(7)
أمران أَخالهما لازمين ليتفهم رجال الدعوة بعضهم بعضًا: أولهما أن لكل مجال نشاط أسلوبَ العمل فيه بما يتناسب مع طبيعته وأوضاعه، ولكل مجال نشاط رجاله بما يتفق معه؛ وهذا قول لا جديد فيه ولا يضيف إلى قارئٍ فاضل معرفة، ولكن مناسبة ذكره أن النشاط الإسلامي يحتاج إلى وجوه عمل كثيرة متنوعة، منها ما يتعلق بالتدريس وما يتعلق بالدعوة بين العامة، وما يتعلق بالفقه وأحكام المعاملات، وما يتعلق بالعمل السياسي والعمل الاقتصادي وغير ذلك. تنوّع المجالات يولد تنوّعًا في الرؤى وفي المنظور أو الوجهة التي يُنظر منها إلى الجماعة وأوضاعها، والتنوّع قد يولّد الخلاف لاختلاف الرؤى ونوع الثقافة ومطالب النشاط النوعي في كل مجال؛ فالتعليم مثلًا يحتاج إلى الصبر وطول النفس والاستقرار والبعد عن المخاطر وتكرار ما هو المعروف عامًا وراء عام، والسياسة تحتاج إلى خصوبةٍ ذهنية وسرعة تفهّم لما يتغيّر ونوع مخاطرة... وهكذا.
وأحرى بنا أن يدرك كلٌّ منا في مجاله ما يقتضيه اختلاف الثغور واختلاف المهام المطلوبة من صلاحيات مختلفة ووجهات نظر مختلفة، وما يترسّخ من ذلك من تباين في التكوين النفسي وعادات العمل؛ كل ذلك لكي يمكن لنا أن ننظر نظرة التكامل لهذه الأوضاع المتباينة، وندرك ما يمكن أن يجري به التنسيق بينها والتجميع. فلا تتنافى أنواع النشاط ولا ينقض بعضها بعضًا.
ومن هنا عندما نشير إلى أن الجهد الفقهي الشرعي الرامي إلى تخلّل النظام القانوني القائم إنما يتعيّن وضعه في إطار التكامل مع المطالبة لسيادة التشريع الإسلامي كاملًا من حيث جوانب الدراسة الفقهية من جهة، والمطالبة السياسية من جهةٍ أخرى.
وثاني الأمرين، أن لا من فكرة إلا ولها حدود، وما من فقه إلا وله ضوابط؛ والفقه يتعلق ببيان شرعية السلوك والتصرف والتكامل، فهو يتعلق ببيان الحدّ الفاصل بين المشروع وغير المشروع، وبين الجائز والممنوع، وبين الواجب والجائز، وهو بيان الفروق بين الأمر وغيره والموافقات بين الأمر وغيره، حسبما أَسما كلٌّ من القرافي والشاطبي كتابيهما.
ونحن عندما نجدد في الأحكام بفقهٍ جديد إنما نُعدّل في الحكم المستفاد من النص الثابت بموجب ما طرأ على الواقع من تغيّر في الأوضاع، ممّا يقتضي لهذا الواقع وصفًا جديدًا أو وضعًا جديدًا يتزحزح بسببه عن منزل الأحكام ومهبطها. عندما نصنع ذلك فإن الكثير منا وهو يصرف همه للانفعال من الحدود والضوابط التي كان الفقه أحاط بها حكم النص، وهو يفعل ذلك مبينًا وجوه الاختلاف في الوضع المحكوم بالنص بين الماضي والحاضر، وإنما يغفل عن بذل الجهود الضابطة لحكم النص في الواقع الجديد وبيان محددات هذا الحكم وفروقه بين حلال وحرام أو صحيح وفاسد؛ وهو في إغفاله هذه المسألة تتفلّت منه أحكام النصوص وتتميع، لأنه لا فقه بغير ضوابط ولا تجديد يزيح الحدود والضوابط، إنما يكون التجديد بتحريك تلك الحدود والضوابط، لتظل فارقة بين أمرين مختلفين وموفّقة بين أمرين مجتمعين.
ومن هنا فعندما يقوم البعض بعملية الإسناد الشرعي للأحكام الوضعية، عليه أن يفطن إلى أنه لا يرفع من أحكام الشريعة ضابطًا ولا حدًّا، ولكنه دائمًا يحفظ لها ضوابطها ويستعين بفروقها وموافقاتها في تبين حدود الحكم الشرعي الواجب المراعاة. وهو هنا لا يسبغ الشرعية على واقع غير مشروع، وإنما يحاكم الأحكام الوضعية بما تسعه شريعة الله عز وجل، وما وسعته الشريعة أُسندَ إليه، وما لم تسعه بقى خارجها لا يسنده إلا سلطان الدولة العلمانية الحديثة، بما يمنحه هذا السلطان من إمكان نفاذ وقضاء بالقوة والتغلّب.
***
(8)
في ضوء هذا التصور يمكن في ظني أن تجري دراسة القانون مقارنًا بالشريعة الإسلامية، وهذا يفضي إلى أن تتجه الدراسات إلى الأحكام التفصيلية، وذلك لتمد العاملين بالقانون بالمادة المقارنة التي تساعدهم على إجراء هذا الإسناد الشرعي للأحكام الوضعية في الحالات المخصّصة التي تعرض لهم في نشاطهم المهني. والأمر بطبيعة الحال ليس بهذه البساطة التي يتصوّر معها أن الشارع يختار من آراء الفقه الإسلامي ما يتناسب مع الحكم الوضعي المعني، ويكرر هذا الصنيع في كل ما يتعرض له من أحكام. الأمر ليس بسيطًا هكذا وليس سهلًا، لأن الدارس سيواجه اختلاف المفاهيم بين النظر الفقهي الوضعي والنظر الشرعي، وسيواجه اختلاف دلالة المصطلحات بين المجالين أيضًا، وهذا من شأنه أن يستلزم جهدًا جَهيدًا في الملاءمة بين الأحكام والتقريب بين المفاهيم، وهو يقتضي من الباحثين تعميقًا تنظيريًا لتلك المفاهيم لتبيّن وجوه المفارقة والتشابه بين مفاهيم المجالين.
أذكر أنه عندما كان مشروع القانون المدني الجديد يُعَدّ في مصر وتُنَاقَش أحكامه المقترحة في اللجان المختلفة، وذلك خلال الأربعينات، تصاعدت بطبيعة الحال الدعوة إلى صياغة القانون كله من الفقه الإسلامي؛ وتشكلت لجنة من بعض رجال القانون فيهم أساتذة جامعيون ومستشارون من محكمة النقض كالأستاذين محمد صادق فهمي وحسن الهضيبي، وأعدّت صياغة تقنينيّة للباب الخاص «بالعقد في نظرية الالتزام»، أعدّته أخذا من الفقه الإسلامي وقدمت مشروعها إلى لجنة مناقشة التقنين ووزّعته على المهتمين بالأمر من المتخصصين. وأذكر ما تضمنته الأعمال التحضيرية للقانون المدني من مناقشات حول هذا المشروع، وكان من أهم ما وجّهه الدكتور عبد الرزاق السنهوري إلى هذه المحاولة أنها شرعية الشكل وضعية المحتوى، إذ اتبعت في اختيارها للأحكام الشرعية تصنيفات الفقه الغربي ومفاهيمه، مثل «البطلان» و«القابلية للبطلان».
وذكر السنهوري أن الأولى هي أن يجري تفهم التصورات العامة للفقه الإسلامي من مادة هذا الفقه ذاته. وما ذكره السنهوري هنا، وإن كان لا يؤثر على الجهد الفقهي الحميد الذي بذلته لجنة إعداد مشروع العقد من الفقه الإسلامي، إلا أنه يصدر عن نصيحة مخلصة ونظر ثاقب؛ فإن أي مفهومٍ جزئي لا تستفاد دلالته إلا في ضوء علاقته بالمفاهيم الجزئية الأخرى وفي ضوء الأداء العام لهذه المجموعة من المفاهيم. فالعقد مفهوم عام لكنه ينقسم إلى مرحلة نشوء وتنفيذ وانتهاء، والنشوء له أركان وشروط وانتفاء موانع، ثم هناك البطلان والفساد أو القابلية للإبطال وعدم النفاذ وغير ذلك، وكل تلك العناصر أو المفاهيم الفرعية قد تختلف دلالتها من نظامٍ قانوني إلى نظامٍ آخر، ولكن الأداء العام للنظام القانوني العام يبقى واحدًا ومتماثلًا. وهذا ما يتعيّن أن نعيه وندركه عندما نقارن الأحكام الجزئية؛ أي نقارنها في إطار المفاد العام الكلّي لها جميعًا.
لا تقوم في ظني صعوبة كبيرة في هذا الشأن، لأن حركة الدراسة المقارنة سارت خطوات واسعة، سواء في التأليف أو في الرسائل الجامعية، على مدى العقود الأخيرة، وذلك في غالب مباحث القانون المدني وأساس النظرية القانونية الوضعية، ثم تلك الدراسات العديدة التي صدرت في معاملات المصارف ومباحث القانون التجاري وكذلك المجال الدستوري ونظم الحكم. وإنّ هذه الدراسات العديدة التي أنتجتها قرائح الباحثين في الفقه المقارن يمكن أن تكون موردًا في عمليات إسناد الأحكام الوضعية إلى المرجعية الفقهية الإسلامية فيما تسعه هذه المرجعية من تلك الأحكام، ومراعاة ما يقتضيه هذا الأمر من تأصيل وتعقيد نظري يبعدان عملية الإسناد عن الشطط والسطحية والتأويل الخاطئ.
***
(9)
إذا كان التنظير الفقهي مما تُدرك به الأحكام الكلية في أدائها العام، ومما يبعد عن الزلل عند مقارنة الأحكام الفرعية في نظام قانوني بما يشابهها في نظام قانوني آخر، فإن هذا التنظير الفقهي يصير ضروريًا ويجاوز حدود الاحتياج، وذلك عندما يطرق الباحث مجالات قانونية حديثة لم يتعرض لها الفقه الشرعي القديم، وذلك فيما جَدّ من مجالات تتعلق بنشاط الإنسان في الأجواء وأعماق البحار وأمور البيئة، وفيها زادت أهميتها عن أقصى ما كان يمكن أن يتوقع في الماضي فيما يتعلق بنظم الإدارة وتكوين المؤسسات الإدارية والاقتصادية وتنظيم علاقات الدول... وغير ذلك مما لا يخفى على قارئ.
إن المتابعة التاريخية للتنظير الفقهي وتعقيد الأحكام تكشف أنه قد تراخى التنظير في الفقه الإسلامي قرونًا، ولا يعني ذلك أنه لم يبدأ إلا متراخٍ، فالحقيقة أنه بدأ منذ كتب الشافعي رسالته في أواخر القرن الهجري الثاني. ولكن وجه القول بالتراخي إن لم تكن حركة التنظير مواكبة في سرعتها ومداها لحركة فقه الأحكام التفصيلية. ويبدو لي أن ما تراخى به حركة التنظير بالمعنى السابق إنما كان بسبب عدم إلحاح الحاجة إليها، بمثل ما تكون الحاجة ملحّة إلى التنظير في الفقه الوضعي العلماني، ذلك أن الفقه الإسلامي بارتباطه بإطار مرجعي عقدي إنما يكتسب شرعية أحكامه وتقبّل الناس لها ورضاءهم بالانصياع لها والطاعة من أصل الموقف الإيماني بالله وبرسوله ووجوب الطاعة لله سبحانه ولرسوله الكريم، وما يتفرع عن ذلك من تقبّل الاندراج في حاكميّة القرآن والحديث.
لذلك خضع الناس لأحكام القرآن والسنة في سلوكهم وتعاملاتهم التفصيلية وصرفوا أهم جهودهم الأولى في رصد الأحكام، بتدوين القرآن وجمعه أولًا ثم جمع الحديث وتحقيقه، وكانوا يقيسون ما لا نص فيه من وقائع شؤونهم بما ورد فيه نص قرآني أو حديثي؛ قياس حكم فرعي على حكم فرعي. والقياس يعني الصعود إلى أصل مشترك هو العلة في الواقعة المنصوصة ثم الهبوط منها إلى الواقعة المنظورة، فهو يتضمّن وجهًا تنظيريًا لكنه تنظير يحدث في أقرب المستويات إلى الأحكام التفصيلية، دون أن يصل إلى أحكام كلية عامة. ثم مع التدرّج ومع مرور الزمن وصل التنظير إلى مستوياته العليا، بمثل ما وصل لدى الشاطبي في موافقاته واعتصامه من استقراء العموم المصالح الشرعية ومقاصد الأحكام، استقراءٌ يرد من المصادر الأولية للشريعة: قرآنًا وسنة.
تلك حركة تنظير سارت سيرها الوئيد عبر القرون؛ والناس تبدأ من الجزئي إلى الكلي، ومن الخاص إلى العام ومن الفرع إلى الأصل، وهي تمارس ثم تنظر؛ هكذا صنعوا في الشعر: نظّموا الشعر وتغنّوا به قرونًا ثم أتى الخليل يستخلص علم العروض ويقوم بتنظير نظم الشعر في البحور، استقراءً ممّا كان يجري عليه المنوال. وهكذا صنعوا في علم النحو؛ إذ جرت لغتهم فيما يتحدثون به وما يكتبون صحيحة مرتبطة المعنى بالإعراب، ثم أتى سيبويه يقعد من ممارساتهم القواعد التي صيغ بها علم النحو بعد قرون. وهكذا أيضًا في علم الفقه؛ قاسوا قبل أن يسمّوه قياسًا وأعملوا القياس صحيحًا قبل أن نستخلص مناهج القياس في علم الأصول، كما كان العرب لا يخطئون في الحديث قبل أن تُقعد قواعد النحو.
ومن هنا يمكن القول إن تراخَي التنظير في الفقه كان ظاهرةً طبيعية وليست سلبية، وهو تنظير وتقعيد يأتيان في حينهما بعد الممارسة ويستخلصان من تجارب الصواب والخطأ في هذه الممارسة ويستخلصان من الأحكام التفصيلية بعد نضج التأمل فيها والمقارنة والتمحيص. ومن جهة أخرى فإن ما أدى إلى هذا التراخّي ألا توجد ضرورة ملحة توجب سرعة التنظير، بمثل ما نراه في الفقه الغربي الوضعي؛ لأنه لم تقم مشكلة تتعلق بشرعية الأحكام في الفقه الإسلامي مادامت شرعيتها مستمدة من المصدر العقدي الإيماني للمسلمين في وجوب الطاعة لأوامر الله سبحانه ونواهيه. أما الفقه الوضعي العلماني فهو يستمد شرعية الأحكام مما يسميه (القانون الطبيعي) أو «قواعد العدالة»، مما تجتمع الجماعة عليه من قيم ومبادئ وأصول، أو مما نراه فيه محقّقًا للمصلحة العليا... إلخ. وكل ذلك تبلور في عملية التنظير التي تشكّل الأحكام الكلية مستقرأةً من جهود البشر التاريخية في وضع الأحكام ومن التشريعات ومراعاة مصالحهم، والنظرية هنا ليست مجرد تعميم كُلِّيّ، ولكنها تقوم كمصدرٍ لشرعية الحكم؛ ولهذا السبب مثلًا تبلورت نظرية العقد في القانون المدني الفرنسي لتقوم على مبدأي سلطان الإرادة وأن العقد شريعة المتعاقدين... إلخ.
ونحن في التصدي لمجالات النشاط البشري والتكافل الاجتماعي التي لم تحظَ من فقهاء المسلمين بقدر اهتمام لعدم قيام بواعث هذا الاهتمام في ظروف زمانهم ومكانهم-وذلك لما أشرت إلى أمثلته صدر هذه الفقرة من أحكام تتعلق بنظم الإدارة والحكمة ومعاملات الأجواء والبيئة- نحن في هذا التصدي نحتاج إلى الجهد التنظيري الفقهي الإسلامي ليمكن منه استخلاص أصول الشريعة والشرعية الإسلامية التي تُبتغى فيها تشكيل الأحكام المنظمة لهذه المجالات.
ومن الجلي أن ما تفتّق عنه نظم الغرب في هذه المجالات هو مما لا بدّ أن يحظى بأكبر الاهتمام في دراساتنا القانونية؛ إنما ما يتعين بذله من جهد في هذا المجال إنما يكون بإجراء عملية هضم حضاري وفقهي لهذه النظم والأحكام، مما يمكن أن أشير إليه في الفقرة الأخيرة إن شاء الله.
***
(10)
ترد هنا الإشارة إلى النظم والمؤسسات وكيفية بنائها وأساليب إدارتها، وهذا المجال من أهم مجالات النظر في الفقه المقارن بين الشريعة والقانون، ذلك أن ثمة انقطاعًا مؤسسيا جرى في كل مجالات التنظيم المؤسسي للمجتمع، جرى ذلك على مدى القرنين الأخيرين، مع اختلافات تفصيلية بين كل قطر وقطر، ولا يتسع المجال لشرحه هنا، وقد لا يحتاج لذلك، وتكفي الإشارة إلى أن نظامًا كان يقوم على سلطات دولة جامعة هي دولة الخلافة انفكّ إلى نظام جماعات سياسية قطرية تقوم على حدود جغرافية أملتها الواقع أو أملتها نظرة وضعية أو استعمارية، ثم جرى تنظيم مؤسسات الحكم أخذًا من نظم الغرب بطريقة معزولة عن السياق الحضاري الغربي وعن السياق التاريخي والفكري هناك، وانهدم ما كان قائمًا في مجتمعاتنا، وعايشنا مزقًا من بقايا قديم وفسائل جديد معوّق. لم يبق إلا الأسرة كمؤسسة حفظ الله سبحانه لنا نسقها المؤسسي الفقهي والسلوكي مرتبطًا بأصول المرجعية الإسلامية.
ومن هنا وجب علينا أولًا إحياء الفكر المؤسسي الذي تفتّق عنه تاريخ الأمة الإسلامية على مدى القرون الماضية، من حيث سلطات الدولة ووظائفها المتعددة وجوانب نشاطها، ومن حيث التكوينات المؤسسية للأنشطة الاجتماعية كالأوقاف والنقابات وتكوينات المذاهب والملل. ومع هذا الإحياء للفكر المؤسسي القديم يمكن إجراء المقارنات بين وجوه الأداء الوظيفي لكل مؤسسة قديمة أو حديثة، ذلك في علاقاتها بالمؤسسات المعاصرة لها التي تحيا بينها وتجرى نشاطها بالعلاقات المتبادلة معها.
وتجب ملاحظة أن الفكر المؤسسي هنا لن يُستخلص من كتابات الفقهاء فقط؛ فهي من التجريد بما لا يتضح معه حقيقة الدور المؤسسي الذي كان يقوم به كل تشكيل مؤسسي في المجتمع من حيث خريطة توزيع السلطات والأنشطة وتبادل الخدمات المؤداة. إنما الأمر يحتاج إلى دراسة لوقائع التاريخ أيضًا بحيث يمكن استخلاص الأدوار الفعلية للنشاط المؤسسي في علاقاته الواقعية وفي توظيفه الفعلي. ومن هنا وجب بعد البحث الفقهي التاريخي الذي يكشف عن الأداء الواقعي للنظر الفقهي أن تجري المقارنة بين المؤسسات المثيلة أو المتقاربة في كل من فقه المؤسسات القديم وفقه المؤسسات الحديث الذي يدرس في معاهدنا العلمية، وذلك بملاحظة أن أداء أي هيئة أو مؤسسة لا يظهر إلا في إطار وجوه أعمالها في سياق علاقاتها مع الهيئات المعايشة لها؛ والنشاط الجزئي لن يظهر معناه ودلالته إلا في ضوء مجمل النشاط الكلّي. فليس من الصواب مقارنة دور القاضي قديمًا بدوره حديثًا إلا من خلال إدراك علاقة كل منهما بهيئات عصره. والقاضي القديم لم يكن فاصلًا في النزاعات فقط؛ إنها كانت له وظيفة اجتهادية تصل به إلى مشارف التشريع الاجتهادي أكثر مما يصل إليه قاضي النظم الجارية الآن في معظم بلادنا، وكانت له قديمًا وظيفة ولائية تزيد عن وظائفه اليوم، من حيث توزيع الصدقات ومراقبة الأوقاف وغير ذلك.
ومن ناحية ثانية فقد صِرنا اليوم على أوضاع مؤسسية واقعية يتعين عند النظر فيها -والتي نظنّ أن حياتنا تجود بها- أن نبدأ منها إصلاحنا أو على الأقل أن تدخل واقعها في حسابنا. ولكننا ننظر في هذا الأمر مبتدئين من عيوب الانبهار بالغرب ومحاكاته ومن أوزار ما لم ينفعنا من بقايا الماضي، شريطة أن تُنظر في مؤسسات الماضي التي جرى إضمارها أو صارت آفلة بسبب انصرافنا عنها محاكاةً للجديد الوافد من الغرب، أو لظنّ خاطئ بأنه في تركنا لها نفعٌ لنا. أقول: يتعيّن أن نعيد النظر في شأن هذه المؤسسات ونعيد تقويم دورها في المجتمع لنعيد إليه ما يصلحُ لنا منها، أو نقوّي ونعتني بما ضعف منها لدينا. ومثال ذلك مؤسسة الوقف التي كانت تقوم بدور فعال في تجميع المبادرات الفردية والأهلية والقيام بأعمال الخدمات الاجتماعية من حيث التعليم والمداواة وسدّ حاجات المحتاجين في شؤون الحياة المختلفة. ومن هنا فإن الدراسة المقارنة الفقهية يحسن في ظني أن تدخل في اعتبارها جانبًا من بيان الأداء الاجتماعي لهذه المؤسسات، والمقارنة بينه وبين المؤسسات الاجتماعية الحديثة، ووجوه التطوير الفقهي للمؤسسات التقليدية بما يُجود به أداؤها الوظيفي في الأُطُر الاجتماعية المعاصرة، ووجوه الأخذ في هذه الإصلاحات من التنظيمات الواردة وأساليبها في بناء المؤسسات.
ومن ناحية ثالثة فإن من أوضاع المؤسسات العاملة في المجتمعات الإسلامية الآن ما جرى اقتباسه من نظم الغرب وهيئاته، وقد أثبت قدرًا من الفاعلية وإمكان تحقيق الرشد من خلاله في الأنشطة الاجتماعية المختلفة، مثل النظام النيابي ونُظم النقابات المهنية والعديد من أساليب الإدارة ومناهج تقسيم العمل وتوزيعه على العديد من المؤسسات مع أساليب اتخاذ القرارات الجماعية وتشكيل النظم المجلسية التي تتخذ فيها القرارات بالأغلبية ولا تُنسب إلى من وافق على القرار، وإنما تكون منسوبة إلى الهيئة بمجملها بما تحتويه من أغلبيات وأقليات. كل هذه التكوينات إنما يجري بذل الجهد الفقهي الشرعي لإجراء عمليات الهضم الفقهي والعقدي لها، بطريق الاستئناس الشرعي بأحكامها ونُظمها، ما تيسر ذلك وما أمكن.
ومن ناحية رابعة فإنه يحسن في ظني -تفريعًا عن دراسة المؤسسات-دراسة المراكز القانونية التي تنجم عن النشاط المؤسسي أو من النشاط فيه، كما قد تنجم عن العلاقات العقدية ونُظُم المعاملات الخاصة؛ ذلك أن النُّظم المؤسسية تُبنى على قواعد وأحكام لائحية منظمة لأساليب عمل المؤسسة وأوضاعها ووجوه نشاطاتها وتوزيع الاختصاصات بداخلها وطريقة تتابع أدائها الداخلي حتى تستقيم أداءً عامًا مناسبًا وعلاقات أجهزتها بعضها ببعض وعلاقات العاملين بها بهيئاتها... وهكذا. كما أن النظم العقدية في العلاقات الخاصة إنما تقيم أنماطًا من العلاقات التي تخضع لأسلوب تعامل نمطي شبه مقنّن بمثل ما نسميه في فقه القانون الحديث بالقواعد والأحكام الآمرة، وبمثل ما يُسمى في الفقه الشرعي بأحكام الجعلية. هذا النمط من العلاقات القانونية والشرعية المنظمة من شأنه أن يكون مراكز قانونية؛ أي وضعًا يفيد تجميعًا للمجموعة من العلاقات القانونية ومجموعةً من الولايات والصلاحيات مما يكون مجموعةً من الحقوق والواجبات الملائمة لتفصيل تلك العلاقات والولايات. وأظنّ أنه يحسن إجراءُ الدراسات المقارنة بين القانون والشريعة من هذه الزاوية، زاويةَ المراكز القانونية؛ أي مجموعةَ الحقوق والواجبات التي تتجمع عن وضع شرعي أو قانوني معين، سواء في مجال نظم الدولة والمجتمع أو في مجال العلاقات الخاصة. وما يجوز من مراكز قانونية تفتق عنها فقه القانون الغربي من جوانبه التنظيمية المختلفة يمكن بذل الجهود الفقهيّة الشرعية لإجراء عمليات الهضم الفقهي والعقدي له بطريق الإسناد الشرعي وبطريقة التعديل في هياكل المركز القانوني بما يلائم التصورات الشرعية الأساسية.
***
(11)
أشرت في الفقرتين السابقتين إلى موضوع الهضم الحضاري والعقدي عن طريق الإسناد الشرعي للأحكام والنظم ذات الأصل الوضعي أو التي وفدت إلينا من أصول حضارية وعقدية أخرى. وأحاول هنا أن أجمع من ثنايا هذه الورقة ما أقصده من ذلك.
يتعيّن في ظني أن نبدأ ننظر في المفهوم الوافد أو نظام المؤسسة الوافد أو المركز التعاوني أو أسلوب منظّم واحد من أصناف المعاملات؛ ننظر في أيٍّ من هذه الأمور من وجهة نظر الشريعة الإسلامية وأحكامها الكلية، وننظر فيما إذا كانت تسع هذا الأمر الوافد أم لا من حيث الغاية من أدائه ووجه الحاجة الشرعية التي يستجيب إليها ويحققها، مثال ذلك: المجالس النيابية أو المصارف أو الشيك... إلخ.
ثم نعمل على أن نفصل أو على الأقل نميّز بين ما هو «نموذج تنظيمي» وبين «النظام القانوني العام»، أي نميّز بين الجزء المراد الاعتناء به وبين التنظيم الأشمل الذي يشمل ما يحيط بالنظام من أفكار ومعتقدات وتصورات عامة وقيم ومبادئ ومثل وأجهزة أو نماذج تنظيمية أخرى يجري التبادل بينها جميعًا. إن الشجرة جذور وجذوعًا وأغصانًا وفروعًا وأوراقًا وأزهارًا وثمارًا، ونحن عندما نجدُ لنا حاجةً في أوراقها لا يتحتم أن نأخذ الشجرة كلها من جذورها، إنما نستخرج منها ما لنا فيه حاجة ونضمّه إلى ما نراه لنا ونلفتُه لدينا. فالنظام النيابي مثلًا يعتمد في الغرب على مبدأٍ هو سيادة الأمة التي تشير إلى إطارٍ مرجعي علماني، ونحن عندما نحتاج إلى النموذج النيابي ننظر فيهما إذا كان يمكن استخلاص هذا النموذج وانتزاعه من الفكرة الفلسفية الكامنة وراءه؛ فإن أمكن -وهو ممكن- لزِم تمييزه عنها وفصله. كما يلزم قطع ما بين الحكم المطلوب استخلاصه وبين مصدره التشريعي في النظام الأخير. وإذا كان يعلق به بعض ما لا تسعه أصول الموقف الإسلامي عقيدةً وأحكامًا، وجب العمل على تخليصه من ذلك الأمر إن أمكن وإلا خرج كليةً، مثل وجوب التخلية بين المصارف المالية وبين النظام الربوي. فهناك تخليص من الموانع الشرعية وتخليص من العقائد المخالفة وتخليص من السياق التاريخي والواقعي غير المناسب.
ثم نعمل على وصل الحكم المأخوذ أو النموذج التنظيمي المستعار، وصله بأصول العقيدة الإسلامية وبالأحكام والتنظيمات السائدة في المجتمع؛ أي أن يجرى هذا الوصل على طريقين: أولهما وصل فكري بحيث تكون مجموعة الأحكام أو النماذج المأخوذة مرتبطة في أفكارها وأحكامها مع الأصول العقدية والفقهية السائدة في المجتمع والمنظمة لعلاقات البشر فيه والمتصلة بالتطوير بأنساقه الثقافية ومفاهيمه الكلية. وثانيهما وصل تنظيمي يتعلق بربط هذا الحكم أو النموذج التنظيمي بالهياكل التي تنظم التعامل بين الناس، بحيث يمكن ضمان أن إعمال هذا الحكم أو النموذج لن يؤدّي إلى اضطراب في النسق التنظيمي العام لنظام المعاملات أو هياكل المؤسسات المنظمة لأنشطة المجتمع.
وبعد، فهذا ما عندي من ملاحظات في هذا الموضوع؛ أسأل الله سبحانه أن يكون فيها بعض ما ينفع.
والحمد لله.
لتحميل ملف الدراسة
رابط الجزء الأول من الدراسة
رابط الجزء الثاني من الدراسة
___________________
* بحث قدم لندوة انعقدت بجامعة قطر في ديسمبر سنة 1995، ونُشر بصحيفة الحياة اللندنية على ثلاث حلقات في الأسبوع الأول من مارس سنة 1996، كما نُشر أيضا في كتاب البشري: الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، دار الشروق، الطبعة الأولي، القاهرة: 1996.
** المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري (1933–2021) قاضٍ وفقيه قانوني ومؤرخ مصري بارز، شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، ورأس لجنة التعديلات الدستورية عقب ثورة 25 يناير 2011. عُرف بعمق فكره القانوني والإصلاحي، وبدراساته في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي والعلاقات بين التيارات الإسلامية والعلمانية، ومن أبرز مؤلفاته الحركة السياسية في مصر 1945–1952 والمسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، وسلسلة كتب أصدرها تحت عنوان رئيسي «في المسألة الإسلامية المعاصرة» بدأ صدورها سنة 1996م بالعناوين التالية: ماهية المعاصرة، الحوار الإسلامي العلماني، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.