إدوارد لامبير (22 مايو 1866-25 أكتوبر 1947) فقيه وقانوني فرنسي، وهو أحد رواد القانون المقارن في النصف الأول من القرن العشرين.
نال لامبير درجة الدكتوراه في القانون من باريس عام 1893، وبدأ مساره الأكاديمي في جامعة ليون التي ارتبط بها على نحو وثيق عام 1896، وبعدها سافر إلى مصر حيث شغل منصب عميد مدرسة الحقوق الخديوية في الفترة من (أكتوبر 1906 حتى يونيو 1907) ويعود السبب في رحيله إلى نشوب خلاف بينه وبين بعض البريطانيين، وقد تبعه جمهرة من الدارسين المصريين الذين أسس من أجلهم الشعبة الشرقية بعد أشهر قلائل من مغادرته القاهرة وتحديدا في نوفمبر عام 1907، وذلك قبل تأسيس معهد ليون للقانون المقارن عام 1921.
الشعبة الشرقية للدراسات القانونية والاجتماعية
كان الغرض من إنشاء الشعبة الشرقية كما صرح لامبير -في محاضرة له بالقاهرة عام 1937- "توجيه أعضائها في محاولة الملائمة بين حاجات بلادهم الخاصة وبين المعارف القانونية والاجتماعية التي يحصلونها في أوروبا، وتمكينهم من إتمام الدراسات النظرية في القانون والعلوم الاجتماعية بمشاهدة أسباب الحضارة الفرنسية وهي تباشر وظيفتها"[1].
ومن خلال هذه الشعبة التي ضمت نخبة متميزة من الطلاب القانونيين أمثال: عبد الرزاق السنهوري وعبد السلام ذهني ومحمد فهمي صادق ومحمود فتحي وغيرهم، وجه لامبير جهوده والكثير من طاقته من أجل القيام بالإشراف على رسائل هؤلاء الشبان، حتى إنه توقف تماما عن التصنيف خلال الفترة من عام (1907-1914م) لصالح الاشتغال بإصدار أعمال الدارسين الشبان.
كان تأثير لامبير في هؤلاء الدارسين كبيرا ومن خلالهم جاء التأثير الأكبر له في الفكر القانوني المصري، فقد اشتغل رفقة السنهوري في مراجعة القانون المدني المصري، كما كان وراء فكرة تضمين الشريعة في مؤتمر لاهاي للقانون المقارن عام 1932 وتعيين السنهوري عضوا به[2].
اعتقد لامبير أن الشريعة الإسلامية يمكن تضمينها داخل قانون عالمي أوسع، لن تكون فيه معايير الشريعة بالضرورة هي صاحبة المركز الأول في التأثير، لكنها ستكون في مركز متساو مع الأنظمة القانونية الأخرى، التي يمكنها الاستفادة من بعض المميزات التي تتمتع بها الشريعة.
إسهاماته على صعيد القانون المقارن
وبينما ارتبط اسم لامبير في الشرق بمحاولاته لتضمين الشريعة ضمن القانون العالمي ارتبط اسمه في الغرب بتطوير القانون المقارن ويتمثل ذلك في:
- استبدال المنهج التقليدي لـ "القانون التشريعي المقارن" بمنهج قادر على تفسير دور القانون في المجتمع، وهو ما صاغه في إطار "القضاء المقارن" (أو السوابق القضائية المقارنة).
- وتحويل دراسة القانون إلى علم اجتماعي، حيث اختار بعض مساعديه من ذوي الخلفية السوسيولوجية وخصوصا مدرسة إيميل دوركهايم، وفي هذا السياق صك مصطلح " المفهوم العضوي للقانون" الذي يعني أن القانون كائن حي يرتبط بالبيئة الاجتماعية ويعبر عنها وليس مجرد نصوص جامدة [3].
مصنفاته
وضع لامبير عددًا من المصنفات القانونية منها: "الاشتراط لمصلحة الغير في القانون الروماني والقانون الفرنسي"، وهو أطروحته للدكتوراه، وتعد من الأعمال التأسيسية التي بحثت في جذور العقود والالتزامات، وقد انعكس هذا الاهتمام لاحقا في إسهاماته في صياغة القوانين المدنية المختلفة، ومنها "دراسة القانون العام التشريعي: وظيفة القانون المدني المقارن" الصادر عام 1903، وهو أضخم أعماله -يربو على 900 صفحة-، بسط خلاله رؤيته حول دور القانون المقارن كأداة لاكتشاف "القانون الحي" والقواعد المشتركة بين الأمم. ومنها "حكومة القضاة والنضال ضد التشريع الاجتماعي في الولايات المتحدة" الصادر عام 1921، وصك خلاله مفهوم "حكومة القضاة" منتقدا تغول السلطة القضائية على الإرادة الشعبية. ويضاف إلى ذلك إشرافه على ترجمة القوانين السوفيتية (القانون المدني، قانون العمل، الأسرة).
وله كذلك كتابات أخرى متعلقة بمصر والشريعة ومنها تقرير حول مدرسة الحقوق الخديوية كتبه إبان إدارته للمدرسة في القاهرة (1906-1907)، وتناول فيه رؤيته لتطوير التعليم القانوني في مصر وحماية الشريعة الإسلامية من طغيان الأنظمة القانونية الوافدة. وكتاب "الشعبة الشرقية للدراسات القانونية والاجتماعية"، الصادر عام 1910، وهو يستعرض أهداف الشعبة ومناهجها، وقد أشار إليه في محاضرته لطلبة كلية الحقوق بالقاهرة عام 1937.
[1] انظر نص محاضرة لامبير في: محمد إبراهيم طاجن، أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، مركز نهوض للدراسات والنشر، 2020، ص 609.
[2] ليونارد وود، إحياء التشريع الإسلامي، ترجمة بدر الدين مصطفى، مركز نهوض للدراسات والنشر، ص 227-229.
[3] إدوارد لامبير: رائد القانون المقارن وعلم اجتماع القانون، https://n9.cl/9tku2.