أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه تقدم بها الباحث سعد بن مطر العتيبي[1] لقسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء ونال بها درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. صدرت الطبعة الأولى من هذه الرسالة عن دار الفضيلة بالمملكة العربية السعودية في عام 1430هـــ/ 2009م.
وسعت هذه الدراسة إلى الإجابة على التساؤلات الآتية:
- ما مدلول السياسة الشرعية؟ وما العلاقة بينها وبين تغير الأحكام؟
- وهل في أحكام السير مسائل تتغير أحكامها، تبعًا لما تقتضيه السياسة الشرعية؟
- وهل يوجد في قواعد القانون الدولي العام المعاصر، ما يُمكن أن يقابل تلك الأحكام؟
- وهل يمكن موازنة تطبيقات فقه السياسة الشرعية -وفق مدلولها هنا– في أحكام السير، بما يقابلها من قواعد في القانون الدولي، مع بيانه بالتطبيق بإجراء الموازنة؟
- وكيف تفيد الدولة الإسلامية من فقه السياسة الشرعية في أحكام السير، بمعناها الخاص، في ظل المجتمع الدولي الحالي، والدخول في الاتفاقات الدولية المعاصرة؟
وتكمن أهمية الدراسة -كما أوضح الباحث في مقدمتها- فيما يأتي:
- أن علم السير علم يبحث -في معظمه- علائق المسلمين بأهل الملل الأخرى، من حربيين ومعاهدين، وهذا موضوع قوي الصلة بمهمات العلوم الشرعية (عقيدة، ودعوة، وفقهًا)، فالبحث فيه يفيد الباحثين من الدارسين، ويفيد أهل الولاية من السياسيين، كما يثري المكتبة الإسلامية بما تحتاجه من تصوّر شمولي مؤصل.
- أن علم السير، علم متجدد المسائل، كثير النوازل، وعـلــم هـذه حالـه لاشك أنه حري بالدراسات العلمية التأصيلية، مع محاولة تنزيل الأحكام على ما يمكن أن يكون محلاً لها من الواقع، إذا كان سالمًا من الإيرادات المؤثرة.
- أن المجتمع الدولي -اليوم- يجثو أمام قوانين وضعية، صاغها، أئمة الكفر لتخدم مصالحهم - وإن لم تخل من بعض القوانين الطبيعية الفطرية وألزموا بها من سواهم بما أدناه: رفع الشهاب، والتلويح بالنار، بحرب أو شبه حرب؛ فكان لزامًا على الدول الإسلامية إعلان النفير الفقهي الشرعي، الذي يزيل الغبار عن الإرث الإسلامي، ويبين للأمة وقادتها المخرج الشرعي الواقعي بالدليل، وكشف زخرف القول بالتسويغ والتبرير الذليل.
- أن الإرث العلمي الشرعي في هذا العلم، زاخر بالمسائل المتغيرة، التي تبرز بها السياسة الشرعية بمعناها الخاص؛ مما يقدم البرهان القاطع بنظر الشريعة للمصالح رعاية، وللمفاسد وقاية، مع تحمل ما لابد من تحمله منها عند اقتضاء الموازنة الشرعية لذلك؛ وهذا يؤكد أهمية ضبط التعامل مع المتغيرات، بحيث لا تعود على الثوابت بالبطلان.
- أن الانطلاق في تأصيل علم السياسة الشرعية بمفهومها الأخص بدراسة تطبيقاته ومعرفة مآخذه (التأصيل الشرعي)، جانب ينبغي تأكيد أثره في صحة التأصيل وسلامة الاستدلال، فكم من مسألة أصلها فقهاؤنا قبل قرون، ولازال الكثير من طلبة العلم -فضلاً عن العامة- يظنونها من النوازل ومستجدات العصر؛ ولو حقق المرء ودقق، لوجد كثيرًا من الحوادث والنوازل ذات جذور عريقة في التاريخ، بأن وقعت واقعة مقاربة، وأفتى فيها علماء ذلك العصر الذي وقعت فيه؛ والعلم بذلك من أهم ما ينبغي للفقيه والمتفقه العناية به؛ ولهذا كان العلماء يقولون: "لا يكون فقيهًا في الحادث، من لم يكن عالمًا بالماضي"؛ وبهذا تتأكد أهمية هذا الموضوع، وتتضح به جادة الطريق نحو سلامة التأصيل.
- وأخيرًا فإن أهمية هذا البحث تبرز في علاقته المباشرة بجميع علوم الشريعة، من تفسير، وشروح حديث، ومقررات عقيدة، فضلاً عن علم الفقه المتخصص، وهذا مما يطلع الباحث على حقيقة شمولية الشريعة نصوصًا، وأصولاً، وقواعد.
تقسيمات الدراسة:
تم تقسيم هذه الدراسة إلى مقدمة، وفصل تمهيدي، وبابين، وخاتمة؛ حيث تناول الباحث في المقدمة أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج الدراسة، وخطته، في حين تناول الفصل التمهيدي: مفهوم السياسة الشرعية، وعلم السير.
وتناول الباب الأول: فقه السياسة الشرعية في أحكام السلم، وقد تم تقسيمه إلى خمسة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: فقه السياسة الشرعية في أحكام الجزية، بينما تناول الفصل الثاني: فقه السياسة الشرعية في أحكام الأمان، في حين تناول الفصل الثالث: فقه السياسة الشرعية في أحكام الهدنة والمعاهدات السلمية. وخُصص الفصل الرابع لدراسة فقه السياسة الشرعية فيما يتعلق بالرسل والسفراء، بينما تم تخصيص الفصل الخامس لدراسة مقارنة القانون الدولي بفقه السياسة الشرعية في أحكام المعاهدات.
ثم جاء الباب الثاني ليتناول فقه السياسة الشرعية في أحكام القتال (الحرب)، وقد تم تقسيمه إلى ثلاثة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: فقه السياسة الشرعية في المقدمات التي تسبق نشوب الحرب، في حين تناول الفصل الثاني: فقه السياسة الشرعية أثناء القتال، بينما تناول الفصل الثالث: فقه السياسة الشرعية بعد وقف القتال.
نتائج الدراسة:
اختتمت الدراسة بعدد من النتائج أجملها الباحث على النحو الآتي:
- بيان الحد الفاصل بين الثابت والمتغير في فقه علم السير؛ وقد اتضح ذلك بما نهجه البحث من تقسيم السياسة الشرعية إلى مدلولين .. عام (ثابت)، وخاص (متغير)؛ وثبوت وجوده في الفقه الشرعي الأصيل، تنظيرًا وتطبيقًا؛ فقد اتضح بالنظر في تعريفات السياسة الشرعية عند المتقدمين والمتأخرين -مما أمكن الإطلاع عليه- أنها تطلق على معان مجزأة تكاد تنحصر في مفهومين، عام وخاص.
- البيان العملي لما ينفيه العلمانيون -من المنظرين الأجانب وتلاميذهم (حقيقة أو فكرًا) من بني جلدتنا- ومن سلك مسلكهم، من خصائص الشريعة الإسلامية، ألا وهما خاصيتا الشمول والمرونة، مع تأكيد ذلك بالبرهان النظري.
- إظهار فقه أهل الإسلام وبيان طريقتهم في دراسة النصوص الشرعية من حيث الكلية والجزئية، وسلوكهم طرائق استنباط دقيقة منضبطة، وبيان سبقهم فيما وصلوا إليه من نتائج، لأحدث ما وصل إليه التراكم المعرفي القانوني الطبيعي في مراحل تطوره المختلفة.
- بيان سبب من أهم أسباب الاختلاف الفقهي بين أئمة الفقه، في جملة من مسائل البحث؛ ألا وهو: الاختلاف في إدراج مسألة ما من مسائل فقه السير، ضمن مسائل السياسة الشرعية بمعناها الخاص؛ ما بين مدخل لها فيها، ومخرج لها منها، وفق ما وصل إليه اجتهاد كل منهم في فهم جملة من الأدلة، أو في فهم نوع التصرف النبوي في فعل من الأفعال، ونحو ذلك.
- تأكيد كون مصادر الشريعة الإسلامية، هي أساس الشرعية الإسلامية العليا، وأن إطار ذلك أوسع ممـا قـد يظنـه بعـض الباحثين؛ إذ تجلّى أن ما لم يخالف الشريعة الإسلامية فهو منها، كما هو الشأن فيما وافقها، ومن ثم فلا يُتحرج في الإفادة من تجارب الأمم الأخرى، فيما ثبت نفعه، مما لا مخالفة فيه للشريعة الإسلامية.
- أن الموازنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية؛ يجب أن تسبق بالموازنة بين أصول الشريعة وخصائصها، وبين أصول القوانين وما توصف به من صفات، مع مراعاة الفروق بين المصطلحات الشرعية والفقهية، وبين المصطلحات القانونية، وأن الانطلاق في الموازنة عبر مسارات جزئية لا تراعي ما ذكر، تجعل الموازنة غير موضوعية، بل ولا واقعية، كما يجب الانطلاق عند الموازنة من قاعدة الشريعة، لبيان ما يندرج فيها وما لا مدخل له في الشرعية الإسلامية؛ فإنها شريعة الله.
- أن دراسة علم السير (علاقة دولة الإسلام بغيرها)، فقه شرعي، كغيره من مسائل الفقه، يؤخذ من مصادر الشريعة الإسلامية التي يرجع إليها في بحث بقية الأحكام الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع وما تفرغ عن ذلك من مصادر، وعليه فلا يؤخذ علم السير من أخبار المغازي التي لم تثبت من جهة الإسناد، ولا من الأحداث التاريخية التي مرت في بعض عصور الدولة الإسلامية، كما هو صنيع بعض الباحثين؛ فالتاريخ مصدر عظة واعتبار، لا مصدر تشريع، اللهم إلا أن يذكر على سبيل عرض تجارب الأمم، وبيان المفيد منها ليس إلا.
- أهمية الدراسة التحليلية للفقه الإسلامي لتمييز الثابت والمتغير، وكشف تقعيداته للإفادة العملية منها.
- أهمية العناية بأسباب الخلاف وكشفها من خلال النظر في أوجه الاستدلال عند المخالفين مع ما ينصون عليه من ذلك، وأن ذلك خطوة عملية مهمة للوصول إلى فهم نوع الخلاف من حيث كونه حقيقيًا أو لفظيًا، ومن ثم بيان شكليته وضم المسألة الجملة مسائل الاتفاق، أو الوصول إلى الراجح وإن كانت المسألة مسألة خلاف ما حقيقي.
- أن السياسة الشرعية إطار فقهي لمسائل ذات صفات محددة لا يمكن أن تتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها؛ فإذا ما لوحظ تفريع مسألة أو تخريجها تتعارض مع ذلك، تبين خروجها عن وصف الشرعية، وبهذا يظهر الحد الفاصل بين السياستين الشرعية والوضعية، وبالخروج عنه تخرج المسألة عن الميزان الذي وضعه الله عز وجل للإنسان.
- أن دراسة أحكام الشريعة الإسلامية عامة، وأحكام السياسة الشرعية خاصة، سبب من أسباب زيادة الإيمان بالله عز وجل ودينه الحق؛ فإن لها صبغة لا تعرفها القوانين، ومذاقًا لا يعرفه الملحدون؛ مسلمة لا شية فيها؛ من عرف قدرها وتأمل أسرارها وحكمها جزم بأنها العدل كل العدل، والحق كل الحق؛ وصدق الله العظيم: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [ سورة البقرة الآية:38]، ولقد وجدها ابن القيم، فلخصها في قوله: "من له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها، وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة: علم أن السياسة العادلة، جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من أحاط علمًا بمقاصدها، ووضعها مواضعها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة".
رابط مباشر لتحميل الكتاب
----------------------------------------------------------
[1] عضو هيئة التدريس بقسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.