صدرت الطبعة الأولى من هذا للكتاب للدكتور محمد بن المدني بوساق[1] عن مركز الدراسات والبحوث التابع لأكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض عام 2002م ضمن سلسلة تحمل الرقم 291.

وسعى الباحث في هذه الدراسة إلى عرض ما يتصل بالسياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية دون تطويل ممل أو اختصار مخل ومن غير تفريع أو استطراد، وإنما سعى إلى رفع اللبس والغموض وطرد الوهم ودفع الشبهة وإقامة الحجة وإضاءة المحجة وكشف سر التألق والتفوق فيها.

وسعى الباحث من خلال دراسته إلى إعطاء صورة متكاملة عن السياسة الجنائية المعاصرة في النظم الوضعية بأمانة وحياد وفي أسلوب سهل وعبارة واضحة، قاصدًا من ذلك الوقوف على الوجوه التي تتفق فيها السياسة الجنائية المعاصرة مع السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية، وبيان أوجه الخلل والقصور ومواطن الضعف في السياسة الجنائية المعاصرة.

وكشفت الدراسة عن وجود مساحة مشتركة بين السياسة الجنائية في كل من القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، لافتة إلى أن هذا التشابه قد يكون ناشئًا عن وحدة بعض الأهداف والاشتراك في الوسائل وكثير من المصالح، ولكن على الرغم من هذا التشابه بين السياستين فإن هناك العديد من الفروق والمميزات الجوهرية التي تتفوق بها السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية، أبرزتها الدراسة.

وقد اختتمت الدراسة بعدد من النتائج والتوصيات، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: النتائج:

  1. وجود الكثير من الفروق والمميزات الجوهرية التي تتفوق بها السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية.
  2. فقدان السياسة الجنائية المعاصرة للمميزات الجوهرية التي تتميز بها الشريعة الإسلامية يًعد خللاً خطيرًا يُفضي إلى الفشل في الوصول إلى الأهداف المتوخاة والمقاصد المرجوة، ويظهر ذلك في ارتفاع نسبة الجريمة عامًا بعد عام، ومن تلك العيوب والمآخذ فقدان الأساس القطعي الذي ترسو عليه، فهي كشجرة منبتة ما لها من قرار، مما استتبع ضعفًا في الجدوى وتناقضًا في الطرح وتسفيها من اللاحق للسابق، فكلما ظهرت نظرية لعنت أختها ووصمتها بالبطلان والجهل والضلال، وإذا أضفنا إلى ذلك قلة المصادر التي تستقي منها، وكونها مبهمة تنتقل من علم إلى علم تبعًا للنوازل والصدف بينما نجد المصادر في الشريعة الإسلامية جلية وواضحة وكثيرة تمكن الباحث من استنباط واكتشاف الأصوب والأصلح والأنسب وأخطر ما يزلزل أسس السياسة الجنائية الوضعية عدم استقرارها على ثوابت تحفظ خصائص الإنسان ومصالحه العليا وقيمه السامية.
  3. من المآخذ على السياسة الجنائية في النظم الوضعية عدم القدرة على النظرة المستقلة عن الميول الشخصية من قبل المقننين والمنظمين، وقد أفضى ذلك إلى العجز عن مواجهة العوامل المنتجة للجريمة فإن التشوق إلى تحقيق أعلى مستوى من الأمن والتقليل من الجرائم إلى أدنى حد لا يصحبه في الغالب التخلي عن الأهواء والشهوات، وهو ما انتهى إلى المحال؛ لأن الجمع بين الضدين مستحيل فإن إباحة الإثارة الجنسية ومهيجاتها، وعدم حظر شرب المسكرات وغير ذلك لا يحقق الوقاية من الجريمة ولا يوصل إلى الأمن المنشود.
  4. إذا جمعنا إلى ما تقدم من المآخذ ضعف المشروعية فإن ذلك يجعل تحقيق أهداف السياسة الجنائية في غاية الصعوبة؛ لأن ضعف المشروعية أشعر المقننين برأفة زائفة وقصور في معرفة الأصوب والأصلح والأنسب، مما جعلهم يتمادون في تسويغ الأعمال الإجرامية بعوامل قهرية دون أن يقابلوها بمقاومة مناسبة، فَجَرَّهُم ذلك إلى التساهل والتخفيف الذي شجع على ارتفاع نسبة الإجرام وزيادتها باستمرار، ومن أخطر صيحات هذا الاتجاه هو المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام التي تُعد العائق الأخير لانتشار الجريمة بكثافة واتساع، كما أن حصر القوانين الوضعية للعقوبة في السجن بمختلف مسمياته والغرامة بأنواعها غالبًا ضيع فرصة الاستفادة من العقوبات المتنوعة وبدائل مختلفة للردع والإصلاح والعلاج.
  5. إن ترك الاجتهاد من قبل علماء الشريعة، وقلة الباحثين في السياسة الجنائية قد أسهم في إثارة الشبهات والنظرة الخاطئة للشريعة الإسلامية في هذا المجال.

ثانيًا: التوصيات:

  1. التزام ثوابت السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود والحكم بالقصاص في جميع التشريعات بالدول العربية والإسلامية فإنها حصن حصين وسد مانع وسيف قاطع لدابر الجريمة.
  2. تكوين باحثين مجتهدين متخصصين يجمعون بين الأسس والمنطلقات بما فيها من مصادر ومقاصد وقواعد وثوابت وبين المعرفة الواسعة لمقتضيات العصر وعلومه ووسائله وبخاصة ما يتصل بالنفس والحياة الاجتماعية والاقتصادية لتكوين خبرة تراكمية تساعد على الوصول إلى أصوب ما يمكن وأصلح ما يمكن وأنسب ما يمكن في مكافحة الجريمة واستئصال جذورها وتحقيق أعلى مستويات الأمن والاستقرار، وإعداد قضاة متخصصين بالمواصفات السابقة مضافًا إليها التمكن من الدراسات الاجتماعية والنفسية ليكتسبوا الملكات الضرورية التي تمكنهم من حسن استعمال سلطتهم التفويضية في التفريد العقابي الذي يحقق المواءمة والملاءمة بين العقوبة والجريمة وشخصية الجاني من أجل ردعه وعلاجه وإصلاحه.
  3. تكوين رجال الأمن تكوينًا علميًا يجمع بين الضروري من علوم الشريعة بعامة، والتوسع في السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية بخاصة مع اكتساب الخبرات الأمنية والمهارات الشرطية الفكرية منها والبدنية وأعلى ما وصلت إليه التقنية الحديثة من وسائل مادية وفنون وأساليب في مكافحة الجريمة مع تحصينهم بالتربية الإيمانية لأنهم العين الساهرة على أعراض الناس وأموالهم وأنفسهم فوجب أن يتصفوا بالأمانة والحكمة وحسن التدبير والعدل والإنصاف واليقظة والفطانة والرحمة والقوة والشجاعة.

 

تقسيمات الدراسة:

تتكون الدراسة من أربعة فصول وخاتمة، وذلك على النحو التالي:

الفصل الأول: في مفهوم السياسة الجنائية في الشريعة والنظم.

الفصل الثاني: في اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة.

الفصل الثالث: في السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية بما فيها المصادر والمقاصد والقواعد وسياسة الوقاية والتجريم والعقاب.

الفصل الرابع: ملاحظات على اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة في ضوء الشريعة الإسلامية.

الخاتمة

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


[1] أستاذ القانون بكلية العدالة الجنائية بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض بالمملكة العربية السعودية.

طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية "كريم خان" يوم الاثنين 20 مايو 2024، إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت وثلاثة من قادة حماس بتهمة ارتكاب جرائم حرب مزعومة وجرائم ضد الإنسانية.

وفيما يلي بيان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان بعنوان "طلبات لإصدار أوامر قبض:

اليوم، أقدم طلبات للدائرة التمهيدية الأولى بالمحكمة الجنائية الدولية لإصدار أوامر قبض فيما يتصل بالقضية في دولة فلسطين.

 

يحيى السنوار، ومحمد دياب إبراهيم المصري (ضيف)، وإسماعيل هنية.

استنادا إلى الأدلة التي جمعها مكتبي وفحصها، لدي أسباب معقولة للاعتقاد بأن يحيى السنوار (رئيس حركة المقاومة الإسلامية (’’حماس‘‘) في قطاع غزة)، ومحمد دياب إبراهيم المصري، المشهور باسم ضيف (القائد الأعلى للجناح العسكري لحماس، المعروف باسم كتائب القسام)، وإسماعيل هنية (رئيس المكتب السياسي لحماس) يتحملون المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التالية المرتكبة في أراضي إسرائيل ودولة فلسطين (في قطاع غزة) اعتبارا من السابع من أكتوبر 2023 على الأقل:

الإبادة باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، بما يخالف المادة 7 (1) (ب) من نظام روما الأساسي.

والقتل العمد باعتباره جريمة ضد الإنسانية، بما يخالف المادة 7 (1) (أ)، وباعتباره جريمة حرب، بما يخالف المادة 8 (2) (ج) (1).

وأخذ الرهائن باعتباره جريمة حرب، بما يخالف المادة 8 (2) (ج) (3).

والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، بما يخالف المادة 7 (1) (ج)، وباعتباره أيضًا.

جريمة حرب عملا بالمادة 8 (2) (ه) (6) في سياق الأَسر.

والتعذيب باعتباره جريمة ضد الإنسانية، بما يخالف المادة 7 (1) (و)، وباعتباره أيضا جريمة حرب، بما يخالف المادة 8 (2) (ج) (1)، في سياق الأَسر.

وأفعال لاإنسانية أخرى باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، بما يخالف المادة 7 (1) (ك)، في سياق الأَسر.

والمعاملة القاسية باعتبارها جريمة حرب بما يخالف المادة 8 (2) (ج) (1)، في سياق الأسر.

والاعتداء على كرامة الشخص باعتباره جريمة حرب، بما يخالف المادة 8 (2) (ج) (2)، في سياق الأَسر.

ويدفع مكتبي بأن جرائم الحرب المـُدّعى بها في هذه الطلبات ارتُكِبت في إطار نزاع مسلح دولي بين إسرائيل وفلسطين، ونزاع مسلح غير دولي بين إسرائيل وحماس دائرين بالتوازي. وندفع بأن الجرائم ضد الإنسانية التي وُجِّه الاتهام بها قد ارتكبتها حماس وجماعات مسلحة أخرى في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في إسرائيل عملًا بسياسات التنظيم. وبعض هذه الجرائم مستمرة، في تقديرنا، إلى يومنا هذا.

ويدفع مكتبي بوجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن السنوار وضيف وهنية يتحملون المسؤولية الجنائية عن مقتل مئات من المدنيين الإسرائيليين في هجمات ارتكبتها حماس (ولا سيما جناحها العسكري، كتائب القسام) وجماعات مسلحة أخرى في السابع من أكتوبر 2023 وأخذ ما لا يقل عن 245 من الرهائن. وفي إطار تحقيقاتنا، أجرى مكتبي مقابلات مع مجني عليهم وناجين، من بينهم رهائن سابقون وشهود عيان في ستة مواقع رئيسية شهدت الهجمات، وهي: كفر عزة، وحوليت، وموقع مهرجان سوبرنوفا الموسيقي، وبئيري، ونير عوز، ونحال عوز. ويعتمد التحقيق أيضا على أدلة من قبيل تسجيلات الدوائر التلفزيونية المغلقة، ومواد مسموعة ومرئية وصور فوتوغرافية ثبتت صحتها، وبيانات أدلى بها أعضاء من حماس بأنفسهم، ومن بينهم من يُدّعى بارتكابهم الجرائم المتقدم ذكر أسمائهم، وشهادة الخبراء.

ويرى مكتبي أن هؤلاء الأشخاص خططوا لارتكاب الجرائم في السابع من أكتوبر 2023 وحرضوا على ارتكابها، كما أنهم بأفعالهم، التي شملت زيارات أجروها بأنفسهم إلى الرهائن بُعَيد اختطافهم، أقروا بتحملهم المسؤولية عن هذه الجرائم. وندفع بأن هذه الجرائم ما كان لها أن تُرتكب لولا أفعالهم. ويُوَجه الاتهام إليهم باعتبارهم مشاركين في ارتكاب الجرائم وباعتبارهم رؤساء عملا بالمادتين 25 و28 من نظام روما الأساسي.

وفي أثناء الزيارة التي أجريتُها بنفسي إلى كيبوتس بئيري وكيبوتس كفر عزة، وكذلك إلى موقع مهرجان سوبرنوفا الموسيقي في رعيم، شاهدتُ مشاهد الدمار التي خلفتها هذه الهجمات والأثر البالغ الذي أحدثته هذه الجرائم التي يأباها الضمير والتي وُجِّه الاتهام بارتكابها في الطلبات المقدمة اليوم. وفي حديثي مع الناجين، سمعتُ كيف أن الحب بين أفراد الأسرة، وأعمق الأواصر التي تجمع بين الآباء والأبناء، شوّهتِ بغية إلحاق الألم بالناس بقسوة مدروسة وغلظة مفرطة بشكل لا سبيل لاستيعابه. وهذه الأفعال تستوجب المساءلة.

ويدفع مكتبي أيضًا بوجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الرهائن الذين أُخِذوا من إسرائيل قد احتُجزوا في ظروف لاإنسانية وأن بعضهم تعرض للعنف الجنسي، بما ذلك الاغتصاب، وهم قيد الأسر. وقد خلصنا إلى هذا الاستنتاج بناء على سجلات طبية، وتسجيلات مرئية ومستندات من الفترة الزمنية ذاتها، ومقابلات مع المجني عليهم والناجين. ويواصل مكتبي أيضا التحقيق في التقارير التي تفيد بارتكاب أعمال عنف جنسي في السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر.

وأود أن أعرب عن امتناني للناجين وأسر المجني عليهم في هجمات السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر، لأنهم تحلوا بالشجاعة وتقدموا للأدلاء بشاهداتهم لمكتبي. وما زلنا نركز على تعميق تحقيقاتنا بشأن جميع الجرائم التي ارتُكِبت في إطار هذه الهجمات وسنواصل العمل مع كل الشركاء لضمان تحقيق العدالة.

وأكرر مطالبتي بالإفراج الفوري عن كل الأسرى الذين أُخذوا من إسرائيل وبرجوعهم سالمين إلى أُسرهم. وهذا شرط أساسي يقتضيه القانون الدولي الإنساني.

 

بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت

استنادا إلى الأدلة التي جمعها مكتبي وفحصها، لدي أسباب معقولة للاعتقاد بأن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ويوآف غالانت، وزير الدفاع في إسرائيل، يتحملان المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التالية التي ارتُكبت على أراضي دولة فلسطين (في قطاع غزة) اعتبارا من الثامن من أكتوبر 2023 على الأقل:

تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب باعتباره جريمة حرب بما يخالف المادة 8 (2) (ب) (25) من نظام روما الأساسي؛

وتعمد إحداث معاناة شديدة، أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة بما يخالف المادة 8 (2) (أ) (3) أو المعاملة القاسية

باعتبارها جريمة حرب بما يخالف المادة 8 (2) (ج) (1)؛

والقتل العمد بما يخالف المادة 8 (2) (أ) (1)، أو القتل باعتباره جريمة حرب بما يخالف المادة 8 (2) (ج) (1).

وتعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين باعتباره جريمة حرب بما يخالف المادة 8 (2) (ب) (1)، أو المادة 8 (2) (ه) (1).

والإبادة و/أو القتل العمد بما يخالف المادتين 7 (1) (ب) و7 (1) (أ)، بما في ذلك في سياق الموت الناجم عن التجويع، باعتباره جريمة ضد الإنسانية.

والاضطهاد باعتباره جريمة ضد الإنسانية بما يخالف المادة 7 (1) (ح).

وأفعال لاإنسانية أخرى باعتبارها جرائم ضد الإنسانية بما يخالف المادة 7 (1) (ك).

ويدفع مكتبي بأن جرائم الحرب المـُدّعى بها في هذه الطلبات قد ارتُكِبت في إطار نزاع مسلح دولي بين إسرائيل وفلسطين، ونزاع مسلح غير دولي بين إسرائيل وحماس (بالإضافة إلى جماعات مسلحة فلسطينية أخرى) دائرين بالتوازي. وندفع بأن الجرائم ضد الإنسانية التي وُجِّه الاتهام بها قد ارتُكِبت في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين الفلسطينيين عملًا بسياسة الدولة. وهذه الجرائم مستمرة، في تقديرنا، إلى يومنا هذا.

ويدفع مكتبي بأن الأدلة التي جمعناها، والتي شملت مقابلات مع ناجين وشهود عيان، ومواد مرئية وصورا فوتوغرافية ومواد مسموعة ثبتت صحتها، وصورًا ملتقطة بالأقمار الصناعية، وبيانات أدلت بها المجموعة التي يـُدَّعى بأنها ارتكبت الجرائم، تثبت أن إسرائيل تعمدت حرمان السكان المدنيين في كل مناطق غزة بشكل منهجي من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم الإنساني.

وقد حدث ذلك من خلال فرض حصار كامل على غزة تضمن الإغلاق التام للمعابر الحدودية الثلاثة، وهي رفح وكرم أبو سالم وبيت حانون، اعتبارًا من الثامن من تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 ولفترات مطوّلة ثم التقييد التعسفي لنقل الإمدادات الأساسية – بما في ذلك الطعام والدواء – من خلال المعابر الحدودية بعد إعادة فتحها. وشمل الحصار أيضًا قطع أنابيب المياه العابرة للحدود من إسرائيل إلى غزة – وهي المصدر الرئيسي للمياه النظيفة التي يحصل عليها الغزيون – لفترة طويلة بدأت من التاسع من أكتوبر 2023؛ وقطع إمدادات الكهرباء ومنعها اعتبارا من الثامن من أكتوبر 2023 عل الأقل وحتى اليوم. وقد وقع ذلك إلى جانب هجمات أخرى ضد المدنيين، بما في ذلك هجمات على أولئك الذين اصطفوا للحصول على الطعام، وإعاقة توصيل الوكالات الإنسانية للمساعدات، وشن هجمات على عمال الإغاثة وقتلهم، مما أجبر الكثير من الوكالات على إيقاف أعمالها في غزة أو تقييدها.

ويدفع مكتبي بأن هذه الأفعال قد ارتُكبت في إطار خطة مشتركة لاستخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وأعمال عنف أخرى ضد السكان المدنيين في غزة كوسيلة (1) للتخلص من حماس، (2) ولضمان عودة الرهائن الذين اختطفهم حماس، (3) ولإنزال العقاب الجماعي بالسكان المدنيين في غزة الذين رأوا فيهم تهديدا لإسرائيل.

إن استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، مقرونًا بهجمات أخرى وبالعقاب الجماعي للسكان المدنيين في غزة، كانت له آثار حادة وظاهرة للعيان ومعروفة على نطاق واسع، وقد أكدها شهود عديدون أجرى مكتبي مقابلات معهم، ومن بينهم أطباء محليون ودوليون. وشملت هذه الآثار سوء التغذية والجفاف والمعاناة البالغة وتزايد أعداد الوفيات بين السكان الفلسطينيين، ومن بينهم الأطفال الرضع، والأطفال الآخرون، والنساء.

وقد ظهرت المجاعة في بعض مناطق من غزة وأوشكت على الظهور في مناطق أخرى. وكما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش منذ أكثر من شهرين: ’’ يواجه 1.1 مليون إنسان في غزة الجوع على نحو كارثي – وهو أعلى رقم من الناس سبق تسجيله – في أي مكان وفي أي زمان‘‘ وذلك نتيجة لـ ’’كارثة لم يصنعها سوى البشر‘‘. واليوم، يسعى مكتبي إلى توجيه الاتهام إلى اثنين من الذين يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية، وهما نتنياهو وغالانت، لمشاركتهما في ارتكاب الجرائم ولكونهما رئيسين عملا بالمادتين 25 و28 من نظام روما الأساسي.

ولإسرائيل الحق في اتخاذ إجراءات للدفاع عن سكانها، شأنها في ذلك شأن الدول كلها. إلا أن هذا الحق لا يُعفي إسرائيل أو أي دولة من التزامها بالانصياع للقانون الدولي الإنساني. وبغض النظر عن أي أهداف عسكرية قد تكون لدى إسرائيل، فإن الأساليب التي اختارتها لتحقيق هذه الأهداف في غزة – وهي تعمد التسبب في الموت والتجويع والمعاناة الشديدة وإلحاق الإصابات الخطيرة بالجسم أو بالصحة بالسكان المدنيين – تُعدّ أساليب إجرامية.

وقد أكدتُ منذ العام الماضي، من رام الله ومن القاهرة ومن إسرائيل ومن رفح، تأكيدًا ثابتًا على أن القانون الدولي الإنساني يستوجب أن تتخذ إسرائيل إجراء عاجلًا للسماح الفوري بدخول كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية إلى غزة. وأكدتُ خصوصًا على أن استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب والحرمان من الإغاثة الإنسانية يشكلان أفعالًا جرمية بموجب نظام روما الأساسي. وقد كنتُ واضحا بما فيه الكفاية.

وكما أكدتُ مرارا في بياناتي العلنية كذلك، إن الذين لا ينصاعون للقانون ينبغي ألا يضجوا بعدئذ بالشكوى عندما يتخذ مكتبي إجراءات. وقد آن الأوان لذلك.

إن مكتبي بتقديمه هذه الطلبات لإصدار أوامر قبض يتصرف عملًا بولايته بموجب نظام روما الأساسي. ففي الخامس من فبراير 2021، قررت الدائرة التمهيدية الأولى أن المحكمة تستطيع ممارسة اختصاصها الجنائي في الحالة في دولة فلسطين وأن النطاق المكاني لذلك الاختصاص يشمل غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. وهذه الولاية سارية وتشمل تصعيد الأعمال العدائية والعنف منذ السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر 2023. ولمكتبي أيضا الاختصاص فيما يتعلق بالجرائم التي يرتكبها رعايا الدول الأطراف ورعايا الدول غير الأطراف على أراضي دولة من الدول الأطراف.

وتُعدّ الطلبات المقدمة اليوم نتاجًا للتحقيق المستقل والمحايد الذي يجريه مكتبي. وقد عمل مكتبي باجتهاد ليفصل بين الادعاءات والحقائق، وليقدم الاستنتاجات باتزان إلى الدائرة التمهيدية استنادا إلى الأدلة، مسترشدا بالتزامنا بالتحقيق في أدلة التجريم والتبرئة على حد سواء.

وأنا ممتن كذلك لنصيحة من لجنة من الخبراء في القانون الدولي، كإجراء احترازي إضافي، وهم مجموعة من الخبراء المحايدين الذين جمعتُهم لتقديم الدعم في مراجعة الأدلة والتحليل القانوني فيما يتصل بطلبات إصدار أوامر القبض هذه. وتتألف اللجنة من خبراء ذوي مكانة رفيعة في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، ومن بينهم السير أدريان فولفورد الحائز على شهادة ’’بي سي‘‘، وهو مستشار محكمة الاستئناف سابقا والقاضي السابق في المحكمة الجنائية الدولية؛ والبارونة هيلينا كينيدي الحاصلة على لقب ’’كي سي‘‘، وهي رئيسة معهد حقوق الإنسان التابع لنقابة المحامين الدولية؛ وإليزابيث ويلمشورست الحاصلة على لقب ’’سي إم جي‘‘ ولقب ’’كي سي‘‘، وهي نائبة المستشار القانوني لوزارة الخارجية والكومنولث البريطانية سابقا؛ وداني فريدمان الحاصل على لقب ’’كي سي‘‘؛ واثنان من مستشاريّ الخاصين – وهما أمل كلوني وسعادة القاضي ثيودور ميرون الحاصل على لقب ’’سي إم جي‘‘. وقد أيّد هذا التحليل المستقل الذي قدمه الخبراء الطلبات التي قدمها مكتبي اليوم وعززها. وأنا ممتن أيضًا لما قدمه عدد من مستشاريّ الخاصين الآخرين من إسهامات في هذه المراجعة، ولا سيما أداما ديينغ والأستاذ الدكتور كيفين جون هيلر.

واليوم نؤكد مرة أخرى على أن القانون الدولي وقوانين النزاعات المسلحة تنطبق على الجميع. وليس لجندي من المشاة أو لقائد أو لزعيم مدني – أو لأي شخص – أن يفلت من العقاب على تصرفاته. ولا يمكن تبرير تعمد حرمان البشر، بمن فيهم كثير جدًا من النساء والأطفال، من الضروريات الأساسية اللازمة للحياة. ولا يمكن تبرير أخذ الرهائن أو استهداف المدنيين.

ولقضاة المحكمة الجنائية الدولية المستقلين وحدهم الحكم فيما إذا كان المعيار اللازم لإصدار أوامر قبض قد استوفي. فإن وافقوا على طلباتي وأصدروا الأوامر المطلوبة، سأعمل حينئذ عن كثب مع مسجل المحكمة باذلًا كل جهدي للقبض على الأفراد المذكورة أسماؤهم. وأعوّل على كل الدول الأطراف في نظام روما الأساسي في أن يتعاملوا مع هذه الطلبات والقرار القضائي الذي سيترتب عليها بالجدية نفسها التي أبدوها في الحالات الأخرى، وأن يوفوا بالتزاماتهم بموجب النظام الأساسي. وأقف كذلك على أهبة الاستعداد للعمل مع الدول غير الأطراف في سعينا المشترك نحو تحقيق المساءلة.

ومن الحاسم الآن أن يُسمح لمكتبي ولكل أجزاء المحكمة، بمن فيهم قضاتها المستقلون، بالاضطلاع بعملهم باستقلال تام وحيادية تامة. وأصر على الإيقاف الفوري لكل محاولات عرقلة مسؤولي هذه المحكمة أو إرهابهم أو التأثير عليهم بشكل غير لائق. ولن يتردد مكتبي في التصرف عملا بالمادة 70 من نظام روما الأساسي إذا استمر هذا السلوك.

وما زلت أشعر بالقلق العميق إزاء الجرائم الدولية المستمرة، وما يظهر من الأدلة عليها، التي يُدّعى بارتكابها في إسرائيل وغزة والضفة الغربية. وسيستمر تحقيقنا. ويعزز مكتبي عدة مسارات إضافية ومترابطة للتحقيق بشأن جملة أمور من بينها ما ورد من وقوع عنف جنسي في خلال الهجمات التي شُنّت في السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر وفيما يتعلق بالقصف واسع النطاق الذي تسبب، وما زال يتسبب، في قتل وإصابة أعداد كبيرة جدا من المدنيين، وفي معاناتهم، في غزة. وأحث أولئك الذين لديهم معلومات ذات صلة على الاتصال بمكتبي وتقديم المعلومات عبر رابط مكتب المدعي العام (’’OTP Link‘‘).

ولن يتردد مكتبي في تقديم المزيد من طلبات إصدار أوامر القبض إذا ارتأينا استيفاء الحد الأدنى لإمكانية الإدانة استيفاءً واقعيا. وأجدد مناشدتي لجميع الأطراف في النزاع الدائر بأن يمتثلوا للقانون الآن.

وأود أن أؤكد أيضًا على أن مكتبي سيستمر في تقييم مبدأ التكامل، الذي هو لب نظام روما الأساسي، لدى اتخاذنا إجراءات فيما يتصل بالجرائم المـُدّعى ارتكابها المدرجة فيما تقدم وبمرتكبيها المذكورة أسماؤهم وسيرنا قدما في مسارات التحقيق الأخرى. ولكن التكامل لا يتطلب التنازل عن التحقيق للسلطات الوطنية إلا إذا عكفت هذه السلطات على إجراء عمليات قضائية مستقلة ومحايدة لا تحمي المشتبه فيهم وغير مزيفة. ويتطلب ذلك إجراء تحقيقات وافية على جميع المستويات تتناول السياسات والأفعال التي تستند إليها هذه الطلبات.

ولنكن واضحين اليوم بشأن مسألة جوهرية: لو لم نُظهر استعدادنا لتطبيق القانون على قدم المساواة، ولو بدا أنه يُطبق تطبيقا انتقائيًا، فإننا سنتيح الظروف المواتية لانهياره. وسنحل بذلك ما بقي من الروابط التي تجمعنا، والصلات التي تثبت الأواصر بين المجتمعات المحلية والأفراد، وشبكة الأمان التي يتطلع إليها كل المجني عليهم في أوقات المعاناة. إن هذه لهي المخاطرة الحقيقية التي نواجهها في هذه اللحظة.

ولا بد من أن نبرهن جميعًا الآن، أكثر من أي وقت مضى، على أن القانون الدولي الإنساني، وهو قاعدة الأساس التي يرتكز عليها السلوك الإنساني في خلال النزاعات، ينطبق على كل الأفراد وينطبق بالتساوي عبر جميع الحالات التي يتصدى لها مكتبي والتي تتصدى لها المحكمة. وهذه هي الطريقة التي سنثبت بها إثباتًا ملموسًا أن كل البشر تتساوى حياتهم في قيمتها.

_____________

المصدر: بيان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان: طلبات لإصدار أوامر قبض في الحالة في دولة فلسطين، المحكمة الجنائية الدولية، 20 مايو 2024، https://2u.pw/mRELPbBe

أصدرت محكمة العدل الدولية قرارا يطالب إسرائيل بالوقف الفوري لهجومها العسكري على رفح وأي عمل آخر في المحافظة الواقعة جنوب غزة، قد يفرض على المجموعة الفلسطينية في القطاع ظروفا معيشية يمكن أن تؤدي إلى تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.

وأصدرت المحكمة أمرها اليوم بناء على طلب قدمته جنوب أفريقيا لتعديل أمر المحكمة الصادر في 28 أذار/مارس 2024 بإصدار مزيد من التدابير المؤقتة الإضافية في سياق اتهام جنوب أفريقيا لإسرائيل بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية في غزة.

وأكدت المحكمة في قرارها مجددًا على التدابير المؤقتة المشار إليها في الأمرين الصادرين في 26 كانون الأول/يناير 2024 و28 آذار/مارس 2024، مطالبة بتنفيذ هذا القرار على الفور وبشكل فعال.

وطالبت المحكمة كذلك بإبقاء معبر رفح مفتوحا أمام توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية المطلوبة بشكل عاجل على نطاق واسع لصالح السكان.

وطلب قرار المحكمة اتخاذ تدابير فعالة لضمان الوصول دون عوائق إلى قطاع غزة لأي لجنة تحقيق أو بعثة لتقصي الحقائق أو أي هيئة تحقيق أخرى مفوضة من قبل الأجهزة المختصة التابعة للأمم المتحدة للتحقيق في ادعاءات الإبادة الجماعية.

وقررت محكمة العدل الدولية في قرارها أيضا أن تقدم إسرائيل إلى المحكمة تقريرًا بشأن جميع التدابير المتخذة لتنفيذ هذا القرار خلال شهر من تاريخ إصداره.

 

مخاطر هائلة

وقالت المحكمة في قرارها إن الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة، والذي ذكر قرارها الصادر في كانون الثاني/يناير 2024 إنه معرض لخطر التدهور الشديد، قد تدهور بل وتفاقم ذلك منذ اعتمدت المحكمة قرارها الأخير في آذار/مارس الماضي.

وتضمن القرار الصادر اليوم الإشارة إلى التطورات الأخيرة في غزة بما فيها العملية العسكرية البرية في رفح التي بدأتها إسرائيل في أيار/مايو. ورأت المحكمة أن تلك التطورات خطيرة بشكل استثنائي وتشكل "تغييرا للوضع" في إطار ما تنص عليه المادة 76 من لائحة المحكمة.

وأشارت إلى أن التدابير المؤقتة الإضافية التي تضمنها قرار المحكمة الصادر في آذار/مارس لا تعالج بشكل كامل العواقب الناشئة عن تغير الوضع، الأمر الذي يبرر تعديل تلك التدابير. وأوضحت المحكمة كذلك أنه على أساس المعلومات المعروضة عليها، فإن المخاطر الهائلة المرتبطة بالهجوم العسكري في رفح، بدأت تتحقق وستتكثف بشكل أكبر إذا استمرت العملية.

وأعربت المحكمة في قرارها عن عدم قناعتها بأن جهود الإخلاء والإجراءات المرتبطة بها التي تؤكد إسرائيل أنها تتخذها لتعزيز أمن المدنيين في قطاع غزة، وخصوصا أولئك الذين نزحوا مؤخرًا من محافظة رفح، كافية للتخفيف من وطأة الخطر الهائل الذي يتعرض له السكان الفلسطينيون نتيجة الهجوم العسكري في رفح.

 

تعليق الأمين العام

قال المتحدث باسم الأمم المتحدة إن الأمين العام أنطونيو غوتيريش أحيط علما بقرار محكمة العدل الدولية اتخاذ تدابير مؤقتة إضافية في سياق اتهام جنوب أفريقيا لإسرائيل بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية في غزة.

وأشار الأمين العام إلى أنه بموجب مـيثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فإن قراراتها ملزمة. وأكد أنه على ثقة من أن الأطراف سوف تمتثل على النحو الواجب لأمر المحكمة.

كما أشار إلى ما أكدت عليه المحكمة من قلق بشأن مصير الرهائن الذين اختطفوا أثناء هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ممن ما زالوا في الأسر، ودعوة المحكمة للإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

وأوضح المتحدث باسم الأمم المتحدة أنه وفقا للنظام الأساسي للمحكمة، سيحيل الأمين العام الإخطار بالتدابير المؤقتة التي أمرت بها المحكمة إلى مجلس الأمن.

 

معلومات عن المحكمة

محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. وتتولى المحكمة الفصل طبقا لأحكام القانون الدولي في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

ومحكمة العدل الدولية هي جهاز أممي منفصل عن المحكمة الجنائية الدولية -التي لا تتبع الأمم المتحدة- والتي تأسست عام 2002، لمحاكمة المتهمين بأخطر الجرائم، وضمان وصول الضحايا إلى العدالة، وإجراء محاكمات عادلة، واستكمال عمل المحاكم الوطنية.

____________

المصدر:

محكمة العدل الدولية تصدر أمرا بالوقف الفوري للهجوم العسكري الإسرائيلي على رفح، موقع الأمم المتحدة، 24 مايو 2024، https://2u.pw/6hcAF07w

المصدر: المسلم المعاصر*

أولاً: خلفية تاريخية:

بدأ القرن العشرون وقد أصبح للأزهر في حياتنا الثقافية ما يجعله ينساب في نسيجها كله، لم يعد مجرد قلعة للعلم والدين، ولا مجرد سياج يحمى حقوق الأمة ويعبر عن إرادتها ويصل بصوتها إلى الحكام والأمراء، بل أصبح الأزهر -إضافة إلى ذلك كله- يرى نفسه قائد العقل المسلم، وتهيأت في داخله منذ أواخر القرن التاسع عشر حركة إصلاحية سعت إلى تطوير مؤسساته، وتعديل مناهجه، وبدأت قوانين تنظيم الأزهر يتتابع صدورها، ومن أبرزها في نهاية القرن التاسع عشر القانون الذي وضع في يوليو سنة ١٨٩٦، وأشرف على تنفيذه مجلس إدارة يضم طائفة من كبار علماء مصر والإسلام، خلصت نيتهم وتوافرت لديهم وسائل التنفيذ وإصرارهم عليه، وهم المشايخ حسونة النواوي، ومحمد عبده، وسليم البشري، وعبد الكريم سلمان، وسليمان العبد، وكان لكل واحد من هؤلاء جهوده العلمية، وإنتاجه الفكري في مجال إصلاح العقل، محمد عبده في «رسالة التوحيد» وتقاريره الإصلاحية، وسليمان العبد في باكورة الكلام، وغيرهم ممن تصدروا للتدريس في الجامع الأزهر، ومدرسة دار العلوم . وقد جاء قانون تنظيم الأزهر على أيدي هؤلاء ليضم من وجوه الإصلاح ما رأوه كفيلًا بإنهاض الأزهر، ولأول مرة وضعوا شروطًا للانتظام في سلك الجامع الأزهر، فقرروا ألا يعتبر من طلبة الأزهر إلا من بلغ الخمس عشرة سنة على الأقل، وأن يكون له دراية بالقراءة والكتابة، وحافظــًـــــا نصف القرآن الكريم، وقسمت العلوم إلى قسمين: مقاصد ووسائل.

القسم الأول: ويضم مواد التوحيد والأخلاق الدينية والفقه وأصوله، والتفسير والحديث.

والقسم الثاني: ويستوعب النحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق، ثم الحساب والجبر والعروض والقافية، وشجع القانون الطلبة بوضع مكافآت لمن يتفوق في تاريخ الإسلام، أو يبرز في الإنشاء قولًا وكتابة، واللغة متنًا ومبادئ، والهندسة وتقويم البلدان، ومنع التقيد في الدراسة بكتب دون أخرى، ومنع الطلبة من الاشتغال بعلوم المقاصد إلا بعد تحصيل وسائلها، وحرم قراءة التقارير والحواشي في السنوات الأربع الأولى وأجازها بعد ذلك، وجعل أقل مدة للدراسة اثني عشرةً سنة، وأكثرها خمس عشرة سنة، وجعل الامتحان على مرحلتين، الشهادة الأهلية، وهي لمن قضى ثماني سنوات فأكثر، والشهادة العالمية وهي لمن قضى اثني عشرة سنة فأكثر، وجعل الحامل كل شهادة أهلية وظائف معينة.

لقد فتح هذا القانون أبواب الأزهر كلها وضرب في كل واحد منها بسهم من الإصلاح، ولفت الذهن إلى أن هناك خيرا غير الذي عرف إلى يوم وضعه، وأن التمسك بما كان عليه من قبلنا لا معنى له ما دام لا يطابق الواقع، ولا يتفق مع حاجات العصر، ولا شبهة في أن الأزهر قد تغير بعد القوانين الإصلاحية، إن لم يكن من جهة العلم وتحصيله، فمن جهة قابلية أهله للرقي، فقد أصبحوا طلاب إصلاح بعد أن كانوا لا يطيقونه إلا مغلوبين على أمره.

وقد سمى هذا القانون بإصلاح الشيخ محمد عبده، وقد ظل مطبقًـا عشـــر سنوات، ثم انفرط منهجه، وغاب أثره بخروج الشيخ محمد عبده من مجلس الإدارة، ثم وفاته سنة ١٩٠٥، إلا أن القانون وضع تلاميذ الأستاذ الإمام على درب جديدة، ومسالك مستحدثة، تمثلت في الثورة على ما كان في الأزهر من مناهج للدرس، ومراجع الدراسة، وأظهرت كوكبة من تلاميذ الإمام محمد عبده مقدرة فائقة في النقد المنهجي كان في مقدمتهم حسين والي في كتابيه «التوحيد» «وكلمة التوحيد»، والشيخ بدر الدين الحلبي في كتابه المهم «التعليم والإرشاد»، والعلامة طنطاوي الجوهري في مؤلفاته وتفسيره، والشيخ محمد مصطفى المراغي -أستاذ العلامة محمود شلتوت- في أعماله وأقواله، ولقد كان هذا التطور عظيمًا، إذا قيس بالقرن التاسع عشر الذي تراكمت فيه العصبية المذهبية في رحاب الأزهر على نحو أرهق العقل، وشوه النقل حتى يروى صاحب التعليم والإرشاد: «لقد كان أهل المذاهب في مصر من نصف قرن -الكتاب صادر سنة ١٩٠٦- مضى كالدول المتحاربة، لا يتأخر صاحب مذهب عن أذية صاحب مذهب آخر متى لاحت له فرصة وأمكنته، ولقد سمعت الشيخ عبد الرحمن البحراوي يقول: «كنا إذا خرجنا من الأزهر للحضور على السيد أحمد الكتبي مفتى الحنفية بمكة آخر عمره بزاوية العيني بقرب الأزهر، خرجنا وكل واحد منا قد جعل عباءته على رأسه يدارى بها شخصه عن الناس، وكان من يسمع بحالنا - يسمعنا من القول ما كنا لا نجد بدا من تحمله والصبر عليه، يضاف إلى ذلك الاعتماد في الدرس على كتب المتأخرين، وهي عصية على الفهم، لا يتسع بها عقل، ولا ينمو من خلالها فكر، وأصبحت قراءة المقررات الدراسية والامتحان فيها من أشد الأمور؛ حتى ليذكر الشيخ بدر الدين الحلبي أنه في سنة ١٣١٧هــــــ كــان الناجحون في امتحان الكفاءة من طلبة الأزهر في فقه أبى حنيفة ثلاثة طلاب اثنان من سوريا والثالث من مصر، وذلك من جملة عدد من دخلوا قاعة الامتحان وكانوا أكثر من ثلاثمائة، لقد كان توجيه الأستاذ الإمام إلى تعديل المناهج، وإصلاح المؤسسة الأزهرية عملًا رائدا، صحيح أنه لم يسر به إلى نهاية الشوط، ولكن جاءت أجيال من مدرسته لتعمل على إكمال رؤيته، وإنجاز رسالته، ويعد الانفتاح على المذاهب الأربعة من أهم حصاد غرسه، وهو ما نادى به في مذكراته، وفي كتابه "الإسلام والنصرانية" بل إنه دعا إلى الانفتاح على الفقه الإسلامي كله بمذاهبه المختلفة، وهذا الإنجاز جاء بعد عصور ورث فيها الأزهر روح التعصب المذهبي حتى يروي الكمال بن الهمام عن أحد علماء الحنفية منع المناكحة بين أهل السنة والاعتزال، وكان الشيخ محمد مصطفى المراغي -المدرس والقاضي وشيخ الأزهر بعد ذلك- هو الذي أكمل المسيرة، ونزل بالأفكار إلى أرض الواقع في قوانين المحاكم، وفي مواد الدراسة، والمراغي - كما وصفه محمود شلتوت- ما خرج بروحه وعلمه وعقله وتفكيره، عن أن يكون تلميذًا للإمام محمد عبده.

لقد تحركت مياه كثيرة في عالم الفكر والتشريع، وأفرز الواقع جبهات لمقاومة التبشير، ومجابهة الاستجلاب التشريعي، وأصبح الانفتاح المذهبي ضرورة لأمرين:

الأول: الإيمان بصحة الأصول التي تنتمي إليها كل المذاهب الإسلامية، وهي أصول واحدة ومشتركة.

الثاني: الواقع المتحرك الذي يحتاج في صناعته على عين الشريعة إلى الفقه الإسلامي كله، باعتباره وحدة متكاملة لا تفاريق مذهبية، يقول أحد تلاميذ الإمام -مؤكدا دعوته إلى تعليم يستوعب كل المذاهب، وإلى تشريع يتعامل مع كل المذاهب-: «ولو ذهبنا نستقرئ أفراد المضار التي تنشأ من التقيد بمذهب واحد في المحاكم الشرعية لخرجنا إلى حصر ما لا يبلغه الحصر، وعد ما لا يستوعبه العد».

 

لقد كانت الدعوة إلى الانفتاح الفقهي على المذاهب الأربعة فكرة راودت بعض رجال الإصلاح من قبل، أشار إليها الكواكبي في «أم القرى»، وظهر لها دعاة في المغرب العربي، ولكنها في مصر بعد عصر الأستاذ الإمام تحولت إلى تيار فاعل في الحياة الفقهية والتشريعية، له أسبابه ودواعيه، ونادى الكثيرون بكتاب جامع للفروع الفقهية في المذاهب الأربعة، يضم ما هو أيسر على الناس في العبادات، وأضبط لأمورهم في المعاملات، بل هي دعوة ذات شقين:

الأول: كتاب جامع لفقه الفروع في المذاهب الأربعة، مع التخير؛ مراعاة لحال الناس، وفي هذا الصدد صدرت مؤلفات كثيرة، كانت ذروتها اللجنة التي شكلت من علماء المذاهب الأربعة في الأزهر الشريف برئاسة شيخ الأزهر في أوائل العشرينات من القرن الماضي، واستهدفت إعداد كتاب فقهي على المذاهب الأربعة، وضع له نموذج وافقت عليه اللجنة في ١١ فبراير سنة ۱۹۲۳. وكان ثمرته كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذي ينسب خطأ للشيخ عبد الرحمن الجزيري، وقد أضاف إليه بعض علماء الإمامية مذهبه ليكون جامعا للمذاهب الخمسة.

الثاني: الاتجاه في التشريع والفتوى على المذاهب الأربعة، بل إن الشيخ المراغي - على الرغم من كونه حنفي المذهب - كان يأخذ من كل المذاهب ما يناسب العصر والمصلحة، ورأى خطورة الأخذ بأقوال المذاهب الأربعة دون سواهم، وكتب عام ١٩٢٧ «بحوثًا في التشريع الإسلامي وأسانيد قانون الزواج والطلاق» دعا فيها إلى «اختيار ما صح دليله، وما قام البرهان على أن فيه مصلحة للناس من أقوال أئمة الهدى وفقهاء الإسلام، وقد يقضى ذلك على تلك الفكرة الخاطئة، فكرة وجوب تقليد المذاهب الأربعة دون سواها، سواء أوافقت مذاهبهم مصالح المجتمع أم خالفتها، ثم قال: « والخلاصة أنه يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة متى صح النقل عنهم، وفهم مرادهم » بل إنه يشير إلى غير مذاهب أهل السنة بقوله: «وفي العالم الإسلامي الآن مذاهب منتشرة يدين بها ملايين المسلمين، في اليمن وفارس، وبلاد الهند، ولهم كتب مطبوعة وغير مطبوعة، ولهم متون وشروح وحواش، مثل التي عندنا سواء بسواء، ومنهم مجتهدون، وفيهم من يرجح قولاً على قول».

 

ثانيًا: الشيخ محمود شلتوت المجتهد:

في ظلال هذه البيئة المفعمة باتجاه - التغيير تنظيرًا وتطبيقا، وفي رحاب مدرسة الشيخ المراغي التي تمد بجذورها إلى جهود الأستاذ الإمام محمد عبده نشأ وتشكل فكر الإمام محمود شلتوت، الإمام المجتهد، ورائد التقريب العملي بين المذاهب، فقد ولد أواخر القرن التاسع عشر وبالتحديد سنة ١٨٩٣ في منية بني منصور مركز إيتاي البارود، وتلقى تعليمـــــــــه الديني في معهد الإسكندرية، وكان أول فرقته في جميع سنوات الدراسة، حيث نال درجة العالمية سنة ١٩١٩، ليبدأ في هذا العام الثوري حياة المعلم في ذات المعهد الذي تفوق فيه في معهد الإسكندرية الديني، ومنذ المقالة الأولى لفت إليه الأنظار بثقافته الواسعة وإلمامه بالفقه رواية ودراية، ونزوله إلى الحياة الواقعية مشاركا في جوانبها السياسية والاجتماعية والعلمية، متأثرا بعلمين كبيرين ظلا يعملان في عقله إلى آخر العمر، وهما الشيخ محمد مصطفى المراغي، والعلامة عبد المجيد سليم، وعندما نادى الإمام المراغي بإصلاح الأزهر في مذكرة شهيرة، كان أول صوت أزهري ارتفع لتأييده هو الشيخ محمود شلتوت، دافع عنه أمام زملائه، وبشر بدعوته بين الجماهير في مقالات نشرت في حينه بمجلة السياسة اليومية، ولم يعبأ بما أصابه، فقد ظل على موقعه، سواء في داخل الأزهر أو حين أخرج منه؛ لأنه في الواقع كان يدافع عن فكره هو، وعن حياة عقلية جسدها كاتبا، وعبر عنها أستاذا قدر له أن يكون في طليعة أساتذة الفقه المقارن في مصر عندما أدخل مقررا في كلية الشريعة بعد عام ١٩٣٠، كان عليه أن يضع المنهج، وأن يحدد مفرداته، وأن يقوم بتدريسه، وأن يكتب فيه، فجاء كتابه في مقارنة المذاهب سنة ١٩٣٦ دراسة في المنهج، وحصيلة معاناة في ارتياد محال غاب كثيرا عن قاعات الدرس، وبرامج الإعداد، وقد أعانه على ذلك ذكاء حاد، وألمعية متفردة، وإلمام عميق بمذاهب أهل السنة ما بقي وما درس، ومذاهب الشيعة زيدية وإمامية، ومذهب الإباضية، وأعلن في وضوح من خلال كتابه « مقارنة المذاهب»: أن على المسلم إذا تعذر عليه أن ينال الأحكام من أدلتها أن يسأل أهل الذكر، وليس عليه أن يلتزم مذهبا معينا، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ورسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة»، وهو رأى ثبت عليه الإمام محمود شلتوت، فقد قال في حديث له نشر بمجلة الأزهر وهو شيخ له «وقد كان للاجتهاد في الأحكام مجال واسع تفرقت به المذاهب وتعددت، وعلى رغم  تعددها واختلافها في كثير من الأحكام، وتعدد الآراء في المسألة الواحدة، فقد كان الجميع يلتفون حول أصل واحد وكلمة سواء، هي الإيمان بالمصادر الأولى، وتقديس كتاب الله وسنة الرسول، وقد صح عن جميع الأئمة إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط. من هنا تعاون الشافعي، والحنفي، والمالكي، والحنبلي، والسني، والشيعي، ولم يبرز الخلاف بين أرباب المذاهب الإسلامية إلا حينما نظروا إلى طرق الاجتهاد الخاصة، وتأثروا بالرغبات، وخضعوا للإيحاءات الوافدة، فوجدت ثقوب نفذ منها العدو المستعمر، وأخذ يعمل على توسيع تلك الثقوب، حتى استطاع أن يلج منها إلى وحدة المسلمين، يمزق ويفرق شملها، ويبعث البغضاء والعداوة إلى أهلها، وبذلك دبت فيهم عقارب العصبية المذهبية، وكان من آثارها السيئة ما كان يحفظه التاريخ من تنابز أهل المذاهب بعضهم مع بعض، وتحين الفرص لإيقاع بعضهم لبعض، والدين من ورائهم يدعوهم هلموا إلى كلمة الله {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين}.

إن هذه الآفاق الواسعة التي حلق فيها الشيخ محمود شلتوت هي التي جعلته العالم المجتهد، وكان يرى أن الفقه الإسلامي حتى يأخذ مكانه يحتاج إلى أمرين لابد منهما:

الأول: أن نعيد تنظيم الفقـــــــــه الإسلامي، وأن نوضح مقاصده، وأن ننظم وسائله، وعندنا كنوز مطمورة أو ضائعة في غمرة نظام التأليف القديم، فالفقه الإسلامي ثروة من ثرواتنا الغالية، ولكن محاسنه غير واضحة المعالم في الكتب الموجودة الآن، ولابد من تنظيم هذا الفقه تنظيما ييسر الانتفاع به لكل من يريد الانتفاع. ويسوق لنا الشيخ الجليل مثالاً لأهمية تقديم تراثنا المذخور فيقول: «إني في مؤتمر لاهاي الذي عقد سنة ١٩٣٧ للقانون المقارن، قدمت بحثا عن المسئولية المدنية والمسئولية الجنائية، وقدمت لهم نوعا من المسئوليات لا تعرفه القوانين، موجود عندنا في الفقه الإسلامي، وهو المسئولية السلبية، أي المسئولية بطريق الترك، وهي تقصير الإنسان في عمل توجبه الإنسانية، وذلك كما لو منع الإنسان الماء عن آخر حتى مات، أو ترك مبصر أعمى يتردى في هاوية ولم ينقذه، فالشريعة الإسلامية تحاسب على هذا العمل ولا تعفي صاحبه من المسئولية»، هذا النوع من المسئولية الإنسانية في زوايا كتب الفقه غير مبرز، ويحتاج إلى جهد كالذي بذله الشيخ شلتوت في بحثه، فلقيت الشريعة في مؤتمر القانون المقارن الاعتراف والتقدير، ولقى الشيخ نفسه بهذا البحث تكريما خاصا تمثل في اختياره عضوا في هيئة كبار العلماء.

الثاني: وهو - كما يقول الشيخ شلتوت نفسه - لا يقل أهمية عن سابقه هو واجب ربط الفقه بالحياة العامة، ومعرفة رأيه في كل مسألة من المسائل المستجدة، وهو واجب يحتاج إلى تعديل في مناهج الدرس حتى يصنع الفقيه القادر على الاستنباط مع فهم عميق للنصوص والوقائع على السواء»، وعندما عين الإمام محمود شلتوت شيخًا بالأزهر طالبه الكثيرون بهذا الإصلاح الذي كان هو من كبار دعاته، ومن المنظرين له، ومن الممارسين في كتاباته لأسسه وقواعده، كتب حسين فوزي غداة تعيين الشيخ شلتوت شيخًا للأزهر - في مجلة المجلة القاهرية يقول: «نحن لا نريد للأزهر أن يتحول إلى جامعة علمانية، ولا نطالبه بأكثر من أن يخرج علماء يعيشون في زمانهم، أي في النصف الأخير من القرن العشرين، يفهمونه بقدر ما يفهمون رسالتهم الإنسانية السامية؛ لأن أداء هذه الرسالة يقتضيهم أن يعرفوا زمانهم تمام المعرفة، وأن يكونوا خبيرين بكل مشكلاته الروحية والمادية».

ومن يمن الطالع أن الإمام محمود شلتوت كان في ذاته عالما مجتهدا، وكانت رؤيته تستوعب المنهج والتفاصيل.

 

1- من اجتهاداته في المنهج:

العلم منهج وأدوات، قبل أن يكون تفاصيل وجزئيات، وقد تحرك الشيخ محمود شلتوت على مساحات واسعة لتصويب المنهج، وتحديد الأدوات:

أ ـ رفض الجمود المذهبي: امتدادًا لمدرسة الإمام محمد عبده، وأستاذية الشيخ محمد مصطفى المراغي رأى العلامة محمود شلتوت في الجمود المذهبي عقبة كؤودًا أمام تحريك الواقع وصنعه على عين من شريعة الله، فنعى الجمود، واستبعده من دائرة الفهم الصحيح للإسلام يقول: «إن المتأخرين حينما تحكمت فيهم روح الخلاف، وملكتهم العصبية المذهبية، راحوا يضعون من القوانين ما يمنع الناس من الخروج عن مذاهبهم، وانتقلت المذاهب بهذا الوضع عن أن تكون أفهاما يصح أن تناقش فترد وتقبل، إلى التزامات دينية لا يجوز لمن نشأ فيها أن يخالفها أو يعتنق غيرها، وحرموا بذلك النظر في كتاب الله وسنة رسوله، أو حرموا العمل بثمرة النظر فيهما، ونشأ عن ذلك أن فترت الهمم، ووقف الفقه الإسلامي، واشتغل علماء المذاهب بالانتصارات المذهبية، واختصار المطولات وشرح المختصرات، وهكذا حرم الناس الفقه، وملكة الفقه».

ب - نقض ادعاء الإجماع على العمل بالمذاهب الأربعة: امتدادًا لرؤية الشيخ المراغي أيضًا رفض الشيخ محمود شلتوت، من زاوية منهجية وتطبيقية، مقولة الإجماع على العمل بالمذاهب الأربعة، وقال نقلًا عن الإمام أبي شامة: «ينبغي لمن اشتغل بالفقه ألا يقتصر على مذهب إمام، ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وذلك سهل عليه إذا حصل العلوم ..، وليجتنب التعصب، والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة، فإنها للزمن مضيعة، ولصفوه مكدرة، وكما قال شارح مسلم الثبوت فإن الاختلاف رحمة بالنص، وترفيه في حق الخلق».

وادعاء ابن الصلاح بوقف الفقه على المذاهب الأربعة لا دليل عليه، وللعلامة محمد شفيع الديو بندي في كتابه «جواهر الفقه» ملمح لطيف، يقول: «إن انتهاء سلسلة التقليد على المذاهب الأربعة ليس بأمر عقلي ولا شرعي، بل اتفاقي محض، ... وعندما رأينا أن جميع المذاهب سوى هذه الأربعة قد اندرست لم يبق لدينا سبيل سوى حصر التقليد في هذه الأربعة اضطرارًا».

وهو قول يحتاج إلى ضبط؛ لأن غير المذاهب الأربعة من غير أهل السنة بقي قائما له علماؤه وكتبه، وحصر الفقه فيما جاء عن طريق أهل السنة جمود مردود، بل تطرف البعض ورأى في بقاء المذاهب الأربعة اختيارًا إلهيا، لا يحتاج إلى دليل كما ذكر وأيده العلامة محمد زكريا الكاندهلوي في كتابه «الشريعة والطريقة» نقلًا عن الملاجيون في «التفسير الأحمدي»، يقول: والإنصاف أن انحصار المذاهب في الأربعة إنما هو فضل إلهي، وقبولية من عند الله تعالى لا محال فيها للتوجيهات والأدلة»، ولا تعليق يذكر على هذه الميتافزيقا الصوفية.

 

٢- من اجتهاداته في الفروع:

لم يدع العلامة الشيخ محمود شلتوت طوال حياته قارئه أو سائله أو مجتمعه في حيرة، بل كان يجتهد ويفتى، ولا يتردد عن استنباط الأحكام للحوادث الجديدة، والنوازل الطارئة، هكذا كان منذ حمل أمانة العلم، وكان الدليل رائده في الاستنباط، والحق غايته في الفتوى، واجتهاداته في الفروع كثيرة، وله فيها كتب مجموعة، وأقوال مخطوطة، نختار منها القليل الدال عن منهجه، والمعبر عن عمق مساهماته في فقه العصر.

أ - تنظيم النسل:

سئل الإمام محمود شلتوت عن تحديد النسل أكثر من مرة فلخص وجهة نظره قائلًا: إن كلمة «تحديد النسل» بهذا القيد وبمعنى إيقاف النسل إلى حد معين لا يتفق مع أمة تريد النهوض والقوة، واتساع العمران، وكثرة الأيدي العاملة في الزراعة والصناعة، وهو فوق ذلك لا يتفق وما حثت عليه الشريعة الإسلامية من الزواج، وما بينته أيضًا من امتنان المولى على الناس بنعمة البنين والحفدة، كأثر من آثار الزواج مع طمأنينة النفوس على الرزق، ... وبذلك ترى أن التحديد بهذا المعنى العام تأباه طبيعة الحياة، وحكمة الحكيم تأباه، وكذلك الشريعة الإسلامية تمنعه ولا ترضاه.

أما تحديد النسل بمعنى تنظيمه بالنسبة إلي:

- السيدات اللاتي يسرع إليهن الحمل.

- بالنسبة لذوي الأمراض المتنقلة «أي الوراثية».

- بالنسبة للذين تضعف أعصابهم من مواجهة المسئوليات.

أقول: إن تنظيم النسل لشيء من هذا، وهو تنظيم فردى لا يتعدى محاله شأن علاجي تدفع به أضرار محققة، والتنظيم بهذا المعنى لا يجافي الطبيعة، ولا تأباه الشريعة إن لم تكن تطلبه وتحث عليه، ذلكم أن القرآن حدد مدة الرضاع بحولين كاملين، وحذر الرسول ه من أن يرضع الطفل من لبن الحامل، وهذا يقتضى إباحة العمل على وقف الحمل مدة الرضاع، وإذا كانت الشريعة تتطلب كثرة قوية لا هزيلة، فهي تعمل على صيانة النسل من الضعف، وتعمل على دفع الضرر الذي يلحق الإنسان في حياته، ومن هنا قرر العلماء إباحة منع الحمل -مؤقتًا بين زوجين- أو دائما إذا كان بهما أو بأحدهما داء من شأنه أن ينتقل في الذرية والأحفاد.

ب - في ختان الإناث:

وهي قضية أثارت مدادًا كثرا في الصحف، وجدلاً في السياسة، سئل الشيخ محمود شلتوت عن ختان الإناث فقال - كما جاء في كتابه الفتاوي - والذي أراه أن حكم الشرع في ختان الإناث لا يخضع لنص منقول، وإنما يخضع في الذكر والأنثى لقاعدة شرعية عامة، وهي أن إيلام الحي لا يجوز شرعًا إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذي يلحقه .... وانتهى إلى أن ختان الأنثى ليس لدينا ما يدعو إليه وإلى تحتمه، لا شرعًا، ولا خلقًا، ولا طبًا.

جـ ـ في الفائدة:

حيث رأى الشيخ جواز الاستقراض بالربح للضرورة والحاجة، وهو رأى يخالف موقفه عام ١٩٥٠م عندما عارض الفائدة بإطلاق، وقد انتقد البعض الشيخ، واعتبروا رأيه الجديد تراجعا، ونحن لا نناقش موضوع الفائدة قبولًا ورفضًا، ولا فتوى الامام محمود شلتوت، تأييدًا أو نقضًا، وإنما نريد فهم فتواه في ضوء منهجه، الذي يعتمد على الدليل كما يراه الشيخ، وعلى اعتبار أن اليسر وعدم الحرج من المبادئ العامة في الشريعة، ولهذا المنهج تطبيقات كثيرة في فتاويه، منها قوله بأن مصافحة المرأة لا تنقض الوضوء، وصحة الصلاة لمكشوف الرأس، ولصاحب الرأس المغطاة، سواء كان الغطاء عمامة أو طاقية أو برنيطة، وقال في ذلك: «والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة، فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذا عن البيئة» وعلى هذا المنهج سار فيما يتعلق بفتاويه في كثير من المسائل، ومنها الموسيقى والغناء؛ حيث أفتى بأن سماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات الجميلة لا يمكن أن يحرم باعتباره صوت آله، أو صوت إنسان، وإنما يحرم إذا استعين به على محرم، أو اتخذ وسيلة إلى محرم، أو ألهي عن واجب.

 

إن منهج الشيخ شلتوت في الاجتهاد يقوم على أسس ثلاثة:

الأول: الاعتماد على الدليل دون انتماء إلى مذهب فقهي لا يتعداه، ومن هنا أفتى في كثير من المسائل على غير مذهبه، بل على غير المذاهب الأربعة، كفتواه بحرمة زواج الكتابية؛ ترجيحا لرأي الشيعة الإمامية.

الثاني: الاستناد إلى مبادئ الشريعة الكلية في الوصول إلى الأحكام، مثل مبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، وكان هذا المبدأ مستنده الأساسي في فتواه بجواز تنظيم النسل.

الثالث: الفتوى بالأيسر طالما لا تخالف نصًا؛ لأنه يرى ذلك في مصلحة المسلمين، حيث يصبح التشدد موجبا للقطيعة بين المجتمع وأحكام شريعته في عصر القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، ولكنه لا يمد ذلك إلى الواجبات العليا، سئل عن رأيه في قضية اللاجئين الفلسطينيين، فأجاب في وضوح وحســـــــم «لا حل لهذه المشكلة إلا بأن يعود اللاجئون إلى أوطانهم التي منهم أخرجوا بغيـــا وعدوانا، وأن يتخلى الاستعمار عن دسائسه، فهو الذي أوجد المشكلة وأثار هذا الخلاف».

وهكذا انطلق هذا العقل الحر المحلق في سماء الاجتهاد الأصولي ليجعل من الشيخ محمود شلتوت من أبرز دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث.

 

ثالثا: في التقريب بين المذاهب:

التقريب بين المذاهب لا يكون حقيقة عقلية وواقعية، إلا عندما يتسع صدر الأمة لرأى المخالف، ويرحب عقل الفقيه فيستجيب لقوة الدليل، فلا يتعبد بمجرد الإسناد لرجل أو الانتماء إلى مذهب، وقد اتسعت الحياة في الأزهر المعمور بعد عصر الفاطميين؛ ليصبح جامعة للعلم الشرعي على المذاهب الأربعة، واتسع فقه الأمة ليستوعب كل تراثنا الشرعي في ميدان استنباط الفروع من أصول الشريعة، وكان الاتفاق في بعض الفروع ضروريًا؛ لأن المصادر الأصلية واحدة، وكان الخلاف في بعض الفروع طبيعيًا لتنوع الأحكام واختلاف الأزمنة والأمكنة، وكان علماء السلف أدرى بذلك وأعلم، فنشأ علم الخلاف، وهو في أحد مفاهيمه فقه مقارن ينتصر الفقيه.

فيه للأدلة في إطار المذهب الواحد، أو بين المذاهب الفقهية المختلفة، بل والمذاهب العقائدية أيضًا، وكان لعلماء القرون الأولى اليد الطولي في هذا العلم بما يشهد لهم برحابة الصدر، وسعة العلم، ووجدت الكتب الفقهية المقارنة منذ القرن الثاني والثالث، وكان لكتابات الكبار من أعلام القرون الخمسة الأولى ومن بعدهم كتب عميقة ومناظرات رصينة، بدايتها عند محمد بن الحسن الشيباني والشافعي، ثم كتابات ضخمة لأبي زيد الدبوسي في «الأسرار» وأبي المظفر السمعاني في «الاصطلام» وأبي المعالي الجويني، والقفال، من أهل السنة، وعند الشيعة الإمامية تراث عظيم في الفقه المقارن بعد عصر الشيخ المفيد، يمثله علم الهدى الشريف المرتضى في «الانتصار» و«الناصريات» من كتبه الموجودة، وفي غيرهما من مصنفاته الهامة المفقودة، وشيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي له كتابات مطولة في مقدمتها «الخلاف» - وهو كتاب عمدة اختصره الطبرسي، والصيمري، وله «المبسوط» في الفروع، وكلاهما كاشف عن تمكن الطوسي في فقه أهل السنة حتى نسبه السبكي في طبقاته إلى الشافعية، ولا ننسى العلامة الحلي، فله في مقارنة آراء المذهب كتابه «مختلف الشيعة في أحكام الشريعة» وله في مقارنة المذاهب تذكرة الفقهاء» و«منتهى المطلب»، و لم تضق المذاهب بالآراء أو الأئمة في هذه العصور المبكرة، فقد كان الإمام جعفر الصادق شيخًا لعدد من أئمة المذاهب السنية، ولم يتردد الشريف المرتضى وهو يقدم كتابه «الذريعة في أصول الشريعة» أن يعترف لفقهاء السنة بالسبق في التحرير وتهذيب الأدلة، بل إن هذه البيئة العلمية اتسعت للنقد الداخلي حتى لشيوخ المذهب الكبار كما نرى في سرائر» ابن إدريس وهو يناقش شيخ الطائفة الطوسي، ومثل ذلك عند ابن زهرة في «غنية النزوع» وهذه أمثلة لا حصر فيها، إن هذه البيئة ونظائرها هي الميدان الخصب للتقريب بين المذاهب، والذي كان سمة الفقه الإسلامي في عصوره الأولى، ولم تكن الخصومات العقلية، والعصبيات المذهبية إلا تجسيدا لواقع تكمن وراءه الأسباب السياسية، أو عصور التقليد والتكاسل، وعندما هبت رياح الإصلاح في العالم الإسلامي الحديث، ارتفع الصوت الداعي إلى التقريب، وعلا بعلو فكرة الإصلاح وانتصارها، فأصبحت العصبية موضع الاتهام، واتجهت أنظـــــار المصلحين إلى الخروج من ضيق المذهب إلى الآفاق الواسعة للفقه الإسلامي كله، وأعتقد أن الاتجاه المقارن دعت إليه مجموعة أسباب:

الأول: إحساس عام لدى كبار الفقهاء في كل المذاهب بضرورة هذه الخلاص من هذه العصبية المذهبية التي فرقت المسلمين إلى ملل ونحل، وأضعفت قوتهم أمام العدو الغاصب، والمبشر الغازي.

الثاني: اجتماعي، مصدره الاستجلاب التشريعي، الذي أيقظ الأمة للدفاع عن شريعتها، والتمسك بهويتها، وكانت تجربة التقنين على المذهب الواحد كما في مجلة الأحكام العدلية، ومجلة الالتزامات التونسية طريقًا محفوفًا بمخاطر الفشل، فثبتت منهجية التقنيين مبدأ أصبح من مسلمات الفقه التشريعي الحديث، وهو النظر إلى الفقه الإسلامي باعتباره وحدة متكاملة، كل رأى فيها صح دليلـه تصح نسبته إلى الإسلام.

الثالث: سبب علمي، يتمثل في نهضة الفقه المقارن في الغرب باعتباره منهجا للفكر القانوني، وعلما في برامج الدرس، وكان له أعلام كبار من أمثال «لامبير»، «وكوهلر»، «وأولمان»، وكان تأثير هؤلاء في أبناء الإسلام المبتعثين إلى الخارج كبيرًا، ولكن التأثير الأكبر جاء على يد الأستاذ «لامبير» الذي كان عميدا لمدرسة الحقوق السلطانية في مصر أوائل القرن الماضي، والذي كون نخبة من التلاميذ قدر لها -خاصة من خلال العلامة عبد الرزاق السنهوري - التأثير في الدراسات المقارنة في مصر والعالم العربي، بل وفي مسيرة التشريع العربي الحديث منذ أوائل العشرينات، ولا يتسع الوقت في ورقة موجزة لكتابة تفاصيل دقيقة في هذا المجال. ولكن الأستاذ «لامبير» أيقظ فقه الشريعة في نفوس طلابه، وقال لهم أكثر من مرة: «إن لديكم كنزًا لا نظير له عندنا وهو فقهكم الإسلامي، ... وإن القانون المقارن الذي تدرسونه بين يدي له مكان مرموق عندكم باسم علم الخلاف، والمؤلفات العربية منه على قدمها - حافلة بأدق النقد العلمي الحقوقي، وبأمثلة بديعة من النقاش المنطقي، والتحليل النافذ، الذي لا يزيد قارئـه علمًا بموضوع البحث فحسب، بل ويربي فيه ذوقًا حقوقيًا رفيعًا، يندر أن يحصل على مثله في كلياتنا الحقوقية»، وقد وجه هذا الأستاذ المقارن للفقه الإسلامي من خلال جمعية الطلبة الشرقيين - الذي جعل منزله في ليون مقرا لها ـ، وجه طلابه إلى الدراسات المقارنة بين المذاهب، فرجعوا إلى بلادهم. والدراسة المقارنة منهج أصيل في تكوينهم الحقوقي، وليس معنى هذا أنني أغمط حق الدروس المقارنة في الحوزات العلمية وخاصة في النجف الأشرف، بل أردت أن أضع فكرة التقريب في إطارها العقلي والزمني؛ حتى لا تذوب في دوائر التفسيرات البعيدة والتأويل المستكره.

الرابع: أما السبب الرابع الأخير فكان مذهبيًا؛ حيث استقبل الأزهر ودار العلوم طلاب علم من أهل العراق والشام، وكان الأزهر يتسع لهؤلاء على تباعد في المكان والأفكار، فقد روى بيرم الثاني -في رسالته التي وضعها عن الأزهر وقدمها إلى مؤتمر المستشرقين المنعقد في هامبورج» في أوائل سنة ۱۹۰۲- إلى أن الجراية كانت تعطى للجميع حتى الذين من مذاهب الشيعة، وتفسير ذلك قد يرجع إلى تقليد قديم، أو إلى شروط الواقفين، أو إلى الأزهر ذاته باعتباره جامعة العلوم الإسلامية، والمهم أن هؤلاء الطلاب القادمين من مذاهب غير سنية وجدوا مكانًا وعلمًا، وقد أرسلت الحكومة العراقية عددا من أبنائها إلى دار العلوم العليا ورأوا من أساتذتهم ثناء على علماء النجف وإعجابا باجتهاداتهم، ولم يأخذوا عليهم إلا انتماءهم الشيعي، وكان ذلك دافعا للشيخ كاشف الغطاء أن يكتب محاولته التقريبية الأولى في كتابه التصحيحي «أصل الشيعة وأصولها»، ليرد ما صدر شفاهة وكتابة من شبهات حول الفقه الشيعي، والكتاب لقى من الأصداء ما يستحقه، وعلق على طبعته الأولى شيخ العروبة أحمد زكي، فحيا المؤلف، وطلب منه أن يتفضل في الطبعة الثانية بتجريده مما لا يتفق مع الخطة التي انتهجها المؤلف لزيادة التقريب والتوفيق بين الجماعات الإسلامية، مشيرا في ذلك إلى ص ١، ٢٤، ٢٥، ولعله من أوائل من استخدموا مصطلح التقريب بالمعنى الذي أرادته جماعة التقريب فيما بعد.

وقد راجعت أدبيات هذه الفترة، ورأيت أن المؤلفين في تاريخ التشريع وأدب اللغة العربية، يظلمون المذهب الشيعي، بل المذاهب غير السنية جميعها، وأضرب مثالاً لذلك ما جاء في الطبعة الأولى لكتاب «آداب اللغة العربية» الذي كان يدرس في دار العلوم ١٩١٦م، لمؤلفه الشيخ أحمد السكندري، ولكن الصورة سرعان ما تغيرت بعد مزيد اتصال بفقه الشيعة وعلمائهم بزيارات متبادلة بين علماء العراق ومصر، شملت حتى غير أهل الفقه مثل أحمد أمين، وزكي مبارك، وفي اعتقادي أن لعلماء مدرسة القضاء الشرعي الدور المجهول في هذا التقريب، وليس غريبًا -وفق الحقائق التي تنطق بها الوثائق المتاحة لدى- أن يكون أول من كتب في الفقه الإسلامي مقارنًا بين المذاهب الإسلامية شيعية وسنية في مصر هو العلامة الشيخ أحمد إبراهيم ليحقق حلم الشيخ الإمام، ويشد من أزر زميله العلامة مصطفى المراغي، وفتح الباب بذلك أمام تلميذه النجيب العلامة الشيخ محمد أبي زهرة ليكتب بهذه السعة التي انفرد بها أبو زهرة منذ عام ١٩٣٠م عندما عين مساعدا لمدرس بدار العلوم بعد تخرجه من مدرسة القضاء الشرعي، وظهر ذلك في أول كتاب له عن أدب اللغة العربية أصدره عام ١٩٣٠ وأشار فيه بإنصاف إلى المذهب الشيعي، ثم عاد عام ١٩٣٥م، وهو يكتب دراسته في الوقف - بعد أن عين في كلية الحقوق - ليجعل المذهب الشيعي الإمامي واحدا من المذاهب التي يعتمد عليها في الدراسة الفقهية المقارنة، لقد كان الشيخ أحمد إبراهيم هو الذي أنصف مذهب الشيعة في التأليف المعاصر في مصر في كتبه الأصولية والفقهية، وفيما كتبه من مقالات وأبحاث خاصة في الميراث، وفي مذكرته الصغيرة عن تاريخ التشريع، وحقق الانفتاح منذ بداية العشرينات على المذاهب غير السنية، أعلامًا ومؤلفات، وتم تصحيح موقعها في دراسات تاريخ التشريع، وسار على نفس الدرب تلاميذه من بعده، وفي مقدمتهم محمد أبو زهرة الذي حمل على عاتقه دراسة المذهب الإمامي أصولًا وفروعًا في كتابه عن الإمام جعفر الصادق، وكتابيه في الميراث وأصول الفقه عند الشيعة الجعفرية، وهي كتابات تناولها إخواننا الشيعة بالثناء والنقد والمراجعة، وهكذا نشأت فكرة التقريب بين المذاهب في مصر باعتبارها الأرض الفكرية الأكبر استعدادًا لنشأة هذا الاتجاه، لقد اتسعت مدارس الفقه فيها لاستقبال التيار الجديد ورعايته، وأتيح للشيخ شلتوت في هذا المجال ما لم يتح لزملائه، فقد كان محل ثقة الشيخ المراغي، واعتمد عليه في تأسيس مادة مقارنة المذاهب.

 

١- فكرة التقريب:

كان الشيخ المراغي مشغولًا بمعركة الأزهر بأبعادها السياسية والإصلاحية، وكان الشيخ محمود شلتوت من أكبر مناصريه، ناصره في مذكرة الإصلاح، وكان أول الكاتبين للرد على ناقديه، وناصره في قوانين الأحوال الشخصية وكان يفتي بمثل ما يراه، وناصره فيما كتبه عن ترجمة القرآن، وكتب -في مجلة الأزهر عدد صفر ١٢٥٥ هـــــــ - بحثًا أصوليًا دقيقًا يحسم فيه قضية الترجمة ويجعل إجازتها فوق مستوى الشك. فلم يكن أفضل من الشيخ محمود شلتوت ليكون رائد التأليف والتدريس المادة المقارنة بين المذاهب في كلية الشريعة بعد أن أنشئت الكلية وأصبحت مقارنة المذاهب من مقرراتها الرئيسية، واللافت للنظر أن المقارنة التي حددتها اللائحة الجامعية عام ١٩٣٥م هي مقارنة بين المذاهب الأربعة، واعتبر ذلك تجديدا له شأنه في مجال الدرس الفقهي، ولكن العلامة محمود شلتوت لم يتقيد مفردات الدرس وإنما انفرد بمنهجه، واستقل بمفردات من صنعه هو، يقول وهو في مشيخة الأزهر: «ولا أنسى أني درست المقارنة بين المذاهب بكلية الشريعة بالأزهر، فكنت أعرض آراء المذاهب في المسألة الواحدة، وأبرز بينها مذهب الشيعة، وكثيرا ما كنت أرجح مذهبهم خضوعا لقوة الدليل».

وهكذا بدأت فكرة التقريب بين المذاهب تدخل في المنهج الدراسي منذ بدأ الشيخ محمود شلتوت يدرس في القسم العالي بكلية الشريعة، أي منذ أوائل الثلاثينات، وكان الشيخ وقتها، على صلة بفقه الشيعة من خلال متونه الأصلية، وبعلماء الشيعة لقاء ومراسلة، وكانت صلة الشيخ محمود شلتوت بشيخه عبد المجيد سليم، والذي كان منزله ملتقى لعلماء الإسلام في كل المذاهب، وكان هذا الفقيه الجليل - كما قال عنه الشيخ محمود شلتوت ضليعا في كافة علوم الإسلام، محيطا بمذاهب الفقه أصولاً وفروعا ـ وقد جعلت هذه الصلة الشيخ محمود شلتوت أمينا على فكرة التقريب بين المذاهب، وأفادته في ترسيخ مبادئها أكبر فائدة . والشيخ عبد المجيد سليم هو الذي رسم الخريطة الأصولية للتقريب بين المذاهب على نحو يجعلها معقولة فقها، ومقبولة واقعا، ويمكن تلخيص خطوطها فيما يلي:

أ ـ أن كل فريق من أهل السنة والشيعة يرى المجتهد الآخر مأجورًا، فضلًا عن أن يكون خطأه معفوً عنه، فإذا علم أتباع المذاهب الفقهية ذلك لم يكن لهم بد من احترام بعضهم بعضًا.

ب ـ أن كل واحد من الفريقين يفتح المجال للنظر والاجتهاد وبذل الوسع في معرفة الحق، فليس المرجع في حكم من الأحكام، أو رأى من الآراء إلى أنه مذهب فلان أو فلان، ولكن إلى حظه من الدليل والبرهان.

جـــــ ـ ثبت من استقراء أحكام المذاهب الفقهية، وآراء الفرق الكلامية، أن في كل منها خطأ وصوابًا، فلا يوجد مذهب خطأ كله أو صواب كله، وإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن تطغى العصبية على المسلمين، بل الواجب على المسلمين أن يأخذوا بما أظهر البرهان صوابه وهذه المنهجية سرت في الحياة الفقهية في كلية الشريعة تحت رعاية الشيخ المراغي والإشراف المباشر للشيخ عبد المجيد نفسه الذي كان وكيلًا لكلية الشريعة، وهي مهمة قام بها نخبة من العلماء على قمتهم الشيخ محمود شلتوت، ومنهم عبد الله المراغي، ومصطفى حبيب، وفرج السنهوري، وعل الخفيف، وقد عملوا جميعًا على تزويد العقلية الفقهية في الأزهر بالروح الاجتهادية المتصلة بكافة المذاهب، والتي تعرف حق جميع الأئمة دون قيد مذهبي، فاستمر الانتماء وتراجع التعصب، وعندما جاء عام ١٩٤٨م حيث أعلن تأسيس جماعة التقريب بين المذاهب، كانت الأرض قد مهدت لها بإنتاج فقهي، وبيئة علمية، جعلتها تسير على أرض ثابتة رغم هجوم يأتيها من هنا ومن هناك، حيث اعتبرها البعض فكرة شيعية، وكان «محب الدين الخطيب» على عادته جارحًا في نقده متطرفا في أفكاره، وكان رد «أبو محمد الخاقاني» والمطبوع في قم سنة ١٣٩١هـــ تحت عنوان «مع الخطوط العريضة» عنيفًا في نقده غير موفق في بعض ردوده، ولكن الفكرة كانت قد ترسخت، فسرت في نصوص التشريع، ومقررات الدراسة، وكتابات الفقهاء.

٢- الشيخ شلتوت وفكرة التقريب: لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن الشيخ شلتوت قطع بفكرة التقريب أشواطا لم يقطعها غيره، وحقق إنجازات لم يقم بها أحد سواه، ليس فقط في مجال الكتابة في الفقه المقارن، بل وهذا هو الأهم في مجال التنظير الاعتقادي، والتنظيم المؤسسي، حتى صدر كتاب يهاجمه في ذلك تحت عنوان «تنبيه العوام لانحراف الشيخ شلتوت عن الإسلام» ولم يكن الشيخ ممن يعبأ بالهجوم، ولا يعنى نفسه بالرد، وإنما يسير في طريقه.

ويمكننا تلخيص إنجازات الشيخ محمود شلتوت في محال التقريب بين المذاهب فيما يلي:

أ- اهتمامه -كما قلنا منذ عام ١٩٣٦م- بالمقارنة بين المذاهب، واتسعت المقارنة عنده لتشمل مذاهب الشيعة، والفقه المقارن، كما يقول الشيخ محمد محمد المدني ـ أحد فرسان التقريب والساعد الأيمن للشيخ شلتوت هو الفقه على الحقيقة، وهو صناعة الفقيه على الحقيقة، أما الحافظ للفروع الذي لا يعرف إلا سرد الأحكام، فما هذا بفقيه، ومن لم توجد عنده ملكة العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية لا يعد فقيها، ولو حفظ أحكام الفروع، ومن وجدت عنده الملكة ولو في بعض المسائل فهو الفقيه، وقد سئل الإمام مالك عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع منها، وقال في ست وثلاثين: لا أدرى ! ولم يمنعه ذلك من أن يكون فقيها؛ لأن ملكة الفقه وجدت عنده.

ثم إن هذه الدراسة على هذا المنهج قائمة على أيدي العلماء في كل عصر، وكتب المذاهب عامرة بها، وكتب الحديث والتفسير والأصول والأمهات، لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحاتها، وكم رجح المالكي قولاً للشافعي، ورجح الحنفي قولًا لغير أبي حنيفة، وأصحاب أبي حنيفة وتلاميذه ومن ينتسبون إليه كثيرا ما يقررون غير ما قرره الإمام، لضعف مأخذه عندهم، أو لانكشاف دليل لهم لم ينكشف له وكذلك أصحاب الأئمة وأتباع المذاهب.

ولا شك أن هذا منهج مستقيم من الناحية العلمية الفقهية، ومن الناحية الإسلامية، فأما استقامته من الناحية الفقهية فلأن الفقيه المنصف الذي لا هدف له إلا البحث عن الحق، لا يسعه أن يغض الطرف عن قول قاله مجتهد في المسألة التي يبحثها، ما دام لا يصادم نصا قطعيا من كتاب أو سنة، ولا يسعه أن يعرض عن دليله، فقد يكون هذا الدليل سليما، ولو أن فقيها باحثًا ارتضى لنفسه أن يغض النظر عن قول غيره ودليل غيره، لكان من الذين قال الله فيهم: {أَلَا إِنَّهُمْ يَكُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون} (هود: ٥) ولا شك أن منهجه لا يكون إلا منهجًا فاسدًا غير معتد به من العلماء.

وأما استقامة هذا المنهج من الناحية الإسلامية، فلأن المسلمين أمة واحدة لا ينبغي التفريق بينهم، بل ينبغي أن ينظر كل فريق منهم إلى الفريق الآخر على أنهم جميعا أخوة متعاونون على معرفة الحق، والعمل به، ولا يستقيم ذلك إلا إذا كان أهل القبلة جميعًا، وأهل الدين الواحد، والأصول المشتركة أحرارا في الإدلاء بآرائهم ما دامت في الدائرة الإسلامية، وقد أسفر هذا الاتجاه بعد تأسيس لجنة التقريب بين المذاهب إلى ما أطلق عليه مشروع شلتوت-القمي، والذي استهدف جمع الأحاديث النبوية، ومراجعة السنة المطهرة التي اتفق عليها علماء الشيعة والسنة؛ لتكون مصدرًا لأبناء الإسلام على اختلاف مذاهبهم الكلامية والفقهية، وهو مشروع لم يقدر له أن يكتمل، ولعل ما قدمه العلامة اليمنى على بن إسماعيل الصنعاني في كتابه «رأب الصدع»، والذي صدر في ثلاثة مجلدات شرحًا وتخريجًا وتحقيقًا لأمالي الإمام أحمد بن عيسى، لعل هذا الكتاب يكون إحياء جزئيًا لمشروع شلتوت-القمي، خاصة وأن صاحب الكتاب كان العضو الزيدي في دار التقريب بين المذاهب.

ب - فتواه بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية، وهي فتوى كان لها صداها في العالم الإسلامي، وقد كتب إليه بعدها الشيخ أحمد عارف الزيني صاحب مجلة العرفان قائلًا: «فأنا باسم علماء الشيعة جميعًا في لبنان وسوريا والعراق وإيران، أمد يدي مصافحا وأفتح قلبي وصدري داعيًا ومؤيدًا، وأعدكم أن أعمل في مجلتي، وبنفوذي الديني والدنيوي للوصول بكافة الطرق إلى ما تصبو إليه نفسك ونفسنا من العودة بالمسلمين جميعًا إلى جوهر الدين وتعاليمه السامية، إلى كتاب الله وسنة رسوله لا فرق بين سني وشيعي»، فرد على رسالته الشيخ شلتوت قائلاً: إن المسلمين يا أخي قد استناموا في كثير من حقب تاريخهم إلى سوء حالهم الناجم عن فرقتهم وتقطيع الروابط بينهم، والاستجابة إلى نداء عدوهم الماكر المتربص بهم، وقد طال عليهم الأمد في ذلك حتى ضعفوا واستكانوا وظنوا أنهم قد أحيط بهم، لولا أن قيض الله لأمة الإسلام في كل شعب قادة مصلحين ودعاة راشدين ... فكانوا يبصرونهم بعاقبة أمرهم، ويدعونهم إلى إصلاح ذات بينهم، وإلى الوقوف صفا واحدا أمام أعدائهم المهاجمين لبلادهم وثقافتهم ودينهم، وشاء الله أن تنبعث فيهم جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية». تلك الجماعة التي عرفت كيف تشخص داء المسلمين، وكيف تصف لهم الدواء، فكنت والحمد لله من مؤسسيها الأولين، ووجهت معها نداءها الأعظم المستمد من كتاب رب العالمين إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون، فاستمع إليه الشيعي والسني، واستجاب له العربي والعجمي، وتبادل العلماء في كل شعب رسائل العلم، ورسائل الدين. يبحثونها في ظل الأخوة الإسلامية التي أثبتها الله في كتابه للمؤمنين، لا يهدفون إلا إلى الحق، ولا يريدون إلا الوصول إلى حكم الله الذي هم به جميعا مؤمنون، لم يعد يقام للعصبية وزن، ولا يحسب للشقاق المذهبي حساب».

لقد كان التقريب بين المذاهب على منهج واضح هو محور فقه الشيخ وعمله، وهو ما عبره الشيخ محمود شلتوت بعباراته البليغة: «لقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم، وأسهمت منذ أول يوم في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها في أمور كثيرة، ولقد تهيأ لي بهذه الأوجه من النشاط العلمي أن أطل على العالم الإسلامي من نافذة مشرقة عالية، وأن أعرف كثيرًا من الحقائق التي كانت تحول بين المسلمين واجتماع الكلمة، وائتلاف القلوب على أخوة الإسلام، وأن أتعرف إلى كثير من ذوى الفكر والعلم في العالم الإسلامي، ثم تهيأ لي بعد ذلك وقد عهد إلى بمنصب مشيخة الأزهر أن أصدر فتواي في جواز التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول المعروفة المصادر، والمتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، وهي تلك الفتوى المسجلة بتوقيعنا في دار التقريب»، والتي كان لها ذلك الصدى البعيد في مختلف بلاد الأمة الإسلامية، وقرت بها عيون المؤمنين المخلصين الذين لا هدف لهم إلا الحق والألفة ومصلحة الأمة، ولم يكن الشيخ شلتوت يوم إصداره الفتوى إلا معلنا عما كان يمارسه منذ مارس الإفتاء، يقول الشيخ عن ذكرياته وهو يتصدر للإفتاء: «ولا أنسى أني كنت أفتى في كثير من المسائل بمذهب الشيعة، وأخص منها بالذكر ما نجد الناس في حاجة ملحة إليه، وهو فيما يختص بالقدر المحرم من الرضاع، كما أخص بالذكر ما تضمنه قانون الأحوال الشخصية الأخير، ونذكر على سبيل المثال المسائل الآتية:

- الطلاق الثلاث بلفظ واحد فإنه يقع في أكثر المذاهب السنية ثلاثا، ولكنه عند الشيعة يقع واحدة رجعية، وقد رأى القانون العمل به.

- رأي قانون الأحوال الشخصية أن الطلاق المعلق منه ما يقع ومنه ما لا يقع، تبعا لقصد التهديد أو قصد التعليق، ولكن مذهب الشيعة يرى أن تعليق الطلاق مطلقا قصد به التهديد أو التطليق لا يقع به طلاق، وقد رجحت هذا الرأي وكثيرًا ما أفتيت به».

 

جـ ـ دراسة الفقه بجميع مذاهبه المعروفة:

كان إنجاز الشيخ مصطفى المراغي في الثلاثينيات يتمثل في الالزام بمادة المقارنة بين المذاهب، ولكنها مقارنة على المذاهب الأربعة، على الرغم من أن الشيخ المراغي لا يرى التقيد بها وحدها، ولكن الموقف الرسمي لم يستوعب أكثر من هذا التعديل، وهو في وقته ثورة علمية بكل المعاني، وانتظرت الأمة ربع قرن حتى تصبح المقارنة بين جميع المذاهب الفقهية قرارًا جامعيًا، دون أن نعزل هذا القرار عن جهود سابقة لعلماء التقريب بين المذاهب قبل الإنشاء الرسمي للجماعة وبعدها، تمثل ذلك، في انتصار فقهاء الإسلام في المؤتمرات الدولية للفقه المقارن، والذي اعتبر الشريعة الإسلامية مذاهبها المختلفة من العائلات القانونية المعترف بها، وظهرت الدعوة إلى موسوعة فقهية دخلت فكرتها حيز التنفيذ لأول مرة في مشروع كلية الشريعة بدمشق لموسوعة فقهية جامعة، وجاء الشيخ محمود شلتوت وهو على رأس الأزهر المعمور ليصل بهذا الاتجاه إلى غايته، ويعلن انتهاء زمن العصبية المذهبية حيث عرف المسلمون على حد تعبير الشيخ شلتوت ـ أن اختلاف الأشقاء لا يمكن أن يدوم أو يطرد، فلابد أن يأتي يوم يحققون فيه نسبهم إلى أبيهم، وينتمون فيه إلى أصلهم الذي انبثقوا منه وتفرعوا عنه، وأخذت هذه الروح تنمو، وتضيق شقة الخلاف بين أهل المذاهب، حتى اقتدى الحنفي بالشافعي، والسنى بالشيعي، وتبودلت المنافع بينهم، واتصلت الآراء وأخذ كل ينتفع بما في مذهب الآخر، ومن هنا قر رأيي على أن أعمل على دراسة الفقه الإسلامي في كلية الشريعة بجميع المذاهب الفقهية المعروفة الأصول البينة المعالم، والتي من بينها دون شك مذاهب الشيعة، إمامية وزيدية، ولاشك أن هذه الخطوة تأكيد للتقريب بين المذاهب من ناحية، ودعم الرسالة كلية الشريعة من ناحية ثانية، وهي خطوة طالما دعا إليها فقهاء أعلام، فقد كتب الشيخ محمد أبو زهرة في عام ١٩٥٤م وهو يقدم لرسالة «المصلحة في التشريع الإسلامي» يقول: « لقد آن لنا أن ندرس الثروة الفقهية الإسلامية كلاً لا يقبل التجزئة، فندرس ما عند الشيعة من ذخائر العلم والفقه، كما درسنا ما عند غيرهم، فهو تراثنا، وهو تراث الإسلام، نختار أجوده، ونزجي زيفه، لا يهمنا إلا جيد القول فنلمسه ونبحث عنه أيا كان قائله، ولقد ابتدأ أستاذنا المرحوم أحمد إبراهيم بهذه الدراسات المقارنة فلم يفرق في دراسته بين سنى وشيعي وخارجي » هذا ما يقوله الشيخ أبو زهرة معبرا عما ينقص الدراسات الفقهية، ولو امتد عمر الشيخ أحمد إبراهيم المتوفى عام ١٩٤٥م إلى حين تأسيس جماعة التقريب بين المذاهب لكان من أوائل المؤسسين، كما كان صاحب المنهج العلمي العملي في التقريب بين المذاهب . ومنهج كلية الشريعة في دراسة مذاهب الشيعة كان خاضعًا لعلم الفقه المقارن، فالذي قرره الأزهر بقرار الشيخ شلتوت، ليس دراسة مذهب الإمامية والزيدية على سبيل الاستقلال، وإنما إدخال هذين المذهبين في منهج الفقه المقارن»، ودراسة الفقه المقارن تقوم على أساس ضروري، هو أن يدخل الباحثون فيها غير متأثرين بحكم سابق ضد هذا المذهب أو ذاك؛ ولذلك يجب أن يخلع الباحث العلمي ثوبه المذهبي قبل أن يدخل قاعة الدرس، وإلا كان الزعم بأن ما يفعله مقارنة بين المذاهب زعمًا غير صحيح، وما قرره الأزهر من الاكتفاء بدراسة مذهبي الإمامية والزيدية ضمن منهاج الفقه المقارن، لم يكن مرجعه، كما يقول الشيخ محمد محمد المدني -عميد كلية الشريعة وقتئذ- أنه يستنكر دراسة هذين المذهبين على سبيل الاستقلال، ولكن لأن الدراسة الجامعية الأصيلة هي الدراسة المقارنة، وليس ما يهم الأزهر أن يزيد مذهبًا على مذاهبه الأربعة، كي يدرس مثلها على سبيل الاستقلال، بل لعله يرمى إلى مستقبل تكون فيه جميع الدراسات الفقهية في كلية الشريعة وأقسام التخصص بها دراسات مقارنة.

ولم تكن هذه فقط إنجازات الشيخ شلتوت في محال التقريب، بل إنه كان داعية لنشر التراث الاثني عشري، فقد كتب مقدمة «مجمع البيان» عند نشره، وهو التفسير الدقيق للإمام أبي الفضل الطبرسي أحد كبار الشيعة الإمامية، ونشرت وزارة الأوقاف في عهد مشيخته للأزهر كتاب «المختصر النافع» في الفقه الإمامي، وكانت دار التقريب في بداية عملها نشرت كتاب «الروضة البهية» لزين الدين العاملي، والكتاب يضم بين ثناياه فقه الاثني عشرية من خلال الشهيدين الأول والثاني.

ولو أردنا أن نلخص أثر التقريب في مجال الفقه على السنة والشيعة، لوجدنا أثره في مجال الفقه السني يتمثل في التأكيد على مبدأ الاجتهاد وتوسيع دائرة الفقه الواقعي الذي يلائم مصلحة الناس، ويلبي مطالب التشريع، بعد الخروج من ضيق المذهب الواحد إلى سعة المذاهب الإسلامية المتعددة، أما أثره في محال الفقه الشيعي فنجده في تجاوز العزلة التي أدى إليها حصر المذاهب في الأربعة السنية المعروفة، وهو حصر أدى ـ كما -قال العلامة تقي الدين القمي- ببقية المذاهب إلى الاعتزال أو الاندثار، وكان الاعتزال من نصيب المذهب الشيعي الذي مكنه التقريب من تجسير الفجوة وإنهاء المقاطعة التي عزلت هذا الفريق الكبير من المسلمين عن بقية إخوانهم، ثم مكنت فقه الفريقين من مقاومة الاستجلاب التشريعي والغزو الثقافي وما أجلها من مهمة وما أصعبها أيضًا.

 

د - التقريب بين ثقافة الأمة:

هناك بعد غائب عند الدارسين لفكرة التقريب عند الإمام محمود شلتوت، وهو بعد يتجاوز التقريب بين المذاهب الإسلامية في مجال الفقه؛ ليكون دعوة إلى التقريب بين مناهج التعليم في مصر ليحتل الإسلام فيها مكانا محوريا، وهذا البعد الغائب صرح به الإمام في محاضرة مجهولة ألقاها مساء الأربعاء الموافق ٣٠ أغسطس سنة ١٩٥٠م حيث كان يرأس وفد الأزهر في المؤتمر الثقافي العربي الثاني، في هذا المؤتمر طرحت فكرة إلغاء التعليم الديني وتوحيد مرحلتي الابتدائي والثانوي في الأمة بدعوي التقريب بين فئات الأمة في عقلياتها وتفكيرها، فتصدى العلامة محمود شلتوت للفكرة في مهدها، يقول الشيخ: «ليس من شك في أن تقريب الأفكار في الأمة الواحدة، بل في العالم كله، عامل قوي من عوامل السعادة، ألا وإنه ليس من مقتضيات التقريب في الأمة القضاء على الخطوات التي لابد منها في الإعداد الديني الخاص، والذي تطلبه سعادة الشرق خاصة، وسعادة الإنسانية عامة، وليس من مقتضياته، أي التقريب، أن يدفن تراث هو عصارة أربعة عشر قرنا من تاريخ الإنسانية الفاضلة، وأخيرًا ليس من مقتضياته القضاء علي شريعة لم يتح لعقل بشري إلى الآن أن ينظم شئون الإنسان بمثل ما نظمت وتنظم به هذه الشريعة، وقد شهد بذلك مشرعو الشرق والغرب، وإن كنا عن شهادتهم غافلين، والذي أراه حقا من مقتضيات هذه الغاية النبيلة، غاية التقريب بين الأفكار في الأمة الواحدة - وهو في الوقت نفسه يكون عاملاً من عوامل الإعداد للمواطن الصالح - هو أن نضمن مناهج التعليم العام في كل مراحله بعض المواد، مما يتصل بالدين على صورة تتناسب وعقليات الطلاب وتطورهم الذهني تبعا المراحل النمو والاكتمال، وما دمنا نرى وجوب أن يتضمن منهاجه الابتدائي والثانوي بالمعاهد الدينية المواد التي تمثل جانبًا صالحًا من أصول المعارف الإنسانية، وتكون عاملاً للتقريب من جهة أبناء هذه المعاهد يقصد المعاهد المدنية - يكون من ظلم هؤلاء الذين يتجهون إلى التعليم العام في سنهم المبكرة، ومن ظلم فكرة التقريب من جانبهم، ومن ظلم أسرهم وأممهم بهم، أن يخلو منهاجهم مما يغرس فيهم روح التدين الراقي من طغيان المادة عليهم وعلي ذويهم، وكفانا شـرًا مـا وقعنا فيه تقليدًا لغيرنا من المنهاج التعليمي الجاف، والذي يحاول اقتلاع العقيدة من القلوب، ويحاول قطعنا عن ماضينا الذي تمتد من أصوله فروع حضارتنا وثقافتنا وحياتنا .... إن العالم يسوده. الآن طغيان المادة في جميع جوانبه، ويسوده التعصب الشخصي أو الطائفي أو الجنسي في كثير من هذه الجوانب وكلا الأمرين -طغيان المادة والتعصب- من أقوى أسباب التناكر والتخاذل بين الشعوب والأفراد، والتناكر والتخاذل سببان قويان لما يتقلب العالم اليوم في جمر من ويلات شديدة متلاحقة.

 وإن تربية لا تهدف إلى توازن القوي المختلفة، في الفرد والجماعة، لهي تربية تقوم على اعتبارات تقليدية فاسدة، أو نظريات فلسفية عقيمة لا تمت في واقع الأمر إلى الإنسان، فرده وجماعته، ولا منقذ للعالم من هذا الشر المستطير إلا بأن يتضامن الشرق مبعث الهدى والنور علي تركيز الروح الديني في النفوس، وإنماء الناحية المعنوية في العالم».

وهذه الكلمات المضيئة التي أطلقها الإمام محمود شلتوت منذ نصف قرن نحن بحاجة إلى تذكرها في عصر العولمة، وقد خرج الشيخ شلتوت من معركة هذا المؤتمر منتصرا للمعني الحق للتقريب في مواجهة التغريب، وفاز بقرار فتحت فيه لأول مرة الجامعات المدنية أمام حاملي العالمية من أبناء الجامعة الأزهرية، وأعلن الأزهر ساعتها عن التفكير في انشاء معهد للفقه المقارن يقوم علي الدراسة الحرة الخالية من التعصب لمذهب بعينه؛ لينتفع بآثار الاجتهاد، مما يحفز العقل البشري على التقدم الخدمة الإنسانية. ولعلي أقترب من فهم هذا الاقتراح إذا قرأته في ضوء مذكرة مقدمة إلى اللجنة القانونية بجامعة الدول العربية لإنشاء معهد للفقه الإسلامي، من أهدافه دراسة الفقه الإسلامي مقارنا في مذاهبه المختلفة، ولم يتح للأزهر أن ينشئ للفقه المقارن معهدًا، ولكن دراسة الفقه المقارن اتسعت فيه لتصبح قسما كبيرا في مرحلة الليسانس، ويمنح الماجستير والدكتوراه في الفقه المقارن، أما معهد الفقه الإسلامي فقد أنشئ بعنوان أوسع هو معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، وقام فيه قسم شرعي قوي، أولاه رعايته الدكتور عبد الرازق السنهوري، واختار له نخبة من علماء الفقه الاسلامي كتبوا فيه دراسات مقارنة لا تزال مراجع يعتد بها في بابها، وتحققت فيه الدراسة الفقهية الحرة التي رنـا إليهـا الشيخ محمود شلتوت، وأعضاء جماعة التقريب، ونذكر من هذه الدراسة أبحاث الشيخ محمد أبو زهرة، وأبحاث عبد الوهاب خلاف، وعلي الخفيف، ومحمد يوسف موسي.

وهكذا انتصر فقه التقريب، ووجد في مصر أرض الإسلام والعروبة البيئة الخصبة التي لا تنمو الفكرة إلا في ظلال سماحتها الوارفة الظلال، ومن خلال نخبة من أفذاذ العلماء تعتز بهم السلسلة الذهبية لعلماء الاسلام، وقد انعكست على مرآة الشيخ شلتوت آراء هؤلاء جميعا؛ لأنه كان يعرف أقدارهم سنة وشيعة، ويذكر الجميع بالخير، ويتمنى لو تحدث عن علماء كبار قدمهم الفقه الشيعي، فكانوا من أئمة الفكر في العالم الإسلامي، ومن أعلام جماعـة التقريب، وفي مقدمتهم - كمـــــــا روى الإمام محمود شلتوت - الإمام الأكبر الحاج آقا حسين البروجردي، والمغفور لهم الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والعالم المجاهد تقي الدين القمي الذي أبلي بلاء حسنا في إقامة صرح التقريب إدارة وكتبًا ونشرًا.

 

وتبقي كلمة أخيرة في هذه الورقة الموجزة.

لقد حاول علي حيدر في كتابه «تيارات الصحوة الدينية» ربط دار التقريب إنشاء وغايات بمناسبات سياسية، وليس في وثائق الفكرة، وسجلات المؤسسة ما يدعم عريضة كهذه، بل إن هذه الدار في سياقها الفكري وليد طبيعي لبيئة ملائمة، وعلى أرض هيأت لها مقومات النجاح، وقد تجاوزت المعارك الخاسرة للتعصب المذهبي الضيق الأفق على حد تعبـــير علي شريعتي وآثار دعوة التقريب ستظل فاعلة باقية، بما يتاح من كتب، وما صدر من موسوعات فقهية، وما أنشئ من معاهد دراسية، لقد تحول فكر الصفوة إلى حياة المجتمع، وأظنها امتزجت بحياته العقلية مركبًا لا يقبل الفصل أو التجزئة، وأحسب أن الشيخ محمود شلتوت، وجسده الطاهر يرقد في تراب الكنانة الخالدة، يرسل من وراء الغيب تحية لإيران ومصر، وقد تلاقت خطواتهما الواثقة من أجل حياة أفضل للمسلمين في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

 

*  أ. د. محمد كمال إمام، محمود شلتوت مجتهدًا ورائدًا للتقريب: قراءة تاريخية وثائقية، ورقة مقدمة لمؤتمر التقريب، طهران، 8- 9 يناير 2001م، منشورة بمجلة "المسلم المعاصر"، مج 25، ع 100، 2001، ص: 25-51.

رابط تحميل ملف الدراسة

 

قُدمت هذه الدراسة من الباحث راجح بن بخيت السناني إلى كلية الدراسات العليا بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في العدالة الجنائية عام 2009م.

وترجع أهمية هذه الدراسة لكون مهنة المحاماة من أشق المهن العلمية وأكثرها حرجًا على المحامي المستقيم الذي يحرص على الالتزام بشريعة الإسلام وآدابها فيسعى لتحري الحقيقة وإنصاف المظلوم، الأمر الذي يجعلنا نرى أن رسالة المحامي تتفق مع رسالة القاضي في ترجيح كفة العدالة.

وانطلقت هذه الدراسة من إشكالية بحثية مفادها أن كثيرًا من الناس لا يحيطون علمًا بحقوقهم طبقًا للشريعة والنظام القانوني، ولهذا يحتاجون في خصوماتهم إلى من يعينهم في الوصول إلى هذه الحقوق من أصحاب المعرفة بأحكام الشرع والأنظمة وما استقر عليه القضاء، سواء كان ذلك في دعاوي مدنية أم إدارية أم جنائية أم غيرها، ولما للمحامي من هدف نبيل في نصرة المظلوم وإيصال الحقوق لأصحابها، فيفترض أن تتوفر فيه صفات الشرف والاستقامة والنزاهة والعلم.

وتأسيسًا على ما سبق دارت هذه الدراسة حول تساؤل رئيس مفاده: ما الصفات التي ينبغي توفرها في المحامي لكي يرقى بمهنته إلى أعلى مستويات العدالة؟

وتفرع عن هذا التساؤل عدة تساؤلات فرعية يمكن إجمالها على النحو التالي:

  1. ما أسس الرقابة الذاتية للمحامي؟
  2. ما المبادئ العلمية للمحامي؟
  3. ما المقومات السلوكية للمحامي؟
  4. ما علاقة المحامي بموكله؟
  5. ما علاقة المحامي بالقاضي؟
  6. ما علاقة المحامي بخصم موكله؟

وسعت الدراسة إلى تحقيق العديد من الأهداف التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

  1. بيان أسس الرقابة الذاتية للمحامي.
  2. بيان المبادئ العلمية للمحامي.
  3. بيان المقومات السلوكية للمحامي.
  4. بيان علاقة المحامي بموكله.
  5. بيان علاقة المحامي بالقاضي.
  6. بيان علاقة المحامي بخصم موكله.

وقام الباحث بدراسة موضوع البحث باستخدام المنهج الوصفي (الوثائقي)، وذلك باستعراض ما ينبغي أن يكون عليه المحام من صفات، وما يجب عليه من التزامات مدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، ويعقبها ذكر ما ورد في القانون الوضعي، وما جاءت به الدراسات والبحوث التي تناولت هذا الموضوع، ومعرفة مدى اتفاق القانون الوضعي مع الشريعة الإسلامية ومدى اختلافه في هذا الشأن.

 

 

تقسيمات الدراسة:

وفي سبيل الإجابة على التساؤلات التي أثارتها الدراسة قسمها الباحث إلى خمسة فصول، وذلك على النحو التالي:

الفصل الأول: مشكلة الدراسة وأبعادها

الفصل الثاني: مفهوم المحاماة وتاريخها وأهميتها في الشريعة والقانون.

الفصل الثالث: الصفات الشخصية للمحامي.

الفصل الرابع: الالتزامات المهنية للمحامي.

الفصل الخامس: ملخص الدراسة والتوصيات

واختتمت الدراسة بعدد من النتائج والتوصيات يمكن إجمالها على النحو التالي:

 

أولاً: النتائج:

  1. تعد التقوى هي الرادع الرئيس لدى المحام حيث يتكون لديه شعور بمراقبة الله تعالى يدفعه نحو الإحسان وفعل الخير ويمنعه من الانحراف والظلم والجشع.
  2. إن أهم صفات المحامي أن يكون قويًا أمينًا؛ لأنه بالقوة يستطيع القيام بالعمل بالمطلوب منه، وبالأمانة يؤديه على وجه تبرأ به ذمته.
  3. العدالة مطلب ضروري في المحامي، فمن لم يكن عدلاً بعيدًا عن الريب فإنه لا يؤمن منه الضرر والفساد.
  4. للمحامي مع القضية ثلاث صور: تتمثل الصورة الأولى في أن يحصل عنده اليقين تجاه موكله، وذلك في حالتين هما أن يعلم المحامي صدق موكله في دعواه فيجوز له التوكل عنه، وأن يعلم المحامي كذب موكله فلا يجوز له التوكل عنه، وأما الصورة الثانية فتتمثل في أن يترجح عنده أحد الاحتمالين اعتمادًا على غلبة الظن فيتبع إجراءً له مجرى العلم، في حين تتمثل الصورة الثالثة في أن يتساوى عنده الأمران من غير مرجح فمن باب الاحتياط والورع ألا يدافع عنه.
  5. إن معرفة الأحكام الشرعية مطلب ضروري للمحامي، وإذا لم يكن كذلك فقد يفسد أكثر مما يصلح.
  6. إن معرفة الأنظمة والقوانين مهمة للمحامي، وخاصة الجديد منها، وعليه أن يتدرب على كيفية تطبيقها وتطويعها لصالح دعوى موكله بالوجه الشرعي.
  7. الثقافة العامة في سائر العلوم تمكن المحامي من تفهم كثير من القضايا فهمًا صحيحًا واضحًا.
  8. الحلم كسوة المحامي وجماله، ومن لوازمه الرفق واللين، ومن ثمراته الوقار والسكينة.

 

ثانيًا: التوصيات:

  1. اشتراط العدالة فيمن يريد أن يزاول مهنة المحاماة.
  2. إنشاء معاهد في الجامعات الإسلامية تكون خاصة في النظم والسياسة الشرعية، ليكون المتخرج منها مؤهلاً تأهيلاً شرعيًا لمهنة المحاماة.
  3. إنشاء لجنة خاصة لمتابعة شؤون المحامين المبتدئين، وعقد دورات ومحاضرات لتدريبهم وتعليمهم أسس وقواعد وآداب المحاماة، يشارك فيها رجال القضاء وكبار المحامين.
  4. عقد مؤتمرات وندوات تجمع بين المحامين والقضاة ورجال التحقيق لتدارس مسيرة العدالة، وطرح النقاشات ذات العلاقة، وتفهم وجهات النظر.
  5. على المحامي أن يكون أمينًا نحو خصم موكله، وأن يحافظ على سره كما يحافظ على سر موكله.
  6. ينبغي للمحامي أن يحترم القاضي ويحسن الجلوس والاستماع والكلام في مجلس القضاء، وأن يلتزم بنظام المحكمة في ضبط وإدارة الجلسات، وألا يقاطع القاضي أو الخصم أو الشهود أو يعترض على الحكم الشرعي إذا تبين له عدله، وأنا قام على قواعد صحيحة وأدلة قاطعة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه تقدم بها الدكتور محمد بن عبد الله إبراهيم السحيم -القاضي الأسبق بالمحكمة الجزائية بالرياض- إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وذلك في 18-6-1433هـــــ، وحصل على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بطباعتها.

وصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية في عام 1436هـــــ.

وتبرز أهمية دراسة موضوع استقلال القضاء في الفقه الإسلامي من عدة جوانب، أبرزها الباحث على النحو التالي:

  • دخوله الأصيل في موضوع القضاء، الذي لا تخفى مكانته، وكونه مبدًأ من مبادئه التي يقوم عليها، وضمانة لتحقيق العدل من خلاله؛ ولذا كان النص على استقلالية القضاء صراحةً في كل دستور.
  • حمايته قوة القضاء وهيبته القاطعة لكل محاولة من شأنها التأثير سلبًا عليه.
  • إظهار مكانة القضاء الإسلامي، وسبقه، وانفراده بضمان استقلاليته بصورة عملية مثالية دقيقة، يظهر بها عُوار كل تشريع أرضي؛ لتبقى شريعة الإسلام - كما أرادها الله - حاكمة خاتمة في كل زمان ومكان، وفي ذلك إبراز لمحاسن الدين، ودعوة لتحكيمه في شتى بقاع العالم، ورد للفرى المختلقة حوله.
  • ما يستدعيه واجب البيان والنصح من ضرورة تجلية الصورة الحقة الشاملة لاستقلال القضاء، سيما في ظل ثورة الأنظمة، وإثارة وسائل الإعلام لمثل هذا الموضوع، وفتح باب الحوض فيه لمن يحسن ومن لا يحسن؛ دفعًا للإيهام، وإزالة اللبس.
  • إظهار ذلك الجهد المضني المبذول من قبل فقهاء الإسلام في تحديد معالم استقلال القضاء الإسلامي، وتتبع جزئياته، مستنیرین بهدي الوحيين؛ مما يشكل ثروة فقهية تستحق الإبراز والإشادة، سيما وأن تلك الثروة لم تجمع - حسب علمي - في رسالة علمية تلم شتاتها، وتحرر مسائلها.

 

تقسيمات الكتاب:

اشتملت الدراسة على مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب وخاتمة اشتملت على أهم النتائج، حيث تناولت المقدمة: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهدافه، والمنهج المتبع في البحث، وخطته، في حين تناول التمهيد: حقيقة القضاء، وحكمه، ومقاصده، وخُصص الباب الأول: لدراسة حقيقة استقلال القضاء، وحكمه، في حين تناول الباب الثاني: ضمانات استقلال القضاء، وأما الباب الثالث فقد عالج موانع استقلال القضاء، وتناول الباب الرابع: أثر استقلال القضاء.

 

وجاءت الخاتمة لتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، ومن هذه النتائج ما يلي:

  • يُقصد باستقلال القضاء انفراد القاضي بإصدار الأحكام في الوقائع بالطرق الشرعية وفق اجتهاده، دون تدخل من غيره أو تأثير عليه.
  • إن الاستقلال مبدأ من مبادئ القضاء التي يقوم عليها، وهو وسيلة لتحقيق مقصد العدل الذي شرع لأجله القضاء.
  • أن حكم استقلال القضاء الوجوب، إلا إذا كان الاستقلال مؤديًا إلى خلل في تحقيق العدل تحققًا أو ظنًا، أو كان قضاء القاضي مخالفًا للاختصاص؛ فيمنع حالئذٍ.
  • من المقاصد الشرعية لاستقلال القضاء: تحقيق سيادة القضاء، وعدالته، وهيبته، وقوته، ونزاهته.
  • أن كفاية القاضي المالية من ضمانات استقلال القضاء الواجبة في بيت المال، والقدر الأدنى منها: ما يتحقق بالاستغناء المالي بطرق مشروعة.
  • تحريم أخذ القاضي الأجرة من الخصوم إلا عند الحاجة؛ كعدم فرض رزق له من بيت المال، أو كان ذلك الرزق لا يفي بحاجته وحاجة من يمونه.
  • جواز اتجار القاضي بنفسه حال الحاجة، أو كان عن طريق وكيل لا يعرف به وإن لم تكن حاجة، وفيما عداهما المرد إلى غلبة ظن حصول المفسدة بالإتجار؛ فيحرم حال تحقق المفسدة، ويباح حال انتفائها، ويكره عند الشك.
  • إن اجتهاد القاضي من ضمانات استقلاله، وذلك الاجتهاد مطرد في جميع العملية القضائية: فهمًا للواقعة، وتقديرًا للبينات، ووصفًا للواقعة، وتحديدًا للدليل الشرعي الملائم، وإصدارًا للأحكام.
  • تقنين القضاء أنواع متعددة تضبط باعتبارات أربع، قد تجتمع كلاً أو بعضًا، وقد تنفرد، وتلك الاعتبارات هي: الشمول، والموضوع، والمذهب، والإلزام، ولم يقع خلاف فيها إلا في الإلزام، والأظهر عدم جوازه.
  • يتحدد موقف القاضي من التقنين بالنظر إلى الإلزام بالتقنين واجتهاد القاضي، فإن كان القاضي مجتهدًا فالمتعين عليه اتباع ما أداه إليه اجتهاده - بإجماع العلماء-، وإن كان مقلدًا فتعامله مع التقنين كتعامله مع سائر الأقوال الفقهية، والأصح في ذلك: أن يقلد قول من يراه أوثق في دينه وعلمه.
  • وجوب رجوع القاضي إلى أهل الخبرة فيما ليس له فيه خبرة، وذلك مما لا يتعارض مع الاستقلال؛ إذ هو طريق لسلامة حكمه.
  • إن مخالفة القاضي للاختصاص الولائي من موانع الاستقلال؛ إذ هي مسوغ للتدخل في قضائه بالتوقيف والنقض، ولا يستثنى من ذلك إلا ما أجازه ولي الأمر، أو كان الحكم داخلاً في الولاية السابقة التي لم يعلم القاضي بتغيرها.
  • الظاهر من حال القضاة السلامة والعدالة والنزاهة؛ استصحابًا لأصل العدالة في المسلم - عند من يرى ذلك-، وتغليبًا للظاهر على الأصل المرجح في أن الأصل في المسلم عدم العدالة.
  • الأصل عدم تهمة القاضي، إلا أن ثمة مواضع تقوى فيها التهمة؛ فتكون مانعة من الاستقلال؛ إذ يمنع القاضي من القضاء فيها، وتسوع التدخل في قضائه، وتلك المواضع هي: القضاء للأقارب: من أصول، وفروع، وزوجة، دون الحواشي، وقضاؤه لمن تربطه به مصلحة قائمة محققة له نفعًا دنيويًا حقيقةً أو ظنًا، وقضاؤه على عدوه ذي العداوة الدنيوية الظاهرة، وقضاؤه بعلمه، وقضاؤه حال وجود ما يمنع فهمه ويشغل فكره، ووجود التهمة في هذه المواضع لا يلزم منه زوال النزاهة والعدالة.
  • كراهة قضاء القاضي فيما أفتى فيه قبل الترافع.
  • شمول تنفيذ الأحكام يستلزم استيعاب القضاء الشرعي لحوادث النزاع، وانضواء الناس تحت سلطان القضاء وتحاكمهم إليه، وشمول تنفيذ أحكامه لهم وعليهم دون استثناء.
  • الأصل في الحكم القضائي البيان، ولا ينتقل عنه إلا بدليل يثبت فقد صفة التعيين أو الإلزام الواجب تحققها في هذا الحكم.
  • تفسير الحكم القضائي - حال ثبوت غموض فيه - لا يكون إلا عن طريق مصدره إن كان باقيًا على ولاية القضاء، وإلا فإن المسؤول عن التفسير جهة قضائية فردية أو جماعية يحددها ولي الأمر، وذلك من لوازم استقلال القضاء وآثاره.

  

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

قرر المجلس الأعلى للجامعات في اجتماعه الأخير برئاسة د. أيمن عاشور وزير التعليم العالي إعفاء طلاب الماجستير والدكتوراة من تقديم الرسالة العلمية بالشكل التقليدي المتعارف عليها، على أن يتم نشر أبحاث تلك الرسائل نشرًا دوليًا متميزًا، بحيث يعفى طالب الماجستير من تقديم الرسالة بالشكل التقليدي على أن يقوم الطالب بنشر بحثين، أحدهما مستخلص من الرسالة العلمية original paper، والبحث الآخر كمقالة مرجعية review article في مجال التخصص الدقيق على الأقل في أحد الدوريات العلمية المصنفة عالميًا في قائمة افضل 25% (Q1) بقواعد بيانات كلاريفيت.

كما قرر المجلس إعفاء طالب الدكتوراه من تقديم الرسالة بالشكل التقليدي المتعارف عليه، على أن يقوم الطالب بنشر ثلاثة أبحاث، اثنان منها مستخلصان من الرسالة العلمية Original Paper، والبحث الثالث كمقالة مرجعية Review Article في مجال التخصص الدقيق على الأقل في أحد الدوريات العلمية المصنفة عالميا في قائمة أفضل 25% (Q1) بقواعد بيانات كلاريفيت، وذلك بهدف المساهمة في الارتقاء بتصنيف الجامعات عالميا، وزيادة الإنتاج من النشر العلمي في الدوريات والمجلات العلمية الدولية.

 

كما قرر المجلس أيضا -حسبما ذكر د. مصطفى رفعت أمين المجلس الأعلى للجامعات- إعفاء طالب الدكتوراة من تقديم رسالته بالشكل التقليدي المتعارف عليه في الحالات التالية:

  • نشر ثلاثة أبحاث، اثنان منها مستخلصة من الرسالة العلمية (original paper) والبحث الثالث كمقالة مرجعية Review Article في مجال التخصص الدقيق على الأقل في أحد الدوريات العلمية المصنفة عالميا بقائمة أفضل 25% (Q1) بقواعد بيانات كلاريفيت.
  • أن يقدم الطالب مجلدا بديلا عن الرسالة التقليدية للماجستير أو الدكتوراة، على أن يحتوي المجلد على:

1ـ واجهة الرسالة متضمنة عنوان الرسالة ـ اسم الطالب ـ أسماء المشرفين مطابقة لخطة البحث المعتمدة من مجلس الكلية والجامعة.

2ـ الشكر والتقدير «إن وجد».

3ـ قائمة محتويات الرسالة.

4ـ قائمة الاختصارات والرموز.

5ـ ملخص لكل بحث باللغة الإنجليزية وباللغة العربية

6ـ خطة البحث المعتمدة من مجلس الكلية.

7ـ أبواب الرسالة ويحتوي كل باب على البحث/ أو البحوث المنشورة، ويشترط وجود اسم الجامعة بشكل واضح وصحيح على جميع الأبحاث المقدمة وعلى أن يكون اسم الطالب المتقدم لنيل الدرجة هو أحد الأسماء المذكورة على الأبحاث المقدمة منه وكذلك أسماء المشرفين على الرسالة.

  • وتضمن قرار المجلس الأعلى للجامعات في هذا الشأن أن يتم تشكيل لجنة الحكم والمناقشة للرسالة بالأسلوب والآليات المتعارف عليها طبقا للوائح الداخلية والقوانين المنظمة وتكون مهمتها مناقشة الطالب في موضوع البحث أو الأبحاث المقدمة وأنها مطابقة ومرتبطة بموضوع وخطة البحث (البروتوكول) المعتمدة من مجلس الكلية وكذلك التأكد من أن المجلات المنشور فيها البحث تقع ضمن الفئات المستهدفة وأن الطالب ملم إلمامًا كافيًا بموضوع البحث ومنهجيته، على أن تتقدم لجنة الحكم بالتقارير الفردية والتقرير الجماعي على النماذج المعدة لذلك والمعتمدة من مجلس الدراسات العليا والبحوث بكل جامعة بحيث تتضمن الإجابة على الأسئلة السابقة وفى حالة عدم اجتياز الطالب للمناقشة يعود للمسار التقليدي أو يمنح فرصة لإعادة المناقشة ويعتمد ذلك على رأى اللجنة، ولا يؤثر الإعفاء من عمل الرسالة التقليدية بحال من الأحوال على حق الطالب والمشرفين في مكافآت النشر العلمي المقررة من مجلس الجامعة ولا المكافآت المقررة لأعضاء لجنة الحكم على الرسالة.

___________________

المصدر: رفعت فياض، إجراءات جديدة لتقديم رسائل الماجستير والدكتوراة، أخبار اليوم، 23 فبراير 2024، https://bit.ly/4dqVnZK.

 

صدر هذا الكتاب عن نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع في يناير 2002م، ومؤلفه هو الفقيه الإسلامي المعروف أ. د. محمد سيد أحمد المسير (8 يونيو 1948م- 2 نوفمبر 2008م)، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، وله من المؤلفات ما يزيد على الأربعين مؤلفًا، منها: محاورة تطبيق الشريعة الإسلامية، نحو دستور إسلامي وضع مواده الأزهر الشريف، أخلاق الأسرة المسلمة- بحوث وفتاوى.

 أما كتابه الماثل المعنون "قضايا الفكر الإسلامي المعاصر"، فهو يشتمل على مجموعة من الأبحاث التي قُدمت إلى مؤتمرات وملتقيات فكرية دولية ومحلية ونُشرت في صحف ومجلات مختلفة.

وترجع أهمية هذا الكتاب إلى تناوله العديد من القضايا العلمية المطروحة على الساحة، والتي ناقشها المؤلف من منظور إسلامي معاصر، مراعيًا في ذلك مدى التطور الهائل الذي حدث في كافة مناحي الحياة في العصر الحديث، والذي أحدث الكثير من الأقضية التي تمس الإنسان في جميع شئون حياته.

 

أو كما أوضح المؤلف في مقدمته للكتاب:

"فيتشابه الفكر الإنساني في ماضيه وحاضره ومستقبله ، لكنه يتميز في كل عصر بملامح ومنطلقات وغايات... لقد خاض الفكر الإنساني في الطبيعة وما وراءها، في الوجود وحقيقته، في الإنسان وقيمه، في الحياة ومسيرتها.. وتشكلت هذه المباحث تبعا للزمان والمكان،.. وقدم العقل فروضا ومسلمات ودعاوى، اختلف الناس حولها أو اتفقوا.. والفكر الإسلامي ليس بدعا في ذلك، فلقد خاض في كل مجالات المعرفة، وتعددت القضايا، لكنها تلتقى في أصولها وتتمايز بملامح عصرها... فقضية العولمة اليوم لا تختلف عن قضية الفكر الوافد الفلسفي قديما، وقضية حقوق الإنسان وميثاق المرأة أو الطفل لا تتباين مع الضرورات الخمس التي جاء الإسلام للحفاظ عليها، وهي الدين والنفس والعقل والمال والنسب، وقضية التطور العلمي الرهيب وما نجم عنه من استنساخ وبنوك للأجنة وأرحام مؤجرة قد تلتقى مع نكاح الجاهلية في الاستبضاع والسفاح، وقضية الإبداع الفني والأدبي والفكري هي قضية الأمس واليوم والغد، فهي قضية الاجتهاد والحرية".

 

وقد جاءت عناوين بحوث الكتاب على النحو الآتي:

  • المجتمع الإسلامي بين حركتي الفكر الوافد والاستشراق.
  • التجديد الديني بين الحقيقة والوهم.
  • القدس إسلامية ونصر الله للمسلمين.
  • رؤية إسلامية لأحداث الخليج.
  • رؤية نقدية لحاضر العالم الإسلامي.
  • حقوق الإنسان بين الإسلام والغرب.
  • قضية المرأة بين حكمة التشريع ودعوى التمييز.
  • فتاوى ساخنة في الاستنساخ وتأجير الأرحام والحمل من الزوج المتوفي.
  • أدب الحديث عن الله.
  • الرسول الداعية ورجل الإعلام الأول.

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

صدرت الطبعة الأولى من هذا للكتاب للدكتور محمد فتحي عثمان[*] عن دار الشروق في عام 1982م. ومما جاء في تقديم المؤلف للكتاب ما يلي:

أتت شريعة الله بإحقاق الحق وإبطال الباطل وإجراء العدل في مختلف صوره التي تتناول الفرد والمجتمع والدولة والعالم... وكان (الحق) أساس بناء النظام الإسلامي، ولا غرو فالحق من أسماء الله الحسنى، ولقد خلق الله السموات والأرض بالحق وأنزل كتابه بالحق.

وإذا كان الحق بوجه عام يعني العدل والاستقامة والانتظام وانتفاء الميل والاعوجاج والاضطراب بوجه عام، وهو قائم في خلق الله جميعًا جماده وأحيائه، فإنه أولى ما يكون في شأن الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وكرمه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

فعبادة الله وإنفاذ شريعة الله كان ينبغي أن يقترنا في الأذهان بإحقاق الحق وكرامة الإنسان ... "فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط -وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر صبحه بأي طريق فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره ..."- كما عبر في إصابة وبلاغة الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله (المتوفى ٧٥١ هـ).

وكلمات الإمام ابن القيم تقبس من نور أي القرآن وتستلهمها .... ألم يرد في الذكر الحكيم والكتاب المبين مثلاً: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد / ٢٥]

ولكن من المسلمين المعاصرين من يذهب به الحماس لدينه وتحكيم شريعته إلى الغفلة أو التفاعل عن (البينات) و(الكتاب والميزان) و(القسط) ... فيطفر مباشرة إلى (الحديد) ... فيكون دين الله وكتابه المنزل بالحق ورحمته المهداة للعالمين (قتالاً) أول ما يكون... أو (عقابًا) وقصاصًا وحدًا وتعزيرًا أول ما يكون.

وارتبطت (دولة) الإسلام و(نظام) الإسلام في أذهان الكثيرين من المسلمين وغير المسلمين (بالجهاد) و (الحدود) ... وربما لم تخل من ذلك بعض الكتابات الفقهية في الأحكام السلطانية.

وهكذا كلما عرض كتاب لنظام الإسلام استهل بمباحث الإمامة والسلطان...

وكلما دعا داع لتحكيم نظام الإسلام كانت صورته المرتسمة في ذهنه قبل كل شيء هي: (نصب الخليفة، وإقامة الحدود، وإعلان الجهاد).

ولا يصلح الناس بغير حاكم يسوسهم، وقد بينت شريعة الإسلام حقوق (أولي الأمر)  وواجباتهم .... ولابد من عقاب المهددين لأمن الجماعة ومصالحها المعتدين على حقوق الأفراد وحرماتهم ... ولابد من دفع أعداء البلاد المهاجمين لأراضيها، والدفاع بالفكر والقلم عن دين الإسلام ضد من يفترون عليه.

ولكن لابد أيضًا من أن تأخذ هذه الأحكام مكانها الصحيح من (الترتيب) المنطقي والعملي... ويبدأ فهم الإسلام وتطبيقه من إحقاق حقوق الإنسان وحفظ كرامتها.... بحيث يستعمل (الحديد) ويمتشق الحسام وتستعمل (القوة) في سبيل إحقاق الحق الذي قامت به السموات والأرض وقام به شرع الإسلام ونزل به کتابه.

روى الطبري في سياق (ابتداء أمر القادسية) من أخبار سنة ١٤ هـ أنّ ربعي بن عامر دخل على رستم قائد الفرس في مجلسه، فسأله رستم: ما جاء بكم؟ فقال ربعي بن عامر:

"الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء:

من عبادة العباد إلى عبادة الله

ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام

فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه ...".

روى بن عبد الحكم (المتوفى سنة ٢٥٧هـ) أنّ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب خطب يومًا، فكان من خطبته: "... ألا إني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم. ألا فمن أتى إليه شيء من ذلك فليرفعه إلي، فو الذي نفس عمر بيده لأقصنه منه، فقام عمرو بن العاص فقال: أرأيت يا أمير المؤمنين إن عتب عامل من عمالك على بعض رعيته فأدب رجلاً، إنه لمقصّنه منه؟ قال: نعم ... رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه؟ ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الفياض فتضيعوهم.

فأتى رجل من أهل مصر إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم. قال عُذت معاذًا. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين.

فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه فقدم، فقال عمر: أين المصري، خذ السوط فاضرب. فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين! قال أنس (راوي الخبر): فضرب، فو الله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه. ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا! قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني".

وكتب قاضي القضاة أبو يوسف (المتوفى سنة ١٨٢هـ) ضمن رسالته إلى الخليفة هارون الرشيد التي تعرف بكتاب (الخراج): «... فمر ولاتك جميعًا بالنظر في أمر أهل الحبوس [أي من نعبر عنهم في أيامنا بالمحبوسين احتياطيًا تحت التحقيق] في كل أيام، فمن كان عليه أدب أُدِّب وأطلق، ومن لم يكن له قضية خلّي عنه. وتقدم إليهم أن لا يسرفوا في الأدب ولا يتجاوزوا بذلك إلى ما لا يحل ولا يسع ... حدثنا بعض أشياخنا عن هوذة بن عطاء عن أنس قال: قال أبو بكر رضي عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين، ومعنى هذا الحديث أنه نهى عن ضربهم من غير أن يجد عليهم حد يستحقون به الضرب، وهذا الذي بلغني أن ولاتك يفعلونه ليس من الحكم والحدود في شيء، ليس يجب مثل هذا على جاني الجناية صغيرة أو كبيرة...".

وروى ابن جبير (المتوفى سنة ٥٩٨هـ) ضمن أخبار رحلته المعروفة عن السلطان أبي المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب: أنه صفح عن جريرة أحد الجناة عليه وقال: «أما أنا فلأن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أصيب في العقوبة»، وقد استلهم السلطان بلا شك التوجيه النبوي الكريم «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا، فإذا وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»، كما روى ابن جبير أيضًا أن صلاح الدين قد حضره يومًا أحد مماليكه المتميزين بالحظوة والأثرة مستعديًا على جمّال ذكر أنه باعه جملًا معيبًا فقال له السلطان: ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته!... وكانوا يقولون (الشحنة) للشرطة. ثم قال صلاح الدين لمملوكه: الحق يقضي لك أو عليك!

وأولى بالذين يدرسون نظام الإسلام أو يضطلعون بتدريسه أو الكتابة عنه أن يكون (الحق) و(كرامة الإنسان) مدخلهم إليه، فهو الأساس المتين لهذا النظام القويم ... وأولى بالذين يدعون مخلصين لتحكيم شرع الله أن يؤصلوا الأصول قبل تفريع الفروع...

وهذه محاولة لتقديم كلمات عن (حقوق الإنسان في شريعة الإسلام) ... وفاء بحق الله وكرامة الإنسان ... أسأل الله أن ينفع بها، حتى يأتي من بعدها خير منها بيانًا وأوفى بالقصد وأسلم من الزلل، وحتى يقوم واقع المسلمين على إحقاق الحق وضمان ما أراده الله من كرامة الإنسان بما شرعه لحفظ حقوقه وحرماته.

 

محتويات الكتاب:

  • تقديم.
  • حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي.
  • حقوق الإنسان في الوثائق الدستورية.
  • الوثائق الدولية لحقوق الإنسان.
  • حقوق الإنسان في شريعة الإسلام.
  • الحق في الفقه الإسلامي.
  • ارتباط الحق بالشارع في الإسلام ضمان وتوثيق للعدل لا ذريعة للاستبداد.
  • مقاصد الأحكام في شريعة الله تحقيق مصالح عباده.
  • ارتباط الحق بالشارع كفل التقرير المتوازن لحق الفرد وحق الجماعة للحقوق والواجبات.
  • الحقوق والواجبات.
  • الاستخلاف في الأرض وكرامة الإنسان.
  • حقوق الإنسان في شريعة الإسلام سياسية واجتماعية ومسئولية الدولة في ضمانها إيجابية.
  • الحقوق والحريات المتعلقة بشخص الإنسان في ذاته وبدنه.
  • الحقوق والحريات المتعلقة بخصوصيات الإنسان مثل حياته الخاصة وأسرته ومسكنه وشرفه وسمعته.
  • الحقوق والحريات المتعلقة بالمأوى والتنقل والإقامة داخل الدولة وخارجها
  • الحقوق والحريات الفكرية أو المعنوية.
  • الحقوق والحريات السياسية.
  • المساواة أمام القانون.
  • الحقوق والحريات الاجتماعية والاقتصادية: ما يتعلق بالأسرة.
  • الحقوق والحريات الاقتصادية: التملك.
  • حق العمل.
  • الضمان الاجتماعي.
  • حق التعليم.
  • الحقوق الجماعية للشعوب.
  • تقرير حقوق الإنسان في الإسلام.
  • الضمانات لمنع الاعتداء على حقوق الإنسان.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

--------------------------------------------------------------------------

[*] الدكتور محمد فتحي عثمان (1928م-2010م) أكاديمي ومفكر إسلامي مصري الجنسية. له العديد من المؤلفات منها:

  • السلفية في المجتمعات الإسلامية.
  • حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون الغربي.
  • من أصول الفكر السياسي الإسلامي.
  • عبد الحميد بن باديس: رائد الحركة الإسلامية.
  • المدخل إلى دراسة التاريخ الإسلامي.
  • دولة الفكرة.
  • عبد الحميد بن باديس- رائد الحركة الإسلامية في الجزائر المعاصرة
  • آراء من تراث الفكر الإسلامي.
  • القيم الحضارية في رسالة الإسلام.
  • إبراز الوحدة الكلية للإسلام عقيدة وشريعة كإطار للعرض المذهبي.
  • هل يكون هذا القرن للمسلمين قرنَ الفكر.
  • بين تناقضات الحاضر وآمال المستقبل: نقاط أساسية عن مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب.
  • إبراز الوحدة الإسلامية الكلية للإسلام عقيدة وشريعة كإطار للعرض المذهبي.
  • تراث الفكر الإسلامي في النظم السياسية والإدارية: قطعة من التاريخ.
  • قبل تقنين أحكام الشريعة الإسلامية كأساس لتطبيقها- لا بد من حوار علمي بين أهل الاختصاص في مناخ ديمقراطي سليم.
  • تحت الضوء: قراءات وخواطر، الأرض في القرآن الكريم...، وغيرها.

 

صدر كتاب " حقيقة الإسلام وأصول الحكم" لفضيلة الشيخ محمد بخيت المطيعي[*] عن المطبعة السلفية بالقاهرة في عام 1344هــــ، ويُعد هذا الكتاب من الكتب من الكتب العلمية المحققة والموثقة التي ترد على دعاوى ومزاعم أنّ الإسلام: دين لا دولة، ورسالة لا حكم، ولذا من يطالع هذا الكتاب سيجد أنه يشتمل على نقدٌ علمي متميز لاستشهاد علي عبد الرازق بما سماها "الكلمة المبالغة" كلمة الإنجيل: «أعطوا ما لقيصر قيصر».

وقد أوضح فضيلة الشيخ المطيعي في مقدمة الكتاب السبب الرئيسي وراء تأليفه لهذا الكتاب؛ حيث قال: "قد ظهر في هذا الزمان كتاب اسمه "الإسلام وأصول الحكم" نُسب تأليفه إلى الشيخ علي عبد الرازق القاضي بمحكمة المنصورة الشرعية حالاً، فاطلعنا عليه فوجدنا أنه لم يذكر في كتابه هذا رأيًا إيجابيًا ينسبه لنفسه ويقيم عليه البرهان، بل كل ما قاله في هذا الكتاب قضايا سالبة وإنكار محض لما أجمع عليه المسلمون أو نص عليه صريحًا في الكتاب العزيز أو السنة النبوية، واستند في إنكاره إلى السفسطة العقلية والآراء الظنية والأدلة الشعرية، مع أن تلك المسائل التي أنكرها وأنكر أدلتها مسائل فقهية شرعية لا يجوز الخوض فيها بمجرد العقل بل لا بد من الاستناد فيها إلى النص من الكتاب أو السنة أو الاجماع أو القياس، ويا ليته أنكر ما أنكره من المسائل بعد أن راجع الأدلة التي أقامها الفقهاء على تلك المسائل وناقشها مناقشة المناظر الذي يبحث لفرض الوصول إلى الحق، ولذلك كتبنا هذا الكتاب وسميناه "حقيقة الإسلام وأصول الحكم".

ومن يطالع هذا الكتاب سيجد نفسه أمام حقيقة مفادها أنه كتابان بل عدة كتب في كتاب واحد؛ حيث أورد الشيخ المطيعي آراء الشيخ علي عبد الرازق (١٨٨٧ - ١٩٦٦م) بنصها، ثم يقوم بتفنيدها فقرة فقرة، ثم يقوم بالرد عليه.

 

تقسيمات الكتاب:

تم تقسيمه هذا الكتاب إلى ثلاثة كتب؛ حيث تم تقسيم الكتاب الأول إلى بابين، حيث بحث الباب الأول أن المسلمين كانوا أول من سن أن الأمة مصدر جميع السلطات، في حين تناول الباب الثاني الكلام على إنكار وجوب الخلافة وإدعاته وعدم وجود دليل من القرآن والسنة والحال أن الحقيقة تكذبه، كما تناول من خلال هذا الباب أيضًا الكلام على استدلاله على دعواه بقوله نصراني وغض نظره عن ما أجمع عليه الصحابة.

وقسم الكتاب الثاني إلى ثلاثة أبواب؛ حيث خصص الباب الأول من هذا الكتاب للكلام على دعواه أن حال القضاء في زمن النبي صلى الله عليه لا يخلو من غموض أو إبهام والحقيقة تكذبه، في حين تناول الباب الثاني  الكلام على قوله إن جهاد النبي صلى الله عليه لم يكن للدعوة للدين، وإنما كان لتثبيت السلطان وتوسيع الملك والحقيقة تكذبه، وأما الباب الثالث فقد خصصه للكلام على قوله رسالة لا حكم، والحال أن الحقيقة تكذبه بما اشتمل عليه الكتاب والسنة والحكمة التنفيذي التطبيقي في أمور الدين والدنيا.

وأما الكتاب الثالث فقد تم تقسيمه إلى ثلاثة أبواب؛ حيث خصص الباب الأول منه للكلام على دعواه أنه عليه السلام ما تعرض لشيء من سياسة تلك الأمم، وأما الباب الثاني فقد خصصه للكلام على زعمه أن الرسالة انتهت بموته عليه السلام، وكذلك للكلام على جعله حكومة أبي بكر ومن بعده من الخلفاء الراشدين حكومة لا دينية، وأيضًا للكلام على كذبه وافترائه في قوله أن أبا بكر وسائر الصحابة كانوا يقومون على حكومة لا دينية ... الخ، وخصص الباب الثالث من الكتاب للكلام على قوله والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية كلا ولا القضاء...إلخ، وكذلك للكلام على جرأته ومكابرته في قوله "لا شيء يمنع المسلمين أن يهدموا ذلك النظام العتيق" يعني الشريعة الإسلامية.

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

------------------------------------------------------------

[*] الشيخ محمد بخيت المطيعي (1856-1935م) هو الشيخ شمس الدين محمد بن بخيت بن حسين المطيعي، ولد - رحمه الله - ببلدة المطيعة مركز ومديرية أسيوط في 10 من المحرم سنة 1271هـ الموافق سنة 1856م. في 9 من صفر سنة 1333هـ الموافق 26 ديسمبر 1914م عُيِّن مفتيًا للديار المصرية، واستمر يشغل هذا المنصب حتى  16 من شوال سنة 1338هـ 1920م حيث أحيل إلى المعاش، أصدر خلالها ( 2028) فتوى.

  وتوفي - رحمه الله - في 21 من رجب عام 1354هـ، الموافق 18 أكتوبر 1935م بعد حياة حافلة بالعلم والعمل.