مقدمة:
حين عرفت في نهاية يونية ١٩٩٨ بالإعداد للاحتفاء بالمستشار طارق البشري[1] لم أتردد في اقتراح المشاركة، وذلك بإعداد موضوع هذه الورقة، أي تقديم قراءة في مجموعته الأخيرة التي صدرت تحت عنوان «في المسألة الإسلامية المعاصرة»[2].
وشعرت أن مبادرتي هذه ليست بالمهمة اليسيرة، ولكنني كنت مدفوعة بعدة اعتبارات شكلت قناعتي وإيماني بضرورة المهمة من ناحية، كما استوجبت من ناحية أخرى الانتباه لحقيقة العملية المنهاجية اللازمة لتنفيذ هذه المهمة.
ولهذا فإن هذه الورقة تبدأ بمجموعة ملاحظات أحسبها أساسية، ويستلزمها قدر المحتفى به وفكره، فهي تشرح هذه الاعتبارات، وتصف هذه العملية المنهاجية قبل الانتقال إلى عرض نتائج القراءة.
ويمكن أن أوجز أهم الاعتبارات التي رسخت إيماني بهذه المهمة في الاعتبارين التاليين:
أولهما هو اعتبار عام يتصل بأصل الفكرة - وهي ضرورة القراءة المقارنة التراكمية في أعمال كل واحد من أعلام الفكر الإسلامي المعاصرين. وبحيث لا يصبح الاحتفاء بعلَم منهم احتفاء بشخصه ولكن احتفاء برمز، وبفكر، وبمعنى؛ وذلك في وقت يتكاثف فيه الضباب أمام عيون شبابنا وحول عقولهم، وعلى نحو يستوجب استدعاء الرموز والمعاني والأفكار.
ولذا لا بد وأن يصبح الاحتفاء بطارق البشري، على النحو الذي جرى عليه، بداية تستتبعها حلقات أخرى مكملة تمتد لأعمال وأفكار أعلام آخرين، فهذا التقليد الذي يتوافر لدى غيرنا - تفتقده الجماعة البحثية والجماعة الفكرية الإسلامية، ومن ثم فهو في حاجة لإرساء ولتدعيم ولاستمرارية.
وثاني هذه الاعتبارات خاص بالمستشار طارق البشري، وهنا تتفرع الاعتبارات عن الأصل الواحد؛ فإذا كانت أعمال الفقيه القاضي وأفكاره في هذا المجال قد تبدت في مصادر بعينها، فإن فكره الاجتماعي السياسي القانوني يتبدى في عدة مجموعات من المصادر، إحداها تلك المجموعة التي تتصدى لها هذه الورقة. أي المجموعة التي تحت عنوان «في المسألة الإسلامية المعاصرة»؛ وكان للقراءة في هذه المجموعة بصورة منتظمة تراكمية جاذبية خاصة وأساسية، يحكمها أمران محددان وهما: طبيعة هذه المجموعة من الأعمال من ناحية، وطبيعة الخبرة التي يقدمها البشري، وإلى أي حد تنعكس في هذه الأعمال من ناحية أخرى.
وعن طبيعة هذه المجموعة فلقد اقترنت مبادرتي باقتراح تقديم هذه الورقة بسؤال كبير كان يتردد في ذهني وهو أنه: إذا كانت قراءات لي سابقة ولكن متناثرة في أعمال البشري، وإذا كان الاستماع إليه في عدة مناسبات متنوعة قد أرسى في ذهني أن محور اهتمامه هو دراسة خبرة القرنين التاسع عشر والعشرين عن الإصلاح والتجديد في المجتمعات الإسلامية، في ظل تطور التدخل الخارجي وفي إطار رؤية كلية للتاريخ الإسلامي، وإذا كانت دراسته تلك تجمع بين تحليل الفكر وتحليل الواقع أو الظرف، فما الجديد الذي سأخرج به من القراءة المنظمة لهذه المجموعة؟
وعند اقترابي من هذه القراءة المنظمة في مجموعة الكتب الخمسة توالت الأسئلة:
ما هو جوهر هذه المجموعة من الكتب؟
ما الذي شغل البشري عبر هذا العدد من الدراسات التي تم إعدادها وعرضها في مناسبات عدة طوال الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات والتي تضمنتها الكتب الخمسة؟ ما القاسم المشترك بينها؛ وما الذي جعل البشري يختار أن ينشرها في كتب خمسة[3]؛ كل منها يحمل عنوانًا فرعيًا ولكن تحت هذا العنوان الجامع في المسألة الإسلامية المعاصرة؟
وكانت أهمية الإجابة بقدر أهمية مغزى هذه المجموعة من الدراسات التي تعبر عن فكر البشري في مرحلة مهمة من مراحل تطوره الفكري. وهذا يقودني إلى جزئية أخرى؛ وهي عن طبيعة الخبرة التي يمثلها طارق البشري. وكان منطلقي بهذا الصدد هو ما يلي: إذا كنا نعرف أن البشري قد مر -مثل آخرين من معاصريه- بتجربة تحول في نسقه الفكري- إلا أن ما يستوجب المعرفة حقيقة هو هل انعكست هذه الخبرة في هذه المجموعة من الأعمال؟ ولم يكن سؤالي هذا نابعًا من فراغ ولكن مدفوعًا بخبرة عملي في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام منذ سنة ١٩٨٧. وكان فكر طارق البشري من العلامات التي أنارت لي الطريق في العديد من مفارق الطرق الوعرة التي كنت أخوض فيها عبر عملية الانتقال من الدراسة والبحث في نطاق المنظور الغربي فقط إلى إطار أكثر رحابة ومقارنة. ولذا فإن لخبرة البشري ولفكره مغزى لدى جيل كامل من تلاميذه الذين عايشوا -ويعايشون- كل معضلات الوضع الفكري والسياسي المعاصر؛ الذي يجسده بأبسط الطرق ذيوع كلمتي نحن والآخر.
إن هذا الفكر وهذه الخبرة اللذين يطرحهما نموذج طارق البشري، يستوجبان التوقف لاستكشاف الملامح الرئيسية والسمات الكلية. ولعل من أندر الفقرات -بل لعلها الوحيدة بين صفحات الكتب الخمسة- تعبيرًا عن هذه الخبرة التحولية تلك الفقرة التالية (ك: ١، ص: ١١) التي يقول فيها: "وأعترف بأن هذه الدراسات بالتحديد كانت تحمل بالنسبة لي شخصيًا بعدًا مهمًا جدًا، بمعنى أني كنت أكتشف نفسي وأنا أعد كلًا منها. ولولا أني لا أريد أن أثقل على القارئ لاستطردت في هذا الأمر أحكي كيف كنت أحتشد لكل دراسة منها، أقرأ، وأطيل التفكير، وأجد عناصر في تفكيري السابق تذوى وتتحلل وأخرى تبدو، ويستدرجني النسق الداخلي للأفكار المختلفة فأعيش منطقها الذاتي، ثم أكتشف ما لم أكن كشفته، ثم أكتب وأقرأ ما أكتب، فإذا به يجري على غير مألوف ما كنت أصنع من قبل، وإذا بتداعي المعاني يدهشني، فأبقيه زمانًا ثم أعاود النظر فيه تشذيبًا وتنقيحًا، ومن خلال هذا الجهد وهذه العملية حدث عندي الإحلال الفكري بين ما ذوى وتحلل من أصول فكرية كانت تشدني وبين ما قام واستقام من أصول فكرية أخرى أجري على دربها اليوم".
٢- ويتوجب على كل من قدَّر طارق البشري في حد ذاته، وقدَّر أعماله في حد ذاتها أن يحدد منهاجية التعامل معه ومعها، هذه المنهاجية التي قادتني إلى نتائج القراءة التي سترد لاحقًا. وكانت هذه الورقة فرصة فريدة في خبرتي البحثية والفكرية؛ فهي ليست تعقيبًا على دراسة في مؤتمر، وليست عرضًا نقديًا لكتاب، أو عرضًا مقارنًا لكتابين، ولكنها كانت بالنسبة لي عملية منهاجية أكثر عمقًا، ومن ثم أكثر تحديًا. ويجدر التوقف عند بعض الملاحظات حول أهم إشكالياتها وحول خطواتها أو ضوابطها:
أ- لقد تمثلت أهم إشكاليات القراءة في أن المجموعة لا تمثل سلسلة متوالية في الصدور ولكن صدرت أربعة كتب في سنة ١٩٩٦، وصدر الخامس في سنة ١٩٩٨. ولم تتضمن تقديمًا لكل منها -باستثناء- الحوار بين الإسلام والعروبة الذي نشر في سنة ١٩٩٨، وتم توقيع مقدمته بتاريخ ١٩٨٦؛ ومن ثم كان السؤال الأساسي الذي لا بد وأن أجد الإجابة عليه هو: كيف يمكن ترتيب قراءة هذه الكتب الخمسة؟ وبنظرة إجمالية أولى وتنفيذًا لمهام القراءة الأولى (قبل الندوة) أقدمت على القراءة المنظمة بالترتيب التالي: ماهية المعاصرة، ثم الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي، ثم الوضع القانوني المعاصر، فالحوار الإسلامي العلماني، وأخيرًا بين الإسلام والعروبة. وكان معياري في الترتيب هو ما اعتقدت أنه انتقال من العام إلى الخاص، ومن واقع هذه القراءة تمت صياغة الإطار الكلي الذي تم تقديمه في العرض الشفوي في الندوة.
ب- لم أقترب من القراءة باستخدام منهاجية محددة لتحليل الخطاب أو تحليل النصوص، ولكن أقدمت عليها بتفاعل حي مع هذه النصوص، أبحث عن ما أسميته الملامح العامة للبناء الفكري والمنهاجي في هذه المجموعة من الكتب الخمسة. فكان هذا هو هدفي.
بعبارة أخرى لم تكن القراءة بغرض التوقف عند قضايا محددة لعرضها أو مناقشتها، أو نقد الموقف الفكري تجاهها؛ ولكن الغاية كانت أرحب وأوسع من ذلك. ولقد تمكنت من واقع القراءة الأولى من تحقيق الأركان الأساسية لهذه الغاية.
ج- ثم شعرت أن مثل هذه القراءة ومثل هذا التعامل مع هذه المجموعة لا يمكن أن تكون -منذ المحاولة الأولى- عملية محكمة جامعة مانعة شاملة، وشعرت أنها لا يمكن أن تكون نظامًا مغلقًا؛ ولكنها نظام مفتوح يستمر فيه التفاعل بين القارئ وبين السطور والأوراق. فهذا هو الحال مع الفكر الحي لبعض أعلامنا وأساتذتنا وعلى رأسهم البشري- فهو ليس إلا موردًا من موارد المياه يتكرر الورود إليه فلا ينضب ولا يكتمل ارتواء الوارد، مهما تعددت مرات الورود، ففي كل مرة يتحقق الارتواء بطريقة جديدة وبمذاق متجدد، والمورد دائمًا واحد.
د- ومن أجل إعداد الصياغة الكاملة للنشر، ومن خلال عملية القراءة الثانية التي ركزت على تفاصيل بعض القضايا وعلى استخلاص بعض المقولات والتدبر في معانيها، لاحظت أنه يمكن إعادة ترتيب قراءة الكتب على نحو يستدعي في البداية كتاب "بين الإسلام والعروبة". فبالرغم من نشره في سنة ١٩٩٨ إلا أن مقالاته قد كتبت في عامي ١٩٨٠، ١٩٨١، في حين أن تواريخ الدراسات الواردة في الكتب الأخرى قد انتشرت عبر الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات. ولهذا أعدت ترتيب الكتب في القراءة الثانية على النحو الموضح في القائمة المرفقة بمقدمة هذه الدراسة (انظر هامش ٢، ص: ١١٦). ويبدو من هذا الترتيب أن معياره السابق قد تبدل ليصبح الانتقال من الخاص إلى العام.
ولم يكن لإعادة ترتيب قائمة الكتب على هذا النحو مغزى إلا في حالة واحدة وهي الكشف عن الخط العام لتطور فكر طارق البشري خلال العقدين الماضيين. ولم يكن هذا الهدف يقع من بين أهدافي منذ بداية القراءة الأولى. وبعد القراءة الثانية لم يتم تعديل هذه الأهداف، أو الإطار الكلي للعرض الذي صغته بعد القراءة الأولى. ذلك لأن هذه القراءة الثانية -وفق الترتيب الثاني- لم تقدني إلى استكشاف تطور في فكر البشري. وأقصد بالتطور هنا أمرًا محددًا وهو ظهور توجهات كبرى في مرحلة لم تكن قائمة من قبل، أو عكست تغيرًا في توجهات سابقة. بل على العكس تأكدت أن مضمون الكتب الخمسة يمثل كلًا متكاملًا ويشكل بناءً تراكميًا. فلقد سلط كل منها الضوء على نفس المسار، ولكن من زوايا مختلفة -كما سنرى لاحقًا- ولذا فهي تمثل عملية تعميق وتأصيل لنفس مسار فكر طارق البشري الذي خرج من رحم الوطنية المصرية (كما يتضح من كتاب بين الإسلام والعروبة) إلى عالم أرحب هو عالم الوطنية الإسلامية، حاملًا معه الثمرات التي أخرجتها البذور التي ألقاها البشري في بداية الثمانينيات، والتي ارتوت تدريجيًا واحتضنها فكره فنمت وأثمرت.
إن النتائج الأساسية لعمليتي القراءة كانت استكشاف المكونات العامة والكلية للبناء الفكري حول المسألة الإسلامية المعاصرة، وهو البناء الذي وإن ألقى البشري أساسه واكتملت أركانه طوال عقدين؛ إلا أن عملية الإعداد له لا بد وأن تكون قد استغرقت معاناة ممتدة سابقة. فخلال هذه المعاناة وضع البشري الأساس الذي تشيد فوقه هذا البناء.
مكونات البناء الفكري للبشري
يمكنني عرض نتاج قراءتي للكتب الخمسة في عدة مجموعات من الأفكار تلخص كل منها مكونًا مهمًا من مكونات هذا البناء؛ المضمونية منها والمنهاجية، والكلية منها والجزئية، وكذلك الأصلية منها والفرعية؛ القائمة منها أو المرجو استكمالها.
لقد كان مصطلح «البناء» هو أول ما تبادر إلى ذهني عند بداية الإعداد للورقة. ثم ترددت كثيرًا في استخدامه لما قد تعبر عنه الأعمدة أو الأحجار من جمود، في حين أن فكر البشري يموج بتيارات الحياة الفكرية والمجتمعية المتدفقة في كل الاتجاهات. ولكني لم أجد أكثر منه تعبيرًا عن معانٍ أصيلة تسربت إليَّ عما يتصف به فكر البشري في هذه الكتب وهي معاني: التماسك، والتكامل، والاستمرارية والتصاعد من نقطة بداية إلى هدف مرجو في إطار يتسم بوضوح الملامح والقسمات، ويعكس طرازًا متميزًا. وشعرت أن "البناء" ليس مجرد مصطلح ولكنه أضحى -بالنسبة لي- مفهومًا ذا دلالة محددة.
وتدور المجموعة الأولى من نتائجي حول الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها البناء الفكري الذي تحتويه هذه الأعمال، أما المجموعة الثانية فتتصل بالقاعدة الأساسية التي تحمل أعمدة هذا البناء. أما القضايا التي تثور عبر جنبات عملية التشييد فتعطي للبناء مضمونه المتميز فتتضمنها المجموعة الثالثة من نتائجي، وتنتقل المجموعة الرابعة إلى بعض ملامح المنهاجية التي أخرجت البناء على هذا النحو.
أولًا: الأعمدة الأساسية
يقوم البناء الفكري في هذه المجموعة من الأعمال على عمودين أساسيين:
العمود الأول:
هو توصيف وتشخيص وتفسير ما أسماه البشري آفة الآفات التي تعاني منها مجتمعات الأمة المسلمة أي "الصدع"، و"الانقسام"، و"الازدواجية" بين الوافد والموروث؛ نتيجة النقل عن الغرب؛ سواء على صعيد الفكر أو الحركة أو المؤسسات والنظم. وهي الحالة التي تجذرت جذورها في خبرة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأثمرت ثمارها في القرن العشرين، وذلك في ظل التنامي المتصاعد للتدخلات الخارجية درجة ونوعًا. ومن أقوى التعبيرات عن شعور البشري بوطأة هذه الآفة قوله (ك: ٤، ص: ٦٦ - ٦٧) "نشكو من صدع هائل في حياتنا الفكرية ورؤانا الحضارية، وهو صدع لا يشق المجتمع فقط ولكن يكاد أن يشق الفرد الواحد نصفين... وقد انشق الضمير نحن وانشطر... نجد شقًا طوليًا يفصل المجتمع الواحد، ويقطعه كأنه ضربة السكين في الجسم الحي... "وليست هذه المقولة إلا مثالًا على ما لا يمكن حصره هنا. بعبارة أخرى هذا هو الهمّ الجوهري الذي شغل فكر البشري فتصدى له بأبعاده المختلفة: أسبابًا ومظاهر وعواقب وسبلًا للمواجهة.
ويدل على هذا أن ما من مقالة من المقالات التي احتوتها الكتب الخمسة إلا وتقترب من هذا الهمّ أو هذه الآفة أو هذه المعضلة. ولكن مقدمات الاقتراب وزواياه تختلف من كتاب لآخر، كما تختلف درجات التفصيل فيها من ناحية أخرى.
فإذا كان البشري (في ك: ١) قد ركز على العلاقة بين الإسلام والعروبة وفي قلبها قضية وضع الأقباط في مصر بصفة خاصة، إلا أن قضية الصدع وجذوره كانت بمثابة الخلفية التي تواجدت (ص: ٣٨ - ٤٧، ص: ٦٧ - ٧٢، ص: ٧٦) ولو بدون تشريح تفصيلي كما حدث بعد ذلك في الدراسات التالية في الكتب الأربعة الأخرى.
ومن ناحية أخرى تعددت زوايا الاقتراب من هذه القضية بأبعادها المختلفة في هذه الكتب، فنجد أن البشري قد تعرض لها (في ك: ١) في معرض خطابه للعلماني وللقومي لبيان وضع الحركة الإسلامية في سياق التاريخ الحديث باعتبارها أصلًا وليس وضعًا طارئًا. وقد تعرض لها في شرحه للعلاقة بين التيار الإسلامي وتيار الوحدة العربية. كذلك تعرض لها في معرض شرحه لكيفية حدوث الصدع بين النخبة الحاكمة والنخبة الفكرية الحديثة التي تكونت بجانبها، وبين الجماهير، وبينهما وبين رجال الشرع والنخبة الفكرية والإسلامية؛ على النحو الذي يبين مدى تأثير الفكر الوافد الأوروبي في القرن التاسع عشر، والذي يكشف عن أحد أسباب الانقسام والازدواجية الثقافية والحضارية التي تأكدت في مسيرة تاريخ الشعب العربي بعد ذلك؛ على نحو أثر على العلاقة بين الإسلام والقومية العربية أبعد الأثر في المفاهيم الفكرية الأساسية ومنها: مفهوم الوطن، والقومية، والتحديث والتمدين، والتطور والتقدم.
وفي الكتاب الثاني انطلق تناول البشري للعلاقة أو الحوار بين الإسلام والعلمانية من بيان كيفية وفود المنهج العلماني إلى بلادنا الإسلامية العربية في أوائل القرن التاسع عشر مع تعاظم النفوذ الغربي الأوروبي.
ولذا فإن تناوله لسياق العلاقة بين الإسلامية الموروثة والعلمانية الوافدة على مدى القرنين الأخيرين لم يكن إلا تحليلًا لكيفية حدوث الصدع، وبيان معالمه، وشرح نتائجه وأهمها العلمنة.
أما الزاوية الثالثة التي تطرق خلالها البشري في كتابه الثالث فهي الاضطراب الذي حدث في التيار التشريعي وهياكله وأنساقه في أقطار الدولة العثمانية عامة منذ القرن التاسع عشر، وهو الاضطراب الذي تولد عن تفاعل ثلاثة عناصر هي: جمود الوضع التشريعي المأخوذ عن الشريعة الإسلامية، والحاجة الماسة لإصلاح الأوضاع والنظم وتجديدها، وأخيرًا الغزو الأوروبي السياسي الاقتصادي ثم العسكري المتصاعد. وهذا التفاعل هو الذي أفرز الانفصام الذي ولد الاضطراب التشريعي في ظل تغلغل التشريعات الغربية وجمود الاجتهاد الحديث خلال مرحلة الاستعمار، وفي ظل طبيعة تقنينات ما بعد الاستقلال.
ولهذا فإن هذا الكتاب الثالث يتضمن دراسات عن الجديد في التشريع الإسلامي وحول تطبيق الشريعة الإسلامية، وحول منهج النظر في دراسة القانون مقارنًا بالشريعة.
وفي الكتاب الرابع يتطرق البشري إلى نفس القضية؛ أي الصدع، والانفصام والانقسام، والازدواجية، وذلك من زاوية عملية الإصلاح المؤسسي والإصلاح الفكري التي جرت في الدولة العثمانية منذ نهاية القرن الثامن عشر وما آلت إليه من نتائج أفرزت مجتمعات مصدوعة على مستوى الفكر ومستوى المؤسسات والنظم. ومن ثم جاءت الاستجابة لهذا التحدي في محاولات للإصلاح والتجديد على مستوى الفكر ومستوى الحركة. ولذا فإن هذا الكتاب الرابع -ووفقًا لعنوانه- يركز على تيارات هذا الفكر وهذه الحركة بأنماطها المختلفة (كما سنرى لاحقًا) في التصدي لهذا الصدع طوال القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين.
وإذا كان الكتاب الرابع قد جعل محوره التيارات الفكرية بتعاقب ظهورها زمانًا ومكانًا فإن كتاب ماهية المعاصرة ينطلق أيضًا من مناقشة "نحن.. بين الموروث والوافد" أي ينطلق أيضًا من تحليل الصدع في سياقه التاريخي الحديث، ولكن يتوقف عند مظاهره بمنهج آخر هو منهج القضايا التي ظهرت لدى التيارات الفكرية والحركية المختلفة، وما تعكسه من تصدعات وانقسامات، وهذه القضايا هي: النظام الديموقراطي، وفكر الإصلاح الديني، وقضية الفكر القومي والحركات الاشتراكية.
وأخيرًا يجدر القول بأن الكتب الأربعة وإن كانت مليئة بالفقرات والصفحات التي تبرز وضع «الصدع» في سياق فكر البشري فمن أكثرها شمولًا وعمقًا تلك التي يحملها الكتاب الخامس (ك: ٥، ص: ٧) وكذلك الثاني (ك: ٢، ص: ٢٨) وننقل عن الأخير ما يلي: يقول البشري: "إن الوفود العلماني الذي بدأ صغيرًا وأخذ ينتشر ليزاحم واحدية الموروث الإسلامي ويحدث ما نسميه الآن (الازدواج).. انشرخ معه قلب المواطن وعقله جميعًا؛ أي انفصمت نفسه في التعليم وفي القيم وفي أنماط السلوك والعادات، وانشطر المجتمع أشطرًا بين مؤسسات القضاءين الشرعي والوضعي، والقوانين الشرعية والوضعية الفرنسية، والمعاهد الدينية والمدارس الحديثة، وأحياء المدن القديمة والإفرنجية، والنخب السياسية والاجتماعية ذات المنزع الأوروبي وجماهير شعبية ذات منزع إسلامي... إلخ".
العمود الثاني:
هو التوأم الطبيعي أو المنطقي للعمود الأول؛ أي رأب الصدع وإقامة جسور من أجل لم شمل الأمة، وترميم ما انصدع من أبنيتها وهياكل مؤسساتها، وأفكار أبنائها.
فبعد تحديد مكمن المرض وأسبابه في ظل طبيعة الظرف التاريخي وتحدياته في كل مرحلة يتبلور اهتمام طارق البشري مع نهاية (ك: ٤) في مناقشة الحل والمخرج، وذلك من خلال طرح إشكاليات المشروع الوطني ومتطلباته ومقتضياته (ص: ٦٠ - ٩٣) ومن قلب هذا الطرح بكل تفاصيله يبرز تمسك فكر البشري بالذات الحضارية المستقلة ذات الجذور، وضرورة الانطلاق منها لصالح الجماعة، وليس لصالح الآخر، وانطلاقًا من قواعدنا وأسسنا. بعبارة أخرى يكمن في قلب المشروع الوطني لدى البشري غاية رأب الصدع، والتي بدونها لا تقوم الذات الحضارية المستقلة.
وتجدر الإشارة إلى أن طرح المشروع الوطني لم يبرز من فراغ، فهو لم يكن إلا الوجه الثاني لعملة واحدة، وارتسمت على الوجه الأول علامتان كان لهما السبق الزمني في الطرح- وهما بين الإسلام والعروبة (ك: ١) والحوار الإسلامي العلماني (ك: ٢). وفي مقدمته للكتاب الأول التي كتبها البشري سنة ١٩٨٦ (وهي المقدمة الوحيدة حيث لم يصدر البشري الكتب الأربعة الأخرى بمقدمات كما ذكرنا آنفًا) يتجلى فكر البشري عن الدوافع للحوار من ناحية، وعن مقتضياته من ناحية أخرى، وعن العقبات التي تقف أمامه من ناحية ثالثة.
فهو من ناحية يقول: ".... إن من أخطر الانقسامات هو الانقسام بين التيار الوطني العلماني وبين تيار الإسلام السياسي. صارت العلاقة بين التيارين تتجاوز حدود القطيعة وتصل إلى حد الغربة والوحشة... يصل بي الأمر أحيانًا أن أسائل نفسي، هل اتسع الفتق على الراتق أم لم نعد قادرين أن نرى هذا الصدع الذي يهدّ من قوى التماسك لدى الجماعة السياسية..." (ص: ٥). ثم يقول توضيحًا لسبل رأب الصدع وغاياته: "إن الغرض ليس مجرد إيجاد صيغة للتعايش بين التيارين، ولكن صيغة للتلاقي وإقامة الجسور بغية هدف أساسي يتعلق بتكوين التيار السياسي الحضاري الغالب في أمتنا؛ وهو الأمر الذي يلزمه قيام درجة من التقبل الفكري العقيدي العام من كل من التيارات تجاه الأخرى، وهذا الأمر لا يتحقق إلا بالجدل والحوار بين التيارات الفكرية ذات الغلبة في المجتمع" (ص: ١٣ - ١٤) لنصل - كما يقول في موضع آخر (ك: ٢، ص: ٧)- إلى التقارب المنشود وإلى التخلل المحمود -بإذن الله- بين القوى الفكرية والسياسية الأساسية في مجتمعاتنا، ولنحقق -إن شاء الله- ملامح التيار الأساسي في بلادنا؛ بما يسع الجوهر الإيجابي لكل من المشاركين والمتخللين له.
وتتكرر في أكثر من موضع لاحق (انظر مثلًا ك: ٢، ص: ٥٦) هذه الدعوة المؤمنة بضرورة بناء تيار سياسي غالب في المجتمع يمثل الأمة في عموميتها يستوعب القاسم المشترك الأعظم مما تنادي به كل القوى ذات الوجود الفاعل في المجتمع.
وإذا كان الحوار الحقيقي -الذي لا يتطلب كما يقول البشري مجرد التقارب المؤقت في بعض المواقف ولكن تلزمه درجة من التقبل- ينزع خواص التنافي بين الاتجاهات الفكرية الغالبة- إذا كان هذا الحوار هو سبيل الوصول إلى هذا التيار السياسي الغالب في نظر البشري، إلا أننا نجده يصف مناخ الحوار منذ بداية الثمانينيات بما أسماه الحروب الفكرية (ك: ١، ص: ١٥ - ١٦، ك: ٢، ص: ٤٣ - ٥٦) وهو المناخ الذي تعددت أسبابه من واقع الظرف التاريخي الإقليمي والعالمي في الثمانينيات، كما تعددت أساليبها وتنوعت مجالاتها. (المرأة، الفتنة الطائفية، مؤسسات توظيف الأموال... إلخ).
وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من حرص البشري على إبراز قيمة الحوار ودوافعه وغاياته إلا أنه أفصح عن ضوابط لبدء الحوار من ناحية، ولاستمراره من ناحية أخرى: فنجد خطاب البشري (ك: ١) خطابًا للعلمانيين والقوميين أكثر منه خطابًا للإسلاميين. وهو يقول إنه لا يناقش العلماني القومي في أسس تفكيره ولكنه يريد أن يبين له وضع الحركة الإسلامية -بين غيرها- في سياق التاريخ الحديث وهو الوضع الذي يبين أن الدعوة الإسلامية كتيار سياسي وحركات تنظيمية لم تكن تيارًا شاردًا ولا طارئًا ولا وضعًا يتجافى مع أصل آخر، ومن ثم فإن العلماني القومي لا يحق أن يزعم لنفسه وجودًا أكثر شرعية وأكثر أصالة من غيره. فإذا نظرنا إليه بمعيار الثابت والنابت فهو النابت... (ص: ٨) ويقول البشري إن هذا التوضيح السابق هو بداية لا بد منها وهي أولى خطوات الطريق (ص: ٨).
وإذا كان خطاب البشري يتسم دائمًا بالانسياب وقوة الحجة، ويروم إلى رأب الصدع لأن فيه خيرًا للأمة، إلا أنه يظهر -في بعض الأحيان- عدم القدرة على الحوار مع بعض النماذج؛ لأن مثل هذا الحوار يصبح خروجًا عن ثوابت لا فصال فيها، ولأن هذه النماذج لا تريد الرأب بقدر ما تريد مزيدًا من الانشقاق. فهم (أي العلمانيين الذين لا يجدي معهم الحوار أيضًا) كما يقول البشري (ك: ٢، ص: ٥٥) فئة تغربت قلبًا وقالبًا وابتعدت عن جذور أمتها... ينأون بأنفسهم عن تاريخ بلادهم وقيمها وعقائدها وناسها، ولا يكنّون لأي من هذه الأمور احترامًا كبيرًا.... ولذا نجد البشري المعروف بهدوء مناقشاته ودماثته عند الاختلاف نجده في أحد تعقيباته على دراسة في ندوة من الندوات (ك: ١، ص: ٧٥ - ٨٤) وهو التعقيب الذي ناقش فيه بعض أهم ما تثيره مدرسة الفكر الوافد حول التاريخ العربي الإسلامي من مواقف؛ نجد البشري يصل إلى القول في خاتمة تعقيبه (ص: ٨٤ - ٨٥): ".... إنني مغرم بالتفهم للسياق الداخلي للرأي المعارض، وقد حاولت جاهدًا أن أفعل في قراءتي لهذه الدراسة. ولكني مع قرب نهايتها جفلت خارجًا لأنها تقف على أرض لا أستطيع أن آتي مواردها، وقد ضاقت بي فلم تقبل وجودي في ساحتها ولم ينفسح لي منها إلا أسطر محدودة، لا تكفي لي متنفسًا؛ لأني من وادٍ وهي من وادٍ... فإذا ضربت علينا ألوان من الإنسانية تبنى على حساب وجودنا كجماعة حضارية وسياسية مستقلة ومتميزة، فلن نكون إنسانيين بهذا المعنى. وإذا كان التطور يرفضني كجماعة، فلست من أنصار التطور، وإذا كان التقدم ينفيني ويسحقني كجماعة، فإني إذًا لمن الراجعين. ما حاجتي لأن أقدم نفسي وقومي ووطني وتاريخي وثقافتي، أقدم ذلك كله وقودًا يستدفئ به سادة العالم وتابعوهم ألا يكفيهم البترول مصدرًا للدفء؟".
* دراسة مستلة من كتاب: طارق البشري: القاضي المفكر "الكلمات والبحوث التي ألقيت في الندوة العلمية الأهلية للاحتفاء بالمستشار طارق البشرى، بمناسبة انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري، تحرير وتقديم: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/ 1999م)، ص170- 215.
[1] لم تقدم هذه الورقة مكتوبة في ندوة الاحتفاء في يوم ٣٠ يوليو ١٩٩٨، ومن ثم فهي تطوير للعرض الشفوي الذي قدمته في هذه الندوة.
[2] ستتم الإحالة إلى الكتب التي تتكون منها المجموعة التي تحمل عنوان في المسألة الإسلامية المعاصرة وفق الترتيب التالي، كما سيتم الرمز للكتاب بالرمز (ك):
١- بين الإسلام والعروبة، دار الشروق، القاهرة، ١٩٩٨.
٢- الحوار الإسلامي - العلماني، دار الشروق، القاهرة ١٩٩٦.
٣- الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، دار الشروق، القاهرة ١٩٩٦.
٤- الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، دار الشروق، القاهرة ١٩٩٦.
٥- ماهية المعاصرة، دار الشروق، القاهرة، ١٩٩٦.
[3] تبع إصدار هذه الكتب الخمسة كتاب سادس في إطار نفس السلسلة، حمل عنوان: بين الجامعة الدينية والجامعة الوطنية في الفكر السياسي - المحرر.