استهدف هذا الكتاب إعادة قراءة المشروع الفكري والقانوني للفقيه الدستوري والقانوني الأبرز في العصر الحديث، الدكتور عبد الرزاق السنهوري، من خلال تسليط الضوء على "الوجه الإسلامي" في عبقريته، والذي يرى المؤلف أنه غُيّب أو طُمس عمدًا أو جهلًا لصالح صورته كفقيه قانوني وضعي متأثر بالغرب. واعتمد الكتاب منهجية استقرائية تجمع بين الوثائق الشخصية للسنهوري (مذكراته) وبين كتاباته الأكاديمية ومشروعاته القانونية؛ ليثبت أن السنهوري كان صاحب مشروع حضاري إسلامي متكامل يهدف إلى "أسلمة القانون" ونهضة الشرق عبر بوابة الشريعة الإسلامية، وليس مجرد صائغ للقوانين المدنية الوضعية، مما يجعله مرجعًا أساسيًا لفك الاشتباك الدائر حول هوية القانون في العالم العربي والإسلامي.
تقديم
استهل الدكتور محمد عمارة كتابه بمقدمة تأسيسية وضح فيها الدافع الرئيس وراء هذا العمل، وهو الرغبة في إنصاف الدكتور عبد الرزاق السنهوري وإعادته إلى موقعه الطبيعي كأحد أئمة التجديد والإحياء الإسلامي، إلى جانب الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي. ورأى عمارة أن النخبة المثقفة اختزلت السنهوري في شِقِّه القانوني الفني، بينما تجاهلت مشروعه الأكبر المتمثل في "نهضة الشرق بالإسلام". وأشار المؤلف إلى أن السنهوري لُقِّب بـ"الإمام الخامس" من قبل فقهاء القانون في الغرب نظرًا لضلوعه العميق في الشريعة الإسلامية ومقارنتها بالقوانين الوضعية. وأكد التقديم أن السنهوري لم يكن يرى تعارضًا بين الاستفادة من الصياغة القانونية الغربية وبين الاستناد إلى الفقه الإسلامي كمصدر مادي وموضوعي للتشريع، بل كان يعتبر القوانين المدنية التي صاغها (المصري، العراقي، السوري، وغيرها) خطوات مرحلية نحو حلمه الأكبر: "القانون المدني العربي الموحد" المستمد كليًا من الشريعة.
بطاقة حياة
1- الميلاد.. والنشأة.. والتعليم
تناول هذا القسم البدايات الأولى للسنهوري الذي وُلد بالإسكندرية عام 1895م في بيئة فقيرة، وكيف أثَّر اليُتم والفقر في تكوين شخصيته العصامية. وأبرز المؤلف تأثر السنهوري في مرحلة شبابه بمدرسة الزعيم مصطفى كامل التي جمعت بين الوطنية والجامعة الإسلامية، خلافًا لمدرسة سعد زغلول التي ركزت على الوطنية المصرية البحتة. كما وضَّح المؤلف شغف السنهوري المبكر بالأدب واللغة العربية، وحصوله على ليسانس الحقوق عام 1917م بتفوق، وكيف بدأت تتشكل لديه ملامح مشروع نهضوي يربط بين العظمة الوطنية والانتماء الإسلامي، معتبرًا أن الفقر كان دافعًا له نحو الإتقان والعمل الجاد.
2- العمل بالنيابة والتدريس والمشاركة في ثورة سنة (1919م)
انتقل الكتاب إلى مرحلة عمل السنهوري في النيابة العامة، حيث لم تمنعه وظيفته القضائية من الانخراط في الهموم الوطنية، فشارك بفاعلية في ثورة 1919م، بل وقاد إضراب الموظفين في مدينة المنصورة، مما أدى إلى نقله عقابيًا إلى أسيوط. وكشف هذا القسم عن الحس الاجتماعي المرهف لدى السنهوري وتألمه لأحوال الفقراء، كما سلط الضوء على انتقاله للتدريس في "مدرسة القضاء الشرعي" عام 1920م، وهي المحطة التي زامل فيها كبار علماء الشريعة وعمقت صلته بالتراث الفقهي قبل سفره إلى الغرب.
3- الابتعاث إلى فرنسا (سنوات: 1921-1926م)
تُعد هذه المرحلة المنعطف الأهم في التكوين الفكري للسنهوري. ووضح د. عمارة كيف سافر السنهوري إلى فرنسا وهو يحمل "رؤيا" منامية وواقعية تتمثل في "نقل شمس الشرق" لتضيء العالم. فبدلًا من الانبهار بالحضارة الغربية، اتخذ موقفًا نقديًا ونديًا، وخطط لمشروعه الإصلاحي المتمثل في تجديد الفقه الإسلامي، وإنشاء "جامعة شرقية" توازي عصبة الأمم. وأشار القسم إلى إنجازه رسالتين للدكتوراه: واحدة في القانون المدني، والأخرى والأهم في "فقه الخلافة"، التي رد فيها على كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، مثبتًا أن الإسلام دين ودولة، ومبشرًا بعصبة أمم إسلامية كبديل عصري للخلافة التقليدية.
4- العودة إلى مصر.. والتدريس بكلية الحقوق.. والإنتاج الفكري والنشاط العلمي (سنوات: 1926-1935م)
استعرض هذا القسم عودة السنهوري ليعمل مدرسًا للقانون المدني، حيث بدأ مشروعه التربوي والعلمي في صياغة عقول طلابه وبث روح الاعتزاز بالفقه الإسلامي. وتطرق المؤلف إلى الصدامات السياسية التي تعرض لها السنهوري بسبب مواقفه الوطنية وعلاقته ببعض الرموز السياسية كالنقراشي باشا، مما أدى إلى فصله من الجامعة عام 1934م. ورغم ذلك، كانت هذه الفترة غزيرة الإنتاج الفكري، حيث أصدر دراسات تأسيسية مثل "الدين والدولة في الإسلام" و"نظرية العقد"، وبدأ الدعوة لتنقيح القانون المدني المصري وتخليصه من التبعية المطلقة للقانون الفرنسي.
5- الرحلة الأولى إلى العراق.. (1935-1936م)
وصف هذا الجزء رحلة السنهوري إلى بغداد لإنشاء كلية الحقوق وتولي عمادتها. وأبرز المؤلف كيف وجد السنهوري في العراق بيئة خصبة لتطبيق أفكاره حول "أسلمة القانون"، نظرًا لرسوخ مجلة الأحكام العدلية (الفقه الحنفي) هناك. وبدأ السنهوري بوضع مشروع القانون المدني العراقي الذي جمع فيه بين الفقه الإسلامي والصياغة الحديثة، معتبرًا إياه خطوة متقدمة على القانون المصري في مضمار الأسلمة، كما ألف كتبًا تعليمية لطلاب العراق تربط بين المجلة والقانون الحديث.
6- العودة إلى مصر عميدًا للحقوق.. والعمل بالقضاء والمحاماة ووزارة المعارف (سنوات: 1936-1943م):
تناول هذا القسم تولي السنهوري عمادة كلية الحقوق ثم دخوله المعترك السياسي والوزاري "كرهًا" كما يعبر هو. وركز المؤلف على الإنجاز الأضخم في هذه المرحلة وهو رئاسة السنهوري للجنة وضع القانون المدني المصري الجديد (الذي صدر عام 1948). ووضح المؤلف كيف ناضل السنهوري لجعل الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا للقانون، وكيف صاغ نصوصًا ثورية (مثل "الملكية وظيفة اجتماعية" التي حذفها مجلس الشيوخ). كما سرد معاناته من التقلبات الحزبية التي أبعدته عن مناصبه عدة مرات، مما عمق شعوره بالغربة السياسية رغم نجاحاته التشريعية.
7- الرحلة الثانية إلى العراق.. وسوريا لوضع القوانين المدنية (سنتي: 1943، 1944م):
عاد السنهوري لاستكمال مشروعه التشريعي العربي. يشرح المؤلف كيف انتقل السنهوري بين بغداد ودمشق بضغط من الحكومات والظروف السياسية، منجزًا القانون المدني العراقي والسوري. في هذه المرحلة، تبلورت فكرة "الوحدة العربية" عند السنهوري كخطوة نحو "الجامعة الإسلامية"، ووضع مخططات لإنشاء معهد عالٍ للفقه الإسلامي يهدف إلى تخريج جيل من الفقهاء المجددين القادرين على استنباط الأحكام الشرعية بلغة العصر.
8- ولاية وزارة المعارف ومجلس الدولة (سنوات: 1945-1954م)
يُبرز هذا القسم دور السنهوري كرجل دولة وإصلاحي مؤسسي. ففي وزارة المعارف، أسس جامعات جديدة (الإسكندرية وعين شمس) وفتح أبواب التعليم لأبناء الفقراء. وعندما تولى رئاسة مجلس الدولة عام 1949م، حوله إلى "حصن للحريات"، متصديًا لتعسف السلطة التنفيذية (بما فيها الحكومة والملك). وسرد المؤلف وقائع تاريخية، مثل تصديه لحكومة الوفد حين حاولت إقالته، وأحكامه الجريئة التي ألغت قرارات مصادرة الصحف، مؤكدًا أن السنهوري كان يرى في القضاء المستقل الرافعة الأولى لإصلاح نظام الحكم.
9- الوفاق.. والشقاق مع ثورة يوليو (سنوات: 1952-1971م)
حلل المؤلف العلاقة المعقدة بين السنهوري وثورة 23 يوليو. في البداية، دعم السنهوري الثورة وساهم في صياغة قانون الإصلاح الزراعي ومبادئ الدستور الجديد، انطلاقًا من مبادئه في العدالة الاجتماعية. لكن الخلاف سرعان ما دبّ حول قضية الديمقراطية وعودة الجيش للثكنات، مما أدى إلى "أزمة مارس 1954" والاعتداء الجسدي عليه داخل مجلس الدولة. ووضح القسم كيف تحولت العزلة الإجبارية التي فُرضت عليه بعدها إلى "منحة"، حيث تفرغ لإنجاز موسوعته الكبرى "الوسيط" وكتاب "مصادر الحق في الفقه الإسلامي"، ليختتم حياته وهو يرى تكريم الدولة له متأخرًا قبل وفاته عام 1971م.
ثبت بأعمال السنهوري القانونية والفكرية
قدم الكتاب جردًا (ببليوجرافيا) لأهم أعمال السنهوري، مُقسِّمًا إياها إلى مشروعات القوانين والدساتير (المصري، العراقي، السوري، الكويتي، الليبي، السوداني)، والمؤلفات والأبحاث الفكرية. تشمل القائمة رسالتيه للدكتوراه، وكتبه المنهجية مثل "الوسيط" (10 أجزاء)، و"مصادر الحق" (6 أجزاء)، بالإضافة إلى مقالاته في "أوراقه الشخصية" ودوريات القانون، مما يُظهر ضخامة الإنتاج الفكري وتنوعه بين التنظير الفلسفي والتطبيق التشريعي.
الوجه الإسلامي لعبقرية السنهوري
مثل هذا الفصل مدخلًا تحليليًا للقسم الثاني من الكتاب، والذي جادل الدكتور عمارة فيه بأن عبقرية السنهوري لا يمكن فهمها بمعزل عن مرجعيته الإسلامية، وأكد أن السنهوري لم يكن "علمانيًا" كما يصوره البعض، بل كان يرى الإسلام كـ"مدنية وحضارة وقانون" بجانب كونه عقيدة. كما مهد هذا الفصل لطرح نظرية السنهوري في التمييز بين "دائرة العقيدة" (الخاصة بالمسلمين) و"دائرة المعاملات/المدنية" (التي تشمل جميع مواطني الدولة الشرقية)، وهو التمييز الذي مكنه من الدعوة لتطبيق الشريعة في مجتمعات متعددة الأديان.
ووضح المؤلف منهجه في دراسة إسلاميات السنهوري، والذي يجمع بين "المنهج الموضوعي" (تجميع آراء السنهوري المتفرقة حول قضايا محددة مثل الإيمان، الدولة، الشريعة) و"المنهج التاريخي" (تتبع تطور هذه الآراء عبر مراحل حياته). واعتمد المؤلف بشكل رئيس على "الأوراق الشخصية" للسنهوري كمصدر يكشف عن مكنونات صدره ومناجاته لربه، والتي لم تكن منشورة من قبل، ليرسم صورة متكاملة للفقيه المؤمن الذي جعل من القانون أداة لخدمة الدين والأمة.
في الإيمان بالله
يغوص هذا الفصل في الجانب الروحي للسنهوري من خلال مذكراته الخاصة، حيث كشف د. عمارة عن "فيلسوف إلهي" يرى في الإيمان بالله مصدرًا للسعادة والقوة النفسية، وليس مجرد طقوس. كما ناقش السنهوري في تأملاته علاقة العلم بالإيمان، مؤكدًا أن العلم الحقيقي يقود إلى الإيمان، وأن العقل البشري قاصر ويحتاج إلى نور الوحي. وأورد المؤلف نصوصًا مؤثرة لمناجاة السنهوري لربه، خاصة في أوقات المحن (مثل أزمة مارس 1954)، حيث كان يلوذ بالإيمان كملاذ وحيد، معتبرًا أن "القوانين الطبيعية" هي من سنن الله التي لا تتعارض مع مشيئته.
هيئة الأمم الإسلامية
تناول هذا الفصل الرؤية السياسية العالمية للسنهوري. ورأى السنهوري أن "الشرق" وحدة حضارية لا يمكن تجميعها إلا بالإسلام. يطرح فكرته عن "عصبة أمم شرقية" تكون نواة لجامعة إسلامية كبرى، حيث لا تتعارض القوميات والوطنيات المحلية مع هذه الرابطة الأوسع، بل تكون لَبِنات فيها. وحلل المؤلف كيف سبق السنهوري عصره في الدعوة لتكتل دولي إسلامي يواجه الهيمنة الغربية، وكيف أن نظريته في الخلافة كانت تهدف إلى تطوير المؤسسة التقليدية لتصبح منظمة دولية حديثة تحفظ وحدة الأمة الثقافية والتشريعية.
الإسلام دين ودولة .. دين الأرض ودين السماء
فنَّدَ هذا الفصل -استنادًا لكتابات السنهوري- الأطروحات العلمانية التي تدعي أن الإسلام دين روحي لا علاقة له بالسياسة (مثل أطروحة علي عبد الرازق). وأثبت السنهوري بالأدلة التاريخية والفقهية أن النبي ﷺ أسس دولة مدنية كاملة الأركان. وقدَّم السنهوري هنا اجتهاده المتميز في التمييز بين "الدين" (العقائد والعبادات الثابتة) و"الدولة" (المعاملات والنظم المتغيرة)، داعيًا إلى فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية إجرائيًا، مع بقاء الشريعة مرجعية عليا ومصدرًا للقانون، مما يحقق معادلة "التمييز دون الفصل".
المدنية الإسلامية
عالج هذا الفصل مفهوم "المدنية" عند السنهوري، الذي يرى أن الإسلام ليس مجرد دين للمسلمين، بل هو "ثقافة وحضارة" للشرق كله بمسلميه وغير مسلميه. ووضح المؤلف كيف نظر السنهوري إلى التراث الإسلامي والفقه واللغة العربية كوعاء حضاري مشترك يجمع سكان المنطقة. وبناءً على ذلك، فإن الدعوة لسيادة المدنية الإسلامية وتطبيق فقه المعاملات لا تعني فرض الدين على غير المسلمين، بل تعني الرجوع إلى "القانون الوطني" وتراث المنطقة الأصيل بدلًا من استيراد القوانين الغربية الغريبة عن البيئة الشرقية.
إحياء الشريعة الإسلامية
ركز هذا الفصل على المشروع العملي للسنهوري: كيف نحيي الشريعة في العصر الحديث؟ أوضح المؤلف استراتيجية السنهوري القائمة على "التدرج" و"المقارنة"؛ فلم يدعُ السنهوري للتطبيق الفوري الحرفي للأحكام القديمة، بل دعا إلى صياغة الشريعة في قوالب قانونية حديثة (تقنين الفقه) لتنافس القوانين الغربية. واعتبر السنهوري أن الشريعة تتميز بالمرونة والقابلية للتطور، وأن إحياءها هو السبيل الوحيد للاستقلال التشريعي والحضاري للأمة، وأظهر الفصل كيف كانت القوانين المدنية التي وضعها تطبيقات عملية لهذه الرؤية.
تجديد الفقه الإسلامي
أكمل هذا الفصل سابقه بالحديث عن الأدوات الفنية للتجديد. رأى السنهوري أن الفقه الإسلامي (خاصة فقه المعاملات) يمتلك ثراءً نظريًا يتفوق أحيانًا على القانون الغربي (مثل نظرية التعسف في استعمال الحق، والظروف الطارئة). ودعا السنهوري لإنشاء معاهد متخصصة للفقه المقارن، وفتح باب الاجتهاد الجماعي، واستخدام المنهج المقارن لإبراز عالمية الفقه الإسلامي. واستعرض المؤلف جهود السنهوري في "مجمع اللغة العربية" ومعهد الدراسات العربية العالية كمنصات لتنفيذ هذا التجديد.
وفي الختام؛ يُعد كتاب "الدكتور عبد الرزاق السنهوري: إسلامية الدولة والمدنية والقانون" وثيقة فكرية بالغة الأهمية، حيث حاول الدكتور محمد عمارة في إعادة رسم صورة السنهوري بصفته مفكرًا إسلاميًا صاحب مشروع حضاري شامل، وليس مجرد تقني قانوني. ومن خلال استعراض حياته الحافلة، وكتاباته الخاصة والعامة، اتضح أن السنهوري كان يحمل همّ "أسلمة الدولة والمجتمع" عبر أدوات القانون والمدنية، متبعًا منهجًا متدرجًا يجمع بين رسوخ العقيدة ومرونة الفقه. وأثبت الكتاب أن السنهوري استطاع بعبقرية فذة أن يفكك التناقض المفتعل بين الدولة الحديثة والشريعة الإسلامية، مقدمًا نموذجًا تطبيقيًا لما يمكن تسميته بـ"الحداثة الإسلامية" في مجال التشريع.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)
* محمد عمارة، الدكتور عبد الرزاق السنهوري: إسلامية الدولة والمدنية والقانون، القاهرة: دار السلام، الطبعة الأولى، 2009.