مذكرات رجال القانون والقضاء "محاكمة ثورة يوليو"

By د. محمد الجوادي كانون2/يناير 08, 2024 1629 0

صدرت الطبعة الأول من هذا الكتاب عن دار الخيال في عام 1999م، وحسبما جاء في مقدمة هذا الكتاب:

يتناول هذا الكتاب مذكرات مجموعة من القضاة والقانونيين الذين شهدوا عـصرنا الحاضر بكل ما فيه، وكتبوا عما رأوا أنه يستحق الكتابة عنه. ومن الواجب أن نعترف منذ الفقرة الأولى لهذه المقدمة بأن هؤلاء قد تحدثوا في مذكراتهم عن الهموم العامة والهموم الخاصة على حد سواء، ولم ينفصلوا أبدًا عن النسيج العام للأحداث التي مرت بوطنهم وبشعبهم، ومع هذا فإن انفعالهم بالأحداث المتوالية والمتتالية لم يكن مختلفًا عما هو متوقع من ضمائرهم، ضمائر رجال القضاء والقانون التي يكون لها اتجاه متميز ومتفرد تجاه الحكم على الأمور، هذه الضمائر القادرة على إصدار أحكام لا يسهل على كل الناس ولا على عامتهم أن يتنبأوا بها. فهؤلاء يقضون فيما يشجر أمامهـم لا كما يقضي الرأي العام، ولا كما يقضي الانفعـال السريع، ولا كما يقضي المنطق الشخصي، ولا كـمـا تقـضي الضرورات السياسية، وإنما يقضون تبعًا لما يرون أنه الحق وأنه العدل، وتثبت لنا المذكرات التي بين أيدينا أن أغلب هؤلاء قد انتهجوا في كتابتهم لها نهجًا قريبًا جدًا من نهجهم في كتابة المذكرات القضائية وفي كتابة الأحكام القضائية، فهم حريصون على النتائج وارتباطها بالمقدمات، وحريصون على التثبت من صحة الوقائع التي يبنون عليها أحكامهم، وحريصون كذلك على أن يستدلوا لأحكامهم بمرجعية تطمئن لها ضمائرهم، وأقلامهم... هذا من حيث المنهج.

أما من حيث الشكل فلا تكاد مذكرات القضاة والقانونيين تبتعد عن مذكرات أصحاب المهنة إلا بمقدار ما تبتعد طبيعة العمل الذي مارسه صاحب المذكرات عن جوهـر القضاء والقانون، ولهذا فإن القاضي الحاسم الحازم الذي في ثياب محمد عصام الدين حسونة، ومحمد عبد السلام، وممتاز نصـار، وحسن عبد الغفار، وماهـر برسوم، يتحول إلى مستشار قانوني في ثياب كل من محمد عبد السلام الزيات وجمال العطيفي دون أن يفقد جوهر البحث عن العدالة وتحريها.

وأما من ناحية النتيجة فإننا نحصل من مذكرات هؤلاء القضاة والقانونيين على أحكام واضحة وصريحة بالإدانة، يدينون بها مسئولين كبارًا دون أن يهتز لهم جفن ودون أن يهتز في أيديهم قلم، نحصل على هذه الإدانة الواضحة والصريحة والقاطعة من هذه المذكرات، مع أن المذكرات على وجه العموم لا تفعل هذا، ولكن مذكرات القضاة والقانونيين التي بين أيدينا تفعل هذا بثقة واطمئنان وتقدم لـنا أحكامها بدون تلميح ولا إبطاء، وحين تفعل ذلك فإنها تقدمه في إطار الأحداث العامة ونسيجها بدون تكلف أو اصطناع وبدون رغبة في اختلاق الفرصة، ولا في انتهاز الفرصة من باب أولى!!

ومن الحق أن جيل القضاة والقانونيين قد رأوا في الفترة الماضية من حياتنا أحداثًا كانت كفيلة بهز ثقتهم في أشياء كثيرة، ويكفى أنهم قد التحقوا بهذا المجال الوظيفي، وهو يومئذ أفضل المجالات وأرقاها وأكثرها مجلبة للمجد وللفخار، لكنهم ووجهـوا بعد سنوات قليلة بثورة وطنية تكرس نظامًا للحكم لا يعتمد على القانون بقدر ما يتجاوزه في أحيان كثيرة، بل ويصل الأمر ببعض أقطاب هذا النظام إلى أن يطلبوا من رجال القانون أن يكيفوا القانون مع النظام، وأن يكفوا عن محاولة تكييف النظـام وأوامره ونواهيه طـبقًا للقانون؛ لأن ذلك لا يقود إلى التقدم ولا إلى تحقيق مصالح الشعب التي يحرص النظام عليها. ومع هذا فقد بذل أغلب هؤلاء القضاة جهدهم في أن يعلـوا من شأن القانون بقدر ما كان ممكنًا لهم أن يعلوا من شأنه، وفي الصفحات التي سطروها في مذكراتهم لا يقف صراعهم عند حدود الآخرين، ولكنه في أحيان كثيرة ينطلق إلى نفوسهم وقلوبهم وضمائرهـم وهم يتأملون هذا الذي يحدث دون أن تكون لهم طاقة على دفعه ولا على تحجيمه.

ومن أهم ما تلفت المذكرات التي بين أيدينا نظرنا إليه، ذلك الإصرار الأكيد والواضح عند جمال عبد الناصر في فترات ممتدة من حكمه على أن يستعين بعدد من كبار رجال القانون المشهود لهـم بالكفاءة والصرامة، ولولا أن هذا كـان من الأخلاق التي راودت عبدالناصر لفترات طويلة، ما كان عصام حسونة ولا محمد عبد السلام ولا ممتاز نصار من أولي الرأي، ولا من رجال الحكم في فترة الستينيات العصيبة، ومع هـذا فإني مع حبي لعبد الناصر وتعاطفي معه لا أستطيع إلا أن أعـجب: كيف ينقلب هذا كله إلى التضحية بعصام حسونة والبحث عن وزير بديل، فلا يكون البديل إلا أبو نصير، ثم تتسارع الخطوات حتى تقع مذبحة القضاة بكل ما تحمله من دلالات وإدانات لا تنتهى!!!

ومن ناحية أخرى فإن مما يشرف عبد الناصـر إلى أبعد حد أن محمد عبد السلام قد استطاع، وهو نائب عام، أن يحقق كل مـا حقق، وأن يقرر كل هذا الذي قرره، وأن يتصرف على هذا النحو الذي تصرف به، على الرغم من سطـوة المتهمين وذويهم، والمخالفين وذويهم، والمرتشين وذويهم، والمحقق معهم وذويهم.

ومع هذا.. فإني لا أستطيع أن أبرئ النظام ولا عبـد الناصر نفسه مـن إبعاد محـمد عبد السلام في نهاية الأمر عن منصبه إلى منصب آخر..، ولكنى أستطيع أن أصور الأمر على أن عبد الناصر كان يستطيع تحمل التعددية والتسامح مع الآخر إلى حد ما، قد يكون أربعين في المائة أو أقل، وقد يكون ستين في المائة أو أكثر.. ولكنه على أية حال كان يتمتع بقدر محدد وإن لم يكن محدودًا من التسامح والتحمل Tolerance ولم يكن يتمتع بأكثر من هذا القدر.

ولعلي أريد أن أصل من هذا إلى حقيقة تتعلق بمستقبلنا لا بماضينا فحسب، ولعل القارئ فهم ما أقصد إليه من أن نحاول أن نربي في أجيالنا القادمة درجات أعـمق من القدرة على تقبل الرأي الآخر والإفادة منه، وتقدير فضل الذين يدلوننا على الفساد حتى وإن كان قريبًا منا ومحسوبًا علينا، ذلك أنه لـو أن قدر التسامح والاحتمال عند عبد الناصر كان قد فاق ما كان موجودًا عنده بالفعل ولو بـخمس وعشرين في المائة فقط، لاستطاع أن يجتاز فترة حكمه كلها دون أن تشوبها الآثار السيئة والضارة والمؤذية لمذبحة القضاة في سبتمبر عام 1969م على سبيل المثال.

قد لا يجيز لنا التاريخ أن نتمادى في استعمال «لو» والخضوع لها ولجملتي الشرط والجواب اللتين تعقبانهـا بالضرورة، ولكن التفكير العقلي قد يتيح لنـا التفكير في مثل هذا الافتراض، ولو أن عبد الناصر كان قد استبقى عصام حسونة ومحمد عبد السلام في موقعيهما المهمين في ١٩٦٨م، ولم يلجأ إلى ما لجأ إليه من تبـديل وتغيير (لـم يكن إلى الأفضل وإنما إلى الأسوأ..) لو أن عبد الناصر فعل هذا لكان قد نجا تمام النجاة من جرم مذبحة القضاة وما أعقبها..، وبودي لو وجدت واحدًا من الذين يدافعون بالفلسفة عن بعض ما شاب عهد عبد الناصر قادرًا على أن يخبرني أو ينبئني عما كسبه عبد الناصر على سبيل المثال من هذا التغيير وإبعاد هذين الرجلين!!

وأغلب الظن أن أقصى ما يمكن للمدافعين عن عبد الناصر أن يجيبوا به أن هذا العبث كان من تأثير مراكز القوى لا من فعل عبد الناصر نفسه.

لا أحب بطبعي أن أتمادى في قضايا السياسة مع كل جاذبيتها، فهذا أمر يسير، ولكن الأولى منه أن ألفت نظر القارئ إلى الجوانب الأخرى التي تتضمنها هذه المذكرات، وفي هذا الصدد فإني أود أن ألفت النظر إلى معاناة رجال القضاء مع سلكهم الوظيفي والأهواء التي تعصف به من قديـم (وهو ما نطالعه بقوة في مذكرات المستشار حسن عبد الغفار بل وجمال العطيفي)، وإلى معاناة رجال القانون من الاتجاهات السياسية المستخفية التي تكاد تعصف بالحكمة والعقل (وهـو ما نراه في مذكرات محمد عبد السلام الزيات، وفي مذكرات ممتاز نصار إلى حد ما)، وإلى معاناة النظم القضائية من بعض التقلبات السياسية المفاجئة (وهو ما نراه في مذكرات ماهر برسوم)، وإلى معاناة الضمير الوطني المستقل من ديماجوجيات المسئولين الكبار، سـواء فيمـا قبل الثورة أو ما بعدهـا (وهو ما نقرأه في مذكرات عصام حسونة، ومذكرات محمد عبد السلام، ومذكرات ممتاز نصار).

بقي أن أذكر أنني تناولت من قبل مذكرات واحـد من القانونيين في كتابي «مذكرات وزراء الثورة» الذي صدر عام 1995م، وهي مذكرات الدكتور أحمد خليفة الذي تولى وزارتي الأوقاف والشئون الاجتماعية، وقد كان وصوله إلى منصب الوزارة مبكرًا عن أقرانه بعدما نجح في أن يفوز في الانتخابات البرلمانية، وبدأ صوته يلمع في مجلس الأمة، ولمذكراته طابع سياسي واجتماعي مهم يكـمـل المنظورات التي كتبت بها المذكرات التي بين أيدينا، وأعتقد أن من حق القارئ أن يضـم الباب الخاص بهذه المذكرات إلى أبواب هذا الكتاب لولا أني لا أستطيع أن أكرر بابًا في كتابين مختلفين..، وسوف نرى كثيرًا من صور الاتحاد في الشكل والمضمون بين تلك المذكرات والمذكرات التي يتناولها هذا الكتاب، فنحن نرى في الباب الثالث من هذا الكتاب محمد عبد السلام يصل وهو النائب العام إلى نفس النتائج التي حدثنا عنها أحمـد خليفة فيما يتعلق بحماية المال العام والخوف على القطاع العام أن يتحول إلى الإقطاع العام، كما نرى جمال العطيفي يصل إلى ذات المعطيات التي تحدث عنها أحمد خليفة فيما يتعلق بعلاقة المجتمع والقانون وهكذا...

ولما كنت قد تعودت في مقدمات كتبي أن أشير إلى زمن كتابتها، فقد بدأت كتابة هذا الكتاب عام سبعة وثمانين (١٩٨٧م) ولم أنته منه إلا في مطلع ١٩٩٩م، وبالقطع فإن كتابة هذا الكتاب لم تستغرق اثني عشر عامًا، ولكنها امتدت طوال هذه الفترة، وبالطبع فقد أعدت كتابته أكثر من مرة كما سوف يلحظ القارئ في كثير من فقراته.

وفي كل الأحوال فإن المذكرات التي نعرض لها في هذا الكتاب تحفل بكثير من المتعة الذهنية والعقلية، وبكثير من حب المهنة والناس، وبكثير من الأدب الرفيع والفكر السامي، وبكثير من الخلق الذي لا يباري وربما لن يتكرر.

وكلي أمل في أن يستمتع القراء بما استمتعت به، وأن يستزيد فكرهم ويستضيء بما في هذه الفقرات الجميلة من نور الحق وضياء الحقيقة.

وإني لأرجو الله أن يغفر لي كل ما أكون قد وقعت فيه من ضلال أو تقصير، أو مجافاة للحـق أو العدل أو القيم العليا، وأن يتقبل عملي، وأن يعينني عليـه وعلى نفسي، وأن يجعلني قادرًا على رد فضل وطني ومواطني على، وأن يجعلني كذلك قادرًا على الوفاء بحقوق نعم الله التي لا تحصى ولا تعد على.

محتويات الكتاب:

  • الباب الأول: "شهادتي - ثورة 23 يوليو وعبد الناصر"، للمستشار محمد عصام الدين حسونة.
  • الباب الثاني: "معركة العدالة في مصر"، للمستشار ممتاز نصار.
  • الباب الثالث: "سنوات عصيبة"، للمستشار محمد عبد السلام.
  • الباب الرابع: "من منصة الاتهام"، للدكتور جمال العطيفي.
  • الباب الخامس: "آراء في الشرعية وفي الحرية"، للدكتور جمال العطيفي.
  • الباب السادس: "مصر إلى أين"، لمحمد عبد السلام الزيات.
  • الباب السابع: "السادات: الحقيقة والقناع"، لمحمد عبد السلام الزيات.
  • الباب الثامن: "مذكرات مستشار مصري"، للمستشار ماهر برسوم عبد الملك.
  • الباب التاسع: "ذكريات مستشار"، للمستشار حسن عبد الغفار.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

Rate this item
(0 votes)

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.