا النقص ويعملوا على ردم هذه الهوة في دراسة تطور نظام الحكم في الدولة الإسلامية، إلا أن استعراض ما بين أيدينا مـن دراسات في هذا المجال يدل على أن معظم عناية الباحثين قد انصرفت إلى دراسة نظام الخلافة الإسلامية من الناحية التاريخية أو الفقهية، وكذلك دراسة المبادئ العامة لنظام الحكم في الإسلام.

صحيح أن عددًا من الباحثين قد تطرقوا في دراستهم لنظام الحكم في عهـد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إلا أنهم قد قاموا بهذا العمل من أجل التمهيد لدراسـة نظـام الخلافة أو نظام الحكم في الإسلام ولم يصرفوا جلَّ عنايتهم لدراسة هذا النظام وإبراز معالمه وتفصيل أحكامه.

في ضوء مـا تقـدم فقـد وجـد المؤلف نفسه متحمسًا لتأليف كتاب شامل عن نظام الحكـم في عـهـد الرسـول (صلى الله عليه وسلم)، وفضَّل أن يجعـل عـنوانه: (حكومة الرسول) صلى الله عليه وسلم، وهو لم يستعمل كلمة حكومة بالمعنى اللغوي المعجمي الـذي يعنـي (القضاء والتحكيم)، وإنمـا استعملها بالمعنى الاصطلاحي الواسع المستخدم في القانون الدستوري، وهو يعني الهيئات العليا الحاكمة التي توجه سياستها، وذلـك مـن أجـل عـرض صـورة شاملة عن الدولة الإسلامية في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ونظام الحكم فيها.

وقـد اقتضى ذلك من المؤلف أن يخصص ستة فصول لمعالجة مفردات الكتاب في إطار شمولي ينطلق مـن نظرية الدولة كما هي معروفة في القانون الدستوري ومواءمة مباحثها مع معطيات التاريخ الإسلامي في عصر الرسالة والفقه السياسي الإسلامي.

وهكذا فقـد عـالج المؤلف في الفصل الأول ظهـور الإسلام في مكة ونشأة الدولة الإسلامية في المدينة، وعـرض في الفصل الثاني فـكـرة السيادة والسلطة في الدولة الإسلامية. أمـا الفصل الثالث فقد خصصه لدراسة السلطات الثلاث في هذه الدولة، وهي السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. وبحث المؤلف في الفصل الرابع العلاقة بين السلطات في الدولة الإسلامية في ضوء نظريات تركيز السلطات وفصلها في القانون الدستوري.

أما الفصل الخامس فقد خصص لدراسة حقوق المساواة والحرية كما عرفتها دولة الإسلام في عهـد الرسول (صلى الله عليه وسلم). وقد تولى الفصل الأخير عرض الملامح العامة لطبيعة حكومة الرسول (صلى الله عليه وسلم).

وبالنظر للخصوصية القانونية والتاريخية لموضوع الكتاب فقد حرص المؤلف على الالتزام بمنهج البحث التاريخي والقانوني المقارن، ورجع إلى المصادر الأصلية في جمع المادة العلمية للموضـوع وقام بدراستها وتحليلها في ضوء ما نشر من دراسات وبحوث حديثة في اللغة العربية والإنكليزية أو مـا تـرجم إليهما كما هو موضح في الهوامش وفي جريدة المصادر والمراجع. ولم يـدع المؤلف رأيًـا لمسلم أو مستشرق سواء أكان موافقًا لاجتهاده أم مخالفًا له إلا وعرض له بالتمحيص والمناقشة الموضوعية الهادئة.

وقـد سـعى المؤلف إلى التوفيق في دراسته لحكومة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بين المنهج التاريخـي الـذي يحاول أن يخـبرنـا عـمـا حصل في الماضي، وبين المنهج القانوني المقارن الـذي يستعين في فهـم الماضي بالمبادئ والنظريات المعتمدة في القانون الدستوري عـن الدولـة ونظـم الحكم فيها. إن مبرر الجمع بين هذين المنهجين أننا نكتب التاريخ لأحياء يعيشون في الحاضر ويفكرون على وفق همومه وتطلعاته، ويسعون من خلال دراستهم للماضي إلى أن يستخلـصـوا مـنـه الـدروس والعبر من أجل بناء الحاضر والتخطيط للمستقبل.

وقد اختتم المؤلف كتابه بفقرة ذات دلالة، حيث كتب يقول:

وأخيرا، فإنه إذا أوصلت هذه الدراسة الدستورية الموازنة القارئ إلى الاستنتاج بأن الدولة الإسلامية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن من حيث مؤسساتها بالمستوى نفسه من التطور الذي بلغته الدولة المعاصرة، فإن من المناسب أن يتذكر أن هذه الدولة قد نشأت منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا في بلاد كانت الحياة السياسية فيها قائمة على النظام القبلي.

 

 رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

نُشِر هذا البحث في الجزء الأول من كتاب (مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة والإسلاميّة)، وهو كتاب صدر عام 1985م عن (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم)، وننشره في موقعنا -مستقلا- للمرة الأولى.

وقد أبان د. محمد سليم العوا في مقدمة بحثه أن باعثه لكتابة هذا البحث هو عدم خلو كتاب من كتب المستشرقين، ولا بحث من بحوثهم، لغويًا كان أم تاريخيًا أم اقتصاديًا أم اجتماعيًا أم متصلًا بالقرآن الكريم أو السنة النبوية، من إشارة أو أكثر إلى مسألة أو أكثر من مسائل الفقه الإسلامي، تبين إنعام النظر موقفًا يتخذه الباحث أو الكاتب من النظام القانوني الإسلامي وأحكامه وقواعده وأصوله.

وقد رد العوا ذلك إلى شمول أحكام النظام القانوني الإسلامي وقواعده لكل ناحية من نواحي حياة المسلم، فالفقه من حيث هو تعبير عن نظام قانوني تغطي أحكامه وقواعده كل ما يعرض للمرء في حياته، بل وما يصيب ماله بعد وفاته، وما يجب له من أحكام قبل ولادته، فضلا عن أحكام العلاقة بين الفرد وربه، وهذا شأن غير معهود في النظم القانونية الوضعية فهذه لا تتدخل إلا حيث يكون النزاع بين طرفين واردًا ولا تنظم إلا العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات.

ومع ورود تلك الإشارات إلى أحكام فقهية في جل كتب المستشرقين وبحوثهم -أو كلها- فإن أقل هذه الكتب عددًا هو ما خصص لهذا الجانب من جوانب الحياة الإسلامية والفكر الإسلامي، وأكثر هذا القليل لا يتصل في منهجه ومقدماته ونتائجه بالجانب القانوني من الفكر الإسلامي إلا بقدر ضئيل، ومن بين القلة من المستشرقين الذين يعنون بالفقه الإسلامي الأستاذ نويل ج. كولسون، أستاذ القوانين الشرقية في جامعة لندن (مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية)، وله عدد غير قليل من المقالات والبحوث المنشورة في الدوريات القانونية البريطانية والأمريكية وغيرها، لعل أهمها دراسته عن الفرد والدولة:

The State and The Individual in Islamic Law (International and Comparative: Law Quarterly, Jan. 1957)

ودراسته عن النظرية والتطبيق في القانون الإسلامي:

Doctrine and Practice in Islamic Law, BSOAS 18/2 (1956)

كما أوضح د. العوا أن السمة المميزة لدراسات الأستاذ كولسون، التي دعته إلى اختيار الكتابة عنه في بحوث هذا المجلد المخصص لدراسة مناهج المستشرقين هو أن نقطة البدء عنده في دراسة الفقه الإسلامي تخالف نقطة البدء عند الجيل السابق من أساطين الاستشراق واساتذته. حيث ينطلق من افتراض مغاير تمامًا لسابقيه من المستشرقين مؤداه أن النظام القانوني الإسلامي حتي متفاعل، مطبق في المجتمعات الإسلامية وقائم في ضمائر أفرادها، وينبغي أن يعتمد عليه في تشكيل النظم القانونية في البلاد الإسلامية لتأتي هذه النظم معبرة عن روح البلاد التي تطبق فيها. ويترتب على هذا الاختلاف في الفرض الأساسي الذي تقوم عليه دراسات كولسون، ما لا يحصى من مواطن الخلاف بينه وبين غيره من المستشرقين الذين يدرسون القانون أو الفقه الإسلامي. وهذا الموقف وحده هو الذي يجعل منهج الأستاذ كولسون أجدر المناهج بالبحث والدراسة عند إرادة النظر في مناهج المستشرقين في الدراسات القانونية الإسلامية.

وإذا كان بعض العلماء المستشرقين يدرسون الفقه الإسلامي والنظام القانوني الإسلامي كما يدرس القانون الروماني: أي باعتباره كان في يوم من الأيام نظامًا قانونيًا عريقًا، فإن الأستاذ كولسون يدرس الفقه الإسلامي باعتباره نظامًا قانونيًا حيًا كسائر النظم القانونية الحية الأخرى، وليست مهمة البحث التاريخي عند كولسون أكثر من محاولة اكتشاف الأسس التاريخية التي ترسم الطريق لتطبيق قواعد هذا التشريع في الواقع. وإذا كان كولسون قد اختار دراسة التشريع الإسلامي بمنظار قانوني، فإنه يقرر أن الوقت قد حان لدراسة الشريعة على مستوى متخصص في الاقتصاد والاجتماع والسياسة لتتعاون هذه الدراسات المتخصصة فيما بينها على رسم صورة أدق الأحكام هذه الشريعة.

كما أشار د. العوا إلي أن ذلك الثناء والتقدير لمنهج الأستاذ كولسون لا يعني الاتفاق معه في النتائج التي يتوصل إليها في بحوثه ودراساته للقانون الإسلامي، بل لعل مواضع الخلاف في جزئيات نتائجه أكثر من مواضع الاتفاق معه. وإنما المقصود بالتقدير منهجه في البحث، ومدى اتفاق هذا المنهج أو عدم اتفاقه مع ما يراه الباحث المسلم منهجا سليما لدراسة قانونه وشريعته وفقهه، ثم تأتي جزئيات النتائج ومسائل الفروع ليستفاد منها -إذا احتيج إليها- في تبين مدى التزام المنهج المعلن في البحث، ومدى استقامة الأحكام التي يتوصل إليها الباحث مع مقدماتها.

واكتفي د. العوا بالنظر في كتابي الأستاذ كولسون: (A History of Islamic Law، Conflicts and Tensions in Islamic Jurisprudence) حيث اعتبرهما يحملان تعبيرًا واضحًا عن منهجه في النظر إلى القانون الإسلامي ويتضمنان نظراته التي يجدر الوقوف عندها لما تمثله من اتجاه جديد في الاهتمام بقضايا الفقه الإسلامي.

وقد اختتم د. العوا دراسته بالتعليق على مسألة أخيرة أثارها الأستاذ كولسون في كتابه الآخر: Conflicts and Tensions in Islamic Jurispundence، تلك هي الخاصة بمدى استمرار العمل بالنظم الجنائية الإسلامية، وصلاحيتها للتطبيق في ظروف التطور الحالية للمجتمعات الإسلامية، وقد أشار إلى هذا الأمر إشارة عابرة في كتابه عن تاريخ التشريع الإسلامي. ولفت الانتباه إلى أن تطبيق النظام الجنائي الإسلامي قد عاد إلى كثير من البلاد الإسلامية بأسرع مما كان يتصور أكثر الناس تفاؤلا. فبالإضافة إلى المملكة العربية السعودية التي لم ينقطع فيها تطبيق المذهب الحنبلي باعتباره القانون المعمول به في المجالات كافة منذ نشأة الدولة السعودية حتى الآن، تضم قائمة الدول التي تطبق النظام الجنائي الإسلامي كليًا أو جزئيًا الآن كلًا من: ليبيا والسودان وباكستان وإيران والامارات العربية المتحدة، ففي كل هذه البلاد يطبق جانب أو أكثر من جوانب النظام الجنائي الإسلامي، وفي كل من مصر والكويت دراسات جادة لمشروعات قوانين أعدت بالفعل لتطبيق التشريع الجنائي الإسلامي في إطار عودة تزداد المطالبة بها يومًا بعد يوم، إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بوجه عام. ولعل هذا الواقع الجديد الذي يعيشه العالم الإسلامي، يدعو الأستاذ كولسون وغيره من الباحثين في النظام القانوني الإسلامي إلى إعادة النظر في آرائهم حول مدى إحساس المسلمين -في ظل التطور الذي تشهده مجتمعاتهم- بصلاحية التشريع الإسلامي للتطبيق.

رابط تحميل الدراسة

نُشِر هذا البحث في الجزء الثاني من كتاب (مناهج المستشرقين في الدراسات العربيّة والإسلاميّة)، وهو كتاب صدر عام 1985م عن (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم).

   أبان د. طه بدوي في مقدمة بحثه عن باعثه لكتابة هذا البحث حين أوضح  أنه جاء ردًا على ما كتبه المستشرق الإنجليزي "توماس آرنولد" في كتابه "The Caliphate" (الخلافة الإسلامية) والذي كتبه آرنولد  بشأن النظرية السياسية في الإسلام.

   وقد أراد د.طه بدوي في منهج بحثه أن يسلك سبيلًا يلزم فيه نفسه - على حد قوله- بالموضوعيّة، فجاء بحثه من حيث المنهج معتمدًا كلًا من التحليل الموضوعيّ، والمنهج المقارن الذي سعى فيه "إمعانًا في الموضوعية" إلى الاحتكام إلى المعايير التي يدعي الغربيون أنفسهم أنها دعائم نظمهم.

 وقد جاءت خطة البحث مبنيّة على شقّين: شق تقويميٌّ أو تقييميٌّ للموجود، وشق بنائيّ أو تأسيسيّ للمأمول.

  ففي نظره تأتي النظم السياسية بقواعدها التي ترتكز على فلسفات معينة لحل "المشكلة السياسية"، فتقييم أي نظام سياسي ما يتمثل في قدرته على تقديم حلول فعالة "للمشكلة السياسيّة"، ومن هنا يكون الشق الأول شق تقويمي للدعائم التي ترتكز عليها النظم السياسية الغربية المعاصرة بنسقها، وإلى أي مدى أفلح هذا النسق في تحقيق الحل الأمثل للمشكلة السياسية.

  وجاء الشق الثاني ليبني "نموذجًا إسلاميًا" لما يجب أن تكون عليه النظرية السياسية الإسلامية انطلاقًا من المنبع الأساسي في الإسلام: القرآن والسنة مُخرِجًا "واقع التاريخ السياسي للمجتمعات الإسلامية" من مصادر المعرفة التي يستنبط منها فروض ومفاهيم "النموذج الإسلامي" معللًا ذلك بأن تاريخ الواقع السياسي للمجتمعات الإسلامية كانت في أغلب أحوالها مبنية على مقتضى مصالح السلاطين وإن خالفت القيم الإسلامية.

   اختتم أ. د. طه بدوي بحثه بقوله:

   "وفى ختام هذا البحث نقدم فيما يلي تصورنا لما يجب أن تكون عليه علاقات المجتمع السياسية حتى تكون جديرة بالانتساب إلى الإسلام أو في معنى آخر نموذجًا نظريًا للنظام السياسى الإسلامي نستطيع الاسترشاد به في الحكم على مدى إسلامية نظام سياسى ما.

  إن وصف نظام سياسي ما بأنه إسلامي معناه أن علاقات الأمر والطاعة فى المجتمع تجري على مقتضى ما جاء في الكتاب والسنة من قيم سياسية ومن أحكام قانونية فى شأن تلك العلاقات، وهذا مؤداه أن نموذجًا نظريًا للعلاقات السياسية فى المجتمع الإسلامي يتعين أن يقوم على مجموعة من‏ مفاهيم متسقة فيما بينها، مستنبطة من تلك القيم والأحكام كما وردت في الكتاب والسنة، فلو أننا حاولنا تصوير مثل هذا النموذج على هذا النحو فاستنبطنا مفاهيمه من تلك الآيات والأحاديث (المتفق عليها) والتي أوردناها آنفًا والتي تقضي بالتزام رعايا السلطة بالطاعة من حيث هى فضيلة سياسية إسلامية بذاتها، ومن تلك التي تعلق هذه الطاعة على مراعاة السلطة للنظام القانوني الإسلامي بقيمه وأحكامه وعلى قدم المساواة مع  مع المحكومين، ثم من تلك التي تشرع مقاومة جور السلطة بل وتجعل منها واجبًا إسلاميًا بالتفصيل المتقدم،

لو أننا استنبطنا من تلك المقدمات الإسلامية الصرفة مجموعة من مفاهيم بشأن العلاقات السياسية للمجتمع،‏ ثم أودعنا هذه المفاهيم جميعًا في بناء متسق، لكانت هذه المفاهم جديرة بأن توصف بأنها مفاهيم سياسية إسلامية، وكان ذلك البناء الذهنى جديرًا هو الآخر بهذا الوصف، أي بوصفه بأنه نموذجٌ نظري للعلاقات السياسية فى المجتمع الإسلامي، أو لما يجب أن تكون عليه العلاقات السياسية حتى تعتبر إسلامية. لوأننا فعلنا ذلك كله لانتهينا إلى تصوير هذا النموذج للعلاقات السياسية داخل المجتمع الإسلامي مرتكزًا على «مفهوم سياسي أساسي» هو ما نستطيع تسميته « بالتدرج في الالتزام السياسي»، وهو تدرج نستطيع تمثله على النحو التالي:

إن على رأس سلم التدرج فى الالتزام السياسي على خريطة ذلك النموذج الإسلامي يقع النظام القانوني الإسلامي « بقيمه» «وأحكامه» أى من غير تمييز بين قيمه السياسية وأحكامه القانونية» والالترام به عام فى معنى أنه شامل لمواطني الدولة الإسلامية دون ما تمييز بين حاكميها ومحكوميها (إذ الأصل في الإسلام أنه لا حكم إلا لله). فالحاكمون ملتزمون بالامتثال لحكم القانون الإسلامي و لقيمه السياسية في علاقاتهم الخاصة وفي ممارستهم لوظيفة الحكم، وفي الخروج على ذلك «جور» ولهذا الجور مفهوم إسلامي له موقعه على ذلك النموذج الإسلامي للعلاقات السياسية، والمحكومون كذلك ملتزمون بتلك الأحكام والقيم فى علاقاتهم الخاصة وفي علاقاتهم السياسية، أي كأطراف فى علاقة الأمر والطاعة فهم مكلفون بطاعة السلطة بوصف هذه الطاعة قيمة سياسية إسلامية بذاتها، بيد أنهم مكلفون في نفس الوقت بواجب سياسي هو واجب مقاومة الجور أي جور الحاكم تبعًا لخروجه على التزامه بأحكام النظام الإسلامي وبقيمه السياسية، ولمقاومة الجور هذه مفهومها الإسلامي الذي يتخذ له هو الآخر مكانًا على النموذج السياسي الإسلامي للعلاقات السياسية، ثم يلي ذلك فى سلم التدرج فى الالتزام السياسي بمفهومه الإسلامي انقسام رعايا النظام القانوني الإسلامي الشركاء في ذلك الالتزام السياسي العام إلى فريقين؛ حاكمين ومحكومين بتدرج سياسي فيما بينهما قوامه التزام المحكومين بأوامر سلطة الأمر ثم التزام الحاكمين بالنظام القانوني الإسلامي دون ما تمييز بين أحكامه وقيمه بصدد مضمون أوامرهم، وكل ذلك فى إطار المفهوم الإسلامي للشرعية فى مضمونها وجزائها بالتفصيل المتقدم.

 وهكذا يبدو النموذج السياسي الإسلامي على هيئة بناء ذهني من مجموعة متسقة من مفاهيم سياسية على رأسها مفهوم التدرج فى الالتزام السياسي ثم مجموعة من مفاهيم سياسية أخرى، وهي جميعها إسلامية تبعًا لكون مضونها مستنبط من الكتاب والسنة كمفهوم الطاعة من حيث هى فضيلة سياسية، ومفهوم «الجور» فى مدلوله الإسلامي، ومفهوم المقاومة من حيث هي واجب إسلامى، ومفهومها من حيث هى ضمانة لعدم التدلي إلى الجور. ومثل هذا النموذج السياسي الإسلامي الخالص جدير حقًا بأن يسترشد به فى الحكم على مدى إسلامية أي نظام سياسي.

 إن كل نظام يقيم علاقات مجتمعه السياسية على ذلك النحو من التدرج فى الالتزام السياسي بمفاهيمه الإسلامية السياسية المتقدمة هو جدير وحده بانتسابه للإسلام. ولعل في ذلك فصل الختام في الرد على ما قدمه "آرنولد" بصدد النظرية السياسية للخلافة الإسلامية.

والله يتم نوره ويغفر لي عجزي والسلام.

        محمد طه بدوي

الإسكندرية في 26 سبتمبر 1982م

               الموافق 9 ذو الحجة 1402 ه

رابط تحميل ملف الدراسة

نُشرت هذه الدراسة في مجلة رواق عربي التي تصدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ضمن العدد 45 عام 2007م، للقس رفعت فكري السعيد (راعي الكنيسة الإنجيلية بأرض شريف- شبرا مصر).

وقدم الكاتب لهذه الدراسة بخلفية تاريخية موجزة، جاء فيها ما يلي:

 خلت الوثائق الدستورية التي عرفتها مصر في بداية إطلالها على التنظيم الدستوري من أية إشارة إلى دين الدولة أو إلى الشرائع الدينية كمصدر للتشريع، وهو ما يبدو واضحًا في لائحة تأسيس مجلس شورى النواب سنة 1866م، والأمر العالي للائحة مجلس النواب الصادر في فبراير سنة ١٨٨٢م، والقانون النظامي المصري الصادر في مايو ١٨٨٣م، والقانون النظامي رقم ٢٩ لسنة ١٩١٣ المختص بالجمعية التشريعية المصرية.

والواقع أن النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة لم تعرفه الدساتير والوثائق القانونية في مصر إلا مع صدور دستور ١٩٢۳م؛ إذ نص في المادة (١٤٩) منه على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ثم تبنت الدساتير اللاحقة هذا النص فورد بعباراته في المادة (۱۳۸) من دستور 1930م، والمادة الثالثة من دستور 1956م، وإن كان قد جرى إغفاله في دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعام 1958م، وفي الإعلان الدستوري الصادر في سبتمبر ١٩٦٢م، ثم عاد مرة ثانية في المادة الخامسة من دستور ١٩٦٤م، إلا أن دستور ١٩٧١م خطا خطوة أكثر إيغالاً في الربط بين القانون والدين؛ لأن السادات عقب تسلمه السلطة كان يتودد ويتقرب للجماعات الإسلامية التي اغتالته في حادث المنصة الشهير في أكتوبر من عام ١٩٨١م، وكان يبحث عن شرعية جديدة تميز نظامه عن نظام يوليو ١٩٥٢م، وتمثلت هذه الشرعية في إكساب الدولة طابعًا دينيًا فيما عرف وقتئذ بدولة العلم والإيمان وفيما لقب به الرئيس المؤمن.

لم تكتف المادة الثانية من الدستور بأن الإسلام دين الدولة كما كان الحال في الدساتير السابقة، بل اعتبرت الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسًا للتشريع، وفي حقيقة الأمر كانت هذه أول مرة في التاريخ القانوني المصري الحديث يكتسب الربط بين النظام القانوني والشريعة طابعًا دستوريًا منذ العدول عن اعتبار فقه الشريعة هو النظام القانوني الحاكم والأخذ بنظام التقنيات الحديثة سنة 1883م بعد أن أُدخلت هذه المادة إلى الدستور المصري لأول مرة في دستور ١٩٧١م، وعُدلت في 22/5/١٩٨٠م لتصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع بدلاً من كونها مجرد مصدر رئيس دون أداة التعريف، وجرى مع هذا التعديل في سلة واحدة تعديل آخر للمادة 77 من الدستور بإطلاق مدد ولاية رئيس الجمهورية دون حد أقصى بعد أن كانت مدتين على الأكثر، أي ١٢ عامًا.

كان الرئيس السادات قد قارب هذا الحد الأقصى (۱۱ عامًا)، أي أن المادة الثانية بنصها الحالي هي بمثابة صفقة أو رشوة تبادلية لتمرير مواد أخرى تخدم أغراض الحكام وليس مقاصد الشريعة، وهكذا صوت المصريون وقتئذ بالموافقة على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع مثلما صوتوا بالموافقة على أن يكون رئيسهم رئيسًا إلى الأبد.

وهذا النص الدستوري يحتاج منا إلى إعادة قراءة بروح متأنية وبمزيد من التعقل لخير الأجيال المقبلة من أبناء هذا الوطن، فمصر دولة متعددة الديانات والمذاهب والأعراق، فالعرق اليافثي - نسبة إلى يافث ابن نوح – موجود منذ فجر التاريخ، وكذلك العرق السامي - نسبة إلى سام ابن نوح - الذي جاء مع القادمين من بلاد العرب وقت دخول الإسلام، كما أن مصر تنتمي أساسًا إلى «مصرايم» بن حام بن نوح، وهكذا فأصل المصريين جميعًا يرجع إلى هذا العرق «الحامي».

وأما من ناحية الديانات فإن الديانات الثلاث الرئيسة قد احتضنت بعضها بعضًا وتعانقت على أرض الكنانة، بعد أن أفسحت الديانات الفرعونية القديمة المكان لها، وظلت الثقافات المنبعثة عن هذه الديانات متألقة، الأمر الذي يشاهد اليوم في عادات المصريين، والتي منها ما هو فرعوني الأصل، ومنها ما هو مسيحي، ومنها ما هو إسلامي الطبع، فقد عاشت الحضارة القبطية لما يزيد عن ألف ومائتي عام بعد دخول المسيحية كحضارة مصر الرئيسة، ثم ما لبثت أن امتزجت مع حضارة الإسلام، ومنذ القرن السادس الميلادي حتى اليوم.

أما عن المذاهب، ففي المسيحية يوجد اليوم الإنجيليون (بمذاهبهم المتعددة) والكاثوليك والأرثوذكس، وسجل التاريخ وجودًا للإسلام الشيعي على أرض مصر في عهد الدولة الفاطمية (التي أنشأت أصلاً الجامع الأزهر معقل الإسلام السني اليوم)، ثم الإسلام السني.

وفي القطب السني ذاته لا غضاضة أن تكون حنبليًا أو مالكيًا أو شافعيًا أو حنيفيًا، فكل من هذه المذاهب المتعددة تصب في نفس الرافد، رافد الإسلام السني، مما يعني أن الساحة الوحيدة التي لا يمكن مراقبتها أو الحجر عليها هي ساحة الفكر والدين والضمير، إذ إنها ساحة مطلقة السراح، كما أن توحيد ساحة الفكر والدين لو استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ليس حلاً فلا يزال المؤرخون حتى اليوم لا يعرفون هل كان انضمام الإمبراطور قسطنطين للمسيحية وتوحيد الإمبراطورية كلها في هذا الاتجاه لعنة أم بركة!!

وحينما قرر الفرعون «أخناتون» توحيد العبادة المصرية وإغلاق كل معبد مخالف لمذهبه وتكفير كل الديانات المغايرة تمزقت إمبراطورتيه في حياته وانكمشت مصر داخل حدودها الإقليمية!!، وحين انتهى زمن الاجتهاد بعد الخليفة العباسي «المتوكل» وسيطر الدين الواحد والقطب الواحد (الإسلام السني) سجل التاريخ تراجعًا للحضارة العربية لصالح الأتراك والألبان وغيرهم، ودخلنا نفق التخلف المظلم خلال العصور الوسطى!! هذه الأمثلة غيض من فيض، إذن التعدد بركة، ولا يجوز نصرة دين أو ثقافة بالقوة على دين آخر، فكم بالأحرى حينما يكون ذلك دستوريًا وقانونيًا؟!!).

رابط مباشر لتحميل الدراسة

منذ أن رفعت دولة جنوب أفريقيا دعواها إلى محكمة العدل الدولية التي تتهم فيها الكيان الصهيوني بشن حرب إبادة جماعية في غزة، انهالت الكتابات والتعليقات التي تتناول هذا الأمر؛ إما بالتهوين من تلك الدعوى والآثار المتوقعة لها، أو بالتعامل معها وكأن تحرير غزة وفلسطين كلها من الاحتلال الصهيوني بات يتوقف على القرار الذي سيصدر من محكمة العدل الدولية في هذا الشأن!

والواقع أن لكل اتجاه من اتجاهي التهوين والتهويل مبرراته القوية؛ فالجانب الذي يستخف باللجوء إلى محكمة العدل الدولية يستند إلى أنه حتى لو أدانت المحكمة الصهاينة بشن حرب إبادة جماعية على فلسطين، فإنها ستحيل الأمر إلى مجلس الأمن الدولي ليتخذ قراره الرامي إلى وقف هذه الحرب على الفور، وهو القرار الذي من المستحيل صدوره في ظل وجود «حق الفيتو» كما هو معلوم!

أما الاتجاه الذي يهول من رفع الدعوى ضد الصهاينة، فإنه يتحدث عن المسألة وكأن المحكمة ستحرر فلسطين، باعتبار أن حكمها المنتظر سيفضح الصهاينة ويكشف «نازيتهم»، ولن يعوق هذا الأمر (حق الفيتو) باعتبار أن التأثير الأدبي للحكم سيكون قوياً إلى الحد الذي سيسحب البساط من تحت أقدام الدول الكبرى الداعمة للصهيونية ويؤثر عليها بالسلب أمام الرأي العام العالمي، كما أنه سيمثل غطاء يعضد إمكانية ملاحقة المجرمين الصهاينة ومحرضيهم وداعميهم جنائياً.

القانون الدولي يعاني أزمة معقدة تحدّ من آمال تحقيق العدالة على المستوى العالمي

ولسنا الآن في مقام مناقشة حجج كل من الاتجاهين، إذ نسعى عبر هذا المقال إلى فقه الواقع كما هو حتى نستطيع التعامل معه وفق معطياته الفعلية، دون التحليق في الخيال أو التشبث بالأوهام، وكذلك دون أن نضيع فرصاً قد تكون سانحة يمكن أن نستثمرها في نصرة قضيتنا الأهم، وهي القضية الفلسطينية.

حقائق مهمة

فهناك عدد من الحقائق المهمة التي ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار عند تناول هذه المسألة لوضعها في إطارها المطابق للواقع، حتى يكون وعينا لها مناسباً، وتعاملنا معها فعالاً، ومنها:

الحقيقة الأولى تتمثل في أن القانون الدولي المعاصر (وكذلك النظام الدولي) يعاني من أزمة معقدة ومركبة، تهدد حتى وصفه بالقانون، أو على الأقل تحدّ من الآمال المعولة عليه لتحقيق العدالة على المستوى العالمي؛ إذ ينقص هذا القانون عادة عنصر الإلزام الذي يتوجب أن يتوافر في قاعدة ما، لاعتبارها قاعدة قانونية مجردة، كما ينقصه عنصر الجزاء، الذي يتطلب وجود سلطة أعلى من سلطة الدول لتوقعه.

وأستند في هذا إلى ما سبق أن قرره الفيلسوف والفقيه القانوني الإنجليزي جون أستون (1790 – 1859م) من اشتراطه في القانون وجود سلطة سيادية تصدر الأوامر وتملك القدرة على إنزال العقاب على من يخالفها، ومن ثم إلى نفيه وجود تلك السلطة السيادية في «القانون الدولي»، وذهابه إلى أن قواعده مجرد مجموعة قواعد أخلاقية.

وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت إلى نظرية أوستن تلك -وما زالت توجه إليها- بزعم أن هناك بالفعل سلطات تعلو فوق سلطة الدول، مثل الأمم المتحدة وأجهزتها الستة، وعلى رأسها مجلس الأمن وجهازها القضائي المتمثل في محكمة العدل الدولية، فإن الواقع ينطق بغير ذلك؛ حيث إن الأمم المتحدة تعتمد في إنفاذ أهم قراراتها، وهي القرارات المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين، على توافر الإرادة السياسية للدول الخمس الأقوى في العالم مجتمعة، وهي أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، وعلى توازن القوى فيما بينها، فإذا اعترضت دولة منها على الأقل فإن من شأن هذا الاعتراض أن يعرقل إصدار القرار المعترض عليه، ولو كان هذا القرار مستنداً إلى حكم لمحكمة العدل الدولية!

دعوى دولة جنوب أفريقيا خطوة بالغة الأهمية من شأنها فضح الصهاينة وداعميهم

وحتى إذا اعتبرنا إرادات هذه الدول الخمس تعلو إرادات ما دونها من دول العالم، ومن ثم تكمل النقص الذي يعتري القانون الدولي، فإن هذه «الدول السيادية» ستماثل بذلك -في حقيقة الأمر- «الجهات السيادية» المهيمنة في الدولة السلطوية (الدكتاتورية)، فهي المشرع والقاضي والمنفذ في الوقت نفسه، ومن ثم لا يسوغ أبداً اعتبارها «دولة قانون»، بل «دولة قانون الغاب»، وذلك هو وضع القانون والتنظيم الدوليين الآن للأسف الشديد!

وآية ذلك، أن الأصل في المنظور الغربي أن العلاقات الدولية -والفردية والمجتمعية- هو الصراع، وأن البقاء ليس للأصلح بل للأقوى، وهو ما انعكس على طبيعة منتوجات الفكر الغربي، ومن ضمنها القانون الدولي بصفة عامة ومواثيق المنظمات الدولية بصفة خاصة، عدا بعض الثغرات التي قد ينفذ منها المستضعفون عسى أن يتخللوا النظام الدولي في محاولة لتقويم عوجه، وتوجيهه نحو نصرة المستضعفين.

منتوجات السياسة الغربية

الحقيقة الثانية: أن الكيان الصهيوني نفسه هو أحد منتوجات الفكر والسياسة الغربيين كذلك، حيث بدأ التفكير في إنشاء هذا الكيان منذ صدور الوعد البريطاني بإنشائه («وعد بلفور» في عام 1917م)، وصولاً لإعلانه فعلاً في عام 1948م برعاية غربية (بريطانية أمريكية فرنسية روسية..)، بعدما قررت أمريكا أن تحل محل البريطانيين والفرنسيين في احتلالهما العسكري المباشر لدول العالم الإسلامي وغيرها من الدول النامية، باحتلال يحمل صيغة جديدة تقوم على التحكم عن بُعد، مع إبقاء قوة عسكرية على أرض فلسطين تستخدمها أمريكا -وحلفاؤها- للترغيب والترهيب والتفتيت، لنكتشف بذلك أن المتحكم في سن قواعد القانون الدولي المعاصر وفي تطبيقه هو نفسه المؤسس للكيان الصهيوني والداعم له!

الحقيقة الثالثة: أن الدولة التي أدركت هذا الواقع -المظلم- بالفعل هي دولة جنوب أفريقيا (الحرة المستقلة)، استندت إلى «اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها»، ورفعت دعوى أمام محكمة العدل الدولية لوقف حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الكيان الصهيوني ضد غزة، مع طلب التعجيل بإصدار «تدابير مؤقتة»، وفق ما تقرره المادة (41) من النظام الأساسي للمحكمة، للحفاظ على الحقوق الخاصة بالفلسطينيين، ووقف تلك الحرب، وهي خطوة بالغة الأهمية، من شأنها فضح الصهاينة وداعميهم من الدول الغربية، لا سيما إذا قررت المحكمة فرض تدابير مؤقتة تمنع استمرار تلك الحرب إلى حين البت النهائي في القضية.

الحقيقة الرابعة: أن هذه الخطوة الشجاعة من دولة جنوب أفريقيا وإن كانت تمثل دعماً قانونياً وقضائياً وسياسياً وأدبياً وإعلامياً للفلسطينيين، إلا أنها لن تحرر فلسطين، بل سيحررها أبناؤها، الذين شرعوا بالفعل في حربهم لتحرير وطنهم في السابع من أكتوبر الماضي، إدراكاً منهم بعد تراكم خبراتهم مع الاحتلال، أن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقلال.

ومن حسن الحظ أن تدابير محكمة العدل الدولية وقرارها المنتظر سيؤكد شرعية ذلك الخيار المقاوم والمشروع وفق قواعد القانون الدولي نفسه، حتى بحالته المهترئة تلك، وحتى لو تم استخدام «الفيتو» ضد القرار.

___________________ 

د. حازم على ماهر، التعويل على محكمة العدل الدولية.. بين التهوين والتهويل!، مجلة المجتمع، 18 يناير 2024، https://2u.pw/MejZcje

حوار أجراه موقع الجزيرة نت مع د. وائل حلاق

قال المفكر العربي البارز البروفيسور وائل حلاق إن إسرائيل والولايات المتحدة والأوروبيين وغيرهم لا يستطيعون أن يلجموا عنفهم ضد الآخرين كما رأينا في حرب فيتنام وأفغانستان والعراق وغزة، وليس في منطق عدوانيتهم سوى الاستغلال المادي والهيمنة والميل إلى التدمير. وأضاف أن الأحداث التي بدأت بطوفان الأقصى توضح تجليات الأزمة الأخلاقية في الحداثة المتأخرة، وأن "الأحداث التي شهدناها في القرون الثلاثة الأخيرة تمثل الدليل الكامل على أن الحداثة الغربية منافقة وعنصرية حتى النخاع".

وأوضح أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية، أن تحليل أفعال طرفي الصراع في قطاع غزة، إسرائيل وأميركا والغرب من جهة، والفلسطينيين وحركة حماس من جهة أخرى، ليس بالأمر الشديد الصعوبة، بل الأصعب هو إدراك بنية الصراع المعرفية، "فحين نفهم هذه البنية، يمكن أن نحلل تداعياتها".

وذكر المفكر الفلسطيني، في حوار خاص له مع موقع الجزيرة نت، أن تعاطف الغربيين مع الفلسطينيين نابع من أمرين، الأول هو أن الفلسطينيين ضحية للمخططات الاستعمارية منذ عام 1917 مع وعد بلفور، والآن مع اعتداءات إسرائيل الشرسة على المدنيين الأبرياء الفلسطينيين، والأمر الثاني هو أن حركة حماس أقرب إلى كونها ضحية من كونها جانية، رغم "أكاذيب إسرائيل اللامتناهية، والتافهة في الوقت نفسه"، كما أن "حماس كانت، كما يحب الغرب نفسه أن يقول، أكثر "تحضرًا" من الهجمات البربرية التي قامت بها إسرائيل".

وبيّن صاحب كتاب "إصلاح الحداثة" أن الصراع بين حماس وإسرائيل يعود في عمقه إلى اختلاف نظرة الطرفين للطبيعة والحياة، إذ إن الفلسطينيين وحماس ينطلقون من "مسؤولية أخلاقية تقتضي استخدام العالم وإدارته باعتباره ملكوت الله، لا باعتباره ملكا للبشر، فسيستخدمونه ويديرونه بشكل مقيد وبمسؤولية (..) حتى عندما يهاجمك بعض البشر ويريدون قتلك، فستستمر في النظر إليهم على أنهم لا يساوونك في قيمتهم الجوهرية فحسب، بل تكون أنت مسؤولا عنهم وعن إصلاحهم أخلاقيًا".

في المقابل -يقول حلاق- تتصرف إسرائيل والغرب وفق منطق أنه ليس وراء الكون أو الطبيعة مسبب، فتكون النتيجة المنطقية أنه "لا قيمة لنا نحن البشر في أنفسنا إلا إذا أعطانا إياها أحدهم. وبما أنه لا يمكن أن يكون هذا الشخص إلها، فإن إنسانًا يعطي هذه القيمة إنسانًا آخر، استنادا إلى الذي يكون القرار بيده. وقوة القرار دائما ما تكون قوة بطشية، وهي قوة السيف: فقرار الضعيف في يد القوي، أي أن الأقوى بطشًا هو صاحب القرار".

 

فإلى نص الحوار:

كيف يمكن قراءة عملية طوفان الأقصى في مسار الفكر الإسلامي والإنساني المعاصر؟

دعني أختصر المسألة وأعطيك جوابا مباشرًا: تمثل الأحداث التي بدأت بطوفان الأقصى وبلغت ذروتها مع الهجمات الإجرامية لإسرائيل على غزة، ثم مع جلسات استماع محكمة العدل الدولية في الحادي عشر من شهر يناير/كانون الثاني الجاري، تمثل أوضح تجليات الأزمة الأخلاقية في الحداثة المتأخرة. إذ تكون أعمال الجهات المختلفة تراكم التصادم البنائي بين القوى اللاأخلاقية والمعادية للأخلاق من جهة، وتلك التي تبقى ملتزمة بمبادئ السلوك الأخلاقي. فينبغي أن نسأل: ما هو هذا التصادم، وبين أي قوى يقع؟

هنا، يجب أن نفهم أن القوتين المتنافستين (الممثلتين بحماس والفلسطينيين والداعمين لهم من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة، وداعميهم الأوروبيين العنصريين من جهة أخرى) ليستا مجرد قوتين عسكريتين أو سياسيتين. وأود أن أوضح أن هذين الجانبين من النزاع لا يقعان ضمن دائرة اهتماماتي مباشرة، ذلك أن تحليلهما وفهمهما ليس بالأمر الشديد الصعوبة. ولكن ما يفوق هذا الأمر صعوبة هو إدراك بنية الصراع المعرفية. فحين نفهم هذه البنية، يمكن أن نحلل تداعياتها الأخلاقية.

إن الفرق بين القوتين المتنافستين (وسأفسر لاحقا ما يجعلهما متنافستين) لا يقتصر على توجهاتهما في الساحتين السياسية والعسكرية. وأعتقد أن السبب الذي صير الكثير من الغربيين داعمين متعاطفين مع الفلسطينيين هو أن الجانب الفلسطيني يمثل أمرين: أولًا، ليس من الصعب أن نرى كيف وقع هذا الجانب ضحية المخططات الاستعمارية منذ عام 1917، مع وعد بلفور، والآن، طبعا، مع اعتداءات إسرائيل الشرسة على المدنيين الأبرياء الفلسطينيين.

وثانيًا، تظهر لهم حركة حماس، على الرغم من أكاذيب إسرائيل اللامتناهية، والتافهة في الوقت نفسه، على أنها أقرب إلى كونها ضحية من كونها جانية. ذلك أن حماس كانت، كما يحب الغرب نفسه أن يقول، أكثر "تحضرًا" من الهجمات البربرية التي قامت بها إسرائيل. ولا شك أن هذين الاعتبارين مهمان، غير أنهما ليسا الأشد أهمية عند النظر إلى المسألة من وجهة نظر أخلاقية.

أخلاقيًا، يكمن الاختلاف الأهم في الأصل المعرفي لفلسفة مفهومي العالم التي تسطر سلوك القوتين المتنافستين. وترتكز فلسفة مفهوم العالم الإسرائيلية الغربية (على الرغم من الادعاء بأن إسرائيل دولة يهودية، وهو ادعاء يمثل دعاية أيديولوجية أكثر بكثير من كونه تمثيلًا صحيحًا للديانة اليهودية) ترتكز على مفهوم من الدنيوية واللحظة الآنية، "هنا والآن"، وهو مفهوم قد قطع صلاته بكوزمولوجيا أخلاقية ترى العالم على أنه خلْق إله محب ورحيم وعادل. وإذا كانت هذه كوزمولوجيا، فالكوزمولوجيا الإسرائيلية الغربية غير مكتملة، وقزمية، وغير ناضجة، وطفولية، وبدائية بالفعل. إنها كوزمولوجيا مفرطة البساطة فكريًا وروحيًا.

وينكر المفهوم الإسرائيلي الغربي خلق العالم من قبل إله يكون المالك الفعلي له، إله يكون فعل خلق العالم قد ولد له صفة أخرى، خاصية جوهرية أخرى، وهي أن الإله يملك العالم بكل ما للكلمة من معنى. فهو يملك العالم بشكل محدد من أشكال الملكية الفردية التي لا يمكن لنا نحن البشر، في الواقع، أن نفهمها. وإذا كان الإله يملك العالم، فلا يملك -في الحقيقة- أحدنا الآخر، فنحن جميعا سواسية عنده، وعلى المسافة نفسها من حيث علاقتنا به.

أما المفهوم الإسرائيلي الغربي، فتأتي الدولة وشعبها باعتبارهما أعلى مجموعة من القيم فيه، بينما تكمن العلمانية في الخلفية. هذه آلهة الغرب، وإسرائيل غربية -باستثناء جغرافيتها- بكل معنى الكلمة. وعلى القارئ أن يتنبه هنا إلى أن "الغرب" في مصطلحي ليس مكانا جغرافيا ولا سيمائية عرقية، وإنما هو نظام معرفي ومنظومة ثقافية.

 

لكن ما تداعيات ما وصفته الآن؟ كيف تؤثر هذه الأشياء في البعد الأخلاقي للصراع الحالي؟

دعني أختصر هذا: يدور هذا الصراع بشكل أساسي حول كيفية رؤية هاتين القوتين للطبيعة! ذلك أننا نميل إلى التسليم -إذا ما فكرنا في هذه المسألة أصلًا– إلى أن جميع الناس ينظرون إلى الطبيعة من المنظار نفسه، غير أن هذا غير صحيح إطلاقا، إذ يمكن التفكير في الطبيعة والنظر إليها بطرق مختلفة. فإن الذين ينظرون إلى الطبيعة على أنها خلق كائن ذكي يرون أنفسهم جزءً من هذا الخلق العظيم، جزءً أساسيًا ومهما منه. وإذا كان ينظر إلى الله، كما تنص تعاليم الإسلام على سبيل المثال، على أنه عهد إلى البشر مسؤولية أخلاقية تقتضي استخدام العالم وإدارته باعتباره ملكوت الله، لا باعتباره ملكا للبشر، فسيستخدمونه ويديرونه بشكل مقيد وبمسؤولية.

أما الأهم من هذا، فهو أنهم سينظرون إلى الطبيعة على أنها جزء منهم، بقدر ما هم جزء منها، فتصبح الطبيعة كلها مقدسة. وهكذا، حتى عندما يهاجمك بعض البشر ويريدون قتلك، فستستمر في النظر إليهم على أنهم خلق الله، أي أنهم لا يساوونك في قيمتهم الجوهرية فحسب، بل تكون أنت مسؤولًا عنهم وعن إصلاحهم أخلاقيًا. قد يكون هؤلاء جهلة، وأغبياء، ومفلسين أخلاقيًا، ومجرمين، وعنيفين بشكل تام، غير أنهم يظلون بشرًا مثلك، فقد جاء كلاكما من المصدر نفسه، والحدث الكوزمولوجي نفسه، وخلقتما بيدي الله الرحيم نفسه.

أما الذين يؤمنون بالدولة والأمة باعتبارهما الوثنين الجديدين والإلهين الأعظمين، وتحميهما قوة "العلم" المطلقة والقوتان المالية والعسكرية، فالمعيار النهائي لوجودهم هو الأمة، وهي القيمة الأهم في الدولة. وبما أن القومية دائما تتطلب إعلاء قومية على القوميات الأخر فإن كل قوم يتفوقون في الغالب على الأقوام الآخرين نظريًا وعمليًا أيضًا، وأقصد بهذا التفوق التفوق الوجودي.

ففي القومية افتراض دائم بأنني -باعتباري كيانًا قوميًا– أشعر بأن وجودي مهدد، وبالتالي لوجودي الأولوية على وجودك؛ لأن أصولك ليست أصولي نفسها. ذلك أن القوميات لا ترجع إلى الأصل نفسه، فلكل قوم أصلهم الخاص بهم، وهذا بالضبط سبب اعتبار القوميات مختلفة بعضها عن بعض، ولو كانت تتحدث اللغة نفسها، وتملك عادات وتوجهات ثقافية شديدة التشابه (مثل الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، إلخ).

فعلى خلاف المفهوم القرآني الذي يرى أن الأمم كلها خلق الله، يقول المفهوم الحديث العلماني القومي الدوْلي إنه لا قيمة للطبيعة في نفسها لأنها ببساطة موجودة، حدث أنها وجدت، من دون هدف ولا خطة، ذلك أن العالم ليس سوى حادث كوزمولوجي ليس وراءه مسبب، فالطبيعة، وفقا لهذا الموقف الحداثي، هي كما نراها نحن البشر، غير أن في هذا الكلام نوعا من التناقض.

فإذا كنا نحن البشر جزءا من طبيعة هي حادث كوزمولوجي ليس وراءه مسبب، ولا قيمة لها في نفسها، تكون النتيجة المنطقية، بناء على هذا المنطق، كالآتي: لا قيمة لنا نحن البشر في أنفسنا إلا إذا أعطانا إياها أحدهم. وبما أنه لا يمكن أن يكون هذا الشخص إلهًا، فإن إنسانا يعطي هذه القيمة إنسانا آخر، استنادًا إلى الذي يكون القرار بيده.

وقوة القرار دائما ما تكون قوة بطشية، وهي قوة السيف: فقرار الضعيف في يد القوي، أي أن الأقوى بطشا هو صاحب القرار. وهذا سبب انحدار زمننا إلى ما وصفه الكثيرون بـ"البربرية". وهو السبب نفسه الذي يدفع بنية العلوم السياسية كاملة إلى قبول المبدأ الأساسي القائل بأن القوة معيار السياسة ومطلبها النهائي.

أريد أن البيان الذي سمعناه مرارًا بعد السابع من أكتوبر، والذي يقول إن إسرائيل مجردة من الدافع الأخلاقي، لم يأت بسبب جنون إسرائيل جنون الكلب المصاب بداء السعار فحسب، بل لوجود سببية معرفية وكوزمولوجية مقنعة جدا.

ولقد قلت فيما سبق إن هناك سببًا وجيهًا يجعل هاتين القوتين متنافستين؛ ذلك أني أعتقد أنهما لا يمكن أن توجدا معًا؛ إذ لا بد أن تهيمن إحداهما وأن يتخلى عن الأخرى. وأعتقد أن هذا هو الاختلاف بين استمرار بقائنا على هذه الأرض وهلاكنا التام، وأن الدولة القومية ومفهومها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحديث سيقوداننا إلى الهاوية. وهذا مما لا شك فيه عندي. فإذا لم نتغلب على هذه القوة، ونستبدل تقديرا فعليا للحياة الأخلاقية بها، فسنصبح في حكم الهلْكى. هذا مخرجنا الوحيد من الكارثة العامة، وما غزة إلا أخطر تصوير لها.

 

لكن كيف يؤثر الموقف من الطبيعة في المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟

هذا سؤال جيد. في مفهوم العالم الذي خلق على يد قوة عظمى، هناك دوما مجموعة من المبادئ العليا التي توجه تفسير المبادئ الدنيا التي توجه هي كذلك تفسير الأسس التي تحدد كيف يتصرف المرء، وماذا يقول، وكيف يعيش. وفي هذا النظام الفكري، يصبح الناس ملزمين بهذه المبادئ العليا التي تقيدهم وتلجمهم وتمنعهم من التمادي في الظلم والفساد.

أما في نظام الدولة القومية التي لا تعترف بوجود إله، المدعومة بتصورات العلم الحديث غير المكتملة، التي هي دائما في حالة سيلان، فلا مبادئ أخلاقية مقيدة كهذه، باستثناء تلك التي تلفقها الدولة والعلم متى وكيف يشاءان. ففعل المرء ومقاله يعتمدان على مشيئته وإرادته اعتمادًا كاملًا، إذ يعتمدان على المصالح السياسية المباشرة التي تقرر بشكل تعسفي قيمة كل شيء في العالم، بما في ذلك ما يبدو جيدًا في اللحظة بعينها.

وقد عرفت أخلاقيات هذا النظام منذ وقت طويل بكونها أخلاقيات ذرائعية أداتية وانتهازية، بل استغلالية ومدمرة. ولهذا السبب لا تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة والأوروبيون وغيرهم، أن يلجموا عنفهم ضد الآخرين، كما رأينا في حرب فيتنام وأفغانستان والعراق وغزة. ولهذا السبب، ليس في منطق عدوانيتهم سوى الاستغلال المادي، والهيمنة، والميل إلى التدمير.

أما العيش بشكل أخلاقي، فيعني العيش وفقا لمبادئ محمودة وأخلاقية، وقابلة للتطبيق في جميع الأوقات. إن العيش الأخلاقي يعني قبول الرأي القائل بأن عدوك إنسان مثلك، يستحق أن يعامل على أنه إنسان، مهما اختلفت معه، أو وجدته يستحق الهجوم العسكري. أما العيش من دون مبادئ فيعني أن يعيش المرء حياة خالية من الأخلاق. والمبادئ قوانين الروح والجسم، وقوانين الفرد والمجموعة. المبادئ الحقيقية هي تلك التي يجب أن تفترض، في منطلقها، أن كل حياة تستحق أن تعامل على أنها نتاج مصدر أعلى وأعظم، وأنها خلقت لغاية ذكية.

 

لاحظنا تناميا للتعاطف الشعبي الغربي مع قطاع غزة وإقبالا على فهم تضحيات أهل غزة، هل هذه بداية تحوّل في النموذج الأخلاقي لدى شعوب العالم؟

هذا صحيح، ظهر تعاطف كبير من قبل الشعوب الغربية اتجاه الفلسطينيين ومعاناتهم، حتى من قبل الكثير من اليهود والمجموعات اليهودية. وهذا أمر استثنائي للغاية لأن واقع أن هذا العدد الكبير من اليهود أظهروا التعاطف والدعم هو في ذاته أمر مهم لأسباب عدة، ولا سيما أنهم، في رأيي، سيكونون في المستقبل الحليف الأكبر للفلسطينيين في إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية. وتشير الإحصائيات والاستطلاعات كلها إلى أن دعم الأمريكيين اليهود لفلسطين يزداد يوما بعد يوم.

لكن دعونا لا نخدع أنفسنا ظانين أن تعاطف الغربيين هذا يدل على تحول عميق أو بنيوي، على الرغم من صدق هذا التعاطف الذي لا يشك فيه. فقد رأينا أن كثيرًا من الناس بدأوا يشككون في الجانب الإسرائيلي، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى التحليلي أيضًا -إذا جاز التعبير- فقد بدؤوا الربط بين تدمير غزة وحركة حماس من جهة، والآثار السيئة -بشكل عام- للمؤسسات الرأسمالية الجشعة التي تحكم عالمنا اليوم، من جهة أخرى.

فقد ربط الكثيرون بين التصرفات الإسرائيلية في غزة وتدمير البيئة الذي ترتكبه إسرائيل والدول الصناعية كلها. غير أن فهم هؤلاء المؤيدين ليس عميقًا بما فيه الكفاية، فلا يصل إلى جذور المشكلة، وهي جذور مرتبطة بنيويا بالأصول الكوزمولوجية ومفاهيم مصادر الحياة. فلا يدرك هؤلاء حتى الآن تداعيات وعواقب الرأي القائل بأن العالم مجرد حادث كوزمولوجي. ولن يستطيعوا عبور الجسر الموصل إلى الإدراك الكامل حتى يفهموا هذه التداعيات.

 

ما التأثيرات القريبة والبعيدة المدى لطوفان الأقصى في المشاريع الفكرية العربية بشكل خاص؟ هل يمكن بناء نموذج فكري جديد على أنقاض ما يحدث في قطاع غزة؟

لا شك في أن أحداث إسرائيل وغزة في عامي 2023 و2024 بالغة الأهمية، وقد سببت صدمة من أشد أنواع الصدمات، ولا أجد حدثا يوازيها في التاريخ الفلسطيني باستثناء نكبة 1948. غير أن التفكير في كيفية تأثير هذه الكارثة الإنسانية في المشهد الفكري سابق لأوانه. لكن أستطيع أن أخبرك بما يحتاج الفلسطينيون والعرب والمسلمون إلى القيام به.

يجب أن نعيد النظر في أسس معرفتنا الخاصة، وأسس السياسات والقومية الحديثة، وأسس الدولة والاقتصاد الحديثين. فكلا النموذجين الاقتصادي والسياسي الحديثين غير صحيين في الحقيقة، بل هما مجموعة من الأمراض، والقومية مرضية بقدر أي من هذين.

يقول الكثيرون في وسائل التواصل الاجتماعي إن مقاومة أهل غزة ستصبح حالة تدرس في كتب الحروب المدنية، وما شابه هذا. غير أن تركيزنا لا ينبغي أن يصب في هذا المصب، بل ينبغي أن ندرس طوفان الأقصى ونتائجه من منظور معرفي وأخلاقي. يجب أن ينظر إلى كفاح الفلسطينيين من أجل العدالة على أنه تعزيز شامل للعدالة التامة، أي للبشر وغيرهم.

لقد جلبت الحداثة الغربية للعالم أسلوبًا جديدًا للحياة هدف في الأصل إلى تحسين الظروف الإنسانية، غير أننا نعلم جيدا الآن، بعد ثلاثة قرون من التجارب، أنه هذا الأسلوب أصابنا بالفشل الذريع. بل كان هذا المشروع مصدر الدمار ووسيلته، دمار البيئة والنسيج المجتمعي والعائلة، وفي الآونة الأخيرة، دمار الروح، وتفكك الفرد نفسيا، وتفريغ الذات.

وفي الأحداث التي شهدناها في القرون الثلاثة الأخيرة الدليل الكامل على أن الحداثة الغربية منافقة وعنصرية حتى النخاع. وترتبط هذه الخصائص كلها ارتباطًا وثيقًا، بل هي في الواقع نتيجة اقتصادنا وسياساتنا، وهي نتيجة أساليب عنف الدولة أيضًا، إلى جانب الكثير من العوامل الأخرى.

ينبغي أن نبدأ التفكير في هذه المسائل كلها معًا باعتبار أنها مترابطة بنيويًا، ففلسطين جوهريًا مشكلة معرفة، وعلى هذا النحو، هي مشكلة أخلاقية، وليست مشكلة سياسية وعسكرية فقط. ولن نستطيع فهم المشكلة السياسية إطلاقًا، إلا إذا فهمناها في هذا الإطار. ففي التجربة الفلسطينية للحياة والموت تكمن خلاصة المشكلة العالمية للأخلاق والمعرفة.

_____________________

المصدر: الجزيرة نت، 17 يناير 2024، https://2u.pw/VDdoo0n

صدر الجزء الأول من هذا الكتاب عن المطبعة الأميرية ببولاق عام 1937م، ثم صدر الجزء الثاني عام 1938م، وجاء في تقدمة الجزء الأول منه، والتي كتبها المستشار عبد العزيز فهمي باشا (رئيس محكمة النقض آنذاك):

هذا كتاب أخرجه رجال مصريون، ألمُّوا فيه إلمامةً عجـلى بماضي مصر وحاضرهـا، من جهة القضاء وخدمة مبادئ القانون، وضعوه اغتباطًا بمحاكمهم المصرية الوطنية، وتذكارًا لمرور خمسين عامًا من ميلادها؛ بلغت فيها رشدها، وجازته إلى مرتبة النضوج.

ولئن وجدت فيه شيئًا من ظاهر البِشر والابتهاج، ومن تقريرات تاريخية واجتماعية، فلتجدن خلال هذا نماذج من جهود فكرية فقهية تشهد بتبريز العقليــة المصرية، وبلوغها في الشأن الموضوع له الكتاب، درجة لا تلين معها قناة مصر لغاز.

وإني لكأني بأرواح آبائنا السابقين رياض، وشريف، وعلي مبارك، وقدري، وفخري، تقدمها روح إسماعيل العظيم، مطیفة بمعاهد قضائنا مباركة عليها وعلى رجــالها من قضاة ومحامين، متمثلة بقول الفرزدق معدلا كمقتضى الحال:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا للفخار المجامع

فعلی ذکری إسماعيل العظيم، وعلى ذکرى ذلك السلف الصالح، وفي سبيل الواجب لكل عامل في تشييد صرح المحاكم المصرية الوطنية.

نقدم هذا الكتاب إلى أكبر بنَّاء للمعاهد والرجال

حضرة صاحب الجلالة الملك القائم فؤاد الأول

تحية بر وإحسان وعرفان للجميل.

 

كما جاء في تقديم القاضي جبرائيل كحيل بك للجزء الثاني من الكتاب، ما يأتي:

كـان القضاء في العهد القديم محصورًا في المحاكم الشرعية التي كانت تنظر وتحكم في جميع أنواع الخصومات من مدنية وتجارية وجنائية وأحوال شخصية، غير أنه في عهـد محمد علي باشا اعتاد الناس تقديم شكاواهم إلى المأمورين الإداريين في الأقاليم وفي المدن، فكان المأمور يحضر الخصوم وينظر في قضيتهم ويحقق ويحبس ويفرج حسب ما يتراءى له، بذا كانت القضايا تنتهي فورًا أو لا تنتهي أبدًا، وكانت طرق الإكراه تستعمل مع المدين، ومن ضمنها الحبس، فإن ثبت أن له عقارًا فقد كان يجبره على بيعه، لأنه في ذلك الحين لم تكن هناك إجراءات مقررة لبيع العقار بيعًا قضائيًا جبريًا، وفى الوقت ذاته كانت المحاكم الشرعية إذا قدمت أو رفعت إليها دعوى تنظرها وتحكم فيها.

وكان النظامان يسيران معًا الواحد بجانب الآخر.

وأما الدعوى الجنائية فكان يتولى تحقيقها المأمورون الإداريون، يحبسون المتهم أو يتركونه حرًا حسب ما يتراءى لهم، ثم يقدمون التحقيق إلى محكمة سُميت "مجلس الأحكام"، كان أعضاؤها يعينون من بين الضباط العسكريين أو الموظفين الإداريين، وكانت أحكامها تصـدر على مقتضى قانون معمول به في المالك العثمانية قبل أن تتخذ هـذه الممالك النظم والقوانين الأوروبية. على أن هذا القانون لم يكن ينص إلا على بعض جرائم دون غيرها، تاركًا للمحكمة أن تحكم بالقياس في الأحوال غير المنصوص عليهـا.

وكانت الجلسات سرية وبدون مرافعـة اكتفاء بالتحقيق الإداري، عمل بموجب ذلك إلى عهد الخديوي إسماعيل، وفيه أنشئت محاكم أهلية للنظر والحكم في قضايا الأهالي بعضهم مع بعض، وفيما يقع منهم من الجنايات، وإنمـا تحقيق هذه الجنايات بقى في يد المأمورين الإداريين، وكانت تتقدم دعاوى الأجانب منهم رأسًا إلى المأمورين الإداريين أو على يد قناصـلهم. كما أنه في بعض الأحيان كان يلوح لهم مطالبـة الحكومة بمـا يزعمونه من حقوق مشروعة أو غير مشروعة فتدعوهم الحكومة لرفع شكاواهم لدى المحاكم القضائية الموجودة فيمتنعون عن الالتجاء إلى المحاكم المصرية، ويسعون في نهو مشاكلهم بالطرق العرفية بطريق المخابرة بين الحكومة وقناصلهم، أما دعاوى الأهالي عليهم فكانت تقدم إلى قناصلهم فيحكمون فيها ابتدائيًا، وإذا استؤنفت ففي أغلب الأحيان يرفع الاستئناف إلى محاكم الاستئناف الكائنة في البلاد الأجنبية، كما أن الجنايات التي تحدث منهم يحققها قناصلهم ويحكمون فيها حسب قوانين بلادهم.

فمشى هذا الحال وتجسم إلى عهد الخديوي إسماعيل، وصار من الضروري إيجاد علاج لهذه الحالة، والعلاج لم يكن في يد الحكومة وحدها، فأنشئ في بادئ الأمر محكمتان تجاريتان وقتيتان، إحداها في مصر والثانية في الإسكندرية، يرأس كلا منهما موظف مصري كبير، ويعين نصف أعضائها من التجار الأهليين والنصف الآخر من التجار الأجانب، وكانت أحكام كل منهما تستأنف لدى المحكمة الأخرى، وفي أثناء قيام هاتين المحكمتين دارت المخابرات بين الحكومة والدول، وبعـد أن استغرقت زمنًا طويلاً انتهت بالاتفاق على نظام المحاكم المختلطة، واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن تشكلت المحاكم الأهلية المستجدة في سنة 1884م.

كانت المحاكم الأهلية مختصة بنظر قضايا الأهالي من مدنية وتجارية وجنائية، وكانت في أحكامها المدنية والتجارية تطبق أحكام قانون يشبه قانون المحاكم المختلطة، ولم تلبث أن حازت رضاء الجمهور الذي أخذ يتهافت عليها لدرجة أن الأجنبي كان يتنازل، ولا يزال يتنازل خصوصًا في الأقاليم، عن حقوقه إلى الوطني کي تصبح المحاكم الأهلية مختصة بنظر قضاياه لمـا فيها من السرعة والضمان الذي قلما يجده في المحاكم المختلطة.

أما القضايا الجنائية فكان النظر فيهـا وافيًا من حيث إيجاد الضمان نظرًا لما أوجد في قانون تحقيق الجنايات من الضمانات الشاملة والسرعة الكافية، لما اشتمل عليه من نصوص وقيود في مادة حبس المتهم وضرورة إطلاق سبيله في مواعيد مخصوصـة، ذلك الضمان الذي يستوفى شروطه من كيفية تشكيل محاكم الجنايات التي لم تأخذ بطريق المحلفين المعرضين للتأثير عليهم، بل هي مركبة من قضاة فنيين يتروون ويفكرون في كل ما يعرض عليهم بدون تهيج أو انفعال نفساني على عكس المحلفين الذين ينقادون سريعًا للعواطف ويحتكمون إليها.

وكذلك نالت المحاكم الشرعية نصيبًا من الإصلاحات كانت مفتقرة إليه، فشكلت فيها دوائر ابتدائية ودائرة استئنافية تحكم بعد المداولة في القضايا الهامة، وترتب لديها محامون أكفاء، فساد النظام فيها، خصوصًا وقد انحصر اختصاصها في قضايا الأحوال الشخصية.

ويمكن القول بأن نظام القضاء قد استوفي في مصر، إذا استثنينا نقصًا كبيرًا يتعلق بقضايا الجنايات التي تحدث من الأجانب، ولكن المأمول أن تصل الحكومة إلى إيجاد طريقة لتوحيـد المحكمة التي يناط بها النظر والحكم في هذه القضايا.

كل هذه العوامل والعناصر كانت سببًا لتقدم البلاد ماديًا وأدبيًا. ولقد وصل التعليم والقضاء إلى درجة نبهت الناس إلى حقوقهم فدعوا إلى الاشتراك في الأعمال العمومية، فأنشئت البلديات ومجلس الشورى، ووضع للبلاد دستور، وأصبح الأهالي مشاركين للحكومة في المسائل الهامة.

هذه لا شك نهضة عقلية مشكورة وصلنا إليها في زمن لم يناهز القرن الواحد، وهو وقت وجيز في تاريخ الشعوب، ولقد عمل إلى هـذه الغاية رجال صادقون متشرعون وإداريون وقضاة ومحامون وصحافيون، وغير أولئك من رجال الأعمال المختلفة فاستحقوا علينا أن نذكرهم بالشكر والثناء، ونطلب للراحلين منهم الرحمة والغفران.

 

المحتويات

الجزء الأول

  • الفصل الأول: التشريع والقضاء في مصر.
  • الفصل الثاني: إنشاء المحاكم الأهلية وافتتاحها.
  • الفصل الثالث: المحاكم الأهلية وبعض المصالح المرتبطة بها.

 

الجزء الثاني

  • الفصل الأول: موضوعات مختلفة.
  • القضاء قديمًا وحديثًا، لقاض حضر العهدين لحضرة صاحب العزة جبرائيل كحيل بك.
  • تطور قانون العقوبات في مصر في عهد إنشاء المحاكم الأهلية لحضرة صاحب العزة محمد لبيب عطية بك.
  • ما أراه من رسائل التعديل في قانون العقوبات لحضرة صاحب العزة عبد الفتاح السيد بك.
  • على أي أساس، يكون تنقيح القانون المدني المصري للدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق.
  • إحصائيات عن المحاكم الأهلية لحضرة صاحب العزة عبد اللطيف غربال بك.
  • كيف احتفل القضاء الأهلي بعيدة الخمسيني لحضرة صاحب العزة مصطفى حنفي بك.

 

 رابط مباشر لتحميل الجزء الأول

رابط مباشر لتحميل الجزء الثاني