صدرت الطبعة الثانية الجديدة من هذا الكتاب عن منشورات الحلبي الحقوقية ببيروت- لبنان عام 1998م، ومؤلف هذا الكتاب علم من أعلام القانون، وفقيه قلَّمَا يجود الزمان بمثله، فالدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895م-1971م) أو حارس القانون وعملاق الأحكام المدنية كما يطلق عليه، والذي صاغ القانون المدني المصري، وكذلك القانون المدني للعديد من البلدان العربية مستلهِمًا أحكامه من الشريعة الإسلامية التي أحسن فهمها. وقد عمل الدكتور السنهوري رئيسًا لمجلس الدولة المصري في الفترة من عام 1949م حتى عام 1954م.

ومن أهم مؤلفات الدكتور عبد الرزاق السنهوري كتابه "نظرية العقد"، والذي قسمه المؤلف إلى جزئين، وأشار في مقدمته إلى أهمية تمصير الفقه القانوني، والذي يُعد أحد أسباب النهضة القانونية، كما أكد على أن نظرية الالتزامات لها لون عالمي، ومن العسير على الكاتب أن يعطيها لونًا مصريًا خالصًا، ثم أشار إلى أنه لم يألو جهدًا في ذلك.

واستعرض السنهوري في افتتاحية هذا الكتاب الطريق الذي سلكه في إتمامه؛ حيث كتب يقول:

واستعنت فيما حاولته بأمرين:

رسمت لنفسي أفقًا أتنقل فيه أوسع من الأفق الفرنسي المحض، فلم أكتف في مسائل كثيرة باستعراض النظريات الفرنسية واللاتينية، بل جاوزتها إلى النظريات الجرمانية والإنجليزية، وحاولت أن أستخلص من مجموع ذلك نواحي من النظر تكون أكثر انسجامًا مع تقاليدنا المصرية.

ثم أني لم أغفل إلى جانب ذلك الشريعة الإسلامية، شريعة الشرق، ووحى إلهامه، وعصارة أذهان مفكريه، نبتت في صحرائه، وترعرعت في سهوله ووديانه، فهي قبس من روح الشرق، ومشكاة من نور الإسلام، يلتقي عندها الشرق والإسلام، فيضئ ذلك بنور هذا، ويسري في هـذا روح ذلك، حتى ليمتزجان ويصيران شيئًا واحدًا، هذه هي الشريعة الإسلامية، لو وطئت أكنافها، وعبدت سبلها، لكان لنـا من هـذا التراث الجليـل ما ينفخ روح الاستقلال في فقهنا وفي قضائنـا وفي تشريعنا، ثم لأشرفنا نطالع العالم بهذا النور الجديد، فنضيء به جانبًا من جوانب الثقافة العالمية في القانون.

وقد عنيت بالقضاء المصري، وقدّمته على القضاء الفرنسي، واتخذته ذخيرة أستعين بها على نشر ما هو خالص المصرية من صفحات قانوننا، وتمنيت لو أن هذا القضاء مدّ لي من أسباب ذلك، فأوسع الخطا في طريق الاستقلال والتطوّر الذاتي، وأعانه المشرع المصري بما يسدّد خطاه وينير سبيله.

ووقفت فيما استعرضته من النظريات القديمة والجديدة موقف المعتدل، لا يستهويني من الجديد جدّته، ولا يثنيني عن القديم قدمه حتى إذا آنست في الجديد ثباتًا، وأحسست منه عمقًا ومطاوعة للتطور، تركت القديم إليه، وتعرفت فيه وجه القانون الحي المتجدّد.

وجانبت التعقيد في المصطلحات العربية، فأثرت السهل البسيط إذا كان دقيقًا في الدلالة على المعنى، ولم أعدل عن تعبيرات تؤدي المعنى في سهولة ودقة، "كالاشتراط لمصلحة الغير – والتعهد عن الغير"، إلى غيرها من التعبيرات الفخمة التي قد تنحط في الدقة بقدر ما ترتفع في الفخامة، ولم أغير من المصطلحات ما استقر في لغة القانون، وألفته الكتاب، وتذوّقه الجمهور، فإن من السفه أن نبدّد ثروة تم لنـا كسبها، وأن نهدم ما كمل بناؤه، لنستجد بناء غيره، لا يكون فيه من الصقل ما كان في البناء المهدوم.

ولم أستطع مجانبة ما تعوّدته من الإطالة في الحواشي، وقد وجدت فيها عونًا على التمييز ما بين المبادئ العامة، ومكانها المتن، والمسائل التفصيلية، وتنحدر إلى الحاشية، بل إني ميزت في المبادئ العامة نفسها ما بين الرئيسي وغير الرئيسي، حتى لا يختلط على القارئ ما هو جدير بإطالة النظر والتدبر فيـه، وما يقنع منه بالقراءة والإلمام، وحملني على ذلك تدرج نظرية الالتزامات تدرجًا يميزها عن سائر النظريات القانونيـة، فهي الأساس الذي يقوم عليه القانون، وهي بهذا الوصف تنكمش انكماشًا ضيقًا حتى تتركز قواعدها، وتنفرج انفراجًا واسعًا حتى تنبسط تفاصيلها على جميع نواحي القانون.

 

محتويات الكتاب:

كما ذكرنا آنفًا فقد قسم رحمه الله هذا الكتاب إلى جزئين على النحو التالي:

  • نظرية العقد "الجزء الأول": وتناول هذا الجزء الموضوعات الآتية:

كلمة تمهيدية في الالتزام- ترتيب مصادر الالتزام- تعريف العقد- مبدأ سلطان الإرادة- تقسيم العقود- وجود الرضاء (التعبير عن الإرادة- الإرادة الباطنة- والإرادة الظاهرة- الإرادة المفردة- النيابة في التعاقد- تعاقد الشخص مع نفسه- توافق الإرادتين- عقود الإذعان- التعاقد بالمراسلة)- صحة الرضاء ( الأهلية- الغلط- التدليس- الإكراه- الغبن)- المحل- السبب.

  • نظرية العقد "الجزء الثاني" وتناول هذا الجزء الموضوعات الآتية:

البطلان المطلق والبطلان النسبي- الفسخ- الدفع بعدم التنفيذ- انحلال العقد- الخلف العام والخلف الخاص-الدعوى غير المباشرة- الدعوى البوليصية- دعوى الصورية- التعهد عن الغير- الاشتراط لمصلحة الغير- تفسير العقد- المسئولية التعاقدية- القوة القاهرة ونظرية الحوادث الطارئة.

 

رابط مباشر لتحميل الجزء الأول

 

رابط مباشر لتحميل الجزء الثاني

أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه أجيزت بكلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1987م للدكتور رجب عبد التواب كدواني، والذي تقلد العديد من المناصب بالحكومة المصرية، وتفرغ للعمل الأكاديمي بجامعة الملك عبد العزيز لأكثر من ستة وثلاثون عامًا أسس خلالها العديد من التطبيقات الأكاديمية والعملية بالقطاع الخاص والعام، وله العديد من المؤلفات والأبحاث والدراسات التي نشرت من خلال المؤسسات العلمية التي عمل بها، كما شارك في تأسيس العديد من المؤسسات الدولية المتخصصة في الشرق الأوسط وأوروبا.

وتنطلق أهمية هذا الكتاب -حسبما أشار إليها المؤلف- من حقيقة مؤداها أن التأمين التعاوني الإسلامي لم تسبق فيه دراسات مستقلة، كما أن التعاون في الإسلام لم يولّه الفقهاء الاهتمام الكافي من حيث بيان أصوله وقواعده وأحكامه - وإن كان بعض الفقهاء قد استخدم مصطلح "عقد التأمين" الأمر الذي أوحى بوهم شائع هو أن الشريعة الإسلامية لم تعرف "التأمين" خاصة بعد أن تركزت جهود العلماء المسلمين وأبحاثهم في بيان الحكم الشرعي في التأمين الوضعي كمعاملة حديثة وافدة من غير بلاد الإسلام، منذ بوادر ظهوره في عصر الفقيه ابن عابدين حتى الآن، واحتدم الخلاف بينهم في حكمه، فمنهم من حرمه مطلقًا، ومنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من أجاز بعض صوره وحرم بعضها الآخر، وانتهت بعض الأبحاث والرسائل العلمية إلى أن الشريعة الإسلامية قد اشتملت على أحكام تأمينية تغني عن التأمين الوضعي، غير أن هذه الدراسات والأبحاث قد أشارت إلى ذلك كنتائج عامة، ولم تبين أصول هذا التأمين وقواعده وأحكامه العلمية مما استوجب تخصيص هذه الدراسة لبحث التأمين الإسلامي، والتعاون الإسلامي وعلاقته بذلك التأمين.

 

ضرورة بحث أصول التأمين:

التأمين التعاوني فرع من فروع التأمين تحكمه مبادئه وقواعده وأحكامه، ويستلزم ذلك ما يلي:

أولاً: ضرورة بحث أصول التأمين الوضعي خاصة مقاصده وغاياته والمصالح والمفاهيم والمصطلحات والقواعد والمبادئ العامة التي تحكمه دون الدخول في الجزئيات والتفصيلات التي لا تستقيم ومنهج هذا البحث وأسلوب المقارنة فيه.

ثانيًا: دراسة التأمين الإسلامي من ناحية أصوله ومبادئه وقواعده وأحكامه وتقسيماته.

ثالثًا: دراسة التأمين التعاوني كصورة من صور التأمين وأحد فروعه وتطبيقاته.

رابعًا: تقسيم الدراسة الى قسمين رئيسيين يخصص أحدهما لدراسة التأمين بوجه عام – أو أصول التأمين – وأن يخصص الثاني لدراسة التأمين التعاوني أو التأمين في صورته وشكله التعاوني.

خامسًا: أن يخصص فصل في نهاية الدراسة للمضاهاة بين التأمين الوضعي والتأمين الإسلامي، وبيان العناصر الفارقة بينهما.

وانطلقت الدراسة من تساؤل رئيس مؤداه: هل عرفت الشريعة الإسلامية التأمين؟ وإذا كانت قد عرفته فما هي أصوله؟ وما هي صوره، وما هي أحكامه؟

وللإجابة على الإشكاليات والتساؤلات التي أثارها المؤلف، فقد قسم دراسته إلى أربعة أجزاء على النحو التالي:

  • الجزء الأول: أصول التأمين الوضعي.
  • الجزء الثاني: أصول التأمين الإسلامي
  • الجزء الثالث: التأمين التعاوني الوضعي
  • الجزء الرابع: التأمين التعاوني الإسلامي

 

وقد اختتم الباحث الجزء الرابع من كتابه ببيان موجز للعناصر الفارقة بين التأمين الإسلامي والتأمين الوضعي، وهي:

  • تتضمن الشريعة الاسلامية منهجًا كاملا للتأمين يستمد أحكامة من مصادر التشريع الأساسية، وهى القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأئمة، وباقي المصادر الفرعية الأخرى، ويتفق هذا التأمين مع عقيدة المجتمع المسلم وله نفس خصائص التشريع الإسلامي، ومقاصده، وغاياته، ويقوم على التعاون الإسلامي في جميع صوره وأحكامه، أما التأمين الوضعي الحديث فكانت نشأته وليدة التجربة والحاجة إلى حماية التجارة البحرية، ثم التجارة البرية، ثم ظهرت أنواعه الأخرى نتيجة لتطور المدنية وانتقال المجتمع الغربي من الإقطاع الزراعي إلى الرأسمالية التجارية والصناعية، وانقسام هذا المجتمع إلى طبقتين طبقة الرأسماليين وطبقة العمال والموظفين، ونشوء الإحساس بالقلق والخوف من المستقبل، وقد أدت عيوب النظام الرأسمالي إلى ظهور المذاهب المتطرفة كالمذاهب الفاشية والتجربة الشيوعية، ثم ظهر النظام التعاوني الذى انبثق عنه التأمين التبادلي للتخفيف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثها النظام الرأسمالي، ثم وجد المشرع الوضعي أن ترك الحرية لشركات التأمين لتنظيم عمليات التأمين قد أدى إلى مساوئ كثيرة، فتدخل لتنظيم التأمين بقواعد آمرة، وقوانين تنظم عقوده، وتحمي المستأمن من شروطه التعسفية، وأممت بعض الحكومات التأمين، ومارست بعض أنواعه حكومات أخرى، واحتكره الاتحاد السوفيتي، فتباينت نظمه وتطبيقاته، وتعددت أشكاله، وأنواعه.
  • الغاية التي يهدف اليها التأمين الإسلامي هي تأمين المسلم في حياته الدنيوية وحياته الأخروية وضمان الحياة الطيبة ووقايته من الأذى وسلامته من الضرر في الدنيا وضمان النعيم المقيم والخلود في الجنة والوقاية من مخاطر الآخرة وعذابها وفزعها وأهوالها ونجاته من النار في الآخرة، أما التامين الوضعي فغايته تعويض المستأمن عن الخسارة المالية التي قد يتعرض لها نتيجة تحقق خطر يخشى وقوعه في المستقبل في مقابل ثمن لابد من دفعه لهذا الضمان، ولا يضمن التأمين الوضعي الحماية من وقوع هذه الأحداث ولا الوقاية منها، والعوض المالي هو وسيلته الوحيدة لمواجهة الكوارث ومشاركة الغير في تحمل أعبائها، وبدون هذه الطريقة يتحمل من أصيب بالكارثة وحده ويلاتها.
  • يرتكز التأمين الاسلامي على العقيدة الإيمانية، وعلى الدعاء والطلب من الله والعمل بالتكاليف الشرعية، وينقسم إلى قسمين رئيسيين، هما التأمين الأخروي والتأمين الدنيوي، أما التأمين الوضعي فلا يعرف تأمين الإيمان ولا تأمين الدعاء ولا تأمين العمل بالتكاليف، ولا يعرف التأمين الأخروي.
  • يضمن التأمين الإسلامي الوقاية من الحوادث الاحتمالية ولا يجبر إلا الحوادث الواقعة فعلاً، سواء كانت إرادية أم غير إرادية، أما التأمين الوضعي فلا يقبل إلا الخطر المحتمل ولا يؤمِّن مطلقًا الكوارث التي حدثت فعلاً، وإذا تخلف الاحتمال يكون التأمين باطلاً.
  • أداءات التأمين الإسلامي تكاليف شرعية على سبيل الفرض والإلزام أو الطوع والاختيار، أمرًا ونهيًا، فليس في أداءات التأمين الإسلامي معنى المعاوضة، وإنما هي إلزام من الشارع وطاعة من المكلف تأمينًا لآخرته وإذعانا لأمر االله، أما في التأمين الوضعي فلابد من أن يدفع المستأمن ثمن التأمين على هيئة أقساط أو اشتراكات، فلا تأمين بلا ثمن.
  • المصلحة الشرعية هي أساس التأمين الإسلامي، وعليها يتوقف وجود التأمين وعدمه، وهى مصالح أخروية، ومصالح دنيوية، أما في التأمين الوضعي فالمصلحة دائمًا اقتصادية تتمثل في العوض المالي عن الخسارة المتحققة، وفى حدود المبالغ التي يدفعها المستأمنون، وهى لا تشمل المصالح الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية العامة فهذه المصالح غير قابلة للتأمين.
  • من حيث وظائف التأمين وخصائصه فيتميز التأمين الإسلامي بالعمومية والشمول لجميع الاحداث التأمينية في الدنيا والآخرة، ولجميع الأخطار ولجميع فئات المجتمع، ويرتكز على الربط بين الإيمان والتأمين والعمل بالتكاليف الشرعية، وربط التأمين الأخروي بالتأمين الدنيوي وجعل كل منهما سببًا ومسببًا للآخر، أما التأمين الوضعي فوظيفته الأساسية تحقيق الأمان وحماية المستأمن من الأخطار، وتتمثل هذه الحماية في دفع مبلغ من المال لمواجهة الخسائر المالية في حالة تحقق الخطر المؤمن منه.
  • شرع االله التعاون لتحقيق المصالح الدنيوية والأخروية ويتميز في الإسلام بالشمول فيشمل جميع الأعمال التي يحتاج فيها الفرد إلى معونة غيره على مستوى الأفراد والجماعات والأمة الإسلامية بأسرها بينما التعاون الوضعي يعتبر أداة لتمكين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من مقاومة الاستغلال أو تجنبه.
  • يُعد التعاون الإسلامي واجب ديني ملزم يرتب التزامات عقائدية وتعبدية واجتماعية واقتصادية والتزامات مالية تؤخذ من القادر لتؤدي إلى غير القادر بغير عوض مادي، أما التأمين الوضعي فيستهدف المنفعة المادية فقط على أساس التبادل والتقابل، ولابد من دفع مقابل للحصول على هذه المنافع والدافع الاقتصادي هو أساس انضمام الأفراد لأي مشروع تعاوني ومن لا يستطيع أن يدفع المقابل لا يستفيد من مزايا التعاون الاقتصادية.
  • ينقسم التعاون الإسلامي من حيث وسائله إلى تقديم العون بالنفس واليد وبالمال وبالرأي وبالجاه، ولا يعرف التعاون الوضعي سوى العون الاقتصادي ولابد من دفع مقابل لذلك العون.
  • ينقسم التعاون الإسلامي من حيث الفئات المتعاونة إلى تعاون قرابي وتعاون جواري وتعاون أخوي عام كواجبات دينية ملزمة، ولا يعرف التعاون الوضعي سوى التعاون بين الفئات الضعيفة اقتصاديًا والمحدودة الدخل والقادرة على دفع ثمن ما يقدم لها من عون.
  • التأمين التعاوني الإسلامي يأخذ بأسباب الوقاية من الأحداث المتوقعة مستقبلاً، ويجبر الأحداث الواقعة فعلاً، بينما يقوم التأمين الوضعي على المخاطرة والاحتمال وتوقعات المستقبل ويؤمن الأحداث المحتملة ولا يؤمن الأحداث الواقعة.
  • عقد التأمين التعاوني الإسلامي عقد إلزام شرعي أو التزام طوعي بدون مقابل مالي، وأداءاته المالية تؤخذ من ملتزم بحق جبرًا أو اختيارًا، بينما عقد التأمين التعاوني الوضعي عقد احتمالي ومن طبيعته الاحتمال والخطر، وعقد معاوصة ملزم لطرفيه، ولابد أن يدفع فيه المستأمن مقابلاً لما يحتمل أن يأخذه من عوض، وهو من عقود حسن النية يخضع فيه المستأمن للجزاءات التأمينية المدنية من وقف وفسخ وسقوط وبطلان وله نفس خصائص عقد التأمين العادي.

التأمين التعاوني الإسلامي يقدم خدماته التأمينية للمستحقين شرعًا، ولغير القادرين، وبما يكفي حاجاتهم ويرقى بهم إلى مستوى القادرين بدون مقابل مادي أو تعهد بدفع مقابل مالي،  أما التأمين التعاوني الوضعي فلا يقدم أي خدمات تأمينية لغير القادرين على شراء التأمين، ولا يقدم خدماته إلا للقادرين على شراء التأمين ودفع تكاليفه.

رابط مباشر لتحميل الجزء الأول من الكتاب

رابط مباشر لتحميل الجزء الثاني من الكتاب

رابط مباشر لتحميل الجزء الثالث من الكتاب

رابط مباشر لتحميل الجزء الرابع من الكتاب

.نشرت هذه الدراسة بالعدد 122 من "مجلة المسلم المعاصر" في أكتوبر 2006، ضمن أعمال ملف خاص عن ثقافة المقاومة[1]

مقدمة:

قضية الحرية في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، تستحق الدراسة والتوقف أمامها بتفحص وعناية، وذلك على الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر؛ وذلك لأنها مؤشر هام على تطور الفكر الإسلامي وواقعيته من ناحية، وعلى قدرته على التجدد الذاتي ومواجهة التحديات من جهة ثانية، كما أنها مؤشر على أن تقدم المجتمع مرتبط بقضية الحرية برباط وثيق.

وبناء عليه فسوف نرصد قضية الحرية في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر ومراحل تطورها، من خلال مجموعة أعلام ساهموا بقوة في بلورة مفهوم حديث للحرية لا يتقاطع مع الواقع ومقتضياته، ولا يتناقض مع أصول الفكر الإسلامي، وحقيقة الأمر، فهذا المفهوم لم يكن قاصرًا على مجال دون آخر، ولكنه شمل جميع المجالات التي تتصل بقضية الحرية سواء كانت خاصة بالفرد أو المجتمع.

فمنذ رفاعة الطهطاوي حدث تطور ملموس في تناول قضية الحرية في فكرنا الحديث والمعاصر، تطور نابع من تجربة الرجل التي تعد فاصلة بين مرحلتين في تاريخنا، تجربة تفصل _ وكأنها جدار عازل _ ما بين العصور الوسطي والعصر الحديث، وذلك من خلال:

–  مؤلفاته التي تؤصل لفكر إسلامي حديث متصل بالعصر كمشروع حضاري، وتعد قضية الحرية عصب هذا المشروع، ومن ثم تناولها بالتفصيل في جميع أعماله.

– ومن جهة أخرى من خلال دوره في المجتمع، الذي ترجم فيه أفكاره وطموحاته في بناء دعائم النهضة في مجتمع حديث، يسعى للانفلات من ربقة العصور الوسطي بهمة لا تفتر، وعزيمة لا تلين نحو تحقيق ذاته وتعويض ما فاته في فترة الجمود والركود.

وقد تابع مسيرة رفاعة الطهطاوي مجموعة من الرجال، الذين نهلوا من فكره وعزموا على أن يكملوا مسيرته الفكرية، في تحرير المجتمع والإنسان المصري من كل عوائق الجمود والتخلف، وكان كل واحد منهم يعد معلمًا من معالم النهضة، وأحد ركائز الحرية في فكرنا الحديث والمعاصر، ساهم كل منهم في تطوير مفهوم الحرية بصورة أو أخرى.

ورغم كثرة الرجال الذين ساهموا بقوة من خلال جهودهم في تطوير قضية الحرية في فكرنا الحديث والمعاصر، وخصوصًا في مصر، إلا أننا نخص بالذكر الشيخ حسين المرصفي خصوصًا في كتابه (الكلم الثمان)، الذي تناول فيه مجموعة مصطلحات حديثة من بينها مصطلح الحرية بالشرح والتحليل. ومنهم الإمام محمد عبده الذي يعد مرحلة فاصلة جديدة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، وساهم مساهمة فاعلة في إعلاء قيمة الحرية وتطوير مضمونها.

وأخبرًا رأى عبد المتعال الصعيدي أحد تلاميذ مدرسة محمد عبده الذي دافع بقوة عن الحرية الفكرية والدينية باعتبارها حقوقًا أكد عليها الإسلام كمبدأ ومنهج.

وقد وقفنا بالتفصيل عند قضية الحرية من خلال شخصيتين ساهم كل منهما في بلورة وتطوير تلك القضية في فكرنا الحديث والمعاصر:

أولهما: رائد الفكر الحديث في مصر والعالم العربي الشيخ رفاعة الطهطاوي.

والثاني: الشيخ عبد المتعال الصعيدي الذي أولي عناية خاصة لقضية الحرية الفكرية والدينية.

كما تتضح قضية الحرية من خلال مجموعة قضايا ومفاهيم أخرى، سوف نتناولها من خلال تحليل قضية الحرية في فكرنا الإسلامي الحديث والمعاصر. ومن ثم سوف يكون حديثنا عن قضية الحرية من خلال محورين:

المحور الأول: تناول قضية الحرية من خلال مجموعة أعلام في فكرنا الإسلامي والحديث ساهموا في تطوير مدلول الحرية وتثبيت معناها وتكريس دعائمها في المجتمع، وهذا ما عالجناه من خلال مدخل تناولنا فيه تاريخ قضية الحرية في مصر الحديثة والمعاصرة، من خلال مجموعة من أعلام الفكر.

المحور الثاني: من خلال تحليل قضية الحرية وتطوير مدلولها في فكرنا الحديث والمعاصر؛ من أجل التعامل بواقعية مع قضايا العصر مثل قضية الحرية الدينية والفكرية، وقضية حرية المرأة والحرية السياسية، وغيرها من القضايا التي سوف نتناولها في مظانها من البحث.

وقد مهدنا للبحث بمدخل عن الحرية والوعي بالذات.

مدخـل

الحرية والوعي بالذات

الحرية هي لحظة وعي بالذات ينتج عنها تغيير حقيقي في حياة الإنسان فردًا كان أو مجتمعاً وقد تحققت في فكرنا الحديث مرتين:

الأولى: علي يد محمد علي والي مصر الذي استطاع نتيجة إدراكه لقيمة الحرية كإرادة واختيار أن يؤسس مجتمعًا حديثًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بغض النظر عن كونه كان مؤمنًا بالحرية كفرد، أم كان حاكمًا مستبدًا، يرى أن المجتمع الجاهل غير مؤهل بعد للحرية وهو يرسف في أغلال الجهل والمرض والتخلف، وبالتالي لا يعي معنى الحرية ولا يمكنه ممارستها علي النحو الصحيح إلا في ظل مجتمع حديث تتحقق له شروط السيادة والقوة، ولا بد له من الانكفاء علي ذاته في عملية تحديث مستمرة حتى يحقق قاعدة بيانات تمكنه من البناء عليها في مسيرته نحو التقدم والازدهار.

والثانية: علي يد محمد عبده الذي آمن بحرية الإنسان في العدل والمساواة، وفي الحقوق والواجبات، وأولى هذه الحقوق حق المعرفة للخروج من حالة التخلف الحضاري، وامتلاك أدوات العلم والمعرفة، باعتبارها شروطًا أولية للحرية لا تتحقق إلا بها. ومن هنا آمن بحرية الإنسان في التعبير عن نفسه وفي اختياره، كطريق لا بد منه في عملية تحديث شاملة، تهدف لإحياء المجتمع والخروج به من حالة الجمود والتخلف، عن طريق الإيمان بالفرد كأساس للمجتمع السليم والحديث، وهو ما يعرف حاليًا بالتنمية البشرية في أدبيات الفكر المعاصر.

في اللحظة الأولى كان المجتمع بحاجة ضرورية للتواصل الحضاري، لتكوين نواة معرفة يبنى عليها تقدمه خصوصًا في مجال العلوم والتكنولوجيا، فأرسل محمد علي الوفود لجامعات أوربا لدراسة هذه العلوم العملية، ومن حسن الطالع كان لزامًا من وجود مرشد ديني يرافق هؤلاء الطلاب، فيصلي بهم ويوجههم في شئون دينهم، لكن عاد محمد علي وألحق هذا المرشد بالبعثة الرسمية كموفد ضمن طلاب البعثة.

فكان الشيخ رفاعة الطهطاوي إمام البعثة، واحد أفرادها، الذي انبهر بالمجتمع الغربي، وما شاهده في المجتمع الفرنسي قلعة الحرية والتقدم في أوربا، فكان هو العقل الواعي الذي نقل لنا وهو تحت لحظة الانبهار، طبيعة المجتمع الفرنسي حسب كتابه الرائد في أدب الرحلات –تخليص الإبريز في تلخيص باريز– وهو يحدثنا عن مجتمع ليبرالي حر، يقوم علي العدل والمساواة، كنموذج ينشد تحقيقه في مجتمعه الذي يعاني من الجمود والتخلف، ولا يرى ما يمنع من تحقيق ذلك بالاستفادة من التجربة الفرنسية في عمومها، ولا يرى أن الشريعة الإسلامية التي علمت الدنيا تمنع من هذه الإفادة.

وكان الشيخ رفاعة دون مبالغة هو العقل الواعي، لتجربة محمد علي في التحديث الفكري والاجتماعي، واضطلع بدور رائد التحديث العربي دون منازع، ومن هنا كان لابد من معرفة مفهوم الحرية لدى رفاعة الطهطاوي كنموذج فكري في تجربة محمد علي صاحب لحظة الوعي الأولى في مجتمعنا الحديث، فقد أكد منذ البداية وبوضوح لا يقبل الشك، على معني الحرية، ووضح أقسامها، وأكد على أنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق السعادة للفرد والمجتمع على السواء.

كان رفاعة في حديثه كمشاهد منبهر –لكنه منبهر غير فاقد لذاته ولا لهويته– بالمجتمع الباريسي، يرى فيه النموذج الذي يجب أن يحتذي في العدل والحرية والمساواة، وهي أمور يجب أن نتفهمها حسب ظروف الزمان والمكان، وطبيعة التجربة في تلك المرحلة الباكرة من عملية التحديث العربية، والتواصل الحضاري التي يغلب عليها عملية النقل والترجمة، ولا تخضع للنقد والمراجعة بالقدر الكافي.

وذلك لأن عملية النقد والمراجعة تحتاج مزيدًا من الوقت، للتأمل والمراجعة والنظر للتجربة من بعيد، وهي غير متوفرة بالتأكيد في مرحلة التواصل والتكوين، التي تحتاج للتلاحم والالتصاق، وهي أمور لا تسمح للنقد والفرز بالقدر الكافي، ورغم هذا لا نعدم روح النقد عند الشيخ رفاعة لبعض العادات والتقاليد الغربية، وخصوصا في المجتمع الباريسي، مثل اعتمادهم المطلق علي العقل، وعدم تمسكهم بالدين، وغيرها من الأمور التي نبه عليها في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز).

لكن نموذج الحرية عند الشيخ رفاعة كنموذج عملي تطبيقي، يتضح أكثر من خلال حديثه عن التمدن في كتابه (مناهج الألباب) الذي يري فيه أن مصر بتاريخها الثقافي والحضاري العظيم والضارب في أعماق التاريخ بجذور راسخة، وبطبيعة أهلها، مؤهلة للتقدم بشقيه المادي والمعنوي، هذا التقدم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق حرية الوطن والمواطن.

كما كان كتابه المرشد الأمين في تربية البنات والبنين، عامل رائد ليس فقط في مجال الفكر التربوي، لكن في رؤيته الفكرية العميقة، وتحليله النفسي المميز لشخصية المرأة ومميزاتها، ومؤهلاتها للمشاركة والمساهمة في تنمية ذاتها ومجتمعها، وهذا ما يعكس بعد إنساني وحضاري راق عند الطهطاوي، كانسان ينظر للمرأة نظرة حضارية سامية، ويتحدث عن حقوقها في التعليم والعمل والمشاركة، وعلي تلمس جوانب نفسية وإنسانية في شخصيتها كالرقة والعاطفة والحب، يؤكد أنها مميزات وليست عوامل ضعف كما يظن الكثيرون، ومن حقها التعبير عنها والشعور بها.

وقد أثمرت جهود الشيخ رفاعة في المجتمع المصري في مجال التنمية الفكرية والاجتماعية آثارا عظيمة، فدعا إلى تعليم البنات، وكان عضوًا في لجنة إنشاء المدارس لنشر نور العلم والمدنية، كأهم شروط الحرية، ودعا إلى ما يمكن أن نسميه حوار الحضارات، وضرورة النظر للآخر من منطلق جديد، بنظرة تقوم علي معيار التقدم والتمدن، بدلًا من منطلق الإيمان والكفر، تلك الرؤية التي سادت العالم القديم في الشرق والغرب علي السواء، وما زالت توجد جحافل قوية علي الجانبين تسير حسب الرؤية القديمة، والذي كان الدافع لها الحروب الصليبية الطويلة والممتدة، التي صبغت علاقات الشرق الإسلامي، بالغرب المسيحي عبر القرون.

وإذا كانت لحظة الوعي الأولى ممثلة في عقلها الواعي الشيخ رفاعة –الحرية في أحد تعريفاتها هي حكم العقل– وهي بصدد لحظات التكوين، تؤسس لمجتمع جديد، ليس لديها الوقت الكافي للوقوف عند المصطلحات، والنظر لها نظرة تقويم وتحديد، لأن ذلك يحتاج لرصيد ثقافي وحضاري في المجتمع، ومرحلة نضج لم تكن متوفرة زمن الشيخ رفاعة، فإن تلميذه الشيخ حسين المرصفي، أحد أهم المثقفين المصريين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اضطلع بهذا الدور الهام في تحديد معاني المصطلحات الجديدة في رسالته بالغة الأهمية في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية الحديثة ( الكلم الثمان)، استكمالًا لجهد أسلافه في ضبط المصطلحات وبيان مضامينها، وهو ما عرف لدى أسلافنا بالحدود، مثل عمل التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون والجرجاني التعريفات وغيرها.

وقد رصد الشيخ المرصفي بثاقب وعيه النفاذ – وهو الكفيف البصر – المصطلحات الجديدة المعنى والمدلول في الثقافة العربية المعاصرة، مثل مصطلحات: الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسة والحرية والتربية، وكان من ثمار وجهود الشيخ المرصفي الأستاذ في مدرسة دار العلوم في المجتمع المصري، ثلة من ألمع التلاميذ منهم من تتلمذ له مباشرة في دار العلوم، ومنهم من تأثر بفكره ومنهجه، من أمثال: محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وعبد الله فكري ومحمد عبده وحمزة فتح الله وحفني ناصف وحسن توفيق العدل وحسين الجسر اللبناني. وكلهم منارات سامقة على طريق الحرية، وغرس من ثمار الشيخ المرصفي.

وإذا كان الشيخ الطهطاوي قد غرس البذرة بقوة في لحظة الوعي الأولى، فإن تلميذه الشيخ المرصفي بجهوده الفكرية والثقافية، كان يمهد للحظة الوعي الثانية التي انبثقت من خلال تلاميذه، وعلى رأسهم الشيخ الإمام محمد عبده الذي جسد الحرية بفكره وسلوكه، وعلى يديه تجسدت قيمة الحرية في لحظة وعي هامة، عبرت عن نفسها في جميع مجالات الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية.

لقد جسد الإمام الشيخ محمد عبده رائد التجديد الديني والاجتماعي في مصر القرن العشرين، الحرية كقيمة بفكره وسلوكه، لإيمانه العميق أن الإسلام دين يؤمن بالتعددية الدينية والثقافية وبالاختلاف كحكمة إلهية ضرورية لاستمرار الحياة، كما في قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وأنه سبحانه وتعالى لم يجبر الجمادات علي الاعتراف به كخالق بل منحها حق الاختيار، فقال تعالى في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.

وإذا كان الاختيار في حق الجمادات محمودًا، فما ظنكم به في حق الإنسان، الذي أكد سبحانه وتعالى على حقه في الاختيار الحر، في أن يكون مؤمنًا بالله أو كافرًا به مشدد على عدم الإكراه في الدين، الذي يتنافى مع طبيعة الحرية والاختيار، وهذا ما جاء في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾. وفي قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وهذه إحدى الآيات الدالة على أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم، ولم يفت بالإكراه أو العنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين أن الإسلام دين السيف استدلوا عليه: بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين.

وقد تقدم الجواب عنه في ضمن البحث عن آيات القتال، وذكرنا هناك أن القتال الذي ندب إليه الإسلام، ليس لغاية إحراز التقدم وبسط الدين بالقوة والإكراه، بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متابعة للفطرة وهو التوحيد، وأما بعد انبساط التوحيد بين الناس فخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر، فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال، فالإشكال ناشئ عن عدم التدبر.

ويظهر مما تقدم أن الآية أعني قوله ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ غير منسوخة بآية السيف كما ذكر بعضهم، ومن الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها، أعني قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم، فإن الحكم باق ببقاء سببه، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف، فإن قوله: ﴿اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ مثلاً، أو قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ لا يؤثران في ظهور حقيقة الدين شيئًا حتى ينسخا حكمًا معلولًا لهذا الظهور، وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ بظهور الحق: وهو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله، فهو ثابت على كل حال، فهو غير منسوخ(2).

وإذا كانت الشعوب تحتاج للإبداع الذاتي بعد فترة التكوين الأولى التي تستلزم التواصل والنقل – مرحلة الطهطاوي – قبل أن تأتي مرحلة النقد والإضافة – مرحلة محمد عبده – فقد كانت جهود الشيخ عبد المتعال الصعيدي تمثل بحق مرحلة إبداع ذاتي غير متأثر بفكر غربي وافد، وفي تأصيل فكري جديد لقضية الحرية الفكرية والحرية الدينية في الإسلام – وهما عنوانا كتابين له – تعد تأسيسًا للحظة انطلاق جديدة في الوعي بالذات، أرى إرهاصاتها تلوح في الأفق.

ويجب أن تكون الشيخ الصعيدي عن الحرية الفكرية والدينية، كرؤية رحبة تعتمد على تأصيل القضية بعيدًا عن المواقف المسبقة، كما أنها ليست تكرارًا لآراء سابقة، أو ترديدًا دون وعي لما هو مألوف وثابت لدى أسلافنا، حول قضية حرية الفكر والاعتقاد، ولو كان فكر الشيخ عن الحرية، قد لقى ما تنتج سوى مزيدًا من تمزيق وحدة الصف، والتراشق اللفظي المسف، والتجاذبات والخلافات التي استنفدت جهودًا، وسالت من أجلها دماء غير ذكية، وتطايرت على آثارها شظايا الوهم في كل اتجاه.

وهذا ما يعكس حيرة مجتمع ممزق، أكثر مما يعكس حيوية فكرية ورؤى محددة، تجلت بوضوح في مجموعة من الأحداث المؤسفة، مثل قضية نصر حامد أبو زيد، ورواية وليمة لأعشاب البحر، وغيرها من الموضوعات التي سودت حولها عشرات الأطنان من الورق لم تستحق مع الأسف ثمن الورق الذي سود فيها، ولا الأحبار التي سالت عليها، ولم يكن أحد ممن أثار غبار هذه المعارك يبغون وجه الله ولا مصلحة المجتمع، ولا خدمة البحث العلمي، وإنما كانت مواقف أيديولوجية وعصبية قبلية أولًا وقبل كل شيء، حتى وإن حسنت نوايا بعض من شارك في تلك المعارك، لأن كثيرًا من النوايا الحسنة، أضرت ولم تصلح، فالدبة التي قتلت صاحبها كانت تريد له نومًا هادئًا بعيدًا عن طن الذباب!

لقد ذهب الشيخ الصعيدي إلى حق الإنسان في الإيمان بالله وفي حقه في النكوص عن هذا الإيمان، دون أدنى مسئولية جنائية ولا اجتماعية تلحقه نتيجة ذلك، فكان جريئا في مناقشة قضية الردة التي انتهى فيها لرأي واضح، وهي أن الجزاء فيها ديني فقط، أمره لله -سبحانه وتعالى- وأن ما جاء في القرآن عن الردة لا يستوجب القتل، وفنّد الآراء المخالفة، وانتهى إلى أن جزاء المرتد يكون أخروي فقط، أما في الدنيا فيدعى للإسلام غير المسلم وفقط، كما أكد على أن الحرية والمساواة حق لجميع أبناء الوطن بغض النظر عن دينه أو اعتقاده.

وذهب إلى أن الإسلام جاء ليؤكد على الحرية، التي حولها بعض الحكام لاستبداد، وذهب علماء السوء لتبرير هذا الاستبداد، الذي يتناقض صراحة مع جوهر الإسلام، الذي جاء لتحرير الإنسان من القيود التي تعوق مسيرته وحريته، كمخلوق حر له حريته الكاملة في التعبير عن رأيه وفكره، وفي حريته في اختيار دينه، كما له حريته في اختيار حاكمه وفي نقده ومعارضته متى ثبت له خطأ الحاكم أو من يمثله، دون قيد أو شرط يهدد حياة الإنسان.

ونتناول رؤية الطهطاوي لقضية الحرية بالتفصيل، وهذا هو موضوع الصفحات التالية:

 

قضية الحرية عند الطهطاوي

اكتسب مفهوم الحرية عند رفاعة الطهطاوي معنى جديدًا لم تعهده الثقافة العربية من قبل، ولا يمكن أن نفصل بين هذا المفهوم الجديد للحربة عند الطهطاوي، وبين التطورات التي شهدها المجتمع المصري مع قدوم الحملة الفرنسية عام1798م ورحيله عام 1801م، ثم إدراك المجتمع المصري حاجته  للتغيير وضرورة الخروج من أقبية العصور الوسطي، وهذا لن يتم إلا إذا استعاد الشعب حريته كمجتمع في تحديد مصيره، وفي اختيار حاكمه، وهذا ما عبر عنه أحد رموز هذه المرحلة الفكرية وأستاذ رفاعة الشيخ حسن العطار، بقوله: (إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها)(3).

وذلك أن الحملة الفرنسية أحدثت ما يشبه الصدمة للمجتمع المصري من خلال عدة أمور، على رأسها القوة العسكرية التي تستخدم أسلحة حديثة لم يكن للمصرين عهد بها، ثم من خلال المعهد العلمي الذي ضم نخبة من العلماء الفرنسيين المرافقين للحملة. وقد تردد على هذا المعهد عددا من رجال الفكر المصريين، كالمؤرخ عبد الرحمن الجبرتي الذي يقف مشدوهًا فاغرًا فاه مما رآه من تجارب داخل هذا المعهد على يد علمائه، كما كان الشيخ حسن العطار يتردد على المعهد وعلى علاقة بعلمائه وشاهد فيه من العلوم الحديثة التي لم يكن للمصريين عهد بها من قبل، وقد أدرك هؤلاء المصريون ضرورة مواكبة التقدم الحديث في مجال العلوم، حتى يلحقوا بركب العصر الحديث في الغرب، والذي فتحت الحملة الفرنسية أعينهم عليه.

وبناء عليه فمفهوم الحرية عند الطهطاوي، لم يكن بحال من الأحوال بعيدًا عن هذا الجو العام في مصر، الذي أدرك ضرورة التحديث من خلال الواقع الجديد الذي فرض نفسه آنذاك، والذي كان من ثماره ممارسة الحرية السياسية، وانتخاب أول حاكم بإرادة المصريين في العصر الحديث هو الألباني محمد على،  الذي سعى جاهدا بهمة وإرادة، إلى بناء مجتمع حر متطور غير منقطع الصلة بالتقدم الغربي و المنجزات الغربية الحديثة، فاخذ يرسل البعثات والوفود لأوروبا لدراسة العلوم الحديثة، خصوصًا في مجال العلوم العلمية والتطبيقية الذي يحتاج إليها في بناء مجتمع حديث، يحتاج لإدارة حديثة تواكب التطورات المعاصرة، وبناء جيش حديث متطور يحمى المجتمع المصري.

كل هذه التطورات لم تكن بعيدة عن حديث الطهطاوي عن الحرية، وذلك باعتباره كان جزءًا من تلك التجربة الحية، وأبرز ملامحها، وأفضل من عبر عنها قولًا وفعلًا، ومن خلال تجربته في فرنسا كطالب بعثة يرصد ملامح التجربة الفرنسية عن قرب، من خلال المهام التي أوكلت إليه في مصر، والمناصب التي تقلدها، والدور الذي مارسه في تاريخ مصر الحديث.

فقد كان الطهطاوي أول عين عربية تأملت في وعى عميق، ومن موقع المحب الناقد، حضارة الغرب الحديثة، ممثلة في حضارة الفرنسيين، وذلك لان الفرق كان شاسعًا بين واقع وطنه وبين واقع فرنسا، تخلف هنا وازدهار هناك، فحاول الرجل الذي ذهب إلى باريس سنة 1826م بزيه الشرقي وتصوراته الإسلامية أن يصنع لوطنه صنيع الذين نقلوا إلى العرب الأقدمين فكر اليونان وعلومهم، وتراث الفرس وفنهم، وفلسفه الهند وحكمتها… وكما أدخل هؤلاء الأسلاف أمة العرب في مركز التأثير الإنساني، وجعلوها تعطى الحضارة الإنسانية عطاءها الفني السخي، فإن رفاعة عزم أن يعيد أمته مرة ثانية إلى القيام بدورها هذا.

من أجل هذا ناضل الطهطاوي في سبيل وصل الخيوط بين وطنه، وبين مراكز الحضارة الحديثة في أي مكان، ووقف موقف العداء من دعوات العزلة وعقد النقص التي تسلم إلى الانغلاق على الذات، فأخذ يدعو قومه إلى الانفتاح على المجتمعات ويسفه من دعاة العزلة، ويرى أن هذه المخالطة بين المصريين وغيرهم من أهل الحضارة الغربية، من أهم إنجازات محمد على؛ لأنها الداء الشافي والعلاج المعافى للداء الذي عانى منه العرب لعدة قرون (4).

فالحرية عند الطهطاوي لازمة أساسية لبناء مجتمع حديث، وذلك على اعتبار أن التمدن حسب تعبيره يبنى على ركيزتين أساسيتين هما: العدل والحرية.

يتحدث الطهطاوي في مناهج الألباب عن التمدن في مصر منذ قديم الزمان، وتفردها عن غيرها من الأمم في الفنون والمعارف، وأنه قد عاد لها مجدها من جديد بفضل محمد على وخلفائه الذين بفضلهم تعزز الوطن بالعلوم والمعارف وصارت فيه قواعد التمدن واستقامت الأمور بتحري العدل، فاعتدلت مصالح الجمهور، وبهذا أحرزت مصر بين الممالك المتمدنة أسني الرتب، وصارت بين بلاد الشرق أفضل الأقطار.

ولا يجحد تمدنها ورقيها في ترسيخ مفهوم الوطنية؛ وبناء عليه يؤكد على ضرورة التواصل مع الحضارة الغربية، لأنها وسيلة عظمى لرقى الوطن كما أنها وسيلة لترسيخ روابط الألفة والحوار بين الشعوب (5).

فمصر تحقق لها اسمها المتعارف عليه وذلك بمسير الناس إليها واجتماعهم فيها، وذلك من أجل تحقيق منافعهم ومكاسبهم أكثر من غيرها من البلاد، وذلك لحسن موقعها الذي كان له دور في تمدنها وتقدمها العمراني والإنساني. كما كان لهذا الموقع أثره في أخلاق أهلها وتهذيب طباعهم. علاوة على ذلك فإنهم من خلال مخالطتهم لغيرهم من الأمم والشعوب عرفوا أهمية الحوار وتبادل الخبرات.

ويلعب الدين دورا أساسيًّا، كأحد أسباب التمدن والعمران في مصر منذ قديم الزمان. فالمصريون يؤمنون بالأديان وعرف ملوكها وحكماؤها التوحيد، وهكذا حاذوا أسباب التقدم عن طريق: تهذيب الأخلاق بالآداب الدينية والفضائل الإنسانية، وأهميتها في حفظ السلوك الإنساني من الرذائل والموبقات، من أجل هذا كان الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها، وهو زمام للإنسان، لأنه ملاك العدل والإحسان.

فالدين الصحيح هو الذي عليه مدار العمل في التعديل والتجريح، فحقيق على العاقل أن يتمسك به، ويحافظ عليه متعبدًا، فأدب الشريعة ما أدى الغرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان، وعمارة البلدان، لان من ترك الغرض فقد ظلم نفسه، ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره، واظلم بالإساءة أمسه (6).

والدين أصل ضروري في عملية التمدن والعمران، ويلاحظ تأثر الطهطاوي بابن خلدون في حديثه عن التمدن والعمران في مقدمته. كما يلاحظ إيثاره للمصطلح الإسلامي في هذا المجال على غيره من المصطلحات، فمصطلح التمدن والعمران مصطلح إسلامي، وقد كان للشيخ رفاعة فضل نشر مقدمة ابن خلدون في مطبعة بولاق بالقاهرة سنة 1857م بإيعاز من المستشرق الفرنسي دوساسى (7).

من أجل ذلك يقسم التمدن إلى نوعين:

- معنوي.

- ومادي.

أما المعنوي وهو التمدن في الأخلاق والعادات والآداب، وهو التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الأمة المتمدنة التي تسمى باسم دينها وجنسها كالأمة العربية الإسلامية، وذلك لتميزها عن غيرها، فمن أراد أن يقطع عن ملة تدينها بدينها، أو يعارضها في حفظ ملتها، (المخفورة الذمة شرعًا)، فهو في الحقيقة معترض على مولاه. فقد قضت الحكمة الإلهية أن تتصف تلك الأمة بهذا الدين، فمن يستطيع معارضة المشيئة الإلهية ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً (8).

ويؤكد على الحرية الدينية، وحق الفرد في اختيار دينه، حتى ولو خالف دين الدولة التي يعيش فيها شريطة ألا يؤدي ذلك لضرر على نظام الدولة التي يعيش فيها فيقول:

(أما وقد اتسع نطاق الإسلام، فكل امرئ وما يختار، فبهذا كانت رخصة التمسك بالأديان المختلفة جارية عند كافة الملل، ولو خالف دين المملكة المقيمة بها، بشرط ألا يعود منها على نظام المملكة أدنى خلل، كما هو مقرر في حقوق الدول والملل) (9).

ورغم إعجاب الطهطاوي بالنموذج الفرنسي في الحرية إلا أنه ينتقدهم في اعتمادهم المطلق على العقل وبعدهم عن الدين. وهو ما أبرزه في تلخيص الإبريز في قوله:

(وقد أسلفنا أن الفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح العقليين، وأقول هنا: أنهم ينكرون خوارق العادات، ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلا، وأن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير واجتناب ضده، وأن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافية تسد مسد الأديان، وأن الممالك العامرة تصنع فيها الأمور السياسية كالأمور الشرعية، ومن عقائدهم القبيحة قولهم: إن عقول حكمائهم وطبائعييهم –يقصد علماء الطبيعة– أعظم من عقول الأنبياء وأذكى منها. ولهم كثير من العقائد الشنيعة، كإنكار بعض القضاء والقدر) (10).

وينتقد تحررهم من الدين فإنهم نصارى بالاسم فقط، فلا يقنعون بما حرمه دينهم أو أوجبه أو نحو ذلك، ويرون أن العبادات التي لا تعرف حكمتها من قبيل البدع والأوهام. وينتقد عدم زواج القساوسة ويعد ذلك نقيصة تزيدهم فسقا، كما ينتقد ما يسمى بالاعتراف بالذنوب من العامة أمام القساوسة فيغفر له القس ذنوبه.

ولأمانته يذكر الطهطاوي نقد دي ساسي وتعقيبه على قوله بتحرر الفرنسيين من الدين، فيذكر دي ساسي أن كلام الطهطاوي يصدق على أهل باريس وكثير من الفرنسيين ممن يهتمون بشئون الدنيا فقط، لكن في مقابل ذلك يوجد من يقيم دين آبائه ويؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل الصالحات من كل صنف وفئة من الرجال والنساء (11).

وأما التمدن المادي، وهو التقدم فيما يحتاجه المجتمع في سائر شئون الفنون مما يسميه (المنافع العمومية) كالزراعة والتجارة والصناعة، وهي تختلف من بلد إلى آخر قوة وضعفا، طبقا للممارسة وهو أمر لا غنى عنه في عملية التقدم والتمدن (12).

واضح تأثر الطهطاوي في حديثه عن المنافع العمومية بالأصوليين في حديثهم عن المقاصد الشرعية، وكيفية تحقيقها للمصالح العامة في حياة الفرد والمجتمع، على النحو الذي فصله الشاطبي في حديثه عن الكليات الخمس في كتابه (الموافقات)، مهتديا بجهود السابقين عليه وخصوصا الغزالي في (المستصفى)، الذي تأثر فيه بأستاذه الجويني في البرهان (13).

والسنن الكونية تؤكد أن الأيام دوال، وكل أمة تأخذ حظها من التمدن فترة من الزمن، ولكن هذا لا يتحقق إلا بعزيمة أصحابها وحبهم لأوطانهم، لدرجة أنه يشبه حب الأوطان بحرارة تسري في أبدان أهلها، وأنها تغلب على حرارتهم الغريزية، وتغلب على القوة الأولية، وبهذا تتحقق للوطن أمانيه من التمدن الحقيقي، بشقيه المعنوي والمادي.

جملة القول إن عوامل التمدن اجتمعت في مصر وهذا ما يؤكد عليه فيقول:

(فقد أجمع المؤرخون على أن مصر، دون غيرها من الممالك، عظم تمدنها، وبلغ أهلها درجة عالية في الفنون والمنافع العمومية، فكيف لا وأن آثار التمدن وأماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرنا يشاهدها الوارد والمتردد، ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج، مع تنوعها كل التنوع، فجميع المباني التي تدل على عظم ملوكها وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية وبراهينها) (14).

ويضرب مثل بالأمة الفرنسية على تمدنها وبلوغها درجة عالية من الحضارة بالمعرفة والآداب التي تجلب الأنس وتزين العمران، والبلاد الأوربية عموما مشحونة بأنواع المعارف، لكن فرنسا تمتاز عن غيرها من بلاد أوروبا بكثرة تعلقها بالفنون والمعارف، فهي أعظم أدبًا وعمرانًا (15).

وعلامات التمدن ودلائل العظمة تقوم على ثلاثة ركائز هي:

–  حسن الإدارة الملكية (السلطة السياسية).

–  السياسة العسكرية (القوة التي تحمي الدول وتحفظ لها سيادتها).

–  معرفة الألوهية (الدين الذي ينظم حياة الناس على أسس من العدل والشورى).

وهذه الأسس الثلاثة للتمدن كانت موجودة في مصر منذ القدم، وبلغت درجة عظيمة واستمرت عبر القرون (16)، ويتحدث عن تجربة يوسف -عليه السلام- في مصر، والتي يستفاد منها (أنه كان بمصر إذ ذاك أحكام عادلة، وقوانين مرتبة، وحدود مشروعة خالية من الأغراض والنفسانيات وهي نتيجة التمدن التام) (17)، والسياسي الماهر هو الذي لا يضيق على شعبه، ويسير بينهم بالعدل، ويحترم حريتهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية ويستشهد بسيرة الإسكندر الأكبر وحنكته في تعامله مع الأمم والشعوب التي أخضعها لسيطرته، فلم يضيق على حرياتهم، ولم يتدخل في أفكارهم ولا معتقداتهم (18).

واضح مما تقدم أن الطهطاوي يريد إبراز دور مصر كدولة مؤهلة تاريخيًا للتمدن والتقدم واستيعاب التجارب الحديثة في الحرية لدى الأمم المتقدمة وهو ما ركز عليه في كتاب (مناهج الألباب).

ويقسم الطهطاوي الحرية إلى خمسة أقسام على النحو التالي:

الأول: الحرية الطبيعية:  وهي التي خلقت مع الإنسان، وانطبع عليها كالأكل والشرب … مما لا ضرر فيه على الإنسان نفسه ولا على إخوانه.

الثاني: الحرية السلوكية:  التي هي حسن السلوك ومكارم الأخلاق … وهي الوصف اللازم لكل فرد من أفراد الجمعية – المجتمع – المستنتج من حكم العقل، بما تقتضيه ذمة الإنسان وتطمئن إليه نفسه في سلوكه في نفسه، وحسن أخلاقه مع غيره.

والثالث: الحرية الدينية:  وهي حرية العقيدة والمذهب، بشرط ألا تخرج عن أصل الدين، كآراء الأشاعرة والماتريدية في العقائد، وآراء أرباب المذاهب المجتهدين في الفروع.

ومثل ذلك حرية المذاهب السياسية، وآراء أرباب الإدارات الملكية في إجراء أصولهم وقوانينهم وأحكامهم على مقتضى شرائع بلادهم، فإن ملوك الممالك ووزرائهم مرخصون – أي أحرار – في طرق الإجراءات السياسية بأوجه مختلفة، ترجع إلى مرجع واحد وهو حسن السياسة والعدل …

والرابع: الحرية المدنية:  وهي حقوق العباد والأهالي الموجودين في مدينة، بعضهم على بعض، فكأن الهيئة الاجتماعية المؤلفة من أهالي المملكة تضامنت وتواطأت على أداء حقوق بعضهم لبعض، وان كل فرد من أفرادهم ضمن للباقين أن يساعدهم على فعل كل شيء لا يخالف شريعة البلاد – قانونها – وأن لا يعارضوه، وأن ينكروا جميعا على من يعارضه في إجراء حريته، بشرط ألا يتعدى حدود الأحكام.

والخامس: الحرية السياسية: أي الدولية – نسبة إلى الدولة– وهي تأمين الدولة لكل أحد من أهاليها على أملاكه الشرعية المرعية، وإجراء حريته الطبيعية بدون أن تتعدى عليه في شيء منها، فبهذا يباح لكل فرد أن يتصرف فيما يملكه جميع التصرفات الشرعية (19).

واضح في حديث الطهطاوي السابق عن أقسام الحرية تأثره الواضح بفكر التنوير الفرنسي، ففي حديثه عن الحرية السياسية مثلا يتضح في حديثه عن العقل باعتباره مصدر للحرية والفعل. كما أن حديثه عن النوع الخامس وهو ما سماه الحرية السياسية قصد بها حرية سياسة الإنسان لنفسه في تصرفه في شئونه الخاصة. وهي ما يمكن أن نسميها حريته في تدبير شئونه الاقتصادية (20).

يؤكد الطهطاوي – بعد هذا العرض لأقسام الحرية الخمس – على أن الحرية بهذا المفهوم الواسع والممتد الذي يتضمن هذه المعاني، هي الوسيلة العظمى لسعادة أهل البلاد، لان الحرية التي تستند على قوانين عادلة، هي أعظم وسيلة لتحقيق الاستقرار والسعادة بين المواطنين، وسبب لتعلقهم بوطنهم وحبهم له.

ويلاحظ أن هذه الأقسام الخمسة وكأنها محاولة من الطهطاوي للتوافق مع الكليات الخمسة للشريعة كما هو لدى الأصوليين في أن هذه الكليات الخمسة هي حفظ النفس والعقل والمال والعرض والدين، وترتيب المقاصد بين ضرورية وحاجية وتحسينية، حسب الحاجة والمصلحة (21).

ويحق لكل مواطن أن يمارس حقوقه في إطار القانون، دون إكراه على مخالفة النظام؛ وذلك لأن من حق كل مواطن أن يتمتع بحريته في نطاق الشرع والقانون، وذلك حيث يعد حرمانه من هذا الحق تضييقًا عليه واعتداء على حريته دون وجه حق، ويعد ذلك اعتداء على حقوق المواطن المخولة له شرعًا وقانونًا، لان حرية المواطنين في ظل نظام عادل قوي لا يخشى منه على الدولة، ولكن معرفة حق المواطن وحق الحاكم واحترام كل طرف للثاني دون اعتداء من طرف على الآخر من أهم أسباب قوة الدولة واستقرارها وحفظ حقوق الحاكم والمحكوم (22).

والقانون هو أساس العدل ومعياره، ويضرب على ذلك مثلا بما هو كائن عند الفرنسيين فكان ذلك (من أسباب تعمير الممالك وكثرة معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت نفوسهم، فلا تسمع فيهم من يشكوا ظلما أبدا، والعدل أساس العمران (23).

وتعد الحرية أمرًا فطريًّا كرم الله بها الإنسان وفضله على جميع المخلوقات، وبناء عليه يجب عليه أن يتمتع بحريته في إعزاز وطنه وإخوانه ورؤسائه. كما يعد التزام الفرد بقوانين الدولة وقيامه بواجباته تجاه وطنه كالجهاد والعمل تعديا على حقوقه، لأن هذا يعد واجبًا وطنيًّا. فعلى سبيل المثال يعد الدفاع عن الوطن ضد أعدائه دفاعا عن الحرية. والحرية تستلزم العلم، ومحاربة الجهل، ومعرفة حقوق المواطن، من اجل تحقيق التقدم والمدنية.

والحرية تستلزم المساواة بين المواطنين في جميع الحقوق والواجبات، لكن ليس معنى هذا أن يأخذ الإنسان ما لا يستحقه فكل إنسان حسب قدراته وإمكانياته، فالمساواة تدعم الحرية بين أفراد المجتمع. وبناء عليه (فإن حريتهم توضع على أساس متين، وتكون مملكتهم راسخة القواعد، لا يعتريها الخلل من بين يديها ولا من خلفها) (24).

ولم يقتصر حديث الطهطاوي عن الحرية، على الدعوة والتنظير الفكري المجرد، ولكنه سعى لتطبيق هذه الأفكار وتجسيدها في الواقع العملي، من خلال حديثه عن حرية المرأة ودفاعه المستميت عن حقها في التعليم والمشاركة، فكان رائدًا في هذا المجال، الذي لم يطرقه أحد من قبل في الشرق في العصر الحديث. كما كان رائدًا للفكر العربي والإسلامي الحديث عن جدارة واستحقاق، وهذا ما سنناقشه في الصفحات التالية.

 

حرية المرأة عند الطهطاوي

يعد رفاعة الطهطاوي بحق الرائد الأول لقضية تحرير المرأة في الشرق العربي والإسلامي، وأول من سعي لتحريرها من قيود العصور الوسطي وعمل على تطبيق أفكاره في الواقع العملي، فسعي إلى تعليمها حتى تحظي بحقوقها كإنسان مثلها مثل الرجل في الحقوق والواجبات، فكان عضوًا بلجنة تنظيم التعليم التي اقترحت سنة 1836م العمل على تعليم البنات.

وجاء حديث الطهطاوي عن تحرير المرأة في سياق حديثه العام عن ضرورة تحرير المجتمع المصري، والعمل على نهضته وتقدمه، على اعتبار أن المرأة ركنًا من أركان المجتمع لا تقوم نهضته الحقيقية بدون مشاركتها وتمتعها بحريتها، كإنسان له حقوق وواجبات اجتماعية وإنسانية. وقد ضمن هذا كتابه (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين).

يبدأ حديثه عن التربية كتنمية حسية ومعنوية للأطفال، عن طريق تربية الجسد وتربية الروح، وتشترك في هذه التنمية ثلاثة أنواع من الغذاء:

الأولى: تنمية المرضع للأطفال بالألبان.

الثانية: تغذيتهم بإرشاد المرشد بتأديبه الأولي للأطفال وتهذيب أخلاقهم، وتعويدهم التطبع بالطباع الحميدة، والآداب والأخلاق.

الثالثة: تغذية عقولهم بتعليم المعارف والكمالات، وهذه وظيفة الأستاذ المربي.

وهذه الأنواع الثلاثة، وإن كانت تبدو سهلة إلا أنها عملية شاقة وعسيرة تحتاج لأصول وقواعد، بالإضافة إلى محبة الأطفال من كل من يتعامل معهم من مرضعين ومربين وأساتذة.

وتهدف لتهذيب الجنس البشري ذكراً كان أو أنثى، حتى يستفيد منها الصبي هيئة ثابتة يتبعها ويتخذها عادة وتصير له دأبًا وشانًا وملكة. وبناء عليه فالتربية المعنوية هي (فن تشكيل العقول البشرية، وتكييفها بكيفية حسنة مألوفة، وغايتها إيجاد ملكة راسخة في الصغير تحمله على التخلق بحسن الأخلاق حسب الإمكان، بحيث تحصل من هيئة تربيته الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا بسهولة ويسر، كطلاقة الوجه، والحلم والشفقة ….) (25).

وحديث الطهطاوي علي أن التربية تهدف لتكوين ملكة راسخة في الصغير تحمله على التخلق بالأخلاق الحسنة حتى يصير ذلك طبعًا وسجية، أمر مألوف في تراثنا ولدي المعنيين من أسلافنا (26).

وتربية أفراد المجتمع ذكورًا وإناثًا، يترتب عليه حسن تربية المجتمع بكامل هيئته، والأمة التي أحسنت تربية أبنائها، واستعدوا لنفع أوطانهم هي أمة سعيدة، فعن طريق التربية السليمة تصل إلى السعادة ويصبح أبناؤها سبب رفعتها وعزتها.  والأمة التي تتقدم فيها التربية يتقدم فيها أيضًا التقدم والتمدن على وجه تكون به أهلًا للحصول على حريتها (27).

قضية التربية والتعليم واجب في حق أبناء الأمة ذكورًا وإناثًا. وقد أولاها الإسلام عناية خاصة بصورة لم تعهدها الأمم السابقة، وهذا ما يفهم من الخطاب القرآني، الذي أمر بالقراءة في جميع المجالات باعتبارها سر التقدم ومفتاح المعرفة. فكان أول ما نزل من التنزيل هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهو دليل علي أن الإسلام يدشن عهدًا جديدًا ومرحلة جديدة ودستورًا جديدًا لم تعهده الأمم السابقة، ولا حتى الرسالات التي سبقت الإسلام. فرسالة الإسلام تقوم علي العلم والمعرفة كركائز أساسية في بناء أمة جديدة، وأكد على ذلك بقوله تعالي في سورة الزمر: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾.

وجعل الإسلام ذلك الأمر فرضا على المسلمين لا فرق بين رجل أو امرأة في هذا الأمر بنص الحديث النبوي: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وأيضًا قوله (ﷺ): (من سلك طريقًا يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (28).

ولا يظنّن أحد أن لفظ مسلم في الحديث خاص بالرجل دون المرأة، على اعتبار أن لفظ مسلم مذكر، وردنا على هذا نقول إن الكلمة تطلق في اللغة على التغليب، لكنها تشتمل الرجل والمرأة على السواء كما هو معهود في لغة العرب.

وتناول علماء المسلمين قضية طلب العلم وفضله في التراث بعناية وأولوه اهتمامهم وهذا كله لم يكن بعيدًا عن وعي الطهطاوي وهو يناقش قضية حق المرأة في التعليم، فيري أن الأمم منذ القدم اهتمت بتربية كل ما ينفع الإنسان من الحيوانات الأليفة كالخيول والببغاوات والصقور والنحل ودود القز وهو أمر أفاض فيه الجاحظ من قبل في حديثه عن الحيوانات وكيف يروضها الإنسان ويستأنسها (29).

ولا يعقل أن الأمم التي تهتم بتربية وترويض الحيوانات المفيدة للإنسان ستهمل تربية وتعليم نصف المجتمع وهي المرأة، فقد عهدت الأمم المتمدنة منذ القدم من أيام اليونان على تربية المرأة وتعليمها، وقد اختلف موقف الأمم والشعوب من قضية تعليم المرأة حتى جاء الإسلام فاحتلت قضية المرأة أهمية خاصة في الدين الجديد وحصلت على حقوق لم تعرفها البشرية من قبل.

وذلك لأن الأصل في الخطاب الديني قرآنا وسنة أنه موجه للرجال والنساء على السواء، بدءا من تقرير الكرامة الإنسانية إلى تقرير المسئولية الجنائية، وعلى الرغم من وجود فوارق محدودة، فإن الأصل هو المساواة، والفوارق استثناء من هذا الأصل، وأنه لمن الخطأ والعدوان على شرع الله أن يضيع هذا الأصل (30).

فالأصل في الخلقة المساواة في الفطرة والكرامة الإنسانية، والأصل في الخطاب القرآني المساواة التامة في التكاليف والواجبات بين الرجل والمرأة أي في المسئولية، وبعض الفروق التي وردت كفروق بين الذكورة والأنوثة هي للترتيب والتنظيم بين الجنسين ومراعاة الواقع، ومسئولية كل طرف تجاه الآخر من جهة، وتجاه المجتمع من جهة أخرى.

ويتحدث الطهطاوي عن التكامل بين الرجل والمرأة، فقد خلق الله المرأة للرجل ليبلغ كل منهما من الآخر أمله، ويقتسم معه عمله، وجعل المرأة تلطف لزوجها أتراحه، وتضاعف أفراحه، وتحسن أمر معاشه، فهي من أعظم صنع الله القدير، وقرينة الرجل في الخلقة. فالمرأة مثل الرجل سواء بسواء، في الأعضاء والحواس والصفات، وتناسب الحركات والأعضاء، ولا توجد فروق بينهما إلا من حيث الذكورة والأنوثة وما يتعلق بهما.

أما عن الفروق الجسدية بين الرجل والمرأة، فإن المرأة تتميز بصفات جسدية عن الرجل (فإن قامتها في الغالب دون قامة الرجل، وخاصرتها أنحف من خاصرته وأرشق منها، ورأسها بالنسبة لبدنها أقل حجمًا من رأسه بالنسبة لبدنه، وسعة صدرها دون سعة صدره، وبدنها أشد بريقاً من بدنه وأنعم وأنور، وفيها من اللطف والرخاوة ما ليس فيه، وكتفاها وثدياها وجميع أعضائها على العموم تلين وتنعطف وفيها استدارة جميلة، وبالجملة فالمرأة ألطف شكلاً من الرجل) (31).

وتتميز المرأة بصفات رقيقة ترغب فيها الرجال تنسجم مع طبيعتها كأنثى كالرقة والنعومة ورخامة الصوت والحياء والدلال، هذا مع ضعف يوجب الرفقة بها والحنان والعطف عليها. وربما لهذا السبب كان من أخر ما أوصي به الرسول (ﷺ) في حجة الوداع استوصوا بالنساء خيرًا (32).

ورغم هذا فالمرأة تبلغ مرحلة النضج قبل الرجل، وتستكمل درجة النمو في زمن أقل مما ينمو فيه الرجل. ولما كان النساء مقصورات على الشفقة والرحمة والحنان والرفق واللين كن غالبًا مستعدات لأن تفرج عن العوائد الخشنة والأخلاق الغليظة والصفات المذمومة المجتمعة في أمزجة الرجال، كالغضب والحقد والبغضاء والشقاق، لكن أعظم ما فيهن الغيرة التي لا تكاد تخلو منها واحدة (33).

وتتصف المرأة إلى جانب الصفات الجسدية بصفات معنوية أخري، مثل قوة الصفات العقلية، وحدة الإحساس والإدراك على وجه قوي قويم، وذلك ناشئ عن نسيج بنيتها الضعيفة، فتري قوة إحساس المرأة وزيادة إدراكها تظهر في الأشياء التي يظن أنها غريبة عنها، مثل إدراكها ما يوافق ذوقها وما يليق بها ويناسب طبعها. مما لا يفهمه الرجل بسهولة، فيجب عليه موافقتها في هذا الجانب؛ لأن المرأة أبرع في فهم فن المؤانسة والسرور وما يتصل بموضوع الحب والوداد، وكذلك دقة الفهم والبداهة (34).

ويسترسل في وصف مناقب النساء كالحياء والرقة والدلال، وقدرتها على إخفاء مشاعرها، بعكس الرجل مستشهداً على كلامه بأبيات من الشعر في خصائص المرأة. وينجح في تحويل ما يظن بعض الرجال أنه نقاط ضعف لدي المرأة، لنقاط قوة وخصائص تميز المرأة، وهذا ما أكد عليه عمارة في قوله:

(ويسلم الطهطاوي بأن الأنوثة ربما نشأ عنها ضعف في بنية المرأة … ولكنه يقدم لهذا الأمر نتائج هي على العكس تمامًا من تلك التي قدمها ويقدمها أعداء المساواة بين الرجال والنساء … فهم يرون في هذا الضعف في البنية سببا يفضي إلى ضعف في القدرات العقلية والإمكانات اللازمة لتولي بعض الأعمال. أما الرجل فإنه يرى العكس، حيث أن هذا الضعف في البنية يعوضه، بل ينشأ عنه لدي المرأة قوة في هذه القدرات والإمكانيات) (35).

وتستطيع المرأة منافسة الرجل في العلوم والفنون وكافة مجالات الحياة، ويحاول تفسير سبب حرمانها من هذا الحق – التعليم – في عصره وما سبقه، بدافع الخوف عليها من مخالطة الرجال وتعرضها للقيل والقال، مما دفعها للتعود على الخمول والكسل والجلوس في البيت.

ورغم ذلك فالمرأة لها قدرة على أسر قلب الرجل واستعباده، بالحب والرقة والأخلاق الفاضلة، أما المرأة التي تتصف بسرعة الغضب وسوء الخلق، فإنها تسقط من عينيه بذلك، وينقص حبه لها ووده، ولا يكون لها تأثير على قلبه، وينفر منها كما تنفر الرعية من الحاكم الظالم. فالحلم من النساء وحسن معاشرتهن مع الرجل أول مزية، أما المرأة السيئة فهي تهرم الرجل قبل هرمه، وتذهب بكرمه (فلا يتم أمر الرجل إلا بحرة شفيقة عفيفة رفيقة، حسنة الأخلاق، عذبة المذاق) (36).

جملة القول إنه يجب تربية المرأة على تحمل الرجل وحسن معاشرته، والاستعداد للصفح عن زلاته فتسلك معه مسلك الحلم واللين والرفق وحسن الخلق، وذلك لأن هذا يعود عليها بالمنفعة، أكثر مما يعود عليه. وذلك لأن سوء خلق المرأة وعنادها يجلب لها التعب، وينتج عنه إساءة معاشرة الرجل (37).

ويحتاج الإنسان إلى تنمية ملكاته المعنوية والعقلية، كحاجته لتنمية ملكاته المادية والحسية مما يتطلبه جسم الإنسان وبدنه، ومن هنا فحاجة الإنسان للتربية والتعليم أمر ضروري حيث أن الإنسان مجبول على التأنس والعيشة مع أمثاله، لذا وجب عليه تحسين خلقه، وترويض طبعه، وذلك باكتساب العادات الحسنة واجتناب العادات السيئة حتى يصير ذلك له طبعاً وعادة عن طريق ترويض نفسه وتدريبها على ذلك (38).

ويرى الطهطاوي أن تعليم المرأة مما يزيدها أدبًا وعقلًا، ويجعلها أهلًا للمعارف، تصلح لمشاركة الرجل في الكلام والرأي فتعظم مكانتها عنده. كما يمكنها التعليم من مزاولة العمل كالرجل سواء بسواء، بحسب قدرتها وطاقتها، وهذا أفضل لها من البطالة فتنشغل بالأباطيل والثرثرة حول سيرة الناس. وهذا ما ينقلنا للحديث عن النقطة التالية وهي عمل المرأة وموقف الطهطاوي منها.

حق المرأة في العمل

ويتعرض الطهطاوي في ذلك الوقت المبكر من تاريخ نهضتنا العربية، لقضية شائكة لم تكن مقبولة حينذاك بحال من الأحوال في المجتمع المصري، ولا في غيره من المجتمعات العربية والإسلامية، وهي قضية عمل المرأة، فيؤكد علي حق المرأة في التعليم والعمل، ولا يجد ما يحول بينها وبين ذلك شرعاً، ويحاول أن يؤصل تاريخيًّا وشرعيًّا هذا الحق بالأدلة الشرعية.

وقد أشار إلى ذلك الموقف أحد الباحثين بقوله: (وقضية العمل بالنسبة للمرأة، وقف الطهطاوي منها موقفًا متقدمًا، بل وثوريًا بالنسبة لعصره، فالرجل لم يحدد لتعليم المرأة آفاقًا تحدد دائرة حياتها بالمنزل والأولاد والزوج فقط … بل ربط العلم عندها بالعمل الذي يمكن أن تتعاطاه) (39).

فصرف الهمة نحو تعليم البنات أمر واجب وحسن في حقها، لما يعود عليها وعلى المجتمع بالنفع، فالتعليم سيزيدها أدبًا وعقلًا، ويجعلها أهلاً للمعرفة، ويجعلها أهلًا لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فتعظم مكانتها عنده، كما سيمكنها من حسن معاشرة زوجها، لأنها بطبيعة الحال أفضل من معاشرة المرأة الجاهلة، فالعلم سيهذب عقل المرأة ويزيل ما به من سخافة وطيش.

وعلاوة على ذلك فإن التعليم سيمكن المرأة (عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال، على قدر قوتها وطاقتها، فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل، فالعمل يصون المرأة عما لا يليق، ويقربها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء. فإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها) (40).

واضح في حديث الطهطاوي السابق، أنه لا يقرر فقط وجهة نظره حول حق المرأة في العمل، ولكنه في الوقت نفسه يرد على من ينكر عليها ذلك، ويبين ما يترتب على جهل المرأة من مفاسد عظيمة في حقها كإنسان، وفي حق من حولها كالخوض في سيرة الجيران، وفي حق المجتمع الذي تنتسب إليه أيضاً.

والجدير بالذكر أن الطهطاوي يذكر بإجمال وجهة نظر الخصوم الذين ينكرون على المرأة حقها في التعليم، بحجة أن التعليم قد يكون وسيلة لفساد المرأة، لأن من طبعها الدهاء والمكر، كما أنها بطبعها ناقصة العقل والأهلية، وأنهن خلقن فقط للمتاع وملاذ الرجال وحفظ النسل.

لكن يبدو أن الناس لكثرة ما ألفوا حرمان المرأة من هذه الحقوق، كالتعليم والعمل، ظنوا أن ذلك هو الصواب، وأنه لمن الفساد أن تحصل على هذه الحقوق فأخذوا يتشبثون بأفكار واهية، ويرددون حجج ضعيفة لا تصمد للنقد ولا للمناقشة، وذلك في مجمل تقريره لحقها الواجب في هذا الشأن.

ويرد الطهطاوي علي هؤلاء بالأدلة الشرعية، التي تؤكد حق المرأة في التعليم والعمل مستشهدًا ببعض زوجات الرسول (ﷺ) اللائي كن يكتبن ويقرأن، كحفصة بنت عمر وعائشة بنت أبي بكر، وغيرهما من النساء في كل زمان ومكان ممن كن يمتهن المهن كالتطريز والتمريض والمشاركة في الحروب.

فيذكر بنات شعيب -عليه السلام- وكيف وافق وهو النبي المرسل لابنتيه بسقي الماشية، دون أن يقدح ذلك في حقه بشيء، حيث لا يعد ذلك مفسدة. ولم يكن التعليم والأدب والمعارف، وسيلة لابتذال النساء، وفي المقابل ضل كثير من الرجال نتيجة توغلهم في العلوم والمعارف كالخوارج والمعتزلة (41).

ويعد ذلك الموقف المعادي لحقوق المرأة من العادات الاجتماعية السيئة المنتشرة في المجتمعات الجاهلة، هذا بخلاف المجتمعات المتمدنة التي من أبرز سماتها احترام النساء، وذلك لأنه (كلما كثر احترام النساء عند قوم كثر أدبهم وظرافتهم، فعدم توفية النساء حقوقهن، فيما ينبغي لهن الحرية فيه، دليل علي الطبيعة المتبربرة) (42).

ويلمح الطهطاوي إلي جانب نفسي مهم في حرمان المرأة من حقها في التعليم وهو الغيرة من جانب الرجل في أن تظهر مواهب المرأة وخصائصها. وقد جاهد كثيرًا في رد أفكار أنصار الفكر المغلق نحو حق المرأة في التعليم والعمل، متأثرين بالعادات والتقاليد التي سيطرت وترسخت في المجتمع المصري في العصرين المملوكي والعثماني، ونسبت زورًا وبهتانًا إلى الإسلام، فوضح أن تلك الأفكار نتيجة لعادات جاهلية غير إسلامية، وهذا ما يؤكد عليه في قوله:

(وليس مرجع التشدد في حرمان البنات من الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت في ميدان الرجال، تبعا للعوائد المحلية المشوبة بحمية جاهلية، ولو جرب خلاف هذه العادة لصحت التجربة، فإننا لو فرضنا أن إنسانًا أخذ بنتًا صغيرة السن مميزة وعلمها القراءة والكتابة والحساب، وبعض ما يليق بالبنات أن يتعلمنه من الصنائع، كالخياطة والتطريز، إلي أن تبلغ خمسة عشرة سنة، ثم زوجها لإنسان حسن الخلق كامل التربية مثلها، فلا يصح أنها لا تحسن العشرة معه، أو لا تكون له أمينة، ومثل ذلك سائر البنات، فإن تعليمهن في الأمر عبارة عن تنوير عقولهن بمصباح المعارف المرشد لهن، فلا شك أن حصول النساء علي ملكة القراءة والكتابة، وعلي التخلق بالأخلاق الحميدة، والاطلاع علي المعارف المفيدة، وهو أجمل صفات الكمال) (43).

ويتعرض الطهطاوي لقضية تولي المرأة لمنصب رياسة الدولة أو ما يسميه السياسة العليا. وهذا ما سنناقشه فيما يلي:

 

المرأة والسياسة العليا

ويناقش الطهطاوي قضية مهمة جدًا وهي حق المرأة في الاشتغال بالسياسة العليا، أو ما يعرف برياسة الدولة، أو الملك، فيقرر ابتداء أن هذا الحق كما قضت الشريعة المحمدية، وقوانين أغلب الأمم مقصور على الرجال دون النساء. والنساء بطبعهن لا يتحملن أعباء الحكم لما فطرن عليه من ضعف (44).

لكنه يعود ويذكر رأي بعض السياسيين الذين لا يوافقون على هذا الرأي، ويرون أن الضعف في النساء ليس مطلقًا ولكنه أغلبي فيهم، ويؤكدون على أحقية المرأة في تولي منصب الحكم ويضرب مثل بمجموعة من النساء أصبحن حاكمات وملكات عبر التاريخ ضربن المثل في الحزم والتدبير كأفضل الرجال (فكلهن أحرزن حسن التدبير والإدارة، وأقمن البراهين علي لياقة النساء لمنصب السلطنة) (45).

ويستطرد في سرد أخبارهن وكأنه لا يمانع في قبول حكم أمثال هؤلاء النسوة اللائي ضربن المثل في الحزم والحسم في تدبير شئون الحكم والممالك التي تقلدوها بعزيمة لا تفتر وإرادة لا تلين، فيتحدث عن بلقيس ملكة سبأ، والزباء بنت عمر ملكة اشتهرت بالقوة والحزم عند العرب قبل الإسلام، وكليوباترا ملكة مصر، وشجرة الدر التي حكمت مصر وغيرهن من النساء عبر الأمم (46).

ويبدو أن رفاعة الطهطاوي كانت لديه قناعة شخصية بقدرة المرأة على تولي الحكم، رغم معارضته لذلك امتثالا لأمر الشرع الذي نهي من ذلك كما "اقتضت الشريعة المحمدية"، وهذا ما يستشف في سرده المطول لأخبارهن، بصورة تظهر إعجابه، وحرصه على معرفة الأجيال التي ستتربى على عمله هذا، وخصوصًا من الفتيات اللائي يتعلمن في المدارس، باتخاذ أمثال هؤلاء النساء مثلاً وقدوة.

وإذا كانت هذه القضية الشائكة حتى وقتنا الراهن محل خلاف بين العلماء والفقهاء المعارضين لها لتولي منصب الرئاسة، والذين خلصوا إلى أن نهي الرسول عن ذلك في قوله {ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة} (47)، مرتبط بحدث معين وحادثة خاصة، وبالتالي لا ينسحب على جميع الحالات، ومن ثم لم يجدوا حرجًا في القول بجواز إسناد منصب الحكم للمرأة.

ويلاحظ أنه بعد أن ينتهي من الحديث بإعجاب عن هذه النماذج من النساء اللائي تقلدن السلطة وسلكن مسالك الشجعان، إلا أنهن سيئات العواقب، وقل إن خلت إحداهن في بعض الأفعال من نقصان. فإذا كان حالهن كذلك، فكيف يجوز وراثتهن للخلافة والسلطنة، ومن تقلد منهن السلطنة وأفلح فيها فلم يكمل لها الفلاح، وإذا كمل فهو من النادر الذي لا حكم له، فحديث: {لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة} صادق بالمضمون، مؤيد بالتجارب، وتولية شجرة الدر، التي لم تسبق في الإسلام سلطنة لغيرها، كانت من قبيل الضرورة التي تبيح المحظور (48).

لكنه بعد ذلك مباشرة يعقب بقول لأحد الحكماء من أنصار التقبيح والتحسين العقليين ممن لا يتبعون النص الشرعي – وعلى ما يبدو أنه أحد أصدقاءه من الأجانب، لأنه يصف الفرنسيين بأنهم من أنصار التقبيح والتحسين العقليين، بأن النساء من قديم الأزل في مصر رئيسات منازلهن، يسسن أمور المنزل دون مشاركة الرجل من تدبير شئون البيت إلى تربية الأبناء، رغم أن العقل والطبع لا يوافقان على ذلك لما فيها من ضعف، فيكتسب الأولاد منهن قلة الشهامة وعدم التعود على الشجاعة.

لكن العقل والطبع لا يمنعان المرأة من تولي الحكم والرئاسة، لأن ما فيهن من ضعف، هو الذي يكسبهن الرفق والرحمة والحلم وكل ما يليق برتبة الحكم والرئاسة من خصائص تقوم علي الرأفة والشفقة بالرعية، وهي أمور لصيقة بطبع المرأة، بعكس الرجل الذي يتصف بالشدة والعنف والجبروت وغيرها من الأخلاق الجافية التي هي لصيقة بالرجل، وهى صفات لا تليق بالملوك في تأليف قلوب الرعية، ومن ثم فلا موجب لحرمان النساء إذن من توليها نظام الحكم والرئاسة، خصوصاً وقد أثبت كثير منهن حكمة ونجاحاً في حكمها وتميزن بمآثر وأحسنت في حكمها.

ثم يعقب الطهطاوي علي هذا الرأي بقوله قد فهمت رده، ويظل يطرح الحجة الشرعية ويثبت عكسها بحكم الواقع، فمثلًا يتحدث عن سعة أبواب الشريعة والسياسة التي تخص الملوك وكيف أنها لا تطيقها عقول النساء، لتعذر مخالطتهن بصفة مستمرة للموظفين المتصلين بشئون الحكم من المدنيين والعسكريين.

غير أنه يؤكد مرة أخرى، على أن النساء لا يعدمن القدرة على ممارسة هذه المهام السلطانية، فإن السيدة عائشة – على سبيل المثال – استجمعت من الأمور الشرعية والسياسية كفاءة الخلافة. ويروي ما يؤكد مثل هذا الكلام عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (49).

وكأن الطهطاوي في صراع نفسي حول أحقية المرأة في الحكم والخلافة، فيري أن مؤهلاتها من حيث هي إنسان لا تمنع، لكن المحاذير الشرعية تحول دون ذلك، فيبسط وجهتي النظر بحياد وتجرد، دون تعصب ولا تسفيه لوجهة نظر. ويبدو أنه كان يتناقش حول هذا الأمر مع أحد من أصدقائه الغربيين، الذي لا يرى مانع من تقلد المرأة لهذا المنصب – رئاسة الدولة – ويستمع لوجهة نظره، ثم يقرر رأي الشرع في المنع وعلة ذلك.

لكنه في ختام هذا الفصل ينتهي لرأي حاسم في هذا الموضوع، يفهم منه أنه مع الرأي الشرعي بالمنع، حينما يقرر بوضوح أن من أجاز لها هذا الأمر هم أنصار التقبيح والتحسين العقليين ممن لا يلتزمون بالشريعة، ويقصد بهم الغرب، حيث كانت توجد مجموعة دول غربية تتبع النظام الملكي وتتولي الملكية فيها نساء.

ورأي الطهطاوي في هذا الموضوع الذي ختم به هذه المناقشة، مما يعد بمثابة نتيجة تلخص مجمل رأيه بشكل قاطع هو قوله:

(وأما السلطنة الرسمية على الرعية –يقصد للنساء– فهي لا تكون إلا في البلاد التي قوانينها محض سياسة وضعية بشرية، لأن قوانين مثل هذه الممالك، تنتج اختلاط الرجال بالنساء، بناء على قانون الحرية المؤسس عليه تمدن تلك البلاد، وإلا فتمدن الممالك الإسلامية مؤسس على التحليل والتحريم الشرعيين، بدون مدخل للعقل تحسينًا وتقبيحًا في ذلك، حيث لا حسن ولا قبيح إلا بالشرع).

ولا يسوغ لمتولي الأحكام أن يحكم في التحريم والتحليل بما يلائم مزاجه، مما يخالف الأوضاع الشرعية المنقولة عن الأئمة المجتهدين، ولا عبرة بالاستكراه النفساني، والاستحسان الطبيعي، والأخذ بالرأي من غير دليل شرعي، بل يعتمد متولي الأحكام على فتاوى العلماء وأقوال المجتهدين في الدين، فإن الإمامة إنما تخلف النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (50).

وهذا يعد خلاصة رأيه في القضية وهو رأي حاسم في هذا الباب، في أنه كان يقف مع الشرع في منع المرأة من ولاية الحكم، ولا يمكن أن نحمل الطهطاوي في هذا الوقت المبكر من تاريخ فكرنا الحديث والمعاصر بأكثر مما يحتمل.

وحقيقة الأمر أن موقف رجال الفكر والدعوة المعاصرين مازال متوافقًا مع رؤية الطهطاوي، من حيث منع المرأة من منصب الحكم، فسعيد رمضان البوطي يؤكد على (إننا إذا استثنينا رئاسة الدولة التي كان يعبر عنها بالخلافة عن رسول الله (ﷺ)، فإن سائر الرتب والأنشطة السياسية الأخرى، تعد في الشريعة الإسلامية، مجالات متسعة لكل من الرجل والمرأة) (51).

ويستدل بحديث الرسول (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) على المنع وهو ما استدل به جمهور علماء الشريعة على حرمة إسناد مهام الخلافة أو رياسة الدولة إلي المرأة أيا كانت، ولا يجوز أن تعقد لها البيعة شرعًا.

والحكمة من وراء ذلك، أن قسما كبيرا من مهام الخليفة أو من يحل محله مهام دينية محضة، وليست مجرد سياسة، ومنها جمع الناس لصلاة الجمعة وخطبتها، والمرأة غير مكلفة بذلك ولا حتى بالحضور كما لا يجوز أن توكل من يقوم بذلك طبقًا للقاعدة الشرعية: لا تصح الوكالة إلا ممن يستوي مع الوكيل في المطالبة بذلك الحكم وشرائط صحته وانعقاده. ومن مهام الخليفة إعلان الحرب وقيادة الجيش في القتال، والمرأة غير مكلفة بذلك إلا في حالة النفير العام عند مداهمة العدو دار الإسلام، وغير ذلك من القضايا التي نقتضي عدم الزج بالمرأة في هذه المواقف المحرجة، التي لا ضرورة لها (52).

وممن تعرض لقضية الحرية برؤية جديدة في تاريخنا الفكري المعاصر، عبد المتعال الصعيدي، الذي تناول بوضوح وصراحة حرية الفكر والعقيدة، بصورة غير معهودة من قبل في ثقافتنا الدينية الحديثة والمعاصرة، خصوصًا وأن رأيه كان اجتهادا فكريًا متكأ على التراث، حتى وهو ينفرد برؤى جديدة أثارت عليه أنصار الرؤى التقليدية. وقد جاء رأيه بعيدًا عن التأثيرات الأيديولوجية، أو بدافع هوي شخصي يهدف إلي حب الشهرة أو الخروج على المألوف، أو يهدف للمعارضة من أجل العارضة. وهذا ما سنناقشه في الصفحات التالية.

 

قضية الحرية عند الصعيدي

هل الحرية في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر تجاوزت نطاق التأصيل النظري، والدفاع عن النفس في تبديد التهم التي توجه إلي الإسلام بأنه يقيد الحرية؟ وهلا فعلاً الواقع العملي في حياتنا لا يبدد هذه التهمة؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحها الباحثون المعاصرون في الفكر الإسلامي، وهذا ما أكد عليه أحدهم في قوله:

(أعتقد أننا مازلنا ندور في حلقة التأصيل مأخوذين بالحالة الدفاعية التي تحاول أن تنفي عن الإسلام تهمة تقييد الحرية الفكرية. فيما الواقع العملي لا يبدد هذه التهمة. والسبب في ذلك عدم وضوح الحدود التي ترسم سقف الممارسة العملية، ويعود الأمر إلى تخلف الفقه السياسي بالقياس إلى فروع الفقه الأخرى) (53).

في واقع الأمر فإن الدفاع عن الإسلام، بالتركيز على عيوب الليبرالية غير مجدي شيئًا للإسلام، وذلك لأن المعركة تكون قد جرت على أرض الإسلام، وبما أن نموذج الليبرالية قائم بالفعل وله أنصاره ومؤيدوه، فمن الأولى التركيز على أن الإسلام له رؤيته الخاصة، فيما يتصل بقضية الحرية ويضع حدودًا على ممارستها والتعبير عنها، ويرفض الحرية المطلقة، فلا يسمح بأدب خليع، ولا بفكر يعادي الغيب والتوحيد والإيمان، أو يشكك في أساسيات الدين، بدعوى العقل والعلم.

وهذا الواقع يعبر عن نفسه كلما صودر كتاب أو رواية تتضمن تشهيرًا بالثوابت والقيم الدينية من قبل العلمانيين والأيديولوجيين الذين يتدثرون بشعار حرية الفكر للتهجم علي الإسلام بحجة معاداته لحرية الفكر والرأي، وهو ما تكرر كثيرًا وفى كل مرة تشتعل الهجمة علي الإسلام وقيمه وضيقه بالرأي الآخر، وهي هجمات مصطنعة تهدف من وراء هذا الهجوم المتكرر، إلى وضع الإسلاميين في موقف حرج، ويحشرهم في زاوية المدافع بصفة دائمة.

ومن ثم فالأجدى فتح الأبواب لكل صاحب رأي، يعبر عن نفسه بحرية، فالرأي الفاسد سوف يزوي ويضمحل، فما أكثر ما اندثر من أفكار ومذاهب وفرق ضالة ذهبت أدراج الرياح. إن التضييق على الفكر ومقارعته بغير الفكر والبرهان، دليل علي توجس وخوف، والإسلام أقوي من كل هذا، وأكبر من أن تنال منه فكرة باطلة أو رأي فاسد، لكن المشكلة في الذين ينصبون أنفسهم حماة الإسلام فيضعوا القيود والحدود، ويلجموا الناس عن التعبير عن أنفسهم بحرية وصراحة (54).

هذه المقدمة تمثل تعبيرًا حقيقيًّا عن واقع الحال المأزوم في واقعنا المعاصر في العالم العربي والإسلامي، الذي لا تهدأ فيه غبار المعارك الوهمية حول حرية الفكر والتعبير، ومن ثم كانت رؤية عبد المتعال الصعيدي حول قضية حرية الفكر والمعتقد في الإسلام، أكبر رد عملي حول هذه القضية الشائكة.

لقد جاهد الصعيدي من اجل تحرير الفكر الإسلامي مما لحق به عبر العصور من أفكار ورؤى شابت مسيرته، وحادت به عن جادة الصواب، وحالت دون بلوغ الهدف المنشود، من اجل هذا سعي ما وسعه الجهد لإثبات أن حرية الفكر والعقيدة حق ثابت ومقرر في ينابيع الإسلام الأولى، قبل أن يكدرها جمود الفكر فيه، ويبتعد به عن صفائه، ليفهم دينه كما أنزل على رسوله، وكما يجب أن يفهم في عصرنا عصر التحرر الفكري.

وكان دافعه من وراء هذا الاجتهاد الديني الأصيل، باعتباره أحد أبناء المؤسسة الدينية الشرعية، تلقي أصول الفكر الشرعي، واستقي قواعده ومناهجه وفق الأصول المقررة، فلم يكن دخيلا على هذا الفكر، ولا مدعيا صاحب رؤية إيديولوجية تسعي لتبرير رؤية معينة لخدمة أهداف محددة. فقد ألزم نفسه السير في طريق العلماء الأحرار؛ لأنه حسب تعبيره (آثر التجديد على الجمود، ورجح الاجتهاد على التقليد) (55).

وقد أولى الصعيدي قضية التجديد عناية خاصة، فتتبعها عبر التاريخ الإسلامي في كتاب خاص تحت عنوان (المجددون في الإسلام)، وفيه يرى أن التجديد امتد لمضامين أوسع من حصره في مجال الخطاب الديني فشمل مجالات السياسة، فعد من قبيل المجددين بعض الحكام كعمر بن عبد العزيز وقادة الجيوش كصلاح الدين الأيوبي (56)، وبناء عليه لم يقتصر التجديد على رجال الفكر والدعوة الذي حاول بعضهم زج اسمه في زمرة هؤلاء كما فعل السيوطي وغبر ذلك شعراً بقوله:

الحمد لله العظيم المنة

المانح الفضل لأهل السنة

ثم الصلاة والسلام نلتمس

علي نبي دينه لا يندرس

لقد أتي في خبر مشتهر

رواه كل حافظ معتبر

بأن في رأس كل مائة

يبعث ربنا لهذي الأمة

منا عليها عالما يجدد

دين الهدى لأنه مجدد

وبعد أن يذكر أسماء المجددين عبر القرون منذ القرن الأول، يتمني أن يكون هو المجدد الموعود، فيقول:

وهذه تاسعة المئين قد

أتت ولا يخلف ما الهادي وعد

وقد رجوت أنني المجدد

فيها ففضل الله ليس يجحد(57)

والصعيدي كما يتضح من أعماله تلميذ أصيل في مدرسة محمد عبده، سار على نهجه في تجديد الفكر الإسلامي الحديث، وفى مواجهة تحديات الواقع العملي، غير عابئ بالصعوبات ولا التهم التي توجه إليه من قبل خصومه الذين أنكروا عليه حقه في الاجتهاد، وكان من نتيجة تلك المواجهة مصادرة كتبه ومنعها من التداول، ظنًّا أن في ذلك تعتيم على فكره وجهوده.

وهذا ما قرره أحد أساتذة الأزهر الكبار الذي كتب تقرير إجازة نشر كتاب الصعيدي (الحرية الدينية في الإسلام) يقول محمد رجب البيومي:

(فرق كبير بين كتاب يؤلفه غير متخصص، وغير خبير بمسائل الفقه والأصول والعقيدة، وكتاب يؤلفه عالم كبير قضي عمره الطويل في رحاب الأزهر طالبًا نابهًا، كان الأول علي فرقته في امتحان العالمية ومدرسًا بالمعاهد والكليات، وكاتبًا في المجلات الإسلامية وأرقاها مجلة الأزهر الشريف.! فهذا الأستاذ إذا جاء برأي جديد، ذكر أدلته ومنازعه الأصولية، فلنا حينئذ أن نستمع إليه، وأن نعارض ما يتجه إليه إذا اتضحت أسباب المعارضة! دون مصادرة ما) (58).

ومدرسة محمد عبده الذي كان الصعيدي أحد رجالها المميزين سعت إلى التوفيق بين أصول الإسلام وبين الواقع، وبالتالي أفسحت الباب أمام العقل لكي يتعامل بحرية مع النص الديني، وتجاوزت أفق الفكر الضيق المحدود الذي سيطر على الفكر الإسلامي منذ القرن العاشر الهجري حيث سيطرت الشروح والمتون والحواشي، وخف صوت الإبداع والإضافة الحقيقية والتجديد الصحيح وسادت مقولة: إغلاق باب الاجتهاد.

وهي مدرسة مستقلة بالفكر والنظر، ثم بالعمل في مجال الإصلاح، وهذا ما يميزها بمذهب بين مدارس الفلسفة الإسلامية، فلا يتيسر ضمها إلى طائفة منها تسمي باسمها، وبذلك تنفصل هذه المدرسة عن سائر المدارس في تراثنا (59).

جملة القول إنها مدرسة إنسانية بكل ما تعنيه الكلمة من معني، وذلك حيث حرص رواد هذه المدرسة على احترام حقوق الإنسان باعتباره خليفة في الأرض، فأعلوا من شأن العقل وجعلوا أحكامه مقدمة على النص الديني في حالة التعارض، وسعوا إلى تقديم رؤية إنسانية حضارية للإسلام لا تتناقض مع العقلانية والحرية حتى اتهم بأنه (قد تحيف من حق النصوص وبالغ في تقدير قيمة العقل) (60).

ويتناول الصعيدي قضيتي حرية الفكر والحرية الدينية في الإسلام، وكل منهما عنوان كتاب من كتبه. وسوف نعرض لهاتين القضيتين كل على حدة، ونبدأ الحديث عن حرية الفكر في الإسلام.

 

  1. حرية الفكر:

يبدأ الصعيدي حديثه بالتفريق بين حرية الفكر والحرية الدينية، وذلك أن حرية الفكر أوسع من الحرية الدينية لان حرية الفكر تشمل ثلاثة أنواع من الحريات على النحو التالي:

- الحرية العلمية.

- الحرية السياسية.

- الحرية الدينية.

وكل نوع من هذه الحريات له مجاله الخاص الذي يشاركه فيها نوع آخر، ويعرف كل نوع منها على النحو التالي:

الحرية العلمية: عبارة عن إطلاق سلطان العلم فوق كل سلطان، لأنه يعتمد في سلطانه علي العقل، وقد خلق الله العقل ليميزنا به على جميع مخلوقاته، فإذا أهملنا الاعتماد عليه لم يكن هناك معني لخلقه فينا. وفعل الله سبحانه يتنـزه عن العبث، فكل ما خلقه له حكمته التي لابد من استعماله فيها، تحقيقًا لمعني هذه الحكمة، وتنـزيهًا لفعله تعالى عن العبث.

وبناء عليه، فانه لابد من المواءمة بين العلم والدين، ليعيش كل منهما بجانب الأخر مطلق الحرية موفور السلطان، ويتعاونا علي سعادة الإنسان في دنياه وأخراه بدلا من أن يتعارضا، فيقف كل منهما في سبيل الآخر. فيشقي الإنسان باختلافهما وتضطرب حياته بينهما.

وهي قضية قديمة في التراث الإسلامي ناقشها الفلاسفة والمتكلمون فكتب ابن رشد رسالته المشهورة (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) وكتب ابن تيمية موسوعته الضخمة (درء تعارض العقل والنقل).

الحرية السياسية: هي عبارة عن احترام رأي الفرد في التعبير عن ذاته، بحيث لا تضيع شخصيته في شخصية الحاكم، بل يكون لرأيه سلطان فيما يراه ولو تعلق بشخص الحاكم نفسه، فيكون له الحق في معارضة اختياره ابتداء في إسناد الحكم إليه، وفى نقد أعماله بالوسائل النـزيهة في النقد.

ويجب أن يبرز سلطان الدين أيضًا، فيقف بجانب الفرد في هذا الحق، حتى لا يكون للحاكم عنده سلطان فوق كل سلطان، بل يكون شأنه في ذلك شأن كل فرد، حتى لا يستبد وحده بالسلطان، وحتى لا يسير في الحكم بالظلم والطغيان.

الحرية الدينية: هي عبارة عن حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، فلا سلطان لأحد من الناس عليه فيما يعتقده، فهو حر في أن يعتقد ما يشاء أو لا يعتقد في شيء أصلاً، كما أن له الحرية في إذا اعتقد في شيء أن يرجع عن اعتقاده، وله أن يدعو من يشاء إلى اعتقاد ما يعتقده في حدود ما تبيحه حرية الاعتقاد من الدعوة إلى ما يعتقده بالتي هي أحسن.

فليس لأحد الحق في استعمال القوة معه في دعوته إلى عقيدته، ولا حق استعمال القوة معه في إرجاعه إلى عقيدته إذا ارتد عنها، وإنما هي الدعوة بالتي هي أحسن في كل الحالات. وإذا لم يكن لأحد حق استعمال القوة معه، فليس له أيضًا حق استعمال القوة مع غيره، حتى يتكافأ الناس في هذا الحق، ولا يمتاز فيه واحد بشيء دون الآخر، وإنما هي حرية مطلقة لكل الأشخاص، وحرية مطلقة لكل الأديان، وحرية مطلقة في جميع الحالات على السواء (61).

وقريب من هذا الكلام عن الحرية، يأتي تعريف أحد أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة للحرية، في قوله: (والحرية هي مادة الحياة التي تصنعها أولاً بطلاقة النظر والشعور الباطن رأيًا يطرأ ظنًّا وميلاً، أو يرسخ فيبلغ اليقين والطمأنينة، وتاليًا بحرية التعبير المنفتح والفعل الظاهر قولاً باللسان والقلم، أو عملا بحركة أو سكون) (62).

والحرية الفكرية في مأمن من العقاب الدنيوي، مالم يصل إلى شيء من التعسف والإعنات، وذلك أن الجزاء الدنيوي الطبيعي الذي سنته الشرائع السماوية والقوانين الوضعية شرعت العقاب الدنيوي لردع الجرائم التي تفسد المجتمع كالقتل والسرقة لتطهير المجتمع منها، وتقليل الشرور بفرض عقوبات دنيوية رادعة.

ومن ثم فالحرية الفكرية بكافة أنواعها في مأمن من العقاب الدنيوي، لأنه يجب فتحه على مصراعيه، أمام رواد الخير ليصلوا بأفكارهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، فلا خوف منه على المجتمع، لأنهم إذا أصابوا فبفضل الله، وإذا وقعوا في خطأ كانوا معذورين فيه، فلا يصح عقابهم بشيء.

فلا يجوز لحاكم أن يتعسف بالتضييق على الناس في باب الحرية الفكرية، لان الدين برئ من هذا التعسف، الذي يضعه الحكام في شكل قوانين لحماية استبدادهم وطغيانهم، ويمنعوا الناس من نقد الظلم والاستبداد.

لأن الدين رحمة من الله بعباده ولا يتصور فيه مشقة ولا صعوبة، ولا يمكن أن يكون مصدر خوف على حرية الفكر، لان حرية الفكر لا تمثل تهديدًا ولا يوجد فيها شيء يؤخذ عليها، كما أنها لا تحمى استبدادًا ولا تنصر ظالـمًا أو طاغية. فالحاكم حسب الدين مجرد فرد من الناس، يصيب ويخطئ ولكل فرد من الناس حق إرشاده وتقويمه، ولا حرج عليه إذا قام بهذا الحق، ولا عقاب عليه فيه من حاكم أو غيره.

ولا يؤثر الجزاء الأخروي في الحرية الفكرية، لأن حرية الفكر في حقيقة الأمر مرتبطة بالجزاء الدنيوي، حيث أن الجزاء الأخروي ليس إلا مجرد ترغيب في الثوابت، وتحذير من العقاب، فلا إلزام فيه، ولا إكراه بعقاب دنيوي. وعلاوة على هذا، فإن الإسلام لا يغلق باب الاجتهاد على الناس، والمجتهد لا إثم عليه، حتى وإن أخطأ طريق الصواب، فللمجتهد أجران إذا أصاب، واجر واحد إذا أخطأ، فلا يعاقب على خطأه بل يعذر فيه.

لكن المشكلة أن المجتهد إذا وصل خطؤه لحد الكفر بإنكار أصل من الأصول الدينية المعلومة بالضرورة كالإيمان بالله من العقائد، أو وجوب الصلاة من الفروع العملية لا يعذر عند الجمهور.

وتبدو سعة أفق الصعيدي وانفتاحه على جميع المذاهب والمدارس الإسلامية، دون موقف مسبق، حينما يستشهد برأي الجاحظ والعنبري من المعتزلة، بأنه لا إثم على المجتهد مطلقًا، وإنما الإثم على المعاند الذي يعرف الحق ولا يؤمن به استكبارًا، فالمجتهد المخطئ غير آثم عند هذا الفريق من المعتزلة حتى لو أداه اجتهاده إلى الكفر الصريح.

وذلك لأن تكليفه بنقيض اجتهاده يعد تكليفًا بما لا يطاق، وهو ممتنع عقلاً وشرعًا، وهو أقرب إلى روح الشرع من موقف الجمهور الذي يرى إمكانية التكليف بما لا يطاق عقلاً وشرعًا، فموقف هذا الفريق من المعتزلة منسجم مع قوله تعالى في سورة البقرة آية 286: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (63)، فالتكليف بما لا يطاق ممتنع عقلًا وشرعًا بنص الآية.

ومذهب هذا الفريق من المعتزلة ظاهر في نفى الإثم مطلقًا عن المجتهد المخطئ بمقتضى دليلهم السابق، ولكن بعض المتكلفين حاول ربط هذا الرأي وتقييده، بالمسائل الخلافية بين الفرق الإسلامية، مثل نفى رؤية الباري تعالى، ومثل القول بخلق القرآن، فلا يدخل فيه ما هو من الكفر الصريح، ولكن هذا خلاف مذهب هذا الفريق كما هو ظاهر (64).

وقد استدل الجمهور لمذهبهم بإجماع المسلمين قبل ظهور هذا الفريق من المعتزلة، على وجوب قتل الكفار مطلقا، وعلى أنهم من أهل النار مطلقًا، وهذا دون تفرقة بين المعاند وغير المعاند، ولو كانوا غير آثمين لما جاز قتالهم، ولما كانوا من أهل النار. ودليل الجمهور مبنى على شقين:

الشق الأول: مبنى على مذهبهم في وجوب قتال الكفار على كفرهم، وهذا المذهب باطل لقوله تعالى في سورة البقرة آية 256: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (65)، وكل آيات القتال في القرآن ظاهر في أن قتالنا للكفار مسبوق بقتالهم لنا، فنحن ندافع عن أنفسنا فنقاتلهم على قتالهم لنا، ولا نقاتلهم على كفرهم.

أما الشق الثاني: من دليل الجمهور فيه مصادرة على المطلوب، لان أصل النزاع بين هذا الجمهور وهذا الفريق من المعتزلة، في كون الكفار غير المعاندين آثمين ومن أهل النار، أو غير آثمين ولا من أهل النار، ودعوى الإجماع في هذا لا قيمة لها، لأنه لا يستند على دليل، والدليل قائم عند هذا الفريق من المعتزلة، على أن الكفار غير المعاندين غير آثمين، وهذا علاوة على إنكار بعضهم للاحتجاج به (66).

وقد نقل شلتوت موقف هذا الفريق من المعتزلة في هذا الصدد في كتابه الإسلام عقيدة وشريعة، ويأخذ على شلتوت تأثره بموقفهم مع إغفال ذكرهم. ويبدو أنه يشير إلى موقف شلتوت عند حديثه عن عقوبة المرتد في قوله: (وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة إذا لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين، والعدوان عليهم، ومحاولة فتنتهم عن دينهم) (67).

وذلك لأن رأيهم مشهور ومعلوم في كتب أصول الفقه يدرسه طلاب الأزهر، وهو رأى مهم لا يلقى العناية الكافية من قبل الجامدين رغم انه يظهر سماحه الإسلام.

ويكتسب رأى هذا الفريق من رجال المعتزلة، انه أصلح الآراء لقضية السلام العالمي، وهي أهم أهداف الشعوب، لأنها تريد أن تتخلص من الحروب التي تهدد وجود البشرية ذاته، ويقضى على ما فيها من خيرات وحضارات.

ويعد مثل هذا الرأي مهمًا في قضية حوار الحضارات والتقريب بين الشعوب على اختلاف أديانها، ويجعل الخلاف في أصول الأديان كالخلاف في فروعها، إذ يعذر فيه من لا يعاند في الفروع، فينجو كل منهم من عذاب الآخرة لعذره في خلافه، وبهذا تتغير نظرة أهل كل دين إلى غيرهم تغيرًا تامًا. وذلك حيث ينظر كل منهم للآخر، كما ينظر أهل كل دين إلى أنفسهم عند اختلافهم في الفروع.

وهذا يدعم نظرية الحوار والتقريب بين الشعوب على اختلاف أديانها، ويذلل أكبر عقبة تعترض السلام بين الشعوب، وتقف حجرة في تناسى أحقادهم، وتبادل الود والمحبة فيما بينهم. وهذا الاجتهاد الديني الأصيل، يعد أساسا إسلاميا لتقارب ديني عام، وسلام عالمي بين الشعوب والأديان (68).

يتناول الصعيدي قضية أساسية من قضايا الفكر الكلامي وهي أن العقل أصل في قضية الإيمان. وهذا ما سنناقشه في الصفحات التالية.

 

العقل أصل في الإيمان

يتعرض الصعيدي لقضية شغلت حيزا كبيرًا عند المتكلمين وهي قضية العقل والإيمان، ويسير على درب رائد التجديد الفكري الإمام محمد عبده، في التأكيد على مكانة العقل في تقرير قضايا الإيمان.

وهذا ما عرف في تراثنا ولدى المعنيين من أسلافنا بأن النظر العقلي هو أول واجب على المكلف؛ لأنه وسيلة الإيمان الصحيح، ولمكانة العقل في الإسلام ذهب بعض أهل السنة إلى (أن الذي يستقصى جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يصل إليه ومات طالبا غير واقف عند الظن فهو ناج) (69)، هذا النظر العقلي واجب شرعًا وعقلاً عند أسلافنا، فالأشاعرة ذهبوا إلى أن وجوبه النقل، وذهب المعتزلة إلى أن وجوبه العقل (70).

وقد عبر القدماء عن هذا النظر العقلي الواجب الالتفات إليه بدليل النفس والآفاق (71).

وهذا ما نجده في حديث الصعيدي حول هذا الموضوع فيقول:

(إن الإسلام يعتمد في دعوته على تفكر العقل، لأن في الكون نظامًا عجيبًا يدل على وجود خالق له، فيكون الإيمان به عن اقتناع بوجود هذا النظام العجيب في الكون، وعن اقتناع بوجوب إسناده إلى خالق عالم مريد قادر على خلقه، وإذا كان هذا هو الأصل في الدعوة الإسلامية، فإنه لابد أن يعطى العقل حرية كاملة في هذا التفكر، ليصل فيه إلى ما يصل في حرية واختيار، ولا يصح أن نقيده بطريق معين من تفكيره وبنتيجة معينه يصل إليها منه، لأنا إذا قيدناه بهذا كان مجبورًا عليه، ولم يكن له حرية واختيار فيه) (72).

من حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الإسلام بصفته خاتم الأديان، يقوم في حجيته على الناس على النظر العقلي والتفكر، وليس على المعجزة الحسية التي أتى بها الأنبياء السابقون، ولكن جعل الإيمان قائمًا على العقل والنظر والتدبر والتفكر، حتى وإن أدى هذا الفكر إلى الكفر والضلال، لأن طريق الإيمان لا يتحقق إلا بهذا المقصد، وهو التفكر الذي لا يتحقق الإيمان بدونه. حتى وإن نتج عن هذا الطريق ضلال للبعض في طريقه للوصول إلى الحقيقة، فلأن الضلال راجع لخلل ما، وليس لطبيعة التفكر أو العقل.

وهذا الطريق هو ما سلكه أبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- في طريق الإيمان كما حدثنا القرآن الكريم كما في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)(73).

هذا الكلام نجده عند الإمام محمد عبده الذي أعلى من شأن العقل وعَوّل عليه في كل ما كتب، وذلك لإيمانه أن الإسلام هو دين العقل، وإنه بهذا يتميز عن غيره من الكتب السماوية السابقة، ففي تعريفه للتوحيد في بداية رسالته المسماة بهذا الاسم يعرف معناه، والأسماء التي عرف بها ومنها علم الكلام، الذي مبناه هو الدليل العقلي الذي به تقرر الأصول الأولى، وبعد ذلك يرجع إلى النقل في قضايا فرعية. فالعقل في هذا العلم – التوحيد – هو الأصل للنقل.

فالقرآن حدثنا عن نبوة النبـي، وتناول مقام الألوهية بما أذن الله لنا وما أوجب علينا أن نعلم، ورغم هذا لم يطالبنا بالتسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، لكنه (ادعى وبرهن، وحكى مذاهب المخالفين وكر عليها بالحجة، وخاطب العقل، واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من الإحكام والإتقان على أنظار العقول، وطالبها بالإمعان فيها، لتصل بذلك إلى اليقين لصحة ما ادعاه ودعا إليه) (74).

والحقيقة أن هذه القضية خلافية، ولا يمكن أن يكون هذا هو الطريق الوحيد لمعرفة الله والإيمان به، وذلك لأن من جعل طريق الإيمان قاصر على العقل فقط ضيق رحمة الله الواسعة، وحكم على السواد الأعظم من جمهور المؤمنين ممن يقوم إيمانهم على التسليم والتقليد من غير نظر عقلي بالخلل وعدم التيقن، كما أنه يلغى طرق أخرى كالتجربة الروحية ودورها وطريق الإيمان القلبي كما حدثنا أبو حامد الغزالي في المنقذ من الضلال عن النور الذي يقذفه الله في القلب.

ويشير الصعيدي إلى أن هناك من يسلك طرقا أخري في الوصول، كالصوفية التي تسلك طريق العبادة والرياضات الروحية، وهي طرق خاصة بهم، ولا يصح أن يعول عليها مثل طريق التفكير الممهد للناس كلهم (75).

وكلام الصعيدي السابق لا يخلو من تناقض فعلى حين يهتم برأي شاذ لاثنين من المعتزلة حول حرية المجتهد في أنه لا إثم عليه مطلقًا فيما أخطأ فيه، بينما يحاول أن يقلل من شأن طريق الصوفية في الوصول للإيمان.

ويتعرض الصعيدي لقضية وثيقة الصلة بالعقل وهي مكانة العلم في الإسلام، وهذا هو موضوع الصفحات التالية.

 

الإسلام والعلم

من الطبيعي أن يدعو الإسلام، الذي تقوم دعوته في الأساس على التفكر والنظر العقلي، إلى العلم، وذلك لأن التفكر نتيجة طبيعية للعلم والمعرفة. والغرض الذي من أجله يدعو الإسلام إلى العلم هو نفس الغرض الذي يدعو للتفكر، كما أن الغاية واحدة من الاثنين، فالعلم يطلب لأنه يوصل إلى الإيمان بالله تعالى، والعلماء هم الذين يصلون به للإيمان وليس الجهلاء.

وبناء عليه فالعلم كالتفكر مطلوب لذاته، سواء أوصل الإنسان إلى الإيمان بالله أم لا، والإيمان عن طريقه يتم بحرية واختيار، وهما شرط في صحة الإيمان. والحرية والاختيار لا يتحققا إلا إذا أخذ العلم طريقًا مطلقًا، وسار فيه الإنسان على هدى العلم ومنهجه فقط، فإذا وصل الإنسان من خلاله إلى الإيمان بالله فبتوفيق الله، وإذا لم يصل فيه إلى شيء فإنه أدى المطلوب منه، ولا يصح إكراهه على شيء لأن الإكراه عكس الحرية والاختيار كشروط أساسية في العلم.

والإسلام لا يقيد العلم بطريق معين ولا نتيجة معينة، لأن طلب العلم هدف في حد ذاته سواء وصل إلى الإيمان أم لا. كما أن الإسلام لم يقيد العلم بأنه ديني أم لا، ولكن جعله مطلقًا دينيًّا أو دنيويًّا، لأن كل منهما يكمل الآخر حسب الرؤية الإسلامية، رغم أن أنصار العلم الدنيوي لا يرون التكامل بين العلم الديني والدنيوي، ولا يعترفون إلا بالدنيوي فقط. (ﷺ)

ورغم هذا فالإسلام لا يقيدهم برؤيته، لأن العلوم الدنيوية لا سلطان للإسلام فيها، وإنما السلطان للعقل فقط، حتى لا يكون هناك وسيلة لرجال الدين للوقوف في سبيلها باسم الإسلام، فيعوقها عن التقدم والنهوض، أو يفرض نفسه على رجالها بغير حق، لأنه لا شأن له بهم، فله مجاله ولهم مجالهم. ويستدل على ذلك بقصة تأبير النخل لما نهى عنه الرسول ثم عاد ووافق عليه بقوله: أنتم أعلم بشئون دنياكم.

عن عائشة: أنً النبي (ﷺ) سَمِعَ أصْوَاتًا فَقَالَ مَا هَذْا الًصوْتُ قَالَوا الًنْخُل يُؤَبُرُونَهَا فَقَالَ: {لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلحَ فٌلْم يُؤَبًرُوا عَامَئِذٍ فصَارَ شيِصًا فَذَكَرُوا للنبي (ﷺ) فَقَالَ إنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَاْنُكُمْ بهِ وَإنْ كَانَ مَنْ اُمُورِ دِيِنِكُمْ فَإلىً} (76).

ويضرب مثل آخر بالحارث بن كلدة الذي تعلم الطب في بلاد فارس، وعاد إلى الطائف واشتغل بالطب، وكان النبي يأمر أصحابه إذا مرضوا بالذهاب إليه، وفيه اعتراف بقيمة العلم (77).

ويستلزم من هذا أن تكون دعوة الإسلام إلى العلم والتفكر والحرية العلمية مطلقة بلا قيود، حتى لا يكون هناك سلطان لغير العقل والعلم، ولا يخشى بأس حاكم أو رجل دين لأنه مجتهد مطلق السراح حتى ينهض بأمته في أي فروع العلم شاء دينيًّا كان أو دنيويًّا، ويكون قادرًا على الإبداع والتجديد.

ومن هنا فلا يصح (أن يخشى الإسلام التفكر وهو يدعو إليه، ولا أن يخشى العلم وهو يدعو إليه أيضًا، إذ ليس فيه شيء يناقض العقل حتى يخشى التفكر، ولا شيء يناقض العلم حتى يخشى العلم، وإنما هو دين العلم والعقل، فليكن للعقل فيه سلطانه المطلق، وليكن للعلم فيه سلطانه المطلق أيضًا، وليعلن خضوعه لسلطانهما من غير خوف منهما، ليتفق الثلاثة على إسعاد المجتمع الإنساني في دنياه و أخراه، ولا يناوئ واحد منهما الآخر في ذلك، لأن هذا مما لا يصح المناوأة فيه، ومتى اتفقت غاية الثلاثة فيه أمكن الجمع بينهما في كل ما يشبه فيه الأمر بينها، أو يكون في ظاهره خلاف يوهم تنافيها، ما أسهل الجمع في ذلك عند خلوص النية، وعند المرونة الدينية والعلمية)(78).

 

سلطان العقل على النقل

وعلى نهج علماء الكلام في تقديم العقل على النقل عند التعارض وخصوصًا المعتزلة ومن تابعهم على ذلك كمحمد عبده(79) الذي يسير الصعيدي على دربه، يؤكد أن الإسلام فتح باب الاجتهاد في الدين، فأعطى للعقل سلطانه على دليل النقل، يستنبط منه ما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ويدخل فيه ما شاء من التأويل، ويخصص منه ما شاء أو يعمم، وكذلك من التقييد والإطلاق، وغيرها من ضروب الاجتهاد، حتى يهيئه للحكم الذي يؤدى إلى ما اتفقا فيه من الغاية، وهو سعادة الناس في دنياهم وأخراهم، حتى لا يكون على الناس حرج في الدين، لأن الدين يسر، وليس بعسر، ولا تسهيل فيه ولا إعنات، وتسهيل وليس بإعنات وإسعاد وليس بشقاء(80).

والحقيقة أن هذه القضية تعد من قبيل القضايا الهامة التي تناولها علم الكلام وأفاضوا فيها سواء عند حديثهم عن العقل وأصل التكليف، أو عند حديثهم عن التأويل، وهي قضايا ركز عليها الإمام محمد عبده في رسالة التوحيد وأولاها عناية خاصة، والصعيدي كتلميذ أصيل ومجتهد في مدرسة محمد عبده الفكرية يسير على نفس النهج من الاهتمام بالعقل وإبراز دوره كملكة إلهية ميز بها الإنسان عن سائر الكائنات وجعله مناط التكليف وأصل الإيمان.

ويتناول موقف الفرق في قضية التأويل وموقفها من الآيات الموهمة للتشبيه، كقوله تعالى: في سورة طه آية: (5) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله عز وجل في سورة الفتح آية (10): ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وقوله جل شأنه في سورة ق آية (16): ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. فالمجسمة اعتقدوا في ذاته تعالي أنها جسم يجلس على العرش مثل جلوسنا، وله يد مثل أيدينا، وقربه منا قرب مكاني كقرب جسم من جسم آخر قريب منه.

وفريق آخر من السلف كالإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل ومن سار على نهجهم، وتورع عن التشبيه كالمجسمة لكنهم توقفوا عند ظواهر النصوص، فأنكروا تأويلها كما فعل الإمام مالك في موقفه المشهور حينما سئل عن الاستواء على العرش فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول لا يعلمه إلا الله تعالي، وهو على نحو لا يؤدي إلى التجسيم، ويقول هذا الفريق من قدماء أهل السنة والجماعة عن الآية الثانية عن اليد: له يد لا كالأيدي. وفى الثالثة كما قال في آية الاستواء.

أما المعتزلة فكانوا واضحين في منهجهم المخالف لغيرهم من الفرق كالمجسمة وأهل السنة، فذهبوا إلى تأويل الآيات وصرفوها عن ظواهرها، فجمعوا بذلك بين الدليلين العقلي والنقلي معًا، فأولوا معني استوى باستولى، وأولوا اليد بالقدرة، وقالوا إن القرب المقصود في الآية قرب علمي لا مكاني.

فالزمخشري من المعتزلة يفسر استوى على العرش بمعني ملك العرش وليس بالضرورة الجلوس عليه كالقول فلان يده مبسوطة ويد فلان مغلولة بمعني الجود والبخل، وقوله يد الله فوق أيديهم أي العقد والميثاق (81).

وظل النـزاع قائمًا من أهل السنة والمعتزلة إلى أن جاء الأشعري بخلفيته الاعتزالية فجمع بين الفريقين فلم يتحرج من التأويل كأهل السنة القدماء، ولم يسرف كإسراف المعتزلة في التأويل، فيذهب إلى التأويل إذا لم يكن منه بد، وذلك عند قيام الدليل العقلي القاطع على عدم إرادة ظاهر النص، وإذا لم يوجد الدليل العقلي القاطع لم يذهب إلى التأويل، ويبقي علي ظاهر النص، لأنه الأولى في هذه الحالة، وذلك أن الظن العقلي لا يغني من العلم شيئًا.

جملة القول: (أن إخضاع دليل النقل لدليل العقل، فيه من الحرية العلمية كل ما تسعه هذه الكلمة من معني، وما يعطي العلماء سلطة واسعة أمام الجامدين من رجال الدين، فلا يكون لأولئك الجامدين سلطان عليهم أصلا، ولا يكون لهم أن يسلكوا سبيل التعسف معهم، وإنما هو قرع الدليل بالدليل، وما أضعف دليل الجمود أمام دليل التجديد) (82).

وأمام هذه الحرية العلمية لا يمكن الخوف على الدين الحنيف التي أطلق لها العنان. كما لا يخشى على الدين من تغير المسائل العلمية، فالربط بينهما لا ينزع قداسة الدين – كما يتوهم بعض المجددين– لآن الربط بين المسائل الدينية والمسائل العلمية، لا يكون إلا في المسائل العلمية قطعية الثبوت واليقين، والتي لا تتغير بتغير الزمن، بخلاف المسائل العلمية المبنية على الظن.

ولا يوافق الصعيدي علي رأي متأخري الأشاعرة الذي يصفهم بالجامدين (83)في قولهم: إن التأويل إذا كان أعلم فان تركه أسلم؛ لأن التأويل إذا كان أعلم فهو أسلم؛ لأن السلامة مع العلم دائمًا.

وقد تناول الصعيدي قضية الحرية السياسية، كركن أصيل من أركان الحرية الفكرية، وحاول الربط بين الإسلام وقضايا الفكر السياسي والقانوني المعاصر، مثل أن الأمة مصدر السلطات، وحق الفرد في الاعتراض على الحكم، وحق الأقلية في المعارضة، برؤية عميقة وتوفيق غير مخل بين هذه الأفكار الحديثة والإسلام، بما ينبئ عن عمق ثقافته الإسلامية ووضوحها. وعن استيعابه للتحديات المعاصرة التي تحتاج إلى مزيد من الاجتهاد والمثابرة.

وهذا ما مكنه من عرض أفكاره بيسر وسلاسة تخلو من التعقيد، كما تخلو من الإسراف وهو ما يقع فيه الكثيرين ممن يسيرون على درب الصعيدي، وينسجون على نفس المنوال، سواء من السابقين عليه أو اللاحقين به، ممن لم يتيسر لهم ثقافته الإسلامية العميقة ورؤيته الثاقبة ومنهجه الواضح في تناول القضايا ومعالجتها بصدق وإخلاص بعيدا عن التحزب والدعائية، أو الارتباط الأيديولوجي بفكر ما أو مذهب معين، كما يفعل الكثيرون من أدعياء التجديد في عصرنا الراهن. وسوف نتناول حديثه عن الحرية السياسية في الصفحات التالية.

 

2- الحرية السياسية في الإسلام:

لقد شغلت قضية الحرية السياسية في الإسلام المجددين منذ مطلع العصر الحديث، فشخصوا الاستبداد كمرض خطير يحول بين الأمة وبين حقوقها، وقد تأثر هؤلاء المجددون بالحرية السياسية في الغرب، وهو ما نلمسه عند الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم من المجددين.

كما أن كتاب (طبائع الاستبداد) للكواكبي كان رد فعل للحرية السياسية في الغرب باعتبارها أحد أهم أسس التقدم في المجتمع الغربي، على حين وقف الاستبداد عائقا مهماً في سبيل نهضة الشرق.

وقد ذهب العقاد إلى أن فكرة الديمقراطية بمضمونها الحقيقي التي أنشأها الإسلام لأول مرة، على غير مثال سابق هي الديمقراطية الإنسانية، وهي الديمقراطية التي يكسبها الإنسان؛ لأنها حق له يخوله أن يختار حكومته، وليست حيلة من حيل الحكم لاتقاء شر أو حسم فتنة، ولا هي إجراء من إجراءات التدبير تعمد إليها الحكومات لتيسير الطاعة والانتفاع بخدمات العاملين وأصحاب الأجور كما هو الشأن في الديمقراطيات الأخرى. وتقوم الديمقراطية الإسلامية بهذه الصفة، على أربعة أسس لا تقوم ديمقراطية كائنة ما كانت على غيرها، وهي:

– المسئولية الفردية.

– عموم الحقوق وتساويها بين الناس.

– وجوب الشورى علي ولاة الأمر.

– التضامن بين الرعية علي اختلاف الطوائف والطبقات.

هذه الأسس ظاهرة في القرآن الكريم وسنة رسوله (ﷺ)، وفى التقاليد المأثورة عن الخلفاء الراشدين (84).

وفى ضوء هذا التراث الفكري لعملية التجديد عند هؤلاء المفكرين المعاصرين جاء فكر الصعيدي امتدادا لهذه الجهود ويبدأ حديثه عن قضية الأمة وهل هي مصدر السلطات؟ وهل الإسلام يؤيد ذلك، وما هو نصيب كل فرد من الأمة في الحرية السياسية؟ ويستعرض وجهة نظره في هذا الصدد، وهذا هو موضوعنا التالي.

 

الأمة مصدر السلطات

لقد بدأ الشيخ الصعيدي حديثه عن الحرية السياسية بسؤال على النحو التالي: هل الأمة مصدر السلطات في الإسلام؟ ويؤكد أن الجواب على هذا السؤال يتوقف عليه نصيب الأمة ونصيب كل فرد من أفرادها في الحرية السياسية.

ويرد بثقة وثبات بأن الأمة هي مصدر السلطات في الإسلام، ولها حق الاشتراك في تنصيب الحاكم الذي تريده، كما لها اختيار شكل الحكم الذي تريده جمهوريا كان أو ملكيا، وحق الأمة في هذا الحق لجميع أفرادها.

ويترتب على هذا أنه إذا كانت الأمة هي مصدر السلطات كان حاكمها تحت سلطانها، ولم تكن هي تحت سلطانه، وتكون لها حريتها السياسية بأكمل معانيها، لآن هذا الحق في هذه الحرية كفله لها الإسلام. ولم تأخذه منحة من الحاكم لأنه لو منحة من الحاكم لم يكن حقاً صحيحاً حيث من حقه استرداد هذه الحرية إذا كان له حق منحها.

من أجل هذا أراد الإسلام أن يجعل حق الأمة في حريتها السياسية حقاً طبيعيًّاً لا تستمده من حاكم إنما تستمده من كونها مصدر السلطات في الحكم وبهذا يصبح الحاكم تحت سلطتها وليس العكس. وعلى هذا الأساس قام الحكم الإسلامي في عهد النبي (ﷺ) وفى عهد الخلفاء الراشدين من بعده.

وتمثل تلك الفترة الحكم الصحيح في القرون القديمة للإسلام قبل استيلاء بنى أمية على الحكم ومن تلاهم من بنى العباس وغيرهم فإنها لم تكن حكمًا إسلاميًا صحيحًا ولم تكن الأمة فيها مصدر السلطات، وإنما كان الحاكم المستبد هو كل شيء في الدولة وبيده وحده سلطاته كلها، ولم يكن للأمة معه حق في حريتها السياسية (85).

وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين المعاصرين بأن أصول السلطة المباشرة للشعب استفتاء وقرار وإجماع مباشر، أو ما هو أيسر وأكثر وقوعًا، بأن يوكل الشعب سلطته لنواب ينتخبهم يكونون هيئة تشريعية تضع الأحكام العامة قانونا والسياسات توجيها وتراقب من ينفذها (86).

وربما نلمس شيئًا قريبا من هذا عبر عنه العقاد في حديثه عن مبدأ السيادة بقوله: (والذي يبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى سند السيادة في الإسلام هو الرأي القائل بأنها عقد بين الله والخلق من جهة، وعقد بين الراعي والرعية من جهة، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (87).

ومما يؤكد أن الأمة مصدر السلطات في الإسلام القاعدة المجمع عليها عند أهل السنة على أنه يجب خلع الإمام متى جرحت عدالته بفسق، أو عجزه بعلة ولا يرجى صلاحها، لأنه يستحيل استمرار مقاصد الإمامة (88).

ويستشهد على كون الأمة مصدر السلطات، في فترة الحكم الرشيد التي شملت عهد النبوة والخلفاء الراشدين من بعده، بمشاورة الرسول (ﷺ) لأصحابه في الغزوات وفى كافة شئون الحياة السياسية، واستمر الأمر على ذلك المنوال في عهد الخلفاء الراشدين، فقام نظام الحكم على المشورة حتى عهد على -رضي الله عنه- وخروج معاوية ومن معه من أهل الشام عليه،‌‌‌‌‌ فيما لا يطعن في إمامته لأنه كانوا قلة وكان مؤيداً بموافقة الأغلبية عليه.

وجاء مقتل على -ضي الله عنه- بيد أحد الخوارج وهو يصلى الفجر، فأخلى (أولئك الخوارج الجو لمعاوية بجهلهم حتى أخذ الحكم بالسيف، بعد أن كان يؤخذ باختيار الأمة، ويقوم على أساس أنها مصدر السلطات كلها، وقد سن هذه السنة لمن أتى بعده من ملوك المسلمين، وكان عليه تبعتها بسنه لها فيهم) (89).

ويترتب على هذا الحق باعتبار أن الأمة مصدر السلطات، حق الفرد في الاعتراض على الحاكم، وهذا ما سنناقشه في الصفحات التالية.

 

حق الفرد في الاعتراض على الحاكم

يترتب على أن الأمة هي مصدر السلطات، أن كل فرد من أفرادها له الحق في هذه السلطة، فيؤخذ رأيه في تنصيب الحاكم، ويكون له حق الاعتراض على ما يرى الاعتراض عليه من نظام الحكم بحرية تامة، سواء كان مصيبًا في اعتراضه أو مخطئًا، لأنه غير معصوم من الخطأ، فإن أصاب فهو مأجور، وإن أخطأ فهو معذور، استناد إلى حديث الرسول: (ﷺ) (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (90).

وذلك على اعتبار أن (الدستور عقد اجتماعي أعم وأخطر وأقوى وأثبت من سائر العقود، يدوم بجملة نصوصه. وإنما العقد الدائم في الحياة هو الأساس الأول لها تتفرع منه وتتأسس عليه وتستند على تعاليمه وترجع إليه حكمًا، هو عقد الإيمان عقيدة التوحيد بين الإنسان المؤمن وربه الأعلى ينظم كل الحياة عبادة، وكل مصيرها خيرًا مرضيًا) (91).

وكان حق الفرد في الاعتراض على الحاكم قائمًا حتى في عهد النبوة، رغم اتصاله بالوحي السماوي، وكون أغلب الأحكام منتقاة عنها، لدرجة أن الاعتراض على النبي (ﷺ) في بعض أحكامه كان يتجاوز أحيانًا حق الاعتراض المقبول، ويجاوزه إلى الاتهام والطعن في الذمة، فلا يكون رد فعل النبي (ﷺ) إلا إظهار ألمه من هذا الطعن في ذمته، ولا يتجاوز إلى أخذ الطاعن بعقوبة دنيوية ترهب غيره أن يقع في مثله، وذلك لأن أخذ الناس بالإرهاب يزرع في نفوسهم الجبن، ولا يجرئهم على نقد الحكام، ومن ثم يستنيمون لظلم حاكمهم، فيحصل ما يحصل من الفساد في الحكم.

ومن النماذج العملية على هذا الحق في عهد النبي (ﷺ) اعتراض بعض الصحابة على توزيعه كما حدث في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، فقسمها النبي (ﷺ) بين أربعة نفر: بين عيينا بن بدر، وأقرع بن حارس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل، وقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق من هذا من هؤلاء.

فلما سمع النبي (ﷺ) ذلك قال: ألا تؤمنونني وأنا أمين من في السماء، يأتني خبر السماء صباحًا ومساءًا. فقام رجلا غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشذ الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال يا رسول الله: أتقى الله، فقال له (ﷺ) ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقى الله؟ ثم ولى الرجل. فقال خالد ابن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال له: لا، لعله أن يكون يصلى. فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال له: إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم.

فهذا رجل قد تجاوز حقه السياسي في الاعتراض المقبول، إلى اتهام النبي (ﷺ) بالخيانة، ومحاباة أولئك الأربعة من صناديد العرب، وكانوا حديثو عهد بالإسلام، وكان عطائه لهم تأليفًا لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم، لما كان لهم من طمع قديم في المال، وهذا من حسن السياسة في الدنيا، ليكون شوكة للإسلام لا شوك عليه.

وقد جاز الاعتراض على النبي (ﷺ) كحاكم من قبل الإفراد رغم اتصال الوحي به لأن النبي كان مجتهداً في بعض الأمور الذي لم ينـزل عليه فيها وحي، وهذا الحق بالاجتهاد يشمل أمور دينية ودنيوية معًا، وأنه (ﷺ) – وهو المعصوم – يجوز عليه الخطأ فيما يجتهد فيه، ولو كان أمور الدين.

فإذا كان خطؤه في الاجتهاد في بعض أمور الدين، وجب التنبيه عليه. وأما إذا كان خطؤه في الاجتهاد في بعض أمور الدنيا لم يجب التنبيه إلى الخطأ، لأنه يمكن العلم به من غير طريق الوحي. فيجوز من الأفراد الاعتراض على بعض أحكامه، اعتمادًا على أنه يجوز أن يكون من اجتهاده لا من طريق الوحي، وعلى أنه يجوز أن يكون أخطأ فيه، فيكون لهم حق تنبيهه إليه.

ويكون لهم في هذا الحق من الحرية، ما يكونون فيه قدوة حسنة لمن بعدهم من المسلمين، لتكون أمة حرية لا عبودية، وتسن سنة حسنة في وجه الطغيان والاستبداد حيثما كان، لأن الإسلام جاء رحمة للعالمين (92).

وقد أكد أسلافنا على ضرورة حماية الحرية الفقهية، وعدم التدخل في حرية الاجتهاد فعلى هذا درج السلف الصالح، كما أن اختلافهم في المباحثة عن أدلة الشرع منة من الله ونعمة (93).

وفى ذلك تنشيط للحياة الثقافية والدينية، وتدريب لملكات العقل على التأمل والاستنباط. كما فيه احترام للعلماء وإغراء لهم على بذل أقصى ما في وسعهم لممارسة الحرية الدينية، وتطوير الفكر وتجديده.

ويترتب على حق الفرد في الاعتراض على الحاكم باعتبار أن الأمة هي مصدر السلطات، حق الأقلية في معارضة الأكثرية، وهذا هو موضوع الصفحات التالية.

 

حق الأقلية في معارضة الأكثرية

للأقلية الحرية التامة في حق الاعتراض على الأكثرية المناصرة للحكم القائم، وهذا الحق مثل حق الفرد في الاعتراض على الحاكم سواء بسواء، فالفرد اكتسب هذا الحق باعتباره أن الأمة مصدر السلطات في الإسلام، فله نصيب من ذلك مما لها في ذلك لأنه فرد منها، وكذلك الأقلية أفراد من الأمة فيجب أن يكون لهم نصيب في ذلك أيضاً.

وقد وجدت هذه الأقلية الممثلة للمعارضة في الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول، فجماعة عبد الله بن أبى بن سلول من الأوس والخزرج، الذين كانوا مخلصين له وتظاهروا بالدخول في الإسلام على أن يمثلوا دور المعارضة، كلما سنحت الفرصة لذلك، لعلهم يستطيعون التأثير في الأغلبية فيرجعون لوضعهم القديم.

وعرفت تلك المجموعة بالمنافقين، حيث كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وكانت تبدو منهم معارضة سافرة للحكم، وحينما تفشل نتيجة كياسة النبي وإخلاص أصحابه يتبرأ هؤلاء المنافقون من أفعالهم، فيقبل النبي منهم ذلك، ولا يؤاخذهم على شيء من معارضتهم، لإيمانه بحق المعارضة في الحكم، حتى لو لم يكن مخلصاً. لأن ذلك أفضل من أخذ الناس بالكبت والقهر.

وذلك لأن (الحرية السياسية حق من الحقوق التي يجب الإيمان بها، وهي تفيد الحكم ولا تضره. وتربى الناس تربية حرة كريمة، تقطع الطريق أمام من تسول نفسه له أن يسلك سبيل الطغيان في الحكم. فيستبد بالناس في حكمه. ولا يجعل لهم حقا في استعمال الحرية السياسية معه) (94).

وحينما طلب عمر -رضي الله عنه- بقتل بن أبى سلول رفض النبي (ﷺ) قائلاً: كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ هذه هي الحرية الحقة أن يغض النبي (ﷺ) كحاكم عن تآمرهم، وأن يبقى على اسم الصحبة لهم ليمضوا في ظلها أحرارا يعارضون ولا يضيق صدره بمعارضتهم، ولم يقف في سبيل حريتهم، ويتركهم ينفسون بحرية عما في صدورهم، لأن الضغط يولد الانفجار، ويزيد في العداوة والبغضاء. وقد استمر هذا الحال في عهد الصحابة.

وفى عهد الراشدين مضى المسلمون في الفتوحات التي شغلتهم يدا واحدة على عهد أبى بكر وعمر وفى صدر خلافة عثمان، إلى أن ظهر المعارضون له في الحكم، فلم يضق بمعارضتهم، لأن هذا حق مقرر في الإسلام، ولهذا ظل يطاولهم وينظر في شكاويهم ومطالبهم ويحقق فيما يعترضون عليه، وذلك على الرغم من أن معارضتهم كانت خارجة عن الحدود المقبولة، وكانت تأخذ شكل ثورة لا شكل معارضة.

ونفس الموقف تكرر مع على -رضي الله عنه- حينما عارضوه في قبول التحكيم مع معاوية، رغم أن معارضتهم كانت خارجة عن حدود المقبول كمعارضة إلى حد الثورة المسلحة، فلم ينكر معارضتهم ولا إصرارهم عليها، وقال في بعض خطبه: إن لكم عندنا ثلاثاُ ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا.

ومن ثم (أطلق لهم الحرية في معارضة حكمه، ولم يمنعهم من الإصرار على معارضتهم فيما أنكروه عليه، لأن هذه المعارضة حق من حقوقهم، ولهم حريتهم أن يعارضوا في حدود المعارضة المقبولة، فلا تمنعهم من حقوقهم في الدولة شيئًا، ولا تحرمهم أن يعيشوا فيها إخوانًا لمن يعارضونهم من الكثرة المناصرة للحكم، وهذا هو منتهى الحرية في الدول، وهي حرية لم تكن معروفة في ذلك الوقت، وإنما كان ملوكه يحكمون فيه على أنهم آلهة أو أشباه آلهة، فلا حق لأحد في معارضتهم، ولا حرية لرعايتهم لأنهم عبيد لهم) (95).

وللأسف الشديد أن هذه الرؤية لمفهوم الحرية بأبعادها المختلفة فكرية وعلمية ودينية وسياسية ملتبسة على المسلمين اليوم لأن الغالب على فقه المسلمين جواز طغيان السلطان، واعتبار أن كل طعن فيه فتنة، وكل حركة لتنشيط حق الشورى والمعارضة له خروج، لأنه يتصور أن من حقه كحاكم أن يقتحم حرمات الناس وحرياتهم قتلًا ونفيًا وسجنًا (96).

وذلك راجع لأن الثقافة الإسلامية الراسبة في حياة المسلمين وفى سلوكهم الآن بحاجة لنهضة جديدة تحيي شعاب الإيمان وتقومها من العلل الموروثة، وتصلح أخلاق الإسلام وتعمرها، وتقيم حكم الإسلام وترشده، وكذلك بحاجه إلى تجديد أصول التدين والفقه والعرف والحكم الإسلامي، حتى يتأسس لهم من جديد نهضة تصون حرمات الإنسان وحرياته واستوائه، طبقًا لقواعد الإسلام وأصوله.

في ضوء هذه الحرية الفكرية والسياسية ناقش الصعيدي قضية الردة من خلال زاوية الحرية الدينية، وكان لرأيه رد فعل لدى المتخصصين وهذا ما سنناقشه في الصفحات التالية.

 

3- قضية الردة:

قضية الردة من القضايا المثارة بقوة في فكرنا الحديث والمعاصر وتتراوح الآراء فيها بين وجوب قتل المرتد وهو الرأي السائد في الفقه الإسلامي، وهو ما يؤكده يوسف القرضاوي ويؤكد على أنه رأي أئمة المذاهب الثمانية. وذهب محمد سليم العوا إلى أن عقوبة المرتد هي التعزير وليس الحد (99)، على حين يؤكد جمال البنا على أن آيات القرآن صريحة في الإشارة إلى عدم وجود عقاب دنيوي للمرتد (100)، هذه مجمل الآراء حول قضية الردة.

وقد تناول الصعيدي موضوع الردة في كتاب خاص تناول فيه قضية الحرية الدينية، الذي صودر من قبل الأزهر في أول الأمر ثم عاد مجمع البحوث الإسلامية فأجازه، وقد كتب تقرير الإجازة الدكتور محمد رجب البيومي من أعلام الأزهر المعاصرين الذي أكد على حق الصعيدي في الاجتهاد، باعتباره أحد المؤهلين له بحكم تعليمه في الأزهر وتفوقه وخبرته أستاذا وكاتبا، بغض النظر عن مدى الاتفاق أو الخلاف معه في الرأي حول ما انتهى إليه اجتهاده (101).

ولا جدال أن رأيه كان يعد اجتهادا متقدمًا في حينه فلم يكن الوقت يسمح بتقبل مثل هذا الرأي المخالف لرأى الجمهور بضرورة معاقبة المرتد، لكن يبدو أن رأى الصعيدي حول هذا الموضوع وجد من يعاضده ويسانده من الفقهاء والمفكرين المعاصرين.

لقد استعرض الآيات الواردة في مجال الإيمان والحرية الدينية، وذهب مدعما رأيه بالأدلة على أنها غير منسوخة ويستعرض مختلف الآراء في قضية حكم المرتد ثم يعقب عليها بقوله:

(ولا شك أن القول بأن المرتد يستتاب أبدًا ولا يقتل أنسب من غيره بما جاء به الإسلام من الحرية الدينية، وأنسب منه ما ذهبنا إليه من أن المرتد لا يكره على الإسلام بقتل ولا بسجن ولا بنحوهما من وسائل الإكراه، وإنما يدعى إلى العودة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، كما يدعى غيره ممن لم يسبق له إسلام بهذه الوسيلة أيضًا، فإن أجاب فبها، وإلا لم يكن جزاؤه إلا العقاب على ردته في الآخرة) (102).

ويؤكد على أن القرآن الكريم قد نفى الإكراه على الدين نفيا عاما وصريحًا في قوله تعالى ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (103)، وقوله عز وجل: ﴿َقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ (104)، فهذا نفى مطلق للإكراه في الدين، فيجب أن يدخل فيه من أسلم ثم ارتد، كما يدخل فيه من لم يسلم أصلًا (105).

والحقيقة أن رأى الصعيدي ليس بجديد فهو مسبوق برأي الشيخ شلتوت في هذا الشأن حيث أكد في حديثه عن عقوبة المرتد بقوله: (وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة إذا لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين، والعدوان عليهم، ومحاولة فتنتهم عن دينهم) (106).

وما زال الجدل محتدمًا حول هذه القضية حتى وقتنا هذا فحسن الترابي يؤكد على أن (لو اجتهد المرء فارتد – حفظه الله – دفع في وجهه حد الاستتابة أو القتل (من بدل دينه فاقتلوه، لا يحل دم امرء مسلم إلا… التارك لدينه المفارق للجماعة) وما هي إلا أحاديث تهدى سنن العمل بيانًا للقرآن لا تنسخه، ولكن وردت لتشرح صدور المسلمين، وهم يرون المسلم الحرام دمه إلا قصاصًا، يرتد يفارق الجماعة ويقاتل في صف الكفر، لكنهم يعزون دمه، فيبين لهم الرسول (ﷺ) كيف يرتد هذا، يفارق إخوانه وينقلب خارجًا مقاتلًا يحل إهدار دمه دفاعًا. والآيات محكمة واضحة لا إكراه في الدين كما سبق البيان لأصول الحرية) (107).

وبعد تفسيره لآيات القتال في سورة التوبة على أنها مدافعة يؤكد على أن تلك العقيدة في حرية وسلام إلا من عدا وقاتل يدفع ويقاتل. أما الرأي السياسي فهو حر بل هو تكليف ديني أمرًا بالمعروف ونهيا عن المنكر نصحًا وشورى. و(الحق أن يجاوب ويرد الباطل المرتد والفاسق بكلمة اللسان والقلم، بما يدفعه مثله، إلا إذا عبر عنه صاحبه فعلًا ونفذه غدرة وعدوة ليست بالحق المشروع على سلطة الحكم القائمة على الشورى والعهد فعندئذ ترد بمثلها) (108).

جملة القول إن الشيخ الصعيدي اهتم بقضية الحرية بجميع جوانبها على اعتبار أنها حق إلهي للإنسان لا يحق لأحد أن يصادر حريته في الفكر والتعبير، ولا أن يكرهه على اعتقاد أو رأى، ولا أن يصادر حقه في الاعتراض والنقد.

ويتضح مما سبق أن قضية الحرية احتلت مكاناً بارزًا في الفكر الإسلامي المعاصر، حيث أيقن المفكرون والعلماء أن قضية الحرية تعد بمختلف جوانبها الاجتماعية والفكرية والدينية والسياسية الأساس الأول لنهضة المسلمين الحقيقية مما لحق بهم من جمود وتخلف، نتيجة لسيادة رؤية أصحاب النقل والاجترار على رؤية أهل الاجتهاد والعودة للأصول الأولى ممثلة في القرآن الكريم وسنة رسوله (ﷺ).

وهو ما جاهد في سبيله رجال من أمثال رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد المتعال الصعيدي وغيرهم من أهل الاجتهاد تحقيقًا للمصلحة العامة للأمة وفقًا للكليات الخمسة في الشريعة تنزيلا لفقه النوازل على حسب الوقت ومنفعة الجماعة، وما تقتضيه متغيرات الزمن مرونة في التطبيقات على ضوء الثوابت والقواعد الكلية في الشريعة.

وفى ضوء هذه الرؤية عرضنا بالتفصيل لقضية الحرية عند اثنين من هؤلاء الأعلام هما رفاعة الطهطاوي كمؤسس لفكرنا الحديث والمعاصر وكيف تعامل بمعيار وقته وعصره مع قضية الحرية، وكيف جاهد من أجل نهضة بلاده في جميع مجالات الحياة.

ورغم ما يفصلنا عن الطهطاوي بما يزيد عن قرن ونصف من الزمان إلا أن آراءه ما زالت تحتفظ بقوتها وقيمتها خصوصًا فيما يتصل بقضية الحرية التي ما زالت همًّا يؤرق المخلصين من أبناء الأمة في كل وقت وحين، لإدراكهم أنه بدون حرية فلا نهضة ولا تقدم في أي مجال من مجالات الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية.

وهذا كان هو الشاغل الكبير لعبد المتعال الصعيدي أحد المجتهدين في مدرسة محمد عبده الذي تصدى بقوة وشجاعة لقضية الحرية الفكرية والدينية والسياسية غير عابئ بموقف خصومه من أنصار الفكر التقليدي وأعداء الاجتهاد، وأعمل العقل في ضوء الأصول المقررة في الشريعة الإسلامية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الهوامش

(1)  خالد زيادة مقدمة الكلم الثمان5-8 دار الطليعة بيروت الطبعة الاولى1982.

(2)  العلامة محمد حسين الطبطبائي: الميزان في تفسير القرآن – موجود على الإنترنت.

(3)  محمد عمارة: الأعمال الكاملة للطهطاوي – 1/19 – المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت الطبعة الأولي 1973م.

(4)  عمارة: الأعمال الكاملة 193.

(5)  مناهج الألباب 1 /245 وما بعدها.

(6)  السابق 1/250.

(7)  خالد زيادة: مقدمة كتاب الكلام الثمان ص12.

(8)  سورة هود 18.

(9)  مناهج الألباب 1/251.

(10)  تلخيص الإبريز 2/79.

(11)  السابق 2/155 وما بعدها.

(12)  مناهج الألباب 1/251.

(13)  رضوان السيد: حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي المعاصر ص 1 وما بعدها بحث على الإنترنت.

(14)  مناهج الألباب 1/383.

(15)  تلخيص الإبريز 2/107.

(16)  مناهج الألباب 1/383 – 386.

(17)  السابق 1/390.

(18)  السابق 1/399 – 404.

(19)  المرشد الأمين للبنات والبنين 2/473 وما بعدها.

(20)  انظر عمارة: الأعمال الكاملة 1/168-170م.

(21)  الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة ص 80 إلي 83 الدار التونسية للنشر.

وقارن علي حسب الله: مقاصد الشريعة 299 دار المعارف مصر.

(22)  المرشد الأمين 2/475.

(23)  تلخيص الإبريز 2/95.

(24)  المرشد الأمين 2/477.

(25)  السابق 2/277 وما بعدها.

(26)  انظر أحمد القاضي: الفكر التربوي عند المتكلمين المسلمين 65-79 الهيئة العامة للكتاب 2005م.

(27)  المرشد الأمين 2/278 وما بعدها.

(28)  سنن ابن ماجة.

(29)  رسائل الجاحظ 3/32 القسم الأول اختيار عبد الله بن حسان، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولي1979م.

(30)  انظر عبد الحليم أبو شقة: تحرير المرأة في عصر الرسالة 1/70 وما بعدها 302-304 دار القلم الكويت طبعة أولى 1990م.

(31)  المرشد الأمين 2/356.

(32)  البخاري الوصاة بالنساء.

(33)  المرشد الأمين 2/357.

(34)  السابق 2/359 وما بعدها.

(35)  الأعمال الكاملة للطهطاوي 1/205.

(36)  المرشد الأمين 2/375.

(37)  السابق 2/377 وما بعدها.

(38)  المرشد الأمين 2/381 وما بعدها.

(39)  الأعمال الكاملة للطهطاوي 1/210.

(40)  المرشد الأمين 2/393.

(41)  انظر مناهج الألباب 1/363-365 والمرشد الأمين 2/393 وما بعدها.

(42)  الأعمال الكاملة 1/203.

(43)  المرشد الأمين 2/394.

(44)  السابق 2/447.

(45)  السابق 2/449.

(46)  السابق 2/449 – 465.

(47)  رواه البخاري وأحمد والنسائي و الترمذي بإسناد حسن.

(48)  المرشد الأمين 2/462.

(49)  السابق 2/463 – 465.

(50)  السابق 2/467.

(51)  المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني ص 69 دار الفكر سوريا ودار الفكر المعاصر بيروت الطبعة الأولى 1996 وقارن عمارة: التحرير الإسلامي للمرأة ص 101 – 110 دار الشروق الطبعة الثانية 2002م.

(52)  البوطي: المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني 69-71.

(53)  إبراهيم العبادي: الحرية الفكرية في الإسلام بين القبول والرفض بحث على شبكة الإنترنت.

(54)  السابق.

(55)  حرية الفكر في الإسلام ص 5.

(56)  الصعيدي: المجددون في الإسلام – ص 11 – 19 – الطبعة الأولى القاهرة 1960م.

(57)  السابق 11 وما بعدها.

(58)  مقدمة كتاب الحرية الدينية في الإسلام ص 5 دار المعارف القاهرة 2000م.

(59)  العقاد: عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده ص 166 – دار نهضة مصر – القاهرة 1987م.

(60)  انظر سليمان دنيا: محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين ص 26- مقدمة تحقيقية لتعليق محمد عبده على شرح الدواني للعقائد العضدية- عيسي الحلبي – القاهرة 1958م.

(61)  حرية الفكر 6 – 8 دار الفكر العربي الطبعة الثانية – القاهرة.

(62)  حسن الترابي: السياسة والحكم والنظم السياسية بين الأصول وسنن الواقع ص 193 دار الساقي الطبعة الثانية بيروت 2004 م.

(63)  سورة البقرة آية 286.

(64)  حرية الفكر ص 11- 13.

(65)  سورة البقرة ص 256.

(66)  حرية الفكر 13 وما بعدها

(67)  انظر شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة ص 281 الطبعة الثانية عشر دار الشروق مصر 1983م.

(68)  حرية الفكر ص 15وما بعدها.

(69)  محمد عبده: الأعمال الكاملة 3/282 تحقيق محمد عمارة دار الشروق مصر.

(70)  نفس المصدر والصفحة.

(71)  انظر الأشعري: رسالة أهل الثغر ص 34 وما بعدها تحقيق الجليند. وقارن القاضي عبد الجبار: المحيط بالتكليف 26 – 32.

(72)  حرية الفكر ص 18.

(73)  سورة الأنعام الآيات 75- 78.

(74)  محمد عبده: رسالة التوحيد ص 22- تحقيق محمود أبو رية – دار المعارف – الطبعة الأولى القاهرة. وشلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة ص 21.

(75)  حرية الفكر ص 20.

(76)  سنن ابن ماجة ومسند أحمد.

(77)  حرية الفكر 22 – 26.

(78)  السابق ص 26 وما بعدها.

(79)  محمد عبده: الأعمال الكاملة 3/282 وما بعدها.

(80)  حرية الفكر ص 27.

(81)  الزمخشري: الكشاف تفسير سورة طه آية 5 وسورة الفتح آية 10.

(82)  حرية الفكر ص29.

(83)  نفس المصدر والصفحة.

(84)  العقاد: الديمقراطية في الإسلام ص 43 دار معارف الطبعة السادسة مصدر 1981م.

(85)  حرية الفكر ص 30 وما بعدها.

(86)  حسن الترابي: السياسة والحكم ص101 وما بعدها.

(87)  العقاد: الديمقراطية في الإسلام ص60.

(88)  الجويني: غياث الأمم ص75 – 95 تحقيق فؤاد عبد المنعم ومصطفى حلى دار الدعوة الإسكندرية 1978م والماوردي: الأحكام السلطانية ص17-20 طبعة عيسى الحلبى القاهرة.

(89)  حرية الفكر ص45.

(90)  سنن ابن ماجه.

(91)  حسن الترابي: السياسة والحكم ص94.

(92)  حرية الفكر ص47 وما بعدها.

(93)  الجويني: غياث الأمم 139.

(94)  حرية الفكر 50.

(95)  السابق 56.

(96)  حسن الترابي السياسة والحكم ص 172.

(97)  السابق 174.

(98)  يوسف القرضاوي: خطورة الردة ومواجهة الفتنة ص2 بحث على الإنترنت موقع إسلام أون لاين.

(99)  محمد سليم العوا: عقوبة المرتد تعزيراً لا حدًّا ص9-12 بحث على الإنترنت موقع إسلام أون لاين.

(100)  جمال البنا: لا عقوبة للردة وحرية الاعتقاد عماد الإسلام ص1 وما بعدها بحث على الإنترنت موقع إسلام أون لاين.

(101)  رجب البيومي: مقدمة كتاب الحرية الدينية في الإسلام 5-8 طبعة دار المعارف 2001م.

(102)  الصعيدي: الحرية الدينية ص69 طبعة دار المعارف 2001م.

(103)  سورة البقرة آية 256.

(104)  سورة الكهف آية 29.

(105)  الصعيدي الحرية الدينية 69.

(106)  انظر شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة ص281 الطبعة الثانية عشرة دار الشروق مصر 1983م.

(107)  حسن الترابي: السياسة والحكم ص176 وما بعدها.

(108)  السابق 179.

 

المراجع

  • إبراهيم العبادي: الحرية الفكرية في الإسلام بين القبول والرفض – بحث على شبكة الإنترنت.
  • أحمد القاضي: الفكر التربوي عند المتكلمين المسلمين – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة 2005م.
  • الأشعري: رسالة أهل الثغر – تحقيق الجليند – مطبعة التقدم طبعة أولى 1987.
  • الجاحظ: رسائل الجاحظ – القسم الأول اختيار عبد الله بن حسان – مكتبة الخانجي – الطبعة الأولى 1979م.
  • جمال البنا: لا عقوبة للردة وحرية الاعتقاد عماد الإسلام – بحث على الإنترنت موقع إسلام أون لاين.
  • الجويني: غياث الأمم – تحقيق فؤاد عبد المنعم ومصطفى حلمي – دار الدعوة الإسكندرية 1978م.
  • حسن الترابي: السياسة والحكم والنظم السياسية بين الأصول وسنن الواقع – دار الساقي الطبعة الثانية بيروت2004م.
  • خالد زيادة: مقدمة كتاب الكلم الثمان – دار الطبعة بيروت الطبعة الأولى 1982م.
  • رضوان السيد: حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي المعاصر – بحث على الإنترنت.
  • رفاعة الطهطاوي: المرشد الأمين للبنات والبنين – الأعمال الكاملة.
  • رفاعة الطهطاوي: تلخيص الإبريز – الأعمال الكاملة.
  • رفاعة الطهطاوي: مناهج الألباب – الأعمال الكاملة.
  • الزمخشري: الكشاف.
  • سليمان دنيا: محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين – مقدمة تحقيقه لتعليق محمد عبده على شرح الدوائي للعقائد العضدية – عيسى الحلبى – القاهرة 1958م.
  • الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة – الدار التونسية للنشر.
  • عبد الحليم أبو شقة: تحرير المرأة في عصر الرسالة – دار القلم – الكويت – طبعة أولى 1990م.
  • عبد المتعال الصعيدي: الحرية الدينية – طبعة دار المعارف 2001م.
  • عبد المتعال الصعيدي: المجددون في الإسلام – الطبعة الأولى القاهرة 1960م.
  • عبد المتعال الصعيدي: حرية الفكر في الإسلام – دار الفكر العربي – الطبعة الثانية القاهرة.
  • العقاد: الديموقراطية في الإسلام – دار المعارف الطبعة السادسة مصر 1981م.
  • العقاد: عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده – دار النهضة مصر – القاهرة 1987م.
  • على حسب الله: مقاصد الشريعة – دار المعارف مصر.
  • القاضي عبد الجبار: المحيط بالتكليف – تحقيق عمر سيد عزمي – الدار المصرية للتأليف والترجمة.
  • الماوردي: الأحكام السلطانية – طبعة عيسى الحلبي القاهرة.
  • محمد حسين الطبطبائي: الميزان في تفسير القرآن – بحث على الإنترنت.
  • محمد رجب البيومي: مقدمة كتاب الحرية الدينية في الإسلام – دار المعارف – القاهرة 2000م.
  • محمد سعيد رمضان البوطي: المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني – دار الفكر سوريا ودار الفكر المعاصر بيروت الطبعة الأولى 1996.
  • محمد سليم العوا: عقوبة المرتد تعزيرًا لا حدًّا – بحث على الإنترنت موقع إسلام أون لاين.
  • محمد عبده: الأعمال الكاملة – تحقيق محمد عمارة – دار الشروق مصر.
  • محمد عبده: رسالة التوحيد – تحقيق محمود أبو رية – دار المعارف – الطبعة الأولى – القاهرة.
  • محمد عبده: شرح الدوائي للعقائد العضدية – تحقيق سليمان دنيا – عيسى الحلبي – القاهرة 1958م.
  • محمد عمارة: الأعمال الكاملة للطهطاوي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت الطبعة الأولى 1973م.
  • محمد عمارة: التحرير الإسلامي للمرأة – دار الشروق الطبعة الثانية 2002م.
  • محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة – الطبعة الثانية عشر دار الشروق مصر 1983م.
  • يوسف القرضاوي: خطورة الردة ومواجهة الفتنة – بحث على الإنترنت موقع إسلام أون لاين.

 

 

[1] أحمد عرفات القاضي، الحقوق والحريات عند الطهطاوي والصعيدي، المسلم المعاصر، العدد 122، أكتوبر 2006، https://2u.pw/KjGGmZh

أعد فريق موقع القانون من أجل فلسطين ملفًا يستعرض فيه ملخص القضية التي قدمتها دولة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية تحت بند ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة وإليكم ما جاء فيه:

 

السياق

منذ 7 أكتوبر/تشرين أول 2023، تشن إسرائيل هجومًا متواصلًا على الفلسطينيين في قطاع غزة، مستهدفة بشكل عشوائي المدنيين والأعيان المحمية في انتهاك للقانون الدولي. لقد أصبح واضحًا من حجم الهجمات ضد غزة أن إسرائيل تحاول ارتكاب إبادة جماعية، حيث يقول العديد من الأكاديميين وقادة العالم بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. في 29 ديسمبر/كانون أول 2023، بعد 83 يومًا من الهجوم المتواصل من القوات المسلحة الإسرائيلية، قدمت جنوب أفريقيا طلبًا لإقامة دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، فيما يتعلق بانتهاكات من جانب إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (“اتفاقية الإبادة الجماعية”) فيما يتعلق بالهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة.

وتجادل جنوب أفريقيا بأن “الأفعال والتقصيرات التي قامت بها إسرائيل والتي اشتكت منها جنوب أفريقيا هي ذات طابع إبادة جماعية لأنها تهدف إلى تدمير جزء كبير من المجموعة الوطنية والقومية والإثنية الفلسطينية، والتي هي الجزء الموجود في قطاع غزة من الشعب الفلسطيني (“الفلسطينيون في غزة”).

يتميز طلب جنوب أفريقيا باستخدامه لمصطلح erga omnes partes (“اتجاه الكافة/أو حقوق تتعلق بالجميع”)، والذي تم تحديثه بعد الإجراءات التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار في عام 2019. وفي القانون الدولي، يتعلق هذا المبدأ بالالتزامات التي تدين بها الدولة للمجتمع الدولي ككل، وتمتد إلى أبعد من حدود الاتفاقات الثنائية أو الاتفاقيات المتعددة الأطراف. ويعني هذا المفهوم أن المبادئ والمعايير الأساسية في القانون الدولي، مثل حظر الإبادة الجماعية، هي التزامات تقع على عاتق جميع الدول تجاه المجتمع الدولي ككل. ويعتبر انتهاك هذه الالتزامات جرائم ضد النظام الدولي، مما يمنح أي دولة الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان منع تلك الانتهاكات.

يحتوي طلب جنوب أفريقيا على طلب اتخاذ التدابير المؤقتة، والتي تتطلب من المحكمة إصدار حكم أولي في القضية، من أجل “منع مزيد من الضرر الشديد وغير القابل للإصلاح لحقوق الشعب الفلسطيني بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية” ولضمان امتثال إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية بعدم المشاركة في الإبادة الجماعية، ومنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. والمهم هنا، أن التدابير المؤقتة تحتاج إلى حد أدنى من الإثبات كي تقوم المحكمة بالحكم بها، بحيث “لا يتعين على المحكمة أن تقرر أن جميع الأفعال موضع الشكوى يمكن أن تندرج ضمن أحكام اتفاقية الإبادة الجماعية”. ويعني انخفاض عبء الإثبات أن المحكمة لا يتعين عليها أن تثبت بشكل قاطع أن جميع الإجراءات المتضمنة في طلب جنوب أفريقيا تقع ضمن أحكام الاتفاقية، مما يسمح بعملية أكثر مرونة وسرعة عند طلب اتخاذ تدابير مؤقتة قبل الاستماع إلى القضية الكاملة المتعلقة بارتكاب إسرائيل للإبادة الجماعية.

 

النقاط الرئيسية في ملف جنوب أفريقيا

تتكون الوثيقة الشاملة التي قدمتها جنوب أفريقيا والمكونة من 84 صفحة بشكل أساسي من معلومات واقعية وأدلة تم جمعها من مصادر مختلفة. وتشمل هذه المعلومات تقارير المقررين الخاصين للأمم المتحدة، وإصدارات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وتقارير الصحفيين الموجودين على الأرض في غزة، وتقارير المنظمات غير الحكومية ذات السمعة الموثوقة. يركز الطلب على عناصر الفعل الإجرامي (الأفعال المادية المتخذة ضمن ارتكاب الجريمة) وعلى عناصر القصد الجنائي (الركائز المعنوية للجريمة؛ أي النية لارتكاب الجريمة). ويشير هذا إلى أن الغرض من الطلب الذي قدمته جنوب أفريقيا هو الضغط من أجل اتخاذ تدابير مؤقتة لوقف الهجمات المستمرة على الفلسطينيين، بدلاً من مناقشة قضية الإبادة الجماعية الكاملة الآن، وهو الأمر الذي سيحدث في وقت لاحق.

وتذكر جنوب أفريقيا، أن إسرائيل، وقت تقدم الملف من قبل جنوب أفريقيا، كانت قد “قتلت ما يزيد عن 21,110 فلسطينيًا، من بينهم أكثر من 7,729 طفلًا – مع فقدان أكثر من 7,780 آخرين، ويُفترض أنهم ماتوا تحت الأنقاض”. ومضت الوثيقة لتشير إلى أن القصف الإسرائيلي قد أصاب أكثر من 55,243 فلسطينيًا آخرين وأن “إسرائيل دمرت أيضًا مناطق واسعة من غزة، بما في ذلك أحياء بأكملها، وألحقت أضرارًا أو دمرت ما يزيد عن 355,000 منزلًا فلسطينيًا”.

الأهم من ذلك، أن جنوب أفريقيا تضع الإبادة الجماعية الإسرائيلية في سياقها بالإشارة إلى “السياق الأوسع لسلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين من خلال نظام الفصل العنصري الذي دام 75 عامًا، واحتلالها الحربي للأراضي الفلسطينية الذي دام 56 عامًا، وحصارها المستمر لغزة منذ 16 عامًا”. والجدير بالذكر أن الملف ينص على أن “أعمال الإبادة الجماعية تشكل حتمًا جزءًا من سلسلة متصلة”، مع التركيز على أهمية فهم الأحداث الجارية من منظور الاحتلال الإسرائيلي والقهر والاستعمار، وليس من خلال أحداث 7 أكتوبر بشكل ضيق.

ينصب التركيز الأساسي للوثيقة على الهجوم الإسرائيلي على غزة، مع إشارة محدودة إلى الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، بالإضافة إلى الهجمات التي شنتها حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر). وبينما يدين الملف تلك الهجمات، فإنه يؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك أي مبرر لانتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية، كما تم توثيقه في الهجوم الإسرائيلي.

يفصّل ملف جنوب أفريقيا بشكل موسع في عدة فئات من أعمال الإبادة الجماعية ضمن تحليل الفعل الإجرامي، ويشمل ذلك قتل الفلسطينيين في غزة، مما سبب لهم أذى جسديًا وعقليًا خطيرًا، وفرض ظروف معيشية عليهم تهدف إلى تدميرهم جسديًا. وتُعزى هذه الأفعال إلى إسرائيل، التي لم تفشل في منع الإبادة الجماعية فحسب، بل ترتكب بنشاط الإبادة الجماعية. علاوة على ذلك، انتهكت إسرائيل وما زالت تنتهك الالتزامات الأساسية الأخرى بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، بما في ذلك “الإخفاق في منع أو المعاقبة على التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية من قبل كبار المسؤولين الإسرائيليين وغيرهم”. ويفصّل الملف في ذكر حقائق وإحصائيات تسلط الضوء على مدى الضرر الذي قامت به إسرائيل، على سبيل المثال، كدليل على أعمال الإبادة الجماعية:

وبحسب ما ورد، قُتل ما يزيد على 21,110 فلسطينيا منذ أن بدأت إسرائيل هجومها العسكري على غزة، وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية، ويُعتقد أن 70% منهم على الأقل من النساء والأطفال. وتم الإبلاغ عن وجود ما يقدر بنحو 7,780 شخصًا إضافيًا، بما في ذلك ما لا يقل عن 4,700 امرأة وطفل، في عداد المفقودين، ويفترض أنهم ماتوا تحت أنقاض المباني المدمرة – أو يموتون ببطء – أو يتحللون في الشوارع حيث قتلوا.

يستخدم تحليل القصد الجنائي (النية) مجموعة متنوعة من التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الإسرائيليون كدليل على نية الإبادة الجماعية. وتشير جنوب أفريقيا إلى التصريحات المتكررة التي أدلى بها ممثلو الدولة الإسرائيلية، بما في ذلك تلك التي تتضمن نوايا صريحة من كل من رئيس الوزراء والرئيس، فضلا عن التصريحات التي يمكن من خلالها استنتاج نية الإبادة الجماعية فيما يتعلق بسير العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة.

وتجدر الإشارة إلى الاهتمام الكبير الذي حظيت به تقارير المقررين الخاصين ومجموعات العمل التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وبعثات تقصي الحقائق. وفي حين أن هذا لم يتم استخدامه على نطاق واسع في القضايا السابقة المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، فمن المأمول أن تنظر المحكمة بشكل إيجابي إلى هذه الأدلة بسبب الجودة العالية والطبيعة الغنية بالمعلومات لتقارير الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن الطلب يؤكد اعتماده على البيانات والتقارير الواردة من رؤساء وهيئات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية وشهود العيان من غزة، بما في ذلك الصحفيين الفلسطينيين على الأرض، إلا أنه كان يميل في الغالب نحو المصادر الدولية مثل: الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، بدلاً من الاعتماد على نطاق واسع على المصادر الفلسطينية.

ومن خلال قراءة الملف، يتضح أن نية جنوب أفريقيا كانت التركيز على الأمر بالإجراءات المؤقتة لوقف العنف المستمر. ومن المهم أن التركيز الأساسي في هذه المرحلة ينصب على إثبات أن الأفعال “يمكن أن تندرج ضمن أحكام الاتفاقية”. وهذا يعني أنه بدلاً من إثبات حالة الإبادة الجماعية برمتها، يجب على جنوب أفريقيا أن تثبت أن الوضع الحالي يمكن أن يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، مما يجعل في النهاية عتبة عبء الإثبات أكثر سهولة.

 

العناوين والعناوين الفرعية التي تضمنها الملف:

أولا: المقدمة

ثانيا: اختصاص المحكمة

ثالثا: الحقائق

1 المقدمة

  1. خلفية

 قطاع غزة

الضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية)

الهجمات التي وقعت في إسرائيل في 7 أكتوبر 2023

  1. أعمال الإبادة الجماعية المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني

قتل الفلسطينيين في غزة

التسبب في أضرار جسدية وعقلية جسيمة للفلسطينيين في غزة

الطرد الجماعي من المنازل وتهجير الفلسطينيين في غزة

حرمان الفلسطينيين من الحصول على الغذاء والماء الكافي

حرمان الفلسطينيين في غزة من الوصول إلى المأوى الملائم والملابس والنظافة والصرف الصحي

الحرمان من المساعدات الطبية الكافية للفلسطينيين في غزة

تدمير الحياة الفلسطينية في غزة

فرض إجراءات تهدف إلى منع الولادات الفلسطينية

  1. التعبير عن نية الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني من قبل مسؤولي الدولة الإسرائيلية وآخرين
  2. تحديد نية إسرائيل الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين

رابعا: ادعاءات جنوب أفريقيا

خامسًا: التدخل المطلوب

سادسا: طلب اتخاذ تدابير مؤقتة

  1. الظروف القاهرة تتطلب اتخاذ التدابير المؤقتة
  2. الاختصاص الظاهر للمحكمة
  3. الحقوق المطلوب حمايتها وطبيعتها المعقولة والارتباط بين هذه الحقوق والتدابير المطلوبة
  4. خطر الخلل الذي لا يمكن إصلاحه والاستعجال
  5. التدابير المؤقتة المطلوبة

سابعا: حفظ الحقوق

ثامنا: تعيين الوكلاء

 

أسئلة وأجوبة

ما هي محكمة العدل الدولية؟

محكمة العدل الدولية (ICJ) هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. ويتمثل دورها في تسوية المنازعات القانونية المقدمة من دولة أو أكثر وفقًا للقانون الدولي وإبداء الرأي الاستشاري بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إليها الجمعية العامة للأمم المتحدة (UNGA) أو مجلس الأمن (UNSC).

تتألف محكمة العدل الدولية من 15 قاضياً، كل منهم يحمل جنسية مختلفة، يتم انتخابهم لمدة تسع سنوات من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (المادة 3 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية). ويجب أن يتم توزيع القضاة جغرافيًا بشكل عادل واختيارهم بطريقة تكفل تمثيل النظم القانونية الرئيسية في العالم (المادة 9 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية). يقع مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي، هولندا.

تم إنشاء محكمة العدل الدولية بموجب ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بعد أن أصدرت القوى المتحالفة (الصين والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) إعلانًا مشتركًا يعترف بضرورة “إنشاء منظمة دولية عامة، في أقرب وقت ممكن، تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول المحبة للسلام، وتكون مفتوحة لعضوية جميع هذه الدول، كبيرها وصغيرها، لصون السلام والامن الدوليين”.

 

ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟

في حين أن محكمة العدل الدولية هي محكمة مدنية لتسوية النزاعات بين الدول، فإن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة جنائية لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم العدوان والجرائم ضد الإنسانية.

تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002 من خلال نظام روما الأساسي لعام 1998، الذي أسس لأربع جرائم دولية أساسية – الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان – ومحكمة لمحاكمة هذه الجرائم. إسرائيل ليست طرفا في نظام روما الأساسي، ولكن تم قبول فلسطين كدولة طرف في نظام روما الأساسي في عام 2015. وعلى هذا النحو، يمكن أن تقع الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. في 3 مارس 2021، أعلن المدعي العام عن فتح التحقيق في الوضع في دولة فلسطين. ويمكنك العثور على مزيد من المعلومات حول هذا الموضوع هنا.

 

لماذا تقوم جنوب أفريقيا بتوجيه تهمة الإبادة الجماعية إلى إسرائيل؟

كما هو موضح في المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (“اتفاقية الإبادة الجماعية”)، تشتمل الإبادة الجماعية على عنصرين:

الركن العقلي (القصد الجنائي): “التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه”؛ و

الركن المادي (actus reus): ويتضمن الأفعال الخمسة التالية:

(أ) قتل أعضاء من الجماعة.

(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

(ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.

(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

وتزعم جنوب أفريقيا في الطلب المقدم من طرفها أن تصرفات إسرائيل في غزة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، حيث تستهدف الشعب الفلسطيني – الجماعة الفلسطينية في قطاع غزة. وتشمل أعمال الإبادة الجماعية المزعومة قتل الفلسطينيين، والتسبب في أضرار جسدية وعقلية خطيرة، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدميرهم جسديًا. وتؤكد جنوب أفريقيا أن هذه الأفعال تنسب إلى إسرائيل، التي فشلت في منع الإبادة الجماعية وتنتهك اتفاقية الإبادة الجماعية. ويشير الطلب إلى أعمال محددة قامت بها إسرائيل، مثل قتل الأطفال الفلسطينيين، والتهجير الجماعي، وتدمير المنازل، والحرمان من الضروريات الأساسية، والتدابير التي تعيق الولادات الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، يسلط الضوء على استهداف جامعات غزة وتدمير المراكز الثقافية.

 

جنوب أفريقيا لم تتأثر بشكل مباشر من الإبادة، فكيف يمكن رفع هذه القضية؟

تؤكد جنوب أفريقيا موقفها القانوني في القضية الحالية استنادا إلى مبدأ erga omnes parts. يسمح هذا المبدأ لجميع الدول بالاحتجاج بقواعد المسؤولية الدولية التي يمكن الاستناد إليها بسبب أن دولة أخرى قامت بأفعال غير قانونية، إذا كانت تلك الأفعال تمثا انتهاكا “لالتزام يعد واجباً تجاه المجتمع الدولي ككل” (المادة 48 (6) من ﻣﺸﺎرﻳﻊ اﻟﻤﻮاد اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﻤﺴﺆوﻟﻴﺔ اﻟﺪول ﻋﻦ اﻷﻓﻌﺎل ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ دوﻟﻴﺎ).

وفي سياق اتفاقية الإبادة الجماعية، تشترك جميع الدول الأطراف في الاتفاقية في مصلحة جماعية في منع أعمال الإبادة الجماعية وضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الأفعال من العقاب. والحجة الأساسية هي أن واجب منع الإبادة الجماعية والتصدي لها يتجاوز العلاقات الثنائية، ويشكل مسؤولية تجاه المجتمع الدولي برمته. وتؤكد هذه الاستراتيجية القانونية خطورة الجريمة وتؤكد الالتزام المشترك للدول بمحاسبة مرتكبيها ومنع وقوع مثل هذه الأفعال الشنيعة.

 

من هم الفرق القانونية التي تمثل جنوب أفريقيا وإسرائيل؟

جنوب أفريقيا: جون دوجارد، ماكس دو بليسيس، تمبيكا نجكوكايتوبي، عديلة هاشم

مساعدين: سارة بوديفين جونز، ليراتو زيكالالا، تشيديسو راموغالي

مساعدين خارجيين: بلين ني غرالاي، فوغان لوي

القاضي الخاص: ديكغانغ موسينيكي

إسرائيل: مالكولم شو

القاضي الخاص: أهارون باراك

* القضاة الخاصون: وفقًا للفقرتين 2 و3 من المادة 31 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، عندما لا يكون لدولة طرف في قضية معروضة على محكمة العدل الدولية قاضٍ من جنسيتها في هيئة المحكمة، يكون لها الحق في تعيين شخص ليكون بمثابة قاض خاص لتلك القضية المحددة. ونتيجة لذلك، قامت كل من جنوب أفريقيا وإسرائيل باختيار قضاة خاصين للانضمام لمحكمة العدل الدولية في هذه القضية.

 

لماذا تطالب جنوب أفريقيا بـ «تدابير مؤقتة»؟

التدابير المؤقتة هي سبل انتصاف مؤقتة تُمنح في ظروف خاصة لتجنب أي إجراء قد يؤدي إلى تفاقم النزاع أو اتساعه، في الوقت الذي تستمر فيه إجراءات المحكمة في المرحلة التالية. وهي تعادل تقريبًا الأوامر القضائية المؤقتة في المحاكم الوطنية (الإجراءات المستعجلة)، ولها الأولوية على جميع القضايا الأخرى المعروضة على محكمة العدل الدولية بسبب إلحاحها. وهنا، تطلب جنوب أفريقيا من المحكمة أن تأمر ب تدابير مؤقتة في ضوء أعمال الإبادة الجماعية المستمرة والمتصاعدة التي ترتكبها إسرائيل.

بموجب المادة 41 (1) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، “تكون للمحكمة صلاحية الإشارة، إذا رأت أن الظروف تتطلب ذلك، إلى أي تدابير مؤقتة ينبغي اتخاذها للحفاظ على حقوق أي من الطرفين.”

وتقول جنوب أفريقيا إن التدابير المؤقتة ضرورية في هذه القضية “للحماية من المزيد من الضرر الشديد وغير القابل للإصلاح لحقوق الشعب الفلسطيني بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، والتي لا يزال يتم انتهاكها مع استمرار الإفلات من العقاب”. في حين أن هذا لا يتعلق بشكل مباشر بـ «الحقوق الخاصة لأي من الطرفين»، فإن جنوب أفريقيا تستخدم مبدأ erga omnes partses، أو مبدأ «الالتزامات تجاه الجميع»، لتقديم هذا الطلب.

 

ما الفرق بين جريمة الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة الأخرى؟

تشمل الجرائم الفظيعة في القانون الدولي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، والتي تم تحديدها في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، ونظام روما الأساسي لعام 1998. جرائم الحرب هي انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني في أوقات الحرب ضد المدنيين أو المقاتلين، في حين أن الجرائم ضد الإنسانية هي «هجمات واسعة النطاق أو منهجية موجهة ضد أي مجموعة من السكان المدنيين». وتختلف جريمة الإبادة الجماعية عن هذه الجرائم الأخرى من حيث أنها تتطلب نية خاصة (dolus Specialis) – «نية تدمير… مجموعة».

وتقول جنوب أفريقيا في طلبها إن هذه النية الخاصة لتدمير الفلسطينيين في غزة قد تجلت في التصريحات التي أدلى بها المسؤولون والسياسيون والقادة العسكريون والصحفيون الإسرائيليون (وكما يظهر في قاعدة البيانات التي أنشأتها القانون من أجل فلسطين).

وتتعزز هذه النية الخاصة أيضًا من خلال أفعال إسرائيل وإغفالاتها تجاه أعمال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. وعلى حد تعبير الطلب، فإن أفعال إسرائيل وإغفالاتها ترتكب “مع النية المحددة المطلوبة (dolus Specialis) لتدمير الفلسطينيين في غزة كجزء من المجموعة الوطنية والقومية والإثنية الفلسطينية الأوسع”.

 

ما هو الفرق بين النية الجرمية (الركن المعنوي) والفعل الجرمي (الركن المادي)؟

يعد كلا النية الجرمية (الركن المعنوي) والفعل الجرمي (الركن المادي) عنصرين مطلوبين بموجب القانون لاعتبار أن هناك جريمة. وينطبق هذا على الجرائم التي تقع ضمن نطاق الولايات القضائية الوطنية، وأيضا بموجب القانون الدولي. ومع ذلك، يمكن أن يختلف الركن المادي والركن المعنوي للجرائم بين البلدان ويؤدي إلى اختلافات في القوانين المتشابهة للغاية، على سبيل المثال، لا يوجد مفهوم “درجات” للقتل في المملكة المتحدة كما هو موجود في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن القتل يعتبر جريمة في كلا البلدين.

الفعل الإجرامي هو الركن المادي الذي عادة ما يكون مطلوبًا لوجود جريمة، على سبيل المثال، في معظم الولايات القضائية الوطنية، القتل هو فعل قتل شخص ما بشكل غير قانوني.

الركن المعنوي هو العنصر العقلي أو النفسي الذي يشكل الجريمة. على سبيل المثال، في معظم الولايات القضائية، يعد القتل جريمة تتطلب النية، ولا يمكن عادةً ارتكابها عن طريق الخطأ – لذلك يجب أن تنوي ارتكاب جريمة قتل حتى يتم إدانتك بارتكاب جريمة القتل لقتل شخص بشكل غير قانوني.

يتم تحديد الركن المادي للإبادة الجماعية بموجب المادة 2 من اتفاقية الإبادة الجماعية على أنه الأفعال التي تهدف إلى تدمير مجموعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، كليًا أو جزئيًا، وذلك من خلال أساليب: قتل أفراد الجماعة؛ التسبب في ضرر جسدي أو عقلي خطير لأعضاء الجماعة؛ تعمد فرض ظروف معيشية على الجماعة بهدف تدميرها الجسدي كليًا أو جزئيًا؛ فرض تدابير تهدف إلى منع الولادات داخل الجماعة؛ أو نقل أطفال الجماعة قسراً إلى مجموعة أخرى.

يتم تعريف القصد الجنائي للإبادة الجماعية أيضًا في المادة 2 من اتفاقية الإبادة الجماعية، ويعني ببساطة أن الأفعال المدرجة في الركن المادي يجب أن تُرتكب بقصد تدمير جماعة موجودة، إما كليًا أو جزئيًا. مثل القتل، يجب أن تنوي ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية (أن تنوي القضاء على الشعب الفلسطيني) لتكون مذنبًا بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

 

ما المطالب المحددة التي قدمتها جنوب أفريقيا في هذه القضية؟

وفي هذه القضية، قدمت جنوب أفريقيا المطالب المحددة التالية:

  • الوقف الفوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وضدها.
  • التأكد من أن أي وحدات مسلحة عسكرية أو غير نظامية خاضعة لسيطرة إسرائيل، وكذلك المنظمات والأفراد الخاضعين لسيطرتها، لا تتخذ أي خطوات لتعزيز العمليات العسكرية المذكورة في الطلب الأول.
  • يجب على كل من جنوب أفريقيا وإسرائيل، وفقا لالتزاماتهما بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، اتخاذ جميع التدابير المعقولة في حدود سلطتهما لمنع الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
  • إسرائيل مطالبة بالكف عن ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، بما في ذلك قتل أعضاء الجماعة الفلسطينية، والتسبب في أذى جسدي أو عقلي خطير، وتعمد إلحاق أحوال معيشية تؤدي إلى التدمير الجسدي، وفرض تدابير لمنع الولادات داخل الجماعة.
  • يجب على إسرائيل أن توقف إجراءاتها، بما في ذلك إلغاء الأوامر والقيود والمحظورات ذات الصلة، لمنع الطرد والتهجير القسري والحرمان من الوصول إلى الغذاء والماء والمساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية وتدمير حياة الفلسطينيين في غزة.
  • التأكد من أن الجيش الإسرائيلي أو الوحدات المسلحة غير النظامية أو الأفراد المتأثرين به لا يرتكبون الأفعال الموصوفة في المطلبين 4 و5، واتخاذ خطوات نحو العقاب في حالة حدوث مثل هذه الأفعال.
  • يجب على إسرائيل اتخاذ تدابير فعالة لمنع تدمير وضمان الحفاظ على الأدلة المتعلقة بمزاعم ارتكاب أفعال ضمن نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، وبما يضمن السماح لبعثات تقصي الحقائق والجهات الدولية بالوصول إلى غزة لهذا الغرض.
  • تقديم تقرير إلى المحكمة بجميع الإجراءات المتخذة لتنفيذ الأمر خلال أسبوع من صدوره، وعلى فترات منتظمة حتى صدور القرار النهائي في القضية.
  • يجب على إسرائيل الامتناع عن أي عمل قد يؤدي إلى تفاقم النزاع المعروض على المحكمة أو إطالة أمده أو يجعل حله أكثر صعوبة.

 

ماذا سيحدث بعد ذلك؟

بعد بدء جلسة الاستماع، يتسم الجدول الزمني للقضية بإعطائه الأولوية والمعالجة السريعة لطلبات التدابير المؤقتة، والتي غالبًا ما تستغرق أسابيع فقط. وستشرف لجنة مخصصة على قرار المحكمة بشأن الإجراءات المؤقتة، ويظل القرار المؤقت قائمًا حتى صدور حكم نهائي في القضية.

ومع ذلك، هناك تعقيد محتمل. حيث من المقرر أن يتنحى بعض القضاة في فبراير/شباط القادم، حيث سينضم قضاة جدد إلى المحكمة. ولا يزال تأثير هذا التحول على الجدول الزمني للقضية غير مؤكد. ومن الضروري الإشارة إلى أن القرارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية لها وزن كبير، كونها ملزمة ونهائية للدول الأطراف المعنية في القضية. وهذه القرارات لا يوجد استئناف عليها، وذلك على النحو المنصوص عليه في المادة 94 (1) من ميثاق الأمم المتحدة والمادة 60 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.

 

ما المدة التي من المتوقع أن تستغرقها المحكمة قبل إصدار حكمها؟

نظرًا لطلب جنوب أفريقيا باتخاذ تدابير مؤقتة، سيتم الاستماع إلى المرافعات الشفهية الأولية خلال الفترة من 11 إلى 12 يناير/كانون ثاني 2024، وخاصة بشأن التدابير المؤقتة. وستبت المحكمة في هذه الإجراءات خلال الأيام التالية. وفي القضيتين الأخريين المنظورتين أمام محكمة العدل الدولية ضمن اتفاقيات الإبادة الجماعية، لدينا قضية غامبيا ضد ميانمار وأوكرانيا ضد روسيا، أمرت المحكمة باتخاذ التدابير المؤقتة في القضية الأولى بعد حوالي 40 يومًا وفي القضية الثانية بعد 8 أيام من جلسات الاستماع العامة لاتخاذ التدابير المؤقتة.

وبغض النظر عما هو القرار في التدابير المؤقتة، فإن القضية ستمضي قدما في محكمة العدل الدولية. وقد تضغط إسرائيل من أجل رفض مبدئي للقضية في هذه المرحلة، ولكن فقط على أساس الاختصاص القضائي. وعلى افتراض عدم تقديم إسرائيل أي مطالبة بشأن الاختصاص، أو أن المحكمة ترفض أي مطالبات من هذا النوع تقدمها إسرائيل، سيتم النظر في القضية من قبل محكمة العدل الدولية في الوقت المناسب، ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه يمكن أن تمر سنوات بين الادعاءات الأولية وجلسات الاستماع الرسمية بشأن موضوع القضية.

 

هل يتعين على إسرائيل الالتزام بقرار المحكمة؟

تنص المادة 94 (1) من الفصل الرابع عشر من ميثاق الأمم المتحدة على أن “يتعهد كل عضو في الأمم المتحدة بالامتثال لقرار محكمة العدل الدولية في أي قضية يكون طرفا فيها”. وتنص المادة 94 (2) على أنه في حالة عدم الامتثال، “يجوز لمجلس الأمن، إذا رأى ضرورة لذلك، أن يقدم توصيات أو يقرر التدابير التي يتعين اتخاذها لتنفيذ الحكم”.

علاوة على ذلك، يمكن للطرف الذي يشعر بوجود عدم امتثال لحكم محكمة العدل الدولية أن يعرض ذلك أيضًا على الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب المواد 10 و11 و14 و22 و35 من الميثاق، وأيضا فيما يتعلق بأحكام القرار 377 المعروفة عموما باسم “الاتحاد من أجل السلام”.

ومن واجب الأمين العام للأمم المتحدة أيضًا ضمان الامتثال للحكم عملاً بالمادتين 98 و99 من ميثاق الأمم المتحدة.

ومع ذلك، يوجد نقص ملحوظ في التنفيذ الفعال لأوامر محكمة العدل الدولية، وقد رأينا الدول تتجاهل محكمة العدل الدولية بشكل متزايد. ومن بين القضايا التوضيحية قضية لاجراند، التي استمعت إليها محكمة العدل الدولية في عام 2001. فقد انحازت المحكمة إلى طلب ألمانيا تعليق عقوبة الإعدام بحق المواطنين الألمان المحتجزين في الولايات المتحدة. ومن خلال اعتبار التدابير المؤقتة ملزمة قانونًا، حاولت محكمة العدل الدولية ممارسة سلطتها. ومع ذلك، اختارت الولايات المتحدة تجاهل أوامر المحكمة هذه وإعدام المواطنين الألمان، في تحدٍ لأوامر محكمة العدل الدولية. ولم يكن هناك أي تداعيات أو توبيخ حقيقي نتيجة لعدم امتثالها.

وفي الآونة الأخيرة، في مارس/آذار 2022، أمرت المحكمة روسيا بتعليق غزوها المستمر لأوكرانيا ردًا على طلب أوكرانيا اتخاذ تدابير مؤقتة في قضيتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية. ومن الواضح أن هذا لم يحدث، لكن عددًا من الدول فرضت عقوبات على روسيا بسبب الغزو غير القانوني. إذا اختارت إسرائيل عدم الامتثال لأي حكم من محكمة العدل الدولية، يمكننا أن نأمل أن تنفذ الدول العقوبات أو تستخدم أساليب أخرى كتوبيخ لعدم الامتثال، ولكن ليس هناك ضمان مطلق.

غير أنه من الأهمية بمكان التأكيد على أن أمر محكمة العدل الدولية ملزم قانونًا للأطراف، وتجاهله يضع عبئًا كبيرًا على الدولة غير الممتثلة له. بالإضافة إلى ذلك، تاريخيًا، واجهت الدول المتهمة بالإبادة الجماعية عزلة دولية، مما أثر على العلاقات الدبلوماسية والدعم، نظرًا لأن الإبادة الجماعية تعتبر “جريمة الجرائم”.

 

هل يستطيع مجلس الأمن استخدام حق النقض ضد قرار محكمة العدل الدولية؟

لا، لا يمكن لدولة ما أن تستخدم حق النقض ضد قرار محكمة العدل الدولية لأن هذه القرارات تنشئ التزامات ملزمة قانونًا. ومع ذلك، يتمتع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بناءً على طلب الدولة المتضررة، بسلطة اتخاذ تدابير خاصة لإنفاذ الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية (المادة 94 (2) من ميثاق الأمم المتحدة). ونظرًا لدعم الولايات المتحدة المستمر وغير المشروط على ما يبدو لإسرائيل، لا يمكننا أن نتوقع أي إجراء من مجلس الأمن الدولي.

لتحميل ملف ملخص القضية والأسئلة الشائعة رجاء النقر هنا

للوصول إلى الملف الكامل والمؤلف من 84 صفحة والذي قدمته جنوب أفريقيا، رجاء النقر هنا

___________________________________

قضية الإبادة الجماعية في غزة: ملخص شامل لمعركة جنوب أفريقيا القانونية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية ... ملخص القضية والأسئلة الشائعة، القانون من أجل فلسطين، 10 يناير 2024، https://2u.pw/cadbm0b

صدر هذا الكتاب عن مطبعة المعارف بالقاهرة في عام 1318هـــ/ 1900م، لمؤلفه أحمد فتحي زغلول (فبراير 1863م - 27 مارس 1914م)، وهو الشقيق الأصغر للزعيم سعد زغلول. ويُعد أحمد فتحي زغلول أحد رجال القانون والقضاء، ومن رواد الترجمة، بجانب اهتمامه بالصحافة والسياسة، وعلى الرغم من ذلك فإن مشاركته كقاض في محكمة دنشواي عام 1906م -فضلا عن علاقته القوية باللورد كرومر المعتمد السامي البريطاني- كان لها أثرها القاتم على تاريخه وسيرته وأعماله.

ويُعد هذا الكتاب من بين الكتب القيمة التي تحدثت عن مهنة المحاماة، ولقد بين المؤلف سبب رغبته في تأليف هذا الكتاب قائلاً: "أما بعد فقد عثرت ذات يوم على بعض وريقات فيها شيءٌ مما جرى للمحامين في أيام حكم المرحوم محمد علي باشا، وكنت إذ ذاك أشتغل بالمحاماة عن بعض مصالح الحكومة في قلم قضايا الداخلية فاتجهت رغبتي من ذلك الحين إلى جمع ما يتعلق بهذه الطائفة من الأحكام. وكان الطريق متعبًا إلا أني ما زلت أواصل البحث فيهِ حتى وصلت إلى بعض المراد".

ولقد سعى المؤلف من خلال هذا الكتاب إلى بيان تاريخ صناعة المحاماة عبر العصور المختلفة، مع بيان لشرح أفكار الأمم فيما يتعلق بهذه المهنة الجليلة التي تساعد القضاء في تحقيق العدالة. وفي سبيل إنجاز هذا الكتاب على النحو المأمول فقد سعى للحصول على المعلومات والمراجع والدفاتر والأوراق الموجودة في نظارة الداخلية في محفوظات الدفترخانة المصرية.

محتويات الكتاب:

قسم المؤلف هذه الدراسة إلى مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة، وذلك على النحو التالي:

  • المقدمة:

جاءت المقدمة لبيان تاريخ المحاماة عبر العصور المختلفة، حيث أكد في هذه المقدمة على أن حق الدفاع قديم وُجد منذ وُجدت الخصومة، وهي من لوازم الاجتماع ولابد فيها من الهجوم والدفاع، وقد يختلط الأمر على طالب أحدهما فيركن إلى من يأتمنه في حقوقه، وهذا يرشده برأيه ويعمل لنصرته ويدفع عنه مخاصمه، وقد وجد عند جميع الأمم في جميع الأزمان رجال تضلعوا من القانون وقصروا عملهم على مساعدة المتخاصمين بإبداء المشورة لهم أو بالدفاع عنهم أمام القضاء، وقد وُجد هو أيضًا مع وجود الأمم تبعًا لوجود الخصومة فهو كذلك من لوازم الاجتماع.

  • الباب الأول: المحاماة في الزمن الحاضر

خصص المؤلف هذا الباب لشرح شأن المحاماة في كل بلد من البلاد التي توجد فيها، ولقد استطاع المؤلف أن يصل من خلال هذا الباب إلى أن مهنة المحاماة أصبحت من أكبر نظامات الأمم، وأصبح أهلها من أعظم طبقات الفضل والأدب، لهم جمعيات ومنتديات يتبادلون فيها الآراء ويخوضون غمار المباحث والغرض منها كلها واحد هو ترقية شأن تلك الصناعة وأحكام نظامها.

  • الباب الثاني: المحاماة في البلاد المصرية

سعى المؤلف من خلال هذا الباب إلى بيان مهنة المحاماة في الأمة المصرية من عهد المرحوم محمد علي باشا إلى يوم افتتاح المحاكم الأهلية، كما تناول مختصر تاريخ القضاء، وتأسيس الحكومة المصرية، وتشكيل دواوينها ومصالحها من سنة ١٢٢٥ هجرية.

  • الباب الثالث: المحاماة أمام المحاكم (الجديدة- المختلطة- الأهلية)

حيث تناول هذا الباب نظام المحاماة من عهد تشكيل تلك المحاكم إلى الآن وفيه شرح اللائحة المعمول بها الآن شرحًا وافيًا.

  • الباب الرابع: عموميات

جاء هذا الباب في عموميات ترجع إلى بيان علاقة المحاماة بالقضاء ورابطة المحامين بالقضاة وما يتعلق بذلك من الحقوق والواجبات وكيفية أداء صناعة المحاماة من مرافعات وتحرير مذكرات واستشارة وتحكيم ونقل أقوال المؤلفين والعلوم التي تلزم معرفتها والخاتمة في بيان أخلاق المحامي، ويلي ذلك ملحقات أثبت فيها قانون السياستنامة وقانون المنتخبات والقانون الهمايوني، وأهم اللوائح والأوامر المتعلقة باختصاص المحاكم وكيفية سيرها مما جاء ذكرهُ بالباب الثاني.

  • الخاتمة:

وفي نهاية الكتاب توصل المؤلف إلى عدد من التوصيات، والتي يمكن إجمالها تحت عنوان ما ينبغي أن تكون عليه أخلاق المحامي، ومن هذه التوصيات على سبيل المثال لا الحصر:

  • ينبغي للمحامي أن يجمع بين مزيتين: حسن المنطق ودقة التحرير من جهة، ومعرفة القانون من جهة أخرى.
  • ينبغي للمحامي أن يتحلى بفضيلتين: حب نصرة المظلوم، والاستهانة بظلم الظالم.
  • يتعين على المحامي أن يكون خالص النصح كتومًا أمينًا بعيدًا عن التغرير وأبعد عن الخيانة.
  • يجب على المحامي أن يجمع إلى علو المدركة طهارة الاحساس، وصفاء الضمير، وسلامة النية والأمانة في الأعمال، والتنزه عن النقائص في الأقوال.
  • يجب أن يزيد المحامي على ما سبق أن يهب نفسه، وما أتاه الله من الهبات، وما أودع فيه من عظيم الملكات إلى خير مواطنيه، والانكباب على درس القانون ليبين للناس ما اختلفوا فيه.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

"إذا أردنا أن نضع قائمة بأسماء أهم الأساتذة المؤسسين لفقه القانون المدني فلا شك أن الدكتور عبد المنعم البدراوي سيكون من أبرز أسماء هذه القائمة، وإذا أردنا أن نضع قائمة بأسماء الأساتذة الذين كان لهم دور مشهود في تأسيس ونهضة كليات القانون بل والجامعات، فلا شك أن الدكتور عبد المنعم البدراوي سيكون من المتصدرين لهذه القائمة، وإذا أردنا أن نضع قائمة بأسماء الأساتذة الذين كانوا مخلصين للتدريس ولا يلهيهم عنه منصب أو عمل آخر فلا شك أننا سنجد الدكتور عبد المنعم البدراوي في صدارتها، وقد كان الدكتور البدراوي كل هؤلاء في آن واحد".

هكذا كان تقديم أستاذ وائل أنور بندق لدراسته عن السيرة الذاتية للدكتور عبد المنعم البدراوي أحد أعلام القانون المدني وفقهائه، والتي نشرت ضمن الكتاب التذكاري الذي أهدته كلية الحقوق بجامعة المنصورة إلى روح الفقيه أ. د. عبد المنعم البدراوي عام 2023م، وهو الكتاب الذي اشتمل على عدد من الأبحاث لكوكبة من أعلام القانون عن الفقيه الكبير.     

وفي الحقيقة أن من ينظر إلى سيرة الدكتور عبد المنعم البدراوي سيجد بطبيعة الحال أنها سيرة عطرة مليئة بالجد والاجتهاد، والعطاء على مدار حياته.

ويتضح ذلك من خلال إسهاماته العلمية القيمة؛ ومن هذه الإسهامات: رسالته للدكتوراه بعنوان "أثر مضي المدة في الالتزام"، وفي مجال تاريخ القانون له مؤلفان؛ أحدهما بعنوان: "تاريخ القانون الروماني"، والثاني بعنوان: "مبادئ القانون الروماني"، وفي مجال المدخل للدراسات القانونية له مؤلفات عديدة منها: المدخل للقانون الخاص، والنظرية العامة للقانون، والمدخل للعلوم القانونية، ومبادئ القانون، وفي مجال نظرية الالتزام ألف –رحمه الله- النظرية العامة للالتزامات "دراسة مقارنة في القانون المدني المصري وقانون الموجبات والعقود اللبناني"، ودروس في القانون المدني "في مصادر الالتزام- المصادر غير الإرادية"، وفي مجال العقود المسماة له العديد من المؤلفات منها عقد البيع في القانون المدني، والوجيز في عقد البيع، والتأمين في القانون المدني المصري والمقارن، والعقود المسماة "الإيجار والتأمين"، وفي مجال نظرية الحق العيني ألف كتاب بعنوان "شرح القانون المدني في الحقوق العينية الأصلية"، وكتاب بعنوان: "التأمينات العينية"، وكتاب أيضًا بعنوان: "حق الملكية".

وبجانب إسهاماته العلمية في مجال التأليف، فقد أشرف سيادته على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير، ويكمن دوره وإسهاماته في مجال الشريعة الإسلامية أنه أشرف على مجموعة من الدراسات المقارنة بين التشريع الإسلامي والنظم القانونية الوضعية، وهي الدراسات التي أصدرها مركز تبادل القيم الثقافية بالشعبة القومية لليونسكو، وقد نشرت في خمسة مجلدات عام 1978م.

ومن الرسائل العلمية التي ربطت بين مجال القانون والشريعة الإسلامية، والتي أشرف عليها دكتور عبد المنعم البدراوي ما يلي:

  • أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام للدكتور عبد الكريم زيدان، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1962م.
  • نظرية العقد الموقوف في الفقه الإسلامي "دراسة مقارنة" للدكتور عبد الرازق حسن فرج، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1968م.
  • إجازة التصرفات: دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني اليمني والمصري للباحث محمد محمد محمد إسماعيل الغشم، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1995م.
  • التعويض القضائي عن الأضرار التي تقع على الأشخاص "دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون" للدكتور: طه عبد المولى طه إبراهيم، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، 2000م.
  • الفوائد التأخيرية القانونية "دراسة مقارنة بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية" للدكتور عبد الحميد نجاشي عبد الحميد الزهيري، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، 2001م.

 

 

 

رابط مباشر لتحميل سيرة ومسيرة دكتور عبد المنعم بدراوي

يُعد كتاب "مصادر الحق في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة بالفقه الغربي الحديث" لمؤلفه العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري صرحًا قانونيًا وفقهيًا شاملًا يجمع بين كنوز الشريعة الإسلامية وأحدث النظريات القانونية الغربية. يتألف الكتاب من ستة أجزاء رئيسية، وقد جُمعت في طبعة مميزة على مجلدين؛ يضم المجلد الأول الأجزاء الثلاثة الأولى، بينما يحتوي المجلد الثاني على الأجزاء الرابع والخامس والسادس.

تعود أصول هذا العمل إلى سلسلة محاضرات ألقاها الدكتور السنهوري على طلبة قسم الدراسات القانونية في مصر خلال العامين الدراسيين 1953 - 1954م. ويهدف المؤلف من خلاله إلى تقديم دراسة معمقة لـ نظرية الحق، متناولًا الحقوق الشخصية والعينية والمالية، ومقارنتها بما استقر عليه الفقه الغربي الحديث، خاصة الفقه اللاتيني والجرماني.

يغطي الكتاب موضوعات قانونية وفقهية في غاية الدقة والأهمية، حيث تناول في أجزائه المختلفة نظرية العقد وصيغته، ويبحث في نظرية السبب ونظرية البطلان. كما فصل في عيوب الإرادة مثل الغلط والتدليس والإكراه، مقدمًا رؤية تحليلية نقدية توازن بين المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية) وبين القوانين المدنية الحديثة.

تكمن القيمة العلمية لهذا الكتاب في سعي السنهوري الجاد لتأصيل المفاهيم القانونية المعاصرة من نبع الفقه الإسلامي، مبينًا أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما. وقد سعى من خلال هذا المنهج المقارن إلى إثبات مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب التطورات القانونية الحديثة، مما جعل هذا المؤلف مرجعًا لا غنى عنه للباحثين في القانون والقضاء والدراسات الإسلامية.

يُعد "الجزء الأول" من الكتاب حجر الأساس في هذه الموسوعة القانونية، حيث خُصص هذا الجزء لبحث مقدمة عامة حول نظرية الحق وتفصيل صيغة العقد، حيث بيَّن السنهوري أن مصادر الحق هي الأسباب التي تنشئ الحق قانونًا، وأن هذه المصادر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ الذمة المالية وما يترتب عليها من حقوق شخصية وعينية. ثم انتقل المؤلف بعد ذلك ليفصل في التفرقة الجوهرية بين الحق الشخصي (الالتزام) والحق العيني، موضحًا أن الحق الشخصي هو رابطة قانونية بين دائن ومدين يطالب بمقتضاها الدائن مدينه بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل؛ بينما يمثل الحق العيني سلطة مباشرة يمنحها القانون لشخص معين على عين بالذات. وقسم السنهوري الالتزامات في الفقه الإسلامي إلى أربعة أنواع رئيسية تشمل الالتزام بالدين، والالتزام بالعين، والالتزام بالعمل، والالتزام بالتوثيق. ووضح أن الفقه الإسلامي، رغم استخدامه لمصطلحات مغايرة أحيانًا للفقه الغربي، قد أحاط بكافة صور الالتزام هذه في تطبيقاته الفقهية الواسعة.

كما بحث السنهوري بعمق في نظرية الذمة، معتبرًا إياها وعاءً قانونيًا يضم ما للشخص من حقوق وما عليه من التزامات مالية حاضرة ومستقبلة. ويقارن في هذا الجزء بين مفهوم الذمة في الفقه الإسلامي وبين نظرية الذمة المالية في القانون المدني الحديث، خاصة في قضايا الديون والتركات، مبينًا أن الفقه الإسلامي يربط الذمة بالشخصية القانونية التي تؤهل الفرد لكسب الحقوق وترتيب الالتزامات. وتطرق أيضًا إلى الحقوق العينية الأصلية كحق الملكية التامة وحق الرقبة وحقوق الارتفاق، والحقوق العينية التبعية مثل حق الرهن وحق الحبس، مبينًا كيفية تدرج هذه الحقوق في الفقه الإسلامي من حيث تعلقها بالعين أو بالذمة.

وفيما يخص نظرية التصرف القانوني، بحث السنهوري في كيفية نشوء الالتزام عن طريق الإرادة المنفردة أو عن طريق العقد. ووضح أن الإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي تعد مصدرًا للالتزام في حالات محددة، ويقارن ذلك بما استقر عليه الفقه الغربي الحديث. كما فصل في أنواع الأعمال القانونية، مفرقًا بين الفعل المادي والتصرف القانوني، ويبحث في نظرية الضمان (المسؤولية المدنية) الناتجة عن الإتلاف أو الجناية على النفس وما دونها، مبينًا كيف أن الفقه الإسلامي وضع قواعد دقيقة لتعويض الأضرار المالية والمعنوية.

اختتم السنهوري هذا الجزء بالبحث المستفيض في صيغة العقد وتوافق الإرادتين، مركزًا على ركن التراضي باعتباره جوهر العقد. وفصل في طرق التعبير عن الإرادة، سواء كانت باللفظ باستخدام صيغة الماضي (وهي الأصل في انعقاد العقود شرعًا) أو صيغة المضارع، أو عن طريق الكتابة والإشارة المفهومة. كما تناول مفهوم التعاطي أو المعاطاة في العقود، وهو إبرام العقد عن طريق الفعل والمبادلة الفعلية دون استخدام الألفاظ، وبحث في أثر السكوت ومدى اعتباره تعبيرًا عن الرضا في حالات محددة، ليقدم بذلك رؤية متكاملة لصيغة العقد في المذاهب الفقهية الأربعة مقارنة بالنظريات القانونية الحديثة.

 

ركز "الجزء الثاني" من موسوعة السنهوري على ركن جوهري في النظرية العامة للالتزام، وهو توافق الإرادتين وصحة التراضي، حيث بحث هذا الجزء بعمق في كيفية انعقاد العقد وتلاقي الإرادات في مجلس العقد، مع تسليط الضوء على عيوب الإرادة وخيارات العقد في المذاهب الفقهية المختلفة مقارنة بالقانون المدني الحديث. استهل المؤلف هذا الجزء بدراسة مجلس العقد، موضحًا كيف ينعقد العقد بتطابق الإيجاب والقبول، ويبحث في مسائل دقيقة مثل التعاقد بين غائبين (عن طريق المراسلة أو الرسول) وأثر الموت أو فقد الأهلية قبل قبول الإيجاب، مبينًا الفروق بين الفقهاء المسلمين الذين يركزون على اتحاد المجلس وبين النظريات الغربية التي قد تكتفي بصدور القبول.

واستفاض السنهوري في تحليل حالات خاصة من التعاقد مثل عقد المزاد وعقد الإذعان والعربون؛ ففي عقد المزاد، بحث في تكييف "الإيجاب والقبول" وكيف أن العطاء يعد إيجابًا يسقط بعطاء أكبر، مستشهدًا بآراء الفقهاء في "بيع من يزيد". أما في عقود الإذعان، فتناول المؤلف دور القاضي في حماية الطرف الضعيف من الشروط التعسفية التي يفرضها المحتكر، مبينًا أن الفقه الإسلامي وضع قواعد صارمة لمواجهة الاحتكار وحماية المستهلكين. كما فصل في "العربون" مفرقًا بين القانون الذي يعتبره أداة للعدول عن العقد، وبين الفقه (خاصة الحنبلية) الذي يرى فيه جزءًا من الثمن في حال نفاذ العقد.

انتقل بعد ذلك إلى الركن الثاني في هذا الجزء وهو صحة التراضي وعيوب الإرادة، حيث حلل السنهوري -بالتفصيل- نظرية الغلط، مفرقًا بين الغلط في الشيء والغلط في الشخص. وضَّح المؤلف أن الغلط في الفقه الإسلامي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ "الوصف المرغوب فيه"، فإذا وقع الغلط في صفة جوهرية للشيء (مثل شراء إناء على أنه فضة فتبين أنه برونز)، فإن العقد قد يكون باطلًا أو قابلًا للإبطال حسب جسامة الغلط. وقارن هنا بين المعايير الموضوعية في الفقه الإسلامي والمعايير الذاتية في الفقه الغربي، موضحًا كيف سعى الفقهاء المسلمون لتحقيق استقرار التعاملات مع الحفاظ على رضا المتعاقدين.

كما تناول هذا الجزء التدليس والغبن، مبينًا أن الفقه الإسلامي لا يعتد بالغبن المجرد إلا إذا اقترن بتدليس (تغرير)، وهو ما يعرف بـ "التغرير الفعلي أو القولي". بحث السنهوري في الحالات التي يمنح فيها القانون والفقه الإسلامي الحق في فسخ العقد بسبب الغبن الفاحش، خاصة إذا كان المغبون صبيًا أو محجورًا عليه، أو إذا وقع الغبن نتيجة استغلال الطيش أو الهوى الجامح. ووضح أن الفقه الحنفي والمالكي وضعوا ضوابط دقيقة لتقدير الغبن الفاحش وربطه بسعر السوق السائد وقت التعاقد.

وأفرد السنهوري مساحة واسعة لبحث خيارات العقد، معتبرًا إياها وسائل شرعية لتدارك عيوب الرضا؛ فيبدأ بـ خيار الشرط، مبينًا مشروعيته ومدته التي تختلف فيها المذاهب (بين ثلاثة أيام عند الحنفية والشافعية، ومدد أطول عند المالكية والحنابلة). ثم تناول خيار التعيين، وهو أن يشتري الشخص أحد أشياء محددة على أن يختار واحدًا منها خلال مدة معينة، ويبحث في أثر هلاك أحد هذه الأشياء قبل الاختيار. كما فصَّل في خيار الرؤية، وهو حق يثبت لمن اشترى شيئًا لم يره وقت العقد، مبينًا أن هذا الخيار يمنع لزوم العقد حتى تتم الرؤية الفعلية والموافقة.

اختتم السنهوري هذا الجزء ببحث خيار العيب، وهو من أهم الموضوعات العملية، حيث فصَّل في الشروط الواجب توافرها في العيب ليكون مؤثرًا (أن يكون قديمًا، ومخفيًا، ومؤثرًا في القيمة). ويبحث في كيفية الرد بالخيار وما يسقط هذا الحق، مثل الإجازة الصريحة أو التصرف في المبيع بعد العلم بالعيب. قدَّم السنهوري في هذا الجزء رؤية نقدية متكاملة تثبت أن خيارات العقد في الفقه الإسلامي، رغم قدمها، تقدم حلولًا قانونية متطورة تضاهي بل وتتفوق أحيانًا على نظريات "عيوب الإرادة" في القوانين الوضعية الحديثة من حيث الدقة والعدالة.

 

يُعد "الجزء الثالث" من موسوعة السنهوري متممًا للأركان الجوهرية في نظرية العقد، حيث خُصص هذا الجزء لبحث "محل الحق" أو ما يُعرف في الاصطلاح القانوني بـ "محل الالتزام" أو "المعقود عليه". يأتي هذا الجزء في الترتيب المنطقي بعد دراسة صيغة العقد (الجزء الأول) وتوافق الإرادتين وصحة التراضي (الجزء الثاني)، ليركز على الجانب الموضوعي للالتزام، وهو الشيء أو العمل الذي يرد عليه التعاقد وتترتب عليه الآثار القانونية.

تناول السنهوري في هذا الجزء تعريف محل الحق، مفرقًا بين أن يكون المحل شيئًا (عينًا) أو عملًا أو امتناعًا عن عمل. ويوضح المؤلف أن الفقه الإسلامي يمتلك رؤية شمولية للأشياء والأعمال التي تصلح أن تكون محلًا للحق، حيث بحث في تصنيفات الأموال والحقوق المالية، مبينًا الفروق الدقيقة بين ما استقر عليه الفقهاء المسلمون في المذاهب الأربعة وبين ما انتهى إليه الفقه الغربي الحديث في تعريف "المحل".

واستفاض السنهوري في بحث الشروط الجوهرية الواجب توافرها في المحل ليكون العقد صحيحًا ومنتجًا لآثاره، وأول هذه الشروط هو الوجود أو الإمكان. ووضح السنهوري أن الأصل في الفقه الإسلامي هو عدم جواز التعاقد على معدوم، إلا أن هناك استثناءات هامة كعقد "السلم" و"الاستصناع"، وبحث المؤلف في كيفية توفيق الفقه بين منع الغرر وبين الحاجات الاقتصادية التي تقتضي التعامل في أشياء مستقبلة، مقارنًا ذلك بنظرية "الشيء المستقبلي" في القوانين المدنية الحديثة.

أما الشرط الثاني الذي فصَّل فيه هذا الجزء فهو التعيين، حيث يجب أن يكون المحل معينًا بذاته أو قابلًا للتعيين. بحث السنهوري في طرق التعيين في الفقه الإسلامي، سواء كان المحل عينًا معينة بالوصف أو بالإشارة، أو كان دينًا في الذمة، موضحًا أثر الجهالة الفاحشة التي تؤدي إلى بطلان العقد، والجهالة اليسيرة التي يمكن التسامح فيها. ويقارن هنا بين دقة الفقهاء المسلمين في تحديد مواصفات المبيع وبين المعايير القانونية الحديثة في التعيين.

وأفرد السنهوري مساحة واسعة لبحث الشرط الثالث وهو المشروعية أو صلاحية المحل للتعامل. بحث هذا القسم في مفهوم "المال المتقوم" في الفقه الإسلامي، مبينًا أن بعض الأشياء قد تخرج عن دائرة التعامل إما بطبيعتها (مثل الهواء والشمس) أو بحكم الشرع (مثل المحرمات كالخمر والخنزير بالنسبة للمسلم). ويوضح المؤلف كيف أن الفقه الإسلامي يربط بين مشروعية المحل وبين "النظام العام والآداب" في القانون الحديث، مؤكدًا على مرونة الشريعة في استيعاب التطورات المالية المعاصرة مع الحفاظ على ضوابط الحلال والحرام.

اختتم السنهوري هذا الجزء برؤية نقدية تبرز منهج الفقه الإسلامي في التعامل مع محل الحق، مؤكدًا أن هذا الفقه لا يكتفي بالنظر إلى الجوانب المادية للمحل، بل يربطها بالبواعث والمقاصد الشرعية.

 

في "الجزء الرابع" من موسوعته الفقهية القانونية كرسه السنهوري لبحث ركنين من أدق وأخطر أركان ونظريات الالتزام، وهما "نظرية السبب" و"نظرية البطلان"، مقدمًا دراسة مقارنة تاريخية وتحليلية بين الفقه الغربي (اللاتيني والجرماني) والمذاهب الفقهية الأربعة. تبرز أهمية هذا الجزء في محاولة المؤلف ضبط مفهوم "السبب" الذي يربط بين إرادة المتعاقدين والمقصد القانوني والشرعي من العقد، مبينًا كيف تطور هذا المفهوم من الشكلية الرومانية القديمة وصولًا إلى النظريات الحديثة التي توازن بين استقرار التعاملات وحماية الأخلاق والنظام العام.

استهل السنهوري بحثه في نظرية السبب بتتبع تطورها التاريخي، موضحًا الفوارق الجوهرية بين النظرية التقليدية التي ترى السبب كعنصر داخل العقد وبين النظرية الحديثة التي تعتد بـ "الباعث الدافع" للتعاقد. واستفاض المؤلف في بيان موقف الفقه الإسلامي من هذا الركن، مشيرًا إلى أن الفقهاء المسلمين قد سبقوا القوانين الحديثة في الاعتداد بالبواعث والمقاصد. ووضَّح أن المذاهب الفقهية تباينت في هذا الجانب؛ فبينما يميل الحنفية والشافعية إلى استقرار العقود والاعتداد بالصيغة الظاهرة (نزعة موضوعية)، نجد المالكية والحنابلة يتوسعون في البحث عن النوايا والمقاصد لإبطال العقود التي تهدف إلى غايات غير مشروعة، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات القانونية المعاصرة في حماية مشروعية المحل والسبب.

أما القسم الثاني من هذا الجزء، فخصصه السنهوري لـ نظرية البطلان، وهي النظرية التي تبحث في جزاء اختلال ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحته. فصل المؤلف في مراتب البطلان، مفرقًا بين النظام القانوني الغربي الذي يقسمه إلى بطلان مطلق وبطلان نسبي، وبين الفقه الإسلامي الذي أوجد تفرقة دقيقة بين العقد الباطل (الذي لا وجود له شرعًا) والعقد الفاسد (الذي شرع بأصله لا بوصفه). وبيَّن السنهوري كيف أن هذه التفرقة الإسلامية، وخاصة عند الحنفية، تمنح مرونة عالية في التعامل مع العقود التي شابتها عيوب معينة، مما يسمح أحيانًا بتصحيحها أو ترتيب آثار قانونية عليها بدلًا من إعدامها كليًا.

واستفاض السنهوري في بحث آثار البطلان وكيفية إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، متناولًا قضايا في غاية الدقة مثل "تحول العقد" و"انتقاص العقد". ووضَّح السنهوري أن العقد الباطل في الفقه الإسلامي قد ينتج أحيانًا آثارًا مادية أو واقعية (كواقعة مادية لا كتصرف شرعي)، كما بحث في كيفية انتقال الضمان في هذه الحالات. كما تناول أحكام العقد الموقوف، وهو العقد الذي ينعقد صحيحًا ولكن يتوقف نفاذه على إجازة صاحب الحق (مثل بيع الفضولي أو تصرفات الصبي المميز)، مبينًا الفروق بين المذاهب في مدة التوقف وكيفية الإجازة أو الرد.

اختتم السنهوري هذا الجزء ببحث "الخيارات" و"العقد غير اللازم"، معتبرًا أن الفقه الإسلامي قد أرسى قواعد فريدة لحماية الإرادة من خلال خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار التعيين. وتناول المؤلف خيار العيب كأداة شرعية لضمان سلامة المبيع وعدالة التعامل، مبينًا الشروط الواجب توافرها لسقوط الخيار أو الرد به.

 

ركز "الجزء الخامس" من موسوعة السنهوري لبحث مرحلة حيوية في حياة الالتزام، وهي مرحلة "آثار العقد"، حيث انتقل من دراسة أركان الانعقاد وشروط الصحة (التي تناولها في الأجزاء السابقة) إلى دراسة النتائج القانونية والشرعية التي تترتب على العقد بمجرد إبرامه. ركز المؤلف في هذا الجزء على كيفية سريان العقد وتأثيره في ذمم المتعاقدين، مفرقًا بين القوة الملزمة للعقد في مواجهة أطرافه وبين أثره بالنسبة للغير، معتمدًا منهجه المقارن المعتاد بين القوانين المدنية الحديثة (كالقانون المصري والفرنسي) وبين المذاهب الفقهية الأربعة.

استهل السنهوري هذا الجزء بتأصيل التفرقة الدقيقة في الفقه الإسلامي بين "العقد النافذ" و"العقد الموقوف"، وهي تفرقة تبرز عبقرية الفقهاء المسلمين (خاصة الحنفية والمالكية) في التمييز بين ركن العقد وبين "الولاية" أو السلطة على محله. يوضح المؤلف أن العقد قد ينعقد صحيحًا ومستوفيًا لأركانه، ولكنه يبقى موقوفًا (غير منتج لآثاره فورًا) إذا شابه عيب في "الولاية"، مثل تصرف الفضولي في مال غيره أو تصرفات الصبي المميز التي تدور بين النفع والضرر. وبحث السنهوري في كيفية تحول هذا العقد من حالة "التوقف" إلى حالة "النفاذ" عن طريق الإجازة، مبينًا أن الإجازة في الفقه الإسلامي لها أثر رجعي يستند إلى وقت إبرام العقد.

وحلل السنهوري بالتفصيل ظاهرة "النيابة في التعاقد" وتطبيقاتها، حيث درس مفهوم النيابة القانونية والاتفاقية مقارنة بنظام "الوكالة" و"تصرف الفضولي" في الفقه الإسلامي. ووضَّح السنهوري أن الفضولي هو من يقوم بعمل لغيره دون توكيل أو نيابة. كما بحث في الحالات التي يُلزم فيها الفقه صاحب الحق بتصرفات الفضولي إذا أجازها، مبينًا الفوارق بين الفقه الذي يرى في الفضولي وسيلة مرنة لقضاء مصالح الناس وبين القوانين الغربية التي كانت تضيق في هذا المجال قبل تأثرها بالنزعات الاجتماعية الحديثة. كما تناول الجزء الخامس أحكام الولاية على المال، مفرقًا بين ولاية الأب والجد والوصي والقاضي، وكيفية نفاذ تصرفات كل منهم في حق القاصر أو المحجور عليه.

أما فيما يخص نطاق أثر العقد، فبحث السنهوري في مبدأ "نسبية أثر العقد"، أي أن العقد لا يضر ولا ينفع إلا أطرافه، ولكنه يستعرض الاستثناءات الهامة التي تعتد بها القوانين الحديثة والفقه الإسلامي، مثل "التعهد عن الغير" و"الاشتراط لمصلحة الغير". ووضَّح المؤلف كيف أن الفقه الإسلامي، من خلال قواعد "الحقوق المتعلقة بالعين" ونظريات "الخلافة العامة والخاصة"، قد وضع ضوابط دقيقة لكيفية انتقال آثار العقد إلى الورثة أو الخلف الخاص، مما يضمن استقرار التعاملات المالية وحماية حقوق الدائنين.

واختتم السنهوري هذا الجزء ببحث "تفسير العقد" و"تنفيذه"، مركزًا على الأمانة في تنفيذ الالتزامات وما تفرضه قواعد العدالة والنيات المشروعة، وبيَّن أن العقد في الفقه الإسلامي لا يقتصر على ما ورد في ألفاظه فحسب، بل يمتد ليشمل ما هو من مستلزماته وفقًا للشرع والعرف وطبيعة المعاملة.

 

يُعتبر "الجزء السادس" والأخير من موسوعة "مصادر الحق في الفقه الإسلامي" للدكتور عبد الرزاق السنهوري الخاتمة المنطقية والتطبيقية لهذه الدراسة المقارنة الضخمة، حيث خُصص لبحث "انحلال العقد"، وهو المرحلة التي تلي انعقاد العقد وترتيب آثاره، ليبحث في الكيفية التي ينتهي بها الالتزام العقدي. انطلق السنهوري في هذا الجزء من تفرقة جوهرية بين زوال العقد بسبب عيب في تكوينه (وهو ما بحثه في نظرية البطلان بالجزء الرابع) وبين زواله بسبب وقائع تطرأ بعد إبرامه صحيحًا، وهو ما يُعرف بالانحلال الذي يشمل الفسخ، والانفساخ، والإقالة.

استفاض السنهوري في تحليل نظرية الفسخ باعتبارها جزاءً يترتب على عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه في العقود الملزمة للجانبين. ووضَّح المؤلف الفرق الدقيق بين الفسخ الذي يتم بحكم القاضي وبين "الانفساخ" الذي يقع بقوة القانون أو بحكم الطبيعة عند استحالة التنفيذ لسبب أجنبي لا يد للمتعاقد فيه. وقارن هنا بين موقف الفقهاء المسلمين الذين توسعوا في أحكام "خيار العيب" و"استحقاق المبيع" كصور للفسخ، وبين القوانين المدنية الحديثة (كالقانون المصري والفرنسي) التي وضعت قواعد عامة للفسخ القضائي والاتفاقي، مبينًا كيف أن الفقه الإسلامي يميل دائمًا إلى استقرار العقود مع الحفاظ على توازن الالتزامات.

وتطرق في هذا الجزء إلى مفهوم "الإقالة" أو التقايل، والتي يُسميها الفقه الغربي "الفسخ الاتفاقي". بحث السنهوري في الطبيعة القانونية للإقالة في المذاهب الأربعة، مفرقًا بين من يعتبرها "فسخًا" في حق المتعاقدين و"بيعًا جديدًا" في حق الغير، وبين من يعتبرها فسخًا مطلقًا. وأبرز السنهوري من خلال هذا البحث مرونة الشريعة الإسلامية في السماح للمتعاقدين بإنهاء الرابطة العقدية بإرادتهما المشتركة، مع وضع ضوابط تضمن عدم الإضرار بحقوق الدائنين أو الخلف الخاص.

كما بحث الجزء السادس بعمق في آثار انحلال العقد، خاصة ما يُعرف بـ "الأثر الرجعي"، حيث يترتب على الفسخ أو الإقالة عودة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد. وحلل السنهوري المشكلات العملية الناتجة عن هذا الأثر؛ مثل كيفية رد الأعيان، وأثر الانحلال على العقود المستمرة (كعقد الإيجار) التي لا يُتصور فيها الأثر الرجعي، مبينًا الفروق بين المعايير الموضوعية في الفقه الإسلامي والمعايير الذاتية في الفقه اللاتيني. وشرح المؤلف كيف أن الفقه الإسلامي يربط بين "الضمان" وبين "القبض"، موضحًا كيف ينتقل ضمان الهلاك من عهدة بائع إلى عهدة مشترٍ في حالات فسخ العقد.

اختتم السنهوري هذا الجزء برؤية تأصيلية شاملة تربط بين أجزاء الكتاب الستة، مؤكدًا أن نظام انحلال العقد في الفقه الإسلامي يمثل قمة التطور الفقهي، حيث يجمع بين "العدالة العقدية" وبين "استقرار التعامل". وبذلك، تجلى ما سعى السنهوري في إثباته من أن الشريعة الإسلامية لم تترك جانبًا من جوانب حياة الحق والالتزام إلا ووضعت له قواعد دقيقة تضاهي بل وتتفوق على أدق النظريات القانونية الغربية الحديثة، مما يجعل هذا الجزء مسك الختام لهذه الموسوعة التاريخية التي أصبحت مرجعًا أساسيًا للقضاء والتشريع في العالم العربي.

 

وختامًا، فإنه على الرغم من القيمة العلمية الاستثنائية لعمل عبد الرزاق السنهوري، وما تميز به من عمق تأصيلي ومنهج مقارن رصين، فإن قراءة معاصرة لهذا المشروع تكشف عن جملة من الملاحظات النقدية التي لا تنتقص من قدره، بقدر ما تفتح آفاقًا لتطويره والبناء عليه.

فأول ما يُلاحظ أن السنهوري -في سعيه المشروع لإبراز مرونة الفقه الإسلامي- قد مال في بعض المواضع إلى نزعة توفيقية تجعله يُقارب بين المفاهيم الفقهية الإسلامية والنظريات الغربية الحديثة أحيانًا على حساب الفوارق المنهجية العميقة بينهما؛ إذ إن الفقه الإسلامي ليس مجرد "نظام قانوني" بالمعنى الوضعي، بل هو جزء من منظومة معيارية أوسع تتداخل فيها الأحكام التكليفية مع القيم الأخلاقية والمقاصدية، وهو ما قد لا تستوعبه بالكامل أدوات المقارنة القانونية التقليدية.

ومن زاوية أخرى، فإن المشروع السنهوري -برغم عنايته الدقيقة بالبنية النظرية للفقه- ظل في جانب منه نخبويّ الطابع، موجهًا إلى القاضي والمشرّع والباحث، أكثر من توجيهه إلى بناء فقه تطبيقي حيّ قادر على التفاعل المباشر مع تحولات الأسواق والمؤسسات المالية المعاصرة، وهو ما يدعو إلى استكمال هذا المشروع بجهد مؤسسي جماعي يتجاوز الإطار الفردي.

وعليه، فإن القيمة الحقيقية لكتاب "مصادر الحق" لا تكمن فقط في نتائجه، بل في كونه مشروعًا مفتوحًا يدعو الأجيال اللاحقة إلى استئنافه، عبر تطوير أدوات المقارنة، وتوسيع مجالات التطبيق، وتعميق الربط بين الفقه وأصوله المقاصدية من جهة، ومتطلبات الواقع القانوني والاقتصادي من جهة أخرى.

وبذلك، يمكن القول إن السنهوري لم يقدّم الإجابة النهائية، بل وضع الأساس المنهجي لسؤال لا يزال مطروحًا: كيف نبني نظرية قانونية معاصرة تستمد روحها من الشريعة، دون أن تنفصل عن تعقيدات العالم الحديث؟

 

 رابط مباشر لتحميل مصادر الحق في الفقه الإسلامي المجلد الأول

رابط مباشر لتحميل مصادر الحق في الفقه الإسلامي المجلد الثاني

 

[1] عبد الرزاق أحمد السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة بالفقه الغربي الحديث، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1417هـ/1997م.

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع مــــن أكتوبر سنة 2021م، الموافق الثاني من ربيع الأول سنة 1443هـ.

 

برئاسة السيد المستشار / سعيد مرعى عمرو                                  رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: محمد خيري طه النجار ورجب عبد الحكيم سليم ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد                               نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى                       رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع                           أمين السر

 

 

أصدرت الحكم الآتي:

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 97 لسنة 30 قضائية "دستورية"*.

 

المقامة من:

عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

ضــــد:

1- رئيس الجمهورية                   2- رئيس مجلس الوزراء

3- وزير العدل                         4- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًا)

5- الممثل القانوني للهيئة القومية للبريد

6- داليا عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

7- دعاء عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

 

الإجـــراءات

      بتاريخ الثالث عشر من مارس سنة 2008، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني، فيما تضمنه من اعتبار الهبة لذي رحم محرم مانعًا من الرجوع في الهبة.

      وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًا: برفضها.

      وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

      ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمــــة

      بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

      حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعى كان قد أقام الدعوى 1360 لسنة 2006 مدني كلى، أمام محكمة بورسعيد الابتدائية، ضد المدعى عليهم الخامس والسادسة والسابعة في الدعوى المعروضة، طالبًا الحكم باعتبار الهبة كأن لم تكن، مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية بما فيها إلغاء التوكيل العام رقم 370/هــ لسنة 2005 توثيق بورسعيد. وقال بيانًــــا لدعواه، إنه وهب لنجلتيه المدعى عليهما السادسة والسابعة نصيبه في تركة زوجته –والدتهما- سعاد أحمد حسن عطية، ويشمل حصة في شقتين بالعقار المبين بصحيفة الدعوى، ومبلغًـــــا ماليًا بدفتر توفير لدى الهيئة القومية للبريد، وشقة يمتلكها بالعقار ذاته، وحرر لهما توكيلًا بالتصرف في تلك الأموال، إلا أنهما قد أغضبهما زواجه من أخرى، أنجبت له ولدين، فقدمتا ضده عدة بلاغات كيدية، كما أقامتا دعوى قضى فيها بإلزامه بأن يؤدى لهما نفقة شهرية، فضلًا عن أنه ملتزم بالإنفاق على زوجته وولديه، وكذا نفقة ومصروفات علاج شقيقه، مما أرهق كاهله، بعد أن زادت التزاماته المالية، الأمر الذي يوفر له العديد من الأعذار للرجوع في هبته، فأقام دعواه بالطلبات السالفة البيان. وأثناء نظر الدعوى بجلسة 29/1/2008، دفع بعدم دستورية نص البند "هـــ" من المادة (502) من القانون المدني، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة.

      وحيث إن المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 تنص على أنه "يرفض طلب الرجوع في الهبة، إذا وجد مانع من الموانع الآتية:

(أ) ............          (ب)...........          (ج) ............    (د) ...........

(هـ) إذا كانت الهبة لذي رحم محرم ..................".

 

وحيث إن من المقــــــرر في قضاء هذه المحكمة أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية –وهي شرط قبولها– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان المدعى يبتغى من دعواه الموضوعية الترخيص له بالرجوع عن هبته لابنتيه، لقيام موجبات ذلك في حقه. وكان نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني يحول دون تحقيق مبتغاه، الأمر الذي يوفر له مصلحة شخصية مباشرة في الطعن على هذا البند في مجال سريانه على هبـــــــــــة أي من الوالدين لولده، وبها يتحـــــدد نطـــــاق هذه الدعـــــوى، دون سائر ما انطوى عليه نص هذا البند من أحكام لطبقات أخرى من ذوي رحم محرم.

وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه مخالفة أحكام المادتين (2، 40) من دستور سنة 1971، المقابلة لأحكام المادتين (2، 53) من دستور سنة 2014، لمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية، التي حضت على البر بالوالدين وعدم عقوقهما، وأكدت معظم مذاهبها على أحقية الوالد في الرجوع عن هبته لولده، دون أية أعذار، فضلًا عن انطواء النص على تمييز غير مبرر، بأن منع الواهب لولده من الرجــــوع في الهبة، حــــال أن غيره مــــن الواهبين يجــــوز لهم الرجــــوع في الهبة إذا توافر عذر يبيح لهم ذلك.

وحيث إن الرقابة الدستورية على القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًـــــا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي وجهها المدعى للنص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– تندرج تحت المناعي الموضوعية، التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي معين لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي. ومن ثم، فإن المحكمة تباشر رقابتها على النص المطعون عليه –الذي مازال ساريًا ومعمولًا بأحكامه– من خلال أحكام دستور سنة 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.

وحيث إن القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، قد خصص الكتاب الثاني منه للعقود المسماة، وأورد في الباب الأول منه العقود التي تقع على الملكية، وأفرد الفصل الثالث منه لعقد الهبة، في المواد من (486) حتى (504)، مبينـــًا فيها أركان الهبة، وآثارها، والرجوع فيها، وموانع الرجوع، معرفـــًا في المادة (486) الهبة بأنها عقد يبرم بين الأحياء، بموجبه يتصرف الواهب في ماله دون عوض، مع جواز أن يفرض الواهب على الموهوب له القيام بالتزام معين. ووفقـــًا للمادة (487)، لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه. ومن خصائص الهبة –على ما أوردت الأعمال التحضيرية للنص المطعـــــون فيه والتنظيم التشريعـــــي للهبة– أنه يجـــــوز الرجوع فيها رضـــــاءً أو قضاءً إذا وجد عذر ولم يوجد مانع، وقد نظمها المشرع مراعيًا هذا الأصل، فأكد في المادة (500) من القانـــــون المدني على أنه "يجـــــوز للواهب أن يرجـــــع الهبـــــة إذا قبل الموهوب له ذلك، فإذا لم يقبل، جاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع، متى كان يستند في ذلك إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع. وتأكيدًا على جواز الرجوع في الهبة، وضع المشرع في المادة (501) من القانون ذاته أمثلة لهذه الأعذار، تيسيرًا على القاضي، كما حدد في المادة (502) من ذلك القانون، حصرًا لموانع الرجوع في الهبة، ومن بينها حالة الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة أي من الوالدين لولده. ومؤدى العبارة الواردة بصدر نص تلك المادة من أن "يرفض طلب الرجوع في الهبة"، نهي القضاة عن التعرض لموضوع الرجوع، أيـــًا كانت الأعذار التي بنى عليها، إذا توافر أحد موانع الرجوع الواردة في تلك المادة، عملًا بقاعدة جواز تقييد القاضي بالزمان والمكان والأحداث والأشخاص. وشرط صحة تلك القاعدة أن يكون النهى مؤسسًـــا على أسباب موضوعية، ترتبط بالغاية المتوخاة منه.

وحيث إنه عن نعى المدعى مخالفة النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده- لمبادئ الشريعة الإسلامية، ونص المادة الثانية من الدستور، فمن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، طبقًا لنص المادة الثانية من الدستور الصادر سنة 1971، بعد تعديلها بتاريخ 22/5/1980 –وتقابلها المادة الثانية من الدستور الحالي الصادر سنة 2014– لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصــــدر بعد التاريخ الذي فُـرض فيه هذا الإلزام، بحيث إذا انطــــــــوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إعمال حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها، لصدورها فعلًا من قبله، في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا، واجب الإعمال، ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية، وهو القيد الذي يبقى قائمًا وحاكمًا لتلك التشريعات، بعد أن ردد الدستور الحالي الصادر سنة 2014، الأحكام ذاتها في المادة الثانية منه.

وحيث كان ما تقدم، وكان نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 لم يلحقه أي تعديل بعد تاريخ 22/5/1980، مما كان لزامه عدم خضوعه لقيد الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والمادة الثانية من الدستور، إلا أنه بالرغم من ذلك، وعلى ما ورد بالأعمال التحضيرية للقانون المدني، فقد استقى المشرع الأحكام الموضوعية للهبة من أحكام الشريعة الإسلامية. وفى شأن مدى جواز الرجوع في الهبة، أخذ بمذهب الفقه الحنفي، الذي أجاز الرجوع في الهبة إذا توافر العذر المبرر، وانعدم المانع، ويشمل عدم جواز الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة الوالد لولده، على سند من أن الغاية من الهبة في هذه الحالة صلة الأرحام، وقد تحققت بصدور الهبة. وإذ كان الرأي الذي تبناه المشرع في هذا الشأن لا يخرج عن كونه اجتهادًا في الفقه الحنفي فقد ذهب مالك والشافعي وابن حنبل وعلماء المدينة إلى جواز رجوع الوالد في هبته لولده، وهو ما يعرف باعتصار الهبة، أي أخذ المال الموهوب قسرًا عن الابن، مستدلين في ذلك بحديث طاووس من أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية أخرى "لا يحل للرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة ويرجع فيها إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية ثالثة "لا يرجع الواهب في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده". وقد دل الفقهاء باختلافهم هذا على عدم وجود نص قطعي الثبوت أو الدلالة، أو بهما معًــا في مبادئ الشريعة الإسلامية، يحكم هذه المسألة، ومن ثم تعتبر من المسائل الظنية التي يرد عليها الاجتهاد، وتلك المسائل بطبيعتها متطورة، تتغير بتغير الزمان والمكان، وإذا كان الاجتهاد فيها وربطها منطقيًّــا بمصالح الناس حقًــا لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق لولي الأمر، ينظر في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها، وبمراعاة أن يكون الاجتهاد دومًــا واقعًــا في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، ملتزمًــا ضوابطها الثابتة، متحريًــا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد الكلية للشريعة، بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مستلزمًــا في ذلك كله حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها، ومن ثم كان حقًــا لولي الأمر عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما، ما لم يكن إثمًــا، وكان واجبًــا عليه كذلك ألا يشرع حكمًــا يضيق على الناس أو يرهقهم في أمرهم عسرًا، وإلا كان مصادمًــا لقوله تعالى "مَا يُرِيدُ اللًّه ليَجعَلَ عَلَيكُم في الدين من حَرَجِ".

وحيث إن نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني، منع الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، وقد ورد هذا النص بصيغة عامة ومطلقة، ليشمل هبة أي من الوالدين لولده. واستقى المشرع هذا المانع من المذهب الحنفي، منتهجًــا بذلك نهجًــا مخالفًــا لاجتهاد باقي المذاهب الإسلامية، معللًا ذلك المانع بتحقق غاية الواهب من الهبة، ممثلة في صلة الرحم. وقد صدَّر المشرع نص تلك المادة بعبارة "يرفض طلب الرجوع في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية ....."، مما مؤداه نهى القضاء عن بحث الأعذار التي قد تحل بالوالد الواهب وتستدعى رجوعه في الهبة، وإن كانت تلك الأعذار من بين الأمثلة التي ورد النص عليها في المادة (501) من ذلك القانون، ومن ذلك: "أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو نحو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه، أو أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من نفقة على الغير". ومؤدى ذلك أن النص المطعون فيه، وإن وقع في دائرة الاجتهاد المباح شرعًــا لولى الأمر، إلا أنه –في حدود نطاقه المطروح في الدعوى المعروضة– يجعل الوالد الواهب في حرج شديد، ويرهقه من أمره عسرًا، ويعرضه لمذلة الحاجة بعد أن بلغ من العمر عتيّا، إذا ما ألمت به ظروف أحوجته لاسترداد المال الموهوب، وامتنع الابن عن إقالته من الهبة، إضرارًا به، مستغلًا في ذلك المانع الوارد بالنص المطعون فيه، الذي يحول بين الوالد والحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة، ضاربًــا عرض الحائط بالواجب الشرعي لبر الوالدين، والإحسان إليهما، وصلتهما، وطاعتهما في غير معصية، والامتناع عن كل ما يفضى إلى قطيعتهما. فضلًا عن أن ما توخاه المشرع من ذلك المانع، بالحفاظ على صلة الأرحام، ينافيه مواجهة حالة جحود الأبناء، وعقوقهم لوالديهم. ومن ثم يكون منع القضاء من الترخيص للوالد بالرجوع في هبته لولده، ولو كان هناك عذر يبيح له ذلك، مصادمًــا لضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، ومخالفًا بذلك نص المادة (2) من الدستور.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القيم الدينية والخلقية لا تعمل بعيدًا أو انعزالًا عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة، بل تعززها وتزكيها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها، ومن أجل ذلك جعل الدستور في المادة (10) منه، قوام الأسرة الدين والأخلاق والوطنية، كما جعل الأخلاق والقيم والتقاليد، والحفاظ عليها والتمكين لها، التزامًــا على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة، والمجتمع ككل، وغدا ذلك قيدًا على السلطة التشريعية، فلا يجوز لها أن تسن تشريعًــا يخل بها، ذلك أنه، وفقًــا لنص المادة (92) من الدستور، وإن كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق والحريات أنها سلطة تقديرية، إلا أن المشرع يلتزم فيما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته اختصاصاته، وأن يراعى كذلك أن كل تنظيم للحقوق، لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو الانتقاص منها، ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها. الأمر الذي يضحى معه النص المطعون عليه، فيما تضمنه من رفض طلب رجوع الوالد في هبته لولده، إذا وجد مانع، مخالفًــا أيضًا – نصي المادتين (10، 92) من الدستور.

وحيث إنه عن النعي بإخلال النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– بحق الواهب لولده، دون غيره مــــن الواهبين لغير ذي رحم محرم، في الحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة عند توافر العذر، فإن ما نص عليه الدستور في المادة (97) من أن "التقاضي حق مصون ومكفــــول للكافــــة"، قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته، من الحقوق العامة المقررة للناس جميعًا لا يتمايزون فيما بينهم في مجال النفاذ إليه، وإنما تتكافأ مراكزهم القانونية في سعيهم لرد الإخلال بالحقوق التي يدعونها ولتأمين مصالحهم التي ترتبط بها، مما مؤداه أن قصر مباشرة حق التقاضي على فئة من بينهم أو الحرمــــان منه في أحــــوال بذاتها، أو إرهاقــــه بعوائــــق منافية لطبيعته، إنما يُعــــد عملًا مخالفًا للدستور الذي لم يجــــز إلا تنظيم هذا الحق، وجعل الكافة ســــــواء في الارتكان إليه، ومن ثم، فإن غلق أبوابــــــــه دون أحدهم أو فريق منهم، إنما ينحل إلى إهداره، ويكرس بقاء العدوان على الحقوق التي يطلبونها، وعدم حصولهم على الترضية القضائية باعتبارها الغاية النهائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على تلك الحقوق.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه في المادة (53) من الدستور الحالي، ورددته الدساتير المصرية المتعاقبة جميعها، بحسبانه ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسًا للعدل والسلام الاجتماعي، غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة، وقيدًا على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، التي لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي تتحد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون خلالها أمام القانون، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية.

وحيث إن الأصـــــل في كل تنظيم تشريعي أن يكـــــون منطويًا علــــى تقسيم، أو تصنيف، أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها، بالوسائل المؤدية إليها، منطقيًـــا، وليس واهيًـــا أو واهنًــا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًا. ومرد ذلك، أن المشرع لا ينظم موضوعًا معينًا تنظيمًا مجردًا أو نظريًا، بل يبغيا بلوغ أغراض بعينها، تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها، يقوم عليها هذا التنظيم، متخذًا من القواعد القانونية التي أقرها، مدخلًا لها، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين في مجال تطبيقها، تحكميًا، ومنهيًا عنه بنص المادة (53) من الدستور.

وحيث كان ما تقدم، وكان الواهبون لأموالهم، على اختلاف حالاتهم، وأغراضهم منها، في مركز قانوني متكافئ، وقد أجاز المشــــرع –على ما سلف بيانه– للواهب الرجوع في الهبة إذا ألمت به ظروف وأعذار تستدعى هذا الرجوع، وامتنع الموهوب له عن إقالته من الهبة، وناط المشرع بالقاضي سلطة تقديرية في شأن بحث جدية الأعذار التي يبديها الواهب في هذا الشأن، ويقضى على ضوء ذلك، إلا أن المشرع خرج عن هذا الأصل، وأورد حالات لمنع الرجوع في الهبة، ضمنها نص المادة (502) من القانون المدني، من بينها هبة الوالد لولده، مانعًــا القضاء من بحث الأعذار التي يسوقها الوالد في هذا الشأن، الأمر الذي يحول بينه والحصول على الترضية القضائية، لمجرد توافر هذه القرابة بينه والموهوب له. فضلًا عن أن الغاية التي توخاها المشرع من ذلك المنع، وهي الحفاظ على صلة الرحم، لم يراع فيها مواجهة عقوق الابن الموهوب له، إذ امتنع طواعية عن إقالة والده من الهبة في هذه الحالة، بما يزكى هذا العقوق، حال أن المشرع أجاز في المادة (501) من القانون المدني الترخيص للواهب بالرجوع في الهبة إذا أخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه. ومؤدى ذلك أن المانع الوارد بالنص المطعون فيه، فضلًا عن عدم ارتباط الوسيلة التي أوردها في ذلك النص، بالغاية المتوخاة منها، فإنه يخل بمبدأ المساواة بين الواهبين المتماثلة مراكزهم في الحصول على الترضية القضائية، وذلك لغير سبب موضوعي، بالمخالفة لنصى المادتين (53، 97) من الدستور.

 

فلهذه الأسباب

      حكمت المحكمة بعدم دستورية نص البند (هــ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، في مجال سريانها على هبة أي من الوالدين لولده، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

أمين السر                               رئيس المحكمة

 

 لتحميل ملف حكم المحكمة

________________________

* نقلا عن الموقع الإلكتروني للمحكمة الدستورية العليا، عبر هذا الرابط: https://2u.pw/0E1hhQ

وقد علق المحامي والباحث أ. وائل أنور بندق على هذا الحكم في صفحته الشخصية بالفيسبوك تعليقا مهما ننقله عنها على طوله:

حكم حديث وهام وخطير للمحكمة الدستورية العليا بشأن الرجوع في الهبة

 (م 502 بند هـ من القانون المدني):

أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا هامًا بعدم دستورية الفقرة (هـ) من المادة 502 من القانون المدني في مجال سريانها على هبة أيٍّ من الوالدين لولده. وقد صدر الحكم بتاريخ 9/10/2021، واتصلت المحكمة الدستورية العليا بالدعوى بناءً على دعوى موضوعية، ملخصها أن رجلًا كان قد وهب إلى ابنتيه نصيبه في ميراث زوجته (والدتهما)، ولما تزوج بعد ذلك وأنجب ولدين، قامت ابنتاه بتقديم بلاغات كيدية ضده ورفع دعاوى نفقة عليه، مما رآه مبررًا للرجوع في الهبة، فأقام عام 2006 دعواه أمام محكمة بورسعيد الابتدائية.
ولما كان البند (هـ) من المادة 502 يمنع الرجوع في الهبة إذا كانت لذي رحم محرم، ومنها هبة الوالد لولده، فقد دفع بعدم دستورية النص، وقدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقامها بالفعل عام 2008، وها هو الحكم قد صدر عام 2021!!

ونود أن نشير إلى عدد من النقاط الهامة في مجال توضيح الحكم والتعليق عليه:

أولًا: عقد الهبة هو عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مالٍ له دون عوض.

ثانيًا: يجوز للواهب الرجوع في الهبة رضاءً إذا قبل الموهوب له الرجوع، كما يجوز الرجوع في الهبة قضاءً بشرط أن يتوافر عذر يبيح الرجوع في الهبة، وأن تنتفي موانع الرجوع فيها. وقد ضرب المشرع أمثلة على العذر المبرر للرجوع في الهبة بما يلي:
(أ) أن يخلّ الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو نحو أحدٍ من أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه.
(ب) أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو أن يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة على الغير.

 (ج) أن يُرزق الواهب بعد الهبة ولدًا يظل حيًا إلى وقت الرجوع، أو أن يكون للواهب ولدٌ يظنه ميتًا وقت الهبة فإذا به حيّ.

ثالثًا: يمتنع الرجوع في الهبة في عدة حالات عددتها المادة 502، حتى لو توافرت الأعذار، ومن هذه الحالات ما ورد في البند (هـ)، وهي الهبة لذي رحم محرم، إذ لا يجوز الرجوع فيها عن طريق التصريح من القضاء، بما يعني أنه يمتنع في حالتنا على الأب أن يلجأ إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة.

رابعًا: يُلاحظ أن إصدار الحكم قد تأخر كثيرًا، وهو ضرر فاحش بفكرة العدالة؛ فقد رفع الأب الدعوى الموضوعية عام 2006، ورفع الدعوى الدستورية عام 2008، وصدر الحكم عام 2021!! أي أن المسألة استغرقت أكثر من خمس عشرة سنة، وهي مدة طويلة جدًا تُعد إنكارًا فاحشًا للعدالة في حق الأب رافع الدعوى.

صحيح أن القضاء الدستوري قضاءٌ عيني يستفيد منه الجميع، سواء أكان من رفع الدعوى أم غيره؛ إلا أن رافع الدعوى هو أولى الناس بالرعاية. ويذكرني هذا الحكم بحكم المحكمة الدستورية بشأن إنهاء عقود الإيجار (القديم) المبرمة للأشخاص المعنوية، والذي صدر بعد عشرين عامًا من رفع الدعوى الدستورية.

خامسًا: يمكن القول إن الحكم قد بُني على سببين:

أولهما: مخالفة النص لمبدأ المساواة، إذ أجاز لمن توافر له العذر الرجوع عن الهبة، ومنعه عمن منح الهبة لذي رحم محرم، حتى لو توافر له العذر، مما يشكل تمييزًا بين المراكز القانونية المتماثلة.

ثانيهما: أن النص وضع عائقًا ومانعًا من موانع التقاضي، إذ حرم الواهب لذي الرحم المحرم من اللجوء إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وأخذًا بهذين السببين، كنا نتمنى على المحكمة الدستورية العليا أن تقضي بعدم دستورية البند (هـ) كاملًا، لا بقصره على هبة أيٍّ من الوالدين لولده، لأن الأسباب التي وردت في الحكم تنصرف إلى البند كاملًا.

سادسًا: كنا نتمنى ألا تخوض المحكمة الدستورية في مسألة رأي الفقه الإسلامي بشأن جواز الرجوع في الهبة لذي الرحم المحرم، والخلاف بين الأحناف والجمهور، لأنها تتدخل بذلك في السلطة التقديرية للمشرع في شأن اختيار الرأي الفقهي الملائم. لا سيما أن هناك أسبابًا أخرى توصلت بها المحكمة إلى النتيجة التي أرادتها، فضلًا عن أن المحكمة ذاتها قد أخرجت هذه المادة من نطاق قيد الالتزام بالشريعة الإسلامية الوارد في المادة الثانية من الدستور، وفقًا للتفسير المستقر عليه من المحكمة، وهو أن القوانين السابقة زمنيًا على نص المادة الثانية من الدستور تفلت من حكمها. وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذا التفسير لنص المادة الثانية من الدستور، إلا أنه قد أصبح التفسير المستقر عليه.

سابعًا: من أهم المبادئ العامة التي وردت بالحكم أن الرقابة الدستورية تتم في إطار الدستور القائم دون غيره، وهو دستور 2014، حتى لو كانت الدعوى قد رُفعت في ظل دستور سابق، وهو دستور 1971، لأن الرقابة الدستورية تستهدف صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة.

ثامنًا وأخيرًا: مفاد هذا الحكم في النهاية ليس حق الوالدين في الرجوع عن الهبة بشكلٍ مطلق، وإنما حق كلٍّ منهما في الرجوع إلى القضاء للتصريح بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وائل أنور بندق

هذا التعليق يعبر عن وجهة نظر كاتبه، وينشر ضمن إطار إثراء النقاش القانوني حول الحكم.

عُقد الملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي في تيزي وزو في الجزائر في الفترة 10-22 جمادى الثانية 1393هـــــ الموافق 10-22 يوليو 1973م، وطُبع هذا الملتقى من قبل مطبعة البعث بقسنطينة بالجزائر عام 1395هــــ/ 1975م.

ومن أهم ما يميز هذا الملتقى هو أنه ضم بحوثًا قيمة عن "روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي"، أعدها صفوة من الفقهاء والعلماء من شتى أقطار الوطن العربي والعالم الإسلامي، وعقب عليها كوكبة من العلماء الكبار.

فمن بين البحوث المشاركة في هذا الملتقى بحث للدكتور محمد

صدر هذا الكتاب ضمن أعمال سلسلة "المنهجية الإسلامية" الصادرة عن "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، وقد نشرته  "دار الفكر" الدمشقيّة في طبعة لها  عام 1424ه - 2003م، لمؤلفه د. جمال الدين عطية، مؤسس مجلة "المسلم المعاصر"، والذي كان مشرفًا على المعهد العالمي للفكر الإسلامي لمدة أربع سنوات منذ 1408 - 1412ه،/ 1988م - 1992م.

   حصل د. جمال الدين عطية على الدكتوراة من جامعة جنيف عام 1959م، وقد درس الحقوق والشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة، وعمل في عدة مجالات: فقد مارس المحاماة في مصر والكويت، وتولى منصب الأمين العام للموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف بالكويت، وكان رئيسًا لتحرير مجلة المسلم المعاصر، وعمل رئيسيًا تنفيذيًا للمصرف الإسلامي الدولي في لوكسمبورج (بيت التمويل الإسلامي العالمي حاليًا)، ومستشارًا قانونيًا وشرعيًا للمعاملات المالية والمصرفية (مكتب خاص في لوكسمبورج)، ومستشارًا أكاديميًا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن) ومدير مكتبه بالقاهرة.

 اعتنى في كتاباته بالاجتهاد الفقهي والتجديد في مجالات: الفقه والمقاصد وأصول الفقه والقواعد الفقهية، وكذلك اهتم بالتجديد في البنوك الإسلاميّة.

  يبحث د.جمال الدين عطيَّة في هذا الكتاب قضية تفعيل مقاصد الشريعة في ثلاثة محاور رئيسيّة:

المحور الأول: قضايا هامة في مسألة مقاصد الشريعة.

المحور الثاني: تصور جديد للمقاصد.

المحور الثالث: تفعيل المقاصد.

  وقد عمد في كل قضية إلى استقراء آراء المقاصديين بترتيبهم الزمني وعرض مناقشاتهم في القضايا التي يعرضها من خلال نقل نصوصهم حرصًا منه على معايشة القارئ للقضية بتسلسلها الفكري.

  • محاور الكتاب:
  • المحور الأوّل: قضايا هامة في مسألة مقاصد الشريعة:

في هذا المحور يبحث د.جمال الدين عطيّة أربعة قضايا مهمة وهي:

1- قضية مصدرية المقاصد:

حيث يستهل بسؤال بسيط لكنه تأسيسي: (كيف نحدد المقاصد؟).

 ويرى من استقرائه لكلام الأصوليين - بدءًا من الشاطبيّ ومن تلاه- أن مصادر المقاصد تتلخص عندهم في ثلاثة: (النص الصريح على التعليل من الكتاب والسنة، واستقراء تصرفات الشارع في الأحكام أو في أدلة الأحكام، والاهتداء بالصحابة في فهمهم لأحكام الكتاب والسنة).

2- ترتيب المقاصد فيما بينها:

يرى د. جمال الدين عطية أنه وإن كان مبدأ التفاوت بين المصالح متفق عليه إلا أن ترتيب المقاصد الخمسة المشهورة ليست محل اتفاق فضلًا عن أن تكون محل إجماع، ثم يبدأ في إظهار الاختلاف بين الفقهاء في هذه القضية متتبعًا مفهوم ترتيب المصالح عند العلماء بترتيبهم الزمني من الأقدم إلى الأحدث.   

3- ترتيب وسائل المقاصد:

 ينقل د.جمال الدين عطيّة عن ابن عاشور في حديثه عن نفوذ الشريعة أنها استخدمت لهذا الغرض أنواع  الوازع المختلفة: (الجِبلّي والديني والسلطاني)، وبعد بيان أنواعها يبدأ في ترتيبها؛ أيها يعتمد عليها الشرع ابتداءًا وأيها يأتي متأخرًا؟  ثم يبحث في مراتب الضروري والحاجي والتحسيني وتعلقها بالوسائل لا بالمقاصد؛ حيث يعرض كلام الأصوليين في التفريق بين المقاصد الأصلية والتي يرون أنها ضرورية والمقاصد التبعية والتي تكون الحاجيات والتحسينيات ضمنها.

ثم ينتقل في حديثه عن الترتيب بين المقاصد إلى مدى إمكان إضافة مقاصد ليست من الثلاثي (الضروري، الحاجي، التحسيني)، ويتحدث هنا عن ما دون الضروري وما وراء التحسيني، فالأصل -كما سبق- أن مراتب المقاصد من حيث الأهمية (ضروري، وحاجي، وتحسينيّ)، لكنه يطرح تساؤلًا عن الحالة التي لا تتحقق فيها مواصفات الضروري، وكذلك الحالة الذي يزيد فيها الإسراف عن حد التحسيني.

وأخيرًا يختتم حديثه بملاحظات تطبيقيّة.

4-   نسبية تحديد الوسائل وتسكينها في المراتب:

 ثم تأتي القضية الرابعة خاتمةً لقضايا الفصل الأوّل، بعنوان (نسبية تحديد الوسائل  وتسكينها في المراتب بحسب الزمان والمكان والأشخاص والأحوال)، فيرى أنه وإن كانت وسائل المقاصد ثابتة إلا أن تسكينها في متغيراتِ الزمان والمكان والأشخاص والأحوال يستدعي إعادة نظر في العلاقة بين الثابت - المقاصد - والمتغير محل التسكين - الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

 

  • المحور الثَّاني: تصور جديد للمقاصد: 

     لا يبحث هذا المحور قضايا جديدة في المقاصد بقدر ما يحاول إعادة النظر في بعض مفاهيم ومضامين المقاصد وما اشتهر في تقسيمات المقاصد وخرائطها؛ بحيث يناقش في هذا المحور أول ما يناقش قضية حصر المقاصد في الخمسة أصول الضرورية منذ بلورها الإمام الغزالي، ويحاول مناقشة مبدأ حصرها في خمسة أو ستة مقاصد حيث يرى أن حصرها ظل "مصدر قلق لم يستقر"، وأن ثمة إمكانيّة لتوسيع نطاقها ويستعرض في هذا جهود المتأخرين المشتغلين بالمقاصد.

  وبعد الحديث عن مبدأ حصر المقاصد، يدخل في نقاش حول أنواعها ومراتبها مجتهدًا في إعادة رسم خريطة مقاصديّة أشمل وأوضح؛ بحيث تتكون الخريطة التي يقترحها من: (مقاصد الخلق، مقاصد الشريعة العالية، مقاصد الشريعة الكلية، مقاصد الشريعة الخاصة، مقاصد الشريعة الجزئية، مقاصد المكلفين)، وهكذا يجتهد في وضع تقسيم أكثر تجليةً وتفريقًا بين أنواع المقاصد الرئيسية منها والفرعية.

  وبعد توصله إلى توسيع نطاق المقاصد إلى أربعة وعشرين يبدأ في توزيعها على مجالات أربعة: (مجال الفرد، ومجال الأسرة، ومجال الأمة، ومجال الإنسانية).

 

  • المحور الثّالث: تفعيل المقاصد:

بعد التأسيس، يأتي التفعيل وهو المقصد الثاني الذي أراده من هذا الكتاب.

وقد تناول فيه: 

  • الصورة الحالية لاستخدامات المقاصد: وفيها حاول جمع ما يمثل الصورة الحالية لاستخدامات المقاصد من خلال الكتابات القديمة والحديثة؛ ثم توصل بعد الاستقراء إلى أن صور استخدامات المقاصد تتمثل في الآتي: (بيان كمال الشريعة الإسلامية، الاطمئنان على الإيمان، أن يعرف المؤمن مشروعية العمل، ردع المشككين، موافقة الأحاديث الصحيحة للمصالح الشرعية، الترجيح، منع التحايل، فتح الذرائع وسدها، النصوص والأحكام بمقاصدها، الجمع بين الكليات العامة والأدلة الخاصة، اعتبار المآلات، والتوسع والتجديد في الوسائل، التقريب بين المذاهب وإزالة الخلاف).
  • الاجتهاد المقاصدي: يبحث هنا حقيقة هذا المصطلح ومدى صحته؛ حيث يحاول بحثه عند المجددين من الفقهاء، ثم يخلص في النهاية إلى أن: "مصطلح (الاجتهاد المقاصدي) بالصورة التي عرضها لا تستحق أن يطلق عليها هذا المصطلح، وأنه في الحقيقة ليس إلا صورة للمصلحة المرسلة أو الاستصلاح والتي هي أدلة شرعية تكلم فيها الأصوليون منذ القديم".

 

  • التنظير الفقهي:

ويحاول في هذا الجزء طرح كيف حاول الجهد الفقهي - الحديث خاصة-  "تجاوز المنحى التجزيئي في تفهم أحكام الشريعة، ومحاولة معالجة مشكلات المسلمين وفق رؤية كلية تنزل الحلول الشرعية على الوقائع والنوازل .." من خلال رصد الإرهاصات الأولى في بعض المجهودات الفقهية الحديثة التي اجتهدت في تأصيل بعض القضايا من ناحية فقهية للخروج ببعض النظريات المستقاة من الفهم الكلي للفقه الإسلامي في النظريات: الأخلاقية، والجنائية، والحقوقية، والاقتصادية، ثم يبدأ في تحرير مفهوم (النظرية الفقهية) وهو أمر مهم يفتح به بابًا لفهم مستويات التنظير الفقهي (من العام إلى الخاص) وعلاقته بالعلوم الشرعية.

  • العقلية المقاصدية للفرد والجماعة: 

      يشير فيها إلى نقطة مهمة قد لا تجد اهتمامًا في الحديث عن المقاصد تنظيرًا أو تفعيلًا؛ وهي تحوّل المقاصد من التنظير المجرد أو حتى الاستخدام الفقهي إلى أن تكون مَلَكَةً عقليّةً لدى الفرد المسلم والجماعة المسلمة، ثم أبرز أهمية اتجاه الجماعة المسلمة للعناية بالتقعيد الفقهي واستخلاص القوانين الفقهية من مجال حيوي وهو مجال "السياسة الشرعيّة".

  • مستقبل المقاصد: 

في حديثه عن مستقبل علم المقاصد يستهل د.جمال الدين عطيّة بسؤال يطرح فيه رؤى أكثر مما يطرح سؤالًا مجردًا عن مستقبل المقاصد: هل علم المقاصد هو علم مستقل بذاته أم أنه علم وسيط أم أنه تطوير للأصول؟ 

ويقوم برصد توجهات الفقهاء المجددين ومقارنته ومقاربته بين رؤيتهم وبين ما أشار إليه المتقدمون من قبل إشارات واضحة أو في ثنايا حديثهم عن المقاصد في هذا الصدد.

  وبعد عرض آراء الفقهاء المجددين مثل ابن عاشور، والريسوني، يرجح د.جمال الدين عطية ما رآه د.عبدالله دراز من أن استنباط الأحكام يحصل بأمرين: العلم بلسان العرب، والعلم بمقاصد الشريعة وأسرارها. ومن هذين العلمين يتكون علم أصول الفقه. ويختلف د. جمال الدين عطية مع رأي ابن عاشور في تأسيس علم مستقل لمقاصد الشريعة وترك علم أصول الفقه على حاله؛ يقول:"فأرى أنه ضار بكلا العلمين إذ يجمد الأصول على حالها ويحرمها من روح المقاصد، كما أنه يبعد المقاصد عن الدور الوظيفي الذي تقوم به حاليًا والذي ينبغي أن نحرص على تطويره".

 

  • وقد جاءت خاتمة الكتاب على شكل (توصيّات بمقترحات علمية) لقضايا بحاجة إلى جهد الباحثين فيها والتي منها مثلًا: 
    • نظرية المقاصد عند أئمة المقاصد كالغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، والعز بن عبدالسلام، وولي الله الدهلوي. 
    • المقاصد العالية للشريعة والمفاهيم التأسيسية.
    • المقاصد الخاصة بكل قسم من أقسام الفقه، وبكل علم من العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية.

رابط تحميل الكتاب