لماذا تطمئن ضمائر صنّاع القرار في عواصم أوروبا وأميركا وهم يصطفون مع إسرائيل -يدًا في يد وكتفًا بكتف- وهي تشنّ حرب إبادة صليبية لا رحمة فيها ضد آخر حصون المقاومة الفلسطينية؟

حرب الإبادة لا جديد فيها إذا نظرنا إليها من المنظور الأوروبي – الأميركي أو بمنظار الحضارة الغربية من أثينا، ثم روما، ثم إسبانيا، ثم البرتغال، ثم هولندا، ثم فرنسا، ثم بريطانيا، ثم ألمانيا، ثم أميركا، ثم الصهيونية، حضارة تأسَّست على العنف، وعلى تفوق الغرب، وعلى النظرة المتدنية لكل من هو غير غربي أو غير أبيض.

فهو – في نظر الغرب – بربري وهمجي أو متخلف أو وثني، وهذه كلها مبررات تسوغ جريمة الإبادة بقلب مطمئن، تبيض وجهها وتنزع عنها ما فيها من إثم، ثم تضفي عليها وصف المهمة المقدسة أو الواجب المقدس.

عنف واستعلاء ملازمان للحضارة الغربية في كل أطوارها، يصاحبانها، وهي وثنية، وهي مسيحية، وهي استعمارية، عنف لم يفارقها في لحظة، إذا لم تصدره خارجها وضد الأغيار مارسته ضد نفسها بين قبائلها، ثم بين مذاهبها الدينية، ثم بين قوميّاتها، ثم بين إمبراطورياتها التي تصارعت واقتسمت النفوذ والنهب والسيطرة على القارات الستّ.

 

إبادة مادية ومعنوية

الغرب لا يعيش بغير حرب، والحرب لا تكتفي فقط بكسر شوكة الخصم، لكن تتطور إلى إبادته، سواء بشكل مادي يعني مسح الخصم من فوق وجه الأرض وإلغاء وجوده وحضوره في دفاتر التاريخ، أو إبادته بشكل معنوي؛ أي نزع فاعليته بصورة حاسمة ومسخ هُويته وإفقاده الثقة في نفسه، وتدفعه للتنكر لذاته والانسلاخ من جوهره والدوران الذليل في فلك الغرب المنتصر والقائد، من موقع المنهزم التابع، ونفسيته المنسحقة، وذهنيّته المشوهة، وروحانيته المنحطة.

نجح الغرب في كلا النوعين من الإبادة المادية والمعنوية في مواجهة الشرق (العربي – الإسلامي)، فخرج –باستثناء المقاومة الفلسطينية- من دائرة المواجهة، وأصبح يدور –باستثناءات هامشية– في أفلاك الغرب المنتصر، وما الصهيونية إلا ممثل حصري لهذا العنف والتفوق والاستعلاء الغربي.

الغرب –في فلسطين– يخوض معركته الأزلية منذ اليونان، والرومان، وحتى الصليبيين والفرنسيين والإنجليز إلى الأميركان. الصهيونية –في جوهرها– تخوض معركة الغرب، أو هي حلقة في مسلسل العنف الغربي الذي لم يتوقف تصديره إلى الشرق: قديمه وحديثه.

يتساوى المعنى حين نقرر أن الغرب يخوض معركة الصهيونية مع المعنى حين نقرر أن الصهيونية تخوض معركة الغرب، الصهيونية – بشكلها الذي نعرفها عليه – هي أداة مهمة من أدوات الغرب في السيطرة على الشرق، ولو لم تكن الصهيونية موجودة في هذا المكان، وفي هذا التوقيت لكان الغرب قد اخترع –دون تردد– ما يحل محلها ويقوم مقامها وينوب عنها ويؤدي دورها.

لا حياة للغرب دون وضع الشرق العربي الإسلامي في القفص، وهو يؤدي هذه المهمة عن طريقين: توظيف الصهيونية، وتوظيف من يقبل التوظيف من بعض حكام الشرق، وبعض نخبه السياسية والفكرية والاقتصادية، فلم تعد الصهيونية في الخدمة وحدها، ولم تعد الصهيونية يهودية فقط، فقد تضافرت معها روافد عربية وإسلامية.

وهذا يفسّر لك المعضلة الكبرى: لماذا يصطفّ الغرب كله –بزعامة أميركا– مع إسرائيل، كما يفسّر لك لماذا يتخلّى الشرق العربي – الإسلامي كله عن المقاومة الفلسطينية.

 

جبهة واحدة

الغرب – مع الصهيونية يتصرف كجبهة واحدة، كحلف واحد، يربطه توافق على مبدأ أن هزيمة إسرائيل لا تجوز، وأن المساس بأمنها غير مسموح به، وأن تهديد وجودها من جذوره هو خطر يتهدد الغرب ذاته، وذروة هذا الحلف هو الإجماع على قيادة أميركا لا ينازعها منازع ولا يخرج عن مظلتها خارج، وهي –بذاتها– مخلصة لدورها القيادي كإمبراطورية وريثة للعنف والتفوق والاستعلاء الغربي.

الرئيس الأميركي إمبراطور كونيّ فعلي يملك صلاحيات لم يسبق أن ملكها إمبراطور من قبل، لا الإسكندر، ولا قيصر، ولا هارون الرشيد، ولا سليمان القانوني، ولا الملكة فيكتوريا، ورغم كل ما يقال عما في النظام السياسي الأميركي من توازن ورقابة متبادلة بين السلطات، فإن مساءلة الرئيس أمام الكونغرس لا تحد من سلطاته، فوزنه السياسي في أميركا والعالم –في نهاية المطاف– من وزن البنتاغون، من وزن وزارة الدفاع، من وزن القدرة غير المسبوقة في التاريخ على عسكرة الكون: برِّه وبحره وجوّه وفضائه الأبعد. الإمبراطورية تقود الغرب كله – بمن فيه الصهيونية – لتصفية آخر أنفاس الهُوية المستقلة غير المنسحقة أمام هيمنة الغرب والصهيونية في الشرق.

عُمر إسرائيل هو عُمر القيادة الأميركية، كلاهما من علامات القرن العشرين، وهو القرن الذي تلاشت فيه آخر رابطة عالمية تربط المسلمين، ففي مثل هذا الأسبوع من عام 1924م سقطت آخر خلافة إسلامية، سقطت بعد أن عاشت سبعة قرون، منها قرنان في تكون وتشكيل، وثلاثة قرون في ذروة التمكين، وقرنان في الهبوط بالتدريج.

وفرت على مدى ثلاثة قرون حوائط صد تحمي الشرق الإسلامي من الغرب المسيحي، بدأت الأفول الفعلي مع غزو بونابرت لمصر 1798م، لم تصده عن مصر، لكن حين تحرك من مصر قاصدًا الشام ومنه القدس، كانت جيوشها في انتظاره وارتدّ على أعقابه، وفشلت أوّل صهيونية حديثة.

 

صدمة وتخاذل

كذلك عندما تحرّكت قوات الحلفاء من مصر قاصدة الشام – وفي القلب منه القدس- كانت القوات العثمانية تعسكر في انتظارهم على جبهة سيناء، وقد انهزموا أمام قوات الجنرال اللنبي في معركة بئر السبع في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1917م، وخرج يواصل زحفه –الذي عجز عنه بونابرت– إلى القدس.

آثرت القوات العثمانية الانسحاب من المدينة حتى لا يتم تدميرها، إذا دارت الحرب على أسوارها، خرجوا منها بعد أن وفروا لها الحماية لمدة 673 عامًا، ودخلها الجنرال اللنبي، فارتفعت في روما أجراس الكنائس، ومن ذاك التاريخ التاسع من ديسمبر/كانون الأول 1917م والقدس في عهد الصليبية الجديدة، والصليبية الجديدة تتكفل بضمان وجود وبقاء وتفوق الصهيونية.

لا فرق بين مهمة الجنرال اللنبي والرئيس الأميركي –أو إمبراطور الغرب الأخير– بايدن أو من قبله أو من بعده، أي جنرال مسيحي كان سيفعل ما فعله الجنرال اللنبي، وأي رئيس أميركي سوف يفعل ما يفعله الرئيس الحالي، وقلْ مثل ذلك عن أي حاكم غربي، فلا فرق بين بطرس الناسك 1050 – 1115م، ولويس التاسع 1212 – 1270م، ونابليون بونابرت 1769 – 1821م، والرئيس الحالي إيمانويل ماكرون المولود في عام زيارة الرئيس السادات للقدس 1977م.

كذلك لا فرق بين الملك الألماني فريدريك الثاني 1194 – 1250م، الذي أعاد استرداد القدس بعدما حررها صلاح الدين، لا فرق بينه وبين الرئيس الألماني ووزيرة خارجيته الحاليين إلا في أن فريدريك الثاني –بكل صليبيته– كان أكثر تعقلًا وأقل تعصبًا من قادة ألمانيا الحاليين، فهو لم يسترد القدس في أحضان الصليبيين بالحرب، ولكن استغل الانقسامات والصراعات الدموية بين ورثة صلاح الدين وحصل عليها –سلمًا وهديةً وعربون صداقةٍ وتحالفٍ– من الملك الكامل 1177 – 1233م.

ويصف المؤرخ الدكتور قاسم عبده قاسم في ص 118 من كتابه " في تاريخ الأيوبيين والمماليك " هذه الواقعة بقوله: " لقد جاء فريدريك الثاني بجيش هزيل، وفي عنقه قرار الحرمان البابوي، ولكنه عاد بمكاسب لم تستطع أي حملة صليبية أخرى أن تحققها منذ نجاح الحملة الصليبية الأولى التي احتلت القدس في السنوات الأخيرة من القرن الحادي عشر الميلادي ".

ثم يقول في ص 119: " كانت الصدمة عنيفة على العالم الإسلامي، إذ إن سياسة التخاذل والخوف التي سار عليها السلطان الكامل، قد آتت ثمارها المُرة في هذه المعاهدة الفضيحة، فقد سلم –دون قتال– كل ما فتحه المسلمون أيام جَده صلاح الدين الأيوبي بعد حروب استرداد طويلة ".

 

وعي فاسد

المقاومة الفلسطينية التي صمدت شتاء 2023م – 2024م أمام تحالف الصليبية – الصهيونية، هي آخر أنفاس صلاح الدين؛ أي آخر الوعي الصحيح بجوهر الصراع، الصراع بين الشرق الإسلامي كله، والغرب المسيحي كله، وليس صراعات بينية داخلية بين مسلمين ومسلمين، في مقابل نموذج الوعي الفاسد الذي يمثّله الملك الكامل –ابن شقيق صلاح الدين– حيث تضطره صراعاته بين أشقائه الأيوبيين إلى التحالف مع العدو الإستراتيجي، ثم يكون تسليم القدس للصليبيين –كهدية– ثمن هذا الوعي الفاسد والتحالف الخاطئ.

انظرْ حولك في عواصم العروبة والإسلام، ترَ الملك الكامل حيًا لم يمت. الوعي الفاسد، التحالفات الخاطئة، سلاح فاسد، سلاح يرتد إلى صدر الأمة.

الوعي الفاسد، أو نموذج الملك الكامل، يقف وراء: محنة المقاومة، الخذلان العربي الإسلامي، الانسحاب الصامت من اعتبار القضية الفلسطينية قضية الأمة بكاملها وليس الشعب الفلسطيني فقط. وأعباؤها يلزم توزيعها على كل العرب والمسلمين.

وأخطر من كل ذلك، فإن الوعي الفاسد وراء عدم تسكين إبادة المقاومة في مكانها الصحيح، هي جزء من تاريخ، كما هي جزء من مشروع، كما هي جزء من مستقبل أو هي –الإبادة– آلية معتمدة من آليات الغرب للتعامل معنا، أو للتعامل مع من تراه خطرًا عليها.

إيان لوو Ian Law باحث في دراسات العرقية والعنصرية، وهو مؤسس ومدير مركز دراسات العرقية والعنصرية في جامعة ليدز بالمملكة المتحدة، له كتاب مهم تمت ترجمته إلى العربية تحت عنوان: " العنصرية والتعصب العرقي من التمييز إلى الإبادة الجماعية "، في الفصل الأول يشرح جذور فكرة التفوق العرقي بما أنها إحساس بالتميز ينتج عنه استعلاء الذات ثم ازدراء الآخرين، مركب الاستعلاء مع الازدراء يترتب عليه عنف، والعنف يصل إلى الإبادة، ثم الإبادة يترتب عليها مقاومة. وهو في (صفحة: 54) يؤرخ لها –أي الإبادة الجماعية– في النظام العالمي الحديث منذ مطلع القرن الخامس عشر فصاعدًا، إذ حفرت العرقية والتعصب العرقي لنفسها مكانًا في ذاكرتنا وفهمنا للعالم عبر أشكال من الإبادة الجماعية.

 

عبودية أطلسية

وتتضمن هذه الأشكال عمليات القتل الجماعي للسكان الأصليين في الأميركتين وأستراليا في سياق الاستعمار الاستيطاني؛ أي الغزو والاحتلال وإحلال المستوطنين المستعمرين محل أهل المكان الأصليين، كذلك الإبادة الجماعية عبر ما يسمى العبودية الأطلسية، وهي جلب الرقيق –قسرًا– للعمل في مزارع المستوطنين –قهرًا– وقد ترتب على هذه العبودية مقتل من 15 إلى 20 مليون إنسان.

وحتى نفهم حرب الإبادة الجارية ضد الفلسطينيين، يلزمنا وضعها في سياقها الصحيح: استعمار استيطاني يتخلص بكل سبيل ممكنة من أهل البلاد الأصليين. وحتى نفهم موقف الغرب المشارك –بكل ما يملك– في الإبادة يلزمنا فهم أن سلوك الإبادة ليس طارئًا ولا عابرًا ولا هامشيًا ولا دخيلًا على الغرب، بل هو جذر تاريخي متجدد متأصل متواصل.

فلولا الإبادة ما تأسست رأسمالية الغرب، ولولا الإبادة ما تأسست الدولة القومية في الغرب، ولولا الإبادة ما تأسس الاستعمار الغربي، ولولاها ما ترتب على الاستعمار من ديمقراطية وثورات علمية وتكنولوجية، ثم لولاها ما كان الغرب هيمن على العالم الحديث، وأعاد تشكيله وفق هواه، وتظل الإبادة جاهزة لتوضع في الخدمة الفعلية كلما لزم الأمر في الحاضر والمستقبل. أو ما يسميه إيان لوو Ian Law القتل الجماعي أحادي الجانب. (ص 53). ثم يذكر بعض أمثلة الإبادة:

1- في منطقة الكاريبي –فيما يعرف الآن بهاييتي وجمهورية الدومينيكان– كان يسكنهما ثمانية ملايين إنسان عندما دخلهما المستعمر الإسباني، ثم في خلال ثلاثين عامًا فقط، نجح القتل الجماعي أحادي الجانب في إفناء الملايين الثمانية، حتى لم يتبقَّ منهم غير عشرين ألفًا فقط.

2- كندا والولايات المتحدة كان يسكنهما نحو عشرة ملايين، قبل أن يستعمرهما الفرنسيون والإنجليز، ثم على مدى خمسة قرون، تم إفناؤهم، فلم يتبقّ منهم غير 237 ألفًا فقط، قتل رسمي برعاية الدولة ذاتها: قتل مباشر، تفشي أوبئة، مجاعات، سرقة أطفال، مصادرة الغذاء، وحرمان السكان الأصليين من مواردهم.

3- في عام 1788م كان سكان أستراليا الأصليون سبعمائة وخمسين ألفًا (ثلاثة أرباع المليون)، جرت إبادتهم حتى لم يتبقّ منهم عام 1911م غير واحد وثلاثين ألفًا فقط، بالأساليب نفسها: مذابح منظمة، حملات إبادة، أمراض فتاكة، مجاعات، سرقة أطفال، مصادرة موارد.

4- جزيرة تسمانيا – من جزر أستراليا – عام 1804م كان يعيش عليها قبل دخول المستعمرين الإنجليز أربعة آلاف وخمسمائة، وفي غضون ثمانين عامًا – حسبما يقول المؤلف – تمت إبادة كل من تجري في عروقهم دماء أصحاب الأرض الأصليين، فقد قُتل آخر رجل عام 1869م، ولقيت آخر امرأة حتفها في عام 1876م، ولم يبقَ على قيد الحياة إلا بعض المهجّنين، أي من زيجات مشتركة.

كان المستعمرون يقومون برحلات صيد بتصويب رصاص البنادق، ثم إطلاقه في عيون السكان الأصليين، كان تسميم الطحين سلوكًا معتادًا من المستعمرين ضد السكان الأصليين. (ص 58).

5- نموذج أكثر حداثة، أول عملية إبادة جماعية افتتح بها القرن العشرون، باكورة أعمال الألمان في سجل الإبادة، ففي ناميبيا كان شعب الهيريرو يبلغ عدده ثمانين ألفًا، أبادهم الألمان حتى لم يتبقّ منهم غير ستة عشر ألفًا.

 

يختتم المؤلف هذا الجزء من الفصل الأول بملاحظتين في قمة الشجاعة:

الأولى: الإبادة الجماعية الاستعمارية استهدفت الاستيلاء على الأرض، والموارد الطبيعية والبشرية، ومن ثم كانت حجر الزاوية في بناء الرأسمالية.

الثانية: التطور الديمقراطي كان يسير، يدًا بيد، مع عمليات القتل الجماعي الذي تأسست عليه إمبراطوريات الإسبان، والبرتغاليين، والهولنديين، والإنجليز، والفرنسيين، وأضيف إليه الأميركان والصهاينة.

__________________

أنور الهواري، ديمقراطيات الإبادة الجماعية، الجزيرة نت، 7 مارس 2024، https://2u.pw/oyfLkDam

هذا البحث -الذي ينشره موقعنا إلكترونيا للمرة الأولى حصريا بإذن من المؤلف- هو أطروحة دكتوراة نوقشت في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة، عام 1440ه/2019م، مقدمة من د. هاني محمود -المدرس بقسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة عين شمس- ضمن متطلبات الحصول على درجة العالمية (الدكتوراه) في أصول الفقه، وكانت تحت إشراف أ. د. محمود عبد الرحمن عبد المنعم (أستاذ ورئيس قسم أصول الفقه بالكلية). وقد نشر البحث بعد ذلك في كتاب، من خلال دار اللؤلؤة بالمنصورة، عام ٢٠٢١، ضمن سلسلة الرسائل العلمية.

وتكمن أهمية ذلك البحث في تناوله بالنقد لرؤى المستشرقين والتغريبيين حول علم الأصول، وتاريخه، وأئمته، ومراجعه التراثية، مع التركيز على أحد المراجع الرائدة الذي نال القسط الأوفر من اهتمام الاستشراقيين ووجهوا إليه سهام المطاعن؛ وهو "الرسالة" للإمام الشافعي؛ ولذلك اختار د. هاني رسالة الشافعي عينة بحثية؛ فصارت دراسة رؤية المنظور الاستشراقي لكتاب الرسالة أشد تعبيرا، لا عن رؤية هذا المنظور لأصول الشافعي فحسب، بل عن رؤيتهم لعلم الأصول أيضًا، وللعلوم الإسلامية بوجه عام.

وينقل الباحث عن أ. إبراهيم السكران ما قرره بأن علم الأصول «ربما يكون أكثر علوم الإسلام تعرضا للتشكيك والارتياب والقدح في الخطاب الحداثي المعني بإعادة تأويل التراث». ويفسر الباحث ذلك بأن علم الأصول يقوم على محورين رئيسين: (مصادر التشريع)، و(قواعـــــد فهم النص)؛ ولذلك تجدهم تارة يعبرون بقولهم: (التلقي والاستدلال)، ويعنون بالتلقي: (مصادر التشريع) أو (الأدلة)، ويعنون بالاستدلال: (مبحث الدلالة). ولأنــــه المسؤول عن الدلالة فقد لاقى هذا العلم وابلا من سهام جنود الثقافة الغالبة، وحاولوا زحزحته عن طريقهم؛ لمسح الطريق، تمهيدًا لغرس بذور الفكر الغربي في الأراضي الإسلامية.

وقد تناول الباحث موقف هذا الفكر من أصول الاستدلال بدراسة تحليلية نقدية تسعى لبيان تهافت نظرية الفكر الحداثي التي أقام عليها نقده للتراث، ومحاولته هدم منهجية المعرفة في الإسلام القائمة على أصول الاستدلال التي عليها تنبني عقائده وشرائعه، والتي يؤدي هدمها إلى هدم الإسلام، وتكشف الخلل في منهجيته المتمثل في الانتقائية لما يخدم فكرته من التراث، والحذف والتحريف للمعطيات المعرفية والتاريخية التراثية التي يجد فيها ما لا يستقيم مع ادعاءاته.

 

محاور الكتاب:

يتألف البحث من مقدمة وتمهيد وسبعة فصول وخاتمة، على التفصيل الآتي:

تناول الفصل الأول؛ التعريف بالقراءات الاستشراقية والحداثية التغريبية، وتاريخها، وأهم مدارسها، وذلك من خلال بحث تاريخ المراجعات النقدية لعلم الأصول ومصنفاته: من رسالة الشافعي وحتى الآن، ومدارس القراءات الاستشراقية والتغريبية وأعلامها الذين تعرضوا لعلم الأصول؛ كالمدرسة الحداثية المستشرقة والمدرسة الحداثية التغريبية، وأبرز أعلامها الذين تعرضوا لعلم الأصول. كما تناول أيضًا الخلفيات المؤثرة في قراءات المنظور الاستشراقي للأصول وكتاب الرسالة مثل الفلسفة الغربية والألسنيات الغربية والنظرية التاريخية الغربية في تشكيل قراءات المنظور الاستشراقي لعلم الأصول.

 

أما الفصل الثاني؛ فقد تضمن بيان موقف المنظور الاستشراقي من علم الأصول إجمالا، من خلال بحث إشكاليات الحالة الراهنة لعلم الأصول في قراءات المنظور الاستشراقي بدعوي حاجة أصول الفقه إلى التقويم في رؤية القراءات التغريبية، ومأزق العقل الأصولي الإسلامي في نظر العصرانيين، ومناقشته، وبحث سمات وخصائص علم الأصول في قراءات المنظور الاستشراقي من خلال دعوى بشرية المنتج الأصولي وتوظيفها الحداثي. والطعن في قطعية أصول الفقه في رؤية القراءات التغريبية. كما بحث إجمالا مطاعن قراءات المنظور الاستشراقي في علم الأصول إجمالا، وتفنيدها، كدعوى تهافت النصوص التأصيلية، ودعوى تقييد علم الأصول للعقل العربي، ودعوى التوظيف الإيديولوجي للمفاهيم الأصولية.

أما الفصل الثالث؛ فقد تناول الموقف الإجمالي من رسالة الشافعي في القراءات الاستشراقية، وناقش فيه الباحث مناهج المستشرقين والتغريبيين في نقد رسالة الشافعي والباعث على نقد رسالة الشافعي عند المستشرقين والتغريبيين. كما تناول بالعرض والنقد رؤية المستشرقين والتغريبيين لمكانة كتاب الرسالة وأثره في علم الأصول في دعاوى مثل: دعوى تأثير رسالة الشافعي في تضخيم سلطة السلف، وأثر رسالة الشافعي في توحيد السلطة العلمية، ودعوى احتكار الشافعي للوظيفة القانونية والتشريعية، ودعوى مسؤولية الشافعي عن عقم علم الأصول، ورؤية المستشرقين والتغريبيين لخلفيات تدوين الرسالة، وممهدات عمل الشافعي في الرسالة وفقًا للرؤى الحداثية، ورؤية المنظور التغريبي للسياق التاريخي الذي نشأت فيه رسالة الشافعي، والربط بين رسالة الشافعي ورسالة الصحابة لابن المقفع، وتصور المستشرقين والتغريبيين للعمل الذي قام به الشافعي في الرسالة، ومطاعنهم في منهج الشافعي في الرسالة، ودعوى التعالي في المنهج عنده، واتهامه بعدم الحيادية، ودعوى خروجه عن نهج السلف في الاستدلال، ودعوى اضطراب المصطلح عنده ومقارنات المستشرقين والتغريبيين بينه وأضرابه ودوافعها الفكرية.

 

أما الفصل الرابع؛ فقد تناول رؤى المستشرقين والتغريبيين في آراء الشافعي في مباحث الأحكام، ومناقشتها؛ حيث بحث الطعن في تقسيم الشافعي للأحكام الشرعية، ورؤية المنظور التغريبي في تفسير الفرض عند الشافعي.

 

أما الفصل الخامس؛ فقد بحث رؤى المستشرقين والتغريبيين في آراء الشافعي في مباحث المصادر والأدلة، وتفنيدها: حيث ناقش انتقادات المستشرقين والتغريبيين لتصور الشافعي للأدلة الشرعية، كالطعن في ترتيب الشافعي للأدلة الشرعية، ونقد اتساع مفهوم النص عنده، وانتقادات المستشرقين والتغريبيين لتقرير الشافعي لحجية الأدلة الشرعية، والطعن في تأسيسه لسلطة النص، وتأسيسه لمبدأ تضمن النص حلولا لكل المشكلات، وفي تأصيله لحجية العمل بالظن.

كما ناقش رؤى المستشرقين والتغريبيين في آراء الشافعي في مباحث السنة، والطعن في مفهوم السنة عنده، والطعن في موقف الإمام الشافعي من حجية السنة، ونقد موقفه من أقسام الخبر، وشروطه لقبول الخبر، وموقفه من علاقة السنة بالقرآن، وآراءه في مباحث الإجماع ومفهومه عنده، ودعوى الخلط بين الإجماع والتواتر عنده، ودعوى اختراعه حجية الإجماع، ودعوى توظيفه لمفهوم العصمة في تأسيس حجية الإجماع. كما بحث أيضا رؤى المستشرقين والتغريبيين في آراء الشافعي في مباحث القياس، ونقد موقفه من القياس، ونقد تسويته بين القياس والاجتهاد، ونقد تأخير القياس عن خبر الواحد، ونقد وظيفة القياس في منظومة الشافعي الأصولية، ونقد أقسام القياس عنده، ورؤى المستشرقين والتغريبيين في آراء الشافعي في مباحث الأدلة المختلف فيها، ونقد موقف الشافعي من الاستحسان، ونقد موقفه من اجتهادات الصحابة وإجماعهم، ودعوى إهماله اعتبار المصلحة.

 

أما الفصل السادس؛ فقد ناقش رؤى المستشرقين والتغريبيين في آراء الشافعي في مباحث اللغة والدلالات، كدعوى تناقض الشافعي في تصوره للغة، ودعوى الانحياز الإيديولوجي للقرشية، ونقد مفهوم البيان عند الشافعي، ونقد قول الشافعي ببقاء العام على عمومه.

 

أما الفصل السابع؛ فقد بحث رؤى المستشرقين والتغريبيين في آراء الشافعي في باب الاجتهاد والتقليد، مثل اتهام الدكتور محمد أركون للشافعي بالحط من قيمة الاجتهاد، ونقد شروط الشافعي في المجتهد، ونقد حصر الشافعي آيات الأحكام، ونقد إدخال الشافعي صاحب الحكم في مجال الاجتهاد ومناقشته.

 

واختتم الباحث دراسته بالتأكيد على مجموعة من النتائج والخلاصات منها:

  • أهمية النظر للاستشراق، لا باعتباره مجموعة دراسات، بل باعتباره خطابًا موجها يصنع صورة مختَلقة عن الآخر (الشرق والعالم الإسلامي)، وأداة يستخدمها الغرب في تعزيز هويته والسيطرة على هذا الآخر.
  • المنظور الاستشراقي يتسع ليشمل كتابات الحداثيين العرب (التغريبيين) الذين انطلقوا من المنهجيات الاستشراقية، ورددوا نتائج البحث الاستشراقي في الوقت الذي شنعوا على المسلمين في تقليد الأئمة، وقد ترجح لديه عدم حصر لقب المستشرق في: (الباحث الغربي المهتم بعلوم الشرق وآدابه).
  • مغالطات الخطاب الحداثي العربي في نقد أصول الإمام الشافعي ورسالته، ونقد التراث عامة، كانت أبشع من مغالطات المستشرقين، وأشد تورطا فيما يمكن تسميته بــ (لا أخلاقية الخطاب)؛ لأن مغالطات الخطاب الحداثي (التغريبي) الناقد للتراث الأصولي نابعة عن (عمالة فكرية) للفكر الغربي الساعي في بسط هيمنته من خلال علمنة العلم الديني، وإحلال الرؤى التغريبية محل المفاهيم الإسلامية الأصيلة بعد تفريغها من مضمونها الإسلامي، وذلك أن الخطاب الحداثي قد فَقد استقلاله وقدرته على النقد الحقيقي، فلم يجد إلا سبيل التقليد التابع للخطاب الاستشراقي، مع غض الطرف عن حقائق شرعية لا يجهلها مبتدئ في الأصول والعلوم الدينية.
  • اهتم المستشرقون بعلم أصول الفقه، إدراكا منهم بأن هذا العلم مدخل إلى المعارف الكبرى عند المسلمين؛ لأنه العلم الذي تتجلى فيه تفاصيل (نظرية المعرفة) عند المسلمين؛ إذ يقع موقع ملتقى الأبحر الذي تصب فيه علوم المنهج عند المسلمين أنفس ما زخرت به من طرق اقتناص المعارف، كما هو معلوم في مسألة استمداد علم الأصول، وعلى هذا يسوغ أن نصف هذا العلم بأنه (إبستمولوجيا الإسلام الكبرى)؛ إذ يحدد علم الأصول: ما هي المعرفة (الأحكام)، وما موضوعها (الأفعال)، وما هي مصادر المعرفة (الأدلة)، وما هي أنواع هذه المصادر، وكيفية اقتناص المعارف منها، وأنواع ا لمعرفة المأخوذة من هذه المصادر، وشروط الباحث (الذات العارفة- المجتهد)، والعمل عند تعارض المصادر، وكيفية الترجيح بينها (مشكلات تحصيل المعرفة).

وقد أورد الباحث العديد من النتائج التي توجز ما فصله قي متن بحثه من انتقادات للإمام الشافعي ورسالته، ثم أورد عددًا من التوصيات المهمة في ختام دراسته.

يمكن الاطلاع عليها كاملة عبر هذا (الرابط)

مناقشة الرسالة مصورة فيديو نقلا عن قناة الباحث على اليوتيوب:

الجزء الأول

https://youtu.be/syuJztApMU4?feature=shared

الجزء الثاني

https://youtu.be/NQWodK0vXDw?feature=shared

 

 

 

يجري الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية هنا وهناك منصبًا في العادة على الأحكام الخاصة بالحدود وبعض المعاملات دون أن يتطرق إلى أمور أخرى قد تصل إلى درجة الفروض والأصول، ولكنها فروض ينساها الكثيرون، معتقدين أنها من الأمور التي لا ينبغي بالضرورة التركيز عليها.

هذه الأصول أو المبادئ التي ينبغي أن يرتكز عليها أي تطبيق صحيح للشريعة الإسلامية هي: الشورى، والعدالة، والمساواة، والتزام الدولة بالقانون المستمد من مصادر التشريع الإسلامية، واحترام حريات الناس وحقوقهم[1]، هذه هي الأعمدة الرئيسية التي يتعين أن يقوم عليها كل بنيان إسلامي للدولة وإلا قام بنيانها على شفا جرفٍ هارٍ سينهار به لا محالة.

وإذا كانت هذه المبادئ تقف على رأس الأولويات في تطبيق الشريعة الإسلامية، فإنه يتعين الانشغال الجاد بوضع ضمانات لها قبل أي حديث عن تطبيق الحدود الشرعية وباقي المعاملات. إذ كيف يتسنى أن نأتمن أنظمة الفساد والاستبداد على تطبيق مبادئ مهما بلغ سموها قبل أن نلجمهم بلجام يمنعهم من إساءة استخدام الشريعة وجعلها "قفازًا" يرتكبون به جرائمهم ثم يلقونه ولا يبالون؟!

 

القضاء المستقل.. ضمانة الشريعة

ولعل من أهم تلك الضمانات وأكثرها حيوية في النظام الإسلامي أن يكون هناك قضاء مستقل يقف سدًا منيعًا ضد الفساد والاستبداد؛ فبدون استقلال القضاء لن يكون هناك عدل ولن تكون هناك شورى ولا مساواة، ولا احترام لحريات المواطنين ولا اعتبار لحقوقهم، ولا سيادة حقيقية لمبادئ الشريعة الإسلامية على النظام القانوني القائم.

وقد عبر أستاذنا الجليل الدكتور كمال أبو المجد عن ذلك بقوله: "إذا امتهن القضاء أو مُس استقلاله فقد مُس – بحكم الاحتمال - كل حق وكل حرية وكل كرامة. ويوم يهتز الكرسي تحت القاضي فقد اهتزت عروش كثيرة، واهتز الأمن وانتشر القلق وضاعت الحقوق وامتهنت الحريات، وأوشك قانون الغاب أن يحل محل قاعدة القانون"[2]. ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين استقلالية القضاء وتطبيق الشريعة الإسلامية.

 

ما المقصود باستقلال القضاء؟

على الرغم من الاعتراف بمبدأ "استقلال القضاء" في جميع الدول فإنه من الصعب تحديد تعريف جامع له لتنوع النظم القانونية والسياسية في العالم، ولهذا حاولنا تعريفه هنا تعريفًا مبسطًا مع التركيز على بيان المحورين اللذين يحققان الاستقلال في العصر الحاضر، خاصة في الدول التي تأخذ بمبدأ "الفصل بين السلطات".

إلا أنه ليس صحيحًا أن استقلال القضاء يرتبط ارتباطًا لازمًا بهذا المبدأ، وبرهان ذلك - على سبيل المثال - أن القاضي في الدولة الإسلامية منذ قيامها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى سقوط الخلافة سنة 1924م كان يعتبر نائبًا للخليفة، فكان يتبع السلطة التنفيذية، إلا أنه مع ذلك كان - من الناحية العملية - يتمتع باستقلال يفوق إلى حد كبير الاستقلال الذي نراه في الدولة الحديثة، فكانت له سلطة وضع قواعد قانونية، وسلطة تقديرية كبيرة جدًا في فرض العقوبات التعزيرية، كما أنه لم يكن لأي خليفة من الخلفاء أن يجرؤ على إنشاء محاكم استثنائية تحاكم المواطنين (الرعية) بديلاً عن قاضيه الطبيعي، أو يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي، فضلاً عن أنه كان لا يخضع في قضائه إلا لأحكام الشريعة الإسلامية التي لا يمكن لأحد كان أن يجبره على مخالفتها أو الخروج عليها حتى الخليفة نفسه[3].

أما عن المقصود باستقلال القضاء فإن للزعيم الوطني مصطفى النحاس كلمة بليغة قال فيها: "معنى استقلال القضاء الذي وكلت حقوق الناس إليه، وأصبحت أموالهم وأرواحهم وديعة بين يديه، أن يجلس في محراب العدالة قبلته القسطاس المستقيم وغايته إحقاق الحق وإنصاف المظلوم، لا سيف من نقل أو عزل يُسلط عليه، ولا تهديد أو وعيد ينال منه، بل يختلي في صومعته المقدسة، هادئة نفسه، مطمئنًا ضميره، يبحث وينقب ويراجع، ويقلب حتى يصل إلى ما يستريح إليه، وليس عليه من رقيب سوى علام الغيوب.. ألا ما أسعد مصر وحكومتها الشعبية إذا أحيط قضاتها بضمانات قرت بها أعينهم، ورفعت بين الناس ذكرهم، ومكنت لهم استقرارهم، فلا يُقال لقاض بعد اليوم عزلناك لأنك حكمت، أو أقصيناك لأنك تحديت وما خضعت[4].

هذه الكلمة تلخص إلى حد كبير ما نقصده باستقلال القضاء في هذا المقام، وهو ألا تتدخل السلطة السياسية –سواء كانت تنفيذية أم تشريعية- في أعمال القضاء أو اختصاصاته، وألا يكون هناك سلطان على القاضي سوى ربه ثم ضميره. ومن ثم فإننا نرى أن هناك محورين لا يمكن أن يكون هناك استقلال للقضاء إلا بتوافرهما معًا:

 

سلامة التكوين النفسي والتربوي للقاضي

وهذا الأمر - كما عبر المستشار الجليل طارق البشري - يتعلق بالحس المعنوي اللازم دائمًا لرجل القضاء بأن في أدائه لعمله أداء لنوع "رسالة" أو مهمة سامية. فهذا الحس هو أمر لازم في التكوين النفسي للقاضي؛ لأنه هو الحس الذي يعوضه معنويًا عما لا يتوافر لديه أحيانًا من ماديات الحياة المكفولة للكثيرين أمثاله من النخب الاجتماعية، وهو "الحس" الذي يدربه على صفة "الاستغناء"، ولا استقلال بغير القدرة على الاستغناء[5].

ومن أفضل ما يعبر عن تلك الضمانة ما جاء في الكلمة القيِّمة التي ألقاها المستشار صبري أبو علم بمناسبة صدور قانون استقلال القضاء سنة 1943 -وكان وزيرًا للعدل آنذاك- من أن خير ضمانات القاضي هي تلك التي يستمدها من قرارة نفسه، وخير حصن يلجأ إليه هو ضميره، فقبل أن تفتش عن ضمانات للقاضي، فتش عن الرجل تحت وسام الدولة، فلن يصنع الوسام منه قاضيًا، إن لم تكن بين جنبيه نفس القاضي، وعزة القاضي، وكرامة القاضي، وغضبة القاضي لسلطانه واستقلاله.. وهذه الحصانة الذاتية، هذه الحصانة النفسية، هي استقلال القضاء، لا تخلقها نصوص، ولا تقررها قوانين، إنما تقرر القوانين الضمانات التي تؤكد هذا الحق وتعززه، وتسد كل ثغرة قد ينفذ منها السوء إلى استقلال القضاء، هي ضمانات وضعية تقف بجانب الحصانة الذاتية سدًا في وجه كل عدوان، وضد كل انتهاك لحرمة استقلال القضاء، بل إن شئت فهي السلاح بيد القوي الأمين، يذود بها عن استقلاله ويحمي حماه"[6].

وهذا الحس لا يتكون إلا عبر تربية القاضي وتنشئته على قيم الحيدة والاستقلال منذ التحاقه بالقضاء، بل إنه لا بد من التأكد من توافره عند التعيين في الهيئة القضائية.

فينبغي عند اختيار القاضي مراعاة أن تتوافر فيه السلامة العلمية والخلقية اللازمة لتولي وظيفة القضاء، ولهذا فإن الاختيار يجب أن يتم على أسس موضوعية لا تمييز فيها إلا بالنزاهة والكفاءة، وذلك أيًا كانت طريقة الاختيار، الانتخاب أو التعيين… إلخ.

وقد اهتم الفقه الإسلامي بتوافر شروط عديدة تجب مراعاتها في من يتولى القضاء تكفل اختيار أفضل العناصر الصالحة للقيام بأعباء تلك الأمانة، أوجزت بعضها المادة 1792 من مجلة الأحكام العدلية، حيث نصت على أنه: "(يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكِيمًا فَهِيمًا مُسْتَقِيمًا، وَأَمِينًا مَكِينًا مَتِينًا) ومعنى "حكيمًا" أن يكون عادلاً، تقيًا، عاقلاً، و"فهيمًا" أَيْ فَطِينًا، وَأَنْ يَسْتَجْمِعَ أَثْنَاءَ الْمُحَاكَمَةِ فَهْمَهُ وَذِهْنَهُ، و"مستقيمًا" أي أنه لا يكون محتالا مُعَانِدًا يَأْخُذُ الْهَدَايَا وَالرِّشْوَةَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ النَّاسِ الْمُخْتَلِّي الشَّرَفِ… و"أمينًا" أي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي بَرِيئًا مِنْ نَقِيصَةِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، و"مَكِينًا" أَيْ ذَا مَكَانَةٍ وَشَرَفٍ وَلَا يَكُونُ أَرْعَنَ أَوْ مِنْ أَسَافِلِ النَّاسِ، وَأَدَانِيهَا، و"متينًا" يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَوِيًّا شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ وَعَبُوسًا بِلَا غَضَبٍ[7].

ومن أولى مقومات استقلال القضاء وأبرزها كذلك إعداد القاضي، وتكوينه تكوينًا فنيًا دقيقًا، بحيث يمكن من خلال هذا الإعداد والتكوين تنمية ملكاته وتدعيم قدراته، وترسيخ معاني الحصانة والاستقلال والحيدة في نفسه وتأكيد قدسية وجلال رسالة القضاء في وجدانه مما يخلق لديه الوعي القضائي لتدعيم هذا الاستقلال وترسيخ مفهومه، وإلا فإنه قد لا يتمكن من الصمود في وجه أي تدخل في شئونه، بل قد لا يدرك خطر هذا التدخل حين وقوعه[8].

 

التكوين المؤسسي المستقل للجهاز القضائي

أي أن يكون القضاء "سلطة" من سلطات الدولة الثلاث، لها كيانها ومقوماتها وضماناتها، حتى تحسن أداء رسالتها، وتتأكد استقلاليتها، فيكون القضاة متحررين من أي تدخل بوعد ووعيد، بترغيب أو ترهيب، أو إشراف أو رقابة، غير متأثرين في قضائهم إلا بكلمة القضاء العادل، ولا يكون ثمة تدخل في شئونهم الوظيفية لغير السلطة (القضائية) التي يباشرون في ظلها رسالتهم[9]؛ وهو الأمر الذي عبر عنه الإمام محمد عبده حين كان مستشارًا بالمحاكم الأهلية بقوله: "إن خير ضمانة للقاضي أن يكون مصيره بيد مجتمع إخوانه".

ولهذا ينبغي النظر عند التحقق من استقلالية القضاء في دولة ما إلى مدى عدم خضوع القضاء لأي سلطة أخرى في شئونه المالية والإدارية والتأديبية، فإذا كان خاضعًا لسلطة أخرى في أي من هذه النواحي فإن هذا يمثل طعنًا في استقلاليته وحياده.

فإذا توافر هذان المحوران فإن القضاء يكون مستقلاً استقلالاً يُسهم في تحقيق العدل الذي هو المقصد الأعلى من مقاصد الإسلام كما يضمن الحفاظ على سيادة الشريعة الإسلامية.

غير أنه ينبغي دائمًا مراعاة أن قياس مدى استقلالية القضاء في بلد ما، ينبغي أن يعتمد على التحقق من توافر المحورين سالفي الذكر من خلال النظر في النصوص التشريعية ذات الصلة في ذلك البلد وكذلك في الواقع العملي؛ إذ إن مجرد النظر إلى النصوص مجردة لا يعطي بالضرورة صورة حقيقية عما يجري في الواقع، فقد تكون النصوص بالغة المثالية، في حين أن ما يجري تطبيقه ينتزع منها مثاليتها انتزاعًا، كما قد لا توجد نصوص تشريعية مكتوبة ضامنة للاستقلال في حين أن القضاء يتمتع باستقلالية حقيقية في واقع الأمر.

 

استقلال القضاء وتطبيق الشريعة

إن تحقيق الاستقلال الكامل للقضاء في العالم الإسلامي يُسهم في السير خطوات نحو تطبيق الشريعة الإسلامية حتى في ظل النظام القانوني القائم؛ حيث إن الاستقلال سيعطي مساحة أكبر القضاة في التحرك نحو تطبيق الشريعة؛ إذ إنه في الوضع الحالي يعاني بشدة من تدخل وهيمنة سلطتي الدولة الأخريين -التنفيذية والتشريعية- في عمله[10]، مما يجعله في بعض الأحيان لا يستطيع فرض سلطته كاملة ويلجئه إلى إصدار أحكام تخالف المنطق القانوني الصحيح.

ومثال ذلك ما فعلته المحكمة الدستورية العليا في مصر بشأن تعديل نص المادة الثانية من دستور 1971 الذي يجعل مبادئ الشريعة هي "المصدر الرئيسي للتشريع" وليست "مصدرًا رئيسيًا"، حين قصرت أثر هذا التعديل -الذي تم سنة 1980- على القوانين اللاحقة فقط دون القوانين السابقة عليه مخالفة بذلك صحيح تطبيق الدستور وما استقرت عليه من قبل المحكمة نفسها بشأن قضايا أخرى مشابهة ولكن لا تتعلق بالشريعة الإسلامية، مما فسره البعض على أنه نوع من أنواع السياسة القضائية للمحكمة، استهدفت فيها عدم الاصطدام مع السلطة التشريعية[11] والسلطة التنفيذية.

ومن ثم فإننا نرى أن استقلال القضاء سيساعد القاضي على:

- التمكن من الامتناع عن تطبيق النصوص القانونية المخالفة للشريعة خضوعًا للنص الدستوري الذي يجعل الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع، وهو النص الذي قررته معظم دساتير الدول الإسلامية وإن اختلفت في بعض صياغاته، وذلك دون أن يضطر القاضي للتهرب من مسئوليته تحت مبررات لا سند لها من القانون خشية الاصطدام مع بقية سلطات الدولة.

- الإسهام في نقل المرجعية التشريعية في أحكامه من المرجعية الغربية إلى المرجعية الإسلامية عن طريق الرجوع في تفسير النصوص القانونية القائمة إلى الشريعة الإسلامية مباشرة واختيار أقرب التفسيرات للنص القانوني من داخل الفقه الإسلامي؛ أي عن طريق عمل إسناد شرعي للقوانين المطبقة في الدولة على النحو الذي شرحه باستفاضة المستشار طارق البشري في بحثه المعنون: "منهج النظر في دراسة القانون مقارنًا بالشريعة[12].

نخلص مما سبق إلى أن استقلال القضاء له علاقة متلازمة بتطبيق الشريعة، بل هو تحقيق لها، ومن ثم فإن المطالبة باستقلال القضاء تُعد مطالبة كذلك بسيادة الشريعة وتحقيقًا لقيمها ومبادئها ومقاصدها؛ ولذا فهي تُعد فرضًا دينيًا قبل أن تكون واجبًا وطنيًا أو حقا إنسانيا، ومن ثم فإن المنادين بتطبيق الشريعة يجب أن يكونوا دائمًا في طليعة العاملين على تحصين القضاء لا من منطلق سياسي فقط، بل من منطلق إسلامي في الأصل والأساس.

 

[1] راجع في تفصيل هذه المبادئ: د. محمد سليم العوا، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، القاهرة: دار الشروق، ط2، 1427هـ/ 2006م، ص 230، وانظر في التأكيد على أهمية هذه المبادئ وأولويتها عند تطبيق الشريعة الإسلامية: أ. د. أحمد كمال أبو المجد، قضايا عملية متعلقة بتطبيق الشريعة الإسلامية، محاضرة بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، 5 نوفمبر1989م، ص 11 -12، وكذلك بحثه المعنون: المسألة السياسية: وصل التراث بالعصر والنظام السياسي للدولة والمقدم للندوة التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الثانية: بيروت – يونيو 1987.

[2] من كلمته في حفل تكريم المستشار طارق البشري، راجع: طارق البشري القاضي المفكر، تحرير د. إبراهيم البيومي غانم، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1420هـ/ 1999م، ص26.

[3] توجد في التاريخ الإسلامي حالات استثنائية تؤكد القاعدة ولا تنفيها، فالتاريخ الإسلامي –على سموه- إلا أنه -في النهاية- تاريخ "بشري" وليس تاريخًا "ملائكيًا" أو "طوباويًا"، ومن يتصور غير ذلك فهو لم يفهم معنى أن الكمال لله وحده، وأن كل بني آدم خطاء، إلا أن التاريخ الإسلامي يبقى في النهاية هو أشرف تاريخ عرفته البشرية.

[4] ألقى الزعيم مصطفى النحاس (رئيس الوزراء) هذه الكلمة في الحفل التاريخي الذي أُقيم سنة 1943 بقصر الزعفران (مقر جامعة عين شمس حاليًا) بمناسبة صدور قانون استقلال القضاء "وحضره الملك، وكل حكام وقضاة مصر، والسفراء الأجانب لديها" (نقلاً عن: المستشار يحيى الرفاعي، استقلال القضاء ومحنة الانتخابات، القاهرة: المكتب المصري الحديث، ط1 2000م/ 1421هـ، ص 157-158).

[5] راجع المستشار طارق البشري، القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص 9.

[6] انظر: المستشار يحيى الرفاعي، المرجع سابق، ص 160.

[7] راجع: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام.

[8] د. محمد كامل عبيد، استقلال القضاء-دراسة مقارنة، ص 1408-1409، بتصرف.

[9] راجع المستشار طارق البشري، القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء، المرجع السابق، ص 9. وانظر كذلك د. محمد كامل عبيد، استقلال القضاء- دراسة مقارنة…

[10] راجع في هذا الخصوص: د. ناثان ج. براون، ود. عادل عمر شريف، استقلال القضاء في العالم العربي، بحث مقدم إلى مؤتمر العدالة الثاني "دعم وتعزيز استقلال القضاء، القاهرة، 22-24 فبراير 2003.

[11] انظر د. محمد ماهر أبو العينين، الدفوع في نطاق القانون العام – الإشكاليات والدفوع أمام القاضي الدستوري، الكتاب الرابع، طبعة 2002، ص471.

[12] منشور ضمن كتابه "الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي". وتنبغي الإشارة إلى أن هذه الخطوة من الممكن أن يقوم بها القاضي في ظل الوضع الحالي إلا أنه قد يواجه عنتًا شديدًا قد يصل إلى التضييق عليه وتكبيل يديه مما يتوقع معه ألا يتحمس كثير من القضاة للمشاركة في تطبيق هذه الفكرة في الوقت الحالي إيثاراً للسلامة.

 


* سبق نشر هذه الدراسة بموقع المركز العالمي للوسطية بدولة الكويت، ثم أعيد نشرها بموقع إسلام أون لاين تحت عنوان: استقلال القضاء وتطبيق الشريعة.. تلازم منسي"..

 

كل شيء يغلي في مصر الآن، وكل المصريين يعرفون أن شيئًا سيحدث، وأن شيئًا يجب أن يحدث، حتي يتوقف الغليان، وحتي لا تنفجر الأوضاع، ولكن ليس هناك من يعرف علي وجه الدقة ماذا يحدث الآن ليس هناك من يعرف إلى أين نحن ذاهبون فكل الأحداث والأزمات تتلاحق: من أزمة القضاة إلى أزمة الصحفيين إلى أساتذة الجامعات، مرورًا بزيادة المظاهرات وتكاثر الاعتقالات والاحتقانات الطائفية التي أصبحت تتكرر علي أوقات متقاربة، وفي مواضع متفرقة من الجسد المصري.

هناك شيء يتغير، أو في طريقه إلى التغيير، ولكن أعراض هذا التغيير تشبه الحمي، فتقلق الكثيرين، وتشعرهم بعدم الأمان، لذلك بحثنا عمن يقدر علي تشخيص هذه الحالة فلم يكن هناك أقدر من المفكر المستشار طارق البشري، فهو إضافة إلى كونه قانونيًا بارزًا مفكر وباحث مهم في شؤون المواطنة، وله احتكاك كبير بمختلف فئات الشعب المصري.

قلنا له: هناك من يري أن بروز شخصيات عامة داخل نادي القضاة خلق مخاوف لدي النظام من خروج مرشح رئاسي من النادي.. فقال: لا أظن هذا على الإطلاق، لأن زكريا عبد العزيز ومكي لا يمارسان السياسة، وما يقومان به ليس عملاً سياسيًا، فهما يذودان عن عملهما الوظيفي وعندما تذود عن عملك الوظيفي وعن أدبيات هذا العمل وتريد أن تمارسه بحق دون زيف فهذا ليس عملاً سياسيًا، لكنه عمل مهني يتعلق بممارسة القضاء ووسائله وأساليبه ولا توجد به شبهة عمل سياسي، ثم إن عبد العزيز ومكي والخضيري وغيرهم من الجيل الذي نعايشه هم امتداد لمن سبقهم من القضاة أمثال يحيي الرفاعي وممتاز نصار فهي كلها أجيال تواصل الدور.

انتهت المحاكمة التأديبية للمستشارين مكي والبسطويسي إلى تبرئة الأول وتوجيه اللوم للثاني فهل يعني ذلك أن أزمة القضاة قد انتهت؟

لم تكن القضية إحالة المستشارين الجليلين مكي والبسطويسي إلى مجلس التأديب هذه تفريعة من تفريعات الأزمة وليست أصل الموضوع، لذلك لم ينته شيء فأصل المشكلة مازال موجودًا، ويتمثل كما حدد النادي وكما عرف الرأي العام في أمرين الأول: أن القضاء يسعى من خلال نادي القضاة إلى استكمال استقلاله عن وزارة العدل من خلال تعديل قانون السلطة القضائية بما يرفع سلطة وزارة العدل عن إدارة شؤون المحاكم والقضاء، ومشروع القانون مقدم منذ عام 1991.

الأمر الثاني: هو كيفية إشراف القضاء علي الانتخابات بأسلوب يوفر له النزاهة اللائقة والجديرة به، دون تدخل من جهة أخري، ودون أن يضغط عليه أحد أو تزيف إرادته وهذان هما المرضان الأساسيان، وهما علي حالهما إلى الآن، ولم يحدث بالنسبة لهما شيء، لذلك لا تزال المعركة محتدمة.

وما رأيك في لوم المستشار البسطويسي؟

لا أعرف المستشار البسطويسي معرفة شخصية لكنني أعرفه من خلال أحكامه وما كتبه، وأعرف علمه وفضله وأنه في دائرة نقض ذات شأن، ونحن نقدر جهده العلمي وأرسل له في مرضه كل الدعاء بالشفاء، أما بخصوص اللوم الذي وقع في حق المستشار الجليل فلا أجد إلا أن أقول إنه يؤسفني جداً أنني عشت إلى أن رأيت لومًا يقع على علم من أعلام محكمة النقض؛ لأنه وقف وقفة يذود بها عن الحق، ويعكس بها حرص القضاء علي ممارسة نشاطه بغير زيف أو ادعاء.

وهل هذه الأزمة جديدة في تاريخ العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية؟

في العهد الملكي كان هناك نوع من العلاقة بين وزارة العدل والقضاء يتمثل في الإشراف علي إدارته، إلا أن وزارة العدل كانت ضعيفة ولم تكن تحكم قبضتها علي القضاء كما حدث خلال السنوات العشرين الماضية، وطوال العمل بدستور 23 أي على مدار 30 سنة تقريبًا منذ 1923 وحتي 1952 تولى وزارة العدل 38 وزيرًا، أما خلال الـ25 سنة الماضية فقد تولى الوزارة 4 وزراء منهم وزير لأكثر من 16 سنة، فاستقرت الأوضاع وتغولت السلطة التنفيذية وتشخصنت الوظائف وأديرت من جانب السلطة التنفيذية بشكل خلق قدرًا كبيرًا من الهيمنة الشخصية والذاتية على مقدرات المؤسسات التي يفترض أن تقوم بدورها بعيدًا عن الشخصنة وبشكل موضوعي.

وفي عهد عبد الناصر كانت الدولة شمولية، وتم دمج السلطة التشريعية في السلطة التنفيذية، وعلي صعيد القضاء كان عبد الناصر لديه من القوة السياسية ما يجعله يستطيع أن يبرر لنفسه سياسيًا أن يقتطع من الاختصاص القضائي ليجعل هناك محاكم استثنائية في القضايا السياسية وفقًا لما يراه في صالحه السياسي، كما كان باستطاعته أن يصدر قوانين بإرادته تمنع المحاكم من نظر موضوعات معينة، وقد اكتفي بهذا الأمر حتي عام 1969، ولم يدخل في أمر غيره، لأن ذلك كان يحقق له منطلقاته السياسية، وفيما عدا ذلك فقد ترك القضاء في حاله فيما يتعلق بالقضايا العادية واليومية، وبقي القضاء دون أن يضغط عليه أحد إلى أن حدثت المذبحة في عام 69.

والخلاصة أن الأسلوب الذي يتبع اليوم في القضاء مختلف تمامًا عن الأسلوب الذي كان يتبعه عبد الناصر.

لم نكن نسمع قبل الآن أن قضايا الخلاف بين وزارة العدل والنادي تُصاغ علي أنها خلاف بين القضاة وبعضهم، فلم يكن الأمر هكذا أبدًا في أي وقت مضى، وما يحدث حاليًا مرجعه إلى نفوذ وزارة العدل علي بعض القضاة.

وبالنسبة للرئيس مبارك لماذا يصر في رأيك علي عدم التدخل في الأزمة؟

هذا الأمر يأتي اتباعًا للسياسة ذاتها التي تقوم على أن ما أريد أن أفعله إنما أفضل أن يتم بواسطة غيري، وأن يظهر غيري كما لو كان هو الذي يمارس هذا العمل وليس «أنا» هذه هي السياسة المتبعة.

وهل تعتقد أن يستمر مسلك الدولة في ترهيب القضاة؟

أنا لا أجد في مسلك الدولة أي قدر من المرونة والقدرة علي الاستيعاب الذي يتعين أن يكون موجودًا لقيادة دولة مترامية الأطراف بأجهزتها المتعددة مثل مصر وأظن أن هذا الأمر سيبقي علي ما هو عليه.

بعيدًا عن القضاة هناك ملف آخر لا يقل سخونة وهو الملف القبطي.. في رأيك لماذا تعددت الأزمات الطائفية مؤخرًا؟

المشكلة من وجهة نظري أن هذا الأمر وضع اليوم وضعًا خاطئًا بعدما كان موضوعًا من قبل في وضع أتصور أنه كان صحيحًا، إذ عندما تضع مسألة المسلمين والأقباط والعلاقة بينهما في إطار المواطنة المصرية التي تقوم علي أساس المساواة الكاملة والمشاركة التامة بينهما في كل أمر يتعلق بهذا البلد في سياساته وإدارته وفي التمتع بخيراته مع الالتزام بالواجبات، وأن أي فروق في هذا الشأن وهي توجد أحيانًا علينا أن نتشارك جميعًا مسلمين ومسيحيين في حلها وإذابتها، وهو واجب علينا جميعًا شريطة أن توضع المسألة في إطار المساواة والمشاركة، وأن يجري هذا الأمر بين المواطنين بوصفهم مواطنين سواء مسلمون أو مسيحيون، ومن هنا فأساس المساواة والمشاركة يتحقق به الاندماج الكامل.

وهل تتفق مع الرأي الذي يقول بانحسار الاندماج في الجماعة الوطنية عما كان عليه في الماضي؟

المشكلة تنبع من أن الإدارة الكنسية المصرية هي التي تسيطر علي الشأن القبطي وتستبد به دون أي مجال آخر، فلم نعد نجد نشاطًا قبطيًا في الأحزاب السياسية المختلفة بالشكل المناسب ولا نجد ذلك في الجمعيات، فاليوم أصبحت الإدارة الكنسية القبطية هي التي تسيطر علي هذا الأمر، وهو ما يثير من ناحيتي شيئًا من الإحساس بالخطر، لأنه يجعل الكنيسة تبدو كما لو كانت تمارس نشاطًا سياسيًا، والأمر الآخر أنها تكون جماعة اجتماعية وسياسية لا أستطيع أن أقول إنها منفصلة وإنما متميزة عن الشعب المصري، وهو أمر يجرح الانتماء الوطني وأرجو من إخواننا الأقباط أن يدركوا هذا الأمر لكي يقاوموه ويمارسوا أنشطتهم بيننا في إطار المصالح والأطر المشتركة دون أن ينعزلوا بهذا الشكل، وأظن أن هناك اتجاهًا قويًا يعمل لذلك بين المدنيين الأقباط وتبدو ملامحه في القليل الذي يصدر أحيانًا مما يكتب ولكن ضغوط الإدارة الكنسية عليهم كثيرة.

وهل رفض الكنيسة للطلاق والزواج الثاني يمثل تحديًا ما لسلطة الدولة المدنية وتشريعاتها وقضائها؟

الحكم القضائي الذي صدر مؤخرًا، ويقضي بحق المطلق القبطي في الزواج الثاني كان مستندًا للوائح الخاصة بالمسيحيين في مصر، ولم يبتدع قاعدة من عنده فهو طبق في هذا الأمر لوائح موجودة منذ الثلاثينيات وهي لائحة 38.

ولكن البابا منذ أن جاء منع الزواج الثاني وحرم علي الكنيسة أن تصرح به في حالات الطلاق التي لا تعترف بها الكنيسة، في حين أن البطاركة السابقين عليه كانوا يجيزون هذا الأمر فلا نستطيع أن نقول إن المسيحية لا تقبل وجهة النظر الأخرى؛ لأن البطاركة السابقين عليه كانوا يقبلون هذا الأمر أما أن يرفض البابا تطبيق حكم قضائي صادر من محكمة قضائية في إطار ولايتها العامة، فهذا الأمر خطير جدًا، وأظن أن الكنيسة الآن طعنت في الحكم، وهذا أمر جيد أن يطعن في الحكم وعلينا انتظار ما ستقضي به الإدارية العُليا في هذا الشأن، أما أن يصرح البابا بأنه يمتنع عن تطبيق حكم، فكيف نعيب بعد ذلك أي جهة في مصر عندما تقول إنها ستمتنع عن تطبيق حكم ما لأنه مخالف للشريعة الإسلامية، وكيف يعارض البابا هذا الأمر وقتها إذا كان هو نفسه قد فعل ذلك.

ولماذا تعاظم دور الكنيسة بهذا الشكل؟

ضعف الدولة هو الذي أدي إلى هذا الأمر فالكنيسة تكاد تكون مؤسسة الانتماء الفرعي الوحيدة في مصر التي لم تسيطر عليها الدولة ولم تضغط عليها لاعتبارات تتعلق بعلاقة الدولة بالخارج وليست لاعتبارات تتعلق بعلاقة الدولة بمواطنيها فقويت الكنيسة علي حساب الدولة هذا جانب، والجانب الآخر أن ظاهرة أقباط المهجر أدت دورًا مهمًا في هذا الشأن، وأقباط المهجر حقيقة ينتمون إلى الكنيسة دينًا لكنهم لا ينتمون إلى مصر وطنًا طالما أنهم تخلوا عن مصر، وبقوا في الخارج أو صارت جنسيتهم الخارجية هي المعول عليها في حياتهم وفي أمورهم كلها، ومن هنا يتعين أن يكون شأن المواطنة المصرية محصورًا بين مسلمي مصر ومسيحييها من المواطنين المصريين القائمين علي أمر هذا البلد.

وعلي صعيد العمل السياسي للأقباط.. لماذا يرفض البابا فكرة وجود حزب سياسي مسيحي؟

لأنه هو حزب سياسي مسيحي.. ولا يريد أن يكون هناك حزب آخر.

تقصد أنه يخشي من وجود معارضة قبطية؟

أتصور ذلك.

يطرح البعض فكرة العلمانية للخروج من الاختناقات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في مصر.. ما رأيك؟

لم تكن العلمانية حلاً قط في مصر وإذا رجعنا إلى الوراء قليلاً وأخذنا ما قال به واضعو مبادئ المواطنة المصرية لوجدنا أن أحمد لطفي السيد وعبد العزيز فهمي وغيرهما كان رأيهم في هذا الأمر أن مصر تكون المواطنة فيها بين المصريين، وإن اختلفت أديانهم، ولكن في الوقت نفسه فإن لمصر دينًا هو دين الغالبية فيها وهو الإسلام باعتبار أن دين الأغلبية هو الذي يحكم الإطار العام لأي مجتمع وهذا ليس كلامي ولكنه كلام لطفي السيد وعبد العزيز فهمي وعلينا أن نحتكم إليهما في هذا الشأن.

هل حقوق الاقباط كاملة رغم أنهم غير موجودين في المراكز الحساسة والقيادية؟

هذا من حقهم، وعلينا أن نسعي إلى تكملته، وهنا يتبادر سؤال هل يوجد مانع يتعلق بالدين يحول دون تولي الأقباط وظيفة معينة؟ والإجابة لا، كما أنه لا يوجد في القانون مانع يتعلق بذلك، وإذا كانت هناك ممارسات بهذا الشكل فعلينا إزالتها.. ومتي اعترفت بالمبدأ فعليك أن ترى تطبيقاته وتنظر فيها بأمانة ونزاهة، وقد سبق أن طبقنا ذلك في مجلس الدولة فكان هناك رئيس لمجلس الدولة مسيحي هو المستشار «حنا ناشد» وقد جاء في ترتيبه العادي وكنا نساند هذه الفكرة ولم تحدث أي مشكلة.

لدى الأقباط مخاوف من وصول الإخوان إلى الحكم.. بل إن أحد كبار المفكرين الأقباط هدد بالرحيل من مصر في حالة وصولهم للحكم فما رأيك؟

بداية لا نريد لأحد في مصر أن يكون له حق «الفيتو» علي خيارات الشعب المصري فالحقوق الأساسية هي المساواة والمشاركة وعلينا أن ننظر في الالتزام بها.

علي ذكر الإخوان نجد أنها جماعة لها مرشد.. ولها 88 نائبًا بالبرلمان ورغم ذلك تقول الحكومة إنها محظورة قانونًا.. وهو ما يجعلنا نتساءل حول قرار حل الجماعة في الماضي؟

قرار حل الجماعة لم يكن قانونيًا، وقد كتب الدكتور عصمت سيف الدولة مذكرة دفاع في إحدى القضايا تطعن في صحة هذا القرار حتى من الناحية الشكلية فقد أصدره مجلس قيادة الثورة بعد أن كان المجلس نفسه قد تم حله، وبالتالي لم يكن القرار صحيحًا لأنه صدر من جهة غير مختصة.

إذا عدنا للشأن الداخلي، نجد أن عام 2005 شهد حراكًا سياسيًا بدعوي الإصلاح فلماذا تراجع في الوقت الحالي؟

عن أي إصلاح تتحدث.. فالمادة 76 لم تكن إصلاحًا قط إنما هي شكل جديد للسيطرة علي انتخابات الرئاسة بواسطة مرشح فرد.

 

لكن الشارع نفسه شهد حراكًا ومظاهرات عديدة؟

هذا الأمر أتى في مواجهة رفض الدولة للإصلاح وليس العكس.

لكن الدولة لم تكن تتعرض للمظاهرات عكس ما يحدث الآن من قمع وإلقاء القبض علي المئات؟

وما الذي تتصور أن يقوم به نظام اعتاد علي الحكم الاستبدادي، وفيما يتعلق بتهمة إهانة الرئيس التي يتحدثون عنها فعلينا أن نتساءل ما الذي يقوله المتظاهرون أكثر مما تقوله الصحف فهي حجة لإلقاء القبض عليهم، ويبقي أن نقول إن النظام لدينا لم يعتد علي التعامل بشكل استيعابي أو بشكل مرن فيه أخذ ورد.

لكن البعض يري أننا مقبلون علي خريف غضب جديد في ظل زيادة الاعتقالات؟

كل الاحتمالات قائمة سواء في هذا الشأن أو في غيره من الصعب جدًا اليوم توقع ما الذي ستكون عليه السياسات في الأيام المقبلة، ولكن الواضح أن دعاوي الإصلاح الشعبية تقوى وتنتشر بين النخب انتشارًا كبيرًا، وأن هناك قدرًا من التصميم علي إبقاء هذه الدعوة قائمة، وقد اتضح هذا الأمر من خلال أزمات القضاة والمهندسين وأساتذة الجامعات والصحفيين والنخب المثقفة والاجتماعية بمختلف تنظيماتها وتكويناتها، فمن الواضح أن دعوة الإصلاح تعمقت لديها تعمقاً ينبئ بأنها ستبقي مصرة عليها ومتحركة من أجل تحقيقها، وهي دعوة عادلة وصحيحة يجب مناصرتها وبقي علي الدولة أن تقتنع بهذا الأمر قبل أن تحتدم الأوضاع بشكل يزيدها سوءًا.

ولكن لماذا بقيت دعوة الإصلاح لدينا أمرًا نخبويًا؟

دائمًا عندما يبدأ الحراك السياسي يبدأ بالنخب ثم يتحرك الشعب بعدها.

وهل تتوقع حراكًا شعبيًا؟

أتوقع ذلك ما بقيت النخب مستمرة فالنخب دورها ليس قليلاً وليس بسيطًا فمنها تتكون الاتجاهات المختلفة في المجتمع.

انتقدت في كتاباتك عدم وجود جهة يمكنها محاسبة الرئيس.. وقلت إن قبضة الرجل الواحد علي رقبة هذا الجسم ـ مصر ـ لا تمسكه وإنما هي تخنقه وتميته فما هو السبيل لتخفيف هذه القبضة؟

مصر أكثر دولة في هذه المنطقة يمكن أن يقوم فيها حكم مؤسسات غير شخصية تعتمد علي التعددية وعلي القرارات الجماعية فهي أكبر دولة من ناحية أسس التكوينات الإدارية والتنظيمية ومن ناحية الأشخاص الموجودين واتساع نطاق المتعلمين فيها والخبراء في كل التخصصات لكن مشكلتها أن لها قيادة فردية واحدة تمسك برقبتها وتكاد تخنقها وعندما يتاح لهذه التكوينات المؤسسية أن تقوم على ما رسمت نظمها من أجله كتعددية تنظيمية وقرارات جماعية وتوزيع اختصاصات مختلفة فسوف يعاد تركيب وبناء الدولة المصرية وأجهزتها ويعاد تركيب بناء المجتمع المصري في أقل من ثلاث سنوات.

وما الذي نحتاجه لإعادة هذا البناء؟

نحتاج إلى رفع القبضة الفردية عن مصير هذه الأمة.

يبقي أن نسأل عن قضية الساعة وهي التوريث.. هل تعتقد في حدوثه؟

من المتابعة لما يحدث يبدو أن هناك سعيًا إليه ولكن لا أظن أن هذا السعي سيكلل بالنجاح.

لماذا وما هي معوقات حدوثه؟

مصر أعقد من أن يستكمل فيها مشروع بهذا الشكل.. مصر فيها دولة مبنية وبناؤها واسع جدًا ومترامي الأطراف وهذا البناء من الصعب جداً أن تتم هذه العملية في إطاره وحتى إذا تمت وهو احتمال ضعيف سيتم عن طريق الخطأ وسرعان ما سيتم تصحيحه وأتوقع أن يواجهه الشعب والمجتمع في حالة حدوثه.

 


* نشرت جريدة المصري اليوم هذا الحوار تحت عنوان: "المستشار طارق البشري: خطة التوريث ستفشل ..سألناه عن «الإصلاح الممنوع» فقال: عن أي إصلاح تتحدثون؟!"، بتاريخ الخميس الموافق 8 يونيو 2006م. 

أعد هذه المذكرة مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، بالمشاركة مع معهد الدوحة للدراسات الأسرية بدولة قطر في سنة 2019.

وقد تضمنت تلك المذكرة مجموعة مقترحات تعديلية حول مدونة الأسرة. وهي إحدى مخرجات ورشة إصلاحية شارك فيها مركز "المقاصد"، ضمن مساهمات بحثية وإصلاحية انطلقت بتشكيل لجنة وطنية تروم إصلاح مدونة الأسرة المغربية وتقديم مقترحات تعديل بعض موادها، والتي تمخضت عن مجموعة لقاءات علمية منتظمة، وندوات أثرى نقاشها ممارسون في القضاء، وأكاديميون مختصون، فضلا عن تلك الدراسة الأكاديمية في شؤون الأسرة،  لاسيما النكاح والطلاق وآثارهما، من مدونة الأسرة.

وقد اصدرت الحكومة المغربية "مدونة الأسرة" عام 2004، لتشكل قانون الأسرة، الذي يتسم بالشمولية في نطاقه وحجمه، مما أحدث تحولًا كبيرًا في سياسة الدولة تجاه وضع المرأة والزواج والميراث وغيرها من المسائل الاجتماعية والثقافية المهمة. ومع طرح ملك المغرب مسألة التعديل في المدونة، وإعطائها مهلة للحكومة المغربية، من أجل رفع مقترحاتها بشأن تعديل مدونة الأسرة، لإعادة النظر فيها، بعد سنوات من مطالبات جمعيات نسائية بإدخال إصلاحات عليها، مما أثار العديد من الإشكاليات والمخاوف حول مرجعية تلك التعديلات المرتقبة ومدي توافقها مع الشريعة الإسلامية.

وقد تناولت المذكرة مقترحات التعديل على مدونة الأسرة عبر محورين، هما:

في محورها الأول؛ بعض مواد المدونة من أجل تعديلها، وهي خلاصة عدة توصيات ونتائج أعمال وأنشطة بحثية نظرية وميدانية حولها، نظمها المركز وشارك فيها خبراء وعدول ومحامون، وآخرون من الممارسين للعمل القضائي تمت مقابلتهم. منذ بدء العمل فيها في 2004.

وفي محورها الثاني؛ قدمت رؤى ومقترحات خادمة للشق القانوني في مجال تنظيم الأسرة معرفية وثقافية واجتماعية ودينية، تتكفل بها عدة جهات حكومية ومجتمعية تلامس باختصاصها وعملها قضايا الأسرة.

وفي ختام تلك المقترحات قدمت مجموعة من التوصيات لإنجاح تلك الورشة، ومن أهم هذه التوصيات:

- إنشاء مركز وطني لقضايا الأسرة يختص برصد مختلف التغيرات الاجتماعية، والوقوف عند مكامن الاختلالات التي تمس المنظومة القانونية والقضائية، وتتبع الإشكالات العملية الحاصلة في تنزيل مدونة الأسرة، واقتراح حلول للمشكلات المعروضة، وإعداد التصورات. على أن يتوج المركز عمله بإصدار دوريات ومنشورات مكملة ومبينة ودلائل أسرية عملية لمواكبة المستجدات المؤثرة على نمط الاجتماع وعلى العلاقة بين الأسرية.

- إحداث شراكة حقيقية بين الجهة الحكومية المكلفة بالأسرة وسائر المؤسسات ذات الصلة بالشأن الأسري من أجل الاشتراك في خدمة التأمين الأسري، وتخفيف العبء عن القضاء.

- تعزيز الدور الاجتماعي للأفراد بتوعيتهم بأهمية الوقف من أجل الأسرة، وأيضا للدولة فيما له علاقة بتحسين الوضعية المادية للشباب المعوزين قصد الزواج، وللأسر الفقيرة قصد الاهتمام بأبنائها وضمان استكمال دراستهم، وقد ظهر من خلال البحث أن أغلب المشاكل الأسرية إنما ترجع لسبب اقتصادي خالص لا يد للزوجين فيه.

 

وقد جاء في مقدمة المذكرة، ما يلي:

"لا يخفى ما حظيت به مدونة الأسرة حين صدورها في فبراير 2004، من ترحيب من مختلف الهيئات السياسية والفكرية، والحقوقية، والثقافية، والشرائح الاجتماعية، باعتبارها ثورة قانونية لتنظيم الأسرة، انطلاقًا من تسميتها المؤسساتية التي تستحضر كل مكوناتها، ومرورًا بما حققته من مكاسب همت المرأة والطفل، وبما أقرته من إجراءات وشروط تقر بمبدأ سلطان الإرادة والاختيار.

ولقد مر على العمل بها إلى اليوم ما يقرب من عقدين، ظهر خلالهما عند الممارسة وجود اختلافات في تفسير بعض موادها أو في تنزيلها، مما كان له الأثر غير المرضي في حفظ الاستقرار الأسري واستمراره، وهو ما نتج عنه ارتفاع مجموعة أصوات تنادي بمراجعتها والكشف عن بعض الثغرات القانونية، والعيوب التي تحول دون تطبيق قضائي سليم لها، سواء تعلقت بالنصوص من حيث عدم وضوحها، أو بتطبيقها، أو بالبيئة التي تتنزل عليها.

واستشرافًا لتقويمها وتقويتها، انسجاما مع ما طرأ من تحولات مجتمعية مست أفراد الأسرة كلهم، ورغبة في معالجة ما ظهر من تحديات مست القيم المجتمعية الفاضلة، جاء تدخل أمير المؤمنين بتشكيل لجنة وطنية تروم إصلاح المدونة وتقديم مقترحات تعديل بعض موادها، باعتماد مقاربة تشاركية مع الهيئات المعنية بالموضوع بصفة مباشرة، والانفتاح على مؤسسات المجتمع المدني والباحثين الأكاديميين، والحقوقيين، عبر جلسات استماع منظمة.

ولقد حدد جلالته إطار اشتغالها النظري بالتقيد بالنصوص القطعية المنظمة، والاجتهاد القائم على احترام الثوابت الدينية والوطنية، وإعمالا لمقاصد الشريعة، مع الانفتاح على المستجدات الإنسانية المعاصرة، واستحضار ما طرأ على منظومة القيم من تحولات وتغيرات.

وشعورًا بالمسؤولية في المشاركة في هذه المبادرة الملكية، فإن مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، باعتباره مؤسسة علمية تعنى ببحث ودراسة القضايا المجتمعية دراسة علمية أكاديمية، وكذا المسائل العلمية الراهنة، ومنها مدونة الأسرة، ووعيًا منه بأهمية الانخراط الإيجابي في مراجعتها، بادر بالمشاركة في هذا الورش الإصلاحي، وتقديم مقترحاته التي تمخضت عن مجموعة لقاءات علمية منتظمة، وندوات أثرى نقاشها ممارسون في القضاء، وأكاديميون مختصون، وعن دراسة أكاديمية في شؤون الأسرة، قام بها بالمشاركة مع معهد الدوحة للدراسات الأسرية بدولة قطر في سنة 2019. وهي تهم مسائل في كتاب النكاح والطلاق وآثارهما، من مدونة الأسرة.

وتتلخص هذه المقترحات في هذه المذكرة في محورين متكاملين؛ أحدهما يتضمن ما له علاقة بمواد المدونة والآخر يضع بين يدي اللجنة والمؤسسات المعنية مقترحات داعمة من خارج النص القانوني، نرى الحاجة ماسة إلى تفعيلها ليحصل التناغم والانسجام، ويتحقق مقصد التماسك والاستقرار الأسري، والبناء المجتمعي السليم".

لتحميل ملف المذكرة

 

 

المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري هو مفكر ومؤرخ وفقيه وأحد أبرز القانونين المصريين المعاصرين. شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري ورئيسًا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عدة سنوات، وترك ذخيرة من الفتاوى والآراء الاستشارية التي تميزت بالعمق والتحليل والتأصيل القانوني الرصين، كما تميزت بإحكام الصياغة القانونية، وما زالت تلك الفتاوى حتى الآن تمثل مرجعا لكل من الإدارة والقضاة والمشتغلين بالقانون بشكل عام على تفهم الموضوعات المعروضة عليهم.

وبدأ تحوله إلى الفكر الإسلامي بعد هزيمة 1967م وكانت مقالته "رحلة التجديد في التشريع الإسلامي" أول ما كتبه في هذا الاتجاه، وتتابعت مؤلفاته من أبحاث وكتب إلى أن وافته المنية في السادس والعشرين من فبراير عام 2021م.

وتم اختيار المستشار طارق البشري -رحمه الله- ليكون ضمن الشخصيات التي تضمنها كتاب "التكوين- حياة المفكرين والأدباء والفنانين.. بأقلامهم" الصادر عن دار الهلال في عددها رقم 566، الصادر في فبراير 1998م.

وانطلقت فكرة هذا الكتاب من خلال تناوله نخبة متنوعة من الشخصيات المتألقة في مجتمعنا ذات الإسهام البارز في حياتنا الفكرية..، حيث أتاح هذا الكتاب لكل شخصية أن تقدم تجربتها ورحلة حياتها الثرية من خلال الحديث عن تكوينها، من أجل وضع هذه التجارب الثرية أمام الأجيال الشابة لعلها تكون هادية لهم ومرشدة.

وتحدث المستشار طارق البشري عن تكوينه وتجربته من خلال هذا الكتاب، وتحديدًا في الصفحات من 25 حتى 50؛ حيث تحدث في البداية قائلاً:

يصعب الحديث عن «التكوين» دون أن يمتد الكلام إلى الذكريات ، ومازلت رغم تقدم السن بي معلق البصر بالمستقبل وما يصلح به وما ينبغي فعله، وهذا التوجه لا يتلاءم مع الالتفات إلى الماضي واستدعاء الذكريات، ولا تزال أجهزة الاستقبال لدي أقوى من أجهزة الإرسال.

ومن جهة أخرى لم أعتبر التفكير في نفسي، أرى ذلك نوعًا من إطالة النظر في المرآة مما لا أحبه، والموقف المثالي في ظني أن تنظر في شأن آخر، أي أن «تفنى» (بتعبيرات الصوفية) في موضوع تدرسه أو عمل تؤديه، حتى وإن كـان عـمــلاً يـدويًـا، ومن باب أولى لا أسيغ الحديث عن نفسي، يركبني الحياء وأشعر بعدم الجدوى، وأني أستنفد جهدي ووقت الآخرين فيما لا ينفع وما كنت أقوم على هذا الموضوع لولا أن حيائي من «مجلة «الهلال» غلب حيائي من الكتابة.

ثلاثة أمور أتصور أنها كانت بالنسبة لي بداية التكوين» أو هي التكوين بمراعاة أن ما جاء بعدها كان نموًا وتكملة وليس «التكوين ذاته» لأولها طابع وجداني خالص، ويتعلق ثانيها بالبيئة الخاصة المنزلية والأسرية، وأما الأمر الثالث فهو تفتح الإدراك على قضايا المجتمع، هي ثلاث نقلات من لفائف الطفولة المطوية في مشاعر ما قبل التمييز، إلى بداية التفاعل مع البيئة المحيطة، إلى بداية قراءة الواقع الاجتماعي.

 

رابط مباشر لتحميل تجربة المستشار طارق البشري (مستلة من كتاب "التكوين..")

 

رابط لتحميل كتاب التكوين كاملا

 

أعدت هذه الدارسة بتكليف من لجنة الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، كما قام بالبحث والصياغة بدقة المركز الأيرلندي لحقوق الإنسان التابع لجامعة أيرلندا الوطنية غالواي، وأنشئت هذه اللجنة عام 1975 عملًا بقرار الجمعية العامة رقم (3376). وطلبت الجمعية العامة أن توصي اللجنة بوضع برنامج تنفيذي من أجل تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف المتمثلة في تقرير المصير دون تدخل خارجي، وفي الاستقلال والسيادة الوطنيين؛ وفي العودة إلى دياره وممتلكاته التي شُرِّد منها.

مقدمة:

يُعدّ الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967 الحقيقة الوحيدة التي نشأت عليها أجيال من الفلسطينيين. ولا يزال لهذا الوضع آثار بعيدة المدى على حياة الشعب الفلسطيني وحقوقه. ويتعين علينا، كمجتمع دولي، أن نعمل على تعميق فهمنا للمسائل القانونية التي يثيرها هذا الاحتلال الذي طال أمده وتأثيره العميق على حقوق الإنسان والسلام والاستقرار في المنطقة.

وإزاء هذه الخلفية، فإن الدراسة حول شرعية الاحتلال الإسرائيلي تسُدُّ ثغرة معرفية بالغة الأهمية. يطمح هذا التحليل القانوني الشامل إلى المساهمة في خطاب مستنير، وتمكين الأفراد والمؤسسات بتزويدهم بالمعرفة والأدوات للدفاع عن العدالة والمساءلة وإعمال الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني. ومن خلال دراسة الصكوك والاتفاقيات والقرارات القانونية الدولية ذات الصلة، توفر الدراسة أيضًا تقييمًا شاملًا للالتزامات والمسؤوليات القانونية الملقاة على عاتق قوة الاحتلال والأطراف المعنية.

وتؤكد هذه الدراسة أيضا الحاجة الملحة إلى التوصل إلى حل عادل ودائم يستند إلى القانون الدولي لقضية فلسطين بجميع جوانبها. كما تسلط الضوء على ضرورة التمسك بمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك احترام حقوق الإنسان وتقرير المصير وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وهذا الفهم أمر بالغ الأهمية لتهيئة بيئة مواتية تمهد الطريق لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعمال حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال طبيعة هذه الدراسة التي جاءت في حينها في وقت تعمل فيه إسرائيل على تعميق استعمارها وضمها الزاحف للأرض الفلسطينية المحتلة. وفي مشهد عالمي سريع التغير حيث تستمر الديناميات الجيوسياسية في صياغة مضمون النقاش حول قضية فلسطين، توفر الدراسة إطارًا مرجعيًا لصانعي السياسات والدبلوماسيين والمنظمات الدولية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني بشأن تحليل قانوني شامل وموثوق يمكّن من اتخاذ قرارات مستنيرة والدعوة والسعي لتحقيق العدالة.

تناول هذه الدراسة سؤالين مركزيين:

أولًا، تتساءل الدراسة عما إذا كانت إجراءات الضم بحكم الواقع وبحكم القانون المتخذة من قبل إسرائيل، والاستيطان المستمر والاحتلال طويل الأمد للأرض الفلسطينية –الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة – تجعل الاحتلال غير شرعي بموجب القانون الدولي. ثانيًا، تبحث الدراسة في السؤال الذي تطرحه الآثار المترتبة على ثبوت احتلال غير مشروع. إذا كان من الممكن أن يصبح الاحتلال غير شرعي، فما هي العواقب القانونية التي ستلحق بجميع الدول وبالأمم المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار، من بين أمور أخرى، قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ميثاق الأمم المتحدة؛ اتفاقية جنيف الرابعة؛ القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان ذات الصلة؛ فتوى محكمة العدل الدولية الصادر في 9 يوليو 2004؟

تثبت الدراسة أن هناك سببين واضحين في القانون الدولي يحددان متى يمكن تصنيف الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي:

أولًا، عندما ينجم الاحتلال الحربي عن استخدام محظور للقوة يرقى إلى مستوى العمل العدواني، فإن هذا الاحتلال يعتبر غير شرعي منذ بدايته. ثانيًا، عندما يكون الاحتلال الحربي ناتجًا عن استخدام مسموح به للقوة دفاعًا عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، ولكن يتم تنفيذه بعد ذلك بشكل يتجاوز مبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي وينتهك القواعد القطعية للقانون الدولي، فإن سلوك الاحتلال قد يرقى إلى مستوى الاستخدام غير الضروري وغير المتناسب للقوة دفاعًا عن النفس.

وتبحث الدراسة في انتهاكات إسرائيل لقواعد القانون الدولي القطعية، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والحق في تقرير المصير، وحظر التمييز العنصري والفصل العنصري، باعتبارهما مؤشرًا على أن إدارة الاحتلال تنتهك مبادئ ضرورة وتناسب استخدام القوة في الدفاع عن النفس.

طبيعة الاحتلال الحربي:

تناولت الدارسة في هذا الجزء مقدمة موضوعية للطبيعة القانونية للاحتلال الحربي والنهج المتباين الذي تتبعه إسرائيل تجاه احتلال فلسطين. وإذ يقوم بذلك، فإنه يدرس على نطاق واسع المبادئ التي تقوم عليها القوانين التي تحكم الاحتلال الحربي، ويعرض نظرية الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي بموجب قانون الحرب، كما يسلط الضوء على الممارسات الدولية والاجتهاد القضائي الذي يصنّف الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي بموجب قانون مسوِّغات الحرب. علاوة على ذلك، تعرض الدراسة المبادئ الأساسية لسياسات ومواقف إسرائيل الرسمية بشأن طبيعة الاحتلال الحربي لفلسطين، ومشروعها الاستيطاني، وضمها للأرض الفلسطينية.

ترسي القوانين التي تحكم الاحتلال الحربي عددًا من المبادئ المهمة، بما في ذلك طابع الاحتلال، مؤقتًا كان أو فعليًا بحكم الأمر الواقع، كما ورد في المادة 42 من لوائح لاهاي (1907) التي تنص على أن “الأرض تُعتبَر محتلة عندما توضع فعليًا تحت سلطة الجيش المعادي”. وبالتالي، على الرغم من أن السلطة الحكومية قد تكون “معطلة مؤقتًا أو مقيدة إقليميًا” أثناء الاحتلال الحربي، فإن “الدولة تظل نفس الشخص الدولي”. ومن ثم، فإن قوة الاحتلال لا تكتسب السيادة على الأراضي المحتلة، بل إنها ملزمة بإدارة الأراضي مع الموازنة بين المصالح الفضلى للسكان الخاضعين للاحتلال ومصالح الضرورة العسكرية، بموجب مبدأ المحافظة الذي يفرض قيودًا. ومن الجدير بالذكر أن هذه الدراسة تسلط الضوء على مواقف السلطات الرائدة في القانون الدولي التي تعتبر أن ممارسة “الاحتلال المطول” ارتبطت باحتلالات لا تزيد مدتها على أربع أو خمس سنوات، مثل احتلال ألمانيا لبلجيكا لمدة أربع سنوات خلال الحرب العالمية الأولى، أو احتلال ألمانيا للنرويج لمدة خمس سنوات خلال الحرب العالمية الثانية. ويشير المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة مايكل لينك إلى أن الاحتلالات الحديثة المتوافقة مع مبادئ قانون الاحتلال لم تتجاوز 10 سنوات، بما في ذلك الاحتلال الأمريكي لليابان، واحتلال الحلفاء لألمانيا الغربية، واحتلال العراق الذي قادته أمريكا.

وأن اعتبار الاحتلال الحربي غير شرعي لا يقتصر على إسرائيل. على سبيل المثال، رأت محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بالأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو (2005)، أن احتلال أوغندا لإيتوري “ينتهك مبدأ عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية ومبدأ عدم التدخل”. وفي الوقت نفسه، أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة “الاحتلال العراقي غير الشرعي” للكويت، و”الإدارة غير المشروعة” لجنوب أفريقيا في ناميبيا. وفي غضون ذلك، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الثالثة إلى “عدم الاعتراف بشرعية الوضع الناتج عن احتلال أراضي جمهورية أذربيجان” وأدانت البرتغال “لإدامة احتلالها غير الشرعي” لغينيا بيساو. وعلى نحو مماثل، أدانت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "استمرار احتلال فيتنام غير الشرعي لكمبوتشيا". وفي عام 1977، أعربت الجمعية العامة عن قلقها العميق “لكَون الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 لا تزال، لأكثر من عشر سنوات، تحت الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي، ولأن الشعب الفلسطيني، بعد ثلاثة عقود، لا يزال محروماً من ممارسة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف”. وبالمثل، تشير ديباجات القرارات المتعاقبة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة إلى “التأثير الشديد للاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي المستمر بجميع مظاهره”.

وأخيرًا، يختتم هذا الجزء بعرض سياسات إسرائيل ومواقفها من طبيعة إدارتها للأرض الفلسطينية، وشرعية المستوطنات، وضمها للقدس. فعلى سبيل المثال، ترى وزارة الخارجية الإسرائيلية أن هناك “مطالبات متنافسة” على الضفة الغربية “يجب حلها في مفاوضات عملية السلام”، بما في ذلك المستوطنات.  ومع ذلك، رأت محكمة العدل العليا الإسرائيلية، في قضية المجلس الإقليمي لساحل غزة ضد الكنيست الإسرائيلي، أن “النظرة القانونية لجميع الحكومات الإسرائيلية” هي أن “إسرائيل تسيطر على المناطق في إطار احتلال حربي”. ومع ذلك، فإن إسرائيل لا تطبق اتفاقية جنيف الرابعة (1949) على الأراضي المحتلة لأنها لم يتم دمجها في قانونها المحلي؛ ومن الناحية السياسية أيضًا، تعترض إسرائيل على تطبيق الاتفاقية بناءً على نظريتها حول “السيادة المفقودة”. وفي غضون ذلك، تعتبر إسرائيل القدس المحتلة “العاصمة الأبدية غير المقسمة لإسرائيل” وتوضح أن القدس “أعيد توحيدها” في عام 1967 “نتيجة لحرب الأيام الستة التي شنها العالم العربي ضد إسرائيل”.

 

شرعية الاحتلال:

في هذا الجزء قدمت الدراسة سببين منفصلين بموجب قانون مسوِّغات الحرب حيث يمكن اعتبار الاحتلال الحربي غير شرعي، سواء منذ بدايته أم بداية من مرحلة لاحقة من الاحتلال:

أولًا، الاحتلال الناشئ عن عمل عدواني يعتبر غير شرعي منذ بدايته. وتنص المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة على أن “يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة”.  وقد تنشأ المسؤولية الجنائية عن أعمال الاحتلال العدوانية؛ على سبيل المثال، اعتبرت المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ أن النمسا “محتلة وفق خطة عدوان مشتركة”.

ثانيًا، قد يتم تنفيذ الاحتلال الحربي بطريقة ترقى إلى استخدام غير ضروري وغير متناسب للقوة في الدفاع عن النفس. وهنا يوفر الاجتهاد القضائي لمحكمة العدل الدولية إرشادات مفيدة بشأن التناسب. على سبيل المثال، في قضية نيكاراغوا، رأت محكمة العدل الدولية أن “رد فعل الولايات المتحدة في سياق ما اعتبرته دفاعًا عن النفس، قد استمر لفترة طويلة بعد الفترة التي كان من المعقول التوخي فيها هجومًا مسلحًا مفترضًا من جانب نيكاراغوا”. علاوة على ذلك، فيما يخص مسألة الأسلحة النووية، اقترحت محكمة العدل الدولية أن استخدام القوة يجب أن يحترم “على وجه الخصوص مبادئ وقواعد القانون الإنساني” ليكون استخدامًا مشروعًا للقوة في الدفاع عن النفس. وتشير هذه الدراسة إلى أن انتهاك سلطة الاحتلال لمبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي والقواعد القطعية للقانون الدولي يشكل مؤشرا قويا على أن استخدام القوة غير متناسب. وتشمل هذه الانتهاكات ضم الأراضي بحكم الواقع وبحكم القانون، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي من خلال استخدام القوة، والحرمان من حق تقرير المصير، وإدارة الأراضي المحتلة انتهاكاً لحظر التمييز العنصري والفصل العنصري.

بعد تحديد السببين للاحتلال غير الشرعي بموجب قانون مسوِّغات الحرب، تبحث الدراسة، كسبب منفصل ولاحق لعدم الشرعية، في انتهاك قوة الاحتلال لحق فلسطين الخارجي في تقرير المصير كأرض تحت الانتداب. وتنص المادة 1 (2) من ميثاق الأمم المتحدة على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي تفرض على الدول التزامات ذي حجية مطلقة تجاه الكافة. إن حق تقرير المصير له صدى خاص بالنسبة للأراضي الخاضعة للانتداب، التي يُنظر دولياً إلى حقها في تقرير المصير بمثابة “أمانة مقدسة” حتى الاستقلال الكامل. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار أن العملية الاستعمارية قد انتهت تمامًا إلا بعد ممارسة سكان المستعمرة حق تقرير المصير. وتشكل الفتوى بشأن جنوب غرب أفريقيا المثال الرائد للاحتلال غير الشرعي للأراضي الخاضعة للانتداب، والذي تعتبره محكمة العدل الدولية غير شرعي منذ بدايته. ومع ذلك، في حين أن جنوب غرب أفريقيا كان منطقة تحت الانتداب، وبقيت تحت الاحتلال بعد انتهاء الانتداب، فإنه يمكن تمييزها عن فلسطين، التي هي أرض تحت الانتداب خاضعة لاحتلال حربي في سياق نزاع مسلح دولي. ومع ذلك، إذا تمت إدارة الاحتلال بطريقة تحرم الشعب من ممارسة حقه في تقرير المصير والسيادة الخارجية، فيمكن اعتبار ذلك أيضًا انتهاكًا لـ “الأمانة المقدسة”. وحسب الظروف التي تؤدي إلى انتهاك الحق في تقرير المصير، يمكن أن يكون الاحتلال غير شرعي سواء منذ بدايته أو في مرحلة ما بعد ذلك.

 

الأدلة الداعمة للاستنتاج بأن الاحتلال الإسرائيلي أصبح غير شرعي:

يقدم هذا الجزء من الدراسة الأساس الواقعي لدعم الاستنتاج بأن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي. تقدم الدراسة أدلة واضحة ومقنعة على أن إسرائيل هي من هاجمت مصر أولًا، في عمل عدواني، مما جعل الاحتلال المترتب عن ذلك غير شرعي منذ بدايته. وفي اجتماع مجلس الأمن حول هذا الموضوع في عام 1967، تم رفض حجة الدفاع الاستباقي عن النفس باعتبارها تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. واستندت إسرائيل في حججها في الدفاع عن النفس إلى سببين:

الأول، أن الحصار الذي فرضته مصر على مضيق تيران كان بمثابة عمل عدواني؛ وثانيًا، أن الأعمال التي قامت بها جاءت ردًا على هجمات عبر الحدود شنتها طوابير مدرعة مصرية. ولكن الحصار الذي فرضته مصر على مضيق تيران كان في الأساس حصارًا مصريًا على بحرها ردًا على تهديد بهجوم من إسرائيل، وهو يختلف عن “حصار الموانئ أو السواحل” الإسرائيلي. وكما يشير شوارزنبرجر، فإن “المادة 51 من الميثاق تسمح بالتحضير للدفاع عن النفس”. وتشمل التدابير التحضيرية التي تتخذها الدولة للدفاع عن النفس تدابير احترازية خاصة في مياهها الإقليمية. ومع ذلك، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية علنًا أنها هاجمت مصر بشكل استباقي، قائلة: “استبقت إسرائيل الهجوم الحتمي، فضربت القوات الجوية المصرية بينما كانت طائراتها لا تزال على الأرض”. ونظرًا لحظر الضربات الاستباقية، فإن الهجوم الإسرائيلي على مصر قد يرقى إلى مستوى الاستخدام غير المشروع للقوة، مما يجعل الاحتلال اللاحق غير شرعي.

وتتناول الدراسة كذلك انتهاك إسرائيل لثلاثة قواعد قطعية للقانون الدولي كمؤشرات على أن الاحتلال الحربي يُدار بطريقة تنتهك مبدأي الضرورة والتناسب للدفاع عن النفس:

أولًا، تثبت الدراسة أن إسرائيل ضمّت القدس الشرقية في عام 1967، بحكم القانون من خلال إقرار قانون البلديات (تعديل رقم 6)، 5727-1967؛ ثم، في عام 1980، بموجب قانونها شبه الدستوري “قانون أساس: القدس”، ادعت إسرائيل دستوريًا أن المدينة هي “عاصمة إسرائيل”، مما يدل على العداء للاستحواذ على الأراضي بشكل دائم. وتخلص الدراسة كذلك إلى أن إسرائيل قامت بحكم الأمر الواقع بضم المنطقة (ج) من الضفة الغربية. في عام 1967، أشار المستشار القانوني لوزارة الخارجية الإسرائيلية، في برقية سرية، إلى أسباب الضم التي جعلت إسرائيل غير قادرة على تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة (1949): “يتعيّن علينا أن نترك جميع الخيارات مفتوحة فيما يتعلق بالحدود، ويجب ألا نعترف بأن وضعنا في الأراضي الخاضعة للإدارة هو ببساطة وضع قوة احتلال”. على مدى عقود، نفذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خططًا رئيسية لاستيطان الضفة الغربية. وبحلول عام 1992، من أصل 70 ألف هكتار من الأرض الفلسطينية في المنطقة (ج)، لم يتبق سوى 12 في المائة للتنمية الفلسطينية بعد أن استولت عليها إسرائيل باعتبارها “أراضي الدولة”. وفي الوقت نفسه، غيرت إسرائيل التركيبة السكانية للمنطقة (ج) بشكل جذري، حيث قامت بنقل أكثر من 500 ألف مستوطن يهودي إسرائيلي – وهو إجراء لا رجعة فيه وله عواقب دائمة، ويدل على التعبير عن السيادة. وفي الوقت نفسه، تطبق إسرائيل عددًا من قوانينها المحلية مباشرة على الضفة الغربية، بما في ذلك قانون التعليم العالي وقانون محكمة الشؤون الإدارية.

ثانيًا، إن سلوك إسرائيل في إدارة فلسطين المحتلة، والذي يتسم بالطبيعة المطولة للاحتلال وسياساتها وخططها لبناء المستوطنات، يدل بشكل أكبر على انتهاك حق تقرير المصير. إذا أخذنا في الاعتبار المدة الطويلة للاحتلال الإسرائيلي الحربي، حيث مضى الآن حوالي 56 عامًا على صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) الذي يدعو إلى “الانسحاب”، وبعد 45 عامًا من اتفاقيات كامب ديفيد التي أنهت النزاع مع مصر، وبعد 29 عامًا من اتفاق السلام مع الأردن، فمن الواضح أن التهديد الأولي المزعوم الذي دفع إسرائيل إلى اللجوء إلى القوة للدفاع الوقائي عن النفس قد انتهى تماماً وبلا رجعة. وفي الوقت نفسه، أدى تقسيم إسرائيل للممتلكات الفلسطينية غير المنقولة إلى مستوطنات سكنية وزراعية وصناعية وسياحية، ومحميات طبيعية وأثرية، ومناطق إطلاق نار عسكرية، إلى الاستيلاء على أكثر من 100 ألف هكتار من الأرض الفلسطينية الخاصة والعامة، وهدم أكثر من 50 ألف منزل فلسطيني منذ عام 1967. ويمكن القول أن تغيير إسرائيل للحقائق على الأرض، ومحو الوجود الفلسطيني، والتدخل في العملية الديمقراطية، إنما يؤدي إلى تقويض قدرة فلسطين على البقاء كدولة مستقلة، من خلال إنكار الحق الجماعي للشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

ثالثًا، هناك حاليًا اعتراف متزايد بأن إسرائيل تنفذ سياسات وممارسات تمييزية ضد الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر. والجدير بالذكر أن إسرائيل تمنح الحقوق لليهود الإسرائيليين وتميّز بشكل منهجي ضد الفلسطينيين. فقانون حيازة الأراضي 5713-1953، على سبيل المثال، يسهل نقل ملكية الأرض الفلسطينية المصادَرة إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية المختلفة، بما في ذلك هيئة التنمية. ويتم تمكين المنظمات شبه الحكومية، مثل الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، لممارسة التمييز المادي، بما في ذلك منح الأرض الفلسطينية المصادرة لليهود الإسرائيليين. وفي الوقت ذاته، يمكن لليهود الإسرائيليين المطالبة بملكية العقارات السكنية الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة بموجب قانون الشؤون القانونية والإدارية (1970). إن السعي إلى هندسة أغلبية ديموغرافية يهودية وتقليص وإبعاد الفلسطينيين قد تقدّمت به الحكومات المتعاقبة. وبموجب قانون العودة الإسرائيلي (1950)، “يحق لكل يهودي أن يأتي إلى هذا البلد بصفة أوليه” (بصفة مهاجر جديد) ويتم منح الجنسية الإسرائيلية “لكل يهودي يعرب عن رغبته في الاستقرار في إسرائيل”. وفي الوقت نفسه، هناك حوالي سبعة ملايين لاجئ فلسطيني محرومون من حقهم في العودة، بما في ذلك 450 ألف فلسطيني نزحوا كلاجئين خلال النكسة التي أعقبت حرب الأيام الستة عام 1967. وتشير هذه الممارسات، من بين أمور أخرى، إلى أن إسرائيل تدير الأرض الفلسطينية المحتلة في ظل نظام من التمييز العنصري والفصل العنصري المنهجيين.

ويخلص القسم إلى أن انتهاك إسرائيل لحظر الضم، والحرمان من ممارسة حق تقرير المصير، وتطبيق نظام الفصل العنصري في فلسطين المحتلة قد يكون مؤشرًا على إدارة غير شرعية سيئة النية للأرض المحتلة، انتهاكًا لمبادئ الفورية والضرورة والتناسب للدفاع عن النفس. ثم تبحث الدراسة في الآثار المترتبة على الاحتلال بسوء نية على ممارسة حق الشعوب الخارجي في تقرير مصيرها. ونظرًا لوضع فلسطين باعتبارها أرضًا خاضعة للانتداب سابقًا، لا يزال على المجتمع الدولي التزام دولي، باعتباره “أمانة مقدسة” تجاه الشعب الفلسطيني، “بعدم الاعتراف بأي تغيير أحادي الجانب في وضع الأرض”. وفي الفتوى بشأن جنوب غرب أفريقيا، تم الاستغناء بشكل إيجابي على فكرة عودة الأراضي، سواء التي كانت محتلة أو التي كانت خاضعة للانتداب سابقًا، إلى وضعها الاستعماري. وأوضحت محكمة العدل الدولية أن “قبول ادعاء حكومة جنوب أفريقيا بخصوص هذه النقطة كان يستلزم إعادة الأراضي الخاضعة للانتداب إلى الوضع الاستعماري، واستبدال نظام الانتداب بالضم، وهو الأمر الذي تم استبعاده بشكل حازم في عام 1920. والأهم من ذلك، أنه تم الاعتراف بالوضع في فلسطين كحالة “تتعلق بحق تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية أو الأجنبية” والتي لم تتم تسويتها بعد. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتلال الإسرائيلي سيء النية للأرض الفلسطينية التي يتعامل معها على أنها “إقليم متنازع عليه” و “يفتقد السيادة”، وعمليات الضم العديدة بحكم القانون وبحكم الواقع، وتغيير التركيبة الديموغرافية والمشاريع الاستيطانية، من بين انتهاكات أخرى، ينتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وفي السيادة باعتبار الإقليم تحت الانتداب.

 

الالتزام بإنهاء الاحتلال غير الشرعي:

يُلزم القانون الدولي المتعلق بمسؤولية الدول إسرائيل بوقف الأفعال غير المشروعة دولياً وتقديم “التأكيدات والضمانات المناسبة بعدم التكرار”. ومن الجدير بالذكر أن محكمة العدل الدولية رأت أن جنوب أفريقيا ملزَمة “بسحب إدارتها من إقليم ناميبيا”، وبالمثل، شجعت في تشاغوس على إنهاء الإدارة البريطانية لأرخبيل تشاغوس “في أسرع وقت ممكن”. بالنسبة لفلسطين، فإن الرد المناسب يمكن أن يتخذ شكل إطلاق سراح السجناء السياسيين الفلسطينيين؛ إعادة الممتلكات، بما في ذلك الممتلكات الثقافية التي استولت عليها سلطات الاحتلال؛ وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية؛ رفع الحصار عن قطاع غزة؛ وتفكيك نظام الفصل العنصري المؤسسي القائم على القوانين والسياسات والممارسات التمييزية؛ وتفكيك إدارة الاحتلال. ونظرًا لعدم تنفيذ إسرائيل للفتوى السابقة بشأن بناء جدار الضم، فإن التأكيدات والضمانات بعدم التكرار قد لا تكون علاجًا كافيًا. وقد يكون من الضروري أيضًا إنشاء لجنة تحكيم محايدة للنظر في المطالبات الجماعية الناشئة عن عواقب الانتهاكات التي ترتكبها سلطة الاحتلال. والجدير بالذكر أن دراسة أجراها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عام 2019 خلصت إلى أن التكلفة المالية التراكمية التي يتحملها الاقتصاد الفلسطيني بسبب الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة 2000-2019 تقدر بنحو 58 مليار دولار أمريكي. وفي قطاع غزة، قدرت التكاليف الاقتصادية للاحتلال في الفترة 2007-2018 بنحو 16.7 مليار دولار. إن استغلال الموارد الطبيعية ومنع تطويرها كلّف الاقتصاد الفلسطيني 7.162 مليار دولار أمريكي على مدى 18 عامًا من عائدات الغاز من بحر غزة و67.9 مليار دولار أمريكي من عائدات النفط من حقل مجد النفطي في رَنْتِيس. وإجمالًا، تقدر الخسائر التي تكبدتها فلسطين منذ عام 1948، بأكثر من 300 مليار دولار.

وتُظهر الدراسة أن الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي وانتهاكاته للمعايير القطعية للقانون الدولي له عواقب دولية، وأن الدول الثالثة والمجتمع الدولي ملزمون بوضع حد للإدارة غير الشرعية للأراضي المحتلة. ومن خلال القيام بذلك، تُبرز هذه الدراسة متطلبات الإنهاء الكامل للاحتلال وإنهاء الاستعمار في الأرض الفلسطينية، بدءً بالانسحاب الفوري وغير المشروط والكامل لقوات الاحتلال الإسرائيلية وتفكيك الإدارة العسكرية. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الانسحاب، باعتباره إنهاء فعل غير مشروع دوليا، لا يمكن أن يكون موضوعًا للتفاوض. وينبغي تنفيذ العقوبات والتدابير المضادة الكاملة، بما في ذلك القيود الاقتصادية وحظر الأسلحة وقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، على الفور، كرد فعل تجاه الكافة من جانب الدول الثالثة والمجتمع الدولي على انتهاكات إسرائيل الخطيرة لقواعد القانون الدولي القطعية. ويجب على المجتمع الدولي أن يتخذ خطوات فورية نحو إعمال الحقوق الجماعية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك اللاجئين والمنفيين في الشتات، بدءً بإجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة، للشروع في استكمال عملية إنهاء الاستعمار.

وحثّ قرار مجلس الأمن 2334 (2016) بشكل خاص على بذل جهود دولية ودبلوماسية دون تأخير “لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967”. ومع ذلك، يبدو أن هذه الجهود الدبلوماسية منذ التسعينيات مبنية على صيغة “الأرض مقابل السلام” المشكوك فيها، والتي إذا تم استخدامها لحرمان السكان الفلسطينيين المحميين من حقوقهم غير القابلة للتصرف في تقرير المصير والسيادة الدائمة على الموارد الوطنية، فإنها ستشكل أيضًا عملاً غير مشروع دوليًا. وعليه، فإن التزام الدولة بالانسحاب من الأراضي المحتلة بشكل غير مشروع هو التزام غير مشروط وفوري ومطلق. وتتضمن قرارات الجمعية العامة شروطًا مهمة لـ “الانسحاب الكامل وغير المشروط” لإسرائيل، بمعنى أن الانسحاب لا يجب أن يكون موضوعًا للتفاوض، بل هو بالأحرى إنهاء الفعل غير المشروع دوليًا.

 

الخلاصة:

خلصت الدراسة إلى أن خارطة الطريق الأكثر تبصّرًا لإنهاء الاحتلال وإنهاء الاستعمار في الأرض الفلسطينية تأتي في شكل نسيج غني من توصيات الدول الثالثة والتوصيات الدولية المقدمة في قضيتي شاغوس وناميبيا. ومن الواضح أيضًا أن القانون العام المتعلق بمسؤولية الدول عن الانتهاكات الجسيمة للقواعد القطعية للقانون الدولي يمكن أن يستمد من قرارات مجلس الأمن “كفكرة عامة تنطبق على جميع الحالات الناجمة عن انتهاكات جسيمة”، بما في ذلك حظر المساعدة أو المساعدة في الحفاظ على النظام غير الشرعي. ومن الطبيعي أن المحكمة الأنسب لفحص مشروعية الاحتلال هي محكمة العدل الدولية. وسواء كان الاحتلال غير شرعي منذ بدايته أو أصبح غير مشروع، فإن العواقب يجب أن تكون الانسحاب الفوري وغير المشروط والكامل للقوات العسكرية الإسرائيلية؛ انسحاب المستوطنين؛ وتفكيك النظام الإداري العسكري، مع تعليمات واضحة بأن الانسحاب بسبب ارتكاب فعل غير مشروع دوليًا لا يخضع للتفاوض. وينبغي القيام بإجراءات جبر كامل ومتناسب لفائدة الأفراد والشركات والكيانات الفلسطينية عن الأضرار التي لحقت بالأجيال والناجمة عن مصادرة إسرائيل للأراضي والممتلكات، وهدم المنازل، ونهب الموارد الطبيعية، والحرمان من العودة، وغيرها من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تم التخطيط لها من أجل تحقيق الأهداف الاستعمارية والتوسعية لمحتل غير شرعي.

____________

شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، لجنة الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، 27 نوفمبر 2023، https://2u.pw/dj3zMKX

رابط ملف الدراسة كاملة

صدر هذا الكتاب عام 1989م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.

  ويدور حول إبراز الجانب الفلسفي والعقلي لعلم أصول الفقه من ناحية وإبراز اتصال علم الأصول بعلم مقاصد الشريعة من ناحية أخرى من خلال حديث المؤلف عن الشاطبي وجهده الذي يراه غير مسبوق في علم المقاصد ونظرته التي توسع فيها عمن قبله من الفقهاء والتي يرى المؤلف أنه بسبب هذه النظرة غير المألوفة للأصول في تناوله وتبويبه؛ لم يعر أحد جهد الشاطبي الاهتمام المستحق لعمله.

ويحتوي الكتاب على مقدمة تمهيدية وسبعة فصول:

يعرض في الفصل الأول حياة الشاطبي من خلال عرضه للبيئة الجغرافية والثقافية والسياسية التي نشأ فيها؛ فالأندلس –بلد نشأته- بلد يميل لليسر والسماحة واللين بطبيعته الجغرافية والثقافية، مما أثر في تكوين الشاطبيِّ وتوجهاته التي تميل لليسر والنفور من التشدد. وسياسيًا كان العالم الإسلامي في عصر الشاطبي (في القرن الثامن الهجري) بصفة عامة يموج بالانقسامات السياسية والمذهبية. ويرى المؤلف أن أهم أثر خلَّفَته الأحداث السياسية في فكر الشاطبي هو أنها وجهته نحو جمع المذاهب الفقهية كلها في وحدة واحدة؛ لأن المسلمين وإن كان اختلافهم السياسي سببًا في ضعفهم فإن الاختلاف المذهبي أيضًا سببٌ في فرقتهم.

  ويرصد في الفصل الثاني تأثير علم المقاصد في علم أصول الفقه؛ فهو يرى أن علم الأصول بعد أن اتخذ الشكل العلمي له على يد الشافعي، لم يضع الشافعي معيارًا للرأي والاجتهاد، ومن هنا زادت الاختلافات بين أنصار المذاهب الفقهية، وأصبح علم أصول الفقه وكأنه علم جدلي؛ فكان على الشاطبي أن يضع معيارًا للاجتهاد بالرأي، وكان هذا المعيار هو "مقاصد الشارع"، وينقل عن الشاطبي في هذا قوله: "حال الاجتهاد المعتبر هي ما ترددت بين طرفين وضح في كل منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر، ولذلك فعلى المجتهد أن يكون عالمًا تمامًا بمقاصد الشريعة على كمالها بالإضافة إلى تمكنه من الاستنباط بناءً على فهمه فيها، فإذا بلغ عن الإنسان مبلغًا فهم فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة وفي كل باب من أبوابها، ففي هذه الحالة فقط يحق له أن يحصل على درجة الاجتهاد بالرأي." ويرى المؤلف أن الاختلاف بين هذه المذاهب وتعددها هو اختلاف شكلي؛ فهو إما أن يرجع إل عدم فهم اللغة وطبيعتها أو إلى الميل مع الهوى والرغبة في التحزب، كما يرى أن السبب الحقيقي وراء كل ذلك هو عدم فهم مقاصد الشارع من وضع الشريعة. ولكى نفهم مقصد الشارع؛ علينا مراعاة القواعد التي أقرتها المقاصد لتوحيد المختلفين.

وفي الفصل الثالث يتناول المؤلف علاقة علم أصول الفقه بالعلوم الفلسفية والصوفية من خلال عرضه لموقف الشاطبي من الفلسفة؛ فيرى أن أهل الأندلس كانوا ذوو "عقلية عملية" تحاول الابتعاد عن الأفكار النظرية التي لا تؤدي إلى عمل، وكذلك كان الشاطبي؛ فقد رأى أن الفلاسفة والمتكلمين قد خاضوا في مشكلات خارجة وبعيدة عن الواقع العملي للإنسان، ويرى المؤلف أن التفلسف عند الشاطبي يعتمد بصفة أساسية على رفض الأفكار الميتافيزقية كما يرفض بناء المذاهب بناءً شامخًا بعيدًا عن واقع الإنسان، ولذلك تختلف الفلسفة عند الشاطبي عما عهدناه عند الفلاسفة، فقد رأى أن دور الفلسفة: العمل على ربط الإنسان بواقعه. ويرى المؤلف أن علم الأصول رفع من قدر العقل حتى جعله مناظرًا للشرع في كل أمر، وأن المقاصد وضعت معيارًا للتصوف.

  وفي الفصل الرابع يدرس المؤلف منهج الاستقراء المعنوي عند الشاطبي مبينًا طبيعته، ويرى أن هذا المنهج هو المنهج الوحيد الذي يصلح للدراسات الإنسانية، بعد أن فشل المنهج العلمي في تحويل الدراسات الإنسانية إلى دراسات علمية بحتة.

وفي الفصل الخامس يدرس المؤلف الأساس الذي تقوم عليه فكرة القيم في المقاصد؛ فيرى أن المصلحة هي الغاية من وضع الشريعة، وهي تتحقق إذا حافظنا على الضروريات. ويبين أن هناك قيمًا خمسةً ضروريةً ضرورةً مطلقةً، وأن الحفاظ عليها يتم في مراتب ثلاث؛ الأولى هي مرتبة الضروريات، والثانية هي مرتبة الحاجيات، والثالثة هي مرتبة التحسينات وبين العلاقة بين هذه المراتب بعضها والبعض الآخر؛ فالأولى هي الأصل والأساس والثانية مكملة للأولى، والثالثة مجملة ومزينة للأولى والثانية. ثم بين كيف أنها في مجموعها تشكل وحدة بحيث لا يمكن أن نقول بأن هذه أولى من تلك، كما بين أن هذه القيم الخمس هي قيم وسيلية تنتهى بقيمة غائية وهي المصلحة، وهي تختلف عن المصلحة في الاستعمال الدارج لها، وتختلف عن المصلحة التي استعملها "برتراند راسل"، وتتميز بخصائص عدة عن مذهب المنفعة العامة، ومذاهب اللذة في أنها عامة، ولكن ليس معنى العمومية أنها لا تقبل الاستثناء كما هو الحال في عمومية «كانت» وإنما عموميتها هي في أن الاستثناء طالما لا يشكل قاعدة تقف في مقام القاعدة الأصلية فهذا الاستثناء لا قيمة له، كما أنها مصلحة كلية بحيث لا تخص فردًا أو تميزه عن غيره، وكذلك هي مصلحة مطلقة ولذلك أطلق علماء أصول الفقه عليها اسم المصلحة المرسلة.

وفى الفصل السادس درس المؤلف العلاقة بين المصلحة من حيث هي قيمة خلقية وبين النية من حيث ارتباطها بالفعل، وأوضح أن هناك معيارًا يمكن من خلاله أن نميز النية الصالحة من النية السيئة أو الحيلة؛ فلا بد من "معيار تجريبي" يمكن من خلاله الحكم على نوعية النية، ولذلك يرى المؤلف أن الشاطبي ربط بين النية وبين القيم الخمس الضرورية، ورأى أن النية الطيبة تتحقق إذا كان قصد الإنسان من عمله موافقًا لهذه المقاصد، فإذا اتحد القصدان تحققت النية الطيبة وإذا لم يتحدا كانت خلاف ذلك أَيْ نية سيئة. وبيَّن أن هناك نوعًا من التحيل قد يكون مقبولًا وذلك إذا كان يعمل على الحفاظ على القيم الضرورية وهو يختلف عن سوء النية التي أقرها ميكافيلي مبدءًا خلقيًا في سياسته للأمير.

 وفى الفصل السابع تكلم عن الامتثال وعلاقته بالفعل، وبيَّن أن الامتثال لا بد وأن يكون ضرورة بحيث لا يمكن أن يحيا الإنسان حياة صالحة دون أن يكون مقيدًا بقواعد يسير وفقًا لها ويعمل من أجلها، وأن هذا الامتثال محكوم بقدرة الإنسان عل القيام بالفعل، وأن هناك حدودًا للقدرة، وما يخرج عن تلك الحدود أطلق عليه علماء الأصول التكليف بما لا يطاق،  وبين أن هذا النوع من الأفعال ليس له وجود في الشريعة، ولا يجوز لأن الشريعة قد اكتملت ولا يجوز أن يضاف إليها نصوص جديدة.

   وفي الخاتمة يوضح أن من الحقائق المهمة التي يبينها البحث؛ أن الوحي من الناحية التاريخية هو المصدر الذي صدر عنه الأخلاق؛ فقد أوضح أن مقاصد الوحي هي المصلحة العامة؛ وهي أساس التشريع والحالة القصوى الأخلاقية، ويرى أن هذه الحالة -في نظره- لم يكن باستطاعتنا استخلاصها من الوحي مباشرة؛ لذلك يرى من وجهة نظره أنه كان لا بد من تحويل الفكر الديني إلى فكر نظري وأن ذلك لم يكن مستطاعًا إلا من خلال علم أصول الفقه حتى نصل إلى المبدأ العام الذي تقوم عليه فكرة المصلحة. ويبين كيف أن هذه القضايا التي وردت في البحث تكوِّن نظرية في الأخلاق تتميز عن كل النظريات الفلسفية وتهدف إلى إيجاد قيم أساسية مشتركة للحياة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب