رغم أن الإسلام قد منح المرأة حقوقًا سياسية واجتماعية ودينية، ترتب عليها مشاركتها على نطاق واسع في مجالات النهوض الحضاري للأمة منذ العهد النبوي، لكنها تدريجيًا تحولت إلى إحدى "المفاهيم القلقة"[1] في العصر الحديث. ويرجع هذا القلق إلى تنازع رؤيتين إحداهما ترى المرأة كيانًا مثيرًا وتحكم الإغلاق عليه درءًا للمفاسد مما يعطل مشاركته اجتماعيًا وسياسيًا، بينما الأخرى تفتح الباب على مصراعيه لمشاركة "نسوية" غير منضبطة، وكلاهما يفوت على الأمة نصف جهود المستخلفين لتحقيق عمران الأرض. ويرى بعض المتشائمين أنّ المساحات التي تؤمها المرأة للمشاركة السياسية لتحقيق هذا الاستخلاف في العصر الحديث تتقلص حتى في تلك الدول التي تسمح لها بالترشيح والتصويت. وتغيب عن هؤلاء مساحة يقوم فيها أفراد المجتمع بحكم استخلافهم بتسيير دفة شئون مجتمعهم دون مشاركة مباشرة من السلطة السياسية، وذلك من خلال تأسيس وإدارة مؤسسات أهلية مثل الأوقاف والحسبة تسد ثغرة الخدمات الاجتماعية وتساهم في تعضيد أداء السلطة السياسية لمهامها في الدفاع عن المجتمع.[2]
وتأتي هذه الدراسة ضمن محاولات إبراز الإسهام الحضاري الذي قدمته المرأة المسلمة للمشاركة في النهوض بأمتها من جانب، إظهار دور المؤسسات المجتمعية - مثل مؤسسة الوقف الخيري - في النهضة الحضارية للأمة من جانب آخر. وتعتبر مؤسسة الوقف من أهم النماذج التي تبرهن على فعالية مشاركة المرأة في تنمية المجتمع، وذلك خلافًا للمقولات الشائعة حول ضآلة إسهامات المرأة. فأوقاف النساء تعطي مثالًا حول استغلال المرأة لتلك المساحة "الاجتماعية" للتأثير فيما هو سياسي ومجتمعي على حد سواء.
وتتناول الدراسة أوقاف النساء في مصر في الفترة التاريخية (1900-1952). ويرجع اختيار تلك الفترة التاريخية إلى عدة أسباب سياسية وثقافية واجتماعية:
أولًا: تعرضت مصر في تلك الفترة التاريخية لحملات تغريبية مكثفة بعد الاحتلال البريطاني للبلاد نتيجة للاحتكاك المباشر والمستمر مع الحضارة الغربية المنتصرة، مما استنفر المجتمع "للمقاومة الثقافية" جنبًا إلى جنب مع الجهود السياسية والاقتصادية لمواجهة الاحتلال البريطاني. وقد كانت القضايا المتعلقة بالمرأة مثل التعليم والعمل والزواج من أهم القضايا المستهدفة في تلك الحملة التغريبية، حيث قُدِّم النموذج الغربي للمشاركة النسائية في المجتمع كمنتهى آمال الفتيات المصريات الناشئات.
ثانيًا: دشن قاسم أمين في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"[3] مشروعًا لإدماج المرأة المصرية في المجالات الاجتماعية والثقافية علي غرار النموذج الغربي. وتبرز أهمية ما كتبه قاسم أمين في كونه نقدًا لدور المرأة المصرية صادرًا من داخل المجتمع ذاته، حيث تزيد مصداقية قاسم أمين المصري المسلم عن أقرانه الفرنسيين والإنجليز دعاة المشروع الغربي.
ثالثًا: في إطار إعادة صياغة أدوار المرأة المصرية اتساقًا مع المشروع الغازي برزت العديد من الجمعيات الاجتماعية الخيرية النسائية التي تتصدى للتقاليد بشكل مبالغ فيه، وتلقي عبء تراجع دور المرأة المصرية على الدين.[4] وصورت تلك الجمعيات باعتبارها رائدة لعمل المرأة الاجتماعي، وهو الأمر الذي يدحضه مشاركة المرأة في تأسيس الأوقاف الخيرية قبل ظهور هذه الجمعيات بفترة طويلة.
وفي هذا الصدد كان إبراز مساهمات النساء المصريات من ذوات الوعي والثقافة الإسلامية ضرورة لإعادة قراءة فترة تاريخية من أهم الفترات الانتقالية في حياة المرأة المصرية. واخترت مجموعة من نماذج أوقاف النساء المصريات تمثل الطبقات الاجتماعية المختلفة التي كانت تنتمي إليها الواقفات والجهات المختلفة التي تم الوقف عليها. كما حرصت على إبراز إسهامات أوقاف النساء في دوائر الانتماء المتقاطعة للمرأة المصرية، وهي الأمة والوطن والنوع. واستخدمت إشهادات المحاكم لحجج الأوقاف كمصدر للمعلومات، وذلك لصعوبة الوصول إلى الحجج ذاتها بسبب رفض وزارة الأوقاف المصرية إطلاع الباحثين عليها قبل مرور فترة طويلة من الزمن تفاديًا لما قد يسببه ذلك من منازعات قضائية مع ورثة الواقفات، وسيرد ذلك على معظم الحجج المشار إليها باستثناء القليل منها. والإشهادات هي مختصرات للحجج الأصلية توضع في سجلات المحاكم عند توثيق الوقفية. وتسعى الدراسة إلي إبراز دور أوقاف النساء في المشاركة في درء مفاسد الاستعمار البريطاني سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، بالإضافة إلى دورها في نهضة الأمة والوطن والمرأة ذاتها.
وتقوم الدراسة على فرضية أساسية وهي أن النساء اتجهن للمشاركة الاجتماعية والسياسية غير المباشرة جنبًا إلى جنب مع الرجال، وانشغلن بنفس قضايا الأمة والوطن والمجتمع، مستثمرات المؤسسات الاجتماعية، وجاعلات من تلك المؤسسات أدوات للمشاركة في مواجهة المفاسد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للاحتلال البريطاني جنبًا إلى جنب مع السعي لتنمية أفراد المجتمع وتطوير قدراتهم العلمية والعملية. وفي نفس الوقت أولت النساء اهتمامًا كبيرًا للأم والفتاة بهدف تربية ورعاية أجيال متعلمة وواعية. وترفض الفرضية الادعاء القائل بغياب دور المرأة المصرية في تلك الفترة التاريخية وقلة وعيها بقضايا مجتمعها وأمتها. واستنادًا إلى ذلك قسمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث: يتناول المبحث الأول الملامح المميزة لأوقاف النساء سواء المشتركة مع أو المتميزة عن أوقاف الرجال، وذلك على مستوى التأسيس والمنافذ والأدوار. أما المبحث الثاني فيدرس دور أوقاف النساء في النهوض بالنساء في تلك الفترة، خاصة فيما يتعلق برعاية وتنشئة وترقية الفتاة. ويركز المبحث الثالث على تفاعل أوقاف النساء مع قضايا الأمة ومشكلاتها، ومساحة الإسهام الذي قدمته الأوقاف في النهوض بالأمة في تلك الفترة التاريخية الحرجة.
المبحث الأول: ملامح عامة لأوقاف النساء في العصر الحديث
تشاركت أوقاف النساء مع بعضها البعض من جانب ومع الأوقاف بصورة عامة في العديد من الملامح العامة والخطوط العريضة، وتوزع ذلك التشابه على ثلاثة مستويات: التأسيس-المنافذ-الإدارة.
أولًا: تأسيس الأوقاف:
يقصد بتأسيس الأوقاف أطراف الحجة، أي الواقفة والشهود، والإجراءات الشكلية والقانونية المصاحبة لإشهار حجة الوقف. وبداية فإن الإجراءات الشكلية لإشهاد حجة وقفية لسيدة لم تكن تختلف عن السائد في هذا الموقف مع الرجال، من حيث حضور الشهود وإعلان الوقفية، وإن كان من المعتاد في حالة أوقاف النساء حضور أحد محارم السيدة الواقفة مثل الزوج أو الأخ أو الابن. ويلاحظ أن تواجد المحرم لا يعني الرقابة المالية، لانفصال الذمة المالية للمرأة عن أي من محارمها، ولكن ذلك كان يحدث لامتناع حدوث الخلوة وجريًا على تقاليد المجتمع من عدم تواجد السيدة بمفردها في مجالس الرجال.
وفيما يتعلق بأطراف الحجة، رُصِدَت العَدِيد من الحالات التي شاركت فيها النساء مع أطراف أخرى في نفس الوقف، خاصة في الأوقاف الأهلية. فعلى سبيل المثال قامت بعض الواقفات بالاشتراك مع أزواجهن في الوقف، مثل وقفية السيد بكر بن شعيب، وكان من أعيان التجارة، مع زوجته السيدة فاطمة هانم البابلية، والذي ضم أرض وبناء منزل وعمارة.[5] كما قام بعضهن بالاشتراك مع أبنائهن في الوقف، مثل وقفية السيدة نازلي هانم كريمة سليمان باشا الفرنساوي وابنتيها جلسن هانم وتوفيقة هانم لصالح مسجدهم في بولاق الدكرور (طليا).[6] واشتركت بعض الواقفات مع أحد الوالدين أو الأخوة، مثل وقفية السيد محمد محمد البعبج الفطاطري وابنتاه السيدة نجفة والسيدة زنوبة، والتي شملت أرض وبناء عدة منازل بالقاهرة لصالح الواقفين وذريتهم (وقف أهلي).[7] ويلاحظ أنه في حالات الأوقاف المشتركة بين عدة أطراف تحدد حصة كل طرف بدقة في حجة الوقف والمنافذ التي يرغب في توزيع حصته عليها، بل وأحيانًا قد تظهر إدارة مختلفة لكل حصة رغم التشارك في الوقفية.[8]
ومن ناحية أخرى، تشابهت ديباجات الحجج وإشهاداتها مع مثيلاتها لأوقاف الرجال فيما يتعلق بالإشارة إلى وهب الوقفية للخالق - عز وجل - حتى وإن كان الوقف أهلي حيث يؤول عادة بعد انتهاء الذرية إلى منافذ خيرية. ويصف د. إبراهيم غانم ذلك بأن "الكتابة الاجتماعية في حجج الأوقاف مشدودة إلى مثل أعلى أخروي، ونابعة من فكرة مجردة تنتمي إلى عالم الغيب وإرضاء الله سبحانه وتعالى."[9] ويلاحظ أن تلك المقدمات عادة ما تكون نصوص أدبية أو إنشائية تتدرج قوتها حسب المستوى التعليمي والاجتماعي، بجانب كونها نصوص قانونية لها قوة النفاذ والتطبيق.[10]
ثانيًا: منافذ الأوقاف:
تنوعت منافذ إنفاق الأوقاف، ويمكن تحديدها في ثلاثة:[11]
أولًا: الإنفاق على الخدمات التعليمية، وتشمل المساهمة في إنشاء أو تمويل المدارس الأهلية أو الحكومية والكتاتيب والأزهر الشريف والجامعة الأهلية المصرية (جامعة القاهرة حاليًا).
ثانيًا: الإنفاق على الخدمات الاجتماعية مثل المستشفيات والملاجئ ودور الرعاية والأسبلة ومضايف الأسر.
ثالثًا: الإنفاق على الشعائر الدينية مثل تشييد المساجد وقراءة القرآن ومعاونة فقراء الحجيج.
ويرد على هذه المنافذ عدة ملاحظات. فأولًا: يوجد تداخل كبير بين الأنواع الثلاثة، فمثلًا تجمع منافذ الإنفاق على الجامع الأزهر وجامعته بين كونها دعمًا للخدمات التعليمية وكونها إنفاقًا على الشعائر الدينية والخدمات الاجتماعية، مثل وقفية السيدة جميلة هانم ابنة الخديوي إسماعيل ووالدتها لصالح توزيع الخبز على الفقراء من طلبة الأزهر.[12] وثانيًا: غلب تخصيص جزء من الأوقاف لصالح الشعائر الدينية، وخاصة رعاية أو تشييد المساجد سواء من الأوقاف الأهلية أو الخيرية، على ما سواه من المنافذ. وثالثًا: يوجد تشابه ملحوظ في جهات الإنفاق بين أوقاف النساء وأوقاف الرجال بشكل عام.
ثالثًا: الإدارة (نظارة الوقف):
تنوعت إدارة (نظارة) الأوقاف النسائية، حيث اتخذت عدة أشكال:
- الشكل التقليدي، وهو إسناد نظارة الوقفية إلى شخص معين، غالبًا ما يكون الواقف ذاته أثناء حياته (أو حياتها)، والنص في حجة الوقفية على تعيين أشخاص لنظارتها، سواء بذواتهم في الجيل الأول والثاني من ذرية الواقفة أو بصفاتهم في الأجيال اللاحقة. فمثلًا نص في وقفية السيدة عائشة المعروفة بأم صالح السمرا بنت عبد الله على أن النظارة للسيدة عائشة ما دامت على قيد الحياة ثم لزوجها من بعدها ثم لابنة شقيق زوجها ويلي ذلك الأرشد من ذرية ابنة شقيق زوجها.[13]
- إدارة الوقفية من جانب مؤسسة أو جمعية خيرية، وهو ما انتشر في مطلع القرن العشرين متواكبًا مع إنشاء العديد من الجمعيات الخيرية الإسلامية والقبطية. مثلًا، أسندت السيدة دميانة بنت إبراهيم إدارة وقفيتها من بعدها لرئيس الجمعية الخيرية القبطية معرفًا بصفته.[14]
- إسناد إدارة الوقفية لديوان عموم الأوقاف، والذي كان يدير بعض من أوقاف عامة الشعب إذا طلبوا ذلك أو غاب من أسندت إليهم إدارتها لسبب أو لآخر. وقد أنشئ الديوان العام عام 1851 واستمر في عمله حتى ضم لوزارة الأوقاف حين إنشائها عام 1913. وبالإضافة لذلك، كان هناك ديوانًا خاصًا لإدارة أوقاف أفراد الأسرة الحاكمة، مثل وقفية السيدة جميلة هانم بنت الخديوي إسماعيل، ووقفية السيدة نوجهان هانم والدة جميلة هانم، ووقفية السيدة خوشيار هانم على مسجد وضريح الرفاعي، ووقفية نفس السيدة على مسجد وضريح الشناوي.[15] وكان من أهم الأوقاف الكبرى التي أدارها الديوان الملكي وقفية« قولة » التي أوقفها محمد علي باشا لصالح الحرمين الشريفين.
- في نموذج متميز نصت الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل في وقفيتها على انتخاب ناظر الوقف من قبل مجلس حددت صفات أعضائه وكيفية سير العملية الانتخابية وصفات الناظر المنتخب.[16] إذ اشترطت ألا يكون الشخص المرشح لتولي نظارة الوقف موظفًا في الحكومة، وأن يكون مشهورًا بالذمة والصلاح والتقوى وله دراية تامة بفن الزراعة، وهو شرط موضوعي لغلبة الأطيان الزراعية على الوقفية. ونصت في الحُجة على انتخاب الناظر من قبل "عشرة أشخاص أربعة منهم من أعضاء الجامعة المصرية - من بينهم رئيسها - واثنان من ذوات مصر الأتقياء البعيدين عن خدمة الحكومة، واثنان منهم من أكابر علماء المسلمين المشهورين بالزهد والصلاح، ومن يكون قمسيريًا أي مندوبًا عاليًا من الحكومة العثمانية بالديار المصرية - إن كان موجودًا بمصر - فإن لم يكن موجودًا بالديار المصرية قمسيري عثماني فيحل محله أحد أكابر تجار مصر المسلمين، والعاشر من يكون قاضيًا لمصر المحروسة ويكون في هذه الحالة هو الرئيس".[17] وتتم العملية الانتخابية على مراحل وفقًا لنص الواقفة، فإذا اختِير شخص بالإجماع يصبح هو الناظر. فإن لم يقع الإجماع، يتولى النظارة من تنتخبه الأغلبية. فإن لم يحصل أي مرشح على الأغلبية، تكون النظارة مسئولية من اختارته المجموعة التي تضم قاضي المسلمين الشرعي.[18]
وهذا الأسلوب المتميز في انتخاب الناظر من قبل مجلس أعضائه محددين سلفًا بصفاتهم لم يتبناه إلا عدد قليل من أصحاب الأوقاف الكبيرة،[19] مثل وقفية الأميرة فاطمة، والتي بلغت قيمتها بأسعار عام 1913م حوالي 230 ألف جنيه مصري للأطيان و25 ألف جنيه مصري قيمة السراي ومتعلقاتها، مما جعل عبء إدارتها قضية هامة من جانب، وتمثيل الجهات المستفيدة من الوقفية في اختيار الناظر أمرًا ضروريًا من جانب آخر. أما إشارة الأميرة فاطمة - مرتين -لضرورة بعد الناظر عن خدمة الحكومة المصرية؛ فربما كانت إماءً لغياب ثقتها في الحكومة المصرية التي كانت خاضعة للنفوذ البريطاني في ذلك الوقت، إلى جانب ضرورة تفرغ الناظر لإدارة أعباء وقفية بهذه الضخامة. ومن جانب آخر كان اشتراط وجود المندوب العالي للحكومة العثمانية ضمن لجنة اختيار الناظر دليل على تطلع الأميرة للخلافة العثمانية كحكم شرعي، وإن اعترفت باحتمال عدم قدرة الخلافة على الحفاظ على تواجد مندوب لها في مصر.
وترد عِدة ملاحظات على أساليب وأشكال الإدارة المشار إليها. فأولًا: رغم شيوع إدارة الواقف لوقفه خلال حياته، فإن ذلك أمر ذو دلالة فيما يتعلق بالنساء، فهو من جانب يؤكد على الاستقلالية المالية للمرأة في إدارة ممتلكاتها والتصرف فيها كيفما تشاء دون رقابة أسرية، ومن جانب آخر يعد مؤشرًا على قيام النساء بأدوار اجتماعية عامة من خلال مؤسسة الوقف.
وثانيًا: تلاحظ مراعاة واحترام العلاقات الأسرية في ترتيب إسناد نظارة الوقف. ففي عديد من الحالات التي تنفرد فيها السيدة بالوقف، عادة ما يكلف الزوج بإدارته بعد وفاتها، يليه آخرون ينص عليهم بذواتهم أو صفاتهم. فمثلًا أعطت السيدة حنيفة هانم السلحدار الحق في نظارة وقفيتها بعد وفاتها لزوجها علي بك ثابت.[20] أما في حالات الوقفيات المشتركة فكانت النظارة تعطى للزوج أو الأب أولًا ثم للزوجة مثل وقفية السيد بكر محمد شعيب وزوجته السيدة فاطمة البابلية، والتي كانت النظارة فيها للزوج ثم للزوجة ثم للأرشد من أبنائهما.[21] ويبدو أن سبب ذلك كان هو ثقة الزوجة في زوجها من جانب، وإزالة الحرج الذي قد يسببه تدخل شخص من خارج الأسرة في أموال الزوجة بعد وفاتها وزوجها ما يزال على قيد الحياة من جانب آخر. وفي حالات الأوقاف المشتركة مع الأبناء كانت النظارة تعطى للأم أولًا ومن بعدها الأبناء، ذكورًا أو إناثًا، أو يحدد كل من الأبناء الواقفون - بعد وفاة الأم - الناظر على حصته. ومثال ذلك وقفية السيدة نفيسة هانم وولديها محمد بيك وفاطمة هانم، والتي وقف فيها الواقفون ميراثهم من والدهم على حسب تقسيمه الشرعي، وقام كل منهم بالنظارة على الجزء الخاص به حتى وفاته، ثم انتقلت نظارة ذلك الجزء للأرشد من أبنائه.[22]
وثالثًا: تعدت النساء تولي نظارة الأوقاف الخاصة بهن إلى تولي نظارة أوقاف غيرهن، خاصة أوقاف أباءهن وأزواجهن.[23] ومثال ذلك نظارة السيدة فاطمة بنت السيد محمد القلعاوي على وقف والدها،[24] ونظارة السيدة اسما هانم البيضا الجركسية على وقف والدها حسن أفندي عبد الله.[25]
ويتفرع من تولية النظار عملية الرقابة عليهم، وكانت تلك الرقابة تلقائية من جانب ديوان عموم الأوقاف، الذي أنشئ عام 1851، ثم وزارة الأوقاف.[26] واتخذت تلك الرقابة عدة صور، منها الرقابة المالية في سجلات يطلق عليها سجلات التولية، والرقابة على الأداء العام للنظار بما يسمح بتقييم الناظر واحتمال عزله في حالة خروجه عن مقتضيات وظيفته أو تفريطه في مهامه.[27] وفي بعض الحالات اضطلع ديوان الأوقاف بإدارة الوقفيات التي عُزِل أو تُوفي نظارها ولم يكن لهم بدلاء.[28]
ورغم أن رقابة ديوان الأوقاف ثم وزارة الأوقاف كانت هي الأصل، فقد كانت هناك استثناءات في ذلك الصدد. فمن جانب نصت بعض الواقفات في حُجة أو إشهاد أوقافهن على الرفض التام لتدخل دواوين الحكومة في إدارة تلك الأوقاف أو الرقابة عليها. فعلى سبيل المثال منعت السيدة فرين هانم بنت عمر ديوان بيت المال أو أي من الدواوين الحكومية من التدخل في وقفيتها.[29] والملاحظ أن ذلك التوجه كان ضمن المحاولات التي بُذلت للحفاظ على استقلالية مؤسسة الوقف في ظل تبعية الحكومة لسلطات الاحتلال البريطاني. ومن جانب آخر، نصت بعض الواقفات في إشهاد أو حُجة أوقافهن على استثناء بعض النظار - الذين غالبًا ما كانوا أشخاصًا محددين بذواتهم - من شروط رقابة ديوان عموم الأوقاف. فعلى سبيل المثال نصت السيدة حنيفة هانم السلحدار في حجة وقفيتها علي استثناء كل من زوجها علي ثابت - الناظر الأول - وأحمد باشا خيري - الناظر الثاني - من مراقبة وملاحظة ديوان عموم الأوقاف، على أن تمارس تلك الرقابة على من يعقبهم من النظار.[30]
المبحث الثاني: أوقاف النساء والنهضة النسائية
وظفت العديد من النساء أوقافهن لصالح رعاية وتنشئة وترقية بنات جنسهن ضمن المنافذ المتعددة التي وجهت إليها أوقاف النساء. وفي الواقع، كان هذا التوظيف جزءًا من مشاركة المجتمع بأسره في رعاية الفتيات في تلك الفترة، كما كان ذلك شكلًا من أشكال مساهمة المرأة في تطوير مجتمعها من خلال تطوير إحدى ركائزه ألا وهي المرأة. وقد أخذ ذلك التوظيف شكلين: رعاية الفتاة من جانب، وتنشئتها وترقيتها من جانب آخر.
أولًا: رعاية الفتاة:
يقصد برعاية الفتاة القيام بدور الأسرة البديلة لمن ليست لديهن أُسر. وخصصت النساء جانبًا كبيرًا من عائدات أوقافهن لصالح رعاية اليتيمات، إدراكًا منهن لاستحالة العيش الكريم بدون عائل، وضمانًا لحسن تنشئة هؤلاء اليتيمات. ولذلك ساهمت أوقاف النساء في رعاية الفتيات اليتيمات ماديًا ومعنويًا وتربويًا، فمن جانب أسست العديد من دور رعاية اليتيمات الفقيرات والتي ضمت بين جنباتها من لا عائل لهن. فعلى سبيل المثال اشترطت السيدة جليلة طوسون في وقفيتها عام 1927م صرف عائد 138 فدان بعد وفاتها على ملجأ لتربية الفتيات اليتيمات يُسمَّى "ملجأ الست جليلة." وضم هذا الملجأ ما بين خمس إلى عشرين طفلة يتيمة تم اختيارهن وفقًا لشروط نصت عليها الواقفة، من أهمها "ألا يكون لهن عائل قادر على تربيتهن، واللطيمة التي فقدت والديها لها الأفضلية على اليتيمة التي بقى لها أحدهما."[31]
ومن جانب آخر، كان تعليم هؤلاء الفتيات وتثقيفهن موضع اهتمام بعض الواقفات. وتراوح مستوى ذلك التعليم ما بين الحرف اليدوية والمهارات النسوية والمواد الدراسية، إلى جانب العلوم الدينية. فنصت السيدة جليلة طوسون في وقفيتها المشار إليها علي تعليم فتيات الملجأ "الكتابة والقراءة، وحفظ جزأين من القرآن على الأقل حفظًا جيدًا، وتعليم القراءة في المصحف الشريف، ومبادئ الحساب، وفنون الطبخ والخياطة والتطريز وتعليم الموسيقى الأثرية، وما يناسب حالة الإناث من أناشيد وأغاريد وألحان."[32] واهتمت دلبرون هانم شكري في وقفيتها بالجمع بين المهارات النسوية والمواد العلمية الدراسية، حيث وقفت مساحة 120 فدان ليصرف ريعها على شئون المدرسة التي أنشأتها، واشترطت أن تتعلم فيها "البنات اليتيمات الفقيرات من سن سبع إلى اثنتي عشرة سنة، بحيث لا يقل عدد من يُقبل منهن عن خمسين بنتًا يتعلمن فيها القراءة والكتابة وحفظ شيء من القرآن، وباقي العلوم الجاري تدريسها بمدارس البنات الأولية، ثم يتعلمن الخياطة بأنواعها وكذلك الطبخ بأنواعه، وصنع الفطورات والحلوى".[33]
وبالإضافة للتعليم، قامت الواقفات بتوفير الدعم المادي للفتيات اليتيمات المقيمات مع أسرهن، فمثلًا اشترطت دلبرون هانم في وقفيتها المشار إليها أن يصرف جزء من ريعها على ما يلزم لشراء "كسوة تلميذات المدرسة، وطعام الغذاء لهن ظهر كل يوم عدا شهر رمضان فإنه يصرف لهن بدل الغذاء قبل يوم عيد الفطر بثلاثة أيام".[34] واهتمت الواقفات بإعداد هؤلاء الفتيات للمستقبل بتزويدهن بالمهارات المتنوعة وتقديم بعض المساعدات المالية لهن. فقررت بعض الواقفات مثل دلبرون هانم شكري تقديم إعانات مالية لليتيمة التي تتم دراستها أو تقبل على الزواج، أيهما أقرب، وذلك مساعدةً لهن وترغيبًا في تزويجهن.[35] كذلك قدمت بعض الواقفات مثل حنيفة هانم السلحدار مساعدات إلى بنات الأرامل اللاتي لا قدرة لأمهاتهن على تجهيزهن.[36] والواقع أن دور أوقاف النساء في حماية الفتيات اللاتي كن بلا عوائل وتعليمهن وإعدادهن للحياة الأسرية المقبلة تلاقت فيه دوائر الخاص والعام، فمن جانب اهتمت المرأة بأخواتها، ومن جانب آخر شاركت في سد إحدى الثغرات في المجتمع، وذلك دون الوقوف طويلًا أمام ما هو نسوي أو مجتمعي. ومن الجدير بالذكر أن عددًا من النساء قد أولين الاهتمام لإنشاء ملاجئ للبنين الأيتام، انطلاقًا من هدف خدمة المجتمع والإنفاق في أوجه الخير بشكل عام.[37]
ثانيًا: تعليم وترقية الفتاة:
أولت النساء أهمية كبرى للتعليم، ودللن على ذلك بتخصيص جانب كبير من عوائد أوقافهن لصالح التعليم بشكل عام في مصر وتعليم الفتيات بشكل خاص. ويعتبر التعليم ذا أثر فعال في إعداد أمهات المستقبل ذوات الوعي، وبناء مستقبل واعد لمن ترغب في استكمال تعليمها من الفتيات. ويلاحظ أن اهتمام النساء بالتعليم الوطني في ذلك الوقت كان جزءًا من مقاومة المجتمع للغزو الثقافي الغربي.[38] ووظفت النساء عوائد أوقافهن لصالح التعليم على عدة مستويات:
أوقفت العديد من النساء لصالح تعليم أبناء المسلمين في الكتاتيب، مثل السيدة نازلي هانم الفرنساوي التي خصصت في وقفيتها "30 جنيه مصري لرجل صالح يعلم أبناء الفقراء من المسلمين القرآن الشريف والخط والكتابة."[39] ويلاحظ أن دعم أوقاف النساء للكتاتيب ارتبط بدعم المساجد التي كانت الواقفة عادة ما تساهم في تشييدها أو توقف لصالحها. فوقفية السيدة نازلي الفرنساوي المشار إليها شملت أيضًا 116 فدانًا للإنفاق على إنشاء مسجد وكتاب وسبيل في قرية طليا بمحافظة الجيزة.[40] ولم تكن تلك الكتاتيب للبنات فقط، بل كان معظمها للجنسين معًا، وكانت تدرس اللغة العربية ومبادئ الحساب والدين الإسلامي والخط وتحفظ بعض أجزاء من القرآن الكريم. وتشير إحدى المستشرقات إلى أن عدد الكتاتيب الأهلية المختلطة قد زاد عن 2867 كتابًا، مقارنة بثلاثة عشر كتاب حكومي للبنات فقط. وقدر عدد طالبات هذه الكتاتيب بما يقرب من ألفين طالبة، وكان يعمل فيها حوالي أربعون معلمة مدربة.[41]
استطاعت الأوقاف النسائية - ضمن توجه عام للأوقاف - أن تحدث نقلة نوعية في المدارس الأهلية وبخاصة مدارس الفتيات، وذلك على عدة مستويات. فأولًا: من حيث التوزيع الجغرافي، انتشرت المدارس الخيرية الموقوف لصالحها في جميع أنحاء البلاد، فلم يقتصر تعليم البنات على القاهرة والإسكندرية. ويذكر في هذا الصدد مدرسة البنات بالمنصورة في شمال القاهرة التي كانت تمولها إحدى وقفيات الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، وكان بالمدرسة أيضًا قسم للبنين،[42] وكذلك مدرسة البنات الخيرية الإسلامية بدرب أبي الحسن بقنا في صعيد مصر، والتي كان من بين الواقفين عليها السيدة بخيتة بنت حمد بن أحمد.[43]
وثانيًا: من حيث الخلفية الاجتماعية للطالبات، نجد أن الاستعمار البريطاني -خلافًا لما يشير إليه بعض المستشرقين[44]- لم يهتم بتعليم البنات، بل حاول إعاقة ذلك عن طريق إلغاء مجانية التعليم، مما أعجز العديد من بنات الطبقة الوسطى والدنيا عن الالتحاق بالمدارس الحكومية. أما أوقاف النساء فوفرت التعليم المجاني للبنات والبنين في المدارس الموقوف عليها تمكينًا للأهالي من إرسال أبنائهم إليها. وكذلك قامت بعض الواقفات بتزويد الطالبات والطلبة بوجبة يومية وفي بعض الأحيان بكسوة سنوية. ومثال ذلك وقفية الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل التي نصت في حجتها على تفاصيل الكسوة السنوية لطالبات المدرسة الموقوف لصالحها، بل وميعاد تسليم الفتيات الكسوة وهو ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان من كل سنة.[45] وجرت العادة أيضًا على إعطاء التلميذات مساعدة مالية عند زواجهن، حيث نصت الأميرة فاطمة في وقفيتها المشار إليها على أن "كل من تزوجت من التلميذات المذكورات لها ريع من الحصة المذكورة عشرون جنيهًا مصريًا، مساعدة لها على مهرها، لتكمل بهذا المبلغ ما تحتاجه لجهازها."[46]
وثالثًا: من حيث المناهج الدراسية، كان عدم تدريس اللغة العربية والدين الإسلامي من هواجس العائلات المصرية عند إلحاق بناتهن بالمدارس الحكومية، التي كانت غالبيتها تديرها ناظرات ومعلمات إنجليزيات. وبسبب ذلك أحجمت كثير من عائلات الطبقة الوسطى عن إرسال بناتهن للمدارس الحكومية، واتجهت الطبقة العليا لإرسال بناتهن للمدارس التبشيرية التي كانت توصف بأنها أكثر تقدمًا من المدارس الحكومية. ولذلك اهتمت أوقاف النساء بتعليم الفتيات اللغة العربية والدين الإسلامي، إلى جانب الجمع بين المناهج العلمية التي يتم تدريسها في المدارس الحكومية والمهارات النسوية الخاصة مثل التطريز والخياطة والطبخ. وعهدت بعض الواقفات بإدارة المدارس اللاتي يمولنها إلى الجمعيات الخيرية الإسلامية ضمانًا لإنفاذ هذه المهام. على سبيل المثال، أوقفت السيدة رمز عشيق البيضا الشركسية معتوقة الخديوي إسماعيل لصالح "إنشاء مدرسة لتعليم البنات المسلمات الفقيرات القراءة والكتابة وحفظ القرآن الشريف وغير ذلك حسبما تعين الجمعية التي تقوم بإدارة ذلك، بشرط أن يكون تأسيس المدرسة المذكورة وإدارتها بمعرفة أول جمعية خيرية بمصر القاهرة، وتكون بصفة رسمية سواء كانت الجمعية الخيرية الإسلامية الموجودة بمصر القاهرة الآن أو غيرها"[47]، كما أشارت الواقفة ذاتها إلى أنه "كلما تعطلت مدرسة وجدت مدرسة أخرى بالصفة المذكورة تقوم بتأسيسها وإدارتها جمعية إسلامية خيرية أخرى رسمية بتصديق الحكومة المصرية عليها بمصر القاهرة صرف ريع ذلك لها على الوجه المسطور."[48] وسمحت هذه الإجراءات بتزايد أعداد البنات المسجلات بالتعليم والمستفيدات من مجانيته، حتى زاد عددهن في المدارس التابعة للجمعيات الخيرية الإسلامية على أربعة آلاف وسبعمائة فتاة كلهن يتلقين التعليم مجانًا، وذلك في ستة مدارس للبنات وثمانية مدارس مختلطة (بنين وبنات) ذات أقسام خاصة للبنات.[49]
وهكذا كانت مساهمة أوقاف النساء فعالة في رعاية وترقية الفتيات المصريات، مما يكشف عن إدراك واع وفهم عميق لما كانت تحتاجه الفتيات في تلك الفترة التاريخية من جانب، وطبيعة الإعداد المطلوب لدورهن المجتمعي من جانب آخر. ولذلك جاء الاهتمام بالتعليم كحجر زاوية لترقية الفتاة المصرية وإعدادها كراعية لأسرة مستقبلية ومربية لأجيال قادمة نتيجة مباشرة لهذه الأوقاف وجهد موفق من الواقفات.
وربما يطرح تساؤل: لماذا انصب اهتمام أوقاف النساء على الفتاة قبل سن الزواج دون الأم والزوجة؟ والإجابة على هذا التساؤل لها عدة جوانب. فأولًا: تعتبر الفتاة بمثابة النواة لزوجة المستقبل ومربية الأجيال القادمة، وبالتالي فإن تنشئتها وترقيتها هي في حد ذاتها إعداد للزوجة والأم بما ينعكس على مستقبل المجتمع ككل. وثانيًا: اعتبرت الواقفات أن دخول الفتاة في كنف ورعاية زوجها هو تحقيق للأمان المادي والمعنوي لها، وبالتالي ليست هناك حاجة لتخصيص أموال لصالح النساء المتزوجات. واستثني من ذلك بعض الحالات التي تكون فيها الواقفة على صلة قرابة أو صداقة بالسيدة الموقوف لصالحها، ويكون هذا الجزء من الوقفية ذو طابع أهلي.[50]
وثالثًا: خصصت الأوقاف النسائية بعض منافذها لصالح السيدات الأرامل والعجائز والمطلقات من غير القادرات على إعالة أنفسهن،[51] كما ساهم بعض الرجال في هذا الصدد، مثل إسماعيل رفعت الذي أوقف عام 1867م لصالح ملجأ باب الخلق الذي كان مخصصًا "لإنزال وإسكان عشرين امرأة من النساء والعجائز الفقيرات المسلمات العاجزات عن الكسب الخاليات من الأزواج."[52] ورابعًا: في بعض الحالات استخدمت الواقفات أوقافهن من أجل المحافظة على استقرارهن الزوجي، وذلك عن طريق النص على تخصيص جزء من الوقفية لصالح أزواجهن على أن يحرم منها الأزواج في حالة الطلاق أو الزواج بأخرى سواء في حياة الزوجة الواقفة أو بعد مماتها.[53] وقد أقر قانون تنظيم الأوقاف الصادر عام 1946م إمكانية وضع مثل هذا الشرط لعدم تعارضه مع الشريعة الإسلامية.[54]
المبحث الثالث: أوقاف النساء ونهضة الأمة
شاركت أوقاف النساء المصريات ضمن حملة عامة لمؤسسة الوقف في الجهود المبذولة لإحياء وإنهاض الأمة الإسلامية، وذلك خلال حقبة زمنية استضعف فيها المسلمون حضاريًا وسياسيًا واقتصاديًا. وشملت أوقاف النساء مجالات اجتماعية مختلفة وأقاليم إسلامية خارج مصر، إلى جانب الدولة العثمانية كخلافة جامعة للمسلمين.
أولًا: أوقاف النساء ونهضة الخلافة الإسلامية
خلافًا للطبيعة المحلية التي تتميز بها الأوقاف عادة، ساهمت بعض أوقاف النساء المصريات في دعم استمرار وجهود إنهاض الخلافة العثمانية في أوائل القرن العشرين. وترجع أهمية هذه الأوقاف إلى دقة وحساسية تلك الفترة الزمنية. فمن جانب كانت مصر تحت سيطرة الاحتلال البريطاني منذ عام 1882م، أي زالت عنها السلطة الفعلية للخلافة العثمانية، رغم استمرار تبعيتها رسميًا لها حتى إعلان الحماية البريطانية على مصر عام 1914م. ومن جانب آخر، عانت الخلافة العثمانية ذاتها من تدهور شديد، خاصة بعد تولي حكومة الاتحاد والترقي سُدَّة الحُكم عام 1908م وتجريد السلطان عبد الحميد من معظم صلاحياته، ثم هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى وتقسيم أقاليمها بين الدول الغربية المنتصرة.
وفي ظل انفصام عُرَى الخلافة الإسلامية، وجهت الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل جانب ضخم من ريع وقفيتها الهائلة - التي تعد إحدى أكبر الوقفيات في تاريخ مصر الحديثة[55] - إلى دعم التعليم المدني والعسكري في مقر الخلافة العثمانية. فقسمت الأميرة ريع الوقفية إلى مائة سهم، خصصت نصفها لصالح منافذ تعليمية في دار الخلافة.[56] ووزعت الأميرة فاطمة هذه الأسهم الخمسين بين نوعي التعليم المدني والعسكري. وخصصت أربعين سهمًا لصالح "أربعة تلاميذ من كل من المدرسة الحربية والمدرسة البحرية بدار الخلافة الإسلامية والسلطة العثمانية، منهما اثنان على الأقل من الضباط أو من تلاميذ المدارس المتحصلين على الشهادات النهائية، ويكونون من المسلمين، يرسلون لتعلم صنع المدافع والأسلحة الحربية وفن البحرية من أحسن وأتقن وأمتن وأحدث طراز يصنع في الممالك الأجنبية سواء في أوربا أو أمريكا أو بلاد اليابان أو أي جهة من الجهات التي تفوق غيرها في إنفاق ذلك في أي عصر وأي زمن".[57] وهكذا يتضح وعي الأميرة فاطمة بمدى ضعف الخلافة في النواحي البحرية والحربية مما أخل بقدرتها في الدفاع عن أقاليمها والذود عن حدودها، ولذلك اتجهت نحو محاولة سد هذه الثغرة الهامة.
واشترطت الأميرة في الطلاب المرسلين عدة شروط ليستحقوا هذه البعثة،[58] أولها التفوق. فكان لابد "أن يكونوا من الطلاب النابغين والمتحصلين على الدرجات العليا أي الدرجة الأولى والثانية في الدراسة." وثانيها الولاء للخلافة والدولة العثمانية، إذ اشترطت أن يكون هؤلاء الطلاب "من رعايا الخلافة المخلصين للدولة والأمة الإسلامية أيًا كان مقر دار الخلافة الإسلامية سواء كانت بدار السعادة كما هي الآن أو بأي جهة من الجهات الإسلامية". وتبدو محورية مبدأ الولاء للخلافة والأمة الإسلامية عند الأميرة، بغض النظر عن السلطة العثمانية ذاتها، فالثانية أداة لتحقيق الأولى. وثالث الشروط هو حسن الخلق، حيث نصت على أنه في حالة "رفت واحد من التلاميذ المذكورين من المدارس المذكورة في أثناء الدراسة سواء كان رفته لسوء سلوكه بالمدرسة بالخارج، أم لأنه متكاسل في التعليم فلا يكون لذلك التلميذ المرفوت سوى مصاريف إعادته إلى دار الخلافة فقط". وطلبت الأميرة عقد امتحان للطلاب العائدين من الخارج تأكدًا من إحرازهم للعلوم والفنون التي أرسلوا لتعلمها. وتشجيعًا لهم على اجتياز ذلك الامتحان أمرت بصرف مبلغ مائة جنيهًا مصريًا للطالب الأول وخمسين للثاني عن كل سنة أمضياها في الخارج مكافأة لهما على تفانيهما في الدراسة.
ومن جانب آخر، نصت الأميرة فاطمة في حجة الوقفية على أنه في حالة "إذا اكتفت حكومة دار الخلافة بمن تعلم تلك العلوم والفنون، تصرف الأربعون سهمًا ثمنًا لصناعة سفن حربية لدار الخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية من أحسن وأتقن وأمتن وأحدث طراز يصنع في وقتها في الممالك الأجنبية، أو صنع مدافع وبنادق وأسلحة وعربات لمدرسة الحربية."[59] كما خصصت الأميرة عشرة أسهم من ريع الوقفية لصالح الجامعة العليا بالآستانة العليا والتي عرفت "بدار الفنون" للإنفاق على تعليم التلاميذ بها وما يلزم لذلك من ثمن أدوات التعليم من كتب وورق وغير ذلك. وتضمنت هذه الأسهم المبالغ اللازمة لإرسال اثنين من أولاد المسلمين للمدارس العليا بالبلاد الأجنبية لتعلم العلوم والفنون التي لم تكن تدرس بتلك الجامعة حينذاك."[60] واشترطت الأميرة فاطمة أن يدرس الطالب العائد من الخارج العلوم التي أرسل لتعلمها مدة سبع سنوات في دار الفنون، وإلا فعليه رد المصاريف التي أنفقت عليه، وذلك ضمانًا لتحقيق الاستفادة منه.
ويمكن إدراك التفاوت الواضح بين مخصصات بعثات العلوم العسكرية ومخصصات بعثات العلوم المدنية كانعكاس لتصور الأميرة عن أولويات نهضة الخلافة الإسلامية خلال حقبة زمنية توالت فيها الهزائم العسكرية على السلطنة واقتطعت من حكمها العديد من الأقاليم الإسلامية لصالح الاحتلال الأجنبي. فهذه الوقفية إعلان رفض للاستعمار البريطاني وولاء للخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية، وتجسيد لوعي إسلامي مستنير تجاه مؤسسة إسلامية شديدة الأهمية كانت آنذاك تحتضر.
ثانيًا" الأوقاف النسائية ونهضة القطر المصري:
قامت الأوقاف النسائية المصرية بدور فعَّال في نهضة مصر، فساهمت في معظم الأنشطة الاجتماعية والتعليمية في كافة أنحاء البلاد. ويمكن تقسيم مجالات هذه الإسهامات إلى قسمين: الأنشطة التعليمية والخدمات الاجتماعية.
- الأنشطة التعليمية
تولت الأوقاف الإسلامية مهام تمويل العملية التعليمية والإشراف عليها على مدار التاريخ الإسلامي، وكان لأوقاف النساء دور فعَّال في هذا التوجه.[61] وفي العصر الحديث امتدت مشاركة الأوقاف في الأنشطة التعليمية إلى مختلف المستويات والمراحل التعليمية.
- التعليم الأوَّلي والمتوسط:
اهتمت أوقاف النساء بالمراحل الأوَّلية والمتوسطة من التعليم لكونها مراحل مؤهلة للعمل، حيث كان معظم الطلاب يكتفون بالشهادات المتوسطة لعدم قدرتهم المادية على الالتحاق بالمدارس العليا ذات المصاريف. فكما اهتمت أوقاف النساء بالكتاتيب لتدريس البنين والبنات أجزاء من القرآن ومبادئ الدين الإسلامي والحساب والقراءة والكتابة باللغة العربية، توسعت أوقاف النساء في دعم المدارس الأهلية للبنات وللبنين. فعلى سبيل المثال، أوقفت السيدة حنيفة السلحدار ما يزيد على الألف وسبعمائة فدان والسراي والمنزل الخاصة بها لصالح "إنشاء مدرسة باسم الواقفة تكون بمصر المحروسة تعد لتعليم البنين من أولاد الفقراء واليتامى المسلمين مجانًا ويكون التعليم فيها حسب بروجرام الدراسة بوزارة المعارف."[62] ويذكر أن هذا الوقف كان مخصصًا أصلًا لصالح أغراض اجتماعية ثم أعيد تخصيصه لصالح المدرسة إقرارًا من الواقفة بأهمية التعليم. وفي مثال آخر، قامت السيدة بخيتة بنت حمد بوقف أربعة منازل لصالح مدرسة البنات الإسلامية في قنا، وإذا تعذر ذلك فعلى مدرسة ولي العهد الإسلامية الخيرية بقنا للبنين.[63] ولا شك أن ذلك يكشف مدى وعي الواقفات بحيوية دور التعليم للبنات والبنين على حد سواء.
قدمت النساء المصريات الواقفات نموذجًا رائدًا في مجال دعم التعليم العالي في مصر، فرغم عدم إتاحة هذا المستوى من الدراسة للمرأة آنذاك، إلا أن العديد من النساء قد ساهمن في تعضيد دور جامعة الأزهر كمؤسسة علمية ودعوية وإنشاء الجامعة الأهلية المصرية وتطويرها. فمن جانب ركز عدد من النساء الواقفات على دعم جامعة الأزهر لدورها التعليمي والدعوي الهام في كافة أرجاء العالم الإسلامي، وأخذ دعم أوقاف النساء للأزهر عدة أشكال:
1- أوقفت بعض النساء لصالح علماء وأروقة الأزهر بشكل عام، وخصصت هذه الأوقاف لمساعدة الطلاب والعلماء الفقراء من كافة الأروقة والمذاهب سواء في مصاريف الدراسة أو نفقات الإعاشة. ومن ذلك وقفية جميلة هانم ابنة الخديوي إسماعيل ووالدتها لصالح الطلاب الفقراء،[64] ووقفية السيدة هانم أبو مندور التي خصصت نصف ريع خمسة أفدنة ليصرف على طلبة العلم بالأزهر على الدوام.[65]
2- وأوقفت نساء أخريات لصالح مذاهب أو أروقة معينة، مثل وقفية السيدتين فاطمة علي حسين ونفيسة عبد الغني اللتين خصصتا ربع ريعها "للفقراء والمساكين من طلبة العلم الشريف بالجامع الأزهر برواق الصعايدة، على شرط أن يراعى الأحوج فالأحوج بأمانة الله ورسوله، وفقراء دشنا من طلبة العلم مقدمون على غيرهم."[66] وكذلك تخصيص السيدة حنيفة السلحدار مبلغ خمسين جنيهًا من وقفيتها "يصرف سنويًا لفقراء طلبة العلم على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بالجامع الأزهر بعد التحري عنهم من مشيخته."[67]
3- ومن أشهر الأوقاف على الأزهر أوقاف الخبز، ويقصد بها تلك الأوقاف التي خصصت أجزاء منها تحديدًا لصالح شراء وتوزيع الخبز على طلاب الجامع الأزهر. ومثال ذلك وقفية أخرى للسيدة جميلة هانم ووالدتها،[68] ووقفية محمد بيك حمدي رئيس عموم تلغرافات شرق السودان وزوجته السيدة عديلة الحبشية (وقف مشترك) التي خصصا جزء من ريعها لهذا الغرض.[69]
4- وجاءت مساهمة الأوقاف الأهلية في دعم الأزهر في شكل أوقاف الأيلولة، ويقصد بها النص على أيلولة الأوقاف الأهلية لصالح طلبة العلم الفقراء بالأزهر الشريف بعد انقراض ذرية الموقوف عليهم. فعلى سبيل المثال، نصت السيدة عائشة المعروفة بأم صالح السمراء على هذا الشرط في وقفيتها بعد زوال ذرية ابنة شقيق زوجها الموقوف لصالحها،[70] وكذلك السيدة زينب هانم السرجانية بعد زوال ذرية ابنتها الموقوف عليها.[71]
وقد أشار د. إبراهيم غانم في دراسته عن الأوقاف إلى أن إجمالي عدد أوقاف النساء لصالح الأزهر بلغ 48 وقفية بنسبة 29.44% من إجمالي الأوقاف الموقوفة لصالح الأزهر، لكن نسبة إسهامها في إجمالي إيرادات الأزهر السنوية بلغت حوالي 47.45% حسب ميزانية 40-1941م، مما يشير إلى ضخامة أوقاف النساء رغم قلة عددها.[72]
ومن جانب آخر، قدَّمت أوقاف النساء دعمًا ضخمًا لأول جامعة أهلية مصرية، والتي تأسست عام 1908م لتمنح أعلى درجة عليا في العلوم المدنية، إلى جانب الدرجات العليا في العلوم الدينية التي تمنحها جامعة الأزهر. وكانت الأوقاف الأهلية هي الممول الرئيسي للجامعة. ويمكن التمييز في هذا الصدد بين مرحلتي التأسيس وإرسال البعثات الداخلية والخارجية. ففي مرحلة التأسيس، أوقفت الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل عشرين سهمًا من وقفيتها الضخمة المشار إليها سابقًا لصالح إنشاء جامعة أهلية مصرية تقوم على "تعليم أولاد المسلمين العلوم والفنون والصنايع الراقية النافعة للقطر المصري الموجهة لترقي الأمة المصرية لدرجات الفلاح والنجاح حتى تساوي الأمم الراقية من الأمم الأجنبية."[73] ونصت الأميرة في تعديل لاحق لنفس الوقفية على منح "ستة أفدنة من الأطيان الموقوفة ببولاق الدكرور بالقرب من السراي المذكورة للجامعة المصرية،" فإذا لم تتمكن الأميرة من إنشاء مباني الجامعة على هذه الأراضي في خلال حياتها، يكون لرئيس الجامعة وأعضائها الحق في بناء تلك المباني خلال خمس سنوات من انتقال الواقفة إلى دار البقاء. فإذا مضت السنوات الخمس دون تشييد المباني، يسقط حق الجامعة في البناء عليها. واشترطت الأميرة أن يوضع بأعلى كل باب من أبواب الجامعة لوحة من الرخام مكتوب عليها بخط عظيم "هذا من آثار دولة البرنسيس فاطمة هانم أفندي إسماعيل."[74] وفيما بعد قدمت الأميرة مجوهراتها الخاصة لتمويل تشييد مباني الجامعة، وقد قدرت هذه المجوهرات بثمانية عشر ألف جنيهًا مصريًا حسب أسعار عام 1913م.[75]
وامتد دعم الأميرة فاطمة للجامعة إلى تمويل إرسال طلَّاب الجامعة النابهين في بعثات داخلية وخارجية. فتضمنت ذات الوقفية الإنفاق على تعليم أربعة من أولاد المسلمين الفقراء حملة شهادات البكالوريا بالمدارس العليا أو الجامعة الأهلية بمصر، وإرسال طالبين مصريين من خريجي الجامعة المصرية لتحصيل الدكتوراه من إحدى الجامعات الأوربية. واشترطت الأميرة أن يخدم متلقو تلك المنح في الجامعة أو الوزارات العامة لمدة لا تقل عن خمس سنوات لضمان الاستفادة من علومهم. [76]وحذت أخريات حذو الأميرة فاطمة في تشجيع البعثات، للحد من الآثار السلبية لقرار سلطات الاحتلال البريطاني بإرسال طالب مصري واحد فقط للخارج كل عام. فمثلًا، أوقفت السيدة عائشة هانم صديقة جانب من عائد وقفيتها لصالح تعليم تلميذين مسلمين بأوربا.[77]
ويكشف اهتمام الواقفات بدعم التعليم العالي عن إدراك عميق لأهمية دور هذا المستوى من التعليم خلال تلك المرحلة التاريخية الحرجة من تاريخ مصر، ورغبة في التصدي لمدارس الإرساليات المسيحية والحد من آثار الغزو الثقافي الذي صاحب الاستعمار البريطاني للبلاد. كما كان لدور الأوقاف في تأسيس أول جامعة أهلية مصرية أبلغ الأثر في النهضة الفكرية والتنمية العلمية في البلاد.
- الخدمات الاجتماعية
توسعت أوقاف النساء في تقديم الخدمات الاجتماعية، وتنوعت الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية للواقفات. واتجهت تلك المساهمات نحو مجالات متنوعة كان من أهمها الممارسات الدينية والشعائرية، الحفاظ على الصحة العامة، الأشغال العامة، تعضيد الروابط الاجتماعية والأسرية.
ففيما يتعلق بالممارسات الدينية والشعائرية، لا تكاد تخلو وقفية نسائية من تخصيص جزء من الريع لصالح قراءة دورية للقرآن على روح الواقفة بعد وفاتها، وتوزيع الطعام على الفقراء والمساكين في المواسم الدينية - مثل العيدين والمولد النبوي - ترحمًا على الواقفة.[78] وكذلك أوقفت السيدة حنيفة السلحدار لصالح مساعدة حجاج البيت الحرام من الفقراء لتمكينهم من أداء الفريضة.[79] كما تبرع محمد بيك حمدي وزوجته في وقفيتهما المشتركة بمبلغ عشرة جنيهات تمنح للقاضي الشرعي لمصر ليصرفها لمن يعتنق الإسلام.[80] وبخلاف ذلك التخصيص المباشر، كان كثير من مخصصات الأوقاف الأهلية تؤول للخدمات الدينية بعد زوال ذرية الموقوف لصالحه.
أما في مجال الحفاظ على الصحة العامة، فقد اتجهت بعض النساء للوقف لصالح دعم المستشفيات العامة أو علاج المحتاجين من المرضى الفقراء، وذلك ضمانًا لمجانية العلاج للطبقات الفقيرة. فعلى سبيل المثال، قامت السيدة نبيهة هانم بإنشاء مستشفى باسمها في الدلتا عام 1931م، وخصصت لها ذلك الجزء من وقفيتها الذي كانت قد رصدته من قبل لصالح مستشفى قصر العيني.[81] كذلك خصصت السيدة حنيفة السلحدار جزء من ريع وقفيتها لعلاج فقراء المسلمين المرضي في مستشفى قصر العيني بالقاهرة.
أما عن الأشغال العامة، فخصصت بعض النساء أجزاء من أوقافهن لصالح إنشاء ودعم أسبلة مياه وحمامات عامة، مثلما فعلت السيدة زينب حسن في وقفيتها عام 1916م، والسيدة آمنة جميل في وقفيتها عام 1920م، والسيدة هانم علي حسن في وقفيتها عام 1934م.[82]
وأخيرًا كان تعضيد الروابط الاجتماعية والأسرية أحد أهداف أوقاف النساء. فحرصت بعض النساء على دعم دور الضيافة - "المضايف" - التي تحمل اسم العائلة ويديرها عادة الابن الأكبر في الأسرة، وذلك تعضيدًا لشبكة العلاقات الاجتماعية على المستوى المحلي (القرية-العزبة-النجع) وعلى مستوى الأسرة الواحدة. مثال ذلك وقفية السيدتين عين الحياة يوسف وفطومة أبو مندور لصالح مضيفة "أبو مندور."[83]
وهكذا عكست أوقاف النساء اهتمامهن بدوائر العمل العام الوطني والإسلامي وتداخل مجالات حركتهن الاجتماعية والاقتصادية، سعيًا وراء تحقيق نهضة المجتمع المصري والأمة الإسلامية، فتشابكت الأوقاف الخيرية مع الأهلية وشملت جميع الطبقات الاجتماعية. لقد أتاحت أوقاف النساء لهن المساهمة في تلك النهضة، كل بحسب قدرته وسعته.
الخاتمة
أحدثت مساهمات أوقاف النساء جنبًا إلى جنب مع أوقاف الرجال نقلة نهضوية هامة وملموسة في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين. فطبقت الأوقاف إستراتيجية مزدوجة لدرء مفاسد الاحتلال البريطاني وآثاره الثقافية والاجتماعية والاقتصادية من جانب، وجلب المصالح المتعلقة بدفع عجلة التنمية البشرية في المجتمع ومقاومة الاحتلال العسكري من جانب آخر. واستنادًا لمراتب الحفظ التي يصنفها د. سيف الدين عبد الفتاح،[84] فإن أوقاف النساء ساعدت على "حفظ ابتداء وبناء" مؤسسات ناشئة كان من الصعب اكتمالها وتبلورها دون دعم الأوقاف لها في مراحلها التأسيسية، مثل الجامعة المصرية والمدارس الأهلية الإسلامية. كما أسهمت الأوقاف في حفظ "نماء" مؤسسات كانت راسخة بالفعل، لكنها احتاجت لتطوير وتجديد في بنيتها ووظائفها، مثل دعم الأوقاف للتعلم المدني والعسكري في السلطنة العثمانية ودعم الدور التعليمي للأزهر. وشاركت الأوقاف في "حفظ بقاء" مؤسسات هامة كانت تعاني من ضعف شديد هدد قدرتها على الاستمرار. ورغم أن نجاح الأوقاف في الحفاظ على مؤسسة الخلافة الإسلامية لم يدم إلا فترة قصيرة، إلا إنها نجحت في الإبقاء على الكتاتيب كمؤسسة تعليمية لفترة طويلة في وقت كادت فيه تضمحل بسبب سيطرة الاستعمار على التعليم. وإجمالًا، حافظت الأوقاف على استمرارية هذه المؤسسات التعليمية والسياسية والاجتماعية وتطوير أداءها لأدوارها الحيوية في المجتمع المصري خاصة والأمة الإسلامية عامة.
وعلى صعيد آخر، كان نموذج أوقاف النساء في مصر تجسيدًا لعمق وعي النساء بقضايا مجتمعهن وأمتهن، مما جعلهن يبدين اهتمامًا بقضايا الوطن والأمة بقدر اهتمامهن بقضايا بنات جنسهن، في وقت كانت الدعاوى النسوية المرتبطة بالنوع قد بدأت تتبلور، مركزة جهدها على الحقوق الفردية للمرأة ومكرسة دورها الاجتماعي في إطار قومي.[85] وبينما عطلت هذه الأطروحات وحدة الأمة وأدت إلى تشرذمها الاجتماعي فضلًا عن تفككها السياسي، كان إدراك النساء الواقفات لوحدة الأمة تعبيرًا عن منظومة استخلافية يقف الفرد فيها - رجلًا كان أو امرأة - على ثغرته لصالح الأمة بأسرها. والآن باتت الأدوار والعلاقات الاجتماعية تحتاج إلى مراجعات فكرية وعملية تستدعي نماذج المشاركة الاجتماعية البناءة للمرأة من خلال أطر ومؤسسات راسخة في وعي وثقافة المجتمع كمؤسسة الأوقاف.
لتحميل ملف الدراسة (هنا)
قائمة المراجع
أولاُ: الوثائق:
سجلات المحاكم (أوقاف):
- محكمة الجمالية 1914-1915م.
- محكمة السويس الجزئية: سجل 2 بتاريخ 1912، سجل 3 بتاريخ 1913م.
- محكمة مصر الشرعية: سجل 3 بتاريخ 1911م، سجل 23 بتاريخ 1912-1913م، سجل 24 بتاريخ 1912-1913م، سجل 25 بتاريخ 1913-1914م.
محافظ دار الوثائق المصرية:
- سجلات محافظ عابدين أرقام 174، 180، 183
حجج الأوقاف:
- حجة وقفية حنيفة هانم السلحدار (القاهرة: مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، 1947م).
- حجة وقفية السيدة رمز عشيق هانم البيضا، (القاهرة، وثائق الجمعية الخيرية الإسلامية، 1898م).
- حجة وقفية الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل (القاهرة: وثائق الجمعية الخيرية الإسلامية، 1913م).
ثانيًا: الكتب العربية:
- إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر (القاهرة: دار الشروق، 1998م).
- حسن عبد الله الأمين (محرر)، وقائع الحلقة النقاشية لتثمير ممتلكات الأوقاف (جدة: المعهد العالمي للبحوث والتدريب، 1984م).
- قاسم أمين، تحرير المرأة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993م).
- _____، المرأة الجديدة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993م).
- محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف (القاهرة: دار الفكر العربي، د.ت).
ثالثًا: المقالات العربية:
6- إبراهيم البيومي غانم، "حجج الأوقاف كنمط للكتابة الحرة"، أحوال مصرية، عدد 2، السنة الأولى، خريف 1998م، ص 166-172.
7- زكي الميلاد، "المرأة في المشروع الإسلامي المعاصر من منظور نقدي"، مجلة الكلمة، عدد 9، السنة الثانية، خريف 1995م، ص 10-29.
8- زينب أبو المجد، "أوقاف النساء: المرأة والسلطة والمعرفة"، المرأة والحضارة، العدد الأول، ربيع 2000م، ص 20-29.
9- ريهام خفاجي، "دور الأوقاف في مواجهة الاستعمار: دراسة للحالة المصرية 1882-1952م"، بحث قدم في مؤتمر "مصر ومسيرة الإسلام في أفريقيا"، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، القاهرة 1-2 أبريل 2000م.
10- د. سيف الدين عبد الفتاح، التحديات السياسية الحضارية في العالم الإسلامي، حولية أمتي في العالم، عدد خاص (2000-2001): "الأمة في قرن: تداعي التحديات والاستجابات والانتفاض نحو المستقبل"، الكتاب السادس، مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2001.
رابعًا: الكتب الأجنبية:
11- Badran, Margot, Feminist, Islam, and Nation: Gender and Making the Modern Egypt (Princeton, Princeton University Press, 1995)
12- Cooper, Elizabeth, The Women of Egypt (London: Hurst and Blackett, LIP, 1914)
13 - Tucker, Judith E., Women in the Nineteenth Century Egypt (London: Cambridge University Press, 1985)
* د. ريهام أحمد خفاجي، أستاذ مساعد بمعهد روتشيستر للتكنولوجيا (فرع دبي)، متخصصة في دراسات الوقف والمجتمع المدني والفواعل من غير الدول في العالمين الإسلامي والغربي. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة (عنوان الرسالة: مؤسسات المجتمع المدني الغربية: دراسة مقارنة بين القيم المرجعية والأدوار العملية). لها العديد من المنشورات المحكمة باللغتين العربية والإنجليزية.
** ريهام خفاجي، أوقاف النساء: نماذج لمشاركة المرأة في النهضة الحضارية- دراسة للحالة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، مجلة أوقاف، الأمانة العامة للأوقاف، السنة الثالثة، العدد 4، مايو 2003م، ص: 11-40.
[1] لمزيد من التفاصيل عن رؤية المرأة كمفهوم قلق انظر: زكي الميلاد، "المرأة في المشروع الإسلامي المعاصر من منظور نقدي،" الكلمة، عدد 9، السنة الثانية، خريف 1995م، ص10-29.
[2] إبراهيم البيومي غانم، "حجج الأوقاف كنمط للكتابة الحرة"، أحوال مصرية، عدد 2، السنة الأولى، خريف 1998م، ص166-172.
[3] قاسم أمين، تحرير المرأة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993/1899م)؛ قاسم أمين، المرأة الجديدة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،1993/1900م)
[4] لمزيد من التفاصيل عن نشأة وتطور هذه الجمعيات انظر:
Margot Badran, Feminist, Islam, and Nation: Gender and Making the Modern Egypt (Princeton: Princeton University Press, 1995) pp. 61-73
[5] إشهاد حجة وقف السيد أبو بكر شعيب وزوجته الست فاطمة هانم البابلية، سجل 23 بمحكمة مصر الشرعية لعام 1912-1913م(القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[6] إشهاد حجة وقف السيدة نازلي هانم وابنتاها جلسن وتوفيقة، سجل 23 بمحكمة مصر الشرعية لعام 1912-1913م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[7] إشهاد حجة وقف السيد محمد محمد البعبج الفطاطري وابنتاه السيدة نجفة والسيدة زنوبة، سجل 25 محكمة مصر الشرعية لعام 1913-1914م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[8] نصت حجة وقف السيدة نازلي هانم وابنتاها جلسن وتوفيقة علي إدارة كلا من الابنتين لنصيبها بعد وفاة الأم، مرجع سبق ذكره.
[9] إبراهيم البيومي غانم، "حجج الأوقاف كنمط للكتابة الحرة"، مرجع سبق ذكره، ص169.
[10] المرجع السابق، ص167.
[11] وسيرد ذكر مفصل لأمثلة هذه الاتجاهات في المبحثين التاليين.
[12] ميزانية وقفية جميلة هانم ووالدتها، ميزانية ديوان الأوقاف الخصوصية الملكية 1940، محافظ عابدين (أوقاف)، سجل رقم 174 الخاص بميزانيات ديوان الأوقاف الخصوصية الملكية في الفترة من عام 1900 إلى عام 1953م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[13] إشهاد حجة وقفية السيدة عائشة بنت عبد الله، سجل أوقاف محكمة الجمالية لعام 1914-1915م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[14] إشهاد حجة وقفية السيدة دميانة بنت إبراهيم، سجل 23 بمحكمة مصر الشرعية لعام 1912-1913م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[15] ميزانية ديوان الأوقاف الخصوصية الملكية عام 1940م، مرجع سبق ذكره.
[16] حجة وقفية الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل (القاهرة: وثائق الجمعية الخيرية الإسلامية، 1913م) ص20-21؛ إشهاد حجة وقفية الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل، سجل 24 بمحكمة مصر الشرعية لعام 1912-1913م(القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[17] المصدر نفسه.
[18] المصدر نفسه.
[19] ومن الجدير بالذكر أن نظام انتخاب الناظر من قبل مجلس محدد أعضاؤه سلفًا قد وجد في بعض وقفيات الرجال الضخمة، مثل وقفية أسرة زعزوع والتي أنشأها أحمد بك زعزوع عام 1899م لصالح "المدرسة الخيرية الإسلامية"، حيث نصت الحُجة على تشكيل لجنة من أهل الحل والعقد في مدينة بني سويف لإدارة المدرسة والأشراف على وقفيتها. لمزيد من التفاصيل انظر: إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر (القاهرة: دار الشروق، 1998م) ص251-252.
[20] حجة وقفية السيدة حنيفة هانم السلحدار (القاهرة: مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، 1947م) ص17.
[21] إشهاد حجة وقفية السيد محمد بكر شعيب وزوجته الست فاطمة البابلية، مرجع سبق ذكره.
[22] إشهاد حُجة وقفية السيدة نفيسة هانم وولديها محمد بيك وفاطمة هانم، سجل 3 بمحكمة مصر الشرعية لعام 1912-1913م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية)
[23] ويلاحظ أن ذلك لم يكن عادة مستحدثة على نساء القرن العشرين، بل إن بعض الكتب ترصد ظاهرة "الناظرة" قبل ذلك، على سبيل المثال رصدت إحدى الكاتبات أنه بين عامي 1801-1860م وجدت حوالي 180 حالة ناظرة وقف سيدة في مصر، انظر:
Judith E. Tucker, women in the Nineteenth Century Egypt (London: Cambridge University Press, 1985) pp. 95-96
[24] قرارات مجلس الأوقاف الأعلى سنة 1918م، محافظ عابدين (أوقاف)، سجل رقم 180 (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية)
[25] المصدر نفسه.
[26] مزيد من التفاصيل عن تطور ديوان عموم الأوقاف ونظارة الوقف ووزارة الأوقاف انظر: إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص391-410.
[27] المصدر نفسه.
[28] المصدر نفسه.
[29] إشهاد حجة وقفية السيدة فرين بنت عمر، سجل 2 (أوقاف) بمحكمة السويس الجزئية لعام 1912م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية)؛ وحول نفس الشروط انظر: إشهاد حجة وقفية السيدة صديقة عبد الرحمن محرم، المصدر نفسه.
[30] وقفية السيدة حنيفة هانم السلحدار، مرجع سبق ذكره، ص34.
[31] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص313.
[32] المصدر نفسه.
[33] المرجع السابق، ص249.
[34] المصدر نفسه.
[35] المصدر نفسه.
[36] انظر: حجة وقفية حنيفة السلحدار، مرجع سبق ذكره، ص14.
[37] انظر: إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص248.
[38] مزيد من التفاصيل حول دعم الأوقاف للتعليم كشكل من أشكال مقاومة الاستعمار الإنجليزي في مصر، انظر: ريهام أحمد خفاجي، دور الأوقاف في مواجهة الاستعمار: دراسة للحالة المصرية (1882-1952)، بحث قدم في مؤتمر "مصر ومسيرة الإسلام في إفريقيا"، معهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة 1-2 أبريل 2000م، ص8-12.
[39] إشهاد وقفية السيدة نازلي هانم ابنة سليمان باشا الفرنساوي، مرجع سبق ذكره.
[40] المصدر نفسه
[41]Elizabeth Cooper, The Women of Egypt (London: Hurst and Blackett, 1914) pp. 161-179
[42] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص 248.
[43] إشهاد حجة وقفية السيدة بخيتة بنت حمد، (القاهرة: دار الوثائق القومية، سجل 183 محافظ عابدين، 1920-1921م).
[44]Elizabeth Cooper, op. cit., pp. 200-213
[45] لمزيد من التفاصيل حول مجانية التعليم في مدارس الأوقاف، أنظر: إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص248-249، ويلاحظ أن وقفية الأميرة فاطمة قد قدمت الدعم لمدارس مختلطة كان طلابها من كلا الجنسين يتمتعون بذات الحقوق في الطعام والكسوة ومجانية التعليم.
[46] المصدر نفسه.
[47] حجة وقفية السيدة رمز عشيق البيضا الشركسية (القاهرة: وثائق الجمعية الخيرية الإسلامية، 1898م) ص2.
[48] المصدر نفسه.
[49] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص250.
[50] على سبيل المثال قامت السيدة حنيفة السلحدار بالوقف لصالح شقيقاتها، انظر: المرجع السابق، ص14؛ وكذلك أوقف الأميرة فاطمة إسماعيل لصالح معتوقاتها، انظر: حجة وقفية الأميرة فاطمة، مرجع سبق ذكره، ص12-14.
[51] انظر حجة وقفية حنيفة السلحدار، مرجع سبق ذكره، ص 14.
[52] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص312.
[53] مثال على ذلك وقفية ستيتة بنت سالم النمرس والتي نصت فيها على حرمان زوجها من نصيبه في الوقفية في حالة زواجه بعد وفاتها أو خروجه من الديار المصرية، انظر: إشهاد حجة وقفية ستيتة سالم النمرس، سجل 3 بمحكمة مصر الشرعية، 1911م (القاهرة: دار الوثائق القومية المصرية).
[54] مزيد من التفاصيل حول النقاش الذي دار حول المادة المتعلقة بشرط النساء في عدم زواج أزواجهن، انظر: محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف (القاهرة: دار الفكر العربي، د.ت) ص276-281.
[55] لا يزيد على هذه الوقفية للأميرة فاطمة إلا وقفية "قوالة" لجدها محمد علي باشا التي وقفها لصالح الحرمين الشريفين.
[56] حجة وقفية الأميرة فاطمة إسماعيل، مرجع سبق ذكره، ص 12.
[57] المصدر نفسه.
[58] المرجع السابق، ص 12-13.
[59] المصدر نفسه.
[60] المرجع السابق، ص 15.
[61] لمزيد من التفاصيل حول إسهامات الأوقاف في نشر التعليم، أنظر: عبد الملك السيد، "الدور الاجتماعي للوقف"، (في) حسن عبد الله الأمين (محرر)، وقائع الحلقة النقاشية لتثمير ممتلكات الأوقاف (جدة: المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، 1984م)؛ وحول إسهامات الأوقاف النسائية على وجه الخصوص في هذا الصدد، أنظر: زينب أبو المجد، "أوقاف النساء: المرأة ، المعرفة، السلطة"، المرأة والحضارة، العدد الأول، ربيع2000م، ص20-29.
[62] حجة وقفية السيدة حنيفة السلحدار، مرجع سبق ذكره، ص49.
[63] إشهاد وقفية السيدة بخيتة بنت حمد، مرجع سبق ذكره.
[64] ميزانية وقفية جميلة هانم ووالدتها، مرجع سبق ذكره.
[65] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص218.
[66] المصدر نفسه.
[67] وقفية السيدة حنيفة السلحدار، مرجع سبق ذكره، ص17.
[68] ميزانية وقفية الأميرة جميلة ووالدتها، مرجع سبق ذكره.
[69] إشهاد وقفية محمد بيك حمدي وزوجته السيدة عديلة الحبشية، مرجع سبق ذكره.
[70] إشهاد وقفية السيدة عائشة عبد الله، مرجع سبق ذكره.
[71] إشهاد وقفية السيدة زينب هانم السرجانية، سجل أوقاف محكمة الجمالية لعام 1914-1915م (القاهرة: دار الوثائق القومية).
[72] أنظر جدول أوقاف الأزهر في: إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص219-220.
[73] حجة وقفية الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، مرجع سبق ذكره، ص13.
[74] المرجع السابق، ص20.
[75] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص264.
[76] حجة وقفية الأميرة فاطمة، مرجع سبق ذكره، ص29.
[77] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص267.
[78] هناك العديد من الوقفيات التي تضمنت هذا التخصيص، أنظر: حُجة وقفية الأميرة فاطمة، مرجع سبق ذكره، ص18؛ حجة وقفية السيدة حنيفة هانم السلحدار، مرجع سبق ذكره، ص14.
[79] المصدر نفسه.
[80] إشهاد وقفية محمد بيك حمدي وزوجته السيدة عديلة الحبشية، مرجع سبق ذكره.
[81] إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، مرجع سبق ذكره، ص304.
[82] المرجع السابق، ص320-321.
[83] المرجع السابق، ص325.
[84] صنف د. سيف الدين عبد الفتاح خمس مراتب للحفظ: حفظ ابتداء الذي يختص بحفظ الهياكل المعنية في مراحلها التأسيسية؛ حفظ بناء الذي يعني بتطوير البناء المؤسسي للهياكل المعنية؛ حفظ بقاء الذي يهدف إلى الحفاظ على استمرارية تلك الهياكل؛ حفظ نماء الذي يهتم بتطوير وظائف هذه الهياكل؛ حفظ الأدوار وهو الحفظ الجامع للمراتب الأربعة السابقة من حيث اختصاصه بحفظ إمكانية أداء هذه الهياكل لأدوارها في المجتمع. لمزيد من التفاصيل، أنظر: د. سيف الدين عبد الفتاح، التحديات السياسية الحضارية في العالم الإسلامي، حولية أمتي في العالم، عدد خاص (2000-2001)، "الأمة في قرن: تداعي التحديات والاستجابات والانتفاض نحو المستقبل"، الكتاب السادس، مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2001.
[85] Margot Badran, Feminist, op. cit., pp. 198-202.