أعلنت منظمة الزكاة العالمية عن إصدار جديد للقرارات الدولية الفقهية والمحاسبية المتعلقة بالزكاة، يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين الشريعة الإسلامية والتطورات المحاسبية العالمية. يشمل هذا الإصدار ثمانية قرارات، أربعة منها في الجانب الفقهي وأربعة في الجانب المحاسبي. تسعى المنظمة من خلال هذه القرارات إلى تطوير فهم الزكاة وتحسين آليات حسابها وتوزيعها بشكل يتماشى مع متطلبات العصر الحديث، مع الحفاظ على أصالتها الإسلامية.

هذا الإصدار، الذي يغطي الفترة حتى رمضان 1445هـ (أبريل 2024م)، هو نتاج جهود طويلة من البحث والاجتهاد الجماعي من قبل خبراء الزكاة وعلماء الشريعة والمحاسبة. يتناول التحديات التي تواجه تطبيق الزكاة في العصر الحالي، سواء من الناحية الفقهية أم المحاسبية، ويقدم حلولًا تعزز من دور الزكاة كأداة اقتصادية واجتماعية مهمة.

 

منظمة الزكاة العالمية:

تأسست منظمة الزكاة العالمية في ديسمبر 2019 في المملكة المتحدة، وهي مؤسسة دولية غير ربحية تسعى لتعزيز فريضة الزكاة عالميًا. تعمل المنظمة على تطوير المفاهيم الفقهية والمحاسبية المتعلقة بالزكاة ونشر ثقافتها من خلال تبني آليات تنظيمية وتشريعية فعالة. تستند رؤية المنظمة إلى تحقيق التمكين الحضاري للزكاة عبر العالم من خلال تعزيز مكانتها كركن أساسي من أركان الإسلام ودمجها في مؤسسات الاقتصاد العالمي. أما رسالتها فتتمثل في تحسين وتطوير التشريعات والنظم المؤسسية المرتبطة بالزكاة، بما يضمن تحقيق التكافل الاجتماعي والتنمية المستدامة.

 

 الأهداف الاستراتيجية للقرارات: 

تتمحور القرارات الدولية الجديدة حول عدة أهداف رئيسية تهدف إلى تحديث تطبيق فريضة الزكاة، من بينها:

  1. النهوض بفكر الزكاة وتجديد مفاهيمها: من خلال تطوير الأسس الفقهية التي تنظم الزكاة وفقًا للتحديات المعاصرة.
  2. تمكين المؤسسات الزكوية: تعزيز الدور المؤسسي للزكاة من خلال تقديم حلول تشريعية وتنظيمية واضحة تسهم في تحسين إدارة الأموال الزكوية.
  3. دمج الزكاة في الاقتصاد العالمي: تعمل القرارات على تحقيق توافق بين فريضة الزكاة والنظم الاقتصادية العالمية، مما يسهم في تعزيز دورها في دعم الاقتصاديات الوطنية والدولية.
  4. التوعية بالزكاة: نشر ثقافة الزكاة بين المجتمعات الإسلامية، والتأكيد على دورها في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

 

 القرارات الفقهية: تأصيل فقهي لمفاهيم الزكاة الحديثة: 

تتضمن القرارات الفقهية أربعة جوانب أساسية تعالج القضايا الفقهية المرتبطة بحساب الزكاة وشروط وجوبها والأموال التي تجب فيها. وهذه القرارات هي:

  1. منهج الاستدلال الأصولي في فقه الزكاة:

   يوضح هذا القرار المنهج الأصولي الذي يتبعه العلماء في استنباط أحكام الزكاة، وذلك من خلال الاعتماد على مصادر الشريعة الأساسية مثل القرآن والسنة والإجماع. يستند القرار إلى الاجتهاد الجماعي في القضايا المستجدة التي تتعلق بجمع الزكاة وصرفها، ويؤكد على أهمية إعادة النظر في بعض الأحكام التقليدية لتتناسب مع الأوضاع المعاصرة.

  1. علة الزكاة:

   يتناول هذا القرار العلة الشرعية التي تستند إليها وجوب الزكاة، وهي وصف الغِنى. يحدد القرار متى وكيف يعتبر الشخص غنيًا بناءً على الشريعة الإسلامية، ويعتمد على الأدلة من القرآن والسنة التي تربط وجوب الزكاة بامتلاك نصاب معين من المال. كما يعالج القرار مسألة تحديد الأصول المالية التي يجب فيها الزكاة وكيفية قياس ذلك وفق الضوابط الشرعية.

  1. الأموال الزكوية:

   يقدم هذا القرار شرحًا تفصيليًا للأموال التي يجب فيها الزكاة، بما في ذلك الأموال النقدية، الأصول التجارية، الأصول الثابتة، وغيرها. يعتمد القرار على اجتهادات الفقهاء السابقة، ويوضح كيفية تطبيق هذه الأحكام في ظل الظروف الاقتصادية المعاصرة. كما يناقش القرار إمكانية تطبيق الزكاة على الأموال المستثمرة والأصول الرقمية.

  1. شروط وجوب الزكاة:

   يعالج هذا القرار الشروط الأساسية التي يجب توفرها لوجوب الزكاة، بما في ذلك شرط بلوغ النصاب ومرور الحول. يوضح القرار الفروق بين الشروط القديمة وكيفية تطبيقها في العصر الحديث، مع تسليط الضوء على أهمية ضمان توافر الشروط الشرعية دون تفريط في مقاصد الشريعة.

 

القرارات المحاسبية: ضبط عملية جمع الزكاة وصرفها

في الجانب المحاسبي، قدمت منظمة الزكاة العالمية أربعة قرارات تهدف إلى تحسين آليات حساب الزكاة وتوزيعها، مع التركيز على تطبيق المعايير المحاسبية الحديثة لضمان الشفافية والدقة في إدارة الأموال الزكوية. تشمل هذه القرارات:

 

  1. أصول محاسبة الزكاة:

   يتناول هذا القرار الأسس التي تقوم عليها عملية محاسبة الزكاة، بما في ذلك الأصول التي تجب فيها الزكاة وآليات حساب قيمتها. يساعد القرار المؤسسات المالية على وضع نظم دقيقة لضبط عملية حساب الزكاة وفقًا للمعايير الشرعية، مع توضيح المعايير المتعلقة بالأموال النقدية والأصول الثابتة.

  1. معيار الأصول الستة لحساب الزكاة:

   يقدم هذا القرار تفصيلًا للأصول الستة التي تجب فيها الزكاة، مثل الأصول النقدية، الأصول التجارية، والأصول المعدة للاستثمار. يهدف القرار إلى توحيد المعايير المحاسبية في مختلف المؤسسات لضمان تحقيق الشفافية والعدالة في حساب الزكاة على هذه الأصول.

  1. معيار صافي الغنى لحساب الزكاة:

   يعالج هذا القرار كيفية حساب صافي الغنى الذي تجب فيه الزكاة. يحدد القرار المعايير الدقيقة لتقييم أصول الفرد أو المؤسسة، مع توضيح كيفية حساب الديون والاستثمارات. يهدف القرار إلى تقديم نموذج محاسبي يتيح للمحاسبين والمتخصصين حساب الزكاة بدقة مع مراعاة المتطلبات الشرعية.

  1. معيار المحاسبة للمنظمات الخيرية:

   يتناول هذا القرار المعايير المحاسبية التي يجب أن تتبعها المنظمات الخيرية في إدارة الأموال الزكوية، ويوضح كيفية ضبط الأموال وجمعها وصرفها بطريقة شفافة تضمن استخدام الأموال في الأغراض المحددة لها وفقًا للشريعة. يساعد هذا القرار على تحسين عملية الرقابة المالية في المؤسسات الخيرية.

 

الهيئات العلمية المعنية بإصدار القرارات:

تستند منظمة الزكاة العالمية إلى ثلاث هيئات علمية متخصصة للإشراف على عملية إصدار القرارات الفقهية والمحاسبية، وهي:

  1. اللجنة الفقهية:

   تضم هذه اللجنة مجموعة من العلماء المختصين في فقه الزكاة، وتُعنى بصياغة ومراجعة القرارات الفقهية. تقوم اللجنة بإجراء الأبحاث والمراجعات الشرعية لضمان توافق القرارات مع أحكام الشريعة الإسلامية.

  1. اللجنة المحاسبية:

   تختص هذه اللجنة بوضع المعايير المحاسبية لحساب الزكاة، وتعمل بالتنسيق مع خبراء المحاسبة المالية لضبط آليات جمع الزكاة وصرفها. تعتمد اللجنة على أحدث المعايير المحاسبية الدولية لتقديم حلول عملية تتوافق مع متطلبات العصر الحديث.

  1. مجلس خبراء الزكاة:

   يتألف هذا المجلس من نخبة من العلماء والخبراء الدوليين المتخصصين في فقه الزكاة والمحاسبة المالية. يشرف المجلس على مراجعة القرارات والمصادقة عليها قبل إصدارها بشكل رسمي. يساهم المجلس في تطوير الأُطر التشريعية والتنظيمية التي تعزز من دور الزكاة في المجتمعات الإسلامية.

 

 آليات إصدار القرارات

تمر عملية إصدار القرارات الفقهية والمحاسبية بعدة مراحل لضمان دقتها العلمية والشرعية. تبدأ هذه المراحل بجمع الدراسات والأبحاث الأولية، مرورًا بمراجعة النصوص من قبل الهيئات العلمية، ثم عقد جلسات استماع مع الخبراء قبل اعتمادها وإصدارها بشكل رسمي.

تشمل مراحل إصدار القرارات ما يلي:

  1. الورقة صفر:

   تمثل المرحلة الأولى في عملية إصدار القرارات، حيث يتم تحديد موضوع القرار وجمع المعلومات والبيانات الأولية التي ستشكل الأساس العلمي له. في هذه المرحلة، يتم توجيه الدعوات للباحثين والخبراء لإعداد أبحاث متخصصة تتناول الموضوعات المطروحة.

  1. الاستكتاب العلمي:

   في هذه المرحلة، تتم مخاطبة الخبراء والباحثين لكتابة مقالات ودراسات علمية حول الموضوعات التي سيتم تضمينها في القرار. تقوم اللجنة العلمية بدراسة هذه الأبحاث ودمجها في مسودة أولية تعرف باسم "الورقة صفر".

  1. الورقة البيضاء:

   تُعد الورقة البيضاء المسودة التحضيرية الأولى للقرار، وهي تتضمن نصوص المواد الفقهية أو المحاسبية التي سيتم عرضها. يتم مراجعة الورقة البيضاء من قبل الهيئات العلمية المختصة لضمان توافق النصوص مع الشريعة الإسلامية والقوانين المحاسبية الحديثة.

  1. الورقة الزرقاء:

   تمثل الورقة الزرقاء المرحلة التالية في إصدار القرار، حيث يتم تطوير النصوص الفقهية أو المحاسبية وإضافة المذكرات التوضيحية. يتم في هذه المرحلة إجراء المراجعات النهائية قبل تمرير القرار إلى مجلس خبراء الزكاة والهيئة الاستشارية للمراجعة.

  1. الورقة الخضراء:

   تعد الورقة الخضراء المسودة شبه النهائية للقرار، وهي تحتوي على النصوص المعدلة بناءً على الملاحظات المقدمة في الورقة الزرقاء. يتم تضمين الشروحات التوضيحية لتسهيل فهم القرارات وتفسيرها بشكل واضح.

  1. جلسة الاستماع:

   تُعقد جلسة استماع تجمع بين الخبراء والمختصين في فقه الزكاة والمحاسبة، حيث يتم مناقشة النصوص الفقهية والمحاسبية للقرار. تُتاح في هذه الجلسة الفرصة لتقديم المداخلات والملاحظات من قبل الحاضرين، والتي تُؤخذ بعين الاعتبار في المراحل اللاحقة.

  1. الاعتماد العلمي:

   بعد استكمال جلسة الاستماع وإجراء التعديلات النهائية، يتم اعتماد القرار بشكل رسمي من قبل مجلس خبراء الزكاة. تُعتبر هذه المرحلة خطوة حاسمة في التأكد من أن القرار يعكس الأهداف الاستراتيجية والشرعية المطلوبة.

  1. الإصدار الرسمي:

   بعد الاعتماد النهائي، يتم إصدار القرار بشكل رسمي ونشره عبر وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمنظمة. يهدف الإصدار الرسمي إلى توفير القرارات للمؤسسات المعنية وأفراد المجتمع الإسلامي، لتعزيز الشفافية وتحقيق أقصى فائدة من تطبيق الزكاة.

يعتبر إصدار منظمة الزكاة العالمية للقرارات الدولية الفقهية والمحاسبية لعام 1445هـ - 2024م، خطوة هامة نحو تجديد وتطوير فريضة الزكاة لتكون أكثر توافقًا مع متطلبات العصر الحديث. تسعى هذه القرارات إلى تحقيق توازن بين الأصول الشرعية والمحاسبة الحديثة، ما يعزز من فعالية الزكاة في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية.

تعمل المنظمة من خلال هذه القرارات على توفير مرجعية علمية موثوقة يمكن للمؤسسات الإسلامية والاقتصادية الاعتماد عليها في حساب الزكاة وجمعها وتوزيعها. ومن خلال تنظيم عمل الزكاة بشكل دقيق وشفاف، يمكن لهذه القرارات أن تسهم في تعزيز دور الزكاة كأداة فعّالة لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية في العالم الإسلامي.

تأتي هذه الجهود في إطار رؤية شاملة تسعى إلى تطوير دور الزكاة في دعم الاقتصادات الإسلامية والعالمية، مع التزام تام بالمقاصد الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بهذه الفريضة. تدعو منظمة الزكاة العالمية المؤسسات والأفراد إلى الالتزام بهذه القرارات والعمل على تطبيقها لتحقيق الأهداف المرجوة منها.

رابط تحميل ملف قرارات منظمة الزكاة العالمية: هنا

__________________________

المصدر:

قرارات الزكاة الدولية (الفقهية والمحاسبية) الصادرة عن منظمة الزكاة العالمية، حتى رمضان 1445ه‍ - أبريل 2024م، https://bit.ly/3MEbQO0

(1)

ما تكاد رياح الدعوة إلى العلمانية تخبو حتى تنبعث من مرقدها من جديد، متدثرة بأردية مستحدثة، وأزياء متجددة، قد تختلف في مرآها ومظهرها، لكن الجوهر المستكن وراء تلك المرائي والمظاهر يظل ثابت الملامح متصلب القسمات.

بيد أنه ينبغي لنا أن نعترف منذ البدء أن العلمانية حين ارتدت ثوبها الأخير، وهو ثوب التنوير لدى بعض سَدَنَتِهِ قد بدت أكثر حِنْكَةً، وأمهر أسلوبًا، ومن ثم أعمق احتياجًا إلى مزيد من التأمل والتحليل!

لقد كان دعاة العلمانية من قبل يُسْفِرون عن وجوههم علانية ودون مواربة، فالعلمانية لديهم تعني ببساطة - فصل الدين عن مناحي الحياة، وعزله عن واقع البشر، فَحَسْبُ الدين - فيما يشتهون- أن يقبع في ركن قصي من أركان الحياة البشرية الفردية منها والاجتماعية، وأن يغلق على نفسه دور العبادة ويستغرق في طقوسها، ولا بأس عند أكثر العلمانيين سماحة أن تهتز له المشاعر، أو تهفو إليه العواطف، أو تَخْفِقَ له القلوب!

بل لا بأس – عند أكثر العلمانيين حذقًا ومهارة- من أن تنبعث في دائرة الدين اتجاهات متحجرة تَدَّعِي الانتساب إلى السلف الصالح، ثم تستخدم هذا الانتساب المُدَّعَى في صرف اهتمام جماهير الأمة – تارةً- صوب قضايا كلامية عقدية دقيقة، ما كان ينبغي لها أن تُغادر قاعات الدرس ومجالس العلماء، وتارةً صوب توجيه اهتمام هذه الجماهير إلى فرعيات فقهية لا تكاد تنفُذُ من المظهر إلى الجوهر في جمودٍ فكري منغلق، وشكليةٍ حرفيةٍ متزمتة ضيقة.

لا بأس من ذلك كله - لدى أولئك – العلمانيين – متى توقفت خُطى دور الدين عند هذه الحدود، أما أن يضطلع الدين بدوره في تنظيم حياة البشر، أو ضبط واقعهم أو توجيه مناشط سلوكهم، أو بعث الحيوية الحضارية في عروقهم، فذلك كله -عند العلمانيين جميعًا- هو المحذورُ المنكور!!

لكنَّ سَدَنةَ التنوير –وإن كانوا على ذلك من المجمعين- يتخذون في الدعوة إلى العلمانية والترويج لمبادئها منحى أكثر ابتداعًا، فبعد أن كانت العلمانية عند الأقدمين تسعى- ببساطة وعلانية- إلى عزل الدين عن المجتمع والحياة، إذا بأحد أولئك السَّدَنَةِ يجهر قائلًا: من ذا الذي يملك قوة فصم الدين عن المجتمع والحياة؟ إنَّ العلمانية - كما يُضيفُ بالنص الحرفي- هي الحماية الحقيقية لحرمة الدين والعقيدة والإبداع، بل إن الإسلام – كما يقول في جُرأة بالغةٍ – هو الدين العلماني بامتياز؛ لأنه لا يعرف سلطة الكهنوت!!

في سبيل التمهيد لهذه الأطروحة المبتدعة، يُقيم ذلك القائل تفرقة مصطنعة بين «الدين» من جهة "والفكر الديني" من جهة أخرى فجميع ما سطره علماء المسلمين ومحققوهم فهمًا من القرآن الكريم والسنة المطهرة، واستخراجًا لدلالاتهما، واستنباطا لأحكامهما يندرج تحت مسمى "الفكر الديني" الذي لا يُمثل - في هذا الزعم – الدين نفسه، وإنما هو عِبءٌ عليه وقيد على طلاقته، بل إن هذا الفكر الديني يحمل ادعاء ضمنيًا بالقدرة على الوصول إلى القصد الإلهي، دون إدراك أنه بذلك يدخل في منطقةٍ شائكةٍ هي منطقة الحديث عن الله!!

والذي تهدف إليه العلمانية – حسب هذا الفهم – إنما هو إزاحة هذا «الفكر الديني»، وليس الدين نفسه!!

هذه الأطروحة التنويرية تتضمن في خبيئتها الخادعة دعوة جهيرة إلى تجريد الدين نفسه - ممثلاً في القرآن الكريم بشكل رئيس - من كل دور في واقع المسلمين، وذلك بإهدار جميع دلالاته التي حملها إلى البشرية من الأوامر والنواهي والتشريعات الاجتماعية والحياتية، والتي ضبطت معاقدها جحافل من أفذاذ العلماء والمحققين على مدى التاريخ الإسلامي، بزعم أن ذلك كله يندرج تحت مُسمى «الفكر الديني»؛ لكي يصير هذا الدين - بعد تلك التعرية – مجردًا من مضامينه الدلالية، خاوي الوفاض من توجيه المجتمع، وضبط حركته، قابلاً لكل قراءة شاردة أو هوى منفلت، ثم تصحو الأمة بعدئذٍ على «دين» قد أُفرِغَ من محتواه إفراغًا، ولم يبق منه سوى إطارات عامة مُفتحة الأبواب لا تستعصم في فكر جانح أو رأي جامح، ثم تكتمل حلقات تلك الهجمة التنويرية المستحدثة بما يُلوح به صاحبها - ترهيبًا وتخويفًا- بأن هذا الفكر الديني حين يضبط دلالات النصوص الشرعية، أو يُرسخُ في وعي الأمة الأصول المستنبطة من الكتاب والسنة، فكأنه ينفُذُ إلى القصد الإلهي ويتحدث باسم الله!!

ولا يُمكنُ للمرء في هذا المقام إلا أن تعتريه الدهشةُ من هذه القدرة الفائقة على خلط المفاهيم في جُرأة بالغة واقتحام جسور، فهل يمكن لامرئ تمرس بشيء من المعرفة بالإسلام أن يغفل عن تلك البدهية العُظمى من بدهيات الإسلام، وهي أن القرآن الكريم ما أنزله الله تعالى إلى البشرية إلا رسالةً خاتمةً ناطقةً بمُرادات الله تعالى من البشر أمرًا أو نهيًا، قضاءً وتشريعًا، سلوكًا وتطبيقًا لكي تُحاسب تلك البشرية عليها – بعدئذٍ - طاعةً أو معصيةً، ثوابًا وعقابًا؟

وهل يُمكن لذي عقل مُستقيم إلا أن يفهم أنه لا بد لتلك الرسالة الجليلة ذات الخطر العظيم أن تكون كاشفة عن تلك المرادات كشفًا لا إبهام فيه ولا إيهام؟ وإلا فكيف يتم التزام تلك الطاعة أو اجتناب تلك المعصية إن لم يكونا - من الوضوح والبيان – على أتم درجاتهما وأكمل مراتبهما؟

ثم أي فهم إذًا هذا الذي يدعي أن هذا الوضوح والبيان الذي نطقت به آيات هذا الكتاب المعجز، والذي اضطلعت بتفصيله جهود علماء الأمة إنما هو ولوج إلى المنطقة الشائكة وهي الحديث باسم الله؟

كيف يصح في الأذهان أن ينقلب فهم دلالات القرآن الكريم الذي يسَّره الله تعالى للذكر، وجعله قرآنا عربيًا غير ذي عوج إلى حديث باسم الله؟

أليس القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه؟ أو ليس هو الله تعالى الذي نزل أحسن الحديث؟ ألسنا حين نسمع القرآن الكريم فإنما نسمع كلام الله؟ فأين إذًا الحديث باسم الله؟

أما كان الأجدر لو كانت أفهامُ المسلمين للأوامر والنواهي الإلهية في القرآن الكريم حديثًا عن الله، ودخولاً في تلك المنطقة الشائكة المحرمة – كما يقول صاحب هذا الزعم – أن يتضمن القرآن الكريم أمرًا للناس بالصمت والسكون، وتوجيهًا لهم أن يمسكوا عن كل فهم في الدين؛ حذرًا من أن يكون ذلك نفاذًا إلى القصد الإلهي، أو حديثًا عن الله سبحانه؟

ولئن كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى تضمين تلك الأوامر والنواهي في القرآن الكريم أصلاً وابتداءً؟ أو ما كان الأولى حينئذٍ أن يكون القرآن الكريم – وحاشاهُ - مُجرد نصائح عامة فضفاضة لا تحمل أمرًا ولا نهيًا ولا تشريعًا ولا تنظيمًا؟!

ثم أقول أخيرًا: إن مأساة رهطٍ من التنويريين والعلمانيين تتجسد – في بعض جوانبها- أنهم مولعون باستعادة تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى الأوروبية، ثم نسج خيوطه المهترئة ذاتها على وقائع التاريخ الإسلامي في تبسيط هازل لا يملون من تكراره، فهل خطر ببال أحد من علماء الأمة - مُتقدِّميها ومُتأخريها - ذات يوم أن يكون رأيه حديثًا عن الله وهو يتلو قوله تعالى تعليمًا لرسوله الكريم: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (الأعراف: ۱۸۸).

 

(2)

يتساءل أحد سدنة التنوير تساؤلاً مبدئيًا فيقول: إذا كان الإسلام دنيا ودينا، وإذا كانت العلمانية هي الدنيوية، فلماذا رفض العلمانية ومعاداتها؟ ثم يتابع قائلاً بالنص الحرفي: إن من يرفض العلمانية وينكرها، فإنه يهدف في حقيقة الأمر إلى ارتهان الدنيا لصالح الدين، كما يهدف أيضًا إلى نفي الإنسان ونفي العالم؛ ممَّا يُؤَدِّي في النهاية إلى إحلال الله تعالى في الواقع العيني المباشر !!

لا يحتاجُ المرء -بادئ ذي بدء- إلى جَهدِ كبير ليدرك أن هذا التساؤل المبدئي البريء في ظاهره -عن السبب في رفض العَلْمَانِيَّةِ ومعاداتها- ليس في حاجة إلى جواب بقدر ما هو باعث على الدهشة والاستغراب، فمن أبجديات المعرفة بالعلمانية أنها ليست مجرد الدنيوية وحدها، بل هي الدنيوية التي تحمل في باطنها (نَفي) مَا عَدَاهَا، إِنَّهَا الدنيوية مشروطة بإقصاء تشريعات الدين عن واقع الحياة وإزاحتها كضابط لسلوك البشر، وتنحيتها كميزان توزنُ به تصرفاتهم وأفاعِيلُهم وأنماط سلوكهم، وإلا فهل يتصوَّرُ مَن يُدْرِكُ أبسط بدهِيَّاتِ الإسلام أن يرفض الإسلام الدنيا حين تسترشد بأوامر الدين ونواهيه، وتنضبط بتشريعه وتنظيمه؟ هل يَتَصَوَّرُ أحدٌ يُدرك من تلك البدهيات شيئًا أن يرفض الإسلام - وهو الدِّينُ الذي نَهَضَتْ على قواعده تلك الحضارة الشامخة التي ازدهرت بها دنيا الناس علمًا ومَدَنِيَّةٌ- تلك الدنيا ويُعادِيها؟

ثُم تتوالى دعاوى عَلْمَانِيَّة التنوير، بعضها فوق بعض :

فأولى تلك الدعاوى المُفتَرَاةِ: أَنَّ مَن يَرْفُضُ العَلْمَانِيَّة، فَإِنَّهُ يَهْدِفُ إِلى "ارتهان الدنيا لصالح الدين"، ومن ثَمَّ، فَإِنَّ العَلْمَانِيَّة هي التي تتكفّل - طبقًا لهذا الزعم- بتحرير الدنيا من أن تقع رهينة للدين، أو حبيسة في نطاق أوامره ونواهيه، أو مضبوطة بضوابط نظمه وتشريعاته.

لو أنا تابعنا خطوات هذا المنطق التنويري حتى نهاياته القصوى لحق لنا أن نقول بالمثل: إنَّ القيم الوضعية البشرية –هي الأخرى- ترتهن الدُّنيا، وتحبسها في نطاقها، وتَكُونُ قَيدًا على حركتها، وحينئذ فأي الارتهانين أصدق قيلاً وأهدى سبيلاً؟ ارتهان الدنيا بقيم البشر النسبية الرجراجة حيث تُكَالُ قِيمُ الحَقِّ والعدل والخير بمكيالين، بل بعدة مكاييل، أم ارتهانها بقيم الإسلام الثابتة ومعاييره الرَّاسِخَةِ، حيث تتصف تلك القيم بالمطلقية والديمومة، فلا تميل مع الأهواء، ولا تتأرجح مع الأغراض: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون: ۷۱(.

وإذا نحينا حديث الارتهان جانبًا، فلماذا يترسخ في أذهان العَلْمَانِيِّينَ جميعًا ودون استثناء - أنَّ الدِّينَ والدُّنيا غَرِيمَانِ لدودان، وأن أحدهما لا يُكتب له بقاء إلا بإقصاء الآخر وإلغائه جزءًا أو كُلَّا؟ ألا ينطوي كيان الإسلام - تاريخًا وحضارة وعمرانًا – على حقيقة متجذرة في بنيته العميقة، وهي ذلك التآزر المصيري الجوهري بين الدين والدنيا، والذي بدونه – أعني هذا التآزر- ما قامت لهذا الكيان الشامخ قائمة، برغم ما اعتراه في بعض فترات التاريخ من عثرات ونتوءات: تمتلك الأمة - في مذخورها الذاتي – ما يُمكنها من تجاوزها وتلافي مسبباتها؟

وثانية تلك الدعاوى التنويرية المفتراة: أنَّ من يرفضُ العَلْمَانِيَّةَ، فَإِنَّهُ – برفضه هذا - ينتهي إلى نفي الإنسان والعالم، ومن ثُمَّ فَإِنَّ رَفع لواء العَلْمَانِيَّةِ - طبقًا لهذه الدعوى – هو الذي يضمن للإنسان والعالم جميعًا أن ينعتقا من هذا النفي، وأن يعودا إلى موقعهما في خضم الحياة، بعد أن نفاهما الدين وأسقط اعتبارهما!!

وللمرء أن يتساءل: أي إنسان هذا الذي نفاه الإسلام وهو الكائن الذي كَرَّمَهُ الله تعالى وفضله على كثير من خلقه، وأسجد له الملائكة، وجعله الخليفة في الأرض؟ وأَيُّ عَالَم هذا الذي نفاه الإسلام، وهو الكون الذي جعله الله تعالى مجلى لأسمائه الحسنى، ومظهرًا لصفاته العليا، وأتقن صُنعه، وأحسن تدبيره؟

فهل ينتفي هذا الإنسان وذاك العالم، وتذوب حقيقتهما، وتذوى كينونتهما حين يُطِيعُ هذا الإنسان – في رحاب ذلك العالم – أمرَ رَبِّهِ ونهيه، وشرعه وقضاءه؟ وأي عقل رشيد يعي أبسط مقتضيات الألوهية والربوبية، ثُمَّ يذهب به الشطط إلى أن الإنسان والعالم كليهما لا يدرءان عن نفسيهما النفي – كما تزعُمُ عَلْمَانِيَّةُ التنوير - إلا بالتمرد على الأوامر والنواهي الإلهية، والتَّخَلّص من تبعة الالتزام بها؟

أفليس تمرُّد الإنسان على التشريع الإلهي، وخُلُو العالم من أوامر الله تعالى ونواهيه -هو الذي يؤدي إلى النفي الحقيقي للإنسان والعالم؛ لأنَّه يَبْتُرُ صِلَتهُما بالميزان الإلهي الذي وضعه الحق سبحانه في عمق أعماق الكون، وإلى تشويه الغايات القصوى من الوجود وانحصارها في آفاق الحياة الآنية المحدودة، بل وإلى اغتراب الإنسان عن عمقه الروحي المتأصل في أعماق ذاته؟

أي نفي أشقى للإنسان والعالم حين تنحَصِرُ غايات ذلك الإنسان في رغائب ذاته، وتنحسر تحت سقف دنياه، بلا امتداد إلى ما وراءهما، أو استشراف إلى ما فوقَهُما؟!

وثالثة تلك الدعاوى التورية المفتراة: أَنَّ مَن يَرفُضُ العَلَمَانِيَّة ملتزمًا بعدئذ بأوامر الله تعالى ونواهيه: فإنَّه يقوم بإحلال الله تعالى في الواقع العيني المباشر.

وربَّما كانت هذه الدعوى أكثر أخواتها جرأة وجسارة، لكنها أظهرها تهافتًا وبطلانًا؛ فاعتقاد المسلم أنَّه: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (الشورى: ٥٣)، من جهة، وأنه تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرُ﴾ (البقرة: ٢٠)، من جهة أخرى، وبأنَّه مُكَلَّفٌ بالتزامِ شرع الله تعالى ومنهجه في الكون يشكلان جانبًا جوهريًا من عقيدته الصحيحة، لكن أخَطَر في الأذهان – ولو لبرهة من الزمان - أن شيئًا من ذلك مُؤَدُّ إلى إحلال الذات الإلهية في الواقع العيني المباشر، أم أنَّ إيمان المُسلِمِ بِعَالِمِ الْغَيْبِ الْمُفَارِقِ لِعَالَمِ الشَّهَادَةِ يتسامَى بِهِ عَن هذا التَّصَوُّرِ ويعصمه من الانزلاق إليه والوقوع فيه؟

ثُمَّ أَي عقل هذا الذي يَتَوَهَّمُ أَنَّ إرجاع المسلم لشئون الكون كلها إلى الله تعالى غاية ومصيرًا، أو أن امتثال أوامره واجتناب نواهيه تُمثلُ إحلالاً له سبحانه في عالم الحس المباشر، وهو الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؟

ومن العَجَب أَنَّ فريقًا من الذين ينتمون إلى السلفيَّةِ المُدَّعَاةِ، يُعْطُون أصحاب هذه الدعوى المفتراة الذريعة في شيء مما يزعمون - برغم تنائي الديار - وذلك حين يَتَدَنَّى التصور الاعتقادي التنزيهي لديهم إلى أفهام حَرْفِيَّة ضَيَّقة لنصوص الكتاب والسُّنَّةِ؛ تدنو بهم إلى قريب من دَرَكِ التشبيه والتجسيم!!

ثُمَّ أقول أخيرًا: أي مصير بائس ستئول إليه شخصية الأمة حين تصاب بهذا الانقسام الحاد في بنيتها الفكرية الواعية بين دنيا يُراد لها أن تنفصل عن الدين، وبين دين يُرَادُ له أن يُفَرَّغَ مِن مضمونه ويجرَّدَ عن دَورِهِ؟ أَوَلَيْسَ الخاسر في ذلك كله هو الإنسان؟!

رابط المقال الأول: هنا

رابط المقال الثاني: هنا

_________________

* مقالان مستلان من مجلة الأزهر؛ المقال الأول نُشر في ج: 1، السنة 98، المحرم 1446هـــــ/ يوليو 2024م، ص22-24، والمقال الثاني نُشر في ج: 2، السنة 98، صفر 1446هـــــ/ أغسطس 2024م، ص260-262.

** عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

 

لا يزال النقاش يتجدد حول مكانة الدين في الدولة الحديثة، سواء في دساتيرها أم في واقعها العملي، ولا سيما فيما يتعلق بالدين الإسلامي، الذي يتميز عن غيره بإبداعه حضارةً رائدةً متكاملة مغايرة في جوهرها لطبيعة تلك الدولة القومية الحديثة، التي نشأت لتكون هي مرجعية نفسها، فلا تخضع لمرجعية أخرى تفارقها وتحدُّ من سلطتها المطلقة، ومن هنا فإنه حتى إذا كانت النصوص المقرِّرة لدين معين للدولة في الغرب لا تثير إشكالات حقيقية، فإن مثل هذه النصوص تظل تثير صراعات وسجالات في عالمنا الإسلامي، ليس فقط لطبيعة الدين الإسلامي المتميزة، ولا حتى لطبيعة الدولة الحديثة - عامةً – التي أشرنا إليها، بل - بالإضافة إلى ذلك – لطبيعة تلك الدولة بصورتها التي استوردت بها في العالم الإسلامي، أو فرضت عليه، حيث ظلت تابعة للغرب يتحكم فيها وفي إراداتها ومساراتها وتحولاتها عن بُعد، وأحيانًا عن قرب، فيحرص على بقائها مكبلة من سلطة مطلقة أو كَلَها في تنفيذ ما تريده من مهام، حتى في وجود دستور لها الأصل فيه أن يحدُّ من تلك السلطة، ولكنه للأسف تحولت وظيفته ليحد من مقدرة الشعب على محاسبتها وتغييرها إذا لزم الأمر.

وتتحدد إشكالية هذه الدراسة في البحث عن السبيل إلى ضبط العلاقة بين الدين والدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي، بحيث تتحول النصوص الدستورية الناظمة لتلك العلاقة من محل للسجال والشقاق والتوظيف السياسي البراغماتي، إلى مصدر للإلهام وباعث للنهوض الحضاري، ومرجعية تحمي حقوق المواطنين وترشدهم إلى واجباتهم في تحقيق النهوض المنشود، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي ستحاول أن تسهم في الوصول إلى كلمة سواء بشأن تلك النصوص.

وتستهدف الدراسة محاولة الإسهام في الإجابة عن سؤال رئيس يتعلق ببيان مدى تأثير النصوص الدستورية المقررة لإسلامية الدولة في صدر غالبية دساتير دول العالم الإسلامي، على إعادة التوازن فيما بين السلطات العامة للدولة، وفي ضبط العلاقة بين الحكام والمحكومين، ووقف هدر حقوق الإنسان في غالبية هذه الدول.

كما تستهدف الدراسة كذلك الإجابة عن الأسئلة المتفرعة عن السؤال السابق، وهي:

ما موقف دساتير دول العالم - عمومًا - ودول العالم الإسلامي - خصوصًا - من النص على دين أو أيدولوجية معينة للدولة؟

ما السياقات التي حدث فيها النص الدستوري على إسلامية الدولة في مصر؟

ما انعكاسات النص الدستوري على إسلامية الدولة على النظام السياسي المصري؟

ما مدى تأثير النص على إسلامية الدولة على النظامين التشريعي والقضائي في مصر؟

هل يستدعي الأمر السعي إلى رسم مسار جديد للتعامل مع النصوص الدستورية المنظمة للعلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، أم أن المسار الحالي حقق غرضه ولا داعي لتجديده؟

وركزت الدراسة على النصوص الدستورية المتعلقة بإسلامية الدولة في مصر، مستعرضة السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية ومجمل الظروف التي وضعت فيها تلك النصوص، وموقف السلطات الدستورية حيالها، وهو ما تطلب أحيانًا الاستعانة ببعض المناهج العلمية، مثل المنهج الوصفي والمنهج التاريخي والمنهج المقارن، لبيان الواقع الذي ظهرت فيه تلك النصوص وصولاً إلى استكشاف آثارها القانونية والإجرائية في وضعنا الراهن، بهدف التوصل إلى أفكار جديدة وطريق واضح لتفعيل هذه النصوص، والتي لم تلق الدراسة بالاً إلى تحليلها تحليلاً كيفيًّا، وشرح بنيتها وتحليل مضمونها، باعتبار أنها كانت مجرد متغير تابع للمتغير المستقل المتمثل في الإرادة السياسية للدولة والسياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المحيطة بها.

وتتناول الدراسة بشكل أساس النصوص المتضمنة أن الإسلام دين الدولة في الدساتير المصرية المختلفة، ومعنى ذلك أن المدى الزمني للدراسة سيتركز على الفترة التي سبقت صدور دستور ۱۹۲۳م، أول دستور مصري حقيقي، إلى الدستور الحالي (دستور ٢٠١٤م).

وبدأت الدراسة بمدخل تمهيدي لبيان موقف دساتير العالم من النص على دين معين من عدمه، ثم تناولت التجربة المصرية كنموذج للدول العربية الإسلامية التي نصت دساتيرها على إسلامية الدولة، فاستعرضت السياقات التي نُصَّ فيها على أن الإسلام دين الدولة في الدستور المصري (أولاً)، ثم انعكاسات ذلك النص على الأنظمة السياسية والتشريعية والقضائية في مصر مع طرح بعض الأفكار المرشدة إلى إرساء منهج جديد للتعامل مع النصوص الدستورية المقررة لإسلامية الدولة (ثانيًا) ، وأخيرًا خاتمة تناولت أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.

وقد انتهت الدراسة إلى أنه على الرغم من النص الدستوري الواضح على أن الإسلام دين الدولة، فإن هذا النص لم يُفعل في الواقع، ولم يحل قط دون تغول الدولة على المجتمع، وتحكمها في المؤسسات الدينية، كما أنه لم يكن له تأثير حقيقي على التشريع والقضاء، بعد أن تخلى البرلمان عن دوره المناط به وتقاعس عن مهمته في استمداد التشريع من مبادئ الشريعة الإسلامية، وإن كانت قد جرت محاولة جادة في هذا الشأن في الفترة من 1978-1982م، حين شكل مجلس الشعب لجانًا فنية لوضع مشروعات قوانين خالية مما يصادم الشريعة ومخرجة على أحكامها، إلا أن هذه المحاولة أجهضها تراجع الدولة عن رغبتها في إصدار تلك القوانين، وصرحت بذلك فعلاً سنة ١٩٨٥ حيث رفضت مناقشتها في مجلس الشعب، وتماهت مع الدولة – في موقفها هذا - المحكمة الدستورية العليا المناط بها الرقابة على دستورية القوانين وأصدرت في العام نفسه حكمًا يساند الدولة في موقفها عبر جعل نص المادة الثانية ملزمًا من تاريخ التعديل الدستوري (سنة ١٩٨٠) وبحيث لا يسري على القوانين السابقة على صدوره، كما ضيقت فيما بعد من مفهوم مبادئ الشريعة ليقتصر على الأحكام قطعية الثبوت والدلالة وحدها دون الأحكام القطعية استنادًا إلى الاستقراء التام.

أرجعت الدراسة عدم تفعيل النص الدستوري على إسلامية الدولة، ثم على مصدرية الشريعة للتشريع، سواء في مصر، أم في غالبية الدول العربية والإسلامية، إلى طبيعة تلك الدولة التابعة للاستدمار الغربي الذي يرفض الشريعة الإسلامية؛ لأنها تقدم رؤية مخالفة للعالم من شأنها أن تحد من هيمنته وتظهر عوار نمطه المادي الذي حول الإنسان إلى كائن مادي استهلاكي، فضلاً عن أن تلك الدولة لا تريد أن ينازعها أحد في سلطويتها في الداخل، ولذا فهي لن تفعّل هذا النص الذي يلزمها بشريعة ستكون عصية على إخضاعه لها، كما يرفض أي نص دستوري آخر من شأنه أن يعيق استعبادها للمواطنين وقهرها لهم واستنزاف ثرواتهم البشرية والثقافية والمادية!

كما طرحت الدراسة بعض الأفكار التي قد تسهم في تفعيل النص الدستوري على إسلامية الدولة، وتساعد على ترشيد العلاقة فيما بين الدين والدولة بصفة عامة، ومن ضمنها الدعوة إلى تحرير الإسلام نفسه، وتحويل خطابه إلى العالمية ليشع بنوره عليه بقيمه الراسخة، ويعرقل إعلاء غريزة الإنسان على روحه وعقله، بالإضافة إلى عدم تجاهل أن الشريعة الإسلامية مكونة من عقيدة وأخلاق ومعاملات، كما أنها أنشأت بنى ومؤسسات ورصيدًا تشريعيًا تاريخيًا ينبغي عدم إهداره، بل دعم الثقة فيه، ومحاولة استعادة تفاعله مع الواقع بشكل ذكي غير تصادمي، مع وقف التوظيف السياسي للدين، والتركيز على حل الأزمة الدستورية التي يواجهها العالم المعاصر حاليًّا.

 

رابط لتحميل الدراسة من موقع مركز أركان

https://2u.pw/jbWpcjCp

______________

* بحث محكم من قِبَل مركز أركان للدراسات والأبحاث والنشر، ومنشور على موقع المركز: https://2u.pw/jbWpcjCp

** باحث مهتم بدراسة تطبيقات الشريعة الإسلامية في الدساتير والقوانين المعاصرة، وبكيفية تحقيق التفاعل بين الشريعة والقانون الوضعي. حاصل على الدكتوراة في القانون والشريعة من كلية الحقوق- جامعة القاهرة عن موضوع: “تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر: دراسة تطبيقية حول النصوص الدستورية”. له العديد من الأبحاث والمؤلفات منها، كتاب "تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية" (تقديم المستشار الجليل طارق البشري- رحمه الله)، كتاب: "دور الوقف في مواجهة الغلو والتطرف" (محكم علميًا)، وكتاب "مسألة تطبيق الشريعة بين اختطاف النموذج ونموذج الاختطاف"، (بالاشتراك مع د. فارس العزاوي) وكتاب (بالاشتراك): "الأحكام القضائية والفتاوى الشرعية في الأوقاف الكويتية" صادر عن الأمانة العامة للأوقاف سنة 2015م، المشاركة في كتاب "إسلامية المعرفة ودور المعهد العالمي للفكر الإسلامي" مع كل من الأستاذ الدكتور/ جمال الدين عطية، "الدستور المصري المنتظر.. جدل السياسي والثقافي والمجتمعي" بحث منشور ضمن كتاب: الثورة المصرية والتغيير الحضاري والمجتمعي، (أمتي في العالم- -حولية قضايا العالم الإسلامي)، القاهرة: دار الشروق الدولية، 2013م، "تحولات التشريع والقضاء في مصر بين ثورتي 1919 و1952"، بحث منشور ضمن فصلية "قضايا ونظرات"، وبحث بعنوان "مالك بن نبي" منشور بمجلة المسلم المعاصر.

 

 

 

صدرت هذه الطبعة من كتاب "أزمة الأنظمة الديمقراطية" للفقيه الدستوري الدكتور عبد الحميد متولي[*] عن دار المعارف بالإسكندرية عام 1964.

وهذا الكتاب - كما أوضح مؤلفه- كان "فصلاً" من باب من أبواب كتاب آخر، على أنه كذلك -بل وقبل ذلك- نافذة من تلك النوافذ التي تشرف على ميدان معركة من أعنف المعارك الدستورية والسياسية والمذهبية التي تدور رحاها حول الأنظمة النيابية الديموقراطية، منذ عدة سنين وبخاصة منذ أوائل هذا القرن العشرين.

ويستطرد المؤلف قائلاً: "تبين لي أخيرًا أن ذلك "الفصل" من ذاك الباب يشرف الآن كذلك على جزء ربما صح اعتباره أهم أجزاء الدراسة الدستورية في ظروفنا الحالية التي تفصل ما بين دستورين بل وما بين عهدين من عهود تاريخنا السياسي والدستوري. وبعد تردد وصل بي أحيانًا حتى حد الإحجام أقدمت على إعادة طبع ذلك الجزء وحده أي ذلك "الفصل" منفصلاً عن "المفصل"، إذ تبينت في إعادة طبعه واجبًا يفرضه علي ضميري العلمي وواجبي الوطني معًا".

وعلى نحو ما ذكره المؤلف من أنه حين ظهرت بحوث هذا الكتاب للمرة الأولى في صورة فصل أخير من فصول كتابنا "المفصل في القانون الدستوري" (في مارس ١٩٥٢م) إذ كنت وعدت القراء في "مقدمة" ذلك الكتاب أن أعيد طبع ذلك الفصل الأخير (أزمة الأنظمة الديموقراطية) "بتفصيل أشمل وأوفى"، ثم كان أن ظهر هذا البحث كتابًا مستقلاً في طبعته الأولى عام ١٩٥٤م، ولكن دون أن يتاح لي من الوقت ما يهيئ لي زيادته تفصيلاً كما وعدت. ومنذ نحو عام ونيف تراءى لي أنني قد أتيح لي من الوقت ما لم يتح لي من قبل، فاتفقت بل وتعاقدت مع "دار المعارف" على إعادة طبع هذا الكتاب طبعة ثانية "مزيدة ومنقحة". غير أن بعضًا من البحوث الجديدة قد برزت وفرضت نفسها فرضًا على فكري وقلمي، وليست إرادة الباحث أو الكاتب هي وحدها التي تسيطر على فكره وقلمه، وليست إرادته وحدها التي تبين له دائمًا في طريق البحوث أو الكتابة مكان خطوات قدمه. ولما كنت قد تبينت أخيرًا أن هذه البحوث الجديدة تستغرق مني وقتًا لا أستطيع تحديده، وإن كنت أستطيع أن أتبين طوله، لذلك فقد رأيت بل اضطررت أن أعيد طبع هذا الكتاب في غير زيادة أو تعديل، ذلك لأني تبينت أن الكتاب مع ذلك لا يزال يسد في ميدان علم الأنظمة السياسية فراغًا، فلا تزال سهام الانتقادات التي وجهت إلى الأنظمة الديمقراطية منذ أوائل هذا القرن العشرين محتفظة حتى اليوم بحدتها، ولا تزال مختلف المناقشات والآراء التي أبديت حولها منذ ذلك الحين محتفظة حتى اليوم بجدتها.

لذلك كله أصبحت أعتقد أنه إذا كانت إعادة طبع هذا الكتاب تُعد من الأمور التي يفرضها علينا الضمير العلمي، فأنها تعد كذلك مما يفرضه علينا الضمير الوطني نحو التثقيف السياسي العلمي لأبناء هذا الجيل".

 

محتويات الكتاب:

تم تقسيم هذه المحتويات إلى أربعة مباحث وخاتمة، وذلك على النحو التالي:

المبحث الأول

مظاهر أزمة الأنظمة الديموقراطية في مختلف الدول النيابية (الغربية)

المبحث الثاني

أهم المساوئ (أو الانتقادات) الموجهة الأنظمة الديموقراطية (الغربية)

الفرع الأول

الأحزاب السياسية: (النقد الأول) الأحزاب تسيطر عليها أقلية (النقد الثاني) الأحزاب ليست دائمًا مرآة صادقة للرأي العام بل بالعكس تعمل على تزييفه - ما هو الرأي العام: متى يعد الرأي "عامًا"؟ الرأي العام يجب أن يكون "رأيًا" - من الناحية العملية هل تعبر الأحزاب حقًا عن الرأي العام (ثانيًا): اتهام الأحزاب بأنها تعمل على تزييف الرأي العام- (النقد الثالث) تطاحن الأحزاب يؤدي إلى فصم عرى الوحدة القومية (النقد الرابع). تعدد الأحزاب يؤدى إلى عدم الاستقرار الوزاري، مساوئ عدم الاستقرار، الاستقرار هو في مقدمة عوامل نجاح النظام الديموقراطي في بعض الدول - (النقد الخامس): الحزب يميل إلى خنق حرية النائب - (النقد السادس): نزعة الأحزاب الاستبدادية - الدكتاتورية البرلمانية أو الشعبية: (أ) الديمقراطيات القديمة لم تعرف الحرية، (ب) دكتاتوريات تستند إلى مبدأ سيادة الأمة أو إلى إرادة الشعب، تعليل ظاهرة الاستبداد البرلماني أو الشعبي-(النقد السابع): اتهام الأحزاب بتفضيل الصالح الحزبي على الصالح القومي - (النقد الثامن): تسرب النزاع الحزبي إلى انتخابات المجالس البلدية .

الفرع الثاني

عدم صلاحية نظام الانتخاب: الانتقادات الموجهة إلى الانتخاب في أمريكا وإنجلترا وفرنسا.

الفرع الثالث

ضعف مستوى الكفاءة لدى أعضاء البرلمان والوزراء :

)أولاً) أعضاء البرلمان - (ثانيًا) الوزراء.

الفرع الرابع

البرلمانات لا تمثل الشعب: (أولاً) البرلمان (حتى بأجمعه) لا يمثل سوى أقلية من الناخبين، (ثانيًا) فساد الانتخابات.

الفرع الخامس

ضعف السلطة التنفيذية: نزعة واضعي الدساتير والبرلمانات إلى إضعاف السلطة التنفيذية - مساوئ نزعة إضعاف السلطة التنفيذية، وجود سلطة تنفيذية قوية كان في مقدمة أسباب نجاح النظام الديموقراطي في بعض الدول.

الفرع السادس

استغلال أو سوء استعمال الرقابة البرلمانية: (فرنسا وأمريكا).

الفرع السابع

توزيع المسئولية :

سبب آخر من أسباب أزمة الأنظمة الديموقراطية (فيما يرى بارنلمي) هو إدخال النظام البرلمان في بلاد ذات نظام جمهوري.

الفرع الثامن

انتقادات الشيوعيين الماركسيين للديموقراطية الغربية

(نقد الأول): الديموقراطية الغربية ليست ديموقراطية كاملة،

(النقد الثاني): إن الشعب ليس من الذي يحكم في الواقع،

(النقد الثالث) الحرية في الديمقراطية الغربية هي مسألة صورية.

المبحث الثالث

مناقشة المساوئ أو الانتقادات الموجهة إلى الأنظمة الديموقراطية الغربية

  1. الأحزاب السياسية: وجود الأحزاب يعد إحدى الضرورات في الديموقراطية الغربية - مناقشة الانتقادات الموجهة إلى الأحزاب وبيان بعض اعتبارات تخفف من تلك الانتقادات (الرأي العام والعوامل التي أدت إضعاف أثره في العصر الحديث).
  2. عدم صلاحية نظام الانتخاب: مبدأ سيادة الأمة لا يحتم الأخذ بنظام الاقتراع العام، هذا النظام أصبح في العصر الحديث في الدول المتمدينة إحدى الضرورات.
  3. ضعف مستوى الكفاءة لدى أعضاء البرلمان والوزراء: الشعوب في مختلف العصور دائمة الشكوى من سوء اختيار ممثليها، ليس من الضروري الرجل السياسي أن يكون من رجال العلم أو من الفنيين.
  4. البرلمانات لا تمثل الشعب: بيان بعض اعتبارات تخفف من حدة تلك الانتقادات.
  5. ضعف السلطة التنفيذية.
  6. استغلال أو سوء استعمال الرقابة البرلمانية.
  7. توزيع المسئولية.
  8. مناقشة انتقادات الماركسيين الشيوعيين للديموقراطية الغربية.

المبحث الرابع

وجوه العلاج لأزمة الأنظمة الديموقراطية:

  1. روح التضامن والتعاون.
  2. روح التطور.
  3. العقلية العملية: ضعف دور المنطق في الأنظمة.
  4. كفالة الاستقرار السياسي: (أولا) نظام الاستفتاء الشعبي، (ثانيًا) تنظيم طريقة الانتخاب. (ثالثًا) تقييد سلطة إسقاط الوزارة (في النظام البرلماني).

خاتمة النظام الرئاسي والبحث في هل يعد علاجًا لداء عدم الاستقرار السياسي- ملاحظات على نزعة البلاد الأخرى اقتباس النظام الأمريكي الرئاسي - غموض المقصود "بالنظام الرئاسي"

  1. عدم تدخل السياسة في الإدارة.
  2. إصلاح أنظمة الانتخاب.

بعض حقائق ومبادئ يجب مراعاتها: (أولاً) أن تكوين هيئة الناخبين ليست في جوهرها مشكلة قانونية، (ثانيًا) سرية التصويت، (ثالثًا) الرقابة القضائية على عملية الانتخاب، (رابعًا) نزاهة الانتخابات.

  1. نظام الاستفتاء الشعبي.
  • التفرقة بين الاستفتاء الشعبي، والانتخاب، والاستفتاء الشعبي الشخصي (أو المبايعة (Plebiscite
  • الشروط الواجب توفرها لدى إجراء الاستفتاء.
  • مزايا الاستفتاء الشعبي.

خاتمة

أخطار نزعة التقليد للأنظمة السياسية الأجنبية

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


 

[*]  أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بجامعة فاروق سابقًا الإسكندرية فيما بعد، والفقيه الدستوري المعروف، والذي له مؤلفات عديدة في الفقه الدستوري الإسلامي.

 

 

استعرض الطاهر الحداد في مقدمة كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" التي كتبها في ديسمبر عام 1929م، أي منذ ما يقرب من تسعين عامًا، أسئلته وموقفه النقدي من قضية المرأة، مشيرًا إلى وجوه الخلل والضعف واللبس في الرؤى والمسالك التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة في الوطن العربي. 

يقول: المرأة أم الإنسان تحمله في بطنها وبين أحضانها، وهو لا يعي غير طابعها الذي يبرزه في حياته من بعد، وترضعه لبانها. تغذيه من دمها وقلبها، وهي الزوج الأليف تشبع جوع نفسه، وتذهب وحشة انفراده، وتبذل من صحتها وراحة قلبها لتحقيق حاجاته وتذليل العقبات أمامه، وتغمره بعواطفها فتخفف عليه وقع المصائب والأحزان، وتجدد فيه نشاط الحياة، وهي نصف الإنسان وشطر الأمة نوعًا وعددًا وقوة في الإنتاج من عامة وجوهه.

ويضيف الحداد قائلاً: غير أننا قد اعتدنا في نظرنا للمرأة أن نراها منفصلة عن الرجل لا شأن لها في تكييف نفسه وحياته، وأحرى ألا يكون لها شيء من ذلك في نهوضه الشعبي أو سقوطه، فكنا بذلك نتجرع مرارة الخيبة في حياتنا من كل وجوهها دون أن ندرك مصادر هذه الخيبة النامية فينا فنعمل لزوالها.

ويرى أن الناس أمام المرأة فريقان: أنصار لها، ومعارضون، ولكنهم في الغرب غيرهم في الشرق، والفرق بينهم بعيد جدًا كالفرق بين امرأتهم وامرأتنا، فهم في أوروبا متفقون على تعليم المرأة وتربيتها وعاملون في ذلك جميعًا لتقوم بعملها كاملاً في المنزل وتربية الأبناء، مع تمكينها من الحرية المدنية لاستثمار مواهبها في الأعمال الأدبية والمادية العائدة بالخير على منزلها أو على الثقافة العامة، ولتأخذ حظها أيضًا في الانتفاع بمباهج الحياة، وقد نالت من ذلك ونال منها المجتمع الأوروبي أوفر نصيب، ثم هم يختلفون بعد في تقدمها مع الرجل إلى الإنتاج المادي، وسيادة الدولة وتحمل أعبائها بالمساواة معه حتى لا يمتاز عليها في شيء، وهذا ما تسير له اليوم في تيار قوي، فالمعارضون يرون في ذلك تضييع لوظيفة المرأة في المنزل والنسل وتثقيفه، حيث تنهمك في الأعمال العمومية التي تذيب جهدها، وتغمر وقتها حتى لا يبقى منه لشيء آخر، زيادة عما في ذلك من منافسة الرجل في طلب العمل، تلك المنافسة التي كانت من عوامل البطالة في جهات أوروبا بينما هي لا تقوى على عمل الرجال فتأتي به كاملاً مثلهم، والأنصار يرون تجربتها في ذلك أيام الحرب الكبرى، وبعدها، دليلاً واضحًا على النجاح الذي تجده بدأ بها في المستقبل.

ولا ينبغي أن يعتبر هذا النجاح في الشعب إلا قوة جديدة فيه، وتوفير الإنتاج المادي والمعنوي وعونًا له عليه في حد لا يضيع همة النسل. وإذا كانت وظيفة تربية الأطفال التي تمتاز بها المرأة يضر بها هذا الاتجاه فإن تأسيس معاهد الأطفال والإكثار منها يرفع كثيرًا من هذه التبعة على المرأة حتى يزيلها بالتدريج، وقد أخذت الدول الأوروبية اليوم تباعًا بهذا الرأي مع التدريج فأفسحت للمرأة في مقاعد النيابة وكراسي الحكم في الدولة.

أما في الشرق فامرأتنا إلى الآن تعيش وراء الحجب، وأنصارها منا يرون في تربيتها وتعليمها علوم الحياة العامل الوحيد في تقويم حياتها. وتأدية واجبها في المنزل والعائلة كاملاً فتنجب لنا رجالاً ونساء يملؤون أوطانهم أعمالاً تكسبها الفخر وتحقق لها النصر في الحياة، ويرون مع ذلك حقًا شرعيًا وطبيعيًا أن تستثمر المرأة حريتها المدنية في استعمال ما لها من حق مباشرة بنفسها، وأخذ حظها من متاع الحياة كالرجل سواء.

والمعارضون لها منا يرون في هذا القدر خروجًا بالمرأة عما يجدر بها من الانزواء الذي يمنع الفتنة، والحجر الذي عليها للرجل، وهي لا تحتاج في حياتها أو وظيفتها إلا لمعرفة محدودة في دائرة المنزل، لا يلزم لها إقامة المعاهد العلمية في مختلف العلوم، ثم هي لا يتوقف عليها نهوض الشعب حتى نضطر لإعطائها الحرية الاجتماعية، ويمثلون لذلك بالمدنية العربية التي قامت على محض جهد الرجال.

اشتمل الكتاب على قسمين: 

الأول تشريعي تناول: المرأة في الإسلام، وحقوقها المدنية من الشهادة والقضاء، وأهلية التصرف، إلى حرية الحياة والميراث.. كما تناول الزواج في الإسلام، ابتداء من حرية الاختيار الواجب، وتعدد الزوجات إلى الطلاق ومعنى طلاق الثلاث، وحق الطلاق، إلى محاكم الطلاق، والتعويض المالي في الطلاق ثم أورد آراء لبعض العلماء المعاصرين له في المرأة والزواج. 

والثاني اجتماعي وتناول موضوعات منها: كيف نثقف الفتاة لتكون زوجًا فأما الثقافة الصناعية، الثقافة المنزلية، الثقافة العقلية، الثقافة الأخلاقية، الثقافة الزوجية، الثقافة، الصحية، السلطان العائلي في بناء البيت، الزواج بالإكراه، عاداتنا عوائق في طريق الزواج، الزواج بلا استعداد، الزواج دون السن، الزواج مع المانع، الاستعداد المالي، ضحايا الشهوة في الزواج، صور من حياتنا في المنزل، من مشاهد البؤس الاجتماعي في العائلة والشعب، تيار التطور الحديث، في المنزل، في الزواج بالأجنبيات، في المرأة، الحجاب، السفور، التعليم الرسمي للمسلمات، موقفنا في تعليم المرأة، تعليم المرأة.

ويقارن الطاهر الحداد كثيرًا بين المرأة التونسية والمرأة في أوربا ويطالب بحرية أكبر لها في تونس على غرار ما تشهده المرأة هناك، كما يرفض الطاهر الحداد تعدد الزواج، مقررًا أن ذلك التعدد من أسباب فشل الحياة وسوء العلاقات الأسرية، بل ذهب إلى رفض فتوى التعدد، وقام بإخراج ذلك من عمل الإسلام، يقول مثلاً: ليس لي أن أقول بتعدد الزوجات في الإسلام لأنني لم أر للإسلام أثرًا فيه وإنما هو سيئة من سيئات الجاهلية الأولى التي جاهدها الإسلام طبق سياسته التدريجية. 

وكان عامة العرب يعددون نساءهم بلا حد لاستعمالهن في خدمة الأرض استغناء بهن عن الأجراء وخدمة البيت، والاستمتاع، وهو ما تشعر به باديتنا إلى اليوم وتعدد نساءها من أجله، فجاء الإسلام ووضع بادئ الأمر حدًا أقصى لهذا التعدد. فقال عليه السلام لمن له أزواج: أمسك عليك أربعا وفارق سائرهن، ثم تدرّج إلى اشتراط العدل بالتسوية بينهن وجعل الخوف من عدم العدل كتحققه كما في الآية: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) تحذيرًا لهم من عاقبة هذا التعدد، ثم عبّر عن تعذر الوفاء بشرط العدل بينهن مهما بذل فيه من الحرص كما في الآية: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ). 

ويقول في موضع آخر: أما تعديد الزوجات إلى أربع فذلك ظاهرة الشهوة، وحتى إذا كان بقصد النسل فهو لا يخلو من شغب يتحول إلى مقت داخلي بين الرجل وأزواجه أو يظهر الميل إلى جانب -وهو الكثير- فتزداد الحالة ارتباكًا.

لقد طالب الطاهر الحداد في كتابه الكثير مما يتعلق بتحرير المرأة التونسية، ولأن المجتمع التونسي ذلك الوقت يرى في آرائه الكثير من الخروج على الدين جُوبِه بالعداوة والمقاطعة، وعند وفاته لم يمشِ في جنازته إلا نفرٌ قليلٌ، وذلك دليل رفضهم لآرائه الخارجة عن أراء الشريعة الإسلامية.

ويُعد الطاهر الحداد بكتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع محرر المرأة التونسية، وكان لظهور كتابه أصداء واسعة مؤيدة ومعارضة، ويعتبر المؤرخون أن نشر هذا الكتاب حدث جوهري في مسيرة الإصلاح الاجتماعي بوجه عام والنسائي على وجه الخصوص، بالإضافة إلى رؤية جديدة في تأويل النص الديني مهدت لصدور مجلة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1956م مانحة المرأة حقوقًا قانونية ما زالت النساء العربيات لم تنلها إلى اليوم.

ومما يذكر أن الطاهر الحداد ولد في تونس عام 1899م، وتوفي عام 1935م، وتخرج في جامع الزيتونة أحد معاقل التعليم الديني التقليدي في العالم الإسلامي ويشبه في ذلك الجامع الأزهر في مصر وجامع القرويين في المغرب، نشر العديد من المقالات الجريئة في الصحف التونسية كجريدة الأمة ومرشد الأمة وإفريقيا، كان من الرواد المبكرين للحركة النقابية، وأصدر كتاب العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية عام 1927م، الذي صادرته إدارة الأمن فور صدوره.

كفّرته الجهات الرجعية والأصولية ردًا على نشر كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» عام 1930م، واتهم بالإلحاد والزندقة عندما نشر كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع وتم تجريده من شهادته العلمية، منعه من العمل، كما قامت الزيتونة بنشر كتاب يعارضه بعنوان "الحِداد على امرأة الحدّاد"؛ إضافة لكتاب آخر تم نشره بعنوان "سيف الحق على من لا يرى الحق".

تمسك الحداد بموقفه وآرائه وواصل نضاله، رغم عزلته، فكتب كتابًا عن إصلاح التعليم الزيتوني، وكتابين آخرين ضمنهما أشعاره وخواطره التي لم تر النور إلا بعد وفاته، وبعد استقلال تونس بسنوات، مات الحداد في ريعان شبابه يوم 7 ديسمبر سنة 1935م، لكن الشعب التونسي ونخبته وسلطته كانوا أوفياء لهذا الطليعي الذي ضحى من أجلهم ومن أجل نهضتهم، فقاموا بتكريمه على أكثر من صعيد، كان أهمها تضمين مجلة الأحوال الشخصية، التي صدرت عام 1956م، الكثير من أفكار واقتراحات الطاهر الحداد. قال عنه طه حسين: لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين.

الكتاب: امرأتنا في الشريعة والمجتمع.

المؤلف: الطاهر الحداد.

تقديم: د. منى أبو زيد. 

الطبعة: طبعة جديدة – يونيو 2012 م.

عدد الصفحات: 230 صفحة من القطع المتوسط.

الناشر: مجلة الدوحة – كتاب الدوحة (13)– وزارة الثقافة والفنون والتراث – قطر.

رابط تحميل الكتاب

 (1978-1891)

يُعد الشيخ علي الخفيف من أبرز الفقهاء المجددين في العصر الحديث، حيث تميز بتقديم اجتهادات فقهية تتناسب مع تطورات العصر دون الإخلال بأصول الشريعة. جمع بين دراسة الفقه التقليدي والمعرفة القانونية الحديثة، مما أهّله لتقديم رؤى مبتكرة في قضايا معاصرة مثل المعاملات المالية والتأمين. شغل مناصب أكاديمية وتشريعية مهمة، وترك خلفه إرثًا علميًا واسعًا وشاملًا يظل مرجعًا للأجيال القادمة، حيث ترك خلفه العديد من الكتب والمقالات والأبحاث التي ما زالت تُعد مرجعًا مهمًا في الدراسات الفقهية والقانونية. اهتم بنشر العلم والمعرفة، سواء من خلال التدريس أم الكتابة أم المشاركة في المؤتمرات العلمية. كما كان نموذجًا للعالم المجدد، وكان يعتقد أن الفقه الإسلامي قادر على مواكبة كل جديد، شريطة أن يُعاد النظر في بعض المسائل وفقًا لمقاصد الشريعة ومتطلبات العصر. كان لحكمته وأخلاقه دور كبير في التأثير على تلاميذه وزملائه، وظل مرجعًا في الفقه المقارن والدراسات الإسلامية. 

 

النشأة والتكوين العلمي:

وُلد الشيخ علي محمد الخفيف في قرية الشهداء بمحافظة المنوفية بمصر عام 1891. نشأ في أسرة محافظة اهتمت بتعليمه العلوم الدينية منذ صغره. التحق بكتّاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم العربية والدينية.

بعد إتمام حفظ القرآن، التحق بالأزهر الشريف في القاهرة عام 1904. كانت هذه الفترة قبل الإصلاحات الحديثة في الأزهر، حيث كانت الدراسة تعتمد بشكل كبير على حلقات التعليم، وتركز بشكل أساسي على العلوم الشرعية واللغة العربية، وبحلول عام 1907، انتقل إلى معهد الإسكندرية الديني الذي أُسس بتوجيهات الإمام محمد عبده، وكان هذا المعهد يجمع بين التعليم التقليدي والتحديث في المناهج والأساليب التعليمية، ودرس الشيخ الخفيف فيه لفترة قصيرة قبل أن ينتقل إلى مدرسة القضاء الشرعي التي أُنشئت في العام نفسه.

 

  دراسته في مدرسة القضاء الشرعي:

 كان التحاق الشيخ علي الخفيف بمدرسة القضاء الشرعي نقطة تحول في مسيرته العلمية، إذ كانت تلك المدرسة تعتبر من أرقى المؤسسات التعليمية في ذلك الوقت، حيث جمعت بين التعليم الشرعي والدراسات القانونية الحديثة وفيها تلقى الشيخ الخفيف تعليمًا مميزًا على يد نخبة من العلماء والأساتذة في الشريعة والعلوم العصرية، منهم: الشيخ أحمد إبراهيم، والشيخ فرج السنهوري، والشيخ محمد الخضري، والشيخ محمد عبد المطلب، وكان من بين زملائه في الدراسة الشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور أمين الخولي، والشيخ محمد فرج السنهوري. وقد استمر الشيخ الخفيف في المدرسة لمدة ثماني سنوات، حتى تخرج منها عام 1915 بشهادة تؤهله للعمل في القضاء والمحاماة والتدريس. 

 

المناصب التي شغلها:

بعد تخرجه، عُيّن الشيخ علي الخفيف أستاذًا في مدرسة القضاء الشرعي، حيث درس الفقه الإسلامي، كما تولى مناصب أكاديمية وتشريعية متعددة طوال حياته، فشغل منصب قاضٍ شرعي في المحاكم الشرعية المصرية عام 1921، وكان له دور كبير في تنظيم وإصلاح القضاء الشرعي في مصر. 

وفي عام 1939، تم تعيينه أستاذًا مساعدًا للشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث قام بتدريس مواد مثل: الفقه الجنائي، المعاملات المالية، والأحوال الشخصية.

شغل الشيخ علي الخفيف كذلك مناصب أخرى، مثل محامي شرعي في وزارة الأوقاف ومدير شؤون المساجد في الوزارة.

 

دوره في التشريع وتجديد الفقه:

كان الشيخ علي الخفيف واحدًا من الفقهاء المجددين الذين سعوا إلى تطوير الفقه الإسلامي بما يتناسب مع متغيرات العصر، فكان يدعو إلى مراجعة الفقه الموروث وتحديثه استنادًا إلى النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية، وقد تأثر بفكره العديد من طلابه. وكان يرفض الجمود الفقهي ويدعو إلى الاجتهاد في المسائل الفقهية المعاصرة. وقد تبنى منهجًا علميًا دقيقًا في التعامل مع النصوص الشرعية، محاولًا تقديم حلول فقهية تتوافق مع روح العصر دون الإخلال بالأسس الشرعية.

كما أصبح الشيخ مرجعًا مهمًا في الفقه المقارن بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وكانت أعماله البحثية تحلل القوانين الوضعية وتقارنها مع الأحكام الشرعية، مع تقديم مقترحات لتطوير الفقه في ضوء التغيرات المجتمعية. 

 

أخلاقه وشخصيته:

عُرف الشيخ علي الخفيف بتواضعه وإنكاره لذاته، وكان يتمتع بحكمة ووقار جلبا له احترام الجميع. ولم يكن يدخل في خصومات مع الآخرين، وكان يتسم بالصبر والتروي في إصدار الأحكام، ولذا كان يحظى بتقدير كبير من زملائه وطلابه، وكان يعتبر من العلماء الذين يجمعون بين العلم والعمل الصالح. لم يكن فقط فقيهًا متميزًا، بل أيضًا رجلًا ذا أخلاق رفيعة، يتعامل مع الجميع بحسن الخُلق والرفق.

 

مساهماته في اللجان العلمية والمجالس التشريعية:

كان الشيخ علي الخفيف عضوًا مؤسسًا في العديد من الهيئات العلمية مثل موسوعة الفقه الإسلامي، ومجمع البحوث الإسلامية، ومجمع اللغة العربية. كما شارك في إعداد العديد من مشروعات القوانين التي تتعلق بالأحوال الشخصية في مصر.

وقدم أبحاثًا علمية مهمة في المؤتمرات الإسلامية والعربية التي تناولت قضايا معاصرة مثل التأمين، والملكية، والفكر التشريعي الإسلامي.

كما كانت أبحاثه تُعد مرجعًا مهمًا للمؤسسات الأكاديمية والقانونية في مختلف الدول الإسلامية، كما كانت تسهم في تطوير الفقه الإسلامي لمواكبة التحديات المعاصرة.

 

دوره في المجامع العلمية والتشريعية:

- مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: كان الشيخ علي الخفيف عضوًا فعالًا في مجمع البحوث الإسلامية، حيث قدّم عدة أبحاث مهمة. من أبرزها بحثه حول "الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام"، وبحثه عن "التأمين" الذي قدمه في مؤتمر المجمع الثاني، وكذلك بحثه حول "مكانة السنة النبوية في بيان الأحكام الإسلامية". هذه الأبحاث ساهمت في توجيه النقاشات الفقهية نحو موضوعات معاصرة وأثبتت مرونة الفقه الإسلامي في مواجهة القضايا الحديثة. 

- مجمع اللغة العربية: تم اختياره عضوًا في مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1969 تقديرًا لمكانته العلمية وإسهاماته في مجال اللغة والفقه. ساهم في أعمال المجمع، خاصة في لجان المصطلحات الفقهية والقانونية، حيث قدّم مساهمات فعالة في تطوير المصطلحات الفقهية والقانونية بما يتناسب مع تطورات العصر.

- موسوعة الفقه الإسلامي: كان الشيخ علي الخفيف عضوًا مؤسسًا في موسوعة الفقه الإسلامي التي أنشئت عام 1961. كتب العديد من المصطلحات الفقهية للموسوعة، من بينها مصطلحات مثل "إجارة"، "إسلام"، "إقطاع"، و"دين". كان هدف الموسوعة هو جمع وتوثيق الأحكام الفقهية من مختلف المذاهب الإسلامية وتقديمها بشكل علمي ومنظم. إسهاماته في الموسوعة تُعد من أهم أعماله التي تجمع بين الدقة العلمية والاهتمام بالتفاصيل الفقهية. 

- المجلس الأعلى للأزهر: كان عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر الذي يتولى رسم السياسات العامة للأزهر الشريف، وهو ما يوضح مدى الثقة التي كانت تُعطى له من قبل المؤسسات الدينية العليا في مصر.

 

مشاركاته في المؤتمرات العلمية:

شارك الشيخ علي الخفيف في العديد من المؤتمرات العلمية على مستوى العالم العربي والإسلامي، حيث كان يُدعى لتقديم أبحاثه ومساهماته العلمية، على سبيل المثال: 

- في أسبوع الفقه الإسلامي الذي انعقد في دمشق عام 1961، قدّم بحثًا عن "الحسبة" وناقش موضوع "التعسف في استعمال الحق". 

- في المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي الذي انعقد في مكة المكرمة عام 1976، قدّم بحثًا مهمًا حول "التأمين"، وكان لهذا البحث أثر كبير في تبني بعض الدول الإسلامية لنظام التأمين وفقًا للشريعة الإسلامية. 

- هذه المشاركات العلمية لم تقتصر على المؤتمرات المحلية، بل شارك أيضًا كأستاذ زائر في عدة جامعات مثل جامعة بغداد وجامعة الخرطوم، حيث قدّم محاضرات لطلبة الدراسات العليا في الفقه الإسلامي والشريعة.

 

أهم مؤلفاته

كتب الشيخ علي الخفيف العديد من المؤلفات والأبحاث التي أثرت المكتبة الإسلامية، لما كانت تمتاز به من العمق والدقة في البحث، وتغطي موضوعات متعددة في الفقه وأصوله والمعاملات المالية والشريعة الإسلامية. وفيما يلي قائمة بمؤلفاته:

أولًا - الكتب المطبوعة:

1. "أحكام المعاملات الشرعية": تناول في هذا الكتاب مسائل المعاملات المالية من منظور الشريعة الإسلامية، وقدم دراسات مقارنة مع القوانين الوضعية. 

2. "أحكام الوصية": بحوث مقارنة تضمنت شرح قانون الوصية رقم 71 سنة 1946م. يعرض هذا الكتاب الأحكام الشرعية المتعلقة بالوصية مع مقارنة بالتشريعات الحديثة.

3. "أسباب اختلاف الفقهاء": يبحث في الأسباب التي أدت إلى تنوع الآراء الفقهية بين المذاهب المختلفة ويقدم رؤية واضحة لفهم هذه الاختلافات. 

4. "البيع في الكتاب والسنة": يركز على شرح أحكام البيع وفقًا للنصوص الشرعية الواردة في القرآن والسنة.

5. "التأمين وحكمه على هدي الشريعة الإسلامية": يناقش في هذا الكتاب مفهوم التأمين ومدى مشروعيته وفقًا للشريعة الإسلامية، ويقارن بين أنواعه المختلفة.

6. "التركة والحقوق المتعلقة بها": يتناول هذا الكتاب أحكام التركة وما يتعلق بها من حقوق، مثل حقوق الورثة والدائنين.

7. "التصرف الانفرادي والإرادة المنفردة": بحث مقارن يعرض مسألة التصرف بالإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي، ويقارنها بالقوانين المدنية المعاصرة.

8. "الحق والذمة": دراسة شاملة حول مفهوم الحق في الإسلام، والذمة بمعناها الشرعي والقانوني.

9. "حكم على شهادات الاستثمار بأنواعها الثلاثة": يناقش هذا الكتاب حكم الشريعة الإسلامية على شهادات الاستثمار، وتطبيق القواعد الفقهية على المعاملات المالية الحديثة.

10. "الخلافة": يناقش فيه مفهوم الخلافة في الإسلام وأحكامها، ودورها في النظام السياسي الإسلامي.

11. "الدَين": يُعد هذا الكتاب دراسة متعمقة حول الدين في الإسلام وأحكامه، وخصوصًا في المعاملات المالية. 

12. "الديات والأروش": يتناول أحكام الديات والأروش في الفقه الإسلامي، مع مقارنة بالقوانين الحديثة.

13. "الرهن": دراسة حول الرهن في الفقه الإسلامي وأحكامه المختلفة. 

14. "الشركات في الفقه الإسلامي": يقدم رؤية شاملة حول أحكام الشركات في الشريعة الإسلامية، ويقارنها بالقوانين المدنية. 

15. "الضمان في الفقه الإسلامي": يتناول موضوع الضمان وأحكامه في الشريعة الإسلامية، ويقدم دراسات مقارنة بالقوانين الوضعية. 

16. "فرق الزواج في المذاهب الإسلامية": يبحث في أنواع الفرق بين الزوجين وأسبابها وفقًا للمذاهب الإسلامية المختلفة. 

17. "الكفالة": يتناول هذا الكتاب أحكام الكفالة في الشريعة الإسلامية. 

18. "مختصر المعاملات الشرعية": يقدم خلاصة لأهم أحكام المعاملات في الفقه الإسلامي بأسلوب مختصر.

19. "مذكرة في السياسة الشرعية": مذكرات لطلبة تخصص القضاء الشرعي، تُركز على السياسة الشرعية وأحكامها. 

20. "مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية": دراسة تتناول أهمية السنة النبوية في تحديد الأحكام الشرعية والرد على الشبهات حول حجيتها. 

21. "الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين العربية": يقدم دراسة شاملة حول مفهوم الملكية في الفقه الإسلامي مع مقارنة بالقوانين الوضعية في الدول العربية.

 22. "المواريث": يتناول أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية بطريقة مفصلة.

23. "نظام الحكم": يناقش نظام الحكم في الإسلام وأحكامه الشرعية. 

24. "النيابة عن الغير في التصرف": يبحث في مسألة النيابة في التصرفات الشرعية وأحكامها.

 

ثانيًا - الأبحاث والمقالات المنشورة:

25. الاستصحاب.

26. الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي.

27. تأثير الموت في حقوق الإنسان والتزاماته.

28. "تعقيب على التعسف في استعمال الحق) بحث مقدم في أسبوع الفقه الإسلامي.

29. تقديم كتاب" تحفة الفقهاء للسمرقندي"، بتحقيق محمد زكي عبد البر، ١٩٥٨م.

30. الجعالة والوعد بجائزة.

31. جوابه على الاستفتاء المقدم من السيد عبد الرحمن عبد العزيز القاسم بشأن تقنين الأحكام الشرعية في البلاد السعودية، مطبعة المدني - القاهرة، ١٩٦٦م.

32. الحسبة.

33. "الحكومة الإسلامية الأولى" بحث منشور بمجلة الرسالة المصرية، عدد (٢٤٦) مارس (۱۹۳۸م).

34. رعاية المصلحة في الشريعة.

35. الشفعة.

36. الفكر التشريعي واختلافه باختلاف الشرائع.

37. كلمة في وداع الدكتور أمين الخولي في حفل استقبال الشيخ علي الخفيف في مجمع اللغة، مجلة المجمع (٢١٤/٢٥).

38. كلمة في تأبين الشيخ عبد الرحمن تاج في مجمع اللغة العربية مجلة المجمع (٢٢٣/٣٦).

39. مدى تعلق الحقوق بالتركة.

40. الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام.

41. المنافع في الشريعة الإسلامية.

42. الوقف الأهلي: نشأته، مشروعيته، عيوبه، حله، إصلاحه.

 

ثالثًا - المصطلحات الفقهية التي كتبها لموسوعة الفقه الإسلامي - مصر:

43. إجارة (۲/ ۱۹۹ - ۳۳۰).

44. ادعاء (٤ / ١٦٢ - ١٨٧).

45. إذن (٢٢١/٤ - ٢٤٦).

46. ارتفاق (٢٧٤/٤ - ٢٧٨).

47. أرش (٨٣/٥-١٠٧).

48. استبدال (۱۷۷/۵ - ۱۸۲).

49. استنابة (۹۲/۸).

50. استناد (٩٢/٨-٩٤).

51. استیلاء (٢٠٧/٨ - ٢١٤).

52. إسلام (٩ / ٢٧٥ - ٢٩٣).

53. اعتصار (١٦ / ١٠٠ - ١٠٢).

54. اعتقال (١٠٣/١٦ - ١٠٥).

55. اقتصار (۲۳۲/۲۱ - ۲۳۳).

56. إقطاع (٦/٢٣ - ١٨).

57. انقراض، لم تطبع بعد.

58. إيمان، لم تطبع بعد.

59. أمير وإمارة، لم تطبع بعد.

60. أهل الحل والعقد لم تطبع بعد.

61. دين، طبع ضمن طبعة الموسوعة النموذج.

 

وفاته:

توفي الشيخ علي الخفيف في القاهرة يوم 7 نوفمبر 1978 بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والفقهي. حظي بتكريم كبير من قبل زملائه وتلاميذه، وأقيم له حفل تأبين في مجمع اللغة العربية بالقاهرة يوم 8 نوفمبر 1978. 

____________ 

المصدر: مستل من كتاب: د. محمد عثمان شبير، الشيخ على الخفيف الفقيه المجدد، دار القلم، دمشق: 2002 (بتصرف واختصار).

 رابط تحميل الكتاب

 

صدرت هذه الطبعة من كتاب " تاريخ الفقه الإسلامي في مصر" لفضيلة الشيخ محمد محمد المدني[*]، عن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في 1440هـــــ/ 2019م، بتقديم من كل من الأستاذ الدكتور عباس شومان (أمين عام هيئة كبار العلماء)، والأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي الأستاذ بجامعة الأزهر (1923 - 2011)، والذي كتبت تقدمته تحت عنوان: "محمد محمد المدني- الكاتب الفقيه المصلح".

وحسبما جاء في تقديم الدكتور عباس شومان فإن الشيخ المدني أراد بتصنيف هذا الكتاب علاج نقص لاحظه على الكتب التي عنيت بتاريخ الفقه، وهو النقص نفسه الذي يراه في العلوم الأخرى كالنحو والأدب؛ حيث يجنح المؤلفون إلى الكتابات العامة التي تتحدث عن حالة العلم بشكل عام؛ لأنه الأسهل لكثرة الكتابات التفصيلية فيه، ويتركون الصعب، وهو إبراز الصورة التي تجلي جهود المصريين ودورهم في حركة المدارس اللغوية والأدبية والعلاقة بين جهودهم وجهود علماء العراق والحجاز.

 ومن ثم، فهو يرى ضرورة الاهتمام بعلماء كل عصر من العصور، بداية من الفتح الإسلامي وحتى وقتنا الحاضر، ومن المهم عنده رصد تاريخ الفقه بشكل كامل؛ لأن الكتابات السابقة في هذا المجال لم ترسم بشكل واضح صورة كاملة للفقه في مصر بصفة خاصة. ومن المعلوم أن تاريخ التشريع يعد علمًا مستقلاً من جملة العلوم الشرعية التي تدرس في كليات الشريعة، يبحث حالة التشريع من حيث التعريف بعلومه وبيان مصادره ومذاهبه وأصولها، وأسباب الخلاف بين الفقهاء، وأطواره عبر العصور التي مر بها، وما يتعلق بذلك من مباحث.

ومما لا شك فيه أنه حين يعنى أحد العلماء الكبار برصد حركة التشريع وتاريخه، وخاصة في بلد الأزهر؛ فإن كتابه يستحق أن يقرأ بعناية فائقة.

 

ومن خلال هذا الكتاب أثار الشيخ المدني العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابة، وقد أجمل هذه التساؤلات على النحو التالي:

  1. هل كان في مصر فقهاء؟ وهل كان لهم فقه؟.
  2. هل لهم رواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
  3. وإذا كان الأمر على النحو السابق فما لون هذا الفقه في عصوره المختلفة من عهد الفتح إلى اليوم؟ وما هذه الرواية؟ وما مدى انتفاعهم بها؟.

وفي مقدمته للكتاب طالب الشيخ المدني بالرجوع إلى الكتب المؤلفة في تاريخ الفقه، والكتب التي تتحدث عن أصوله والأسباب التي بني عليها الأئمة والفقهاء مذاهبهم فضلاً عن الرجوع إلى كتب التاريخ العام، وكتب المذاهب المختلفة التي تتحدث عن فقه أصحابها وتجمع رأي الحجازي والعراقي والشامي والمصري والمغربي، لا تفرق بين أحد منهم، ولا تعنى بتبيين وجهات أنظارهم.

"وبعد العودة من هذه الرحلة حاول أن تسأل نفسك: هل عدت في هذه المرة من رحلتك مملوء اليدين؟ وهل استطعت أن ترى للفقه المصري صورة واضحة، وأن تتبين ملامح هذه الصورة ثابتة غير مهتزة ولا متأرجحة؟ وهل استطعت أن تحلق بفكرك في جو من الفقه الإسلامي له طابع مصر، وفيه روح مصر؟ وهل استطعت أن تصل روحك بروح فقيه مصري خالص أو غير خالص، لتهتدي إلى نفسه وعقله، وثقافته، وطريقة تفكيره؟ لابد من «لا»، وهذه نواحي نقص من غير شك".

ومن هذه التساؤلات انطلقت هذه الدراسة لتبين لنا تاريخ الفقه الإسلامي في مصر، في سعي من المؤلف للإجابة على التساؤلات السابقة وغيرها.

وتأسيسًا على ما سبق تناول الشيخ المدني دراسته من خلال العناصر الآتية:

  • تاريخ الفقه الإسلامي في مصر.
  • مذهب الإمام الليث.
  • المدرسة الثالثة.
  • الشافعي (حياته، عهده بمصر، هل أثرت مصر في فقهه).
  • الشافعي لم يتأثر بمصر.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


[*] يعتبر الشيخ محمد محمد المدني (1907- 1968م) أحد أتباع مدرسة الإصلاح والتجديد التي أرسي دعائمها الشيخ محمد عبده، كما أنه يعد من كبار علماء الأزهر الشريف، وللشيخ العديد من المؤلفات النافعة في اللغة والتفسير، والفقه المقارن، وغيرها من العلوم.

 

 

20

مراعاة الحقوق الطبيعية في الاشتراع ومعاملة الناس

الأمة الإسلامية بحكم المهمة التي عهد الله بها إليها، وهي جعل كلمته هي العليا في الأرض، قدر لها أن تتبسط في البلاد، وأن تخالط الأمم، وأن تمد رواق سلطانها على شعوب كثيرة تخالفها أصلاً ولغةً ودينًا وعادات. وهذه الشعوب كلها كان لها نظم مقررة وقوانين محترمة وتقاليد خاصة، فإخضاعها جميعًا لشريعة واحدة تطمئن إليها، وتهدأ نوائرها تحت ظلها، لا يعقل أن يكون إلا إذا كانت تلك الشريعة بالغة أرقى ما يدركه العقل من معنى العدل، وما تطمح إليه النفس من نعمة المساواة، وتتطلع إليه الطبيعة البشرية من الحرية الصحيحة، وهذا ما لا سبيل إليه إلا إذا كان أساس تلك الشريعة الحقوق الطبيعية، لا الحقوق التي تمليها المصالح المادية، وتحدها الأثرة القومية، وتتحيفها العوامل المحلية.

أجل: فإن تلك الشعوب لأجل أن تدخل في الوحدة التي فُرضت عليها فرضًا يجب أن لا تجد في الحالة التي تدخل فيها ما يثير حميتها، وبهيج أنفتها، ويجرح كرامتها، ويدفعها دفعًا إلى التخلص مما وقعت فيه ولو استنفدت في سبيله قواها وثروتها. لأنه متى تأثر كل شعب بمثل هذه الروح من التمرد، نتجت من ذلك فتوق يتعذر على قاهريها رتقها، فيضطرون للإيغال فيها قتلاً وسلبًا، ثم يلجؤون إلى أحد أمرين: إما الإمساك بمخنقها مهدديها بالحديد والنار، وإما تركها وشأنها أشبه بجثة هامدة يؤول أمرها إلى ما يؤول إليه.

هذا كان شأن الأمم الضعيفة عندما كانت تقع تحت براثن أمة فاتحة. وهذا نفسه كان حال الشعوب التي حملت نير استعمار الرومان، وهى الأمة التي كانت لها الزعامة في الأرض قبل المسلمين مباشرة. فقد كانت الشعوب تخضع لها رهبًا لا رغبًا، وكانت كثيرًا ما تثور عليها فتحدث بين الفريقين معارك تسيل الدماء فيها أنهارًا. فلما أدرك الدولة الرومانية الوهن، انفصلت تلك الشعوب عنها مُكِنّة في أعماق قلبها أقسى ضروب الحقد عليها، حتى إنه لما داهمتها القبائل المتوحشة التي كانت نازلة في أطرافها من الهونيين والفنداليين والبلغار وغيرهم، لم تمتد إليها يد بمعونته، ولا أمدها قلب بعاطفة. وكان التاريخ أقسى عليها قلبًا من الناس، فقد جاء في دائرة معارف لاروس الكبرى عند ذكرها نظم الرومانيين:

"ماذا كانت نظم الرومان على وجه الإجمال؟ كانت الوحشية والقسوة بعينيهما مرتبتين في صور قوانين. أما من جهة فضائل رومية مثل الشجاعة والمكر والتبصر والنظام والإخلاص المطلق للجماعة، فهي بعينها فضائل قطاع الطرق واللصوص. أما وطنيتها فكانت مكتسية لباس الوحشية، فقد كان لا يرى فيها إلا شره مفرط للمال، وحقد على الأجنبي، وتجرد من عاطفة لرحمة الإنسانية. أما العظمة في رومية والفضيلة فيها فكانتا مرادفتين لأعمال السوط والسيف في العالم، والحكم على أسرى الحروب بالتعذيب أو بالأسر، وعلى الأطفال والشيوخ بجر عربات النصر" انتهى.

قارن هذا بحكم علم القرن العشرين في المسلمين، قال العالم الكبير جوستاف لوبون في كتابه تاريخ العرب: "لم تر الأرض فاتحين أبر وأرحم من المسلمين". على أن لسان الحوادث في هذا الشأن كان أبلغ من لسان التاريخ، فإن هذه الشعوب التي خضعت لحكم المسلمين فضلاً عن أنها لم تثر عليهم، ولم تبطن نية النكاية بهم، قد تهافتت على الدخول في دينهم، فأصبحت بلادها معاقل للإسلام، ولم يمض عليها غير سنين معدودة حتى نبغ فيها حفظة للغته، وأئمة لشريعته، مما لم يحدث له مثيل في أي عهد من عهود البشر. فهل عهد في تاريخ أمة أن ينتدب التحرير لسانها، وبناء قواعده وجمع شوارده أعاجم لا تجمعهم والعربية أقل صلة؟ ألم يكن إمام الحفاظ اللغويين أبو عبيدة فارسيًا، وواضعَا أصولها وقواعدها سيبوبه والخليل بن أحمد فارسيين أيضًا، ومهذبي نثرها وشعرها عبد الحميد وابن العميد وبشار وأبو نواس ومروان بن أبي حفصة وغيرهم فُرسا ومن أجناس شتى؟ ولا أعد لك أصحاب الأقوال الفقهية، ومفسري الكتاب الكريم، وحفظة السنة النبوية، فإن كثرتهم من أهل تلك الممالك التي فتحها الإسلام وضمها إلى حوزته.

فما سبب هذا الأمر الجلل الذى لم تر البشرية ما يشبهه منذ تدوين التاريخ إلى اليوم؟

سببه سمو الشريعة الإسلامية سموًا أذهل الشعوب عن قومياتها وتقاليدها وموروثاتها، فألقت بنفسها بين يديها تستمدها روحًا تحيا بها، وتنعم بالوجود تحت سلطانها. ولم يكسب هذه الشريعة هذا السمو إلا قيامها على أساس الحقوق الطبيعية المجردة عن كل صبغة قومية وجنسية، الرئيس والمرؤوس فيها سيان، والقوي والضعيف عندها متكافئان، والسري والصعلوك فيها صنوان.

لم يحدث في تاريخ العالم الإنساني أن أمة توخت العدل المطلق في سن شريعتها فنظرت إلى الناس من حيث هم أمثال في الإنسانية لا فضل لواحد منهم على آخر لأي اعتبار من الاعتبارات حتى ولو كان أجنبيًا عنها يخالفها أصلاً ودينًا ولونًا ولغًة. لم توجد أمة سلكت هذا المسلك في وضع شريعتها حتى ولا بالنسبة لآحادها المؤلفين لمجموعها إلا في أخريات القرن الثامن بعد الثورة الفرنسية وإعلانها حقوق الإنسان، ومحوها الطبقات الاجتماعية.

فقد كانت الأمم تنقسم إلى طبقات، لكل طبقة حقوق تمتاز بها على من دونها، حتى ينتهى الأمر إلى الدهماء، وهم السواد الأعظم من الأمة فكانوا يعتبرون في حكم العجماوات، حتى كان أصحاب الأملاك يبيعون أراضيهم بمن عليها من العمال، فيصبحون ملكًا خالصًا لمن اشترى الأرض التي هم عليها. وكان السيد يقتل الصعلوك فلا يعاقب على ما فعل، فإذا تعقبته الحكومة لسبب من الأسباب تخلص مما فعل ببذل مال نزر لأسرة المقتول.

فلما أعلنت الثورة الفرنسية حقوق الإنسان، وشاعت هذه المبادئ في العالم المتمدن، فسر كل منها الإنسان بأنه المعدود من جماعتها لا الإنسان أيًا كان، فأصبحت بذلك الحقوق الطبيعية مقيدة بالقومية في كل مكان. فانفردت الشريعة الإسلامية بميزة التعميم، فهي تعتبر الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث هو خاضع لسلطانها أو داخل في ملتها. وهذه من أدل الأدلة على أنها وحي إلهي لا وضع بشرى، فقد دل الاستقراء على أن الارتقاء في إقامة العدل لم يبلغ لدى البشر إلى حد أن يعاملوا الأجانب عنهم معاملتهم لأنفسهم، ولا أن يسروا عليهم أصول الحقوق الطبيعية التي أدركتها عقولهم. ولكن الإسلام سبق العالم أجمع إلى تطبيق هذه الحقوق الطبيعية على الكافة، ولم تستثن أحدًا حتى الأرقاء والأجانب عنه وعن جماعته، فكان المثل الإلهي الأعلى الذي سينتهي إليه الناس كافة حين يبلغون من معارج الرقى إلى ذروتها العليا، فقال الله تعالى يوصي المسلمين باتباع هذه الطريقة في معاملة الناس أجمعين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ومعناها يأيها المؤمنون كونوا جادين في القيام بتطبيق أصول العدل، وأدوا شهاداتكم فيما تستشهدون فيه مراعين وجه الله، ولو على أنفسكم أو والديكم أو أقاربكم، وإن يكن المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا فلا تمتنعوا عن أداء الشهادة محاباة له لغناه، ولا رحمة به لفقره، فالله أولى بالنظر إلى حالي الغني والفقير منكم، فلا تتبعوا أهواءكم كراهة أن تعدلوا، وإن تلووا ألسنتكم محاولين إخفاء معالم الحق، أو تمتنعوا عن تأدية الشهادة فإن الله خبير بما تعملون، يجازيكم عليه بما أنتم أهله.

وقد بين الله تعالى في آية خاصة بأن مراعاة أصول هذا العدل المطلق تشمل الخلق كافة إلا الذين يقاتلون المسلمين من أجل دينهم، ويعملون على إخراجهم من ديارهم اضطهادًا لهم وعدوانًا عليهم، فقال: ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾.

فهو في هذه الآية لا يوصي بمعاملتهم بالعدل المطلق فحسب، ولكن يوصى أيضًا ببرهم والبر هو أوكد الصلات التي تربط الناس الصادقة بعضهم ببعض، وتوجد بينهم المحبة الصادقة والعطف، وينتهى أمرها بالتوحيد بينهم في الوجهة والغاية. وهذا أقصى ما يرمي إليه الفلاسفة والمصلحون من الأحلام الاجتماعية. وقد أصاب الإسلام هذا المرمى فكانت نتيجة ذلك أن انقلبت الأمم التي كانت تقاتله إلى أمم صديقة له، بل إلى أمم مؤمنة به، فشهد العالم لأول مرة في تاريخه تطورًا لم يحدث له شبيه في نفسيات الشعوب المتباينة أصولاً ولغات وتقاليد، إذ تحولت كلها إلى أمة واحدة مؤلفة أكبر إمبراطورية عالمية تجرى وراء غاية واحدة هي المثل الأعلى لوجود إنساني كريم يحقق خلافة الله في الأرض. بدليل أن هذا الجثمان الاجتماعي الضخم لم يستخدم قواه الهائلة في تجريد الأمم من طيباتها، ولكنه استخدمها في حمل أعباء العلم والمدنية فنشر لواءهما عاليًا في كل بقعة امتد سلطانه إليها، فأدى رسالته التي نديه الله لها على أكمل وجه. وقد شهد أعداؤه له بهذه الميزة، فلم ينكر عليه واحد منهم أنه كان منقذ العالم من جهالة مطبقة، وجاهلية متغلبة، ومن حالة لو لم يتداركها الله به لا ستعصى وعز عليها الشفاء.

كل هذا كان بفضل العدل المطلق الذى جعله الحق أساسًا لشريعته العامة الخالدة. فانظر كم كانت تنجو الأمم، لو عممت تطبيق هذا العدل، من ثورات أهلية، ومن كوارث استعمارية، وكم كانت تقتصد من أموال لا تصرفها اليوم إلا على التسلح خشية أن يبغى بعضها على بعض؟

إذا أجدت الروية في هذا الأمر تبين لك أن الفيلسوف الانجليزي برناردشو لم يغل في قوله: إن أوروبا لا تتماثل من علتها التي تكاد تودى بها إلا إذا أخذت بأصول الإسلام وعملت بها.

ومن أعجب العجائب أن يتخيل بعض متعصبة الكتاب الأوربيين أن الإسلام قام على ظبى السيوف، هذا زعم يكذبه الواقع المحسوس وسنن الوجود نفسها، فإن كل ما قام على السيوف احتيج في حفظه إلى السيوف ثم آل أمره إلى الانهيار، ولكن الإسلام قام على أساس دعوة إصلاح عامة للأمم كافة، وقد أثمر المرات التي تنتظر منها فأحدث انقلابًا عالميًا نقل به الإنسانية من حال تحجر كانت فيه إلى حال حياة وحركة تأدت بها إلى ما تأدت إليه من الرقي والحضارة المتوثبة إلى أبعد الغايات، وأكمل النهايات.

ولست أنكر أن السيف قد لعب دورًا في إحداث هذا الانقلاب، ولكنه لم يكن السبب الرئيسي فيه. وهذه سنة كل انقلاب إصلاحي في الأرض حتى بين الأمة الواحدة. فالأمة الانجليزية لم تصل إلى ما وصلت إليه من التكامل الاجتماعي والدستوري، والأمة الفرنسية لم تستطع أن تعلن حقوق الانسان بمجرد الدعوة دون اللجأ إلى السيف، فإذا كانت هذه حالة الأمة الواحدة في الانتقال من حال لحال، أفتريد أن يحدث الإسلام انقلابًا عالميًا عامًا دون أن يلجأ فيه إلى السيف كأداة من الأدوات الضرورية لإحداثه معاصاة لسنن الوجود ونظامه!

وهل يغيب عن أحد أن المسيحية نفسها - وهي التي تحرم استخدام السيف - لم يستتب لها السلطان الذي وصلت إليه إلا باستخدامه؟

وإذا ذكرنا أن الإنجليز والفرنسيين لجأوا إلى السيف في أدوار من تاريخهم فليس معناه أن هاتين الأمتين كانتا تتناحران تحت دوافع وحشية بحتة، ولكن معناه أن أشياع التقدم فيهما اضطرت إليه لحماية كلمة الاصلاح من عبث العابثين بها. كذلك المسلمون لم يدفعهم إلى الحرب أي غرض غير حماية الدعوة الإسلامية من كيد الكائدين لها، وقد أمروا أن ينشروها في مشارق الأرض ومغاربها، لأنها رسالة عامة إلى البشر كافة، في حين كانت الأمم فيه أحوج ما تكون إليها. وقد دلت الحوادث على أنها كانت خيرًا وبركة على العالم كله، واتفق أنصارها وخصومها على أنه لولاها لتأدت البشرية إلى أسوأ منقلب.

الخلاصة أن الإسلام لم يمد رواق سيادته على الأمم التي تدين به اليوم إلا ببركة العدل المطلق الذي أوصى شيعته بالقيام عليه، فوجدت تلك الأمم فيه ما تحلم به من حياة اجتماعية لا تشوبها شوائب الجنسيات المتنافرة، والعصبيات المتناظرة، والطبقات المتحاقدة، بله ما آنسته في أصوله من مطابقة العقل، ومسايرة الدليل، وفي آدابه من سمو ليس بعده غاية، ولا وراءه مذهب، فألقت بنفسها في جماعته، ورأت الخير كل الخير في مناصرته، والذود عن بيضته.

ولا تزال الدعوة الإسلامية باقية ما بقيت السموات والأرض، ولا يزال ولن يزال الدليل قائمًا على أن قبولها هو الدواء الشافي لأدواء الأمم.

 

رابط مباشر لتحميل المقال

 

العلامة «محمد سليم العوا»، واحد من أعلام الاجتهاد والتجديد المعاصرين ... ومنذ تعرفت إليه في بدايات القرن الخامس عشر الهجري = ثمانينيات القرن العشرين، لم أتوقف عن التعلم منه، والأخذ عنه. ومنذ تلك السنين البعيدة، أغرتني سماحته بكثرة الذهاب إليه، واقتطاع جزء من وقته، كلما لاحت لي الفرصة؛ كي أطلعه على كثير من المسائل التي يستعصي على فهمها، والأفكار الجديدة التي لا أكون على ثقة من جدتها أو جدواها؛ فأعرض عليه مسائلي بإسهاب، وهو صابر منصت باحتساب، إلى أن أفرغ من معروضاتي، فيقوم متفضلا مترفقا بي -رفق الله به- ليصحح زلاتي، ويقيلني من عثراتي، ويفتح لي أبوابًا جديدة، ويرفدني بآراء سديدة. وإن أنسى، فلن أنسى أفضاله علي في تصويب ما دق وخفي على من أسرار اللغة العربية، وكم دهشت من تدقيقه في قراءة كل ما أعرضه عليه من بحوث ودراسات، وحتى "المقالات" الصحفية التي أكتبها بين الحين والآخر. وكم أفدت من ملاحظاته وتصويباته. ومن جلوسي الطويل إليه، ومن قراءتي لمؤلفاته، ومن استماعي لمحاضراته ومناقشاته؛ ترسخ عندي اقتناع مؤداه أن التعلق بالأصول العالية (القرآن والسنة) هو مبتدأ "إسلامية المعرفة"، وأن خبره هو: تغيير الواقع باتجاه الكرامة والحرية والعدالة والسلام، وأن من غاب عنه هذا "المبتدأ " فليس يرجى منه خبر خير، ولا خير خبر.

استمعت إليه أول مرة في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة وهو يناقش الدكتور سيف الدين عبد الفتاح في رسالته للدكتوراه في سنة 1407هـ = 1987م، فأعجبتني صرامته في المناقشة، وراقت لي لغته الفصيحة، وبشاشته المفرحة في ذات الآن، وعوضني الله به لين الجانب الذي افتقدته في أستاذي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور حامد ربيع من قبل، وما افتقدته أيضًا في أستاذي العلامة توفيق الشاوي من بعد. وكنت قد تعرفت إلى العلامة الشاوي، بعد سنتين أو ثلاثة فقط من تعرفي إلى العلامة العوا. قرأت أغلب مؤلفاته، وتعلمت منها، ولكني تأخرت كثيرًا في قراءة كتابه "في أصول النظام الجنائي الإسلامي" حتى سنة 1439هـ = 2017م، فلما قرأته، اكتشفت كم فاتني من علم بسبب هذا التأخير، وتبين لي أن هذا الكتاب يعتبر نموذجًا فريدًا يتعين الاقتداء به في "إسلامية المعرفة " بعامة، وفي البحث والنظر في قضايا التشريع الجنائي الإسلامي/الإنساني بخاصة، وكذلك في تجديد الفقه الإسلامي، وتقديمه بأسلوب عصري مستوعب للأصول، ولا ينفك عنها بحال من الأحوال.

 

النشأة والأسرة:

ولد العلامة العوا في الإسكندرية يوم 14 من ذي الحجة 1361هـ = 1942/12/22م. ونشأ في أسرة من الطبقة المتوسطة، وكان أبوه -وقت ولادته- رئيس تفتیش مصلحة التلفونات (هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية الآن) في منطقة الإسكندرية، والتي كانت تمتد من مديرية البحيرة إلى الحدود مع ليبيا، بما فيها من مدن ومراكز وقرى.

تنتمي أمه إلى إحدى عائلات البحيرة (عائلة أبو عجلة) من قرية المحمودية. طلقت أمها -رحمها الله- بعد ولادتها بزمن قليل، فكفلها خالها الحاج محمود العطار من أعيان البحيرة ثم الإسكندرية، وهو أول من اتخذ (قمائن) الطوب الأحمر، ومن إنتاجه بنيت أهم مباني الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين في مدينة الإسكندرية وما حولها.

وعائلة "العوا" سورية الأصل، وليست مصرية؛ فقد هاجر جده عبد الله سليم العوا لأسباب سياسية من الشام (غوطة دمشق) إلى الإسكندرية عبر اللاذقية في الثلث الأخير -تقريبا- من القرن التاسع عشر. وقد وُلد له ثلاث بنات وخمسة ذكور، وتوفي سنة ميلاد العلامة العوا 1361هـ = 1942م. ولا تزال عائلة العوا تسكن "دمشق"، وهم يعملون في مهن متعددة.

نشأ العلامة العوا في منطقة (جليم جليمونوبولو) برمل الإسكندرية، وكانت بيوت أخواله وأقاربه في المنطقة نفسها. واعتاد وهو طفل صغير أن يقطع المسافة من بيته إلى بيوتهم مشيا في نحو عشر دقائق لأبعدها من بيته، ودون ذلك للبيوت الأقرب. أما بيوت أعمامه فكانت في منطقة محرم بك، التي كان فيها آخر بيوت جده عبد الله العوا رحمه الله. وعلى الرغم من بُعد المسافة بين المنطقتين فقد عوده أبوه رحمه الله على زيارتهم مع أشقائه منذ طفولتهم؛ فكان يصطحبهم معه لزيارتهم مرات في كل شهر، وما إن يبلغ أحدهم سنا يستطيع فيه التنقل بالمواصلات العامة وحده حتى يشجعه على زيارتهم وحده. وكثيرًا ما كان هو وأشقاؤه في الإجازات يمضون الليالي ذوات العدد في بيت جدهم، الذي استقر فيه اثنان من أعمامه، أو يأتي أولادهما إلى بيتهم؛ ليقيموا فيه معه، ولا سيما في إجازة المدارس. يقول العلامة العوا: "كانت حياتنا في بيتنا حياة مليئة بالحركة؛ فالضيوف لا يتوقفون عن الوفود إليه، وأصدقاؤنا (نحن الأبناء والبنات) موجودون بصورة شبه دائمة، والجيران يحلو لهم زيارة الوالدين -النساء نهارًا والرجال بعد المغرب أو قبلها- بل إن كثيرا من القادمين من خارج الإسكندرية، أو خارج الوطن، يقيمون في البيت إقامة كاملة مدة بقائهم في الإسكندرية. وكنا نحن الذين نقوم على خدمتهم، وتوفير سبل، راحتهم، وهكذا عرفنا معنى البيت المفتوح، ومعنى إكرام الضيف، ومعنى قول الشاعر:                 

   "لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها        ولكن أخلاق الرجال تضيق"(!)"([1]).

وما قاله -في الفقرة السابقة- يكشف عن واحدة من الخصال الحميدة التي اشتهر بها العلامة العوا؛ ألا وهي: الكرم الحاتمي، وحب الضيوف وترحيبه بهم، بل وأكاد أقول: "وبحثه عنهم". ولما كان يتكرم ويدعوني لبيته العامر، فقد شهدت فيه مرات ومرات ضيوفا من مختلف الأقطار، واستمعت إلى أحاديثهم في جلائل الأمور، وأفدت كثيرًا من تنوع تخصصاتهم، واختلاف ألسنتهم. وأذكر أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين (المرجع الشيعي اللبناني المعروف) كان ضيفه ذات ليلة إبان الغزو الأمريكي للعراق في سنة 2003م، وكنت حاضرًا، وكان المجلس يغص بعدد كبير من العلماء والمفكرين والسياسيين من مصر ومن خارجها، وكان من الذين تكلموا في تلك الليلة الدكتور [أحمد] كمال أبو المجد (وزير الشباب [ثم وزير الإعلام] في عهد الرئيس السادات، والمحامي وأستاذ القانون والمفكر المعروف)، وكان حاصل كلامه ما معناه: "إن الغزو الأمريكي للعراق بات أمرًا واقعًا، وإن الخلافات إذا ظلت تمزق الأمة فلا خلاص من هذا البلاء، ولا جدوى من أي جهاد أو مقاومة إلا عندما تتحقق الوحدة". استمع الحضور لما قاله، وإذا بالعلامة مهدي شمس الدين ينهي اعتدال جلسته، ويضع ساقًا فوق الأخرى -حتى بان أثر ارتفاعها من تحت عباءته- في مواجهة الدكتور كمال أبو المجد، وكان مما قاله معقبا به على حديث أبي المجد (حرفيًا): "لا بديل عن المقاومة ... كفى تخذيلًا للأمة ... وإذا انتظرنا حصول الوحدة، فلن يتحرر شبر من بلادنا المحتلة". وهنا بادر العلامة العوا وتدخل بلباقته المعهودة، وصرف الحديث إلى وجهة أخرى؛ تفاديا لمزيد من الإحراج.

كان ترتيب العلامة العوا الثالث بين إخوته: سبقه أخوان، وجاءت بعده أختان. وكان أبواه لا يفرقان في المعاملة أو التعليم أو التربية أو التوجيه بين ذكر أو أنثى. ويذكر أن من نوادر أمه -رحمها الله-: عنايتها بحقوق الغائب من الأبناء أو البنات حتى فيما تطهوه من طعام يحبه، فتحفظ له نصيبه في المجمد (الفريزر)؛ حتى يعود من غيبته، بل كانت ترسل إلى المقيم خارج البلاد نصيبه من كعك العيد(!).

 

التعليم:

قال لي إن أمه علمته كما علمت سائر أبنائها وبناتها - القراءة والكتابة، وأصول الأعداد والحساب وجدول الضرب، وإن أباه أقرأه وإخوته جزء عم أو بعضه لمن لم يكمل القراءة، قبل أن يصلوا إلى سن دخول المدارس النظامية. التحق العوا في سن الخامسة بمدرسة يحيى باشا الأولية النموذجية بالإسكندرية، ومكث فيها عاما دراسيا واحدًا، انتهى بكارثة تعليمية بقي أثرها معه طول حياته كما قال، وهي: "كراهيته لدراسة الرياضيات وما يتصل بها من علوم (!)"؛ ذلك أن مدرس الرياضيات عاقبه لأنه لم ينجز (الواجب) كما كان ينبغي، وكان هذا صحيحًا، لكن العقاب كان قاسيا، أحدث تورما خلف مفصلي الركبتين، اقتضى علاجا طبياً مدة يرى الآن أنها كانت طويلة.

يقول: "يعاودني الشعور بالألم في موضع العقوبة كلما ذكرتها. وقد تركت مدرسة يحيى باشا قبل نهاية العام الدراسي، وألحقت بعدها بمدرسة المعارف الابتدائية، ملتحقا بشقيقي عبد الله وعبد الرحمن، وفيها أتممت الدراسة الابتدائية، ولحقني في السنة الأخيرة تعديل نظام التعليم، فحصلت منها على شهادة إتمام الدراسة الإعدادية، وانتقلت بعدها إلى مدرسة الرمل الثانوية القديمة، التي تخرجت فيها سنة 1959م؛ لألتحق بكلية الحقوق في جامعة الإسكندرية".

كان المدرسة المعارف العمومية ثم لمدرسة الرمل الثانوية أكبر الأثر في تكوينه المعرفي؛ فقد كان في كل منهما نخبة من أفذاذ العلماء الأزهريين والدرعميين والتربويين؛ الذين كانوا يتخرجون من معهد إعداد المعلمين بعد دراسة سنتين تليان الدراسة الجامعية؛ وكان يديره -أو يشرف عليه- الأديب الكبير والمربي الفذ محمد سعيد العريان الذي كان يكتب على بطاقته (كروت الزيارة): "التقي النقي"، وتحتها اسمه، وكم فتش في الفصول، ولا سيما في مدرسة المعارف، على المدرسين في تدريبهم العملي، فكان إذا أعجبه جواب تلميذ أو صوابه، أخرج له واحدة من هذه البطاقات ووقع عليها، وطلب منه الاحتفاظ بها، والنظر إليها؛ لئلا يصيبه الكسل عن الدرس الجاد (!) وعن تلك المرحلة يقول أستاذنا العوا: والحق أن ذلك فعل فعله معي شخصيًا، وكنا يباهي بعضنا بعضًا بالعدد الذي حصل عليه كل منا من هذه البطاقات".

وكان لكل مدرس خصوصيته التي تجعل التلاميذ يلتفون حوله، ويلاحقونه في الفترات بين الدروس؛ فمنهم من كان اهتمامه بالقرآن الكريم وتعليم الدين، ومنهم من كانت العربية تستحوذ عليه، فيطيل الكلام عن خصائصها ومميزاتها وبديع نظمها ونثرها، ومنهم من كان التاريخ همه، فكانت حلقته تجمع بين الفائدة التاريخية والمتعة القصصية ... ولكل من هؤلاء أفضال لا تحصى، وآثار يصعب تمييزها في توجهه المعرفي، وفي تكوينه الثقافي.

وكان للكتب المدرسية نكهة خاصة -فقدت مع الأسف في كتب هذا الزمان- فكان من أسماء مؤلفيها طه حسين وأحمد الإسكندري وأحمد أمين وإبراهيم الإبياري والعناني ومحمد عوض وشفيق غربال ومحمد الأنبابي وحفني ناصف ومصطفى طموم ومحمد دياب وسلطان محمد وحمزة فتح الله ... وأعلام عديدون، أدوا رسالتهم نحو ناشئة البلاد كأحسن ما يكون الأداء.

يقول: "ولا أنسى فرحتي بيوم تسلم الكتب الدراسية، الذي كان يتم قبل بدء الدراسة بنحو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. كنت أعود إلى البيت محملا بوقر بعير أعكف على المجموعة الأولى، فأرهقها بقراءة عجلى لموضوعاتها كلها، ثم أعود إليها واحدًا بعد واحد، فأدرسها دراسة متأنية، لا تخلو من مراجعات لبعض المعلومات مع أبي أو أحد أعمامي أو أخوالي، أو في كتاب من الكتب التي تضمها مكتبة المنزل. ثم أبدأ العام الدراسي وأنا واع تمامًا بما في هذه الكتب من معارف وطرائف. أما المجموعة الثانية فحظي منها أن أتابع المدرس في شرحه، وأستعد بأدنى مجهود لامتحان نصف العام ثم نهايته، والأغلب ألا يبقى في الذاكرة من مسائلها شيء ذو بال (!) فقد كنت من هذه السن المبكرة قد اتخذت قرارًا نهائيا - وفقني الله تعالى لتنفيذه- أن مجال اهتمامي العلمي هو الدين وعلومه واللغة ومباحثها، وقبل أن أبلغ الثامنة من عمري كنت قد قررت الانتماء إلى دارسي القانون. وصَنَعت رحمة الله تعالى لي ذلك كله، ولله الحمد والمنة".

وكان من نصيبه عندما التحق بالجامعة أنه أدرك جيل العظماء من فطاحل رجال القانون والشريعة الإسلامية. أدرك شيخه العلامة محمد مصطفى شلبي رحمه الله، الذي درس له ولزملائه المحاضرة الأولى في كلية الحقوق سنة 1389هـ - 1959م، ومن ساعتها - ولا أقول يومها – نشأت صلة متينة الأساس قوية البينان بين الطالب والأستاذ، ولم تزل هذه الصلة تزداد وثوقا على الأيام، حتى لقي الشيخ محمد مصطفى شلبي ربه في 18 من ربيع الآخر 1418هـ = 21/8/1997م عن ثمانية وثمانين عاما. وأدرك أيضا الأستاذ الجليل الدكتور عبد الحميد متولي، أستاذ القانون الدستوري والنظم السياسية، وكان أديبا شاعرًا محبا للطرفة والملحة، وله منها مجموعة مرتبة، يلقيها في أثناء محاضراته على الترتيب نفسه سنة بعد سنة؛ قصد إخراج الطلاب من جفاف الدرس القانوني، وتنشيط أذهانهم ليتابعوه كما ينبغي. وقد اتجه منذ منتصف الستينيات إلى دراسة الفقه الإسلامي، فأصدر عدة كتب عن النظم الدستورية الإسلامية، لقيت رواجا كبيرا، وأفاد منها قراؤها، وهي - مثل كل عمل بشري - لا تخلو من مآخذ علمية، ولا سيما في رجوعه إلى الأحاديث النبوية، واختياراته لبعض الآراء الفقهية، لكن شيئًا من ذلك لا ينقص من أثرها - وقت صدورها - في الدراسات القانونية بعامة، وفي طلاب الدراسات العليا والدكتوراه الذين كان لها فضل كبير في توجيههم إلى الدراسة الإسلامية القانونية. وأدرك الفقيه الكبير الأستاذ الدكتور علي صادق أبو هيف، أستاذ القانون الدولي العام، ومن عجيب أمره رحمه الله أنه حصل على الدكتوراة من جامعة القاهرة برسالة عن "الدية في الفقه الإسلامي"، وقد أشرف عليها شيخ شيوخه العلامة الشيخ أحمد بك إبراهيم. ثم تحول إلى دراسة القانون الدولي؛ ليصبح علما من أعلامه في مصر والوطن العربي. وقد خلفه في رئاسة القسم الأستاذ الجليل الدكتور محمد طلعت الغنيمي، ويصفه العلامة العوا بأنه "صديقه الكبير"، وكان أحد أعضاء الفريق القانون المصري في تحكيم طابا.

وأدرك كذلك أستاذ القانون المدني الفذ الدكتور حسن كيرة، وأستاذ القانون المدني المتميز الدكتور شمس الدين الوكيل، وأستاذ القانون الإداري الكبير الدكتور محمد فؤاد مهنا، وأستاذ القانون الجنائي العلامة الدكتور حسن صادق المرصفاوي، وأستاذ القانون الجنائي الجليل الدكتور رمسيس بهنام، وأستاذ القانون التجاري الكبير الدكتور مصطفى كمال طه، والدكتور علي البارودي، الذي جمعته به بعد الدراسة صداقة امتدت إلى وفاته رحمه الله. كما أدرك الأستاذ الدكتور عوض محمد عوض، والأستاذ الدكتور عبد الفتاح الصيفي، وكلاهما أستاذ القانون الجنائي في حقوق الإسكندرية، ولهما في فقهه آثار باقية إن شاء الله.

وعن بقية أساتذته يقول: "هناك آخرون كثر، لا يليق أن أغفل ذكرهم لولا ضيق المقام. لكنني أخص بالذكر مشايخي الذين تعلمت على أيديهم - في المدرجات وفي عشرات المجالس الخاصة في مكاتبهم أو منازلهم-: الشيخ عمر عبد الله البيتوني، والشيخ مصطفى خفاجي، والشيخ بدران أبو العينين بدران، والشيخ عبد العال عطوة، والشيخ عيسوي أحمد عيسوي، والشيخ طه الدسوقي العربي، والشيخ زكريا البرديسي، والشيخ زكي الدين شعبان، رحمهم الله جميعًا؛ فلكل منهم فضل علمي خاص علي أذكره ولا أنساه".

شارك في المدرستين الابتدائية والثانوية في نشاط الكشافة، ثم الجوالة، وفي النشاط الثقافي في جماعات الصحافة والخطابة، وفي النشاط الرياضي في الكرة الطائرة والسباحة وتنس الطاولة؛ ولكنه لم يفلح أبدا في الانضمام لفريق - أي فريق - لكرة القدم(!). وفي الجامعة انضم إلى جماعة الرحلات، وشارك في إصدار عدة صحف حائطية، أهمها (المنتدى)، التي زامل فيها الأصدقاء محمود طلعت مفتاح (رئيس محكمة استئناف القاهرة وعضو مجلس القضاء الأعلى فيما بعد)، ومراد منير فهيم (أستاذ القانون التجاري فيما بعد)، ومحمد حلمي الحسيني (شيخ الطريقة القادرية بالإسكندرية الآن)، وفؤاد علي فهمي طمان (المحامي الشهير والشاعر الكبير بالإسكندرية)، وقد استمر إصدار (المنتدى) نحوا من أربع سنوات، ثم توقفت بعد تخرج فؤاد طمان من الجامعة.

وكان من زملائه النابهين في الدراسة الجامعية الدكتور سعيد يحيى، أستاذ القانون التجاري بعد ذلك، والمحامي الآن، والدكتور محمد السعيد الدقاق أستاذ القانون الدولي العام، والدكتور محمد رفعت عبد الوهاب، والدكتور ماجد [راغب] الحلو أستاذ القانون العام، والدكتور فخر الطاهري، المستشار بعد ذلك بمجلس الدولة، والمستشار محمد عبد العظيم الشيخ الرئيس الأسبق لهيئة قضايا الدولة والمستشار حسيب البطراوي رئيس محكمة جنايات القاهرة السابق رحمه الله، والشعراء: إبراهيم التلواني، ومحمد صالح، وعشرات غيرهم يضيق المقام عن ذكرهم.

 

القراءات الحرة:

بدأ العلامة العوا القراءة الحرة في سن مبكرة جدا، ربما كان ذلك في نحو الثامنة أو التاسعة من عمره، يقول: "أنا لا أذكر نفسي غير مرتبط بكتاب أقرؤه، ولا أذكر وقتا منذ تلك الطفولة - لم تكن لدي (كتبي) التي لا تختلط بمكتبة المنزل، وأغضب جدا إذا عدت من المدرسة فوجدت بعضها في غير مكانه. ولست أستطيع أن أحدد كتابًا بعينه كان له الأثر الأكبر في تكويني الثقافي والفكري. لكنني قرأت منذ ذلك الوقت لعبد العزيز جاويش كتابه العجيب: الإسلام دين الفطرة والحرية، وأذكر جيدا أنني قرأته مرات عديدة، كانت كل مرة منها بمثابة القراءة الأولى؛ لما فيه من فكر حر غير تقليدي، ومن لغة سهلة ممتنعة بليغة راقية؛ لكنها يسيرة قريبة من القارئ الناشئ بقدر ما هي ممتعة للشادي والمنتهي. وقرأت في ذلك الزمان كتب طه حسين الأيام، ودعاء الكروان، وكنت أجمع (حديث الأربعاء) قبل أن تصدرها دار المعارف في أجزاء ثلاثة، وقرأت كثيرا من سلستي (اقرأ) وكتاب (الهلال)، غالبها عن الشخصيات التاريخية التي كانت تهتم بها هاتان السلسلتان، وبعد مدة من التعلق بالكلام المكتوب اكتشفت الشعر، وكان اكتشافا له وقع السحر في نفسي، فتعلقت بكبار الشعراء: شوقي وحافظ والديب. ثم تعرفت إلى الفطاحل القدماء: المتنبي والبحتري وابن الرومي وجرير والفرزدق ... وغيرهم، ولا تزال بعض النسخ الرديئة الرخيصة التي اقتنيتها من دواوينهم بسبب ضيق ذات اليد موجودة في مكتبتي، أرجع إليها؛ لأستعيد ذكريات القراءة الأولى الصعبة، وألتذ بما كنت أدونه على بعض صفحاتها، عن بيان أخذه عن بعض مدرسي في مدرسة الرمل الثانوية، وقد كان عدد منهم من الشعراء المجيدين؛ كالأستاذ توفيق جبر، والأستاذ إبراهيم اللقاني وغيرهمها".

وقد ترك والده أثرًا مهما في تكوينه الثقافي، وفي توجيهه الفكري العام. كان والده لا يفتأ يدله على كتب التفسير والفقه والحديث، ويطلب منه في أحيان كثيرة - أن يقرأ له بعض المواضع منها، وكان رحمه الله يقدر المعاجم تقديرًا خاصًا. يقول: "ولا أذكر أن أحدًا منا نحن الخمسة -سأله عن معنى كلمة عربية أو إنجليزية أو فرنسية وكان يجيدها جميعها مع الإيطالية- وأجابه إلا بقوله: (هات القاموس)، فإذا ذهب السائل ولم يعد، استدعاه وسأله عما وجده، وطلب منه قراءة الكلمات المشتقة أو المتصلة بالكلمة التي سأل عنها... وهكذا تكونت ملكتي اللغوية، وتأسس حبي للغة وتعلقي بها".

 

 العلماء:

إلى جانب أساتذة القانون السابق ذكرهم، تأثر الدكتور العوا أيضًا بعدد آخر من كبار الأساتذة، منهم الأستاذ الدكتور توفيق حسن فرج رحمه الله، أستاذ القانون المدني، والأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفا أستاذ قانون المرافعات المدنية والتجارية، وقد كان لكل منهما أثر كبير في توجيهه الصحيح للدرس القانوني، والبحث العلمي فيه.

أما علماء الشريعة الذين لهم الفضل العلمي عليه؛ فقد بدأ معهم منذ الطفولة المتأخرة -كان عمره نحو عشر سنين- حين عرف دروس العلم في جمعية أنصار السنة المحمدية بالإسكندرية، فاستمع واستمتع - كما يقول- بدروس العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ محمد متولي عركز ... كان عالمًا في الحديث، وتاجر حدايد وبويات، (يبيع بنفسه رحمه الله) والشيخ عبد الفتاح عفيفي في مصلى مدرسة المعارف، والشيخ منصور النمر في مسجد القباني بالإسكندرية، وكان مدرسًا له في مدرسة المعارف نفسها، والشيخ عوض عبد العال عوض في مسجد أحمد سالم (جامع الصيني؛ لأن منشئه كان من كبار تجار الأدوات المنزلية)، والشيخ محمد الشوربجي في مسجده، والشيخ إسماعيل حمدي في مسجدي الهداية والشوربجي (كان له درسان أسبوعيًا). ثم التحق بالجامعة، وكان لقاؤه بشيخه الكبير العلامة الفقيه الأصولي الحنفي الشيخ محمد مصطفى شلبي، وبه بدأت صحبة لم تنقطع في سفر ولا حضر نحوا من أربعين سنة. وأفاد إفادات لا تحصى من العلماء الآخرين الذين سبق ذكرهم في فقرة (التعليم)، رحمهم الله.

في لندن أشرف على رسالته أولا الأستاذ أندرسون، (وكان وقتها عميدًا) Institute of Advanced Legal المعهد الدراسات القانونية المتقدمة (Studies)، وأستاذا للقانون في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن. ثم (School of Oriental and African Studies) تقاعد بعد سنة من تسجيله لرسالة الدكتوراة، وانتقل الإشراف إلى الأستاذ كولسون، الذي أكمل عمل الأستاذ أندرسون، ولم يطلب تغييرًا واحدًا على الخطة، أو طريقة العمل التي أقرها سلفه (قارن لنفسك هذا مع ما يفعله الأساتذة في جامعاتنا من تعذيب للطالب الذي يكون في مثل ذلك الموقف).

وفي جامعة لندن، أدرك أيضًا الأستاذ برنارد لويس، بمواقفه المعروفة من العرب والإسلام، وحضر عددًا من محاضراته العامة. وتعرف إلى الأستاذ جون إسبوزيتو، الذي ترك بريطانيا وانتقل إلى الولايات المتحدة، ولا تزال صلته الشخصية والعلمية مستمرة إلى الآن. وتعرف كذلك إلى عشرات العلماء من مختلف بلدان العالم، ممن كانوا يدرسون له في لندن في السنوات الأولى من السبعينيات، وقد سبق بعضهم إلى دار القرار، ولا يزال البعض الآخر يؤدي رسالة العلم، ويدفع ضريبة المعرفة؛ تعليما للناس، وتوجيها لطلابه، ومساهمة في النشاط العلمي والثقافي العام([2]).

 

في محراب العلم والعدالة وميادين العمل العام:

تنوعت إسهامات العلامة العوا العلمية والعملية ما بين ميادين متعددة أهمها:

1- ميدان العلم: تأليفا وتدريسًا بعدد من الجامعات المصرية والعربية والأفريقية، وعضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضوا بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعضوا بالمجلس الأعلى ومجلس الخبراء المركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية (لندن).

2 - ميدان العدالة وكيلا للنائب العام في مستهل حياته العملية، ثم محاميا في ساحات المحاكم، ومحكما في المنازعات محليا ودوليا.

3- ميدان السياسة والثقافة: حيث أسس "جمعية مصر للثقافة والحوار"، وشغل منصب الأمين العام للاتحاد العالمي للمسلمين، وخاض الانتخابات الرئاسية التي جرت في سنة 2012م عقب ثورة 25 يناير 2011م.

وتغطي مؤلفاته من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات أغلب تلك الميادين. ويصعب حصرها هنا، ومن أهمها وأقدمها صدورًا كتاب "في النظام السياسي للدولة الإسلامية"، الذي صدرت طبعته الأولى في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكتاب "في أصول النظام الجنائي الإسلامي" (صدر في سنة 1979م)، وكتاب "الفقه الإسلامي في طريق التجديد" (صدر في سنة 2006م)، وكتاب "للدين والوطن: فصول في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين " (صدر في سنة 2006م).

وتحتاج هذه المؤلفات وغيرها من البحوث والدراسات والمقالات إلى كثير من الجهد لرسم معالم المشروع الفكري الذي انشغل به العلامة العوا، ولا يزال - يحفظه الله - مثابرا على الانشغال به. وهنا تعريف مجمل بأحدث مؤلفاته:

أحدث مؤلفات العلامة العوا هو كتابه الذي صدر في سنة 2016م بعنوان "المدارس الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين" (511 صفحة) ([3]). وقد اقتصر فيه على المدارس التي استمدت فكرها من القرآن والسنة، وسلمت بمرجعيتهما العليا؛ باعتبار أن هذا التسليم وذاك الاستمداد هما الخصيصة التي تجعل ما قدمته هذه المدرسة أو تلك حقيقا بوصف "الإسلامي". وما بين أول مدرسة وآخرها ظهورا؛ تتبع العلامة العوا بطول نفس - مدارس الإباضية والشيعة الإمامية، والزيدية، والإسماعيلية والمعتزلة، والصوفية، وأهل السنة والجماعة، والسلفية، والسلفية الإصلاحية، واختتم ببعض الجهود والاجتهادات الفردية.

وقد يتبادر إلى الذهن أن ماء هذ النهر الطويل كله عذب سائغ للشاربين، وفرات نافع للقاصدين. وهذا بعيد عن الصواب، والصواب بعيد عنه. فبعض مائه كدرته الأوشاب. وبعضه أَسَنَ وتغيرت رائحته، وفقد طهوريته. وبعضه غاض في الأرض، وأمسى غورا، أو اختلط بغيره من الأمواه الأجاج، فأصبح مثلها وأخذ حكمها، وبعضه أضحى كأنه السراب؛ يحسبه "الظمآن" ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. وبعضه بقي مباركًا، تنبت به الجنات وحب الحصيد، وظل غدقًا مسكوبًا، يسقي الحرث، وينشر الخير، ويعمر الأرض.

قرأت هذا الكتاب من "طرته" إلى "حَرْدِه" مرتين. وتأكد لي في المرتين أن "نهر الفكر الإسلامي" لم يصل إلى نهاية تاريخه بعد، وأنه سيظل يتدفق إلى آخر الدنيا، وأن مياهه مهما تكدرت وعلاها الغثاء حينا، فإن "الأصول العالية" لهذا الفكر تحمل بداخلها أدوات تنقيته وتطهيره وتجديده في كل حين. وإذا كان النَّفْرِيُّ يقول إن: "القراء ثلاثة: قارئ قرأ، وقارئ عرف، وقارئ فَهم"؛ فإنِّي بعد أن انتهيت من قراءتي الثانية، تحققت من صدق قوله، ووجدت أن ليس كل ما قرأته عرفته، وليس كل ما عرفته فهمته حق فهمه. وعليه فإن ما سأقدمه هنا في سياق التعريف الموجز بأستاذنا العوا، هو مزيج مما استقام لي فهمه بعد قراءته ومعرفته واخترت أن أعرض هنا عددًا محدودًا من بين عشرات المسائل التي امتلأ بها الكتاب، تاركًا للقارئ الكريم قراءة كل مسائله بتفاصيلها فيه؛ إذ هو بالفعل: "لا تُغني قراءة بعضه عن بعضه"، لمن أراد الإلمام بتيارات الفكر الإسلامي المتنوعة ومدارسه المختلفة.

 

مسألة المنهج:

سطر العلامة العوا منهجه بوضوح في مقدمة الكتاب، والتزمه بصرامة من أوله إلى آخره. وحاصله هو: "أن لا ينسب إلى مدرسة فكرية، أو عالم من علمائها، إلا الكلام الذي أوردته المدرسة في كتبها المعتمدة، أو كتب العالم المعني نفسه، أو نقله عنه غيره من موافقيه أو مخالفيه نقلا صحيحًا" (ص 19). والاستثناء الوحيد من هذا المنهج هو ما أورده عن "الخوارج "؛ والسبب هو عدم وجود كتب لهم. وقد استعاض عن ذلك بما كتبه العلماء الثقات عنهم. ثم إنه أجرى كثيرًا من المقارنات والموازنات في كثير من القضايا. وليست قوة هذا "المنهج" في وضوحه وبساطته، وكونه مقارنا فحسب؛ وإنما في عمقه وأصالته واستقامته أيضًا. أما عمقه؛ فلأنه يغوص في مدونات المدارس المختلفة وأقوالها، ويعرف بمؤسسيها وأئمتها، ويميز أصولها من فروعها، ويقارنها أحيانًا بغيرها من المدارس، ويختار منها ما يصورها تصويرا مطابقا لحقيقتها قدر المستطاع، دون نصرة مدرسة على أخرى؛ إلا في حالات قليلة. وأما أصالته؛ فلأنه تطبيق مباشر للقول المأثور:

"آفة الأخبار رواتها"؛ إذ لم ينقل عن خصوم المدارس ولا عن منتقديها. وكان من ثمرات الالتزام بهذا المنهج أنه سد أغلب طرق الطعن على ما سرده عن كل مدرسة، وأكسب جل ما انتهى إليه من أحكام بشأن هذه المدارس قوة "الأمر المقضي"؛ وبذلك استقامت أحكامه التي انتهى إليها، وخرج بعد أن خاض في معمعة المطارحات والاختلافات سالما غانما، لم تبتل قدماه.

وقد يسرع البعض إلى القول إن "منهج" هذا الكتاب لا يعدو كونه منهجًا "تاريخيًا"؛ ليس فيه شيء من التحليل أو النقد أو التقييم. ولمثل هذا القول ما يبرره في ظاهر متن الكتاب، فلدينا التصريح الوارد في مقدمة الكتاب يعلن "الالتزام بالنقل" من المصادر المعتمدة عند كل مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي، ولدينا هوامش الصفحات ملأى ببيانات تثبت فعلًا أن ما ورد عن كل مدرسة هو من مصادرها المعتمدة. ولكن تدقيق سردياته بشأن تلك المدارس -عند مقارنتها بسرديات أخرى معاصرة- يكشف عن أن العلامة العـوا لم يكن مجرد ناقل" لروايات موثوقة فحسب؛ وإنما نجده "يختار" مـن مصادره، وينتقي روايات معينة ويعتمدها دون غيرها، وكأن النقد والتقييم عنده يتمثل في عملية الانتقاء من تلك المصادر. وظني أن مثل هذا الاتجاه يعبر عن شيء من التأثر بمنهج "أهل الحديث"، الذين يبحثون عن "أصح الروايات"، وطرح ما سواها جانبًا، بعد أن يتبين لهم ضعفها أو وضعها. وهذه عملية نقدية بالغة الدقة والصعوبة في آن واحد... مع إدراكنا أن ثمة اختلافات جوهرية بين ممارسة هذا النقد في مسائل ذات طابع "تاريخي"، وبين ممارسته في مسائل علم الحديث، ومنها أن المؤرخين الثقات يحذرون أساسًا من الهوى في تناول الأحداث، ويرون في تحليلها خروجًا على الموضوعية، بينما أهل الحديث يحذرون أساسًا من الزلل أو الكذب أو الوقوع في الإثم؛ نظرًا لما يترتب من أحكام شرعية على إثبات أو نفي صحة رواياتهم. وبأيسر نظر في متن هذا الكتاب وفي هوامشه يتبين لنا أن العلامة العوا قد تأثر بمنهج أهل الحديث في سردياته التاريخية عن مختلف مدارس الفكر الإسلامي؛ الأمر الذي أكسب عمله الاستقامة والسلامة معا، وليس في هذا مصادرة على حق الاختلاف معه.

 

مسألة الفرق والمدارس:

يحمل هذا الكتاب بين طياته الكثير من "جديد القول" في شأن مدارس الفكر الإسلامي. ولكن ليس من اليسير الوقوف على شيء من هذا "الجديد"، ما لم يتبين القارئ معالم منهجه النقدي على ما ألمحنا. ومن جديد هذا الكتاب أنه سمى "الفرق " أو النحل" باسم: "المدارس الفكرية". واستبدل هذا الاسم الجديد بالاسم القديم، الذي شاع في كتب التراث، بشأن كل مجموعة اجتهدت واتخذت مواقف مختلفة في مسائل كبرى ظهرت في أزمانهم، وتناولت -بالأساس- شئون العقيدة والاعتقاد، والسياسة والحكم، والإصلاح والثورة. وهذا "الجديد" وليد نظرة لا مراء في أنها "نقدية"، ورؤية "غير امتثالية " لاسم "الفرق " الموروث، والمتداول على نطاق واسع في كبريات المصادر منذ ألف سنة على الأقل.

وظني أن تسمية الدكتور العوا لتلك الفرق باسم "المدارس الفكرية"، قد جاءت "موفقة" و "تاريخية"؛ هي تسمية موفقة من جهة تصويرها واقع الحال الذي كانت عليه كل مجموعة من تلك المجموعات، أو "فرقة من الفرق". وهي تسمية "تاريخية" من جهة ارتباطها باسم المكان الذي ظهرت فيه أغلب أفكار مؤسسي تلك "المدارس" وطروحاتهم واجتهاداتهم؛ إذ الثابت تاريخيا أنها نمت وترعرعت في رحاب "المدرسة" بالمعنى المادي الذي يشير إلى المكان الذي كان يلتقي فيه العلماء ببعضهم وبطلابهم، وكان أغلب هذه "المدارس" ملحقا بالمساجد والجوامع الكبرى، على ما يقول عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي (ت: 927هـ) في كتابه: "الدارس في تاريخ المدارس". وكانت قاعات "المدرسة" تشهد -على الأقل- طرح الأسئلة والإشكالات، وبدايات المطارحات التي تبلورت ونضجت فيما بعد، وأكسبت كل "مدرسة" معناها الفكري الذي يميزها عن غيرها من المدارس الأخرى.

شرح العلامة العوا سبب تفضيله اسم "المدارس" على اسم "الفرق"، فقال: "لأن المدرسة لفظ يدل على محاولة طلب العلم، والتنوع في أساليب هذا الطلب. والتنوع [في ذلك] ضرورة ملازمة لأصل الخلق: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين (118)﴾ [هود]. والاختلاف في وسائل طلب العلم يؤدي - غالبا - إلى الاختلاف في النتائج وهو اختلاف تنوع، ما دام الأصل الذي يطلب العلم منه واحدا. وتلك هي الحال في الفكر الإسلامي؛ إذ إن أصل طلبه يكون مستمداً من العلم بالقرآن والسنة" (20،21).

يؤكد العلامة العوا أن هذا الاسم الجديد "مدارس الفكر الإسلامي"؛ يعني أن تلك المدارس "كلها داخلة في نطاق الأمة الإسلامية؛ أي نطاق الذين يستظلون بمظلة الإسلام"، كما يؤكد نسبتها إلى الفكر والاجتهاد الذي يقبل الصواب والخطأ، بدلا من تسميتها: "الفرق الإسلامية"؛ لأنها تسمية تحيل إلى "الافتراق"، وإلى "المفارقة"، وإلى "الحق والباطل" و"الإيمان" و"الكفر" في "مسائل العقائد"؛ وهي مسائل لا تتسع - بطبيعتها - لتعايش الآراء المختلفة، ولا لضمان وحدتها في ظل تنوعها.

 

مسألة احتكار السلطة ومشكلتها المزمنة ... بلا حل:

من أعقد المسائل التي خاضت فيها المدارس الإسلامية المختلفة - بدءًا من الخوارج وصولا إلى الإخوان "مسألة السلطة". وقد تفرعت عنها قضايا كثيرة العدد وبالغة الأثر، من أهمها قضايا: "الشرعية"، و"التداول على السلطة"، و"أدوات المراقبة"، و"أساليب المحاسبة". كان أعظم ما تمخض عنه اجتماع "سقيفة بني ساعدة" هو انعقاد أول "إجماع" في تاريخ الإسلام بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى. وقد انتهى الاجتماع بالإجماع على مبدأ "سلطة الأمة في اختيار الحاكم"، وكذلك في إقامة النظام المناسب المحقق لمصالحها. وبمفهوم المخالفة، كان هذا الإجماع نفيا لمبدأ وراثة السلطة، وللجمود على صيغة دون غيرها من صيغ الحكم وأنظمته. وتجلت في هذا الإجماع عظمة "الشورى"، بأفضل ما يكون التجلي.

لكن تلك المبادئ التي كشفت عنها "الشورى"، وقررها إجماع السقيفة، سرعان ما جرفتها الفتنة الكبرى، وانحرفت بها الأهواء في مسارات بعيدة، باتجاه الاحتراب على السلطة، وتحولت "الخلافة" إلى "ملك عضوض"، يغذيه نهران من الدماء: الأول: نهر الدماء المهراقة من أجل التغلب على الخصوم بقوة السلاح، والثاني: نهر الدماء المتحدرة بالوراثة من الآباء إلى الأبناء بقوة العصبية. ويقرر العلامة العوا -بحق- أن "الانشغال بالفكر النظري " بشأن السلطة، وبمن هو الأحق بها؛ لم يظهر إلا في مرحلة تالية على نشأة الدولة "عندما آتي الاستقرار السياسي والاقتصادي أكله، وظهرت ثمراته في عهد عثمان بصورة محدودة، ثم ابتداء من عهد علي؛ الذي ظهرت فيه مدرسة الخوارج على أثر الفتنة التي سببها قرار التحكيم" (ص 36).

عالج الكتاب هذه الإشكالية عند أغلب مدارس الفكر الإسلامي، في أكثر من موضع (انظر مثلًا الصفحات: 43 - 47 ، و66 - 68، و90، و239، و338)، وتناولها أيضًا في سياقات جدالية أخرى، منها سياق التفرقة بين إمارة المؤمنين، وإمارة الجماعات (ص 83 - (89) ، وسياق المقارنة بين "غيبة الإمام " عند الشيعة، و"غيبة الخلافة" عند السنة (ص: 146-155).

ورغم كثرة المطارحات التي انخرطت فيها مختلف المدارس قديما وحديثا -من أجل حل هذه المعضلة المزمنة- إلا أن أمتنا لم تصل بعد إلى بر السلامة، ولا يزال قانون "التغلب والقهر" هو السائد في الوصول إلى السلطة والخروج منها. ولم تفلح موجة الربيع العربي في تغيير هذا القانون، وبقي على حاله الذي كان عليه منذ معركة صفين. ومن حق شباب الأمة اليوم أن يسألوا: أين مكمن الخطأ؟ ولم تظل أمتنا بالذات دون غيرها من أمم الأرض ترزح تحت قانون التغلب والقهر"؟ وكيف يمكن تغيير هذا القانون، أو على الأقل تعديله؛ من أجل الخروج من ضيق الاستبداد إلى سعة الحرية؛ أسوة ببقية الأمم الحرة؟

من يقرأ هذا الكتاب يخرج بنتيجة واضحة في هذه المسألة، وهي: أنه لا يجوز الخروج على الحاكم الجائر؛ باعتبار أن حقن دماء المسلمين أولى من عزل حاكم لا يضمنون من يتولى الأمر بعده (انظر مثلا صفحة 66 ومواضع أخرى). أهل السنة يقولون بهذا الرأي، والإباضية يوافقونهم ... وحاصل قول الزيدية هو ترك السلطة لمن يتغلب عليها، ويخرج بها عن أوامر الله؛ لأنهم يجيزون "أن يتنحى الإمام إن لم يجد جماعة يعينونه على أمر الله، ويأتمرون له ويجاهدون معه". وكذلك الأئمة: مالك، وابن حنبل، وابن تيمية، لا يجيزون الخروج على الحاكم، ولو كان ظالما متغلبًا؛ تجنبًا للفتنة، وحقنا للدماء. أما الشيعة الإمامية -فقبل أن يتطور فكرهم السياسي بنظرية ولاية الفقيه، التي أنضجها الخميني، وقاد بها ثورة عارمة خلعت شاه إيران ظلوا لما يقرب من ألف سنة يعتقدون أن الأمة لا سلطة أصلا لها في اختيار "الإمام / الحاكم"، ولا في عزله؛ لأنه منصوص عليه، ومعصوم، ويجب انتظاره منذ غاب الغيبة الصغرى في سنة 260هـ، أو منذ "الغيبة الكبرى"، التي يقولون إنها بدأت في سنة 329هـ، ويدعون للإمام الغائب (حتى اليوم) بأن "يعجل الله فَرَجَه"(!).

في هذه المسألة، انتصر العلامة سليم العوا لرأي ابن حزم، وقال إنه يذهب إلى ما ذهب إليه، وهو: "أن الواجب إن وقع شيء من الجور، وإن قل، يُكلم الإمام في ذلك، ويُمنع منه، فإذا امتنع وراجع الحق وأذعن للقود من البشرة والأعضاء، وإقامة حد الزنا والقذف والخمر، فلا سبيل إلى خلعه، وهو إمام كما كان، لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من الواجبات عليه، ولم يراجع، وجب خلعه وإقامة غيره؛ ممن يقوم: بالحق" (نقلا عن: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 5، ص 16).

ولكن السؤال القديم لا يزال شاخصا، والإشكال لا يزال بلا حل، من ثلاث جهات على الأقل:

أولها: أن القول بأن "يكلم الإمام" وينصح ويمنع، لم يتضمن بيان كيفية أداء هذا "التكليم"، ولا أدوات "النصح والمنع"، ولا كيفية إقامة الإمام الجديد، وهل يكون الخروج سلميا أم مسلحًا؟، ولماذا صيغة "المبني للمجهول" في عبارة ابن حزم "يكلم"، التي تضفي غموضا فوق غموض؟ وألا يفتح هذا الغموض الباب واسعا أمام بزوغ قانون "التغلب " ليفعل فعله؟

وثانيها: أن "احتمال" استجابة الإمام وإذعانه للنصح وإقلاعه عن الجور، وعودته للحق؛ إن جاز في زمن ابن حزم، فإنه عسير "الاحتمال" في هذا الزمن المعاصر؛ لسبب موضوعي، وهو: أن انتخاب الحاكم أو بيعته -بعد تغلبه- لم تعد تتم: "على العمل بكتاب الله وسنة رسوله"، كما كانت في تلك الأزمنة؛ وإنما تقوم على أساس "احترام الدستور والقانون"، وفيهما ما لا يتوافق - ولو قليلا- مع كتاب الله وسنة رسوله.

وثالثها: وهو الأهم أن ما ذهب إليه ابن حزم (وغيره) لم يأتِ على مسألة "الشورى"، وهي من ثوابت الإسلام في شئون الحكم وأساس شرعية السلطة، وإنما جاءَ بما يفيد وجوب الطاعة، وهي من المتغيرات، ومن توابع الشورى. ومعنى هذا أن ما ذهب إليه لم يختلف في جوهره عما ذهب إليه جمهور السنة، وهو ما يتمخض -في حاصله- عن "تثبيت المتحرك وتحريك الثابت": أعني تثبيت الطاعة، والأصل فيها أنها مشروطة وتابعة للشورى الحرة، وتحريك الشورى، والأصل فيها أنها ثابتة لا يجوز تجاوزها، وإلا باتت شرعية السلطة ناقصة، وأغْطَشَ الاستبداد ليلها وضحاها.

يبين العلامة العوا في كتابه هذا السبب في أن كثيرًا "من أهل الفكر والفقه من أغلب تلك المدارس قد آثروا السلامة على الصدام مع السلطة"، ويشرح المسألة فيقول: "كأنهم رأوا أن الفائدة التي تعود على الإسلام وأهله من العلم النافع، والفكر المستقيم، أكبر من الضرر الذي يترتب على ظلم الحكام وبغيهم، ولا سيما أن هذا الظلم كان محدود الدائرة، إذا قيس بنفع العامة الذي كفله ترك الحرية للعلماء والمفكرين بعيدا عن دائرة السياسة". ثم يقول: "غير أن عصرًا من العصور الإسلامية لم يخل من علماء عاملين أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وقدموا في سبيل ذلك حياتهم رخيصة في جنب إعلاء كلمة الله".

ودور العلماء في هذا الشأن -ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالسياسة- دور ضروري؛ ليظل أداء هذا الواجب منضبطًا بضوابط الشرع" (ص 239). ولكن إشكالية "التغلب بالقوة"، وتثبيت الطاعة وإلغاء الشورى لا تزال شاخصة، وبلغ عمرها ألف سنة أو يزيد. ورغم تنوع اجتهادات المدارس الفكرية الإسلامية التي تناولها العلامة العوا في هذه المسألة؛ إلا أن "مدرسة الصبر على ظلم الحكام وجورهم"، لا تزال أوسع المدارس التي تأوي إليها أغلبية جمهور العلماء والمفكرين منذ موقعة صفين، ومع هذا الصبر الطويل لم تصل الأمة إلى حل هذه الإشكالية حتى اليوم، بينما تمكنت أمم الغرب من حلها بعد نضالات طويلة، حتى استقرت لديهم "سلطة الأمة"، وأضحى حكامها خدامها. وقد تنحل هذه الإشكالية عندنا في اليوم الذي تسترد فيه الأمة سلطتها في إقامة الحكام بالشورى الحرة، وإقالتهم بالشورى الحرة، وتكون الطاعة الواجبة لأولي الأمر تابعة لقرار الشورى، وتتقيد سلطات هؤلاء الحكام، فلا تكون مطلقة، وتتحدد مدة وجودهم في السلطة، فلا تكون مدى الحياة، وتنزاح من حولهم مظاهر البذخ والأبهة من القصور المترفة، والألقاب الرنانة؛ فلا صاحب جلالة ولا فخامة، ولا سمو ولا معالي، ولا سعادة، وإنما يكفي فقط: "رئيس" أو "مسؤول" منتخب لأداء خدمة عامة، ويخضع للرقابة والمحاسبة.

 

مسألة مؤسفة في "مدرسة" ابن عبد الوهاب":

بعض ما ورد في كتاب العلامة العوا بشأن سلفية الإمام محمد بن عبد الوهاب (1115 - 1206هـ)، يترك القارئ الحليم حيران؛ ليس بسبب دعوته لتخليص التدين الإسلامي من مظاهر الشرك والبدع التي شاعت في البيئة التي نشأ فيها؛ فهذه صفحات محمودة ومشرقة من اجتهاده وجهاده؛ وإنما بسبب الروايات التي تؤكد أنه ذهب إلى "تكفير أصحاب البدع والشركيات"؛ ليس فحسب؛ بل ذهب إلى "الأمر بقتالهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله". وهي روايات وثقها العلامة العوا - ملتزما بمنهجه - من المصادر المعتمدة عند ابن عبد الوهاب نفسه، وعند أتباعه المخلصين. وقد سرد جوانب منها في الفصل الذي كتبه عنه (ص 363 - 386).

وأحد تلك الجوانب التي يندى له الجبين، وتقْشَعِرُّ الأبدان من هول فظاظته وفظاعته هو: قصة ابن عبد الوهاب مع أخيه الشيخ سليمان، الذي اختلف معه -في أول أمره- وذهب إلى عدم جواز تكفير المعين (شخص بعينه أو مجموعة بعينها) أو قتله. وسجل الشيخ سليمان انتقاداته على ما ذهب إليه أخوه في رسالة بعنوان "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية". وتقول القصة إن الشيخ سليمان أرسل رسالته تلك مع شخص اسمه "سليمان بن خويطر"؛ ليبلغها لأتباع أخيه محمد بن عبد الوهاب، فما كان من هذا الأخير إلا أن: "أمر بقتل من حمل الرسالة"؛ خوفًا من تأثيرها في أتباعه، فتم قتله. وبعد قتل الرجل كتب ابن عبد الوهاب رسالةً -لا في التوبة من هذه الجريمة- وإنما في الرد على رسالة أخيه سليمان بعنوان "مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد". (راجع الرواية من مصادرها الموثقة، وتعليق العلامة العوا عليها في كتابه هذا: ص (371 - 380).

وليس هنا مجال مناقشة أي شيء يتعلق باجتهادات ابن عبد الوهاب في محاربة البدع ومظاهر الشرك، ولا دوره في تأسيس الدولة السعودية الأولى، وتحالفه مع ابن سعود؛ فلهذا ولذاك أهله من المتخصصين؛ وإنما ما يُكدِّرُ الخاطر، ولا يسر عين الناظر في كتاب العلامة العوا هو: التماس الأعذار لأمر ابن عبد الوهاب بقتل "سليمان بن خويطر"، الذي حمل، أو حتى روّج -على ما يقول بعض المؤرخين- رسالة سليمان بن عبد الوهاب في الرد على أخيه محمد. وقد نقل العلامة العوا (ص375) أن الدكتور عبد الله الصالح العثيمين قد "التمس سبب غضب ابن عبد الوهاب" على الرسالة وحاملها، فقال إنه: "كان يخشى تأثير هذا الكتاب في نفوس الآخرين؛ ولذلك أمر بقتل من أحضره ..."، واستطرد العلامة العوا بعد قول العثيمين وقدم أربعة أسباب، شرح بها تلك "الخشية" ص 375، و376)، ثم قال: "من أجل ذلك كله كان موقف ابن عبد الوهاب من رسالة أخيه الشيخ سليمان موقفًا مختلفًا تمامًا عن موقفه من مخالفيه الآخرين، وليس من عمل هذه الدراسة أن تفصل بين أصحاب المدارس الفكرية وأتباعها، وبين خصومهم؛ إنما همها الأساسي أن تعرف أثرهم في حياتنا الثقافية والفكرية والدينية والسياسية".

وقبل ذلك، انتهى العلامة العوا إلى القول إنه: "... تبقى هذه الواقعة (أمر ابن عبد الوهاب بقتل سليمان بن خويطر) محلًا لمزيد تقص وبحث ودراسة لأسبابها وملابساتها، وهذا كله قد يؤدي إلى زيادة اليقين بصحة المشهور المتداول أنه أمر بقتله)، أو إلى الشك فيه، أو إلى ثبوت بطلانه، وكل ذلك لا يؤثر في الصورة العامة المجملة، التي تحاول هذه الدراسة استخلاصها للمدرسة الوهابية باعتبارها الإحياء الثالث للفكرة السفلية".

وليس من المقبول قبول ما انتهى إليه العلامة العوا في هذا الفصل المؤسف من فصول "مدرسة ابن عبد الوهاب"؛ إذ الأسئلة تظل مشرعة ومروعة بشأن تلك الواقعة، ومنها: أين هو الموقف المختلف لابن عبد الوهاب من مخالفيه الآخرين؟ ألم يزري على جميع مخالفيه، ويصفهم بالجهل، وعدم القدرة على التمييز بين دين محمد ودين عمرو بن لحي، الذي أدخل الأصنام إلى الكعبة قبل الإسلام؟ (ص) (372). ولماذا لم يوجه ابن عبد الوهاب أمر الانتقام - إن ثبت - إلى شقيقه الشيخ سليمان، وقد وصفه بأنه "زائغ وملحد، ومن أعداء الدين" (ص 377)، وأمر بقتل حامل رسالته، فهل "حمل الرسالة" لتوصيلها أشد وقعا على نفس ابن عبد الوهاب من تأليفها وكتابتها؟ أم أن دم ابن خويطر ليس من صنف دم أخيه؟

الإنصاف يقتضينا أن نقول: إذا ثبت أن ابن عبد الوهاب لم يأمر بقتل حامل الرسالة، فهو بريء، وأجره على الله، والإثم على الذين اتهموه بلا دليل. أما إذا أثبت التمحيص والبحث الذي دعا إليه العلامة العوا - أنه أمر بقتل "سليمان بن خويطر" لهذا السبب وحده- وهو أنه حمل الرسالة لتوصيلها إلى من طلب الشيخ سليمان منه توصيلها إليه - فإن ابن عبد الوهاب في هذه الحالة يكون قاتلا لنفس بريئة، ويكون في رقبته دم المقتول إلى يوم الدين، ما لم يكن أولياء الدم قد عفوا عنه. ثم هل حقا أن هذه الواقعة - في حال ثبوتها - "لا تؤثر في الصورة العامة للمدرسة الوهابية "؟ أم أنها أثرت ولا تزال تؤثر؟ وماذا عن "قاموس" التفسيق والتكفير والشتائم والسباب الذي ورد في كلام ابن عبد الوهاب عن خصومه ومخالفيه في الرأي، وتجهيلهم، والاستعلاء عليهم؟، ألا يستحق هذا "القاموس " الإدانة والرفض والبراءة منه وممن يرضون به؟! في جميع الحالات لن تفرغ من قراءة هذا الجزء من الكتاب (ص 363 - 386) إلا وأنت حزين مقطب الجبين.

 

أفضل ما تبقى لنا:

لنترك تلك المسألة المؤسفة، ونمضي لنتعرف إلى ما استخلصه العلامة العوا في خاتمة الكتاب، ورآه أنفع ما تبقى لنا من اجتهادات كل مدرسة من المدارس الإسلامية المختلفة التي بحثها. وأسوق هنا حب حصيد ما استصفاه منها، كما ورد في الكتاب (ص 467 -475)؛ ولكن في عبارات مختصرة على النحو الآتي:

  • الخوارج: تركت مدرستهم "فكرة عدم انحصار رئاسة الدولة الإسلامية في قبيلة أو عائلة أو طائفة، أو فئة بذاتها دون سائر الناس، وأن شرط الولاية هو الكفاءة وحدها. وهذا الرأي -والكلام للعلامة العوا- "هو الذي يجعل رئاسة الملوك والرؤساء الحاليين للدول الإسلامية جميعا رئاسة صحيحة، فليس فيهم أحد يدعي أن ولايته سببها نسبه القرشي، والذين ينتسبون إلى قريش منهم تولوا عروشهم لأسباب لا شأن لها بالقرشية، وجميع هؤلاء الرؤساء والملوك حكام غلبة، تصح ولايتهم من باب أن الضرورات تبيح المحظورات عند جمهور علماء المسلمين؛ ولكنها تصح صحة أصلية لا استثنائية، بسبب طول المدى الزمني الذي بقيت في أثنائه حال الضرورة، كما هو الحال في فكر الخوارج".
  • الشيعة الإمامية: تركت مدرستهم فكرة الحب العميق لآل بيت النبوة والانتصار لهم، ثم تركت في تطورها المعاصر "فكرة ولاية الأمة على نفسها"، و"فكرة رضا الأمة" كأساس الشرعية السلطة. والتقت في تطورها المعاصر أيضًا مع فكر أهل السنة، في رد الأمر كله إلى الأمة، وتأييد الانتخاب الحر، والولاية المقيدة من حيث المدة ومن حيث الاختصاص".
  • الزيدية: تركت مدرستهم "مبدأ مشروعية الثورة على الحاكم الظالم، والسعي لإقامة حكم الحق [العدل]"، وأن الإمامة ليست محل نص، وإنما موضع اجتهاد يخطئ الناس فيه ويصيبون"، وتركت كذلك فكرة جواز وجود إمامين في قطرين في وقت واحد، وهو أساس فقهي لتعدد الدول الإسلامية القائمة اليوم، بشرط التعاون الكامل فيما بينها، والموالاة التامة من بعضها لبعض".
  • المعتزلة: تركت مدرستهم "فكرة الاحتكام إلى العقل، وضرورة فهم الحكم الشرعي في نطاق قدرته وإمكانات إدراكه ... ولم يكونوا يعارضون قط نصوص الشرع برؤية العقل".
  • الصوفية: تركت مدرستهم -الخالصة من البدع والخرافات- "حب الزهد، وتقدير الزاهدين، والشجاعة في الحق، ولا سيما في مواجهة المستعمرين والطواغيت".
  • أهل السنة والجماعة: تركت مدرستهم "الموقف القرآني الذي انبثق عنه الجميع، وهو الأصل والمرجع، وهو الوسط المتوازن الذي لا يميل ولا ينحرف، وهو موقف الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة. وهو منهج يتوسط بين العقل والنقل، ولا يسرف في التأويل، ويقبل الدليل الصحيح من السنة، وهو موقف مفتوح للمسلمين كافة".
  • السلفية الوهابية: تركت مدرستهم "منهجا جديدًا في العمل لنشر الدعوة وتحقيق انتصارها؛ ذلك هو منهج التعاون مع الحكام، وكسبهم إلى صف الدعوة؛ ليكونوا مناصرين لها لا خصومًا".
  • السلفية الإصلاحية تركت مدرستهم "فكرة العودة بالدين إلى ينابيعه الأولى، وفهمه على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف"، وتركت "فكرة تحرير العقل من قيد التقليد، وهي الفكرة التي فتحت باب التجديد والاجتهاد من أواخر القرن الثالث عشر الهجري".
  • الإخوان المسلمون: تركت مدرستهم فكرة شمول الإسلام للحياة كلها. والجمع بين التصور النظري للإسلام وفرائضه وأحكامه، وبين العمل الحركي لإحياء الالتزام به والدعوة إليه، والنزول على حكمه... وضرورة الاهتمام بالفرد فالأسرة فالمجتمع فالعالم؛ لتحقيق البلاغ الواجب لدعوة الإسلام".
  • السنهوري وعشماوي والشاوي: ترك أولهم عبد الرزاق السنهوري باشا فكرة "الخلافة الناقصة"، و "إقامة منظمة جامعة للدول الإسلامية ... ووجوب النهضة القانونية والدستورية، التي تحفظ الحقوق، وتحقق المساواة استنادًا إلى الشريعة". وترك ثانيهم حسن العشماوي باشا فكرة "الاعتداد إلى أبعد مدى بالحريات الفردية والجماعية"، وفكرة "احتمال تطبيق الشريعة لحلول متعددة للمشكلة الواحدة، وأنه ليس هناك حتمية فكرية، أو فقهية إسلامية؛ بل تنوع". وترك ثالثهم العلامة توفيق الشاوي فكرة أن "العمل الدائب أكبر قربة إلى الله"، وترك "فكرة التفرقة بين الشورى الواجبة الملزمة، والاستشارة المندوبة المعلمة؛ الأولى: هي وسيلة اتخاذ القرارات في الشئون العامة، والثانية: هي وسيلة التحقق من صواب الرأي ورجحان المصلحة".

 

وأخيرًا فإن أفضل ما تركه العلامة العوا في هذا الكتاب هو قوله إن: "الإسلام" يسع أهل القبلة كافة، فلا تبديع ولا تفسيق ولا تكفير، أما الخطأ والصواب فبابه واسع. وليس في الدنيا دين، ولا مذهب فكري يجعل للمصيب أجرين وللمخطئ أجرًا واحدا إلا هذا الدين القويم العظيم".

________________________________________ 

فصل مستل من كتاب: أعلام الاجتهاد والتجديد في الفقه والثقافة والسياسة، للدكتور إبراهيم البيومي غانم، صادر عن دار "مفكرون الدولية للنشر"، القاهرة: 2019، الطبعة الأولي، ص: 163-190.

[1] من نص جوابه على مجموعة أسئلة رجوته الجواب عنها، فوافاني مشكورا بما رجوت، وأرخه في 18 من رجب 1439هـ = 5 من أبريل 2018م.

[2] نهاية ما نقلته (بتصرف في الصياغة) من نص جوابه على مجموعة أسئلة رجوته الجواب عنها، فوافاني مشكورا بما رجوت، وأرخه في 18 من رجب 1439هـ - 5 من أبريل 2018م.

[3] صدر الكتاب عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر (بيروت - 2016م)، وقد كتبت مراجعة له، ونشرها موقع "إضاءات" على شبكة الإنترنت، في جزأين: أولهما بتاريخ 2018/3/21م، والثاني بتاريخ 2018/3/30م.

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم" لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة* عام 1965م، عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ضمن بحوث المؤتمر الثاني، ثم طبع مرات ثلاث من قبل، وهذه هي المرة الخامسة التي يطبع فيه بصفة عامة، وهي الطبعة الأولى المحققة التي صدرت عن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف عام ه1444ه/2023م، والتي قدم لها فضيلة الدكتور العالم حسن الشافعي.

ولقد سبق أن قدم الإمام الأكبر د. عبد الحليم محمود لهذا الكتاب، في طبعة مجمع البحوث الصادرة سنة 1969م، وجاء تقديمه على النحو التالي:

إن السلف الصالح قد تذرع لفهم القرآن الكريم والعلوم التي انبثقت عنه بالذوق العربي الفصيح، وبالسنة النبوية الصحيحة، وساروا في فهمه على أنه كل لا يتجزأ، ويفسر بعضه بعضًا.

فعرفوا الإيمان من صفات المؤمن التي ذكرها القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.

ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.

ووجدوا الإيمان يذكر متضمنًا العمل أو مقرونًا به فعملوا، فكمل إيمانهم، وعلى هذا النحو فهموا شعائر الإسلام، وتوحيد الله وكمالاته المطلقة، والرسل الكرام، ووظائفهم والملائكة الأطهار وصفاتهم.

وجاء المتأخرون الذين فقدوا الذوق العربي الفصيح والاسترشاد الواعي من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، فصبوا قوالب التوحيد في قواعد جافة، ومن ثم ضعف الإيمان وضعفت الإرادة تبعًا لذلك، وضعفت الأخلاق بالتالي.

ومن توفيق الله أن أخذ المصلحون يتجهون بتيار الإصلاح إلى الوضع السليم، فارتفعت أصوات الغيورين بضرورة إصلاح المجتمعات الإسلامية، وذلك بالرجوع في فهم التوحيد -بالذات- إلى الكتاب الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والاسترشاد بهما، على نحو ما فعل السلف الصالح حتى نسعد كما سعدوا.

ويسر الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية أن تقدم للمسلمين كتابها الشهري الثاني: "العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم" لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة عضو المجمع، وهو عالم فاضل معروف في العالم الإسلامي بأبحاثه القيمة وتآليفه العديدة، في مختلف القضايا الإسلامية والعربية، والتي لها قيمتها وأصالتها.

والأمانة العامة تقدم له خالص شكرها وعميق تقديرها على هذا البحث القيم في الناحية العقائدية.

والله تعالى نسأل أن ينفع به، وأن يوفقنا جميعًا لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

 

كما جاء في تقديم الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء لهذه الطبعة التي يشرف موقعنا بنشرها:

افتَتَحَ المؤلِّفُ كتابه برَسْم خُطوطٍ عريضةٍ للعقيدةِ الإسلاميَّةِ؛ من خلال استلهام كلمة الشهادة، وبيان ما تقتضيه نهجًا فارقًا وجامِعًـا مَعًا.

وفي براعةٍ يُحاوِلُ المؤلّف التفريقَ بَينَ قَبولِ خَبر الآحــادِ في العقيدة وعَدَم رَدَّهِ وبَيْنَ إِضَافَتِهِ إِلى أَصْلِ العَقِيدَةِ الَّذِي يُعَدُّ مُنْكِرُهُ كَافِرًا، بِقُيودٍ تَجْعَلُ نُصْبَ عَيْنِهَا: أَنَّ ما احْتَمَلَ الإيمانَ مِن وَجْهٍ والكُفْرَ مِن تِسْعَةٍ وتسعِينَ وَجُها لم يُغادِر دائرة الإسلام؛ ضَبطًا لِنصاب الأُمورِ حتَّى لا نقع فِي فَوْضَى التَّكفيرِ والتَّبديعِ الَّتي نعاني مِنْها في مجتمعنا المعاصر.

وقد جعل المؤلِّفُ كِتابَهُ هَذا مَقصورًا على ما لا يَسَعُ مُسلمًا أن يَجْهَلَهُ، مُعتَمِدًا على قطعي الدلالة من القرآنِ الكَريمِ، أَمَّـا مـا يَقبَلُ التَّأْوِيلَ مِمَّا يَتَّصِلُ بالعَقائِدِ فقد تَعَرَّضَ فيه المؤلفُ لأَقْرَبِ تأويل، مع ترجيح ما يكون تأويله قائمًا على دليل من كتاب أو سُنَّةٍ، ومِثْلُ القُرآنِ في الاستدلالِ والاعتماد: السُّنَّةُ المُتَوَاتِرَةُ، الَّتي تُعاضِدُ مـا جـاءَ فِي القُرآنِ ولا تَزيدُ عليه.

ثم انبرى المؤلّفُ بعد ذلك للحديث عن تَلازُمِ الإسلامِ والوَحْدانِيَّةِ تَلازُمًا لا فَكَاك منه، وذَلِكَ التَّوحيدُ الَّذي هو مُوجَبُ شَهادَةِ أَن لا إلهَ إِلا الله هـو دِينُ الأنبياء جميعًا؛ كَلِمَةَ اتَّفاق عند القائميـنَ بالقِسْطِ في كُلِّ مِلَّةٍ.

وقد وَلَجَ المؤلّف للحديث عن النصوص المهمة للتشبيه، ولَعَلَّ المُبادَرَةَ إلى هذا المَبْحَثِ مَبْنِيَّةٌ على ما أحاط بـه مـن وجهات نظر متباينة تجاوزت الحراك العِلْميَّ، وتحوَّلَ ما كان ينبغي أن يقف عنده سجال العلم إلى نار تكفير وتصنيف واتّهام أصابت الجميع، وهو ما دَفَعَ المُؤلَّفَ إلى تخصيص شطر كبير من الكتاب في مناقشة تلكَ القَضِيَّةِ، مُختارًا مَا انْبَلَجَ لَدَيْهِ سَبِيلُهُ، وَوَضَحَتْ عنده حُجَّتُهُ، مع الرَّدَّ عَلَى المُخالِفِ بِنَهجِ طَرَفاهُ المعقول والمنقولُ، ثم رجح المؤلف بين هذه الآراء فقال: «والذي ينتهي إِليهِ النَّظَرُ هِوَ مَا يَأْتِي:

أولاً: اتفاق العلماء على أنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّةٌ عَن أَن يَكونَ مُتَّصِفًا بِما تَتَّصِفُ الحَوادِثُ بهِ، فَلَيسَ لَدَيهِ يَدٌ كَأَيدِي النَّاسِ، وَلَا عَينٌ كَعُيُونِهِم، وَلَا وَجهُ كَوُجُوهِهِم.

ثانيًا: اتَّفَاقُ العُلماءِ عَلَى أَنَّ العَامَّةَ لا يَصِحُ أَن يَخُوضُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيات ولا تفسيرها، ولكن عَليهِم أَن يُؤْمِنُوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهُ عَن أَن يَكونَ لَهُ ما يُشبِهُ الآدَمِيِّينَ وَسائِرَ الحَوَادِثِ، ولَكنَّ المَعنى المَجازِيَّ لَيسَ عَلَيهِم أن يطلبوه؛ لأنَّهُ لَيسَ إلَّا مِن عِلم الخاصةِ الَّذي لا يُطالبُ بِهِ العَامَّةُ، ولا يُطالب بهِ إِلَّا مَن يُطِبقُ إدراكه، ويَكفِي مِن العامي التنزيه الإجمالي.

ثالثًا: أَنَّنا نَرَى أَنَّ السَّلَفَ لم يُفَسِّرُوا بِظَوَاهِرِ الْأَلْفاظِ؛ فَلَم يَقُولُوا: إِنَّ للهِ يَدًا لا نَعْلَمُها، ولا: إِنَّ لِلَّهِ عَيْنًا لَا نَعْلَمُهَا، وَنَظَرُنَا فِي ذلكَ مُسْتَمَدٌ مِن كَلامِ ابن الجوزي والغزالي، وأنَّ بَعضَهُم كانَ يُفسّر هذه الألفاظ بِما يَتَّفِقُ مع التنزيه، وتستبعد أن يكونَ مِثلُ على بن أبي طالب وأبي بكرٍ وعُمَرَ وابن عباس، وغَيْرِهِم مِن عِليَّةِ العُلماءِ يَفهَمُونَ مِن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]: أَنَّ للهِ يَدًا.

تم تناول المؤلّفُ الحديث عن قضيَّةِ الجَبرِ والاختيار، مُتَمَثلا في ذلك ما ارتآهُ مـن فلسفيّة هذا الخِلافِ وكَونِهِ على هامش الاعتقادِ ولَيسَ فِي لُبِّهِ، وزبدَةُ هَذهِ المَسألةِ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ فَعَالٌ لما يُريد، وأنه لا يُمكِنُ أَن يَقَعَ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاؤُهُ، ولا مَشيئة في تسيير هذا الوجودِ لسواه؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ مَسئوليَّة العَبدِ عن أَفعاله، واستحقاقه عليها الجَزاء المُلائِمَ.

وناقش المؤلِّفُ قَضيَّةَ تَعليل أَفعالِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَا انْجَرَّ تَبَعًا لها من خوض في الحُسنِ والقُبح خَوضًا غَرِقَ فِي لُجَّتِهِ كَثيرٌ ونَجَا إِلَى سَاحِلِهِ من وفَّقه الله، ونَحَا المؤلَّفَ فِي ذَلِكَ إِلى أَنَّ خَلْقَ الأَشياء فَوقَ تَقدير العبيد لها بالحُسْنِ والقُبْحِ؛ فالغايات التي يُدركونهـا إِنَّـمـا هـي بعـد إنشاء الكون، وما بث فيه وما يُحكم به من أسرار ونواميس؛ فآراءُ الفَلاسِفَةِ والمُتَكَلِّمِينَ كَلامٌ فيما وَقَعَ بعد الوقوع، وما وَقَعَ لَا يَصِحُ أَن يَكُونَ حَاكِمًا على مَن أَنشَأَهُ وأَبْدَعَهُ، فَمِنْ فُضُولِ القَولِ البَحثُ فيما لا تُدرِكُهُ العُقولُ إلَّا أَمَاني، والذي ينبغي الكَفُّ عَمَّا لا تَحتَمِلُهُ الطَّبَائِعُ البَشَرِيَّةُ، والمَفْزَعُ إنَّما هو لِكَمالِ التسليم للقُدرةِ الإلهيّةِ والإرادةِ العَلِيَّةِ الَّتِي لا تُقَيَّدُها عِلَّةٌ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو العليم الحكيمُ اللطيفُ الخَبيرُ.

ثُمَّ يَمَّمَ المؤلّفُ وَجهَهُ شَطْرَ الوَحدانية في العِبادَةِ، التي تعني أَلَّا يُعبَدَ سوى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وتِلكَ نَتيجة لازِمَةٌ لَوَحدَانِيَّةِ الذَّاتِ العَلِيَّةِ، وقد جَحَد المشركونَ بَدَهِيَّاتِ العُقولِ بفصلهم اللازمَ عـن المـلـزومِ، فالإسلام والشِّركُ نَقيضان لا يجتمعان.

وثانيهما: ألا يُعبد الله إلا بما شَرَعَ، فلا تترك السُّنَّةُ إلى البدعة، ولا يترك الوحـي إلـى الهـوى، ومـن هـذا حـرَّرَ المُؤلِّفُ قاعدةً مُفادها: أَنَّه لا وساطة بين العبدِ ورَبِّهِ، سالِكًا في ذلك سَبِيلًا مُتَجافيًا عن بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، بوَسَطيَّةٍ تَنْأَى عن إفراط وتفريط.

ثُمَّ أَقبل المؤلِّفُ على مُناقشة مبحثِ جَرَيانِ الخَوارِقِ للـعـادات عـلـى أَيْدي غَيرِ الأنبياء، وهو ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بِقَضِيَّةِ كَرامَاتِ الأَوْلياءِ، ويرى المؤلّف أنَّه لا يوجدُ دَليلٌ عَقلي أو نَقْليٌّ يَمنعُ وُجودَ الخَارِقِ على أَيدي بعض النَّاسِ، ولكن ليسَ هُناكَ دَليلٌ قَطعيٌّ يوجِبُ اعتقاد ذلك عند البعض، كما أَنَّ جَرَيانَ الخارقِ لا يَرفَعُ صاحبه إلى مرتبةِ التَّقديس، لا في حياته ولا بعــد مَمَاتِهِ، وخَوارق العادات يجريها الله علـى أيـدي الصالحيـن إكرامًا لهم ومعونةً، وأمـا خـوارق العادات لغيــر أهـل الـصــلاح فهـي مـن قبيل الاستدراج.

وَوَصَلَ قِطارُ حَديثِ المؤلّفِ إلى شَطْرِ كلمةِ الشَّهادَةِ، الَّتي تَتَضَمَّنُ مَعْنَينِ جَليلين:

أحدهما: أنَّ الإسلام - الَّذي تُعَدُّ هذه الشهادة مفتاح بابِـهِ- لَيسَ مِـن عَمَلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بـل إِنَّـه فيـه رَسُولٌ مُبَيِّن وليسَ مُنْشِئًا.

وآخرهما: أنَّ الإيمـان بـأنَّ سيدنا مُحَمَّدًا ﷺ رَسولُ اللَّهِ يوجِبُ الأَخذَ بكل ما جاءَ به من أَوامِرَ وَنَوَاهٍ.

ويَضَعُ المؤلِّفُ قَوَاعِدَ حَاكِمَةً في إطارٍ مُسْتَقَى مِنَ التَّصَدِيقِ بِمَضمونِ الشَّهادَتَينِ:

إحداها: أنَّ الأحكام التكليفيَّةَ النَّبَوِيَّةَ هِيَ مِن عِندِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ما دامت قد ثَبَتَتْ بِطَرِيقِ قَطعي لا شُبهة فيه.

وثانيتُها: الاعتقادُ الجَازِمُ بأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد أَنزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّه بعباراته ومعانيه وأحكامِهِ مِن عندِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَأْتِيهِ الباطلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِـنْ خَلْفِهِ.

وثالثتها: الإيمانُ بأنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ يَسْتَلْزِمُ عَقيدَةً وَعَمَلًا وَسُلوكًا؛ فمَن يَعتقدُ تَحريم ما أَحَلَّ اللهُ تعالى بالنَّص في القرآن الكريم لا يؤمنُ بالقُرآنِ، ومَن يَسْتَحِلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ تعالى بالنَّصَّ فِي القُرآنِ لا يؤمنُ بالقُرآنِ، وكذلكَ مَن يَزِعُمُ أنَّ الأحكام التكليفيَّة ليست في مصلحة الناس، أو أنَّ القوانينَ الوَضْعِيَّةَ أَعْدَلُ مِنَ التَّشريعات الإلهيَّةِ، وَيَلُفُ لَفَّهُ مَنْ يُحاوِلُ أَنْ يُخْرِجَ القُرآنَ الكَريم عن ظاهرِهِ بغَيرِ سَنَدِ سَائِغِ مِنْ نَقْلٍ صَحِيحٍ أَو عَقْلٍ صريح، ثُمَّ يَزْعُمُ ذَلِكَ تَأويلاً، وما هو إلا تَحريفٌ يَغُرُّ المَخْدوعِينَ، ولا يَنْفُقُ لَّدَى المُتَّقِينَ.

ثُمَّ يَتَطَرَّقُ المؤلِّفُ إِلى الحَديثِ عن الإيمانِ بالغَيبِ والرُّسُلِ جَمِيعًا واليوم الآخر؛ فالإيمانُ بالغَيبِ هو فَرْقُ مَا بَينَ الدِّينِ وَالزَّنْدَقَةِ المَارِقَةِ التي لا تخضعُ إلا للمادة وحدها، ويَرسُمُ المؤلِّفُ لَوحَةً مُتَبَايَنَةَ الألوانِ للتعامل الإنساني مع قضيَّةِ الغَيبِ، رابطًا بينَ اتَّساع أُفُقِ العَقلِ السَّدِيدِ وبروزِ مِنْطَقَةِ الإيمانِ بالغَيبِ خِلافًا لِمَنْ حَالَ أَوهَامَ شُكوكِهِ عَقْلَا، أَمَّا الإيمان بالرسل السابقين فهو من ضَرورةِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، التي تُمَثْلُ آخِرَ لَبِنَةٍ فِي صَرْحِ الرّسالاتِ الإلهية، ومن البَدَهيَّاتِ أَنَّ الإيمان بالرُّسُـل السابقين ومـا أُنزَلَ عليهـم مـن كُـُتـبٍ ومـا أُوتــوهُ مِن شَرائعَ إِنَّمَا يَعنـي الإيمان بما جاءَ مِن عندِ اللهِ مَحْضًا لَم يُشَبْ بتحريفٍ أو تبديلٍ أو تغييرٍ.

أما الإيمان باليوم الآخر، بما يَتَضَمَّنُهُ مِن أَهوَالٍ وَمَنازِلَ مِن بَعث وحشر.. وغَيرِ ذَلِكَ، فهو الحقيقةُ المُطْلَقَةُ الَّتِي لا مِـراء فيها؛ فالإيمـانُ بالبعث والحياةِ الآخِرَةِ قَرينُ الإيمان بالغَيبِ؛ لأَنَّ البَعثَ ليسَ أَمْرًا مَشْهُودًا بين أيدينا، بل هو والحَياةُ الآخرة أمـرانِ مُغَيَّبانِ، والقياس المادي القاصِرُ مَبْناهُ النَّظَرُ المَحْسوس، أما القياسُ القُرآني فهو قياسُ المَنْطِقِ المُستقيم؛ لأنَّه قياس ما يَقَعُ علـى مـا قـد وَقَعَ مِـن شواهد وأدلَّةٍ.

وقد قَرَّرَ المؤلِّفُ أَنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ وعِقابَها أَمـــرانِ ماديَّانِ مُدْرَكانِ بالحِس، لا مَعْنَوَيَّانِ فقط كما أَفَكَهُ المُتَخَرِّصـونَ، وَأَنَّهمـا خـالـدانِ دائمـانِ لا ينقطعانِ ولا يَفْنَيان.

وقد أَثْبَتَ المؤلّفُ الشَّفاعة يومَ القيامةِ مُقَيَّدَةَ بإِذنِ الرَّحمنِ  للشافع، وارتضائِهِ شأن المشفوع له، كما دَلَّتْ على ذلك النصوص.

ثُمَّ خَتَمَ المُؤلِّفُ كِتابَهُ بِإثباتِ رُؤية المؤمنينَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يـومَ القيامةِ، ولَعَلَّ في ذلك فألَ خَيرٍ وحُسْنَ خاتمةٍ لهذا المؤلَّفِ حِسّا وَمَعْنَى، الَّذِي حَرَصَ فيه مؤلّفه على الاقتصار على أُصولِ العَقيدةِ، مُعتَمِدًا على النصوص الصريحةِ القَطْعِيَّةِ؛ ما جَعَلَ كِتابَهُ هَذا إحياءً لمـا دَرَسَ مِـن مَلامحِ الوَسَطِيَّةِ، وعلامةً يَؤُوبُ إليها شُدَاةُ أَنوارِ السَّعادَةِ الأَبَدِيَّةِ.

 

محتويات الكتاب:

  • مُقَدِّمَة.
  • تقديم بقلم: أ.د/ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق.
  • تقديم فضيلة الأستاذ الدكتور حسن الشافعي عضو هيئة كبار العلماء.
  • ترجمة المؤلف.
  • العلم بالأحكام الإسلامية.

1- التَّوحِيدُ:

  • أركان الوحدانية.
  • الوحدانية في الذَّاتِ.
  • التَّأْوِيلُ والظَّاهِرُ والمُسْتَبِهَاتُ.

2- الوحدانية في الخَلقِ والتَّكْوِينِ:

  • تعليلُ أَفعالِ اللهِ تَعَالَى.
  • الوحدانية في العِبادَةِ.
  • لا وَسَاطَةَ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ.
  • الخوارق للعادات على أَيْدِي غَيْرِ الأنبياء.

3- شَهَادَةً أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ:

  • الإيمان بالغيب واليوم الآخر والرسل السابقين.
  • الإيمان بالغيب هو فرق ما بين الدين والزندقة.
  • الإيمان بالرسل السابقين.
  • الإيمان بالبعث والقيامة.
  • الحياة الآخرة.
  • المادية والمعنوية في الثواب والعقاب.
  • الشفاعة يوم القيامة.
  • رؤية الله تعالى يوم القيامة.
  • الإيمان بالغيب واليَومِ الآخِرِ وَالرُّسُلِ السَّابِقِينَ.
  • الإيمان بالغَيبِ هُوَ فَرقُ مَا بَينَ الدِّينِ والزَّندَقَةِ.
  • الإِيمَانُ بالرُّسُلِ السَّابِقِينَ.
  • الإيمان بالبعث والقِيامَةِ.
  • الحياة الآخِرَةُ.
  • الشَّفَاعَةُ يَومَ القِيامَةِ.
  • رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى يَومَ القِيامَةِ.
  • ثَبَتُ المَصادِرِ والمَرَاجِعِ الَّتِي رَجَعَ إِلَيْهَا المُعْتَنِي بِالْكِتَابِ.

 

رابط مباشر لتحميل طبعة مجمع البحوث الإسلامية

 

رابط تحميل طبعة هيئة كبار العلماء

 


* وُلد فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة عام ١٨٩٨ بمدينة المحلة الكبرى، واستحفظ القرآن، ودخل المكاتب الراقية، وكان منهاجها كمنهاج المدارس الابتدائية القديمة، لولا أنها ينقصها اللغة الإنجليزية واستعيض عنها بدراسات دينية وعربية، وبعد أن حفظ القرآن الكريم دخل الجامع الأحمدي في عام ١٩١٣م حتى عام ١٩١٦م؛ حيث دخل مدرسة القضاء الشرعي، ونال شهادة العالمية من درجة أستاذ عام ١٩٢٥م، ثم حصل على شهادة دار العلوم العليا من الخارج عام ١٩٢٧م، ثم درس بتجهيزية دار العلوم، والقضاء الشرعي والمدارس الثانوية، حتى نقل إلى كلية أصول الدين مدرسًا، ونُقل إلى كلية الحقوق مدرسًا حتى أصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم الشريعة الإسلامية بها ثم وكيلا للكلية، وعين عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية منذ إنشائه، كما عين بجامعة القاهرة، وله مؤلفات قيمة بلغت أربعين كتابًا في: التاريخ، والملل والنحل، والشريعة الإسلامية، وتفسير القرآن الكريم. توفي إلى رحمة الله تعالى عام 1394ه/ 1974م.