موقع حوارات

موقع حوارات

عَقد مركز خُطوة للتوثيق والدراسات يوم السبت الموافق 02/ 03/ 2024 حلقة نقاشية حول الورقة التي أعدها الأستاذ الدكتور شريف عبد الرحمن سيف النصر (الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة)، المعنونة بـ "الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع".

وقد أدار الجلسة د. مدحت ماهر الليثي (المدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات والبحوث).

 

السادة الحضور:

أ. أحمد رأفت (طالب بكلية اقتصاد وعلوم سياسية، قسم علوم سياسية).

أ. د. أماني صالح (أستاذ العلوم السياسية).

أ. تقى محمد يوسف (باحثة في مركز خطوة وطالبة ماجستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية".

أ. محمد الديب (باحث ماجستير في العلاقات الدولية).

أ. محمد محمود محمد الجزار (طالب دكتوراة، ومعلق صوتي بشركة المتحدة).

أ. منال يحيى شيمي (باحثة في العلوم السياسية- باحثة في مركز خطوة).

أ. مهجة مشهور (مدير مركز خُطوة للتوثيق والدراسات).

د. هاني محمود (مدرس في قسم الشريعة الإسلامية- كلية الحقوق- جامعة عين شمس).

أ. وليد القاضي (باحث بمركز خُطوة للتوثيق والدراسات، وباحث دكتوراة في العلوم السياسية).

 

وفيما يلي النص الكامل للحلقة النقاشية نقلًا عن مركز خطوة ويتبعه رابط للاطلاع على الورقة التي دار حولها النقاش:

 

د/ مدحت ماهر:

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نرحب بحضراتكم في هذا اللقاء العلمي الذي نسأل الله عز وجل في مطلعه أن يجعله علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا. بداية نتقدم بالشكر إلى مركز خطوة على هذه الخطوة المهمة، وأشرف بأن أكون مديرًا لهذه الجلسة.

إن شاء الله، لقاؤنا اليوم حول ورقة بحثية أساسية أو تأسيسية وأيضًا إثرائية في عالم الفقه والتنظير، وعنوانها كما تقدم يقع بين هذين العمودين الكبيرين الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع. والموضوع يتضمن الكلام عن الفقه بالألف واللام، فنحن لا نتكلم عن باب فقهي ولا عن قضية فقهية أو مسألة، ولا نتكلم عن قضية أو مسألة في العلوم الاجتماعية أو في فلسفة العلم أو بالأخص في فلسفة المنهج إنما نتكلم عن فكرة التنظير، وليس عن نظرية معينة، ونتكلم عن مجال وعن أداة أو فكرة وممارسة أساسية في عالم العلم والإنتاج العلمي الأساسي؛ وهي ممارسة التنظير، فعند هذا المستوى فنحن نتكلم فيما يمكن أن يسمى المستوى الإستراتيجي للعلم، وإذا صح أن ما نتناوله يوميًّا هو مستويات تكتيكية وجزئية، وإن صح أيضًا أننا نتعرض للكليات، فنحن اليوم أمام كليات كبرى، الفقه والتنظير، والدكتور شريف مشكورًا في هذه الورقة التي حملت همومًا وِهمّة، يناقش هموم تطور الفقه وهموم التنظير، كما يظهر هِمّة في طرح مجموعة من الأسئلة التي أعتقد أنها تنقلنا من مستوى أو مراحل تم العمل فيها على تأسيس فكرة التنظير في الفقه حديثًا، في ممارسة أشكال من التنظير وإخراج نظريات فقهية، إلى مستوى آخر؛ وهو مستوى المراجعة على ذلك، والنظر في جدواه والنظر في تقييمه، وفيما ينبغي أن يسأل فيه، وبالأخص المناظرة بين ما قام به فقهاء العصر من تنظير، وبين المفهوم السائد في العلوم الاجتماعية (الحداثية) عن مفهوم للتنظير، هذه الإشكالية، التي سيعرض الدكتور شريف تفاصيلها، ثقيلة، ولكن أعتقد أنها تحتاج إلى إمعان النظر فيها، وأيضًا إلى مواجهتها بعمل بحثي يجيب عن أكثر الأسئلة وبالأخص الأسئلة التسعة الأخيرة التي ختمت بها الورقة.

أنقل الكلمة للدكتور شريف لكي يعرض الأفكار التي وردت في الورقة وبالأخص، لكي ندير حولها حوارًا نتمنى أن يكون نافعًا وماتعًا.

 

د/ شريف عبد الرحمن:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا

ليس هدفي في هذه الكلمة أن أُعيد طرح ما هو وارد في الورقة التي تدور حول الفقه والتنظير، بقدر ما أريد أن نُعمل فيها إحدى النظريات ما بعد الحداثية، المعروفة بنظرية موت المؤلف، فنتعامل مع الورقة كما لو كانت ورقة ليست منسوبة إلى شخص بعينه، وإنما هي مما يتعلق بالحوار العقلي والتلاقح الذهني، وإن جاز لي أن أبدأ هذا الموضوع بشكل ذاتي، فإن هناك تفصيلة معينة أحب أن أشير إليها، بدأت في مرحلة عمرية مبكرة، فقد كنت ممن أدركوا عهد الراديو، وقد كان في رأيي وسيلة معرفية ليس لها مثيل، فهي مسئولة عن تشكيل خيالات وصناعة وعي ربما لا يشاركنا فيه الآن من لم يعاصروا مثل هذه الوسيلة المعرفية المهمة؛ فالراديو كان مساحة للتخيل وبناء عالم افتراضي مبكر حيث يتم تصور المتحدثين، وتخيل هيئتهم، والتفاعل مع أفكارهم، وكانت أحد التقاليد المحمودة في البرامج الإذاعية القديمة، أنه كان يتم في بعض الاحيان إذاعة مناقشات مسجلة لرسائل الماجستير والدكتوراة، على مستوى إذاعة القرآن الكريم، وأيضًا على مستوى إذاعة البرنامج الثقافي، والذي كان وقتها اسمه إذاعة البرنامج الثاني، وكان هناك مناقشة تُذاع كل يوم اثنين، وكنت وقتها في المرحلة الإعدادية، وكان يخلب عقلي تلك الحالة من الجدال حول الأفكار، لم أكن أستوعب كثيرًا مما يقال، ولكن ثمة مشترك رسخ في ذهني ومثّل عنصرًا متكررًا، يتم دائمًا التأكيد عليه في كل مناقشة تقريبًا، وهو تلك الفقرة التي يقوم فيها أحد المناقشين بمعاقبة الطالب لأنه لم ينجح في توظيف الإطار النظري، أو لم ينجح في تفعيل النظرية التي وعد بتوظيفها، لم يتقن استخدام المنهج، كانت هذه العبارات تذكر بشكل متكرر، وكان الباحثون يستسلمون أمامها ولا يستطيعون أن يردوا بشكل مقنع، كان هذا النقاش يرسخ في ذهني على نحو تراكمي، حتى بدأت مرحلة الدراسات الجامعية، ونويت ألا أقع في هذا الفخ وأن يكون لدي إجابة لو سُئلت في يوم من الأيام كيف وظفت النظرية وكيف استعنت بالإطار النظري، وفيما أفادك المنهج؟ بدأت الدراسة وانتهت في الجامعة، ولكن لم أقض نهمي من هذا الأمر، فنويت أن يكون أول بحث أقوم به في مرحلة الدراسات العليا يتعلق بهذا الأمر تحديدًا، ما هي النظرية؟ وما هو المنظور؟ وما هو الإطار النظري؟ وما هو المنهج؟ وما هي المستويات المختلفة للبناء المنهاجي، وهكذا كانت رحلتي مع النظرية رحلة مبكرة، وكنت حريصًا على أن أبسط الأمور لنفسي فاعتبرت "أن النظرية هي بناء فكري يلم شتات الواقع المبعثر" فإذا كان الإنسان كائنًا معاديًا للفوضى؛ فالنظرية هي الأداة التي تساعده في التغلب على هذه الفوضى، بتسكين ظواهر الواقع ضمن أطر مسبقة على نحو يجعله مفهومًا، وهذا كان يستدعي أن أحدد معنى الفهم نفسه، وكانت الإجابة التي استطعت أن أطورها هي أن الفهم هو اكتشاف العلاقات ما بين الظواهر؛ فالظواهر تظل غير مفهومة طالما بقيت مبعثرة لا رابط فيما بينها، فإذا وجدت هذه العلاقات أصبح الأمر ميسورًا. وظائف التنظير أيضًا تعاملت معها على أنها تبدأ بوصف الظواهر ثم تفسيرها ثم محاولة توقع مساراتها المستقبلية، إذا كانت هذه الظواهر ديناميكية، أو تقييمها إذا ما كانت الظواهر إستاتيكية، وكنت أُجري تجارب مع الطلبة لأكتشف إذا كانوا بالفعل قادرين على أن يفكروا بشكل نظري أم لا؛ ففي تجربة مشهورة كنت أطلب من الطلبة أن يعلقوا فيما لا يزيد عن نصف صفحة على تمثال نهضة مصر الذي يقع أمام مدخل جامعة القاهرة، كيما أكتشف ما إذا الطلبة يستوفون الخطوات المنهجية في تفكيرهم وكتابتهم أم لا، بمعنى هل يقومون بالوصف والتفسير والتقييم؟ وكنت كثيرًا ما أجد من واقع التجربة أن معظم الطلبة والباحثين يقفزون مباشرة إلى مستوى التقييم، فيعبرون عن آرائهم في التمثال كتحفة فنية، أو كتمثال يبعث على الكآبة والانقباض، من دون أن يمروا على خطوتيّ الوصف والتفسير.

وحتى من كان يقدم وصفًا للتمثال فإنه كان يقدم وصفًا غير مطابق لحقيقة التمثال نفسه، فكان كثير من الطلبة لا يستطيعون أن يصفوا وضعية يد المرأة الموجودة في التمثال بجوار مجسم أبي الهول، فكانوا يتصورن أن المرأة تضع إحدى يديها على رأس أبي الهول واليد الأخرى تمسك بها جرة أو ما شابه، ولم يلتفت أحد إلى أن المرأة المنحوتة، تقوم بنزع الوشاح من على رأسها، فهذا هو الوضع الذي أراد محمود مختار للتمثال أن يخلده وأن يشير إليه باسم النهضة، تحرر المرأة من حجابها، الذي اعتبره رمزًا للجمود والتخلف والرجعية وما شابه.

هذه الأمور ذات دلالة، كيف تؤدي النظرية إلى تحقيق الفهم؟ ولماذا تحقق هذا الدور؟ استدعى مني هذا بحثًا لاحقًا لأن النظرية تدَّعي أنها تقدم فهمًا أو تقدم أسلوبًا لاكتساب المعرفة، فما الذي دفع المطورين الأوائل للنظرية لكي يقوموا بهذا الدور، وتتبع تاريخ الأفكار أفصح عن أنه كانت هناك طريقتان لاكتساب المعرفة، إما طريقة الاستقراء والتجربة والحس باستخدام أدوات الحس، أو طريقة الاستنباط وإعمال العقل.

بعض المفكرين يشبهون الطريقتين بطريقة النملة في مقابل طريقة العنكبوت؛ فالنملة عندما تسعى لكسب قوتها تقوم بجمع ما أنتجه الآخرون، أما العنكبوت فعندما يسعى لكسب قوته ينتج شبكته من ذاته، فكأن العنكبوت استنباطي بهذا المعنى والنملة استقرائية؛ لأن النملة تجمع ما وفّره الآخرون وتنظمه، والعنكبوت استنباطي لأنه ينتج شبكته من داخله ومن جهده الخاصة. وفي مواجهة نمطي النملة والعنكبوت، كان فرانسيس بيكون يدعو الباحثين أن يكونوا مثل النحل؛، لأن النحلة تجمع الرحيق، ولكنها تُنتج العسل بعد ذلك، فكأنه جمع ما بين الاستقراء والاستنباط.

كان الأمر ينحصر ما بين هذه الثنائيات، ثنائية التجريب وثنائية الاستنباط، واكتسب التجريب سمعة أفضل مع الوقت، وأصبح معظم العلماء في إطار عصر النهضة وما بعده يفكرون بشكل تجريبي، إلى أن جاء الشخص الذي تعرفونه جيدًا "ديفيد هيوم" وألقى حجرًا في ماء التجريب الراكد، وصدم الجميع بأنه لا يوجد أي تلازم عقلي منطقي ضروري في العلاقات التجريبية، فإذا كان كل البجع أبيض تمامًا لأننا لم نعثر على بجعة سوداء، فهذا لا يولد أي إلزام منطقي أو عقلي بأن البجع كله أبيض، أي أن فكرة اكتساب المعرفة أو إقامة الفهم، بناء على الاستقراء المتواصل بجمع المزيد من الشواهد، لكي يتم تأكيد نفس الفكرة، فهذا لا يُثبت شيئًا؛ ففي النهاية، لا يوجد تلازم عقلي منطقي بأن يكون كل البجع بالضرورة أبيض، لكون ما تم العثور عليه تجريبيًّا واستقرائيًّا حتى اللحظة هو بجع أبيض.

تعليقات هيوم أفرزت حالة من الشكوكية، التي تطلبت من الباحثين أن يضيفوا إلى أبحاثهم التجريبية ما يشبه المدونة التفسيرية لما يقيمونه من علاقات، فإذا كان الفهم هو اكتشاف العلاقات، وإذا كان اكتشاف العلاقات لابد وأن يتم بشكل تجريبي، كما استقرت على ذلك أبستمولوجيا المعرفة أو نظرية المعرفة الحديثة، فإن إسهام هيوم يتمثل في ضرورة الرجوع خطوة، لفهم طبيعة التلازم المنطقي بين الاستقراء وما بين اليقين، كيف يمكن الادعاء بأنك قد اكتسبت معرفة لمجرد أنك راكمت المزيد والمزيد من الشواهد؟

منذ هذه اللحظة، كما أدعي، أصبحت النظرية هي الكلمة السحرية؛ لأن النظرية، بعبارة وجيزة، هي المذكرة التفسيرية للإجابة عن تساؤل، لماذا أتصور أن الاطراد يولد معرفة؟ البحث العلمي هو محاولة الوقوف على الاطرادات، لا يوجد قانون للتعامل مع حالة؛ فالقانون يتعامل مع الحالة التي تتكرر كلما توافرت ظروفها، فكلما سُخِّن الحديد تمدد؛ فالقوانين تتعامل مع الاطرادات. وإذا كان القانون يصف فدور النظرية في هذه الحالة هي أن تفسر، إذن الدور الأساسي للنظريات، والذي ظهرت من أجل أن تقوم به، هو الدور التفسيري.

 للمستشار البشري تعقيب مهم على كتاب محمد عابد الجابري "نقد العقل الأخلاقي العربي" الذي كان الجابري فيه يتهم العقل العربي أنه لم ينجح في تطوير نظرية أخلاقية، وأنه عندما بدأ في البحث عن مظان هذه النظرية –إن كانت هناك نظرية– لم يجدها إلا بشكل شديد التأخر في كتابات ابن المقفع في كتاب "كليلة ودمنة". أدهش هذا الاستخلاص المستشار طارق البشري، وكتب ردًّا مهمًّا على هذا الكتاب ناقش فيه ادعاء الجابري "أن العرب لم ينجحوا في تطوير النظريات"، فبدأ بمناقشة الجابري في معنى النظرية، وثنّى بالتساؤل هل النظرية هي وصف أم وظيفة؟ وإذا كان الفقه الإسلامي قد خلا من هذا المفهوم فهل لم تقم مفاهيم فقهية أخرى بالأدوار الوظيفية للتنظير، وقدّم البشري في هذا الرد جهدًا مشكورًا وكان ملهمًا جدًّا بالنسبة لي.

بقيت أفكر هل بالفعل يمثل خلو التراث الفقهي من مفهوم التنظير سقطة أو نقطة ضعف؟ أو أمرًا سلبيًّا يحتاج إلى التدارك؟ أو يحتاج إلى تطوير سياسة دفاعية اعتذارية، أو أمرًا نحتاج إلى أن نتكلم عنه بشكل تبريري؟ أم أن الأمر كان مقصودًا، وأن الفقه ربما لا يناسبه أن يكون تنظيريًّا بهذا المعنى؟ في الحقيقة قراءتي للمفكر وائل حلاق فتحت لي بوابة للإجابة؛ لأن حلاق كان معنيًّا بفكرة تطور الفقه الإسلامي، وعلى خلاف كثير من المتعلمين تعليمًا غربيًّا، وهو المسيحي العربي الذي ترقّى في أكاديميات البحث العلمي الغربية، كان شديد الانبهار بحالة التنوع الفقهي، وكان يعتبر أن فكرة جمع الآراء الفقهية في إطار منظومة واحدة تشبه المنظومات القانونية على نحو ما جرى مثلًا في مجلة "الأحكام العدلية" وما شابهها، كان يَعتبر أن هذا يعد من باب تضييق الواسع، وكان يعتبر أن الواقع البشري الإنساني المتنوع، الثري، التدافعي، يلائمه أن يكون الفقه الذي يخاطبه ويوجهه ويضبط حركته فقهًا ثريًّا متنوعًا متدافعًا. احتفى وائل حلاق على امتداد كتابه "الشريعة" بشكل شديد الإيجابية بثراء وتنوع الحالة الفقهية عبر التاريخ الإسلامي، وعندما بدأ هذا التاريخ ينحو ناحية صياغة المدونات القانونية، ولا نقول الفقهية، كان يعتبر أن هذا هو بداية الانسحاق أمام الحداثة، معتبرًا أن الحداثة بشكل أو بآخر هي تلك الفكرة الضجرة بالتنوع؛ فالحداثة هي بشكل أو بآخر تعتبر أنه بالإمكان وضع البشر على خط إنتاج، فهي أخت التصنيع، والتصنيع هو ذلك الفكر الذي يولع بإنتاج السلع المتشابهة، ويعتبر أن السلعة المختلفة هي سلعة غير مطابقة للمواصفات، ومن ثم سلعة معيبة بالضرورة. اعتبر حلاق أن الحداثة نقلت هذا التصور التصنيعي إلى عالم البشر، وأصبح البشر أيضًا مطلوبًا منهم أن يُنَمـَطُوا، وأن يكونوا على شاكلة السلع القياسية.

وكانت أدوات الحداثة في تحقيق هذا التصور متعددة، ومنها النظرية نفسها، هذا هو الادعاء الذي أدعيه في هذه الورقة: أن الحداثة ربما تكون طَورت "التنظير والنظريات" كمحاولة لضبط الواقع المتنوع، ضبط الواقع من خلال مقولة، نظرية، مثل الصراع الطبقي لتفسر كل أشكال الصراع الطبقي، أو نظرية مثل التنمية الاقتصادية، أو نظرية نشأة الدول. هذا الطموح المعرفي الذي كان يسعى لتلخيص الواقع المتنوع في إطار عبارات مصمتة، يبدو شديد الشبه بالحداثة، كما أن الحداثة شديدة الشبه به، ربما يكون هذا هو الطرح الموجود في الورقة على كثرة تفاصيلها، وربما يكون هذا الطرح غير ملائم للواقع الإسلامي، أو يكون الواقع الإسلامي يناسبه أكثر أن يُمارس العقل المسلم نوعًا من الاجتهاد الذي يحاول الاقتراب من الحقيقة دون أن يدَّعي أنه قد اقتنصها في إطار عبارة أو جملة أو مقولة، أو ربما يكون العقل الفقهي ميسرًا أكثر لأن يطور نوعًا من القواعد الفقهية التي توجه الواقع دون أن تدَّعي أنها تفسره، والتفسير هنا يعني -باقتباس "المسيري"- ذلك الجموح العقلي الذي يدَّعي أنه قد ألمّ بأطراف الظاهرة جميعها وأصبح قادرًا على أن يتحكم بها؛ فالتفسير وفقًا للمسيري يندرج ضمن خصائص العقل الحداثي الذي يمارس دائمًا نوعًا من الاستعلاء إزاء هذا العالم، ويدَّعي أن العالم يمكن تفسيره. وكان عبد الوهاب المسيري في إطار ما يدعو اليه من تبَّني النموذج الرباني منفتحًا على أفكار التنوع والاختلاف، وكان واعيًا – وإن لم يفرد مساحات كبيرة من عمله للتأصيل لهذه الفكرة – بفكرة التنوع التي كانت حاضرة بشكل كبير في إطار النموذج الرباني الذي كان يتحدث عنه.

إذن، هل في إطار ثنائيات الواحدية والتنوع، وهل في إطار ثنائية أن التنظير وليد سياق حضاري ربما يكون مختلفًا عن السياق الحضاري الإسلامي، هل يعد غياب التنظير بهذا المعنى أمرًا يحتاج إلى الاستدراك بشأنه، أو التعامل معه، وخصوصًا أنه على أرض الواقع قد حدث هذا بشكل أو بآخر؟ في إطار خضوعنا لمبضع الاستشراق وتعامله مع تراثنا بشكل فيه نوع من الاستباحة، والاستشراق وفقًا لوائل الحلاق هو أحد أضلاع مثلث، ضلعاه الآخران هما الحداثة والدولة القومية. فإذا كان الاستشراق قد قدّم المادة المعرفية إلى مؤسساتنا وإلى أكاديمياتنا وإلى معاهدنا العلمية، فهل يمكن أن نتخيل أن كثيرًا من هذه المؤسسات قد أصبحت تعكس هذا الوعي الاستشراقي، الذي يضيق بالتنوع، ويضيق بكثرة المذاهب، وكثرة الآراء، وكثرة الفتاوي، وكثرة القواعد، ويريد أن يصب الواقع في شكل نظريات؟ هل استلهمت مؤسساتنا ذلك؟ ربما الواقع يقول أن هذا ما قد حدث بشكل ما.

النظريات الفقهية: ما يسترعي الانتباه عند الاطلاع على المحصول المتوافر مما يسمى بالنظريات الفقهية، أن النظريات التي توصف بأنها نظريات فقهية، يدبج مؤلفوها الكثير من الكلمات والعبارات في توضيح الفارق بينها وبين القواعد وبينها وبين الأحكام، ولا يظهر وجه الشبه فيما بينها وبين النظريات أصلًا. وهنا كان الأولى قبل أن يستفرغ هذا الوسع والجهد في بيان الفارق ما بين هذه النظريات الفقهية وما بين القواعد والأحكام وما شابه، أن يتم التساؤل هل هي أصلًا تقترب من معنى النظرية أم لا، وهل هي نظريات بالمعنى الذي نناقشه الآن؟ هل فيها ذلك المعنى التفسيري؟ وهل من الوارد أن يقدم العقل الفقهي تفسيرًا، أم أن هذا مما يخرج عن نطاق اهتمامه؟ وهذا أيضًا من التساؤلات التي أطرحها في هذه الورقة، حيث إنني لا أملك لهذه التساؤلات جوابًا؛ فالعقل الفقهي دائمًا معني بصياغة الحكم العملي، الحكم الذي سيترتب عليه حركة وتفاعل في الواقع، وهو يبني هذا الحكم على أساس من تصور للواقع، أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فهل في المسافة ما بين الوصف والحكم يختفي التفسير؟

هل التفسير ليس جزءًا من بنية العقل الفقهي؟ وهل التفسير يتضمن نّفسًا حداثيًّا يتضمن معنى الإمساك بجوهر الشيء وحقيقته؟ والفقه بحكم أنه ينبع عن عقل مجتهد، ينأى بنفسه عن أن يقدم تفسيرات بهذا المعنى. وإذا خلا الفقه من المعنى التفسيري، فهل ليس للفقه ما يقوله إزاء تمدد المساحات الفكرية إلى الحِمى الفقهية إن جاز القول؟ وعندما يصدر كتاب مثل كتاب "الدولة المستحيلة" مثلًا، أليس للفقهاء ما يقولونه حول هذا الأمر؟ وكيف يقولون أو كيف يعلِقون على ما قاله وائل حلاق، وهو لم ينشأ في إطار المؤسسة الفقهية؟

بعد سلسلة كتب السياسة الشرعية وكتب الماوردي وكتب ابن تيمية، لم نجد تأصيلًا فقهيًّا تفسيريًّا، فليس لدينا شيء على وزن النظريات الغربية فيما يتعلق بنشأة الدول، والعلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، لماذا لا توجد نظرية إسلامية تفسر تدهور الأداء البيروقراطي في ظل المؤسسات الكبيرة؟ لماذا لا يقدم الفقه تفسيرًا لمثل هذه الظواهر التي هي جزء من الحياة كظاهرة الاستبداد؟ لماذا نرجع باستمرار إلى عبد الرحمن بن خلدون إذا أردنا أن نجد تفسيرًا بهذا المعنى، تفسيرًا ينتقل من الأجزاء إلى صياغة مقولة كلية؟ هل الفقه يعتبر أن المساحة (التفسيرية) لا تنتمي إليه؟ هل هو زاهد في أن يطور إنتاجًا بحثيًّا فيها، هل يجد الفقه نفسه محصورًا في إطار دائرتي الوصف (أو التصور) والحكم؟ أم أن هناك جهدًا تفسيريًّا موجودًا؟ هل هناك تفسيرات فقهية لظواهر مثل التضخم، والاحتكار، والأزمات الاقتصادية؟ أم أن النظرية الفقهية هي نظرية قبلية، تقدم الحل مهما كان نوع المشاكل، (عندما كنت أبحث عن إجابات عن المشكلات الاقتصادية في إطار كتب الفقه الإسلامي، كانت الإجابات دائمًا ما تكون إجابات قبلية، أن النظرية الاقتصادية الإسلامية تنهى عن الاكتناز، وتنهى عن الربا، وتنهى عن الاحتكار، وتنهى عن كذا...، كأنها تطرح نظرية قبل نظرية تصلح للواقع، مهما كان نوع المشاكل التي سوف تظهر في إطاره، وليست من نوع النظريات البعدية، التي تتعامل مع النوازل تفسيريًّا. طبعًا يمكن الاستدراك على هذا الكلام بالقول أن هناك رسائل وأبحاث للتعامل مع هذه الجزئيات، ولكن نحن نتحدث – كما أشار أخي د. مدحت – على مستوى التنظير الكلي، وليس على مستوى الاجتهادات أو المقولات التفسيرية الجزئية. فهل من حق الباحثين المسلمين أن يبدأوا في المطالبة بتوفير مثل هذا النوع من التنظير؟ أم أن هذا التنظير – كما سبق القول – هو مما يختلف مع طبيعة الفقه؟ هذا سؤال ينبغي أن نحسمه مرة واحدة وإلى الأبد، ذلك لأنه يمكن الادعاء بأن ما هو موجود من نظريات فقهية، لا يمت لمفهوم النظرية بكثير شبه، هذا هو السياق الذي كُتبت فيه هذه الورقة. ربما يوجد تفاصيل في الورقة لم أتعرض لها، ولكن أرجو أن يكون قد توفر لحضراتكم الوقت للاطلاع عليها، ومحاولة الاشتباك مع ما ورد فيها من أسئلة وتفاصيل. والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين، وشكرًا لحضراتكم.

 

د/ مدحت:

شكرًا د. شريف، كان العرض ممتعًا، وفيه روح، والموضوع في مستوى كلي، هذه طبيعة المناقشات فيه، ولكن الأجزاء المتعلقة بالواحدية والتنوع، والمناظرة ما بين مدخل الوحي ومدخل الحداثة، أعتقد أنها كانت تحتاج لمزيد من التنويه في كلمة حضرتك، وعمومًا فإن الورقة بها الكثير من التفاصيل، وأتمنى أن يكون الحضور قد طالعوها بشكل جيد؛ لأنها جديرة بنقاش قوي إن شاء الله عز وجل.

 

أ/ مهجة مشهور:

كنا نناقش هذا الموضوع كثيرًا داخل المركز قبل طرحه على حضراتكم في هذه الحلقة النقاشية، ولم أتفق مع دكتور شريف على أن تقتصر الورقة على التنظير الفقهي فقط، على أساس أنه انطلق من فكرة هل العقل المسلم عقل جزئي أم عقل كلي؟ واقترحت أن نقسم النظريات إلى ثلاثة مستويات: النظريات العلمية البحتة وهي النظريات الطبيعية التي لا يُختلف عليها، التي يشترك فيها العقل المسلم وغير المسلم، وكان المسلمون قد شاركوا عبر التاريخ في اكتشاف الضوء واكتشاف الأرقام وغيره، وأسسوا نظريات في عدد من العلوم، وبالتالي فالعقل المسلم لم يكن في هذا المجال عقلًا جزئيًّا. ثم النظريات المعرفية في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والنفسي وغيرها من علوم إنسانية واجتماعية، أرى أن هناك فراغًا حقيقيًّا في هذه المساحة لدينا كمسلمين مما جعلنا نلجأ إلى النظريات الغربية، واضطرت كل دولة أن تتبنى نظرية من النظريات السائدة، النظرية الليبرالية أو النظرية الاشتراكية، رغم عدم انتمائها إلى رؤيتنا الإسلامية أو قواعدنا وأصولنا. وهنا يجدر القول بأن التنظير في المجال المعرفي -الذي قام به الغرب – لا يمكن مقارنته بالتنظير في المجال الفقهي لدينا، فهم ليسوا متطابقين من حيث البنية والطرح، ولم يكن رد المستشار البشري كافيًا في هذا الإطار. فعلى سبيل المثال عندما قام "كينز" بوضع نظرية في المجال الاقتصادي والتزم بها العالم فترات طويلة، وقد أُدخل عليها عدة تعديلات، لكن تظل هناك نظرية رائدة قامت عليها اقتصاديات دول، وهذا يُقال أيضًا على الماركسية والاشتراكية. أما نحن فلدينا فراغ نتيجة أن القواعد الكلية لدينا في الوحي -والتي كان من الممكن أن يقوم على أساسها بناءً نظريًّا متكاملًا- لم يتم استغلالها الاستغلال الكافي بحيث يكون لدينا نظرية إسلامية يمكن أن تدير الدولة على أساسها نظامها الاقتصادي. وهنا تأتي فكرة التنوع، فكل دولة يمكن أن تكون لديها –وفق ظروفها الخاصة- المنظور الخاص بها في وضع نظريتها على أساس القواعد والرؤية الإسلامية. فلا ضرورة لوجود نظرية اقتصادية إسلامية واحدة يلتزم بها الجميع، وإنما التنوع يمكن أن يظهر من طبيعة كل بلد، إلا أنه يجب أن تكون هناك رؤية كلية منبثقة من النموذج المعرفي الإسلامي يتم التنظير على أساسها. وأخيرًا تأتي النظريات الفقهية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاقتصار على الجانب الفقهي عند الحديث عن التنظير في المجال الإسلامي أمرٌ غير معبر عن واقع العقل المسلم؛ فالنظريات الفقهية لها طبيعة خاصة وبالتالي فالتعميم انطلاقًا من المدخل الفقهي ليس معبرًا عن واقع العقل المسلم والعربي، كما أن الاقتصار على المدخل الفقهي في هذا المجال لن يسمح بالمقارنة مع التنظير الغربي الذي قامت على أساسه إشكالية الجابري. وهنا يطرأ سؤال مهم وهو مدى امتداد الفقه لتغطية الجزء المعرفي في الفكر الإسلامي؟ فخريجو كليات الاقتصاد لا يملكون من البضاعة الفقهية ما يمكِنهم من تقديم بناءً نظريًّا أو رؤية كلية في المجال الاقتصادي. وكذلك الفقيه، فهو لا يجتمع لديه كل أصول المجال الاقتصادي لكي يستطيع أن يُنظِّر في موضوعات متخصصة مثل التضخم وعلاجه أو الكساد أو غيرها. وشكرًا.

 

أ / محمد الديب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... في البداية أرى أن هناك تفاصيل كثيرة في الورقة، فكنت أقرأ الورقة لكي أرتوي، ولكني أنهيتها وأنا ما زلت عطشًا. مسألة الواحدية والتعدد ومقارناتها بالحداثة والوحي تلك المسألة مهمة جدًّا. وتعليقي كالآتي: في البداية تحدثنا عن الخطاب الفقهي، أرى أن يطول قليلًا تعريف الفقه وتحديده بعدة مداخل، وليس مجرد تعريف نظري أن "الفقه هو معرفة الأحكام"، ونحتاج أن نذكر مثالًا لنماذج شخصيات في عصور مختلفة، فبالتالي التحديد بشخصيات والتحديد الزمني والتحديد بمواضيع وقضايا مهم جدًّا.

ما هو مفهوم الفقه؟ هل نتحدث عن المدونات الفقهية التي استقرت على مذاهب أربعة، وكل مذهب معروف كتبه الأساسية ومتونه؟ إننا يجب أن نُطيل النفَس في الفقه ومستوياته، هل "كتاب الأموال" لأبي عبيد القاسم يُدرج في الفقه أم لا؟ فهو لا يخرج عن نطاق الفقه بالمعنى الواسع. وأيضًا كتاب "السير الكبير" للشيباني فهذا كتاب في الفقه أم لا؟ "الأحكام السلطانية" هل هو كتاب في الفقه؟ إلخ…

عندما نتكلم عن وظيفة النظرية، وهل كان لدى المسلمين نظريات، أو بمعنى أدق هل قاموا بتفسير الواقع؟ هل التراث الإسلامي كان يسعى لتفسير الواقع الاجتماعي سواء على مستوى السلوكيات الفردية أو السلوكيات الجماعية؟ هل ممكن بهذا المعنى أن نذكر "إحياء علوم الدين" وأنه يناقش السلوكيات والدوافع على المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي؟ هل "الغياثي" للإمام الجويني – وهو كتاب رفيع المستوى في باب السياسة الشرعية تعرض للواقع وناقش مشكلات لم تكن موجودة بعد – فهل هذا النموذج تحديدًا يمكن أن يُذكر كنوع من أنواع التنظير؟ وعلى المستوى العقدي هناك مثلًا كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" لابن تيمية، هل ممكن أن يمكن أن نصف هذا الكتاب بأنه على مستوى التنظير أم لا؟ إذ إنه يناقش سلوكيات وظواهر معينة والحكم عليها. وعلى المستوى الفردي هناك كتاب "معيد النِعم ومبيد النِقم"، فهو في مجمله يناقش مسألة الأخلاق والفساد الأخلاقي وآثاره على المجتمع. وإذا ذكرنا ابن خلدون هل يُدرج في الفقه أم لا؟ وهكذا يجب أن نذكر أمثلة على مستوى الشخصيات أو على مستوى القضايا.

هناك تساؤل آخر، أيهما أفقه، الأئمة الأربعة أم سيدنا أبو بكر وعمر بن الخطاب؟ الأئمة الأربعة نتج عنهم مذاهب وقد استقرت تلك المذاهب، لكن لو درسنا سيرة سيدنا أبي بكر أو سيدنا عمر وما كانوا يقومون به على جميع المستويات في حياة المسلمين –ليس على المستوى الفقهي فحسب– فسيتسع المجال. لقد شعرت وأنا أطالع الورقة أننا نتكلم عن الفقه في مسائل الأحوال الشخصية ومسائل القضاء وما شابه ذلك فقط.

 

د/ مدحت:

هناك مجموعة من اللمحات ذُكرت في هذه المداخلة أعتقد أنها مهمة لمزيد من تحديد مفهوم الفقه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال عدد من النماذج التي تطرح سؤالا: هل الفقه بناء على هذه الشواهد شيئًا واحدًا؟ وهل هذه النماذج تعاملت مع التنظير، سواء التنظير الوصفي كما ذكر الدكتور شريف أو التنظير التفسيري كما هو معروف في العلوم الاجتماعية؟ هل هذه الكتب ممكن باختلافها وتنوعها أن تذكر شيئًا مختلفًا أو تنتهي إلى المقولة التعميمية؟

 

أ/ أحمد رأفت:

السلام عليك ورحمة الله وبركاته... أود أن أتحدث في البداية عن التنظير بالمعنى الذي ذكره د/ مدحت وكيفية صياغة نظرية؟ النظرية في أساسها هي رؤية فلسفية ورؤية لغاية الوجود، وتصورات حول ماهية الله والإنسان والعالم، من خلال هذه الرؤية المركزية يتم الانتقال إلى كل المستويات الجزئية لبنائها اتساقًا مع هذا المركز. صحيح أن الفقه يتعلق بأشياء جزئية، لكن يسبقها رؤية كلية للوجود، وهذا ما نتحدث عنه من حيث الأدلة، هذه الرؤية تُبنى على النصوص المقدسة سواء من القرآن الكريم أو من السنة، والإجماع، والرأي، والقياس. بالتالي الفقه عندما يتعامل مع أي قضية فهو يرجع لهذه المرجعية؛ فالتنظير لا يفسر الواقع فحسب، ولكنه أيضًا يحدد الاتجاه الذي يجب أن يسير إليه المجتمع، ويقدم تصورات للشكل الذي يجب أن يكون عليه هذا المجتمع. الفقه في الواقع هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. أما تعريف المعرفة في الغرب فهي الإدراك الجازم للواقع وللحقيقة. ونحن كدارسين للعلوم الاجتماعية يجب أن نعلم بأن هذا التعريف غير مناسب لنا تمامًا كمسلمين، وتحتوي العلوم الشرعية على تعريفات أخرى للإدراك، أو للمعرفة. فالفقه هو أصلًا – كما ذكر إمام الحرمين – ظن، ولو لم يكن ظنًّا لما كان فقهًا، والظن هو أكثر من خمسين بالمئة، فعندما نتحدث مع الفقيه ونذكر له أننا سنقوم بذلك، فيرد لأي درجة تعتقد كذا؟ فنرد أظن فهذا يعني أكثر من خمسين في المائة، فاذا كان رده أشك فالشك يعني نسبة خمسين / خمسين، بمعنى أنه ليس مختلف تمامًا، من هنا فإننا نحتاج أن نعرف هل العقل الفقهي يتسع للتنظير؟ نعم من حيث الأصول، فعلم الأصول هو النظر في الأدلة من حيث استفادة الأحكام منها، لكن ما نحتاجه هو توسيع علم الأصول، ليس لإحكام وإثبات شيء أو نفيه عنه فقط، ولكن ليشمل إفادة التصورات، كيف نرجع بنفس الأدلة والأدوات العقلية لكن نوسع المنهج والمضمون مع التعامل مع النصوص المقدسة.

من جانب آخر، فإن جزءًا من عقلية الفقيه هو التفسير بلا شك، فمن قواعد الإمام الشافعي في فقهه، أن الأمور تتبع المقاصد، كمثال أن كان هناك من يُقصر الصلاة وهو يسافر عابثًا دون وجهة فلا يجوز له أن يُقصر، فبالتالي أن الحكم الفقهي لا بد وأن يترتب على تفسير. ولكن لماذا لا يقدم الفقه تصورات عن المجتمع؟ هنا نتكلم عن غاية الفقيه؟ وما هي الغاية من الموضوع؟ مثلًا الفقهاء يقدسون فكرة حفظ دماء المسلمين، فعندما نذكر الثورة ولماذا تحدث فلن يقبل بها، لكن في نفس الوقت حينما نقدم له كباحثين للعلوم الاجتماعية الشكل المجتمعي الذي نظن أنه أكثر اتساقًا مع النظام الإسلامي فسيكون حكمه أن هذا الأمر مستحب لكنه لن ينادي به، فيقول هذا الشكل حكمه قد يكون مندوبًا لكنه لن ينادي به.

أما الجزء المتعلق بالتنوع، فبالرجوع إلى المصادر المقدسة ومنها القرآن الكريم، فهناك مفهوم في غاية الأهمية أكثر استخدامًا عند الصوفية هو مفهوم التجلي، فإن "ابن عربي" يتحدث عن أن التجلي لا يكون واحدًا أبدًا؛ فالمصري مثلًا حينما يتعامل مع النص المقدس سيحصل على فهم غير ما سيحصل عليه الإندونيسي غير ما سيحصل عليه غيره؛ لأن التجلي مختلف، ويظهر بمظاهر مختلفة، لكن المصدر واحد والغاية واحدة، وهو الذي سيكون مقياسًا لأي اختلاف.

فإن وُجد شخص تربى على العلوم الفقهية لكنه غير مقتصر عليها، فهل يستطيع أن يقدم تنظيرات متعلقة بالواقع الاجتماعي؟ وهنا يمكن أن أذكر مثالًا: محيي الدين بن عربي في كتابه "التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية" استطاع أن يصنع حالة من التجريد بحيث أنه ينظر إلى الواقع فيقول أنه يستفيد منها خادم الملوك في خدمته ويستفيد منها الإنسان في حياته، فهو صنع تجريدًا لمجموعة من القيم استقاها من النص المقدس وبما يتسق مع العلوم الفقهية –رغم تعارض موقفه من الفقهاء– لكنه قال إننا نستطيع أن نقيس الواقع الاجتماعي ونحسنه بناء على هذا التجريد. إذن من الممكن، من خلال توسيع مجال الدلالة الفقهية وتحديد المعرفة وأدواتها، تحقيق مرة أخرى أن يرتبط الفقه بالتنظير. وشكرًا جزيلًا.

 

د. مدحت: شكرًا لاستدعاء أصول الفقه لأنه مهم جدًّا.

 

أ/ وليد القاضي:

أعتقد أن الفقه لم يخلُ يومًا من التنظير، بل هو سمة أصيلة فيه، إذا أخذنا بمفهوم النظرية الموجود في الورقة بأنه "جملة من التصورات المؤلفة تأليفًا عقليًّا، تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات". وإذا كان ظاهر فقهنا التقليدي أنه يهتم بالفروع وبالجزئيات، دون النظريات العامة، فإن حقيقة الأمر، وكما أشارت الدراسة إلى أن الفقهاء والأصوليين بذلوا محاولات رائدة في مجال التنظير، تتمثل في كتاباتهم المنهجية في أصول الفقه، وفي مقاصد الشريعة، وفي عنايتهم بالقواعد الفقهية. وهذا يتوافق في نهاية المطاف مع القول بأن مفهوم النظرية لم يكن فقط حاضرًا بروحه، وإنما تمكَّن من تطوير "نظريات فقهية" فعلية؛ تقوم على "تصور مجرد جامع للقواعد العامة، الضابطة للأحكام الفرعية الجزئية"، وأن هذا التصور يقوم بالذهن، سواء من خلال الاستنباط بالتسلسل الفكري المنطقي، أو عبر استقراء الأحكام الفرعية الجزئية.

ثم إذا كانت النظرية في العالم الغربي تأخذ بعين الاعتبار الرغبة الحداثية في التحكم بالواقع، وتنحو ناحية التنميط، مع عدم استبعاد البُعد المادي، فأتصور أن الإسقاطات الحداثية تعسفية وأنانية، وتخدم في نهاية المطاف مصالح طائفة معينة من البشر، على عكس الوحي الذي يبتغي مصالح العباد كافة، خاصة وأن عملية التنميط مخالفة لسنة الاختلاف التي يجب احترامها وعدم تجاهلها. وحتى لو أخذنا جدلًا بمقولة أن سنن الواقع الاجتماعي تشير إلى أن ما يبدأ متنوعًا وتعدديًّا لا بد وأن ينتهي أحاديًّا ومحددًا، وذلك على اعتبار أن الاستقرار على شكل نهائي هو المآل الطبيعي لأي حالة أصلية من التفاعل والتنوع، فلو افترضنا ذلك، فكيف يمكن القول بتلاقي الفقه مع التنظير بالمعنى الغربي؟ فإذا التنظير الحداثي يهدف إلى السيطرة على الإنسان، فإن التنظير الفقهي يهدف إلى تحقيق مصالح الإنسان، وأخذ تغيرات الواقع في الحسبان، وهو أكثر مراعاةً واستيعابًا لحالات الإنسان وطباعه المتغيرة والمتنوعة. ثم إذا كان هدف التنظير، بصورته الغربية، تحقيق صورة نمطية مجردة وعامة، يتم على ضوئها فهم وتفسير الواقع، فإن العالم الغربي ذاته ما لبث أن نكث إلى التعددية والتنوع التي حاول تحجيمها، وذلك عن طريق الإيغال في التقسيم التخصصي العلمي، فأضحى يعج بعشرات النظريات التي قد تتضارب مع بعضها أحيانًا.

من جهةٍ أخرى، أتصور أن التنظير الفقهي يُعد أكثر اتساقًا مع طبيعة العلوم الاجتماعية، حيث من المعلوم أنه لا توجد نظريات تامة أو نهائية أو بإمكانها التنبؤ بالتصرفات البشرية. وإذا كان ما يشغل العقل المسلم هو احتواء الظواهر داخل أطر شرعية والحكم عليها وليس تفسيرها، مثل التضخم والاحتكار وغيرهما، كما ذكرت الدراسة؛ فذلك لأن الإسلام قدَّم الركائز الأساسية التي من المفترض، وينبغي، أن تكون عليها المجتمعات البشرية، مثل الرحمة والأمانة وتحريم الربا، وهذه الركائز –كما لا يخفى– ذات توظيف مزدوج ومصلحي في الغرب، ولا تُلزم مَن يشتغل بالتنظير هناك ضرورة الأخذ بها أو مراعاتها لدى تنفيذ عملية التنظير، وذلك على عكس ما يقوم به الفقهاء.

وفي هذا السياق، يكون من الجور ادعاء البعض بأن الجهود التنظيرية الفقهية والإسلامية متخلفة عن الجهود التنظيرية الغربية، خاصة وأنه يجب أن يكون حاضرًا في الذهن أن الأخيرة لن تقبل بحال أن يتفوق عليها غيرُها، وإلا كان ذلك نذيرًا بانهيار حضارتها التي عملت جاهدةً على فرض سيطرتها وإظهار تفوقها وتقدمها في ربوع الأرض. ومن ثمَّ، لم يجد المستشرقون بُدًّا من إضفاء صفة "التخلف" على الجهود الإسلامية ذات الصلة؛ في مسعى لتجهيل العقل المسلم. بل أن مقولة "صراع الحضارات" التي طرحها أحد المنظِّرين الغربيين (صامويل هنتنجتون) تؤكد مدى قوة الإسلام، الذي ستصطدم حضارته في نهاية المطاف مع الحضارة الغربية، ولا شك أن هذه القوة تنبني في العديد مِن أُسُسِها على قناعة دينية وجهود فكرية راسخة منذ القرن الأول للإسلام. وبناءً على ذلك، من الأجدى الكفُّ عن المساعي والمحاولات التبريرية التي يقوم بها بعض الفقهاء للتأكيد على أن للمسلمين إرثًا نظريًّا ذا شأن، بل يجب أن ينصرف ذلك الجهد نحو سبل التجديد الممكنة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية.

هذا، وأعتقد أن الانبهار بالغرب، جعل كثيرين من العالم الإسلامي يُفتَن بالأفكار والنظريات الغربية، وبالتالي يبني عليها، فأصبح الكثير من فكرنا بالتالي تابعًا بشكل أو بآخر للأفكار الغربية في نهاية الأمر، كما أن ذلك يخدم الغرب من جهة أخرى؛ حيث ينظر إلى ذلك باعتباره مظهرًا للفقر الإبداعي والتنظيري لدى المسلمين اليوم. كما أتصور أن حركة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية أو الفرنسية وغيرها، ليست بذات القدر السريع من الترجمة من تلك اللغات إلى العربية، ما يُعني أن أفكارهم تنتشر بسرعة في المجالَيْن العربي والإسلامي، مقابل انتشار محدود للغاية للأعمال العربية والإسلامية في المجال الغربي.

ارتباطًا بمسألة التنوع والاختلاف بين المذاهب الإسلامية، وعمَّا إذا كانت مدخلًا للفرقة في الدين، فيمكن القول بأن مراعاة الحكمة الأصلية من الخلق قد تجيب عن ذلك؛ بمعنى أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وبالتالي كان قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وكذا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، هو ما يجب على المؤمنين الالتزام به لتحقيق العبودية الحقة لله تعالى. وبالتالي، متى راعت التعددية الفقهية والمذهبية وغيرها هذه الحكمة، والتي تقتضي بالطبع الالتزام بما جاء بالكتاب والسنة المطهرة، فإنها لا بد أن تؤدي في نهايتها إلى تعزيز التمسك بالدين القويم، ويُفهَم –وفقًا لذلك– أن هذه التعددية هي فقط من باب التيسير في الدين، وليس أن تكون سببًا للفرقة.

فيما يتعلق بالتساؤل الخاص: هل ينبغي أن يلعب الفقه دومًا أدوارًا محافظة، أم أنه يمكن أن يمارس أدوارًا إصلاحية إزاء الواقع؟ أتصور أنها ليست محافظة بالمعنى الجامد، وإنما لا بد أن تأتي وفقًا لكتاب الله وسنة رسوله، كما يمكنه ممارسة هذه الأدوار الإصلاحية عبر ما يُسمَّى بـ "التجديد الفقهي" الذي يشتمل، من بين أمور أخرى، على الحاجة إلى تقديم اجتهادات في المسائل المستحدثة، وهو أمر أصبح مقبولًا في الحِس الإسلامي العام والعلمي؛ لأنه النتيجة الحتمية لقاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، ومن هذا المعنى قولهم بعدم خلو عصر من مجتهد.

وفي هذا السياق ينبغي العمل على استكمال الجانب التنظيري في الدراسات الفقهية المعاصرة، أخذًا في الاعتبار هذه المسائل المستحدثة، وذلك، وفقًا لما ذكره علماء أجلاّء مثل محمد عمارة، وجمال الدين عطية، من أن ذلك يأتي:

تحقيقًا للأغراض العلمية والتعليمية، في تيسير دراسة الأحكام الفرعية، بجمعها تحت قواعدها الفقهية، وربط هذه القواعد بالقواعد الكلية الأعلى منها.

وكذا كون ذلك سببًا دعويًّا، بمعنى أن الإسلام –وسط المعترك الفكري والأيديولوجي المعاصر– مُطالَب بتقديم الإسلام كمنظومة واحدة مترابطة المقدمات بالنتائج، تحكمها مقاصد محددة مبنية على عقيدة واضحة.

وأيضًا كونه سببًا لتعزيز الاجتهاد والقضاء، وتسهيل مهمة المجتهدين والقضاة في سد الفراغات التشريعية؛ إذ إن نصوص الكتاب والسنة لا تغطي كامل مساحة النشاط الإنساني المتزايد دومًا، فنكون بحاجة إلى تغطية هذه الفراغات بالاعتماد على القواعد والنظريات المستنبطة أصلًا من الفروع والمقاصد، وتفصيل هذه المسألة أدخل في تجديد أصول الفقه منها في تجديد الفقه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

د/ مدحت:

تناقش الورقة كيف يمكن أن يكون الفقه أكثر اشتباكًا مع التطورات في المنهجية العلمية، هل بأن يجدد نفسه من ذاته وكفى؟ أم يقدم نفسه وعينه على التطورات في مجال العلوم الاجتماعية وبالأخص في المستوى التنظيري؟ فنحن مؤمنون بديننا وقرآننا وسنتنا بأنها هي الحق الأعظم والخير الأعظم والعدل الأعظم، ولكن الفقهاء اختلفوا، وطالما اختلفوا إذن هناك درجات من الصحة والخطأ، من الصحة والأصح، فأثناء أدائنا هل نحتاج إلى مستوى من القولبة يشتبك مع الواقع بالتفسير؟ أم يكتفي كما قال الدكتور شريف بالوصف والتكييف والحكم؟ وبحضور الدكتور هاني سيتكلم عن الرباعية المعروفة للمفتي أو القاضي الذي يصف الواقعة ويكيّفها شرعيًّا وينزل عليها الحكم، بعد أن يسكِنها في الباب الخاص بها، لكن أين التفسير؟ فنحن علينا جهد في أن نعرِف الوصف للمستفتي، أو للقاضي، أو للمدعي، أو ما إلى ذلك. ولكن هل يكفي الوصف؟ أم ينبغي معرفة التفسير، والتفسير درجات، تفسير جزئي، وهناك تفسير أكثر بنيوية وأوسع.. و... إلخ، هل هذا الجزء مطلوب؟ وهل عندما صغنا النظريات الفقهية تم تغطيته ومراعاته نريد أن نشتبك عند هذا المستوى؟ أما مستوى فقهنا هل هو بخير أم لا؟ فهو بخير والحمد لله وهو شرعنا بالأساس، ولكن درجة تفعيله في المجتمع يجب أن نشتغل عليها.

أعتقد أن الآراء ثرية، تضغط على الإطار المتعلق بالفقه والحداثة إلى أن تدخله في الفقه نفسه.

 

د. أماني صالح:

أشكر مركز خطوة على دعوتي للمشاركة في مناقشة هذه الورقة المهمة للأستاذ الدكتور شريف عبد الرحمن وما تطرحه من موضوع إشكالي مهم أعتقد أنه يترجم واحدًا من هموم مسلمي هذا العصر في تعاملهم مع تراثهم الفقهي العظيم انطلاقًا من زمانهم وقضاياه. وأرجو أن يستمر هذا الاتجاه من انتقاء الموضوعات التي تحقق غاية ورسالة "مركز خطوة". وتتلخص ملاحظاتي على الورقة وموضوعها الإشكالي وهو "الفقه والتنظير" في النقاط التالية:

أولًا: أن المتابع لمنهجية الفقه يلحظ أن هناك اتجاهًا عامًا من الفقه يتحرز من إطلاق الأفكار العامة أو التعميمات -التي تمثل النظريات إحدى صورها- خشية الابتعاد عن النص وتلمسًا وحرصًا على الاتساق مع لفظ القرآن الكريم ما استطاع الفقيه أثناء قيامه باستنباط الحكم الشرعي لجلال وخطورة ما يقوم به وهو يستنبط حكمًا شرعيًّا يحل حلالًا أو يحرم حرامًا، ومن ثم فهو يسعى للحد –ما استطاع – من المكون الفكري الشخصي في بناء الحكم.

هكذا تصور الفقيه أو تمنى.. ولعل هذا هو ما دعا الفقهاء إلى اتخاذ موقف مناهض رسميًّا لعلم الكلام الذي يعتمد كثيرًا على الأفكار والتعميمات حتى ما ينتمي من ذلك العلم إلى أهل السنة والجماعة مثل فكر الأشاعرة.

ولكن السؤال المطروح هو: هل نجح الفقهاء فعلًا في الابتعاد عن التعميمات والتنظير لصالح "الأدلة التفصيلية" المستقاة من النصوص.. يمكن الرد على ذلك بمنتهى الأريحية، بالنفي وأستند في ذلك الرأي إلى ما سيلي من نقاط.

ثانيًا: أن الحديث عن التنظير لا يقودنا بالضرورة إلى النظرية؛ فالتنظير يتخذ أشكالًا ودرجات متفاوتة تتراوح بين: الحجاج والنقاش النظري الجدلي، وبين المقولات النظرية، وهناك المفاهيم، ثم هناك الافتراضات النظرية المسبقة غير المصرح بها والتي تحكم المنتج الفكري أو ما يسميه البعض بالنص الضمني أو المسبق، ثم هناك المنظور أو الاقتراب، وصولًا إلى النظرية.. وهنا يبرز سؤال: من يستطيع أن ينكر وجود العديد من تلك التجليات التنظيرية في عمل الفقهاء حتى وإن غاب مستوى النظرية؟ على سبيل المثال لقد حفل الفقه بالنقاش أو الحجاج النظري؛ والمتابع لفقه الإمامة مثلًا يذهل لمستوى النقاشات التي خاضها أئمة مثل الغزالي والجويني والباقلاني وأئمة المدرسة الخلدونية المالكية، ابن خلدون وابن الأزرق، حول شرط "القرشية" في الولاية وشرعيته وجدواه أمام شرط "الكفاءة"، وأصل قضية القرشية وتحليلها وعلاقتها بالعصبية والشوكة وبالمقاصد الشرعية، كذلك سقوط هذا الشرط الواقعي وما يثيره من نقاش حول علاقة النص بالعقل… إلخ.

حفل الفقه كذلك بقواعد وتعميمات نظرية حكمت العمليات الجزئية للاستنباط والاجتهاد وأطَّرتها، مثل مقولة ترك الفتن والطاعة لولي الأمر الحاكمة في الفقه السياسي السني. وعلى المستوى المنهاجي عدت القواعد الفقهية التي أنتجها الأصوليون من أهم إنجازاتهم، وهي تعميمات وقواعد نظرية قائمة على الاستقراء حكمت عمليات الاستنباط والاجتهاد مثل "لا ضرر ولا ضرار"، "دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة"، "الضرورات تبيح المحظورات"، "اليسر ورفع الحرج"، "سد الذرائع"... إلخ.

ثم هناك نظرية المقاصد العامة للتشريع والضرورات الخمس، وهي جهد عقلي تنظيري قام على استقراء الأحكام.. ومعلوم أن المقاصد لا توجد بنصها أو نظمها أو ترتيبها بشكل مباشر في الكتاب أو السنة فهي نوع من التدبر العقلي للقواعد والمقاصد الكامنة والتي يتوخاها الشارع.

ثالثًا: أنه كلما قلّت النصوص الشرعية المباشرة والصريحة في موضوع من موضوعات الحياة زادت مساحة الاجتهاد الفكري والتنظير في الإسهام الفقهي في هذا المجال، كما يتجلى في الفقه السياسي وقضية السلطة أو ما يُعرف بفقه الإمامة. فالنصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة المشرفة هي نصوص محدودة اتسع معها اجتهادات الفقهاء لتغطية هذا الجانب المهم من قضايا الأمة. ويكفي أن ننظر إلى مبحث "وجوب الإمامة" الذي يتصدر كافة كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية، وهو مبحث نظري بامتياز يناقش مسألة لزوم وأهمية السلطة لنشوء الجماعة والقيام بوظائفها من منظور إسلامي. وقد ناقش أسس هذا الوجوب أو اللزوم لنصب الإمام وما إذا كانت شرعية أم عقلية أم الاثنين. والمثير أن هذا النقاش النظري قد شارك فيه حتى أكثر الفقهاء عنايةً بالنقل ورفضًا للفلسفة والكلام، مثل الإمام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية". وربما حرض طبيعة الموضوع السياسي وندرة النصوص فيه فقهاء آخرين إلى المضي قدمًا في البناء التنظيري إلى حد تطوير نظرية تفسيرية لقيام السلطة والدولة وانحلالها مثل الفقيه العلامة ابن خلدون ونظرية العصبية.

رابعًا: أن الحديث عن علاقة الفقه بالتنظير يحتم علينا فتح موضوع العلاقة بين الفقه وعلم الكلام؛ فرغم الموقف الرسمي للفقه والفقهاء من رفض علم الكلام حتى من جانب الكلاميين السنة باعتباره انجرارًا إلى موضوعات رأوها تضليلًا وتلبيسًا وتخليطًا يضر بسوية واستقامة الدين ومباشرة الأحكام، إلى حد أن عرف أحدهم (وهو المديني المتوفي 324 هجرية) أهل السنة بأنهم "مَن لا يخاصم أحدًا ويناظر ولا يتعلم الجدل والكلام في القدَر" فأخرج بذلك المتكلمة من أهل السنة. ورغم ذلك فقد جمع العديد من الفقهاء المقدرين بين الفقه وعلم الكلام مثل الغزالي والجويني، وجادل آخرون علماء الكلام في قضاياهم مثل الإمام ابن تيمية.

لقد قام علم الكلام الإسلامي على تنظير الرؤى والقواعد الأساسية في العقيدة الإسلامية. وبعض المذاهب مضت قُدُمًا نحو تطوير نظريات متكاملة؛ مثل نظرية الإمامة كأصل من أصول الدين عند الشيعة، ونظرية الأصول والأركان الخمس عند المعتزلة، وبعضها مثل أهل السنة اكتفى بولوج نقاشات نظرية وتطوير مقولات نظرية من باب الدفاع والرد على الآخرين وهؤلاء هم متكلمة السنة (مثل قضايا إثبات الصفات، وأن القرآن كلام الله وتعديل الصحابة جميعًا… إلى آخره).

والشاهد أنه في النموذجين –ورغم الفروق بينهما– فقد كان للتنظيرات المتعلقة بالعقيدة وأصول الدين إسقاطاتها على القضايا الفقهية للمذهب؛ ومنها في فقه أهل السنة مثل قضايا الناسخ والمنسوخ، ومن يحق له الاجتهاد، ومسائل الإجماع، وحكم الأمر في القرآن… إلخ.

خامسًا: أن الحديث عن "نظرية فقهية" لا بد أن يقودنا إلى الحديث عن تنوع مفهوم النظرية. فهل يتوقع أن يقدم الفقه "نظرية تفسيرية" أم "نظرية معيارية" أم مزيج بين الاثنين؟ أظن أن الفقه باعتباره علمًا معني بالحِل والحرمة والمباح والمنكر لا ينتج إلا نظرية معيارية تتعلق بما يجب أن يكون (كسائر البنى النظرية القانونية). لكن تاريخ الفقه يشير إلى احتمال تسرب الواقع للبنية الفقهية من خلال مسائل الفتوى وفقه الواقع المتجدد (على نحو مثلًا طرح نموذج الكد والسعاية وشروط عقد الزواج في منظومة الحلول الفقهية لتعقيدات الواقع الاجتماعي والأسري وصيغه المتجددة). غير أن دخول الواقع إلى النظرية المعيارية يحمل معه مخاطر الانزلاق إلى "التبريرية" على نحو ما شهده بالفعل الفقه السياسي الإسلامي في معالجاته التشريعية لظواهر "إمارة التغلب" و"إمامة المفضول" التي أنتجها واقع وتاريخ الخلافة.

سادسًا: هذه النقطة تتعلق بسؤال مهم ناقشه باستفاضة د. شريف عبد الرحمن في ورقته وهو: هل التنظير مهم للفقه؟ وما هي القيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها للبنية الفقهية العظيمة للفقه الإسلامي؟ ثم ما هي المخاطر التي يحملها لها في طياته؟

أعتقد – من وجهة نظري المتواضعة – أن التنظير ضروري في الفقه الإسلامي، ولو بشكل أو مستوى من المستويات المشار إليها، خاصة ما يتعلق ببلورة منظور أو اقتراب – من خلال استقراء النصوص- يحكم التناول الشرعي لموضوع معين (مثل الأموال، الأسرة، علاقة المرأة والرجل، الحاكم والمحكوم… إلخ)، وذلك لأسباب عدة:

= لإزالة التشرذم والتناقض المرتبط بالاستنباط والقياس الجزئي للأحكام، دون ناظم، اللهم إلا العنوان (في باب كذا وكذا).

= لتفعيل القيم والقواعد الإسلامية العليا التي وردت في القرآن الكريم بوضوح (مثل قيم العدل والحق والمسئولية الإنسانية والاستقامة وحرية الإنسان والمساواة الإنسانية والخيرية والتزكية…)، تفعيلها في عملية استنباط الأحكام بحيث تصبح ذات فاعلية في توجيه عمليات التفسير والاجتهاد والاستنباط والقياس، وهو في نظري من ضرورات ولوازم تفعيل الشرع.

= لإيجاد قواعد للاسترشاد والتوجيه عند وجود أكثر من بديل محتمل مرجح في عمليات التفسير والاستنباط.

الحديث عن أهمية التعميم والتنظير لا بد أن يتعرض أيضًا لمخاطر التنظير (لأن كل تصرف لا بد أن يحمل معه مزايا ومخاطر يتعين استيعابها ومعالجتها). والمشكلة المحتومة في قضية التنظير هي "حتمية الخلاف" لأن استقراء أية نظرية حتى وإن بُنيت على نفس النصوص إنما ينطوي على مكون شخصي حتمي للمفكر الذي يقوم بعملية الاستقراء والتأصيل التي لا بد أن يتفاعل فيها النص مع رؤى المفكر المتأثرة بنشأته وبعوامل التاريخ والجغرافيا والثقافة والقيم والبنية الاجتماعية. ومن ثم لا بد أن تنتج رؤى مختلفة في النظريات الفقهية تختلف باختلاف المنظرين والمفكرين.

ومع ذلك يبقى السؤال هل خلا الفقه الملتصق بجزئيات الأحكام من الخلاف، وهل خلت تلك التأثيرات غير المنظورة للثقافة والواقع التاريخي والشخصي في توليد الحكم. إن كل اجتهاد ينطوي على استنباط، أو استقراء، أو قياس، أو فتوى لا بد أن يعكس بدرجة أو أخرى كل تلك التأثيرات الثقافية -الاجتماعية- التاريخية. ولعل هذا هو مناط التجديد ومعامل التمييز بين النص المقدس والاجتهاد البشري أيًّا كان مستواه أو درجته.

أشكر لكم سعة صدركم وأعتذر للإطالة.

 

د/ هاني محمود:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أولًا أشكر المركز على إتاحة هذه الفرصة، أنا سعيد بفكرة الندوة وأتمنى أن تكون ندوة شهرية؛ لأننا أصبحنا نفتقد مثل هذه اللقاءات.

يعتبر هذا هو الوقت المناسب لهذه الورقة؛ لأن هناك فراغًا منهجيًّا موجودًا على الساحة، ولذلك لن أنشغل كثيرًا بالدفاع، وإنما سأنشغل بالتعاطي مع الأسئلة الجادة التي طُرحت في الورقة، وأنا من إعجابي بالورقة قرأتها حرفًا حرفًا، وبعض المواضع قرأتها أكثر من مرة. وكعادة أستاذنا الدكتور شريف أنه من خلال العرض أثناء اللقاء عادة ما يضيف الجديد، أو الذي لا يكون منصوصًا عليه صراحة في الورقة. فأنا أتفق مع الدكتور شريف في جزئية أن الفقيه المعاصر، وأفضل أن أعبر بلفظ الفقيه لأني اعتقد أن المساحة التي ركَّز عليها الدكتور شريف هي مساحة الفقيه المعاصر أكثر من الفقه؛ لأن الفقه فيه محصول كثير. وأنا أستحضر هنا عبارة للمستشار البشري –عليه رحمة الله– أننا أنتجنا من الأفكار ما يكفي، وهذا أوان التفعيل. فمن حيث المحصول نحن لدينا محصول فقهي ثري جدًّا، ولكن الإشكالية والمعضلة الأساسية الآن هي كيفية التفعيل، وهذه مساحة كلما فكر الإنسان فيها شعر بالعجز والإحباط، فمتى سنشهد اللحظة التي نستطيع أن نُفَّعِل فيها كل هذا المحصول الثري؟ طبعًا هناك عقبات –لا تخفى على الحاضرين– تتعلق بمساحة ربما يكون جزء منها يرجع إلينا أو إلى تقصيرنا، ولكنْ جزء مهم منها يرجع إلى أسباب خارجة عن إرادتنا. وأنا في تعليقي هنا أُركز على تجاربي الشخصية التي تمس هذه المساحة، فلدي تجربتان.

التجربة الأولى: رسالتي في الدكتوراة، والتجربة الثانية: تدريس مادة النظريات الفقهية.

فيما يتعلق برسالة الدكتوراة التي كانت عن رسالة الإمام الشافعي في المنظور الاستشراقي. إلا أن الموضوع في بدايته كان عما لاحظته في قراءتي عن الأطروحات العلمانية أو الحداثية أو الاستشراقية في الشريعة وأصول الفقه، وكان المخطط في البداية أن أتناول شخصية من الشخصيات التي تعرضت لقضايا الشريعة وأصول الفقه من المنظور العلماني أو الحداثي أو الاستشراقي، وكنت قد نويت في البداية تناول شخصية "محمد شحرور"، فعلًا أعددت خطة بهذا الصدد، ولكن تم رفض هذه الخطة. وعزمت على أن أغيِّر دفة الموضوع، وكان الدكتور محمود عبد الرحمن هو مَن ناقشني في الماجستير، وكنت أتشاور معه لاهتمامه بهذه المساحة، فنصحني أن أظل في هذه المساحة مع تغيير موضوع البحث، فأخذت أُطالع حتى لاحظت أن هناك تركيزًا من المستشرقين والحداثيين على مناقشة الإمام الشافعي في كتاب "الرسالة"، فانشرح صدري لأن أتناول البحث من خلال هذا الموضوع، فكان موضوع البحث عن رسالة الإمام الشافعي في المنظور الاستشراقي، وكانت فرصة لي كي أُتم قراءة كتاب "الرسالة" وأُعيد اكتشاف وظائف أخرى لعلم أصول الفقه، وكذلك اكتشاف جوانب أخرى في شخصية أئمة الفقه ولا سيما الإمام الشافعي. فعلى سبيل المثال وجدت أن هناك باحثين غربيين يتعاملون مع الأئمة من أمثال الشافعي وابن تيمية لا على أنهم فقهاء فحسب، بل على أنهم فلاسفة، أو بتعبيرهم الذي نقله أمثال محمد عابد الجابري، أنهم إبستمولوجيون، فضلًا عن كونهم فقهاء، فهذه الصفة وُصِف بها الغزالي ووُصِف بها من قبله الشافعي، ووُصِف بها حتى الفقهاء الذين يُتهمون بالسلفية. ووجدت باحثين شرعيين مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتاب "تمهيد إلى تاريخ الفلسفة الإسلامية"، يركز على هذه القضية، فهو يعتبر أن الفقه وأصول الفقه هي علوم فلسفية، وأننا إذا أردنا أن نقدم فلسفة إسلامية رصينة  لا ينبغي أن نقتصر فقط على المباحث الفلسفية التقليدية أو المباحث الثلاثة الأنطولوجي، والإكسيولوجي، والأبستمولوجي، وإنما ينبغي أن نستخرج المناحي الفلسفية من أبواب الفقه، وكان يثمن بشدة على علم أصول الفقه وأيضا كتاب الرسالة للإمام الشافعي، وتابعه على ذلك تلميذه الدكتور مصطفى سامي النشار في كتاب "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" وأفاض القول في بيان الصبغة الفلسفية لعلم أصول الفقه، حتى أنهم كانوا يرون أن علم أصول الفقه هو أفضل مُعَبِّر عن ما يمكن تسميته بإستمولوجيا الإسلام. وهذه وجهة نظر قد يقبلها البعض وقد يرفضها البعض، لكني أستشهد بها للفت النظر إلى الجوانب الأخرى غير المطروقة بالنسبة لوظائف العلوم الإسلامية ومنها علم أصول الفقه، وفي ذلك الوقت كنت بدأت أهتم بمناشدات المتخصصين في الشريعة إلى ضرورة البحث في مسألة المساحة البينية بين علوم الشرع وعلوم الواقع، أو العلوم الاجتماعية، وكيف يمكن أن نستخرج من علوم الشرع منظورات تُفيد الباحثين في العلوم الاجتماعية، فشعرت أن هذه الوجهة في النظر إلى العلوم الشرعية يمكن أن تثري البحث في هذا الميدان. ومن هنا ممكن أن نتطرق إلى الصبغة التنظيرية للعلوم الشرعية ومنها علم أصول الفقه، فمن يتعامل مع علم أصول الفقه على أنه نظرية بوجه من الوجوه، أي نظرية تفسيرية، ليست تفسيرية بالمعنى الذي طالب به الدكتور شريف أن يكون للفقيه دور في تفسير الواقع، لكنها على الأقل تفسيرية من حيث إنها نظرية النص. هذا لا يعني أن علم الأصول منبت الصلة عن قضية فهم أو تفسير الواقع، لكن وظيفته الأساسية يجب أن تكون تفسير النص. إلا أن هذا لا يمنع من أن يكون للعلم وللفقه وللفقيه دور في تفسير الواقع، فهذه كانت نقطة جوهرية في طرح الدكتور شريف. فينبغي أن نفرق بين أمرين، الأمر الأول هو الوظيفة الأساسية للفقه، والأمر الثاني هو المساحات التي وجدنا بعض الفقهاء يتطرقون لها في سعيهم إلى الإصلاح. بمعنى أننا لو نظرنا إلى المبادئ العشرة وإلى وظيفة الفقه، أو فائدته أو ثمرته، نجد أنه ليس معنيًّا أساسًا بتفسير الواقع؛ لأن الفقه حتى في أبسط تعريفاته هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، وبالتالي الصبغة التفسيرية للفقه هي منصبة أساسًا إلى تفسير النص وبيان الأحكام الشرعية. ولكن وجدنا من اشتباكات الفقهاء مع الواقع جهدًا تفسيريًّا، هذا الجهد التفسيري ينصب أساسًا في أمرين، الأمر الأول هو تفسير أجزاء من النص من خلال تعليلات الأحكام الشرعية، والجزء الثاني هو تفسير أجزاء من الواقع من خلال بيان السببية. على سبيل المثال: نجد في تعليلات القرآن والسنة أو تعليلات الأحكام الشرعية بشكل عام إضاءات لمشكلات توجد في الواقع، مثل حينما ننظر إلى قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، فهذا من ضمن التعليلات التي نص عليها القرآن الكريم فيما يتعلق بمسألة تقسيم الأموال، أن مثل هذه التعليلات يمكن أن تسهم في إضاءة بعض الظواهر وبعض المشكلات في الواقع. كذلك مساحة السببية حين يبين الفقيه بعض الروابط السببية التي اطلع عليها في النص، هذا يعني جهدًا تفسيريًّا يمكن أن يقدمه الفقيه إذا ما أراد أن يكون له إسهام في مسألة تفسير الواقع. فعلى سبيل المثال نجد في بعض النصوص الشرعية ارتباطًا سببيًّا بين ارتكاب بعض الذنوب وبين ظهور بعض المفاسد في الواقع، مثلًا في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه أن هناك خمسة أشياء لو ظهروا تظهر خمس مفاسد، وما منعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، فإن طرح الفقيه لهذه العلاقات السببية يمكن أن يكشف جانبًا من تفسير بعض المفاسد التي تطرح في الواقع؛ فهناك مساحة السببية ومساحة بيان علل الأحكام التي تبلورت بعد ذلك في علم مقاصد الشريعة. إن تجلية هاتين المساحتين يمكن أن تجعل للفقيه جهدًا أكبر في مسألة تفسير الواقع. فالخلاصة من خلال تجربتي الأولى في بحث الدكتوراة أني وجدت العديد من الملامح التنظيرية في علم أصول الفق؛ فأبواب الفقه لا تخلو من ترتيب نظري.

أنتقل إلى التجربة الثانية وهي تجربة تدريس النظريات الفقهية. الشائع أن النظريات الفقهية التي عُنيت بصياغة الفقه في شكل نظري والتي كتبها أمثال الشيخ "أبو زهرة" والشيخ "أحمد إبراهيم" والشيخ "علي الخفيف" و"عبد الوهاب خلاف" و"مصطفى الزرقا" و"عبد الكريم زيدان" تعتبر قريبة من الذي ألّفه طلاب القانون وطلاب العلوم الاجتماعية، فهم قاموا بعمل محاكاة للنظريات القانونية، وهذا أمر أنا لا أثبته ولا أنفيه، لكن من خلال تجربتي وجدت أن طريقة ترتيب النظريات الفقهية قريبة الصلة بترتيب أبواب الفقه وخاصة في المذهب الحنفي. فعند تدريس مادة الأحوال الشخصية، نجد أن الترتيب في طريقة التدريس يقارب بشكل كبير ترتيب كتب الفقه الحنفي. ويجب أن نلتفت إلى تجارب مثل مجلة "الأحكام العدلية" والتقنينات التي قام بها "قدري باشا"، فإن كتب النظريات الفقهية استفادت من هذا الجهد، كما قد تكون استفادت من محاكاة أسلوب القانونيين في صياغة النظريات الفقهية.

لقد طرح دكتور شريف سؤالًا مهمًّا "هل يجب علينا كشرعيين أن نعرض معرفتنا بنفس القوالب التنظيرية التي اعتاد علماء القانون على طرح النظريات القانونية من خلالها؟" أقول وما المانع من أن نستفيد من هذا الشكل في تقريب المعرفة الفقهية إلى طلاب القانون والدراسات الاجتماعية، دون أن يعني هذا أن كل شيء على ما يرام وأننا قد فعلنا كل ما يلزم، وأننا لا نحتاج إلى شيء آخر.

تبقى بعض الإشارات السريعة أحب أن أطرحها في ختام هذه المداخلة. هناك ملامح مبكرة أود الإشارة اليها، ذات مرة في معرض الكتاب وجدت كتابًا بعنوان "نظرية العقد" فتخيلت أنه سوف يكون للشيخ "محمد أبو زهرة"، أو للشيخ "علي الخفيف" أو "عبد الوهاب خلاف"، ولكن الكتاب كان لابن تيمية، وبعد قراءة المقدمة وجدت أن هذا الكتاب هو جهد قام به الشيخ "محمد حامد الفقي" مؤسس جماعة أنصار السنة، ويبدو أنه مَن وضع هذا العنوان، فهو اندهش حين طالع مؤلفًا لابن تيمية عن أحكام العقود في البيع والشراء، فوجد أن كلام ابن تيمية يكاد يكون شبيهًا بما جرى عليه التأليف في نظرية العقد عند المتأخرين بما فيهم القانونيون. وهذا أثار لديّ سؤالا، لماذا لا يكون القانونيون في صياغتهم لنظرية العقد قد تأثروا بالفقه الإسلامي؟ ولماذا نفترض أن الذين كتبوا في نظرية العقد عند الفقهاء هم الذين تأثروا بالقانونيين؟ لماذا لا يكون القانونيون –أمثال السنهوري– حين كتبوا في نظرية العقد قد تأثروا بالأوضاع التي كان عليها الفقهاء، خاصة وأن هناك كتابًا آخر معنونًا بـ"جواهر العقود" لأحد فقهاء الحنفية، يجمع فيه الأحكام المتعلقة بالعقد. إذن فهذه البواكير جديرة بأن ننظر إليها للإجابة على تساؤل هل الفقهاء هم الذين تأثروا بالقانونيين أم العكس؟ أم أن العلاقة متبادلة بمعنى أن هناك تأثيرًا وتأثرًا.

طرحت الورقة أسئلة مثل: أليس للفقهاء ما يقولونه في كتاب مثل كتاب "الدولة المستحيلة"، وهذه أطروحات جديرة بالتعاطي معها، وأن تكون منطلقات مشروعات بحثية مشتركة تثري هذه المساحات البينية.

هل الفقيه مكلف بتفسير الواقع؟ أجبت على ذلك حين ذكرت أن مساحة العلل الشرعية ومساحة السببية يمكن أن تكون منطلقًا لكي يقدم الفقيه إسهامًا في تفسير الواقع، لكن تحميل الفقيه وحده المسئولية عن تفسير الواقع ربما لا يكون أمرًا غير منصف؛ لأن تفسير الواقع المعني به باحثون متعددون من تخصصات متعددة ربما يكون الفقيه أحدهم، فلو ابن تيمية أو الغزالي في حاجة إلى تفسير الواقع إلى مَن يلجؤون؟ وقد ذكر د. مدحت أنهم لم يكونوا محتاجين لأحد لأن الواقع كان بسيطًا، في حين أن الواقع الآن مركب ومعقد إلى أبعد الحدود.

 

د/ شريف: أو أنهم كان لديهم عقلية مركبة بحيث إنهم استطاعوا أن يستوعبوا الواقع من زاوية الفقه ومن زوايا التفسير العملي.

 

د/ أماني:

أو أنهم كانوا يمارسون مسألة الفتوى، فهي تحركك نحو الواقع وتربطك بالفقه في آن واحد.

 

د/ مدحت:

من الذي يفسر الواقع؟ المفتي أم المستفتي؟ أم الاثنان؟ فقد جاءت امرأة لابن تيمية فقالت: زوجي يقول لي أنا زوجك فأصنع فيكي ما أشاء، فيسكنني بين قوم من المناجيس، ويغشى مجالسهم ويريدني أو يحملني على أن أغشى مجالسهم، فما قولك؟ قال: هذا يعاقب بعقوبتين أولًا: ليس للإنسان أن يقول أصنع في نفسي ما أشاء، فكيف يصنع في غيره هذا؟ إنما يصنع في نفسه وفي غيره ما شاء الله، ثم قال وهذا الرجل عُوقب بعقوبتين عقوبة في حق نفسه وعقوبة في حقه غيره، هنا من الذي رفع الواقع؟ المرأة.

جاءه سؤال آخر هو الذي رفع فيه الواقع، فقد جاءه سؤال: ما تقول في التتار الذين أتونا، يقاتلوننا ويقتلوننا ويقولون إنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فكتب ثلاث صفحات في وصف حال التتار لكي يُخرِج فكرة الشهادة "أن لا إله الا الله" مع القتل، مع حال المرجعية، ومع تعاملهم مع القضاء، ومع وجود ما يسمى بـ "الياسق" عندهم. كيف كتب هذا ومن أين؟ قال مما يأتينا من الأخبار، ومما شهدناه منهم بأعيننا، ومما سمعناه منهم ومن الذين خالطوهم. فقد قام بدور الباحث.

فتوى أخرى قديمة للإمام مالك تعرف بفتوى موسى بن أعين والفقهاء السبعة، فيها كان النصارى تحت يد المسلمين ولما وقعوا تحت أيد غير المسلمين فهل ترد إليهم الجزية أو لا ترد؟ فهنا التحليل الذي تم في الواقع كان على يد الفقهاء، كان كل واحد يذكر الأخبار التي يعرفها؛ فمسألة الفتوى تحتاج إلى دراسة مَن الذي يرفع الواقع وكيف يرفعه؟

 

د/ شريف:

أعتقد أننا مستلهِمون نفَسًا حداثيًّا ونحن نؤصل لهذه الفكرة، بمعنى نظرية ثنائية الباحث والفقيه أو المثقف والفقيه، فنحن نتكلم في إطار أن الباحث ليس فقيهًا، رغم أن الفقه، حتى في إطار كل ما نشهده من تحولات، جزء من تكويننا العقلي والثقافي أو ينبغي أن يكون كذلك. في السعودية مثلًا يُدرَّس الفقه حتى الثانوية العامة بكل تشعباته؛ لأن الفقه عندهم هو المنطق الإسلامي. فهنا السؤال نفسه غريب علينا، هل ينهض الفقيه بهذا التنظير؟ يجب أن يكون العقل الفقهي جزءًا من عقل الباحث الاجتماعي، فلا نريد أن نستلهم العقل الحداثي في الموضوع، وكأن هذه التقسيمات تقسيمات قدرية، لماذا لا يكون العقل الفقهي جزءًا من التكوين التأسيسي للباحث الاجتماعي؟

 

د. هاني:

هناك مقولة إذا تأملناها ربما تكون ذات دلالات في هذا السياق "يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور" هذه المقولة يمكن أن تكون مفتاحًا لإضاءة بعض الأمور، بشأن التساؤلات التي نحن بصددها.

هناك بعض ملامح أخرى أود الاشارة إليها مثل طريقة الفقهاء في تبويب الكتب، مثلًا الإمام الناطفي له كتاب اسمه "جمل الأحكام" صنّف فيه أبواب الفقه على أساس الأشخاص، فتجد فيه أحكام المجانين، أو أحكام السُكارة، أو أحكام العبيد، وهي كانت طريقة في التبويب الفقهي غير مألوفة، فهي مؤشرات لملامح تنظيرية لو أردنا أن نُحدث تجديدًا ما فيما يتعلق بمجال النظريات الفقهية.

مسألة ارتباط العقيدة بالفقه والأخلاق، هذا ملمح تنظيري مهم يمكن أن يجعل التنظير الإسلامي ذا سمة متفردة؛ لأن التنظيم القانوني لا يُعنى بقضية ربط القانون بالعقيدة والأخلاق كما هو الشأن في الفقه. وهناك لطيفة تذكر على سبيل الاستئناس، أن كتب الفقه الإسلامي عادة ما تُختم بباب العتق رجاء أن يعتق الله رقابنا ورقاب من قرأ هذا الكتاب من النار، فهي مسألة قد تبدو وعظية لكن تأتي في إطار أن الأحكام الفقهية قوية الصلة بمسألة العقيدة والأخلاق، وقد سُئل محمد بن الحسن الشيباني أن يصنف كتابًا في البيوع فصنّف كتابًا في التصوف، فسُئل عن ذلك فقال: "مَن صحت معاملته مع الحق صحت معاملته مع الخلق". هذا يبرز جوانب في شخصية الفقيه تجعل ما يكتبه متميزًا عن القوانين المجردة التي انتقدها أمثال وائل حلاق، والذي يتحدث في كتابه عن النظريات الفقهية عن أصول الفقه، فهو يعتقد أن علم أصول الفقه هو علم مولد للنظريات الفقهية.

 

د/ شريف:

وائل حلاق لا يُكتشف من خلال كتابه تطور المناهج، لكنه يُقرأ من خلال كتبه: الشريعة وقصور الاستشراق والدولة المستحيلة، لكن في البدايات لا تكاد تُميزه عن الاستشراق التقليدي حتى وهو يتحدث عن النشأة المادية للفقه، فهو يثير لدى الباحث المتدين تحفظات عديدة، لكن هذه كانت الأثر الاستشراقي الأول الذي لم يستطع أن يتخلص منه في المرحلة المبكرة من تكوينه.

 

د/ هاني:

بخصوص الصبغة الفلسفية لعلم أصول الفقه، قام البعض بعمل مقارنات بين المنطق الأرسطي والمنطق التشريعي كما يبدو عند الشافعي؛ فهذه مسألة جديرة بالالتفات اليها.

وأختم بأمثلة من علم تخريج الفروع على الأصول؛ فعلم تخريج الفروع على الأصول يربط النظرية بالتطبيقات وهو أقرب صلة بالواقع، ومن الأمثلة أن "الإسنوي" والذي اشتهر بقضية تخريج الفروع على الأصول في كتاب "التمهيد" له كتاب آخر وهو "الكوكب الدري" يُخرج فيه الفروع الفقهية على المسائل النحوية، فيذكر مسائل اختلف فيها الفقهاء وسبب الخلاف يكون راجعًا إلى علم النحو. بخصوص مسألة التنوع فقد أشرت لبعض الفقهاء في حكمة وجود الاختلاف بين الفقهاء، فهل هو مكروه أم له فوائد ورحمة للأمة، وهناك كلام يتعلق بذلك للشعراني في كتاب "الميزان". وجزاكم الله خيرًا.

 

أ/ منال شيمي:

بسم الله الرحمن الرحيم... في البداية من الممكن أن يكون السبب في مثل هذه الحلقة أن عقلنا حداثي، وأننا نشأنا في ثقافة معينة، فلدينا ازدواجية النظام التعليمي؛ فنحن دائمًا ننظر إلى الفقيه أنه غير الباحث، أو غير المتخصص، وهي أزمة حديثة على العالم الإسلامي، انفصال العلوم لم يكن موجودًا في الحضارة الإسلامية، ففيما مضى كان من الطبيعي أن العالم المسلم والمفكر المسلم قد تشكَّل عقله بشكل أكثر تركيبًا وشمولًا لعدة مجالات بحيث لا يفصل علوم الدين عن علوم الدنيا، فقد ذكرت أ/ مهجة في البداية أن هناك نظريات طبيعية أنتجها المسلمون، تتفق عليها جميع الثقافات بغض النظر عن الدين، لكني أرى أنه حتى هذه النظريات رغم انتمائها للعلم الطبيعي تكون مختلفة؛ لأن العقل المسلم بطبيعته حتى في مجال العلوم الطبيعية البحتة ينتج نظرية نتيجة رؤية كلية معينة للكون تختلف عن غيرها، قد لا تختلف النظريات في تفاصيلها ولكن يكون لها صبغة مختلفة وبصمة مختلفة على مستوى من المستويات؛ لأن العقل الذي أنتجها يؤمن بالوحي. فقضية انفصال العلوم الطبيعية عن العلوم الشرعية، والعلوم الإنسانية عن العلم الشرعي هي مسألة حديثة، يمكننا الرجوع خطوة للخلف حتى نتداركها، ومنها يمكن أن نحل جزءًا مهمًّا من الأزمة، وهي هل غياب النظريات تقصير من الفقهاء؟ أم تقصير من الباحثين والمفكرين؟ وهل هذا جهد ينبغي أن يقوم به الفقيه أم جهد ينبغي أن يقوم به الباحثون والمفكرون.

هناك فراغ في المجتمع يجعلنا نحتاج أن نفهم سببه ونحدد موضعه؟ هل نسميه فراغ في مساحة التنظير، أم التفسير، أم مستوى أكثر جزئية؟ فنحن لا نتكلم على نظرية بمعنى الرؤية الكلية؟ نحن نتكلم على النظرية بمستوى آخر من التنظير ليست بهذا المستوى الكلي المختص به "الوحي"؛ فهذا المستوى من الرؤية مُعطى. لكن نتحدث عن نظرية في المستويات الأدنى من ذلك. صياغة الكليات المعطاة وحيًّا وبلورتها في صورة أنساق بشرية نسبية متغيرة وقابلة للتعديل باختلاف الزمان والمكان.

 

د/ شريف:

لماذا لا يوجد نظرية استباقية للواقع توضح موقف الفقه الإسلامي التنظيري؟ ربما نحتاج أكثر أن نتحدث عن العقل السنني والتفكير السنني (إن شاء الله يكون هذا موضوع السمينار القادم)، نحتاج أن نفكر في إطار سنن الواقع وليس نظريات الواقع. أثناء إعداد أحد البحوث وجدت أن كل النظريات لها النسخة "الما بعد" الخاصة بها، بمعنى أن الواقع يُظهر النظرية اليوم وبعدها يُظهر الما-بعد مثل الحداثة "Modernism" ثم ما بعد الحداثة "Postmodernism"، الواقعية ثم ما بعد الواقعية، البنيوية ثم ما بعد البنيوية، وهكذا فالتنظير طوال الوقت يتحرك بشدة. "توماس كون"  (Tomas Kohn) يقول إن التغير في الواقع هو الذي يقود التقدم في التنظير، وتقدم التنظير هو الذي يُكسب الحقل الذي ينتمي اليه صفة العلم. وكان دكتور "أحمد المستجير" يقول إن كل النظريات خاطئة؛ لأن كل النظريات لها مدة صلاحية ثم تَنفُذ هذه المدة. ولذلك عندما نحتفي بابن خلدون لا نقول إنه فعل المستحيل، لكنه قدّم المقولات التفسيرية المرحلية التي صلحت في وقته لكي تكون بمثابة استكشاف لسنن نظرية أو سنن مرحلية. فما الفرق ما بين السنة والنظرية؟ النظرية في النهاية تؤول إلى نظر عقلي بحت، ولكن السُنة تحاول أن تربط الأشياء بالأسس التفسيرية الكبرى أو المقولات النسقية "النسق المعرفي الإسلامي"، وفي النهاية تلتئم بشكل أو بآخر مع مقولات الوحي.

 

د/ أماني:

هذا الموضوع ضمن المشكلات الكبرى في العالم، وهي مشكلة الخلط ما بين السنن والنظرية. على سبيل المثال عندما نطرح نظرية داروين على أنها قاعدة من قواعد التطور الوجودي وتكون قانون أو سنة تطور الخلق، هذا التلبيس ما بين القوانين التي يسير عليها الوجود وبين النظريات مسألة خطيرة جدًّا.

 

د/ شريف:

طوال الوقت مفهوم أن القوانين تصف والنظريات تفسر، والدمج ما بينهما يعتبر إشكالاً خطيرًا. ما يمكن أن يُستخدما بالتبادل بنوع من السعة، هما فكرة النظرية والمنظور؛ فالمنظور أكثر سعة من النظرية لأن مقولاته لا تكون بنفس التضييق، ولكنها مقولات متسعة، ومن ثم من الجائز للباحث أن يعمل في إطار منظور أو في إطار نظرية لو أن لديه مقولات أكثر إحكامًا وتقييدًا. ولكننا ذكرنا في المقدمة أن مشكلة التنظير أنه صادر عن عقل حداثي، والعقل الحداثي يَعتبر أن الإنسان في النهاية هو صورة للطبيعة، والطبيعة صورة العقل الإنساني، ومن ثم الإنسان في لحظة من اللحظات يعتبر أن عقله مجهز وقادر على أن يستوعب معنى الوجود ويستطيع أن يترجم هذا الاستيعاب في شكل عبارة أو جملة أو نظرية مصمتة. فكانت الماركسية تصدر مقولة واحدة وتدعي أنها تفسر اقتصاد وسياسة واجتماعًا وثقافة وكل شيء. والمقولة النسوية تفترض أن العالم يمكن إعادة تفسيره من المنظور النسوي لأنه في الحقيقة يعني أكثر من كونه نظرية، فهو يفترض أن كل شيء يمكن أن يُفسر بالإحالة إلى مجموعة مقولات جندرية (gender) أو ما شابه. هذا هو الصلف الحداثي. وهذا يوضح بشكل ما لماذا غابت النظرية عن العقل الفقهي الذي لم يكن بالضرورة معنيًّا بأن يستوعب الواقع ولا يتصور أن بإمكانه استيعاب الواقع بهذه الطريقة التي قام بها المنظرون. المفسر الإسلامي أو الفقيه الإسلامي قدّم اجتهادات في بعض الأحيان وصفت بأنها سنن، وإذا كانت سننًا فليست بالمعنى المطلق وليست بمعنى قوانين. كنا نناقش إنتاج ابن خلدون على أنه اجتهادات سننية، أو سنن نظرية، لأنه في النهاية عندما يقول "المغلوب مولع بتقليد الغالب" فلدينا في التاريخ شواهد تمثل استثناءات على هذا التصور الكلي المصمت، في حالات كثيرة تشبه الغالب بالمغلوب وليس العكس، إذا كان المغلوب لديه نوع من التفوق الثقافي أو الحضاري أو القيمي. إذن فنحن لا نصل إلى النظريات بالمعنى الغربي، ولكن نصل إلى مقولات أقرب إلى معنى السنن، والسنن ليست دائمًا هي السنن الإلهية التي لا تنخرم، ولكنها قد تكون في حالتنا نحن أقرب إلى أن تكون سننًا اجتهادية أو سننًا نفسية. ففي حديث سابق تكلمنا عن التحولات في الضمير العالمي تجاه بني إسرائيل ومقابل ذلك التحول فينا الذي حذّرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فقالوا: أوَ مِن قلة نحن يوم إذن يا رسول الله قال بل أنتم كثير ولكنكم كغثاء السيل»، وبعدها جاءت السنة، «وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ولينزعن المهابة من قلوب أعدائكم منكم»؛ ففكرة أن التحولات الحضارية تكون مصحوبة بتحول نفسي، فهذا استبشار وعنصر بُشري؛ لأننا أمام حالة يتحول فيها العالم من التعاطف مع المحرقة ومن التعاطف مع اليهود إلى كراهية شديدة ونوع من النفور من هذه الدولة الصهيونية العنصرية، فقد يكون هذا التحول النفسي مصحوبًا أيضًا بتحول حضاري في موازين الأمم، هذا التصور قد يكون ذا نَفس سنني، لكن لا نستطيع أن نقدمه على أنه يمثل قانونًا أو نظرية بالمعنى الغربي، فهو يحاول أن يستلهم معنى السنن النفسية، بمعنى أن التحولات الحضارية الكبرى قد تُسبق بنوع من التحولات النفسية، فإذا تحولت نفوس العدو تجاه من يستهدفونه بنوع من الإحساس بانكشاف المهابة وانكشاف غطاء التعاطف، إلى إحساس بالنفور والكراهية، قد يكون في هذا علامة خير إن شاء الله تعالى؛ فالتحولات النفسية من العدو الصهيوني يمكن أن نرصدها في إطار ما نسميه بالسنن النفسية، ولكنها ليست بحال من الأحوال سننا بالمعنى المكتمل.

 

أ/ منال:

هناك جزء كبير من الحضور قد اتفق على أن هناك فراغًا منهجيًّا، وممكن أن يكون لدى السُنة أكثر من الشيعة؛ فالشيعة طوروا نظريات في المجال السياسي مثلًا، فلدينا منظورات تقوم بالمهمات الأربع فهي تصف وتفسر وتقيّم وتوجه، فهي في النهاية تقوم بتوجيه واقع المجتمعات الإسلامية إلى ما هو أقرب من مراد الشرع الحكيم.

من جانب آخر، من يقوم بصياغة هذه الرؤى النظرية؟ فإذا تجاوزنا هذه الفجوة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية، فإن هذه مهمة المفكر الإسلامي، وليس بالضرورة أن نلصقها بالفقيه الجزئي المنوط به استخلاص الأحكام.

بشأن القلق من ثنائية التنوع والواحدية، فإن هذا التنوع قد أثار القلق قبل ذلك على مستوى القراءات والتفاسير، وليس الفقه وحده. وهنا يجب أن نستلهم روح الشرع، فلا هي الواحدية الحداثية ولا هو التنوع الذي أقلق كثيرًا من السلف من اختلاف الأمة وتنازعها. في مراحل معينة اضطررنا إلى أن نضع النِقاط فوق الحروف في رسم المصحف، وأن نحدد عددًا من القراءات المعتمدة للقرآن الكريم، وأن نجمع القرآن. فنحن نحتاج الوسط بين التنوع والواحدية، ونحتاج إلى جهد في هذه المساحة، وأن يكون جهدًا تجميعيًّا بحيث لا تخرج الأمور عن التيار العام للشريعة في كل مجال من المجالات. فلا بد أن يكون هناك جهد فكري وتنظيري في حدود هذا التيار العام، لكي لا نصل للتنوع الذي على شاكلة ما بعد الحداثة فيؤدي لانفراط العقد، ولا نتقيد بالواحدية التي تقيد الشرع نفسه وتفقده مرونته. أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك قدر من السعة، وأن تستوعب الشريعة جميع الاختلافات وتسع البشر كافة على اختلاف طباعهم وتنوعاتهم المختلفة. من هنا نحن نحتاج إلى رؤى عامة ليست مطلقة، ولكن قابلة للتعديل وقابلة للتغيير داخل الأطُر التي يقدمها الوحي أو يسمح بها. وشكرا جزيلًا..

 

د/ أماني:

قضية بناء منظور الإسلامي ليكون نموذجا للحياة والترويج له ليس فقط من أجل أن ينتظم الفقه، ولكن من أجل أن يُقبل ويُفعّل في الحياة، فما مدى فاعلية الفقه الآن أو الأحكام الفقهية أو الأحكام الشرعية عند جيل من الشباب لا يستوعب منظورًا إسلاميًّا؟ فلدينا جيل لا يستوعب فكرة أن الحياة ليست دنيا فقط، ولكنها آخرة أيضًا، المنظور المادي تم تبنيه وبلورته والترويج له بشتى السبل، كيف لهذا الجيل أن يتقبل قواعد فقهية ويلتزم بها ونصوصًا شرعية ويُسّير حياته على أساسها، فبناء المنظور مهم جدًّا ليس فقط عند الفقيه، ولكن لتفعيل الفقه في الواقع.

 

أ/ تقى:

نحتاج في البداية معرفة إلى أي مدى وصل التنظير في الغرب؟ وهل أخرج نتائج جيدة في الواقع خاصة في الزمن الحاضر، أم أن فكرة التنظير نفسها تراجعت؟ لأن التنظير في الغرب لم يعُد في شكل نظريات كبرى، وأصبح هناك تناقض واضح، فإذا كان يعاب على الفقه أن له أحكامًا متناقضة، فإن التنظير الغربي به أشياء متناقضة حتى في النظرية الواحدة. على سبيل المثال قضية التعامل مع الأقليات حاليًا هي قضية مهمة جدًّا في الغرب، فنجد التيارات المختلفة تذكر أشياء متناقضة، هل نستوعبهم، أم ندمجهم، أم نتركهم كما يريدون؟ وعند التعامل مع الاختلافات لا يصلون إلى شيء لأن ليس لديهم المرجعية، ولكن كفقيه من الممكن أن يصل إلى أشياء متفق عليها على الأقل على المستوى الكلي، وبعدها يختلف في التفصيلات، ولكنهم في التنظير الغربي لا يملكون فكرة كبيرة ينطلقون منها ثم بعدها يختلفون في التفاصيل، فبالتالي التنظير في الغرب في مأزق حتى حول فكرة التنظير نفسها. فيما سبق كان هناك نظريات كبرى ننطلق منها، ولكنها أدت إلى نتائج كارثية، لماذا نتحدث عن التنظير بشكل أننا نحتاج استلهامه والبحث فيه على الرغم من أن الغرب لم ينتج شيئًا جيدًا؟ وهذه فكرة التناقضات.

فكرة أخرى، التنظير الغربي كان له علاقة دائمة بالسلطة، هناك تفاعل ما بين النظريات والمنظرين ومستويات سلطة معينة، مثل أفكار "آدم سميث" التي تبنتها سلطة معينة قامت بتطبيق هذه الأفكار، ولكن أن تكون مجرد نظريات تُكتب وتظل حبيسة الأوراق فما الجدوى، هل علاقة الفقيه بمستويات السلطة سواء قديمًا أو الآن لها علاقة بما نتحدث عنه الآن؟

بخصوص التنظير في الفقه ولماذا لم نتحدث عنه بشكلٍ كافٍ، أرى أن القواعد الفقهية تُعتبر تنظيرًا بقدر كبير، فهناك نوعٌ من التعميم خاصة عند الحديث عن الكليات، والقاعدة الفقهية تتفاعل مع الواقع بشكل كبير وتستوعبه، مثال أن "العادة محكمة" أو "المشقة تجلب التيسير"، وعندما يتم استيعاب هذه القواعد سواء من الفقيه أو من الإنسان العادي، يبدأ الانطلاق بشكل رشيد في تفاصيل الحياة.

ننتقل إلى نقطة أخرى هي أصول الفقه، فعند استيعابها نستطيع أن نخرِّج مسائل موجودة حاليًا ونتفاعل مع الواقع بقضاياه المستحدثة بناء على تلك الأصول، بالتالي نستطيع أن نصل إلى قاعدة لحكم جزئي انطلاقًا من نفس هذه الأصول.

فيما يتعلق بفكرة الفراغ المنهجي، وعند ربط كلام أ. منال بكلام د. أماني، هل الفراغ المنهجي أو عدم وجود نظريات كلية سبب عدم حضور الفقه بشكل قوي في حياتنا؟ أم عدم وجود اجتهادات حقيقية قادرة على استيعاب الواقع المعقد بشكل كبير؟ أم أنه جزء من مشكلة أكبر وهو انسحاب الشرع من حياتنا بسبب الحداثة أو بسبب غلبة المادية؟ أم لها أسباب أخرى، أم أن الموضوع مركب وممكن أن يوجد أكثر من مشكلة؟

نحتاج إلى معرفة السبب الحقيقي لعدم فاعلية الفقه في الحياة اليومية، لكي نعلم هل لو قدمنا نظريات ستُحل المشكلة؟ أم هناك طريقة أخرى؟

عنصر آخر مهم، هو أننا من الممكن أن نعتبر أن الحضارة الإسلامية حضارة مبنية على نص، وبالتالي فإن الفقهاء والمحدثين والمفسرين ركزوا على التعامل مع النص وتفسير النص، وقد وصلوا إلى أشياء كثيرة، خصوصًا في كيفية تفسير النص والوصول لكليات، وحتى في التعامل مع النص وقواعده... الخ، هل من الممكن أن تكون هذه مرحلة يجب أن تليها مرحلة أخرى وهي تفسير الواقع بعد الانتهاء من فهم النص والتفاعل معه وتفسيره.

 

د/ شريف:

الواقع ليس كائنًا خاملًا فمن الممكن أن يتحول إلى كائن مفترس ويفترس الفقه نفسه، ويستأنس الفقه ويستأنس الفقهاء ويحيدهم، فإن لم نستطع تتبع الواقع بنظر مدقق سيلتهمنا؛ فالأمر ليس رفاهية، الواقع الآن يلتهم الجميع، وقد ذكر ذلك "حلاق"، ماذا حدث في الشريعة عند تقنينها حيث تم استئناسها، واعتقد الجميع أننا أصبح لدينا مدونات قانونية للشريعة مثل مدونات القانونيين في الخارج، وفي النهاية اكتشفنا أن الموضوع كان مقصودًا به نوع من الاستئناس وتحييد التنوع لصالح رؤية أحادية، وهذا ما حدث مع تحييد القضاء الشرعي، فمن المهم أن نتحدث عن حكم الشرع في البنوك ولكن لا بد أن نكون على دراية بما تقوم به البنوك في الواقع، أو ما حكم الشرع في البيروقراطية لكن لا بد أن نعي كيف تَفسد البيروقراطية وكيف تترهل وكيف تؤدي بالأمور إلى عكسها.

 

أ/ مهجة:

ما ذكرته د. أماني عن المنظومة مهم جدًّا، وأن العقيدة والأخلاق يجب أن تكون مكونًا أساسيًّا قبل التطرق إلى الجزئيات الفقهية، لأن من لديه المنظور العقيدي لن يتدهور الواقع لديه بهذا الشكل. الإنسان يقوم بتصرف خطأ وبعدها يتجه للفقيه ليسمع رأيه في الحلال والحرام فإن كان لديه العقيدة والإيمان والأخلاق لن يتطور الواقع بعيدًا عن روح الشرع بهذا الشكل الحالي، فلو أن هناك نظرية تصوغ الشكل والحدود العامة، وأن تكون المعالم الأساسية واضحة من أجل تفعيل المنظور الذي قد يكون مفقودًا عند الأفراد، فلن يطغى الواقع بهذا الشكل.

 

د/ أماني:

التحدث عن سقوط السرديات الكبرى، وأنه لم يبق سوى سردية واحدة فقط، هي الإسلام، صحيح ومهم. وهذا يطرح تساؤلاً: لماذا لا يتجه التنظير إلى بناء وبلورة أبعاد هذه السردية؟ لأن الانسحاب لن يكون أثره فقط على الفقه، ولكن على الحياة كاملة.

 

د/ شريف:

عندما كان الطلبة يتظاهرون ويضربون كنتاكي بالحجارة، كنت أعلق بقولي: أن الأولى من مواجهة مظاهر الحداثة في الخارج، على الفرد أن يحاول أن يتبين مظاهر وأثر الحداثة في شخصه ويحاول هو أن يقتلعها، وأقصد أن جزءًا كبيرًا من تكوينكم العقلي كشباب صنعته هوليود وصنعه الإعلام الأمريكي والسياسة الأمريكية والأدب الأمريكي، فهذا أمر أخاطب به نفسي، فأنا مشبع بهذا النسق المعرفي وأتصرف على أساسه، وعلى المفكرين والأساتذة أن يساعدونا في إضاءة هذه المساحات داخلنا التي من الممكن أن تَخفى علينا.

كان الطبيعي في –إطار التعامل مع الأفكار– أننا نزكي أزواجًا من المتغيرات على حساب أزواج أخرى، كنا دائمًا في إطار ثنائية الجزئية والكلية ننتصر إلى الكلية، وثنائية الرجعي والتقدمي ننتصر إلى التقدمي، وثنائية الغيبي والواقعي ننتصر للواقعي، ثنائية الاستنباط والاستقراء ننتصر إلى الاستقراء، كما لو كانت هذه الأمور هي من حكم الضرورة وينبغي أن تكون دائمًا في الصدارة.

عندما كتب "بيونج تشول هان" كتاب مجتمع الشفافية حدث للفرد نوع من التبصر، لماذا بالضرورة نكون مع الشفافية بهذا الشكل المطروح، هل هناك شيء كامن في طبيعة الشفافية يجعلها على حق؟ هل الخصوصية دائمًا شريرة؟ هل الجزئية دائمًا بها نوع من الإعاقة؟ هل التفكير الرجعي غير التقدمي بالضرورة به نوع من النقص؟ أرى أنه يجب على الفرد بين الحين والآخر أن يعيد النظر في هذه الثنائيات التي قد تكون ظالمة. لم أكن معنيًّا بالرد على الاتهام بأن العقل الإسلامي عقل جزئي، كنت أحاول أن أتتبع ملامح الصورة في الورقة ولم يكن يعنيني بالضرورة أن أثبت العكس، بل بالعكس كنت أرى أن هذا اللغم أو هذا الطُعم ينبغي ألا نبتلعه طوال الوقت، فأنا عندما يتهمني الآخر أسارع بأن أعتبر اتهامه وصفًا لحقائق الأمور فأبدأ بتبني الطرح الذي يقول: لا، نافيًا التهمة عن نفسي، لست رجعيًّا أنا تقدمي بالضرورة، أنا لست جزئيًّا أنا كلي بالضرورة. يجب أن نلتفت لهذا اللغم. قد يكون الوقت قد حان لكي نعيد الاعتبار إلى المفاهيم الجزئية لأن المفاهيم الجزئية تصدر عن عقل كلي، فعندما تَصدر عن الجزئية الفقهية مثل هذا الأحكام والشمول والاتساع المدهش للتفاصيل، فإن هذا يستبطن معنى كليًّا، ويستشعره مَن يتحولون إلى الإسلام في الغرب، فهم يستوعبون هذا المعنى الكلي المستبطن في التفاصيل، كيف يدخل الإنسان إلى المسجد فيجد طريقة انتظام الصفوف في الصلاة فيدخل في الدين، وكيف يرى الفرد المسلمين يتصافحون بعد انتهاء الصلاة فيدخل في الدين، كيف يجد الإنسان أن جاره المسلم يبتسم في وجهه بدون أي مصلحة فيدخل في الدين، أن تفاصيل الإسلام قد صيغت بشكل يستوعب المعنى الكلي حتى ولو لم يُسم.

ما يحدث الآن في الإقليم من مشاكل سياسية كشفت لنا عن نوع من العجز وعدم الفاعلية وعدم القدرة على الحركة، هذا يرجع في قدر منه إلى أننا كليون، أو أننا نتصرف في إطار نظري سياسي، فقد درسنا العلوم السياسية، منظوراتها ونظرياتها، ولكننا عندما استدعى الأمر نوعًا من الحركة وجدنا أنفسنا غير قادرين على الحركة، أن التعامل الآن كان حريًّا به أن يستدعي مرة أخرى النظرة الجزئية، لكي نعرف حكم من يبيت شبعانًا وجاره جائع، أو أن الشخص الذي يموت جوعًا تصبح ديته على من حوله، ربما يكون استدعاء النظر الفقهي الجزئي في هذه الحالة كان ليمثل مخرجًا من أزمة عجزت النظريات عن أن تتعامل معها، فإن الجزئية ليس بها هذا العار الذي يجب أن نتحلل منه، بل بالعكس يجب استدعاؤه في المواقف اللازمة، مواقف الحركة، الفقه الذي يتحدث دائمًا عن الأحكام العملية، ما الذي ينبغي عليّ أن أقوم به؟ ربما يكون هذا هو واجب الوقت الآن. ماذا أخذنا من علماء السياسة مع احترامنا لجميع العلماء، بماذا أفادونا الآن عندما يتوجه إلينا الطلبة ويقولون كيف تفصحون عن هذا الوجه الغريب من عدم الفاعلية، وعدم القدرة على قيادة أجيال تنتظركم لكي تسمع الحكمة مجسدة في شكل كلمات، فنظهر أننا ليس لدينا بضاعة للتعامل مع أمر واقع، ولكن لدينا نظريات.

وكما ذكرت أ. تقى، فأنا أؤيد فكرة سقوط السرديات الكبرى، وبحكم التخصص أذكر أن كل ما يدور حاليًا حول فكرة إعادة الاعتبار مرة أخرى إلى البيانات "الداتا"، والتي هي تلك المادة الخام البسيطة المتواضعة التي في النهاية تُنتج المعلومات، فكان من الطبيعي بمقارنة الجزئي والكلي أن نرفع القبعة للمعلومة، ونتعامل باستخفاف مع البيان، والآن النظرية التي تشغل العالم هي نظرية "big data"، لأنهم ذكروا أننا سوف نؤسس الحركة على ما تقودنا إليه البيانات الجزئية، وليس النظريات الكلية فقط، فكأن الواقع الآن يسير مرة أخرى باتجاه إعادة اعتبار الجزئي بجانب المقولة الكلية؛ فالمقولة الكلية لن تُخبرني كيف أتكلم، وكيف أرتب أفكاري، وكيف أستدعي أولوياتي، فربما تكون الجزئية هي من الأفكار التي هُضم حقها، وقد حان الوقت لكي يُعاد النظر فيها.

 

أ/ محمد الديب:

نحن نتعامل مع كلمة الفقيه على أنه شخص له معايير محددة ووحيدة، في حين أن في الفقه الإسلامي الفقهاء لهم مستويات متعددة. نحن نتحدث عن المجتهد داخل المذهب، وعن المقلد، هناك مَن يتحدث في الأحكام التفصيلية على المستوى العملي، وهناك مَن يتكلم عن القضايا الكبرى مثل الغزالي وابن تيمية، وهما شخصيتان كانت لهما تجربة في التعامل مع الواقع الاجتماعي؛ فالإمام الغزالي -كما أوضح تجربته "ماجد عرسان الكيلاني" في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين" – انعزل عن المجتمع لأنه وجد أن الفساد الاجتماعي أساسه فساد أخلاقي، ومن ثم تكلم عن إحياء علوم الدين؛ لذلك فهو كتاب ليس سلوكيًّا على المستوى الشخصي فقط؛ فانخفاض مستوى الإيمان أدى إلى الفساد والانهيار على مستوى المجتمع. كذلك ابن تيمية – وإن كان التحدي أيامه مختلفًا، فهو لم يتكلم على مستوى الأحكام فقط، وكما تكلم في العقيدة تكلم في أحكام الجهاد ولديه اتجاهات سلوكية. فمطالبة الفقيه وهو شخص له نمط محدد أن يتحدث في جميع المستويات أمر به مشقة، منهم مَن سيكون عنده القدرة ويكون لديه استيعاب للكليات ويتكلم في الجزئيات معًا، وهذا نادر، لكن الطبيعي أن الفقيه يتكلم في مستوى الجزئيات واستيعاب الكليات سوف يكون لعدد قليل من الأئمة. وشكرًا جزيلًا.

 

د/ مدحت:

بسم الله الرحمن الرحيم، نشكركم على هذه الجولة الممتعة من التفكير في هذا المستوى الصعب، في اشتراكي في هذه الورقة لدي أربع نقاط:

الأولى مسألة المفاهيم، وبالأخص المفاهيم الرئيسية، فهي تحتاج من أول الورقة أن يكون بها تحديد. فطوال الورقة لدينا مفهومان للتنظير، وحولهم بعض الهالات الدلالية، الأول هو مفهوم التنظير بمعنى إنتاج النظريات التفسيرية، ثم التنظير بمعنى إنتاج الكليات عن الواقع وهذا أوسع من التفسير، وهو مستوى التنظير بالمعنى العربي وهو ما أوردت له تعريفات عن الذين يعملون في النظريات الفقهية أو النظريات القانونية، فهي صناعة الكليات، بمعنى الكليات العامة المجردة الجامعة لأبواب من المسائل ومن القضايا الموجودة في كتب الفقه أو في كتب القانون.

ومفهوم الفقه نفسه، ما بين الفقه كما يفهمه المسلمون، والفقه كمادة في كليات الحقوق ويجري عليها التنظير. أما المفاهيم الثنائية والتي هي أعمدة في الورقة مثل الواحدية أو الأحادية، أحيانًا توصف بالأحادية لكن أكثرها الواحدية، ولكن الأحادية هي الأفضل؛ لأن الواحدية عندنا هي وصف لله عز وجل، أما الأحادية فهي أقرب للمعنى المقصود في الورقة. وهناك كلمة تستخدم في هذا المقام أكثر تعبيرًا وهي "الاختزال"، والتي تقابلها التعددية والتنوع، والتي أحيانًا تكون فوضى أو تكون تفكيكًا، هذه المجموعة من المفاهيم تحتاج تعريفًا قبليًّا وليس بعديًّا.

المفهومان الآخران اللذان يحتاجان أن يُراجعا هما الوحي والحداثة؛ فالحداثة معروضة باعتبارها كلها شرًا، إلا أن هناك قدرًا من المعرفة البشرية ضخمًا ومشتركًا، فقد تعامل فقهاؤنا مع المشترك بشكل فيه أريحية أعلى من الذي نحن نراه، ربما لأنهم كانوا في حالة راحة حضارية وكانوا أقوياء، فهم يترجمون في دار الحكمة وبعدها يعيدون الكتابة، حتى الترجمة كانوا يصبغونها بصبغتهم، فيجب حسم مسألة المفاهيم لأنها إن ظلت بشكلها مع المستوى الصعب للحديث في التنظير فسوف يكون هناك ثقل.

الوحي أكثر استيعابًا للاختلاف من فكر المسلمين؛ فالإسلام أوسع من المسلمين، وحي الله عز وجل أوسع، وكثير مما أنتجه الغرب بعقولهم لو كنا مكانهم سنكون متفقين فيه، وكلمة التنظير في الإطار الإسلامي أوسع بكثير جدًّا من الفقه؛ لأن التنظير في الفقه حذر، وعندما يخرج الفقيه عن دائرة الفقه يصبح أديبًا. وفي بناء علوم اجتماعية جديدة، نجد أن ابن خلدون اختار التاريخ، فدرس ما قدمه المؤرخون قبله وتفوق عليهم لكي يبني طرحه الجديد في "مقدمة المقدمة"، فتناول الفقيه وذكر "الماوردي" وقال ما أقوم به ليس ما أنجزته أنت، ثم بعده "الفارابي" وأسماه أصحاب السياسات المدنية، وأيضًا ذكر "الطرطوشي" صاحب سراج الملوك، وقال لقد حومت حول ما أريده لكنك لم تقع عليه لأنك اكتفيت بالجانب الأخلاقي ولم تنتقل إلى التحليل البرهاني للواقع، أو كما سماه "البرهان الوجودي". فكان ظهور ابن خلدون في زمنه – وتقدير الله أن الأشياء تظهر في توقيتات معينة – لأن هناك قاعدة حاكمة للبشرية من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة وهي أن "الحاجة أم الاختراع"، وأن المسلمين لم يقوموا بشيء لأن الشرع يطلبه منهم في إطار فراغ وإنما "احتاجوا فاشتغلوا". حدث هذا في الحديث، فعندما ظهرت الحاجة تطور علم الحديث ودوِّن بأشد درجات الضبط. وفي التفسير نفس الشيء.

فيما يتعلق بالفقه، لم يكن الموضوع إشكاليًّا، فعندما نذكر الفقه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل القرآن نجد أنه ليس الفقه الذي نتحدث عنه الآن، لفظ الفقه في القرآن والسنة هو كل علوم الدين ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، «اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين»، «ومن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، فلم يكن هناك كلمة الفقه بمعنى علم الأحكام الذي ينفصل عن علم العقيدة ويختلف عن علم السلوك أو الأخلاق. ولكن عندما كثرت المسائل، وهذه هي الحاجة، كان الصحابة يجاوبون عليها ثم تلاميذهم، ولم يحتاجوا إلى التدوين، وعندما ظهر جيل منتصف القرن الثاني الهجري، ظهرت مدونات صغيرة، وبدأت تكبر حين احتاجها الوافدون من بلاد أخرى، فبدأ تدوين كلام الإمام مالك أو غيره، وكان الإمام مالك نفسه يحتاج تدوين فقهه على شكل أدلته "الحديثية". وقد كتب أصحاب وتلاميذ أبو حنيفة – قبل الإمام مالك – كلمة كلمة قالها، ثم – والأعظم – أنهم كانوا يكتبون كلامهم هم، فكان أبو يوسف يكتب: قال صاحبي… وأنا أقول… وعندما جاء محمد بن الحسن كتب: قال صاحبي…، وأنا أقول…، ثم الحسن بن زياد وغيره كتبوا بهذا النفَس الحواري. وهكذا بدأ عندنا قصة "العلم المكتوب". ولكن أصل الحضارة الإسلامية في تسييرها للحياة لم يكن الفقه مكتوبًا؛ فالأمة لا تكتب ولا تحسب، فهذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، «نحن أمة أمية لا تقرأ ولا تحسب…». وحتى العالَم نفسه أمي، كم شخص في العالم يقرأ علومًا سياسية لكي يتكلم في السياسة؟ فالعلم الشفاهي غير الجانب الأكاديمي الذي نحصر به مقولة التنظير. هذا السياق يبين فاعلية العلم وأخذه وعطائه، ولمن يُنَظِّر وأيضًا بأي كيفية. وعند ظهور القوالب والمدارس أصبح التنظير فعلًا أكثر تخصصية وأصبح يأخذ المعنى الحالي، بخلاف النداءات الحركية مثل "حامد ربيع"، أو تحويل ذلك إلى خطاب أو إلى رسالة، ولذلك كان الفقهاء يكتبون كتبًا لبعضهم البعض، وكانوا يكتبون الرسائل؛ "فالسياسة الشرعية" هي رسالة ليست مكتوبة للفقهاء، ولكنها مكتوبة للثقافة، و"الأحكام السلطانية" رسالة كما كُتب في أولها "كتبت هذا لمن وجبت طاعته واشتغل بأمر السياسة ليعرف مذاهب الفقهاء فيما له فيستوفيه وما عليه فيوفيه". هذا غير كتاب "الحاوي" في الفقه للإمام الماوردي، الذي شرح فيه الفقه الشافعي. الشاهد أن هذا الفقه لم يكن هو المشكلة، ولكن المشكلة ظهرت في أواخر القرن الثاني الهجري وتم حلها سريعًا، وهي الاختلاف بين المذاهب بدون ضابط، فيرسل "عبد الرحمن بن مهدي" إلى الشافعي، ويقول له "اكتب لنا شيئًا يضبط هذا الاختلاف بين الناس"، ولا بد أن ندرس هذه النقطة: كيف كُتب هذا الذي خرجت منه القواعد الفقهية والنظريات والتنظيرات وهو كتاب "الرسالة"؟ بمعنى بأي قلم كتب الإمام الشافعي؟ بالعقيدة، باللغة، بفهم كبير لمعاني القرآن وكليات القرآن؟ كتب بها جميعًا، وصار هذا هو مجال التنظير؛ فمن يريد أن ينظر في الفقه لا يذهب إلى الفقه، ولكن لأصول الفقه، فمنه خرجت المقولات والنقاشات النظرية كما ذكرت د. أماني وأ. وليد.

من ثم فالحاضر الغائب في هذه الورقة هو أصول الفقه وليس الفقه؛ لأننا ننشئ ثنائية ما بين الجزئي والكلي، بينما الكلي موجود، وسوف نُقيم مقارنة بين ما آل إليه التنظير في العلوم الغربية وبين ما تم في أصول الفقه؟ ما هي الأسئلة التي أجاب عنها وما علاقتها بالتفسير؟ وكما ذكر د. هاني؛ فالتفسير لديهم كان تفسير نص، ولم يكونوا معنيين بتفسير الواقع، ولكن قدّموا تنظيرًا لتفسير النص، وكان تنظيرًا كبيرًا احترمه القدماء والمعاصرون والمسلمون وغير المسلمين. وهنا سؤال أ. تقى: هل اشتغلوا في الواقع؟ فكانت إجابة د. أماني: أن الأدباء في هذا العصر لم يكتبوا في النص، وإنما كانوا يكتبون في الواقع. فلو بدأنا من الجاحظ وابن المقفع وغيرهما كانوا يكتبون عن أحوال الناس، والمؤرخون كانت أعينهم على أحوال الناس والملوك والصناعات والصنائع والعلوم، حتى أنهم ينظرون لحركة العلوم، وهذه نقطة مهمة عند ابن خلدون، فقد جمّع كل هذا، فهو لم يكتب عن السياسة فقط، وإنما كتب الباب الأول في أحوال العالم والعلم، والباب الثاني عن أحوال العمران، والباب الثالث في السياسة، والباب الرابع في المعايش، والباب الخامس في الصنائع، والباب السادس في التربية. هذه هي مجالات الحضارة التي كانت موجودة، والطريقة التي كتب بها كانت هي الطريقة التي ظهرت الحاجة إليها فكتب بها. ومن أروع الأشياء في تاريخ الإسلام هي تلك القدرية العظيمة في اختلاف المسلمين في كل شيء لكن اجتماعهم على الدين. مثلًا عند جمع القرآن ورغم اختلافهم في كل شيء إلا إنهم لم يختلفوا فيه، فلم يرِد إلينا لا من مستشرق ولا من مستغرب أن هناك من عارض وقال إن عثمان رضي الله عنه دمّر القرآن. وهكذا فإن اختلافهم مع الاجتماع على الدين كان نوعًا من أنواع الدلالة على أن الدين مُجمَع عليه.

كتاب "الأصول" هو الذي تطور من هذا التأسيس الكلي للإمام الشافعي إلى التأسيس المبوب لمن جاءوا بعده إلى فكرة القواعد والأصول، وهذا تطور تنظيري، لكن بالنسبة للعلوم الاجتماعية فهي أُدمجت في كتاب الفقه أولًا ثم فُصلت مع الاتصال بكتب الفقه، وهذا مثل الماوردي وصولًا لابن تيمية، لكن لم يكن الفقيه وحده هو الذي يكتب؛ فالأديب كتب، والمؤرخ كتب، وكان المؤرخ سرديًّا وغير تمحيصي ولا يُستفاد مما كتبه إلا للمتعة العقلية والمعرفة غير الفعالة، حتى أتى ابن خلدون، ويجب أن يُقال مدرسة ابن خلدون، لأنه رُزق مباشرةً بتلاميذ ثم جيل ثم بهتت الدنيا حتى اختفت. ويظهر "الجبرتي" ويتأثر به "خير الدين التونسي" ثم تتجدد المدرسة من جديد حتى مدرسة المنظور الحضاري. وكان لابن خلدون تلميذ خطير هو "المقريزي" وهو إمبريقي في كتابه "إغاثة الامة بكشف الغمة" يبحث فيه ظاهرة المجاعات في تاريخ مصر، ويعد حوالي ست وعشرين مجاعة ويحلل المجاعة تحليلاً بمؤشرات: ماذا يحدث في النيل؟ ماذا يحدث في الزرع؟ ماذا يحدث في الأسعار? ماذا يحدث في سياسات النقد؟

الأمر الثاني هو علاقتنا بالغرب والحداثة، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر؛ فالمسلمون عندما اصطدموا بالحداثة تذبذبوا بين الشرق والغرب. أعجبني من توجه ناحية الشرق، حيث يبدو أن الغرب على مدار التاريخ به فيروس. مثلًا نجد "البيروني" في القرن ما بين الرابع والخامس الهجري، درس الهند، وبدأ يكتب عن الهنود، ووجد أن الحديث عن هذا المجتمع ليس علميًّا، فهو ليس قائمًا على مسموعات مباشرة أو على مشاهدات مباشرة ولا ترجمة كتبهم، فكأنه عالم اجتماعي أنثروبولوجي، فألّف كتاب "تحقيق مال الهندي من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، فتكلم فيه عن أنه لا يوجد طريق لمعرفة المجتمعات إلا المشاهدة، والملاحظة، وتمحيص الأخبار، وإعادة قراءة الخطابات، وإحسان ترجمة النصوص، وكانت النتائج مبهرة. أولًا توصل إلى أن هذا المجتمع المستبشع في عقائده له أصول توحيدية، وأن كثيرًا مما تُرجم عنها تُرجم مشوهًا، ومع ذلك لا تزال عقائدهم فاسدة، لكن فيها ما هو مشترك وفيها ما يمكن تأويله، واستخلص منهم الفلك، والجبر، وسماه بأسمائهم ثم طوّر ونمَّى. وفي هذه الأثناء كان يضع نظريات رياضية، والتي كان يوظفها لصالح حساب مواقيت الصلاة، ومواقيت الحج والصيام، ولحساب المواريث، إذن ما أود قوله أن التعامل العملي الأريحي مع الأمر هو الذي يليق بهذا المستوى التنظيري. ولو كانوا قد وضعوا نظريات فقهية فماذا ستكون نتائجها؟ فبعد 100 سنة من التنظير الفقهي الحديث ماذا نجد؟

بخصوص التنظير الغربي، أريد أن أنقل تجربتي، كنت أعمل في رسالة الدكتوراة وكان موضوعها في "القوة والمصلحة والأخلاق" وكانت الكلمة الجديدة هي الأخلاق. طرحت مفهوم الأخلاق في العلاقات الدولية فوجدت مجموعة رائعة من الكُتاب الذين راكموا في هذه المسألة، ولكنهم غير مشهورين، فمن الواضح أن التنظير الذي يصل إلينا ليس الجيد بالضرورة، بل هناك من الجيد ما يتم التعتيم عليه أو استبعاده. ومن خبرتي الأخيرة يبدو أن فكرة التنظير الكبيرة العميقة ينبغي أن نصلها بالواقع والتوظيف الغربي لكي نكتشف من أين يأتي هذا التنظير؟ وهل فعلًا هو من أجل أغراض خطيرة متعلقة بالحداثة والتنظير. ويجب أن نصلها أيضًا بالوضعية، فما بين التنظير والحداثة تأتي الوضعية والسلوكية، والسلوكية بالأخص، لأنها هي التي دمرت العقل الغربي بأن حصرته في أن ما تستطيع أن تقيسه هو فقط الذي يجب أن تدرسه، ومع ذلك فهي ما زالت رائجة؛ فالتنظير الرائج في الغرب غير التنظير الذي يشتمل على المعياري والوصفي، وليس كله بالضرورة تفسيريًّا، وهو جزء من الحداثة أو ما بعد حداثة، لكنه موجود، فلكي أقيِّم مشكلة مع التنظير بتعميمه، ينبغي أن أبصر التنوع في هذا التنظير.

عنصر أخير، الأمة ليست قائمة على الفقيه وحده وإن كان لا بد أن تستند للفقيه باستمرار لكن ليس هو من يفسر الواقعة. لن يكون في مقدرة الفقيه الذي يدرس كل المواد الفقهية - حتى بعد تطوير الأزهر الحديث – أن يفسر الشأن الاجتماعي والعلم الاجتماعي بثقل. فلا بد أن يلتقي علماء الاجتماع والسياسيون مع الأزهريين، من هنا تخرج نظرية أو أنصاف نظريات أو نقاشات نظرية، حتى تظهر النظريات التي تعيد توجيه المجتمع نحو دولة أفضل ومجتمع أكثر تماسكًا واقتصاد أكثر عدالة... إلخ.

في دراستي اكتشفت أنني أجهل ما يكتب إسلاميًّا في العلوم الاجتماعية، هناك إنتاج ضخم من ماليزيا حتى المغرب لكننا لا نطلع عليه. فهناك مثلًا دراسات قيمة في معالجة الأزمة المالية بقيم إسلامية وبمقاصد إسلامية، باللغتين العربية والإنجليزية، بها محاولة اشتباك مستصحب إسلاميته ومستصحب أدوات إسلامية فقهية وأصولية.

 

د/ هاني:

ذكرتني الأسئلة التي طرحها د. شريف ببعض الأطروحات الشبيهة السابقة التي قد عزمت على الاهتمام بها، مثل كتاب "ما لم يقُلْه الفقيه" للدكتورة أماني أبو الفضل، فقد طرحت بعض التساؤلات التي تعتقد أن الاجتهاد الفقهي المعاصر لا يستطيع الإجابة عنها، وهناك تجربة للدكتور علي جمعة في كتاب "أسئلة الأمريكان". وهناك كتاب "مائة سؤال عن الإسلام" للشيخ الغزالي، وكان للمستشار طارق البشري بعض المساحات التي أشار إليها لم يتم تغطيتها فقهيًّا بشكل كافٍ، منها أن طريقة عمل المؤسسات المعاصرة من الداخل تحتاج إلى إسهام فقهي رصين. وقد أشار د. شريف إلى نقطتين، نقطة تتعلق بضعف الأداء البيروقراطي وجنوح الموظفين إلى الرشوة والفساد، فقد تبلورت في ذهني فكرة من خلال هذا الخيط المتتابع من الأسئلة التي تطرح على العقل الفقهي المعاصر وهي أهمية عمل مسرد بهذه القضايا التي لم تُغط إلى الآن، وهذا المسرد يشتمل على مائة تساؤل وقضية من هذه القضايا، ثم يوجه الباحثين الشرعيين الجادين إلى الاشتباك مع هذه القضايا، بدلًا من تناول مسائل قُتلت بحثًا.

 

د/ شريف:

بخصوص موضوع العملات الإلكترونية، فإن الفتاوى تسير حيثما صارت الدولة؛ فالموضوع معقد جدًّا، فيجب إثارة المناقشات حول هذا الأمر، ويجب تجنب موقف أن طالما أن المصلحة العامة تقتضي فنقبل أو نرفض، فهذا ليس بالكافي. حتى على مستوى نقل المعرفة فنقل المعرفة بهذه الطريقة لا يُشبع، فنحن لدينا طلبة علم شرعي يحتاجون أن يؤسَسوا ويلهَموا هذا النَفَس الفقهي ليصبح لديهم فكرة الملَكَة، وهي لن تتأتى بذكر الحكم مباشرةً، أو التكييف بناء على مصلحة عامة مبهمة، هناك واقع يتغير. في النهاية النَفَس التفسيري مهم، رغم أن العقل الفقهي لديه نوع من الفهم لأن التفسيرات في النهاية لا يمكن أن تكون تفسيرات مكتملة، وأن هذا الجهد يعكس نوعًا من الاستعلاء المعرفي، الذي ربما يخالفه الواقع، ولكن فلنسمه اجتهادًا وليس تنظيرًا، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؛ فأين هي النظريات الإسلامية التي تشرح كيف بدأ الخلق، وأين النظريات البديلة؟ وأين الطرح الإسلامي المناظر لنظريات الانفجار الكبير أو الداروينية؟ رغم الأمر القرآني المباشر بالنظر في كيفية بدء الخلق؟

أتفق مع أخي مدحت في أن الموضوع يحتاج أريحية في التعامل مع الحداثة، لكن المشكلة في الحداثة أن ميراثها كله يتمخض عن نفي الإنسان، وتجريده من المعنى بشكل أو بآخر. هي بدأت بالنهضة، وهي حالة الاستفاقة كإنسان استيقظ وقرر العودة لاستئناف دوره الحضاري، وبعد ذلك مارس الإصلاح الديني ليحطم المؤسسات التي كانت تعوق هذه الحالة التحررية، ويقاوم الاستيلاب الذي أوقعته فيه الكنيسة، بعد ذلك التنوير الذي أُعيد فيه العقل إلى مكانته التي يستحقها، وبعدها دخلنا طور الثورة الصناعية التي أبدلت الأنساق المعرفية تمامًا، وأصبح الإنسان يفكر بأنساق قريبة من أنساق الآلات، ثم لُخص هذا في اسم الحداثة التي أصبحت في النهاية تعتذر عن دراسة الإنسان لغياب الأدوات الكافية لدراسته، ولكنها في النهاية تقوم بتحليله، كما فعلت السلوكية؛ فالسلوكية بدأت بطرح لطيف ومهذب، فنحن ليس لدينا الأدوات الكافية لدراسة النفس ولكن نستطيع أن ندرس السلوك، وبعدها قالوا لا توجد نفس، وكل ما لدينا هو السلوك، وكذلك في مجالات أخرى، دائمًا يتم تحييد الحقيقي والمعنى والمتجاوز والجوهر، والاستعاضة عنه بالعرض؛ فالحداثة نحاسبها في إطار ما نعرفه عنها.

النظريات، وهل لا بد أن تكون نظريات أبدية؟ فقد أشرنا إلى أن النظرية بطبيعة الحال هي مرحلية، والنظريات لا توضع لكي تكون موجودة الآن وإلى الأبد، ولكنها بطبيعة الحال لا تصرح بذلك. فالنظرية تشبه عقد الزواج، يمكن أن ينتهي، ولكن إذا نُص على توقيته في أثناء عقده يفسد. فالنظرية لا تُصرّح في البداية أنها سوف تكون نظرية مرحلية، هي تُطرح على أنها نوع من الزواج سيستمر، ولا يُنص على أنها سوف تنتهي صلاحيتها بعد فترة من الفترات، ولكن يمكن أن تنتهي صلاحيتها كما يمكن أن ينتهي الزواج. ومن ثم إذا أردنا أن نفكر في التنظير الفقهي، فلن يكون من حسن السياسة أن نقول مسبقًا أن هذه النظريات مؤقتة وسوف تنتهي؛ لأن الناقد سوف يأتي في أي لحظة ويقول حان أوان انتهاء نظريتك فهي لم تعُد صالحة، ومن ثم يطالب بسحبها من نطاق التفسير.

فيما يتعلق بأن تكون النظرية متعددة المنظور، بمعنى أنها تستوعب المقولة التفسيرية التي تنطق بها وتستوعب مقولات تفسيرية أخرى، هذا يمكن أن يفرغ التنظير من معناه؛ لأن التنظير بطبيعته لا بد أن يراعي عنصر التبسيط. فهناك مقطع فيديو شهير عن "جون ميرشايمر"، وهو أحد كبار منظري العلاقات الدولية في العالم، وُجِه إليه سؤال: "ربما ما يحدث الآن في غزة يجعلكم تعيدون النظر في النظرية الواقعية، فنحن الآن أمام حالة صريحة تقوم فيها دولة بسلوك سياسة خارجية ليست مبنية على أساس من المصالح الدولية الصريحة، فأمريكا قد ورطت نفسها فيما لا تريده بسبب الدعم المطلق الذي تقدمه لإسرائيل؟"، فوافق "شايمر"، ولكنه اعترض على أن هذا ربما يمثل مدخلًا لإعادة النظر في مقولاته الواقعية، وقال: "إن الواقعية كأي نظرية أخرى لم تطرح لكي تكون نظرية تستوعب الواقع بنسبة 100%، ولكنها سوف تفسر نسبة وتفقد قابليتها التفسيرية في نسبة أخرى". ولا ينبغي أن يستدعي هذا من الواقعيين أن يعيدوا تطوير نظريتهم، لأن إعادة تطوير النظرية على نحو مستمر وفقًا "لشامير" يخرجها عن العمل. وهو نفس ما كان قد قاله "صامويل هنتنجتون" عندما كان يناقش فكرة التنظير في مجال العلوم الاجتماعية، وكان يناقش هذه الجدلية، فكرة أن النظرية طوال الوقت يُنظر إليها على أنها الساعة التي تدل على التوقيت السليم في اليوم لمدة مرتين فقط، لأنها ساعة متوقفة عن العمل، بمعنى أنها تطرح مقولة، والمقولة هذه يجب أن تكون صالحة لكي تفسر أوضاع الواقع، ولكنها في الحقيقة لا تستطيع أن تستوعب كل تفاصيل الواقع.

من هنا نستنتج، أن الأمر يستدعي أن يكون الإنتاج الفقهي إنتاجًا اجتهاديًّا وليس تنظيريًّا كليًّا، بالمعنى الذي تناقشنا حوله، وألا نخجل من فكرة الكلية، وأن ينتقل الشغف من معنى النظريات إلى معنى المقولات التي يمكن البرهنة عليها أو يمكن الرهان عليها؛ لأن النظرية لا تستطيع أن تستوعب الواقع وكل الاستدراكات التي تحيط به؛ لأنه مليء بالاستدراكات في حقيقة الأمر. لكن هذا لا يقدح في فكرة بلورة المنظور؛ لأن المنظور لا يقدم مقولات تفسيرية محددة بالمعنى الذي تأتي به النظريات فهو توجيهي أكثر، فهو يعبر عن طريقة لرؤية الواقع الكلية، ولكنه لا يلتفت إلى كل تفصيلة فيرسم ملامحها. وكان "صامويل هنتنجتون" يقول: "إننا إذا فسرنا السلوك الاقتصادي على أنه ينبع من رغبة الفرد في تحقيق المنفعة الاقتصادية، فلو رأى البعض أن ربما هناك عوامل أخرى تتحكم في السلوك الاقتصادي لدى الأفراد مثل الإيثار أو الكرم أو الطمع، فيقول فإذا قال مطورو النظرية الاقتصادية إن معنى المنفعة يتسع لكي يشمل كل هذه العوامل، فهذا يسقط النظرية تمامًا؛ لأنها لا تصبح بعد ذلك كيانًا فكريًّا قادرًا على تفسير الواقع والتنبؤ بالسلوك أو توجيه السياسات على النحو الذي ينبغي أن تقوم به النظريات".

 

د/ أماني:

وهذا يعني أنه ممكن للنظرية ألا تُقدح، ولكن تولِّد نظرية أخرى، وهذا ينطبق على النظريات التي نشأت أو نمت في إطار أصول الفقه. بمعنى مثلًا أن المقاصد ليست كل شيء، ولكن قد توجد بجوارها أشياء، العلل شيء وبعدها هناك مقاصد وبعدها قد توجد أشياء وهكذا.

 

د/ شريف:

ولذلك احتفى "وائل حلاق" بالتنوع الفقهي وبالحالة الفقهية التي تتضمن طوال الوقت تلاقحًا مستمرًا مع الواقع. وقد احتفى بحالة التجدد الفقهي الذي كان النقاد الحَدَاثيون أو المستشرقون ينظرون إليه بنوع من الازدراء؛ لأنهم يرون أننا غير قادرين على أن نصل إلى حالة من النضج الفقهي، ولن تستطيعوا أن تسبكوا من كل هذا الشتات مقولات قانونية وعقوبات رادعة وأنظمة محددة يستطيع الشخص البيروقراطي الذي يجلس في موقع القانوني أو القاضي أن يحكم بها. هذا لأن الحداثة في النهاية تقوم على تقسيم العمل؛ فهناك شخص وظيفته قاض، والقاضي لا يشترط فيه أن يكون مجتهدًا أو ذا عقل لكل يستطيع أن يستخرج من المذاهب الفقهية، هو يحتاج مدونة ينظر فيها الحالة بحالتها؛ فالحداثة يناسبها القانون في إطار تقسيمها للعمل. كأن القاضي بهذا المعنى هو شخص يجلس على خط إنتاج؛ فالعامل العادي يُنتج جزءًا لا يستطيع أن يتصور علاقته بالمنتج النهائي، فكأن القاضي أيضًا في إطار المنظومة الحَدَثية ينطق بحكم ولا يستطيع بالضرورة أن يسكِّنه في إطار منظومة العدالة، كما يفترض في الفقيه المجتهد.. وجزاكم الله خيرًا.

 

د/ مدحت: نشكر جميع الحضور ونختتم اللقاء.

 

رابط الدراسة: تساؤلات حول علاقة الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع (هنا)

تعد الأعراف الدولية أحد الأسس الجوهرية في تشكيل العلاقات الدولية، حيث تمثل آلية مهمة لتنظيم سلوك الدول في مختلف المجالات، كما أنها تشكل إطارًا قانونيًا غير مكتوب تلتزم به الدول في تعاملاتها المتبادلة، ويختلف عن القوانين الدولية الصريحة التي يتم التوصل إليها من خلال المعاهدات والاتفاقات الرسمية. وعلى الرغم من أن الأعراف الدولية ليست مكتوبة أو موقعة من قبل الأطراف المعنية، فإنها تكتسب قوتها القانونية من استمرارية تطبيقها واعتراف الدول بها.

 

مفهوم الأعراف الدولية لغة واصطلاحًا:

  1. تعريف الأعراف لغةً:

الأعراف في اللغة العربية جمع "عُرف"، ويقصد به ما تعارف عليه الناس واعتادوا على ممارسته، سواء في عاداتهم أم في سلوكياتهم اليومية. يشير "العرف" إلى التقاليد والممارسات التي يتقبلها المجتمع كجزء من حياته الطبيعية، دون الحاجة إلى أن تُفرض من خلال قانون مكتوب.

 

  1. تعريف الأعراف اصطلاحًا:

أما اصطلاحًا، فتعرف الأعراف في القانون الدولي بأنها مجموعة من القواعد التي تنشأ من الممارسات الدولية المتكررة والمستقرة، والتي تعتقد الدول بأنها ملزمة قانونًا. الأعراف تختلف عن القوانين المكتوبة أو المعاهدات، إذ تعتمد على سلوك الدول واستمرار تطبيقها لممارسات معينة لفترة طويلة. عندما تشعر الدول بأنها ملزمة قانونًا بتلك الممارسات، فإنها تتحول إلى "عرف دولي".

 

نشأة الأعراف الدولية وتطورها

تعود نشأة الأعراف الدولية إلى العصور القديمة، حيث كانت الدول تتبع بعض القواعد العرفية التي تضمن حسن سير العلاقات بين الأمم. ولكن هذه الأعراف لم تكن موحدة أو مدونة بشكل رسمي، بل كانت تعتمد على الأعراف الدبلوماسية والتقاليد التي تتفق عليها بعض الدول الكبرى في تلك الحقبة.

مع تطور العلاقات الدولية وزيادة التبادل بين الدول، بدأت هذه الأعراف في اكتساب طابعًا أكثر رسمية. في القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهدنا بدايةً لتدوين بعض من هذه الأعراف، خاصةً في إطار العلاقات بين الدول الأوروبية، ففي القرن السابع عشر، تم تطوير مفهوم "العدالة الدولية" الذي يحدد سلوك الدول في الحرب والسلام.

وفي القرن العشرين، ومع إنشاء الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، أصبحت الأعراف الدولية أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالقانون الدولي المنظم، وتزايد استخدام الأعراف كأداة لحل النزاعات بين الدول، خاصة في إطار حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

 

دور الأعراف الدولية وفق القانون الدولي:

في القانون الدولي، يُنظر إلى الأعراف على أنها قواعد قانونية نشأت عن ممارسات دولية ثابتة ومتفق عليها بين الدول.  ويُشار إلى أن الأعراف الدولية تُعتبر أحد المصادر الأساسية للقانون الدولي، إلى جانب المعاهدات والاتفاقات الدولية؛ حيث تشير المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية إلى أن الأعراف الدولية تشكل أحد مصادر القانون الدولي، بجانب المعاهدات والقوانين العامة. ويُعرّف العرف الدولي بأنه "ممارسة ثابتة ومستمرّة من الدول، التي يعتقد أنها تتبع بموجب التزام قانوني". بمعنى آخر، إذا قامت معظم الدول بتصرف معين لعدد من السنوات أو العقود، وكان هذا التصرف يُعتبر ملزمًا قانونًا، يمكن اعتباره عرفًا دوليًا. ومن أجل أن يتحقق العرف الدولي، يجب أن يتوافر عنصران: العنصر المادي (أي ممارسة الدول) والعنصر النفسي (أي الاعتقاد بأن هذه الممارسة مفروضة قانونًا). لا بد أن تكون الممارسة مستمرة وموحدة بين الدول، وأن تكون الدول تعتقد بأنها ملزمة قانونًا بها.

وتعمل الأعراف الدولية على ملء الفراغات التي قد تنشأ بسبب غياب معاهدات مكتوبة أو غموضها. على سبيل المثال، إذا لم يتمكن اتفاق بين الدول من معالجة مشكلة معينة، فقد يتم اللجوء إلى الأعراف لحلها. كما أن الأعراف تعمل على تطوير القانون الدولي بشكل ديناميكي، مما يساهم في ضمان استقرار العلاقات الدولية وتقديم حلول عملية لمشكلات العالم المتجددة.

 

الأعراف الدولية في فروع القانون الدولي

يمكن تقسيم الأعراف الدولية إلى عدة مجالات رئيسية يتعامل فيها القانون الدولي مع دول العالم. هذه الفروع تشمل:

  1. الأعراف الدولية في القانون الدولي الإنساني: الأعراف الإنسانية تمثل مجموعة من القواعد التي تحكم سلوك الدول في أوقات النزاعات المسلحة. على سبيل المثال، تتضمن هذه الأعراف ضرورة توفير الحماية للمدنيين والأسرى، كما هو الحال في اتفاقيات جنيف.
  2. الأعراف في القانون الدولي الاقتصادي: في هذا المجال، تلعب الأعراف دورًا مهمًا في تنظيم التجارة الدولية وحركة رأس المال. على سبيل المثال، تتبع الدول العديد من الأعراف التي تحكم المعاملات التجارية الدولية، مثل احترام العقوبات الاقتصادية أو تسوية المنازعات التجارية وفقًا لقواعد محددة.
  3. الأعراف في القانون البيئي الدولي: الأعراف الدولية المتعلقة بالبيئة تساعد على تعزيز التعاون بين الدول لحماية الموارد الطبيعية والمناخ. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الأعراف التي تحكم قضايا مثل التلوث عبر الحدود أو حماية التنوع البيولوجي.

 

دور الأعراف الدولية في حل النزاعات

تعد الأعراف الدولية أداة فعالة لحل النزاعات بين الدول، فعندما لا تنجح الوسائل الدبلوماسية أو المعاهدات القانونية في حل النزاع، يمكن أن تُستخدم الأعراف الدولية كحلول وسط. على سبيل المثال، في حالة النزاعات حول الحدود أو حقوق المياه الدولية، قد تلجأ الدول إلى الأعراف الدولية المتبعة لحل هذه النزاعات. وقد أثبتت المحكمة الدولية في عدة قضايا أنها تعتمد بشكل كبير على الأعراف الدولية لإصدار أحكامها، مثل قضايا الحدود بين الدول أو النزاعات حول الأنهار الدولية.

 

التحديات والانتقادات

على الرغم من أهمية الأعراف الدولية، إلا أنها تواجه العديد من التحديات. من أبرز هذه التحديات صعوبة إثبات الأعراف في بعض الأحيان، خاصة إذا لم تكن الدول قد طبقتها بشكل مستمر أو موحد. بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من الانتقادات التي تُوجه إلى الأعراف الدولية، حيث يرى البعض أنها تُفضي إلى فرض مبادئ من قبل الدول الكبرى على الدول الصغيرة أو النامية.

 

مفهوم الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية

الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية ترتبط بمفهوم "العرف" الذي يعتبر أحد المصادر التكميلية للتشريع الإسلامي. وعلى الرغم من أن الفقه الإسلامي لا يستخدم مصطلح "الأعراف الدولية" بالمعنى الحديث الذي يُستخدم في القانون الدولي، فإن هناك مفاهيم قريبة من هذا المبدأ في الإسلام تتعلق بالعرف والممارسات المستقرة التي يتعارف عليها الناس في علاقاتهم الدولية. فهو في "الاصطلاح الفقهي": ما تعارف عليه الناس وأصبح سائدًا بينهم في سلوكياتهم ومعاملاتهم، بشرط ألا يتعارض مع نصوص الشريعة أو مقاصدها. والعرف في الشريعة الإسلامية يُعتبر مصدرًا من مصادر التشريع، ولكن بشرط أن يكون متوافقًا مع الأصول الشرعية ولا يتعارض مع نصوص القرآن أو السنة. ويعد العرف في الإسلام جزءًا من الفقه المرن الذي يأخذ في الاعتبار الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يتغير فيها الناس عبر الزمن. أما في العلاقات الدولية، نجد أن الفقه الإسلامي قد أرسى العديد من المبادئ التي تشبه "الأعراف الدولية" الحديثة من حيث أهدافها وطبيعتها. على سبيل المثال، أحكام العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين تم تنظيمها من خلال فقه المعاهدات وفقه الحرب والسلام، وهي مجموعة من القواعد التي تضبط سلوك الدولة الإسلامية في تعاملاتها مع الدول الأخرى.

ومفهوم الأعراف الدولية هو أحد المفاهيم الأساسية التي تحدد آلية التعامل بين الدول في سياق إسلامي، حيث يُأخذ بعين الاعتبار أن الأعراف الدولية تتفق مع القيم والمبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية، مما يعزز فهمًا شاملًا لماهية العلاقات بين الدول وفقًا للمفاهيم الإسلامية.

وفيما يلي استعراض مفصل لبعض مبدأ تلك الأعراف الدولية في التشريع الإسلامي:

 

  1. الاعتراف بالأعراف الدولية كأداة لتنظيم العلاقات الدولية

تُعتبر الأعراف الدولية أداة لتنظيم العلاقات بين الدول في الإسلام، شأنها شأن القوانين التي يتم التوافق عليها بين الأطراف المختلفة. ويُنظر إلى الأعراف الدولية على أنها إطار يُمكّن الدول من تنظيم تعاملاتها في غياب نصوص شرعية قطعية، وبالتالي يتم قبول العرف الدولي شريطة ألا يتعارض مع النصوص الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم والسنة النبوية. الشرط الأساسي في ذلك هو أن الاعتياد والتوافق الدولي بين الدول لا ينبغي أن يضر بالقيم الإسلامية، أو يُخالف مبادئ الشريعة الأساسية. وفي هذا الإطار إذا كان العرف الدولي يتوافق مع المصلحة العامة ويخدم تحقيق العدالة والإنصاف، فيُقبل به ويُعتبر مُلزمًا شرعًا.

 

  1. الوفاء بالعهد والميثاق: جوهر الأعراف الدولية

يُعد الوفاء بالعهد والميثاق من المبادئ الأساسية التي يُبنى عليها العرف الدولي في الإسلام. الإسلام يُعلي من قيمة العهود والمواثيق، ويُعتبر الإخلال بالعهد أو نقضه انتهاكًا لقاعدة شرعية قوية. تقول الآية الكريمة: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا" (الإسراء: 34)، مما يدل على وجوب احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُبرم بين الدول، سواء كانت مع دول إسلامية أم غير إسلامية. في هذا السياق، يتفق هذا المبدأ مع الأعراف الدولية الحديثة التي تُلزم الدول باحترام المعاهدات الدولية والاتفاقات الموقعة بين الدول، مثل معاهدات السلام والتحالفات التجارية. يتم الربط بين العرف الدولي في الشريعة الإسلامية وبين ضرورة احترام جميع الدول لمواثيقها وعهودها ضمن نظام منظم يعزز الاستقرار الدولي ويحفظ حقوق الأطراف المتعاقدة.

 

  1. العدالة والتعايش السلمي: المبادئ الأساسية للأعراف الدولية

تُعد العدالة والتعايش السلمي من المبادئ الأساسية التي تشكل جوهر العلاقات الدولية في الإسلام. ومن هذا المنطلق، يتم التعامل مع الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية باعتبارها وسيلة لتحقيق المساواة والعدالة في التعامل بين الدول والشعوب، حتى وإن كانت هذه الدول غير مسلمة، فمن المبادئ الإسلامية التي تتوافق مع الأعراف الدولية الحديثة مبدأ البر والقسط مع غير المسلمين في التعاملات الدولية. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة: 8). هذا المبدأ يمكن اعتباره عرفًا دوليًا في الشريعة الإسلامية يشجع على التعايش السلمي واحترام الحقوق المتبادلة بين الدول الإسلامية والدول غير الإسلامية. ويتضمن ذلك احترام حقوق الأقليات والعدالة في التوزيع بين الدول، وهذا يشمل التعاون بين الدول لتحقيق المصالح المشتركة دون اللجوء إلى العنف أو العدوان، وهذا يتوافق مع الأعراف الدولية الحديثة التي تدعو إلى حل النزاعات بالطرق السلمية وتعزيز السلام العالمي عبر أدوات مثل الدبلوماسية والتحكيم والوساطة.

 

  1. حقوق الإنسان وحماية الحقوق الدولية

تُعد حقوق الإنسان جزءًا لا يتجزأ من الأعراف الدولية في الإسلام، وقد أرسى الإسلام مبادئ حقوق الإنسان بشكل عام، وأكد على ضرورة حماية حقوق الأفراد والجماعات في العلاقات الدولية. من هذه المبادئ: حماية الحياة، الحرية، الكرامة الإنسانية، مما يتقاطع مع الأعراف الدولية الحديثة التي تركز على ضمان هذه الحقوق في التعامل بين الدول. في الإسلام، لا يُسمح للدولة أو أي طرف دولي بالتعدي على حقوق الإنسان، كما أن الدول الإسلامية يجب أن تلتزم بتقديم الحماية للأقليات والعدالة لجميع الأطراف بغض النظر عن الدين أو العرق. هذا المبدأ يعكس تكامل الأعراف الدولية في الإسلام مع المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان.

 

  1. الحل السلمي للنزاعات الدولية

حل النزاعات بالطرق السلمية يُعد من القيم الجوهرية التي يتبناها الإسلام في علاقاته الدولية؛ حيث يولي الإسلام أهمية كبيرة لحل النزاعات بين الدول عبر الحوار والوساطة والتحكيم، وهي آليات معترف بها في الأعراف الدولية المعاصرة. يُنظر إلى هذه الأساليب على أنها وسائل فعّالة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين. لذا فإن اللجوء إلى القوة العسكرية يُعتبر خيارًا أخيرًا، ويجب أن يتم في إطار الدفاع الشرعي ضد العدوان. بينما يتم تشجيع الدول على استخدام الوسائل السلمية من خلال التحكيم الدولي أو الوساطة، بما يتماشى مع المبادئ التي تأسست عليها الأعراف الدولية في العصر الحديث.

 

مقارنة بين الأعراف الدولية المعاصرة والشريعة الإسلامية

الأعراف الدولية في القانون الوضعي المعاصر تقوم على ممارسات مستمرة بين الدول، وفي الشريعة الإسلامية نجد أن العرف الشرعي هو ما يتوافق مع الشريعة ويحقق المصلحة العامة دون تعارض مع النصوص القطعية.

الالتزام بالأعراف في كلا النظامين (الإسلامي والدولي) يقوم على نفس المبدأ: إذا تعارف الناس أو الدول على أمر ما واعتبروه جزءًا من التعاملات القانونية أو الأخلاقية، يصبح ملزمًا لطرفي التعامل.

ويمكن القول إن الشريعة الإسلامية تفتح الباب أمام الأعراف والتقاليد التي تحقق المصلحة العامة طالما أنها لا تتعارض مع نصوص الشريعة. وفي سياق العلاقات الدولية، فإن الأعراف الدولية التي تتفق مع مبادئ العدالة والقسط واحترام المعاهدات تجد لها أساسًا قويًا في الفقه الإسلامي. بذلك، تشكل الأعراف الدولية في الإسلام إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا يتوافق مع المبادئ الإنسانية العامة التي تُنظم العلاقات بين الدول.

 

____________________________

المصادر:

  1. القانون الدولي والعدالة، الأمم المتحدة، https://2u.pw/fRvW2Q4s
  2. عبد الرحمن أسامة، العرف الدولي، الموسوعة السياسية، 4 أبريل 2020، https://2u.pw/CAH831
  3. قاعدة بيانات القانون الدولي الإنساني العرفي، قواعد بيانتا القانون الدولي الإنساني، https://2u.pw/0CDlwn0i
  4. القانون الدولي العام.. إجراءات ونصوص لتنظيم العلاقات بين الدول والمنظمات، الجزيرة نت، 4 يونيو 2024، https://2u.pw/z4cmpQTh
  5. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المفوض السامي لحقوق الإنسان، https://2u.pw/SJXLG
  6. العرف الدولي، موسوعة ودق القانونية، 28 مارس 2021، https://2u.pw/t0UnebmW
  7. إبراهيم دراجي، العرف الدولي، الموسوعة القانونية المتخصصة، https://2u.pw/UnNCZB2J
  8. تحول القواعد الدولية الاتفاقية إلى عرفية، مجلة العلوم القانونية والسياسية، العدد 1، 2022، https://2u.pw/ID4XulSP
  • عبد الرسول كريم، القواعد العرفية في القانون الدولي، 2015، https://2u.pw/husecbHU
  1. آية الوصيف، تعريف ومفهوم العرف في القانون، المحاماة نت، 6 ديسمبر 2017، https://2u.pw/RJ8PHDOq
  2. فائز الرويلي، العرف الدولي بين الفقه والقانون وأثره في المعاهدات المعاصرة: المملكة العربية السعودية نموذجا، الجامعة الأردنية كلية الدراسات العليا، https://2u.pw/9D6JapEk
  3. مبخوتة أحمد، التطورات المتلاحقة على العرف الدولي باعتباره مصدرا للقانون الدولي، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، عدد 1، 2021،https://2u.pw/uqFkLW3K
  4. علي صادق أبو هيف، القانون الدولي العام، منشأة المعارف.
  5. محمد أبو زهرة. (1958). العلاقات الدولية في الإسلام. دار الفكر العربي، القاهرة.
  6. وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي. دار الفكر، دمشق، 1981.
  7. نادية محمود مصطفي (محرر)، موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، دار السلام، 2022.

أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية، في تشكيلتها للحالة في دولة فلسطين، بالإجماع قرارين برفض الطعون المقدمة من قبل دولة إسرائيل بموجب المادتين 18 و19 من نظام روما الأساسي (النظام الأساسي). كما أصدرت مذكرات اعتقال بحق السيد بنيامين نتنياهو والسيد يوآف جالانت.

 

القرارات بشأن طلبات دولة إسرائيل

حكمت الدائرة بشأن طلبين قدمتهما إسرائيل في 26 سبتمبر/أيلول 2024. في الطلب الأول، طعنت إسرائيل في اختصاص المحكمة بشأن الوضع في دولة فلسطين بشكل عام، وعلى المواطنين الإسرائيليين بشكل أكثر تحديدًا، على أساس المادة 19(2) من النظام الأساسي.

وفي الطلب الثاني، طلبت إسرائيل من الدائرة أن تأمر الادعاء بتقديم إخطار جديد بشأن بدء التحقيق إلى سلطاتها بموجب المادة 18(1) من النظام الأساسي. كما طلبت إسرائيل من الدائرة وقف أي إجراءات أمام المحكمة في الوضع ذي الصلة، بما في ذلك النظر في طلبات إصدار أوامر اعتقال للسيد بنيامين نتنياهو والسيد يوآف جالانت، التي قدمتها النيابة العامة في 20 مايو/أيار 2024.

وفيما يتعلق بالطعن الأول، لاحظت الدائرة أن قبول إسرائيل لاختصاص المحكمة ليس ضروريًا، لأن المحكمة تستطيع ممارسة اختصاصها على أساس الاختصاص الإقليمي لفلسطين، كما حددته الدائرة التمهيدية الأولى في تشكيل سابق.

واعتبرت الدائرة أنه بموجب المادة 19(1) من النظام الأساسي، لا يحق للدول الطعن في اختصاص المحكمة بموجب المادة 19(2) قبل إصدار أمر بالقبض. وبالتالي فإن طعن إسرائيل سابق لأوانه. وهذا لا يمس بأي طعون مستقبلية محتملة على اختصاص المحكمة و/أو قبول أي قضية معينة.

ورفضت الدائرة أيضًا طلب إسرائيل بموجب المادة 18 (1) من النظام الأساسي. وأشارت الدائرة إلى أن الادعاء أخطر إسرائيل ببدء التحقيق في عام 2021. وفي ذلك الوقت، وعلى الرغم من طلب التوضيح الذي قدمه الادعاء، اختارت إسرائيل عدم متابعة أي طلب لتأجيل التحقيق. وعلاوة على ذلك، اعتبرت الدائرة أن معايير التحقيق في الوضع ظلت كما هي، وبالتالي لم يكن هناك حاجة إلى إخطار جديد لدولة إسرائيل. وفي ضوء ذلك، وجد القضاة أنه لا يوجد سبب لوقف النظر في طلبات أوامر الاعتقال.

 

أوامر الاعتقال

أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف جالانت، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على الأقل حتى 20 مايو/أيار 2024 على الأقل، وهو اليوم الذي قدمت فيه النيابة العامة طلبات إصدار مذكرات اعتقال.

وقد تم تصنيف أوامر الاعتقال على أنها "سرية"، وذلك لحماية الشهود وضمان سير التحقيقات.

وقررت الدائرة الكشف عن المعلومات الواردة أدناه نظرًا لأن سلوكًا مماثلًا لما ورد في أمر الاعتقال يبدو أنه مستمر. وعلاوة على ذلك، ترى الدائرة أنه من مصلحة الضحايا وأسرهم أن يتم إعلامهم بوجود أوامر الاعتقال.

واعتبرت الدائرة أن السلوك المزعوم للسيد نتنياهو والسيد جالانت يقع ضمن اختصاص المحكمة.

وأشارت الدائرة إلى أنها قررت بالفعل في تشكيل سابق أن اختصاص المحكمة في هذه الحالة يمتد إلى غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. وعلاوة على ذلك، رفضت الدائرة استخدام سلطاتها التقديرية من تلقاء نفسها لتحديد مدى مقبولية القضيتين في هذه المرحلة. وهذا لا يخل بأي قرار بشأن اختصاص وقبول القضيتين في مرحلة لاحقة.

وفيما يتعلق بالجرائم، وجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو، المولود في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1949، ورئيس وزراء إسرائيل وقت ارتكاب السلوك المعني، والسيد جالانت، المولود في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، ووزير دفاع إسرائيل وقت ارتكاب السلوك المزعوم، يتحمل كل منهما المسؤولية الجنائية عن الجرائم التالية باعتبارهما مشاركين في ارتكاب الأفعال بالاشتراك مع آخرين: جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب؛ والجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية. ووجدت المحكمة أيضًا أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت يتحملان المسؤولية الجنائية باعتبارهما رئيسين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجوم متعمد ضد السكان المدنيين.

 

الجرائم المزعومة

ووجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأنه خلال الفترة المعنية، كان القانون الإنساني الدولي المتعلق بالنزاع المسلح الدولي بين إسرائيل وفلسطين ينطبق. وذلك لأنهما طرفان متعاقدان ساميان في اتفاقيات جنيف لعام 1949 ولأن إسرائيل تحتل أجزاء على الأقل من فلسطين.

ووجدت الدائرة أيضًا أن القانون المتعلق بالنزاع المسلح غير الدولي ينطبق على القتال بين إسرائيل وحماس. ووجدت الدائرة أن السلوك المزعوم للسيد نتنياهو والسيد جالانت يتعلق بأنشطة الهيئات الحكومية الإسرائيلية والقوات المسلحة ضد السكان المدنيين في فلسطين، وبشكل أكثر تحديدًا المدنيين في غزة. وبالتالي، فقد تعلق الأمر بالعلاقة بين طرفين في نزاع مسلح دولي، فضلًا عن العلاقة بين قوة الاحتلال والسكان في الأراضي المحتلة. ولهذه الأسباب، وفيما يتعلق بجرائم الحرب، وجدت الدائرة أنه من المناسب إصدار أوامر الاعتقال وفقًا لقانون النزاع المسلح الدولي. ووجدت الدائرة أيضًا أن الجرائم المزعومة ضد الإنسانية كانت جزءًا من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في غزة.

 

ورأت الدائرة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن كلا الفردين حرموا عمدًا وعن علم السكان المدنيين في غزة من أشياء لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة، بما في ذلك الغذاء والماء والأدوية والإمدادات الطبية، فضلًا عن الوقود والكهرباء، من 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 20 مايو/أيار 2024 على الأقل.

 

ويستند هذا الاستنتاج إلى دور السيد نتنياهو والسيد جالانت في إعاقة المساعدات الإنسانية في انتهاك للقانون الإنساني الدولي وفشلهما في تسهيل الإغاثة بكل الوسائل المتاحة لها. ووجدت الدائرة أن سلوكهما أدى إلى تعطيل قدرة المنظمات الإنسانية على توفير الغذاء وغيره من السلع الأساسية للسكان المحتاجين في غزة. كما كان للقيود المذكورة أعلاه، إلى جانب قطع الكهرباء وتقليص إمدادات الوقود، تأثير شديد على توفر المياه في غزة وقدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الطبية.

وأشارت الغرفة أيضًا إلى أن القرارات التي تسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة أو زيادتها كانت مشروطة في كثير من الأحيان. ولم تتخذ هذه القرارات بهدف الوفاء بالتزامات إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي أو ضمان تزويد السكان المدنيين في غزة بالسلع التي يحتاجون إليها على النحو الكافي. بل كانت في واقع الأمر استجابة لضغوط المجتمع الدولي أو لطلبات الولايات المتحدة الأميركية.

وفي كل الأحوال، لم تكن الزيادات في المساعدات الإنسانية كافية لتحسين قدرة السكان على الوصول إلى السلع الأساسية.

 

وعلاوة على ذلك، وجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأنه لا يمكن تحديد أي حاجة عسكرية واضحة أو مبرر آخر بموجب القانون الإنساني الدولي للقيود المفروضة على وصول عمليات الإغاثة الإنسانية. وعلى الرغم من التحذيرات والمناشدات التي وجهها، من بين جهات أخرى، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والأمين العام للأمم المتحدة والدول والمنظمات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني بشأن الوضع الإنساني في غزة، لم يتم السماح إلا بالحد الأدنى من المساعدات الإنسانية. وفي هذا الصدد، نظرت الدائرة في فترة الحرمان المطولة وبيان السيد نتنياهو الذي يربط بين توقف السلع الأساسية والمساعدات الإنسانية وأهداف الحرب.

 

وبناء على ذلك، وجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت يتحملان المسؤولية الجنائية عن جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب.

ووجدت الدائرة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن نقص الغذاء والماء والكهرباء والوقود والإمدادات الطبية المحددة، خلق ظروفًا معيشية من شأنها أن تؤدي إلى تدمير جزء من السكان المدنيين في غزة، مما أسفر عن وفاة مدنيين، بمن فيهم أطفال بسبب سوء التغذية والجفاف. وعلى أساس المواد التي قدمتها النيابة العامة والتي تغطي الفترة حتى 20 مايو/أيار 2024، لم تتمكن الدائرة من تحديد ما إذا كانت جميع عناصر جريمة الإبادة التي تشكل جريمة ضد الإنسانية قد استوفيت. ومع ذلك، وجدت الدائرة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن جريمة القتل التي تشكل جريمة ضد الإنسانية قد ارتُكبت فيما يتصل بهؤلاء الضحايا.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الشخصين المذكورين مسؤولين أيضًا عن إلحاق معاناة شديدة بأشخاص يحتاجون إلى العلاج من خلال تقييد أو منع وصول الإمدادات الطبية والأدوية إلى غزة، وخاصة المخدر وأجهزة التخدير. فقد أُجبر الأطباء على إجراء عمليات جراحية لجرحى وبتر أطراف، بما في ذلك على الأطفال، دون تخدير، و/أو أُجبروا على استخدام وسائل غير كافية وغير آمنة لتخدير المرضى، مما تسبب في آلام ومعاناة شديدة لهؤلاء الأشخاص. وهذا يرقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية من خلال أفعال لاإنسانية أخرى.

 

ووجدت الدائرة أيضًا أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السلوك المذكور أعلاه حرم جزءًا كبيرًا من السكان المدنيين في غزة من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة والصحة، وأن السكان كانوا مستهدفين على أساس سياسي و/أو وطني. ولذلك وجدت الدائرة أن جريمة الاضطهاد قد ارتُكبت.

 

وأخيرًا، خلصت الدائرة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت يتحملان المسؤولية الجنائية بصفتهما رئيسين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجمات عمدية ضد السكان المدنيين في غزة. وفي هذا الصدد، وجدت الدائرة أن المواد التي قدمتها النيابة العامة لم تسمح لها بالتوصل إلى نتائج إلا بشأن حادثتين يمكن اعتبارهما هجمات عمدية ضد المدنيين. وهناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت، على الرغم من وجود تدابير متاحة لهما لمنع أو قمع ارتكاب الجرائم أو ضمان إحالة الأمر إلى السلطات المختصة، فشلا في القيام بذلك.

 

خلفية

في الأول من كانون الثاني/يناير 2015، أودعت دولة فلسطين إعلانًا بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي تقبل فيه اختصاص المحكمة منذ 13 حزيران/يونيه 2014.

في 2 يناير 2015، انضمت دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي بإيداع وثيقة انضمامها لدى الأمين العام للأمم المتحدة. ودخل نظام روما الأساسي حيز النفاذ بالنسبة لدولة فلسطين في 1 أبريل 2015.

في 22 مايو/أيار 2018، وبموجب المادتين 13(أ) و14 من نظام روما الأساسي، أحالت دولة فلسطين إلى المدعي العام الوضع القائم منذ 13 يونيو/حزيران 2014، دون تحديد تاريخ انتهاء.

في 3 مارس/آذار 2021، أعلن المدعي العام عن فتح التحقيق في الوضع في دولة فلسطين. وجاء ذلك في أعقاب قرار الدائرة التمهيدية الأولى في 5 فبراير/شباط 2021 بأن المحكمة يمكن أن تمارس ولايتها القضائية الجنائية في الحالة، وبأغلبية الأصوات، أن النطاق الإقليمي لهذه الولاية القضائية يمتد إلى غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.

في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، تلقى مكتب المدعي العام إحالة أخرى بشأن الوضع في دولة فلسطين من جنوب أفريقيا وبنغلاديش وبوليفيا وجزر القمر وجيبوتي.

في 18 كانون الثاني/يناير 2024، قدمت جمهورية تشيلي والولايات المتحدة المكسيكية إحالة إضافية إلى المدعي العام فيما يتعلق بالوضع في دولة فلسطين.

 

_______________

المصدر:

  • Situation in the State of Palestine: ICC Pre-Trial Chamber I rejects the State of Israel’s challenges to jurisdiction and issues warrants of arrest for Benjamin Netanyahu and Yoav Gallant, ICC, 21 November 2024, https://2u.pw/gn8vDGdI

صدر حديثًا كتاب جديد تحت عنوان "التراث القضائي العربي: دراسة ببليوجرافية وصفية" (فيما يزيد على 430 صفحة متوسطة الحجم)، للباحث الدكتور أحمد لطفي السيد، عن دار المخطوطات العربية، بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) ومعهد المخطوطات العربية.

ومؤلف الكتاب يعمل أستاذًا مساعدًا للعلوم السياسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية- بمنيسوتا، وهو حاصل على دكتوراه في الفقه السياسي عن موضوع: "التطور الموضوعي في الفقه السياسي". نشرت له مجموعة من الأبحاث والدراسات في مجلات علمية دولية محكمة، منها: دراسة بعنوان: "تقرير مسؤولية رئيس الدولة في الفقه الإسلامي"، وأخرى بعنوان: "الأصول الفقهية التي تقوم عليها السياسة الشريعة" (كلاهما نشر بمجلة كلية القانون والاقتصاد الصادرة عن كلية الحقوق جامعة المنصورة). كما صدر له كتاب مؤخرًا بعنوان: "تطور النظريات السياسية في الفقه الإسلامي".

ويعد هذا الإصدار خطوة مهمة في مجال دراسة التراث القضائي العربي، تفتقر إلى مثله المكتبة العربية، وهو نتيجة جهود قام بها الباحث في تتبع ما كتبه الفقهاء وخطه القضاة على مر العصور الإسلامية، بدءًا من القرن الأول الهجري حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

 

نظرة عامة على الكتاب

يقدم الكتاب محاولة فريدة لرصد وتوثيق ما تم إنتاجه من رسائل مستقلة في التراث القضائي عبر القرون، حيث نجح الباحث في تتبع وجمع ما يصل إلى 673 رسالة مخطوطة متوزعة في مكتبات المخطوطات العالمية. هذه الرسائل تتنوع بين ما هو مفقود، محقق، أو غير محقق، مما يعطي لمحة شاملة عن التراث القضائي العربي عبر مختلف المذاهب الإسلامية.

إلى جانب الببليوجرافيا الشاملة، يحتوي الكتاب على دراسة وصفية تناولت التطور التاريخي للمذاهب الفقهية وتأثيرها في مجال القضاء. كما سلط الباحث الضوء على أسباب تنوع وغزارة الإنتاج الفكري لبعض المذاهب في فترات معينة، بينما شهدت مذاهب أخرى ركودًا في الإسهام القضائي خلال فترات تاريخية معينة. هذه الدراسة تفتح بابًا جديدًا لفهم الديناميكية التي تحكمت في نمو وتراجع التراث القضائي عبر القرون.

 

أهمية الدراسة

تكمن أهمية هذا العمل في كونه يُقدم لأول مرة ببليوجرافيا دقيقة ومفصلة تشمل معظم ما كُتب عن القضاء عبر التاريخ الإسلامي. وهذا يعزز من فهم السياقين التاريخي والاجتماعي للقضاء في الفترات الإسلامية المختلفة. إلى جانب ذلك، يعرض الباحث لإسهامات المذاهب الفقهية المتعددة، بما فيها المذاهب السنية والشيعية، ويضعها في إطارها التاريخي والاجتماعي، مما يسهم في إثراء المكتبة العربية والباحثين في هذا المجال.

ومما يميز هذه الدراسة -كذلك- تسليط الضوء على الأصول العربية القديمة للكثير من أساليب التقاضي المستخدمة في المحاكم العربية اليوم. فطرق تشكيل هيئة المحكمة، تحديد مهام القاضي وكاتبه، إجراءات التحقيق، الحبس الاحتياطي، واستدعاء الخبراء كل هذه العمليات لها جذور واضحة في التراث القضائي العربي، حسبما أشار الباحث. هذه المعلومة تكسب الدراسة أهمية خاصة في الوقت الراهن، إذ تظهر استمرارية التراث القانوني العربي في التأثير على الأنظمة القضائية الحديثة.

فهذا العمل يتيح للباحثين إمكانية التعرف على أسس القضاء العربي الإسلامي، ويعزز من الدراسات التي تتناول تطور القضاء على مر العصور. كما أن هذا الكتاب يمثل أداة قيمة للمحامين والقضاة والمهتمين بالأنظمة القضائية الحديثة، إذ إنه يوضح لهم كيف أن العديد من المفاهيم والإجراءات القضائية التي نعرفها اليوم تعود بجذورها إلى التراث القضائي العربي. ومن هنا، فإن هذا العمل يمثل حلقة وصل بين الماضي والحاضر في مجال القضاء.

 

 

محتويات الكتاب

يتكون الكتاب من قسمين رئيسيين: القسم الأول وهو دراسة وصفية للتراث القضائي العربي، والقسم الثاني وهو دراسة ببليوجرافية شاملة لمختلف العصور الإسلامية.

 

القسم الأول: الدراسة الوصفية

يتناول هذا القسم جوانب متعددة من التراث القضائي العربي، حيث يبدأ باستقراء عدد الرسائل التي تم فقدانها أو تحقيقها، ثم ينتقل إلى دراسة إسهامات المذاهب الفقهية المختلفة في مجال القضاء. ولعل أهم ما يميز هذا القسم هو التحليل العميق للأسباب التي جعلت بعض المذاهب تتفوق في مجال القضاء على غيرها. يشمل هذا القسم عرضًا لأهم الإسهامات القضائية للمذاهب السنية، بما في ذلك المذهب الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، والمذهب الظاهري. كما يستعرض أيضًا إسهامات المذاهب الشيعية في القضاء، مثل المذهب الإمامي الاثنا عشري، الزيدي، والإسماعيلي. فهذا القسم من الدراسة يعطي نظرة شاملة لتنوع الإنتاج الفقهي والقضائي عبر العصور الإسلامية المختلفة، ويسهم في فهم الديناميكية التاريخية التي شكلت القضاء العربي.

 

القسم الثاني: الدراسة الببليوجرافية:

يضم هذا القسم قائمة ببليوجرافية مفصلة لكل ما كتب عن القضاء العربي منذ القرن الأول الهجري وحتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري. حيث يبدأ الباحث بعرض الإنتاج القضائي في كل قرن على حدة، مما يساعد القارئ على تتبع تطور الفكر القضائي عبر الزمن. وتتضمن هذه القائمة الأعمال المجهولة التاريخ أو المؤلف، مما يعكس مدى الجهد الذي بذله الباحث في تتبع هذا التراث القضائي.

 

فهرس الكتاب:

- المقدمة

- شكر وتقدير.

 

القسم الأول: الدراسة الوصفية

أولًا: الاستقراء.

(أ) عدد الرسائل المفقودة.

(ب) عدد الرسائل المحققة وغير المحققة.

 

ثانيًا: إسهام الفقهاء وأتباع المذاهب في التراث القضائي.

(أ) التراث القضائي على أحكام الفقه العام.

(ب) إسهام المذاهب السنية في التراث القضائي العربي.

1- التراث القضائي الحنفي.

2- التراث القضائي المالكي.

3- التراث القضائي الشافعي.

4- التراث القضائي الحنبلي.

5- التراث القضائي الظاهري.

 

(ج) إسهام المذاهب الشيعية في التراث القضائي العربي.

1- التراث القضائي الإمامي الاثنا عشري.

2- التراث القضائي الزيدي.

3- التراث القضائي الإسماعيلي.

 

القسم الثاني: الدراسة الببليوجرافية

1- التراث القضائي العربي في القرن الأول الهجري.

2 - التراث القضائي العربي في القرن الثاني الهجري.

3- التراث القضائي العربي في القرن الثالث الهجري.

4 - التراث القضائي العربي في القرن الرابع الهجري.

5- التراث القضائي العربي في القرن الخامس الهجري.

6 - التراث القضائي العربي في القرن السادس الهجري.

7- التراث القضائي العربي في القرن السابع الهجري.

8- التراث القضائي العربي في القرن الثامن الهجري.

9 - التراث القضائي العربي في القرن التاسع الهجري.

10 - التراث القضائي العربي في القرن العاشر الهجري.

11- التراث القضائي العربي في القرن الحادي عشر الهجري.

12 - التراث القضائي العربي في القرن الثاني عشر الهجري.

13 - التراث القضائي العربي في القرن الثالث عشر الهجري.

14 - التراث القضائي العربي في أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

15 - التراث القضائي العربي مجهول التاريخ.

16 - التراث القضائي العربي مجهول المؤلّف.

 

- الخاتمة.

 

الكشافات:

- كشاف العناوين.

- كشاف المؤلفين.

- كشاف المكتبات.

- كشاف المصطلحات القضائية.

 

- المصادر والمراجع.

د. عبد المجيد النجار هو أكاديمي وفقيه ومفكر تونسي بارز، عُرف بأبحاثه المعمقة ومساهماته الفاعلة في الفكر الإسلامي وقضايا المجتمع المعاصر، وتركزت اهتماماته البحثية على التأصيل للمشروع الحضاري الإسلامي، والتجديد الديني، وترشيد التدين، وضبط العلاقة بين الدين والمجتمع.

 

أولًا: مولده ومسيرته:

ولد عبد المجيد النجار في 28/05/1945 بمدينة بني خداش بولاية مدنين في تونس، وحصل على الإجازة في أصول الدين من جامعة الزيتونة عام 1972، ثم سافر إلى مصر وحصل على الماجستير في اختصاص "العقيدة والفلسفة"، من كلية أصول الدين، جامعة الأزهر، القاهرة، سنة: 1974، بتقدير جيد جدًا ثم على الدكتوراه: في اختصاص "العقيدة والفلسفة"، من كلية أصول الدين/ جامعة الأزهر 1981، عنوان الأطروحة " المهدي بن تومرت: حياته وآراؤه وأثره بالمغرب"، بتقدير: مرتبة الشرف الأولى.

عمل عبد المجيد النجار معلمًا في السلك الابتدائي في الفترة بين عام 1974 وعام 1985، ثم منذ عام 1985 عمل أستاذًا في جامعة الزيتونة وعدة جامعات أخرى في الجزائر والإمارات وقطر والمغرب، وابتلي بالنفي من تونس سنة 1989.

 

ثانيًا: مشاركاته في المجال العام:

يعد د. عبد المجيد النجار أحد قيادات حركة النهضة التونسية، وبعد الثورة التونسية التي اندلعت أحداثها بدءًا من السابع عشر من ديسمبر عام 2010م، كان عبد المجيد النجار على رأس قائمة حركة النهضة في ولاية مدنين، وذلك في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011، وفاز بمقعد في المجلس الوطني التأسيسي التونسي.

 

ثالثًا: عضويته في العديد من المؤسسات:

كان له عضويات في كثير من الهيئات والمؤسسات كما أسس بعضها، منها:

  • لجنة جائزة ابن باديس، مركز دراسات المستقبل الإسلامي، لندن.
  • المجلس العلمي للكلية الأوروبية للدراسات الإنسانية، فرنسا/ شاتو شينون.
  • لجنة مسلمي أوروبا الشرقية/ لندن.
  • الهيئة الاستشارية لمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت.
  • المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والأمين العام المساعد له، ورئيس لجنة البحوث به.
  • مؤسس مجلس الأمناء للمنظّمة العالمية للقدس.
  • مؤسس للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وعضو مجلس الأمناء والمكتب التنفيذي ورئيس لجنة التأليف والترجمة بالاتحاد.
  • للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (الأمين العام المساعد).
  • المكتب التنفيذي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
  • الجمعية التونسية للدراسات الإسلامية بهدف نشر الدراسات المعمقة والترويج للفكر الإسلامي المستنير (مؤسسها).

 

رابعًا: مشاركاته في الندوات والمؤتمرات:

لم ينحصر علم الدكتور النجار داخل أسوار الجامعات ومدرجاتها بل طاف به كثيرا من المؤتمرات والندوات والملتقيات، حتى لا تكاد تمر عليه سنة دون أن يحاضر أو يشارك في ملتقى علمي عالمي. والمتأمل لعناوين تلك اللقاءات يجدها تنتظم حول موضوع واحد تقريبًا، هو: مستقبل نهضة الأمة الإسلامية وتحدياته، وأعلام الأمة الذي نحتاج إلى إلقاء الضوء على فكرهم للمساعدة على إحداث تلك النهضة. وهذه نماذج من تلك اللقاءات:

  • الندوة الإسلامية العالمية الرابعة، وزارة الثقافة التونسية، القيروان/ تونس 1976.
  • ندوة الإمام ابن عاشور، الجامعة التونسية، تونس 1985.
  • ندوة تجديد الفكر الإسلامي، مجلة رسالة الجهاد، مالطا 1989.
  • ندوة قضايا المستقبل الإسلامي، مركز دراسات المستقبل الإسلامي، الجزائر 1990.
  • ندوة مستقبل العمل الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا/ أمريكا 1991.
  • ندوة بديع الزمان النورسي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان/ الأردن 1997.
  • ندوة " ابن تيمية " عطاؤه العلمي ومنهجه الإصلاحي"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي وجامعة مؤتة 2001.
  • ندوة "مقتضيات الدعوة في ضوء المعطيات المعاصرة" جامعة الشارقة، أبريل 2001.
  • الملتقى الدولي الثالث "الحرية الدينية في الإسلام" جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية، قسنطينة، الجزائر، 2008.

 

خامسًا: الجوائز:

حاصل على جائزة مكتبة علي بن عبد الله آل ثاني الوقفية العالمية.

 

سادسًا: تأثيره في الفكر الإسلامي الحديث

ساهم د. عبد المجيد النجار في صياغة خطاب إسلامي يوازن بين الحفاظ على الهوية الإسلامية والانفتاح على معطيات العصر الحديث. تميزت كتاباته بالعمق الفكري والتحليل النقدي، مما جعله مرجعًا للباحثين والدارسين في مجال الدراسات الإسلامية.

ينطلق د. عبد المجيد النجار من رؤية نقدية للحالة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، والتي تتسم بتفكك داخلي نتيجة الصراعات العقائدية والمذهبية. يُبرز أن هذا الصراع لم يكن حول جوهر الدين، وإنما حول مسائل فكرية وفلسفية أُدخلت في الحياة السياسية والاجتماعية، مما أدى إلى تعطيل عجلة النهضة والتقدم. ووفقًا له، الأمة الإسلامية لم تحقق أي نهوض يُذكر منذ عقود، بل إنها كانت تتراجع حضاريًا بفعل الانقسامات.

 

  • العقيدة كأداة بناء لا هدم

المحور الأساسي الذي يبنيه النجار هو الدعوة إلى فهم جديد للعقيدة الإسلامية، بدلًا من أن تكون ساحة للنزاعات الفكرية والجدالات الدينية التي لا تؤدي إلى حلول عملية، يجب أن تكون العقيدة أساسًا لمشروع نهضوي يتبنى قيم الإسلام كأساس للبناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. العقيدة، بالنسبة للنجار، هي مصدر قوة يجب أن يوجه الأمة نحو الوحدة والنهضة. يدعو النجار إلى تجاوز القراءات التقليدية للنصوص الدينية التي تُستخدم لتبرير الانقسامات، ويطالب بقراءة متجددة تقوم على فكر شامل يتناسب مع متطلبات العصر. من وجهة نظره، يجب أن تكون العقيدة الإسلامية أداة للإصلاح والتطوير، ويجب أن يُعاد توظيفها بطريقة تفتح الأبواب للعلم والمعرفة، وتدفع نحو بناء مجتمع متقدم يُقدّر حقوق الإنسان، ويحترم الاختلاف، ويحقق العدالة الاجتماعية.

 

  • نقد الجمود الفكري

أحد جوانب فكر النجار هو نقد الجمود الفكري الذي يعاني منه الكثير من التيارات الإسلامية اليوم. يرى أن الالتزام الأعمى بتفسيرات قديمة للنصوص دون الأخذ في الاعتبار التطورات المعاصرة هو أحد الأسباب الرئيسية التي تعوق الأمة عن التقدم. فالتفسير الحرفي الجامد للنصوص لا يتماشى مع طبيعة العصر الذي يتطلب فكرًا مرنًا وقادرًا على مواكبة التحديات. في هذا السياق، يشير النجار إلى أن الأمة الإسلامية تحتاج إلى تجديد فكري وإصلاح ديني يقوم على إعادة قراءة النصوص الدينية في ضوء الواقع المعاصر. يجب أن يكون هناك انفتاح على العلوم الحديثة، والفكر العالمي، والإبداع البشري في جميع المجالات، مع الحفاظ على القيم الأساسية للإسلام.

 

  • الوحدة الإسلامية: محور النهضة

فكر النجار يضع الوحدة الإسلامية في قلب مشروع النهضة. من وجهة نظره، فالأمة الإسلامية لم تتمكن من التقدم بسبب الانقسامات الداخلية التي تأخذ أشكالًا متعددة: مذهبية، فكرية، وجغرافية. ويؤكد أن استعادة الوحدة بين شعوب العالم الإسلامي هي الخطوة الأولى نحو بناء مشروع نهضوي حقيقي. هذه الوحدة، كما يراها النجار، ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي ضرورة حضارية لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، مثل التبعية الاقتصادية، والتخلف العلمي، والاستبداد السياسي. ويرى أن العالم الإسلامي يجب أن يتوحد حول مشروع حضاري جامع، بدلًا من التركيز على قضايا ثانوية تُسهم في إضعاف الأمة. والوحدة التي يدعو إليها ليست فقط سياسية، بل هي وحدة في الفكر، والمواقف، والعمل نحو بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

 

  • بناء المؤسسات القوية

يرى النجار أن تحقيق النهضة لا يمكن أن يتم دون وجود مؤسسات قوية ومستقلة قادرة على قيادة الأمة نحو المستقبل. هذه المؤسسات تشمل الجوانب التعليمية، الاقتصادية، السياسية، وحتى الثقافية. يجب أن تكون هناك مؤسسات تعليمية تساهم في إنتاج المعرفة، وتحفز الإبداع العلمي، وتُعدّ الأجيال القادمة لتحمل مسؤولياتها في بناء المجتمع. المؤسسات الاقتصادية هي الأخرى تشكل عنصرًا مهمًا في مشروع النهضة. فبدون اقتصاد قوي ومستقل، لن تتمكن الأمة من التحرر من التبعية للدول الأخرى. ويدعو النجار إلى تطوير أنظمة اقتصادية قائمة على مبادئ العدالة الاجتماعية التي يتضمنها الإسلام، مع الأخذ بالاعتبار التجارب الاقتصادية العالمية الناجحة.

 

  • العدالة الاجتماعية

يركز النجار على أن أي مشروع نهضوي يجب أن يقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية. العدالة، في رؤيته، ليست مجرد مبدأ ديني، بل هي شرط أساسي لبناء مجتمع متماسك وقادر على التقدم. ويجب أن يكون هناك توزيع عادل للثروات والفرص، ويجب أن يتم توفير الخدمات الأساسية للجميع دون تمييز. العدالة الاجتماعية ليست فقط هدفًا داخليًا، بل يجب أن تكون مبدًا ينظم علاقة الأمة الإسلامية بالعالم الخارجي. والأمة الإسلامية، وفقًا للنجار، لديها مسؤولية تجاه العالم، ويجب أن تقدم نموذجًا للعدالة والإنصاف في علاقاتها الدولية.

 

  • علاقة الأمة بالعالم

يؤكد النجار على أن الأمة الإسلامية يجب أن تسعى لإعادة بناء علاقتها مع العالم على أسس من التعاون والتفاهم المتبادل. ويجب أن يكون هناك انفتاح على العالم، ولكن من دون التخلي عن الهوية الإسلامية. وأن الأمة الإسلامية لديها ما تقدمه للعالم في مجالات الفكر، والثقافة، والاقتصاد، ولكن يجب أن يكون هذا التفاعل على أساس من الندية والاحترام المتبادل. ويرى أن الأمة الإسلامية، رغم التحديات التي تواجهها، ما زالت تملك الكثير من الإمكانيات التي تؤهلها لتكون فاعلًا رئيسيًا على الساحة العالمية. لكن هذا لن يتحقق إلا إذا تمكنت الأمة من تجاوز خلافاتها الداخلية، وأعادت بناء نفسها على أسس قوية.

 

خلاصة فكر النجار؛ أنه يتمحور حول الانتقال من حالة الصراع العقائدي إلى مشروع نهضوي شامل يقوم على توجيه العقيدة الإسلامية نحو الإصلاح والتطوير. يدعو النجار إلى فهم متجدد للعقيدة الإسلامية يساهم في بناء مجتمع عادل ومتقدم. كما يركز على أهمية الوحدة الإسلامية وبناء المؤسسات القوية كشرط أساسي لتحقيق هذه النهضة. في نهاية المطاف، يعتقد النجار أن الأمة الإسلامية تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لاستعادة مكانتها الحضارية، ولكن هذا يتطلب تجاوز الخلافات العقائدية والتركيز على بناء المستقبل.

 

سابعًا: أعماله

للدكتور عبد المجيد النجار إسهامات بارزة في مجال الدراسات الإسلامية، تتضمن كتبًا وأبحاثًا ومقالات في الفكر الإسلامي والشريعة، منها:

 

الكتب:

  1. فقه التحضر الإسلامي.
  2. مشاريع الإشهاد الحضاري.
  3. خلافة الإنسان بين الوحي والعقل.
  4. مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة.
  5. فقه المواطنة للمسلمين في أوروبا.
  6. دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين.
  7. في فقه التدين فهما وتنزيلا.
  8. مدخل إلى مقاصد الشريعة.
  9. نحو ثقافة إسلامية أصيلة.
  10. البعد الحضاري في هجرة الكفاءات.
  11. عوامل الشهود الحضاري.
  12. الإيمان بالله وأثره في الحياة.
  13. المستقبل الثقافي للغرب الإسلامي.
  14. تجربة الإصلاح في حركة المهدي بن تومرت: الحركة الموحدية بالمغرب أوائل القرن السادس الهجري.
  15. تصنيف العلوم في الفكر الإسلامي بين التقليد والتأصيل.
  16. المعتزلة بين الفكر والعمل.
  17. المهدي بن تومرت: حياته وآراؤه وثورته الفكرية والاجتماعية وأثره بالمغرب.
  18. مقاربات في قراءة التراث.
  19. صراع الهوية في تونس.
  20. رؤية مستقبلية للجامعة الزيتونية.
  21. تحقيق " رسالة في الردّ على النصارى " للرازي.
  22. تحقيق ودراسة كتاب " تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين " للراغب الأصبهاني.
  23. مقاربات في قراءة التراث، ط دار البدائل.
  24. عبد المجيد يتمثل عالمية رسالة الإسلام في كتاباته:
  25. الإنسان في العقيدة الإسلامية: مبدأ الإنسان.
  26. الإنسان في العقيدة الإسلامية: قيمة الإنسان.
  27. الآفاق الحضارية للوجود الإسلامي بالغرب.

 

الأبحاث والمقالات:

  1. أثر تحقيق المناط في وقف تنزيل الأحكام: يناقش دور التحقق من السياق في تطبيق الأحكام الشرعية.
  2. القراءة الجديدة للنص الديني: عرض ونقد: يسلط الضوء على الاتجاهات الحديثة في تفسير النصوص الدينية وتقييمها.
  3. مآلات الأفعال وأثرها في فقه الأقليات: يعالج قضايا الأقليات المسلمة من منظور فقهي وتطبيقاتها.
  4. تجربة الإصلاح في حركة المهدي بن تومرت: دراسة حول تجربة الإصلاح التي قادها المهدي بن تومرت، مع تركيز على الفكر والأثر الاجتماعي.
  5. فقه الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية.
  6. دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية.
  7. الاجتهاد والتجديد وتدافع المرجعيات.
  8. حوار مع المفكر التونسي الدكتور عبد المجيد النجار حول قضايا الفكر والثقافة والاجتماع السياسي.
  9. دور الحوار المذهبي في مواجهة التحديات الحضارية.
  10. المقتضيات المنهجية في تطبيق الشريعة في الواقع الإسلامي الراهن.
  11. الإنسان والكون في العقيدة الإسلامية.
  12. عقيدة تكريم الإنسان وأثره التربوي.
  13. واقعية المنهج الكلامي ودوره في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة.

____________________

المصادر:

  1. "عبد المجيد النجار: عضو الهيئة الاستشارية." موسوعة الفقه السياسي الإسلامي، 29 أغسطس 2024. https://islamicpolitics.net/participants/عبدالمجيد-النجار.
  2. عبد المجيد النجار، مرصد المجلس الوطني التأسيسي التونسي، https://bit.ly/3BqijJW
  3. عبد المجيد النجار، الرابطة المحمدية للعلماء، https://bit.ly/4eAk31U
  4. عبد الحفيظ بن مبارك، عبد المجيد النجار.. صرخة إخراج الأمة من حرب العقيدة إلى عقيدة النهضة، عمران، 2 سبتمبر 2020، https://bit.ly/3TDHAHc

 

 

التعريف اللغوي والاصطلاحي:

الاستدمار أو الاحتلال: هو سيطرة دولة على أخرى بقوة السلاح، وتأسيس نظام سياسي وإداري جديد فيها. الاستيطان: هو استقرار مجموعة من الناس في مكان جديد وإقامة مستوطنات فيه. والاستدمار الاستيطاني: هو شكل من أشكال "الاستدمار" يهدف إلى السيطرة على أرض أجنبية واستبدال سكانها الأصليين بمستوطنين من الدولة المستدمرة، بهدف إقامة مجتمع جديد يحمل هوية المستدمر. ويعود مفهوم الاستدمار الاستيطاني إلى عصور قديمة، حيث مارسته العديد من الحضارات، مثل الإغريق والرومان. إلا أن هذا المفهوم شهد تطورًا كبيرًا خلال العصر الاستدماري الحديث، الذي شهد تقسيم العالم بين الدول الاستدمارية الأوروبية.

 

طبيعة الاستدمار الاستيطاني:

في كتابه "الاستعمار والاستيطان: دراسة في التاريخ الفلسطيني" يري د. عبد الوهاب المسيري أن الاستدمار الاستيطاني ليس مجرد احتلال عسكري، بل هو مشروع حضاري يهدف إلى تغيير الهوية الوطنية للبلد المحتل، واستبدال سكانها الأصليين بسكان جدد، في حين ركز عزمي بشارة على الشق السياسي والديموغرافي للاستدمار من جهة أن الاستدمار الاستيطاني هو مشروع سياسي يهدف إلى إقامة دولة أجنبية على أرض شعب آخر، وذلك بطرد السكان الأصليين أو تهميشهم، واستيلاء على أراضيهم ومواردهم. ويري إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" أن الاستدمار ليس مجرد سيطرة سياسية واقتصادية، بل هو أيضًا هيمنة ثقافية وبناء صورة للـ"آخر". ويري ألبرت ميمي في كتابه "المُستعمِر والمستعمَر" أن الاستدمار ليس مجرد استغلال لشعب من قبل آخر، بل هو نظام هيمنة يخلق تراتبية بين المستدمر والمستدمَر. ويقوم الاستدمار أو الاستدمار الاستيطاني على فرضية تأمين الأرض؛ أي الحصول على الأرض والحفاظ عليها. وهو يشكّل الدافع وراء استئصال السكان الأصليين. فطرد السكان الأصليين يوفّر الأساس لمواصلة المشروع الاستدماري الاستيطاني، ولذلك ترتبط الإبادة ارتباطًا وثيقًا بالتوسّع والسيطرة على الأرض. وهو "بنية وليس حدثًا". وتنخرط الدولة الاستدمارية الاستيطانية في "مشروع شامل يتمحور حول الأرض، وينسّق بين مجموعة متكاملة من الهيئات؛ بدءًا من المركز المتروبولي، وصولً إلى التخوم، بهدف محو مجتمعات السكان الأصليين". ولا يسع المرء إلا أن يتفق مع هذا التوصيف التحليلي. ومن المرجح أن هذا ما دار في خلد الباحثين الأكاديميين المذكورين، في مقدمة هذه الدراسة، الذين وصفوا المشروع الصهيوني بأنه استدمار استيطاني، قبل أن يكتب وولف ذلك.

الفرق الرئيس بين الاستدمار الكلاسيكي والاستدمار الاستيطاني من خلال الاختلاف بين عبارتين موجهتين إلى السكان الأصليين: "اعملْ من أجلي" (الاستدمار الكلاسيكي)، و"اذهبْ من هنا" (الاستدمار الاستيطاني). فالعبارة الأولى نابعة من "منطق الاستغلال"، في حين أن الثانية منبثقة من "منطق الإلغاء" الذي يسعى إلى طرد السكان الأصليين والحلول محلهم. ويقيس إليان بابي ذلك بالاستدمار الاستيطاني في فلسطين فيذكر في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" أن المشروع الصهيوني في فلسطين كان مثالًا كلاسيكيًا للاستدمار الاستيطاني، والذي يهدف إلى القضاء على السكان الأصليين وإنشاء دولة يهودية خالصة.

 

أهداف الاستدمار الاستيطاني:

يهدف الاستدمار الاستيطاني إلى السيطرة على الموارد الطبيعية حيث غالبًا ما تكون الأراضي المستدمرة غنية بالموارد الطبيعية التي تسعى الدول الاستدمارية إلى الاستفادة منها، بالإضافة إلي التوسع الجغرافي وزيادة مساحة الدولة المستدمرة ونفوذها، كما تسعى الدول الاستدمارية إلى نشر ثقافتها وقيمها في الأراضي المستدمرة، كما يدفع بعض المستوطنين إلى الهجرة إلى الأراضي المستدمرة هربًا من المشاكل في بلدانهم الأصلية.

 

الاستدمار الاستيطاني في العصر الحديث وآثاره:

على الرغم من انتهاء العصر الاستدماري العسكري المباشر (باستثناء الاستدمار الصهيوني لفلسطين تقريبًا)، إلا أن آثار الاستدمار الاستيطاني لا تزال موجودة حتى اليوم في العديد من المناطق حول العالم، وتشكل تحديًا كبيرًا لبناء مجتمعات عادلة ومتساوية. ويترك الاستدمار الاستيطاني آثارًا مدمرة على الشعوب المستدمرة، فهو يدمر الحضارات والثقافات الأصلية للبلدان التي يستدمرها، والتهجير القسري لملايين الأشخاص من أراضيهم، والاستغلال الاقتصادي للشعوب المستدمرة، كما عانى السكان الأصليون من العنصرية والتمييز.

 

أبرز الأمثلة على الاستدمار الاستيطاني:

الاستدمار الأوروبي للأمريكيتين: حيث قام الأوروبيون بتدمير الحضارات الأصلية واستبدالها بمجتمعات أوروبية.

الاستدمار البريطاني لأستراليا: حيث تم تهجير السكان الأصليين واستقدام مستوطنين بريطانيين.

الاستدمار الصهيوني لفلسطين: حيث قام اليهود بتأسيس دولة إسرائيل على أراضي الفلسطينيين، وطردوا الملايين منهم من ديارهم.

الاستدمار الفرنسي في الجزائر: حيث قام الفرنسيون بتغيير التركيبة السكانية للجزائر واستيلاء على أراضيها.

 

الاستدمار الاستيطاني والقانون الدولي:

يعتبر القانون الدولي الاستدمار الاستيطاني انتهاكًا صارخًا لمبادئه وقواعده الأساسية، إن ممارسة الاستدمار الاستيطاني، والتي تتمثل في استيلاء دولة على أراضي دولة أخرى بقوة السلاح وإقامة مستوطنات فيها، تتعارض بشكل مباشر مع مجموعة من المبادئ والقواعد الدولية، بما في ذلك:

  • مبدأ سيادة الدول: ينص هذا المبدأ على حق كل دولة في ممارسة سيادتها على أراضيها، والاستدمار الاستيطاني ينتهك هذا المبدأ بشكل صريح.
  • حق الشعوب في تقرير المصير: يكفل هذا المبدأ حق كل شعب في تقرير مصيره بنفسه، والاستدمار الاستيطاني يحرم الشعوب المستدمرة من هذا الحق.
  • حظر العدوان: يحظر القانون الدولي أي استخدام للقوة المسلحة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، والاستدمار الاستيطاني يمثل شكلًا من أشكال العدوان.
  • حماية المدنيين: يفرض القانون الدولي واجبات على الدول المحتلة لحماية المدنيين في الأراضي المحتلة، والاستدمار الاستيطاني ينتهك هذه الواجبات من خلال طرد السكان الأصليين وتغيير التركيبة الديمغرافية للأراضي المحتلة.

 

من قرارات الأمم المتحدة:

أصدرت الأمم المتحدة العديد من القرارات التي تدين الاستدمار الاستيطاني وتعتبره غير قانوني، من أبرز هذه القرارات:

  • القرار 242: الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967.
  • القرار 465: الذي يدين إقامة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة.

 

الشريعة الإسلامية والاستدمار الاستيطاني:

الشريعة الإسلامية، بصفتها نظامًا شاملًا للحياة، تتضمن مبادئ وقيم تحرم الظلم والعدوان والاستيلاء على أراضي الغير، وتعتبر قضية الاستدمار الاستيطاني من القضايا المعاصرة التي تتطلب الوقوف عليها من منظور شرعي. وقد أبدى علماء الشريعة الإسلامية آراءً واضحة في هذا الشأن، مستندين إلى مبادئ وأحكام الإسلام، ومن تلك المبادئ والأحكام:

  1. حرمة الاعتداء على الأراضي والأعراض: قال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]، وهذا الآية الكريمة تحرم أي اعتداء على حقوق الآخرين، بما في ذلك الاعتداء على أراضيهم وأعراضهم. والاستدمار الاستيطاني يعد اعتداءً صريحًا على حقوق الشعوب الأصيلة.
  2. حق الشعوب في العيش بحرية: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَكمْ﴾ [الحجرات: 13]، وهذه الآية تؤكد على حق كل شعب في العيش بحرية وكرامة على أرضه، دون أن يتعرض للظلم أو القهر. والاستدمار الاستيطاني ينتهك هذا الحق.
  3. العدل والمساواة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وفي الآية دعوة إلى العدل والمساواة بين جميع الناس، بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو جنسهم. والاستدمار الاستيطاني يمارس التمييز العنصري ويؤدي إلى الظلم.

إن الاستدمار الاستيطاني عمل محرم في الإسلام، وهو ينتهك مبادئ عديدة من مبادئ الشريعة الإسلامية، مثل: حرمة الاعتداء على الأراضي والأعراض، وحق الشعوب في العيش بحرية، والعدل والمساواة، والسلم والتعايش.

ويعتبر من أهم الفروق بين الفتوحات الإسلامية والاستدمار الاستيطاني، أن الفتوحات الإسلامية لم تتضمن أبدًا طرد أصحاب الأرض الأصليين بل ظلوا في بلادهم يعيشون تحت شعار "لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم"، يحميهم مبدأ لا "إكراه في الدين"، وتظللهم قيم البر والرحمة والعدل..، فقد كان هدف الفتوحات إصلاحي لا إحلالي، وكان القضاء العادل هو الحَكَم بين المتخاصمين، لا يفرق بين مسلم أو غير مسلم، بل يعطي كل ذي حق حقه دون تمييز ديني أو عرقي، فقد كانت العدالة مبصرة لا عمياء كما يحدث دومًا في البلاد المستدمرة استدمارًا إستيطانيًا إحلاليًا.

__________

* قرر موقعنا استبدال لفظ الاستدمار بلفظ الاستعمار، إذ لا يصح أن نُقر استخدام لفظ أخلاقي تنموي كالاستعمار، على اعتداء غاشم يصحبه غالبًا عملية إبادة جماعية للسكان الأصليين من جانب المحتلين... وقد استخدم لفظ الاستدمار قبلنا أكثر من باحث، مثل د. محمد شاويش (رحمه الله)، وأ. معمر حبار وآخرون.

المصادر:

  • عزمي بشارة، استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار، مجلة عمران، العدد 38، أكتوبر 2021، ص: 16.
  • ابتهال الخطيب، بين الاستعمار والاستيطان وأساليب الإبادة «اللايت»، القدس العربي، 22 فبراير 2024، https://2u.pw/ePF2hsKs
  • وليد حباس، مفهوم الاستعمار الاستيطاني: نحو إطار نظري جديد، قضايا إسرائيلية، العدد ٦٦.
  • د. محمد عمارة، الاستعمار الاستيطاني بين فقه الواقع وفقه النص، مقال يمكن الاطلاع عليه عبر هذا الرابط: بقلم: د. محمد عمارة(alsadrain.com).
  • سمير الأحمد، الاستعمار الاستيطاني، دنيا الرأي، ١٦ فبراير ٢٠١٠، https://2u.pw/ixQ7a5xE

 

 

أعلنت منظمة الزكاة العالمية عن إصدار جديد للقرارات الدولية الفقهية والمحاسبية المتعلقة بالزكاة، يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين الشريعة الإسلامية والتطورات المحاسبية العالمية. يشمل هذا الإصدار ثمانية قرارات، أربعة منها في الجانب الفقهي وأربعة في الجانب المحاسبي. تسعى المنظمة من خلال هذه القرارات إلى تطوير فهم الزكاة وتحسين آليات حسابها وتوزيعها بشكل يتماشى مع متطلبات العصر الحديث، مع الحفاظ على أصالتها الإسلامية.

هذا الإصدار، الذي يغطي الفترة حتى رمضان 1445هـ (أبريل 2024م)، هو نتاج جهود طويلة من البحث والاجتهاد الجماعي من قبل خبراء الزكاة وعلماء الشريعة والمحاسبة. يتناول التحديات التي تواجه تطبيق الزكاة في العصر الحالي، سواء من الناحية الفقهية أم المحاسبية، ويقدم حلولًا تعزز من دور الزكاة كأداة اقتصادية واجتماعية مهمة.

 

منظمة الزكاة العالمية:

تأسست منظمة الزكاة العالمية في ديسمبر 2019 في المملكة المتحدة، وهي مؤسسة دولية غير ربحية تسعى لتعزيز فريضة الزكاة عالميًا. تعمل المنظمة على تطوير المفاهيم الفقهية والمحاسبية المتعلقة بالزكاة ونشر ثقافتها من خلال تبني آليات تنظيمية وتشريعية فعالة. تستند رؤية المنظمة إلى تحقيق التمكين الحضاري للزكاة عبر العالم من خلال تعزيز مكانتها كركن أساسي من أركان الإسلام ودمجها في مؤسسات الاقتصاد العالمي. أما رسالتها فتتمثل في تحسين وتطوير التشريعات والنظم المؤسسية المرتبطة بالزكاة، بما يضمن تحقيق التكافل الاجتماعي والتنمية المستدامة.

 

 الأهداف الاستراتيجية للقرارات: 

تتمحور القرارات الدولية الجديدة حول عدة أهداف رئيسية تهدف إلى تحديث تطبيق فريضة الزكاة، من بينها:

  1. النهوض بفكر الزكاة وتجديد مفاهيمها: من خلال تطوير الأسس الفقهية التي تنظم الزكاة وفقًا للتحديات المعاصرة.
  2. تمكين المؤسسات الزكوية: تعزيز الدور المؤسسي للزكاة من خلال تقديم حلول تشريعية وتنظيمية واضحة تسهم في تحسين إدارة الأموال الزكوية.
  3. دمج الزكاة في الاقتصاد العالمي: تعمل القرارات على تحقيق توافق بين فريضة الزكاة والنظم الاقتصادية العالمية، مما يسهم في تعزيز دورها في دعم الاقتصاديات الوطنية والدولية.
  4. التوعية بالزكاة: نشر ثقافة الزكاة بين المجتمعات الإسلامية، والتأكيد على دورها في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

 

 القرارات الفقهية: تأصيل فقهي لمفاهيم الزكاة الحديثة: 

تتضمن القرارات الفقهية أربعة جوانب أساسية تعالج القضايا الفقهية المرتبطة بحساب الزكاة وشروط وجوبها والأموال التي تجب فيها. وهذه القرارات هي:

  1. منهج الاستدلال الأصولي في فقه الزكاة:

   يوضح هذا القرار المنهج الأصولي الذي يتبعه العلماء في استنباط أحكام الزكاة، وذلك من خلال الاعتماد على مصادر الشريعة الأساسية مثل القرآن والسنة والإجماع. يستند القرار إلى الاجتهاد الجماعي في القضايا المستجدة التي تتعلق بجمع الزكاة وصرفها، ويؤكد على أهمية إعادة النظر في بعض الأحكام التقليدية لتتناسب مع الأوضاع المعاصرة.

  1. علة الزكاة:

   يتناول هذا القرار العلة الشرعية التي تستند إليها وجوب الزكاة، وهي وصف الغِنى. يحدد القرار متى وكيف يعتبر الشخص غنيًا بناءً على الشريعة الإسلامية، ويعتمد على الأدلة من القرآن والسنة التي تربط وجوب الزكاة بامتلاك نصاب معين من المال. كما يعالج القرار مسألة تحديد الأصول المالية التي يجب فيها الزكاة وكيفية قياس ذلك وفق الضوابط الشرعية.

  1. الأموال الزكوية:

   يقدم هذا القرار شرحًا تفصيليًا للأموال التي يجب فيها الزكاة، بما في ذلك الأموال النقدية، الأصول التجارية، الأصول الثابتة، وغيرها. يعتمد القرار على اجتهادات الفقهاء السابقة، ويوضح كيفية تطبيق هذه الأحكام في ظل الظروف الاقتصادية المعاصرة. كما يناقش القرار إمكانية تطبيق الزكاة على الأموال المستثمرة والأصول الرقمية.

  1. شروط وجوب الزكاة:

   يعالج هذا القرار الشروط الأساسية التي يجب توفرها لوجوب الزكاة، بما في ذلك شرط بلوغ النصاب ومرور الحول. يوضح القرار الفروق بين الشروط القديمة وكيفية تطبيقها في العصر الحديث، مع تسليط الضوء على أهمية ضمان توافر الشروط الشرعية دون تفريط في مقاصد الشريعة.

 

القرارات المحاسبية: ضبط عملية جمع الزكاة وصرفها

في الجانب المحاسبي، قدمت منظمة الزكاة العالمية أربعة قرارات تهدف إلى تحسين آليات حساب الزكاة وتوزيعها، مع التركيز على تطبيق المعايير المحاسبية الحديثة لضمان الشفافية والدقة في إدارة الأموال الزكوية. تشمل هذه القرارات:

 

  1. أصول محاسبة الزكاة:

   يتناول هذا القرار الأسس التي تقوم عليها عملية محاسبة الزكاة، بما في ذلك الأصول التي تجب فيها الزكاة وآليات حساب قيمتها. يساعد القرار المؤسسات المالية على وضع نظم دقيقة لضبط عملية حساب الزكاة وفقًا للمعايير الشرعية، مع توضيح المعايير المتعلقة بالأموال النقدية والأصول الثابتة.

  1. معيار الأصول الستة لحساب الزكاة:

   يقدم هذا القرار تفصيلًا للأصول الستة التي تجب فيها الزكاة، مثل الأصول النقدية، الأصول التجارية، والأصول المعدة للاستثمار. يهدف القرار إلى توحيد المعايير المحاسبية في مختلف المؤسسات لضمان تحقيق الشفافية والعدالة في حساب الزكاة على هذه الأصول.

  1. معيار صافي الغنى لحساب الزكاة:

   يعالج هذا القرار كيفية حساب صافي الغنى الذي تجب فيه الزكاة. يحدد القرار المعايير الدقيقة لتقييم أصول الفرد أو المؤسسة، مع توضيح كيفية حساب الديون والاستثمارات. يهدف القرار إلى تقديم نموذج محاسبي يتيح للمحاسبين والمتخصصين حساب الزكاة بدقة مع مراعاة المتطلبات الشرعية.

  1. معيار المحاسبة للمنظمات الخيرية:

   يتناول هذا القرار المعايير المحاسبية التي يجب أن تتبعها المنظمات الخيرية في إدارة الأموال الزكوية، ويوضح كيفية ضبط الأموال وجمعها وصرفها بطريقة شفافة تضمن استخدام الأموال في الأغراض المحددة لها وفقًا للشريعة. يساعد هذا القرار على تحسين عملية الرقابة المالية في المؤسسات الخيرية.

 

الهيئات العلمية المعنية بإصدار القرارات:

تستند منظمة الزكاة العالمية إلى ثلاث هيئات علمية متخصصة للإشراف على عملية إصدار القرارات الفقهية والمحاسبية، وهي:

  1. اللجنة الفقهية:

   تضم هذه اللجنة مجموعة من العلماء المختصين في فقه الزكاة، وتُعنى بصياغة ومراجعة القرارات الفقهية. تقوم اللجنة بإجراء الأبحاث والمراجعات الشرعية لضمان توافق القرارات مع أحكام الشريعة الإسلامية.

  1. اللجنة المحاسبية:

   تختص هذه اللجنة بوضع المعايير المحاسبية لحساب الزكاة، وتعمل بالتنسيق مع خبراء المحاسبة المالية لضبط آليات جمع الزكاة وصرفها. تعتمد اللجنة على أحدث المعايير المحاسبية الدولية لتقديم حلول عملية تتوافق مع متطلبات العصر الحديث.

  1. مجلس خبراء الزكاة:

   يتألف هذا المجلس من نخبة من العلماء والخبراء الدوليين المتخصصين في فقه الزكاة والمحاسبة المالية. يشرف المجلس على مراجعة القرارات والمصادقة عليها قبل إصدارها بشكل رسمي. يساهم المجلس في تطوير الأُطر التشريعية والتنظيمية التي تعزز من دور الزكاة في المجتمعات الإسلامية.

 

 آليات إصدار القرارات

تمر عملية إصدار القرارات الفقهية والمحاسبية بعدة مراحل لضمان دقتها العلمية والشرعية. تبدأ هذه المراحل بجمع الدراسات والأبحاث الأولية، مرورًا بمراجعة النصوص من قبل الهيئات العلمية، ثم عقد جلسات استماع مع الخبراء قبل اعتمادها وإصدارها بشكل رسمي.

تشمل مراحل إصدار القرارات ما يلي:

  1. الورقة صفر:

   تمثل المرحلة الأولى في عملية إصدار القرارات، حيث يتم تحديد موضوع القرار وجمع المعلومات والبيانات الأولية التي ستشكل الأساس العلمي له. في هذه المرحلة، يتم توجيه الدعوات للباحثين والخبراء لإعداد أبحاث متخصصة تتناول الموضوعات المطروحة.

  1. الاستكتاب العلمي:

   في هذه المرحلة، تتم مخاطبة الخبراء والباحثين لكتابة مقالات ودراسات علمية حول الموضوعات التي سيتم تضمينها في القرار. تقوم اللجنة العلمية بدراسة هذه الأبحاث ودمجها في مسودة أولية تعرف باسم "الورقة صفر".

  1. الورقة البيضاء:

   تُعد الورقة البيضاء المسودة التحضيرية الأولى للقرار، وهي تتضمن نصوص المواد الفقهية أو المحاسبية التي سيتم عرضها. يتم مراجعة الورقة البيضاء من قبل الهيئات العلمية المختصة لضمان توافق النصوص مع الشريعة الإسلامية والقوانين المحاسبية الحديثة.

  1. الورقة الزرقاء:

   تمثل الورقة الزرقاء المرحلة التالية في إصدار القرار، حيث يتم تطوير النصوص الفقهية أو المحاسبية وإضافة المذكرات التوضيحية. يتم في هذه المرحلة إجراء المراجعات النهائية قبل تمرير القرار إلى مجلس خبراء الزكاة والهيئة الاستشارية للمراجعة.

  1. الورقة الخضراء:

   تعد الورقة الخضراء المسودة شبه النهائية للقرار، وهي تحتوي على النصوص المعدلة بناءً على الملاحظات المقدمة في الورقة الزرقاء. يتم تضمين الشروحات التوضيحية لتسهيل فهم القرارات وتفسيرها بشكل واضح.

  1. جلسة الاستماع:

   تُعقد جلسة استماع تجمع بين الخبراء والمختصين في فقه الزكاة والمحاسبة، حيث يتم مناقشة النصوص الفقهية والمحاسبية للقرار. تُتاح في هذه الجلسة الفرصة لتقديم المداخلات والملاحظات من قبل الحاضرين، والتي تُؤخذ بعين الاعتبار في المراحل اللاحقة.

  1. الاعتماد العلمي:

   بعد استكمال جلسة الاستماع وإجراء التعديلات النهائية، يتم اعتماد القرار بشكل رسمي من قبل مجلس خبراء الزكاة. تُعتبر هذه المرحلة خطوة حاسمة في التأكد من أن القرار يعكس الأهداف الاستراتيجية والشرعية المطلوبة.

  1. الإصدار الرسمي:

   بعد الاعتماد النهائي، يتم إصدار القرار بشكل رسمي ونشره عبر وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمنظمة. يهدف الإصدار الرسمي إلى توفير القرارات للمؤسسات المعنية وأفراد المجتمع الإسلامي، لتعزيز الشفافية وتحقيق أقصى فائدة من تطبيق الزكاة.

يعتبر إصدار منظمة الزكاة العالمية للقرارات الدولية الفقهية والمحاسبية لعام 1445هـ - 2024م، خطوة هامة نحو تجديد وتطوير فريضة الزكاة لتكون أكثر توافقًا مع متطلبات العصر الحديث. تسعى هذه القرارات إلى تحقيق توازن بين الأصول الشرعية والمحاسبة الحديثة، ما يعزز من فعالية الزكاة في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية.

تعمل المنظمة من خلال هذه القرارات على توفير مرجعية علمية موثوقة يمكن للمؤسسات الإسلامية والاقتصادية الاعتماد عليها في حساب الزكاة وجمعها وتوزيعها. ومن خلال تنظيم عمل الزكاة بشكل دقيق وشفاف، يمكن لهذه القرارات أن تسهم في تعزيز دور الزكاة كأداة فعّالة لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية في العالم الإسلامي.

تأتي هذه الجهود في إطار رؤية شاملة تسعى إلى تطوير دور الزكاة في دعم الاقتصادات الإسلامية والعالمية، مع التزام تام بالمقاصد الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بهذه الفريضة. تدعو منظمة الزكاة العالمية المؤسسات والأفراد إلى الالتزام بهذه القرارات والعمل على تطبيقها لتحقيق الأهداف المرجوة منها.

رابط تحميل ملف قرارات منظمة الزكاة العالمية: هنا

__________________________

المصدر:

قرارات الزكاة الدولية (الفقهية والمحاسبية) الصادرة عن منظمة الزكاة العالمية، حتى رمضان 1445ه‍ - أبريل 2024م، https://bit.ly/3MEbQO0

 (1978-1891)

يُعد الشيخ علي الخفيف من أبرز الفقهاء المجددين في العصر الحديث، حيث تميز بتقديم اجتهادات فقهية تتناسب مع تطورات العصر دون الإخلال بأصول الشريعة. جمع بين دراسة الفقه التقليدي والمعرفة القانونية الحديثة، مما أهّله لتقديم رؤى مبتكرة في قضايا معاصرة مثل المعاملات المالية والتأمين. شغل مناصب أكاديمية وتشريعية مهمة، وترك خلفه إرثًا علميًا واسعًا وشاملًا يظل مرجعًا للأجيال القادمة، حيث ترك خلفه العديد من الكتب والمقالات والأبحاث التي ما زالت تُعد مرجعًا مهمًا في الدراسات الفقهية والقانونية. اهتم بنشر العلم والمعرفة، سواء من خلال التدريس أم الكتابة أم المشاركة في المؤتمرات العلمية. كما كان نموذجًا للعالم المجدد، وكان يعتقد أن الفقه الإسلامي قادر على مواكبة كل جديد، شريطة أن يُعاد النظر في بعض المسائل وفقًا لمقاصد الشريعة ومتطلبات العصر. كان لحكمته وأخلاقه دور كبير في التأثير على تلاميذه وزملائه، وظل مرجعًا في الفقه المقارن والدراسات الإسلامية. 

 

النشأة والتكوين العلمي:

وُلد الشيخ علي محمد الخفيف في قرية الشهداء بمحافظة المنوفية بمصر عام 1891. نشأ في أسرة محافظة اهتمت بتعليمه العلوم الدينية منذ صغره. التحق بكتّاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم العربية والدينية.

بعد إتمام حفظ القرآن، التحق بالأزهر الشريف في القاهرة عام 1904. كانت هذه الفترة قبل الإصلاحات الحديثة في الأزهر، حيث كانت الدراسة تعتمد بشكل كبير على حلقات التعليم، وتركز بشكل أساسي على العلوم الشرعية واللغة العربية، وبحلول عام 1907، انتقل إلى معهد الإسكندرية الديني الذي أُسس بتوجيهات الإمام محمد عبده، وكان هذا المعهد يجمع بين التعليم التقليدي والتحديث في المناهج والأساليب التعليمية، ودرس الشيخ الخفيف فيه لفترة قصيرة قبل أن ينتقل إلى مدرسة القضاء الشرعي التي أُنشئت في العام نفسه.

 

  دراسته في مدرسة القضاء الشرعي:

 كان التحاق الشيخ علي الخفيف بمدرسة القضاء الشرعي نقطة تحول في مسيرته العلمية، إذ كانت تلك المدرسة تعتبر من أرقى المؤسسات التعليمية في ذلك الوقت، حيث جمعت بين التعليم الشرعي والدراسات القانونية الحديثة وفيها تلقى الشيخ الخفيف تعليمًا مميزًا على يد نخبة من العلماء والأساتذة في الشريعة والعلوم العصرية، منهم: الشيخ أحمد إبراهيم، والشيخ فرج السنهوري، والشيخ محمد الخضري، والشيخ محمد عبد المطلب، وكان من بين زملائه في الدراسة الشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور أمين الخولي، والشيخ محمد فرج السنهوري. وقد استمر الشيخ الخفيف في المدرسة لمدة ثماني سنوات، حتى تخرج منها عام 1915 بشهادة تؤهله للعمل في القضاء والمحاماة والتدريس. 

 

المناصب التي شغلها:

بعد تخرجه، عُيّن الشيخ علي الخفيف أستاذًا في مدرسة القضاء الشرعي، حيث درس الفقه الإسلامي، كما تولى مناصب أكاديمية وتشريعية متعددة طوال حياته، فشغل منصب قاضٍ شرعي في المحاكم الشرعية المصرية عام 1921، وكان له دور كبير في تنظيم وإصلاح القضاء الشرعي في مصر. 

وفي عام 1939، تم تعيينه أستاذًا مساعدًا للشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث قام بتدريس مواد مثل: الفقه الجنائي، المعاملات المالية، والأحوال الشخصية.

شغل الشيخ علي الخفيف كذلك مناصب أخرى، مثل محامي شرعي في وزارة الأوقاف ومدير شؤون المساجد في الوزارة.

 

دوره في التشريع وتجديد الفقه:

كان الشيخ علي الخفيف واحدًا من الفقهاء المجددين الذين سعوا إلى تطوير الفقه الإسلامي بما يتناسب مع متغيرات العصر، فكان يدعو إلى مراجعة الفقه الموروث وتحديثه استنادًا إلى النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية، وقد تأثر بفكره العديد من طلابه. وكان يرفض الجمود الفقهي ويدعو إلى الاجتهاد في المسائل الفقهية المعاصرة. وقد تبنى منهجًا علميًا دقيقًا في التعامل مع النصوص الشرعية، محاولًا تقديم حلول فقهية تتوافق مع روح العصر دون الإخلال بالأسس الشرعية.

كما أصبح الشيخ مرجعًا مهمًا في الفقه المقارن بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وكانت أعماله البحثية تحلل القوانين الوضعية وتقارنها مع الأحكام الشرعية، مع تقديم مقترحات لتطوير الفقه في ضوء التغيرات المجتمعية. 

 

أخلاقه وشخصيته:

عُرف الشيخ علي الخفيف بتواضعه وإنكاره لذاته، وكان يتمتع بحكمة ووقار جلبا له احترام الجميع. ولم يكن يدخل في خصومات مع الآخرين، وكان يتسم بالصبر والتروي في إصدار الأحكام، ولذا كان يحظى بتقدير كبير من زملائه وطلابه، وكان يعتبر من العلماء الذين يجمعون بين العلم والعمل الصالح. لم يكن فقط فقيهًا متميزًا، بل أيضًا رجلًا ذا أخلاق رفيعة، يتعامل مع الجميع بحسن الخُلق والرفق.

 

مساهماته في اللجان العلمية والمجالس التشريعية:

كان الشيخ علي الخفيف عضوًا مؤسسًا في العديد من الهيئات العلمية مثل موسوعة الفقه الإسلامي، ومجمع البحوث الإسلامية، ومجمع اللغة العربية. كما شارك في إعداد العديد من مشروعات القوانين التي تتعلق بالأحوال الشخصية في مصر.

وقدم أبحاثًا علمية مهمة في المؤتمرات الإسلامية والعربية التي تناولت قضايا معاصرة مثل التأمين، والملكية، والفكر التشريعي الإسلامي.

كما كانت أبحاثه تُعد مرجعًا مهمًا للمؤسسات الأكاديمية والقانونية في مختلف الدول الإسلامية، كما كانت تسهم في تطوير الفقه الإسلامي لمواكبة التحديات المعاصرة.

 

دوره في المجامع العلمية والتشريعية:

- مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: كان الشيخ علي الخفيف عضوًا فعالًا في مجمع البحوث الإسلامية، حيث قدّم عدة أبحاث مهمة. من أبرزها بحثه حول "الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام"، وبحثه عن "التأمين" الذي قدمه في مؤتمر المجمع الثاني، وكذلك بحثه حول "مكانة السنة النبوية في بيان الأحكام الإسلامية". هذه الأبحاث ساهمت في توجيه النقاشات الفقهية نحو موضوعات معاصرة وأثبتت مرونة الفقه الإسلامي في مواجهة القضايا الحديثة. 

- مجمع اللغة العربية: تم اختياره عضوًا في مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1969 تقديرًا لمكانته العلمية وإسهاماته في مجال اللغة والفقه. ساهم في أعمال المجمع، خاصة في لجان المصطلحات الفقهية والقانونية، حيث قدّم مساهمات فعالة في تطوير المصطلحات الفقهية والقانونية بما يتناسب مع تطورات العصر.

- موسوعة الفقه الإسلامي: كان الشيخ علي الخفيف عضوًا مؤسسًا في موسوعة الفقه الإسلامي التي أنشئت عام 1961. كتب العديد من المصطلحات الفقهية للموسوعة، من بينها مصطلحات مثل "إجارة"، "إسلام"، "إقطاع"، و"دين". كان هدف الموسوعة هو جمع وتوثيق الأحكام الفقهية من مختلف المذاهب الإسلامية وتقديمها بشكل علمي ومنظم. إسهاماته في الموسوعة تُعد من أهم أعماله التي تجمع بين الدقة العلمية والاهتمام بالتفاصيل الفقهية. 

- المجلس الأعلى للأزهر: كان عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر الذي يتولى رسم السياسات العامة للأزهر الشريف، وهو ما يوضح مدى الثقة التي كانت تُعطى له من قبل المؤسسات الدينية العليا في مصر.

 

مشاركاته في المؤتمرات العلمية:

شارك الشيخ علي الخفيف في العديد من المؤتمرات العلمية على مستوى العالم العربي والإسلامي، حيث كان يُدعى لتقديم أبحاثه ومساهماته العلمية، على سبيل المثال: 

- في أسبوع الفقه الإسلامي الذي انعقد في دمشق عام 1961، قدّم بحثًا عن "الحسبة" وناقش موضوع "التعسف في استعمال الحق". 

- في المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي الذي انعقد في مكة المكرمة عام 1976، قدّم بحثًا مهمًا حول "التأمين"، وكان لهذا البحث أثر كبير في تبني بعض الدول الإسلامية لنظام التأمين وفقًا للشريعة الإسلامية. 

- هذه المشاركات العلمية لم تقتصر على المؤتمرات المحلية، بل شارك أيضًا كأستاذ زائر في عدة جامعات مثل جامعة بغداد وجامعة الخرطوم، حيث قدّم محاضرات لطلبة الدراسات العليا في الفقه الإسلامي والشريعة.

 

أهم مؤلفاته

كتب الشيخ علي الخفيف العديد من المؤلفات والأبحاث التي أثرت المكتبة الإسلامية، لما كانت تمتاز به من العمق والدقة في البحث، وتغطي موضوعات متعددة في الفقه وأصوله والمعاملات المالية والشريعة الإسلامية. وفيما يلي قائمة بمؤلفاته:

أولًا - الكتب المطبوعة:

1. "أحكام المعاملات الشرعية": تناول في هذا الكتاب مسائل المعاملات المالية من منظور الشريعة الإسلامية، وقدم دراسات مقارنة مع القوانين الوضعية. 

2. "أحكام الوصية": بحوث مقارنة تضمنت شرح قانون الوصية رقم 71 سنة 1946م. يعرض هذا الكتاب الأحكام الشرعية المتعلقة بالوصية مع مقارنة بالتشريعات الحديثة.

3. "أسباب اختلاف الفقهاء": يبحث في الأسباب التي أدت إلى تنوع الآراء الفقهية بين المذاهب المختلفة ويقدم رؤية واضحة لفهم هذه الاختلافات. 

4. "البيع في الكتاب والسنة": يركز على شرح أحكام البيع وفقًا للنصوص الشرعية الواردة في القرآن والسنة.

5. "التأمين وحكمه على هدي الشريعة الإسلامية": يناقش في هذا الكتاب مفهوم التأمين ومدى مشروعيته وفقًا للشريعة الإسلامية، ويقارن بين أنواعه المختلفة.

6. "التركة والحقوق المتعلقة بها": يتناول هذا الكتاب أحكام التركة وما يتعلق بها من حقوق، مثل حقوق الورثة والدائنين.

7. "التصرف الانفرادي والإرادة المنفردة": بحث مقارن يعرض مسألة التصرف بالإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي، ويقارنها بالقوانين المدنية المعاصرة.

8. "الحق والذمة": دراسة شاملة حول مفهوم الحق في الإسلام، والذمة بمعناها الشرعي والقانوني.

9. "حكم على شهادات الاستثمار بأنواعها الثلاثة": يناقش هذا الكتاب حكم الشريعة الإسلامية على شهادات الاستثمار، وتطبيق القواعد الفقهية على المعاملات المالية الحديثة.

10. "الخلافة": يناقش فيه مفهوم الخلافة في الإسلام وأحكامها، ودورها في النظام السياسي الإسلامي.

11. "الدَين": يُعد هذا الكتاب دراسة متعمقة حول الدين في الإسلام وأحكامه، وخصوصًا في المعاملات المالية. 

12. "الديات والأروش": يتناول أحكام الديات والأروش في الفقه الإسلامي، مع مقارنة بالقوانين الحديثة.

13. "الرهن": دراسة حول الرهن في الفقه الإسلامي وأحكامه المختلفة. 

14. "الشركات في الفقه الإسلامي": يقدم رؤية شاملة حول أحكام الشركات في الشريعة الإسلامية، ويقارنها بالقوانين المدنية. 

15. "الضمان في الفقه الإسلامي": يتناول موضوع الضمان وأحكامه في الشريعة الإسلامية، ويقدم دراسات مقارنة بالقوانين الوضعية. 

16. "فرق الزواج في المذاهب الإسلامية": يبحث في أنواع الفرق بين الزوجين وأسبابها وفقًا للمذاهب الإسلامية المختلفة. 

17. "الكفالة": يتناول هذا الكتاب أحكام الكفالة في الشريعة الإسلامية. 

18. "مختصر المعاملات الشرعية": يقدم خلاصة لأهم أحكام المعاملات في الفقه الإسلامي بأسلوب مختصر.

19. "مذكرة في السياسة الشرعية": مذكرات لطلبة تخصص القضاء الشرعي، تُركز على السياسة الشرعية وأحكامها. 

20. "مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية": دراسة تتناول أهمية السنة النبوية في تحديد الأحكام الشرعية والرد على الشبهات حول حجيتها. 

21. "الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين العربية": يقدم دراسة شاملة حول مفهوم الملكية في الفقه الإسلامي مع مقارنة بالقوانين الوضعية في الدول العربية.

 22. "المواريث": يتناول أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية بطريقة مفصلة.

23. "نظام الحكم": يناقش نظام الحكم في الإسلام وأحكامه الشرعية. 

24. "النيابة عن الغير في التصرف": يبحث في مسألة النيابة في التصرفات الشرعية وأحكامها.

 

ثانيًا - الأبحاث والمقالات المنشورة:

25. الاستصحاب.

26. الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي.

27. تأثير الموت في حقوق الإنسان والتزاماته.

28. "تعقيب على التعسف في استعمال الحق) بحث مقدم في أسبوع الفقه الإسلامي.

29. تقديم كتاب" تحفة الفقهاء للسمرقندي"، بتحقيق محمد زكي عبد البر، ١٩٥٨م.

30. الجعالة والوعد بجائزة.

31. جوابه على الاستفتاء المقدم من السيد عبد الرحمن عبد العزيز القاسم بشأن تقنين الأحكام الشرعية في البلاد السعودية، مطبعة المدني - القاهرة، ١٩٦٦م.

32. الحسبة.

33. "الحكومة الإسلامية الأولى" بحث منشور بمجلة الرسالة المصرية، عدد (٢٤٦) مارس (۱۹۳۸م).

34. رعاية المصلحة في الشريعة.

35. الشفعة.

36. الفكر التشريعي واختلافه باختلاف الشرائع.

37. كلمة في وداع الدكتور أمين الخولي في حفل استقبال الشيخ علي الخفيف في مجمع اللغة، مجلة المجمع (٢١٤/٢٥).

38. كلمة في تأبين الشيخ عبد الرحمن تاج في مجمع اللغة العربية مجلة المجمع (٢٢٣/٣٦).

39. مدى تعلق الحقوق بالتركة.

40. الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام.

41. المنافع في الشريعة الإسلامية.

42. الوقف الأهلي: نشأته، مشروعيته، عيوبه، حله، إصلاحه.

 

ثالثًا - المصطلحات الفقهية التي كتبها لموسوعة الفقه الإسلامي - مصر:

43. إجارة (۲/ ۱۹۹ - ۳۳۰).

44. ادعاء (٤ / ١٦٢ - ١٨٧).

45. إذن (٢٢١/٤ - ٢٤٦).

46. ارتفاق (٢٧٤/٤ - ٢٧٨).

47. أرش (٨٣/٥-١٠٧).

48. استبدال (۱۷۷/۵ - ۱۸۲).

49. استنابة (۹۲/۸).

50. استناد (٩٢/٨-٩٤).

51. استیلاء (٢٠٧/٨ - ٢١٤).

52. إسلام (٩ / ٢٧٥ - ٢٩٣).

53. اعتصار (١٦ / ١٠٠ - ١٠٢).

54. اعتقال (١٠٣/١٦ - ١٠٥).

55. اقتصار (۲۳۲/۲۱ - ۲۳۳).

56. إقطاع (٦/٢٣ - ١٨).

57. انقراض، لم تطبع بعد.

58. إيمان، لم تطبع بعد.

59. أمير وإمارة، لم تطبع بعد.

60. أهل الحل والعقد لم تطبع بعد.

61. دين، طبع ضمن طبعة الموسوعة النموذج.

 

وفاته:

توفي الشيخ علي الخفيف في القاهرة يوم 7 نوفمبر 1978 بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والفقهي. حظي بتكريم كبير من قبل زملائه وتلاميذه، وأقيم له حفل تأبين في مجمع اللغة العربية بالقاهرة يوم 8 نوفمبر 1978. 

____________ 

المصدر: مستل من كتاب: د. محمد عثمان شبير، الشيخ على الخفيف الفقيه المجدد، دار القلم، دمشق: 2002 (بتصرف واختصار).

 رابط تحميل الكتاب

مفهوم الدولة الدينية يشير إلى نظام حكم يكون فيه لرجال الدين السلطة العليا في إدارة شؤون الدولة وسن القوانين. يُعرف هذا النظام بالثيوقراطية، وهي كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين: “ثيو” وتعني الإله، و"قراطية" وتعني الحكم، مما يعني أنها الدولة التي يحكم فيها شخص أو أكثر أو مؤسسة معينة (الكنيسة في العصور الوسطى في أوروبا مثلا) باسم الله أو بتفويض من الله أو بشرع الله، وتفرض على رعاياه حق الطاعة والتقديس بأمر الله.

وبنظرة أعمق إلى مفهوم الحكم والدولة الثيوقراطيين لدى علماء السياسة؛ فإن الثيوقراطية نظرية سياسية تقوم على أن شرعية الحكم والحاكم تتأسس على كون من يمتلكها ويمارسها يفعل ذلك انطلاقا من حق إلهي، وأنه في تصرفه وممارسته السياسية يصدر عن تفويض من الإرادة الإلهيّة. إن الحكم الثيوقراطي تبعا لذلك هو بطبيعته حكم مطلَق، يجعل للسيادة مصدرا واحدا هو الحاكم بأمر الله وباسمه.

والحكم الثيوقراطي يوظِّف نظرية "الحق الإلهي" من أجل ممارسة حكم وضعي مطلق، يمنع أي نوع من أنواع المساءلة أو الرقابة، ويصادر سيادة الشعب وسلطته وحقه الأصلي في تفويض الحاكم في تدبير شؤونه، بناء على تعاقد اجتماعي محدَّد المعالم، واضح الواجبات والمسؤوليات. والحاكم في النظرية الثيوقراطية هو فوق المساءلة والمحاسبة، إذ إنّه ليس منتخَبا، ولا يمكن عزله أو إسقاطه لسقوط شرعيته أو نقصانها بسبب إخلاله بمقتضيات العقد الاجتماعي، لأنه هو صاحب السيادة المطلقة وليس الشعب، فهو غير مسؤول أمام أي إنسان آخر ولا أي مجلس ولا أمام الشعب نفسه، وهو فوق القانون، ولا يقبل النقد والاعتراض والنصح، لأنّه يحكم بإرادة إلهيّة.

وبذلك تكون الثيوقراطية -التي تعني التصرف السياسي وفق تفويض أو حق إلهي- أكثر تعارضا مع روح الدين ومقاصده العامة من أشد العلمانيات تطرفا.

 

أصل فكرة الدولة الدينية:

تعود أصول فكرة الدولة الدينية إلى الفيلسوف اليوناني جوزيفوس فلافيوس، الذي قارن بين أشكال الحكم المختلفة في اليونان، مثل الأرستقراطية والملكية والفوضوية. تطورت الفكرة بشكل كبير خلال عصر النهضة الألمانية، حيث عارضها العديد من الفلاسفة مثل هيجل. وهناك عدة أنماط من النظريات الثيوقراطية، نذكر منها: النظرية القائلة بالطبيعة الإلهيّة للحكّام، ويعود ظهورها إلى الحضارات القديمة في روما وإيران ومصر والصين واليابان. وتتلخّص النظرية في تقديس الإمبراطور أو الملِك باعتباره الإلهَ نفسَه أو مَظهراً للإلهِ أو ابنَه أو ربيبَه، ولأنه صاحب سيادة وسلطة مطلقتين.

ثم جاءت النظرية القائلة بالحقّ الإلهي المباشر والتي ظهرت بعد المسيحية؛ فلم تعد للحاكم طبيعة إلهية، بل إنّه إنسان لكن الله اختاره واصطفاه ومنحه السيادة والسلطة على البشر. وبذلك فهو صاحب سلطة مطلقة أيضاً، لأنّه يحكم بإرادة إلهية ويستمدّ سلطته من الله مباشرة. وقد اعتنقت الكنيسة المسيحية هذه الفكرة، واستطاعت من خلالها بسط نفوذها وسلطتها على أوروبا، وإن كان الإمبراطور والملِك أو الأمير هو الذي يحكم في الظاهر. وبهذا الشأن يقول القديس بوسيه المعاصر كما قال ملك فرنسا لويس الرابع عشر: "إن الله هو الذي يعيّن الملك ويضعه على العرش"، وبعض ملوك أوروبا: "إننا لم نتلقَّ التاج إلاّ من الله، ولنا وحدنا سلطة القوانين ولا نخضع في عملنا لأحد".

ثم هناك نظرية الحقّ الإلهي غير المباشر، وقد ظهرت في أعقاب الصراع بين الكنيسة المسيحية وملوك أوروبا، وهو ما دفع مفكّرين سياسيّين -من أبرزهم القديس توما الأكويني- إلى القول بأنّ الله تعالى يختار الحاكم بواسطة الشعب. أي أن الإرادة الإلهيّة تتدخّل لتختار الإمبراطور أو الملك، ولكن ليس بشكل مباشر، بل من خلال اختيار الشعب له بتوجيه إلهي. وهذه النظرية تتمسّك بالفكرة العامّة للثيوقراطية، ولكنّها تحاول أن تعطي لنفسها مظهراً ديمقراطيا.

 

أشكال الحكم الديني عبر التاريخ:

عرفت الإنسانية أشكالًا مختلفة من الحكم الديني في عدة دول. على سبيل المثال، كانت الصين في عهد مملكة شانغ تُحكم من قبل حكام كانوا أشبه برجال الدين. كذلك، شهدت الإمبراطورية البيزنطية أشكالًا من الحكم الديني، وكذلك حكم مقاطعة فلورانسا في إيطاليا في عهد الراهب جيرولامو سافونارولا.

وفي اليونان القديمة: كان الفيلسوف جوزيفوس فلافيوس أول من استخدم مصطلح “ثيوقراطية” لوصف الحكومة القائمة عند اليهود. في ذلك الوقت، كانت الثيوقراطية تُعتبر نوعًا فريدًا من الحكم لا يندرج تحت أي من الأنظمة المعروفة مثل الملكية أو الأرستقراطية.

وخلال العصور الوسطى كانت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا تتمتع بنفوذ كبير في الشؤون السياسية. كان الباباوات والأساقفة يمتلكون سلطة كبيرة، وكانوا يتدخلون في تعيين الملوك والأمراء، مما جعل الحكم الديني جزءًا لا يتجزأ من الحياة السياسية في أوروبا.

أما في عصر النهضة فقد بدأت فكرة الثيوقراطية تأخذ دلالة سلبية بشكل كبير، خصوصًا على أيدي الفيلسوف الألماني هيجل، وشهد هذا العصر تحولًا نحو العلمانية وفصل الدين عن الدولة، مما أدى إلى تراجع نفوذ الحكم الديني في أوروبا.

وفي العصر الحديث لا تزال بعض الدول المعاصرة تحتفظ بسمات الحكم الثيوقراطي. على سبيل المثال، الفاتيكان يُعتبر دولة ثيوقراطية حيث يكون البابا هو رأس الدولة. كذلك، هناك دول أخرى تعتمد على الشريعة الإسلامية كأساس للحكم، مما يجعلها تحمل سمات الحكم الديني.

 

مفهوم الدولة الدينية في الإسلام:

لم يعرف تاريخ المسلمين الدولة الثيوقراطية ضمن نطاق واسع في تجاربها ولم يكن له أي أصل ضمن الشريعة الإسلامية، فقد عرف المسلمون أساليب الحكم المدنية التي ارتقت بالدولة الإسلامية. في فترة الخلافة الراشدة، كان المسلمون يبايعون رجلًا من عامة الناس لما يتمتع به من صفات العدالة والنزاهة، وليس بالضرورة أن يكون رجل دين. في هذا النظام، تكون الحكمة والسياسة عناصر مهمة في أسلوب الحكم، ويكون هناك مجال للاجتهاد الإنساني والحكم المدني بما لا يتعارض مع الشريعة.

فالدولة في الإسلام دولة أقرب إلى مفهوم الدولة المدنية لكن بمرجعية إسلامية، لأن الشرعية فيها ومصدر السلطات هو البيعة (بيعة الجمهور): أي العقد رضائي بين الطرفين (الحاكم والمحكوم) وليس للحاكم حق التشريع، فالرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان نبيا رسول ليس في غير دائرة ما يوحى اليه، فتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم كإمام (حاكم) غير ملزمة للجمهور (المحكوم)، مثلا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضا ميتة فهي له"، بعض العلماء قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتحدث بصفته رسولا بل بصفته إماما، وهذا ما يزكي طرح أن الدولة الاسلامية هي دولة مدنية وليست بدولة دينية حيث أن اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيوية كلها اجتهادات من غير مصدر الوحي.

كانت شرعية الرسول صلى الله عليه وسلم كحاكم تستند على البيعة كأساس للإمامة، وتعتبر بيعة العقبة الثانية هي ذلك العقد الاجتماعي الذي أعطى لنبي صلى الله عليه وسلم المشروعية كحاكم وقائد سياسي، عكس بيعة العقبة الأولى التي استندت على أساس عقدي (ايديولوجي )، ومن هنا يمكن القول أن بيعة العقبة الثانية كانت بمثابة عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين الرسول الحاكم والقائد السياسي والجمهور (الأنصار) أو موطني دولة المدينة بشكل عام (المهاجرين والأنصار)، وبعد الهجرة سيقوم الرسول صلى الله عليه وسلم (القائد السياسي) بتأطير قانوني (إعلان دستوري) لدولة المدينة بصحيفة المدينة (دستور المدينة)، والتي جاءت لتنظم العلاقة بين غير المبايعين (المعارضين: المنافقين واليهود) والمبايعين (الجمهور من المهاجرين والأنصار) والنظام السياسي الحالي (الإمام صلى الله عليه وسلم) ويضمن لهم حقوقهم الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

وبالعودة إلي مفهوم الدولة الدينية التفويضية فإنها ليست موجودة في الإسلام بل هي نقيض ما أقر من ممارسات سياسية من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنه نقيض مبدأ الشوري وهو من المبادئ السياسية الأساسية في الشريعة الإسلامية، لذا يمكن القول بالإطلاق ألا دولة دينية بالمعني الثيوقراطي في الإسلام.

فالدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مَدَنِيَّة، تقوم السلطة بها على البَيْعة والاختيار والشورى والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة ـ مُمثَّلة في أهل الحلِّ والعَقْد فيها ـ أن تُحاسبه وتُراقبه، وتأمره وتنهاه، وتُقَوِّمه إن أعوجَّ، وإلا عزلته، ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن، أن ينكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكرًا، أو ضيَّع معروفًا، بل على الشعب أن يُعلن الثورة عليه إذا رأي كفرًا بَوَاحًا عنده من الله برهان.

أما الدولة الدينية "الثيوقراطية" التي عرفها الغرب في العصور الوسطى والتي يحكمها رجال الدين، الذين يتحكَّمون في رِقاب الناس ـ وضمائرهم أيضًا ـ باسم "الحق الإلهي" فما حلُّوه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطوه في الأرض فهو مربوط في السماء؟ فهي مرفوضة في الإسلام، وليس في الإسلام رجال دين بالمعنى الكهنوتي، إنما فيه علماء دين، يستطيع كل واحد أن يكون منهم بالتعلُّم والدراسة، وليس لهم سلطان على ضمائر الناس، ودخائل قلوبهم، وهم لا يزيدون عن غيرهم من الناس في الحقوق.

__________________________

المصادر:

  1. محمد يتيم، الدولتان الدينية والمدنية.. أيهما أقرب لمقاصد الإسلام؟، الجزيرة نت، 8 مارس 2020، https://bit.ly/3MacJxK
  2. عبد الرحمن حسنيوي، الدولة المدنية في ميزان الإسلام، الجزيرة نت، 30 أبريل 2018، https://bit.ly/4dmvcmy
  3. يوسف القرضاوي، الدولة المدنية والدولة الدينية... تحديد مفاهيم، موقع د. يوسف القرضاوي، 26 ديسمبر 2004، https://bit.ly/3WOCQz8
  4. إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي، سلسة عالم المعرفة، الكويت، 1994، العدد 183.
  5. حسام حسين، نقد النظرية الثيوقراطية السياسية، أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، عمان، 2015.

فيلسوف مغربي متخصص في تشريح العقل العربي طيلة عقود من البحث والإنتاج، سلط خلالها الضوء بعمق تحليلي على مكونات هذا العقل وأدوات اشتغاله والعوائق التي تجعله حبيس التقليد والاجترار والتخلف والتبعية للغرب.

 

المولد والنشأة:

ولد محمد عابد الجابري يوم 27 ديسمبر 1935 في بلدة سيدي لحسن بمدينة فكيك شرق المغرب، وسط أسرة مفككة (بسبب الطلاق)، فنشأ نشأته الأولى عند أخواله.

 

الوظائف والمسؤوليات:

ارتقى في مسالك التعليم في بلده، حيث قضى فيه 45 سنة مدرسًا، ثم ناظر ثانوية، ثم مراقبًا وموجها تربويًا لأساتذة الفلسفة في التعليم الثانوي، ثم أستاذًا لمادة الفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب بالرباط، وكان عضو مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية، كما كان واحدًا من القيادات الكبيرة لحزب الاتحاد الاشتراكي.

 

الدراسة والتخصص العلمي:

حازَ الجابري على البكالوريوس في الفلسفة من جامعةِ الرَباط عامَ 1961 ثمّ على شهادةِ الماجستير عامَ 1967، ثم الدكتوراه عامَ 1971، ثم دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 من كلية الآداب التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وعمل أستاذا للفلسفة والفكر العربي والإسلامي بالكلية نفسها.

 

فكره:

بدأ بطرحِ أفكارِهِ في مسألةِ "نقدِ العقلِ العربيّ"، منذ مطلَعِ ثمانينياتِ القرنِ العِشرين حيث حلّل الجابري في سلسلة بنفس العنوان؛ طريقة تفكير العقل العربي بتفكيك بناه الثقافية واللغوية، وكذلك فعل في تحليل العقل السياسي الأخلاقي، وهو مبتكر مصطلح "العقل المستقيل" الذي يعني به العقل الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى. وصل في نهاية تلك السلسلة إلى أن العقل العربي بحاجة، إلى عادة الابتكار، وإعادة النظر في المفاهيم التي تشكله. ثم أصدر كتابَهُ "نحنُ والتراث" الذي أعلن فيهِ أنّ العقلَ العربيَّ قام بـ "إلغاءِ الزمانِ والتطوّرِ" عن طريقِ رؤيةِ الحاضرِ والمستقبل. يقول الجابري إنّ الفكرَ العربيَّ في تعاملِهِ معَ التراث، قد سلكَ طريقَينِ: الأوّل، الدعوةُ إلى إلغاءِ الماضي وتبنّي الحداثةِ كما هي. والثاني، يدعو إلى إحياءِ التراث، لكنّ الاتجاهَينِ وصَلا إلى طريقٍ مسدود. تنطلقُ مرجِعِيةُ الجابري الفكريةُ من ثلاثةِ مصادرَ، أولها، المصادرُ الإسلاميةُ أي القرآنُ والسُنّةُ النبويةُ والفُقه، وثانيها، تراثُ الفلاسفةِ العرب كالفارابي وإخوانِ الصفا وابنِ سينا، وابنِ باجة وابنِ طُفيل، وابنِ رشد وابنِ خلدون. والمصدرُ الثالثُ هو الحضارةُ اليونانيةُ والفكرُ الغربيُّ الأوروبي. وتستندُ منهجيّتُهُ في قراءةٍ للتراثِ إلى المعالجةِ البِنیویةِ، والتحلیلِ التاریخيِّ، والطرحِ الأیدیولوجي.

يتميّزُ الجابري بأنهُ منَ المثقّفِينَ العربِ القلائلِ الذين اشتغلوا بالثقافةِ والسياسةِ معًا. فهو كان قياديًا بارزًا في حزبِ الاتحادِ الاشتراكي لفترةٍ طويلةٍ، قبلَ أنْ يقدّمَ استقالتَهُ عامَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وثمانين 1981 ليتفرّغَ للإنتاجِ الفكريِّ. فهو يعتقِدُ أنّ المثقّفَ ينبغي أن يظلَّ دائمًا "فوق" السياسيِّ، وأنْ تكونَ السياساتُ التي يبنيها السياسيُ مبنيةً على ما وصل إليهِ المثقّفُ من تأسيساتٍ نظريةٍ وتقديراتٍ للمواقفِ.

 

نشاطه السياسي:

انخرط الجابري في خلايا المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي للمغرب بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد استقلال البلاد اعتقل عام 1963 مع عدد من قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما اعتقل مرة ثانية عام 1965 مع مجموعة من رجال التعليم إثر اضطرابات عرفها المغرب في تلك السنة. كما كان قياديًا بارزًا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فترة طويلة، قبل أن يقدم استقالته من المسؤوليات الحزبية في أبريل 1981، ويعتزل العمل السياسي ليتفرغ للإنتاج الفكري، وكان له أيضا نشاط في المجال الإعلامي، حيث اشتغل في جريدة "العلم" ثم جريدة "المحرر"، وساهم في إصدار مجلة "أقلام"، وكذا أسبوعية "فلسطين" التي صدرت عام 1968.

 

جوائز حصل عليها:

  1. جائزة بغداد للثقافة العربية، اليونسكو، يونيو 1988.
  2. الجائزة المغاربية للثقافة، مايو 1999.
  3. جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي، نوفمبر 2005.
  4. جائزة الرواد، مؤسسة الفكر العربي، ديسمبر 2005.
  5. ميدالية ابن سينا من اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، نوفمبر 2006.
  6. جائزة ابن رشد للفكر الحر، أكتوبر/تشرين الأول 2008.

 

من مؤلفاته:

  1. العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، وهو نص أطروحته لنيل الدكتوراه.
  2. أضواء على مشكل التعليم بالمغرب.
  3. مدخل إلى فلسفة العلوم (جزآن).
  4. من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية.
  5. نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي.
  6. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية.
  7. تكوين العقل العربي.
  8. بنية العقل العربي.
  9. السياسات التعليمية في المغرب العربي.
  10. إشكاليات الفكر العربي المعاصر.
  11. المغرب المعاصر: الخصوصية والهوية.. الحداثة والتنمية.
  12. العقل السياسي العربي.
  13. حوار المغرب والمشرق: حوار مع د. حسن حنفي.
  14. التراث والحداثة: دراسات ومـناقشات.
  15. مقدمة لنقد العقل العربي.
  16. المسألة الثقافية.
  17. المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية، محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد.
  18. مسألة الهوية: العروبة والإسلام… والغرب.
  19. الدين والدولة وتطبيق الشريعة.
  20. المشروع النهضوي العربي.
  21. الديمقراطية وحقوق الإنسان.
  22. قضايا في الفكر المعاصر (العولمة، صراع الحضارات، العودة إلى الأخلاق، التسامح، الديمقراطية ونظام القيم، الفلسفة والمدينة).
  23. التنمية البشرية والخصوصية السوسيوثقافية: العالم العربي نموذجا.
  24. وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر.
  25. حفريات في الذاكرة، من بعيد (سيرة ذاتية من الصبا إلى سن العشرين).
  26. الإشراف على نشر جديد لأعمال ابن رشد الأصيلة مع مداخل ومقدمات تحليلية وشروح.
  27. ابن رشد: سيرة وفكر 1998.
  28. العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية.
  29. سلسلة مواقف (سلسلة كتب في حجم كتاب الجيب).
  30. في نقد الحاجة إلى الإصلاح.
  31. مدخل إلى القرآن.
  32. فهم القرآن: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول.

 

وفاته:

الجابري وافَتْهُ المنية يوم الاثنين 3 مايو 2010 بالدار البيضاء، بعد معاناة طويلة مع المرض، عن عمرِ خمسةٍ وسبعينَ 75 عامًا.

__________________________

المصادر:

  1. محمد عابد الجابري.. سيرة مفكر، الجزيرة نت، 3 مايو 2010، https://2u.pw/MdOjMTno
  2. محمد عابد الجابري .. ناقدُ العقلِ العربيّ، الميادين، 26 مارس 2023، https://2u.pw/Q3xuaG2c
  3. محمد عابد الجابري، الجزيرة نت، 3 مارس 2015، https://2u.pw/N7MOnPFc
  4. محمد عابد الجابري… المفكر الذي وضع العقل العربي على مشرحة النقد 2/1، مرايانا، 4 مايو 2024، https://2u.pw/ZaHWDIBQ