للنظرية مكانتها الخاصة من العلم الحديث؛ فهي الإطار الفكري الذي يربط بين الوقائع، والمفاهيم، والفروض. والتنظير — بحكم اشتقاق الكلمة سواء من اليونانية أو العربية — يعنى التأمل والنظر في الواقع وما يحويه من ظواهر وتفاصيل[1]. وقد بدأ استخدام كلمة نظرية (في الغرب) منذ أواخر القرن السادس عشر على الأقل[2]. حيث كانت النظريات إحدى الأدوات العقلية التي تعرض لها فرانسيس بيكون في كتابه الشهير “الأورجانون الجديد” (1620)، عندما افترض أنه كما أن الصانع لا يمكن أن يتوسل إلى إتمام صنعته إلا بأدوات، فكذلك العقل لا يمكنه أن يفهم ظواهر الواقع من دون أدوات. وكلمة الأورجانون نفسها تشير إلى معنى الأداة أو الآلة، والمقصود بها في هذا السياق أداة الفكر أو آلة الفكر، ومن أهم الأدوات التي ركز عليها العقل الحديث في مرحلة النهضة كانت بلا شك النظريات[3].

النظرية العلمية هي بنية فكرية، يتصورها العقل البشري، يحاول من خلالها أن يفسر الظواهر المطردة، وأن يحدد العلاقة بين السبب والنتيجة. تقترح النظرية عادة مجموعة من الافتراضات أو المقولات التي تفسر من خلالها اطراد العلاقة بين مجموعة من المتغيرات.

في المشرق الإسلامي، لم تُعرَف النظريات ولم تشتهر، على الأقل بنفس الطريقة التي عُرفت واشتهرت بها في الغرب، فبالمقارنة مع العقل الغربي الحديث الذي اهتم بالتفتيش عن “النظرية”، وبذل الجهد لإقامة “الأبنية النظرية” في كافة مجالات الفكر، جادل البعض بأن علماء المسلمين لم يقدِّموا — على غزارة ما قدموه — نظريات، في مجال الفقه الإسلامي، وغيره من فروع المعرفة الأخرى[4]، وأن المدارس العلمية لم تُقبِل، تحت تأثير احتياجاتها الواقعية ولا الذهنية، على صياغة نظريات قياساً على ما حدث في المجتمعات العلمية الغربية[5].

وقد تطوع نفر من المستشرقين (وأتباعهم من الحداثيين العرب) بتقديم تفسيرات (لا تخلو من عنصرية) لظاهرة “غياب النظريات” في إطار التشكيل الحضاري الإسلامي، تركز على اتهام العقل الفقهي بأنه عقل بسيط وغير مركب، يفتقر القدرة على التفكير المجرد، وتحجبه التفاصيل والجزئيات عن رؤية الصورة الأوسع والأشمل، التي تحتاج لبصيرة وملكة ذهنية لا تتاح للمشرقيين عمومًا، وللمسلمين خصوصًا. (هذا التفسير/الاتهام تفرعت عنه تفسيرات/اتهامات أخرى تتعلق باعتماد الفقه على النصوص الدينية دون القيام بتأصيل الظواهر في شكل نظريات، واهتمامه بالجوانب العملية للمشكلات اليومية والحياتية، وتأثره السلبي بالفكر اليوناني وبخاصة في مجال المنطق الاستنباطي)، وبناء عليه لم يطور العقل المسلم نظريات بقدر ما اهتم بتتبع الأحكام والقواعد والتفاصيل الفقهية[6].

يشير الفقه إلى معنى مطلق الفهم، أو فهم غرض المتكلم من كلامه، أو فهم الأشياء الدقيقة، أما اصطلاحاً، فيشير إلى العلم بالأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية.

وفي معرض الرد على هذا الانتقادات (التي عوملت معاملة الحقائق من قبل الكثيرين) أكد البعض أن علماء المسلمين وإن لم يطوروا نظريات بهذا الاسم، فإنهم قد طوروا أصولاً وقواعد (لاستخلاص الأحكام) تقوم بما تقوم به النظريات، ومن ثم يصح اعتبارها بمثابة دليل على حضور التفكير النظري في التراث الفقهي الإسلامي. وقد انحاز الفقيه القانوني المعروف المستشار طارق البشري إلى هذا الرأي، مؤكدًا أن غياب الكلمة لا يعني غياب الوظيفة، فقد قامت الأصول والقواعد الفقهية بالمهام التي أوكلها الغرب للتنظير[7]. حيث كان المشتغلون بالفقه والحديث يوظفونها في استخلاص الأحكام، وفي الترجيح بين الروايات وتصنيفها، وفي الحكم على عدالة الرواة، وهذه الأغراض قريبة من وظائف النظريات كما تستخدم في يومنا الحاضر، فهي عمليات اتسمت بالصرامة العلمية والمنهاجية ولم تتأثر بالخلافات الأيديولوجية والسياسية التي كانت حاضرة دومًا في الخلفية. 

وجهة نظر أخرى تذهب إلى أن العقل المسلم وإن لم يبتكر مفهوم النظرية، فإنه لم يتأخر كثيرًا في الاستفادة منه، حيث بدأت عملية توظيف مفاهيم النظرية والتنظير في إطار المؤسسات المعنية بدراسة الشريعة والفقه الإسلامي منذ وقت مبكر، تزامن مع سعي العديد من الفقهاء المعاصرين “لتجديد الفقه وتطْويرِه”؛ وبشكل خاص بعد أن شاع التدوين القانوني المتأثر بالنمط الغربي، وبعد أن صارت “الشريعة والقانون” عنوانًا مشتركًا للعديد من الأقسام الأكاديمية في إطار بلدان العالم الإسلامي[8].

فبعد أن لاحظ المشتغلون بالفقه خصوصًا والعلوم الشرعية عمومًا أن منظومة الفقه تتراجع لتحل محلها منظومة “القوانين الوضعية”، وبعد أن استشعر هؤلاء تزايد حدة الانتقادات الموجهة لمنظومة الفقه، (متهمة إياه بعدم القدرة على مواكبة التطور التشريعي الحديث)، كان من ضمن الإجراءات التي نهضوا بها العمل على استدخال مفاهيم النظرية والتنظير ضمن بنية الفقه الإسلامي، بهدف تقريب أحكام الفقه الكلية من النظريات القانونية، وتطوير المقولات الفقهية بنفس الطريقة التي تم من خلالها تطوير القواعد القانونية في إطار منظومات القوانين الوضعية[9].

في هذا السياق يمكن ملاحظة تأثر طرق تدريس الشريعة الإسلامية، (التي عرفت تاريخًا طويلًا من تعدد المذاهب والمدارس والآراء الفقهية، وعكست حالة من الحيوية والثراء في الفهم والنظر والتفاعل المرن مع واقع يتغير باستمرار)، بطرق تدريس القانون (الغربي/الوضعي/الحداثي)، وبالأطر المعيارية والشكلية التي تعمل المقررات القانونية الغربية وفقا لها، وبخاصة من زاوية السعي للتوصل إلى جملة من النظريات القانونية، التي تضع حدًا للتنوع في الآراء، وتضبط آليات القضاء والفتيا، وفق رؤى مختارة وبدائل محددة[10].

وكان من أبرز مظاهر هذا التأثر تطوير “النظريات الفقهية” ضمن جهد أوسع لإنتاج مدونات جامعة، على غرار المدونات القانونية. حيث خرجت إلى حيز الوجود العديد من الكتابات الفقهية التي بُوِبَت موضوعاتها على وفق النمط الجديد، أي على شاكلة المدونات القانونية. حيث أكدت العديد من هذه المؤلفات على الجانب الحقوقي في النظريات الفقهية، مما دل بوضوح على أن المحفز الذي مثلت هذه المؤلفات رد فعل له، كان هو القوانين والمدونات الغربية[11].

انبثاق “النظريات الفقهية”، كان وفقًا للبعض إجراء ضروريًا لمواكبة الحالة العلمية السائدة، فيما ذهب آخرون إلى أنه أدى — ضمن ما أدى إليه — إلى اختزال تنوع المنظومة الفقهية لصالح مقولات نظرية/قانونية مصمتة، الأمر الذي مثل نوعًا من الردة عن التنوع إلى الواحدية. فضلًا عن أنه عكس تقليدا لفكرة القانون الغربي (الذي طرح على أنه قالب لمعرفة شاملة، ومعيارا عاما لكل من الفكر والممارسة في موضوعه)، بينما الأصل في الفقه الإسلامي أنه مُتميز في مصادره ومسائله وكافة مظاهر تشكلاته. وفي ضوء هذه التقييمات المتباينة تثور تساؤلات حول موقع التنظير في مجال اجتهاد العقل المسلم، وما إذا كان الفقه قد خلا بالفعل من التنظير بلفظه ومعناه، أم أنه غاب بلفظه وحضر بمعناه؟

حول اتهامات الاستشراق

إذا كان المشروع الاستشراقي قد أخذ على عاتقه إعادة إنتاج النسق المعرفي الإسلامي، وتغيير الطريقة التي ينظر بها المسلمون إلى تراثهم الفقهي، فإن منهجه في ذلك لم يكن — غالبا — عبر الكشف عن روح التراث الحقيقية، وإنما عبر ممارسة نوع من الإسقاطات الحضارية، التي حملت في كثير من الأحيان نوعًا من الغلو في وصف سلبيات العقل التراثي، وافتراض أن مشكلات التاريخ الغربي حاضرة بشحمها ولحمها في إطار تراث الشرق.

من ذلك أنه تم — تحت تأثير “الخطاب الاستشراقي” — الانتقاص من حالة “التنوع الفقهي”، واعتبار أن تعددية المذاهب والمدارس والآراء كانت ضمن العوامل التي منعت تطور “البيئة التشريعية” في إطار العالم الإسلامي، وأدت إلى عدم اكتمال نضج منظومتي العدالة والحقوق ضمن إطار مؤسسي يناسب ما انتهى إليه المجتمع المعاصر من تعقيد ومركزية.

الاستشراق هو مصطلح يشير إلى دراسة ثقافات ولغات وحضارات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا من قبل الغربيين. نشأ الاستشراق في العصور الوسطى، لكنه ازدهر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خلال عصر الاستعمار الأوروبي.

الخطاب الاستشراقي، وهو يوجه هذه الانتقادات للشرق المسلم، كان يستحضر — فيما يبدو—مشكلات الحضارة الغربية في فترة ما قبل الدولة القومية الحديثة، معتبرًا أن الشرق المعاصر يمر بمرحلة تشبه مرحلة ملوك الإقطاع في أوربا العصور الوسطى، من حيث التشتت، وغياب المؤسسات التشريعية المنظمة، وذلك بطبيعة الحال انطلاقًا من فرضية المركزية الأوربية ومرجعية التاريخ الأوربي، والنظر إليه باعتباره المعيار الذي ينبغي قياس تطور كافة الأمم الأخرى على وفقه.

وكما لاحظنا فإن الكثير من اتجاهات الخطاب الفقهي المعاصر لم تتعامل مع هذه الاتهامات الاستشراقية على نحو نقدي، وإنما تم اعتبارها تجسيدا لما عليه الواقع فعليا. من هنا تمثل رد الفعل التلقائي إزاءها في التبرؤ منها وتبني الطرح المعاكس لها. وإذا كان الاتهام الأبرز في حالتنا هو الاتهام بغلبة العقل الجزئي (ما أدى إلى غياب التنظير)، فإن ردة الفعل إنما تمثلت في إنكار تهمة “الجزئية”، وفي نفس الوقت المسارعة إلى تطوير “نظريات”، حتى لو كانت هذه مجرد محاكاة غير متقنة للنظريات الغربية، وحتى لو لم تكن النظريات هي الشكل الأفضل للتعبير عن المعرفة الإسلامية، وصوغها بطريقة مقبولة.

هذا ولم يقتصر الأمر على أهل الفقه وحدهم فأهل التفسير وأهل القراءات وأهل اللغة والبلاغة وجدوا أنفسهم، ربما تحت ضغط مزاج عام صار بدوره ميالًا إلى فكرة الرأي الواحد والمعنى الواحد والتفسير الواحد والقراءة الواحدة، وجدوا أنفسهم منساقين باتجاه التنظير، الذي هو بحكم التعريف يختزل المتنوع وينمط المتعدد. وبدلا من الاحتفاء بالتعدد في احتمالات تفسير آيات القرآن الكريم، وفي طرق تلاوته، وفي تنوع أوجهه الإعرابية وطرق تذوقه بيانيًا وبلاغيًا، صار المعاصرون من علماء كل فن من الفنون السابقة أقرب إلى ترجيح وجهة نظر واحدة، وقراءة واحدة، وتفسير واحد، وإعراب واحد، ووجه بياني وبلاغي واحد، وذلك ضمن رؤية جديدة باتت تضيق بالتنوع، وتميل إلى صب الآراء المتعددة في إطار مقولات محددة (نظريات). ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت “النظريات” هي بالفعل ذلك المكون المنهاجي الذي يحتاجه الفقه لاستعادة فاعليته، التي بلا شك أصابتها بعض مظاهر التدهور والانقطاع، وكيف نفهم السعي الدؤوب لكثير من الفقهاء المعاصرين إلي تأكيد أهمية النظريات الفقهية، تطويرًا وتأصيلًا وتوظيفًا، وهل أدى تطوير “النظريات الفقهية” بالفعل إلى انتعاش الحراك الفقهي واستئناف خط صعوده المجهض؟ كما يتعين التساؤل عما إذا كانت “الجزئية” هي التشخيص الصحيح لمشكلات العقل الفقهي، التي يجب التخلص منها لمعالجة أدواء هذا العقل، والأخذ بيده لمسار التعافي، أم إن هذه الجزئية يمكن النظر إليها على أنها تعبير عن مستوى إجرائي تنفيذي لعقل كلي امتلكه الفقهاء وطوروا مقولاتهم الفقهية في ضوء منه، بمعنى أنه لم تكمن المشكلة في الجزئية بذاتها، ولكن في موازنة حضورها مع حضور الرؤية الكلية والتصور التجريدي.

الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع

لعل استيعاب ثنائية "الواحدية والتنوع" هو مما يمكن أن يساعد على فهم أسباب اختلاف المقولات النظرية عن المقولات الفقهية، ويمكن شرح هذه الثنائية بالإحالة إلى ثنائية أخرى وهي ثنائية الحداثة والوحي، فالتنظير قد استلهم الأولى، فيما الفقه الإسلامي قد استلهم ونبع من الثاني. فما الذي تشير إليه ثنائية الحداثة والوحي فيما يتعلق بطرفي المقارنة في حالتنا؟ ولماذا نرادف بين الحداثة والواحدية من جانب، والوحي والتنوع من جانب آخر؟

إن التنظير شديد الصلة بالحداثة كحالة وبالتصور الحداثي للعالم كعملية، فالحداثة تستهدف — ضمن ما تستهدف—”ممارسة التحكم العقلاني في العالم”، وهذا التحكم الحداثي — كأي تحكم — يناسبه دومًا إغفال التفاصيل (أو التخلص منها)، وتجاوز الحالات المعينة (أو إهمالها)، على أساس أن التفاصيل قد تمثل استثناءات على ما يراد تعميمه وفرضه، أو تمثل استدراكات على ما لا يود المتحكم أن يستدرك بشأنه. التحكم يناسبه التخلص من حالات التعدد والالتباس وعدم الوضوح، ويصر على الوضوح والحقيقة المطلقة والقدرة على سبك الواقع ضمن أطر محددة وغير ملتبسة. التحكم بعبارة أخرى يستهدف نفي التعدد، والغموض والتنوع، ويتجاوز الإمكانات اللانهائية المزود بها البشر لفهم العالم وتفسير ظواهره.

تشير الحداثة إلى مجموعة من التغييرات الجذرية التي طرأت على مختلف جوانب الحياة في المجتمعات الأوربية، والتي تشمل أمورا مثل سيطرة العقلانية والعلمانية على التفكير. التأكيد على أهمية الفرد وقيم الحرية والمساواة. الإيمان بالتقدم والتطور المستمر.

مما يناسب التحكم أيضًا أن يتم وفق أسلوب عقلاني (يقوم على معايير موحدة)، ومن صور صياغة المعايير الموحدة صك عبارات قاطعة ومباشرة يمارس في ضوئها التحكم، وهو ما تمت ترجمته في إطار القوانين والمدونات التشريعية. فهذه القوانين والتشريعات المدونة تعكس —على نحو عقلاني — الرغبة الحداثية في التحكم في الواقع، وتترجم الموقف الحداثي من التنوع على نحو شديد الصرامة، فهي لا تستبعده فقط، ولكنها بمعنى من المعاني تدينه وتجرمه أيضًا.

ولهذا فإن الأصل في التنظير/التقنين أنه ضجر بتعددية الواقع، وازدحامه بالتفاصيل، وتغيره الذي لا يتوقف، كما إن أهل التنظير/التقنين تواقون إلى التوصل إلى النظرية التي يتسع نطاق تطبيقها لكل الجزئيات (النظرية التي تفسر كل شيء، أو نظرية النظريات كما يقول البعض، أو المقولة القانونية التي ليس بها ثغرات). من هنا مثّل التنظير/ التقنين تعبيرا صريحا عن “الواحدية”، من حيث هي سعي للوصول إلى الصيغة العامة المجردة التي تسري على جميع الأجزاء. صحيح أن النظريات القانونية يمكن أن تصاغ وتستقى من منابع شتى، ولكنها في النهاية (متى صيغت في شكل مدونة قانونية محددة) تضع حدًا لحالة التنوع والتعدد، فبدلًا من وجود مذاهب مختلفة ومدارس متنوعة وآراء تتفاعل مع الواقع وتنفعل بمتغيرات هذا الواقع، يصبح لدينا مقولات قانونية صارمة، يتم العمل بموجب بنودها المحددة، وإدانة أو حتى تجريم كل من يعمل بخلافها.

ومن الطبيعي أن يتساءل المهتمون بنشأة وتطور الفقه الإسلامي عما إذا كانت استعارة هذه الطريقة (التنظير/التقنين) في التصور والعمل، تفرغ الحراك الفقهي من ديناميته، أم إن هذه الصيرورة (تحول الفقه إلى نظريات فقهية، ومدونات قانونية) هي تطور ضروري، كان لابد وأن تشهده منظومة الفقه الإسلامي حتى تحقق أغراضها.

إن روح الوحي قد صبغت الفقه الإسلامي كما صبغت التشكيل الحضاري الإسلامي منذ لحظته الأولى بصبغة خاصة، فكما كان الوحي يتفاعل مع الواقع، فينزل منجمًا استجابة لتفاصيل حياتية جارية، كذلك سادت حالة تفاعلية نشطة بين الفقه وبين تفاصيل الواقع، لم تستهدف قولبة الواقع، ولا قولبة أفراده، وإنما تعاطت على نحو شديد المرونة والاستيعاب مع مسألة التغير، بوصفه أحد مكونات الوجود التي لا يمكن تجنبها، فلم يسع الفقه إلى نفي التغير أو إنكاره، وإنما إلى مراقبته وتوجيهه، حتى انعكست عليه ديناميكية الواقع وحيويته وتجدده.

المقولات الفقهية — بهذا المعنى — لم يُرد لها أن تكون مجرد قوانين، أو نظريات، تقيد الواقع، أو تتحكم فيه، وإنما أريد لها أن توجه الواقع وترشده. أريد للمقولات الفقهية أن تراعي التنوع لا أن تفرض أنماطاً، أريد لها أن تربط بين التصور والعمل، بحيث يصدر العمل مشبعًا بأساسه التصوري، لا أن يتم الفصل بينهما في إطار ثنائية (النظر والتطبيق)، أريد لها أن تراعي الأغلبية، ولكن أن تسمح في نفس الوقت بورود الاستثناءات. من جانبه فإن الخطاب التوجيهي للوحي أقر دومًا مبدأ الاستثناء على الأحكام، مراعاة لحال أهل الأعذار وغيرهم (في الصيام، والزكاة، والحج وغير ذلك). فمن يوجه يناسبه أن يراعي الاستثناءات، أما من يريد التحكم فلا يناسبه إلا أن يعمم.

المدهش أنه بعد أن تسربت الحداثة — بطرق شتى — إلى العقل المسلم، أصبح ثمة تفضيل لطريقة التقنين، والتنظير، وأصبح تصور أن الواحدية هي الأصل هو التصور المبدئي الذي يصدر عنه كثير من العلماء، والفقهاء، بل وحتى الحركيين، فالكثير من المشتغلين بالحركة “أصبحت تحركهم أيديولوجيا الصورة الواحدة للنموذج الإسلامي المثالي، أي النموذج الذي ينبغي أن يتم العمل على استعادته، وصياغة الواقع على وفقه، حتى لو كان هذا النموذج لم يتواجد على مدار التاريخ إلا في أذهان من يرومون تحويله إلى واقع ضيق يحملون الجميع على اعتناقه[12].”

ولهذا يذهب البعض إلى أن التصور الأحادي الذي بات يصبغ العديد من تيارات الفكر والحركة، هو تصور نابع من التأثر بالصورة الحداثية للعالم، وليس نابعًا من الصورة الأصلية للتاريخ والحركة والفكر الإسلاميين. هذا ويتم التأريخ لغلبة هذه العقلية (الأحادية) بالقرنين الأخيرين تحديداً، حيث بدأت تجربة الاحتكاك وجهًا لوجه بالحداثة الغربية. المفارقة وفقا لوجهة النظر هذه أن الغرب نفسه قد طبع العقل الإسلامي المعاصر بما صار يتهمه به لاحقًا من (عدم تسامح مع التعدد والتنوع).

حول مآلات التنوع

يؤكد مجرى التاريخ العام وتاريخ الفقه الإسلامي صحة فرضية غلبة التنوع على الواحدية، ورغم ذلك يدعي البعض أنه حتى لو كان التاريخ الإسلامي شاهدا على غلبة التنوع، فإن سنن الواقع الاجتماعي تنص على أن كل ما يبدأ متنوعًا وتعدديًا لابد وأن ينتهي أحاديًا ومحددًا، وذلك على اعتبار أن الاستقرار على شكل نهائي هو المآل الطبيعي لأي حالة أصلية من التفاعل والتنوع.

فالبقاء على أصل التفاعل يثير دومًا إحساسًا بالقلق، ما يدفع إلى محاولة تجاوزه ووضع حد له، بالوصول إلى شكل من الاستقرار والنمطية، حتى تتحقق الفاعلية والغرض النهائي (وعلى هذا الأساس — وفقا للبعض — قام الصحابة رضوان الله عليهم بجمع المصحف على حرف قريش، الأمر الذي وضع حدًا لتعددية القراءات، التي كانت مظهرًا من مظاهر المرونة في التعامل مع النص المؤسس للحضارة الإسلامية. كما يعتبر آخرون أن كتب التحقيق والاختصارات تعمل العمل نفسه داخل المذاهب الفقهية، الأمر الذي أرسى ملامح نظام فقهي واضح وموحد على الأقل فيما يتعلق بكل مذهب فقهي على حدة، نفس الشيء يمكن أن يقال بخصوص حصر المذاهب في أربعة مذاهب سنية، وتفضيل كل منها لآراء فقهية معينة باعتبارها آراء سائدة، حيث نظر إلى هذا الإجراء على أنه وسيلة ضرورية لترويض التعدد وإمكانية الاستفادة منه على نحو عملي) [13].

إن تأمل هذه العلاقة (العملية) بين الأصول المتنوعة والمآلات الواحدية يدفع باتجاه التساؤل عما إذا كانت استعادة روح التنوع (في الفقه وغيره) تحمل فائدة مؤكدة، أم إنها يمكن أن تمثل مدخلًا للتفكيك، وعن كيفية الرهان على التنوع والتعدد في ضوء التوجيه الإلهي: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى 13)، فهل التعددية (الفقهية والمذهبية وتعددية القراءات وتعددية المدارس والاتجاهات) مدخل للفرقة في الدين، أم إنها من الدين، أو حتى هي الدين؟ وهل يمكن للتعددية والتنوع أن تكون مدخلاً أصليًا لإقامة الدين، أم إنها يجب أن تظل كوضع استثنائي يتم اللجوء إلى تفعيله في أوقات الضرورة؟ وعلى الجانب الآخر، هل التنظير، واللجوء إلى المقولات العامة (التي ينسحب مضمونها على كل الجزئيات) هو التطور الطبيعي للمقولات الفقهية التي لم يكن من المتصور أن تستمر في تعددها وتنوعها وتفرعها وتشعبها إلى ما لا نهاية؟ وهل التنوع والتعدد في المقولات هو مما يفيد المجالات المعرفية المختلفة، أم فقط المجال الفقهي؟

ما مضمون "النظريات الفقهية" وهل تعد محاولات تنظيرية مكتملة؟

كما سبق القول، يذهب اتجاه معتبر من الفقه المعاصر إلى أن العقل المسلم لم يتأخر في التجاوب مع الوضع المعرفي السائد، الذي من معالمه تطوير النظريات في فروع العلم المختلفة، حيث يؤكد هؤلاء على أن مفهوم النظرية لم يكن فقط حاضرًا بروحه، وإنما تمكن حقل الفقه من تطوير “نظريات فقهية” فعلية. وفي هذا الإطار يعتبر العديد من المشتغلين بالفقه الإسلامي أن توظيف مصطلح “التنظير”، يمثل اجتهادًا “يعطي للفقه حيوية في البحث والتأصيل العلمي”. حيث يؤكد هؤلاء أن استخدام التنظير يدخل ضمن اعتبارات التجديد والابداع الذي ينشده سديد المعقول في حراسة صحيح المنقول[14].

وجهة النظر التي لم تر في ممارسة “التنظير الفقهي” بأسًا، ومارسته بالفعل، كان مستندها غالبًا أن التنظير إنما يبتغي الوصول إلى المقولات العامة والمجردة، وأن التعميم/التجريد هو هدف محايد، ومستوى منهاجي معتبر، ومعمول بمقتضاه في إطار بنية الفقه الإسلامي نفسها، ولهذا يمكن النظر— من دون حرج — إلى ما يصدر من “أحكام” في إطار واقعة معينة، على أنه يشكل في مجموعه نظرية عامة، تنفرد بمفهوم كلي، ذي موضوع معين، وأركان، وشروط، ولها آثارها التي تنبني عليها[15].

ولهذا أصّل هؤلاء لمفهوم التنظير الفقهي على أساس من كونه “تصور مجرد جامع للقواعد العامة، الضابطة للأحكام الفرعية الجزئية”. هذا التصور يقوم بالذهن، سواء عبر الاستنباط بالتسلسل الفكري المنطقي، أو عبر استقراء الأحكام الفرعية الجزئية[16]. كما يتصف هذا التصور بالتجريد، إذ يحاول أن يتخلص من الواقع التطبيقي لينفذ إلى ما وراءه من فكرة “تحكم” هذا الواقع. وبمراجعة التعريفات التي قدمها دارسو تطور النظرية الفقهية الإسلامية سوف نلحظ أن هذا المعنى قد تكرر بوضوح في معظمها[17].

النظرية الفقهية هي تصور مجرد جامع للقواعد العامة، الضابطة للأحكام الفرعية الجزئية.

وعلى هذا الإساس فإن استخدام مفهوم التنظير للإشارة إلى “المعنى العام الذي تندرج تحته جزئيات البحث” صار استخدامًا شائعًا في إطار ما يسمى بالنظريات الفقهية[18]. وقد حاز مثل هذا الاستخدام تأييدًا من قبل المجتمع الفقهي بناء على قناعة مفادها أن مطالعة هذه النظريات الأساسية تعطي الطالب ملكة فقهية عاجلة تؤهل فكره، وتعينه على مدارك الفقه[19].

ومن أمثلة النظريات الفقهية التي صيغت وفق هذا التصور نظرية العقد التي تُنظم العلاقات التعاقدية بين الأفراد. نظرية الضمان التي تُحدد المسؤولية عن الأضرار. نظرية الملكية التي تُعرّف أنواع الملكية وحقوقها. نظرية الإرث التي تُنظم توزيع التركة بعد وفاة صاحبها. نظرية القضاء التي تُحدد قواعد وإجراءات التقاضي. نظرية الجهاد التي تُحدد أحكام الحرب والسلم. نظرية المعاملات المالية التي تُنظم مختلف المعاملات المالية، مثل البيع، والشراء، والإيجار، والقرض.

وقد اتسمت هذه النظريات الفقهية بعدد من الخصائص، مثل: الأساس الشرعي: يجب أن تستند النظرية إلى النصوص الشرعية ولا تُخالفها. الشمولية: يجب أن تُغطي النظرية جميع جوانب الظاهرة التي تُفسرها، الموضوعية: يجب أن تكون النظرية مُوضوعية ولا تُعبر عن آراء أو معتقدات شخصية. الوضوح: يجب أن تكون النظرية مصاغة بعبارات واضحة ومفهومة إلخ.

ولكن، الخصائص السابقة —على أهميتها— لا تفي باعتبارات التنظير، وفقا لمعناه الاصطلاحي، فما يسمى “نظرية” وفقًا لهذا الفهم ليس سوى مجموعة من المسائل أو الأحكام الفقهية المندرجة تحت باب من أبواب الفقه، أو شرح لبعض الأحكام الفقهية دون ربطها بمبادئ أو افتراضات عامة. وكأن التنظير هنا هو درب من دروب تصنيف (تبويب) الموضوعات، وقد قصد به الإشارة على أعلى مستوى من مستويات التصنيف، فهو التصنيف الكلي أو الشامل، الذي يستقصي موضوعًا ما من كل جوانبه وأطرافه. وليس في تسمية هذا النهج بالتنظير مناسبة ظاهرة لموضوع التنظير، فالتنظير إنما يتعلق بالنظر التفسيري، وليس النظر التجميعي، فتجميع أطراف موضوع ما لا يتضمن بالضرورة وصلًا بين هذه الأطراف في إطار مقولة يمكن على أساسها فهم الواقع بطريقة أفضل.

إن التعميم النظري قد عومل في إطار “النظريات الفقهية” على أنه مجرد لون من ألوان “التجريد العقلي” الذي يحتاجه الفقيه لكي يتعامل مع المسائل الفقهية بنفس الطريقة التي يتعامل من خلالها القانوني مع القواعد القانونية العامة والمجردة، فهذه الأخيرة تأتي دائمًا على نحو منضبط ومفهرس وجاهز للاستدعاء عند الحاجة من قبل المؤسسات البيروقراطية، التي لا يشغلها بالضرورة فقهاء يجيدون استنباط الأحكام، وإنما موظفون ارتقوا وفقًا لقواعد الأقدمية أو ما شابهها، ولكنهم وفقًا لمكانتهم الوظيفية مفوضون لإصدار الأحكام والبت في القضايا، ومن هنا كان لابد وأن تتوافر لديهم مقولات قانونية جاهزة ومبوبة وصالحة للاستخدام الفوري. وهذا ما يمكن أن تقدمه لهم “النظريات الفقهية” بعناصرها المحددة، ومقولاتها المنضبطة[20].

النظرية إذن إنما استدعيت في إطار علوم الفقه لإفادة العموم والتجريد، والتنظير تم التعامل معه على أنه وسيلة مثلى للتبويب والتعميم. وهذا استعمال صحيح من الوجه القانوني (الوجه الذي أريد من خلاله للمقولات الفقهية أن تصبح ذات صبغة قانونية)، ولكنه لا يعبر عن المضمون الاصطلاحي للتنظير، فالتعميم التنظيري هو في التحليل الأخير تعميم تفسيري، وليس مجرد تعميم تبويبي. فالنظرية إنما تعرف على أساس من قدرتها على تقديم تفسيرات عامة وليس مجرد مقولات عامة.

وبناء على ما سبق، عندما تشير وجهات نظر ناقدة إلى غياب التنظير في إطار الفقه الإسلامي، تثور تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الآراء تخلو من المنطق، بعبارة أخرى هل من المقنع الاحتجاج على هذه الانتقادات بأنه قد تم بالفعل تأليف نظريات فقهية؟ ألا تختلف طبيعة النظريات عما تمت صياغته تحت مسمى النظريات الفقهية؟  أليست النظرية إطارا تفسيريا قبل أن تكون إطارًا تصنيفيًا أو تبويبيًا، على نحو ما جرى عليه العمل في إطار الجهود التنظيرية داخل حقل الفقه الإسلامي؟

موقع التفسير في إطار البنية الفقهية

على الرغم من أن التنظير يشير إلى أشياء مختلفة عند الجماعات العلمية المختلفة، إلا أنه وفقًا لأي من تعريفاته المتداولة لا يقتصر على كونه تجريدًا/ تعميمًا ينسحب على الجزئيات، وإنما هو تجريد “عقلاني”، أي تجريد يفترض إمكانية الإحاطة العقلية بتفاصيل الموضوع محل التناول، ويدعي القدرة على الإمساك بجوهر الظاهرة المبحوثة. فالتنظير كما سبق القول يحمل قدرًا من النَفَس الحداثي، الذي يفترض أن العقل صورة للعالم، وأنه بمقدور العقل أن يعكس العالم فيلخصه في جملة ويفسره بمقولة.

ولما كان من المفترض أن المقولات الفقهية تنطلق من نسق معرفي مغاير، يعتمد على الاجتهاد، وعلى أن رأي الفقيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، كان التعدد في الآراء الفقهية، وكان الثراء في التعبير عن الظواهر من وجوه شتى، وكان تعدد وجوه الرأي والفهم. فالعقل المسلم لا يفترض الهيمنة على الواقع، ولا الإحاطة بكافة جزئياته، ومن هنا وُصف النشاط العقلي لدى المسلمين بالاجتهاد، وليس بالتنظير، فالعقل في النهاية قاصر عن أن يحيط بكافة التفاصيل، ومن ثم فإن ما ينتج عنه من محاولات لإدراك الواقع ليست قولًا فصلًا لا يحتمل المراجعة.

من ناحية أخرى فإن ما يشغل العقل المسلم في المقام الأول هو احتواء الظواهر داخل أطر شرعية، أو بعبارة أخرى إيجاد نسب شرعي للظواهر[21]، من خلال الحكم عليها وليس تفسيرها، (على سبيل المثال الحكم على التضخم، وليس تفسير التضخم، والحكم على الاحتكار وليس تفسير لماذا ينشأ الاحتكار إلى آخره)، وذلك على اعتبار أن التفسير هو بمثابة مقولة كلية نهائية، ترتب نتائج متناهية على مقدمات غير متناهية، وترد الواقع المتنوع إلى مقولات محددة، تمسك بقبضة الحقيقة وتلخصها في جملة أو بعض جمل، على نحو يختزل العديد من عوامل التسبيب، لصالح ما يُظن به أنه الأكثر أهمية والأكثر قدرة على تفسير الظواهر.

وكما هو معلوم فإن الفقه ينطلق من قاعدة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن هذا المنطلق يبدو أن التصور الفقهي يميل للوصف بأكثر مما يتصدى للتفسير، فثمة دقة فقهية شديدة في استعراض تفاصيل المسائل الفقهية، مع وضع الشروط والقيود، حتى لا تختلط بغيرها، (الأمر الذي ساعد على تكوين تراثا فقهياً ثرياً على مستوى الوصف والحكم). كما أن السؤال الأساسي الذي يعنى به الفقه هو سؤال “ما العمل؟” (التوصل إلى الأحكام العملية التي تنظم حياة المسلمين فيما بينم وتنظم علاقتهم مع غيرهم)، فيما التنظير يتعلق بسؤال تفسير الواقع (وهو غرض معتبر، ولكنه لا ينعكس بالضرورة على العمل). ولهذا يذهب البعض إلى أن الفقه لم يُعن بمسألة البحث النظري في الأسباب، بقدر عنايته بكيفية التصرف إزاء النتائج. ولكن يبقى السؤال عن موضع التفسير في إطار الجهد الفقهي؟ هل بالفعل لم يهتم الفقه بتفسير الواقع؟ وما هو موقع الفقه بين الوصف والتفسير والحكم؟ وأين وكيف تتقابل وظائف الفقه ووظائف النظريات؟ وهل يتعين أن تمثل مسألة صياغة نظريات تفسيرية أولوية بالنسبة للعقل الفقهي المعاصر؟

صعوبات الحديث عن النظرية الفقهية

لم يكن غياب البعد التفسيري فيما يسمى بالنظريات الفقهية المعاصرة هو العائق الوحيد أمام جهود سبك الأحكام الفقهية في إطار ما أطلق عليه “النظريات الفقهية العامة”، فقد عقب البعض على هذه الجهود بالقول إن “النظرية” في التحليل الأخير وليدة “الفكر الإنساني”، فيما الأحكام الشرعية لا تستخلص وفق نفس الطريقة التي تستخلص من خلالها النظريات. لذلك كان الفقهاء أدق عندما سموها أحكامًا، وعقدوا لكل مجموعة متجانِسة من الأحكام بابًا، وبناء عليه ليس واردا أن يطلق على حكم الوحي، ويصطلح عليه، بما يستخدم لوصف نتاج الفكر البشري لتباعد المصدرين[22].

كما أكد آخرون أن استخدام النظريات هو أمر “فرضه الوضع العلمي (المشبع بالرؤية الغربية للعالم)، وهو وضع لا يحتكم إلى أساس من الوحي كمصدر للمعرفة، ويقتصر على دراسة الوجود المادي، مما ألزم أصحابه محاولة إيجاد معيار ومبدأ يرجعون إليه للربط بين القوانين، ولاستنباط الأحكام من ذلك المعيار والمبدأ. ولهذا فإنه بالنسبة للمسلمين، الذين يمثل الوحي بالنسبة لهم معيارًا ومبدأ أساسيًّا لاستنباط الأحكام، لم يتم تطوير نظريات بالمعنى السابق في تراثهم. لكونه مفهوما مشبعا بخصائص معرفية غريبة عن الأسس المعرفية الإسلامية[23].

رغبة البعض في مضاهاة التحديث القانوني —وفقا لوجهات النظر الناقدة— هي ما دفعتهم، ضمن أسباب أخرى، إلى تصور إمكانية صياغة “نظريات فقهية”، على نفس النحو الذي صيغت به “النظريات القانونية”، لتمثل نظاما موضوعيا تنطوي تحته الجزئيات. ولكن غرض “التعميم” كما سبق القول، مناسب لأغراض الضبط والتحكم، في حين أن التنوع الفقهي يبدو في التحليل الأخير أكثر اقترابًا من طبيعة البشر، وأكثر التصاقًا بواقعهم، وأكثر تعبيرًا عما يهمهم، وأكثر قابلية لتوجيههم وإرشادهم، إذا ما قورن بنمط التنظير القانوني، الذي ينمط الواقع وأفراده في إطار من المقولات العامة، التي يفترض فيها (على غير الحقيقة) أن بمكنتها تلخيص الواقع، والتاريخ، والبشر. ويبقى السؤال هل يمكن طرح تعريف جديد لمعنى النظرية من وجهة نظر إسلامية، لتأخذ في الاعتبار فكرة التعددية، كما تأخذ في الاعتبار بنفس الوقت فكرة المرحلية (ما يعني أنها لن تصاغ لكي تكون مقولات مطلقة ونهائية في موضوعها)؟

ما الذي قد يلحقه التنظير بالفقه من أضرار؟

يقول الإمام السيوطي

فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة، كلٌ مأمور بها في هذه الشريعة، فصارت هذه الشريعة كأنها عدة شرائع، بعث النبي صلى الله عليه وسلم بجميعها، وفي ذلك توسعة، …لقدر النبي وخصوصية له على سائر الأنبياء، حيث بعث كل منهم بحكم واحد، وبعث هو صلى الله عليه وسلم في الأمر الواحد بأحكام متنوعة، يحكم بكل منها، ويصوب قائلها ويؤجر عليها ويهدي بها[24].

تلخص الفقرة السابقة وجهًا واحدًا لما كان يعده الأقدمون فوائد للتعدد، ولكن المعاصرين — كما سبق القول— يميلون إلى التحديد، عبر “صياغة النظريات” التي تحول طبيعة الموضوعات التي تتناولها من السعة إلى الضيق. ولهذا يخشى البعض أن يؤدي استدخال مفهوم النظرية والتنظير في إطار منظومة الفقه الإسلامي إلى تغيير طبيعة الشريعة، أو أن يكون هذا جزءًا من المحاولة الاستشراقية الممتدة لإعادة صياغة العقل المسلم. أو أن يكون ببساطة تأكيدًا على استلحاق العقل المسلم بالمركزية الغربية، وإجهاضًا لمحاولة توجيه التاريخ الإسلامي بعيدا عن هذه المركزية. (ربما تبدو الأمور أقل خطورة عند مناقشة التنظير في مجالات المعرفة الأخرى، فمن المفهوم أن الدور المعياري الذي يلعبه الفقه أكبر أثرًا في حياة المسلمين من خطابات الاقتصاد والسياسة والاجتماع وغيرهم)[25]. ولهذا المخاوف يبقى التساؤل: إذا كانت أهداف التنظير مغايرة لأهداف الفقه، فكيف يمكن للفقه بأدواته الذاتية أن يمثل قاطرة لإصلاح الواقع؟، بعبارة أخرى هل ينبغي أن يلعب الفقه دومًا أدوارًا محافظة، أم أنه يمكن أن يمارس أدوارًا إصلاحية إزاء الواقع؟ وإذا كانت الإجابة عن السؤال السابق بما يفتح الباب أمام ممارسة الفقه لأدوار إصلاحية فما الأدوات الذهنية (بخلاف النظريات) التي يمكن أن يصب فيها الفقه مقولاته بخصوص تطوير الواقع وتوجيهه؟

 -------------------------------------------------------------------------------------

  *أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

[1] صلاح قنصوة، فلسفة العلم، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002)، ص 196.

[2]

Douglas Harper, “theory”. Online Etymology Dictionary, at: https://bit.ly/49rhWdU

[3] انظر: فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة عادل مصطفى (وندسور: هنداوي، 2017).

[4] التساؤل عن العلاقة بين الفقه والتنظير لا يعني أن العقل المسلم لم يفصح عن نفسه إلا من خلال الفقه ومقولاته. فقط التساؤل بهذه الطريقة يبدو أكثر قابلية للتناول، لأن الفقه ميدان محدد، ومن ثم يمكن اختبار هذه العلاقة بتركيز أكبر في إطاره، على العكس مما لو اختبرناها في إطار كتابات مؤرخي التاريخ الإسلامي، أو في خطابات المتكلمين والفلاسفة أو في أشعار المتصوفة، من ناحية أخرى فقد مثل تداخل الخطابات المعرفية مع الخطاب الفقهي ملمحًا مميزًا في إطار التاريخ الإسلامي، حيث كانت الكتابات في موضوعات مثل الاقتصاد أو السياسة أو الاقتصاد تحمل توجهًا فقهيًا واضحًا، وتتم على أيدي فقهاء، ولم تتمايز الكتابة في الموضوعات المعرفية عن الكتابات الفقهية إلا بعد التقاء الشرق بالغرب، وتأثر المعرفة الإسلامية بمنتجات الحداثة، والتي كان من أبرزها ما صار يطلق عليه “العلوم الاجتماعية”.وفي ضوء هذه المبررات فإن هذه الورقة ستبحث عن النظرية ضمن الحقل الفقهي بالأساس.

[5] طارق البشري، حول العقل الأخلاقي العربي، نقد لنقد الجابري، المستقبل العربي، مجلد 24، عدد 276، ص ص 52: 77. مالك بن بني، فكرة الأفرو-أسيوية، في ضوء مؤتمر باندونج، ترجمة عبد الصبور شاهين، (دمشق: در الفكر، 2001). هذا وقد نبهت المعاجم العربية المعاصرة إلى أن لفظ النظرية من المولَّد، وأن معناه “قضية تثبت بالبرهان” أو أنه “جملة من التصورات المؤلفة تأليفاً عقلياً، تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات”، ولهذا قد لا يكون من المفيد أو الملائم أن نبحث عن أصل الكلمة أو جذورها في المعاجم القديمة. ولا أن نحلل صياغتها كمصدر صناعي من الفعل الثلاثي نظر، لنصل بذلك إلى معنى عربي لكلمة نظّر، كما أوردته كتب الفلسفة والمنطق. فالكلمة غريبة عن تراثنا، لفظا ومعنى. انظر: مسعود بن موسى فلوسي، محاضرات في النظريات الفقهية، قسم الشريعة، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة، 2018، ص 3.

[6] انظر: المبروك الشيباني المنصوري، صناعة الآخر: المسلم في الفكر الغربي، من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا (بيروت، نماء، 2014).

[7] يذهب المستشار البشري إلى أن أصول الفقه هو المكان الطبيعي الذي يمكن أن نعثر فيه على التنظير الإسلامي، أو على ما يقوم مقام التنظير في إطار المنظومة الفكرية الإسلامية. وما يقوم مقام التنظير ليس الحكم الشرعي نفسه، ولكن أدلته، من حيث الجملة لا من حيث التفصيل. فعلم الأصول فلا يتعرض للمسائل الخاصة إلا على وجه ضرب الأمثلة، وهو بهذا قرين التنظير المتعلق بالعموم، فالنظرية بطبيعتها عامة. علم أصول الفقه يختلف بهذا المعنى عن النظريات السلوكية الجزئية التي تتعلق بتفاصيل مفردة وحوادث بعينها. انظر: البشري، حول العقل الأخلاقي العربي، مرجع سابق.

[8] قبلي بن هني، التعريف بالنظريات الفقهية وأهمية دراستها، مجلة الدراسات الفقهية والقضائية، المجلد 1، العدد 1، ديسمبر 2015، ص 46.

[9] بلغت محاولات “تحديث” الفقه الإسلامي نتيجة ملموسة وفق المعنى السابق في العام 1877، عندما تم وضع القانون المدني الإسلامي في الدولة العثمانية، وأصبح هو القانون الساري في الدول التابعة للدولة العثمانية حتى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبذلك تحققت الوحدة التشريعية الملائمة لمطالبات التحديث، ولكن الغريب في الأمر أنه بعد أن جرى هذا التحديث أصبح على اليهود والنصارى لأول مرة في إطار العالم الإسلامي أن يخضعوا للتعاليم المدنية الإسلامية، لاحقا اكتفت هذه الدول بالنص على أن الشريعة هي مصدر تشريعاتها الوضعية المعمول بها فعليا. انظر، توماس باور، ثقافة الالتباس، ترجمة: رضا حامد قطب (الشارقة: منشورات الجمل، 2017) ص 211- 212.

[10] انظر: مسعود بن موسى فلوسي، مرجع سابق.

[11] تجب ملاحظة أن هذا القيد غير لازم، فالنظرية الفقهية لا تنحصر في الجوانب الحقوقية، حيث صيغت العديد من النظريات الفقهية في أبواب العبادات وغيرها من أبواب الفقه الإسلامي. انظر مسعود بن موسى فلوسي، مرجع سابق.

[12] توماس باور، مرجع سابق.

[13] توماس باور، مرجع سابق، ص 209

[14] هني، مرجع سابق، ص 43. وقد قُدِّمت حجج متنوعة لدعم وجهة النظر هذه، منها أن كونه (أي التنظير) وليد تشكيل حضاري مغاير هو أمر لا يضر، وأن النظريات يمكن النظر إليها على أنها مرادفة للقواعد الفقهية، على اعتبار أن ما بينهما من الفرق لا يعدو أن يكون فرقا في الصياغة فقط، كما إن من إيجابيات النظريات: تيسير حفظ المعلومات، وحسن عرض الإسلام على غير المسلمين، وتسهيل التقنين، وفتح أبواب التطبيق الرسمي للشريعة، ودفع التناقض من خلال تناول المسائل الفقهية المتباينة بمقولات فقهية متجانسة. كما أن التنظير يقدم معيارا للنقد وإدراك الفوارق، لأن الناظر حينما يجمع الصور المختلفة في المكان الواحد يمكنه أن يقارن بينها، والمقارنة طريق عملي لفتح باب مسائل جديدة، وأخيرا فإن النظريات تعين على معرفة أسباب تعدد الأحكام، وبها يظهر الرباط بين الأحكام وبين المقاصد والعلل، والعلاقة بينها وبين أسرار التشريع. وعلى هذا الأساس مال الكثيرون إلى تبني التنظير كمفهوم منهاجي، يمكن ترتيب مصنفات الفقه على أساس منه. انظر: أفلح بن أحمد الخليلي، تأصيل منهج النظريات، بحث ضمن أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية المنعقدة في سلطنة عمان، النظرية الفقهية والنظام الفقهي، مسقط، 2012.

[15] محمد فتحي الدريني، النظريات الفقهية (دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1981)، ص139.

[16] جمال الدين عطية، التنظير الفقهي (الدوحة، 1987).

[17] عرف الدريني “النظرية العامة” في إطار الفقه الحديث بقوله: “مفهوم كلي قوامه أركان، وشرائط، وأحكام عامة، يتصل بموضوع معين، بحيث يتكون من كل أولئك نظام تشريعي ملزم، يشمل بأحكامه كل ما يتحقق فيه مناط موضوعه”. وذهب أحمد فهمي أبو سنة إلى أن “النظرية الفقهية” تشير إلى “القاعدة الكبرى التي موضوعها كلي، تحته موضوعات متشابهة في الأركان، والشروط والأحكام العامة، كنظرية الملك، ونظرية العقد، ونظرية البطلان.” وعرفها آخرون بأنها موضوع يشتمل على مسائل أو قضايا فقهية، حقيقتها أركان وشروط وأحكام، تقوم بين كل منها صلة فقهية، تجمعها وحدة موضوعية تحكم هذه العناصر جميعًا، وذلك كنظرية الملكية، ونظرية العقد، ونظرية الإثبات، ونظرية الحق، ونظرية التعسف باستعمال حق الغير، ونظرية الشرط، ونظرية المؤيدات الشرعية، ونظرية الأهلية والولاية، ونظرية العرف ونظرية الشخصية الاعتبارية وغيرها. انظر: الدريني، مرجع سابق، ص ص 140 -141، أحمد فهمي أبو سنة، النظريات العامة في الشريعة الإسلامية (القاهرة، دار التأليف، 1967)، ص 44.

[18]  قبلي ابن هني، مرجع سابق، ص 40. ومن ذلك ما قيل في “نظرية العقد” مثلاً، والتي تتناول التعريف بالعقد، وبيان الفرق بينه وبين التصرُّف والإلزام، والكلام عنْ تكوين العقد ببيان أركانه، وشروط انعقاده، وصيغته، واقتران الصيغة بالشروط، وأثر ذلك في العقد، كما تتناول الكلامَ عن محل العقد، وعن أهليَّة العاقدين، وعوارضها، وعن ولايته الأصلية والنيابية، وعن حكم العقد، وأحكام العقود، وعنْ عيوب العقد، وعن الخيارات وأثرها في العقود، انظر: يعقوب الباحسين، “القواعد الفقهية”، (الرياض: مكتبة الرشد، 1998) ص ص 149: 150.

[19] على جمعة، المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، (القاهرة: دار السلام، 2001) ص 319.

[20] من المفهوم أن ثمة فروقا جوهرية بين النظريات الفقهية والقوانين الوضعية، تتعلق بـ

المصدر: حيث مصادر النظريات الفقهية تؤول إلى النصوص الشرعية، بينما مصادر القوانين الوضعية نابعة من العقل البشري.

الهدف: حيث تهدف النظريات الفقهية إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، بينما تهدف القوانين الوضعية إلى تحقيق مصالح المجتمع.

السلطة: حيث تلزم النظريات الفقهية المسلمين باتباعها لأنها صادرة عن الله تعالى، بينما تُلزم القوانين الوضعية الأفراد باتباعها لأنها صادرة عن السلطة الحاكمة.

[21] طارق البشري، حول العقل الأخلاقي العربي، نقد لنقد الجابري، مرجع سابق.

[22] عمر سليمان الأشقر، تاريخ الفقه الإسلامي (عمان: دار النفائس، 1991). محمد الفقيه، النظرية الفقهية، شبكة الألوكة، 9/11/2010، على الرابط:  http://bit.ly/4bqX2gT، إسماعيل عبد عباس، تعريف النظرية الفقهية، شبكة الألوكة، 2/6/2020 على الرابط: https://bit.ly/3HM27CR

[23] على جمعة، مرجع سابق.

[24] السيوطي، اختلاف المذاهب، (القاهرة: دار الاعتصام) ص 29.

[25] على المستوى التاريخي يرصد باحثون أنه بعد أن ظهر النظام القانوني الحديث (في دول العالم الإسلامي)، تم استبعاد الفقهاء ليحل محلهم رجال القانون الدارسين على الطريقة الغربية، وتم تحييد الشريعة الإسلامية لصالح قوانين وضعية، أو أعيد تشكيلها لتصبح نسخة من القانون (الإنجليزي أو الفرنسي). وأحد الأدوات التي استخدمت في إطار عملية “إعادة التشكيل” كان تحويل الشريعة إلى “فكر نظري”. بهذا الاعتبار فإن إحلال “نظريات الشريعة”، محل الشريعة كان وسيلة — وفقا للبعض — لاختزال تنوع الأخيرة إلى قوانين عامة، وأنه من ثم كان محاولة للقضاء على التنوع لصالح مقولات تناسب كل الأوضاع، وائل حلاق، قصور الاستشراق، منهج في نقد العلم الحداثي (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019).

 

*******************************

المصدر: مركز خطوة للتوثيق والدراسات، https://n9.cl/cdw92/

 

 

 

نُشر هذا الكتاب ضمن موسوعة الحضارة والنظم الإسلامية عن مكتبة الخانجي بالقاهرة عام 1980، ومؤلفه هو الدكتور محمد الصادق عفيفي، وهو كاتب ليبي مهتم بشؤون الإسلام والفكر العلمي عند المسلمين، من أهم كتبه كتاب "الإسلام والعلاقات الدولية"، وكذلك كتابه "الشعر والشعراء في ليبيا".

وترجع أهمية هذه الدراسة إلى تناولها موضوعًا من الموضوعات التي تشغل المجتمعات منذ أن بدأ الله سبحانه وتعالى الخليقة؛ والذي يتلخص في تحديد أسس العلاقات الإنسانية، سواء أقامت هذه العلاقات بين أفراد أم جماعات أم دول.

كما ترجع أهمية الدراسة كذلك إلى سعيها للتأكيد على حقيقة هامة مفادها: أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وفي هذا الصدد أشار الدكتور محمد صادق عفيفي في مقدمته لهذه الدراسة إلى: " إن هذه الشريعة الغراء، السماوية في أسسها وأصولها، صالحة لكل بيئة، ولكل زمان، ولكننا نحن بحاجة ماسة إلى فقهاء متخصصين، يبينون للعالم كله هذه الصلاحية، التي لاريب فيها، ولن يكون هذا إلا بفهمها حق الفهم لا بالدعاوى السطحية، والادعاءات الجوفاء، بل بتعمقها وعرضها على الناس عرضًا طيبًا يصلح للتطبيق في هذا العصر، مع حسن الدعوة، والاقتداء برسول الله وعملاً بقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل: الآية 125]. ومن ثم يجب أن نعمل جادين على تبيان جوانب القانون الدولي في الإسلام، لا لمقارنتها بالأصول الحديثة، وأنها أبعد منها تاريخًا، وأعمق فكرة، وأوسع أفقًا، ولكن لبيان أن هذه الجوانب الشامخة هي إنسانية في جوهرها، ودولية فى مضمونها وأبعادها، ومن صور هذه الدولية تقييد حقوق الفرد بحقوق المجتمع، وتقييد حقوق المجتمع بحقوق الدول، وفى ذلك تأكيد لمبدأ السلام في العالم، ودعم لمبدأ المساواة ، وعدم التفرقة بين الإنسان وأخيه الإنسان".

 

تقسيمات الدراسة:

قامت هذه الدراسة على ستة أبواب؛ حيث تحدث الباب الأول عن جوانب عموم الرسالة المحمدية، وجوانب شمولها، ومدى صلة ذلك بالفطرة وبالعلاقات الدولية، والنتائج المترتبة على عموم الرسالة ومقارنة ذلك بالآفاق اليهودية والمسيحية، وتفنيد مزاعم المستشرقين في هذه الجوانب.

وتناولت الدراسة في الباب الثاني المبادىء الإسلامية الوسيعة التي أفاض فيها الإسلام عن حقوق الإنسان، وذلك من خلال تقسيمه إلى خمسة فصول تناولت بيان حق المساواة، بيان حق الحرية في مختلف صورها، بيان الحقوق السياسية والمدنية ثم تبيان أبعاد العدل والعدالة.

وعرضت الدراسة في الباب الثالث أوجه القانون الدولي وتحديداته العلمية، وصلة ذلك بالفقة الإسلامى والحضارة الإسلامية، وبيان ماهية الحقوق والواجبات فى ضوء ذلك، وبيان حقيقة قواعد التشريع الدولي المتعلقة بالإقليم والأشخاص والجماعات والدول في الإسلام.

وعرضت الدراسة في الباب الرابع بالتفصيل لقواعد الحرب المشروعة في الإسلام، ومبادئ التجنيد، والسلم المسلح، وتبيان واجبات القيادة والجند، وأصول العسكرية فى الإسلام، وبيان الأساليب الحربية المباحة والممنوعة، وحكم الأسرى، وعلاقة ذلك بالرق.

وأوضحت الدراسة في الباب الخامس عظمة الإسلام في وضعه لأسس العلاقات الدولية والسلام والدعامات التي اعتمدها في قيام العهود، وإرسال الوفود، والسفراء، وعقد المعاهدات المختلفة، وبيان سبل المفاداة والرهائن، وبيان أبعاد العلاقات مع أهل الذمة والمستأمنين، وصور الاستخلاف الدولي.

وتكلمت الدراسة في الباب السادس منها عن أحكام العلاقات المالية، وإلى أي مدى يتمتع الأجانب بكافة الحقوق في دار الإسلام، والواجبات المالية التي يلتزمون بها نحو الدولة من الجزية إلى الفئ والغنائم والعشور.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

هذا الكتاب عبارة عن محاضرات سبق أن ألقاها المؤلف على طلبة قسم الدراسات القانونية بمعهد الدراسات العربية العالية (معهد البحوث والدراسات العربية حاليًا) التابع لجامعة الدول العربية عام 1954م.

والدكتور توفيق محمد الشاوي (15 أكتوبر 1918م- 8 أبريل 2009م)، فقيه قانوني معروف حصل على الدكتوراه من جامعة باريس عام 1949م في موضوع "نظرية التفتيش"، وهي الرسالة التي طبعتها جامعة القاهر ولكنها نفدت. عُيّن مدرسا بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وتبوأ العديد من المناصب في عدة دول، ومنها المملكة العربية السعودية، والمملكة المغربية، ويعد من رواد الاقتصاد الإسلامي، وله مؤلفات عديدة في هذا المجال فضلا عن مؤلفاته الأخرى المهمة كذلك، مثل: "فقه الشورى والاستشارة"، و"الموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي"، "السنهوري من خلال أوراقه الشخصية".

وتدخل الدراسة الماثلة بين أيدينا –كما أوضح الدكتور الشاوي في مقدمته لهذه المحاضرات- في نطاق ما يسمى بالقانون المقارن؛ أي دراسة موضوع معين في عدة تشريعات مختلفة لاستخلاص الأصول المشتركة التي تتفق فيها، وأوجه الخلاف بينها وأسبابه. وميزة هذه الدراسة أنها توسع أفق الباحث، وتساعد على تطور النظم القانونية في الدول المختلفة وتقدمها باستفادتها من تجارب الدول الأخرى، فضلاً عما يؤدى إليه ذلك من تقريب بين هذه التشريعات وتوجيهها نحو الوحدة أو التشابه على الأقل، مما يُعد أكبر العوامل التى قد تنمي التعاون بين الشعوب وتسهل التعامل بين أفرادها، وإن ما بين الدول العربية من روابط تاريخية وثقافية واجتماعية ليستوجب الاهتمام بالدراسات المقارنة لقوانينها الجنائية المختلفة لتكون وسيلة لتوحيد تلك القوانين أو التقريب بينها، ولتسهيل التعاون بين تلك الدول فى مكافحة الجريمة ومقاومة الإجرام.

واتبع دكتور الشاوي في سرده لهذه المحاضرات تقسيمًا علميًا يقوم على أساس مدى الصلة بين التشريعات العربي القائمة، وبين الشريعة الإسلامية من ناحية، والمصدر الغربى الغالب عليها، أي التشريع الفرنسي أو الإنجليزي من ناحية أخرى، حيث قسَّم هذه التشريعات إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: التشريعات التي تعتمد مباشرة على الفقه الإسلامي، وهى السائدة في المملكة السعودية واليمن.

القسم الثانى: التشريع المصرى الذى يحقق أكبر قدر من التوازن بين المصادر الفرنسية والإنجليزية، ويلحق به التشريع الجنائي الليبي الذي يجرى إعداده.

القسم الثالث: التشريعات المؤسسة على التشريع المصرى مع زيادة في نفوذ المصدر الأنجلوسكونى، وهى التشريع العراقي والأردني والسوداني.

القسم الرابع: التشريعات التي يغلب عليها نفوذ المصادر الفرنسية، وهى التشريع اللبناني والسوري.

 

محتويات الكتاب:

احتوى هذا الكتاب إلى مقدمة، وثلاثة أبواب، وذلك على النحو التالي:

مقدمة:

تناول فيها موضوع الدراسة وطريقة البحث، ومصادر التشريع الجنائي وتطوره في البلاد العربية، والتعريف بالتشريعات الجنائية العربية وتقسيمها.

الباب الأول: شرعية الجرائم والعقوبات ونتائجها

تناول هذا الباب موضوع شرعية الجرائم والعقوبات ونتائجها من خلال تقسيمه إلى ثلاثة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، في حين تناول الفصل الثاني مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية، بينما تناول الفصل الثالث التفسير الضيق للقوانين الجنائية وسلطة المحاكم في تطبيقها.

الباب الثاني: إقليمية القوانين الجنائية وقواعد القانون الجنائي الدولي في الدول العربية

تم تقسيم هذا الباب إلى سبعة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: مبدأ إقليمية القانون الجنائي، وتناول الفصل الثاني: الولاية الذاتية للتشريع الجنائي في حالة الجرائم الماسة بكيان الدولة وسلامتها، في حين تناول الفصل الثالث: الولاية الشخصية للقانون الجنائي في حالة الجرائم التي يرتكبها الرعايا في الخارج، وأما الفصل الرابع فقد تم تخصيصه لدراسة الولاية العالمية الاحتياطية للتشريع الجنائي في البلاد العربية، وعالج الفصل الخامس موضوع أثر التشريع والأحكام والإجراءات الأجنبية على إقليم الدولة، بينما تناول الفصل السادس نظام تسليم المجرمين، وتناول الفصل السابع اتفاقية تسليم المجرمين بين دول الجامعة العربية.

الباب الثالث: فكرة العقوبة الإصلاحية ومبدأ فردية العقوبة في التشريعات العربية

حيث تم تقسيمه إلى أربعة فصول؛ تناول الفصل الأول مبدأ فردية العقوبات في التشريعات العربية، في حين تناول الفصل الثاني: نظام العود في التشريعات العربية، وأما الفصل الثالث فقد تناول الظروف المخففة، بينما تناول الفصل الرابع وقف تنفيذ العقوبة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

كان علي زكي العرابي باشا من رجال الحركة الوطنية، وكان من أبرز القانونيين في جيله، وكان أحد ثلاثة تولوا إعداد مشروعات القوانين المصرية بعد إلغاء المحاكم المختلطة والامتيازات الأجنبية، فقد تولى إعداد مشروعات القوانين الجنائية، على حين تولى الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا إعداد القانون المدني، بينما تولى محمد حسن العشماوي باشا إعداد قانون المرافعات.

 

نشأته وتكوينه:

ولد علي زكي العرابي باشا في محلة أبو علي سنة 1882، وتلقي تعليمًا مدنيًا متميزًا وعرف بنبوغه وهو طالب في الحقوق حيث كان يترجم المحاضرات عن الإنجليزية ويوزعها على زملائه. تخرج علي زكي العرابي باشا في مدرسة الحقوق (1903)، وعمل بالمحاماة وتلقى تدريبه الأولي على المحاماة في مكتب خاله، ثم عمل مدرسًا للقانون بمدرسة الشرطة، ثم اختير أستاذًا بكلية الحقوق (1920)، ثم عين قاضيًا بالاستئناف. انضم للحركة الوطنية في ثورة 1919، وظل طيلة حياته على ولائه للوفد، وقد انتخب عضوًا في الهيئة العليا للوفد في نهاية الثلاثينيات.

 

مناصبه الوزارية:

عُين علي زكي العرابي باشا وزيرًا للمعارف في وزارة النحاس باشا الثالثة (مايو 1936 ـ يوليو 1937)، ثم تولى وزارة المواصلات في ثلاث وزارات أخري رأسها النحاس باشا، فتولاها في وزارة النحاس الرابعة (أغسطس 1937 ـ ديسمبر 1937)، ثم في وزارته الخامسة (فبراير 1942) وحتى 14 مايو 1942 فقط، حيث اختير رئيسا لمجلس الشيوخ، وعاد ليتولى وزارة المواصلات للمرة الثالثة في وزارة الوفد الأخيرة (12 يناير 1950) وحتى 9 يوليو 1950 فقط، حيث اختير مرة أخري رئيسًا مجلس الشيوخ.

انتماؤه للوفد وخلافه معه:

كان العرابي باشا وزيرًا وفديًا ورئيسًا لامعًا لمجلس الشيوخ، وكان من الرموز المخلصة للوفد، وذلك لم يمنعه من الاختلاف العلمي والفقهي في بعض القضايا مع الوفد، وكانت أشهر هذه الآراء الفقهية الحاسمة في اختلافها مع سياسة الوفد آراؤه الخاصة بالقضايا التي أثيرت حول عضوية البرلمان، حيث كان الأمر سجالًا بين الوزارات الوفدية ووزارات حسين سري باشا (1941) وأحمد ماهر باشا (1944) وإسماعيل صدقي باشا (1946)، ومع أن علي زكي العرابي باشا كان وفديًا أصيلًا بل ورئيس مجلس الشيوخ -آنذاك- فقد كان رأيه في ظاهره على خلاف رأي الوزارة الوفدية.

العرابي باشا والحقبة الناصرية:

كانت علاقة العرابي باشا بحركة الضباط متباينة بين حالة من العداء باعتباره من رموز الوفد والرموز السياسية البارزة في الحقبة الملكية وبين تقدير مكانته القانونية والقضائية، وكان الرئيس جمال عبد الناصر نفسه يظهر للصحافة تقديره ومحبته له، وأنه يستعين برأيه، ومن العجيب أنه اختير كذلك عضوًا في لجنة وضع الدستور كممثل اختارته الثورة للوفد وذلك على الرغم من أنه خضع لقوانين العزل السياسي باعتباره من وزراء ما قبل الثورة.

 

آثاره:

– «مركز الوارث في الشريعة ونتائجه في القانون»، القاهرة، مطبعة الشعب، 1913.

– «شرح القسم العام من قانون العقوبات وجرائم القتل والجرح والضرب»، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة، 1925.

– «قانون تحقيق الجنايات والتعديلات الطارئة عليه والقوانين المرتبة به لغاية أول نوفمبر سنة 1926»، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1926.

– «القضاء الجنائي» جمع وتلخيص وترتيب علي زكي العرابي، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1926، من جزئين في ثلاثة مجلدات.

– «المبادئ الأساسية للإجراءات الجنائية» شرح قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 1950، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1952.

– «المبادئ الأساسية للتحقيقات والإجراءات الجنائية»، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1939/ 1940، من جزئين في مجلدين.

– «مذكرات في قانون تحقيق الجنايات»، القاهرة، مطبعة الاعتماد، 1920.

– «عضوية البرلمان»، القاهرة، 1949.

وسبق لموقعنا أن نشر عرضا لكتابه "القضاء الجنائي"

________________

- محمد الجوادي، العرابي باشا الذي ابتدع المصطلح القائل بأن البرلمان سيد قراره، مدونات الجزيرة، https://2u.pw/Np1mlOj

- علي زكي العرابي باشا، تراجم عبر التاريخ، https://tarajm.com/people/77690

The melbet promo code free bet welcome bonus is a premier offer designed for all new customers joining the platform. This incentive provides a powerful boost to your initial bankroll, allowing you to place more bets on your favorite sports from the very beginning. The standard welcome offer promises a 100% match on your first deposit. The maximum bonus sum you can receive from this promotion is capped at €100, giving you a significant and valuable head start on your betting journey.

أعد الفقيه الدستوري الكبير د. عبد الحميد متولي -أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بجامعة فاروق سابقًا الإسكندرية فيما بعد- كتابه "المفصل في القانون الدستوري" -والذي يتيح موقعنا إلكترونيًا بشكل حصري الجزء الأول من أجزائه الأربعة- ليكون -بحسب ما أوضح مؤلفه- عونًا للباحثين وطلاب الحقوق في فهم الفقه الدستوري، محاولًا تقديمه بشكل مختلف عن المراجع التي سبقته في القانون الدستوري، والتي كانت تكثر في صفحاتها الحواشي والهوامش التي قد لا تكون محل حاجة لدي طالب القانون المبتدئ، وأيضًا لإغناء الباحثين في القانون الدستوري عن المراجع الأجنبية بشكل يختلف عن مراجع ذلك الحقل القانوني آنذاك. وقد صدرت طبعته الأولي سنة 1952 بدار نشر الثقافة بالإسكندرية.

ويري المؤلف أن كل من تناط به مهمة القيام بوضع دستور لبلد من البلاد تبرز أمامه جملة من المسائل أو المشاكل الأساسية، عليه أن يختار أحدها، مستعينا بالمبادئ التي يراها ملائمة لروح الدستور الذي يريد تشريعه ولظروف البيئة التي يعد لها تشريعًا، وهذه الحلول الدستورية هي التي تحدد محيط وجوانب مواضيع القانون الدستوري.

وقبل شروع المؤلف في موضوعات الكتاب اعتني بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأولية حول القانون الدستوري مثل: ما القانون الدستوري؟ وما مواضيعه؟ وما موضعه بين الفروع الأخرى للقانون العام؟، موضحًا ما ينقسم إليه القانون من عام وخاص، كما علل الحاجة لهذا التقسيم بتسهيل فهم المواد القانونية ودراستها، نظرا لتعدد فروعهـــــا

واتساع نطاقها، ولأن نشاط الدولة يختلف عن نشاط الأفراد، فالدولة لها وظائف واختصاصات ترمى بها إلى تحقيق الصالح العام للبلاد، وقواعد القانون الخاص إذا طبقت على نشاط الدولة (حين تعمل بصفتها صاحبة السلطة العامة) فإنها لا تمكن الدولة من حسن القيام بتلك الوظائف والاختصاصات. ونظرا لأن مواضيع القانون في العصر الحديث قد اتسع ميدانها اتساعًا كبيرًا بحيث أصبح من الضروري أن تقسيمها أقسامًا فذلك مما يؤدى إلى تسهيل وتبسيط دراسة المبادئ والقواعد القانونية.

 

ومما جاء في مقدمة المؤلف للكتاب:

"هذا كتاب في القانون الدستوري أقدمه للقراء جزءًا أول من أربعة أجزاء، أهدف به أن يكون مرجعًا لرجال الفقه من الباحثين ومعينًا لطلبة الجامعة المبتدئين، وفى ذلك تأويل لما يرى في الكتاب من طويل التفصيل ومن كثرة المراجع في أكثر المواضع وتفسير لما يُرى في صفحاته وقد شطرتها كثرة الهوامش شطرين حتى أحقق بذلك هذين الهدفين، فالهوامش وهي بطبيعتها تتضمن التفصيلات لا يعنى أمرها الطالب العادي من طلبة الجامعة، ولقد كانت لمؤلفات من سبقني من الزملاء من أساتذة الفقه الدستوري فضل على دراسة ذاك العلم في هذا البلد كبير، وأنه لحق لهم علينا في مصر أن نشيد بتلك الصروح التي شيدوها.

على أنه لا يزال -مع ذلك فيما أعتقد- في عالم القانون الدستوري في مصر كثير من الفيافي لم تجد بعد من يرتادها وكثير من المناهل قل من قبل روادها، فالواقع من الأمر أن الباحثين في الفقه الدستوري في مصر يحسون الحاجة إلى كتاب مفصل يغنيهم عن المراجع الأجنبية ولو بعض الغناء. ويخفف عن مرتادي تلك الفيافي ولو بعض العناء. ولا حاجة بي أن أقول أن أمنيتي أن يكون في هذا الكتاب سداد لتلك الحاجة.

وسوف يجد فيه الباحثون طريقة جديدة في عرض غير قليل من المواضيع، كما يجدون فيه متسعًا ومجالا كبيرًا تعمل فيه ملكة النقد ذلك لأن صاحبه لم يكد يدع رأيًا إلا أبدى له نقدًا ولا نقدًا إلا أبدى عنه رأيًا، ذلك بأن النقد العلمي هو سبيل التقدم والنهوض، فاذا لم تتسع له صدورنا وضاقت به آفاق".

 

أما تقسيم مواضيع الكتاب، فكان كالتالي:

يشمل هذا الكتاب أقسامًا (أجزاء) ثلاثة:

القسم الأول: المسائل والمبادئ الدستورية للديموقراطية الغربية الحرة (وهي ما يطلق عليها الديمقراطية، الكلاسيكية، Classique)، وقد تناول هذا القسم أساليب نشأة الدساتير ونهايتها، ومشكلة الجمود المطلق للدستور، ودور العرف في الشئون الدستورية، ومفهوم الدولة، والنظريات المتعلقة بأصل نشأتها، وأصل نشأة الدولة المصرية الفرعونية، ومبدأ سيادة الأمة، وأزمة الأنظمة الديمقراطية.

القسم الثاني: المبادئ الدستورية للأنظمة الماركسية Marxistes (وهي ما يطلق عليها الديمقراطية الشعبية، أو الشيوعية).

القسم الثالث: النظام الدستوري المصري.

 

وللدكتور "عبد الحميد متولي بك" مؤلفات أخري، مثل:

  • الديمقراطية وتمثيل المصالح في فرنسا (بحث في القانون العام والفلسفة السياسية) بالفرنسية: طبع باريس سنه ۱۹۳۱ (وله تقدمه بقلم الأستاذ بارتلي عضو المجمع العلى الفرنسي والأستاذ بكلية الحقوق بباريس ووزير العدل سابقا).
  • "أزمة القانون الإداري" (بحث نشر بمجلة القضاء ببغداد عدد ديسمبر سنه ١٩٣٦).
  • "القانون الإداري للعراق"، الجزء الأول طبع ببغداد سنة ١٩٣٦، الموظفون العموميون (مجموعة محاضرات ألقيت على طلبة كلية الحقوق ببغداد سنه ۱۹۳۷).
  • "القانون الإداري المصري"، الجزء الأول، سنة ١٩٣٨.
  • "سلطة الوزير في إيقاف الموظفين: الإحالة على التحقيق الإداري" (بحث منشور بمجلة المحاماة بمصر عدد يونية سنة ١٩٣٩) ومطبوع على حدي.
  • "مهمة السلطة التنفيذية" (مجموعة محاضرات ألقيت سنه ١٩٣٩ بكلية البوليس على قسم حملة ليسانس الحقوق).
  • "مشكلة إصلاح نظام الانتخاب في مصر" بحث منشور بمجلة الحقوق (التي يصدرها أساتذة كلية الحقوق بجامعة فاروق، عدد يناير - مارس ١٩٤٨، والبحث مطبوع على حدة.
  • "أصل نشأة الدولة"، (بحث في الفلسفة السياسية وتاريخ القانون العام، نشر بمجلة القانون والاقتصاد التي يصدرها أساتذة كلية الحقوق بجامعة فؤاد) عدد سبتمبر وديسمبر ١٩٤٨.

 

رابط تحميل ملف الكتاب

 

أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه تقدم بها الباحث سعد بن مطر العتيبي[1] لقسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء ونال بها درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. صدرت الطبعة الأولى من هذه الرسالة عن دار الفضيلة بالمملكة العربية السعودية في عام 1430هـــ/ 2009م.

وسعت هذه الدراسة إلى الإجابة على التساؤلات الآتية:

  • ما مدلول السياسة الشرعية؟ وما العلاقة بينها وبين تغير الأحكام؟
  • وهل في أحكام السير مسائل تتغير أحكامها، تبعًا لما تقتضيه السياسة الشرعية؟
  • وهل يوجد في قواعد القانون الدولي العام المعاصر، ما يُمكن أن يقابل تلك الأحكام؟
  • وهل يمكن موازنة تطبيقات فقه السياسة الشرعية -وفق مدلولها هنا– في أحكام السير، بما يقابلها من قواعد في القانون الدولي، مع بيانه بالتطبيق بإجراء الموازنة؟
  • وكيف تفيد الدولة الإسلامية من فقه السياسة الشرعية في أحكام السير، بمعناها الخاص، في ظل المجتمع الدولي الحالي، والدخول في الاتفاقات الدولية المعاصرة؟

وتكمن أهمية الدراسة -كما أوضح الباحث في مقدمتها- فيما يأتي:

  • أن علم السير علم يبحث -في معظمه- علائق المسلمين بأهل الملل الأخرى، من حربيين ومعاهدين، وهذا موضوع قوي الصلة بمهمات العلوم الشرعية (عقيدة، ودعوة، وفقهًا)، فالبحث فيه يفيد الباحثين من الدارسين، ويفيد أهل الولاية من السياسيين، كما يثري المكتبة الإسلامية بما تحتاجه من تصوّر شمولي مؤصل.
  • أن علم السير، علم متجدد المسائل، كثير النوازل، وعـلــم هـذه حالـه لاشك أنه حري بالدراسات العلمية التأصيلية، مع محاولة تنزيل الأحكام على ما يمكن أن يكون محلاً لها من الواقع، إذا كان سالمًا من الإيرادات المؤثرة.
  • أن المجتمع الدولي -اليوم- يجثو أمام قوانين وضعية، صاغها، أئمة الكفر لتخدم مصالحهم - وإن لم تخل من بعض القوانين الطبيعية الفطرية وألزموا بها من سواهم بما أدناه: رفع الشهاب، والتلويح بالنار، بحرب أو شبه حرب؛ فكان لزامًا على الدول الإسلامية إعلان النفير الفقهي الشرعي، الذي يزيل الغبار عن الإرث الإسلامي، ويبين للأمة وقادتها المخرج الشرعي الواقعي بالدليل، وكشف زخرف القول بالتسويغ والتبرير الذليل.
  • أن الإرث العلمي الشرعي في هذا العلم، زاخر بالمسائل المتغيرة، التي تبرز بها السياسة الشرعية بمعناها الخاص؛ مما يقدم البرهان القاطع بنظر الشريعة للمصالح رعاية، وللمفاسد وقاية، مع تحمل ما لابد من تحمله منها عند اقتضاء الموازنة الشرعية لذلك؛ وهذا يؤكد أهمية ضبط التعامل مع المتغيرات، بحيث لا تعود على الثوابت بالبطلان.
  • أن الانطلاق في تأصيل علم السياسة الشرعية بمفهومها الأخص بدراسة تطبيقاته ومعرفة مآخذه (التأصيل الشرعي)، جانب ينبغي تأكيد أثره في صحة التأصيل وسلامة الاستدلال، فكم من مسألة أصلها فقهاؤنا قبل قرون، ولازال الكثير من طلبة العلم -فضلاً عن العامة- يظنونها من النوازل ومستجدات العصر؛ ولو حقق المرء ودقق، لوجد كثيرًا من الحوادث والنوازل ذات جذور عريقة في التاريخ، بأن وقعت واقعة مقاربة، وأفتى فيها علماء ذلك العصر الذي وقعت فيه؛ والعلم بذلك من أهم ما ينبغي للفقيه والمتفقه العناية به؛ ولهذا كان العلماء يقولون: "لا يكون فقيهًا في الحادث، من لم يكن عالمًا بالماضي"؛ وبهذا تتأكد أهمية هذا الموضوع، وتتضح به جادة الطريق نحو سلامة التأصيل.
  • وأخيرًا فإن أهمية هذا البحث تبرز في علاقته المباشرة بجميع علوم الشريعة، من تفسير، وشروح حديث، ومقررات عقيدة، فضلاً عن علم الفقه المتخصص، وهذا مما يطلع الباحث على حقيقة شمولية الشريعة نصوصًا، وأصولاً، وقواعد.

 

تقسيمات الدراسة:

تم تقسيم هذه الدراسة إلى مقدمة، وفصل تمهيدي، وبابين، وخاتمة؛ حيث تناول الباحث في المقدمة أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج الدراسة، وخطته، في حين تناول الفصل التمهيدي: مفهوم السياسة الشرعية، وعلم السير.

وتناول الباب الأول: فقه السياسة الشرعية في أحكام السلم، وقد تم تقسيمه إلى خمسة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: فقه السياسة الشرعية في أحكام الجزية، بينما تناول الفصل الثاني: فقه السياسة الشرعية في أحكام الأمان، في حين تناول الفصل الثالث: فقه السياسة الشرعية في أحكام الهدنة والمعاهدات السلمية. وخُصص الفصل الرابع لدراسة فقه السياسة الشرعية فيما يتعلق بالرسل والسفراء، بينما تم تخصيص الفصل الخامس لدراسة مقارنة القانون الدولي بفقه السياسة الشرعية في أحكام المعاهدات.

ثم جاء الباب الثاني ليتناول فقه السياسة الشرعية في أحكام القتال (الحرب)، وقد تم تقسيمه إلى ثلاثة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: فقه السياسة الشرعية في المقدمات التي تسبق نشوب الحرب، في حين تناول الفصل الثاني: فقه السياسة الشرعية أثناء القتال، بينما تناول الفصل الثالث: فقه السياسة الشرعية بعد وقف القتال.

نتائج الدراسة:

اختتمت الدراسة بعدد من النتائج أجملها الباحث على النحو الآتي:

  • بيان الحد الفاصل بين الثابت والمتغير في فقه علم السير؛ وقد اتضح ذلك بما نهجه البحث من تقسيم السياسة الشرعية إلى مدلولين .. عام (ثابت)، وخاص (متغير)؛ وثبوت وجوده في الفقه الشرعي الأصيل، تنظيرًا وتطبيقًا؛ فقد اتضح بالنظر في تعريفات السياسة الشرعية عند المتقدمين والمتأخرين -مما أمكن الإطلاع عليه- أنها تطلق على معان مجزأة تكاد تنحصر في مفهومين، عام وخاص.
  • البيان العملي لما ينفيه العلمانيون -من المنظرين الأجانب وتلاميذهم (حقيقة أو فكرًا) من بني جلدتنا- ومن سلك مسلكهم، من خصائص الشريعة الإسلامية، ألا وهما خاصيتا الشمول والمرونة، مع تأكيد ذلك بالبرهان النظري.
  • إظهار فقه أهل الإسلام وبيان طريقتهم في دراسة النصوص الشرعية من حيث الكلية والجزئية، وسلوكهم طرائق استنباط دقيقة منضبطة، وبيان سبقهم فيما وصلوا إليه من نتائج، لأحدث ما وصل إليه التراكم المعرفي القانوني الطبيعي في مراحل تطوره المختلفة.
  • بيان سبب من أهم أسباب الاختلاف الفقهي بين أئمة الفقه، في جملة من مسائل البحث؛ ألا وهو: الاختلاف في إدراج مسألة ما من مسائل فقه السير، ضمن مسائل السياسة الشرعية بمعناها الخاص؛ ما بين مدخل لها فيها، ومخرج لها منها، وفق ما وصل إليه اجتهاد كل منهم في فهم جملة من الأدلة، أو في فهم نوع التصرف النبوي في فعل من الأفعال، ونحو ذلك.
  • تأكيد كون مصادر الشريعة الإسلامية، هي أساس الشرعية الإسلامية العليا، وأن إطار ذلك أوسع ممـا قـد يظنـه بعـض الباحثين؛ إذ تجلّى أن ما لم يخالف الشريعة الإسلامية فهو منها، كما هو الشأن فيما وافقها، ومن ثم فلا يُتحرج في الإفادة من تجارب الأمم الأخرى، فيما ثبت نفعه، مما لا مخالفة فيه للشريعة الإسلامية.
  • أن الموازنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية؛ يجب أن تسبق بالموازنة بين أصول الشريعة وخصائصها، وبين أصول القوانين وما توصف به من صفات، مع مراعاة الفروق بين المصطلحات الشرعية والفقهية، وبين المصطلحات القانونية، وأن الانطلاق في الموازنة عبر مسارات جزئية لا تراعي ما ذكر، تجعل الموازنة غير موضوعية، بل ولا واقعية، كما يجب الانطلاق عند الموازنة من قاعدة الشريعة، لبيان ما يندرج فيها وما لا مدخل له في الشرعية الإسلامية؛ فإنها شريعة الله.
  • أن دراسة علم السير (علاقة دولة الإسلام بغيرها)، فقه شرعي، كغيره من مسائل الفقه، يؤخذ من مصادر الشريعة الإسلامية التي يرجع إليها في بحث بقية الأحكام الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع وما تفرغ عن ذلك من مصادر، وعليه فلا يؤخذ علم السير من أخبار المغازي التي لم تثبت من جهة الإسناد، ولا من الأحداث التاريخية التي مرت في بعض عصور الدولة الإسلامية، كما هو صنيع بعض الباحثين؛ فالتاريخ مصدر عظة واعتبار، لا مصدر تشريع، اللهم إلا أن يذكر على سبيل عرض تجارب الأمم، وبيان المفيد منها ليس إلا.
  • أهمية الدراسة التحليلية للفقه الإسلامي لتمييز الثابت والمتغير، وكشف تقعيداته للإفادة العملية منها.
  • أهمية العناية بأسباب الخلاف وكشفها من خلال النظر في أوجه الاستدلال عند المخالفين مع ما ينصون عليه من ذلك، وأن ذلك خطوة عملية مهمة للوصول إلى فهم نوع الخلاف من حيث كونه حقيقيًا أو لفظيًا، ومن ثم بيان شكليته وضم المسألة الجملة مسائل الاتفاق، أو الوصول إلى الراجح وإن كانت المسألة مسألة خلاف ما حقيقي.
  • أن السياسة الشرعية إطار فقهي لمسائل ذات صفات محددة لا يمكن أن تتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها؛ فإذا ما لوحظ تفريع مسألة أو تخريجها تتعارض مع ذلك، تبين خروجها عن وصف الشرعية، وبهذا يظهر الحد الفاصل بين السياستين الشرعية والوضعية، وبالخروج عنه تخرج المسألة عن الميزان الذي وضعه الله عز وجل للإنسان.
  • أن دراسة أحكام الشريعة الإسلامية عامة، وأحكام السياسة الشرعية خاصة، سبب من أسباب زيادة الإيمان بالله عز وجل ودينه الحق؛ فإن لها صبغة لا تعرفها القوانين، ومذاقًا لا يعرفه الملحدون؛ مسلمة لا شية فيها؛ من عرف قدرها وتأمل أسرارها وحكمها جزم بأنها العدل كل العدل، والحق كل الحق؛ وصدق الله العظيم: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [ سورة البقرة الآية:38]، ولقد وجدها ابن القيم، فلخصها في قوله: "من له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها، وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة: علم أن السياسة العادلة، جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من أحاط علمًا بمقاصدها، ووضعها مواضعها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة".

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 ----------------------------------------------------------

[1] عضو هيئة التدريس بقسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

في تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" في 18 ديسمبر 2023، خلصت فيه إلى أن حكومة الاحتلال الإسرائيلية تستخدم تجويع المدنيين أسلوبا للحرب في قطاع غزة المحتل، ما يشكل جريمة حرب. يتعمد الجيش الإسرائيلي منع إيصال المياه، والغذاء، والوقود، بينما يعرقل عمدًا المساعدات الإنسانية، ويبدو أنه يجرّف المناطق الزراعية، ويحرم السكان المدنيين من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم.

منذ هجوم حركة "حماس" على الأراضي الفلسطينية المحتلة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدلى مسؤولون كبار من دولة الاحتلال الإسرائيلي، منهم وزير الدفاع يوآف غالانت، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الطاقة يسرائيل كاتس، بتصريحات علنيّة أعربوا فيها عن نيّتهم حرمان المدنيين في غزة من الغذاء، والمياه، والوقود – هذه التصريحات تعكسها العمليات البرية للجيش الإسرائيلي. وصرّح مسؤولون إسرائيليون آخرون علنًا بأن المساعدات الإنسانية لغزة ستكون مشروطة إما بالإفراج عن الرهائن الذين تحتجزهم حماس أو بتدمير الحركة.

قال عمر شاكر، مدير شؤون إسرائيل وفلسطين في هيومن رايتس ووتش: "لأكثر من شهرين، تحرم إسرائيل سكان غزة من الغذاء والمياه، وهي سياسة حث عليها مسؤولون إسرائيليون كبار أو أيّدوها وتعكس نية تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. على زعماء العالم رفع أصواتهم ضد جريمة الحرب البغيضة هذه، ذات الآثار المدمرة على سكان غزة".

قابلت هيومن رايتس ووتش 11 فلسطينيا نازحًا في غزة بين 24 نوفمبر/تشرين الثاني و4 ديسمبر/كانون الأول. ووصفوا الصعوبات الشديدة التي يواجهونها في تأمين الضروريات الأساسية. قال رجل غادر شمال غزة: "لم يكن لدينا طعام، ولا كهرباء، ولا إنترنت، لا شيء على الإطلاق. لا نعرف كيف نجونا".

وفي جنوب غزة، وصف الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات ندرة المياه الصالحة للشرب، ونقص الغذاء الذي أدى إلى خلو المتاجر والطوابير الطويلة، والأسعار الباهظة. قال أب لطفلين: "تبحث باستمرار عن الأشياء اللازمة لتعيش". أفاد "برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة" في 6 ديسمبر/كانون الأول أن 9 من كل 10 أسر في شمال غزة وأسرتين من كل ثلاثة في جنوب غزة أمضوا يوما كاملًا وليلة كاملة على الأقل دون طعام.

يحظر القانون الإنساني الدولي، أو قوانين الحرب، تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. وينص "نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية" على أن تجويع المدنيين عمدًا "بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية" هو جريمة حرب. لا يتطلب القصد الإجرامي اعتراف المهاجم، ولكن يمكن أيضًا استنتاجه من مجمل ملابسات الحملة العسكرية.

كما أن الحصار الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، فضلًا عن إغلاقه المستمر منذ 16 عاما، يرقيان إلى مصاف العقاب الجماعي للسكان المدنيين، وهو جريمة حرب. وباعتبارها القوة المحتلة في غزة بموجب "اتفاقية جنيف الرابعة"، من واجب إسرائيل ضمان حصول السكان المدنيين على الغذاء والإمدادات الطبية.

في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، حذّر برنامج الأغذية العالمي من "احتمال مباشر" للموت جوعًا، مسلطا الضوء على أن إمدادات الغذاء والمياه كانت معدومة عمليًا. وفي 3 ديسمبر/كانون الأول، أبلغ عن "تهديد كبير بالمجاعة"، ما يشير إلى أن النظام الغذائي في غزة كان على وشك الانهيار. في 6 ديسمبر/كانون الأول، أعلن أن 48٪ من الأسر في شمال غزة و38٪ من النازحين في جنوب غزة مرّوا بـ "مستويات حادة من الجوع".

في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن "المجلس النرويجي للاجئين" أن غزة تواجه "كارثة في احتياجاتها للمياه، والصرف الصحي، والنظافة الشخصية". وأُغلقت مرافق الصرف الصحي وتحلية المياه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول بسبب نقص الوقود والكهرباء، وأصبحت غير صالحة للعمل إلى حد كبير منذ ذلك الحين، وفقا لـ "سلطة المياه الفلسطينية". وحتى قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وفقا للأمم المتحدة، لم يكن في غزة تقريبًا مياه صالحة للشرب.

قبل الأعمال القتالية الحالية، كان يقدّر أن 1.2 مليون من سكان غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة يواجهون انعداما حادًا في الأمن الغذائي، وأكثر من 80٪ منهم يعتمدون على المساعدات الإنسانية. تمارس إسرائيل سيطرة شاملة على غزة، تشمل حركة الأشخاص والبضائع، والمياه الإقليمية، والمجال الجوي، والبنية التحتية التي يعتمد عليها القطاع، وسجل السكان. يجعل ذلك سكان غزة، الذين تخضعهم إسرائيل لإغلاق غير قانوني منذ 16 عاما، يعتمدون بشكل شبه كامل على إسرائيل للحصول على الوقود، والكهرباء، والدواء، والغذاء، والسلع الأساسية الأخرى.

بعد فرض "الحصار التام" على غزة في 9 أكتوبر/تشرين الأول، استأنفت السلطات الإسرائيلية ضخ المياه إلى بعض أجزاء جنوب غزة في 15 أكتوبر/تشرين الأول، ومنذ 21 أكتوبر/تشرين الأول سمحت بوصول مساعدات إنسانية محدودة عبر معبر رفح مع مصر. قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18 أكتوبر/تشرين الأول إن إسرائيل لن تسمح بدخول المساعدات الإنسانية "على شكل الغذاء والأدوية" إلى غزة عبر معابرها "طالما لم تتم إعادة رهائن [إسرائيل]".

واصلت الحكومة منع دخول الوقود حتى 15 نوفمبر/تشرين الثاني، رغم التحذيرات من العواقب الوخيمة لذلك، ما تسبب بإغلاق المخابز، والمستشفيات، ومحطات ضخ الصرف الصحي، ومحطات تحلية المياه، والآبار. وهذه المرافق، التي لم تعد صالحة للاستعمال، لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة. ورغم السماح بدخول كميات محدودة من الوقود لاحقًا، إلا أن منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لين هاستينغز وصفتها في 4 ديسمبر/كانون الأول بأنها "ليست كافية على الإطلاق". وفي 6 ديسمبر/كانون الأول، وافقت حكومة الطوارئ الإسرائيلية على زيادة "بقدر الحد الأدنى" في إمدادات الوقود إلى جنوب غزة.

في 1 ديسمبر/كانون الأول، مباشرة بعد وقف إطلاق النار لسبعة أيام، استأنف الجيش الإسرائيلي قصف غزة ووسّع هجومه البري، قائلا إن عملياته العسكرية في الجنوب "لن تقل قوة" عما هي عليه في الشمال. وبينما قال مسؤولون أمريكيون إنهم حثوا إسرائيل على السماح بدخول الوقود والمساعدات الإنسانية إلى غزة بنفس مستويات فترة وقف إطلاق النار، قالت "وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق" التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية في 1 ديسمبر/كانون الأول إنها أوقفت دخول جميع المساعدات. استؤنفت عمليات تسليم المساعدات المحدودة في 2 ديسمبر/كانون الأول، لكنها ما تزال بمستويات غير كافية إلى حد كبير، وفقا لـ "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا).

وإلى جانب الحصار الساحق، ألحقت غارات الجيش الإسرائيلي الجوية المكثفة على القطاع أضرارا واسعة أو دمرت المواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين. قال خبراء أمميون في 16 نوفمبر/تشرين الثاني إن الأضرار الجسيمة "تهدّد باستحالة استمرار الحياة للشعب الفلسطيني في غزة". الجدير بالذكر أنّ قصفَ الجيش الإسرائيلي آخر مطحنة قمح عاملة في غزة في 15 نوفمبر/تشرين الثاني يضمن عدم إنتاج الدقيق محليا في غزة في المستقبل المنظور، كما أبرزت أوتشا. وقال "مكتب الأمم المتحدة لخدمة المشروعات" إن تدمير شبكات الطرق صعّب على المنظمات الإنسانية إيصال المساعدات إلى من يحتاجون إليها.

قال سكوت بول، مستشار أول للسياسات الإنسانية في "أوكسفام أمريكا"، لـ "أسوشيتد برس" في 23 نوفمبر/تشرين الثاني: "تدمرت المخابز ومطاحن الحبوب، ومرافق الزراعة والمياه والصرف الصحي".

وكان للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة أيضًا تأثير مدمر على قطاعها الزراعي. وفقا لـ أوكسفام، بسبب القصف المستمر، إلى جانب نقص الوقود والمياه، ونزوح أكثر من 1.6 مليون شخص إلى جنوب غزة، أصبحت الزراعة شبه مستحيلة. في تقرير صادر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، قالت أوتشا إن الماشية في الشمال تواجه التجويع بسبب نقص العلف والمياه، وإن المزارعين يهجرون محاصيلهم بشكل متزايد وبات التلف يصيب المحاصيل بسبب شح الوقود اللازم لضخ مياه الري. وأدت المشاكل القائمة، مثل شح المياه وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية القريبة من السياج الحدودي، إلى تفاقم الصعوبات التي يواجهها المزارعون المحليون، الذين نزح العديد منهم. في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، قال "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" إن خسائر غزة اليومية في الإنتاج الزراعي لا تقل عن 1.6 مليون دولار أمريكي.

في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، أفاد "قطاع الأمن الغذائي الفلسطيني"، الذي يقوده برنامج الأغذية العالمي و"منظمة الأغذية والزراعة"، أن الأعمال القتالية دمرت أكثر من ثلث الأراضي الزراعية في الشمال. تُشير صور الأقمار الصناعية التي راجعتها هيومن رايتس ووتش إلى أنه منذ بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي البري في 27 أكتوبر/تشرين الأول، تم تجريف أراضٍ زراعية، منها البساتين والبيوت البلاستيكية والمزارع في شمال غزة، على يد الجيش الإسرائيلي على ما يبدو. 

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الإسرائيلية أن تتوقف فورا عن استخدام تجويع المدنيين أسلوبا للحرب. عليها الالتزام بحظر الهجمات على الأهداف الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة وترفع حصارها عن قطاع غزة. على الحكومة أن تعيد توفير المياه والكهرباء، وتسمح بدخول الغذاء والمساعدات الطبية والوقود التي تمس الحاجة إليها إلى غزة عبر المعابر، بما فيها كرم أبو سالم.

على الحكومات المعنية مطالبة إسرائيل بوقف هذه الانتهاكات. كما على الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وألمانيا، وغيرها تعليق المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة لإسرائيل طالما يستمر جيشها بارتكاب انتهاكات خطيرة وواسعة ترقى إلى جرائم حرب ضد المدنيين مع الإفلات من العقاب.

قال شاكر: "تضاعف الحكومة الإسرائيلية عقابها الجماعي للمدنيين الفلسطينيين ومنع المساعدات الإنسانية باستخدامها القاسي للتجويع كسلاح الحرب. الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة تتطلب استجابة عاجلة وفعالة من المجتمع الدولي".

 

الخلفية

أسفرت الهجمات التي قادتها حركة حماس في جنوب الأراضي المحتلة والتي تضم مستوطنات صهيونية في 7 أكتوبر/تشرين الأول عن مقتل 1,200 إسرائيلي وأجنبي على الأقل، وأخذ أكثر من 200 شخص كرهائن، وأدى رد دولة الاحتلال الإسرائيلي بالقصف والهجوم البري إلى مقتل أكثر من 18,700 فلسطيني، بينهم أكثر من 7,700 طفل، وفقا لسلطات غزة.

صرّح خبراء أمميون في 16 نوفمبر/تشرين الثاني أن نصف البنية التحتية المدنية في غزة قد تدمر. وأفادت "أوتشا" أنه حتى 10 ديسمبر/كانون الأول، دمر قصف الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة أو أصاب بأضرار أكثر من نصف الوحدات السكنية في غزة، وفقًا لوزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، بالإضافة إلى مستشفيات، ومدارس، ومساجد، ومخابز، وأنابيب مياه، وشبكات صرف صحي، وشبكات كهرباء. في 4 و5 نوفمبر/تشرين الثاني وحدهما، وفقا لـ أوتشا، تعرضت سبعة مرافق مياه في مختلف أنحاء القطاع لقصف مباشر وتضررت بشكل جسيم، منها خزانات المياه في مدينة غزة، ومخيم جباليا للاجئين، ورفح.

تمعن هجمات الجيش الإسرائيلي المتكررة وغير القانونية المفترضة على المرافق والطواقم ووسائل النقل الطبية في تدمير نظام الرعاية الصحية في غزة، ما يعيق حصول السكان على العلاج المنقذ للحياة، بما فيه الوقاية من الأمراض، والهزال، والوفيات المرتبطة بسوء التغذية، ما يفاقم الوضع المزري. قالت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس في 28 نوفمبر/تشرين الثاني: "سنرى أن الناس يموتون بسبب الأمراض أكثر من القصف إذا لم نتمكن من ترميم هذا النظام الصحي".

 

العواقب الإنسانية

في 13 أكتوبر/تشرين الأول، أمرت السلطات الإسرائيلية أكثر من مليون شخص بمغادرة شمال غزة خلال 24 ساعة؛ كانت هذه الأوامر مستحيلة التنفيذ. منذئذ، ومع تدهور الأوضاع في الشمال، نزح مئات الآلاف إلى محافظتي رفح وخان يونس في الجنوب، حيث تزداد صعوبة تأمين سبل البقاء على قيد الحياة. بموجب القانون الإنساني الدولي، يجب أن تتم عمليات الإجلاء في ظروف تضمن حصول النازحين على المساعدات الإنسانية دون عوائق، بما فيها ما يكفي من الغذاء والعمل، وإلا فقد تصبح تهجيرًا قسريًا. تُحظر عمليات الإجلاء التي تزيد احتمال التجويع.

العواقب الإنسانية للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وخيمة. خلال الأسابيع الثمانية الأولى من القتال، كان شمال غزة محور الهجوم الجوي المكثف للجيش الإسرائيلي، ثم الهجوم البري لاحقا. باستثناء وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام بدءا من 24 نوفمبر/تشرين الثاني، والذي أدخلت خلاله قوافل الأمم المتحدة كميات محدودة من الدقيق والبسكويت عالي الطاقة، قُطع وصول المساعدات إلى الشمال إلى حد كبير. بين 7 نوفمبر/تشرين الثاني وعلى الأقل 15 نوفمبر/تشرين الثاني، لم تعد أي مخابز تزاول عملها في الشمال بسبب نفاد الوقود، والمياه، ودقيق القمح، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بها، بحسب أوتشا.

بحسب "برنامج الأغذية العالمي"، هناك خطر جدي من التجويع والمجاعة في غزة. قال مسؤولون في الأمم المتحدة إن 1.9 مليون شخص، أي أكثر من 85% من سكان غزة، نازحون داخليًا، وقالوا إن الظروف في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة الآخذة في التقلص قد تصبح "كالجحيم أكثر فأكثر".

صرّح كبير مسؤولي الإغاثة في الأمم المتحدة مارتن غريفيث في 5 ديسمبر/كانون الأول أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في جنوب غزة أدت إلى ظروف "مروعة"، ما جعل من المستحيل القيام بعمليات إنسانية مجدية.

حتى 6 ديسمبر/كانون الأول، كانت محطة تحلية المياه الوحيدة في شمال غزة معطلة، وظل خط الأنابيب الذي يزود الشمال بالمياه من إسرائيل مغلقا، ما يزيد خطر الجفاف وتفشي الأمراض المنقولة بالمياه بسبب تناول المياه من مصادر غير آمنة. تضررت المستشفيات بشكل خاص، فحتى 14 ديسمبر/كانون الأول، كان ما زال واحد فقط من أصل 24 مستشفى في شمال غزة يعمل وقادرًا على استقبال مرضى جدد، ولكن بقدرات محدودة.

في جميع أنحاء قطاع غزة، تفاقمت الأزمة الإنسانية مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي منذ 11 أكتوبر/تشرين الأول، وقطع الاتصالات أكثر من مرة الذي حرم الناس من المعلومات الموثوقة بشأن السلامة والخدمات الطبية الطارئة، وأعاق بشدة العمليات الإنسانية. إذ قالت أوتشا في 18 نوفمبر/تشرين الثاني إن انقطاع الاتصالات بين 16 و18 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو الرابع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، تسبب في "وقف عمليات تقديم المساعدات الإنسانية التي تواجه التحديات بالفعل وقفا تاما تقريبا، بما تشمله من المساعدات المنقذة للحياة للأشخاص المصابين أو المحاصرين تحت الأنقاض نتيجة للغارات الجوية والاشتباكات".

منذ بداية الهجوم البري للجيش الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول، تشير صور الأقمار الصناعية التي راجعتها هيومن رايتس ووتش إلى أن البساتين والخيم الزراعية والأراضي الزراعية في شمال غزة دُمرت، على ما يبدو من قِبل القوات الإسرائيلية، ما يفاقم المخاوف من انعدام الأمن الغذائي الشديد وفقدان سبل العيش. تشير صور الأقمار الصناعية إلى استمرار تجريف الأراضي الزراعية في شمال غزة أثناء وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام، والذي بدأ في 24 نوفمبر/تشرين الثاني وانتهى في 1 ديسمبر/كانون الأول، عندما كان الجيش الإسرائيلي يسيطر مباشرة على المنطقة.

 

في حين سمحت الحكومة الإسرائيلية بتدفق مستمر ومتزايد قليلا من المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة خلال وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام وانتهى في 1 ديسمبر/كانون الأول، بما فيها غاز الطهي للمرة الأولى منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، فإنها كانت قد تعمدت عرقلة إمدادات الإغاثة بالكميات اللازمة لأكثر من شهر، تزامنا مع الحصار الذي فرضته وأثّر على جميع السكان المدنيين. ساهم ذلك في نشوء وضع إنساني كارثي له عواقب بعيدة المدى، حيث نزح أكثر من 80% من السكان، ولجأ عديد منهم إلى أماكن مكتظة غير نظيفة أو صحية في مراكز إيواء أممية في الجنوب. قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في 27 نوفمبر/تشرين الثاني إن المساعدات التي دخلت خلال وقف إطلاق النار "بالكاد تلبي الاحتياجات الهائلة لـ 1.7 مليون نازح".

كانت نحو 200 شاحنة، بينها أربعة صهاريج تحمل ما يصل إلى 130 ألف لتر من الوقود وأربعة صهاريج تحمل غاز الطهي، تدخل إلى غزة في كل يوم من أيام وقف إطلاق النار. بالمقارنة مع ذلك، كان يدخل غزة ما متوسطه 500 شاحنة من المواد الغذائية والسلع كل يوم قبل النزاع، وهناك حاجة إلى 600 ألف لتر من الوقود في غزة يوميا فقط لتشغيل محطات ضخ المياه وتحليتها. مع استئناف القصف وتقدم القوات الإسرائيلية جنوبًا، تعّرض وصول المساعدات لعقبات ضخمة مرة أخرى. في 5 ديسمبر/كانون الأول، ولليوم الثالث على التوالي، أفادت أوتشا أن محافظة رفح في غزة هي الوحيدة التي توزعت فيها كميات محدودة من المساعدات، وإن توزيع المساعدات في محافظة خان يونس المجاورة توقف إلى حد كبير بسبب شدة القتال.

 

شهادات مدنيين في غزة

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى 11 مدنيًا غادروا شمال غزة إلى منطقة آمنة في الجنوب بسبب القصف العنيف، أو خوفًا من غارات جوية وشيكة، أو لأن إسرائيل أمرتهم بالمغادرة. قال عديد منهم إنهم نزحوا عدة مرات قبل أن يصلوا إلى الجنوب بينما عانوا للعثور على ملاجئ مناسبة وآمنة طوال رحلتهم. في الجنوب، وجدوا ملاجئ مكتظة، وأسواقا فارغة، وأسعارًا مرتفعة، وطوابير طويلة للحصول على إمدادات محدودة من الخبز ومياه الشرب. لحماية هوياتهم، استخدمت هيومن رايتس ووتش أسماء مستعارة لجميع من أجريت معهم مقابلات.

قال مروان (30 عاما)، الذي فر إلى الجنوب مع زوجته الحامل وطفليه في 9 نوفمبر/تشرين الثاني: "عليّ أن أمشي ثلاثة كيلومتر للحصول على غالون واحد [من الماء]. ولا يوجد طعام. إذا تمكنا من العثور على طعام، فهو طعام معلّب. جميعنا لا نأكل جيدًا".

قالت هناء (36 عاما)، التي فرت من منزلها في الشمال إلى خان يونس في الجنوب مع والدها، وزوجته، وشقيقها في 11 أكتوبر/تشرين الأول: "ليس لدينا ما يكفي من أي شيء". قالت إنهم في الجنوب لا يحصلون دائمًا على المياه النظيفة، ما يجبرهم على شرب المياه المالحة وغير الصالحة للشرب.

أضافت هناء أن الاستحمام أصبح رفاهية بسبب عدم توفر وسائل تسخين المياه، ما يتطلب منهم البحث عن الخشب. وأنه في الحالات الصعبة، يلجؤون حتى إلى حرق الملابس القديمة للطهي. عملية صنع الخبز لها تحدياتها الخاصة بسبب شحّ المكونات التي لا يستطيعون تحمل تكلفتها. قالت: "نصنع خبزًا رديئًا لأننا لا نملك جميع المكونات ولا نستطيع تحمل ثمنها".

قال ماجد (34 عاما)، الذي فر مع زوجته وأطفاله الأربعة الباقين على قيد الحياة إلى الجنوب في 10 نوفمبر/تشرين الثاني تقريبًا، إنه رغم أن الوضع في الجنوب كان سيئًا، إلا أنه لا يقارَن بما اضطر إلى تحمله هو وعائلته أثناء إقامتهم في الشمال. كانوا في منطقة قريبة من مستشفى الشفاء في مدينة غزة لمدة تزيد قليلا عن شهر بعد قصف منزلهم في 13 أكتوبر/تشرين الأول، ما أدى إلى مقتل ابن ماجد البالغ من العمر 6 سنوات: "في تلك الأيام الـ 33 لم يكن لدينا خبز لأنه لم يكن هناك دقيق. لم تكن هناك مياه - كنا نشتري الماء، أحيانا بـ 10 دولارات [أمريكية] للكوب. لم يكن صالحا للشرب دائما. في بعض الأحيان، كان [الماء الذي نشربه] يأتي من الحمام وأحيانا من البحر. كانت الأسواق المحيطة بالمنطقة فارغة. لم يكن هناك حتى طعام معلّب".

وصف طاهر (32 عاما)، الذي فر جنوبا مع عائلته في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، ظروفا مماثلة في مدينة غزة في الأسابيع الأولى من نوفمبر/تشرين الثاني: "نفد كل شيء من المدينة، الطعام والماء. إذا وجدت طعامًا معلبًا، فالأسعار مرتفعة جدا. قررنا أن نأكل مرة واحدة فقط في اليوم من أجل البقاء أحياء. كان المال ينفد منا. قررنا أن نحصل على الضروريات فقط، وأن نحصل على كمية أقلّ من كل شيء".

 

المعايير الدولية والأدلة على الأفعال المتعمدة

تجويع المدنيين كأسلوب الحرب محظور بموجب المادة 54 (1) من "البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف" والمادة 14 من "البروتوكول الإضافي الثاني". رغم أن إسرائيل ليست طرفًا في البروتوكولين الأول والثاني، إلا أن الحظر معترف به باعتباره يمثّل القانون الإنساني الدولي العرفي في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. لا يجوز لأطراف النزاع "التسبب عمدا [بالتجويع]" أو التسبب عمدا في "معاناة السكان من الجوع، ولا سيما عبر حرمانهم من مصادر الغذاء أو الإمدادات".

يُحظر على الأطراف المتحاربة أيضًا مهاجمة الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، مثل الإمدادات الغذائية والطبية، والمناطق الزراعية، ومنشآت مياه الشرب. الأطراف ملزمة بتسهيل تقديم المساعدة الإنسانية السريعة ودون عوائق إلى جميع المدنيين المحتاجين، وعدم عرقلة المساعدات الإنسانية عمدًا أو تقييد حرية حركة موظفي الإغاثة الإنسانية. في جميع حروبها الأربع السابقة في غزة منذ 2008، أبقت إسرائيل تدفق مياه الشرب والكهرباء إلى غزة وفتحت المعابر الإسرائيلية لتوصيل المساعدات الإنسانية.

الدليل على نية استخدام التجويع عمدًا كوسيلة حرب يمكن إظهاره من خلال التصريحات العلنية للمسؤولين المشاركين في العمليات العسكرية. من المتوقع أن يلعب المسؤولون الإسرائيليون الكبار المذكورون أدناه دورًا مهما في تحديد السياسة بشأن السماح بوصول الغذاء والضروريات الأخرى إلى السكان المدنيين أو منعه.

في 9 أكتوبر/تشرين الأول، قال وزير الدفاع يوآف غالانت: "نفرض حصارًا كاملًا على [غزة]. لا كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا غاز – كل شيء مغلق. نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف وفقا لذلك".

قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في تغريدة بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول: "طالما لم تطلق حماس سراح الرهائن – الشيء الوحيد الذي يجب أن يدخل غزة هو مئات الأطنان من متفجرات سلاح الجو – ولا ذرة واحدة من المساعدات الإنسانية".

قال وزير الطاقة يسرائيل كانتس، الذي صرّح بأنه أمر بقطع الكهرباء والمياه، في 11 أكتوبر/تشرين الأول:

لسنوات، قدّمنا إلى غزة الكهرباء والماء والوقود. وبدلًا من الشكر أرسلوا آلاف الحيوانات البشرية للذبح والقتل والاغتصاب، وخطف الأطفال، والنساء، والشيوخ. لهذا قررنا قطع إمدادات المياه والكهرباء والوقود، والآن انهارت محطة توليد الكهرباء المحلية، ولا يوجد كهرباء في غزة. سنواصل فرض حصار محكم حتى يُرفع تهديد حماس عن إسرائيل والعالم. ما كان سائدا لن يستمر.

قال كانتس في 12 أكتوبر/تشرين الأول:

مساعدات إنسانية لغزة؟ لن يتم الضغط على مفتاح كهرباء، ولن يُفتح صنبور، ولن تدخل شاحنة وقود حتى يعود الرهائن الإسرائيليون إلى ديارهم. إنسانية مقابل إنسانية. فلا يحاضرنا أحد عن الأخلاق.

وقال في 16 أكتوبر:

أيدتُ الاتفاق بين رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس بايدن لتزويد جنوب قطاع غزة بالمياه لأنه يتوافق مع المصالح الإسرائيلية أيضًا. أنا أعارض بشدة رفع الحصار والسماح بدخول البضائع إلى غزة لأسباب إنسانية. التزامنا تجاه عائلات القتلى والرهائن المختطفين – وليس القتلة من حماس والأشخاص الذين ساعدوهم.

في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموترتش أنه لا يجوز دخول الوقود إلى غزة "تحت أي ظرف كان". ووصف لاحقًا قرار مجلس الحرب الإسرائيلي بالسماح بدخول كميات صغيرة إلى القطاع بأنه "خطأ فادح"، وطالب بـ "وقف هذه الفضيحة فورا ومنع دخول الوقود إلى القطاع"، بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست".

وفي فيديو نُشر على الإنترنت في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، قال العقيد يوغيف بار شيشت، نائب رئيس "الإدارة المدنية"، في مقابلة من داخل غزة: "من يعود إلى هنا، إذا عاد إلى هنا بعد ذلك، سيجد أرضًا محروقة. لا بيوت، لا زراعة، لا شيء. ليس لديهم مستقبل".

في 24 نوفمبر/تشرين الثاني، قال مارك ريغيف، كبير مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع "سي إن إن"، إن إسرائيل تحرم غزة من الوقود منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول لتعزيز موقف إسرائيل عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع حماس بشأن إطلاق سراح الرهائن، وقال: "لو أننا فعلنا ذلك [سمحنا بدخول الوقود]... لما تمكنّا من إخراج رهائننا قط".

في 1 ديسمبر/كانون الأول، قال منسق أعمال الحكومة في المناطق في وزارة الدفاع اللواء غسان عليان إن دخول الوقود والمساعدات إلى غزة توقف بعد خرق حماس شروط اتفاق وقف إطلاق النار. أكد مكتبه تصريحه ردا على استفسار لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، قائلا: "بعد أن انتهكت منظمة حماس الإرهابية الاتفاق، بالإضافة إلى إطلاق النار على إسرائيل، تم وقف دخول المساعدات الإنسانية بالطريقة المنصوص عليها في الاتفاق".

دعا مسؤولون آخرون منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى دخول محدود للمساعدات الإنسانية إلى غزة، قائلين إن ذلك يخدم الأهداف العسكرية الإسرائيلية.

أجاب رئيس الوزراء نتنياهو في 5 ديسمبر/كانون الأول على سؤال حول احتمال خسارة إسرائيل نفوذها ضد حماس إذا سمحت بدخول مزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة، قائلًا: "جهود الحرب مدعومة بالجهود الإنسانية... وهذا لأننا نتبع قوانين الحرب لأننا نعلم أنه إذا حدث انهيار – أمراض وأوبئة، وعدوى في المياه الجوفية – فسوف يتوقف القتال".

قال وزير الدفاع غالانت: "نحن مطالبون بالسماح بالحد الأدنى الإنساني للسماح باستمرار الضغط العسكري".

قال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي في مؤتمر صحفي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني: "إذا كان هناك وباء، سيتوقف القتال. إذا كانت هناك أزمة إنسانية واحتجاجات دولية، فلن نتمكن من مواصلة القتال في تلك الظروف."

في 18 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن مكتب رئيس الوزراء أن إسرائيل لن تمنع المساعدات الإنسانية من دخول غزة من مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة وحلفاء دوليين آخرين، وأضاف: "في ضوء مطلب الرئيس بايدن، لن تمنع إسرائيل الإمدادات الإنسانية من مصر طالما أنها تقتصر على الغذاء، والماء، والدواء للسكان المدنيين في جنوب قطاع غزة".

 

تدمير المنتجات الزراعية وأثره على إنتاج الغذاء

خلال العمليات البرية في شمال غزة، يبدو أن القوات الإسرائيلية دمرت المنتجات الزراعية، ما فاقم نقص الغذاء مع ما لذلك من آثار طويلة المدى. شمل ذلك تجريف البساتين، والحقول، والخيم الزراعية.

قال الجيش الإسرائيلي إنه أجرى عمليات عسكرية في منطقة بيت حانون، شملت منطقة زراعية لم يكشف عنها في بيت حانون، لتأمين الأنفاق ولأهداف عسكرية أخرى.

مثلًا، تضررت الحقول والبساتين الواقعة شمال بيت حانون لأول مرة خلال الأعمال القتالية بعد العمليات البرية الإسرائيلية أواخر أكتوبر/تشرين الأول. شقّت الجرافات طرقًا جديدة، ما أتاح الطريق أمام المركبات العسكرية الإسرائيلية.

منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على المنطقة نفسها في شمال شرق غزة، تظهر صور الأقمار الصناعية أن البساتين والحقول والخيم الزراعية دُمّرت بشكل منهجي، ما خلف الرمال والأتربة. تواصلت هيومن رايتس ووتش مع الجيش الإسرائيلي للحصول على تعليق في 8 ديسمبر/كانون الأول، لكنها لم تتلق ردًا.

زرع المزارعون في هذه المنطقة محاصيل مثل الحمضيات، والبطاطس، وفاكهة التنين، والتين الشوكي أو الصبار، ما دعم سبل عيش الفلسطينيين في غزة. تشمل المحاصيل الأخرى الطماطم، والملفوف، والفراولة. جُرفت بعض الأراضي في يوم واحد. تحتاج أشجار الحمضيات، بالإضافة إلى نباتات الصبار التي تحمل فاكهة التنين، إلى سنوات من الرعاية حتى تنضج قبل أن تتمكن من إنتاج الفاكهة.

تُظهر صور الأقمار الصناعية عالية الدقة استخدام الجرافات لتدمير الحقول والبساتين. يمكن رؤية آثار سير الجرافات، بالإضافة إلى أكوام من التراب على أطراف الأراضي الزراعية السابقة.

سواء كان السبب يعود إلى التجريف المتعمد، أو الأضرار الناجمة عن القتال، أو عدم القدرة على ري الأرض أو استصلاحها، فقد تقلصت الأراضي الزراعية في شمال غزة بشكل كبير منذ بداية العمليات البرية الإسرائيلية.

كما تضررت المزارع والمزارعون في جنوب غزة. وجدت منظمة "العمل ضد الجوع" أن من بين 113 مزارعًا من جنوب غزة شملهم الاستطلاع بين 19 و31 أكتوبر/تشرين الأول، قال 60% إن ممتلكاتهم و/أو محاصيلهم تضررت، و42% أنهم لا يستطيعون الحصول على المياه لري مزارعهم، و43% إنهم لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم.

_____________

المصدر: إسرائيل: استخدام التجويع كسلاح حرب في غزة، موقع: هيومَن رايتس وتش، 18 ديسمبر 2023، https://2u.pw/TRdZfEg

في ديسمبر 2019؛ حازت المبادرة السويسرية الهادفة إلى مقاضاة المسؤولين عن عمليات التجويع المتعمدة للمدنيين خلال الحروب الأهلية باعتبارها جريمة حرب؛ على موافقة جميع البلدان الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وبذلك ستتمكّن المحكمة الجنائية الدولية من محاسبة المتسببين في جرائم التجويع الممنهج بفضل مبادرة سويسرية.

البلدان الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية البالغ عددها 122 دولة وافقت بالإجماع على المقترح السويسري بهذا المعنى في اجتماعها السنوي في ديسمبر 2019 في لاهاي. وهذه المبادرة ستعزّز حماية ضحايا النزاعات، وفقا لوزارة الخارجية السويسرية. كما أشار بيان الوزارة أيضا إلى أن "800 مليون شخص يعانون من الجوع كل يوم في مناطق النزاعات".

وتتمتع المحكمة الجنائية الدولية بأهلية محاكمة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. لكن حتى ذلك القرار، لم يكن بإمكانها مقاضاة المتسببين في التجويع المتعمّد للمدنيين كجريمة حرب إلا حينما يكون النزاع ذا طابع دولي. ومنذ ذلك تم توسيع هذا التعريف ليشمل أيضًا النزاعات المسلّحة غير الدولية. وتقول وزارة الخارجية السويسرية: "يمثّل التجويع المتعمد للمدنيين، كوسيلة من وسائل الحرب، مشكلة كبيرة خلال الحروب الأهلية".

ومن الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا الإطار سوريا واليمن. هذان البلدان ليسا عضويْن في محكمة الجنايات الدولية، ومن غير المرجّح أن يكون لهذا التعديل تأثير كبير في المستقبل القريب. ومع ذلك، وكما أُشير في موقع القانون الدولي (Opinio Juris) على شبكة الإنترنت: "الفائدة الحقيقية لهذا التعديل ستتجلى في سياق إحالات مجلس الأمن". إذا أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سوريا أو اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية في المستقبل (على الرغم من أن هذا يبدو مستبعدًا حاليًا)، عندئذ يمكن لمكتب المدعي العام محاكمة المسؤولين عن تجويع المدنيين في تلك الدول.

_______________

المصدر: تجويع المدنيين خلال الحروب الأهلية يصبح جريمة ضد الإنسانية، سويسرا انفو، 9 ديسمبر 2019، https://2u.pw/9M5xUZKB )بتصرف).

صدر هذا الكتاب المهم ضمن سلسلة "كتب الهلال" الشهرية الصادرة عن دار الهلال، رفق العدد 426 الصادر في يونيو 1986، وهو الكتاب الذي يتعرض فيه مؤلفه بالنقاش لقضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال التأكيد على إعلاء قيمة العقل ونبذ العنف والمصالح الأنانية الضيقة كطريق للخروج من المأزق الاجتماعي المعاصر،  اعتقادًا منه أنه حول هذه القضية بالذات تجتمع أغلب خلافات العصر، وهو بتعبيره "أقرب إلى تأملات شخص وإن لم يضلع في الخبرة والتخصص إلا أنه لا يبدى رأيًا دون حجة".  

أما المؤلف فهو د. محمد نور فرحات، وهو فقيه قانوني ومحامي بالنقض ومفكر وسياسي مصري معروف، عمل أستاذًا للقانون في كلية الحقوق في جامعة الزقازيق، وله العديد من الكتب والمقالات في مجالات فلسفة وتاريخ القانون وعلم الاجتماع القانوني وقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان. كان عضوًا في المجلس الأعلى للثقافة، ورئيسًا للمكتب الدائم لحماية حق المؤلف، ونائبًا لرئيس المجلس القومي للمرأة. كما كان أحد أبرز المدافعين عن الدولة المدنية في مصر ومن مؤسسي المؤسسة المصرية لحماية الدستور. استعانت به الأمم المتحدة لتعديل دستور دولة منغوليا ودول آسيا الوسطى كي يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك بصفته كبير مستشاري الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. كما استعانت به الأمم المتحدة لوضع دستور دولة المالديف، ولتقييم احتياجات السودان في مجال المساعدة الفنية في حقوق الإنسان. واستعانت به المنظمة الدولية في تقارير التنمية البشرية عن الحريات والمرأة في الوطن العربي.

 

ومما جاء في مقدمته للكتاب:

"لعل أبرز سمات العقل المصري العام في العقدين الأخيرين هي ارتفاع حدة الجدل والنقاش -ولا أقول الحوار- حول عديد من القضايا التي باتت تشغل المصريين وتمثل همهم اليومي وشاغلهم العقلي: الهوية المصرية: أعربية هي أم اسلامية أم فرعونية أم الخليط من كل ذلك؟ الشخصية القومية: ما هي عناصرها الثابتة وعناصرها المتغيرة؟ والأصالة ثم المعاصرة وكيف نأخذ من كل بقدر وما هو المعيار الذي نأخذ به؟ وسبل النمو الاقتصادي وكيف السبيل إلى تلافى آثار الكوارث التي جرتها علينا «سياسة الانفتاح الاقتصادي» في حقبة السبعينات؟ والديموقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وماهي أنسب الطرق من أجل تأمينها والحفاظ عليها وتطويرها؟ والتراث وماذا نأخذ منه وماذا ندع؟ وما هو المعيار الذي يحكمنا في ذلك؟ كل هذه أسئلة وغيرها الكثير والكثير التي ما فتئ المصريون يتجادلون حولها -ولا أقول يتحاورون- طيلة عقدين من الزمان. على أن أكثر ما يكون النقاش التهابًا وحده وأكثر ما يكون علوا في الصوت وحدة في النبرات وانفعالًا في العبارات عندما يتعلق الأمر بقضية تطبيق الشريعة الإسلامية.

ورأيي أن الموقف من هذه القضية ينطوي بالضرورة -صراحة أو ضمنا- على موقف محدد متبلور من كل القضايا السابقة. وكأن الفرقاء قد اجتمعوا على إفراغ خلافاتهم المتباينة في موقف محدد وواضح من قضية تطبيق الشريعة، وهكذا أصبح الموقف من تطبيق الشريعة -شئنا أم لم نشأ- موقفًا من مجمل القضايا التي يتحدد بها مسار تطورنا الاجتماعي الراهن. والنتيجة التي تترتب على ذلك، أنه لا مفر لأي مثقف ملتزم بقضايا مجتمعه ووطنه من مناقشة هذه القضية، ولا أقول بصراحة، لأن التأكيد على هذه الصراحة ينطوي على الاعتذار عن أمر من الواجب خُلقا أن يكون، والنتيجة المترتبة على ذلك أيضًا، هي إدانة كافة محاولات التهرب من الأسئلة التي تثيرها هذه القضية باستخدام صياغات انتهازية المظهر لا تقدم ولا تؤخر في المضمون والجوهر.

 

لابد إذن، إذا أردنا التعرض لقضايانا العقلية والاجتماعية الراهنة، ونحن ملزمون جميعًا بالتعرض لها، من مناقشة قضية تطبيق الشريعة، والمناقشة عندي التي لا أحيد عنها ولا أجيد غيرها هي مناقشة العقل، ذلك البعد الذي كثيرًا ما يغيب أو يتوارى خلف ضبابيات الانفعال بمناسبة هذه القضية بالذات، إذ اليقين لدى كل اليقين أن الطريق الوحيد للخروج من مأزقنا الاجتماعي الراهن هو طريق إعلاء قيمة العقل ونبذ التعصب والمصالح الأنانية الضيقة.

والعقل قد يغضب الآخرين والعقل قد يجلب على صاحبه اللعنات، والعقل قد يبهر، وفي هذه الحالة الأخيرة، عندما تنبهر الأمة بعقلها تفتح أمامها طاقات واسعة لطريق نوراني نحو القيام بدور في حضارة الإنسان، دور تذوب معه كل آلام الغضب وجراح اللعنات. وليس أكثر بؤسًا لنا من أن نقع فيما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا فشبر وذراعًا بذراع وباعًا فباع حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه».

نحن إذن مقبلون على مناقشة قضية تطبيق الشريعة بمنهج العقل اعتقادًا منا أنه حول هذه القضية بالذات تجتمع أغلب خلافات عصرنا وليس ما تضمنه حديثي المسهب حول هذا الموضوع من قبيل الدراسات، بل هو أقرب الى تأملات شخص وإن لم يضلع في الخبرة والتخصص إلا أنه لا يبدى رأيا دون حجة قابلة للنظر والاعتبار، فمعذرة من نفسي عن الخطأ، وشكرًا لله على الصواب.

وتبقى بعد مناقشة قضية تطبيق الشريعة، وهي مناقشة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، أن تكون هناك كلمات محددة في عدد من قضايانا الاجتماعية التي تشغل بالنا اليوم بإلحاح مثل: هل تقبل في شعارنا عن سيادة القانون سيادة القانون الظالم أم أن هناك سيادة للعدل تعلو على سيادة القانون؟ وقانوننا لماذا فقد هيبته حتى طغى عصيانه والتحايل عليه على احترامه؟ وماهي أوجه الخصوصية في البناء الاجتماعي المصري التي تؤثر على موقف المصريين من السلطة والقانون؟ كل هذه أسئلة وغيرها أحاول أن أجتهد في وضع فروض للإجابة عليها بعد أن أفرغ من إثارة الأسئلة حول قضية تطبيق الشريعة، عسى أن تصبح هذه الأسئلة المشروعة وهذه الفروض المبررة أول الطريق نحو الاهتداء بالعقل والعقل وحده.

ولا أنوي أن أدخل بالقارئ في هذه المقدمة في موضوع تأملاتي وتفاصيلها، وإن كنت أجد لزاما على أن أقرر أن محورين بارزين تدور حولهما معظم هذه الآراء أو إن شئت كلها: محور الوعي بالتاريخ، لقناعتي أننا نشكل حضارة تاريخية لا نستطيع فهم واقعنا إلا برده إلى أعماق جذوره في تاريخنا الممتد، ومحور العلاقة بين المصريين وسلطة الحكم التي أرى أنها علاقة تاريخية تؤثر تأثيرًا فعالًا على كافة العلاقات الاجتماعية الأخرى.

وهنا أتوقف عن الحديث، تاركا القارئ وشأنه مع ما سطرت يداي مما تداعت به أفكاري، ونجاحي كصاحب وجهة نظر يرغب في نقلها للأخرين، يكون بقدر ما تتحدد أمام القارئ عند الانتهاء من القراءة مفارق الطرق، إذ ظني أن مصر الآن عند مفترق الطرق".

 

وقد جاء تقسيم موضوعات الكتاب كالتالي:

  • تطبيق الشريعة بين هتافات الدعاة وحقائق العقل.
  • الولاة والقضاة قراءات في حوليات تاريخ مصر الإسلامية.
  • الحس التاريخي ويقظة عقل الأمة.
  • الشهود والحدود.
  • الثوابت والمتغيرات في أحكام الشريعة.
  • المقاصد والمصالح والنصوص.
  • والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.
  • التعزير والتراث والمعاصرة.
  • عن الشريعة والقانون وتطور أحوالنا الاجتماعية.
  • المأساة والملهاة والطريق إلى النجاة.
  • المصريون والقانون.
  • الدور السياسي للجماعات الهامشية في مصر.

 

رابط تحميل ملف الكتاب

 

 

صدر هذا الكتاب عن مكتبة عبد الله وهبة- جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقًا)، عام 1943م، وينشر لأول مرة على الشبكة العنكبوتية حصريًا عبر موقعنا "حوارات الشريعة والقانون". والكتاب عبارة عن محاضرات ألقاها الدكتور عثمان خليل عثمان على طلبة السنة الأولى بكلية الحقوق بجامعة لقاهرة.

والدكتور عثمان خليل عثمان هو أحد الفقهاء الدستوريين المرموقين، وأول عميد لكلية الحقوق في جامعة عين شمس. ولد في بلدة الحواتكة بمركز منفلوط محافظة أسيوط، ثم التحق بمدرسة الحقوق، ونال منها شهادة الليسانس مع مرتبة الشرف عام 1924م، وعين معيدًا بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول ، ونال الماجستير ثم الدكتوراه من الجامعة نفسها عام 1937م. وفي عام 1952م اُختير د. خليل عضوًا بلجنة الدستور التي شكلتها الثورة، وفي عام 1961م اُنتدب إلى الكويت وشارك في إعداد الدستور الكويتي.

وكما جاء في مقدمة الكتاب فإن القانون الدستوري والقانون الإداري فرعان من أفرع القانون العام؛ ذلك القانون الذي يمتاز بتنظيمه لعلاقات تكون الدولة -صاحبة السلطان- طرفًا فيها، فالدولة إذن هي محور دراسات القانون العام جميعها، وفي مقدمتها الدراسات الدستورية والإدارية، فما القانون الدستوري إجمالاً إلا قانون الدولة الأساسي (ولذا أسماه المشرع العراقي القانون الأساسي) المنظم لقواعد الحكم وسلطات الدولة المختلفة، وهو لذلك أهم أقسام القانون العام. والقانون الإداري من ناحيته هو القانون المنظم لسلطة الدولة التنفيذية، تلك السلطة التي وضع الدستور أساسها وأجمل أركانها واختصاصاتها، ومن هذا تتبين الصلة القوية بين الدراسات الدستورية والدراسات الإدارية بصفة خاصة، ويتضح كيف أن القانون الدستوري هو في الواقع مقدمة ضرورية للقانون الإداري، وأن هذا  الأخير يعتبر تكملة لازمة للقانون الدستوري، ولذا وجب أن يدرسا على هذا الأساس وأن يتفقا معًا في الروح والغايات.

وانطلاقًا من تلك المقدمة التي مهدت لموضوع الكتاب، فقد تم تقسيمه إلى خمسة أبواب، حيث تناول الكتاب الأول موضوع الدولة من حيث تعريفها وأركانها وأصلها وظيفتها، وأشكالها ومدى سلطانها، في حين تناول الكتاب الثاني الحكومة من حيث مدلولها وشكلها، وأما الكتاب الثالث فقد تناول الدستور من حيث تعريفه ونشأته، ودستورية القوانين وأنواع الدساتير وانهيارها.

وجاء الكتاب الرابع ليتناول موضوعًا من أهم الموضوعات الدستورية ألا وهو الديمقراطية، حيث تناول تعريف الديمقراطية، وغرضها ووسائلها وخصائصها ونقدها ومبرراتها وصورها المختلفة، وتناول الكتاب الخامس السلطات العامة، حيث تناول السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب