في مقالاتي السابقة حول الحرب الإسرائيلية الدائرة على غزة، ناقشتُ عدة مسائل كان من بينها بعض المفاهيم الأخلاقية والقانونية والعسكرية التي أثيرت أثناء الحرب، في التصريحات والتعليقات الرسمية وغيرها، كمفاهيم: الدروع البشرية، والأضرار الجانبية، وحق الدفاع عن النفس، والمقاومة والإرهاب، والجهاد.

وقد أوضحت -فيما سبق- كيف أن الهدف السياسي والعسكري يتقدم -في عالم اليوم – على الأخلاق والقانون معًا؛ لأن التسويغات الأخلاقية بدت تُكَأة السياسيين والعسكريين، وتجري وَفق حسابات تفرضها المصالح السياسية، والخوف من المساءلة القانونية.

فعلى سبيل المثال، سوّغ هدف القضاء على حماس شنّ الحرب والاستمرار فيها حتى الآن لأكثر من ثلاثة أشهر؛ بالرغم من الدمار الهائل الذي أحدثته في غزة، والكُلفة البشرية غير المسبوقة التي تخالف كل الشرائع القانونية والخُلقية، الأمر الذي جعل المقولات الأممية – حول "حقوق الإنسان" و"حقوق الطفل" و"حقوق المرأة" – في محنة غير مسبوقة.

في هذا المقال أود أن أقف عند إشكالية أخرى تُكمل نقاشاتي السابقة، وهي ثنائية المدني والعسكري في الحرب، ولاسيما أنها مفهوم مركزيّ في نقاشاتي السابقة حول مفهومَي الدروع البشرية والأضرار الجانبية، وهي -في الوقت نفسه- مثال آخر يُضاف إلى أمثلة سابقة؛ (كالجهاد في غزة مثلًا، وقد عالجته في مقالين سابقين)، وتندرج -جميعًا- تحت سؤال كبير يتصل بإشكالات استعادة الموروث الفقهي في السياق الحديث، ولاسيما أنه صدرت فتاوى -بعد أحداث 7 أكتوبر التي قامت بها المقاومة الفلسطينية في غِلاف غزة- ترفض فكرة التمييز بين المدني والعسكري؛ ردًّا على محاولات إدانة حركة حماس بحجة ارتكاب جرائم حرب وقتل المدنيين الإسرائيليين.

ثم لم نلبث -بعد أن نشبت الحرب الإسرائيلية- أن رأينا تصريحات إسرائيلية رسمية وغير رسمية ترفض هذا التمييز فيما يخصّ سكان غزة وتحمّلهم -جميعًا- مسؤولية ما جرى، بل تحدث بعض اليهود عن رفض مثل هذه الأفكار الحديثة التي لا تتلاءم مع تصورات العهد القديم؛ لتسويغ قتل أهل غزة من دون تمييز بين صغير وكبير أو مدني وعسكري، وهو ما وقع حقيقة ولا يزال.

تثير هذه الوقائع والنقاشات أسئلة عدة، من قبيل: هل يمكن للتصورات الأخلاقية التاريخية أن تتجاوز المواضعات القانونية الحديثة التي تحكم أخلاقيات الحرب؟ وإذا كان كل طرف سيخرج على مبدأ التمييز بين المدني والعسكري الذي أقره القانون الدولي، فوَفق أي مرجعية نصوغ المعايير الحاكمة لأخلاقيات الحرب إذن؟ وهل يمكن إنكار مبدأ التمييز بين المدني والعسكري من جهة، ثم الاحتكام إليه لإدانة الطرف الآخر من جهة أخرى؟ وكيف نتصرف إزاء واقع دولي تفرض فيه موازين القوى الحسن والقبح؟ وهل من الصواب السياسي والأخلاقي استهداف جميع مواطني العدو؟

هذه أسئلة كبيرة ولا يمكن معالجتها هنا، ولكن يهمني هنا مناقشة مشكلة استدعاء فقه ما قبل الدولة الحديثة في السياق الحديث، وتحديدًا من خلال إحداث التصادم بين ثنائية المدني والعسكري، وثنائية الحربي وغير الحربي.

في البداية، لا بد من توضيح أننا أمام ثنائيتين مختلفتين وغير متطابقتين. فالثنائية الأولى؛ (المدني والعسكري) قانونية ظهرت في ظل الدولة الحديثة، والقانونُ الدولي الإنساني وميثاقُ جنيف هما المرجعان الرئيسان في هذا التمييز بين المدني والعسكري. وثمة معايير إجرائية للتمييز بين المدني والعسكري تتصل باللباس والأماكن والأنشطة.

ويتسم مفهوم "العسكريّ" بالوضوح لدى عامة الناس؛ فهو يُحيل إلى الجندي النظامي أصالة، ويلتحق به من يساعد في مهام قتالية أثناء الحرب ولو كان من المدنيين؛ لأنه يفقد -في هذه الحالة فقط- صفته المدنية. والجندي الاحتياطي مدنيّ أيضًا، ولكنه يفقد هذه الصفة عند التحاقه بالحرب فقط. فالمعيار هنا هو التلبس بعمل قتالي أو المساعدة فيه في زمن الحرب، وبهذا يختلف مفهوم "العسكري" الحديث عن مفهوم "الحربي" الفقهي الذي هو أوسع.

أما الثنائية الثانية؛ (الحربي وغير الحربي)، فهي تنتمي إلى شريعة ما قبل الدولة الحديثة، وهي جزء من رؤية العالم القديم المنقسم إلى دار إسلام ودار حرب (أو دار كفر كانت في غالب أمرها دار حرب).

فمفهوم "الحربي" ينطوي على بعض التعقيد، لأنه يقابله – في رؤية عالم ما قبل الدولة الحديثة – مفهومان؛ هما: الذمي والمعاهَد. أما الذمي فهو من يتمتع بعضوية "دار الإسلام" ودخل تحت سلطتها، وأما المعاهَد فهو عضوٌ في دولة بينها وبين "دار الإسلام" عهد (أو معاهدة). ولكنْ ثمة مفهوم ثالث يحضر هنا في مقابل مفهوم الحربي -وإن كان متداخلًا معه- وهو المستأمَن، أي من دخل -من أهل "دار الحرب"- دارَ الإسلام دخولًا مؤقتًا بأمانٍ أُعطي له من قبل ولي الأمر في دار الإسلام، أو أي جهة فيها.

من الواضح أن "الحربي" صفة تشير إلى حالة قانونية وسياسية معًا، فعلى المستوى القانوني تدور عصمة الدماء والأموال على وجود عقد قانوني؛ (عقد ذمة، أو معاهدة، أو أمان مؤقت). وعلى المستوى السياسي مدار المسألة على علاقة الحرب والسلم بين دار الإسلام ودار الحرب.

فإذا طرأ عقدٌ من العقود المشار إليها شكّل ذلك وضعًا لازمًا يُستثنى من حالة الحرب التي هي الأصل في "الحربي"؛ ولذلك سمي حربيًّا، أي نسبة إلى الحرب أو إلى أهل دار الحرب. فالحربي هو غير المسلم الذي لم يدخل في عقد الذمة، ولا يتمتع بأمان المسلمين ولا عهدهم، أي بقي على علاقة الحرب من دون إحداث عقد من العقود الثلاثة السابقة التي تُرسي حالة السلم الدائم أو المؤقت.

ومما يدل على تركيبية مفهوم الحربي أن "المستأمن" -مثلًا- هو حربيٌّ ليس له عقد الذمة ولا ثمة عهد يربط بين دولته وبين دار الإسلام، ولكن حصل على أمان مؤقت (ما يشبه التأشيرة) ينتهي بمدة محددة، ويُنذَر إذا تجاوزها، وقد ينقلب أمانُه إلى عقد ذمة بمضي المدة، فيتحول أمانه المؤقت إلى علاقة سلم دائم. بل إن المستأمَن إذا غادر إلى بلاده للتجارة أو للزيارة (لا للإقامة والاستقرار) فإن أمانه سارٍ في حقه.

ومن تطبيقات مفهوم "المستأمَن" اليوم العاملون في السفارات والسائحون والعاملون في الشركات وغيرهم، ولو كانت بلادهم من بلاد أهل الحرب؛ لأنهم دخلوا بلاد الإسلام بأمانٍ؛ فلا يجوز التعرض لهم.

يبدو الآن -بوضوح- أن ثمة اختلافًا بين الثنائيتين؛ فكل ثنائية لها منطقها الخاص، وتعمل ضمن منظومة خاصة بها، وتنتمي إلى رؤية محددة للعالم، وإلى منظومة قانونية وأخلاقية مغايرة. فالثنائية الأولى تدور حول المشاركة الفعلية في الحرب وعدمها (تسمى بالتعبير الكلاسيكي المقاتِلة) من جهة، وعلى عصمة المدني الذي ليس طرفًا في الحرب من جهة أخرى.

أما الثنائية الثانية فتتمحور حول أمرين: الأول: عضوية دار الحرب ولو لم يكن ثَم حربٌ قائمة بالفعل في تلك الحالة، والثاني: غياب أي التزام بنوع من أنواع العقود: (الذمة والعهد والأمان). ومن شأن الأمر الأول (عضوية دار الحرب) أن يجعل من كل عضو في دار الحرب حربيًّا، وبهذا تختلف ثنائية الحربي وغير الحربي عن ثنائية المدني والعسكري التي تبدو أخصّ هنا.

ولكن استباحة كل عضو في دار الحرب مُشكلٌ؛ لأن الفقهاء اتفقوا على عصمة فئات من مواطني دار الحرب، وهذا أمر يضاف إلى الأوصاف أو العقود الثلاثة السابقة: (الذمة والعهد والأمان). من تلك الفئات: النساء والصبيان؛ إذا لم يقاتلوا، فهؤلاء تثبت لهم العصمة ويحرم قتلهم في الحرب بإجماع العلماء، ولكن إن قاتلت النساء ذهب جماهير العلماء إلى أن من تقاتل منهنّ تُقتل؛ فدارت العلة هنا على القتال الفعلي (أي تحول المرأة إلى "عسكري" بالمفهوم الحديث).

بل ثمة فئات أخرى من الحربيين وقع الخلاف فيها بين الفقهاء. من ذلك -مثلًا- أن فقهاء الحنفية لا يُجيزون قتل الشيخ الفاني، والمُقعد، واليابس الشق، والأعمى، ومقطوع اليد والرجل من خِلاف، ومقطوع اليد اليمنى، والمعتوه، والراهب في صومعته، والسائح في الجبال الذي لا يخالط الناس، ومَن في دار أو كنيسة ترهبوا وأُطبق عليهم الباب. والمشهور عن فقهاء المالكية عدم جواز قتل الأجراء والحرّاثين وأرباب الصنائع. يوضح هذا أمرين:

الأول: أنه ليس كل حربيّ يجوز قتله في الحرب عند الفقهاء؛ فثمة اعتبارات ومعايير تجب مراعاتها.

والثاني: أنه ليس كل مدني (بالمصطلح الحديث) هو حربي (بالاصطلاح الفقهي) مستباح الدم في الحرب.

 

فالحربي مفهوم وصفي؛ لا يكفي -بمجرده- لاستباحة دم صاحبه عند الفقهاء، بل لا بد هنا من تحقق معيارَين:

الأول: أن ينتفي أي التزام قانوني أو سياسي، فقد قلنا؛ إن الحربي هو من لم يكن من أهل الذمة، ولم ينخرط في عهد أو أمان.

الثاني: أن هذا الحربي يجب أن يكون "من أهل القتال" حقيقةً أو معنًى، فكل من لم يكن من أهل القتال لا يحلّ قتله في الحرب؛ إلا إذا قاتل حقيقة أو معنًى (بالرأي والتحريض). ولأجل هذه العلة استثنى فقهاء ما قبل الدولة الحديثة الفئات المذكورة سابقًا؛ (كالنساء والأطفال)؛ لأنهم لم يكونوا في ذلك الزمن من أهل القتال؛ نظرًا لترتيبات ما قبل الدولة الحديثة وطبيعة القتال وأدواته وتنظيماته. وكذلك استُثني الشيخ الفاني؛ لأنه لا بقية فيه للقتال، كما استُثني الراهب أو الراهبة؛ لأنهما منعزلان حتى إنهما لا يُؤسران ولا يُسْتَرَقّان في مذهب مالك.

 

توضح هذه الأمور جميعًا وجه الإشكال لدى بعض المشتغلين بالفتوى من المعاصرين ممن خرجوا – بعد أحداث 7 أكتوبر – وقالوا: إنه لا يوجد مدني في إسرائيل؛ فهذا خلط بين المفاهيم يتضح من خلال أمور:

الأول: أن المدني مفهوم قانوني حديث قائم وثابت في العرف الدولي، وينطبق على أهل غزة، كما ينطبق على كل الإسرائيليين الذين لم ينخرطوا في عمل قتالي أو تحريضي، ولم يساعدوا فيه. ولا يجوز خلط هذا المفهوم بمفهوم الحربي.

الثاني: أن تنزيل المصطلحات الفقهية التاريخية على عموم الإسرائيليين محل إشكال من الناحية الفقهية؛ فليس كل الإسرائيليين حربيين مستباحين وفق المنظور الفقهي الكلاسيكي، وربما يجادل هنا بعض العلماء -ممن يتمسكون بحَرفية الموروث الفقهي على استقامته- بأن ثمة عقودًا أُبرمها أولياء الأمور مع الإسرائيليين، من شأنها أن تؤثر في توصيف الإسرائيليين أنفسهم، بحيث قد ينتقلون من وصف الحربي إلى وصف آخر من الأوصاف المقابلة له كالمعاهد والمستأمن؟ وهذا منظور مشكل مثلما أن منظور هدر التمييز بين المدني والعسكري كلية مشكل بالقدر نفسه؛ إذ إن استهداف الأطفال في الحرب -مثلًا- لا يجوز إجماعًا عند الفقهاء فكيف يتم هدر تلك الثنائية كلية!

 

إن استثمار الموروث الفقهي في عالم اليوم، قد يُلزم مستثمريه بإلزامات عادة ما يتجاهلونها؛ رغم أن هذه الإلزامات جزء من منظومة شريعة ما قبل الدولة الحديثة؛ يتضح من خلال أمور:

الأول: غياب النظر المنظومي. فتنزيل الموروث في السياق الحديث، على استقامته، سيقود إلى باقي منظومة ما قبل الدولة الحديثة كالاسترقاق والأسْر ونبذ العهد (لمن قام بينهم العهد) من قِبَل الإمام بشروطه المذكورة في الفقه، إلى غير ذلك من تفاصيل المنظومة التي لا يتنبه هؤلاء المستثمرون إلى إشكالاتها وحجم الورطة التي يمكن أن يقعوا فيها فيما لو أُلزموا بقوانين فقه ما قبل الدولة؛ بعيدًا عن اجتزائيتهم المريحة التي يقومون بها؛ لخدمة رؤية قاصرة لا تتسق مع ما أسميه "نظام الفقه"، ولا تتسق مع متغيرات الدولة الحديثة: مفاهيمَ وقوانينَ، ولكنها تقدم رؤية هجينة لا تستقيم وفق أي منظومة!.

الثاني: أن هذه المسائل هي سياسية مصلحية في المنظور الفقهي، وإن ورد في بعضها نصوص حديثية، فهي تخضع لحسابات المصالح العامة وفق تقديرات الإمام، وفق منظور ما قبل الدولة الحديثة. فقد يمنح ولي الأمر الحماية لفئات من الحربيين، وقد يُصدر أمرًا إلى الجيش بألا يتعرضوا بالقتل لأشخاص معينين بذواتهم أو بأوصاف محددة تميزهم من غيرهم؛ بناءً على مصلحة أو تمسكًا باتفاق سابق.

وهنا نجد أنفسنا أمام تطبيق حديث لهذا التصور الكلاسيكي وهو الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها دول اليوم؛ فإذا كان الفقهاء الكلاسيكيون قد أجازوا إعطاء الأمان للحربي من قبل بعض الأفراد، فكيف يكون الوضع في ظل عالم اليوم شديد التعقيد الذي تربطه اتفاقات ومنظومات قانونية وسياسية معقدة؟

الثالث: عدم رعاية التحولات السياسية والعسكرية في الانتقال مما قبل الدولة الحديثة إلى الدولة الحديثة، وتطور أدوات الحرب وتقنياتها، الأمر الذي سيترك أثرًا بالغًا على أهمية التمييز بين الأفراد في الحرب، ومعايير ذلك التمييز أيضًا من الناحية الإجرائية، فضلًا عن تبدلات المفاهيم الحديثة بالمقارنة مع مفاهيم ما قبل الدولة الحديثة، أي أن المعيار الكلاسيكي لـ "مِن أهل القتال" سيختلف اليوم بالنظر إلى تشكيل الجيش النظامي، ومفهوم الحرب وأدواتها العسكرية المدمرة.

وعدم رعاية هذه المتغيرات قد يقود إلى متابعات قانونية دولية بارتكاب جرائم حرب، وإن كانت إجراءات التقاضي في ذلك مسألة تخضع لموازين القوى وسياسات الدول الكبرى، ولكن ذلك لا يخلّ بالمبدأ نفسه.

____________________

المصدر: موقع الجزيرة نت، 12 يناير 2024، https://2u.pw/Y5z2AmF

بدأت محكمة العدل الدولية في عقد جلسات مرافعة في الحادي عشر والثاني عشر من يناير الجاري لنظر الدعوى المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل لاتهامها بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة بحق الشعب الفلسطيني، حيث تختص المحكمة بنظر ادعاءات ارتكاب هذا النوع من الجرائم وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية التي يعود صكها -وللمفارقة- إلى عام نكبة فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل، عام 1948.

ينفصل هذا المسار أمام محكمة العدل الدولية عن مسار آخر يباشره حاليا الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية، بالتحقيق في جرائم الحرب التي شهدتها غزة وسائر الأراضي الفلسطينية، على أمل التوصل إلى قرار اتهام يتضمن تحديد الأفراد المسئولين عن ارتكاب ما يثبت من مجازر وجرائم وقعت منذ السابع من أكتوبر 2023 ليصدر ضدهم قرارات اتهام واعتقال تمهيدًا لمحاكمتهم وفقًا لنظام روما الذي انسحبت منه الولايات المتحدة وإسرائيل ورفضت دول أخرى التصديق عليه.

من جهتها تفصل محكمة العدل الدولية فيما إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى دولة أو جماعة أو مجموعة من الأشخاص تدخل في عداد جرائم الإبادة الجماعية المحظورة، كما تتولى التوصيف القانوني لتلك الأفعال، وإذا أثبتت أنها جرائم إبادة تستحق الملاحقة والمحاسبة فتعتبر هذه خطوة محورية لتحديد الجهة القضائية المختصة بمحاكمة المتهمين.

إلا أن محكمة العدل الدولية تختص أيضًا –وباعتبارها الجهاز القضائي الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة- بالنظر في إصدار ما يسمى "التدابير المؤقتة" أو "الإجراءات التحفظية" التي ينص عليها نظامها الأساسي، كآلية سريعة وعاجلة للمحافظة على الحقوق المتنازع عليها في حالات الخلاف التي يتوافق طرفاها على اللجوء للمحكمة لفض النزاع، وكذلك كوسيلة قضائية لوقف المظالم الواقعة على الطرف المجني عليه في حالات العدوان غير المشروع وجرائم الإبادة الجماعية والتصرفات الأخرى المناقضة للقانون الدولي الإنساني.

وقد جاء النص الخاص بتلك التدابير في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية متسعا بما يمكنها من تقرير تلك التدابير بمبادرة منها، وفقا لسلطة تقديرية كاملة، أو بقبول طلب يقدم لها بذلك من الدولة مقيمة الدعوى أو أحد أطراف النزاع.

فتنص الفقرة الأولى من المادة 41 من النظام الأساسي على أنه "للمحكمة أن تقرر التدابير المؤقتة التي يجب اتخاذها لحفظ حق كل من الأطراف وذلك متى رأت أن الظروف تقضي بذلك" بينما حرص واضعو النظام الأساسي في الفقرة الثانية من المادة ذاتها على نقل مسئولية تنفيذ تلك التدابير المؤقتة إلى "أطراف الدعوى ومجلس الأمن" بأن يُبلغوا رسميا بتلك التدابير لحين صدور حكم نهائي في القضية.

ويُستفاد من قراءة النص أن تلك التدابير يجب أن تتسم بالسرعة والإنجاز بهدف الحفاظ على الحقوق الأساسية وإبقاء حالة النزاع كما هي دون تفاقمه أو تغيير ظروفه بما يحول دون الفصل فيه بصورة سليمة، وأنها بطبيعتها تكون تمهيدية وموقتة ولا تعني الفصل في النزاع نفسه ومن ثم يجوز تعديلها أو إلغاؤها في وقت لاحق.

وبالنسبة لما يحدث في حالات العدوان فإن المحكمة تهدف بتلك التدابير المؤقتة أن تقوم السلطات المتهمة بالاعتداء أو بالإبادة الجماعية بواجباتها القانونية والأخلاقية والمبادرة بحماية الطرف الأضعف (المجني عليه) واتخاذ العناية الواجبة وكل ما يلزم لوقف القتل وإلحاق الأضرار الجسدية والنفسية وإخضاع الجماعات وفرض تدابير ضدهم تدخل في عداد صور جريمة الإبادة الجماعية.

وبالتالي فإن إصدار تلك التدابير المؤقتة خاصة في حالات العدوان لا يمثل فقط إجراء واجبا لضمان سلامة تطبيق القانون الدولي والمواثيق ذات الصلة، بل هو أيضا واجب إنساني يفرضه الضمير أولا ثم القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة الذي ينص في مادته الأولى على "حفظ السلم والأمن الدولي" كأول مقاصد المنظمة، وبما ينبغي معه اتخاذ "التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإحلال بالسلم".

وعلى هذا؛ لا يمكن تصور جهة أخرى يجب أن تكون معنية بترجمة ما سبق في اختصاصاتها أكثر من محكمة العدل الدولية، كما نجد أن ميثاق الأمم المتحدة ذاته بما يتضمنه من قواعد وأهداف عامة يدعم الطبيعة الضرورية للتدابير المؤقتة المنصوص عليها في النظام الأساسي للمحكمة.

 

التدابير المؤقتة المنشودة في قضية غزة:

انطلاقا مما سبق؛ طلبت جنوب أفريقيا في دعواها ضد إسرائيل أن تصدر محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة تحمي أهالي غزة من صور العدوان الإسرائيلي كافة، وعلى رأسها: تعليق جميع العمليات العسكرية في غزة وضدها، ومنع اعتداء أي وحدات مسلحة على أهالي غزة.

كما طلبت الدعوى أن تشمل التدابير المؤقتة وقف جميع السياسات التي تعتبر صورا لجريمة الإبادة الجماعية مثل التهجير والطرد والتشريد القسري والحرمان من الغذاء والمياه وعرقلة المساعدات الإنسانية الكافية، وضمان وصول المساعدات الطبية والإمدادات بصورة مستمرة لأهالي غزة، ووقف تدمير المرافق الحيوية في القطاع.

من الناحية النظرية يمكن للمحكمة قبول تلك الطلبات وإقرار تدابير مؤقتة، ويدعم هذا الاحتمال أنها قررت تدابير مماثلة بوقف العدوان في قضية الإبادة الجماعية للروهينجا عام 2020 وقضية العدوان الروسي على أوكرانيا عام 2022، لكن الحقيقة المجردة أن إقرار تلك التدابير ليست كافية لوقف معاناة الشعب الفلسطيني، وليست نافذة بذاتها، حتى إذا تضمن قرار المحكمة المنشود من جنوب أفريقيا بنودا تلزم إسرائيل بتقديم تقرير دوري بشأن تنفيذ التدابير أو الوضع على الأرض، كما حدث ضد ميانمار في قضية الروهينجا.

 

التدابير المؤقتة على طاولة مجلس الأمن:

بلا مراء، يتوقف تنفيذ التدابير المؤقتة التي تأمر بها المحكمة على إرادة الدول بشكل أساسي، فيتطلب الأمر توافق الطرفين على الالتزام بها.

ومع ذلك فإن التدابير المؤقتة أيضا تفتح سبيلا إلى مجلس الأمن يمكن أن يكون فعالا، إذا ما تبنى مجلس الأمن تلك التدابير المؤقتة وأصدر قرارا بإلزام الطرف المعني بها، لا سيما إذا كان هو الطرف المعتدي أو المتهم بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

ويمكن أن يتم ذلك بثلاث طرق؛ الأولى هي أن تخطر المحكمة الأمين العام للأمم المتحدة بالتدابير المؤقتة التي أقرتها "فورا" ليحيله بدوره إلى مجلس الأمن وفقا للفقرة الثانية من المادة 41 من النظام الأساسي للمحكمة، بغية وضع مجلس الأمن أمام مسئولياته الإنسانية والسياسية، فيصبح مسئولا عن تنفيذ صحيح حكم القانون الدولي أو التقصير فيه.

وبالنظر للتاريخ القريب؛ نشهد محدودية وبطء استجابة مجلس الأمن للتدابير المؤقتة لمحكمة العدل الدولية، ففي قضية الروهينجا تبنى مجلس الأمن قراره ضد ميانمار إنهاء جميع أشكال العنف وضبط النفس ووقف التصعيد في ديسمبر 2022، أي بعد نحو عامين من إقرار التدابير المؤقتة من المحكمة، مع الأخذ في الاعتبار أن روسيا والصين امتنعتا عن التصويت ولم تستخدما حق النقض (الفيتو) في تلك المرة.

أما في قضية أوكرانيا، وبسبب وضع روسيا المميز داخل مجلس الأمن، فشل المجلس في تبني أي قرار ينفذ التدابير المؤقتة الداعية لوقف العدوان الروسي، منذ مارس 2022 وحتى الآن.

أما الطريقة الثانية فهي تستند إلى التوسع في تفسير الفقرة الثانية من المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على أنه "إذا امتنع أحد المتقاضين في قضية ما عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر أن يلجأ إلى مجلس الأمن، ولهذا المجلس، إذا رأى ضرورة لذلك أن يقدم توصياته أو يصدر قرارًا بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم".

ويفترض التفسير الموسع لتلك الفقرة –ابتداءً- اعتبار التدابير المؤقتة نوعا من الأحكام فيكون تجاهلها أو مخالفتها مدعاة للجوء إلى مجلس الأمن، وهي نقطة جدلية، يرى البعض تضييقها أخذا في الاعتبار اختلاف الطبيعة القانونية بين التدبير والحكم من حيث النهائية والدوام، بينما يرى آخرون وجوب اتساعها باعتبار أن الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة يمنحان المجلس سلطة حل المنازعات سلميا واتخاذ الأعمال المناسبة لوقف العدوان وتهديد السلم والإخلال به، الأمر الذي يتماشى تماما مع جوهر التدابير المؤقتة لمحكمة العدل الدولية.

أما الطريقة الثالثة فتتوقف على المبادرة السياسية من أعضاء مجلس الأمن، وبالأخص المؤثرين منهم، لتبني قرارات بفرض التدابير المؤقتة أو الاستشهاد بها مباشرة، وهو ما لم يحدث إلا مرتين؛ أولاهما في قرار مجلس الأمن رقم 461 الصادر في 31 ديسمبر 1979 بإلزام إيران بالإفراج الفوري عن الرهائن المحتجزين بالسفارة الأمريكية في طهران، استشهادا بالتدابير المؤقتة التي أقرتها محكمة العدل الدولية في هذه القضية، والثانية في قرار مجلس الأمن رقم 819 الصادر بفي 16 أبريل 1993 بتأكيد سيادة البوسنة واستقلالها وإدانة انتهاكات الصرب، والذي تضمن إشارة صريحة في صدره إلى التدابير المؤقتة التي أقرتها المحكمة في هذه القضية.

 

خطوة تراكمية وليست هدفًا نهائيًا:

ومن حصيلة تعامل مجلس الأمن من خلال الطرق الثلاث سالفة الذكر يتبين أن إرادة مجلس الأمن التي يحكمها توازن القوى بين الدول دائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) هي المهيمن الحقيقي على تطبيق التدابير المؤقتة وفاعليتها، هي وغيرها من أوامر محكمة العدل الدولية وحتى أحكامها في قضايا العدوان التي لا تشهد التوافق بين أطراف النزاع المباشرين.

وعلى الرغم من ذلك فإن إصدار التدابير المؤقتة لا يعتبر أمرا هينا ولا يجب التعامل معه كإجراء شكلي، إذ أنه يمثل خطوة مهمة في عملية النضال القانوني التي تساند الحشد السياسي والدعائي في قضايا الجرائم ضد الإنسانية.

غير أن الواقع الذي يجرد التدابير المؤقتة من القوة التنفيذية، على ما تتسم به من إلزام قانوني وأدبي، وقبل ذلك أهميتها الحيوية للسلم العالمي، يؤكد الحاجة الماسة للتعاون الدولي من أجل تعديل ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية لاستحداث أحكام تضمن تنفيذ التدابير وتدعم مواقف المحكمة بقوة ضد الدول التي اعتادت تحدي القانون الدولي الإنساني وصكوك الشرعية الدولية.

معركة تبدو مستحيلة، ولكن آن أوان العمل المشترك من أجلها بعد ثمانين عاما من محدودية تأثير الذراع القانونية الرئيسية للأمم المتحدة في حماية أرواح البشر.

__________________

- هل تملك محكمة العدل الدولية وقف حرب غزة؟! قراءة في فاعلية التدابير المؤقتة، منشورات قانونية، 9 يناير 2024، https://2u.pw/n1Nq1w7

إن الأطراف المتعاقدة:

إذ ترى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بقرارها 96 (د – 1) المؤرخ في 11 كانون الأول / ديسمبر 1946، قد أعلنت أن الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، تتعارض مع روح الأمم المتحدة وأهدافها ويدينها العالم المتمدن.

وإذ تعترف بأن الإبادة الجماعية قد ألحقت، في جميع عصور التاريخ، خسائر جسيمة بالإنسانية، وإيمانًا منها بأن تحرير البشرية من مثل هذه الآفة البغيضة يتطلب التعاون الدولي.

تتفق على ما يلي:

المــادة الأولى

تصادق الأطراف المتعاقدة على الإبادة الجماعية، سواء ارتكبت في أيام السلم أو أثناء الحرب، هي جريمة بمقتضى القانون الدولي، وتتعهد بمنعها والمعاقبة عليها.

المــادة الثانية

في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أيًا من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:

(أ) قتل أعضاء من الجماعة.

(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

(ج) إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.

(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

المــادة الثالثة

يعاقب على الأفعال التالية:

(أ) الإبادة الجماعية.

(ب) التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية.

(ج) التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.

(د) محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية.

(هـ) الاشتراك في الإبادة الجماعية.

المــادة الرابعة

يعاقب مرتكبو الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة، سواء كانوا حكامًا دستوريين أو موظفين عامين أو أفرادًا.

المــادة الخامسة

يتعهد الأطراف المتعاقدون بأن يتخذوا، كلٌ طبقًا لدستوره، التدابير التشريعية اللازمة لضمان إنفاذ أحكام هذه الاتفاقية، وعلى وجه الخصوص النص على عقوبات جنائية ناجعة تنزل بمرتكبي الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة.

المــادة السادسة

يتحاكم الأشخاص المتهمون بارتكاب الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة أمام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على أرضها، أو أمام محكمة جزائية دو لية تكون ذات اختصاص إزاء من يكون من الأطراف المتعاقدة قد اعترف بولايتها.

المــادة السابعة

لا تعتبر الإبادة الجماعية والأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة جرائم سياسية على صعيد تسليم المجرمين، وتتعهد الأطراف المتعاقدة في مثل هذه الحالات بتلبية طلب التسليم وفقًا لقوانينها ومعاهداتها النافذة المفعول.

المــادة الثامنة

لأي من الأطراف المتعاقدة أن يطلب إلى أجهزة الأمم المتحدة المختصة أن تتخذ، طبقًا لميثاق الأمم المتحدة، ما تراه مناسبًا من التدابير لمنع وقمع أفعال الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة.

المــادة التاسعة

تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسئولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة.

المــادة العاشرة

تحمل هذه الاتفاقية، التي تتساوى في الحجية نصوصها بالإسبانية والإنكليزية والروسية والصينية والفرنسية، تاريخ 9 كانون الأول / ديسمبر 1948.

المــادة الحادية عشرة

تكون هذه الاتفاقية حتى 31 كانون الأول / ديسمبر 1949، متاحة للتوقيع باسم أية دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وأية دولة غير عضو تكون الجمعية العامة قد وجهت إليها دعوة للتوقيع.

وهذه الاتفاقية واجبة التصديق، وتودع صكوك التصديق لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

وبعد اليوم الأول من شهر كانون الثاني / يناير 1950 يمكن الانضمام إلى هذه الاتفاقية باسم أية دولة عضو في الأمم المتحدة وأية دولة غير عضو تلقت الدعوة المشار إليها أعلاه.

وتودع صكوك الانضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

المــادة الثانية عشرة

لأي طرف متعاقد في أي حين، أن يجعل انطباق هذه الاتفاقية يشمل جميع الأقاليم التي يكون الطرف المتعاقد المذكور مسئولًا عن تسيير علاقاتها الخارجية، أو يشمل أيًا من هذه الأقاليم، وذلك بإشعار يوجهه إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

المــادة الثالثة عشرة

في اليوم الذي يكون قد تم فيه إيداع صكوك التصديق أو الانضمام العشرين الأولى، يحرر الأمين العام محضرًا بذلك ويرسل نسخة منه إلى كل دولة عضو في الأمم المتحدة وإلى كل من الدول غير الأعضاء المشار إليها في المادة 11.

ويبدأ نفاذ هذه الاتفاقية في اليوم التسعين الذي يلي تاريخ إيداع الصك العشرين من صكوك التصديق والانضمام.

وأي تصديق أو انضمام يقع بعد اليوم المذكور يصبح نافذًا في اليوم التسعين الذي يلي تاريخ إيداع صك التصديق والانضمام.

المــادة الرابعة عشرة

تكون هذه الاتفاقية نافذة المفعول لفترة عشر سنوات تبدأ من تاريخ بدء نفاذها.

وتظل بعد ذلك نافذة المفعول لفترات متعاقبة تمتد كل منها خمس سنوات إزاء الأطراف المتعاقدين الذين لا يكونون قد انسحبوا منها قبل انقضاء الفترة بستة أشهر على الأقل.

ويقع الانسحاب بإشعار خطي يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

المــادة الخامسة عشرة

إذا حدث، كنتيجة للانسحابات، أن هبط عدد الأطراف في هذه الاتفاقية إلى أقل من ستة عشر، ينقضي نفاذ مفعول هذه الاتفاقية ابتداءً من تاريخ بدء نفاذ آخر هذه الانسحابات.

المــادة السادسة عشرة

لأي طرف متعاقد أن يتقدم في أي حين بطلب تنقيح هذه الاتفاقية وذلك بإشعار خطي يوجهه إلى الأمين العام.

وتتولى الجمعية العامة البت في الخطوات التي قد يلزم اتخاذها بصدد مثل هذا الطلب.

المــادة السابعة عشرة

يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بإبلاغ جميع الدول الأعضاء والدول غير الأعضاء المشار إليها في المادة الحادية عشرة بما يلي:

(أ) التوقيعات والتصديقات والانضمامات المتلقاة طبقًا للمادة الحادية عشرة.

(ب‌) الإشعارات المتلقاة طبقًا للمادة الثانية عشرة.

(ج) تاريخ بدء نفاذ مفعول هذه الاتفاقية طبقًا للمادة الثالثة عشرة.

(د) الانسحابات المتلقاة طبقًا للمادة الرابعة عشرة.

(هـ) فسخ الاتفاقية طبقًا للمادة الخامسة عشرة.

(و) الإشعارات المتلقاة طبقًا للمادة السادسة عشرة.

المــادة الثامنة عشرة

يودع أصل هذه الاتفاقية في محفوظات الأمم المتحدة.

وترسل نسخة مصدقة من هذه الاتفاقية إلى كل من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وإلى كل من الدول غير الأعضاء المشار إليها في المادة الحادية عشرة.

المــادة التاسعة عشرة

يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتسجيل هذه الاتفاقية في التاريخ الذي يبدأ نفاذها فيه.

بدأت اليوم الخميس (11 يناير 2024) محكمة العدل الدولية أولي جلسات استماع في قضية قد تضر بسمعة إسرائيل، حيث تتهمها جنوب أفريقيا بارتكاب إبادة جماعية في حربها على غزة، وفيما يلي 7 أسئلة لتوضيح هذه المسألة، كما لخصتها صحيفة غارديان البريطانية:

ما هي محكمة العدل الدولية؟

هي المحكمة العليا للأمم المتحدة، تأسست عام 1945، مقرها لاهاي، تختص بالفصل في النزاعات بين الدول وإبداء الرأي الاستشاري، تضم 15 قاضيًا سيتم تعزيزهم بقاض إضافي من كل جانب في قضية إسرائيل، ويتم انتخابهم لمدة 9 سنوات من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن.

 

ما هذه القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل؟

تتهم جنوب أفريقيا إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في حربها على غزة، وتقول -في ملفها المؤلف من 84 صفحة- إن إسرائيل فشلت في منع الإبادة الجماعية وفشلت في محاكمة المسؤولين الذين حرضوا علانية على الإبادة الجماعية.

وتريد جنوب أفريقيا إصدار قرار يلزم إسرائيل باتخاذ تدابير مؤقتة لمنع تفاقم الوضع أثناء البت في القضية.

 

ما التعريف القانوني للإبادة الجماعية؟

تعرف اتفاقية الإبادة الجماعية، التي صادقت عليها 153 دولة بما في ذلك إسرائيل، الإبادة الجماعية بأنها أي فعل يرتكب بقصد التدمير، كليًا أو جزئيًا، لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية معينة.

وتشمل تلك الأفعال قتل أفراد الجماعة، وإلحاق الأذى الجسدي أو العقلي الجسيم بهم، وتدمير ظروفهم المعيشية بهدف اجتثاثهم، ومنعهم من الإنجاب، ونقل أطفالهم قسرًا إلى مجموعات أخرى.

وتبقى نية ارتكاب الإبادة الجماعية هي "العنصر الأكثر صعوبة في تحديده" وفقًا لتعريف الأمم المتحدة.

 

ما الذي قالته إسرائيل؟

مباشرة بعد إطلاق القضية، أصدر المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، ليئور هايات، توبيخًا قويًا لجنوب أفريقيا، واصفًا هذه المزاعم بأنه "لا أساس لها من الصحة".

وقال هايات في منشور على منصة إكس "ترفض إسرائيل باشمئزاز فرية الدم التي نشرتها جنوب أفريقيا في طلبها المقدم لمحكمة العدل الدولية. فادعاؤها يفتقر إلى أساس واقعي وقانوني، ويشكل استغلالًا خسيسًا ومهينًا لإسرائيل".

 

كم من الوقت تستغرق هذه القضية؟

من المرجح أن تستغرق القضية الكاملة -التي تبدأ اليوم الخميس لمدة يومين من جلسات الاستماع- سنوات. ومع ذلك، يمكن إصدار إجراء مؤقت في غضون أسابيع.

ومن أجل الحصول على الإجراء المؤقت، لا تحتاج جنوب أفريقيا إلى إثبات وقوع إبادة جماعية، بل لإثبات أن المحكمة سيكون لها اختصاص قضائي للوهلة الأولى، أو "ظاهري الوجاهة" وأن بعض الأفعال التي وردت في شكايتها تلك -بما في ذلك عدد القتلى والتهجير القسري للفلسطينيين في غزة- يمكن أن تقع تحت طائلة المسؤولية المتعلقة باتفاقية الإبادة الجماعية.

لكن، حتى إذا قررت المحكمة عدم اتخاذ إجراء مؤقت، فلا يزال بإمكانها أن تقرر أن لها اختصاصًا في البت فيها، وتستمر في القضية.

 

هل يحظى طلب جنوب أفريقيا بدعم دول أخرى؟

رحبت منظمة التعاون الإسلامي بطلب جنوب أفريقيا، وهي تضم 57 دولة العديد منها من البلدان الأفريقية وذات الأغلبية المسلمة مثل تركيا وماليزيا، واللتين أصدرتا أيضًا بيانات دعم منفصلة.

 

ما الأهمية التي ستكون لهذا الحكم؟

قرار المحكمة نهائي وغير قابل للاستئناف، إلا أنها لا تستطيع تنفيذ قراراتها، وليس من الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بها. لكن من شأن مثل هذا الحكم أن يضر بسمعة إسرائيل ويشكل سابقة قانونية.

____________________________________

صدرت الطبعة الأول من هذا الكتاب عن دار الخيال في عام 1999م، وحسبما جاء في مقدمة هذا الكتاب:

يتناول هذا الكتاب مذكرات مجموعة من القضاة والقانونيين الذين شهدوا عـصرنا الحاضر بكل ما فيه، وكتبوا عما رأوا أنه يستحق الكتابة عنه. ومن الواجب أن نعترف منذ الفقرة الأولى لهذه المقدمة بأن هؤلاء قد تحدثوا في مذكراتهم عن الهموم العامة والهموم الخاصة على حد سواء، ولم ينفصلوا أبدًا عن النسيج العام للأحداث التي مرت بوطنهم وبشعبهم، ومع هذا فإن انفعالهم بالأحداث المتوالية والمتتالية لم يكن مختلفًا عما هو متوقع من ضمائرهم، ضمائر رجال القضاء والقانون التي يكون لها اتجاه متميز ومتفرد تجاه الحكم على الأمور، هذه الضمائر القادرة على إصدار أحكام لا يسهل على كل الناس ولا على عامتهم أن يتنبأوا بها. فهؤلاء يقضون فيما يشجر أمامهـم لا كما يقضي الرأي العام، ولا كما يقضي الانفعـال السريع، ولا كما يقضي المنطق الشخصي، ولا كـمـا تقـضي الضرورات السياسية، وإنما يقضون تبعًا لما يرون أنه الحق وأنه العدل، وتثبت لنا المذكرات التي بين أيدينا أن أغلب هؤلاء قد انتهجوا في كتابتهم لها نهجًا قريبًا جدًا من نهجهم في كتابة المذكرات القضائية وفي كتابة الأحكام القضائية، فهم حريصون على النتائج وارتباطها بالمقدمات، وحريصون على التثبت من صحة الوقائع التي يبنون عليها أحكامهم، وحريصون كذلك على أن يستدلوا لأحكامهم بمرجعية تطمئن لها ضمائرهم، وأقلامهم... هذا من حيث المنهج.

أما من حيث الشكل فلا تكاد مذكرات القضاة والقانونيين تبتعد عن مذكرات أصحاب المهنة إلا بمقدار ما تبتعد طبيعة العمل الذي مارسه صاحب المذكرات عن جوهـر القضاء والقانون، ولهذا فإن القاضي الحاسم الحازم الذي في ثياب محمد عصام الدين حسونة، ومحمد عبد السلام، وممتاز نصـار، وحسن عبد الغفار، وماهـر برسوم، يتحول إلى مستشار قانوني في ثياب كل من محمد عبد السلام الزيات وجمال العطيفي دون أن يفقد جوهر البحث عن العدالة وتحريها.

وأما من ناحية النتيجة فإننا نحصل من مذكرات هؤلاء القضاة والقانونيين على أحكام واضحة وصريحة بالإدانة، يدينون بها مسئولين كبارًا دون أن يهتز لهم جفن ودون أن يهتز في أيديهم قلم، نحصل على هذه الإدانة الواضحة والصريحة والقاطعة من هذه المذكرات، مع أن المذكرات على وجه العموم لا تفعل هذا، ولكن مذكرات القضاة والقانونيين التي بين أيدينا تفعل هذا بثقة واطمئنان وتقدم لـنا أحكامها بدون تلميح ولا إبطاء، وحين تفعل ذلك فإنها تقدمه في إطار الأحداث العامة ونسيجها بدون تكلف أو اصطناع وبدون رغبة في اختلاق الفرصة، ولا في انتهاز الفرصة من باب أولى!!

ومن الحق أن جيل القضاة والقانونيين قد رأوا في الفترة الماضية من حياتنا أحداثًا كانت كفيلة بهز ثقتهم في أشياء كثيرة، ويكفى أنهم قد التحقوا بهذا المجال الوظيفي، وهو يومئذ أفضل المجالات وأرقاها وأكثرها مجلبة للمجد وللفخار، لكنهم ووجهـوا بعد سنوات قليلة بثورة وطنية تكرس نظامًا للحكم لا يعتمد على القانون بقدر ما يتجاوزه في أحيان كثيرة، بل ويصل الأمر ببعض أقطاب هذا النظام إلى أن يطلبوا من رجال القانون أن يكيفوا القانون مع النظام، وأن يكفوا عن محاولة تكييف النظـام وأوامره ونواهيه طـبقًا للقانون؛ لأن ذلك لا يقود إلى التقدم ولا إلى تحقيق مصالح الشعب التي يحرص النظام عليها. ومع هذا فقد بذل أغلب هؤلاء القضاة جهدهم في أن يعلـوا من شأن القانون بقدر ما كان ممكنًا لهم أن يعلوا من شأنه، وفي الصفحات التي سطروها في مذكراتهم لا يقف صراعهم عند حدود الآخرين، ولكنه في أحيان كثيرة ينطلق إلى نفوسهم وقلوبهم وضمائرهـم وهم يتأملون هذا الذي يحدث دون أن تكون لهم طاقة على دفعه ولا على تحجيمه.

ومن أهم ما تلفت المذكرات التي بين أيدينا نظرنا إليه، ذلك الإصرار الأكيد والواضح عند جمال عبد الناصر في فترات ممتدة من حكمه على أن يستعين بعدد من كبار رجال القانون المشهود لهـم بالكفاءة والصرامة، ولولا أن هذا كـان من الأخلاق التي راودت عبدالناصر لفترات طويلة، ما كان عصام حسونة ولا محمد عبد السلام ولا ممتاز نصار من أولي الرأي، ولا من رجال الحكم في فترة الستينيات العصيبة، ومع هـذا فإني مع حبي لعبد الناصر وتعاطفي معه لا أستطيع إلا أن أعـجب: كيف ينقلب هذا كله إلى التضحية بعصام حسونة والبحث عن وزير بديل، فلا يكون البديل إلا أبو نصير، ثم تتسارع الخطوات حتى تقع مذبحة القضاة بكل ما تحمله من دلالات وإدانات لا تنتهى!!!

ومن ناحية أخرى فإن مما يشرف عبد الناصـر إلى أبعد حد أن محمد عبد السلام قد استطاع، وهو نائب عام، أن يحقق كل مـا حقق، وأن يقرر كل هذا الذي قرره، وأن يتصرف على هذا النحو الذي تصرف به، على الرغم من سطـوة المتهمين وذويهم، والمخالفين وذويهم، والمرتشين وذويهم، والمحقق معهم وذويهم.

ومع هذا.. فإني لا أستطيع أن أبرئ النظام ولا عبـد الناصر نفسه مـن إبعاد محـمد عبد السلام في نهاية الأمر عن منصبه إلى منصب آخر..، ولكنى أستطيع أن أصور الأمر على أن عبد الناصر كان يستطيع تحمل التعددية والتسامح مع الآخر إلى حد ما، قد يكون أربعين في المائة أو أقل، وقد يكون ستين في المائة أو أكثر.. ولكنه على أية حال كان يتمتع بقدر محدد وإن لم يكن محدودًا من التسامح والتحمل Tolerance ولم يكن يتمتع بأكثر من هذا القدر.

ولعلي أريد أن أصل من هذا إلى حقيقة تتعلق بمستقبلنا لا بماضينا فحسب، ولعل القارئ فهم ما أقصد إليه من أن نحاول أن نربي في أجيالنا القادمة درجات أعـمق من القدرة على تقبل الرأي الآخر والإفادة منه، وتقدير فضل الذين يدلوننا على الفساد حتى وإن كان قريبًا منا ومحسوبًا علينا، ذلك أنه لـو أن قدر التسامح والاحتمال عند عبد الناصر كان قد فاق ما كان موجودًا عنده بالفعل ولو بـخمس وعشرين في المائة فقط، لاستطاع أن يجتاز فترة حكمه كلها دون أن تشوبها الآثار السيئة والضارة والمؤذية لمذبحة القضاة في سبتمبر عام 1969م على سبيل المثال.

قد لا يجيز لنا التاريخ أن نتمادى في استعمال «لو» والخضوع لها ولجملتي الشرط والجواب اللتين تعقبانهـا بالضرورة، ولكن التفكير العقلي قد يتيح لنـا التفكير في مثل هذا الافتراض، ولو أن عبد الناصر كان قد استبقى عصام حسونة ومحمد عبد السلام في موقعيهما المهمين في ١٩٦٨م، ولم يلجأ إلى ما لجأ إليه من تبـديل وتغيير (لـم يكن إلى الأفضل وإنما إلى الأسوأ..) لو أن عبد الناصر فعل هذا لكان قد نجا تمام النجاة من جرم مذبحة القضاة وما أعقبها..، وبودي لو وجدت واحدًا من الذين يدافعون بالفلسفة عن بعض ما شاب عهد عبد الناصر قادرًا على أن يخبرني أو ينبئني عما كسبه عبد الناصر على سبيل المثال من هذا التغيير وإبعاد هذين الرجلين!!

وأغلب الظن أن أقصى ما يمكن للمدافعين عن عبد الناصر أن يجيبوا به أن هذا العبث كان من تأثير مراكز القوى لا من فعل عبد الناصر نفسه.

لا أحب بطبعي أن أتمادى في قضايا السياسة مع كل جاذبيتها، فهذا أمر يسير، ولكن الأولى منه أن ألفت نظر القارئ إلى الجوانب الأخرى التي تتضمنها هذه المذكرات، وفي هذا الصدد فإني أود أن ألفت النظر إلى معاناة رجال القضاء مع سلكهم الوظيفي والأهواء التي تعصف به من قديـم (وهو ما نطالعه بقوة في مذكرات المستشار حسن عبد الغفار بل وجمال العطيفي)، وإلى معاناة رجال القانون من الاتجاهات السياسية المستخفية التي تكاد تعصف بالحكمة والعقل (وهـو ما نراه في مذكرات محمد عبد السلام الزيات، وفي مذكرات ممتاز نصار إلى حد ما)، وإلى معاناة النظم القضائية من بعض التقلبات السياسية المفاجئة (وهو ما نراه في مذكرات ماهر برسوم)، وإلى معاناة الضمير الوطني المستقل من ديماجوجيات المسئولين الكبار، سـواء فيمـا قبل الثورة أو ما بعدهـا (وهو ما نقرأه في مذكرات عصام حسونة، ومذكرات محمد عبد السلام، ومذكرات ممتاز نصار).

بقي أن أذكر أنني تناولت من قبل مذكرات واحـد من القانونيين في كتابي «مذكرات وزراء الثورة» الذي صدر عام 1995م، وهي مذكرات الدكتور أحمد خليفة الذي تولى وزارتي الأوقاف والشئون الاجتماعية، وقد كان وصوله إلى منصب الوزارة مبكرًا عن أقرانه بعدما نجح في أن يفوز في الانتخابات البرلمانية، وبدأ صوته يلمع في مجلس الأمة، ولمذكراته طابع سياسي واجتماعي مهم يكـمـل المنظورات التي كتبت بها المذكرات التي بين أيدينا، وأعتقد أن من حق القارئ أن يضـم الباب الخاص بهذه المذكرات إلى أبواب هذا الكتاب لولا أني لا أستطيع أن أكرر بابًا في كتابين مختلفين..، وسوف نرى كثيرًا من صور الاتحاد في الشكل والمضمون بين تلك المذكرات والمذكرات التي يتناولها هذا الكتاب، فنحن نرى في الباب الثالث من هذا الكتاب محمد عبد السلام يصل وهو النائب العام إلى نفس النتائج التي حدثنا عنها أحمـد خليفة فيما يتعلق بحماية المال العام والخوف على القطاع العام أن يتحول إلى الإقطاع العام، كما نرى جمال العطيفي يصل إلى ذات المعطيات التي تحدث عنها أحمد خليفة فيما يتعلق بعلاقة المجتمع والقانون وهكذا...

ولما كنت قد تعودت في مقدمات كتبي أن أشير إلى زمن كتابتها، فقد بدأت كتابة هذا الكتاب عام سبعة وثمانين (١٩٨٧م) ولم أنته منه إلا في مطلع ١٩٩٩م، وبالقطع فإن كتابة هذا الكتاب لم تستغرق اثني عشر عامًا، ولكنها امتدت طوال هذه الفترة، وبالطبع فقد أعدت كتابته أكثر من مرة كما سوف يلحظ القارئ في كثير من فقراته.

وفي كل الأحوال فإن المذكرات التي نعرض لها في هذا الكتاب تحفل بكثير من المتعة الذهنية والعقلية، وبكثير من حب المهنة والناس، وبكثير من الأدب الرفيع والفكر السامي، وبكثير من الخلق الذي لا يباري وربما لن يتكرر.

وكلي أمل في أن يستمتع القراء بما استمتعت به، وأن يستزيد فكرهم ويستضيء بما في هذه الفقرات الجميلة من نور الحق وضياء الحقيقة.

وإني لأرجو الله أن يغفر لي كل ما أكون قد وقعت فيه من ضلال أو تقصير، أو مجافاة للحـق أو العدل أو القيم العليا، وأن يتقبل عملي، وأن يعينني عليـه وعلى نفسي، وأن يجعلني قادرًا على رد فضل وطني ومواطني على، وأن يجعلني كذلك قادرًا على الوفاء بحقوق نعم الله التي لا تحصى ولا تعد على.

محتويات الكتاب:

  • الباب الأول: "شهادتي - ثورة 23 يوليو وعبد الناصر"، للمستشار محمد عصام الدين حسونة.
  • الباب الثاني: "معركة العدالة في مصر"، للمستشار ممتاز نصار.
  • الباب الثالث: "سنوات عصيبة"، للمستشار محمد عبد السلام.
  • الباب الرابع: "من منصة الاتهام"، للدكتور جمال العطيفي.
  • الباب الخامس: "آراء في الشرعية وفي الحرية"، للدكتور جمال العطيفي.
  • الباب السادس: "مصر إلى أين"، لمحمد عبد السلام الزيات.
  • الباب السابع: "السادات: الحقيقة والقناع"، لمحمد عبد السلام الزيات.
  • الباب الثامن: "مذكرات مستشار مصري"، للمستشار ماهر برسوم عبد الملك.
  • الباب التاسع: "ذكريات مستشار"، للمستشار حسن عبد الغفار.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

صدرت الطبعة الثانية من هذا الكتاب عن الدار السعودية للنشر والتوزيع في عام 1405ه/1985م، ومؤلفه هو فضيلة المرحوم الأستاذ الشيخ "محمد أبو زهرة"، وهو علم من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، ورائد من رواد الفقه الإسلامي في العصر الحديث، فقد أسهم في هذا الميدان بجهود مشكورة وبحوث وفيرة مثمرة كان لها أثرها في إثراء التشريع الإسلامي، وتجلية مناحي الأصالة والتطور فيه، ولا تزال آثاره فعالة في جامعات العالم الإسلامي ومعاهده وبين تلامذته، تشهد له باليد الطولى في علمه. وللتعرف على سيرته العطره وجهود العلمية والشرعية يمكنكم مراجعة كتاب: "محمد أبو زهرة..إمام الفقهاء المعاصرين والمدافع الجريء عن حقائق الدين" للدكتور محمد عثمان شبير.

وفي هذا المؤلف يقدم الشيخ "محمد أبو زهرة" تأصيلا لأضرار تلك الآفة الاجتماعية والاقتصادية وتاريخ المعاملات الربوية عبر الملل والعصور وموقف الشريعة الإسلامية منها، وتصوره عن نظام اقتصادي لا ربا فيه، وكيف يمكن التعامل مع المصارف القائمة.

ومما جاء في مقدمة الشيخ أبو زهرة لكتابه:

۱ - روى الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال : «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا قيل: الناس كلهم يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: «من لم يأكله ناله غباره».

تلك نبوءة النبي ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ وقد تحققت تلك النبوءة في عصرنا الحاضر، فالناس يأكلون الربا ومن لم يأكله ناله غباره، حتى صار الربا بلاء هذا العصر، وظنه الناس عرفًا حسنًا لا تجوز مخالفته، وحقًا لا تسوغ مقاومته، وأثَّر ذلك في تفكير الكثيرين، حتى لقد وجدنا بعض الذين يتسمون بسمة الدين يجيئون إلى النصوص القرآنية فيؤولونها ليخضعوها لذلك العرف الذي اشتهر، وينسون أن الأديان حاكمة على الأعراف، وليست بمحكومة لها تتبعها تبعية الخاضع المحكوم.

٢ - على أن المتتبع للأحداث، ليحكم عليها حكمًا مجردًا، غير مأخوذ باتباع الكثرة الكاثرة في مجموعها، يجد أن الربا آفة اجتماعية، فإذا كان عرفًا شائعًا فهو عرف فاسد تجب مقاومته، ويجب تجريد كل القوى لمحاربته، وإذا كان البناء الاقتصادي في كثير من الدول يقوم عليه، وجب العمل على وضع أسس جديدة ليوجد بناء صالح كامل فاضل، لا يقوم على الكسب الذي فيه مبادلة بأي نوع من أنواع المبادلة الحرة التي يتحمل فيها المعطي تبعات الكسب والخسارة!

وأن هذه الآفة تظهر آثارها جلية واضحة في الشره الذي يخيم على نفوس المرابين، ويجعلهم يستغلون كل قوى غيرهم وإنتاجه في كسب يعود عليهم، فإن من السهل على من عنده عشرة آلاف جنيه أن يقرضها بفائدة خمسة في المائة أو ستة في المائة، فيجيء إليه وهو جالس في عقر داره خمسمائة جنيه كل عام، من غير جهد ولا عمل، ومن غير أن يتعرض لخسارة، إلا أن تجتاح المقترض جائحة تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي ولا تذر، وقد يكون سببها تضاعف الفائدة أضعافًا كثيرة، مع كساد السوق، وضعف قوة الشراء، وفي غالب الأحيان يكون قد احتاط الدائن لماله فينقض عند نكبة المدين على ما عساه يكون قد بقي من ماله انقضاض البازي على فريسته.

وأن ذلك الكسل الذي يكون فيه الدائن، ليس هو الكسل المريح، بل هو الكسل الذي يصحبه الوسواس الدائم، والاضطراب المستمر، لأنه وقد أودع ثروته بين أيدي الناس، يراقبهم ويتتبعهم، لا ليشركهم في خسارتهم ومغارمهم كما يشركهم في كسبهم ومغانمهم، بل يترقبهم ليحافظ على ماله وفائدته التي تتضاعف عامًا بعد عام، ولذلك وصف الله سبحانه وتعالى الذين يأكلون الربا بقوله تعالت حكمته ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.

3- وأن الربا في ذاته يسهل على الناس أن يدخلوا في مغامرات لا قبل لهم باحتمال نتائجها، فالتاجر بدل أن يتجر في قدر من المال يتكافأ مع قدرته المالية على السداد، يأخذ مالًا بفائدة ليزيد في متجره، وقد يكسب من ذلك بلا ريب ولكن العاقبة غير محمودة إن نزلت البضائع، فإنه لا يكون في قدرته البيع في الوقت الذي يريد، إذ إن الفائدة التي تلاحقه، والديون التي تركبه تضطره للبيع في الوقت الذي لا يناسبه فتكون الخسارة الفادحة، أو يكون الإفلاس المدمر، والديون تحيط بذمته، كما تحيط الأغلال بعنقه.

وقد ثبت أن الأزمات الجائحة التي تعتري الاقتصاد العالمي تكون من الديون التي تركب الشركات المقلة، فإن عجزها عن السداد عند الكساد يدفعها إلى الخروج عن بضاعتها بأقل الأثمان إن وجدت من يشتري، ولذلك كانت تعالج هذه الأزمات الجائحة بتقليل الديون بطرق مختلفة، كإحداث تضخم مالي من شأنه أن يضعف قيمة النقد فيقل الدين تبعًا لذلك، كما فعلت أمريكا في سنة ١٩٣٤، أو بتنقيص الديون مباشرة كما فعلت مصر في التسويات العقارية.

4- وأن تسهيل القرض بفائدة شجع الكثيرين على الإسراف وعدم الادخار، فإنه إذا كان يشجع على الادخار الآثم عند بعض الناس، فهو يشجع على الادخار عند آخرين، لأنه إذا كان المسرف يرى من يقرضه بالفائدة في أي وقت، فإنه لا يرعوي، ولا يحسب حساب المستقبل بحيث يدخر في حاضره ما يحتاج إليه في قابله، وإن اضطرته حاجته يجد المصرف الذي يقرضه بفائدة، ويجد الضامن الذي يضمنه. ولذا نرى موظفين كبارًا لهم مرتبات ضخمة تكفي حاجتهم الحاضرة، ويمكنهم أن يدخروا منها لحاجتهم القابلة، ولكنهم لا يفعلون لسهولة الاقتراض في أي وقت يشاءون بالفائدة، وفي مرتبهم ومرتب بعض زملائهم الضمان الكافي للمصرف.

ولقد وجد الناس بعض المرابين يذهبون إلى نوادي القمار ويجلسون بجانب المقامرين ليمدوهم بالمال اللازم للاستمرار في قمارهم، وربما لا يكتفون بالفائدة التي يبيحها القانون، بل يتجاوزونها مسرفين في المجاوزة، فيكون المرابي قد تحمل آثامًا، إثم أكل مال الناس بالباطل، والإثم القانوني، وإثم التشجيع على جريمة هي من أخبث خبائث هذا العصر.

ه - وأنه يثبت مما ذكرنا وغيره أن التعامل بالربا يوجد اضطرابًا نفسيًا مستمرًا بالنسبة لأكل الربا ومؤكله على السواء، وأنه فوق ما يحدثه من اضطراب في النظام الاقتصادي يوجد قلقاً نفسيًا مستمرًا للمتعاملين، وهو بالنسبة لأكله ينبعث من جشع أساسه الكسب من مجهود غيره وبالنسبة للآخر المستغل ينبعث من جشع في كسب ليس في مقدوره، والجشع من طبيعته أن يحدث اضطرابًا مستمرًا في قلب الجشع، وأحاسيسه ومشاعره، ولذلك قرر بعض الأطباء المتدينين أن كثرة الأمراض التي تصيب القلب، فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر، أو الذبحة الصدرية، أو الجلطة الدموية، أو النزيف بالمخ، أو الموت المفاجئ، سببها ذلك الاضطراب الاقتصادي الذي ولد جشعًا لا تتوافر أسبابه الممكنة، ولقد قرر عميد الطب الباطني في عصره المرحوم الدكتور عبد العزيز اسماعيل في كتابه الإسلام والطب الحديث أن الربا هو السبب في كثرة أمراض القلب.

وأنه لو استبدل بذلك النظام الاقتصادي - الذي يجعل المقرض أكلًا دائمًا، والمقترض مأكولًا غارمًا في أكثر الأحوال أو في كثير منها- نظام اقتصادي أساسه التعاون بين المقرض والمقترض في المغنم والمغرم معًا لكان أجلب للاطمئنان، وأعدل وأقوم، وأهدى سبيلًا".

 

أما فهرس موضوعات الكتاب فجاء كالتالي:

  • مقدمة عن الربا
  • الربا في اليهودية والنصرانية
  • الربا في نظر الفلاسفة
  • الربا في الإسلام
  • الربا في القرون الأخيرة
  • علماء المسلمين والربا
  • الربا لا مصلحة فيه ولا ضرورة تدعو إليه
  • نظام لا ربا فيه
  • مآل المصارف القائمة

رابط تحميل الكتاب

أصدرت هذا الكتاب لجنة التأليف والترجمة والنشر، وطبعته مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة في عام 1345- 1926م، مستهدفًا جمع الأحكام المصرية وتلخيصها تلخيصًا وافيًا صحيحًا وتقريبها لطلابها باعتبارها عنصرًا لا غنى عنه لكل مشتغل بالقانون. والكتاب من جزئين يتضمنان كل الأحكام التي نشرت بالمجلات لغاية آخر سنة ١٩٢٥ تعليقا على قانون العقوبات وتحقيق الجنايات مع التعديلات الطارئة عليهما والقوانين المرتبطة بهما حتى الطبعة الأولي منه سنة 1926.

وقد قام د. على زكي العرابي بك بالجمع والتلخيص والترتيب، وهو كان وكيلًا بمحكمة مصر الابتدائية الأهلية، وأستاذًا بمدرسة الحقوق الملكية سابقًا، كما كان رئيس البرلمان المصري في فترة (7 مايو 1942 - 19 ديسمبر 1944) وفترة (17 يونيه 1950 - 10 ديسمبر 1952) في عهد الملك فاروق الأول.

 

ومما جاء في مقدمة الكاتب:

"يقوم الفقه على أساسين: تفاسير الشراح وأحكام المحاكم، وتسمى الأولى بالتفسير العلمي للقانون، والثانية بالتفسير القضائي، ولكل منهما تأثير على الآخر، فالعلماء يستشهدون بأحكام المحاكم، والمحاكم تستأنس بآراء العلماء.

وتمتاز أحكام المحاكم بأنها تصدر في نزاع حقيقي مطروح أمامها يسمع فيه القاضي أقوال الخصوم ويقف على حقيقة الخلاف بينهم ثم يطبق القانون على الوقائع التي يستخلصها، لذلك ربما كانت أحكام المحاكم أقرب الى مقتضيات الحياة العملية منها إلى المنطق المطلق الذي يغلب في آراء الشراح.

وآراء العلماء مهما كانت منزلتها الأدبية ليس لها في ذاتها قوة تنفيذية وإنما يرجع إليها القاضي بصفة استشارية محضة وعلى سبيل الاستئناس، وأحكامه هي وحدها التي تنفذها الحكومة بكل ما لها من قوة، ولذلك فإن الآراء التي تستقر عليها المحاكم في المسائل المختلف فيها تكون هي المعمول بها والتي عليها الفتوى.

وكثيرًا ما تسبق المحاكم المشرع وتمهد له الطريق في تقرير المبادئ ووضع القوانين، فإنه وإن كان القاضي لا يحكم إلا بمقتضى القانون وطبقًا لنصوصه إلا أنه قد تنشأ أحوال ليس لها نص في القانون وفي هذه الأحوال يطبق القاضي قواعد العدل، وفي أحوال أخرى يرى القاضي أنه وإن كان القانون قد وضع لها نصوصًا إلا أن الظروف التي وضعت فيها قد تغيرت وأصبحت تلك النصوص غير ملتئمة مع أنظمة الحياة، وهو وإن كان ممنوعًا من الحكم بغير القانون فإنه يعمد إلى تفسيره ويفتح لنفسه بهذا التفسير نافذة يخرج منها الطرح نير أحكامه وتحقيق العدالة، وفي هذه الحالة فإن القاضي تحت ستار تفسير القانون إنما يعدله في الواقع أو يغيره.

ثم يأتي الشارع بعد ذلك ويقر المبادئ التي تقررت بالطرق السالفة بنصوص قانونية صريحة.

لذلك كان جمع الأحكام وتلخيصها وترتيبها من أهم الأغراض للرجوع اليها في الفقه والقضاء والتشريع.

ولقد أنشئت المحاكم الأهلية في مصر ومضى عليها ما يقرب من نصف قرن عرض عليها فيه من مختلف المشاكل ما استوجب تفسير كثير من نصوص القانون وتقرير طائفة من المبادئ القانونية، كما أنشئت عدة مجلات حقوقية لنشر الأحكام المتضمنة لتلك المبادئ خدمة لطلابها من رجال القانون.

والطريقة المتبعة في تلك المجلات هي أن يوضع على رأس كل حكم فيها عند نشره ملخصه القانوني بعبارة موجزة ثم تجمع هذه الملخصات في نهاية كل عام في شكل فهرس هجائي ويكون هذا الفهرس هو الدليل الوحيد لتلك الأحكام.

ولكني لاحظت أن هذه الملخصات ينقصها شيء كثير من الدقة، فتارة لا يتضمن الملخص كل المبادئ المقررة في الحكم، وأحيانا يأتي غير مطابق لما قرره الحكم لخطأ في فهمه، وغالبًا يقرر المبدأ ولا يتضمن الأسباب التي بني عليها، والتي يكون القاضي قد أجهد نفسه في إيرادها.

لذلك عمدت إلى سد هذا النقص بتصحيح تلك الملخصات فجمعت كل المجلات القضائية التي ظهرت من عهد إنشاء المحاكم الأهلية وراجعت الأحكام الجنائية المنشورة فيها مراجعة دقيقة، واستخرجت المبادئ القانونية التي فيها بكل أسبابها وبعبارتها الأصلية ثم جمعتها ورتبتها في شكل تعليقات على قانوني العقوبات وتحقيق الجنايات مراعيا ترتيب الأحكام الخاصة بكل مادة بحسب المسائل المختلفة التي تتضمنها، بل راعيت في كل مسألة على حدتها إيراد الأحكام بحسب الآراء عند الخلاف.

ولقد ذيلت كل قانون بفهرس هجائي لتسهيل البحث خصوصا في قانون تحقيق الجنايات، فإن مبادئه لا تنتسب في كثير من الأحيان إلى نصوص صريحة فيه، بل قد تنتج من اجتماع عدة نصوص أو من مبادئ عامة أو من نصوص في قانون المرافعات وليس من السهل تعيين النص الذي يجب وضع المبدأ تحته. كذلك قانون العقوبات فإنه وإن كانت كل مبادئه يجب أن ترجع إلى نصوص صريحة فيه إلا أنه مع ذلك توجد مسائل تكررت في عدة نصوص منه وتشتت بذلك الأحكام الخاصة بها كظرف الليل والسلاح والاكراه والموظف ... إلخ. فالفهرس الهجائي يجمع كل هذه المبادئ ويحيل القارئ إلى موضوعها في الحال.

ويجب أن أنبه هنا إلى أن الكتاب يجب أن يقاس بأغراضه، ولم أقصد منه أن أضع شرحًا للقانون أو نقدًا للأحكام أو عمل مقارنة بينها وبين الأحكام الأجنبية وإنما قصدت شيئًا واحدًا، وهو جمع الأحكام المصرية وتلخيصها تلخيصًا وافيًا صحيحًا وتقريبها لطلابها باعتبارها عنصرًا لا غنى عنه لكل مشتغل بالقانون.

والكتاب يتضمن كل الأحكام التي نشرت بالمجلات لغاية آخر سنة ١٩٢٥ تعليقا على قانون العقوبات وتحقيق الجنايات مع التعديلات الطارئة عليهما والقوانين المرتبطة بهما لغاية اليوم".

وقد قسم الجزء الأول من الكتاب إلى كتب أربعة وملحق، على النحو الآتي:

الكتاب الأول: أحكام ابتدائية

الكتاب الثاني: في الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية وبيان عقوبتها

الكتاب الثالث: في الجنايات والجنح التي تحصل لآحاد الناس

الكتاب الرابع: في المخالفات

الملحق

قانون بشأن التجمهر

قانون خاص بإحراز وحمل السلاح

قانون بتقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة وبالمظاهرات في الطرق العمومية

قانون عن المتشردين والأشخاص المشتبه فيهم

مرسوم بقانون بوضع نظام بالاتجار بالمخدرات واستعمالها

 

 وقد قسم الجزء الثاني من الكتاب إلى كتب خمسة وملحق، على النحو الآتي:

الكتاب الأول: في التحقيق الإبتدائي

الكتاب الثاني: في التحقيق بمعرفة أحد قضاة التحقيق

الكتاب الثالث: في محاكم المواد الجنائية

الكتاب الرابع: في تنفيذ الأحاكم الصادرة بعقوبة

الكتاب الخامس: في سقوط العقوبة بالمدة الطويلة

ملحق:

في قوة الأحكام النهائية

رابط تحميل الجزء الأول

رابط تحميل الجزء الثاني

قدمت د. آمنة أمحمدي بوزينة دراستها المعنونة "إشكالية الخلط بين الإرهاب الدولي والمقاومة المسلحة (حالة المقاومة الفلسطينية)" ضمن العدد الأول من مجلة الإسراء للعلوم الإنسانية (يوليو 2016)، والتي بحثت فيها مسألة الخلط بين الإرهاب الدولي والمقاومة المسلحة. فعلى الرغم من أن قواعد القانون الدولي ومبادئه، فرقت بوضوح بين الإرهاب الدولي وبين المقاومة المسلحة من أجل تقرير المصير، إلا أنه تم الخلط بينهما ووضعهما في القالب نفسه، بإطلاق وصف الإرهاب السياسي على المقاومة المسلحة، ووصف بعض حركات المقاومة بالمنظمات الإرهابية، بقصد تشويه صورتها والحد من تأييدها، انطلاقا من التوظيف السياسي لأعمالها والبحث في نتائج استخدام القوة في إطار المقاومة والإرهاب دون الوقوف على أسبابها ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي من منطلق تغليب السياسة على القانون عند تكييف الظاهرتين. وترجع بدايات هذا التوجه إلى ما قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وإن كانت هذه الأخيرة قد عززت وعمقت من هذا التوجه، حيث تم استغلال تلك الأحداث لتصنيف بعض حركات المقاومة المسلحة ضمن المنظمات الإرهابية، بما في ذلك حركات المقاومة الفلسطينية. من هنا تظهر أهمية وجود إطار قانوني لتغيير هذا الوضع ووضع الحدود الفاصلة بين الإرهاب الدولي من ناحية والمقاومة المسلحة من ناحية أخرى، لتوضع الأمور في نصابها الفعلي.

الكلمات الدالة: (الإرهاب الدولي، المقاومة المسلحة الخلط بين الإرهاب والمقاومة، القضية الفلسطينية).

وقد خلصت الدراسة إلى أنه:

لا خلاف على أن كل من الإرهاب الدولي وحق المقاومة ينهض باستخدام القوة المسلحة، ولا خلاف في أن كل منهما تحكمه وتنظمه قواعد القانون الدولي وقرارات وأعمال هيئة الأمم المتحدة، ولا خلاف بأن الإرهاب يعد من أخطر الجرائم الدولية، ولا خلاف بأن حق استخدام القوة المسلحة في إطار حق تقرير المصير من قبل حركات المقاومة المسلحة، إحدى الضمانات الأساسية الممارسة كافة حقوق الإنسان وحقوق الشعوب على حد سواء، ومع ذلك، فإن عملية دعم النضال المسلح الحركات المقاومة والاعتراف بشرعيتها تضيق في ظل عملية الخلط بين الإرهاب والمقاومة المسلحة حيث تكيف الأعمال المماثلة في ظل عملية الخلط بين الإرهاب وحق المقاومة باعتبارها من قبيل أعمال المقاومة المسلحة تارة، ومن قبيل الجرائم الإرهابية تارة أخرى، على الرغم من الاختلاف الجوهري بين كل من الظاهرتين محل الدراسة.

وخاصة إذا علمنا أن الخلط بين الإرهاب والمقاومة المسلحة هو عملية مقصودة ومتعمدة في غالب الأحيان، تنبع من موقف سياسي تريد به بعض الدول التغطية على أعمالها الإرهابية، في المقابل تلصق تهمة الإرهاب بحركات المقاومة التي تخوض نضال مشروع ضد الاحتلال، وهذا ما أثر سلبا على صورة المقاومة الفلسطينية، واستغلال قوات الاحتلال الإسرائيلي لهذا الخلط، لوضع المقاومة الفلسطينية في خانة الإرهاب بغرض الضغط على الفلسطينيين وإجبارهم على التراجع عن مقاومتهم المسلحة، مما أدى إلى إهدار الحقوق المشروعة التي تكفلها المواثيق الدولية للشعوب المحتلة في التخلص من الاحتلال ونيل استقلالها وفقا للشرعية الدولية، وهكذا انقلبت المقاييس، وتحول الجلاد إلى ضحية وأصبح الفلسطيني المجرد من كل حقوقه الأساسية متهما بالعنف وقتل الأبرياء، وبدل أن يحاسب قوات الاحتلال الإسرائيلي على جرائم الحرب التي تم ارتكابها أمام أنظار العالم، اعتبرت تلك المجازر والانتهاكات دفاعا شرعيا عن النفس.

واختتمت الدراسة بمجموعة من النتائج على النحو الآتي:

  • إن المشكلة الأساسية التي يواجهها المجتمع الدولي تتعلق بخلو القانون الدولي من تعريف للإرهاب مقبول دوليًا، فمصطلح الإرهاب الدولي مازال مصطلحًا سياسيًا غامضًا، يحتاج إلى ضبط موضوعي مجرد من الاعتبارات السياسية.
  • إن إشكالية غياب تعريف للإرهاب، ترتب عنها إشكالية تمييزه عن المقاومة المسلحة لتقرير المصير والاستقلال باعتبارها من الحقوق القانونية التي تتمتع بها الشعوب بموجب القانون الدولي، فالإرهاب بما هو عنف يستخدم لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يشترك مع المقاومة من حيث استنادهما على العنف والقوة، ومع ذلك يبقى مميزًا عنه في أنه يستند إلى حق مشروع يقره القانون الدولي، ويمنحه صفة الشرعية ضمن حدود وضوابط معينة.
  • لا يمكن بأي حال من الأحوال الربط بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والإرهاب، حيث يوجد فارق كبير بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال، وبالتالي يتوجب على المجتمع الدولي دعم القائمين به وليس قمعه بحجة محاربة الإرهاب الدولي كما هو واقع الحال في فلسطين، كما أن نعت المقاومة والكفاح المسلح بالإرهاب تخليد للاحتلال وإضفاء للشرعية على العدوان.
  • إن هناك حدودًا تفصل بين الإرهاب والمقاومة والمسلحة، لذا لا يجب أن توضع المقاومة المسلحة في نفس الإطار مع الإرهاب، ولذلك فإن محاولة الخلط العمدي من ناحية بعض الدول وخاصة الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي بين الإرهاب والمقاومة المسلحة ليس له أساس من الصحة، بل قصد به إلصاق الصفة الإرهابية بحركات المقاومة الفلسطينية، وهذا ما أثر سلبًا على صورة المقاومة الفلسطينية، واستغلال الاحتلال الإسرائيلي لهذا الخلط، لوضع المقاومة الفلسطينية في خانة الإرهاب، بهدف التخلص من العمل العسكري الفلسطيني.
  • يعتبر معيار الشرعية والمشروعية من أهم المعايير في التمييز بين المقاومة والإرهاب الدولي، حيث إن أفراد المقاومة إنما يلجئون إلى السلاح من أجل تخليص تلك الأرض من براثن الاحتلال الحربي أو الاستعمار وبالتالي تعتبر أعمالهم مشروعة تندرج في إطار تكريس الحق في تقرير المصير والحق في الدفاع الشرعي عن النفس، في حين أن الإرهاب عمل غير مشروع.

وعلى ضوء النتائج السابقة، أوردت الدراسة هذه التوصيات:

  • إن عملية التمييز بين المقاومة والإرهاب عملية معقدة وصعبة تبعا لتناقض العلاقات الدولية وتعقيداتها، وهذا ما يشكل أهم التحديات في الظرف الراهن، ولا يمكن التخلص من هذه التحديات، إلا إذا تم التحديد الدقيق والتعريف القانوني المطلوب لكل من الإرهاب الدولي والمقاومة المسلحة، ولهذا فإننا نعتقد أنه يتعين على الجميع، محاولة إيجاد الحلول الكفيلة بوضع حد للخلط، ومحاولة وضع معايير واضحة المعالم للتمييز بينهما، وهي مهمة نعترف بأنها ليست بالمهمة السهلة.
  • يجب القضاء على أسباب الإرهاب من تمييز عنصري بين الشعوب والعدوان والتدخل في الشؤون الداخلية للدول والاحتلال وانتهاك حقوق الإنسان وعدم احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقد لخص الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة السيد كورت فالدهايم، جوهر هذه القضية بقوله: إن هناك أمرين يجب الانتباه لهما: الأول هو أنه إذا كانت هناك أعمال إرهابية تستحق العقاب، فإن هناك أعمالًا أخرى ترتبط بقضايا سياسية واجتماعية نابعة من المظالم التي تعاني منها الشعوب المقهورة. والثاني: هو أنه إذا كان لابد من القضاء على الإرهاب، فإنه يتحتم التعرف إلى مسبباته أولًا، وأن كل محاولة للعلاج تتجاهل الأسباب الجوهرية للإرهاب لن تكون ذات فائدة.
  • يجب وضع معايير قانونية للتفرقة بين مقاومة الاحتلال والإرهاب الدولي، خاصة مع إصرار الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي على الخلط المتعمد بين هاتين الظاهرتين، واتخاذ ذلك أداة سياسية وإعلامية لتشويه الحقائق وتزيين الوقائع عبر تلطيخ نضال الشعوب المضطهدة وسمعة حركاتها التحررية التي تلجأ إلى خيار المقاومة المسلحة في سبيل تحقيق أهدافها المشروعة في الحرية والاستقلال وتقرير المصير بشبهة الإرهاب واتخاذ ذلك في بعض الأحيان ذريعة عسكرية لضرب هذه الشعوب والعدوان عليها.
  • ضرورة التصدي للمحاولات المستمرة للخلط بين مقاومة الاحتلال والإرهاب الدولي، ففي حين نجد الولايات المتحدة تتغاضى عن الإرهاب الإسرائيلي داخل فلسطين المحتلة نجدها توسم أعمال حركات المقاومة الفلسطينية في سبيل تقرير المصير بالإرهاب، لهذا يجب على المجتمع الدولي السعي نحو إسقاط المعايير المزدوجة، والكف عن سياسة الكيل بمكيالين، وإنهاء التحيز الأعمى للاحتلال الإسرائيلي وإجباره على احترام الشرعية الدولية.
  • ينبغي وقف الصراع بين حركات المقاومة الفلسطينية وإعادة ترتيب الأولويات، بحيث لا ينبغي أن تكون أولوياتهم من يصل إلى السلطة، بل أن يتم بالاجتماع بينها من أجل استعادة الوطن الذي يسيطر عليه الاحتلال، ذلك أن استمرار الصراع بينها، سيؤدي لا محالة إلى خسارة فلسطين في غمرة انغماسهم الكامل في معركة السلطة، لذا يجب أن تتجاوز فصائل المقاومة الخلافات بينها، وتعمل على وضع استراتيجية وصياغة برنامج وطني، يحدد آليات العمل السياسية الفلسطيني المترافق مع آليات العمل الفلسطيني العسكري، لضمان الفاعلية لنتائج النضال الفلسطيني.

رابط تحميل الدراسة

________________

آمنة أمحمدي بوزينة، إشكالية الخلط بين الإرهاب الدولي والمقاومة المسلحة (حالة المقاومة الفلسطينية)، مجلة جامعة الإسراء للعلوم الإنسانية، العدد الأول، يوليو 2016.