ينشر موقعنا هذا الكتاب حصريًا لأول مر على الشبكة العنكبوتية، ويُعد هذا الكتاب أحد أهم مؤلفات الفقيه الدستوري الكبير أ. د. عبد الحميد متولي، ومما يزيد من أهميته أنه دراسة مقارنة بين القانون والشريعة الإسلامية، وصدر هذا الكتاب عن دار نشر "منشأة المعارف" بالإسكندرية عام 1975-1976م (طبعة سادسة منقحة).

ومما جاء في مقدمة الطبعة الأولى ما يلي:

     أقدم للقراء هذا الكتاب الجديد لعلهم يجدون فيه شيئًا جديدًا، والواقع أن أهم ما يتضمنه من جديد بالنسبة إلى ما سبق لي أن كتبت من بحوث ومؤلفات لا يكاد يعدو موضوعين: (أولها) هو "النظام الرياسي والنظام السياسي للولايات المتحدة"، (ثانيها) هو موضوع "الأنظمة الدكتاتورية في الدول الغربية"[1].

وليس من عسير الأمور أن نجد موضوعًا جديدًا في ميدان علم يعد حديثًا بالنسبة لفروع العلوم القانونية الأخرى لاسيما في بلد كبلدنا، ولكنه مما لا ريب فيه أن من الأمور العسيرة التي تبلغ من العسر حدًا بعيدًا أن تجعل من الموضوع القديم موضوعًا جديدًا، ذلك هو ما سوف يجده القراء بصدد الموضوع الأول "النظام الرياسي والنظام السياسي للولايات المتحدة"، وإنه من العجيب حقًا أن نعرف اليوم - بعد أمد طويل انقضى على معرفتنا إياه - أننا لم نكن نعلم عن هذا الموضوع كل ما كان ينبغي أن يُعلم، أو بعبارة أصرح وأصح إن ما عرفناه عنه كان لا يزال يحيط به ستار من ظلام وكأنما كان جسمًا مبتورًا، فكان علينا أن نعيده جسمًا سويًا، وأن نلقي عليه من خلال ظلال البحث ضوءً ونورًا.

لقد فاتنا -نحن رجال الفقه الدستوري في مصر- أن نولي هذا الموضوع كل ما يستحقه من عناية، وإنما أولينا العناية كلها صورة أخرى من صور الأنظمة الديمقراطية الغربية، صورة كانت أكثر ذيوعًا وانتشارًا في القارة الأوروبية، وهي النظام البرلماني، ولعل لنا المعذرة فيما فاتنا وفي المسلك الذي سلكنا أن ذلك كان كذلك - حتى إلى عهد قريب - شأن رجال الفقه الدستوري الفرنسي، الذين درجنا في مصر على أن نأخذ عنهم بيان خصائص ذلك النظام الرياسي كما نأخذ عنهم بيان خصائص غيره من مختلف صور الأنظمة الديمقراطية الغربية[2].

أما الموضوع الثاني "الأنظمة الدكتاتورية في الدول الغربية" فقد كان من الموضوعات التي لم يشر إليها أساتذة الفقه الدستوري المصري اللهم إلا مجرد إشارة في وجيز من العبارة، على أن هذا الموضوع قد بدأ يتبوأ جانبًا من عناية أساتذة الفقه الدستوري الفرنسي، وذلك منذ أن أُدخل في السنوات الأخيرة تعديل على دراسة مادة "القانون الدستوري" أدى إلى تعديل اسمها فأصبح "القانون الدستوري والأنظمة السياسية".

وسوف يتبين بجلاء للقراء - بعد اطلاعهم على هذا المؤلف - مثل الذي يتبين لهم بعد اطلاعهم على مؤلفات غيري من الزملاء أن أساتذة الجامعة (وبخاصة أساتذة القانون الدستوري والأنظمة السياسية) لا يعيشون - كما يظن البعض إثمًا، وكما يُتهمون ظلمًا - في "بروج عاجية" لا يحفلون بأمر سياسة البلاد وشئونها وشجونها!!. إن السياسة هي كرامتنا واستقلالنا، هي حاضرنا ومستقبلنا، مي دماؤنا وأموالنا، ومن أحق بالبحث والدرس لشئونها من رجال البحث والدرس، رجال العلم، رجال الجامعة؟ ولكن حقًا على رجال الجامعة ألا يعالجوا تلك الشئون إلا بأسلوبهم الخاص، أسلوبهم الجامعي، أسلوب البحث والدرس، ومجال ذلك إنما يكون في قاعات البحث والدرس والمحاضرة وفي المؤلفات والمجلات العلمية، أو في اللجان ذات الصبغة العلمية أو الفنية، أي في مجال أو جو علمي هادئ، يتوفر فيه قسط من ضمانات حرية الرأي واستقلاله، جو لا تسوده - ويجب ألا تسوده - نزعة من النزعات، اللهم إلا نزعة حب البحث عن الحقيقة العلمية، لوجه الله ولوجه العلم، فليس مجال ذلك في مقالات تكتب على عجل طوع المناسبات وتنشر في الصحف وهي قبل كل شيء أداة سياسية، ولا في اجتماعات أو هيئات يهيمن عليها رجال سياسيون يلقى بها الكلام أو الرأي ارتجالاً، ولا يتوفر فيها لرجال العلم ذلك الجو الهادئ، الذي يتطلبه إعمال الرؤية والتفكير في منأى عن مختلف أسباب التأثير[3].

لقد كفل للجامعات - في الدول المتمدينة الديمقراطية - استقلالها، شأنها في ذلك شأن القضاء، ولن توجد كارثة تحل بالجامعة ورجالها كالانتقاص من استقلالها، وليس هنالك شيء يؤثر على استغلالها، بل وعلى كرامتها وكرامة رجالها كما يؤثر إقحامهم لأهوائهم أو لنزعاتهم السياسية في الميدان العلمي الجامعي، أو اقتحامهم الميدان السياسي[4]، فالميدان السياسي - في كل بلد من البلدان وفي كل زمن من الأزمان - ميدان تزدحم فيه إلى جانب الآراء والمبادئ والمثل العليا والتضحيات الأهواء والمصالح وضروب الرياء والشهوات والشبهات، ورجل الجامعة - شأنه شأن رجل القضاء - عليه أن يظل بعيدًا عن ذلك الميدان، بعيدًا عن مواطن الشبهات ومواطئ الشهوات، وإلا خانه التوفيق في مهمته وخان أمانة رسالته، وصبغ الناس آراءه بألوان بعض الأهواء والنزعات، تلك الآراء التي يجب أن تبدو صورتها غير مصطبغة إلا بصبغة العلم، والعلم لا يعرف رجاله له لونا، كما لا نعرف في رجاله المخلصين تلونًا.

أعود فأقرر وأكرر أني لا أعنى ألا يُعنى رجال الجامعة بالسياسة وشئونها، ولكن مكان رجال الجامعة - فيما أعتقد - لا يجوز أن يكون في السفينة التي تجري في بحر السياسة، إن مكانهم فيما - أعتقد - يجب أن يكون في المنارة التي تبعث - في الظلماء - لتلك السفينة بالأنوار والأضواء.

إن إقحام رجال الجامعة في الميدان السياسي إنما يلحق الضرر بالميدانين: الجامعي والسياسي معًا: إذ يخشى ألا يجذب الميدان السياسي منهم سوى بعض ممن يخطف أبصارهم بريق الأضواء التي تحيط بأصحاب السلطان، وهؤلاء قل أن تجد لديهم الرأي السليم الذى لا تشوبه شائبة الضعف أو شائنة الأهواء، أو تجد لديهم النقد البريء البناء، إن مثل هذا الرأي وهذا النقد تحتاج إليه أداة الحكم السليم القويم أكثر مما تحتاج إلى أساليب الدعاية وألسنة التعظيم والتبجيل، نعم إنه ليخشى من أمثال هؤلاء أن يزينوا لرجال السياسة أخطاءهم.

يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: "ألا أخبركم بشر الناس؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال "العلماء إذا فسدوا"، وليس أفسد لرجال العلم – فيم أعتقد - من إقحامهم ميدان السياسة، ولا أفسد لرجال السياسة من رجال العلم إذا فسدوا، ومن جماعات المرائين المنتفعين من وراء الحاكمين.

مما يروى عن فردريك الأكبر أنه أراد أن يستولى على بعض الأراضي الأجنبية ليضمها إلى مملكته (بروسيا)، فاعترض عليه بأن هذا التصرف يخالف مبادئ القانون الدولي العام، فقال: "سأستولي على تلك الأراضي ثم آتي بأحد أساتذة القانون الدولي ليضع نظرية أبرر بها مشروعية هذا التصرف"!!.

لعل خير ما أختم به هذه الكلمة أن أشير إلى ما يروى عن الخليفة العباسي هارون الرشيد إذ بعث إلى الإمام الشافعي يطلب إليه أن يأتي للتدريس لأبنائه في بيته، فرد عليه الإمام الشافعي يقول: "يا أمير المؤمنين، إن العلم لا يأتي، وإنما يؤتى إليه"، - اللهم رحمتك على الإمام الشافعي، وعونك لكل أستاذ جامعي يرى العلم رسالة وكرامة وقناعة، لا وسيلة وصناعة أو بضاعة، إنك أنت الموفق، إنك أنت المعين[5].

تقسيمات الكتاب:

  • مقدمة عامة
  • باب تمهيدي: الدولة والحكومة والدساتير
  • الفصل الأول: الدولة
  • الفصل الثاني: الحكومة
  • الفصل الثالث: الدساتير
  • القسم الأول: الأنظمة السياسية في الدول الغربية
  • الباب الأول: الأنظمة السياسية في اليونان القديمة
  • الباب الثاني: الأنظمة السياسية في العصور الحديثة
  • الفصل الأول: الأنظمة السياسية للديمقراطيات الغربية ومبادئها الدستورية (مع المقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية)
  • الفصل الثاني: الأنظمة الماركسية (نظام الاتحاد السوفيتي والديمقراطيات الشعبية) ومبادئها الدستورية
  • ملاحظات ختامية

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب 

--------------------------------------------------------------------------------------------

[1] ويضاف إليهما موضوع "النظام السياسي الانجليزي" - على أن هذا الكتاب يختلف عن كتابنا السابق (الوجيز في النظريات والأنظمة السياسية) اختلافًا غير قليل، الأمر الذي يتطلب اختلاف عنوان كل منهما.

[2] لقد كان للدكتور سعد عصفور (الأستاذ المساعد السابق بالكلية) فضل السبق في العناية بموضوع النظام الأمريكي، وذلك في بحث قيم نشره بعنوان "رئيس الجمهورية الأمريكية"، ولكنه قصر بحثه - كما ينبئ عن ذلك عنوانه - على رئيس الجمهورية، دون أن يعني ببيان كنه ما يطلق عليه "النظام الرياسي"، وخصائصه، ولا بيان متى يصح أن يوصف النظام الأمريكي بأنه نظام رياسي.

وإلى الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي (مدرس القانون الدستوري والإداري بالكلية) يرجع الفضل في توجيه نظري إلى العناية بدراسة هذا الموضوع الذي لم ينل - كما قدمت - من أساتذة الفقه الدستوري المصري ما يستحقه من عناية.

(ملحوظة: الدكتور عصفور أعيد إلى الكلية هذا العام (في يونيه 1975) أستاذًا ورئيسًا لقسم القانون العام، والدكتور أبو زيد رقى أستاذًا مساعدًا في سبتمبر ١٩٦١)، تم استاذًا عام ١٩٦٦ وهو الآن المدعي العام الاشتراكي.

[3] مما تجدر الإشارة إليه أن هذا الرأي الذى أبديه هنا ليس رأيًا جديدًا، فقد سبق لي أن ناديت به وكتبت عنه في مقدمة كتابي "الوسيط في القانون الدستوري"، الذي ظهر عام ١٩٥٦م، ولكنني أريد أن أزيد هنا هذا الرأي تفسيرًا وتفصيلاً.

[4] إنني أعني هنا الجمع بين العمل الجامعي والعمل في الميدان السياسي معًا، ولا أعني من ينتقلون من الميدان الأول إلى الثاني.

[5] نقلت عن إحدى المجلات الدينية الكبرى رواية هذا الحادث منسوبًا إلى الإمام الشافعي، وبعد أن اطلع على هذه النبذة الزميل الأستاذ الشيخ محمد مصطفى شلبي (أستاذ ورئيس قسم الشريعة السابق بالكلية) ذكر لي أن صحة هذه الرواية أن الإمام مالك - لا الإمام الشافعي - هو الذى كان قد طلب إليه الرشيد أن يقوم بالتدريس لأبنائه. وقد تحققت - مما قرأت فيما بعد عن الإمام مالك - من صحة هذا الرأي.

تأتي دراسة "المركز القانوني الدولي لحركات المقاومة في القانون الدولي المعاصر" التي قدمها الباحث هيثم موسي حسن للملتقي الدولي الخامس الذي دار حول "حرب التحرير الجزائرية والقانون الدولي"، بجامعة حسيبة بن بو على بالجزائر لمحاولة رفع بعض من الغموض الذي يكتنف الكتابات القانونية المختصة بظاهرة المقاومة من جهة غموض الاصطلاحات التي تستخدم للتعبير عنها، أو عدم وضوحها، على عكس الحال فيما يتعلق بالمعالجة القانونية للحرب، فبينما يستقر الفقه القانوني الدولي على استعمال اصطلاحات محددة، تتعلق بها معان مستقرة، ويترتب عليها آثار قانونية متميزة للتعبير عن الحرب، نجد أن الفقه القانوني الدولي ذاته يستعمل تعبيرات عديدة في إشارته إلى المقاومة وحروبها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الغموض واللبس حولها، ويحيط دراسة الجوانب القانونية التي تثيرها بمشاكل وصعوبات لا حصر لها. وما هذا الوضع إلا نتيجة لاعتبار أن المقاومة وحرب التحرير الوطنية تمثل وضعًا سياسيًا قبل أن تمثل مفهومًا قانونيًا، وهكذا تتداخل العوامل السياسية مع المفاهيم القانونية في التأثير على تحديد ماهية المقاومة وحروب التحرير الوطني، وضبط مضمونهما وحدودهما ... وهذا ما يؤدي عمليًا إلى صعوبة تمييز حركات المقاومة والتحرير الوطني عن أنواع أخرى من التنظيمات والتجمعات الأخرى، كالحركات الانفصالية، والأحزاب المعارضة والحركات الإرهابية.

ومما جاء في مقدمة الباحث للدراسة:

"المقاومة هي التعبير الحي عن البقاء، والصنو المرادف للحياة، والحقيقة المساوية الجوهر الوجود، وما استمرار الإنسان ذاته إلا نتاجًا للمقاومة والبقاء داخله، ضد أسباب الفناء وعوامل الهلاك.. إذ ما أن تنتهي منه سمات المقاومة وصفاتها، وإرادة البقاء وأدواتها، فسيحكم عليه بالموت والانتهاء.. وكذا الأمر بالنسبة للشعوب والدول.

ولقد أصبح من المسلّم به أن: «لكل الكائنات الحية دافعًا يدفعها إلى المحافظة على ذاتها واستقلالها، وتظهر على البشر تبعًا لذلك سمتي (إرادة الحياة) و(إرادة الحرية) وحين تعرف الأمة بأنها على استعداد للتصرف الجماعي لغايات سياسية، فإننا نعني ضمنًا أنه حينما وجدت أمة، فقد وجد الكفاح من أجل التعبير عن الذات تعبيرًا مستقلًا». واستقراء سريع للتاريخ ووقائعه وأحداثه يكشف لنا أن معادن الشعوب في أصالتها وصلابتها لا تظهر على حقيقتها إلا في أتون تلك الصراعات طلبًا للحرية أو ذودًا عنها ... وكان البقاء لتلك الشعوب التي عرفت كيف تبذل الدماء، وتجود بالأرواح في تلك الساعات الحالكة من تاريخها وتاريخ العالم ... والتي لم يكن فيها بد من أن تبذل الدماء وتصير التضحية بالأرواح واجبًا مقدسًا ... وكان لأولئك الذين يحبون ويقدسون أرض الآباء والأجداد، ويدافعون عنها بشتى الوسائل، اعتبار كبير في تكوين الضمير الاجتماعي، ويتغنى بهم كأبطال في الأدب وفي كل العصور.

ويعتبر حق الحياة أو البقاء وحق المقاومة أو الدفاع عن النفس من حيث النتيجة وجهان العملة واحدة باعتبارهما مترابطين ولا يقبلان التجزئة أو الانفصال أو التنازل ... إذ لا معنى للتأكيد على حق الحياة سواء للأفراد أم الشعوب، دون أن يستتبع ذلك إعادة التأكيد على الوسيلة المؤدية للحفاظ على هذا الحق، ألا وهي وسيلة الدفاع والمقاومة ضد الأسباب التي تعرض حق الحياة أو البقاء للخطر والفناء، وما ذلك إلا لاعتبار أن حق المقاومة والدفاع يمثل حقًا طبيعيًا وملازماً للبشر، أفرادًا ومجموعات، يقوم عند حدوث أي اعتداء أو انتهاك للحقوق التي يتمتعون بها. وقد تأكد هذا الحق عمليًا بالنص عليه في بعض الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، وبعض الدساتير والقوانين الوطنية الأخرى.. وكانت الانطلاقة الفعلية بهذا الخصوص في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن غداة الثورة الفرنسية عام 1789.

ولئن كانت المقاومة بشكل عام، ظاهرة ذات جوانب متعددة؛ سياسية وعسكرية وقانونية وتاريخية واجتماعية، فإن الكتابات القانونية حولها تتسم بالغموض، غموض الاصطلاحات التي تستخدم للتعبير عنها، أو عدم وضوحها ... على عكس الحال فيما يتعلق بالمعالجة القانونية للحرب، فبينما يستقر الفقه الدولي على استعمال اصطلاحات محددة، تتعلق بها معان مستقرة، ويترتب عليها آثار قانونية متميزة للتعبير عن الحرب، نجد أن الفقه ذاته يستعمل تعبيرات عديدة في إشارته إلى المقاومة، وحروبها ... وهو ما يؤدي إلى زيادة الغموض واللبس، ويحيط دراسة الجوانب القانونية التي تثيرها بمشاكل وصعوبات لا حصر لها. وما هذا الوضع إلا نتيجة لاعتبار أن المقاومة وحرب التحرير الوطنية تمثل وضعًا سياسيًا قبل أن تمثل مفهومًا قانونيًا، وهكذا تتداخل العوامل السياسية مع المفاهيم القانونية في التأثير على تحديد ماهية المقاومة وحروب التحرير الوطني، وضبط مضمونهما وحدودهما ... وهذا ما يؤدي عمليًا إلى صعوبة تمييز حركات المقاومة والتحرير الوطني عن أنواع أخرى من التنظيمات والتجمعات المماثلة أو المشابهة لها تقريبًا، كالحركات الانفصالية، والأحزاب المعارضة، والحركات الإرهابية. وقد وفرت هذه الاعتبارات غطاء جيدا لبعض الدول، في موضوع تعاملها مع حركات المقاومة والتحرر الوطني، وذلك تبعًا لما يحقق مصالحها وأهدافها، وحسب موقعها من الأحداث، بين كونها دولة غازية أو معتدية أو معتدى عليها ... حيث كانت تنظر إلى مثل هذه الحركات على أنها مجموعات إرهابية وإجرامية، وتنزل بأفرادها أشد العقوبات وأقساها، فيما إذا كانت دولة معتدية ومحتلة ... بينما كانت تشجع هذه الحركات وتنادي بها وتحث المواطنين على الانضمام لها، باعتبارها حركات مشروعة تمارس حقها المشروع في الدفاع عن الوطن ورد المعتدي وذلك في حالة تعرضها لغزو خارجي، واحتلال أراضيها من قبل القوة المهاجمة الغازية.

وهكذا مع تزايد حركات المقاومة والتحرير الوطني في أرجاء العالم أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وتعاظم دورها على المستويين الوطني والدولي في تحقيق الاستقلال لبلادها وتحرير أراضيها المحتلة.. وممارسة حقها المشروع في تقرير مصيرها، ثم في تنامي الاعتراف الدولي بها وبشرعية لجوئها لاستخدام القوة المسلحة في سبيل تحقيق أهدافها الوطنية بالتحرير والاستقلال.. فقد تم اعتبار حروبها التي تخوضها في هذا المجال حروبًا دولية، كما أقر بذلك البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، حيث جاء في الفقرة الرابعة من المادة الأولى منه: (على أنه يعتبر من قبيل الحروب الدولية التي تطبق فيها أحكام هذا البروتوكول المنازعات التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير، كما كرسه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقا لميثاق الأمم المتحدة).

وأخيرًا، ومع الأخذ بعين الاعتبار ما تضمنته قوانين وأعراف الحرب وبخاصة اتفاقيات جنيف لعـــام 1949 والبروتوكولين الإضافيين المكملين لها لعام 1977، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، يمكننا تحديد مفهوم المقاومة، وتعريفه على النحو التالي: (العمليات ذات الطابع العسكري، والتي تستخدم فيها القوة المسلحة، من قبل القوات المسلحة النظامية بواسطة عناصر وطنية من غير أفراد القوات النظامية، وتنفذ ضد السلطات القائمة بالاحتلال أو قواتها أو مراكزها فوق الأراضي المحتلة، أو ضد الأهداف العسكرية وما في حكمها فوق إقليم الدولة المحتلة ذاتها أو خارجها، يدفعهم إلى ذلك الدافع الوطني في الدفاع عن البلاد ومقاومة الاحتلال في سبيل تحرير الأراضي المغتصبة، وطرد المحتلين منها .. وسواء كانت تلك العناصر تعمل في إطار تنظيم يخضع لإشراف وتوجيه سلطة قانونية أو واقعية، أو كانت تعمل بناء على مبادرتها الخاصة، وسواء باشرت النشاط فوق الإقليم المحتل ذاته، أو من قواعد خارج الإقليم)".

 

تقسيم الدراسة:

 قسم الباحث دراسته، إلى المطالب الآتية:

المطلب الأول: الوضع القانوني فيما قبل اتفاقيات جنيف لعام 1949.

المطلب الثاني: الوضع القانوني في ظل اتفاقيات جنيف لعام 1949.

المطلب الثالث: النظرية الحديثة للمقاومة في ظل البروتوكولين الإضافيين لعام 1977.

المطلب الرابع: الطبيعة الدولية لحروب المقاومة والتحرير الوطني.

المطلب الخامس: الشخصية القانونية الدولية لحركات المقاومة والتحرير الوطني.

رابط ملف الدراسة

_____________

المصدر: هيثم حسن، المركز القانوني الدولي لحركات المقاومة في القانون الدولي المعاصر، الملتقي الدولي الخامس "حرب التحرير الجزائرية والقانون الدولي"، جامعة حسيبة بن بو على، الشلف، الجزائر، 9، 10 نوفمبر 2010.

قال الخبير القانوني العراقي الدكتور علي التميمي، إن المواثيق الدولية تقر حق تقرير المصير وحق الدفاع، وحتى حق المقاومة المسلحة، وفقًا لمبادئ القانون الدولي، والسوابق الدولية، والاتفاقيات الدولية بهذا الشأن.

أضاف التميمي، أنه ورد في المادة (1) من ميثاق الأمم المتحدة وقرار الأمم المتحدة رقم 545\6 لعام 1970 وهو أن يتمتع كل شعب باستقلاله التام وسيادته على أراضيه وأن يمارس بكل حرية، حقه في تقرير المصير، وهذا يعني أي عدوان على الشعوب وأراضيها واستقلالها هو انتهاك لحقها في تقرير المصير، ويعد عدوانًا على القانون الدولي وإنهاكًا للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

أوضح التميمي أن المادة (2) فقرة 4 من الميثاق باعتباره القانون الأعلى والأسمى أشار إلى إلزام جميع الدول والشعوب صغيرها وكبيرها، وأن مقاصد الأمم المتحدة بإنماء العلاقات بين الأمم والشعوب على أساس المساواة بين الجميع واحترام الحق في تقرير المصير.

أشار إلى أن كل عدوان على هذه المبادئ يعتبر تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وفقا للمادة 39 من الميثاق، والمادة 2، 4 والمادة 51، لافتًا إلى ضرورة أن تتخذ التدابير الفعالة والمشتركة ضد أي عدوان على الشعوب أو غزوًا بلدانها، وفقًا لأحكام الفصل السابع من الميثاق، وحق الشعب المعتدى عليه والمنتهكة حقوقه نتيجة الغزو أو الاحتلال في الدفاع عن النفس، سواء كان بشكل فردي أم جماعي.

 وقال التميمي إن مقاومة الشعوب المسلحة وغير المسلحة في مثل هذه الحالات للدفاع عن الأرض هو دفاع عن السلام والأمن الدوليين بسبب قانوني، وتتلاءم مع المبادئ والأهداف التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة.

وأكد أن أحكام القانون الدولي المعاصر تقرر حق كل الشعوب في النضال من أجل حقها في تقرير المصير، وتعترف بشرعية وقانونية مقاومة الاعتداء والغزو والاحتلال، بل وتقرر حق المقاومة المسلحة وغير المسلحة من قبل الشعوب المعتدى عليها، لأنها إحدى الدعائم والضمانات الأساسية لسيادة الحرية ومبدأ تقرير المصير.

نوه بأن قانونية المقاومة الوطنية وحرب التحرير من أجل السيادة وتقرير المصير تنطلق من مبدأ السيادة، وهي حقوق قائمة منذ مؤتمر بروكسل عام 1874، ومؤتمر لاهاي 1988، واتفاقيات لاهاي 1899 و1907، وبروتوكول جنيف 1925.

_____________

المصدر: سلمان إسماعيل، خبير قانوني: مقاومة الاحتلال حق مكفول في القانون والمعاهدات الدولية، جريدة الدستور المصرية، 20 أكتوبر 2023، https://2u.pw/C4cG2GF.

نشرت مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية المحكمة -في العدد الثالث عشر، لسنة 2017- دراسة مهمة للباحثة كيران لمياء تهدف إلى تبيان الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني خارقة بذلك قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، بانتهاجها سلوك حربي خرقت من خلاله أهم بنود اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 التي هي طرف فيها، نتج عن كل هذا جرائم دولية، وآثار دمرت كيان الشعب الفلسطيني.

ومما جاء في مقدمة الدراسة:

تعتبر الأراضي الفلسطينية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر طرفًا في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ويتوجب عليه تطبيق هذه الاتفاقيات، وتحديدا الاتفاقية الرابعة الخاصة بالمدنيين. والدول الأطراف في الاتفاقيات ملزمة أيضا باتخاذ السبل والآليات التي تضمن إجبار دولة الاحتلال على تطبيق الاتفاقية إن دولة الاحتلال الإسرائيلي أصرت على موقفها الذي يرفض تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة متذرعة بمبررات غير مقبولة، ولا صحة لقوانينها، وهي بذلك تتنكر لقرارات الشرعية الدولية. ولعل ممارسات قواتها العسكرية وعملياتها الحربية في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن إسرائيل تعتبر نفسها دولة فوق القانون الدولي.

إذ علينا التطرق في هذه الدراسة لمضمون اتفاقيات جنيف الأربعة لا سيما الاتفاقية الرابعة وتطبيقاتها على الأراضي الفلسطينية وتبيان السياسة الإسرائيلية المنتهجة من خلال خرقها لهذه البنود الدولية، والتي تؤكد أنه سلوك غير منضبط يخالف المواثيق الدولية، ويفتقد لأبسط القيم والمبادئ الإنسانية ويشكل جرائم حرب.

رابط ملف الدراسة

____________

كيران لمياء، انتهاك إسرائيل لقواعد القانون الدولي في فلسطين، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة تبسة، الجزائر، العدد الثالث عشر، المجلد 10، العدد 1، ص: 23-32.

مقدمة:

تهدف هذه الورقة إلى محاولة التعرف على إشكالية العلاقة بين القانون والدين ومبدأ المواطنة في الدستور المصري خاصة بعد أن نصت المادة الثانية من الدستور بعد تعـديلها سـنة 1980 على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

من الناحية التاريخية كانت الشريعة الإسلامية فيما قبل إنشاء المحاكم الأهلية في مصـر سـنة 1883 هي الشريعة العامة التي تطبق على كافة العلاقات القانونية في مجال المعـاملات وفـى مجال التجريم والعقاب بالنسبة للمصريين المسلمين. أي أن الأحكام المستمدة من الدين كـانت بصفة عامة هي المصدر العام للقانون، وذلك في غير ما وردت به نصـوص تشـريعية خاصـة صادرة من عاصمة الدولة العثمانية أو من حاكم مصر في حدود ولايته، وهذه كانت أغلبها في علاقات القانون العام.

ومعلوم أنه منذ أوائل القرن التاسع عشر وتحديدًا منذ عصر محمد على واكب التشريع المصري الاتجاه العام الذى كان يتزايد تدريجيًا في الإمبراطورية العثمانية من الاعتماد على التشـريعات المستندة إلى اعتبارات المصلحة والاستفادة من الحلول التشريعية الأوروبيـة والتوسـع في المجالس القضائية التي تباشر اختصاصها بجانب المحاكم الشرعية التقليدية. إلا أنه كأصل عام ظلت الشريعة الدينية هي الشريعة الحاكمة في علاقات القانون الخاص. ومن المثير للدهشـة أن التحول عن أحكام الفقه التقليدي إلى التقنينات الحديثة عام 1875 (التقنينات المختلطة) ثم عام 1883  (التقنينات الأهلية) لم يواجه بأي رد فعل اجتماعي أو سياسي مقاوم لهذا التحـول عن أحكام الشريعة وعن قضاء الشريعة.

الدين في الوثائق الدستورية السابقة على دستور 1971:

بل لقد خلت الوثائق الدستورية التي عرفتها مصر في بداية إطلالها على التنظـيم الدسـتوري الحديث من أي إشارة إلى دين للدولة أو إلى الشرائع الدينية كمصدر للتشريع. يصدق ذلك على لائحة تأسيس مجلس شورى النواب سنة 1866، والأمر العلي للائحة مجلس النواب الصادر في فبراير سنة 1882، والقانون النظامي المصري الصادر في مايو 1883، والقانون النظامي رقـم 29 لسنة 1913، المختص بالجمعية التشريعية المصرية.

والواقع أن النص في الدستور على أن الاسلام دين الدولة لم تعرفه الدساتير والوثائق القانونية الأساسية في مصر إلا مع صدور دستور 1923، إذ نص في المادة 149 منه علـى أن "الاسـلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية". ثم تبنت الدساتير اللاحقة هذا النص فورد بعباراتـه في المادة 138 من دستور 1930 والمادة الثالثة من دستور 1956، وإن كان قد جرى إغفاله في دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعام 1958 وفى الاعلان الدسـتوري الصـادر في سبتمبر 1962، إلا أن النص عليه عاد مرة ثانية في المادة الخامسة من دستور سنة 1964.

دستور 1971 وسمو الشريعة الإسلامية:

وخطا دستور 1971 خطوة أكثر إيغالاً في الربط بين القانون والدين؛ لأن الرئيس السادات كـان يبحث عن شرعية جديدة تميز نظامه عن نظام يوليو 1952، وتمثلت هذه الشرعية في اكتسـاب الدولة طابعًا دينيًا فيما عرف وقتئذ بـ"دولة العلم والإيمان"، فلم تكتف المادة الثانية من الدسـتور بالنص على أن الإسلام دين الدولة، كما كان الحال في الدساتير السابقة، بل اعتبرت [مبادئ] الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع. والواقع أن هذه أول مرة في التاريخ القـانوني المصري الحـديث يكتسب الربط بين النظام القانوني والشريعة طابعًا دستوريًا منذ العدول عن اعتبار فقه الشريعة هو النظام القانوني الحاكم والأخذ بنظام التقنينات الحديثة سنة 1883.

لقد أدخلت هذه المادة إلى الدستور المصري لأول مرة في دستور 1971، وعُدلت سـنة 1980 لتصبح الشريعة الإسلامية مقتضاها هي المصدر الرئيسي للتشريع بدلاً من كونها مجرد مصدر رئيسي دون أداة التعريف. وجرى مع هذا التعديل في سلة واحدة تعديل آخر للمادة 77 مـن الدستور بإطلاق مدد ولاية رئيس الجمهورية دون حد أقصى. وهكذا صَوَّت المصريون وقتئـذ بالموافقة على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسـي للتشـريع مثلمـا صـوتوا بالموافقة على أن يكون رئيسهم رئيسًا إلى الأبد.

وحقيقة الأمر أن تصويت المصريين سنة 1980 بتعديل المادتين أمر تحيط بحدوثه في الواقـع شكوك شبه مؤكدة. فلم يتعود المصريون أن يذهبوا إلى صناديق الانتخاب فكيف يذهبون إلـى صناديق الاستفتاء خاصة إذا كانت النتيجة الموافقة سيتم إثباتها وإعلانها رغمـًا عنهم سـواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه. ولكنها شرعية اللفظ المثبت على الورق التي كانت السلطة في ذلك الوقت تلهث وراءها وتساعدها في تحقيق هذا جوقة وهبت نفسها لتزييف الواقع بصرف النظر عن الشرعية الفعلية.

على أي حال، لا يستطيع أحد أن ينكر أن التعديل الذي جرى على هذه المادة قد أثار حساسيات شديدة لدى الإخوة الأقباط في مصر أو في خارجها، حساسيات يعلن عنها تارة وتضمر في النفوس تارات أخرى، وهم الذين يذكرون أن دساتير مصر فيما قبل 1956 لـم تكـن تتعـرض لمسألة كون الشريعة مصدرا للتشريع من قريب أو بعيد. وصاحب هذه الحساسـية، أو لنقـل نجم عنها، مجموعة من المعلومات غير الصحيحة عن الدور الذى لعبته المـادة الثانيـة مـن الدستور بعد تعديلها في إشاعة الفرقة بين الأقباط والمسلمين وفى تدنى الوضع القانوني للأقباط. وهى معلومات راجت في ظل مناخ غير صحى بالمرة كرسه التصريح الشهير للرئيس أنـور السادات الذى أعلن فيه أنه "رئيس مسلم لدولة مسلمة" مما أعطى انطباعـًا أن الأقبـاط قـد صاروا تطبيقًا للمادة الثانية من الدستور مواطنين من الدرجة الثانية. وهو انطباع وإن كـان له ما يبرره من شطط القول الصادر من رئيس البلاد إلا أنه يتجنى على الواقـع الموضـوعي وغير صحيح.

الإسلام في دساتير الدول الاسلامية:

إن الحكم على تأثير المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها على الأوضاع القانونيـة للأقبـاط لا يمكن الركون فيه إلى تصريح غاضب صادر من الرئيس في فورة انفعال تنفلت معـه الكلمـات، ولكن إلى الواقع الموضوعي الذى أحدثته هذه المادة في العلاقات القانونية التي يكـون الأقبـاط طرفًا فيها لهويتهم الدينية. 

وقبل أن نعمد إلى استقراء هذا الواقع علينا أن نلقي نظرة على الساحة العالمية لنعـرف علـى وجه التحديد ما هي الصيغ السائدة للعلاقة بين الدين والدولة في الدول الإسلامية.

يبلغ عدد المسلمين في العالم ما يربو على البليون والثلاثمائة مليون نسمة، يعيش بليون مـنهم في أربعة وأربعين دولة ذات أغلبية إسلامية، أما الباقون فيعيشون في دول غير إسلامية. ومن هؤلاء الذين يعيشون في دول إسلامية يعيش 28% منهم في بلدان عشرة تعلن دسـاتيرها أن الدولة بها هي دولة إسلامية. وهذه الدول هي أفغانستان والبحرين وبروناي وإيران والمالديف وموريتانيا وعمان وباكستان والعربية السعودية واليمن ( منها خمس دول عربية). وفضـلاً عن ذلك ثمة اثنتا عشر دولة أخرى نصت دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة دون أن ينعكس ذلك على طبيعة النظام السياسي في الدولة. وهذه الدول هي الجزائـر وبـنجلاديش ومصـر والعراق والأردن والكويت وليبيا وماليزيا والمغرب وقطر وتـونس والإمـارات ( أغلبهـا دول عربية). أي أن اثنتين وعشرين دولة يعيش بها ما يقرب مـن 58% مـن مسـلمي الـدول الإسلامية (600 مليون نسمة) ربطت بين الدين والدولة -على نحو ما- في دساتيرها.

وعلى الجانب المقابل ثمة إحدى عشر دولة تعيش بها أغلبيات مسلمة نصت دساتيرها صـراحة على أن الدولة بها هي دولة علمانية. وتضم هذه الدول العلمانية ذات أغلبية السكان المسـلمين قرابة مائة وأربعين مليونًا من السكان. وهذه تشمل بوركينا فاسو وتشاد وغينيا ومالي والنيجر والسنغال وأذربيجان وكيرجستان وطاجيكستان وتركمانيا (لا توجد بين هذه الدول دولة عربية واحدة). وتبقى بعد ذلك إحدى عشر دولة أخرى من بين الدول ذات الأغلبيـة الإسلامية لـم تتضمن دساتيرها أي إشارة إلى الطابع الديني أو الطابع العلماني للدولة، ومن هذه الدول ألبانيا ولبنان وسوريا وجزر القمر وجيبوتي والصومال وغيرها. وتضم هذه المجموعة الأخيرة دولة إندونيسيا التي هي أكبر الدول الإسلامية في العالم حيث تضم 250 مليون مسلم.

المادة الثانية من دستور 1971 والدولة المدنية:

 هذا عن العلاقة بين الدين والدولة في الدول الإسلامية على الساحة العالمية. علـى أنـه، كمـا لاحظ كثير من الباحثين بحق، فإن النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة الرسمي أو أن الشريعة هي مصدر التشريع أو المصدر الرئيسي له، لا يترتب عليه بالضرورة أن تتحول الدولـة من دولة مدنية إلى دولة دينية أو أن يتحول غير المسلمين إلى أقلية دينية منقوصة الحقـوق. فالغالب أن هذه النصوص لا تؤدي إلى إحداث انقلاب في النظام التشريعي، وإنما أدخلـت هـذه النصوص في العديد من دساتير الدول ذات الأغلبية الإسلامية لظروف سياسية ارتبطت بعمليـة الصراع السياسي بين النظم الحاكمة وجماعات الإسلام السياسي.

والأهم من ذلك، أن تمكنت المحكمة الدستورية العليا المصرية في العديد من أقضيتها من إقرار مبادئ حالت بين أن يؤدى النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي المصـدر الرئيسي للتشريع إلى أن تتحول مصر إلى دولة دينية. وأهم هذه المبادئ التي قررتها محكمتنا العليا: أن خطاب هذه المادة موجه إلى المشرع وليس موجهًا إلى القاضي، وبالتالي لا يجـوز للقاضي أن يتجاهل القانون الوضعي، وأن يذهب إلى تطبيق الشريعة مباشرة حتى ولو تراءى له أن نص القانون الوضعي مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن المقصود بالشريعة التي هي مصدر التشريع الأحكام الكلية العامة التي اتفقت عليها مختلف المذاهب الفقهية دون الدخول في تفصيلات اختلافات المذاهب وخاصة تلك المرتبطة بثقافات نسبية تجاوزها العصر، وأن القوانين الصادرة قبل دستور 1971 لا يسري عليها نص المادة الثانية من الدستور من اعتبار الشريعة مصدر التشريع، وأن المقصود بصفة عامة من كون الشريعة مصدرًا رئيسيًا لتشـريع هـو ألا تكون التشريعات متعارضة مع الأحكام الكلية للشريعة دون أن يعني ذلـك اشـتراط أن تكـون التشريعات مستمدة مباشرة من أقوال الفقه القديم، ففي مبدأ المصلحة مجال فسـيح لسـلطة المشرع في الدولة الحديثة.

ولا نعرف تشريعًا واحدًا صدر في مصر بعد دستور 1971 يحتوي على أقل قـدر مـن شـبهة التمييز بين المسلمين وغير المسلمين أو على أن الدولة في مصر قد تحولت إلى دولـة دينيـة يحتل فيها غير المسلمين مرتبة ثانية.

ومع ذلك، وبعيدًا عن دائرة الدستور والتشريع فإن لأقباط مصر مشكلات، وهـى مشـكلات لا ترجع إلى البنية القانونية للمجتمع المصري، ولا ترجع إلى تأثير المادة الثانية من الدسـتور التي لم تحدث كما رأينا انقلابًا في النظام القانوني، وإنما ترجع إلى مناخ ثقافي واجتمـاعي لا دخل للقانون به.

ومع ذلك فثمة حجة يرددها معارضو المادة الثانية من دستور 1971 (ومنهم أقباط المهجر) أنه يجب أن تكون قوانين الدولة وفى مقدمتها الدستور محايدة بـين الأديـان المختلفـة التي يعتنقها مواطنو الدولة عملاً بمبدأ المواطنة؛ لأن الدين الله والوطن للجميع. وأن من شأن الخلط بن القانون والدين أن تصبح الدولة -المفترض فيها أنها ظاهرة قانونية- منحازة لدين علـى حساب دين آخر. وهي في الغالب تكون منحازة لدين الأغلبية على حساب دين الأقليـة، وأن هذا الانحياز من شأنه أن يضرب مبدأ المواطنة في الصميم.

الدين والقانون في مصر:

وإن شئنا الدقة في تفحص العلاقة بين الدين والقانون في مصـر فعلينـا أن نسـلم أن النظـام القانوني لم يكن أبدًا بعد إنشاء المحاكم الأهلية سنة 1883 نظامًا منفصلاً البتة عن مبادئ الدين وقواعده، بل كان ثمة تداخل معترف به بين دائرة القانون ودائرة الدين. يظهـر هـذا علـى أوضح ما يكون في التأثير الذى مارسه الفقه الإسلامي على القانون المدني المصري منذ نشأته الأولى سنة 1883. فقد تأثر القانون المدني الأهلي الذي استمدت أغلب أحكامه من القـانون الفرنسي في بعض جوانبه بالفقه الإسلامي. ثم وضح هذا التأثر واستقام مع صـدور القـانون المدني الجديد عام 1948. حيث استقى التقنين الجديد الكثير من أحكامه من الفقـه الإسـلامي سواء في المبادئ العامة أم في المسائل التفصيلية. فقد أخذ القانون المدني من الفقه الإسلامي نزعته الموضوعية مؤثرًا إياها على النزعة الذاتية التي تميز القوانين اللاتينية، واسـتمد منـه أيضًا نظرية التعسف في استعمال الحق، وتنظيم حوالة الدين، ومبـدأ الحـوادث الطارئـة، والأحكام الخاصة بمجلس العقد، وإيجار الوقف والحكر، وهلاك الزرع في العـين المـؤجرة، وانقضاء الإيجار بموت المستأجر وغير ذلك.

والأهم من ذلك أن التقنين المدني الجديد جعل من الشريعة الإسلامية مصدرًا عامًا للقانون عنـد خلو التشريع والعرف من نص يحكم النزاع ( م1/2). والشريعة كمصدر للقانون – كما ذهـب إلى ذلك السنهوري في الأعمال التحضيرية- لا تتقيد بمذهب معين بل تتمثل في المبادئ الكلية التي يقبلها الضمير القانوني المعاصر والتي تتوافق مع المبادئ العامة في القانون المدني.

العلاقة بين الشريعة الإسلامية والنظام القانوني المصري في هذه الصـياغة لـم تكـن علاقـة أساسها الدين، أي باعتبار الشريعة شريعة دينية تدين بها الأغلبية، ولكـن باعتبارهـا نظامًـا قانونيًا ناضجًا اعترف به مؤتمر القانون المقارن في لاهاي عام 1937 كأحد الـنظم القانونيـة المعاصرة التي تحتوي على صنعة قانونية رفيعة. ولم يكن أمر العلاقة بـين الـدين والدولـة -[من حيث] الربط بينهما [أم] الفصل بينهما- مطروحًا عند اعتبار الشريعة مصـدرًا للقانون في منتصف القرن الماضي، بل كان المطروح هو أمر قوميـة القـانون وضـرورة أن يكون القانون النافذ مستندًا إلى التراث القانوني للأمة، وهو تراث يستند بدوره بالضرورة علـى أحكام الفقه الإسلامي الأكثر ملائمة للضمير القانوني المعاصر، على حد تعبير العميد السـنهوري واضع القانون المدني الجديد.

وأظن أن أمر المادة الثانية من الدستور قد آل من حيث فهمه وتفسيره ورسم ضوابطه إلى مـا استقر عليه فهم الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون المدني، مـن حيـث أن الشـريعة الإسلامية التي هي مصدر التشريع أو القانون ليست مجرد شريعة دينية يدين بهـا المسـلمون، وإنما هي نظام قانون ناضج يعتبر مكونًا جوهريًا في التراث القانوني للأمة بمسلميها ومسيحييها، وأن المقصود بالشريعة في كلا الأمرين هو المبادئ العامة التي يتقبلهـا الضـمير القـانوني المعاصر. ولا شك أن هذا الفهم مختلف تمامًا عن مفهوم الدولة الدينية الذى يروج له الـبعض أو الذى يقاومه ويناهضه البعض الآخر.

المظهر الآخر للعلاقة بن الدين والقانون في النظام القانوني المصري يتمثل في مسائل الأحـوال الشخصية. فالمبدأ العام أن المصريين يخضعون في تنظيم أحوالهم الشخصية لشرائعهم الدينية.

وتتعدد الشرائع الدينية المنظمة للأحوال الشخصية في مصر بتعدد الديانات والمذاهب والطوائف. فالمسلمون تنظم أحوالهم الشخصية مختلف التشريعات الصادرة في هذا الشأن، وفـى حالـة خلو نص في التشريع يطبق أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة. والمسيحيون تطبق شرائعهم المذهبية والطائفية على تعدد مذاهبهم ومللهم وطوائفهم. واليهود تطبق عليهم شرائعهم وهـم ينقسمون إلى قرائين وربانيين.

والجدير بالملاحظة أنه حتى الآن لا توجد تقنينات رسمية للأحوال الشخصية لغير المسـلمين. بل ما زال الأمر متروكا للتقنينات غير الرسمية ولتعليمات وقرارات الآباء الكنسـيين وقـرارات المجامع. وهذا الوضع الخاص بتعدد وعدم ثبوت مصادر القاعدة القانونية في مسائل الأحـوال الشخصية عند غير المسلمين وإلى حد ما عند المسلمين في غيبة نـص تشـريعي لـه آثـاره السلبية على علاقات الأحوال الشخصية في مصر.

فليس بعيدًا عن ذاكرتنا ذلـك الحكـم الـذ أصدرته المحكة العليا في مصر بتطليق أحد المفكرين من زوجته استنادًا إلى أرجح الأقوال مـن مذهب أبى حنيفة. وليس خافيًا ذلك العنت الذى يلاقيه بعض الأزواج المسيحيين لأن شـريعتم ترفض ايقاع الطلاق رغم استحالة العشرة بين الزوجين.

ثم إن نص المادة السادسة من قانون إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس المليـة ( 462 لسـنة 1955) جعل من الشريعة الإسلامية شريعة واجبة التطبيق على غير المسلمين في منازعـات أحوالهم الشخصية في حالة اختلاف الطائفة أو الملة بين الزوجين. وإن كان لا يجـوز إيقـاع الطلاق بين غير المسلمين مختلفي الطائفة أو الملة إلا إذا كان الطرفان يدينان بوقوع الطلاق. هذا النص نظر إليه عدد من رجال القانون الأقباط (المرحوم الدكتور سليمان مرقس) على أنه يمثل تمييزًا بين المسلمين وغيرهم لأنه يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسـلمين حال كونهم لا يدينون بها. والحجة التي تقال لتطبيق الشريعة في هذه الحالة أنها هنا بمثابـة الشريعة العامة للبلاد التي تطبق في حالة اختلاف المتنازعين. وهذا قول مـردود عليـه بـأن شريعة الأقباط الأرثوذكس تمثل شريعة عامة بالنسبة للمسيحيين مختلفي المذهب أو الطائفة، وأن شريعة اليهود الربانيين شريعة عامة بالنسبة لليهود، وبالتالي لا تسـتقيم حجـة كـون الشريعة الإسلامية شريعة عامة إلا في حالة اختلاف الدين بين الزوجين.

وعلى أي حال فقد كانت هذه المادة سببًا لتلاعب المتقاضين من غير المسلمين في مسألة تغيير الدين أو المذهب أو الطائفة توصلاً إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية خاصة تلك التي تجيـز التفريق بين الزوجين.

ولا أجد مبررًا واحدًا لبقاء النظام القانوني للأحوال الشخصية على ما هو عليـه مـن مظـاهر التعدد بل والتشرذم القانوني. فلا المسلمين ينعمون بوجود تقنين موحد لأحـوالهم الشخصـية مثل نظرائهم في أغلب البلدان العربية. ولا غير المسلمين ينعمـون بوجـود تقنـين رسـمي لأحوالهم الشخصية ناهيك عن تقنين موحد لأحكامها.

وعلاج هذه الفوضى القانونية التي تنتج صورًا من الظلم البيِّن معروف للجميع، وإن كان بعضنا أكسل من النهوض بتبعاته: أن يوجد تقنين موحد للأحوال الشخصية للمسلمين وغير المسلمين ينص فيه على الأحكام المتفق عليها بين مختلف الديانات وهى كثيرة، ويفرد لكل دين أو مذهب أو طائفة أحكامها الخاصة إن وجدت. على أن يؤخذ عند صياغة هذا التقنين من أقـوال الفقـه القديم بأكثر الأحكام يسرًا وتوافقًا مع الضمير القانوني المعاصر في وقت يتحدث فيه العالم عـن واجب الدولة في إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة وفي حماية حقوق الطفل.

في مسألة الحصة البرلمانية للأقباط:

وثمة سؤال آخر يرتبط بمسألة العلاقة بين الدستور والدين، وإن شئنا الدقة العلاقة بين الدستور وأتباع كل دين وهو: هل من المناسب أن يقنن الدستور حصة مناسبة للأقباط وفقًا لنسـبتهم لعدد السكان في الوظائف العامة وفى المجالس التمثيلية تشريعية كانت أم محلية؟.

الذين يجيبون على هذا السؤال بالإيجاب يستندون إلى مجموعة من الحجـج. الحجـة الأولـى تتمثل في مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون. فمن حق كل الجماعات الدينية والثقافيـة أن تعامل معاملة مساوية فيما يتعلق بتمثيلها في جهاز الدولة تنفيذيًا كـان أم تشـريعيًا. الحجـة الثانية تنطلق من ضرورة الإقرار بالتعددية الدينية والثقافيـة والاجتماعيـة كأسـاس لتنظـيم المجتمع السياسي الحديث. فلم يعد هذا المجتمع مجتمعًا شموليًا يسيطر فيه أصحاب دين معين أو ثقافة معينة أو عرق معين على جهاز الدولة. بل لا بـد أن تكـون المؤسسـات الرسـمية والشعبية معبرة عن مختلف التنوعات والتغايرات الدينية والثقافية والعرقيـة الموجـودة في المجتمع. الحجة الثالثة تتمثل فيما هو شائع اليوم عن ضـرورة أن يقـوم النظـام السياسي الرسمي وفى مقدمته الدستور باعتباره الوثيقة القانونية الرئيسية بتقديم الدعم الإيجابي للفئـات التي عانت من التهميش في فترات تاريخية معينة بهدف إعانتها على الانخراط في المجتمـع السياسي العام. يتمثل هذا الدعم الإيجابي في تخصـيص حصـص لأعضـاء هـه الجماعـات الاجتماعية سواء في الجهاز الوظيفي بالدولة أم في المجالس النيابية.

ومن الناحية التاريخية خلت كل الوثائق الدستورية المصرية من الأخذ بمبدأ الحصص الدينيـة في المجالس النيابية. وذلك باستثناء ما نصت عليه المادة الثالثة من القانون النظامي المختص بالجمعية التشريعية المصرية من تعيين أربعة أقباط ضمن الأعضاء الخمسة عشـرة المعينـين بالجمعية.

يعتبر الدستور اللبناني في مادته الرابعة والعشرين خير نمـوذج للتقسـيم الطـائفي للمواقـع السياسية. ومع ذلك فالدستور اللبناني ينظر إلى الطائفية السياسية علـى أنهـا إرث تـاريخي بغيض يجب التخلص منه. وعلى ذلك تنص المادة 24 منه إذ تقول ".... وإلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي توزع المقاعد النيابيـة وفقًـا للقواعـد الآتيـة: أ – بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين. ب- نسبيًا بين طوائف كل من الفئتين ج- نسـبيًا بيـن المناطق. كما تنص المادة 95 من ذات الدستور على إلزام مجلس النـواب المنتخـب باتخـاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية.

هذا عن النموذج اللبناني. أما على الجانب المقابل فثمة إحياء للطائفيـة السياسـية تدعمـه الولايات المتحدة الأمريكية ويجري على قدم وساق في العراق. فتوزع المناصب السياسية وفقًا للتمثيل الطائفي مما يقوض مفهوم الدولة القومية في الصميم ويحولها من دولـة تسـعى إلـى تحقيق الصالح العام لكل مواطنيها على قدم المساواة إلى دولة تتكون من عـدد مـن ممثلـي الكيانات الطائفية ويدار الصراع السياسي فيها على أساس طائفي بحت.

والواقع أن فكرة التوزيع الطائفي والديني للمواقع السياسية كانت وما زالـت فكـرة مرفوضـة بحسم من رواد حركة النهضة من أقباط مصر أمثال مكرم عبيد وويصا واصف وغيرهم، ومـا زالت حتى اليوم فكرة مرفوضة ومستهجنة من التيار الوطني الذى تمثلـه الكنيسـة القبطيـة الأرثوذوكسية في مصر. فالعلاقات السياسية في الدولة الحديثة لا تقوم على فكـرة الـولاء والانتماء الديني، وإنما تقوم على أساس من الولاء السياسي الذى يحكمه مبدأ الوحدة والتعدد في نفس الوقت. الوحدة فيما يتعلق بالمفاهيم الكبرى والأسس والدعائم السياسية للوطن: وطـن واحد ترابه مقدس يمتلك فيه الجميع بقدر على أساس من مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو اللغة أو العقيدة أو العرق. والتعدد في الانتماءات والرؤى السياسية التي تصب جميعها في نهر المصلحة العليا للوطن. ودائرة الدين ودائرة السياسة منفصلتان فلا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. الدولة هي مشروع قومي لتحقيق الصالح العام لأعضائه على أساس من التوافق والرضاء المتبادل. والصالح العام الذى تسعى الدولة إلى تحقيقـه هـو صالح يرتفع عن انتماءات الأفراد الدينية والعقيدية والعرقية وغيرها. إنـه صـالح مجمـوع المواطنين الذين ينتمون إلى وطن معين على أساس من حريـة الإرادة ومبـدأ المسـاواة في المغارم والمغانم.

ونحسب أن ارتفاع نبرة الحديث عن التمثيل الديني والطائفي في المجتمعات العربية في الآونـة الأخيرة يرجع إلى ثلاثة عوامل متشابكة ومتفاعلة في نفس الوقت؛

العامـل الأول: أن الخطـاب السياسي العربي قد اختلط في العقود الأخيرة وخاصة بعد فشل وانكسـار المشـروع القـومي العربي بالخطاب الديني. وتزامن ذلك مع تصاعد التيار الإسلامي بمختلف أطيافه. الأمر لـذى استشعر معه غير المسلمين خطرًا يهدد هويتهم الدينية والوطنية من دولة تقـوم مشـروعيتها الحالية أو المستقبلة على أساس مشروعية دينية مغايرة.

العامل الثـاني يتمثـل في غيبـة الديموقراطية على مستوى العالم العربي بما في ذلك حرمان مختلف الجماعات الاجتماعية بمـا فيها الجماعات الدينية والإثنية والثقافية من التعبير عن مشكلاتها بصراحة وبوضـوح.

هـذا القهر العربي تعرض له مسيحيون ومسلمون وعرب وغير عرب على حـد سـواء. فالنظـام السوري السابق هو الذى دهس بدباباته أجساد آلاف المسلمين في حمـاة. والنظـام العراقـي السابق هو الذى أباد آلاف الأكراد بالأسلحة الكيمائية في حلبجة. والأمثلة علـى ذلـك كثيـرة تستعصي على الحصر: من قهر للشيعة في العراق ولبنان، وقهر لغير العلويين في سـوريا، وتمييز ضد البربر في المغرب العربي وأحداث للتعصب والفتنة الطائفية ترتكبها جماعات غيـر رسمية ضد أقباط مصر وانتهاكات رسمية وغير رسمية ضد الجماعـات المهمشـة في دول الخليج إلى آخر ذلك. فعندما تغيب الديموقراطية والعقلانية والتسامح فإن الجميع يدفع ثمن هذا الغياب. وإنما تأتي في المقدمة الجماعات الاجتماعية والدينية المتميزة عن الأغلبية.

العامـل الثالث هو التشجيع الأمريكي والغربي لأن يكون التمييز الطائفي والديني في الـبلاد العربيـة ذا إفصاح سياسي عنه. أي التعامل مع قضية التمييز في العالم العربي بمنطق "وداونـي بـالتي كانت هي الداء". ورغم أننا لا نعرف أن الدستور الأمريكـي يخصـص لمسـلمي أمريكـا أو للأمريكيين ذوي الأصول الإسبانية أو الأفريقية (وهم بالملايين) مقاعد في البرلمان، كما أننا لا نعرف أن الوولش والسكوتش لهم بهذه الصفة العرقية وحدها مقاعد في مجلـس العمـوم البريطاني، فإن الرؤية الغربية للديموقراطية في المنطقة العربية تستند إلى اعتمـاد الطائفيـة أساسًا لها.

ومع التسليم بوجود مشكلات للتمييز يتعرض لها أقباط مصر فإن السؤال المهم هو: هـل نعالج التمييز بتكريس الطائفية على المستوى القانوني والسياسي أم بانخراط الجميع في برامج سياسية متعددة تقوم على أساس أن الدين الله والوطن للجميع وعلى أساس من مبدأ المسـاواة أمام القانون؟.

قُدمت هذه الدراسة إلى كلية الشريعة والقانون- جامعة أم درمان الإسلامية العالمية بالسودان، للحصول على درجة الدكتوراه، عام 2011م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور حسن محمد الأمين، ونُشرت على موقع "المنظومة".

 جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

لقد اهتم الفقه الإسلامي بحماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة منذ فجر بزوغه، قال تعالى: ]وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تعتدوا إنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ (سورة البقرة الآية: 190)، وقال الله تعالى: ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج الآية: 40).

والفقه الإسلامي أسس علاقات المسلمين بغيرهم علي المسالمة والأمان، فهو لا يجيز قتل النفس لمجرد إنها تدين بغير الإسلام، ولا يبيح للمسلمين قتل مخالفيهم في الدين لمخالفتهم لهم في عقيدتهم، بل يأمر أتباعه بمعاملة مخالفيهم بالحسنى والعدل، قال تعالى: ]لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الَّذِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم من دِيَارِكُمْ أن تبروهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(سورة الممتحنة الآية: 8).

وقال تعالى: ]فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلقَواْ إِلَيكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ (سورة النساء الآية: 90).

إن المصطفى صلى الله عليه وسلم نهى عن قطع الأشجار والزروع وذبح الأغنام والأبقار لغير الأكل أثناء النزاع المسلح دون إسراف أو تبذير، وحذر صلى الله عليه وسلم من تخريب العامر، والغدر، والتمثيل، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (أُغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا... الخ)[1] ، وكل تلك الضوابط والقواعد والأسس الإسلامية التي ورد ذكرها أعلاه نجدها ملخصة في وصية سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان حيث قال له إني موصيك بعشر خلال: (لا تقتل امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطع شجرًا مثمرًا ولا تخرب عامرًا ...الخ)[2] ، في حين أن المجتمع الدولي لم يضع اتفاقية دولية في هذا الإطار إلا في عام 1864م في مدينة جنيف السويسرية التي نظمت فيها بعض المسائل الخاصة بالمصابين والمرضى والجرحى وسيارات الإسعاف والمستشفيات والعاملين بها أثناء العمليات العسكرية ثم أعقب تلك الاتفاقية عدة اتفاقيات دولية أخرى ذات صلة بحماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح وهي:

  1. اتفاقية جنيف للعام 1906م.
  2. اتفاقية جنيف للعام 1929م.
  3. اتفاقية جنيف للعام 1949م.

ولما كانت الاتفاقيات والمواثيق الدولية المذكورة أعلاه تعرضت للانتهاك وعدم الاحترام من جانب بعض الدول والأفراد، فإن توقيع الجزاء علي المخالفين هو أكبر الضمانات القانونية التي تجبر الدول والأفراد علي حد سواء على احترام قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني؛ لأن هذه العقوبات تمثل في الواقع نوعًا من الحماية الجنائية والمدنية للأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح. بالتالي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية الدائمة بلاهاي (هولندا) في عام 1998م تحقيقًا لتلك الغاية.

أهمية الموضوع:

تتمثل أهمية الموضوع في الآتي:

  1. حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح تعتبر مشكلة قومية وإقليمية ودولية، بالتالي أصبحت قضية تؤرق المجتمع المحلي والإقليمي والدولي على حد سواء.
  2. قواعد القانون الدولي الإنساني لها أهمية كبيرة في حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة لذلك لابد من تناول هذا الموضوع بالدراسة في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني بصورة علمية حتى تعم الفائدة.

 

أسباب اختيار الموضوع:

  1. عدم توفر البحوث العلمية والدراسات حول حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة، دولية كانت أم غير دولية، في المكتبة السودانية.
  2. إجراء المقارنة بين قواعد الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني.

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:

  1. المساهمة في ابتداع أسلوب علمي في معالجة القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع المحلي والإقليمي والدولي.
  2. إثراء المكتبة السودانية التي تفتقر إلى كثير من البحوث والدراسات في مجال حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة دولية كانت أم غير دولية؛ لأن العلم هو الحل الوحيد لكل القضايا والأزمات البشرية محليًا، إقليميًا ودوليًا.
  3. تحديد الآثار السالبة للنزاع المسلح علي المستوي المحلي والإقليمي والدولي.
  4. توضيح رأي الفقه في الجوانب التي يعالجها القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة المعاصرة.
  5. مساعدة طلاب العلم للربط بين العلوم الشرعية والعلوم الوضعية.
  6. تقديم بعض التوصيات والمقترحات التي من شأنها أن تساعد في كيفية حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

منهج البحث:

يستخدم الباحث في إعداد هذه الرسالة ثلاثة مناهج علمية هي:

  1. المنهج الاستقرائي.
  2. المنهج الوصفي التاريخي.
  3. المنهج التحليلي المقارن.

فروض البحث:

الفرض يقصد به: تخمين يصوغه ويتبناه الباحث مؤقتًا لشرح بعض ما يلاحظه، ومن فروض هذا البحث الآتي:

  1. يقرر الفقه الإسلامي حماية الأفراد والأعيان المدنية، أثناء النزاع المسلح منذ القرن السادس الميلادي.
  2. تهدف قواعد القانون الدولي الإنساني إلى حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح.
  3. النزاع المسلح وآثاره أمر ضارب في القدم، ولقد اختلفت الحقب التاريخية في كيفية معالجته حتى الآن.
  4. النزاع المسلح له آثار سالبة على الأفراد والأعيان المدنية في المستوي المحلي والإقليمي والدولي.
  5. هنالك معالجات شاملة لحماية الأفراد والأعيان المدنية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني تغطي كافة جزئياتها.
  6. إن من أكثر المشاكل التي تواجه المجتمع الدولي في العالم المعاصر هي كثرة النزاعات المسلحة بالرغم من تحريم ذلك في ميثاق الأمم المتحدة.
  7. إن دراسة حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح تستلزم التعرض للجرائم ذات الطبيعة الخطيرة التي يتعرض لها الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح.
  8. يسعي الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني إلى التوفيق والتوازن بين اعتبارين أساسيين أثناء النزاع المسلح هما: الضرورات الحربية والضرورات الإنسانية.

خطة البحث:

يتكون هذا البحث من مقدمة وستة فصول وخاتمة وفهارس علي النحو التالي:

  • الفصل الأول: المفهوم والتطور التاريخي لقواعد القانون الدولي الإنساني في اللغة، اصطلاح القانونيين، الفقه الإسلامي، العصور القديمة والعصر الحديث.
  • الفصل الثاني: مفهوم حماية الأعيان المدنية في اللغة، الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني.
  • الفصل الثالث: قواعد حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح في الفقه الإسلامي.
  • الفصل الرابع: قواعد حماية الأفراد والأعيان المدنية أثناء النزاع المسلح في القانون الدولي الإنساني.
  • الفصل الخامس: التطور التاريخي للقضاء الدولي الجنائي (1919م- 1998م).
  • الفصل السادس: الجرائم التي تختص بنظرها المحكمة الجنائية الدولية الدائمة بلاهاي (هولندا)
  • الخاتمة: في النتائج والتوصيات.
  • الفهارس

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 


[1] رواه مسلم في صحيحه بشرح النووي، باب تأمير الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، حديث رقم (1731)، 12/32.

[2] رواه مالك في الموطأ عنه، في كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل والولدان في الغزو، وهو حديث مرسل، 2/358.

توفي يوم الأحد الماضي (الموافق 12 نوفمبر 2023م) أحد أعلام القانون المدني في مصر والعالم العربي، وهو الأستاذ الدكتور محمد شكري سرور أستاذ ورئيس قسم القانون المدني والوكيل الأسبق بكلية الحقوق- جامعة القاهرة.

ويشهد كل من تتلمذ على يد أستاذنا الدكتور محمد شكري سرور أنه كان متمكنًا ومتبحرًا في القانون الخاص، وكان أحد الأعلام الأكفاء في القانون المدني بصفة خاصة، ولذلك تراكمت خبراته وإسهاماته العلمية والعملية في هذا المجال، ومن تلك الخبرات والإسهامات، أنه:

  • إلى جانب التدريس بجامعته الأصلية (القاهرة) حاضر (كأستاذ زائر، أو معار) بجامعات: الإمارات العربية المتحدة، جامعة الكويت، جامعة عدن، جامعة الجزائر، فرع جامعة القاهرة بالخرطوم بالسودان، وبكلية القانون الكويتية العالمية، وبالجامعة الامريكية بالقاهرة، وبمعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة (التابع لجامعة الدول العربية).
  • أشرف على عدد كبير من الرسائل العلمية.
  • عمل مستشارًا قانونيًا بالعديد من الهيئات والمؤسسات العامة، مثل: الهيئة العامة للطرق والكباري، ومعهد تيودور بلهارس للأبحاث العلمية، كما عمل خبيرًا قانونيًا بلجنة الإسكان بمجلس الشعب (مجلس النواب)، وعضوا بالمكتب القانوني لرئيس جامعة القاهرة للتحقيقات.
  • كان هو العضو (القانوني) الفاعل، في وضع مشروع التأمين الصحي الشامل بقرار وزير الصحة والإسكان، رقم 264 لسنة 2006، ومشروع قانون البناء الموحد، ومشروع صندوق ضمان حوادث الطرق.
  • كان أمين اللجنة الدائمة لترقيات الأساتذة (لبعض الدورات).
  • وكان مقيّم أعمال لجنة التأليف والتعريب والنشر، بمجلس النشر العلمي بجامعة الكويت .
  • والمقيم الأجنبي (العربي) لبرنامج الماجستير بكلية الحقوق جامعة الكويت.
  • وعضو هيئة تحرير بعض المجلات القانونية العربية، مثل: (مجلة "القانون والاقتصاد" بحقوق القاهرة، مجلة "الحقوق" بحقوق الكويت، مجلة "الحقوق" بكلية الحقوق جامعة العلوم التطبيقية بالبحرين، مجلة "مساواة" التي تصدر عن المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء).
  • وعضو (رئيس لجنة) ترشيح عميد كلية الحقوق (الجديد) من بين المتقدمين للترشيح للمنصب، بقرار وزير التعليم العالي رئيس المجلس الأعلى للجامعات رقم 684 لسنة 2017م.
  • ومحامى بالنقض، والإدارية العليا، والدستورية العليا.
  • ومحكم دولي معتمد بقوائم المحكمين الدوليين لدى وزارة العدل المصرية، وبمركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي.

 كما حصل رحمه الله على العديد من الجوائز، مثل:

  • جائزة الدولة في القانون المدني التي تمنح من المجلس الأعلى للثقافة.
  • نوط الامتياز من الطبقة الأولى الممنوح من رئيس الجمهورية.
  • وكرم من قبل رؤساء جمهورية مصر العربية بدءًا من الزعيم جمال عبد الناصر (كأول الشهادة المتوسطة على مستوى القطر)، مرورا بالرئيس محمد أنور السادات، انتهاءً بالرئيس السابق محمد حسنى مبارك.

ولأستاذنا الدكتور محمد شكري سرور رحمه الله العديد من المؤلفات القيمة التي لا تكاد أية مكتبة قانونية أن تخلو منها، ومن هذه الكتب:

  • النظرية العامة للحق، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • النظرية العامة للقانون، دار النهضة العربية، القاهرة.
  • سقوط الحق في الضمان، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • محاولة لتأصيل أحكام الكفالة العينية، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • مسئولية المنتج عن الاضرار التي تسببها منتجاته الصناعية الخطرة، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • مسئولية مهندسي ومقاولي البناء للمنشآت دراسة مقارنة في القانون المدني، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • مشكلة تعويض الضرر الذي يسببه شخص غير محدد من بين مجموعة محددة من الاشخاص، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • موجز أحكام الإثبات في المواد المدنية في القانون المصري، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • موجز أحكام الالتزام في المواد المدنية والتجارية، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • موجز تنظيم حق الملكية في القانون المدني الكويتي، مجلس النشر العلمي، لجنة التأليف والتعريب والنشر.
  • نظام الزواج في الشرائع اليهودية والمسيحية، دار الفكر العربي، القاهرة.

رحم الله ذلك العالم الجليل أ. د. محمد شكري سرور، ونفع بعلمه وجعله في ميزان حسناته، وشفيعًا له يوم القيامة.

 


المصادر:

  • الأكاديمية الدولية للوساطة والتحكيم: البروفيسور الدكتور محمد شكري سرور، https://2u.pw/JoJWFnu
  • دار المقتبس: مطبوعات الدكتور محمد شكري سرور، https://2u.pw/U4f0Xpu.

يختلف تصنيف نشاط منظمة ما أو حزب أو جماعة من دولة لأخرى ومن نظام سياسي لآخر وفقا لما تقتضيه مصلحة هذه الدولة أو ذاك النظام السياسي، ولكن في حقيقة الأمر هناك مجموعة من المعايير الدولية التي تحدد بشكل واضح إن كانت هذه المجموعة إرهابية أم لا، وفقا لما ينص عليه القانون الدولي.

من حيث المبدأ فإن القانون الدولي يدعم الشعوب ويدافع عنها للحصول على تقرير مصيرها، إن كان بوسائل سلمية أم غير سلمية، الحل الأول هو الأفضل بكل الأحوال ولكن في حال وجود معتدٍ أو محتل فإن القانون الدولي يتيح لأبناء الشعب المعتدى عليه استخدام الوسائل غير السلمية، بما فيها القوة المسلحة، حتى نيل كافة الحقوق والاستقلال.

ووفقًا لما ذكرناه نجد أن للشعب الفلسطيني الحق المطلق في تقرير مصيره واستخدام كافة الوسائل السلمية وغير السلمية لانتزاع هذا الحق، خاصة أن الاحتلال الاسرائيلي لا يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني ويرفض جميع الحلول السلمية أو حتى التفاوض مع ممثلي الشعب الفلسطيني. وتكمن المشكلة الأكبر في طريق تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية، فهذا المجتمع الذي عانت دوله ما عانته من حروب واحتلال يدعم القضية الفلسطينية ويعترف بحقوق الشعب الفلسطيني من جهة ويدين عمليات حركات المقاومة الشعبية الفلسطينية المسلحة من جهة أخرى، وهنا يأتي السؤال التالي: على أي أساس يتم تصنيف حركات المقاومة واعتبارها إرهابية أو لا؟ وهل يشرع القانون الدولي العام استخدام القوة المسلحة في وجه المعتدي على الأرض والشعب؟!

أولًا: يتم اعتبار مجموعة ما على أنها مقاومة شعبية إذا كان النشاط الذي تقوم به منشأه الشعب نفسه وأن يكون الدافع الأساسي لهذا الحراك هو دافع وطني، وأن يكون موجهًا ضد قوى أجنبية أو نظم عنصرية أو استعمارية، وهذا الأمر ينطبق على جميع فصائل المقاومة الفلسطينية.

ثانيًا: تحظر المواثيق والعهود الدولية ومبادئ القانون الدولي الحروب العدوانية وتنص على معاقبة مرتكبيها وملاحقتهم مهما طال الزمن وهكذا يحرم الميثاق الحروب العدوانية ولا يعترف بشرعية الاحتلال، هذا الكلام ينطبق بحذافيره على الاحتلال الإسرائيلي الذي يصادر حقوق الشعب الفلسطيني ويعتدي عليه في كل يوم أمام مرأى المجتمع الدولي دون أن يهتز له جفن.

ثالثًا: كما ذكرنا سابقًا فإن القانون الدولي يعتبر المقاومة بكافة أشكالها حقًا مشروعًا للشعب الواقع تحت الاحتلال، وأن سلاحها يحظى بشرعية قانونية ولا يمكن نزعه، على عكس ما يدّعيه كيان الاحتلال الذي يحاول جاهدا تجريم سلاح المقاومة ودفع المجتمع الدولي بكل الوسائل المتاحة لوضع حركات المقاومة الفلسطينية على قوائم الإرهاب، ويساعدها في هذا الأمر الولايات المتحدة الداعم الأساسي للكيان الإسرائيلي.

رابعًا: يمارس الكيان الإسرائيلي "إرهاب الدولة" بحق الشعب الفلسطيني وهذا الأمر يحظره القانون الدولي، وينص القانون الدولي على تجريم الإرهاب ويعترف بشرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. وميزت الأمم المتحدة بين الأعمال الإرهابية والنضال العادل للشعوب الذي تخوضه حركات المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية. وذلك في القرار الذي اتخذته في كانون الأول عام 1972. واتخذت المنظمة الدولية في كانون الأول العام 1974 القرار رقم 3214 حول تعريف العدوان، وأجاز التعريف حق الشعوب في النضال بجميع الأشكال بما فيها الكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، وبالتالي تكون الأمم المتحدة قد ميزت بين المقاومة والإرهاب. وأجازت مقاومة الشعوب للاحتلال أي أجازت المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

خامسًا: ظهور حركات المقاومة في جميع أرجاء العالم هو الرد الشرعي القانوني والوطني والقومي والديني والإنساني على أي محتل، والقاسم المشترك بين حركات المقاومة الأوروبية وحركات المقاومة العربية هو الاحتلال، والاحتلال هو ذروة الإرهاب. وتستند شرعية المقاومة الفلسطينية إلى عدم شرعية الكيان الإسرائيلي المغتصب للأرض والحقوق والمياه وإلى عدم شرعية الحروب العدوانية والتغييرات الجغرافية والديمغرافية التي نفذها في فلسطين والجولان خلافًا لقرارات الشرعية الدولية.

سادسًا: يقوم كيان الاحتلال باتهام حركات التحرر العربي وحركات المقاومة ونعتها بالإرهاب كما فعلت مع حزب الله وحماس وغيرها من حركات المقاومة العربية في محاولة لتخليد الاحتلال واغتصاب الأرض والحقوق والمقدسات العربية وتهويدها وتبرير الهولوكوست الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وكسر إرادة الشعبين الفلسطيني واللبناني، وساعد في هذا الأمر الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، والجميع يعلم كيف تتبع هذه الدول سياسة ازدواجية المعايير وفقا لمصالحها الشخصية.

في الختام، من يمارس "إرهاب الدولة" و"الارهاب الفردي" هو كيان الاحتلال، وهذا الكيان هو الوحيد الذي يجب أن تتم إدانته في جميع المحافل الدولية، وظهور حركات المقاومة في منطقتنا ما هو إلا رد فعل طبيعي على ممارسات الكيان الاسرائيلي بحق شعوب المنطقة، وما تفعله حركات المقاومة لا يتناقض بأي شكل من الأشكال مع قواعد القانون الدولي ومبادئ وأهداف الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية.

______________

جدلية المقاومة والإرهاب؛ والفرق بينهما وفق القانون الدولي، موقع الوقت، 14 سبتمبر 2017، https://2u.pw/4P6uKCJ.

وجدت منظمة العفو الدولية أدلة دامغة على أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب وانتهكت القانون الدولي الإنساني في حربها على قطاع غزة، وذلك في تقرير نشرته المنظمة وثّق هجمات إسرائيلية عشوائية غير قانونية على القطاع.

وقالت المنظمة إن إسرائيل لم تتخذ الاحتياطات الممكنة لتجنب قتل المدنيين في غزة، ولم تميّز بين الأهداف العسكرية والمدنيّة، ونفذت هجمات موجهة إلى أهداف مدنية، مما أدى إلى خسائر كبيرة بين المدنيين ومقتل عائلات بأكملها.

وأضافت المنظمة أن إسرائيل استهترت بشكل صادم بأرواح المدنيين، ودمرت البنية التحتية في القطاع، مؤكدة أنها لم تجد أدلة على ادعاء الجيش الإسرائيلي أنه يهاجم أهدافًا عسكرية فحسب.

وشددت منظمة العفو الدولية على أن إسرائيل مارست نظام فصل عنصريا ضد الفلسطينيين، وفرضت عقابًا جماعيًا وحصارًا غير قانوني على قطاع غزة، حوّله إلى أكبر سجن مفتوح في العالم.

ووصلت المنظمة إلى نتائجها عبر تحليل صور الأقمار الصناعية، والتحقق من صور ومقاطع الفيديو، والتحدث إلى شهود عيان للتحقيق في عمليات القصف على غزة التي بدأتها القوات الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية.

وطالبت المنظمة إسرائيل بالوقف الفوري لهجماتها غير القانونية والالتزام بالقانون الدولي، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع الذي يعاني من انهيار القطاع الصحي وانقطاع الكهرباء ونفاد الأغذية.

وحثّت المنظمة المجتمع الدولي وحلفاء إسرائيل، بمن فيهم أميركا والمملكة المتحدة، على اتخاذ التدابير الضرورية لحماية المدنيين في غزة من الهجمات غير القانونية، والامتناع عن تزويد إسرائيل بالأسلحة والمواد العسكرية.

كما طالبت المنظمة حلفاء إسرائيل بالامتناع عن إدلاء بتصريحات من شأنها إضفاء الشرعية على الانتهاكات الإسرائيلية، والضغط على إسرائيل لرفع حصارها غير القانوني المفروض منذ 16 عاما على القطاع.

وأوضحت منظمة العفو الدولية أنها لا تزال تحقق في عشرات الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة.

_________________

المصدر: العفو الدولية: إسرائيل انتهكت القانون الدولي وارتكبت جرائم حرب بغزة، الجزيرة نت، 20 أكتوبر 2023، https://2u.pw/nZLrECX.

خلُص التقرير الأوّل الصادر في 20 أكتوبر لسنة 2022؛ أمام الجمعية العامة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلّة التابعة للأمم المتحدّة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلّة، بما في ذلك القدس الشرقية، وإسرائيل (المشار إليها فيما يلي بـ"لجنة التحقيق")، إلى وجود أسباب معقولة تدعو للاستنتاج أن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية بات غير قانونيًا بموجب القانون الدولي نظرًا لاستمراره وسياسات الحكومة الإسرائيلية للضم بحكم الأمر الواقع.

وتدعو لجنة التحقيق المؤلّفة من ثلاثة أعضاء الجمعية العامة إلى إحالة طلبٍ عاجل إلى محكمة العدل الدولية لتقديم فتوى بشأن الآثار القانونية الناشئة عن استمرار إسرائيل برفضها لإنهاء احتلالها للأرض الفلسطينية المحتلّة، مشيرةً إلى انه بموجب القانون الدولي الإنساني، احتلال أرضٍ ما خلال الحرب هو وضع مؤقّت ولا يحرم السلطة الواقعة تحت الاحتلال من وضعها كدولة أو من سيادتها.

وصرّحت السيّدة نافي بيلاي، رئيسة لجنة التحقيق، قائلةً إن "التصريحات الأخيرة من قبل الأمين العام وعدد من الدول الأعضاء أوضحت أن أي محاولة لضم أراضي دولةٍ ما بشكلٍ أحادي الجانب من قبل دولة اخرى يعدّ انتهاكًا للقانون الدولي ويعتبر باطلًا ولاغٍ. والأسبوع الماضي، صوّتت 143 دولة عضو، بما في ذلك إسرائيل، دعمًا لقرار الجمعية العامة الذي يؤكّد على ذلك". وأضافت "إذا لم يطبّق هذا المبدأ الأساسي من ميثاق الأمم المتحدّة بشكل عالمي، بما في ذلك على الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلّة، سيصبح لا معنى له".

وللوصول إلى نتائجها، نظرت لجنة التحقيق في سياسات وإجراءات الحكومة الإسرائيلية للإبقاء على الاحتلال وضمّ أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلّة. استند استعراض لجنة التحقيق إلى المقابلات مع الخبراء وأصحاب المصلحة والمعلومات التي حصلت عليها عقب الدعوة لتقديم المعلومات والإفادات الخطيّة التي أطلقتها في 22 أيلول/سبتمبر 2021.

يركّز التقرير المؤلّف من 28 صفحة على تعزيز المشروع الاستيطاني وتوسّعه، بما في ذلك البيانات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون يشيرون فيها إلى النيّة على استمرار السيطرة الدائمة على الأرض، بما ينتهك القانون الدولي. واستنتجت لجنة التحقيق أنه تقع على إسرائيل، إثر استمرارها باحتلال الأرض بمفعول القوّة، مسؤوليّات دولية ولا تزال مسؤولة عن انتهاك حقوق الفلسطينيين فرادةً وجماعةً.

وأردفت السيّدة بيلاي قائلةً "نتيجة تجاهل القانون الدولي في إنشاء المستوطنات أو تسهيل إنشائها، ونقل المدنيين الإسرائيليين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر إلى هذه المستوطنات، مهّدت الحكومات الإسرائيلية المتتالية لوقائع على الأرض لضمان السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفّة الغربية".

وبغية إعداد هذا التقرير، راجعت لجنة التحقيق تدابير إسرائيل لمصادرة الأراضي والموارد الطبيعية واستغلالها، وسياسات إسرائيل التقييدية للتخطيط الحضري وتقسيم الأراضي في الضفّة الغربية. وتشير إلى أن غالبًا ما تتم مصادرة الأراضي لأغراضٍ عسكرية وبعدها تستخدم لبناء المستوطنات. ونظرت لجنة التحقيق في تصريحات أدلى بها مسؤولون إسرائيليون يشيرون بها إلى أن الأبنية الفلسطينية تشكّل عائقًا أمام المستوطنات الإسرائيلية وتتطلّب اتخاذ إجراءات كالمصادرة والهدم والتهجير. ولاحظت لجنة التحقيق أيضًا عمليات مماثلة في القدس الشرقية حيث ساهمت أنظمة التخطيط وتقسيم الأراضي التقييدية، التي أعاقت السكن اللائق والبنى التحتية وسبل العيش، في تقليص الحيّز المخصص للفلسطينيين.

بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية التي أدّت إلى آثارٍ خطيرة ومتعددة الأوجه على كل جوانب حياة الفلسطينيين، بما في ذلك الوصول إلى المياه النظيفة وبأسعارٍ ميسورة، ما أثّر بدوره على القطاع الزراعي الفلسطيني بأكمله وحدّ من فرص سبل العيش مرخية بظلّها على النساء أكثر من غيرهنّ.

وصرّح عضو لجنة التحقيق، السيّد كوثاري قائلًا "يظهر (الضرر الكامن) والصدمة النفسية بقوّة، وقد لا يبدو الأمر واضحًا على الفور، نتيجة الانتقاص من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. تؤدّي هذه العمليات المنهكة إلى آثارٍ جسيمة قصيرة وطويلة الأمد ويجب معالجتها على وجه السرعة".

وخصّصت لجنة التحقيق قسمًا كبيرًا من تقريرها لمراجعة تأثير سياسات الاحتلال الإسرائيلي والضم بحكم الأمر الواقع على حقوق الفلسطينيين، منوّهةً بالبيئة القسرية الرامية إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة منازلهم وتغيير التركيبة الديموغرافية لبعض المناطق. ولهذا الغرض، نظرت لجنة التحقيق في هدم المنازل وتدمير الممتلكات والاستخدام المفرط للقوّة من قبل قوى الأمن والاعتقالات الجماعية والعنف من قبل المستوطنين والقيود على الحركة والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرزاق والخدمات والضرورات الأساسية والمساعدة الإنسانية.

وشدّدت لجنة التحقيق على أن استمرار البيئة القسرية هذه شتّت المجتمع الفلسطيني وضمن عدم قدرة الفلسطينيين على ممارسة حقّهم بتقرير المصير، من جُملة حقوقٍ أخرى. ولحظت لجنة التحقيق أيضًا الآثار الجسيمة للحصار المفروض على قطاع غزّة جوًا وبرًّا وبحرًا على حقوق إنسان الفلسطينيين.

ويظهر التقرير التأثير الضار على الأطفال خصوصًا الذين يشهدون على الوجود العسكري المستمر والاعتقال والاحتجاز والهجمات المتكرّرة وأعمال العنف والقيود على الحركة وهدم المنازل وتدمير البنى التحتية والممتلكات. وشدّدت لجنة التحقيق على أن الآثار التراكمية لممارسات الاحتلال، بما في ذلك القيود على الحركة، كان لها تأثير تمييزي واسع النطاق على الفلسطينيات، مشيرةً إلى أنّهن يخضعن للعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال حياتهن اليومية.

واستنتج التقرير أن بعض سياسات وإجراءات الحكومة الإسرائيلية المفضية إلى استمرار الاحتلال والضم بحكم الأمر الواقع قد تشكّل عناصر من جرائم بموجب القانون الجنائي الدولي، بما في ذلك جريمة الحرب المتمثّلة بنقل، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزء من سكّانها المدنيين إلى أراضٍ تحتلّها، والجريمة ضد الإنسانية المتمثّلة بالترحيل أو النقل القسري.

وصرّح عضو لجنة التحقيق، السيّد كريس سيدوتي قائلًا "إن إجراءات الحكومة الإسرائيلية التي نظرنا بها في تقريرنا تشكّل منظومة احتلال وضم غير شرعية ويجب معالجتها". وأضاف "على النظام الدولي والدول أن تتحرّك وتفي بالتزاماتها بموجب القانون الدولي. ويجب أن يبدأ ذلك بالدورة الحالية للجمعية العامة وإحالة الوضع إلى محكمة العدل الدولية".

___________________
لجنة تحقيق أممية تستنتج أن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني بموجب القانون الدولي، المفوضية السامية لحقوق الاسان بالأمم المتحدة، 20 أكتوبر 2022، https://2u.pw/fWnful.