موقع حوارات

موقع حوارات

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع مــــن أكتوبر سنة 2021م، الموافق الثاني من ربيع الأول سنة 1443هـ.

 

برئاسة السيد المستشار / سعيد مرعى عمرو                                  رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: محمد خيري طه النجار ورجب عبد الحكيم سليم ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد                               نواب رئيس المحكمة

وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى                       رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع                           أمين السر

 

 

أصدرت الحكم الآتي:

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 97 لسنة 30 قضائية "دستورية"*.

 

المقامة من:

عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

ضــــد:

1- رئيس الجمهورية                   2- رئيس مجلس الوزراء

3- وزير العدل                         4- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًا)

5- الممثل القانوني للهيئة القومية للبريد

6- داليا عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

7- دعاء عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم

 

الإجـــراءات

      بتاريخ الثالث عشر من مارس سنة 2008، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني، فيما تضمنه من اعتبار الهبة لذي رحم محرم مانعًا من الرجوع في الهبة.

      وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًا: برفضها.

      وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

      ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمــــة

      بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

      حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعى كان قد أقام الدعوى 1360 لسنة 2006 مدني كلى، أمام محكمة بورسعيد الابتدائية، ضد المدعى عليهم الخامس والسادسة والسابعة في الدعوى المعروضة، طالبًا الحكم باعتبار الهبة كأن لم تكن، مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية بما فيها إلغاء التوكيل العام رقم 370/هــ لسنة 2005 توثيق بورسعيد. وقال بيانًــــا لدعواه، إنه وهب لنجلتيه المدعى عليهما السادسة والسابعة نصيبه في تركة زوجته –والدتهما- سعاد أحمد حسن عطية، ويشمل حصة في شقتين بالعقار المبين بصحيفة الدعوى، ومبلغًـــــا ماليًا بدفتر توفير لدى الهيئة القومية للبريد، وشقة يمتلكها بالعقار ذاته، وحرر لهما توكيلًا بالتصرف في تلك الأموال، إلا أنهما قد أغضبهما زواجه من أخرى، أنجبت له ولدين، فقدمتا ضده عدة بلاغات كيدية، كما أقامتا دعوى قضى فيها بإلزامه بأن يؤدى لهما نفقة شهرية، فضلًا عن أنه ملتزم بالإنفاق على زوجته وولديه، وكذا نفقة ومصروفات علاج شقيقه، مما أرهق كاهله، بعد أن زادت التزاماته المالية، الأمر الذي يوفر له العديد من الأعذار للرجوع في هبته، فأقام دعواه بالطلبات السالفة البيان. وأثناء نظر الدعوى بجلسة 29/1/2008، دفع بعدم دستورية نص البند "هـــ" من المادة (502) من القانون المدني، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة.

      وحيث إن المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 تنص على أنه "يرفض طلب الرجوع في الهبة، إذا وجد مانع من الموانع الآتية:

(أ) ............          (ب)...........          (ج) ............    (د) ...........

(هـ) إذا كانت الهبة لذي رحم محرم ..................".

 

وحيث إن من المقــــــرر في قضاء هذه المحكمة أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية –وهي شرط قبولها– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان المدعى يبتغى من دعواه الموضوعية الترخيص له بالرجوع عن هبته لابنتيه، لقيام موجبات ذلك في حقه. وكان نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني يحول دون تحقيق مبتغاه، الأمر الذي يوفر له مصلحة شخصية مباشرة في الطعن على هذا البند في مجال سريانه على هبـــــــــــة أي من الوالدين لولده، وبها يتحـــــدد نطـــــاق هذه الدعـــــوى، دون سائر ما انطوى عليه نص هذا البند من أحكام لطبقات أخرى من ذوي رحم محرم.

وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه مخالفة أحكام المادتين (2، 40) من دستور سنة 1971، المقابلة لأحكام المادتين (2، 53) من دستور سنة 2014، لمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية، التي حضت على البر بالوالدين وعدم عقوقهما، وأكدت معظم مذاهبها على أحقية الوالد في الرجوع عن هبته لولده، دون أية أعذار، فضلًا عن انطواء النص على تمييز غير مبرر، بأن منع الواهب لولده من الرجــــوع في الهبة، حــــال أن غيره مــــن الواهبين يجــــوز لهم الرجــــوع في الهبة إذا توافر عذر يبيح لهم ذلك.

وحيث إن الرقابة الدستورية على القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًـــــا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي وجهها المدعى للنص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– تندرج تحت المناعي الموضوعية، التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي معين لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي. ومن ثم، فإن المحكمة تباشر رقابتها على النص المطعون عليه –الذي مازال ساريًا ومعمولًا بأحكامه– من خلال أحكام دستور سنة 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.

وحيث إن القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، قد خصص الكتاب الثاني منه للعقود المسماة، وأورد في الباب الأول منه العقود التي تقع على الملكية، وأفرد الفصل الثالث منه لعقد الهبة، في المواد من (486) حتى (504)، مبينـــًا فيها أركان الهبة، وآثارها، والرجوع فيها، وموانع الرجوع، معرفـــًا في المادة (486) الهبة بأنها عقد يبرم بين الأحياء، بموجبه يتصرف الواهب في ماله دون عوض، مع جواز أن يفرض الواهب على الموهوب له القيام بالتزام معين. ووفقـــًا للمادة (487)، لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه. ومن خصائص الهبة –على ما أوردت الأعمال التحضيرية للنص المطعـــــون فيه والتنظيم التشريعـــــي للهبة– أنه يجـــــوز الرجوع فيها رضـــــاءً أو قضاءً إذا وجد عذر ولم يوجد مانع، وقد نظمها المشرع مراعيًا هذا الأصل، فأكد في المادة (500) من القانـــــون المدني على أنه "يجـــــوز للواهب أن يرجـــــع الهبـــــة إذا قبل الموهوب له ذلك، فإذا لم يقبل، جاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع، متى كان يستند في ذلك إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع. وتأكيدًا على جواز الرجوع في الهبة، وضع المشرع في المادة (501) من القانون ذاته أمثلة لهذه الأعذار، تيسيرًا على القاضي، كما حدد في المادة (502) من ذلك القانون، حصرًا لموانع الرجوع في الهبة، ومن بينها حالة الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة أي من الوالدين لولده. ومؤدى العبارة الواردة بصدر نص تلك المادة من أن "يرفض طلب الرجوع في الهبة"، نهي القضاة عن التعرض لموضوع الرجوع، أيـــًا كانت الأعذار التي بنى عليها، إذا توافر أحد موانع الرجوع الواردة في تلك المادة، عملًا بقاعدة جواز تقييد القاضي بالزمان والمكان والأحداث والأشخاص. وشرط صحة تلك القاعدة أن يكون النهى مؤسسًـــا على أسباب موضوعية، ترتبط بالغاية المتوخاة منه.

وحيث إنه عن نعى المدعى مخالفة النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده- لمبادئ الشريعة الإسلامية، ونص المادة الثانية من الدستور، فمن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، طبقًا لنص المادة الثانية من الدستور الصادر سنة 1971، بعد تعديلها بتاريخ 22/5/1980 –وتقابلها المادة الثانية من الدستور الحالي الصادر سنة 2014– لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصــــدر بعد التاريخ الذي فُـرض فيه هذا الإلزام، بحيث إذا انطــــــــوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إعمال حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها، لصدورها فعلًا من قبله، في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا، واجب الإعمال، ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية، وهو القيد الذي يبقى قائمًا وحاكمًا لتلك التشريعات، بعد أن ردد الدستور الحالي الصادر سنة 2014، الأحكام ذاتها في المادة الثانية منه.

وحيث كان ما تقدم، وكان نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 لم يلحقه أي تعديل بعد تاريخ 22/5/1980، مما كان لزامه عدم خضوعه لقيد الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والمادة الثانية من الدستور، إلا أنه بالرغم من ذلك، وعلى ما ورد بالأعمال التحضيرية للقانون المدني، فقد استقى المشرع الأحكام الموضوعية للهبة من أحكام الشريعة الإسلامية. وفى شأن مدى جواز الرجوع في الهبة، أخذ بمذهب الفقه الحنفي، الذي أجاز الرجوع في الهبة إذا توافر العذر المبرر، وانعدم المانع، ويشمل عدم جواز الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة الوالد لولده، على سند من أن الغاية من الهبة في هذه الحالة صلة الأرحام، وقد تحققت بصدور الهبة. وإذ كان الرأي الذي تبناه المشرع في هذا الشأن لا يخرج عن كونه اجتهادًا في الفقه الحنفي فقد ذهب مالك والشافعي وابن حنبل وعلماء المدينة إلى جواز رجوع الوالد في هبته لولده، وهو ما يعرف باعتصار الهبة، أي أخذ المال الموهوب قسرًا عن الابن، مستدلين في ذلك بحديث طاووس من أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية أخرى "لا يحل للرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة ويرجع فيها إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية ثالثة "لا يرجع الواهب في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده". وقد دل الفقهاء باختلافهم هذا على عدم وجود نص قطعي الثبوت أو الدلالة، أو بهما معًــا في مبادئ الشريعة الإسلامية، يحكم هذه المسألة، ومن ثم تعتبر من المسائل الظنية التي يرد عليها الاجتهاد، وتلك المسائل بطبيعتها متطورة، تتغير بتغير الزمان والمكان، وإذا كان الاجتهاد فيها وربطها منطقيًّــا بمصالح الناس حقًــا لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق لولي الأمر، ينظر في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها، وبمراعاة أن يكون الاجتهاد دومًــا واقعًــا في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، ملتزمًــا ضوابطها الثابتة، متحريًــا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد الكلية للشريعة، بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مستلزمًــا في ذلك كله حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها، ومن ثم كان حقًــا لولي الأمر عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما، ما لم يكن إثمًــا، وكان واجبًــا عليه كذلك ألا يشرع حكمًــا يضيق على الناس أو يرهقهم في أمرهم عسرًا، وإلا كان مصادمًــا لقوله تعالى "مَا يُرِيدُ اللًّه ليَجعَلَ عَلَيكُم في الدين من حَرَجِ".

وحيث إن نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني، منع الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، وقد ورد هذا النص بصيغة عامة ومطلقة، ليشمل هبة أي من الوالدين لولده. واستقى المشرع هذا المانع من المذهب الحنفي، منتهجًــا بذلك نهجًــا مخالفًــا لاجتهاد باقي المذاهب الإسلامية، معللًا ذلك المانع بتحقق غاية الواهب من الهبة، ممثلة في صلة الرحم. وقد صدَّر المشرع نص تلك المادة بعبارة "يرفض طلب الرجوع في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية ....."، مما مؤداه نهى القضاء عن بحث الأعذار التي قد تحل بالوالد الواهب وتستدعى رجوعه في الهبة، وإن كانت تلك الأعذار من بين الأمثلة التي ورد النص عليها في المادة (501) من ذلك القانون، ومن ذلك: "أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو نحو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه، أو أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من نفقة على الغير". ومؤدى ذلك أن النص المطعون فيه، وإن وقع في دائرة الاجتهاد المباح شرعًــا لولى الأمر، إلا أنه –في حدود نطاقه المطروح في الدعوى المعروضة– يجعل الوالد الواهب في حرج شديد، ويرهقه من أمره عسرًا، ويعرضه لمذلة الحاجة بعد أن بلغ من العمر عتيّا، إذا ما ألمت به ظروف أحوجته لاسترداد المال الموهوب، وامتنع الابن عن إقالته من الهبة، إضرارًا به، مستغلًا في ذلك المانع الوارد بالنص المطعون فيه، الذي يحول بين الوالد والحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة، ضاربًــا عرض الحائط بالواجب الشرعي لبر الوالدين، والإحسان إليهما، وصلتهما، وطاعتهما في غير معصية، والامتناع عن كل ما يفضى إلى قطيعتهما. فضلًا عن أن ما توخاه المشرع من ذلك المانع، بالحفاظ على صلة الأرحام، ينافيه مواجهة حالة جحود الأبناء، وعقوقهم لوالديهم. ومن ثم يكون منع القضاء من الترخيص للوالد بالرجوع في هبته لولده، ولو كان هناك عذر يبيح له ذلك، مصادمًــا لضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، ومخالفًا بذلك نص المادة (2) من الدستور.

وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القيم الدينية والخلقية لا تعمل بعيدًا أو انعزالًا عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة، بل تعززها وتزكيها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها، ومن أجل ذلك جعل الدستور في المادة (10) منه، قوام الأسرة الدين والأخلاق والوطنية، كما جعل الأخلاق والقيم والتقاليد، والحفاظ عليها والتمكين لها، التزامًــا على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة، والمجتمع ككل، وغدا ذلك قيدًا على السلطة التشريعية، فلا يجوز لها أن تسن تشريعًــا يخل بها، ذلك أنه، وفقًــا لنص المادة (92) من الدستور، وإن كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق والحريات أنها سلطة تقديرية، إلا أن المشرع يلتزم فيما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته اختصاصاته، وأن يراعى كذلك أن كل تنظيم للحقوق، لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو الانتقاص منها، ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها. الأمر الذي يضحى معه النص المطعون عليه، فيما تضمنه من رفض طلب رجوع الوالد في هبته لولده، إذا وجد مانع، مخالفًــا أيضًا – نصي المادتين (10، 92) من الدستور.

وحيث إنه عن النعي بإخلال النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– بحق الواهب لولده، دون غيره مــــن الواهبين لغير ذي رحم محرم، في الحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة عند توافر العذر، فإن ما نص عليه الدستور في المادة (97) من أن "التقاضي حق مصون ومكفــــول للكافــــة"، قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته، من الحقوق العامة المقررة للناس جميعًا لا يتمايزون فيما بينهم في مجال النفاذ إليه، وإنما تتكافأ مراكزهم القانونية في سعيهم لرد الإخلال بالحقوق التي يدعونها ولتأمين مصالحهم التي ترتبط بها، مما مؤداه أن قصر مباشرة حق التقاضي على فئة من بينهم أو الحرمــــان منه في أحــــوال بذاتها، أو إرهاقــــه بعوائــــق منافية لطبيعته، إنما يُعــــد عملًا مخالفًا للدستور الذي لم يجــــز إلا تنظيم هذا الحق، وجعل الكافة ســــــواء في الارتكان إليه، ومن ثم، فإن غلق أبوابــــــــه دون أحدهم أو فريق منهم، إنما ينحل إلى إهداره، ويكرس بقاء العدوان على الحقوق التي يطلبونها، وعدم حصولهم على الترضية القضائية باعتبارها الغاية النهائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على تلك الحقوق.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه في المادة (53) من الدستور الحالي، ورددته الدساتير المصرية المتعاقبة جميعها، بحسبانه ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسًا للعدل والسلام الاجتماعي، غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة، وقيدًا على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، التي لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي تتحد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون خلالها أمام القانون، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية.

وحيث إن الأصـــــل في كل تنظيم تشريعي أن يكـــــون منطويًا علــــى تقسيم، أو تصنيف، أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها، بالوسائل المؤدية إليها، منطقيًـــا، وليس واهيًـــا أو واهنًــا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًا. ومرد ذلك، أن المشرع لا ينظم موضوعًا معينًا تنظيمًا مجردًا أو نظريًا، بل يبغيا بلوغ أغراض بعينها، تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها، يقوم عليها هذا التنظيم، متخذًا من القواعد القانونية التي أقرها، مدخلًا لها، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين في مجال تطبيقها، تحكميًا، ومنهيًا عنه بنص المادة (53) من الدستور.

وحيث كان ما تقدم، وكان الواهبون لأموالهم، على اختلاف حالاتهم، وأغراضهم منها، في مركز قانوني متكافئ، وقد أجاز المشــــرع –على ما سلف بيانه– للواهب الرجوع في الهبة إذا ألمت به ظروف وأعذار تستدعى هذا الرجوع، وامتنع الموهوب له عن إقالته من الهبة، وناط المشرع بالقاضي سلطة تقديرية في شأن بحث جدية الأعذار التي يبديها الواهب في هذا الشأن، ويقضى على ضوء ذلك، إلا أن المشرع خرج عن هذا الأصل، وأورد حالات لمنع الرجوع في الهبة، ضمنها نص المادة (502) من القانون المدني، من بينها هبة الوالد لولده، مانعًــا القضاء من بحث الأعذار التي يسوقها الوالد في هذا الشأن، الأمر الذي يحول بينه والحصول على الترضية القضائية، لمجرد توافر هذه القرابة بينه والموهوب له. فضلًا عن أن الغاية التي توخاها المشرع من ذلك المنع، وهي الحفاظ على صلة الرحم، لم يراع فيها مواجهة عقوق الابن الموهوب له، إذ امتنع طواعية عن إقالة والده من الهبة في هذه الحالة، بما يزكى هذا العقوق، حال أن المشرع أجاز في المادة (501) من القانون المدني الترخيص للواهب بالرجوع في الهبة إذا أخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه. ومؤدى ذلك أن المانع الوارد بالنص المطعون فيه، فضلًا عن عدم ارتباط الوسيلة التي أوردها في ذلك النص، بالغاية المتوخاة منها، فإنه يخل بمبدأ المساواة بين الواهبين المتماثلة مراكزهم في الحصول على الترضية القضائية، وذلك لغير سبب موضوعي، بالمخالفة لنصى المادتين (53، 97) من الدستور.

 

فلهذه الأسباب

      حكمت المحكمة بعدم دستورية نص البند (هــ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، في مجال سريانها على هبة أي من الوالدين لولده، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

أمين السر                               رئيس المحكمة

 

 لتحميل ملف حكم المحكمة

________________________

* نقلا عن الموقع الإلكتروني للمحكمة الدستورية العليا، عبر هذا الرابط: https://2u.pw/0E1hhQ

وقد علق المحامي والباحث أ. وائل أنور بندق على هذا الحكم في صفحته الشخصية بالفيسبوك تعليقا مهما ننقله عنها على طوله:

حكم حديث وهام وخطير للمحكمة الدستورية العليا بشأن الرجوع في الهبة

 (م 502 بند هـ من القانون المدني):

أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا هامًا بعدم دستورية الفقرة (هـ) من المادة 502 من القانون المدني في مجال سريانها على هبة أيٍّ من الوالدين لولده. وقد صدر الحكم بتاريخ 9/10/2021، واتصلت المحكمة الدستورية العليا بالدعوى بناءً على دعوى موضوعية، ملخصها أن رجلًا كان قد وهب إلى ابنتيه نصيبه في ميراث زوجته (والدتهما)، ولما تزوج بعد ذلك وأنجب ولدين، قامت ابنتاه بتقديم بلاغات كيدية ضده ورفع دعاوى نفقة عليه، مما رآه مبررًا للرجوع في الهبة، فأقام عام 2006 دعواه أمام محكمة بورسعيد الابتدائية.
ولما كان البند (هـ) من المادة 502 يمنع الرجوع في الهبة إذا كانت لذي رحم محرم، ومنها هبة الوالد لولده، فقد دفع بعدم دستورية النص، وقدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقامها بالفعل عام 2008، وها هو الحكم قد صدر عام 2021!!

ونود أن نشير إلى عدد من النقاط الهامة في مجال توضيح الحكم والتعليق عليه:

أولًا: عقد الهبة هو عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مالٍ له دون عوض.

ثانيًا: يجوز للواهب الرجوع في الهبة رضاءً إذا قبل الموهوب له الرجوع، كما يجوز الرجوع في الهبة قضاءً بشرط أن يتوافر عذر يبيح الرجوع في الهبة، وأن تنتفي موانع الرجوع فيها. وقد ضرب المشرع أمثلة على العذر المبرر للرجوع في الهبة بما يلي:
(أ) أن يخلّ الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو نحو أحدٍ من أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه.
(ب) أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو أن يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة على الغير.

 (ج) أن يُرزق الواهب بعد الهبة ولدًا يظل حيًا إلى وقت الرجوع، أو أن يكون للواهب ولدٌ يظنه ميتًا وقت الهبة فإذا به حيّ.

ثالثًا: يمتنع الرجوع في الهبة في عدة حالات عددتها المادة 502، حتى لو توافرت الأعذار، ومن هذه الحالات ما ورد في البند (هـ)، وهي الهبة لذي رحم محرم، إذ لا يجوز الرجوع فيها عن طريق التصريح من القضاء، بما يعني أنه يمتنع في حالتنا على الأب أن يلجأ إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة.

رابعًا: يُلاحظ أن إصدار الحكم قد تأخر كثيرًا، وهو ضرر فاحش بفكرة العدالة؛ فقد رفع الأب الدعوى الموضوعية عام 2006، ورفع الدعوى الدستورية عام 2008، وصدر الحكم عام 2021!! أي أن المسألة استغرقت أكثر من خمس عشرة سنة، وهي مدة طويلة جدًا تُعد إنكارًا فاحشًا للعدالة في حق الأب رافع الدعوى.

صحيح أن القضاء الدستوري قضاءٌ عيني يستفيد منه الجميع، سواء أكان من رفع الدعوى أم غيره؛ إلا أن رافع الدعوى هو أولى الناس بالرعاية. ويذكرني هذا الحكم بحكم المحكمة الدستورية بشأن إنهاء عقود الإيجار (القديم) المبرمة للأشخاص المعنوية، والذي صدر بعد عشرين عامًا من رفع الدعوى الدستورية.

خامسًا: يمكن القول إن الحكم قد بُني على سببين:

أولهما: مخالفة النص لمبدأ المساواة، إذ أجاز لمن توافر له العذر الرجوع عن الهبة، ومنعه عمن منح الهبة لذي رحم محرم، حتى لو توافر له العذر، مما يشكل تمييزًا بين المراكز القانونية المتماثلة.

ثانيهما: أن النص وضع عائقًا ومانعًا من موانع التقاضي، إذ حرم الواهب لذي الرحم المحرم من اللجوء إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وأخذًا بهذين السببين، كنا نتمنى على المحكمة الدستورية العليا أن تقضي بعدم دستورية البند (هـ) كاملًا، لا بقصره على هبة أيٍّ من الوالدين لولده، لأن الأسباب التي وردت في الحكم تنصرف إلى البند كاملًا.

سادسًا: كنا نتمنى ألا تخوض المحكمة الدستورية في مسألة رأي الفقه الإسلامي بشأن جواز الرجوع في الهبة لذي الرحم المحرم، والخلاف بين الأحناف والجمهور، لأنها تتدخل بذلك في السلطة التقديرية للمشرع في شأن اختيار الرأي الفقهي الملائم. لا سيما أن هناك أسبابًا أخرى توصلت بها المحكمة إلى النتيجة التي أرادتها، فضلًا عن أن المحكمة ذاتها قد أخرجت هذه المادة من نطاق قيد الالتزام بالشريعة الإسلامية الوارد في المادة الثانية من الدستور، وفقًا للتفسير المستقر عليه من المحكمة، وهو أن القوانين السابقة زمنيًا على نص المادة الثانية من الدستور تفلت من حكمها. وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذا التفسير لنص المادة الثانية من الدستور، إلا أنه قد أصبح التفسير المستقر عليه.

سابعًا: من أهم المبادئ العامة التي وردت بالحكم أن الرقابة الدستورية تتم في إطار الدستور القائم دون غيره، وهو دستور 2014، حتى لو كانت الدعوى قد رُفعت في ظل دستور سابق، وهو دستور 1971، لأن الرقابة الدستورية تستهدف صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة.

ثامنًا وأخيرًا: مفاد هذا الحكم في النهاية ليس حق الوالدين في الرجوع عن الهبة بشكلٍ مطلق، وإنما حق كلٍّ منهما في الرجوع إلى القضاء للتصريح بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.

وائل أنور بندق

هذا التعليق يعبر عن وجهة نظر كاتبه، وينشر ضمن إطار إثراء النقاش القانوني حول الحكم.

بدأت اليوم الخميس (11 يناير 2024) محكمة العدل الدولية أولي جلسات استماع في قضية قد تضر بسمعة إسرائيل، حيث تتهمها جنوب أفريقيا بارتكاب إبادة جماعية في حربها على غزة، وفيما يلي 7 أسئلة لتوضيح هذه المسألة، كما لخصتها صحيفة غارديان البريطانية:

ما هي محكمة العدل الدولية؟

هي المحكمة العليا للأمم المتحدة، تأسست عام 1945، مقرها لاهاي، تختص بالفصل في النزاعات بين الدول وإبداء الرأي الاستشاري، تضم 15 قاضيًا سيتم تعزيزهم بقاض إضافي من كل جانب في قضية إسرائيل، ويتم انتخابهم لمدة 9 سنوات من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن.

 

ما هذه القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل؟

تتهم جنوب أفريقيا إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في حربها على غزة، وتقول -في ملفها المؤلف من 84 صفحة- إن إسرائيل فشلت في منع الإبادة الجماعية وفشلت في محاكمة المسؤولين الذين حرضوا علانية على الإبادة الجماعية.

وتريد جنوب أفريقيا إصدار قرار يلزم إسرائيل باتخاذ تدابير مؤقتة لمنع تفاقم الوضع أثناء البت في القضية.

 

ما التعريف القانوني للإبادة الجماعية؟

تعرف اتفاقية الإبادة الجماعية، التي صادقت عليها 153 دولة بما في ذلك إسرائيل، الإبادة الجماعية بأنها أي فعل يرتكب بقصد التدمير، كليًا أو جزئيًا، لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية معينة.

وتشمل تلك الأفعال قتل أفراد الجماعة، وإلحاق الأذى الجسدي أو العقلي الجسيم بهم، وتدمير ظروفهم المعيشية بهدف اجتثاثهم، ومنعهم من الإنجاب، ونقل أطفالهم قسرًا إلى مجموعات أخرى.

وتبقى نية ارتكاب الإبادة الجماعية هي "العنصر الأكثر صعوبة في تحديده" وفقًا لتعريف الأمم المتحدة.

 

ما الذي قالته إسرائيل؟

مباشرة بعد إطلاق القضية، أصدر المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، ليئور هايات، توبيخًا قويًا لجنوب أفريقيا، واصفًا هذه المزاعم بأنه "لا أساس لها من الصحة".

وقال هايات في منشور على منصة إكس "ترفض إسرائيل باشمئزاز فرية الدم التي نشرتها جنوب أفريقيا في طلبها المقدم لمحكمة العدل الدولية. فادعاؤها يفتقر إلى أساس واقعي وقانوني، ويشكل استغلالًا خسيسًا ومهينًا لإسرائيل".

 

كم من الوقت تستغرق هذه القضية؟

من المرجح أن تستغرق القضية الكاملة -التي تبدأ اليوم الخميس لمدة يومين من جلسات الاستماع- سنوات. ومع ذلك، يمكن إصدار إجراء مؤقت في غضون أسابيع.

ومن أجل الحصول على الإجراء المؤقت، لا تحتاج جنوب أفريقيا إلى إثبات وقوع إبادة جماعية، بل لإثبات أن المحكمة سيكون لها اختصاص قضائي للوهلة الأولى، أو "ظاهري الوجاهة" وأن بعض الأفعال التي وردت في شكايتها تلك -بما في ذلك عدد القتلى والتهجير القسري للفلسطينيين في غزة- يمكن أن تقع تحت طائلة المسؤولية المتعلقة باتفاقية الإبادة الجماعية.

لكن، حتى إذا قررت المحكمة عدم اتخاذ إجراء مؤقت، فلا يزال بإمكانها أن تقرر أن لها اختصاصًا في البت فيها، وتستمر في القضية.

 

هل يحظى طلب جنوب أفريقيا بدعم دول أخرى؟

رحبت منظمة التعاون الإسلامي بطلب جنوب أفريقيا، وهي تضم 57 دولة العديد منها من البلدان الأفريقية وذات الأغلبية المسلمة مثل تركيا وماليزيا، واللتين أصدرتا أيضًا بيانات دعم منفصلة.

 

ما الأهمية التي ستكون لهذا الحكم؟

قرار المحكمة نهائي وغير قابل للاستئناف، إلا أنها لا تستطيع تنفيذ قراراتها، وليس من الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بها. لكن من شأن مثل هذا الحكم أن يضر بسمعة إسرائيل ويشكل سابقة قانونية.

____________________________________

قال الخبير القانوني العراقي الدكتور علي التميمي، إن المواثيق الدولية تقر حق تقرير المصير وحق الدفاع، وحتى حق المقاومة المسلحة، وفقًا لمبادئ القانون الدولي، والسوابق الدولية، والاتفاقيات الدولية بهذا الشأن.

أضاف التميمي، أنه ورد في المادة (1) من ميثاق الأمم المتحدة وقرار الأمم المتحدة رقم 545\6 لعام 1970 وهو أن يتمتع كل شعب باستقلاله التام وسيادته على أراضيه وأن يمارس بكل حرية، حقه في تقرير المصير، وهذا يعني أي عدوان على الشعوب وأراضيها واستقلالها هو انتهاك لحقها في تقرير المصير، ويعد عدوانًا على القانون الدولي وإنهاكًا للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

أوضح التميمي أن المادة (2) فقرة 4 من الميثاق باعتباره القانون الأعلى والأسمى أشار إلى إلزام جميع الدول والشعوب صغيرها وكبيرها، وأن مقاصد الأمم المتحدة بإنماء العلاقات بين الأمم والشعوب على أساس المساواة بين الجميع واحترام الحق في تقرير المصير.

أشار إلى أن كل عدوان على هذه المبادئ يعتبر تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وفقا للمادة 39 من الميثاق، والمادة 2، 4 والمادة 51، لافتًا إلى ضرورة أن تتخذ التدابير الفعالة والمشتركة ضد أي عدوان على الشعوب أو غزوًا بلدانها، وفقًا لأحكام الفصل السابع من الميثاق، وحق الشعب المعتدى عليه والمنتهكة حقوقه نتيجة الغزو أو الاحتلال في الدفاع عن النفس، سواء كان بشكل فردي أم جماعي.

 وقال التميمي إن مقاومة الشعوب المسلحة وغير المسلحة في مثل هذه الحالات للدفاع عن الأرض هو دفاع عن السلام والأمن الدوليين بسبب قانوني، وتتلاءم مع المبادئ والأهداف التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة.

وأكد أن أحكام القانون الدولي المعاصر تقرر حق كل الشعوب في النضال من أجل حقها في تقرير المصير، وتعترف بشرعية وقانونية مقاومة الاعتداء والغزو والاحتلال، بل وتقرر حق المقاومة المسلحة وغير المسلحة من قبل الشعوب المعتدى عليها، لأنها إحدى الدعائم والضمانات الأساسية لسيادة الحرية ومبدأ تقرير المصير.

نوه بأن قانونية المقاومة الوطنية وحرب التحرير من أجل السيادة وتقرير المصير تنطلق من مبدأ السيادة، وهي حقوق قائمة منذ مؤتمر بروكسل عام 1874، ومؤتمر لاهاي 1988، واتفاقيات لاهاي 1899 و1907، وبروتوكول جنيف 1925.

_____________

المصدر: سلمان إسماعيل، خبير قانوني: مقاومة الاحتلال حق مكفول في القانون والمعاهدات الدولية، جريدة الدستور المصرية، 20 أكتوبر 2023، https://2u.pw/C4cG2GF.

يختلف تصنيف نشاط منظمة ما أو حزب أو جماعة من دولة لأخرى ومن نظام سياسي لآخر وفقا لما تقتضيه مصلحة هذه الدولة أو ذاك النظام السياسي، ولكن في حقيقة الأمر هناك مجموعة من المعايير الدولية التي تحدد بشكل واضح إن كانت هذه المجموعة إرهابية أم لا، وفقا لما ينص عليه القانون الدولي.

من حيث المبدأ فإن القانون الدولي يدعم الشعوب ويدافع عنها للحصول على تقرير مصيرها، إن كان بوسائل سلمية أم غير سلمية، الحل الأول هو الأفضل بكل الأحوال ولكن في حال وجود معتدٍ أو محتل فإن القانون الدولي يتيح لأبناء الشعب المعتدى عليه استخدام الوسائل غير السلمية، بما فيها القوة المسلحة، حتى نيل كافة الحقوق والاستقلال.

ووفقًا لما ذكرناه نجد أن للشعب الفلسطيني الحق المطلق في تقرير مصيره واستخدام كافة الوسائل السلمية وغير السلمية لانتزاع هذا الحق، خاصة أن الاحتلال الاسرائيلي لا يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني ويرفض جميع الحلول السلمية أو حتى التفاوض مع ممثلي الشعب الفلسطيني. وتكمن المشكلة الأكبر في طريق تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية، فهذا المجتمع الذي عانت دوله ما عانته من حروب واحتلال يدعم القضية الفلسطينية ويعترف بحقوق الشعب الفلسطيني من جهة ويدين عمليات حركات المقاومة الشعبية الفلسطينية المسلحة من جهة أخرى، وهنا يأتي السؤال التالي: على أي أساس يتم تصنيف حركات المقاومة واعتبارها إرهابية أو لا؟ وهل يشرع القانون الدولي العام استخدام القوة المسلحة في وجه المعتدي على الأرض والشعب؟!

أولًا: يتم اعتبار مجموعة ما على أنها مقاومة شعبية إذا كان النشاط الذي تقوم به منشأه الشعب نفسه وأن يكون الدافع الأساسي لهذا الحراك هو دافع وطني، وأن يكون موجهًا ضد قوى أجنبية أو نظم عنصرية أو استعمارية، وهذا الأمر ينطبق على جميع فصائل المقاومة الفلسطينية.

ثانيًا: تحظر المواثيق والعهود الدولية ومبادئ القانون الدولي الحروب العدوانية وتنص على معاقبة مرتكبيها وملاحقتهم مهما طال الزمن وهكذا يحرم الميثاق الحروب العدوانية ولا يعترف بشرعية الاحتلال، هذا الكلام ينطبق بحذافيره على الاحتلال الإسرائيلي الذي يصادر حقوق الشعب الفلسطيني ويعتدي عليه في كل يوم أمام مرأى المجتمع الدولي دون أن يهتز له جفن.

ثالثًا: كما ذكرنا سابقًا فإن القانون الدولي يعتبر المقاومة بكافة أشكالها حقًا مشروعًا للشعب الواقع تحت الاحتلال، وأن سلاحها يحظى بشرعية قانونية ولا يمكن نزعه، على عكس ما يدّعيه كيان الاحتلال الذي يحاول جاهدا تجريم سلاح المقاومة ودفع المجتمع الدولي بكل الوسائل المتاحة لوضع حركات المقاومة الفلسطينية على قوائم الإرهاب، ويساعدها في هذا الأمر الولايات المتحدة الداعم الأساسي للكيان الإسرائيلي.

رابعًا: يمارس الكيان الإسرائيلي "إرهاب الدولة" بحق الشعب الفلسطيني وهذا الأمر يحظره القانون الدولي، وينص القانون الدولي على تجريم الإرهاب ويعترف بشرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. وميزت الأمم المتحدة بين الأعمال الإرهابية والنضال العادل للشعوب الذي تخوضه حركات المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية. وذلك في القرار الذي اتخذته في كانون الأول عام 1972. واتخذت المنظمة الدولية في كانون الأول العام 1974 القرار رقم 3214 حول تعريف العدوان، وأجاز التعريف حق الشعوب في النضال بجميع الأشكال بما فيها الكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، وبالتالي تكون الأمم المتحدة قد ميزت بين المقاومة والإرهاب. وأجازت مقاومة الشعوب للاحتلال أي أجازت المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

خامسًا: ظهور حركات المقاومة في جميع أرجاء العالم هو الرد الشرعي القانوني والوطني والقومي والديني والإنساني على أي محتل، والقاسم المشترك بين حركات المقاومة الأوروبية وحركات المقاومة العربية هو الاحتلال، والاحتلال هو ذروة الإرهاب. وتستند شرعية المقاومة الفلسطينية إلى عدم شرعية الكيان الإسرائيلي المغتصب للأرض والحقوق والمياه وإلى عدم شرعية الحروب العدوانية والتغييرات الجغرافية والديمغرافية التي نفذها في فلسطين والجولان خلافًا لقرارات الشرعية الدولية.

سادسًا: يقوم كيان الاحتلال باتهام حركات التحرر العربي وحركات المقاومة ونعتها بالإرهاب كما فعلت مع حزب الله وحماس وغيرها من حركات المقاومة العربية في محاولة لتخليد الاحتلال واغتصاب الأرض والحقوق والمقدسات العربية وتهويدها وتبرير الهولوكوست الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وكسر إرادة الشعبين الفلسطيني واللبناني، وساعد في هذا الأمر الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، والجميع يعلم كيف تتبع هذه الدول سياسة ازدواجية المعايير وفقا لمصالحها الشخصية.

في الختام، من يمارس "إرهاب الدولة" و"الارهاب الفردي" هو كيان الاحتلال، وهذا الكيان هو الوحيد الذي يجب أن تتم إدانته في جميع المحافل الدولية، وظهور حركات المقاومة في منطقتنا ما هو إلا رد فعل طبيعي على ممارسات الكيان الاسرائيلي بحق شعوب المنطقة، وما تفعله حركات المقاومة لا يتناقض بأي شكل من الأشكال مع قواعد القانون الدولي ومبادئ وأهداف الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية.

______________

جدلية المقاومة والإرهاب؛ والفرق بينهما وفق القانون الدولي، موقع الوقت، 14 سبتمبر 2017، https://2u.pw/4P6uKCJ.

وجدت منظمة العفو الدولية أدلة دامغة على أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب وانتهكت القانون الدولي الإنساني في حربها على قطاع غزة، وذلك في تقرير نشرته المنظمة وثّق هجمات إسرائيلية عشوائية غير قانونية على القطاع.

وقالت المنظمة إن إسرائيل لم تتخذ الاحتياطات الممكنة لتجنب قتل المدنيين في غزة، ولم تميّز بين الأهداف العسكرية والمدنيّة، ونفذت هجمات موجهة إلى أهداف مدنية، مما أدى إلى خسائر كبيرة بين المدنيين ومقتل عائلات بأكملها.

وأضافت المنظمة أن إسرائيل استهترت بشكل صادم بأرواح المدنيين، ودمرت البنية التحتية في القطاع، مؤكدة أنها لم تجد أدلة على ادعاء الجيش الإسرائيلي أنه يهاجم أهدافًا عسكرية فحسب.

وشددت منظمة العفو الدولية على أن إسرائيل مارست نظام فصل عنصريا ضد الفلسطينيين، وفرضت عقابًا جماعيًا وحصارًا غير قانوني على قطاع غزة، حوّله إلى أكبر سجن مفتوح في العالم.

ووصلت المنظمة إلى نتائجها عبر تحليل صور الأقمار الصناعية، والتحقق من صور ومقاطع الفيديو، والتحدث إلى شهود عيان للتحقيق في عمليات القصف على غزة التي بدأتها القوات الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية.

وطالبت المنظمة إسرائيل بالوقف الفوري لهجماتها غير القانونية والالتزام بالقانون الدولي، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع الذي يعاني من انهيار القطاع الصحي وانقطاع الكهرباء ونفاد الأغذية.

وحثّت المنظمة المجتمع الدولي وحلفاء إسرائيل، بمن فيهم أميركا والمملكة المتحدة، على اتخاذ التدابير الضرورية لحماية المدنيين في غزة من الهجمات غير القانونية، والامتناع عن تزويد إسرائيل بالأسلحة والمواد العسكرية.

كما طالبت المنظمة حلفاء إسرائيل بالامتناع عن إدلاء بتصريحات من شأنها إضفاء الشرعية على الانتهاكات الإسرائيلية، والضغط على إسرائيل لرفع حصارها غير القانوني المفروض منذ 16 عاما على القطاع.

وأوضحت منظمة العفو الدولية أنها لا تزال تحقق في عشرات الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة.

_________________

المصدر: العفو الدولية: إسرائيل انتهكت القانون الدولي وارتكبت جرائم حرب بغزة، الجزيرة نت، 20 أكتوبر 2023، https://2u.pw/nZLrECX.

خلُص التقرير الأوّل الصادر في 20 أكتوبر لسنة 2022؛ أمام الجمعية العامة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلّة التابعة للأمم المتحدّة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلّة، بما في ذلك القدس الشرقية، وإسرائيل (المشار إليها فيما يلي بـ"لجنة التحقيق")، إلى وجود أسباب معقولة تدعو للاستنتاج أن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية بات غير قانونيًا بموجب القانون الدولي نظرًا لاستمراره وسياسات الحكومة الإسرائيلية للضم بحكم الأمر الواقع.

وتدعو لجنة التحقيق المؤلّفة من ثلاثة أعضاء الجمعية العامة إلى إحالة طلبٍ عاجل إلى محكمة العدل الدولية لتقديم فتوى بشأن الآثار القانونية الناشئة عن استمرار إسرائيل برفضها لإنهاء احتلالها للأرض الفلسطينية المحتلّة، مشيرةً إلى انه بموجب القانون الدولي الإنساني، احتلال أرضٍ ما خلال الحرب هو وضع مؤقّت ولا يحرم السلطة الواقعة تحت الاحتلال من وضعها كدولة أو من سيادتها.

وصرّحت السيّدة نافي بيلاي، رئيسة لجنة التحقيق، قائلةً إن "التصريحات الأخيرة من قبل الأمين العام وعدد من الدول الأعضاء أوضحت أن أي محاولة لضم أراضي دولةٍ ما بشكلٍ أحادي الجانب من قبل دولة اخرى يعدّ انتهاكًا للقانون الدولي ويعتبر باطلًا ولاغٍ. والأسبوع الماضي، صوّتت 143 دولة عضو، بما في ذلك إسرائيل، دعمًا لقرار الجمعية العامة الذي يؤكّد على ذلك". وأضافت "إذا لم يطبّق هذا المبدأ الأساسي من ميثاق الأمم المتحدّة بشكل عالمي، بما في ذلك على الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلّة، سيصبح لا معنى له".

وللوصول إلى نتائجها، نظرت لجنة التحقيق في سياسات وإجراءات الحكومة الإسرائيلية للإبقاء على الاحتلال وضمّ أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلّة. استند استعراض لجنة التحقيق إلى المقابلات مع الخبراء وأصحاب المصلحة والمعلومات التي حصلت عليها عقب الدعوة لتقديم المعلومات والإفادات الخطيّة التي أطلقتها في 22 أيلول/سبتمبر 2021.

يركّز التقرير المؤلّف من 28 صفحة على تعزيز المشروع الاستيطاني وتوسّعه، بما في ذلك البيانات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون يشيرون فيها إلى النيّة على استمرار السيطرة الدائمة على الأرض، بما ينتهك القانون الدولي. واستنتجت لجنة التحقيق أنه تقع على إسرائيل، إثر استمرارها باحتلال الأرض بمفعول القوّة، مسؤوليّات دولية ولا تزال مسؤولة عن انتهاك حقوق الفلسطينيين فرادةً وجماعةً.

وأردفت السيّدة بيلاي قائلةً "نتيجة تجاهل القانون الدولي في إنشاء المستوطنات أو تسهيل إنشائها، ونقل المدنيين الإسرائيليين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر إلى هذه المستوطنات، مهّدت الحكومات الإسرائيلية المتتالية لوقائع على الأرض لضمان السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفّة الغربية".

وبغية إعداد هذا التقرير، راجعت لجنة التحقيق تدابير إسرائيل لمصادرة الأراضي والموارد الطبيعية واستغلالها، وسياسات إسرائيل التقييدية للتخطيط الحضري وتقسيم الأراضي في الضفّة الغربية. وتشير إلى أن غالبًا ما تتم مصادرة الأراضي لأغراضٍ عسكرية وبعدها تستخدم لبناء المستوطنات. ونظرت لجنة التحقيق في تصريحات أدلى بها مسؤولون إسرائيليون يشيرون بها إلى أن الأبنية الفلسطينية تشكّل عائقًا أمام المستوطنات الإسرائيلية وتتطلّب اتخاذ إجراءات كالمصادرة والهدم والتهجير. ولاحظت لجنة التحقيق أيضًا عمليات مماثلة في القدس الشرقية حيث ساهمت أنظمة التخطيط وتقسيم الأراضي التقييدية، التي أعاقت السكن اللائق والبنى التحتية وسبل العيش، في تقليص الحيّز المخصص للفلسطينيين.

بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية التي أدّت إلى آثارٍ خطيرة ومتعددة الأوجه على كل جوانب حياة الفلسطينيين، بما في ذلك الوصول إلى المياه النظيفة وبأسعارٍ ميسورة، ما أثّر بدوره على القطاع الزراعي الفلسطيني بأكمله وحدّ من فرص سبل العيش مرخية بظلّها على النساء أكثر من غيرهنّ.

وصرّح عضو لجنة التحقيق، السيّد كوثاري قائلًا "يظهر (الضرر الكامن) والصدمة النفسية بقوّة، وقد لا يبدو الأمر واضحًا على الفور، نتيجة الانتقاص من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. تؤدّي هذه العمليات المنهكة إلى آثارٍ جسيمة قصيرة وطويلة الأمد ويجب معالجتها على وجه السرعة".

وخصّصت لجنة التحقيق قسمًا كبيرًا من تقريرها لمراجعة تأثير سياسات الاحتلال الإسرائيلي والضم بحكم الأمر الواقع على حقوق الفلسطينيين، منوّهةً بالبيئة القسرية الرامية إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة منازلهم وتغيير التركيبة الديموغرافية لبعض المناطق. ولهذا الغرض، نظرت لجنة التحقيق في هدم المنازل وتدمير الممتلكات والاستخدام المفرط للقوّة من قبل قوى الأمن والاعتقالات الجماعية والعنف من قبل المستوطنين والقيود على الحركة والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرزاق والخدمات والضرورات الأساسية والمساعدة الإنسانية.

وشدّدت لجنة التحقيق على أن استمرار البيئة القسرية هذه شتّت المجتمع الفلسطيني وضمن عدم قدرة الفلسطينيين على ممارسة حقّهم بتقرير المصير، من جُملة حقوقٍ أخرى. ولحظت لجنة التحقيق أيضًا الآثار الجسيمة للحصار المفروض على قطاع غزّة جوًا وبرًّا وبحرًا على حقوق إنسان الفلسطينيين.

ويظهر التقرير التأثير الضار على الأطفال خصوصًا الذين يشهدون على الوجود العسكري المستمر والاعتقال والاحتجاز والهجمات المتكرّرة وأعمال العنف والقيود على الحركة وهدم المنازل وتدمير البنى التحتية والممتلكات. وشدّدت لجنة التحقيق على أن الآثار التراكمية لممارسات الاحتلال، بما في ذلك القيود على الحركة، كان لها تأثير تمييزي واسع النطاق على الفلسطينيات، مشيرةً إلى أنّهن يخضعن للعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال حياتهن اليومية.

واستنتج التقرير أن بعض سياسات وإجراءات الحكومة الإسرائيلية المفضية إلى استمرار الاحتلال والضم بحكم الأمر الواقع قد تشكّل عناصر من جرائم بموجب القانون الجنائي الدولي، بما في ذلك جريمة الحرب المتمثّلة بنقل، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزء من سكّانها المدنيين إلى أراضٍ تحتلّها، والجريمة ضد الإنسانية المتمثّلة بالترحيل أو النقل القسري.

وصرّح عضو لجنة التحقيق، السيّد كريس سيدوتي قائلًا "إن إجراءات الحكومة الإسرائيلية التي نظرنا بها في تقريرنا تشكّل منظومة احتلال وضم غير شرعية ويجب معالجتها". وأضاف "على النظام الدولي والدول أن تتحرّك وتفي بالتزاماتها بموجب القانون الدولي. ويجب أن يبدأ ذلك بالدورة الحالية للجمعية العامة وإحالة الوضع إلى محكمة العدل الدولية".

___________________
لجنة تحقيق أممية تستنتج أن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني بموجب القانون الدولي، المفوضية السامية لحقوق الاسان بالأمم المتحدة، 20 أكتوبر 2022، https://2u.pw/fWnful.

عُقدت يوم الأحد الموافق 22 أكتوبر 2023م ندوة بعنوان «النزاع الحالي في غزة... حول الأبعاد القانونية والسياسية والإنسانية لكل الأطراف المتنازعة» نظمتها كلية الحقوق بجامعة الكويت على مسرح عبدالله الجابر بالشويخ.

وأجمع المشاركون في هذه الندوة على أن ما يحدث بفلسطين إبادة جماعية وجريمة مكتملة الأركان يعاقب القانون الدولي من نفذها ومن أمر بها وساعد وسكت عنها.

وقال أستاذ العلوم السياسية بالجامعة د. عبدالله الشايجي، إن ما حدث في غزة خلال الـ 16 يومًا الماضية هز ضمير العالم كله، وأثبت ازدواجية المعايير وتكريس سردية كاذبة، موضحًا أنه «خلال القصف على غزة لم نسمع أحدًا من الرؤساء بأمريكا وأوروبا يندد بكلمة الاحتلال أو يطالب بوقف اطلاق النار، وهو لب الموضوع وما نشهده اليوم».

وأكد أيضًا على أن ما قامت به إسرائيل يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان في كل دقيقة، وأضاف الشايجي أن القانون الدولي وجميع الشرائع تعطي الحق لمن احتلت أرضه أن يقاوم المحتل، مؤكدًا أن ما قامت به غزة هو دفاع عن أرضها، فهناك أكثر من 5 آلاف سجين فلسطيني في السجون الإسرائيلية دون أي محاكمة.

ومن جانبه قال أستاذ القانون الدولي بالجامعة د.عيسى العنزي، «إن ما قامت به إسرائيل جريمة موثقة في انتهاك القانون، وما يحدث اليوم في غزة يُعد إبادة جماعية يحاسب القانون الدولي كل من نفذها وأمر بها وشارك فيها وهي لا تسقط بالتقادم».

 

وأكد أن مجلس الأمن فاشل حاليًا في ظل وجود «الفيتو» الذي استغل بشكل خاطئ عما شُرع لأجله، وتم استغلاله لمصالح شخصية، داعيا الدول إلى الاعتراض على حق «الفيتو» للدول التي تتمتع به، وطلب تفسيره في وضعه الحالي عن طريق محكمة العدل الدولية.

من جانبها، دعت عضوة الجمعية الثقافية النسائية الكويتية د. منال الديحاني إلى الضغط في جميع الوسائل الإعلامية والمدنية والنقابات لإيصال صوت الشعب الفلسطيني، وبينت الديحاني «أن العدوان العسكري المتكرر يسمح لنا أن نرفع القضايا الدولية على مرتكبي جرائم الحرب»، مؤكدة أن «الإعلام الغربي مسيس بطريقة عنصرية للتأثير على المجتمع في الداخل والخارج ولابد من التصدي له، وفك هذه السلبية».

وأكد السفير المصري لدى الكويت أسامة شلتوت أن المعبر مع غزة لم يغلق يومًا من الجانب المصري، وتم إدخال المساعدات الإنسانية في المرحلة الأولى لأكثر من 20 حافلة مساعدات، ووصلت إلى وسط المعبر بالتعاون مع الأمم المتحدة التي تقوم بدورها بإيصالها إلى الجانب الآخر، مثمنًا دعم القيادة في الكويت المتواصل للشعب الفلسطيني وتيسير جسر جوي عبر مطار العريش وصولاً إلى معبر رفح.

وعبر شلتوت عن استنكاره لما تقوم به إسرائيل منذ بدء الأحداث في غزة من منع المساعدات وقطع الكهرباء والماء، والتي تُعد عقوبات جماعية وفق القوانين الدولية والإنسانية، مشيرًا إلى أنه كانت هناك دعوة من مصر لقمة السلام لإحياء القضية الفلسطينية وهي قضية مصر الأولى وكان هناك تحيز واضح من جانب بعض الدول الغربية إلى إسرائيل وكان هناك إجماع عربي.

وأكد شلتوت أن جهود مصر التي تبذل هي لوضع حل للقضية الفلسطينية، والتي لن تحل إلا بإنشاء دولة فلسطين في اطار حدودها الشرعية وفقًا لقرارات الأمم المتحدة وعاصمتها القدس الشرقية.


*  نقلاً عن موقعي: جريدة السياسة الكويتية، وجريدة الجريدة الكويتية، بتاريخ 23 أكتوبر 2023م.

 

يرجع ابتكار مُصطلح "القانون الدولي الإنساني" (International Humanitarian Law)[1] إلى الفقيه القانوني والقاضي والدبلوماسي المعروف ماكس هوبر (Max Huber)، والذي شغل كذلك منصب رئاسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعدة سنوات. ولم يلبث هذا المُصطلح أن ظهر حتى تم تبنيه من قبل العديد من الفُقهاء، ويكاد يكون اليوم مُصطلحًا رسميًا على الصعيد الدولي[2].

وقبل الاستقرار على مصطلح "القانون الدولي الإنساني"، فقد مر بالعديد من المسميات مثل "قانون الحرب"، "القانون الإنساني"، القواعد القانونية المُطبقة أثناء النزاع المُسلح"، "قانون النزاعات المُسلَّحة"[3]، قانون حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة أو قانون سير العمليات القتالية[4]، ولكن اسم " القانون الدولي الإنساني" هو الأكثر ذيوعًا وشهرةً الآن[5].

ونرى أن تسمية هذا القانون بالقانون الدولي الإنساني تُظهر الغاية الرئيسية أو الطابع الإنساني لهذا القانون، وهي التخفيف من المعاناة الإنسانية الناجمة عن ويلات الحروب[6]، كما أن هذه التسمية هي المعتمدة لدى المنظمات الدولية المعنية بتطبيقه، ومنها -في المقام الأول- اللجنة الدولية للصليب الأحمر[7]. ويذهب البعض إلى تفضيل استخدام تعبير القانون الإنساني الدولي، بدلاً من القانون الدولي الإنساني[8]، وذلك لقناعته بأن إنسانية الإنسان سابقة على دوليته، ويُدلل على ذلك بأن الترجمة العربية للمُصطلح الإنجليزي (International Humanitarian Law)، تعني القانون الإنساني الدولي[9].

ولقد اختلف الفقه في تحديد المقصود بمصطلح القانون الدولي الإنساني[10]، فلا يوجد حتى الآن تعريف واحد لهذا المصطلح، نظرًا للتطورات السريعة التي يمر بها، فأصبح هناك حالة من الغموض، أدت إلى حدوث خلط بين بعض التعريفات أو المفاهيم[11].

ولكن على أية حال فقد عرفه البعض بأنه: "مجموعة المبادئ والقواعد المُتَّفق عليها دوليًا، والتي تهدف إلى الحد من استخدام العنف في وقت النزاعات المُسلَّحة عن طريق حماية الأفراد المُشتركين في العمليات الحربية، أو الذين توقفوا عن المُشاركة فيها، والجرحى والأسرى والمدنيين، وكذلك عن طريق جعل العنف في المعارك العسكرية مُقتصرًا على تلك الأعمال الضرورية لتحقيق الهدف العسكري"[12].

وقد عرفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر اصطلاح القانون الدولي الإنساني بأنه: "مجموعة القواعد الدولية المستمدة من الاتفاقيات أو الأعرف الرامية على وجه التحديد إلى حل المشكلات الإنسانية الناشئة بصورة مباشرة من المنازعات المسلحة الدولية وغير الدولية، والتي تقيد لأسباب إنسانية، حق أطراف النزاع في استخدام طرق وأساليب الحرب التي تروق لها أو تحمي الأعيان والأشخاص الذين تضرروا أو قد يتضررون بسبب المنازعات المسلحة"[13].

ويمكن تعريف القانون الدولي الإنساني بأنه: "ذلك الفرع من فروع القانون الدولي العام الذي يشتمل على مجموعة القواعد القانونية الدولية اتفاقية أو عرفية التي تنظم العلاقة بين أطراف النزاع المسلح الدولي وغير ذات الطابع الدولي أو بينها وبين الأطراف المحايدة، بهدف تقييد حق أطراف النزاع في اختيار أساليب، ووسائل القتال، وكذلك حماية الأشخاص، والأموال حال تلك المنازعات المسلحة، للمحافظة على حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية وكرامته الإنسانية"[14].

ونرى أن هذا التعريف هو التعريف الأمثل للقانون الدولي الإنساني؛ لأنه يحتوي إلى حد ما على العناصر الأساسية المحددة للنطاق الزمني والشخصي والمادي للقانون الدولي الإنساني؛ فمن حيث النطاق الزمني نجد أنه يطبق على النزاعات المسلحة الدولية أو غير ذات الطابع الدولي؛ ومن حيث النطاق الشخصي فهو قانون ذو طابع إنساني يهدف إلى مراعاة الاعتبارات الإنسانية وتغليبها على الضرورات العسكرية، ومن حيث النطاق المادي أو الموضوعي للقانون الدولي الإنساني، فإن جوهر هذا القانون وغايته هو توفير الحماية القانونية للفئات غير المشاركة بصورة مباشرة في العمل العسكري[15].

وعرف الفقهاء المعاصرين القانون الدولي الإنساني في الإسلام بأنه: "مجموعة القواعد الشرعية الهادفة إلى حماية الإنسان والحفاظ على حقوقه وقت النزاع المسلح"[16].

ومن التعريف السابق للقانون الدولي الإنساني في الإسلام يمكن استخلاص أمرين بارزين في هذا القانون، هما أن الحرب يجب أن تقتصر على الضرورة فقط كمًا وكيفًا، وأن ما يقع فيها يجب أن يكون إنسانيًا؛ أي محترمًا لإنسانية أطرافها، وهاتان قاعدتان إسلاميتان؛ أما الأولى فقاعدة الضرورة، وإن من المقرر في الشريعة أن الضرورة تقدر بقدرها، وما دامت الحرب ضرورة فإنه لا يجوز بحال تجاوز هذه الضرورة، وأي تجاوز هو تعدِ واعتداء على الطرف الآخر[17].

وأما القاعدة الإنسانية فإن الأصل تكريم الإنسان قال تعالى ]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[[18]، وحرم ظلمه ]وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا[[19]، وهذا وعيد لكل ظالم، فيشمل ظلم الإنسان للإنسان أثناء القتال، وتبعًا لهذه القاعدة دعا الإسلام إلى خوض المعارك بروح إنسانية[20]، فلا يقدم المسلم على القتل إلا لسبب شرعي ] وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[[21]، وإذا تحقق السبب الشرعي وجب أن يتم القتل ضمن أفضل الطرق إنسانية[22].

وتأسيسًا على ما سبق يمكن القول بأن الإسلام عرف معظم القواعد والمبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني[23]، ومن أمثلة هذه المبادئ مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين، وأوجب حماية غير المقاتلين، كما عرف التفرقة بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية وأوجب حماية الأهداف المدنية، ويظهر ذلك جليًا من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جيش أرسله، حيث يقول لجنوده "انطلقوا بسم الله، وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله في سبيل الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا"[24]، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: "انطلق إلى خالد، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ألا تقتل ذرية ولا عسيفًا[25]، كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في معركة بدر أن يكرموا الأسرى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغذاء رغم حاجتهم إلى الطعام، حتى نزل قول الله تعالى[26]: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[27]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا "غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك"[28]، كما أوصى صلى الله عليه وسلم بعدم قتل الرهبان، وعدم هدم المنازل[29]، وقد سار الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ذات الاتجاه الإنساني[30]؛ إذ أوصى قائد الجيش يزيد بن أبي سفيان قائلاً: " إني موصيك بعشر فاحفظهن، إنك ستلقى أقوامًا زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا له، وقال: وستلقى أقوامًا قد حلقوا أوساط رؤوسهم فأفلقوها بالسيف[31]، قال ولا تقتلن مولودًا[32]، قال ولا امرأة ، قال ولا شيخًا كبيرًا، قال ولا تعقرن شجرًا بدا ثمره ولا تحرقن نخلاً ولا تقطعن كرمًا، قال ولا تذبحن بقرة ولا شاة، ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا لأكل"[33].

وكان عمر بن الخطاب يقول لجنده: "بسم الله وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، ولكم النصر بلزوم الحرب والصبر، قاتلوا ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجنبوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الفرسان، وعند زحمة النبضات، وفي شن الغارات، وتزهوا الجهاد عن عرض الدنيا"[34].


[1] للمزيد من التفاصيل حول مصطلح القانون الدولي الإنساني انظر: د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مركز الدراسات العربية، القاهرة، 2022م، ص77-96.

[2] د. زيدان مريبوط، مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، المُجلَّد الثاني لحقوق الإنسان، دار العلم للملايين، بيروت، 1988م، ص100.

[3] د. أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني في القانون الدولي وفى الشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006م، ط1، ص3.

[4] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص77.

[5] د. أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني في القانون الدولي وفى الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص3.

[6] انظر: د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، حماية اللاجئين في فترات النزاعات المسلحة "دراسة نظرية تطبيقية"، مركز الدراسات العربية، القاهرة، 2022م، ص122.

[7] انظر: د. مفتاح عمر درباش، تطور مركز الفرد في القانون الدولي الإنساني، بدون ناشر، 2014م، ص33.

[8] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص78.

[9] هشام محمد بشير محمد الصادق، حماية البيئة في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني "دراسة نظرية مع التطبيق على حالتي العراق ولبنان"، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2010م، ص56.

[10] للمزيد من التفصيل حول تعريف القانون الدولي الإنساني انظر: د. محمود شريف بسيوني، القانون الدولي الإنساني "مؤلف جماعي"، تقديم: د. أحمد فتحي سرور، دار المستقبل العربي، القاهرة، 2003م، ص83؛ هشام محمد بشير محمد الصادق، حماية البيئة في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني "دراسة نظرية مع التطبيق على حالتي العراق ولبنان"، مرجع سابق، ص56-61؛ د. أحمد أبو الوفا، النظرية العامة للقانون الدولي الإنساني في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص3؛ د. فيصل شطناوي، حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، دار الحامد، عمان، 2001م، ص190؛ د. جميل محمد حسين، المقدمة في القانون الإنساني الدولي، كلية الحقوق، جامعة بنها، 2010م، ص3 وما بعدها؛ د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص77-96.

وباللغة الإنجليزية راجع:

  • Jean Pictet, The Principles of International Humanitarian Law, International Committee of Red Cross, Geneva, 1975, P2.
  • Vincent Chetail, The Contribution of The International Court of Justice To International Humanitarian Law, International Review of The Red Cross, Vol. 85, 2003.

[11] انظر: د. محمد سعد صالح، دروس في القانون الدولي الإنساني، بدون ناشر، 2013م، ص10.

[12] د. محمد نور فرحات، القانون الدولي الإنساني لحقوق الإنسان "جوانب الوحدة والتمييز"، بحث مُقدَم إلى المؤتمر الإقليمي العربي بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقيات جنيف للقانون الدولي الإنساني 1949-1999م، القاهرة في الفترة ما بين 14-16 نوفمبر 1999م، ص1؛ نزار أيوب، القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، سلسلة دراسات قانونية، رام الله، فلسطين، 2006م، ص6.

[13] ورد هذا التعريف في: د. عبد الغني محمود، القانون الدولي الإنساني، دار النهضة العربية، القاهرة، 1991م، ط1، ص9؛ المجلة الدولية للصليب الأحمر، مقال بعنوان: "إجراءات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حالات انتهاك القانون الدولي الإنساني"، ع: 728، أبريل 1981م، ص79.

[14] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص84.

[15] للمزيد من التفصيل عن العناصر التي يحتوي عليه مفهوم القانون الدولي الإنساني انظر: د. مفتاح عمر درباش، تطور مركز الفرد في القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص37-38؛ د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص84.

[16] انظر: د. زيد بن عبد الكريم الزيد، مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام،  اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 1425ه، ص25.

[17] المرجع السابق، ص25-26.

[18] سورة الإسراء، الآية رقم ۷۰.

[19] سورة الفرقان الآية رقم ۱۹.

[20] انظر: إحسان الهندي، الإسلام والقانون الدولي، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، سوريا، ۱۹۸۹م، ط1، ص۱۳۷.

[21] سورة الأنعام، الآية رقم ١٥١.

[22] د. زيد بن عبد الكريم الزيد، مقدمة في القانون الدولي الإنساني في الإسلام، مرجع سابق، ص26.

[23] المرجع السابق، ص104-106.

[24] عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المصنف, كتاب الجهاد، ج: 7، دار الفكر، 1414هـ/ 1994م، ص654.

[25] أحمد بن علي محمد الكناني العسقلاني، التلخيص الحبير، ج: 4، كتاب السير "باب كيفية الجهاد"، مؤسسة قرطبة، 1416هـ/ 1995م، ط1، ص193.

[26] د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص104-105.

[27] الآية 8-9 من سورة الإنسان.

[28] انظر: محمد بن مصلح الدين مصطفى القوجوي الحنفي المتوفي سنة 951هـ، حاشية محي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي المتوفي سنة 685هـ، ج8، ضبطه وصححه وخرج آياته: محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1419هـ/ 1999م، ط1، ص436؛ العلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري 467-538هـ، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج6، تحقيق وتعليق ودراسة: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض ود. فتحي عبد الرحمن أحمد حجازي، مكتبة العبيكان، الرياض، 1418هـ/ 1998م، ط1، ص277.

[29] N. M. Wasfi, The Great Battales of Islam, AL- Azhar Magazine,Vol. 69, Part. II, Safar 1417 H/ June-July 1996, P.297.

[30] جمعة شحود شباط، حماية المدنيين والأعيان المدنية وقت الحرب، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، القاهرة، 1424هـ/ 2003م ، ص83-84.

[31] المراد الشمامسة، فمنهم أئمة الكفر إذ يحثون الناس على القتال.

[32] المراد هو الصبي، لأن ما من أحد إلا وهو مولود.

[33] انظر: محمد بن أحمد السرخسي، شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد، ج1، معهد المخطوطات، جامعة الدول العربية، 1971م، ص40-44.

[34] انظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ت276هـ/889م، عيون الأخبار، ج1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418هـ، ط1، ص185؛ أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين ت399هـ/ 1008م، قدوة الغازي، دراسة: عائشة السليماني, دار الغرب الإسلامي, بيروت, لبنان، 1989م، ص166.

مشار إليه في: د. إبراهيم عبد ربه إبراهيم، القانون الدولي للاجئين وعلاقته بالقانون الدولي الإنساني "دراسة مقارنة"، مرجع سابق، ص105-106.

 لقد شهدت البشرية –ولا تزال- العديد من الجرائم الدولية التي يرتكبها البشر، سواء أكان ذلك في وقت السلم أم في وقت النزاعات المسلحة، وتأتي "جرائم إبادة الجنس البشري" على قمة الجرائم من حيث الخطورة والنتائج الوخيمة[1].

ويطلق على جرائم إبادة الجنس البشري اسم "جرائم الإبادة الجماعية"، وفي الحقيقة ما هي إلا تسميات مختلفة لمسمى واحد[2]، ويُذكر أن مصطلح "إبادة الأجناس" (Genocide)[3] مشتق من الكلمة اللاتينية (Genus)، وتعني الجماعة، ومن الكلمة اللاتينية (Cide)، ومعناها يقتل، ونتاجًا لذلك يعني المصطلح قتل أو تدمير الجماعة[4]، ويرجع الفضل في تسميتها بهذا الاسم إلى محامي يهودي بولندي "رفائيل ليمكين" الذي عمل مستشارًا للولايات المتحدة الأمريكية لشؤون الحرب في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أبيدت أسرته التي وقعت في الأسر من قبل النازيين[5].

وأكدت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في قرارها رقم 96 في 11 ديسمبر 1946م، على أن جريمة الإبادة الجماعية هي جريمة دولية، يستهجنها المجتمع المتحضر، ويجب معاقبة مرتكبيها سواء كانوا فاعلين أصليين أم شركاء وبصرف النظر عن صفتهم حكامًا أم أفرادًا عاديين، وسواء قاموا بارتكابها على أسس تتعلق بالدين أم بالسياسة أم بالجنس[6].

وتوصف جريمة الإبادة الجماعية Genocide Crime بأنها أشد الجرائم الدولية جسامة وبأنها جريمة الجرائم[7]، فهي تمس أغلى ما يمتلكه الإنسان وهو الحق في الحياة، ولذا فقد صدرت العديد من القرارات الدولية التي تجرم أفعال الإبادة الجماعية منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة[8]، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى حقيقة مهمة مفادها أن الصراعات الدولية والإقليمية لم تخلو من تجاوزات تضمنت أمثلة صارخة على اقتراف هذه الجريمة، ومن أمثلة هذه النزاعات المسلحة تلك التي حدثت في أمريكا إبادة الهنود الحمر، وفي البلقان في البوسنة وكوسوفو تحددًا، وفي رواندا[9].

وتعرف الإبادة الجماعية بأنها "التدمير المتعمد سواء الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو عنصرية أو عرقية أو دينية"[10]، وعرفتها المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية "بأنها أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه؛ إهلاكًا كليًا أو جزئيًا[11]:

  • قتل أفراد الجماعة.
  • إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.
  • إخضاع الجماعة عمدًا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليًا أو جزئيًا.
  • فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
  • نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخري[12].

ويظهر من خلال استعراض هذا الّنص، وفي ضوء الخلفية التاريخية لهذه الجريمة، لا سيما الجرائم المرتكبة في "البوسنة" و "الهرسك" ضد المسلمين[13]، أن هذه الجريمة يمكن أن ترتكب في وقت الحرب والسلم، وبذلك عدّ النظام الأساسي للمحكمة الأعمال التي ترمي إلى إبادة الجنس البشري، جريمة دولية توجب معاقبة مرتكبيها بغض النظر عن زمن ارتكابها[14].

ووفق نظام المحكمة الجنائية تتميز هذه الجريمة بأنها ذات طبيعة دولية؛ والطبيعة الدولية لهذه الجريمة لا تعنى بالضرورة ارتكابها من مواطني دولة ضد دولة أخرى، ولكن قد تقع داخل الدولة الواحدة شرط أن تتحقق في أفعالها طبيعة الركن المادي لأفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية ونظام المحكمة الجنائية الدولية[15]، كما أن المسئولية المترتبة عليها هي مسئولية مزدوجة تقع تبعتها على الدولة من جهة، وعلى الأشخاص الطبيعيين مرتكبي الجريمة من جهة أخرى[16].

وعن موقف الشريعة الإسلامية نجد أنها حرمت أي فعل من أفعال جريمة الإبادة الجماعية، ولعل ذلك واضحًا في التصوير القرآني لجريمة الإبادة الجماعية؛ حيث قدم مثالًا واضحًا عن هذه الجريمة، وهي جريمة أصحاب الأخدود، والتي تم ذكرها في سورة البروج؛ حيث توعد الله سبحانه وتعالى القائمين على هذه الجريمة، بقوله جل وعلا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [سورة البروج: الآية 10] [17].

ويشير القرآن الكريم أيضًا إلى حقيقة اجتماعية تربوية مهمة، وهي أن قتل أي إنسان، إن لم يكن قصاصًا لقتل إنسان آخر، أو لم يكن بسبب جريمة الإفساد في الأرض، فهو بمثابة قتل الجنس البشري بأجمعه، كما أن إنقاذ إنسان من الموت يعد بمثابة إنقاذ للإنسانية كلها من الفناء، ووردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تحرم القتل، وإبادة الجنس البشري، وكذلك أجمع فقهاء المسلمين على حرمة إهلاك النسل والحرث[18].

فقواعد وأحكام الشريعة الإسلامية ترفض رفضًا قاطعًا قتل أي إنسان دون وجه حق، ومن ثم فهي لا تقر بجريمة إبادة الجنس البشري، وتنظر إلى المدنيين أي غير المقاتلين بعين الرأفة والرحمة.


 [1] انظر: أيمن عبد العزيز محمد سلامة، المسئولية الدولية عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، 1426هــ/ 2005م، ص1.

[2] انظر: نوزاد أحمد ياسين الشواني، الاختصاص القضائي في جريمة الإبادة الجماعية، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2012م، ط1، ص34؛ نبيل أحمد حلمي، جريمة إبادة الجنس البشري في القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، بدون سنة نشر، ط1، ص17.

[3] Webster Comprehensive Dictionary, International Edition, 1977, P.527.

[4] أيمن عبد العزيز محمد سلامة، المسئولية الدولية عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، مرجع سابق، ص21..

[5] انظر: ناظر أحمد منديل، جريمة إبادة الجنس البشري، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 2000م، ص3.

[6] انظر: محمد منصور الصاوي، أحكام القانون الدولي المتعلقة بمكافحة الجرائم ذات الطبيعة الدولية، دار المطبوعات الجامعية، مصر، 1984م، ص235.

[7] نسرين عبد الحميد نبيه، الجرائم الدولية والانتربول، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2011م، ص64.

[8] انظر: إبراهيم عبد ربه إبراهيم علي، مدى فعالية دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم الإرهاب الدولي، مجلة الدراسات الفقهية والقانونية، المعهد العالي للقضاء، سلطنة عُمان، ع: 1، يناير 2019م، ص97.

[9] انظر: د. عبد الفتاح بيومي حجازي، المحكمة الجنائية الدولية "دراسة متخصصة في القانون الجنائي الدولي"، دار الفكر الجامعي، جمهورية مصر العربية، 2004م، ص313-314.

[10] راجع نص المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية.

[11] نص المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

[12] إبراهيم عبدربه إبراهيم علي، مدى فعالية دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم الإرهاب الدولي، مرجع سابق، ص98.

[13] للمزيد من التفاصيل حول الجرائم المرتكبة في البوسنة والهرسك ومتابعة المسئولين عنها راجع: حسام على عبد الخالق الشيخة "المسئولية والعقاب على جرائم الحرب"، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2004م، ص489 وما بعدها.

[14] علي يوسف الشكري، القضاء الجنائي الدولي في عالم متغير، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2011م، ص138.

[15] عبد الفتاح بيومي حجازي، قواعد أساسية في نظام محكمة الجزاء الدولية، دار الكتب القانونية، 2008، ص31.

[16] عبد الواحد الفار، أسرى الحرب، عالم الكتب، القاهرة، 1975م، ص208؛ إبراهيم عبدربه إبراهيم علي، مدى فعالية دور المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة جرائم الإرهاب الدولي، مرجع سابق، ص98.

[17] انظر: عبد المهدي جاسم محمد الخفاجي، الانحراف عن أحكام وقواعد الحرب في الشريعة الإسلامية "الإبادة الجماعية أنموذجًا"، رسالة ماجستير، كلية العلوم الإسلامية، جامعة كربلاء، العراق، 1437هــ/ 2016م،  ص128-133.

[18] المرجع السابق، ص132.

 

أجري الدكتور “عبد الرزاق بلعقروز” رئيس تحرير مجلة “نماء” حوارًا مع الأستاذ الدكتور وائل حلاق… حول منهجه في النظر الفكري ومنظومة مفاهيمه، وأبعاد مشروعه الأبستمولوجية والأخلاقية، وذلك ضمن أعمال “دورية نماء” بالعددين 6 و7، ربيع وصيف 2018م.

ودار الحوار حول نقاط أساسية، منها:

  • تعدد المفهومية والشخصيات والمناهج في نصوص “وائل حلاق” عبر كتبه.
  • بناء التراث الإسلامي من خلال منهج وطريقة جديدة له، وفهم مقولة الشريعة.
  • القيم الأخلاقية في الفكر العربي وتقييم “وائل حلاق” للجهود التي تسائل الأخلاق.

وكان من أهم الأسئلة التي طرحها المحاور على د. وائل حلاق:

  • طبيعة التكوين المعرفي الذي ميز د. وائل حلاق بالتعددية سواء كانت مفهومية أم شخصية أم منهجية، وحقيقة التشابكات المعرفية (مفهومية ومنهجية) التي تطبع نصوصه ومؤلفاته؟
  • مدي صدقية أن الغرض من نصوصه هو إعادة بناء منهج جديد في التراث الإسلامي، من خلال إعادة بناء وفهم مقولة الشريعة، وما هي الدعامات المنهجية التي يمكن الارتكاز عليها لأجل فهم التراث في سياق منهجيات سائدة تسلك المسلك الاستشراقي في هذا الأمر؟
  • مدي مناسبة القول بأن مقالاته التي تنحو المنحى الأخلاقي، أو تراهن على مركزية “النطاق المركزي الأخلاقي” لصلاح حال الإنسان، هي انعكاس لعودة السؤال الأخلاقي في الفكر الإنساني المعاصر؟  

وننشر نص الحوار كاملًا على الوجه الآتي:

نماء: الناظر في نصوص وائل حلاق عبر كتبه، يرى بأن ثمة تعددية مفهومية مثل: النموذج والنّطاق المركزي والنظام المعرفي وأيضًا تعددية منهجية مثل: الفيلولوجيا والجينيالوجيا… فضلًا عن تعددية الشخصيات المفهومية: كارل شميث، وجورجيو أغامبين وطه عبد الرحمن، ما هي طبيعة التكوين المعرفي الذي ميزكم بهذه التعددية وحقيقة التشابكات المعرفية (مفهومية ومنهجية) التي تطبع نصوصكم؟

وائل حلاق: بشكل عام، أجد أنه من الصعب جدًا الإجابة على هذا النوع من الأسئلة. هذا لأن التكوين الفكري لا يكون أبدًا شيئًا متعمدًا أو مقصودًا. ولا يسبق مستويات وعي المرء بقيمته الذاتية. فالباحثون والمثقفون يختارون المنهجيات والنظريات التي تناسب أفكارهم أثناء تطويرها. ولذا فإن توصيف التكوين الفكري للفرد هو بالضرورة مسألة تتعلق بما بعد الحدث (بُعد ميتافيزيقي)، وتحليلٌ بعد الفعل. وبالتالي فإن النظر إلى عمل المرء نفسه، بمعنى ما، يبدو مثل النظر إلى عمل الآخرين. وعلى هذا النحو، فربما يمكن الإجابة على هذا السؤال من قبل الآخرين بقدر ما يمكنني الإجابة عليه، إن لم يكن أفضل. لكنك سألتني، وسأحاول الإجابة عليه.

 أرى أن اختيار المرء اتباع مسار منهجي أو نظري معين ليس اختيارًا حرًا تمامًا. إنه اختيار يقوم به المرء لكن ضمن قيود معينة. لكن ما هي هذه القيود؟ أعتقد أن القيد الرئيسي الأول هو الموقف الذي يتخذه المرء. أنا لا أدعي أن لدي تفسير لماذا يتخذ أحد المثقفين موقفًا معينًا بينما يتخذ الآخر موقفًا مغايرًا. ولا أعتقد أن أحدًا لديه إجابة على هذا السؤال فضلًا. عن إجابة شاملة بأي حال لماذا دافع ماركس عن نظرياته؟ لماذا دافع فوكو عن النظريات التي ناصرها؟ في بعض الأحيان نعزو هذه الاتجاهات والنزوعات الفكرية إلى التربية وخبرات الطفولة، والخبرات الحياتية، ولكن لا شيء يمكن أن يفسر بشكل مقنع لماذا يصبح الناس مفكرين وباحثين بالطريقة التي هم عليها. لذلك لن أستفيض في الحديث عن هذه المشكلة، لكنني سأفترض أننا نتخذ المواقف لسبب أو لآخر، أو على الأرجح، لمجموعة معينة من الأسباب أو غيرها.

بالنسبة لي، بدأت الأمور معي عندما تخصصت في الشريعة، وقضيت عدة سنوات في دراستها. أول شيء لاحظته هو أنني عندما قرأت مصادر الفقه وأصول الفقه وجدت فجوة بين الدروس التي استخلصتها من هذه المصادر وما قاله الاستشراق عنها. لقد بدأت من الموقف الأصلي القائل بأنه يلزم إجراء تصحيح. لكن بعد بضع سنوات، أدركت أن سوء الفهم وسوء التأويل ليسا من قبيل الصدفة أو الاستثناء؛ بل إنهما يمثلان مشكلة أعمق في الطريقة التي يرى بها باحثو أوروبا وأمريكا العالم ويفسرونه. بمعنى آخر لم تكن الشريعة هي المشكلة بل الطريقة التي قرأها بها قراؤها الغربيون. كحقل دراسي، فإن الشريعة، بالنسبة لي، أبرزت هذه المشكلة. لقد كانت سياقًا غنيًا ظهر فيه التحيزات الغربية بوضوح شديد. لكن في وقت لاحق من مسيرتي المهنية، بدأت أدرك أن مشكلة القراءة الخاطئة للشريعة هي أعمق من ذلك بكثير، فهي تعود إلى البنية الأساسية للمشروع الحديث. 

وهنا، في هذه المرحلة، بدأت أبحث عن أطروحات نقدية مختلفة للحداثة يمكن المشكلة هو أن تساعدني في فهم ما يحدث. ولكن بعد أن أمضيت سنوات عديدة في قراءة هذه الأطروحات النقدية، فإن ما وجدته مذهلًا حقًا هو أن شكوكي وظنوني الأولية حول مشكلات الحداثة وأنماطها المعرفية لم يتم تأكيدها فحسب: لقد توصلت إلى خلاصة مفادها أن دراسة الشريعة يمكن أن تساعد في الواقع على فهم المشكلات التي اجتاحت المشروع الحديث. بعبارة أخرى، لم تكن دراسات الشريعة التي أجريتها دراسات تاريخية فحسب بل صارت الشريعة نفسها -باعتبارها نسقًا فعالًا بمنطقها الداخلي ومجتمعها الخاص- مصدرًا لنقدي للحداثة. وبما أن مجال الشريعة هو في الواقع مجال واسع يتسع لأن تصبح الشريعة مجالًا للثقافة كان هناك العديد من الجوانب التي يتعين دراستها. يمكن للمرء التركيز على أنماط العقلانية مقارنة بالحداثة، وهنا يصبح عمل مدرسة فرانكفورت، وكانط، ومنتقديه وطه عبد الرحمن، وغيرهم مفيدًا للغاية. يمكن التركيز كذلك على أبعادها السياسية واستخدام ذلك من أجل نقد مثمر للفكر السياسي الحديث والسياسة، بما في ذلك الدولة. هنا بالطبع أثبتت أعمال شميت وأغامبين وآخرين أنها مثمرة للغاية. ثمة مثال آخر هو نقد الحداثة ودراسة الشريعة من منظور الدستورانية (Constitutionalism)، وهو موضوع الكتاب الذي أعمل عليه الآن. الجدير بالملاحظة هنا هو أن القرآن والشريعة في مشروعي هما مصدران للنقد كما هو الحال مع النقد الغربي للدستورانية الغربية. إن دراسة هذه المجالات الإسلامية لا يقتصر على كشف تاریخها فحسب، بل أيضًا على شحذ نظام نقدي من خلال دراسة منطقها. ولكن يمكن للمرء أن يفعل أكثر من ذلك مع مثل هذه الدراسات. يمكن لدراسة الإسلام بشكل عام، ودراسة القرآن والشريعة على وجه الخصوص، إثراء وتعديل وصقل نظريات العديد من الفلسفات النقدية المنتجة في الغرب. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء استخدام فوكو بطرائق مفيدة جدًا في تطوير ملكة التفكير النقدي، ولكن يمكن للمرء أيضًا أن يُخضع عمل فوكو للنقد كجزء من الحداثة، وعلى أساس معرفة الشخص بالشريعة، وما إلى ذلك. هذا ما فعلته على سبيل المثال، في كتابي الذي نشر مؤخرا، بعنوان «قصور الاستشراق (Restate Orientalism) (من المتوقع صدور الترجمة العربية في هذا العام). في هذا العمل، وجدت أنه من الضروري تعديل وتعميم مفهوم «حالة الاستثناء» عند أغامبين، الذي هو بالفعل تعديل لمفهوم شميت.

نماء: الناظر في نصُوصكم يجد أن الغرض الرئيس هو إعادة بناء منهج جديد في قراءة التراث الإسلامي من خلال إعادة بناء وفهم مقولة الشريعة، فإلى أي مدى يمكن الإقرار بهذه الحقيقة؟ وما هي الدعامات المنهجية التي يمكن الارتكاز عليها لأجل فهم التراث في سياق منهجيات سائدة تسلك المسلك الاستشراقي في هذا الأمر؟

وائل حلاق: أعتقد أنه من الواضح الآن أن مشروعي يبدأ بالشريعة، وكما قلت، ويستخدمها كأساس لنقد الحداثة. أرى أنك محق في وصف المشروع بأنه محاولة لإعادة بناء التراث عن طريق تقديم قراءة جديدة له. ولكن قبل أن أشرح كيف أريد المضي قدمًا في هذا المشروع، يجب أن أوضح نقطة مركزية هنا: ألا وهي أن مفهوم الشريعة الذي أطرحه يجب أن يفهم على أنه يتضمن العديد من الأشياء بخلاف مفهوم القانون. كما أوضحت في كتابي “الشريعة: النظرية، والممارسة والتحولات” (۲۰۰۹)، فمن الإشكالي جدًا رؤية الشريعة كقانون بأي معنى حديث للمصطلح. الشريعة هي بالتأكيد “قانونية” مثل أي نظام حديث، ولكنها أكثر من ذلك بكثير، سواء في مضمونها ومنهجيتها، من جهة، وفي تصوراتها للواقع، من جهة أخرى، لكن عبارة “أكثر من ذلك بكثير”، لا تعني أن الشريعة تتشارك مع الأنظمة الحديثة في بعض السمات وبالتالي يمكن مقارنتها بها بسبب هذا التشابه، وبمعزل عن الاختلافات. هذا خطأ. إن اهتمام الشريعة الواسع بالذات كذات بشرية يمنحها سمات إضافية وهو ما يجعلها مختلفة تمامًا عن القانون الحديث. وأعتقد أنها أفضل من القانون الحديث. وبالتالي، فإن هذه الإضافة، هذا البعد الإضافي، ليست إضافة كمية يمكن أخذها بعين الاعتبار أو صرفها متى شئنا، بل إنها بالأحرى إضافة نوعية تغير حتى ما يعنيه “القانون” في الإسلام.

في حين أن القانون الحديث هو انضباط تقني أو عملي يتناول الإنسان من الخارج (لأنه من اختلاق الدولة)، فإن الشريعة هي انضباط خارجي وداخلي في آن واحد. أود القول بأن الشريعة هي أولًا نظام داخلي واستدخالي، وثانيًا نظام خارجي من الإلزام والانضباط. ثمة طريقتان على الأقل يمكن من خلالهما تكوين الذات: الأولى هي الطريقة القديمة التي تحدث عنها أرسطو والغزالي وفوكو، وهي التقنيات الأخلاقية للذات، وهناك طريقة جديدة وصفها ألثوسير على نحو نموذجي. الاختلافات بين التقنيتين كثيرة، لكن ثمة اختلافان جديران بالملاحظة. الاختلاف الأول هو أن جهاز الدولة الأيديولوجي الذي وصفه ألثوسير يرتكز على أنماط الإنتاج الرأسمالية وعلى مفهوم الإدارة السياسية المتمركز حول الدولة. هذا التكوين، كما جادلت في كتاب “الدولة المستحيلة”، يصر على الفصل بين الأخلاقي والقانوني والأخلاقي والسياسي والأخلاقي والاقتصادي، والأخلاقي والعلمي بعبارة أخرى، لا يهتم هذا النمط من تكوين الذاتية بالأخلاق باعتبارها الشاغل المركزي له. أما الاختلاف الثاني فهو أن مفهوم أرسطو والغزالي وفوكو يحول دون تدخل کیان خارجي تملي شروط تكوين الذاتية بوعي وعن عمد وعلى نحو سياسي وأيديولوجي، بل إنه يستند إلى أفراد بذوات غير مسبوقة، أي إن نطاقه وعمقه يختلفان من شخص إلى آخر. إن الفرد هو الحَكَم الوحيد والأخير فيما إذا كان يجب أن يشارك في سيرورة التكوين الذاتي أم لا، وتحديد إلى أي درجة يتم إجراء هذه المشاركة. وإنه لأمر جوهري أن تكون هذه التقنية سيرورة يعمل فيها المرء على ذاته، فهي تخلق ساحة مستقلة ونسبية للمنافسة.

أعتقد أن هذين الاختلافين بميزان الشريعة عن المفاهيم الحديثة للقانون بطرائق عميقة ومهمة. ولكن هناك في الشريعة ما هو أكثر من هذه الاختلافات الشريعة، كما أعرفها، هي تصوف أيضًا، أي إنه عندما أستخدم مصطلح “الشريعة” (كمصطلح عام وبدون مرجعية محددة)، فما أعنيه ليس فقط أصول الفقه، والفقه والشروح والحواشي، والمدرسة، والوقف والممارسات الاجتماعية-الاقتصادية، وما شابه ذلك، ولكن أيضا الطرق الصوفية لرؤية ومكابدة العالم. الشريعة معنية كذلك بالأدب والفلك والرياضيات وغير ذلك الكثير. إن ارتباطها بالصوفية يجعلها مشروعًا نفسيًا-صوفيًا، وارتباطها بالفلك والرياضيات يجعلها علمية وارتباطها بالأدب يجعلها إنسانية، وهكذا. كل هذا متضمن في الشريعة عندما أستخدم المصطلح بطريقة غير محدّدة، مثلما أتحدث عنها الآن أثناء الإجابة على سؤالك المهم.

إذا أدركنا أن الشريعة كانت مهتمة بنوع من الذات استعصى فهمها على القانون الحديث ولا الدولة الحديثة حتى الآن، فإن لدينا هنا مجال استثنائي من المعرفة يمكن أن يساعدنا في تطوير نقد للحداثة من خارج الحداثة نفسها. الشريعة لديها الكثير لتقدمه كنظرية ومنهج، لكن اسمحوا لي أن أؤكد سريعًا لمصلحة إخواننا وأخواتنا الليبراليين والمتلبرلين الذين لا يستطيعون رؤية أي شيء في عالمنا الكبير هذا غير الغرب وليبراليته: أن الشريعة ليست مجرد مجموعة من القواعد التي يرى العديد من “الليبراليين التقدميين” أنها غير متوافقة مع الحساسيات «الحديثة» و«المتطورة» التفكير في الشريعة من هذه الناحية هو مثل رمي كتاب نفيس في سلة المهملات لأن غلافه قديم ومهترئ. هذا تفكير ضحل في رأيي. إن الشريعة -كما عرفتها- تتناول الكائن البشري من منظور ينشغل بإنسانيته/ إنسانيتها، كعضو في مجتمع ما لديه احتياجاته الخاصة، أو من حيث كونه ضعيفًا وغير معصوم، أو ككائن اجتماعي يكون موقعه الاجتماعي المشترك أكثر أهمية من أي اعتبار آخر. بعبارة أخرى، تعمل الشريعة لصالح المجتمع ومن خلال المجتمع. وعلى النقيض من ذلك، لا تحافظ الدولة الحديثة على التماسك الاجتماعي رغم أنها تدعي ذلك ولا تهتم بالحفاظ على استقامة المجتمع الأخلاقي، بل على الضد تمامًا، فهي تواصل إعادة تشكيل المجتمع والأسرة. وإعادة هندستهم بصورة مستمرة. لقد وصلنا الآن إلى مرحلة أن الأسرة تعاني من أزمات شديدة. ففي الغرب، تتلاشى الأسرة ببطء ولكن بثبات، وهذا سيؤثر حتمًا في العديد من المجتمعات الأخرى، بما في ذلك المجتمعات الإسلامية.

ولكن اسمحوا لي أن أوضح مسألة أخرى ذات صلة هنا. إن توظيف الشريعة في مشروعي لا يفترض إعادة بنائها كفاية أو مرحلة أولى. فإعادة بناء نظام يتبنى مبادئ الشريعة يأتي في المرحلة الثانية في ترتيب أولوياتي، فهو شاغل ثانوي أهتم به لاحقًا. ما هو مهم كخطوة أولى، هو توظيف الشريعة كأداة نقدية، وكنظرية نقدية. ولأن الشريعة تقدم مجموعة من القيم التي تظل مهمة، حتى فيما نسميه العصر ما بعد الحديث، ولأنه يجري تهميشها؛ فهي حقل رئيسي يمكن من خلاله استخلاص نظرية عمل تستطيع أن تقدم نقدًا للممارسات الحديثة. وهنا اسمحوا لي أن أؤكد على القاعدة الأولى بشأن النقد: أن النقد الأصيل والحقيقي يجب أن يأتي مــن خـــارج النظام أو الظاهرة التي يجري نقدها. ولا يمكن أن ينبع من داخل النظام، ولا من منطقه، أو من تصوره، لأن أي حل يأتي من نفس النظام الإبيستمولوجي الذي أنتج المشكلة سيفشل ببساطة، وسيؤدي بالتأكيد إلى مشكلة أخرى وهكذا إلى ما لا نهاية. ويمكن للشريعة أن توفر هذه النزعة الخارجانية (Externality)، هذه الموضوعية؛ لأنها صارت دخيلًا خارجًا، ولكنها دخيل لديه كلمة الفصل في طرائق تفكيرنا ومعيشتنا. وبمجرد طرح هذا النقد، وبمجرد أن تبدأ طرائقنا في التغيير، ربما ترغب في التفكير في كيفية إعادة بناء شكل من أشكال الشريعة يتناسب مع الحقائق والوقائع التي نواجهها. في الوقت الحالي، الشريعة ليست مجرد «نظام قانوني»، ولا مجرد وسيلة للمسلم لكي يخوض بها غمار الحياة. إن الشريعة، في الواقع، هي تجسيد للنقد.

نماء: هل يمكن القول بأن مقالتكم التي تنحو المنحى الأخلاقي، أو تراهن على مركزية «النّطاق المركزي الأخلاقي» لصلاح حال الإنسان هي انعكاس لعودة السؤال الأخلاقي في الفكر الإنساني المعاصر؟ حيث أن الاتجاه إلى تخليق العالم بات همًا إنسانيًا مشتركًا؟

وائل حلاق: الإجابة المختصرة على سؤالك هي «نعم». أعتقد أنه لا مناص من حتمية الأخلاق والطرائق الأخلاقية للتفكير في العالم. اسمحوا لي أن ألخص المسألة وأُبسط المشكلة التي نواجهها: لطالما كان تاريخ البشرية معقدًا وعنيفًا ومليئًا بالبؤس والشقاء. لا أعتقد أن أي شخص يمكن أن يُشكك في ذلك. لكن الحداثة جاءت لتكثيف كل هذا. فإذا فكر المرء بوضوح وبفكر متفتح حول “مرحلتنا” في التاريخ، نجد أن الحداثة لـم تقدم لنا سوى فائدة واحدة، وإنجاز رئيسي واحد، ألا وهو الوفرة المادية والثروات الدنيوية، وأشكال فوقانية من المعيشة المادية. يمكننا اليوم الوصول إلى المزيد من الأشياء المادية ووسائل الراحة الناتجة عنها أكثر من أي فترة أخرى في تاريخ البشرية. لكنني لا أستطيع التفكير في أي جانب آخر للحداثة يمكن أن يكون إيجابيًا بشكل واضح. لقد دمرت الحداثة البيئة الطبيعية والنسيج الاجتماعي للمجتمع والأسرة، وسلبت الذات قوتها. بوسعنا الآن أن نتحدث عن إجماع علمي بشأن قضايا المناخ والأزمات البيئية. يتجلى ذلك في الخراب الإيكولوجي الهائل، وارتكاب فظائع استعمارية وإمبريالية ساحقة، وتجريد الآخر من الإنسانية (حيونة الإنسان)، وأشكال غير مسبوقة من العنف السياسي والاجتماعي، وإبادة جماعية من كل الأنواع، وبناء هويات سياسية قاتلة ومشوهة، وتسمم الطعام والماء. وإبادة أعداد ضخمة من الكائنات الحية، والتهديدات الصحية المقلقة بشكل متزايد، والتفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء، والانحلال الاجتماعي والمجتمعي، وصعود الفردانية النرجسية السيادية، والزيادة الدراماتيكية في الأمراض الاجتماعية الفردية والجماعية والانتشار الخطير لاضطرابات الصحة النفسية والعقلية، وانتشار وباء الانتحار، وغير ذلك الكثير. لقد أثبتت الحداثة أنها عنيفة تجاه كل شيء تلمسه. وكما يعلم الجميع، فإن القرن العشرين وحده قد تسبب في موت ودمار أكثر مما حدث خلال الألفي سنة التي تسبقه

لذا فالحداثة هي استثناء للقاعدة العامة للتاريخ البشري. إنها قطيعة مع كل ما سبقها. وإذا كنت تتساءل ما هو مصدر أو سبب هذا الانحراف أو التشظي الجذري، فإن المرء يجد صعوبة في العثور على أي شيء آخر سوى ظاهرة واحدة: فصل أوروبا بين الحقيقة والقيمة، “بين ما هو كائن” (ls) و«ما ينبغي أن يكون» (Ought). وقد شرحت ذلك في كتابّي (الدولة المستحيلة، وقصور الاستشراق) ولن أكرر هذا الشرح هنا. لكن من المهم أن ندرك أن هذا الفصل يتعلق بالأخلاق. نحن بحاجة إلى استعادة هذا الارتباط، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لنا لاستعادة إنسانيتنا ومكاننا الصحيح في العالم. نحن في ظل الحداثة، دمرنا كل شيء من حولنا، لأننا لم نعد نحترم أي شيء آخر غير القوة والثروة. إن ارتباطنا بالطبيعة، واهتمامنا بها، هو ارتباط مرضي، ونحن بحاجة إلى علاج هذه المشكلة بسرعة. إذ ليس من المنطقي أن نتمكن من تدمير حوالي ١٥٠ نوعًا من الكائنات الحية كل يوم. هذه الحقيقة وحدها يجب أن تجعلنا نتوقف ونفكر. إنه أمـر صــادم، على أقل تقدير. ثمة شيء خطأ فينا بالأساس. نحن بحاجة إلى تغيير، نحن بحاجة إلى إظهار الاحترام للحيوات الأخرى على كوكب الأرض، ولبعضنا البعض. لا أستطيع التفكير في أي شيء آخر غير الأخلاق التي يمكن أن تتدخل وتصحح هذا الوضع. لقد أكد طه عبد الرحمن أن الأخلاق هي ماهية الإنسانية. وأنا أقول، نحن لا شيء بدون أخلاق. بدون الأخلاق، تكون الحيوانات أفضل منا (وأنا لا أقصد هنـا الحـط مـن قيمة الحيوانات، فهي في الواقع لم تفعل شيئًا خاطئًا).

نماء: تتبنى مجلة نماء منظور التكاملية المعرفية والتركيبية المنهجية بين علوم الوحي والعلوم الإنسانية، وإذا كانت المقالة الأخلاقية في نصوصكم هي جوهرة التاج أو الملمح الجوهري في المشروع؟ فكيف ترى المقالة الأخلاقية التي يتبناها وائل حلاق قضية العلاقة بين علوم الوحي والعلوم الإنسانية؟

وائل حلاق: هذا سؤال في غاية الأهمية، والإجابة المختصرة عليه هي: أن الإنسانوية نوعان على الأقل، نوع علماني وآخر ديني من الخطأ الاعتقاد بأن الإنسانوية هي نطاق العالم العلماني وحده. لكن ثمة فارق كبير بين الإنسانوية الدينية والإنسانوية العلمانية. فالإنسانوية العلمانية تجعل من الإنسان القيمة الوحيدة في العالم وتنزل كل شيء آخر إلى مرتبة أداة أو شيء ما. وحتى إنسانية البشر قد تم حوسلتها (الحوسلة Instrumentaltzation» هي تحويل الشيء إلى وسيلة)، كما يتضح من الطريقة التي عامل بها العلمانيون غيرهم. من أشكال العبودية الساحقة إلى الإبادة الجماعية. لكن حوسلة الإنسان تحدث أيضًا بشكل يومي، كما نرى في الانتهاكات وعبودية العمال التي تبنتها الشركات متعددة الجنسيات التي تحكم العالم الآن بجانب الدول القومية. هذا لأن الإنسانوية العلمانية ترى العالم كمادة أو كشيء يجب استغلاله واستخدامه. لقد صارت الطبيعة شيئًا جامدًا، لكي يُشكلها البشر كما يريدون. لكن هناك رابط هنا يفتقده الكثيرون وهو أن الإنسان جزء من الطبيعة أيضًا. فعندما تخضع الطبيعة لسطوتنا وهيمنتنا، فإننا نخضع ذواتنا لنفس هذا الشكل من السطوة والهيمنة. بدأت هذه السيرورة بشكل جدي مع استعباد الأفارقة وإقصاء الهنود الأمريكيين كجزء من طبيعة يمكن السيطرة عليها وتغييرها. وتعمل الإبادات الجماعية بنفس المنطق فالإبادة الجماعية تهدف إلى تغيير مشهد الإنسانية (أو الطبيعة) تمامًا مثلما تنتزع الأعشاب الضارة من حديقتك (هناك كتاب ممتاز عن هذه المسألة بعنوان “الحداثة والهولوكوست” لزيجمونت باومان). من الخطأ، إذن، الاعتقاد بأن الإنسانوية العلمانية تدور حول قدسية الإنسان، بل إنها معنية بشريحة من البشر تستعبد الآخرين. دعونا لا ننسى أن أوروبا استعمرت العالم باسم الإنسانوية العلمانية على وجه التحديد. علاوة على ذلك، بسبب الانفصال بين هذا النوع من الإنسانوية والطبيعة كعمل لخلق بديع وجليل، لا يمكن للإنسانوية العلمانية أن تظهر أي إحساس بالتواضع أو الامتنان (كما بينت بالتفصيل في كتاب «قصور الاستشراق»).

لكن من المهم أن نفهم أن هروب أوروبا إلى الإنسانوية العلمانية ليس خطوة نحو التقدم أو تحسينًا متعمدًا للوضع/الشرط البشري. لقد لجأت أوروبا إلى هذا النوع الجديد من الإنسانوية لأنه وقع استبدادها من قبل الملوك، والأكثر من ذلك، من قبل الكنيسة المسيحية. وهو ما يعني أن أوروبا عانت من صدمة سببها كيان ادعى التحدث باسم الله. هذا هو السبب في أن كانط يُعرّف “التنوير” على أنه هروب من السلطة الفكرية للآخر؛ لأن فلسفته عبرت عن سخط الأوروبيين من الكنيسة المستبدة. وهكذا عندما حشدت أوروبا كل طاقتها من أجل غزو العالم والسيطرة عليه، فرضت شروطها، وما كانت أوروبا تكرهه صار مفروضًا على الجميع. إذا كانت أوروبا لديها مشكلة مع الدين، فإن الدين سيئ للجميع. هذا ما كان يقصده الأوروبيون عندما قالوا إن كل الناس سواسية: إنهم سواسية في الطريقة التي من المفترض أن يتبنوا من خلالها القيم الأوروبية. خلاف ذلك، لا أرى أي مكان على مدار الأربعمائة سنة الماضية حيث كان الأوروبيون يعاملون الآخرين على أنهم سواسية معهم حقًا، ويستحقون كل الخير الذي يشعرون (أي الأوروبيون) أنهم يستحقونه.

أجد صعوبة في قبول أي حجة ناجمة عن تجربة مؤلمة وصدمة شديدة، وذلك ببساطة لأن أي حجة من هذا القبيل هي رد فعل مَرَضي على الصدمة. ما قامت بـه أوروبا كان الجمع بين تجربتها الصادمة وبين القوة المادية والعسكرية الهائلة، الأمر الذي جعل حجتها الناجمة عن الصدمة تبدو ذات مصداقية. لذا أعتقد أن المسلمين عامة، من بين آخرين، يخلطون بين القوة العسكرية والمادية وجدلية القيمة والحقيقة.

من جهة أخرى، لا تواجه الإنسانوية الدينية المشكلات التي أظهرتها الإنسانوية العلمانية، كما يتضح من التجربة الإنسانية الطويلة عبر التاريخ. لقد كان للإسلام علمانويته الدينية لقرون عدة، حتى لأكثر من ألف سنة، وبالطبع كانت له مشكلاته الخاصة، لكن لا شيء كما رأينا يحصل في القرن العشرين باسم العقل والإنسانوية والأخوة. لكن الأهم من ذلك هو أن الإنسانوية الدينية يمكن أن تطور -بل إنها طورت بالفعل- علاقة أكثر إنسانية وأكثر تعاطفًا وحميمية مع الطبيعة، بما في ذلك الطبيعة البشرية. إن الإنسانوية الدينية مؤهلة تمامًا لإظهار شعور عميق بالتواضع والامتنان وهما من المتطلبات الأساسية للعيش في العالم بأكبر قدر ممكن من السلام. هذه محاججة طويلة، وأنا أحث الأشخاص المهتمين بهذه المسألة على قراءة كتابي “قصور الاستشراق”(Restating Orientalis) (2018) و”إعادة تشكيل الحداثة” (Reforming Modernity) (2019) هذا الكتاب الأخير يتناول طه عبد الرحمن الذي تعتبر أعماله أيضًا شرطًا أساسيًا لفهم العديد من القضايا التي يواجهها المسلمون. 

نماء: ثمة اهتمامات بالقيم الأخلاقية في الفكر العربي، منها نص محمد عابد الجابري العقل الأخلاقي العربي ومشروع طه عبد الرحمن الذي انخرط في السؤال الأخلاقي بصورة منهجية واضحة، ما هو تقييمكم لهذه الجهود التي تُسائل الأخلاق؟

وائل حلاق: في الكتاب الذي يتناول أعمال طه عبد الرحمن الذي ذكرته آنفًا، أقدم تقييمًا مفصلًا لعمل محمد عابد الجابري، وأبين كيف أنه عمل غير متسق بل ومتناقض، وأناقش أيضًا تناول طه لعمل الجابري، الذي يُعد تناولًا نقديًا بنفس القدر. أعتقد أن مكانة الأخلاق في الإسلام ملتبسة في ذهن الجابري، ومفهوم «العقل» عنده إشكالي جدًا لأنه مبني على استعارات مربكة من المشهد الفكري الأوروبي، أود القول أيضًا إنه لم يفهم كيف أن الإسلام صقل شكلًا معينا من الأخلاق ينطوي على مكون قوي هو «العمل». برأيي إن عمل طه أكثر رصانة واهتمامًا بخصوصيات الإسلام كنظام للأخلاق، على الرغم من بعض المشكلات التي نأمل أن يحلها في الوقت المناسب. في النهاية أحيل القارئ إلى كتاب “إعادة تشكيل الحداثة” (Reforming Modernity) من أجل مناقشة مفصلة. وآمل أن تظهر الترجمة العربية لهذا الكتاب في عام (2019)، بعد فترة ليست طويلة من نشره باللغة الإنجليزية.

 

للاطلاع علي مادة حوار نماء مع د. وائل حلاق