مصادر الحق في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الرازق أحمد السنهوري: تجربة حاسمة في أسلوب دراسة الفقه الإسلامي

By د. محمد زكي عبد البر آذار/مارس 21, 2026 355 0

استهل د. محمد زكي عبد البر* دراسته المعنونة "مصادر الحق في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الرازق أحمد السنهوري: تجربة حاسمة في أسلوب دراسة الفقه الإسلامي"** بمقدمة تبرز المكانة العلمية الرفيعة للدكتور عبد الرزاق السنهوري، واصفًا إياه بالفقيه الفذ الذي ارتقى قمة عالم القانون دون منازع، وصاحب المؤلفات والتقنينات الخالدة في العالم العربي، ثم تناول د. عبد البر تناول بالدراسة كتاب السنهوري "مصادر الحق في الفقه الإسلامي"، مشيرًا إلى أن منهجه فيه قام على أساس تجربة فريدة وهي دراسة الفقه الإسلامي بأسلوب الفقه الغربي وصناعته القانونية. وأوضح أن الهدف الأساسي من مقاله هو تقييم هذه "التجربة الحاسمة" والحكم على مدى نجاح أسلوب معالجة الفقه الإسلامي بقوالب القانون الغربي، محددًا نطاق بحثه وتقييمه في الباب الأول من الكتاب، والذي يقتصر على موضوع انعقاد العقد وبطلانه، متخذًا إياه مقياسًا كافيًا للحكم على التجربة برمتها.

في الفصل الأول من هذه الدراسة استعرض د. عبد البر تفاصيل "التجربة" كما طبقها السنهوري في كتابه، حيث بدأ السنهوري بتقسيم مصادر الحق إلى تصرف قانوني وواقعة قانونية، ثم حصر دراسته للتصرف القانوني في "العقد" مستبعدًا الإرادة المنفردة. وقد سار السنهوري على نهج التقسيم الغربي باحثًا في أركان العقد الثلاثة: التراضي، والمحل، والسبب؛ ففي ركن "التراضي"، عالج مسألة "وجود التراضي" من خلال صيغة العقد وتطابق الإرادتين في مجلس العقد، ثم انتقل لـ "صحة التراضي" متناولًا الأهلية وعيوب الرضا المتمثلة في الغلط والتدليس والإكراه، محاولًا إيجاد مقابل دقيق لها في الفقه الإسلامي. وفي ركن "المحل"، بحث شروط وجوده أو إمكانه، وقابليته للتعيين، وصلاحيته للتعامل، ليفرد بعد ذلك فصلًا مستقلًا لركن "السبب"، ثم اختتم هذا القسم باستعراض "نظرية البطلان" عاقدًا مقارنات مفصلة بين الفقهين الإسلامي والغربي في مراتب البطلان وأحكامه.

وفي الفصل الثاني، شرع د. عبد البر في استعراض "نتائج التجربة"، مقسمًا إياها إلى نتائج حسنة (مزايا) وأخرى غير حسنة (مثالب). وتتمثل المزايا الكبرى لهذا الأسلوب في قدرته الفائقة على تقديم الفقه الإسلامي لرجل القانون المعاصر بأسلوب يفهمه ويألفه، مما يكسر حاجز الغربة بينهما. كما أن هذه الدراسة المقارنة العميقة أدت غرضًا جليلًا يتمثل في إبراز استقلال الفقه الإسلامي وصناعته المحكمة، ودحض الفرية التي روج لها بعض المستشرقين بأن الفقه الإسلامي مستمد من القانون الروماني. إلا أن الباحث سجل نقصًا منهجيًا في التطبيق تمثل في اقتصار السنهوري في ضرب الأمثلة وتعميم الأحكام على "عقد البيع" في الغالب، دون استعراض كافٍ لبقية العقود كالتبرع والتوثيق والشركات.

وبعد استعراض المزايا، انتقل د. عبد البر لتفصيل "المثالب" الناتجة بشكل مباشر عن فرض الأسلوب الغربي على الفقه الإسلامي، وبدأ بالمطلب الأول وهو "مجافاة المنطق". ويرى أن السنهوري، رغم حرصه المعهود على الترتيب المنطقي، فقد هذا التقابل المنطقي في كتابه؛ فبينما يربط القانون بوضوح بين شروط الانعقاد والصحة وبين البطلان والقابلية للإبطال، يمتلك الفقه الإسلامي تدرجًا دقيقًا (عقد غير منعقد، فاسد، موقوف، غير لازم). وقد أدى التزام السنهوري بالقالب الغربي في سرد شروط الانعقاد إلى عجز عن خلق تقابل مباشر مع أحكام الفساد والوقف في الفقه الإسلامي، وهو ما تجنبه فقهاء مسلمون أوائل كالإمام الكاساني الذي صاغ هذه الأحكام بترتيب أكثر منطقية واتساقًا مع طبيعة الشريعة.

وواصل د. عبد البر رصد المثالب في المطلب الثاني المتعلق بـ "النقص"، حيث تسبب القالب الغربي في إغفال موضوعات فقهية لا نظير لها في القانون. فقد ظهر النقص في ركن العقد عبر تجاهل أبحاث "التعليق بالشرط" و"الإضافة إلى المستقبل" و"عوارض الأهلية". كما برز النقص في ركن "المحل" بإغفال الكلام المستقل عن "القبض" وأهميته القصوى في الفقه، بالإضافة إلى القصور الواضح في دراسة "بدل المعقود عليه" (الثمن) الذي لم ينل حظه من البحث المستقل مقارنة بالمبيع، مما أدى إلى معالجة أحكام كالربا في غير موضعها الدقيق.

ويقابل هذا النقص، كما أوضح المطلب الثالث، مثلبة "الزيادة" المتمثلة في إقحام مباحث غريبة على الفقه لإكمال الهيكل القانوني الغربي. ومن أمثلة ذلك في المحل إقحام شرط "عدم المخالفة للنظام العام والآداب" رغم عدم تلاؤمه الدقيق مع البنية الفقهية، والكلام عن الشروط المقترنة بالعقد في غير موضعها. والزيادة الأبرز تجلت في محاولة خلق ركن مستقل في الفقه الإسلامي يسمى "السبب" (الباعث) على غرار القانون الفرنسي، في حين أن الفقه يعالج مسألة المقاصد والنيات كأصل حاكم للتصرفات بأكملها وليس كركن مادي منفصل داخل صيغة العقد.

وفي المطلب الرابع انتقل د. عبد البر إلى مثلبة "الاعتساف" أو التكلف في تطويع النصوص. وقد ظهر هذا جليًا في إطلاق أحكام العقد الثنائية على "التصرفات الانفرادية" بلا دليل شرعي كافٍ رغم كثرة وشيوع التصرفات الانفرادية في الإسلام كالطلاق والوقف والإبراء. كما ظهر الاعتساف الصارخ في محاولة اصطناع نظرية عامة لـ "الغلط" و"التدليس" كعيوب للرضا؛ حيث تم تجميع أحكام متناثرة ومختلفة العلل في الفقه (كخيارات الرؤية، والشرط، والوصف، والعيب) وحشرها قسرًا لتكوين نظرية مطابقة لتلك الموجودة في القانون الوضعي، متجاهلًا معالجة الفقه الأصيلة لمسائل الخطأ والجهل.

وفنَّد د. عبد البر في المطلب الخامس إحدى أخطر المثالب وهي "دعوى التطور". فقد ادعى السنهوري، متأثرًا بنظريات الفقيه الألماني إهرنج حول تطور القانون الروماني، أن الفقه الإسلامي بدأ تشريعًا شكليًا يقر "وحدة الصفقة" (يمنع الشروط المتعددة) ثم تطور عبر المذاهب نحو المرونة وحرية الإرادة. ورد على ذلك مبينًا أن أحكام الشارع لا تخضع لـ "التطور" الزمني الوضعي، وأن الأحاديث المانعة لبيعتين في بيعة هي نصوص ثابتة تمنع الربا والغرر وليست قواعد شكلية بدائية، وأن الفقه الإسلامي منذ لحظته الأولى كان موضوعيًا يعتد بالنيات والمقاصد، وما الاختلاف بين المذاهب إلا تنوع في الاستنباط ووسائل الإثبات وليس تطورًا تاريخيًا من المنع إلى الإباحة. ويُتبع ذلك في المطلب السادس برفض استخدام "مصطلحات وعبارات غريبة" كـ "التصرف القانوني" بدلًا من الشرعي، محذرًا من أن هذا الإحلال اللفظي يحمل مفاهيم غربية قد تطمس الهوية المستقلة للفقه.

واختتم د. عبد البر دراسته بخلاصة شاملة أكد فيها أن تجربة السنهوري، رغم عظمتها وجلال قدر صاحبها في خدمة الفقه وربط الماضي بالحاضر، قد أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن الفقه الإسلامي يمتلك طبيعة متفردة ومنطقًا خاصًا يأبى القولبة في المناهج الغربية. ووجه نداءً بضرورة معالجة الفقه الإسلامي وصياغته بأساليبه ومصطلحاته النابعة من ذاته، مشيدًا بالجهود الرائدة لمحمد قدري باشا في هذا المضمار، ومؤكدًا أن الحفاظ على استقلالية الفقه وصناعته الذاتية هو الطريق الأوحد لعرضه كتشريع رباني متكامل وصالح لكل زمان ومكان دون اعتساف أو تشويه.

 

(هنا) عرض كتاب مصادر الحق في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة بالفقه الغربي

لتحميل ملف الدراسة (هنا

 

* د. محمد زكي عبد البر، "مصادر الحق في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري: تجربة حاسمة في أسلوب دراسة الفقه الإسلامي"، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية الشريعة، 1977م.

** الدكتور محمد زكي عبد البر هو أحد أبرز الفقهاء القانونيين والأكاديميين المصريين الذين كرسوا حياتهم لدراسة الفقه الإسلامي بمنهجية قانونية حديثة، وقد عُرف بدوره البارز بصفته أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق في جامعة القاهرة. تميزت مسيرته العلمية بالتركيز على تقنين الفقه الإسلامي وإعادة صياغته في قوالب قانونية عصرية، وهو ما تجلى في مؤلفه الشهير "تقنين الفقه الإسلامي: المبدأ والمنهج والتطبيق". كما كانت له إسهامات محورية في مجال التحقيق العلمي، ومن أبرز أعماله تحقيق كتاب "ميزان الأصول في نتائج العقول" للسمرقندي. اتسم منهجه بالدقة والموضوعية، وكان من أشد المؤمنين بعبقرية السنهوري الفقهية، حيث قدم دراسات تحليلية معمقة لمنهجه، مما جعله مرجعًا أساسيًا للباحثين في الجمع بين الأصالة الشرعية والمعاصرة القانونية.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on السبت, 21 آذار/مارس 2026 12:28

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.