المستشار طارق البشري كما رآه الدكتور أحمد كمال أبو المجد*

By د. أحمد كمال أبو المجد شباط/فبراير 23, 2026 145 0

السادة العلماء، الأخوة والأخوات،

حين دعيت لهذا الحفل لم أتصور أن يجتمع هذا الجمع الكريم للحفاوة بأخي وصديقي الحبيب المستشار طارق البشرى. وفي الواقع فأنا لم أعد كلمة لألقيها إنما هي تقديمة لهذا الموج الفياض الكريم ذي المعنى الكبير من الحفاوة والتكريم على صورة تتوافق وتتناسب تماما مع شخص وقيمة المكرم.

أنا رجل قليل المديح قليل الثناء على الناس، وحين ساءلت نفسي وجدت ذلك راجعًا لأمرين مختلفين، ذلك أن من يُدعى لمدحهم والثناء عليهم لا يخلو حالهم من أمرين: أن يكونوا جديرين بالثناء والاحترام أو لا يكونوا كذلك، وإن يكونوا كذلك فلا محل للسؤال، ولا إشكال، ويكون ذلك من قبيل حسن التصرف وصدق اللهجة ووضع الأمور في مواضعها.

والسؤال يثور حين أتردد كثيرًا في مدح من أتوق إلى مدحهم، والثناء على من أشعر في أعماق عقلي وقلبي أنهم جديرون به، ولعل من تكويني الشخصي قديمًا قراءات صوفية كان يقال فيها "إذا ذكر القلب سكت اللسان"، وولد ذلك في نفسي إحساسًا بأن المشاعر الصادقة: البوح بها ينقص منها، فالمشاعر والعواطف ما زاد فيها حسن التعبير عنها؛ لذلك أخشى التعبير عن عاطفة صادقة كي لا يفسدها الثناء؛ إلا أنه حين يكون الأمر متعلقا بقضية عامة فإن السكوت عن الثناء يكون تقصيرًا، وكما يذم أهل المذمة يلزم أن يمدح المستحقون المدح. وأنا حين أرسم أو أبحث أو أنقب في ذاكرتي عن صورة أخي وصديقي وزميلي المستشار طارق البشري، أحس أن الصلة بيننا أدوم وأعمق من كل مرات اللقاء. فكم من مرة التقيت فيها به وأحسست أنه يقول فيها بعض ما أشعر، وما من مرة تحدثت إلا أحسست أن ما قلته يصبح أحيانًا يجرى على لسانه، وإذا كان الشاعر القديم يقول:

فلما تفرقنا كأني ومالكا    لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

أقول نثر:

فلما تجمعنا أحسست كأني وطارقًا لطول افتراق لم نفترق ليلة واحدة

فنحن على طريق واحد، ومنهجنا في التفكير متشابه لحد كبير.

الذي أبحث عنه بعد ذلك هو: ماذا يمثل طارق البشرى عن نفسه؟

أجده يمثل بالنسبة لي عدة أمور:

الأمر الأول: أنه رجل محترم في عصر قَلّ فيه المحترمون، ويزدادون قلة يوما بعد يوم. وكلمة "احترام" كلمة جامعة ككلمة "مروءة"؛ لأنها تعنى أن الشخص يحترم نفسه، ويحترم فكره ويحترم الآخرين، ويحترم موقعه ويحرص عليه بالتنزه والتعفف، وعفة اللسان والصدق، وهذا أمر كبير؛ فلا قدوة لغير محترم، ولا ثقة لغير محترم، ولا تعلم من غير محترم، ولا طاعة لغير محترم. الاحترام قيمة كبيرة كالمروءة والفتوة، وهي قيم جامعة تحتاج إلى تحليل لأنها تجمع عدة خصال كلها حميدة.

 

الأمر الثاني: أني وجدت فيه مُثلا ندرت في القضاء، نعم القضاء في كل عصر هامة عالية، وقيمة كريمة؛ ولكن بعض جوانب هذه القيم الرفيعة تتآكل كما تتآكل في حياتنا قيم أخرى عزيزة وكريمة؛ حتى يوشك الجيل الجديد ألا يتعرف على هذه القيم.

أنا دخلت السلك القضائي في وقت مقارب للوقت الذى دخله المستشار طارق البشرى، وربما دخلنا كلية الحقوق لا من باب التشريع، ولكن لأن القضاء هو الهيبة، وكنا نتأمل صور القضاة في هيبتهم وإجلالهم وترفعهم، وكان ذلك قيمة كبيرة تستحق أن يُسعى إليها.

الذي أعرفه حق المعرفة أن المستشار طارق البشري كان في حياته القضائية -دائمًا- مثالًا كريمًا طيبًا، وهو أمر يحترمه ويعرفه المشتغلون بالقضاء.

في آخر لقاء التقيت فيه بالأخ الصديق المستشار طارق البشرى كان هناك قضية معينة أعرف أنها منظورة أمامه، وكنت أريد فقط أن أسأل عن مسألة فيها هل تمّت أم لم تتم، ولأني أعرفه وأعرف ترفعه واستقامته ومحافظته المطلقة على تقاليد القضاء لم تسمح لي نفسي أن أسأله عما إذا كان هذا الأمر قد بُت فيه أم لم يُبت. ولما علمت أنه بُت فيه اصطنعت أني لا أعرف وسألته هل هذا الأمر بُت فيه، فقال لي بت فيه وتكرم وأرسل إلى صورة منه؛ لأن الحكم صدر، وإذا صدر الحكم من فم القاضي صار ملكا للناس.

الشخص المحترم يكون قاضيًا محترمًا، ويكون محببًا إلى صدور الناس، وإذا امتهن القضاء أو مس استقلاله فقد مس -بحكم الاحتمال- كل حق وكل حرية وكل كرامة، ولذلك نقول دائمًا إن حصانة القاضي ضمان المتقاضي.

ويوم يهتز الكرسي تحت القاضي فقد اهتزت عروش كثيرة، واهتز الأمن وانتشر القلق وضاعت الحقوق وامتهنت الحريات، وأوشك قانون الغاب أن يحل محل قاعدة القانون.

 

الأمر الثالث: الذي يتكرم به ومن أجله المستشار طارق البشرى هو أمانة الكلمة، وصدق اللهجة والتواضع في العلم، فقد كتب في السياسة وفي التاريخ الحزبي، وفي الفكر الإسلامي، اللهجة هي اللهجة والصدق هو الصدق، وقد لا يعلم المستشار طارق البشرى -أو كثيرون- نوع الخدمة الجليلة التي أداها للفكر الإسلامي، كُتَّاب الفكر الإسلامي كثيرون، لكنه أفلح في أن يجعل أهم قضايا الفكر الإسلامي تؤخذ مأخذ الجد؛ فلا مهاترة ولا ادعاء ولا انفعال ولا كلمات كبيرة.

لا يستطيع محاوره -متفقًا معه أو مختلفا معه- إلا أن يأخذ كلامه مأخذ الجد؛ فكل الموضوعات التي طرقها طارق البشرى بهذا المنهج العلمي السليم كسبت رصانة واكتسبت احترامًا، ويأخذها كل أحد حتى لو كان مخالفًا له مأخذ الجد، فصار الحل الإسلامي في القضاء والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والقيم والعلاقة بين الناس صارت هذه القضايا بدائل حقيقية تطرح نفسها برصانة واحترام، وهذا يكشف أن المنهج الرصين يخدم الفكرة الصحيحة المستقيمة.

هذا الطراز من الرجال لا بد أن يُكرَّم، وهذا إحقاق للحق، وربما يكون التكريم أيضا إشعارًا يزيل من اختلطت بيده الأوراق، وتداخلت الخيوط ليعرف المحق من المبطل، والصحيح من السقيم، وليعرف أن الحق حق إلى يوم الساعة، وأن القيم الرصينة الصالحة مازال لها الرجال؛ تجرى على ألسنتهم وفي أفئدتهم وكل ما يؤدونه لأهليهم ومجتمعاتهم.

لا أريد أن أطيل وإنما هي كلمة أحست في أعماقي بواجب البوح بها إحقاقًا لحق هذا الصديق العزيز الكريم، ولنعلن جميعًا أننا نكرمه. ولا أعرف طريقة للتكريم أشد وقارًا وأحسن رصانة وأوفق أداء وأسلم مسلكا من تكريم العالم بالعلم، والمفكر بالفكر، والمحاور بالحوار الذي لا بد أن يصطبغ بلهجته العقيقة الوقورة.

أخي الكريم طارق البشرى لست في حاجة إلى أن أقول لك ما قاله الأخ الكريم الدكتور حسن الشافعي من أنك استرددت جزءًا من حرية كنت تصونها، لكن صيانتها كانت تحتاج إلى حسابات وإلى مراجعات. لكنك الآن في هواء طلق وقد عافاك الله وعافانا بما بلغناه من هذه السن التي تكرم فيها دون مخافتين: مخافة الرغبة ومخافة الرهبة، وصرنا ناجين أحرارًا طلقاء، نسأل الله أن نؤدى حق هذه الحرية علينا، وتحية لك أيها الأخ المستشار الكريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

لتحميل ملف الكلمة (هنا)

 

*  كلمة ألقاها المفكر الدكتور أحمد كمال أبو المجد في الندوة العلمية الأهلية للاحتفاء بالمستشار طارق البشرى، بمناسبة انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري، في ربيع الأول ١٤١٩هـ - ٣٠ من يونيو ۱۹۹۸م. وقد انعقدت هذه الندوة بالقاهرة في يوم الخميس ٦ من ربيع الثاني ١٤١٩هـ - ٣٠ من يونيو ۱۹۹۸م، ونشرت الكلمات والبحوث التي ألقيت فيها في كتاب: طارق البشرى القاضي المفكر، تحرير وتقديم: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/ 1999م)، ص218- 221.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 23 شباط/فبراير 2026 02:23

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.