موقع حوارات

موقع حوارات

تعُرَّف جريمة الحرب المتمثلة في التجويع في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بأنها: «استخدام تجويع المدنيين وسيلةً من وسائل الحرب عمدًا من خلال حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة، بما في ذلك تعمد إعاقة إمدادات الإغاثة على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف»، ولا تشمل المواد التي لا غنى عنها للبقاء على قيد الحياة الغذاء فحسب، بل تشمل أيضًا الماء والدواء والمأوى. ولا يعد موت الأفراد جوعًا شرطًا لتحقق ارتكاب الجريمة، بل يكفي حرمانهم من المواد التي لا غنى عنا لبقائهم على قيد الحياة.

 

سياسة التجويع جريمة حرب وإبادة:

عُرفت سياسة التجويع كوسيلة من وسائل الحرب منذ زمن بعيد، بدءًا من الحصار وحتى قطع المياه بهدف الضغط على العسكريين لإجبارهم على الاستسلام، إلا أن هذه السياسة وخاصة بعد الحربين العالميتين اعُتبرت أمرًا غير أخلاقي، فحظرت العديد من مواثيق القانون الدولي –كالقانون الجنائي الدولي والقانون الدولي الإنساني- استخدام التجويع كوسيلة في جميع النزاعات المسلحة، بينما اعتبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2018 سياسة تجويع المدنيين جريمة حرب، كما نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على ذلك أيضًا. ولا يتطلب القصد الإجرامي اعتراف المهاجم، بل يمكن أيضا استنتاجه من مجمل ملابسات الحملة العسكرية، إلا أنه حصر هذه الجريمة بالنزاعات المسلحة الدولية.

في تصنيف تاريخي مقارن، حددت "أنا وبريدجيت كونلي" تسعة أغراض للتجويع بالنسبة للجهات الفاعلة السياسية والعسكرية التي ترتكبها على نطاق واسع، وأول خمسة منها هي: الإبادة أو الإبادة الجماعية، والسيطرة من خلال إضعاف السكان، واكتساب السيطرة الإقليمية، وطرد السكان، والعقاب.

 

تداعيات سياسية التجويع الصحية:

تبدأ المجاعات عندما يُحرم المدنيون من الحصول على ما يكفي من السعرات لمواكبة احتياجات الجسم من الطاقة نتيجة فقر، أو صراعات عسكرية، أو حصار أو غيره، وفي هذه الحالة ينتقل المدنيون غالبا لاستهلاك الموارد المتاحة والتي لم تكن تعتبر في السابق "طعامًا"، كبعض النباتات وعلف الحيوانات.

ومع انخفاض كمية ونوع الغذاء الداخل للجسم، يحاول الجسم في الأيام الأولى التأقلم مع هذا النقض كما يحدث في حالة الصيام، إلا أن استمرار هذا النقص لفترة طويلة تجعل الجسم يلجأ لاستنفاد موارده الاحتياطية كالدهون والمعادن والفيتامينات، وعندما لا يجد الجسم ما يأكله يبدأ بالتغذية على نفسه، حيث يقوم باستهلاك مخازن البروتين في العضلات بما في ذلك عضلة القلب.

تتسبب المجاعة ونقص الغذاء بمشاكل صحية فيتقلص حجم القلب والرئتين والمبيضين والخصيتين نتيجة تقلص العضلات، ويحاول الدماغ حماية الجسم عن طريق تقليل بعض الوظائف الحيوية، مثل عملية الهضم مما يؤدي إلى الإسهال، إلا أن ذلك يتسبب بموت الخلايا العصبية وفقدان المادة الدماغية، وهو ما يتسبب بضرر لا يمكن علاجه وخاصة عند الأطفال،  كما تتسبب المجاعة بتغيرات سلوكية واضحة فيصبح الشخص سريع الانفعال أو لا مبال أو خامل، يتعذر عليه التركيز، وقد يعاني في المراحل المتأخرة من المجاعة من الهلوسة والتشنجات واضطرابات في ضربات القلب، تنتهي بتوقفه.

يحتاج أولئك الذين اختبروا حالة المجاعة إلى خطة علاج متكاملة، حيث قد لا يكون كافيا توفير الطعام المناسب لهم لاحقًا، ومن الضروري إجراء فحص طبي شامل لتقييم الوضع، الذي قد يستدعي في بعض الأحيان دخول المستشفى أو الخضوع لبرنامج علاجي طويل لمعالجة الأمراض أو الالتهابات الكامنة، بالإضافة إلى برنامج غذائي متدرج يقدم لهم بعض الأطعمة العلاجية، مثل عجينة زبدة الفول السوداني المغذية بالكامل، والحليب الجاف الخالي من الدسم، ومجموعة واسعة من الفيتامينات والمعادن.

 

تجويع المدنيين والمعايير الدولية:

تجويع المدنيين كأسلوب الحرب محظور بموجب المادة 54 (1) من "البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف" والمادة 14 من "البروتوكول الإضافي الثاني". رغم أن بعض الدول ليست طرفا في البروتوكول الأول والثاني إلا أن الحظر معترف به باعتباره يمثّل القانون الإنساني الدولي العرفي في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. لا يجوز لأطراف النزاع "التسبب عمدا [بالتجويع]" أو التسبب عمدا في "معاناة السكان من الجوع، ولا سيما عبر حرمانهم من مصادر الغذاء أو الإمدادات".

يُحظر على الأطراف المتحاربة أيضا مهاجمة الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، مثل الإمدادات الغذائية والطبية، والمناطق الزراعية، ومنشآت مياه الشرب. الأطراف ملزمة بتسهيل تقديم المساعدة الإنسانية السريعة ودون عوائق إلى جميع المدنيين المحتاجين، وعدم عرقلة المساعدات الإنسانية عمدا أو تقييد حرية حركة موظفي الإغاثة الإنسانية.

وتنص المادة 2 من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية على أن إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا، ينطبق عليه مفهوم الإبادة الجماعية.

وتنص المادة 55 و59 على ضرورة تموين السكان بالمؤن الغذائية وألا تحول الدول دون وصول الإمدادات الغذائية، والسماح لعمليات الإغاثة لمصلحة السكان.

وأشار نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والقاعدة 156 من القانون الدولي الإنساني العرفي إلى أن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني تشكل جرائم حرب. ويقع ضمنها استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، بحرمانهم من أشياء لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك إعاقة تزويدهم بمؤن الإغاثة.

 

سياسية التجويع في الشريعة الإسلامية:

ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز لإنسان أن يمنع عن آخر طعامًا أو شرابًا، حتى إذا كان مسجونًا، فإنه يجب عليه أن يدفع إليه الطعام والشراب وما تقوم به حياته. قال الإمام أبو يوسف في "كتاب الخراج": لم تزل الخلفاء تجري على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وإدامهم، وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب بالعراق، ثم فعله معاوية بالشام، ثم فعله الخلفاء بعده. بل نص الفقهاء على أن من منع الطعام عن سجين عمدًا، وكان السبب في موته، فإنه يقتل به؛ لأنه يكون ظهر منه قصد موته. ففي فقه الشافعية والحنابلة: ولو حبس أحد آخر ومنعه الطعام والشراب، حتى مات، فإن مضت مدة يموت مثله فيها غالبًا جوعًا أو عطشًا، فيكون حكمه حكم القتل العمد، وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس من حيث القوة والضعف والزمان حرًا وبردًا، وهذا مراعاة لحال الأطفال والنساء بخلاف الرجال، ففقد الماء في الحر ليس كفقده في البرد.

وإن لم تمضِ المدة المذكورة فإن لم يكن بالمسجون جوع وعطش سابق على الحبس فيكون القتل شبه عمد، وإن كان به بعض جوع وعطش سابق على الحبس، فيأخذ حكم القتل العمد، فيقتل به. وما قاله الفقهاء من وجوب القصاص في القاضي أو الحاكم: إن قصد تجويع المسجون الذي حبس في تهمة، فما بالنا بقوات أتت من خارج البلاد مع قوات ظلم وبغي تجوع الناس في بيوتهم وشوارعهم دون أن يكون عليهم أحكام من قضاء عادل؟

إن الإسلام جعل من أهم مقاصده العظمى حفظ النفس، وحرم قتلها بأي وسيلة مادامت نفسًا محترمة، ولم تأتِ ما يستوجب القصاص منها، من زنى المتزوج، أو قاتل غيره عمدًا، أو مرتدًا عن دين الله تعالى قاصدًا للردة بمفارقة جماعة المسلمين، منضمًا للكافرين، معينًا لهم على محاربة الدين، أو ما يعرف بالخيانة العظمى. وفي مثل هذه الحالة التي يخاف الإنسان فيه على نفسه أن يموت أو يهلك أو يشرف على الهلاك، فيجوز له أن يستعمل التقية، بإخفاء ما يؤمن به، وإظهار موافقة من يخافه؛ مادامت هذه هي الوسيلة للحفاظ على نفسه، كأن يظهر أنه مع الظالمين فيتظاهر بهذا بالفعل أو القول مادام هو يكره هذا في نفسه، وأن يستعمل التورية في هذا، عملًا بقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {173}) (البقرة). ولا يجد المسلم حرجًا أن ينجو بنفسه بالتقية، فإن الله تعالى أباحها في كتابه عند الضرورة، كما قال سبحانه: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ {28}) (آل عمران).

__________

  1. كندة حواصلي، سياسة التجويع.. التوحش السافر في القرن الـ21، مدونات الجزيرة، 4 مارس 2024، .
  2. إسرائيل: استخدام التجويع كسلاح حرب في غزة، موقع: هيومَن رايتس وتش، 18 ديسمبر 2023، https://2u.pw/TRdZfEg.
  3. أليكس دي وال، التجويع أداة للحرب، عرب 48، 13 فبراير 2024، .
  4. سيف باكير، فقه لتجويع، مجلة المجتمع الكويتية، 16 يناير 2016، .

كان علي زكي العرابي باشا من رجال الحركة الوطنية، وكان من أبرز القانونيين في جيله، وكان أحد ثلاثة تولوا إعداد مشروعات القوانين المصرية بعد إلغاء المحاكم المختلطة والامتيازات الأجنبية، فقد تولى إعداد مشروعات القوانين الجنائية، على حين تولى الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا إعداد القانون المدني، بينما تولى محمد حسن العشماوي باشا إعداد قانون المرافعات.

 

نشأته وتكوينه:

ولد علي زكي العرابي باشا في محلة أبو علي سنة 1882، وتلقي تعليمًا مدنيًا متميزًا وعرف بنبوغه وهو طالب في الحقوق حيث كان يترجم المحاضرات عن الإنجليزية ويوزعها على زملائه. تخرج علي زكي العرابي باشا في مدرسة الحقوق (1903)، وعمل بالمحاماة وتلقى تدريبه الأولي على المحاماة في مكتب خاله، ثم عمل مدرسًا للقانون بمدرسة الشرطة، ثم اختير أستاذًا بكلية الحقوق (1920)، ثم عين قاضيًا بالاستئناف. انضم للحركة الوطنية في ثورة 1919، وظل طيلة حياته على ولائه للوفد، وقد انتخب عضوًا في الهيئة العليا للوفد في نهاية الثلاثينيات.

 

مناصبه الوزارية:

عُين علي زكي العرابي باشا وزيرًا للمعارف في وزارة النحاس باشا الثالثة (مايو 1936 ـ يوليو 1937)، ثم تولى وزارة المواصلات في ثلاث وزارات أخري رأسها النحاس باشا، فتولاها في وزارة النحاس الرابعة (أغسطس 1937 ـ ديسمبر 1937)، ثم في وزارته الخامسة (فبراير 1942) وحتى 14 مايو 1942 فقط، حيث اختير رئيسا لمجلس الشيوخ، وعاد ليتولى وزارة المواصلات للمرة الثالثة في وزارة الوفد الأخيرة (12 يناير 1950) وحتى 9 يوليو 1950 فقط، حيث اختير مرة أخري رئيسًا مجلس الشيوخ.

انتماؤه للوفد وخلافه معه:

كان العرابي باشا وزيرًا وفديًا ورئيسًا لامعًا لمجلس الشيوخ، وكان من الرموز المخلصة للوفد، وذلك لم يمنعه من الاختلاف العلمي والفقهي في بعض القضايا مع الوفد، وكانت أشهر هذه الآراء الفقهية الحاسمة في اختلافها مع سياسة الوفد آراؤه الخاصة بالقضايا التي أثيرت حول عضوية البرلمان، حيث كان الأمر سجالًا بين الوزارات الوفدية ووزارات حسين سري باشا (1941) وأحمد ماهر باشا (1944) وإسماعيل صدقي باشا (1946)، ومع أن علي زكي العرابي باشا كان وفديًا أصيلًا بل ورئيس مجلس الشيوخ -آنذاك- فقد كان رأيه في ظاهره على خلاف رأي الوزارة الوفدية.

العرابي باشا والحقبة الناصرية:

كانت علاقة العرابي باشا بحركة الضباط متباينة بين حالة من العداء باعتباره من رموز الوفد والرموز السياسية البارزة في الحقبة الملكية وبين تقدير مكانته القانونية والقضائية، وكان الرئيس جمال عبد الناصر نفسه يظهر للصحافة تقديره ومحبته له، وأنه يستعين برأيه، ومن العجيب أنه اختير كذلك عضوًا في لجنة وضع الدستور كممثل اختارته الثورة للوفد وذلك على الرغم من أنه خضع لقوانين العزل السياسي باعتباره من وزراء ما قبل الثورة.

 

آثاره:

– «مركز الوارث في الشريعة ونتائجه في القانون»، القاهرة، مطبعة الشعب، 1913.

– «شرح القسم العام من قانون العقوبات وجرائم القتل والجرح والضرب»، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة، 1925.

– «قانون تحقيق الجنايات والتعديلات الطارئة عليه والقوانين المرتبة به لغاية أول نوفمبر سنة 1926»، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1926.

– «القضاء الجنائي» جمع وتلخيص وترتيب علي زكي العرابي، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1926، من جزئين في ثلاثة مجلدات.

– «المبادئ الأساسية للإجراءات الجنائية» شرح قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 1950، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1952.

– «المبادئ الأساسية للتحقيقات والإجراءات الجنائية»، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1939/ 1940، من جزئين في مجلدين.

– «مذكرات في قانون تحقيق الجنايات»، القاهرة، مطبعة الاعتماد، 1920.

– «عضوية البرلمان»، القاهرة، 1949.

وسبق لموقعنا أن نشر عرضا لكتابه "القضاء الجنائي"

________________

- محمد الجوادي، العرابي باشا الذي ابتدع المصطلح القائل بأن البرلمان سيد قراره، مدونات الجزيرة، https://2u.pw/Np1mlOj

- علي زكي العرابي باشا، تراجم عبر التاريخ، https://tarajm.com/people/77690

The melbet promo code free bet welcome bonus is a premier offer designed for all new customers joining the platform. This incentive provides a powerful boost to your initial bankroll, allowing you to place more bets on your favorite sports from the very beginning. The standard welcome offer promises a 100% match on your first deposit. The maximum bonus sum you can receive from this promotion is capped at €100, giving you a significant and valuable head start on your betting journey.

في تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" في 18 ديسمبر 2023، خلصت فيه إلى أن حكومة الاحتلال الإسرائيلية تستخدم تجويع المدنيين أسلوبا للحرب في قطاع غزة المحتل، ما يشكل جريمة حرب. يتعمد الجيش الإسرائيلي منع إيصال المياه، والغذاء، والوقود، بينما يعرقل عمدًا المساعدات الإنسانية، ويبدو أنه يجرّف المناطق الزراعية، ويحرم السكان المدنيين من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم.

منذ هجوم حركة "حماس" على الأراضي الفلسطينية المحتلة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدلى مسؤولون كبار من دولة الاحتلال الإسرائيلي، منهم وزير الدفاع يوآف غالانت، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الطاقة يسرائيل كاتس، بتصريحات علنيّة أعربوا فيها عن نيّتهم حرمان المدنيين في غزة من الغذاء، والمياه، والوقود – هذه التصريحات تعكسها العمليات البرية للجيش الإسرائيلي. وصرّح مسؤولون إسرائيليون آخرون علنًا بأن المساعدات الإنسانية لغزة ستكون مشروطة إما بالإفراج عن الرهائن الذين تحتجزهم حماس أو بتدمير الحركة.

قال عمر شاكر، مدير شؤون إسرائيل وفلسطين في هيومن رايتس ووتش: "لأكثر من شهرين، تحرم إسرائيل سكان غزة من الغذاء والمياه، وهي سياسة حث عليها مسؤولون إسرائيليون كبار أو أيّدوها وتعكس نية تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. على زعماء العالم رفع أصواتهم ضد جريمة الحرب البغيضة هذه، ذات الآثار المدمرة على سكان غزة".

قابلت هيومن رايتس ووتش 11 فلسطينيا نازحًا في غزة بين 24 نوفمبر/تشرين الثاني و4 ديسمبر/كانون الأول. ووصفوا الصعوبات الشديدة التي يواجهونها في تأمين الضروريات الأساسية. قال رجل غادر شمال غزة: "لم يكن لدينا طعام، ولا كهرباء، ولا إنترنت، لا شيء على الإطلاق. لا نعرف كيف نجونا".

وفي جنوب غزة، وصف الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات ندرة المياه الصالحة للشرب، ونقص الغذاء الذي أدى إلى خلو المتاجر والطوابير الطويلة، والأسعار الباهظة. قال أب لطفلين: "تبحث باستمرار عن الأشياء اللازمة لتعيش". أفاد "برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة" في 6 ديسمبر/كانون الأول أن 9 من كل 10 أسر في شمال غزة وأسرتين من كل ثلاثة في جنوب غزة أمضوا يوما كاملًا وليلة كاملة على الأقل دون طعام.

يحظر القانون الإنساني الدولي، أو قوانين الحرب، تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. وينص "نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية" على أن تجويع المدنيين عمدًا "بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية" هو جريمة حرب. لا يتطلب القصد الإجرامي اعتراف المهاجم، ولكن يمكن أيضًا استنتاجه من مجمل ملابسات الحملة العسكرية.

كما أن الحصار الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، فضلًا عن إغلاقه المستمر منذ 16 عاما، يرقيان إلى مصاف العقاب الجماعي للسكان المدنيين، وهو جريمة حرب. وباعتبارها القوة المحتلة في غزة بموجب "اتفاقية جنيف الرابعة"، من واجب إسرائيل ضمان حصول السكان المدنيين على الغذاء والإمدادات الطبية.

في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، حذّر برنامج الأغذية العالمي من "احتمال مباشر" للموت جوعًا، مسلطا الضوء على أن إمدادات الغذاء والمياه كانت معدومة عمليًا. وفي 3 ديسمبر/كانون الأول، أبلغ عن "تهديد كبير بالمجاعة"، ما يشير إلى أن النظام الغذائي في غزة كان على وشك الانهيار. في 6 ديسمبر/كانون الأول، أعلن أن 48٪ من الأسر في شمال غزة و38٪ من النازحين في جنوب غزة مرّوا بـ "مستويات حادة من الجوع".

في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن "المجلس النرويجي للاجئين" أن غزة تواجه "كارثة في احتياجاتها للمياه، والصرف الصحي، والنظافة الشخصية". وأُغلقت مرافق الصرف الصحي وتحلية المياه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول بسبب نقص الوقود والكهرباء، وأصبحت غير صالحة للعمل إلى حد كبير منذ ذلك الحين، وفقا لـ "سلطة المياه الفلسطينية". وحتى قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وفقا للأمم المتحدة، لم يكن في غزة تقريبًا مياه صالحة للشرب.

قبل الأعمال القتالية الحالية، كان يقدّر أن 1.2 مليون من سكان غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة يواجهون انعداما حادًا في الأمن الغذائي، وأكثر من 80٪ منهم يعتمدون على المساعدات الإنسانية. تمارس إسرائيل سيطرة شاملة على غزة، تشمل حركة الأشخاص والبضائع، والمياه الإقليمية، والمجال الجوي، والبنية التحتية التي يعتمد عليها القطاع، وسجل السكان. يجعل ذلك سكان غزة، الذين تخضعهم إسرائيل لإغلاق غير قانوني منذ 16 عاما، يعتمدون بشكل شبه كامل على إسرائيل للحصول على الوقود، والكهرباء، والدواء، والغذاء، والسلع الأساسية الأخرى.

بعد فرض "الحصار التام" على غزة في 9 أكتوبر/تشرين الأول، استأنفت السلطات الإسرائيلية ضخ المياه إلى بعض أجزاء جنوب غزة في 15 أكتوبر/تشرين الأول، ومنذ 21 أكتوبر/تشرين الأول سمحت بوصول مساعدات إنسانية محدودة عبر معبر رفح مع مصر. قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18 أكتوبر/تشرين الأول إن إسرائيل لن تسمح بدخول المساعدات الإنسانية "على شكل الغذاء والأدوية" إلى غزة عبر معابرها "طالما لم تتم إعادة رهائن [إسرائيل]".

واصلت الحكومة منع دخول الوقود حتى 15 نوفمبر/تشرين الثاني، رغم التحذيرات من العواقب الوخيمة لذلك، ما تسبب بإغلاق المخابز، والمستشفيات، ومحطات ضخ الصرف الصحي، ومحطات تحلية المياه، والآبار. وهذه المرافق، التي لم تعد صالحة للاستعمال، لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة. ورغم السماح بدخول كميات محدودة من الوقود لاحقًا، إلا أن منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لين هاستينغز وصفتها في 4 ديسمبر/كانون الأول بأنها "ليست كافية على الإطلاق". وفي 6 ديسمبر/كانون الأول، وافقت حكومة الطوارئ الإسرائيلية على زيادة "بقدر الحد الأدنى" في إمدادات الوقود إلى جنوب غزة.

في 1 ديسمبر/كانون الأول، مباشرة بعد وقف إطلاق النار لسبعة أيام، استأنف الجيش الإسرائيلي قصف غزة ووسّع هجومه البري، قائلا إن عملياته العسكرية في الجنوب "لن تقل قوة" عما هي عليه في الشمال. وبينما قال مسؤولون أمريكيون إنهم حثوا إسرائيل على السماح بدخول الوقود والمساعدات الإنسانية إلى غزة بنفس مستويات فترة وقف إطلاق النار، قالت "وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق" التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية في 1 ديسمبر/كانون الأول إنها أوقفت دخول جميع المساعدات. استؤنفت عمليات تسليم المساعدات المحدودة في 2 ديسمبر/كانون الأول، لكنها ما تزال بمستويات غير كافية إلى حد كبير، وفقا لـ "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا).

وإلى جانب الحصار الساحق، ألحقت غارات الجيش الإسرائيلي الجوية المكثفة على القطاع أضرارا واسعة أو دمرت المواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين. قال خبراء أمميون في 16 نوفمبر/تشرين الثاني إن الأضرار الجسيمة "تهدّد باستحالة استمرار الحياة للشعب الفلسطيني في غزة". الجدير بالذكر أنّ قصفَ الجيش الإسرائيلي آخر مطحنة قمح عاملة في غزة في 15 نوفمبر/تشرين الثاني يضمن عدم إنتاج الدقيق محليا في غزة في المستقبل المنظور، كما أبرزت أوتشا. وقال "مكتب الأمم المتحدة لخدمة المشروعات" إن تدمير شبكات الطرق صعّب على المنظمات الإنسانية إيصال المساعدات إلى من يحتاجون إليها.

قال سكوت بول، مستشار أول للسياسات الإنسانية في "أوكسفام أمريكا"، لـ "أسوشيتد برس" في 23 نوفمبر/تشرين الثاني: "تدمرت المخابز ومطاحن الحبوب، ومرافق الزراعة والمياه والصرف الصحي".

وكان للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة أيضًا تأثير مدمر على قطاعها الزراعي. وفقا لـ أوكسفام، بسبب القصف المستمر، إلى جانب نقص الوقود والمياه، ونزوح أكثر من 1.6 مليون شخص إلى جنوب غزة، أصبحت الزراعة شبه مستحيلة. في تقرير صادر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، قالت أوتشا إن الماشية في الشمال تواجه التجويع بسبب نقص العلف والمياه، وإن المزارعين يهجرون محاصيلهم بشكل متزايد وبات التلف يصيب المحاصيل بسبب شح الوقود اللازم لضخ مياه الري. وأدت المشاكل القائمة، مثل شح المياه وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية القريبة من السياج الحدودي، إلى تفاقم الصعوبات التي يواجهها المزارعون المحليون، الذين نزح العديد منهم. في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، قال "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" إن خسائر غزة اليومية في الإنتاج الزراعي لا تقل عن 1.6 مليون دولار أمريكي.

في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، أفاد "قطاع الأمن الغذائي الفلسطيني"، الذي يقوده برنامج الأغذية العالمي و"منظمة الأغذية والزراعة"، أن الأعمال القتالية دمرت أكثر من ثلث الأراضي الزراعية في الشمال. تُشير صور الأقمار الصناعية التي راجعتها هيومن رايتس ووتش إلى أنه منذ بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي البري في 27 أكتوبر/تشرين الأول، تم تجريف أراضٍ زراعية، منها البساتين والبيوت البلاستيكية والمزارع في شمال غزة، على يد الجيش الإسرائيلي على ما يبدو. 

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الإسرائيلية أن تتوقف فورا عن استخدام تجويع المدنيين أسلوبا للحرب. عليها الالتزام بحظر الهجمات على الأهداف الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة وترفع حصارها عن قطاع غزة. على الحكومة أن تعيد توفير المياه والكهرباء، وتسمح بدخول الغذاء والمساعدات الطبية والوقود التي تمس الحاجة إليها إلى غزة عبر المعابر، بما فيها كرم أبو سالم.

على الحكومات المعنية مطالبة إسرائيل بوقف هذه الانتهاكات. كما على الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وألمانيا، وغيرها تعليق المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة لإسرائيل طالما يستمر جيشها بارتكاب انتهاكات خطيرة وواسعة ترقى إلى جرائم حرب ضد المدنيين مع الإفلات من العقاب.

قال شاكر: "تضاعف الحكومة الإسرائيلية عقابها الجماعي للمدنيين الفلسطينيين ومنع المساعدات الإنسانية باستخدامها القاسي للتجويع كسلاح الحرب. الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة تتطلب استجابة عاجلة وفعالة من المجتمع الدولي".

 

الخلفية

أسفرت الهجمات التي قادتها حركة حماس في جنوب الأراضي المحتلة والتي تضم مستوطنات صهيونية في 7 أكتوبر/تشرين الأول عن مقتل 1,200 إسرائيلي وأجنبي على الأقل، وأخذ أكثر من 200 شخص كرهائن، وأدى رد دولة الاحتلال الإسرائيلي بالقصف والهجوم البري إلى مقتل أكثر من 18,700 فلسطيني، بينهم أكثر من 7,700 طفل، وفقا لسلطات غزة.

صرّح خبراء أمميون في 16 نوفمبر/تشرين الثاني أن نصف البنية التحتية المدنية في غزة قد تدمر. وأفادت "أوتشا" أنه حتى 10 ديسمبر/كانون الأول، دمر قصف الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة أو أصاب بأضرار أكثر من نصف الوحدات السكنية في غزة، وفقًا لوزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، بالإضافة إلى مستشفيات، ومدارس، ومساجد، ومخابز، وأنابيب مياه، وشبكات صرف صحي، وشبكات كهرباء. في 4 و5 نوفمبر/تشرين الثاني وحدهما، وفقا لـ أوتشا، تعرضت سبعة مرافق مياه في مختلف أنحاء القطاع لقصف مباشر وتضررت بشكل جسيم، منها خزانات المياه في مدينة غزة، ومخيم جباليا للاجئين، ورفح.

تمعن هجمات الجيش الإسرائيلي المتكررة وغير القانونية المفترضة على المرافق والطواقم ووسائل النقل الطبية في تدمير نظام الرعاية الصحية في غزة، ما يعيق حصول السكان على العلاج المنقذ للحياة، بما فيه الوقاية من الأمراض، والهزال، والوفيات المرتبطة بسوء التغذية، ما يفاقم الوضع المزري. قالت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس في 28 نوفمبر/تشرين الثاني: "سنرى أن الناس يموتون بسبب الأمراض أكثر من القصف إذا لم نتمكن من ترميم هذا النظام الصحي".

 

العواقب الإنسانية

في 13 أكتوبر/تشرين الأول، أمرت السلطات الإسرائيلية أكثر من مليون شخص بمغادرة شمال غزة خلال 24 ساعة؛ كانت هذه الأوامر مستحيلة التنفيذ. منذئذ، ومع تدهور الأوضاع في الشمال، نزح مئات الآلاف إلى محافظتي رفح وخان يونس في الجنوب، حيث تزداد صعوبة تأمين سبل البقاء على قيد الحياة. بموجب القانون الإنساني الدولي، يجب أن تتم عمليات الإجلاء في ظروف تضمن حصول النازحين على المساعدات الإنسانية دون عوائق، بما فيها ما يكفي من الغذاء والعمل، وإلا فقد تصبح تهجيرًا قسريًا. تُحظر عمليات الإجلاء التي تزيد احتمال التجويع.

العواقب الإنسانية للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وخيمة. خلال الأسابيع الثمانية الأولى من القتال، كان شمال غزة محور الهجوم الجوي المكثف للجيش الإسرائيلي، ثم الهجوم البري لاحقا. باستثناء وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام بدءا من 24 نوفمبر/تشرين الثاني، والذي أدخلت خلاله قوافل الأمم المتحدة كميات محدودة من الدقيق والبسكويت عالي الطاقة، قُطع وصول المساعدات إلى الشمال إلى حد كبير. بين 7 نوفمبر/تشرين الثاني وعلى الأقل 15 نوفمبر/تشرين الثاني، لم تعد أي مخابز تزاول عملها في الشمال بسبب نفاد الوقود، والمياه، ودقيق القمح، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بها، بحسب أوتشا.

بحسب "برنامج الأغذية العالمي"، هناك خطر جدي من التجويع والمجاعة في غزة. قال مسؤولون في الأمم المتحدة إن 1.9 مليون شخص، أي أكثر من 85% من سكان غزة، نازحون داخليًا، وقالوا إن الظروف في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة الآخذة في التقلص قد تصبح "كالجحيم أكثر فأكثر".

صرّح كبير مسؤولي الإغاثة في الأمم المتحدة مارتن غريفيث في 5 ديسمبر/كانون الأول أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في جنوب غزة أدت إلى ظروف "مروعة"، ما جعل من المستحيل القيام بعمليات إنسانية مجدية.

حتى 6 ديسمبر/كانون الأول، كانت محطة تحلية المياه الوحيدة في شمال غزة معطلة، وظل خط الأنابيب الذي يزود الشمال بالمياه من إسرائيل مغلقا، ما يزيد خطر الجفاف وتفشي الأمراض المنقولة بالمياه بسبب تناول المياه من مصادر غير آمنة. تضررت المستشفيات بشكل خاص، فحتى 14 ديسمبر/كانون الأول، كان ما زال واحد فقط من أصل 24 مستشفى في شمال غزة يعمل وقادرًا على استقبال مرضى جدد، ولكن بقدرات محدودة.

في جميع أنحاء قطاع غزة، تفاقمت الأزمة الإنسانية مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي منذ 11 أكتوبر/تشرين الأول، وقطع الاتصالات أكثر من مرة الذي حرم الناس من المعلومات الموثوقة بشأن السلامة والخدمات الطبية الطارئة، وأعاق بشدة العمليات الإنسانية. إذ قالت أوتشا في 18 نوفمبر/تشرين الثاني إن انقطاع الاتصالات بين 16 و18 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو الرابع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، تسبب في "وقف عمليات تقديم المساعدات الإنسانية التي تواجه التحديات بالفعل وقفا تاما تقريبا، بما تشمله من المساعدات المنقذة للحياة للأشخاص المصابين أو المحاصرين تحت الأنقاض نتيجة للغارات الجوية والاشتباكات".

منذ بداية الهجوم البري للجيش الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول، تشير صور الأقمار الصناعية التي راجعتها هيومن رايتس ووتش إلى أن البساتين والخيم الزراعية والأراضي الزراعية في شمال غزة دُمرت، على ما يبدو من قِبل القوات الإسرائيلية، ما يفاقم المخاوف من انعدام الأمن الغذائي الشديد وفقدان سبل العيش. تشير صور الأقمار الصناعية إلى استمرار تجريف الأراضي الزراعية في شمال غزة أثناء وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام، والذي بدأ في 24 نوفمبر/تشرين الثاني وانتهى في 1 ديسمبر/كانون الأول، عندما كان الجيش الإسرائيلي يسيطر مباشرة على المنطقة.

 

في حين سمحت الحكومة الإسرائيلية بتدفق مستمر ومتزايد قليلا من المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة خلال وقف إطلاق النار الذي استمر سبعة أيام وانتهى في 1 ديسمبر/كانون الأول، بما فيها غاز الطهي للمرة الأولى منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، فإنها كانت قد تعمدت عرقلة إمدادات الإغاثة بالكميات اللازمة لأكثر من شهر، تزامنا مع الحصار الذي فرضته وأثّر على جميع السكان المدنيين. ساهم ذلك في نشوء وضع إنساني كارثي له عواقب بعيدة المدى، حيث نزح أكثر من 80% من السكان، ولجأ عديد منهم إلى أماكن مكتظة غير نظيفة أو صحية في مراكز إيواء أممية في الجنوب. قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في 27 نوفمبر/تشرين الثاني إن المساعدات التي دخلت خلال وقف إطلاق النار "بالكاد تلبي الاحتياجات الهائلة لـ 1.7 مليون نازح".

كانت نحو 200 شاحنة، بينها أربعة صهاريج تحمل ما يصل إلى 130 ألف لتر من الوقود وأربعة صهاريج تحمل غاز الطهي، تدخل إلى غزة في كل يوم من أيام وقف إطلاق النار. بالمقارنة مع ذلك، كان يدخل غزة ما متوسطه 500 شاحنة من المواد الغذائية والسلع كل يوم قبل النزاع، وهناك حاجة إلى 600 ألف لتر من الوقود في غزة يوميا فقط لتشغيل محطات ضخ المياه وتحليتها. مع استئناف القصف وتقدم القوات الإسرائيلية جنوبًا، تعّرض وصول المساعدات لعقبات ضخمة مرة أخرى. في 5 ديسمبر/كانون الأول، ولليوم الثالث على التوالي، أفادت أوتشا أن محافظة رفح في غزة هي الوحيدة التي توزعت فيها كميات محدودة من المساعدات، وإن توزيع المساعدات في محافظة خان يونس المجاورة توقف إلى حد كبير بسبب شدة القتال.

 

شهادات مدنيين في غزة

تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى 11 مدنيًا غادروا شمال غزة إلى منطقة آمنة في الجنوب بسبب القصف العنيف، أو خوفًا من غارات جوية وشيكة، أو لأن إسرائيل أمرتهم بالمغادرة. قال عديد منهم إنهم نزحوا عدة مرات قبل أن يصلوا إلى الجنوب بينما عانوا للعثور على ملاجئ مناسبة وآمنة طوال رحلتهم. في الجنوب، وجدوا ملاجئ مكتظة، وأسواقا فارغة، وأسعارًا مرتفعة، وطوابير طويلة للحصول على إمدادات محدودة من الخبز ومياه الشرب. لحماية هوياتهم، استخدمت هيومن رايتس ووتش أسماء مستعارة لجميع من أجريت معهم مقابلات.

قال مروان (30 عاما)، الذي فر إلى الجنوب مع زوجته الحامل وطفليه في 9 نوفمبر/تشرين الثاني: "عليّ أن أمشي ثلاثة كيلومتر للحصول على غالون واحد [من الماء]. ولا يوجد طعام. إذا تمكنا من العثور على طعام، فهو طعام معلّب. جميعنا لا نأكل جيدًا".

قالت هناء (36 عاما)، التي فرت من منزلها في الشمال إلى خان يونس في الجنوب مع والدها، وزوجته، وشقيقها في 11 أكتوبر/تشرين الأول: "ليس لدينا ما يكفي من أي شيء". قالت إنهم في الجنوب لا يحصلون دائمًا على المياه النظيفة، ما يجبرهم على شرب المياه المالحة وغير الصالحة للشرب.

أضافت هناء أن الاستحمام أصبح رفاهية بسبب عدم توفر وسائل تسخين المياه، ما يتطلب منهم البحث عن الخشب. وأنه في الحالات الصعبة، يلجؤون حتى إلى حرق الملابس القديمة للطهي. عملية صنع الخبز لها تحدياتها الخاصة بسبب شحّ المكونات التي لا يستطيعون تحمل تكلفتها. قالت: "نصنع خبزًا رديئًا لأننا لا نملك جميع المكونات ولا نستطيع تحمل ثمنها".

قال ماجد (34 عاما)، الذي فر مع زوجته وأطفاله الأربعة الباقين على قيد الحياة إلى الجنوب في 10 نوفمبر/تشرين الثاني تقريبًا، إنه رغم أن الوضع في الجنوب كان سيئًا، إلا أنه لا يقارَن بما اضطر إلى تحمله هو وعائلته أثناء إقامتهم في الشمال. كانوا في منطقة قريبة من مستشفى الشفاء في مدينة غزة لمدة تزيد قليلا عن شهر بعد قصف منزلهم في 13 أكتوبر/تشرين الأول، ما أدى إلى مقتل ابن ماجد البالغ من العمر 6 سنوات: "في تلك الأيام الـ 33 لم يكن لدينا خبز لأنه لم يكن هناك دقيق. لم تكن هناك مياه - كنا نشتري الماء، أحيانا بـ 10 دولارات [أمريكية] للكوب. لم يكن صالحا للشرب دائما. في بعض الأحيان، كان [الماء الذي نشربه] يأتي من الحمام وأحيانا من البحر. كانت الأسواق المحيطة بالمنطقة فارغة. لم يكن هناك حتى طعام معلّب".

وصف طاهر (32 عاما)، الذي فر جنوبا مع عائلته في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، ظروفا مماثلة في مدينة غزة في الأسابيع الأولى من نوفمبر/تشرين الثاني: "نفد كل شيء من المدينة، الطعام والماء. إذا وجدت طعامًا معلبًا، فالأسعار مرتفعة جدا. قررنا أن نأكل مرة واحدة فقط في اليوم من أجل البقاء أحياء. كان المال ينفد منا. قررنا أن نحصل على الضروريات فقط، وأن نحصل على كمية أقلّ من كل شيء".

 

المعايير الدولية والأدلة على الأفعال المتعمدة

تجويع المدنيين كأسلوب الحرب محظور بموجب المادة 54 (1) من "البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف" والمادة 14 من "البروتوكول الإضافي الثاني". رغم أن إسرائيل ليست طرفًا في البروتوكولين الأول والثاني، إلا أن الحظر معترف به باعتباره يمثّل القانون الإنساني الدولي العرفي في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. لا يجوز لأطراف النزاع "التسبب عمدا [بالتجويع]" أو التسبب عمدا في "معاناة السكان من الجوع، ولا سيما عبر حرمانهم من مصادر الغذاء أو الإمدادات".

يُحظر على الأطراف المتحاربة أيضًا مهاجمة الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، مثل الإمدادات الغذائية والطبية، والمناطق الزراعية، ومنشآت مياه الشرب. الأطراف ملزمة بتسهيل تقديم المساعدة الإنسانية السريعة ودون عوائق إلى جميع المدنيين المحتاجين، وعدم عرقلة المساعدات الإنسانية عمدًا أو تقييد حرية حركة موظفي الإغاثة الإنسانية. في جميع حروبها الأربع السابقة في غزة منذ 2008، أبقت إسرائيل تدفق مياه الشرب والكهرباء إلى غزة وفتحت المعابر الإسرائيلية لتوصيل المساعدات الإنسانية.

الدليل على نية استخدام التجويع عمدًا كوسيلة حرب يمكن إظهاره من خلال التصريحات العلنية للمسؤولين المشاركين في العمليات العسكرية. من المتوقع أن يلعب المسؤولون الإسرائيليون الكبار المذكورون أدناه دورًا مهما في تحديد السياسة بشأن السماح بوصول الغذاء والضروريات الأخرى إلى السكان المدنيين أو منعه.

في 9 أكتوبر/تشرين الأول، قال وزير الدفاع يوآف غالانت: "نفرض حصارًا كاملًا على [غزة]. لا كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا غاز – كل شيء مغلق. نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف وفقا لذلك".

قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في تغريدة بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول: "طالما لم تطلق حماس سراح الرهائن – الشيء الوحيد الذي يجب أن يدخل غزة هو مئات الأطنان من متفجرات سلاح الجو – ولا ذرة واحدة من المساعدات الإنسانية".

قال وزير الطاقة يسرائيل كانتس، الذي صرّح بأنه أمر بقطع الكهرباء والمياه، في 11 أكتوبر/تشرين الأول:

لسنوات، قدّمنا إلى غزة الكهرباء والماء والوقود. وبدلًا من الشكر أرسلوا آلاف الحيوانات البشرية للذبح والقتل والاغتصاب، وخطف الأطفال، والنساء، والشيوخ. لهذا قررنا قطع إمدادات المياه والكهرباء والوقود، والآن انهارت محطة توليد الكهرباء المحلية، ولا يوجد كهرباء في غزة. سنواصل فرض حصار محكم حتى يُرفع تهديد حماس عن إسرائيل والعالم. ما كان سائدا لن يستمر.

قال كانتس في 12 أكتوبر/تشرين الأول:

مساعدات إنسانية لغزة؟ لن يتم الضغط على مفتاح كهرباء، ولن يُفتح صنبور، ولن تدخل شاحنة وقود حتى يعود الرهائن الإسرائيليون إلى ديارهم. إنسانية مقابل إنسانية. فلا يحاضرنا أحد عن الأخلاق.

وقال في 16 أكتوبر:

أيدتُ الاتفاق بين رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس بايدن لتزويد جنوب قطاع غزة بالمياه لأنه يتوافق مع المصالح الإسرائيلية أيضًا. أنا أعارض بشدة رفع الحصار والسماح بدخول البضائع إلى غزة لأسباب إنسانية. التزامنا تجاه عائلات القتلى والرهائن المختطفين – وليس القتلة من حماس والأشخاص الذين ساعدوهم.

في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموترتش أنه لا يجوز دخول الوقود إلى غزة "تحت أي ظرف كان". ووصف لاحقًا قرار مجلس الحرب الإسرائيلي بالسماح بدخول كميات صغيرة إلى القطاع بأنه "خطأ فادح"، وطالب بـ "وقف هذه الفضيحة فورا ومنع دخول الوقود إلى القطاع"، بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست".

وفي فيديو نُشر على الإنترنت في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، قال العقيد يوغيف بار شيشت، نائب رئيس "الإدارة المدنية"، في مقابلة من داخل غزة: "من يعود إلى هنا، إذا عاد إلى هنا بعد ذلك، سيجد أرضًا محروقة. لا بيوت، لا زراعة، لا شيء. ليس لديهم مستقبل".

في 24 نوفمبر/تشرين الثاني، قال مارك ريغيف، كبير مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع "سي إن إن"، إن إسرائيل تحرم غزة من الوقود منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول لتعزيز موقف إسرائيل عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع حماس بشأن إطلاق سراح الرهائن، وقال: "لو أننا فعلنا ذلك [سمحنا بدخول الوقود]... لما تمكنّا من إخراج رهائننا قط".

في 1 ديسمبر/كانون الأول، قال منسق أعمال الحكومة في المناطق في وزارة الدفاع اللواء غسان عليان إن دخول الوقود والمساعدات إلى غزة توقف بعد خرق حماس شروط اتفاق وقف إطلاق النار. أكد مكتبه تصريحه ردا على استفسار لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، قائلا: "بعد أن انتهكت منظمة حماس الإرهابية الاتفاق، بالإضافة إلى إطلاق النار على إسرائيل، تم وقف دخول المساعدات الإنسانية بالطريقة المنصوص عليها في الاتفاق".

دعا مسؤولون آخرون منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى دخول محدود للمساعدات الإنسانية إلى غزة، قائلين إن ذلك يخدم الأهداف العسكرية الإسرائيلية.

أجاب رئيس الوزراء نتنياهو في 5 ديسمبر/كانون الأول على سؤال حول احتمال خسارة إسرائيل نفوذها ضد حماس إذا سمحت بدخول مزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة، قائلًا: "جهود الحرب مدعومة بالجهود الإنسانية... وهذا لأننا نتبع قوانين الحرب لأننا نعلم أنه إذا حدث انهيار – أمراض وأوبئة، وعدوى في المياه الجوفية – فسوف يتوقف القتال".

قال وزير الدفاع غالانت: "نحن مطالبون بالسماح بالحد الأدنى الإنساني للسماح باستمرار الضغط العسكري".

قال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي في مؤتمر صحفي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني: "إذا كان هناك وباء، سيتوقف القتال. إذا كانت هناك أزمة إنسانية واحتجاجات دولية، فلن نتمكن من مواصلة القتال في تلك الظروف."

في 18 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن مكتب رئيس الوزراء أن إسرائيل لن تمنع المساعدات الإنسانية من دخول غزة من مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة وحلفاء دوليين آخرين، وأضاف: "في ضوء مطلب الرئيس بايدن، لن تمنع إسرائيل الإمدادات الإنسانية من مصر طالما أنها تقتصر على الغذاء، والماء، والدواء للسكان المدنيين في جنوب قطاع غزة".

 

تدمير المنتجات الزراعية وأثره على إنتاج الغذاء

خلال العمليات البرية في شمال غزة، يبدو أن القوات الإسرائيلية دمرت المنتجات الزراعية، ما فاقم نقص الغذاء مع ما لذلك من آثار طويلة المدى. شمل ذلك تجريف البساتين، والحقول، والخيم الزراعية.

قال الجيش الإسرائيلي إنه أجرى عمليات عسكرية في منطقة بيت حانون، شملت منطقة زراعية لم يكشف عنها في بيت حانون، لتأمين الأنفاق ولأهداف عسكرية أخرى.

مثلًا، تضررت الحقول والبساتين الواقعة شمال بيت حانون لأول مرة خلال الأعمال القتالية بعد العمليات البرية الإسرائيلية أواخر أكتوبر/تشرين الأول. شقّت الجرافات طرقًا جديدة، ما أتاح الطريق أمام المركبات العسكرية الإسرائيلية.

منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على المنطقة نفسها في شمال شرق غزة، تظهر صور الأقمار الصناعية أن البساتين والحقول والخيم الزراعية دُمّرت بشكل منهجي، ما خلف الرمال والأتربة. تواصلت هيومن رايتس ووتش مع الجيش الإسرائيلي للحصول على تعليق في 8 ديسمبر/كانون الأول، لكنها لم تتلق ردًا.

زرع المزارعون في هذه المنطقة محاصيل مثل الحمضيات، والبطاطس، وفاكهة التنين، والتين الشوكي أو الصبار، ما دعم سبل عيش الفلسطينيين في غزة. تشمل المحاصيل الأخرى الطماطم، والملفوف، والفراولة. جُرفت بعض الأراضي في يوم واحد. تحتاج أشجار الحمضيات، بالإضافة إلى نباتات الصبار التي تحمل فاكهة التنين، إلى سنوات من الرعاية حتى تنضج قبل أن تتمكن من إنتاج الفاكهة.

تُظهر صور الأقمار الصناعية عالية الدقة استخدام الجرافات لتدمير الحقول والبساتين. يمكن رؤية آثار سير الجرافات، بالإضافة إلى أكوام من التراب على أطراف الأراضي الزراعية السابقة.

سواء كان السبب يعود إلى التجريف المتعمد، أو الأضرار الناجمة عن القتال، أو عدم القدرة على ري الأرض أو استصلاحها، فقد تقلصت الأراضي الزراعية في شمال غزة بشكل كبير منذ بداية العمليات البرية الإسرائيلية.

كما تضررت المزارع والمزارعون في جنوب غزة. وجدت منظمة "العمل ضد الجوع" أن من بين 113 مزارعًا من جنوب غزة شملهم الاستطلاع بين 19 و31 أكتوبر/تشرين الأول، قال 60% إن ممتلكاتهم و/أو محاصيلهم تضررت، و42% أنهم لا يستطيعون الحصول على المياه لري مزارعهم، و43% إنهم لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم.

_____________

المصدر: إسرائيل: استخدام التجويع كسلاح حرب في غزة، موقع: هيومَن رايتس وتش، 18 ديسمبر 2023، https://2u.pw/TRdZfEg

في ديسمبر 2019؛ حازت المبادرة السويسرية الهادفة إلى مقاضاة المسؤولين عن عمليات التجويع المتعمدة للمدنيين خلال الحروب الأهلية باعتبارها جريمة حرب؛ على موافقة جميع البلدان الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وبذلك ستتمكّن المحكمة الجنائية الدولية من محاسبة المتسببين في جرائم التجويع الممنهج بفضل مبادرة سويسرية.

البلدان الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية البالغ عددها 122 دولة وافقت بالإجماع على المقترح السويسري بهذا المعنى في اجتماعها السنوي في ديسمبر 2019 في لاهاي. وهذه المبادرة ستعزّز حماية ضحايا النزاعات، وفقا لوزارة الخارجية السويسرية. كما أشار بيان الوزارة أيضا إلى أن "800 مليون شخص يعانون من الجوع كل يوم في مناطق النزاعات".

وتتمتع المحكمة الجنائية الدولية بأهلية محاكمة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. لكن حتى ذلك القرار، لم يكن بإمكانها مقاضاة المتسببين في التجويع المتعمّد للمدنيين كجريمة حرب إلا حينما يكون النزاع ذا طابع دولي. ومنذ ذلك تم توسيع هذا التعريف ليشمل أيضًا النزاعات المسلّحة غير الدولية. وتقول وزارة الخارجية السويسرية: "يمثّل التجويع المتعمد للمدنيين، كوسيلة من وسائل الحرب، مشكلة كبيرة خلال الحروب الأهلية".

ومن الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا الإطار سوريا واليمن. هذان البلدان ليسا عضويْن في محكمة الجنايات الدولية، ومن غير المرجّح أن يكون لهذا التعديل تأثير كبير في المستقبل القريب. ومع ذلك، وكما أُشير في موقع القانون الدولي (Opinio Juris) على شبكة الإنترنت: "الفائدة الحقيقية لهذا التعديل ستتجلى في سياق إحالات مجلس الأمن". إذا أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سوريا أو اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية في المستقبل (على الرغم من أن هذا يبدو مستبعدًا حاليًا)، عندئذ يمكن لمكتب المدعي العام محاكمة المسؤولين عن تجويع المدنيين في تلك الدول.

_______________

المصدر: تجويع المدنيين خلال الحروب الأهلية يصبح جريمة ضد الإنسانية، سويسرا انفو، 9 ديسمبر 2019، https://2u.pw/9M5xUZKB )بتصرف).

 

أدلى العلامَّة الأستاذ الدكتور سليمان الطماوي بشهادته على العصر في مقابلة نادرة عام ١٩٨٨م من خلال إحدى حلقات البرنامج الإذاعي الشهير "شاهد على العصر"، والذي كان يقدمه الإعلامي والشاعر عمر بطيشة عبر إذاعة «البرنامج العام» بالقاهرة.

والاستاذ الدكتور سليمان محمد سليمان الطماوي فقيه دستوري وقانوني كبير، من مواليد مركز طما بسوهاج عام 1921م، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا عام 1949م، ثم عمل مدرسًا للقانون بجامعة الإسكندرية عام 1949م، ثم استاذًا للقانون العام بكلية الحقوق جامعة عين شمس عام 1953م. وفي الفترة من عام 1973م حتى عام 1981م تولى الطماوي منصب عمادة كلية الحقوق بجامعة عين شمس، ثم أستاذًا متفرغًا حتى عام 1996م، كما عُين في الفترة من عام 1980 حتى عام 1995م عضوًا لمجلس الشورى ثم عضوًا للمجالس القومية المتخصصة.

وللدكتور الطماوي العديد من المؤلفات في القانون الدستوري والإداري، أبرزها كتابه «السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر السياسي الإسلامي- دراسة مقارنة»، وكتابه «عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة- دراسة مقارنة»، كما أشرف على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير. حصل على وسام الجمهورية في العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وعلى جائزه الرسائل من كلية الحقوق في باريس، وجائزة الدولة في القانون عامي 1951 وعام 1956 لأفضل مؤلف في القانون الإداري.

ومما ذكره الدكتور سليمان الطماوي في شهادته على العصر:

  • ثورة يوليو 1952م ليست انقلابًا كما يعتقد البعض، ولكنها تعد ثورة بالمعنى العلمي والقانوني، وأنه -بسبب رأيه هذا- اتُهم بمجاملته للحكومة آنذاك، ولكنه يرى أن الحقائق العلمية تفرض نفسها.
  • سقوط الوحدة بين مصر وسوريا تعد نقطة تحول شديدة في تاريخ مصر، وبسقوط تلك الوحدة كان يجب على مصر أن تسقط العمل بدستور الوحدة "دستور 1958م"، ولكنه لم يسقط لتشبث عبد الناصر به، وتشبثه أيضًا باسم الجمهورية العربية المتحدة، ولكن تم الاعتراف بالواقع، وتم إلغاء دستور 1958م، ثم تم وضع دستور 1964م، وهو دستور مؤقت، والذي ظل العمل به حتى رحيل عبد الناصر، ومجيء السادات، حيث وضع دستور 1971م.
  • دستور عام 1971م ليس هو أول دستور دائم كما يعتقد البعض، ولكن دستور 1956م هو أول دستور دائم.
  • أذكر للتاريخ أنني كنت من أشرت وحرصت على إضافة الألف واللام -عند مناقشة مشروع مواد الدستور- إلى نص المادة الثانية لدستور 1971م (والتي كانت تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية «مصدر رئيسي للتشريع»، ولكن لم تلق هذه الملاحظة صدى لدى من ناقشوا مواد المشروع، ثم صدر الدستور وخلت المادة الثانية من الألف واللام، ولكن عندما تم تعديل الدستور عام 1980م تم الرجوع لما اقترحته أثناء مناقشة المشروع، وأصبحت المادة الثانية تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي «المصدر الرئيسي للتشريع».
  • الصحافة ليست سلطة كما يُقال، فالسلطات ثلاثة فقط هي السلطة التنفيذية، وهي سلطة لأنها تصدر أمرًا ملزمًا، والسلطة التشريعية لأنها سلطة في سن قوانين وتشريعات ملزمة، والسلطة القضائية كذلك سلطة باعتبارها تصدر أحكامًا ملزمة، وأما الصحافة فلا تستطيع أن تفرض رأيًا، فهي ليست سلطة كما يعتقد البعض.

 

رابط مباشر للحلقة على قناتنا: حوارات الشريعة والقانون

أعد هذه المذكرة مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، بالمشاركة مع معهد الدوحة للدراسات الأسرية بدولة قطر في سنة 2019.

وقد تضمنت تلك المذكرة مجموعة مقترحات تعديلية حول مدونة الأسرة. وهي إحدى مخرجات ورشة إصلاحية شارك فيها مركز "المقاصد"، ضمن مساهمات بحثية وإصلاحية انطلقت بتشكيل لجنة وطنية تروم إصلاح مدونة الأسرة المغربية وتقديم مقترحات تعديل بعض موادها، والتي تمخضت عن مجموعة لقاءات علمية منتظمة، وندوات أثرى نقاشها ممارسون في القضاء، وأكاديميون مختصون، فضلا عن تلك الدراسة الأكاديمية في شؤون الأسرة،  لاسيما النكاح والطلاق وآثارهما، من مدونة الأسرة.

وقد اصدرت الحكومة المغربية "مدونة الأسرة" عام 2004، لتشكل قانون الأسرة، الذي يتسم بالشمولية في نطاقه وحجمه، مما أحدث تحولًا كبيرًا في سياسة الدولة تجاه وضع المرأة والزواج والميراث وغيرها من المسائل الاجتماعية والثقافية المهمة. ومع طرح ملك المغرب مسألة التعديل في المدونة، وإعطائها مهلة للحكومة المغربية، من أجل رفع مقترحاتها بشأن تعديل مدونة الأسرة، لإعادة النظر فيها، بعد سنوات من مطالبات جمعيات نسائية بإدخال إصلاحات عليها، مما أثار العديد من الإشكاليات والمخاوف حول مرجعية تلك التعديلات المرتقبة ومدي توافقها مع الشريعة الإسلامية.

وقد تناولت المذكرة مقترحات التعديل على مدونة الأسرة عبر محورين، هما:

في محورها الأول؛ بعض مواد المدونة من أجل تعديلها، وهي خلاصة عدة توصيات ونتائج أعمال وأنشطة بحثية نظرية وميدانية حولها، نظمها المركز وشارك فيها خبراء وعدول ومحامون، وآخرون من الممارسين للعمل القضائي تمت مقابلتهم. منذ بدء العمل فيها في 2004.

وفي محورها الثاني؛ قدمت رؤى ومقترحات خادمة للشق القانوني في مجال تنظيم الأسرة معرفية وثقافية واجتماعية ودينية، تتكفل بها عدة جهات حكومية ومجتمعية تلامس باختصاصها وعملها قضايا الأسرة.

وفي ختام تلك المقترحات قدمت مجموعة من التوصيات لإنجاح تلك الورشة، ومن أهم هذه التوصيات:

- إنشاء مركز وطني لقضايا الأسرة يختص برصد مختلف التغيرات الاجتماعية، والوقوف عند مكامن الاختلالات التي تمس المنظومة القانونية والقضائية، وتتبع الإشكالات العملية الحاصلة في تنزيل مدونة الأسرة، واقتراح حلول للمشكلات المعروضة، وإعداد التصورات. على أن يتوج المركز عمله بإصدار دوريات ومنشورات مكملة ومبينة ودلائل أسرية عملية لمواكبة المستجدات المؤثرة على نمط الاجتماع وعلى العلاقة بين الأسرية.

- إحداث شراكة حقيقية بين الجهة الحكومية المكلفة بالأسرة وسائر المؤسسات ذات الصلة بالشأن الأسري من أجل الاشتراك في خدمة التأمين الأسري، وتخفيف العبء عن القضاء.

- تعزيز الدور الاجتماعي للأفراد بتوعيتهم بأهمية الوقف من أجل الأسرة، وأيضا للدولة فيما له علاقة بتحسين الوضعية المادية للشباب المعوزين قصد الزواج، وللأسر الفقيرة قصد الاهتمام بأبنائها وضمان استكمال دراستهم، وقد ظهر من خلال البحث أن أغلب المشاكل الأسرية إنما ترجع لسبب اقتصادي خالص لا يد للزوجين فيه.

 

وقد جاء في مقدمة المذكرة، ما يلي:

"لا يخفى ما حظيت به مدونة الأسرة حين صدورها في فبراير 2004، من ترحيب من مختلف الهيئات السياسية والفكرية، والحقوقية، والثقافية، والشرائح الاجتماعية، باعتبارها ثورة قانونية لتنظيم الأسرة، انطلاقًا من تسميتها المؤسساتية التي تستحضر كل مكوناتها، ومرورًا بما حققته من مكاسب همت المرأة والطفل، وبما أقرته من إجراءات وشروط تقر بمبدأ سلطان الإرادة والاختيار.

ولقد مر على العمل بها إلى اليوم ما يقرب من عقدين، ظهر خلالهما عند الممارسة وجود اختلافات في تفسير بعض موادها أو في تنزيلها، مما كان له الأثر غير المرضي في حفظ الاستقرار الأسري واستمراره، وهو ما نتج عنه ارتفاع مجموعة أصوات تنادي بمراجعتها والكشف عن بعض الثغرات القانونية، والعيوب التي تحول دون تطبيق قضائي سليم لها، سواء تعلقت بالنصوص من حيث عدم وضوحها، أو بتطبيقها، أو بالبيئة التي تتنزل عليها.

واستشرافًا لتقويمها وتقويتها، انسجاما مع ما طرأ من تحولات مجتمعية مست أفراد الأسرة كلهم، ورغبة في معالجة ما ظهر من تحديات مست القيم المجتمعية الفاضلة، جاء تدخل أمير المؤمنين بتشكيل لجنة وطنية تروم إصلاح المدونة وتقديم مقترحات تعديل بعض موادها، باعتماد مقاربة تشاركية مع الهيئات المعنية بالموضوع بصفة مباشرة، والانفتاح على مؤسسات المجتمع المدني والباحثين الأكاديميين، والحقوقيين، عبر جلسات استماع منظمة.

ولقد حدد جلالته إطار اشتغالها النظري بالتقيد بالنصوص القطعية المنظمة، والاجتهاد القائم على احترام الثوابت الدينية والوطنية، وإعمالا لمقاصد الشريعة، مع الانفتاح على المستجدات الإنسانية المعاصرة، واستحضار ما طرأ على منظومة القيم من تحولات وتغيرات.

وشعورًا بالمسؤولية في المشاركة في هذه المبادرة الملكية، فإن مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط، باعتباره مؤسسة علمية تعنى ببحث ودراسة القضايا المجتمعية دراسة علمية أكاديمية، وكذا المسائل العلمية الراهنة، ومنها مدونة الأسرة، ووعيًا منه بأهمية الانخراط الإيجابي في مراجعتها، بادر بالمشاركة في هذا الورش الإصلاحي، وتقديم مقترحاته التي تمخضت عن مجموعة لقاءات علمية منتظمة، وندوات أثرى نقاشها ممارسون في القضاء، وأكاديميون مختصون، وعن دراسة أكاديمية في شؤون الأسرة، قام بها بالمشاركة مع معهد الدوحة للدراسات الأسرية بدولة قطر في سنة 2019. وهي تهم مسائل في كتاب النكاح والطلاق وآثارهما، من مدونة الأسرة.

وتتلخص هذه المقترحات في هذه المذكرة في محورين متكاملين؛ أحدهما يتضمن ما له علاقة بمواد المدونة والآخر يضع بين يدي اللجنة والمؤسسات المعنية مقترحات داعمة من خارج النص القانوني، نرى الحاجة ماسة إلى تفعيلها ليحصل التناغم والانسجام، ويتحقق مقصد التماسك والاستقرار الأسري، والبناء المجتمعي السليم".

لتحميل ملف المذكرة

 

أعدت هذه الدارسة بتكليف من لجنة الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، كما قام بالبحث والصياغة بدقة المركز الأيرلندي لحقوق الإنسان التابع لجامعة أيرلندا الوطنية غالواي، وأنشئت هذه اللجنة عام 1975 عملًا بقرار الجمعية العامة رقم (3376). وطلبت الجمعية العامة أن توصي اللجنة بوضع برنامج تنفيذي من أجل تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف المتمثلة في تقرير المصير دون تدخل خارجي، وفي الاستقلال والسيادة الوطنيين؛ وفي العودة إلى دياره وممتلكاته التي شُرِّد منها.

مقدمة:

يُعدّ الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967 الحقيقة الوحيدة التي نشأت عليها أجيال من الفلسطينيين. ولا يزال لهذا الوضع آثار بعيدة المدى على حياة الشعب الفلسطيني وحقوقه. ويتعين علينا، كمجتمع دولي، أن نعمل على تعميق فهمنا للمسائل القانونية التي يثيرها هذا الاحتلال الذي طال أمده وتأثيره العميق على حقوق الإنسان والسلام والاستقرار في المنطقة.

وإزاء هذه الخلفية، فإن الدراسة حول شرعية الاحتلال الإسرائيلي تسُدُّ ثغرة معرفية بالغة الأهمية. يطمح هذا التحليل القانوني الشامل إلى المساهمة في خطاب مستنير، وتمكين الأفراد والمؤسسات بتزويدهم بالمعرفة والأدوات للدفاع عن العدالة والمساءلة وإعمال الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني. ومن خلال دراسة الصكوك والاتفاقيات والقرارات القانونية الدولية ذات الصلة، توفر الدراسة أيضًا تقييمًا شاملًا للالتزامات والمسؤوليات القانونية الملقاة على عاتق قوة الاحتلال والأطراف المعنية.

وتؤكد هذه الدراسة أيضا الحاجة الملحة إلى التوصل إلى حل عادل ودائم يستند إلى القانون الدولي لقضية فلسطين بجميع جوانبها. كما تسلط الضوء على ضرورة التمسك بمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك احترام حقوق الإنسان وتقرير المصير وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وهذا الفهم أمر بالغ الأهمية لتهيئة بيئة مواتية تمهد الطريق لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعمال حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال طبيعة هذه الدراسة التي جاءت في حينها في وقت تعمل فيه إسرائيل على تعميق استعمارها وضمها الزاحف للأرض الفلسطينية المحتلة. وفي مشهد عالمي سريع التغير حيث تستمر الديناميات الجيوسياسية في صياغة مضمون النقاش حول قضية فلسطين، توفر الدراسة إطارًا مرجعيًا لصانعي السياسات والدبلوماسيين والمنظمات الدولية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني بشأن تحليل قانوني شامل وموثوق يمكّن من اتخاذ قرارات مستنيرة والدعوة والسعي لتحقيق العدالة.

تناول هذه الدراسة سؤالين مركزيين:

أولًا، تتساءل الدراسة عما إذا كانت إجراءات الضم بحكم الواقع وبحكم القانون المتخذة من قبل إسرائيل، والاستيطان المستمر والاحتلال طويل الأمد للأرض الفلسطينية –الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة – تجعل الاحتلال غير شرعي بموجب القانون الدولي. ثانيًا، تبحث الدراسة في السؤال الذي تطرحه الآثار المترتبة على ثبوت احتلال غير مشروع. إذا كان من الممكن أن يصبح الاحتلال غير شرعي، فما هي العواقب القانونية التي ستلحق بجميع الدول وبالأمم المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار، من بين أمور أخرى، قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ميثاق الأمم المتحدة؛ اتفاقية جنيف الرابعة؛ القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان ذات الصلة؛ فتوى محكمة العدل الدولية الصادر في 9 يوليو 2004؟

تثبت الدراسة أن هناك سببين واضحين في القانون الدولي يحددان متى يمكن تصنيف الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي:

أولًا، عندما ينجم الاحتلال الحربي عن استخدام محظور للقوة يرقى إلى مستوى العمل العدواني، فإن هذا الاحتلال يعتبر غير شرعي منذ بدايته. ثانيًا، عندما يكون الاحتلال الحربي ناتجًا عن استخدام مسموح به للقوة دفاعًا عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، ولكن يتم تنفيذه بعد ذلك بشكل يتجاوز مبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي وينتهك القواعد القطعية للقانون الدولي، فإن سلوك الاحتلال قد يرقى إلى مستوى الاستخدام غير الضروري وغير المتناسب للقوة دفاعًا عن النفس.

وتبحث الدراسة في انتهاكات إسرائيل لقواعد القانون الدولي القطعية، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والحق في تقرير المصير، وحظر التمييز العنصري والفصل العنصري، باعتبارهما مؤشرًا على أن إدارة الاحتلال تنتهك مبادئ ضرورة وتناسب استخدام القوة في الدفاع عن النفس.

طبيعة الاحتلال الحربي:

تناولت الدارسة في هذا الجزء مقدمة موضوعية للطبيعة القانونية للاحتلال الحربي والنهج المتباين الذي تتبعه إسرائيل تجاه احتلال فلسطين. وإذ يقوم بذلك، فإنه يدرس على نطاق واسع المبادئ التي تقوم عليها القوانين التي تحكم الاحتلال الحربي، ويعرض نظرية الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي بموجب قانون الحرب، كما يسلط الضوء على الممارسات الدولية والاجتهاد القضائي الذي يصنّف الاحتلال الحربي على أنه غير شرعي بموجب قانون مسوِّغات الحرب. علاوة على ذلك، تعرض الدراسة المبادئ الأساسية لسياسات ومواقف إسرائيل الرسمية بشأن طبيعة الاحتلال الحربي لفلسطين، ومشروعها الاستيطاني، وضمها للأرض الفلسطينية.

ترسي القوانين التي تحكم الاحتلال الحربي عددًا من المبادئ المهمة، بما في ذلك طابع الاحتلال، مؤقتًا كان أو فعليًا بحكم الأمر الواقع، كما ورد في المادة 42 من لوائح لاهاي (1907) التي تنص على أن “الأرض تُعتبَر محتلة عندما توضع فعليًا تحت سلطة الجيش المعادي”. وبالتالي، على الرغم من أن السلطة الحكومية قد تكون “معطلة مؤقتًا أو مقيدة إقليميًا” أثناء الاحتلال الحربي، فإن “الدولة تظل نفس الشخص الدولي”. ومن ثم، فإن قوة الاحتلال لا تكتسب السيادة على الأراضي المحتلة، بل إنها ملزمة بإدارة الأراضي مع الموازنة بين المصالح الفضلى للسكان الخاضعين للاحتلال ومصالح الضرورة العسكرية، بموجب مبدأ المحافظة الذي يفرض قيودًا. ومن الجدير بالذكر أن هذه الدراسة تسلط الضوء على مواقف السلطات الرائدة في القانون الدولي التي تعتبر أن ممارسة “الاحتلال المطول” ارتبطت باحتلالات لا تزيد مدتها على أربع أو خمس سنوات، مثل احتلال ألمانيا لبلجيكا لمدة أربع سنوات خلال الحرب العالمية الأولى، أو احتلال ألمانيا للنرويج لمدة خمس سنوات خلال الحرب العالمية الثانية. ويشير المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة مايكل لينك إلى أن الاحتلالات الحديثة المتوافقة مع مبادئ قانون الاحتلال لم تتجاوز 10 سنوات، بما في ذلك الاحتلال الأمريكي لليابان، واحتلال الحلفاء لألمانيا الغربية، واحتلال العراق الذي قادته أمريكا.

وأن اعتبار الاحتلال الحربي غير شرعي لا يقتصر على إسرائيل. على سبيل المثال، رأت محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بالأنشطة المسلحة على أراضي الكونغو (2005)، أن احتلال أوغندا لإيتوري “ينتهك مبدأ عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية ومبدأ عدم التدخل”. وفي الوقت نفسه، أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة “الاحتلال العراقي غير الشرعي” للكويت، و”الإدارة غير المشروعة” لجنوب أفريقيا في ناميبيا. وفي غضون ذلك، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الثالثة إلى “عدم الاعتراف بشرعية الوضع الناتج عن احتلال أراضي جمهورية أذربيجان” وأدانت البرتغال “لإدامة احتلالها غير الشرعي” لغينيا بيساو. وعلى نحو مماثل، أدانت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "استمرار احتلال فيتنام غير الشرعي لكمبوتشيا". وفي عام 1977، أعربت الجمعية العامة عن قلقها العميق “لكَون الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 لا تزال، لأكثر من عشر سنوات، تحت الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي، ولأن الشعب الفلسطيني، بعد ثلاثة عقود، لا يزال محروماً من ممارسة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف”. وبالمثل، تشير ديباجات القرارات المتعاقبة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة إلى “التأثير الشديد للاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي المستمر بجميع مظاهره”.

وأخيرًا، يختتم هذا الجزء بعرض سياسات إسرائيل ومواقفها من طبيعة إدارتها للأرض الفلسطينية، وشرعية المستوطنات، وضمها للقدس. فعلى سبيل المثال، ترى وزارة الخارجية الإسرائيلية أن هناك “مطالبات متنافسة” على الضفة الغربية “يجب حلها في مفاوضات عملية السلام”، بما في ذلك المستوطنات.  ومع ذلك، رأت محكمة العدل العليا الإسرائيلية، في قضية المجلس الإقليمي لساحل غزة ضد الكنيست الإسرائيلي، أن “النظرة القانونية لجميع الحكومات الإسرائيلية” هي أن “إسرائيل تسيطر على المناطق في إطار احتلال حربي”. ومع ذلك، فإن إسرائيل لا تطبق اتفاقية جنيف الرابعة (1949) على الأراضي المحتلة لأنها لم يتم دمجها في قانونها المحلي؛ ومن الناحية السياسية أيضًا، تعترض إسرائيل على تطبيق الاتفاقية بناءً على نظريتها حول “السيادة المفقودة”. وفي غضون ذلك، تعتبر إسرائيل القدس المحتلة “العاصمة الأبدية غير المقسمة لإسرائيل” وتوضح أن القدس “أعيد توحيدها” في عام 1967 “نتيجة لحرب الأيام الستة التي شنها العالم العربي ضد إسرائيل”.

 

شرعية الاحتلال:

في هذا الجزء قدمت الدراسة سببين منفصلين بموجب قانون مسوِّغات الحرب حيث يمكن اعتبار الاحتلال الحربي غير شرعي، سواء منذ بدايته أم بداية من مرحلة لاحقة من الاحتلال:

أولًا، الاحتلال الناشئ عن عمل عدواني يعتبر غير شرعي منذ بدايته. وتنص المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة على أن “يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة”.  وقد تنشأ المسؤولية الجنائية عن أعمال الاحتلال العدوانية؛ على سبيل المثال، اعتبرت المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ أن النمسا “محتلة وفق خطة عدوان مشتركة”.

ثانيًا، قد يتم تنفيذ الاحتلال الحربي بطريقة ترقى إلى استخدام غير ضروري وغير متناسب للقوة في الدفاع عن النفس. وهنا يوفر الاجتهاد القضائي لمحكمة العدل الدولية إرشادات مفيدة بشأن التناسب. على سبيل المثال، في قضية نيكاراغوا، رأت محكمة العدل الدولية أن “رد فعل الولايات المتحدة في سياق ما اعتبرته دفاعًا عن النفس، قد استمر لفترة طويلة بعد الفترة التي كان من المعقول التوخي فيها هجومًا مسلحًا مفترضًا من جانب نيكاراغوا”. علاوة على ذلك، فيما يخص مسألة الأسلحة النووية، اقترحت محكمة العدل الدولية أن استخدام القوة يجب أن يحترم “على وجه الخصوص مبادئ وقواعد القانون الإنساني” ليكون استخدامًا مشروعًا للقوة في الدفاع عن النفس. وتشير هذه الدراسة إلى أن انتهاك سلطة الاحتلال لمبادئ وقواعد القانون الإنساني الدولي والقواعد القطعية للقانون الدولي يشكل مؤشرا قويا على أن استخدام القوة غير متناسب. وتشمل هذه الانتهاكات ضم الأراضي بحكم الواقع وبحكم القانون، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي من خلال استخدام القوة، والحرمان من حق تقرير المصير، وإدارة الأراضي المحتلة انتهاكاً لحظر التمييز العنصري والفصل العنصري.

بعد تحديد السببين للاحتلال غير الشرعي بموجب قانون مسوِّغات الحرب، تبحث الدراسة، كسبب منفصل ولاحق لعدم الشرعية، في انتهاك قوة الاحتلال لحق فلسطين الخارجي في تقرير المصير كأرض تحت الانتداب. وتنص المادة 1 (2) من ميثاق الأمم المتحدة على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي تفرض على الدول التزامات ذي حجية مطلقة تجاه الكافة. إن حق تقرير المصير له صدى خاص بالنسبة للأراضي الخاضعة للانتداب، التي يُنظر دولياً إلى حقها في تقرير المصير بمثابة “أمانة مقدسة” حتى الاستقلال الكامل. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار أن العملية الاستعمارية قد انتهت تمامًا إلا بعد ممارسة سكان المستعمرة حق تقرير المصير. وتشكل الفتوى بشأن جنوب غرب أفريقيا المثال الرائد للاحتلال غير الشرعي للأراضي الخاضعة للانتداب، والذي تعتبره محكمة العدل الدولية غير شرعي منذ بدايته. ومع ذلك، في حين أن جنوب غرب أفريقيا كان منطقة تحت الانتداب، وبقيت تحت الاحتلال بعد انتهاء الانتداب، فإنه يمكن تمييزها عن فلسطين، التي هي أرض تحت الانتداب خاضعة لاحتلال حربي في سياق نزاع مسلح دولي. ومع ذلك، إذا تمت إدارة الاحتلال بطريقة تحرم الشعب من ممارسة حقه في تقرير المصير والسيادة الخارجية، فيمكن اعتبار ذلك أيضًا انتهاكًا لـ “الأمانة المقدسة”. وحسب الظروف التي تؤدي إلى انتهاك الحق في تقرير المصير، يمكن أن يكون الاحتلال غير شرعي سواء منذ بدايته أو في مرحلة ما بعد ذلك.

 

الأدلة الداعمة للاستنتاج بأن الاحتلال الإسرائيلي أصبح غير شرعي:

يقدم هذا الجزء من الدراسة الأساس الواقعي لدعم الاستنتاج بأن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي. تقدم الدراسة أدلة واضحة ومقنعة على أن إسرائيل هي من هاجمت مصر أولًا، في عمل عدواني، مما جعل الاحتلال المترتب عن ذلك غير شرعي منذ بدايته. وفي اجتماع مجلس الأمن حول هذا الموضوع في عام 1967، تم رفض حجة الدفاع الاستباقي عن النفس باعتبارها تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. واستندت إسرائيل في حججها في الدفاع عن النفس إلى سببين:

الأول، أن الحصار الذي فرضته مصر على مضيق تيران كان بمثابة عمل عدواني؛ وثانيًا، أن الأعمال التي قامت بها جاءت ردًا على هجمات عبر الحدود شنتها طوابير مدرعة مصرية. ولكن الحصار الذي فرضته مصر على مضيق تيران كان في الأساس حصارًا مصريًا على بحرها ردًا على تهديد بهجوم من إسرائيل، وهو يختلف عن “حصار الموانئ أو السواحل” الإسرائيلي. وكما يشير شوارزنبرجر، فإن “المادة 51 من الميثاق تسمح بالتحضير للدفاع عن النفس”. وتشمل التدابير التحضيرية التي تتخذها الدولة للدفاع عن النفس تدابير احترازية خاصة في مياهها الإقليمية. ومع ذلك، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية علنًا أنها هاجمت مصر بشكل استباقي، قائلة: “استبقت إسرائيل الهجوم الحتمي، فضربت القوات الجوية المصرية بينما كانت طائراتها لا تزال على الأرض”. ونظرًا لحظر الضربات الاستباقية، فإن الهجوم الإسرائيلي على مصر قد يرقى إلى مستوى الاستخدام غير المشروع للقوة، مما يجعل الاحتلال اللاحق غير شرعي.

وتتناول الدراسة كذلك انتهاك إسرائيل لثلاثة قواعد قطعية للقانون الدولي كمؤشرات على أن الاحتلال الحربي يُدار بطريقة تنتهك مبدأي الضرورة والتناسب للدفاع عن النفس:

أولًا، تثبت الدراسة أن إسرائيل ضمّت القدس الشرقية في عام 1967، بحكم القانون من خلال إقرار قانون البلديات (تعديل رقم 6)، 5727-1967؛ ثم، في عام 1980، بموجب قانونها شبه الدستوري “قانون أساس: القدس”، ادعت إسرائيل دستوريًا أن المدينة هي “عاصمة إسرائيل”، مما يدل على العداء للاستحواذ على الأراضي بشكل دائم. وتخلص الدراسة كذلك إلى أن إسرائيل قامت بحكم الأمر الواقع بضم المنطقة (ج) من الضفة الغربية. في عام 1967، أشار المستشار القانوني لوزارة الخارجية الإسرائيلية، في برقية سرية، إلى أسباب الضم التي جعلت إسرائيل غير قادرة على تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة (1949): “يتعيّن علينا أن نترك جميع الخيارات مفتوحة فيما يتعلق بالحدود، ويجب ألا نعترف بأن وضعنا في الأراضي الخاضعة للإدارة هو ببساطة وضع قوة احتلال”. على مدى عقود، نفذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خططًا رئيسية لاستيطان الضفة الغربية. وبحلول عام 1992، من أصل 70 ألف هكتار من الأرض الفلسطينية في المنطقة (ج)، لم يتبق سوى 12 في المائة للتنمية الفلسطينية بعد أن استولت عليها إسرائيل باعتبارها “أراضي الدولة”. وفي الوقت نفسه، غيرت إسرائيل التركيبة السكانية للمنطقة (ج) بشكل جذري، حيث قامت بنقل أكثر من 500 ألف مستوطن يهودي إسرائيلي – وهو إجراء لا رجعة فيه وله عواقب دائمة، ويدل على التعبير عن السيادة. وفي الوقت نفسه، تطبق إسرائيل عددًا من قوانينها المحلية مباشرة على الضفة الغربية، بما في ذلك قانون التعليم العالي وقانون محكمة الشؤون الإدارية.

ثانيًا، إن سلوك إسرائيل في إدارة فلسطين المحتلة، والذي يتسم بالطبيعة المطولة للاحتلال وسياساتها وخططها لبناء المستوطنات، يدل بشكل أكبر على انتهاك حق تقرير المصير. إذا أخذنا في الاعتبار المدة الطويلة للاحتلال الإسرائيلي الحربي، حيث مضى الآن حوالي 56 عامًا على صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) الذي يدعو إلى “الانسحاب”، وبعد 45 عامًا من اتفاقيات كامب ديفيد التي أنهت النزاع مع مصر، وبعد 29 عامًا من اتفاق السلام مع الأردن، فمن الواضح أن التهديد الأولي المزعوم الذي دفع إسرائيل إلى اللجوء إلى القوة للدفاع الوقائي عن النفس قد انتهى تماماً وبلا رجعة. وفي الوقت نفسه، أدى تقسيم إسرائيل للممتلكات الفلسطينية غير المنقولة إلى مستوطنات سكنية وزراعية وصناعية وسياحية، ومحميات طبيعية وأثرية، ومناطق إطلاق نار عسكرية، إلى الاستيلاء على أكثر من 100 ألف هكتار من الأرض الفلسطينية الخاصة والعامة، وهدم أكثر من 50 ألف منزل فلسطيني منذ عام 1967. ويمكن القول أن تغيير إسرائيل للحقائق على الأرض، ومحو الوجود الفلسطيني، والتدخل في العملية الديمقراطية، إنما يؤدي إلى تقويض قدرة فلسطين على البقاء كدولة مستقلة، من خلال إنكار الحق الجماعي للشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

ثالثًا، هناك حاليًا اعتراف متزايد بأن إسرائيل تنفذ سياسات وممارسات تمييزية ضد الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر. والجدير بالذكر أن إسرائيل تمنح الحقوق لليهود الإسرائيليين وتميّز بشكل منهجي ضد الفلسطينيين. فقانون حيازة الأراضي 5713-1953، على سبيل المثال، يسهل نقل ملكية الأرض الفلسطينية المصادَرة إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية المختلفة، بما في ذلك هيئة التنمية. ويتم تمكين المنظمات شبه الحكومية، مثل الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، لممارسة التمييز المادي، بما في ذلك منح الأرض الفلسطينية المصادرة لليهود الإسرائيليين. وفي الوقت ذاته، يمكن لليهود الإسرائيليين المطالبة بملكية العقارات السكنية الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة بموجب قانون الشؤون القانونية والإدارية (1970). إن السعي إلى هندسة أغلبية ديموغرافية يهودية وتقليص وإبعاد الفلسطينيين قد تقدّمت به الحكومات المتعاقبة. وبموجب قانون العودة الإسرائيلي (1950)، “يحق لكل يهودي أن يأتي إلى هذا البلد بصفة أوليه” (بصفة مهاجر جديد) ويتم منح الجنسية الإسرائيلية “لكل يهودي يعرب عن رغبته في الاستقرار في إسرائيل”. وفي الوقت نفسه، هناك حوالي سبعة ملايين لاجئ فلسطيني محرومون من حقهم في العودة، بما في ذلك 450 ألف فلسطيني نزحوا كلاجئين خلال النكسة التي أعقبت حرب الأيام الستة عام 1967. وتشير هذه الممارسات، من بين أمور أخرى، إلى أن إسرائيل تدير الأرض الفلسطينية المحتلة في ظل نظام من التمييز العنصري والفصل العنصري المنهجيين.

ويخلص القسم إلى أن انتهاك إسرائيل لحظر الضم، والحرمان من ممارسة حق تقرير المصير، وتطبيق نظام الفصل العنصري في فلسطين المحتلة قد يكون مؤشرًا على إدارة غير شرعية سيئة النية للأرض المحتلة، انتهاكًا لمبادئ الفورية والضرورة والتناسب للدفاع عن النفس. ثم تبحث الدراسة في الآثار المترتبة على الاحتلال بسوء نية على ممارسة حق الشعوب الخارجي في تقرير مصيرها. ونظرًا لوضع فلسطين باعتبارها أرضًا خاضعة للانتداب سابقًا، لا يزال على المجتمع الدولي التزام دولي، باعتباره “أمانة مقدسة” تجاه الشعب الفلسطيني، “بعدم الاعتراف بأي تغيير أحادي الجانب في وضع الأرض”. وفي الفتوى بشأن جنوب غرب أفريقيا، تم الاستغناء بشكل إيجابي على فكرة عودة الأراضي، سواء التي كانت محتلة أو التي كانت خاضعة للانتداب سابقًا، إلى وضعها الاستعماري. وأوضحت محكمة العدل الدولية أن “قبول ادعاء حكومة جنوب أفريقيا بخصوص هذه النقطة كان يستلزم إعادة الأراضي الخاضعة للانتداب إلى الوضع الاستعماري، واستبدال نظام الانتداب بالضم، وهو الأمر الذي تم استبعاده بشكل حازم في عام 1920. والأهم من ذلك، أنه تم الاعتراف بالوضع في فلسطين كحالة “تتعلق بحق تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية أو الأجنبية” والتي لم تتم تسويتها بعد. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتلال الإسرائيلي سيء النية للأرض الفلسطينية التي يتعامل معها على أنها “إقليم متنازع عليه” و “يفتقد السيادة”، وعمليات الضم العديدة بحكم القانون وبحكم الواقع، وتغيير التركيبة الديموغرافية والمشاريع الاستيطانية، من بين انتهاكات أخرى، ينتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وفي السيادة باعتبار الإقليم تحت الانتداب.

 

الالتزام بإنهاء الاحتلال غير الشرعي:

يُلزم القانون الدولي المتعلق بمسؤولية الدول إسرائيل بوقف الأفعال غير المشروعة دولياً وتقديم “التأكيدات والضمانات المناسبة بعدم التكرار”. ومن الجدير بالذكر أن محكمة العدل الدولية رأت أن جنوب أفريقيا ملزَمة “بسحب إدارتها من إقليم ناميبيا”، وبالمثل، شجعت في تشاغوس على إنهاء الإدارة البريطانية لأرخبيل تشاغوس “في أسرع وقت ممكن”. بالنسبة لفلسطين، فإن الرد المناسب يمكن أن يتخذ شكل إطلاق سراح السجناء السياسيين الفلسطينيين؛ إعادة الممتلكات، بما في ذلك الممتلكات الثقافية التي استولت عليها سلطات الاحتلال؛ وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية؛ رفع الحصار عن قطاع غزة؛ وتفكيك نظام الفصل العنصري المؤسسي القائم على القوانين والسياسات والممارسات التمييزية؛ وتفكيك إدارة الاحتلال. ونظرًا لعدم تنفيذ إسرائيل للفتوى السابقة بشأن بناء جدار الضم، فإن التأكيدات والضمانات بعدم التكرار قد لا تكون علاجًا كافيًا. وقد يكون من الضروري أيضًا إنشاء لجنة تحكيم محايدة للنظر في المطالبات الجماعية الناشئة عن عواقب الانتهاكات التي ترتكبها سلطة الاحتلال. والجدير بالذكر أن دراسة أجراها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عام 2019 خلصت إلى أن التكلفة المالية التراكمية التي يتحملها الاقتصاد الفلسطيني بسبب الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة 2000-2019 تقدر بنحو 58 مليار دولار أمريكي. وفي قطاع غزة، قدرت التكاليف الاقتصادية للاحتلال في الفترة 2007-2018 بنحو 16.7 مليار دولار. إن استغلال الموارد الطبيعية ومنع تطويرها كلّف الاقتصاد الفلسطيني 7.162 مليار دولار أمريكي على مدى 18 عامًا من عائدات الغاز من بحر غزة و67.9 مليار دولار أمريكي من عائدات النفط من حقل مجد النفطي في رَنْتِيس. وإجمالًا، تقدر الخسائر التي تكبدتها فلسطين منذ عام 1948، بأكثر من 300 مليار دولار.

وتُظهر الدراسة أن الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي وانتهاكاته للمعايير القطعية للقانون الدولي له عواقب دولية، وأن الدول الثالثة والمجتمع الدولي ملزمون بوضع حد للإدارة غير الشرعية للأراضي المحتلة. ومن خلال القيام بذلك، تُبرز هذه الدراسة متطلبات الإنهاء الكامل للاحتلال وإنهاء الاستعمار في الأرض الفلسطينية، بدءً بالانسحاب الفوري وغير المشروط والكامل لقوات الاحتلال الإسرائيلية وتفكيك الإدارة العسكرية. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الانسحاب، باعتباره إنهاء فعل غير مشروع دوليا، لا يمكن أن يكون موضوعًا للتفاوض. وينبغي تنفيذ العقوبات والتدابير المضادة الكاملة، بما في ذلك القيود الاقتصادية وحظر الأسلحة وقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، على الفور، كرد فعل تجاه الكافة من جانب الدول الثالثة والمجتمع الدولي على انتهاكات إسرائيل الخطيرة لقواعد القانون الدولي القطعية. ويجب على المجتمع الدولي أن يتخذ خطوات فورية نحو إعمال الحقوق الجماعية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك اللاجئين والمنفيين في الشتات، بدءً بإجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة، للشروع في استكمال عملية إنهاء الاستعمار.

وحثّ قرار مجلس الأمن 2334 (2016) بشكل خاص على بذل جهود دولية ودبلوماسية دون تأخير “لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967”. ومع ذلك، يبدو أن هذه الجهود الدبلوماسية منذ التسعينيات مبنية على صيغة “الأرض مقابل السلام” المشكوك فيها، والتي إذا تم استخدامها لحرمان السكان الفلسطينيين المحميين من حقوقهم غير القابلة للتصرف في تقرير المصير والسيادة الدائمة على الموارد الوطنية، فإنها ستشكل أيضًا عملاً غير مشروع دوليًا. وعليه، فإن التزام الدولة بالانسحاب من الأراضي المحتلة بشكل غير مشروع هو التزام غير مشروط وفوري ومطلق. وتتضمن قرارات الجمعية العامة شروطًا مهمة لـ “الانسحاب الكامل وغير المشروط” لإسرائيل، بمعنى أن الانسحاب لا يجب أن يكون موضوعًا للتفاوض، بل هو بالأحرى إنهاء الفعل غير المشروع دوليًا.

 

الخلاصة:

خلصت الدراسة إلى أن خارطة الطريق الأكثر تبصّرًا لإنهاء الاحتلال وإنهاء الاستعمار في الأرض الفلسطينية تأتي في شكل نسيج غني من توصيات الدول الثالثة والتوصيات الدولية المقدمة في قضيتي شاغوس وناميبيا. ومن الواضح أيضًا أن القانون العام المتعلق بمسؤولية الدول عن الانتهاكات الجسيمة للقواعد القطعية للقانون الدولي يمكن أن يستمد من قرارات مجلس الأمن “كفكرة عامة تنطبق على جميع الحالات الناجمة عن انتهاكات جسيمة”، بما في ذلك حظر المساعدة أو المساعدة في الحفاظ على النظام غير الشرعي. ومن الطبيعي أن المحكمة الأنسب لفحص مشروعية الاحتلال هي محكمة العدل الدولية. وسواء كان الاحتلال غير شرعي منذ بدايته أو أصبح غير مشروع، فإن العواقب يجب أن تكون الانسحاب الفوري وغير المشروط والكامل للقوات العسكرية الإسرائيلية؛ انسحاب المستوطنين؛ وتفكيك النظام الإداري العسكري، مع تعليمات واضحة بأن الانسحاب بسبب ارتكاب فعل غير مشروع دوليًا لا يخضع للتفاوض. وينبغي القيام بإجراءات جبر كامل ومتناسب لفائدة الأفراد والشركات والكيانات الفلسطينية عن الأضرار التي لحقت بالأجيال والناجمة عن مصادرة إسرائيل للأراضي والممتلكات، وهدم المنازل، ونهب الموارد الطبيعية، والحرمان من العودة، وغيرها من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تم التخطيط لها من أجل تحقيق الأهداف الاستعمارية والتوسعية لمحتل غير شرعي.

____________

شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، لجنة الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، 27 نوفمبر 2023، https://2u.pw/dj3zMKX

رابط ملف الدراسة كاملة

أكد أستاذ القانون الدولي أحمد أبو الوفا أن مشاركة مصر في الرأي الاستشاري الذي طلبته الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية حول السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس له علاقة بالدعوى التي أقامتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام المحكمة.

وأن الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا تعلقت بنقطة واحدة، وهي إبادة الجنس، وفقا لاتفاقية 1948 التي تبنتها الجمعية العامة والخاصة بمنع جريمة إبادة الجنس والمعاقبة عليها، وهذه نقطة في بحر".

وأضاف "لكن الرأي الاستشاري الذي طلبته الجمعية العامة في عام 2022، حتى قبل تنفيذ عملية طوفان الأقصى في أكتوبر الماضي (هجوم حركة حماس على بلدات إسرائيلية متاخمة لقطاع غزة)، يخص آثار الاحتلال العسكري والوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

وتابع قائلًا "هذا الاحتلال العسكري سيتم بحثه من عدة نقاط، وهي ضرورة إنهاء هذا الاحتلال وعدم تهجير الفلسطينيين وعدم إقامة مستوطنات، فكل أثر من آثار هذا الاحتلال يجب أن يزول".

واحتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي أراضي فلسطينية، في حرب عام 1967. وانسحبت إسرائيل من غزة عام 2005، غير أنها ما زالت تسيطر على حدود القطاع الساحلي الضيق.

وطلبت الأمم المتحدة في 2022 رأيًا استشاريًا من محكمة العدل الدولية حول الاحتلال الإسرائيلي، ومن المقرر أن تلقي أكثر من 50 دولة مرافعات أمام المحكمة في لاهاي حتى 26 فبراير شباط.

ومصر من بين الدول التي من المنتظر مشاركتها في جلسات الاستماع بجانب الولايات المتحدة والصين وروسيا وجنوب أفريقيا.

وقال رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ضياء رشوان يوم الأحد إن مصر ستقدم مرافعتها يوم 21 فبراير شباط. ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية عن رشوان قوله إن المرافعة الشفهية ستتضمن تأكيد اختصاص محكمة العدل الدولية بنظر الرأي الاستشاري، ونظرًا لأن الأمر يتناول الأبعاد القانونية للمستوطنات الإسرائيلية غير المشروعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومضى أبو الوفا قائلًا "مشاركة مصر في هذه المرافعات أمر ضروري نظرا للقرب الجغرافي والحدود المشتركة، كما أن مصر هي المعني الأول بالقضية الفلسطينية، وهي أكثر الدول التي شاركت في الحروب وتضررت من آثارها وتحملت أعباء اقتصادية ومالية وتجارية كثيرة".

وردا على سؤال حول أهمية الرأي الاستشاري الذي ستصدره محكمة العدل الدولية، قال أبو الوفا "سيترافع أمام المحكمة حوالي 52 دولة، وثلاث منظمات دولية، وغير مطلوب من المحكمة إصدار حكم، بل إصدار فتوى أو رأي استشاري حول القضايا الخاصة بهذا الاحتلال البغيض للأراضي الفلسطينية".

وأضاف "الرأي الاستشاري يختلف عن الحكم، حيث أنه غير ملزم أما الحكم فيكون ملزمًا، لكن عدم إلزامية هذا الرأي الاستشاري لا تعني أن ليس له جدوى أو فائدة".

وتابع قائلًا "سيكون له جدوى لأنه يصدر عن أعلى محكمة دولية، وستحدد لنا القواعد القانونية، وستقر أن هذه القواعد تنطبق على الاحتلال القائم للأراضي الفلسطينية، مما يثبت أركان الحق الفلسطيني، ويشكل صفعة قوية لدولة الاحتلال على وسلوكياتها تجاه هذا الشعب الضعيف".

وهذه هي ثاني مرة تطلب فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية إصدار رأي استشاري حول الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقالت المحكمة في 2004 إن الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية ينتهك القانون الدولي ويجب تفكيكه.

________________

عمرو طه، أحمد ماهر، خبير قانوني لـAWP: مشاركة مصر في المرافعات أمام محكمة العدل الدولية ليس له علاقة بدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وكالة أنباء العالم العربي، 20 فبراير 2024، https://2u.pw/wsxl1dn

مما لا شك فيه أن فكرة الضرورة العسكرية (Military necessity)[1] ليست حديثة النشأة بل هي فكرة قديمة أثارت العديد من الإشكاليات لا سيما في فترات النزاعات المسلحة سواء الدولية أم غير ذات الطابع الدولي، وكلما حدث نزاع مسلح أثيرت فكرة الضرورة العسكرية من جديد[2]، ويمكن القول بأن فكرة الضرورة العسكرية هي التي تبرر الخروج عل الأصل الذي يتمثل في عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية[3]، فكثيرًا ما تلجأ الدول بسببه إلى استخدام القوة والسلاح دفاعًا عن أراضيها ومواطنيها والممتلكات العامة والخاصة بها، ومن هذه الحالات التي قد تلجأ فيها الدول لاستخدام السلاح والقوة العسكرية حالة الضرورة العسكرية، وفيها تستخدم الدول القوة العسكرية لدفع خطر قد يسبب ضررًا لا يمكن تفادي أثاره في المستقبل[4]، حينها يبرز مفهوم "الضرورة العسكرية أو ما يطلق عليه البعض الضرورة الحربية"[5].

 

تعريف الضرورة العسكرية لغةً:

يحتوي مصطلح الضرورة العسكرية على مفردتين: "ضرورة" و"عسكرية"، والضرورة لغة اسم بمعنى الاضطرار، والحاجة الملحة والشدة، ويقال رجل ذو ضرورة أي ذو حاجة[6]، وجاء في لسان العرب أن الضرورة اسم لمصدر الاضطرار، تقول حملتني الضرورة على كذا وكذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا[7]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيِّنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ باغ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم﴾ [سورة النحل الآية: 115]، أي فمن أُلجئ لأكل الميتة وما حرم وضُيق عليه الأمر بالجوع، وأصله من الضرر وهو الضيق[8]، ومنه قيل في القاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات"[9].

وأما مفردة "العسكر" لغة فأصلها فارسي عُرِّب، وأصله لشكر ويريدون به الجيش، ويقرب منه قول ابن الأعرابي إنه الكثير من كل شيء، يقال عسكر من رجال ومال وخيل وكلاب، وعسكر الرجل جماعة ماله ونعمه، ويقال العسكر مقبل ومقبلون فالإفراد على اللفظ والجمع على المعنى[10]، والعسكرة الشدة والجدب، وقالوا العسكران عرفة ومنى؛ لتجمع الناس فيهما، والعسكر مجتمع الجيش، وعسكر الليل ظلمته، وقد عسكر الليل؛ تراكمت ظلمته[11].

 

تعريف الضرورة اصطلاحًا في الفقه الإسلامي:

اتفق الفقه الإسلامي على قاعدة شرعية وهي أن "الضرورات تبيح المحظورات"[12]، وجاء في الأشباه والنظائر للسيوطي بأن الضرورة هي "بلوغ المكلف حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب على الهلاك"[13]، وعرفها المالكية بأنه: " الخوف على النفس من الهلاك علمًا أو ظنًا"[14]، ومثل الفقهاء المسلمين للضرورة بحال تترس العدو بالمدنيين يقاتل من خلفهم، لو كففنا عنهم والتحمت الصفوف ظفروا وتمكنوا واتخذت عادة فيهم، وعند الضرورة فحفظ الجيش أهم[15].

ويجب أن نشير هنا إلى أن الشريعة الإسلامية تُعد هي أسبق الشرائع في الأخذ بنظرية الضرورة، كما وضعت لها القواعد المحكمة التي تكفل الوقوف عند حد الضرورة بل وجعلت منها أيضًا الوجه الثاني للمشروعية، وبمقتضاها تملك السلطة العامة حفظًا للمصالح الأساسية للمجتمع الإسلامي إصدار القرارات التي توجبها الضرورة، والتي تخالف الأحكام التي قررها الشارع للظروف العادية بحيث لا تعتبر هذه القرارات اعتداءً علي مبدأ المشروعية، وإنما تُعد هذه القرارات مشروعة ومرتبه بكافة آثارها باعتبارها الشريعة اللازمة والواجب تطبيقها إعمالًا لما تقتضيه الضرورة، وذلك لأن حدود المشروعية في الظروف الاستثنائية لابد وأن تختلف عن حدودها في الظروف العادية[16].

ويمكن تعريف الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي بأنها: "الوسائل التي تؤدي إلى التسليم الكامل أو الجزئي من قبل العدو بأسرع وقت ممكن وبطرق القهر المنظمة التي لا تتعارض مع القانون والعرف، وما زاد عن تلك الوسائل فهو محرم؛ لأنه خارج عن الضرورة الحربية"[17].

وفي الحقيقة إن قراءة هذا المفهوم على هذا النحو قد يثير بعض الغموض، ولإزالة هذا الغموض يتعين قراءة هذا المفهوم على النحو الآتي[18]:

  • الوسائل لفظ عام، فقد تكون مادية كالسلاح، وقد تكون غير ذلك؛ كالحصار أو قطع المؤونة وكل وسيلة مشروعة تمكن من تحقيق هدف عسكري، والهدف التسليم الكامل أو الجزئي.
  • المقصود بالتسليم الكامل إحكام السيطرة التامة على العدو وإنهاء سطوته وقدرته على القتال وإبعاد الخطر والضرورة، أما التسليم الجزئي فهو ما يمكن من إضعاف قوة العدو، أو يفتح ثغرًا يمكن من فرض السيطرة على ما تبقى، ويحقق بذلك هدفًا عسكريًا جليًا.
  • يذكر المفهوم السابق أن يتم الأمر بأسرع وقت ممكن وهذا ضابط يحد من توسع الإطار الزمني للنزاع والقتال وما يزيد الدماء سفكًا وهلاك النسل والحرث، ثم إن طرق القهر والقوة يجب أن تكون منظمة بحيث لا تتعارض مع قواعد النزاع تجنبًا للعشوائية وعدم التمييز، ومنه الوقوع في المحظور، وذلك وفق هندسة دقيقة للعمل العسكري تضمن مشروعية الوسيلة العسكرية، والتصرف وفق الضرورة والتي تقدر بقدرها فلا يمكن اعتباره من الضرورة ما زاد عن تلك الوسائل، فما يمكن تحقيقه من أهداف عسكرية واضحة وكافية بوسائل غير قتالية، كالحصار العسكري أو قطع المؤونة، واستعملت فيه وسائل قتالية يعتبر تجاوزا للضرورة العسكرية، وعليه فالضرورة العسكرية تقتضي التقيد بالمشروعية، فكل أعمال الإنسان المسلم تعبدية في السلم والحرب، يبتغي من خلالها مرضاة الله وثوابه في الدنيا والآخرة[19].

 

تعريف الضرورة العسكرية في القانون الدولي العام وفي القانون الدولي الإنساني:

إذا نظرنا إلى موقف القانون الدولي العام من مصطلح الضرورة، فيمكن القول بأن قواعده لم تعرف مصطلح الضرورة، ولكنها جاءت لتكرس حالة الضرورة، وعدم التزام القواعد الدولية للحقوق والحريات في حالة الطوارئ، وخير مثال على ذلك ما جاء في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وتحديدًا في نص المادة (4/1) التي تنص على أنه: "في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميًا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شرط عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي"[20]، وكما هو واضح من نص المادة السابقة فإنها تتحدث عن الحالات الطارئة التي تجيز استثناء اتخاذ تدابير وفي نطاق ضيق، تعبيرا عن حالة الاضطرار[21].

وقد أجمعَ فقهاءُ القانون الدولي على تعريفِ الضرورة العسكرية بأنَّها: "الحالةُ التي تكون مُلحةً لدرجةِ أنَّها لا تترك وقتًا كافيًا للأطراف المُتحاربة لاختيار الوسائل المُستخدمة في أعمالها، أو هي الأحوالُ التي تظهر أثناء الحرب وتفرض حال قيامها ارتكاب أفعال مُعيَّنة على وجه السرعة بسبب موقف، أو ظروف استثنائية ناشئة في ذات اللحظة"[22].

وتأسيسًا على ما سبق يمكن القول بأن مفهوم الضرورة العسكرية في القانون الدولي الإنساني[23] يتمثل في عدم تجاوز مقتضيات الحرب، وهي تحقيق النصر وإضعاف قدرة العدو بالطرق والأساليب التي لا تخالف أي حكم من قوانين الحرب سواء كان هذا الحكم قد تقرر بموجب قاعدة عرفية أم اتفاقية، فلا يجوز مهاجمة الأهداف المدنية حتى لو كانت خالية من السكان المدنيين لعدم وجود ضرورة تسوغ ذلك[24].

وبعبارة أخرى يمكن القول بأن مبدأ الضرورة يدور في إطار فكرة قوامها أنَّ استعمالَ أساليب العنف والقسوة والخداع في الحرب يقف عند حد قهر العدو وتحقيق الهدف من الحرب وهو هزيمته وتحقيق النصر[25]، أو إخضاع الطرف الآخر وإلحاق الهزيمة به، فإذا ما تحقَّق الهدفُ من الحربِ على هذا النحو، امتنع التمادي والاستمرار في توجيه الأعمال العدائيَّة ضد الطرفِ الآخر[26].

ومما تجدُر الإشارةُ إليه أنَّ مبدأ الضرورة العسكريَّة قد وردت الإشارةُ إليه صراحةً في كثيرٍ من مواد الاتفاقات سارية المفعول في أوقاتِ الحروب والنزاعات المُسَلَّحة ومنها[27]:

  • المواد (23/ج) من اتفاقيَّة لاهاي الرابعة لعام 1907.
  • المواد (4/2،11/2) من اتفاقيَّة لاهاي المُتَعَلِّقة بحماية الأعيان الثقافيَّة في أثناء النزاع المُسَلَّح لعام 1954.
  • المواد (53، 143، 147) من اتفاقيَّة جنيف الرابعة.
  • المادة (126) من اتفاقيَّة جنيف الثالثة المُتَعَلِّقة بأسري الحرب.
  • المواد (8، 28، 51) من اتفاقيَّة جنيف الثانية المُتَعَلِّقة بتحسين أحوال الجرحى والمرضى ومنكوبي السفن أفراد القوات المُسَلَّحة في البحر.
  • المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأوَّل باتفاقيَّات جنيـف.

 

الفرق بين حالة الضرورة العسكرية وحالة الدفاع الشرعي:

قد يتداخل على القارئ مصطلح حالة الضرورة ومصطلح حالة الدفاع الشرعي، ولكن هناك اختلافات وفروق بين الحالتين، نوضحها فيما يلي[28]:

  • تشترك حالة الضرورة العسكرية وحالة الدفاع الشرعي في أن كلا الحالتين يحميان المصلحة الأجدر بالحماية والرعاية، وأنهما يقومان بالدفاع عن المعتدى عليه لا المعتدي، ويجوز في الحالتين استعمال القوة المسلحة للدفاع في هذه الحالة.
  • تنشأ حالة الدفاع الشرعي بناءً على عدوان صادر من دولة معتدية، فيكون من حق الدولة أن تدافع عن نفسها، وتدفع هذا العدوان، أما حالة الضرورة العسكرية فتنشأ نتيجة خطر يهددها قد يترتب على وقوعه ضرر جسيم يلحقها أيا كان مرتكبه.
  • حالة الدفاع الشرعي تكون في صورة رد فعل أو عدوان قد تحقق على أرض الواقع، أما حالة الضرورة العسكرية فلا يشترط أن يكون هناك فعل قد حدث، وإنما تنشأ في حالة ما إذا كان متوقعًا حدوث هذا الفعل، حتى ولو كانت حالة الضرورة قد تمس أشخاصًا لم يرتكبوا أي فعل إجرامي وقتها، ولكن يتوقع حصوله منهم فيما بعد لو لم تتم مقاومتهم.
  • يمثل الدفاع الشرعي سببًا من أسباب الإباحة؛ إذ يترتب عليه زوال صفة عدم المشروعية عن الفعل، خلافا لحالة الضرورة التي تعد مانعًا من موانع المسئولية، فيظل الذي تأتيه الدولة في حالة الضرورة غير مشروع مع رفع العقوبة نظرًا لانتفاء المسئولية الجنائية عنها، ومنه قد يوجب الفعل المرتكب في حالة الضرورة تعويض الضرر الذي سببه، ويجوز الدفاع الشرعي ضده[29].

 

الشروط الواجبة توافرها للاستناد إلى مبدأ الضرورة العسكرية:

          اتَّفق الفقهُ والقضاءُ الدوليَّان على أنَّ الضرورة العسكريَّة محكومةٌ ومُقيَّدةٌ بعدة شروط قانونيَّة هي[30]:

  • ارتباطُ قيام هذه الحالة بسير العمليَّات الحربية خلال مراحل القتال بين المُتحاربين، أو لحظة الاشتباك المُسَلَّح بين قوات الاحتلال والمُقاومة، ولذلك لا يُمْكِن الادِّعاء بتوافر الضرورة الحربية في حالةِ الهدوء وتوقف القتال.
  • الطبيعةُ المؤقَّتةُ وغير الدائمة للضرورة الحربية، وإنما هي – بالنظر لطابعها الاستثنائي- ليست أكثر من حالة واقعية تبدأ ببداية الفعل وتنتهي بنهايته وزواله، فإذا ما كان مُبرِّر هذه الضرورة مثلًا تدمير منزل لصد هجوم، زالت الضرورة بانتهاء التدمير أثناء الهجوم، ولكن لا يجوز تدمير المنزل بعد انتهائه.
  • ألَّا تكون الإجراءاتُ المُستخدمةُ لتنفيذ حالة الضرورة محظورةً بموجب أحكام وقواعد القانون الدولي كالتذرُّع باستخدام الأسلحة المحرَّمة دوليًا أو قصف وإبادة السُكَّان المدنيين أو عمليات الثأر والاقتصاص من المدنيين ومُمْتَلَكاتهم بحجة الضرورة العسكريَّة.
  • ألَّا يكون أمام القوات المُتحاربة في حالة الضرورة أي خيار بتحديد طبيعة ونوع الوسائل سوى التي استُخْدِمَت بالفعل حال قيام وتوافر الضرورة الحربية، والتي تسمح باستخدام وسائل مُتفاوتة الضرر، مثل استخدام وسيلة الاستيلاء والمُصادرة للمُمْتَلَكات كإجراءٍ بديل عن التدمير أو الأسر بدلًا من القتل، ويجب في هذه الحالة على القوات المُتحاربة العزوف عن التدمير أو القتل، واللجوء إلى استخدام البدائل الأخرى الأقل ضررًا[31].

 

الهوامش:

[1] ترجع فكرة الضرورة العسكرية في القانون الدولي الإنساني إلى ميكافيللي الذي خلص في كتابه "الأمير" إلى أن "أنَّ الحربَ تكون عادلةً عندما تكون ضروريةً، وأنَّ الرغبةَ في الانتصار شيءٌ طبيعي وعام، ويبرر استخدام القوة الضرورية اللازمة لتحقيق هذه الرغبة".

انظر: د. إبراهيم دسوقي أباظة ود. عبد العزيز الغنام، تاريخ الفكر السياسي، دار النجاح، بيروت، لبنان، 1973م، ص173-185.

[2] انظر: د. روشو خالد، مفهوم الضرورة العسكرية في القانون الدولي، مجلة المعيار، مج: 4، ع: 8، ديسمبر 2013م، ص75.

[3] انظر: د. عمر صالح علي العكور، محددات تطبيق مبدأ الضرورة في القانون الدولي الإنساني، المجلة العالمية للتسويق الإسلامي، الهيئة العالمية للتسويق الإسلامي، مج: 6، ع: 3، سبتمبر 2017م، ص95.

[4] مصاب مصطفى: مبدأ الضرورة العسكرية في القانون الدولي، محامو الأردن في 10 سبتمبر 2021م، https://jordan-lawyer.com/2021/09/10/principle-of-military-necessity/ (تاريخ الدخول الثلاثاء الموافق 20 فبراير 2024م).

[5] انظر: بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مخبر الدراسات الفقهية والقضائية، جامعة الوادي، الجزائر، سبتمبر 2020م،  ط1، ص21.

[6] انظر: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مصطفى حجازي، مج: 12، مطبعة الكويت، 1973م، ص358.

[7] انظر: جمال الدين محمد بن مكرم المعروف بابن منظور المصري الأفريقي، لسان العرب، ج: 4، دار صادر، بيروت، لبنان، 199م، ص483.

[8] المرجع السابق، ص483.

[9] انظر: عامر عبد الحسين عباس، مبدأ الضرورة الحربية في القانون الدولي الإنساني، مجلة مركز دراسات الكوفة، ع: 55، ديسمبر 2019م، ص587.

[10] بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص22-23.

[11] انظر: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مج: 13، مرجع سابق، ص38-39.

[12] إن المتفق عليه في الفقه الإسلامي أن المحظورات هي الممنوعات والمحرمات التي أمر الشرع الحكيم المكلفين بتجنبها وتركها على وجه الإلزام، فأوجب العقاب على فاعلها والثواب لتاركها، وهي كل ما يمنع على المسلم تناولها والعمل بها، فالمكلف قد تلجئه الحاجة الملحة دفعا للهلاك على نفسه أو غيره، والقاعدة تقول: "أن الضرورات تبيح المحظورات" واستنادا لقوله تعالى: ﴿ قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[سورة الأنعام الآية: 145] ووجه الدلالة في الآية أن الضرورة تبيح تناول المحظور.

بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص23-24.

[13] انظر: جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر، ج: 1، د. ت، ص84.

[14] ورد هذا التعريف في: عبد العزيز الزيني، الضرورة في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، مؤسسة الثقافة، الإسكندرية، 1993م، ص19.

[15] ابن قدامة المقدسي، الكافي، ج: 5، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية، د.ت، ص478. مشار إليه في: بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص24-25.

[16] انظر: د. فؤاد النادي، مبدأ المشروعية وضوابط خضوع الدولة للقانون في الفقه الإسلامي، دار الكتاب الجامعي، 1980م، ط2، ص91؛ باسم أحمد محمد أحمد الهجرسي، نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية والقانون الدستوري "دراسة مقارنة"، مجلة كلية الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف، دقهلية، مج:  15، ع: 6، 2013م، ص 3278. 

[17] انظر: بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، رسالة ماجستير، معهد العلوم الإسلامية، جامعة الشهيد حمه لخضر- الوادي، الجزائر، 2016م/ 2017م، ص12.

[18] المرجع السابق، ص12.

[19]) في قضية الجدار العازل تذرعت إسرائيل بأنها في حالة ضرورة، ولكن محكمة العدل الدوليَّة لم تستجب لهذه الحجة؛ حيث إنَّها اعتبرت أنَّ حالة الضرورة تشكل سببًا يعترف به القانونُ الدولي العرفي، ولا يُمْكِن التذرُّع به إلَّا استثناءً، وضمن بعض الشروط المُحددة بصورة ضيِّقة والتي يجب توفرها جميعًا، وقد خلُصَت محكمةُ العدل الدوليَّة إلى عدم توافر شروط حالة الضرورة من أجل بناء الجدار، حيث نصَّت في الفتوى رقم 137 على الآتي: "وخلاصةُ القول: إنَّ المحكمة غير مُقتنعة من المواد المُتاحة لها، بأنَّ المسار المُحدد الذي اختارته إسرائيل للجدار أمر يقتضيه تحقيق أهدافها الأمنية، فالجدار على امتداد الطريق المُختار، والنظام المُرتبط به يشكلان انتهاكًا خطيرًا لعدد من حقوق الفلسطينيين المُقيمين في الأرض التي تحتلها إسرائيل، والانتهاكات الناشئة عن ذلك المسار لا يمكن تبريرها بالضرورات العسكرية أو بدواعي الأمن القومي أو النظام العام، وتبعًا لذلك فإن تشييد جدارٍ من هذا القبيل يُشكِّل إخلالًا من جانب إسرائيل بالتزامات شتى واجبة عليها بمُقتضى القانون الإنساني الدولي الساري وصكوك حقوق الإنسان". للمزيدِ من التفاصيل عن فتوى محكمة العدل الدوليَّة بشأن الجدار العازل. انظر: أنيس مصطفى القاسم (محررًا) وآخرون" الجدار العازل الإسرائيلي.. فتوى محكمة العدل الدوليَّة- دراسات ونصوص"، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت، حزيران/ يونيه 2007، مشار إليه في: د. هشام بشير وإبراهيم عبدربه إبراهيم، المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، دار الكتب والدراسات العربية، الإسكندرية، 2019م، ص77.

[20] للاطلاع على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يمكن الاطلاع على مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، موقع الأمم المتحدة، https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights (تاريخ الدخول الثلاثاء الموافق 20 فبراير 2024م).

[21] بوبكر مصطفاوي، مبدأ الضرورة العسكرية في الفقه الإسلامي وفي القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص26.

[22] انظر: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المبادئ الأساسيَّة للقانون الدولي الإنساني، سلسلة القانون الدولي الإنساني رقم 2، 2008م، ص6.

[23] يقوم القانونُ الدولي الإنساني على أساس الموازنة بين مُتطلِّبات الضرورة العسكريَّة والاعتبارات الإِنْسَانيَّة، فالضرورةُ العسكريَّة تتطلَّب استخدامَ القوة العسكريَّة بالقدرِ اللازم لتحقيقِ ميزة أو تَفَوق عسكري، بينما تتطلَّب الاعتبارات الإِنْسَانيَّة أنْ يتم تحقيق هذه الميزة بأقل الخسائر في الأرواح والمُعدَّات وبأكثر الوسائل والأساليب. انظر: جان بكتيه، القانونُ الدولي الإنساني تطوره ومبادئه، معهد هنري دونان، جنيف، 1984م، ص46.

[24] انظر: حيدر كاظم عبد علي مالك عباس جيثوم، القواعد المتعلقة بوسائل وأساليب القتال أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، كلية القانون، جامعة بابل، العراق، ع: 2، السنة الرابعة، ص161.

[25] انظر: د. حامد سلطان، الحربُ في نطاق القانون الدولي، المجلة المصرية للقانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، القاهرة، ع: 25، 1969م، ص18.

[26] د. هشام بشير وإبراهيم عبدربه إبراهيم، المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص75.

[27] انظر:  د. أحمد عبد الونيس، الحمايةُ الدوليَّة للبيئة في النزاعات المُسَلَّحة، المجلة المصرية للقانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، القاهرة، ع: 52،، 1996م.، ص76 وما بعدها.

[28] مصاب مصطفى: مبدأ الضرورة العسكرية في القانون الدولي، محامو الأردن في 10 سبتمبر 2021م، https://jordan-lawyer.com/2021/09/10/principle-of-military-necessity/ (تاريخ الدخول الثلاثاء الموافق 20 فبراير 2024م).

[29] حالة الدفاع الشرعي منصوص عليها في المواثيق والقواعد القانونية والاتفاقيات المختلفة، ومن ذلك نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على أن: "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالًا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس - بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق - من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".

[30] اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المبادئ الأساسيَّة للقانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص6.  

[31] د. هشام بشير وإبراهيم عبدربه إبراهيم، المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص76-77.

(1) اسمه ومولده ونشأته العلمية:

اسمه محمد معروف الدواليبي ولد في مدينة حلب في 29/3/1909م ونشأ فيها، حيث أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي، فحصل على شهادة في الشريعة والعلوم الإسلامية من (المدرسة الخسروية) في حلب. ثم حصل على (الليسانس) في الحقوق والليسانس) في الآداب من جامعة دمشق، ثم سافر إلى فرنسا فحصل فيها على دبلوم في الدراسات العليا في الحقوق الرومانية، وعلى الدكتوراه في الحقوق، وعلى دبلوم في الحقوق الكنسية من جامعة باريس.

 

(2) عمله العلمي:

عمل أستاذًا في كلية الحقوق بدمشق، ورئيسًا لقسم تاريخ القانون والحقوق الرومانية في الكلية نفسها، وأستاذًا في كلية الشريعة بجامعة دمشق.

 

(3) مؤلفاته:

  1. المدخل إلى علم أصول الفقه.
  2. المدخل إلى السنة وعلومها.
  3. الاجتهاد في الحقوق الإسلامية (باللغة الفرنسية).
  4. الإسلام أمام الاشتراكية والرأسمالية (بالعربية والإنكليزية).
  5. نظرات إسلامية في الاشتراكية الثورية.
  6. المدخل إلى التاريخ العام للقانون.
  7. الوجيز في الحقوق الرومانية.
  8. دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضارتهم الإنسانية.
  9. قلعة طروادة التاريخية.

۱۰. نظريات النقد الأدبي عند العرب.

١١. القومية العربية في حقيقتها.

۱۲. نظرات إسلامية في عدة أبحاث حول الخطوط الكبرى للشريعة، حول العبادة، وأنها ضرورة حيوية علمية.

۱۳. موقف الإسلام من العلم، وحقوق المرأة في الإسلام.

١٤. من هم الأريسيون؟

١٥. الدولة والسلطة.

 

(4) عمله السياسي:

نائب حلب في مجلس النواب السوري منذ ١٩٤٧م حتى ١٩٦٣م، وزير الاقتصاد الوطني في سنة ١٩٥٠م، رئيس مجلس النواب في سنة ١٩٥١م، رئيس الوزراء ووزير الدفاع في أواخر عام ١٩٥١م، وزير الدفاع الوطني في عام ١٩٥٤، رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في أواخر عام ١٩٦١م، وأوائل ١٩٦٢م، ضيف المملكة العربية السعودية ومستشار في الديوان الملكي منذ عام ١٩٦٥م.

 

(5) المؤتمرات التي ساهم فيها:

رئيس مؤتمر العالم الإسلامي منذ سنة ١٩٧٥م، وهو مؤتمر مسجل لدى الأمم المتحدة بصفته هيئة مراقبة دولية واجتماعية. رئيس وفد سوريا الحكومي إلى حلقة الدراسات العربية والاجتماعية الدولية عام ١٩٥٠م. ممثل جامعة دمشق في مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الدولي عام ١٩٥١م في باريس، بدعوة من مؤسسة الحقوق الدولية المقارنة في (لاهاي) عضو المؤتمر العام الأول لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة عام ١٩٦٥م. رئيس وفد الشعوب العربية في المؤتمر الأول للشعوب الإفريقية والآسيوية في نيودلهي عام ١٩٥٥م، عضو في الوفد السوري الحكومي إلى المؤتمر الأول الدولي لدول عدم الانحياز في (باندونغ)، (أندونيسيا) عام ١٩٥٥م، عضو في الندوات العلمية الدولية حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام المعقودة أولاً في الرياض، ثم في باريس، ثم في الفاتيكان، ثم في مجلس الكنائس العالمي في جنيف، ثم في مجلس وزراء الوحدة الأوروبية في ستراتسبورغ منذ عام ۱۹۷۳م حتى أواخر عام ١٩٧٤م.

عضو في مؤتمر رسالة المسجد الدولي في مكة المكرمة عام ١٣٩٥هـ الموافق ۱۹۷۵م، عضو في المجلس الأعلى العالمي الدولي للمساجد في مكة المكرمة منذ عام ١٣٩٥هـ الموافق ١٩٧٥م. عضو مراقب في مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي، رئيس منظمة الإسلام والغرب الدولية، ومركزها (جنيف) سويسرا منذ عام ١٩٧٩م حتى نهاية شهر آب عام ۱۹۸٤ رئيس المجلس التنفيذي للمؤتمر الإسلامي العالمي الشعبي في بغداد منذ ١٩٨٦م.

 

(6) تحقيقاته العلمية - بحوث كثيرة منها:

  1. قلعة طروادة التاريخية مدينة فينيقية، وصلتها بالهجرات العربية القديمة إلى أوروبة، وخاصة إلى اليونان وإيطاليا وفرنسة.
  2. دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضاراتهم الإنسانية قبل اليونان والرومان.
  3. العرب والسيد المسيح - في عهد دولة الأباجرة وملكهم أبجر الخامس المعاصر للمسيح عليه السلام، وذكر فيه أنهم أول من حملوا رسالة المسيح الحقيقية خلال ثلاثة قرون، حتى قضت عليهم دولة بيزانس الرومية قبل إنشائها (الكاثوليكية) في عهد قسطنطين، في مطالع القرن الرابع للميلاد.
  4. من هم الأريسيون في الحديث الشريف خطاب لهرقل، جاء فيه: «أسلم تسلم وإلا فعليك إثم الأريسيين».
  5. من هم الفلسطينيون في التاريخ العربي، وما معنى هذه الكلمة في اللغة العربية الكنعانية القديمة؟
  6. مذكرة حكومة المملكة العربية السعودية حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام الموجهة إلى دوائر الأمم المتحدة، رداً على من ينكر حقوق الإنسان في الإسلام.
  7. خمس ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام شرحًا لمذكرة حكومة المملكة أعلاه، في كل من الرياض، وباريس، والفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي في جنيف، ومجلس الوزراء الأوروبي في ستراتسبورغ وجرى النقاش في هذه الندوات ما بين فريق من كبار علماء المملكة، وآخرين من كبار رجال الفكر والقانون في أوروبة.
  8. موقف الإسلام من العلم وأثر الرسالة الإسلامية في الحضارة الإنسانية بحث ألقي في المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية، سنة ١٤٠٠هـ الموافق ۱۹۷۹م في دولة قطر.
  9. الإسلام والمشكلات الإنسانية بحث ألقي في مؤتمر عالمي، سنة ١٩٨٠م في قبرص التركية، وفيه حوار مع الدولتين الكبريين السوفييت والولايات المتحدة الأمريكية، سنة ١٩٨٠م حول القضايا الإسلامية.

١٠. الدولة والسلطة في الإسلام بحث ألقي في الندوة الدولية في اليونيسكو في باريس عام ۱۹۸۲، ردًا على من أنكر مفهوم الدولة في الإسلام.

  1. (التصور العام للشريعة في الإسلام مقارنة بالشرائع القديمة والحديثة). بحث ألقي في مؤتمر الفقه الإسلامي في معهد القانون المقارن بطوكيو في أكبر جامعة في اليابان: جامعة تشو - أو سنة ١٣٩٧هـ الموافق ۱۹۷۷م.

______________

المصدر:

مذكرات الدكتور معروف الدواليبي، إعداد: عبد القدوس أبو صالح، تحرير: محمد على الهاشمي، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولي، 2005، ص7-10.