القرآن والقتال*

By الشيخ محمود شلتوت** نيسان/أبريل 02, 2026 263 0

يُعد كتاب "القرآن والقتال" لشيخ الأزهر الأسبق، الإمام الأكبر محمود شلتوت، أحد أهم المؤلفات الفقهية والفكرية التي سعت إلى تقديم رؤية إسلامية مستنيرة حول فلسفة الحرب والسلم في الإسلام. يهدف الكتاب إلى بيان مقاصد القتال في القرآن الكريم وتوضيح الأحكام الشرعية المتعلقة به، بعيدًا عن التفسيرات المتطرفة.

أصل مادة هذا الكتاب هي مجموعة من المحاضرات الإذاعية التي ألقاها الإمام عبر أثير الإذاعة المصرية عام 1951م، ثم جُمعت في هذا الكتاب الذي صدر لأول مرة في العام نفسه. ويبرز الكتاب كوثيقة فقهية مركزة تعكس فكر الشيخ شلتوت خلال الفترة التي سبقت توليه مشيخة الأزهر (1958-1963م)، وقد حظي الكتاب باهتمام مؤسسة الأزهر التي أعادت طباعته في العصر الحديث لأهميته في توضيح الحقائق الشرعية.

ينطلق الشيخ شلتوت في كتابه من قاعدة شرعية تؤكد أن الأصل في الإسلام هو السلم، وأن القتال ليس إلا ضرورة استثنائية يلجأ إليها المسلمون لدفع العدوان، وحماية حرية الدعوة، وتأمين حدود الدولة. ويتميز منهجه بالتحليل الدقيق للسياقات التاريخية والقرآنية، مُفندًا الشبهات التي تدعي انتشار الإسلام بحد السيف، ليقدم صياغة فقهية محكمة توازن بين حق المسلمين في الدفاع عن أنفسهم، وبين المبادئ الإنسانية الداعية إلى التعايش والوئام.

 

مقدمة الكتاب

في تقديمه للكتاب قدم الشيخ عز الدين بليق رؤية تأصيلية لمنهج الإسلام في القتال -وهي خلاصة ما عرضه الشيخ شلتوت في كتابه-، مؤكدًا أن الرسالة المحمدية في جوهرها دعوة هداية تعتمد على مخاطبة العقل والوجدان، وأن الإيمان لا يصح إلا باختيار حر واقتناع كامل. ويشير إلى أن التشريعات المتعلقة بالقتال جاءت لتكون سياجًا يحمي القيم الإنسانية من العبث والظلم، ممهدًا بذلك لقراءة آيات الجهاد في سياقها التاريخي والتشريعي الصحيح لإرساء قواعد التعايش السلمي. يستهدف الكتاب بصفة أساسية كلًا من المسلمين وغير المسلمين، ساعيًا لتقديم حجج وبراهين مجردة حول غايات الحرب في الإسلام. ويشير الإمام إلى أن فهم قضايا القتال يتطلب نظرة شاملة تتجاوز المديح العاطفي لتصل إلى عمق الفلسفة التشريعية التي تضبط علاقة الدولة الإسلامية بمحيطها الدولي في السلم والحرب.

 

الطريقة المثلى في تفسير القرآن

تتجلى الطريقة المثلى لدى الشيخ شلتوت في ضرورة فهم الآيات ضمن سياقها الخاص، عبر استقراء شامل لجميع النصوص لربط الجزئيات بالكليات. ويقوم هذا المنهج على ربط الأحكام بمقاصد الشريعة العليا -كحفظ كرامة الإنسان- بدلًا من الوقوف عند التفسيرات الحرفية. إن هذا التوجه العقلاني يبرز عالمية الإسلام، ويجعل من القرآن كتابًا قادرًا على معالجة قضايا العصر برؤية إنسانية رحبة. ويؤصل الشيخ شلتوت في كتابه لهذا المنهج من خلال "التفسير الموضوعي" باعتباره الأسلوب الأنجع لفهم مراد الله؛ حيث يقوم هذا المنهج على جمع كافة الآيات المتفرقة التي تتناول موضوعًا واحدًا، كالقتال أو العفو، والنظر فيها مجتمعة ككتلة واحدة. هذا الاستقراء يمنع تفسير الآيات بشكل منفرد أو مجتزأ، مما يحمي النص القرآني من التأويلات التي قد تخالف مقاصده الكلية.

 

طبيعة الدعوة الإسلامية

واستعرض الشيخ شلتوت ما أقره الإسلام بوضوح من مبدأ حرية المعتقد، معتبرًا أن اختيار الإيمان أو الكفر هو حق أصيل للإنسان قرره القرآن في نصوصه. وبما أن الإيمان اختيار وجداني، فإن مبررات نشر الدعوة بالقوة تنتفي تمامًا؛ إذ لا توجد حاجة شرعية أو عقلية لإجبار الناس على اعتناق الدين، وهو ما تؤكده الوقائع التاريخية لمسيرة الدعوة الإسلامية التي لم تكن إجبارية في أي من مراحلها. والتي اتسمت بأنها رسالة عالمية هدفها الهداية لا السيطرة. وتقوم على مبدأ إعمال العقل والتدبر؛ فالقرآن قرر بوضوح قاعدة "لا إكراه في الدين"، مبينًا أن وظيفة الرسول تنحصر في التبليغ والبيان. ومن هذا المنطلق، لم تتخذ الدعوة من القتال وسيلة لنشر العقيدة، بل اعتبرته أداة لتأمين حق الأفراد في اختيار دينهم دون خوف من اضطهاد أو فتن.

 

آيات القتال

حدد الشيخ شلتوت أسبابًا دقيقة للحرب ضد غير المسلمين تنحصر في رد العدوان الفعلي، أو مواجهة عدو يعتزم مهاجمة ديار المسلمين، أو حماية الدعاة المسالمين الذين يتعرضون للقتل في بلدان أخرى أثناء تبليغ رسالتهم. فالكفر ليس مسوغًا لشن الحرب، بل إن القتال شُرع لردع الطغيان وتأمين الأوطان، مع وجوب معاملة المعتدي بعد ارتداد عدوانه بالعدل والقسط لا بالانتقام. وتبرز آيات القتال كتشريع ضروري استجاب لواقع العدوان المادي الذي سعى لاستئصال الدعوة. ووضح الكاتب أن الإذن بالقتال مشروط بوقوع الظلم أو الإخراج من الديار، وأن "الكفر" في حد ذاته لا يعد سببًا موجبًا للحرب في المنطق القرآني. وبذلك تعمل هذه الآيات كضمانة لحرية العقيدة واستعادة الحق المفقود، وليس لإشباع غريزة التوسع.

 

علاقة آيات العفو بآيات القتال

يُحلل الكتاب العلاقة بين آيات العفو والقتال باعتبارها علاقة تكامل. فآيات الصفح تمثل الأصل الثابت والقاعدة المستمرة، بينما تمثل آيات القتال أحكامًا استثنائية للتعامل مع واقع الاعتداء. ومن أبرز ما يطرحه الشيخ هنا هو تفنيده الحاسم لدعوى "النسخ" القائلة بأن "آية السيف" أبطلت آيات العفو؛ مؤكدًا أن القرآن منظومة واحدة لا تتناقض، وبمجرد زوال سبب القتال يعود الحكم إلى أصله الدائم وهو السلم والبر، فآيات القتال تحض على الاستعداد المادي (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) لمواجهة المحاربين، بينما تظل آيات البر والعدل هي الحاكمة في التعامل مع غير المحاربين. إن كف العدوان هو الشرط الذي تبرز عنده قيمة العفو والصفح كأصل مستمر في علاقة المسلم بغيره.

 

آيات تنظيم القتال

يفسر الشيخ شلتوت نظام "الجزية" بعيدًا عن المفهوم المالي المحض؛ فهي ليست عوضًا عن التمسك بالدين لأن ذلك يصادم حرية الاعتقاد، بل هي علامة على خضوع الأطراف للسلطة الحاكمة واعتراف بالولاء للدولة. كما أنها تُمثل مساهمة في أعباء الأمن العام الذي يتمتعون به دون المشاركة الفعلية في القتال، وهو ما يفسر استخدام القرآن لمصطلحات تؤكد هذا الخضوع التنظيمي للدولة.

وتضع آيات تنظيم القتال قاعدة قانونية وأخلاقية صارمة تبدأ بالنهي المطلق عن الاعتداء وتجاوز الحدود. وقد نظم القرآن العمليات العسكرية بدقة من خلال:

  • حصر القتال في دائرة "الذين يقاتلونكم"، مما يوجب تحييد المدنيين وتحريم استهداف النساء والأطفال والشيوخ والرهبان.
  • حظر الغدر، والتمثيل بالجثث، وتخريب العمران أو قطع الأشجار دون ضرورة قتالية قصوى.
  • إيجاب الاستجابة الفورية لأي ميل للصلح، مع تقديس الوفاء بالعهود والمواثيق.
  • تنظيم ملف الأسرى بحصر الخيارات الشرعية في "المنّ" (الإطلاق بلا مقابل) أو "الفداء"، حفاظًا على كرامة الإنسان.

 

التطبيق العملي لأحكام القرآن في القتال

تجسدت هذه المنظومة عمليًا بدءًا بالصبر وضبط النفس في مكة لثلاثة عشر عامًا، ولم يُفعل خيار القتال إلا في المدينة المنورة كاستجابة لواقع طرد المسلمين ومصادرة أموالهم. وفي الميدان، التزم المسلمون بالمنظومة الأخلاقية الآنف ذكرها التزامًا تامًا؛ من تحييد لغير المقاتلين، وحماية للبيئة، ووفاء دقيق بالاتفاقيات حتى مع الخصوم، مما برهن للعالم أن الحرب الإسلامية كانت "حربًا شريفة" مقيدة بهدف استعادة الأمن فقط. كما يشمل التطبيق العملي قتال "الفئة الباغية" من المسلمين، حيث يكون الهدف هو ردع الظلم وإقامة العدل، فإذا فاءت الطائفة وانتهى البغي، وجب الكف عن قتالها ومعاملتها بالعدل بعيدًا عن التشفي.

 

خلاصة

قدّم الشيخ محمود شلتوت عبر "القرآن والقتال" تأصيلًا فقهيًا نسقيًا يضع فاصلًا حاسمًا بين مفهوم القتال كأداة مشروعة للدفاع عن كيان الدولة وحرية أفرادها، وبين التوظيف الخاطئ له كأداة للإكراه في الدين. لقد أسهم الكتاب في إثبات أن الأصل في العلاقات الدولية الإسلامية هو السلم، مفندًا دعاوى النسخ، ومبرزًا توافق التشريع القرآني مع أرقى مبادئ القانون الدولي الإنساني من خلال ضوابطه الصارمة التي تحفظ وحدة الجنس البشري وتحترم الكرامة الإنسانية.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* محمود شلتوت، القرآن والقتال، بيروت- لبنان: دار الفتح للطباعة والنشر، 1403هـ - 1983م.

** يُعدُّ الشيخ محمود بن محمد بن عبد الهادي شلتوت (1892م - 1963م) أحد كبار أئمة الأزهر الشريف والفقهاء المصلحين في العصر الحديث. ولد في قرية "منشأة بني منصور" بمحافظة البحيرة في مصر، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية قبل أن يلتحق بمعهد الإسكندرية الديني. تميز بتفوقه العلمي ونال شهادة العالمية من الأزهر سنة 1916م، وتدرج في المناصب التعليمية والإدارية حتى عُين شيخًا للأزهـر في عام 1958م، وكان رحمه الله أول من حظي بلقب "الإمام الأكبر"، وقد عُرف بمنهجه الإصلاحي التجديدي ودعوته المستمرة لتطوير مناهج الأزهر. كان من رواد التقريب بين المذاهب الإسلامية، وسعى جاهدًا لإزالة الجفاء وتوثيق الصلات بين السنة والشيعة، كما أدخل فقه الشيعة في دراسات كلية الشريعة لتعزيز الفهم المتبادل. ترك الإمام ثروة علمية هائلة من المؤلفات، من أبرزها "الإسلام عقيدة وشريعة"، وتفسيره للأجزاء العشرة الأولى من القرآن، وكتابه الشهير "القرآن والقتال" الذي أصل فيه لفلسفة السلم والحرب في الإسلام. نال الشيخ تقديرًا دوليًا واسعًا، حيث منحته أربع دول الدكتوراه الفخرية، وحصل على أوسمة رفيعة من ملوك ورؤساء عدة دول مثل المغرب وأفغانستان والكاميرون تقديرًا لأبحاثه وجهوده في خدمة الإسلام. توفي الإمام الأكبر في القاهرة في ديسمبر من عام 1963م عن عمر ناهز السبعين عامًا، مخلفًا وراءه مدرسة فكرية تمتاز بالوسطية والاعتدال.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الخميس, 02 نيسان/أبريل 2026 17:05

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.