صدرت الطبعة الخامسة من كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" لمؤلفه علال الفاسي*، في عام 1993م عن دار الغرب الإسلامي، ويُذكر أن هذه الطبعة تم إصدارها بعد اتفاق وإذن خاص من مؤسسة علال الفاسي (الطبعة الأولى من الكتاب كانت قد صدرت عام 1963م).

اهتم الأستاذ علال الفاسي بمقاصد الشريعة الإسلامية، وأولاها حيزًا ومساحة كبيرة من اهتماماته وتفكيره، ويمكن القول بأن كتابه هذا لا يقل أهمية عما كُتب في موضوع مقاصد الشريعة الإسلامية، ولاسيما كتاب مقاصـد الشريعة الإسلامية للإمـام محمد الطـاهر ابن عاشور، حيث يعد الفاسي ومن قبله الإمام ابن عاشور من أبرز الرواد الذين استأنفوا الكتابة في مقاصد الشريعة وأصَّلوا لها على نحو جديد.

وقد بيَّن العلامة علال الفاسي في تقديمه للكتاب الأسباب التي دعته إلى تناول مثل هذا الموضوع، والتي تمثلت في كون الذين تعاقبوا على الكتابة في المقاصد الشرعية، لم يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده الشاطبي، أو لم يبلغوا ما إليه قصد، وأن بعضهم خرج عن الموضوع إلى محاولة تعليل كل جزء من أجزاء الفقه أخذا للمقاصد بمعناها الحرفي.

وكما أوضح الفاسي أنه في عرضه لموضوع المقاصد فضَّل أن تكون شاملة الجوانب، معرفًا بقسط من أصول تاريخ القانون ووسائل تطوره، وكيف أن الشرائع الإنسانية كلها كانت تقصد إلى العدل، ولما لم تبلغ مداه بحثت عنه خارج مصادرها التشريعية، بينما بقي الفقه الإسلامي يحقق العدالة والعدل بأصوله الذاتية نفسها.

وذكر الفاسي أنه قد بنى دراسته للمقاصد في الشريعة الإسلامية على المقابلات بين الشريعة الإسلامية وغيرها من الشرائع الأخرى حيث قال: "وفي المقابلات التي وضعتها بين الشرائع السماوية والشرع الإسلامي من جهة وبين ما استعمله اليونان والرومانيون والإنجليزيون من وسائل لاستكمال الإنصاف، وبين ما جاء به الإسلام من أصول ومقاصد ما يوضح تفوق شريعتنا السمحة واستحقاقها لأن تبقى القانون الأسمى للمسلمين ولمن يريد العدالة الحق من بني الإنسان".

 

ومما جاء في خاتمة الكتاب:

تلك هي مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها فصلنا منها ما تتوقف عليه حاجة الطالبين وما تدعو إليه تذكرة الراغبين، من أسرار الشرع الحنيف، ومعالم الفقه البينة، وكل أملنا أن يكون طلبتنا قد وعوا منه ما سمعوه، وأدركوا من محاسن قانوننا السماوي سره الذي يهدي للحق وإلى صراط مستقيم.

ولقد مضى على المسلمين حين من الدهر نسوا ما ذكروا به وذهلوا عما يحتوي عليه دينهم من هدى ومن إرشاد، واتبعوا ما تملي شياطين الاستعمار من آراء وتشريعات لا قبل لهم بها، ولا اقتناع لعقولهم بمغازيها، ولا تمثل من مجتمعهم شيئًا، وإنما هي أنقاض لحضارات متباينة مع حضارتهم، أُرغموا على قبولها بالحديد وبالنار، وبالضغط الفكري الذي يتمثل في هذه المدارس الأجنبية والبرامج الأعجمية.

وإن الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين لم يُحدث من الخراب في الأرض وفي الأجسام ما أحدثه في العقول والقلوب والأفهام.

فقد أصبح المسلمون بما تسرب إلى بواطنهم يجهلون أنفسهم ولا يعرفون من حقيقة أمرهم شيئا، واختلفوا باختلاف عدوهم، فمنهم من يؤمن باليمين ومنهم من يؤمن باليسار ومنهم من يظل فارغًا من كل عقيدة ومجردًا من غير التبعية في الهوى وفي الشهوة، فكان عاقبة أمرهم أن تسلطت عليهم هذه الحكومات البوليسية في كل مكان تصليهم ظلمًا، ولا تألوهم اضطهادًا وهضمًا، فإذا انتبهوا وظنوا أنهم قادرون على أن يقاوموا الجور وينازلوا الطغيان، جاءهم من فكر الغرب ما يوجههم نحو طغيان آخر واضطهاد جديد، وسيبقون كذلك ما داموا ينشدون العدل من غير الإسلام، والصلاح من غير القرآن؛ وقد صدق مالك حين قال؛ (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) فعسى أن يتنبه طلبتنا، والدارسون للقانون والأخلاق منا، والمتيقظون على العموم، إلى أن الفقه الإسلامي وحده الكافي لعلاج المجتمع، والأخلاق القرآنية وحدها المحققة لتوازن القوى وتعادل الوحدات الاجتماعية في البر والتقوى، فيتقدمون إلى دراسة الفقه، واستخلاص أسراره، وإلى الأخلاق واستنباط جماعها ومعالمها، ثم يشرحون ذلك لإخوانهم. ويبلغونه لجمهور الأمة التي لا تنتظر إلا من يخاطبها بما يوافق قلبها ويعيد وعيها، ثم يجاهدون جهاد الأبطال لإقرار شريعة الإسلام قانونا للدولة، وأخلاق القرآن معيارا للشرف والفضيلة والقيم الاجتماعية.

وأنهم متى فعلوا سيجدون من الاستجابة في الشعب والتأييد من عقلاء الأمة وفلاسفة الدنيا ما يشجعهم ويقوي عزمهم ويثبتهم في مواقفهم.

فأما عقلاء أمتنا فما زالوا يتألمون من هجوم الاستعمار الفكري عليهم، ومازالوا يحللون مع أنفسهم أسباب الانحطاط الذي أصاب بلادهم وقومهم فلا يردونه إلا إلى إعراض الكل عن شريعة الإسلام وتعاليمه الحق، وهم مؤمنون بأن الخير كل الخير لهم ولذويهم في العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهم مستعدون ليكونوا حواريى كل داعية يدعو إلى الحق، وإلى نصرة الشرع.

وأما المثقفون ثقافة غربية من أبناء قومنا فهم مقتنعون بأن الفكر الغربي هو كل شيء والقانون الأجنبي هو المثل الأعلى، ولكن عذرهم أنهم لم يدرسوا الفقه الإسلامي ولا تعرفوا إلى مصادره ولا تعمقوا أسراره ومقاصده، وهم ولا شك مستعدون متى ما وجدوا من ينصبون أنفسهم لتوعيتهم وإرشادهم لأن يستجيبوا، وهم أقدر على المقارنات والمقابلات التي تريهم مزايا الفقه الإسلامي وتفوقه على كل القوانين.

 

محتويات الكتاب:

  • خطبة الكتاب.
  • المراد بمقاصد الشريعة.
  • الإنسانية في عصور ما قبل التاريخ.
  • الأسرة هي الخلية الاجتماعية الأولى.
  • الإنسانية في عهد النبوات.
  • من العقائد الدينية نشأت فكرة القانون.
  • الشرائع الإلهية.
  • من الأحكام الملهمة الدينية نشأ العرف.
  • مجموعة الشرائع الكتابية غير الإسلام.
  • وسائل التطور في الشرائع القديمة.
  • القانون الطبيعي.
  • فكرة القانون الطبيعي عند اليونان.
  • قانون الشعوب عند الرومان.
  • القانون الكنسي.
  • قانون العدالة عند الانكليز.
  • مصدر العدالة في العصر الحديث
  • المقاصد الشرعية في الإسلام.
  • التشريع.
  • السياسة الشرعية في الإسلام.
  • الإسلام دين العقل والعدل.
  • تحقيق المناط في معنى كلمة الدين وما يدخل تحت عمومها من آحاد.
  • أصول الشرعة.
  • القرآن.
  • تفسير القرآن.
  • المعتزلة الجدد.
  • التفسير بالإشارة.
  • حول الفن القصصي في القرآن .
  • الإسرائليات.
  • الإسرائليات الجديدة.
  • النسخ في القرآن.
  • ترجمة معاني القرآن لغير العربية
  • السنة.
  • جوانب تصرفات الرسول.
  • الأصول النظرية.
  • الإجماع.
  • القياس.
  • الاستدلال.
  • الاستصحاب .
  • الشرائع السابقة.
  • الاستحسان.
  • مراعاة الخلاف.
  • المصلحة المرسلة.
  • مذهب الطوفي.
  • عمل أهل المدينة.
  • العادة، العرف، العمل.
  • سد الذريعة.
  • فتح الدريعة.
  • الاجتهاد.
  • أسباب الاختلاف في الأحكام.
  • قواعد تقييد المصلحة بالمقاصد.
  • البدعة والسنة.
  • مكارم الأخلاف مقياس كل مصلحة عامة وأساس كل مقصد من مقاصد الإسلام.
  • منهاج الحكم في الإسلام.
  • خاتمة الكتاب.
  • مصادر الكتاب.

 

 رابط مباشر لتحميل الكتاب


* هو علال بن عبد الواحد بن عبد السلام بن علال الفاسي الفهري (10 يناير 1910م – 13 مايو 1974م) سياسي وأديب مغربي، مؤسس حزب الاستقلال وزعيم الحركة الوطنية المغربية، وأحد أعلام الحركة الإسلامية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين، والتي دعت إلى نوع من السلفية التجديدية، رفقة محمد عبده ورشيد رضا ومحمد الطاهر بن عاشور وغيرهم. له العديد من المؤلفات القيمة، من أهمها: النقد الذاتي، دفاع عن الشريعة، الإسلام وتحديات العصر، تاريخ التشريع الإسلامي، شرح مدونة الأحوال الشخصية، المدخل للفقه الإسلامي.

تعدُّ الهدنة في غزة خطوة قانونية وإنسانية طال انتظارها، لكن مسار الوصول إليها لم يكن سلسًا. فبينما تلكأت إدارة جو بايدن في ممارسة الضغط اللازم على إسرائيل لوقف التصعيد، جاء الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بموقف مختلف تمامًا، حيث فرض الهدنة بقوة ودون تأخير.

 

في تحول لافت، دفعت إدارته نحو التهدئة، حتى إن أحد مبعوثيها فرض على الجانب الإسرائيلي الاستمرار في العمل يوم السبت، وهو ما يعد خرقًا للعادات الإسرائيلية التقليدية، مما يعكس أن الإرادة الأميركية فيما لو توفرت فإنها تستطيع إنهاء المعاناة الإنسانية للفلسطينيين.

 

لقد جاء هذا التحرك بعد رفض إسرائيل عروضَ هدنة سابقة، مما أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، حيث تجاوزت التكلفة البشرية والمادية حدود المخاوف، مخلفة عشرات آلاف الضحايا المدنيين، ودمارًا هائلًا في البنية التحتية.

 

يستعرض هذا المقال التعريف القانوني للهدنة، كما يناقش تأثير هذه الخطوة على الوضع الإنساني في غزة، وآليات ضمان استمرارها من قبل الأطراف الدولية. ويطرح تساؤلات حول قدرة هذه الهدنة على الصمود، وهل تمثل تغييرًا جوهريًا في التعامل مع الصراع أم مجرد استراحة مؤقتة في ظل معاناة إنسانية متفاقمة؟

 

تعريف الهدنة قانونيًا

الهدنة، في القانون الدولي، تُعرف بأنها اتفاقٌ بين الأطراف المتحاربة لوقف الأعمال العدائية مؤقتًا. وفقًا لاتفاقيات جنيف وخاصة البروتوكول الأول (1977) – الذي يوسّع نطاق الحماية للضحايا في الحروب الدولية – الهدنة هي توقف القتال الفعلي لفترةٍ محددة تتفق عليها الأطراف المتحاربة، مما يسمح بإجلاء الجرحى، وتبادل الأسرى، وتوفير المساعدات الإنسانية.

 

كما تنص المادة 15 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على أن أي اتفاق هدنةٍ يجب أن يضمن اتخاذ تدابير لحماية الجرحى، وتأمين المساعدة الإنسانية لهم، مما يجعل الالتزام بالهدنة واجبًا قانونيًا وفق القانون الدولي الإنساني.

 

هذا الاتفاق لا يعني نهاية الحرب بل هو مجرد وقفٍ مؤقت للعمليات القتالية، ويمكن أن يتضمن أيضًا إجراءاتٍ لإعادة الأسرى لديارهم أو لمواصلة المفاوضات السلمية. يُعتبر تنفيذ الهدنة جزءًا من القانون الإنساني الدولي، حيث تحدد الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الملحقة الطريقة التي يجب أن تتبعها الأطراف لتجنب انتهاكات حقوق الإنسان.

 

الظروف الواقعية والقانونية لغزة تحت الاحتلال

قطاع غزة، بمساحته الضيقة والكثافة السكانية العالية، محاط بإسرائيل ومصر، وتحت حصار دام لسنوات. من الناحية القانونية، يعتبر الوضع في غزة معقدًا؛ بسبب تأثير الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عام 1967، على الرغم من انسحاب إسرائيل من القطاع عام 2005.

 

الحصار وتحكم إسرائيل في الحدود البحرية والجوية والبرية يعني أن غزة لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية من الناحية القانونية الدولية كمنطقة محتلة. وفقًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يحظر على الدولة المحتلة القيام بأي أعمال تؤدي إلى تغييرات دائمة في الأراضي المحتلة، إلا إذا كانت هذه الأعمال تقتضيها ضرورة عسكرية أو تستهدف تحسين حال السكّان المحليين.

 

الظروف الاقتصادية والإنسانية في غزة تعاني من تدهور شديد نتيجة للحصار، مما يقلل من إمكانية الوصول إلى الموارد والخدمات الأساسية. تأثير الحصار يمتد ليشمل تدهور البنية التحتية، مثل؛ الطاقة، والمياه، والرعاية الصحية، مما يجعل الحياة اليومية في غزة صعبة للغاية.

 

بموجب القانون الإنساني الدولي، تكون قوة الاحتلال مسؤولة عن توفير الضروريات الأساسية للسكان المدنيين. المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة تُلزم القوة المحتلة بضمان الغذاء والماء والرعاية الصحية، واحترام حقوق المدنيين.

 

في ضوء هذه الالتزامات القانونية، فإن استمرار الحصار والعمليات العسكرية، يثير تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل، كقوة احتلال، بمسؤولياتها القانونية، وهو ما تسعى منظمات حقوق الإنسان إلى تقييمه باستمرار.

 

في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن موقفه بأن عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول لم تأتِ من فراغ، مشيرًا إلى أن هذه العملية ليست منعزلة عن السياق السياسي والإنساني المعقد الذي تعيشه غزة والضفة الغربية والقدس، ما يعني أن الاحتلال هو سبب كل الكوارث الإنسانية، بما فيها رد فعل الاحتلال المفرط على عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والآثار الإنسانية الكارثية بعد مرور أكثر من 467 يومًا من الحرب على غزة.

 

هذا الوضع أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، حيث شهدت غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة، مما يجعل التدخل الدولي وضرورة وقف الحرب أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

وكما أن مصداقية العالم المتحضر ومقاصد الأمم المتحدة باتت على المحك، فقد أصبحت الهدنة مطلبًا حضاريًا أكثر منها مطلبًا سياسيًا أو إستراتيجيًا. فالهدنة الآن ليست مجرد وقف للقتال، بل هي استجابة لنداءات الإنسانية، واختبار للقيم الحضارية التي يدعي العالم التمسك بها.

 

كيف جرى التوصل لوقف إطلاق النار الآن؟

إن وقف إطلاق النار في غزة تطلّب مفاوضاتٍ معقدة وشاملة بين الأطراف المتحاربة، حيث تكون هناك حاجة دائمة لوساطةٍ دولية لتسهيل الاتفاق. الوقف الذي جرى في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 بين إسرائيل وحركة حماس بوساطةٍ قطرية ومصرية، يُعتبر مثالًا على ذلك، حيث شمل تبادل الأسرى والمحتجزين، وإدخال مساعداتٍ إنسانية إلى غزة، معتمدًا على توافق الأطراف على شروطٍ محددة وضماناتٍ لتنفيذ الهدنة.

 

تشمل هذه الضمانات تحديد الفترة الزمنية للهدنة ومراقبةً دولية تستخدم تكنولوجيا متقدمة مثل الأقمار الصناعية وكاميرات المراقبة؛ لضمان عدم الانتهاكات. هذا الوقف أصبح ممكنًا بعد أن كان عسيرًا في الماضي؛ بسبب عدة عوامل، منها زيادةُ الضغط الدولي بسبب الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وتدهور الوضع الإنساني في غزة، وتغييرٌ في الإرادة السياسية، وتطوراتٌ إقليمية ودولية.

 

كما لعب تهديد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بتحويل المنطقة إلى "جحيم" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقٍ دورًا كبيرًا في دفع الأطراف نحو الهدنة، مما جعل من الوقف الآن أمرًا ضروريًا ومقبولًا من جميع الجوانب.

 

القيمة القانونية لإيداع اتفاق الهدنة لدى الأمم المتحدة

يمكن للأطراف المتفقة على هدنةٍ، بما فيها حركة حماس كحركةِ تحررٍ وطنيٍ بحسب تقييم القانون الدولي، أن تودع الوثائق لدى الأمم المتحدة، مما يمنحها طابعًا دوليًا رسميًا ويضفي عليها قوةً قانونيةً إضافية. وفقًا للمادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة، يتعين تسجيل أي اتفاقٍ دولي يتم إبرامه بين الدول الأعضاء لدى الأمم المتحدة، وبمجرد تسجيله، يصبح الاتفاق جزءًا من السجل الدولي الذي يمكن الرجوع إليه قانونيًا في حالة النزاعات أو الانتهاكات.

 

مثالٌ على ذلك، قرار مجلس الأمن رقم 1701 الصادر في عام 2006، الذي أعقب الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، حيث تم إيداعه لدى الأمم المتحدة، مما أدى إلى إنشاء قوةِ الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) لمراقبة التزامِ الهدنة والانسحابِ الإسرائيلي من جنوب لبنان، واستمرار الهدنة حتى سبتمبر/ أيلول 2024.

إيداع الاتفاق يضمن الشفافية ويزيد من الزخم الدولي لدعمه، حيث يصبح خاضعًا للإجراءات القانونية التي تنظم العلاقات بين الدول. بالإضافة إلى ذلك، يعزز الإيداع من إمكانية مراقبة الالتزام بالاتفاق عبر الأمم المتحدة، ما يمنح الأطراف الضامنة والوسطاء الدوليين أدواتٍ قويةً لضمان تنفيذ بنود الاتفاق.

في حالة حركة حماس، يمكن أن يساعد هذا الإطار القانوني في تعزيز الالتزام بالهدنة وحماية حقوق المدنيين، معتمدًا على الالتزام بمبادئ القانون الإنساني الدولي، كما حدث في محاولات الوحدة الفلسطينية بعد انتخابات 2006.

ومن الناحية العملية، فإن إيداع الاتفاق يمنح الأمم المتحدة الحق في متابعة تنفيذ الاتفاق وإعداد تقاريرَ دوريةٍ حول مدى الالتزام به. كما يمكن أن تستخدم الأمم المتحدة هذا الإطار القانوني للضغط على الأطراف للامتثال من خلال اللجان المتخصصة أو من خلال قرارات مجلس الأمن، مما يجعل الاتفاق أكثرَ استقرارًا وفاعلية.

 

ومع ذلك، فإن نجاح هذا الإجراء يعتمد على عدة عوامل، منها إرادةُ الأطراف المتنازعة، وفاعليةُ الدور الأممي في المراقبة، والتزامُ المجتمع الدولي بدعم الاتفاق. ليس كل اتفاقٍ يصل إلى هذه المرحلة بسهولة، حيث تتطلب العملية أحيانًا مفاوضاتٍ مطولةً وتوافقًا شاملًا لضمان القبول الدولي. وفي سياق غزة، يمكن أن يكون هناك تحدياتٌ إضافية؛ بسبب عدم الاعتراف الدولي بحركة حماس كدولة، لكن تسجيل الاتفاقات يمكن أن يكون خطوةً نحو تعزيز التزامهما بالمبادئ القانونية الدولية.

 

إن الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإنشاء حكومة وحدةٍ وطنيةٍ فلسطينية قد يعالج مشكلة إيداع الاتفاق لدى الأمم المتحدة، ولكن حتى ذلك الوقت، يمكن لحركات التحرر الوطني أن تودع الاتفاقات لتعزيز التزامها بالمبادئ القانونية الدولية.

 

الهدنة في إطار الصراع العربي الإسرائيلي

الهدنة، من الناحية القانونية، لا تؤسس بذاتها لوقف إطلاق نار مستدام، خصوصًا في سياق الصراع العربي الإسرائيلي الذي يتسم بتعقيداته التاريخية والسياسية المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.

 

تُعد الهدنة إجراءً مؤقتًا يهدف إلى وقف الأعمال العدائية وتهيئة بيئة تفاوضية لمعالجة القضايا الجوهرية، مثل؛ إنهاء الاحتلال، وضمان السيادة الفلسطينية في إطار حدود الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس كعاصمة لدولة فلسطين، واحترام حقوق المدنيين. ورغم أن الهدنة قد تمثل خطوة أولى نحو تحقيق الاستقرار، فإن نجاحها يعتمد بشكل كبير على وجود إرادة سياسية قوية ودعم دولي حاسم.

وعلى سبيل المثال، أثبتت التجارب السابقة، كما في حالة اتفاق دايتون الذي أنهى حرب البوسنة والهرسك، أن الهدنة قد تكون نقطة انطلاق نحو سلام دائم. ومع ذلك، يواجه الصراع العربي الإسرائيلي تحديات إضافية؛ بسبب تعقيداته المرتبطة بالحدود، والسيادة، وحقوق اللاجئين.

 

كما تتيح الهدنة فرصة لتحليل الأسباب الجذرية للصراع، مثل؛ السيطرة على الموارد، وانتهاك حقوق الفلسطينيين، وقضية اللاجئين، وهو ما يحتاج إلى معالجة شاملة لضمان إدراجها في أي مفاوضات مستقبلية.

 

يبقى دور المجتمع الدولي محوريًا في ضمان تنفيذ الهدنة، ومراقبة التزام الأطراف المعنية، لا سيما إسرائيل كدولة احتلال، بالقوانين الدولية ذات الصلة.

 

في هذا السياق، يمكن أن تمثل الهدنة أساسًا لإجراء محادثات أعمق واستكشاف حلول دائمة لأسباب الصراع، لكنها تظل مجرد خطوة مبدئية ما لم تصاحبها جهود حقيقية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني بما يتماشى مع القانون الدولي.

 

_________________

* أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

المصدر: محمود الحنفي، القيمة القانونية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الجزيرة نت، 18 يناير 2025، https://bit.ly/3WrMQih

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "مشكلتان وقراءة فيهما"، من خلال المعهد العالمي للفكر الإسلامي ضمن سلسلة "إسلامية المعرفة" الكتاب رقم (9)، عام 1413ه/ 1992م، حيث تضمن الكتاب مقدمة للمستشار طارق البشري· كان قد قدم بها لتقرير "الأمة في عام" (1991م) والتي يصدرها سنويًا مركز الحضارة للدراسات السياسية (مركز الحضارة للدراسات والبحوث فيما بعد)، تضمنت تحليلا لمشكلتين أو أزمتين، أزمة "نظام الحكم"، و"كارثة الخليج" المتمثلة في الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس عام 1990م، فقرر د. طه جابر العلواني·· أن ينشر تلك المقدمة في صورة مقالة مع قراءة له فيما تضمنته تلك المقالة من تحليل عميق لهاتين المشكلتين، تحت العنوان المذكور، "مشكلتان وقراءة فيهما".

ومما جاء في تقديم د. العلواني لهذا الكتاب:

وقد دار التحليل حول مشكلتين: "مشكلة الحكم" أو "الجماعة السياسية ومشكلة الحكم"، ومشكلة أو كارثة «الخليج»، وأثر كل منهما في سير الأحداث في ذلك العام في قطر من أهم أقطارنا العربية المسلمة الذي اتخذ موضوعًا للدراسة ألا وهو مصر.

ومع أن المعهد قد اختط لنفسه سياسة استراتيجية ثابتة لا حيدة عنها تتلخص في الإنصراف التام إلى القضايا الفكرية والمنهجية والثقافية، وتعتبر "المشكلتان" عند النظرة الأولى في آخر ما يندرج تحت قضاياه لكن المعالجة المتأنية الحكيمة التي عالج المستشار طارق بها "المشكلتان" جعلت منها معالجة ذات إطار فكري ومنهجي حملنا على أن نحرص على تقديمها نموذجًا لأساليب التناول المتميزة للقضايا الساخنة المشكلة، فالمقدمة أو المقالة تصلح أن تكون منهجًا للباحثين في تناول مثل هذه القضايا، فهي مقالة رصينة جادة تولت معالجة "مشكلتين" من أبرز المشاكل التي انعكست عليها أزمة أمتنا الفكرية المعاصرة، مشكلة "نظام الحكم" و "كارثة الخليج". ولقد بحث المستشار طارق - وفقه الله ونفع به – "المشكلتين"، كما سماهما بحيث جعل منهما نموذجين لأبرز المشاكل التي تبدو الأزمة الفكرية المعاصرة لأمتنا فيها بوضوح، ويبدو في كل منهما ارتباطها بالجذور التاريخية لأزمتنا الفكرية، وارتباط كثير من الأزمات والمشكلات المعاصرة بشبكة من القضايا المتعددة التي يصعب فهمها من غير ربط كل منها بالقضايا المتصلة بها، كما جعل من الظرف أو الزمن (الذي حدده ظرفًا للنظر في المشكلتين وانعكاساتهما فيه) إطارًا زمنيًا يصلح أن يتخذ عينة الدراسة تاريخنا المعاصر على مدى القرنين الأخيرين. كما تناول "الكارثة الخليجية الثانية" التي سماها بالمشكلة الثانية باعتبارها حدثاً مدرسيًا يصلح أن يقدم مثالاً لطلبة العلوم السياسية للدراسة والتحليل المعرفة كيفية تشابك القضايا، وتضارب العلاقات، وقد ربط بالمشكلتين مجموعة من القضايا تكاد تجعل منهما قضيتين تطويان جناحيهما على كم هائل من القضايا الأخرى.

وقد تناول المستشار طارق ذلك - كله - بعقلية ناقدة بصيرة أتيح لها من التجارب والخبرات ما جعلها قادرة على أن تقول في كل منهما قولاً سديدًا يجمع بين الفكر الناقد البصير، والخبرة التاريخية والموازين القانونية الدقيقة. والمستشار طارق هو من الشهود على قرننا هذا فقد خبر يساره ويمينه ووسطه وأطرافه، وتتبع قضاياه وشارك في صياغة بعض طروحاته، فإذا تناول هاتين القضيتين، وفي هذا الإطار فإنه تناول نموذجي يسعد المعهد أن ينشره ويروّج له وللحقيقة أقول: ما رأيت فيما اطلعت عليه من أقوال كثيرة في كارثة الخليج الثانية جاوز ما تجمع منها سبعين مجلدًا لحد الآن -كلمة أوجز وأدق - مع شمول واستيعاب ونصفة مثل هذه الكلمات الوجيزة التي كتبها المستشار طارق في هذه الكارثة.

إن هذه المقالة ستساعد - ولا شك - في إنماء روح المراجعة لدى سائر الأطراف، وعزل المثيرات والمضاعفات التي أحاطت بالأحداث -في حينها-ـ وساعدت على تغبيش الرؤية لدى الكثيرين.

كما أن المقالة لفتت النظر بأسلوب الحكيم السهل الممتنع إلى المواقف المبدئية المتنوعة التي إن لوحظت - مجردة - بعيدًا عن المثيرات والأعراض الجانبية فإنها ستساعد في جعل أسباب الخلاف مفهومة أو قابلة للفهم وتلك خطوة هامة في الاتجاه السليم.

ولذلك فقد سارعت إلى الحديث إليه واقترحت أن تطور المقدمة إلى مقالة مستقلة يتولى المعهد نشرها في هذا الإطار إطار الدراسة النموذجية لمشكلات خطيرة كهذه - وربط هذه المشاكل بالأزمة الفكرية. المعاصرة.

 

محتويات الكتاب:

المقدمة

  • الأزمة الفكرية
  • قضايا الأزمة وجذورها التاريخية
  • مدرسة المعهد وتناول الأزمة
  • مشكلتان نموذج مدرسي

مشكلتان

  • نظام الحكم
  • الفشل في تحقيق الوحدة
  • الاختلاف حول المفاهيم وآثاره
  • افتقاد مناخ الحوار
  • الفصام في الشرعية الحزبية
  • إمكانات ومقومات التصحيح

كارثة الخليج

أولاً: بالنسبة الإمارات الخليج

ثانيًا: بالنسبة للأوضاع العربية

ثالثًا: بالنسبة للجيوش العربية

رابعًا بالنسبة للقوى السياسية العربية

خامسًا: بالنسبة للوجود الأجنبي

قراءة في "مشكلتان"

  • انعطاف نحو انعكاسات الأزمة الفكرية المعاصرة
  • العقيدة قاعدة الفكر المتينة
  • تحديات الأزمة الفكرية قبل كارثة الخليج
  • المشكلة الثانية
  • الصحوة وحقيقتها
  • بين الماضوية والتجديد
  • قصور البرامج الثقافية
  • الشعوب والكارثة الثانية
  • انهيار مفهوم الأمة
  • الفئات العلمانية
  • فشل منطلقات التغريب الانمائية
  • ضرورة المشروع الحضاري الواحد
  • الإسلاميون والفصائل الأخرى
  • الإسلاميون والمشروع الحضاري
  • الإسلاميون والأزمة الفكرية
  • مفهوم الأمة
  • تفرق الأمة
  • الأمة والانحراف السياسي
  • تأصيل الانحراف
  • الشرق والشرقيون في نظر الأفغاني
  • فشل مشاريع الإصلاح
  • همسة أخيرة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


* المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري (1 نوفمبر 1933م - 26 فبراير 2021م): هو مفكر ومؤرخ وفقيه وأحد أبرز القانونين المصريين في العصر الحديث. شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري ورئيسًا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عدة سنوات، وترك ذخيرة من الفتاوى والآراء الاستشارية التي تميزت بالعمق والتحليل والتأصيل القانوني الرصين، كما تميزت بإحكام الصياغة القانونية، وما زالت تلك الفتاوى حتى الآن تمثل مرجعًا لكل من الإدارة والقضاة والمشتغلين بالقانون بشكل عام على تفهم الموضوعات المعروضة عليهم، كما ترك العديد من المؤلفات والدراسات والمقالات القيمة.

** طه جابر العلواني (1935 – 2016م)، هو مفكر وفقيه إسلامي عراقي. كان رئيس المجلس الفقهي بأمريكا، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بهرندن، فرجنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. حصل على الدكتوراة في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر في القاهرة، مصر، عام 1973م. كان أستاذاً في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، المملكة العربية السعودية منذ عام 1975 حتى 1985. في عام 1981 شارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة، كما كان عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة. هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1983. وكان رئيس جامعة قرطبة الإسلامية في الولايات المتحدة.

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الرسالة الرمزية في أصول الفقه" للدكتور عادل فاخوري·، في عام 1978، ثم صدرت الطبعة الثانية عن دار الطليعة للطباعة والنشر ببيروت عام 1990م، وهي الطبعة التي ننشرها رفق هذا التقديم.

ومما جاء في مدخل هذا الكتاب:

"حيث المجتمع ثمة شرع"، قبائل عرفت شرع حمورابي، والإغريق أقاموا الألواح الاثني عشر، والرومان اتبعوا قوانين يوستنيانوس، وليس من أمة عبر التاريخ لم تسنّن قانونًا أو تنتهج عرفًا، لكن المجتمع الإسلامي امتاز عن سائر الأمم بأنه أول من وضع منطقًا للشرع تحت اسم "أصول الفقه".

فعلم الأصول هذا، لكونه نشأ على تربة إسلامية، واعتبر بالتالي في خدمة عقيدة مغايرة لعقيدة الغرب، لم ينقل في القرون الوسطى أو بعدها مع سائر العلوم التي ترجمت إلى اللغات الأجنبية، لذلك فالحضارة الغربية التي لحقت بالحضارة العربية تأخرت حتى القرن العشرين في وضع الأسس المنطقية للحقوق والأخلاق.

وعلم أصول الفقه، وإن كان من حيث نشأته متعلقاً بالفقه الإسلامي وبالتالي بأحداث تاريخية عينية، فهو من حيث كنهه علم كلي مجرد لا يمت بصلة إلى دين أو مجتمع بصلة ذاتية، بل إنه يصلح لأن يكون قالبًا لكل شرع وخلق، وبقول آخر إن علم الأصول خلاقًا لما ذهب إليه نظار العرب ومن بينهم ابن خلدون، هو من العلوم العقلية وليس من العلوم النقلية، بل هو بين العلوم الشرعية في أعلى درجات التجريد، ومن هنا شموليته وشرف مرتبته اللذان نوّه بهما القدماء.

حول هذه النقطة يدور البحث في هذا الكتاب، ولن يكون البحث مجرد عرض تقليدي لموضوعات الأصول ولا دراسة تاريخية لنشأته وتطوره، ولا أيضًا مقارنة بين المذاهب المختلفة، بل أن استخرج التبر من التراب، فأقيم انطلاقًا من الأصول منطقًا حديثًا للحقوق والأخلاق، وحذوي في ذلك حذو من أراد أن يبني بناءً جديدًا على طراز عربي قديم.

 

ومما جاء في خاتمة الكتاب:

إن لم يكن هذا البحث قد استوفى كل الموضوعات التي يشتمل عليها أصول الفقه، فهو على الأقل حاول إرساخ القواعد الثابتة التي يُبنى عليها هذا العلم، وعلى الرغم من الثراء الذي أصاب علم الأصول عبر تطوره التاريخي في الحضارة الإسلامية كان لابد من العودة إلى البدء والانطلاق من جديد، كما انطلقت "رسالة" الشافعي من مفاهيم ومبادئ أساسية، إنما على طرق أكثر دقة وإحكامًا.

تبقى ولا شك كثير من المسائل التراثية العميقة التي يمكن بل يجب استيعابها في الأصول الحديثة، ولكن بسبب تعقيدها وتشعب مادتها ما زالت تفتقر إلى سبر وتحليل وتأسيس كي تبلغ مرتبة العلوم اليقينية.

 

محتويات الكتاب:

  1. المدخل.
  2. بنية الأصول.
  3. مفاهيم أولية في المنطق.
  4. الفعل والترك.
  5. الأمر والنهي.

5,1 تحديد الأمر والنهي.

5,2 لواحق الأمر.

  1. منطق الجهات الشرعية.

6,1 الجهات الشرعية ونشأتها.

6,2 التساوق بين الجهات المعيارية والجهات العقلية.

6,3 تعريف الجهات الأساسية.

6,4 رد الجهات إلى الأمر.

6,5 مسألة: ما يلزم عن الواجب، هل يوصف بالوجوب؟

6,6 مسائل أخرى.

6,7 العنتية الأخلاقية وإشكال الكعبي.

6,8 تكرار الجهات والبنية المراتبية.

6,9 المندوب والمكروه.

6,10 الحسن والقبيح.

6,11 النسق المعلق بأسباب.

6,12 النظرية الجزائية للمعايير.

6,13 تأسيس المعايير.

  1. عدم تكليف ما لا يطاق.
  2. قياس التمثيل.
  3. خاتمة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


  • عادل فاخوري (1939م – 2017م) فيلسوف وشاعر ولسانيٌّ لبناني، يعتبر من أفضل الباحثين في علم المنطق الرياضي، ومن أبرز المطبّقين لعلم المنطق الرياضي على الّلغة، كونه كان يهتم باللسانيات. كما كان على معرفة واطّلاع دائم بكل ما يحصل في التقنيات الرقمية وربط ذلك بالذّكاء الاصطناعي، وله العديد من المؤلفات القيمة مثل: أفكّر إذن أنا كمبيوتر، المنطق الرياضي، منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث، الرسالة الرمزيّة في أصول الفقه، تيّارات في السيمياء، علم الدلالة عند العرب، ومحاضرات في فلسفة اللغة.

 

صدرت الطبعة الثامنة عشر من كتاب "الإسلام عقيدة وشريعة" للشيخ محمود شلتوت· عن دار الشروق بالقاهرة عام 2001م، ويعد هذا الكتاب من الكتب المهمة التي تناولت العقيدة والشريعة الإسلامية بشكل شامل ومفصل، وكانت قد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1959م.

ويُعد كتاب الإسلام عقيدة وشريعة من الكتب القيمة التي تناولت الإسلام من شعبتيه الأساسيتين: العقيدة: وهي الجانب النظري الذي يطلب الإيمان به أولًا وقبل كل شيء- إيمانًا لا يحمل إليه إكراه ولا يرقى إليه شك ولا تؤثر فيه شبهة، والشريعة: وهي النظم التي شرعها الله أو شرع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربه وعلاقته بأخيه المسلم وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بالكون وعلاقته بالحياة.

ومن يقرأ الكتاب سرعان ما يتضح له أن العقيدة إنما هما وجهان متعانقان ومتكاملان، فالعقيدة أصل تُبنى عليه الشريعة، والشريعة أثر تستتبعه العقيدة، ومن ثم فلا وجود للشريعة في الإسلام إلا بوجود العقيدة هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه يمكن القول بأنه لا ازدهار للشريعة إلا في ظل العقيدة؛ ذلك أن الشريعة بدون العقيدة علو ليس له أساس.

ومن خلال موضوعات الكتاب ناقش الشيخ شلتوت العقائد الأساسية في الإسلام وطرق ثبوت العقيدة، ثم العبادات ونظام الأسرة بدءا من تكوينها وتأسيسها والحفاظ عليها وصولًا إلى الطلاق ومرورًا على التعدد وتنظيم النسل والمواريث، ثم انتقل الشيخ إلى مناقشة العقوبات؛ حيث بيَّن هدف الشريعة من تقرير العقوبة ونصوص القصاص فيما دون النفس والمسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية، انتقالًا إلى مصادر الشريعة من القرآن والسنة وأسباب اختلاف الأئمة في فقه القرآن والسنة، وغيرها من الموضوعات.

 

محتويات الكتاب:

تمهيد:

القسم الأول: العقيدة

الباب الأول: العقائد الأساسية في الإسلام.

الباب الثاني: طريق ثبوت العقيدة.

القسم الثاني: الشريعة

الباب الأول: العبادات.

الباب الثاني: نظام الأسرة والمواريث.

الفصل الأول: الأسرة تكوينها والمحافظة عليها.

الفصل الثاني: تعدد الزوجات.

الفصل الثالث: تنظيم النسل.

الفصل الرابع: المرأة في نظر الإسلام.

الفصل الخامس: المواريث.

الباب الثالث: الأموال والمبادلات.

الباب الرابع: العقوبات.

الفصل الأول: مسلك الشريعة وهدفها في تقرير العقوبات.

الفصل الثاني: جريمة القتل في الإسلام والشرائع الأخرى.

الفصل الثالث: حكم القرآن والسنة في القتل والقصاص.

الباب الخامس: المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية.

الباب السادس: الأمة في الإسلامي.

الفصل الأول: أسس الدولة في الإسلام.

الفصل الثاني: العلاقات الدولية في الإسلام.

خاتمة: الأخلاق في الإسلام.

القسم الثالث: مصادر الشريعة

الباب الأول: القرآن.

الباب الثاني: السنة.

الباب الثالث: أسباب اختلاف الأئمة في الفقه القرآن والسنة.

الباب الرابع: الرأي والنظر.

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


  • الشيخ محمود شلتوت (1893م - 1963م)، عالم إسلامي مصري وشيخ الجامع الأزهر في الفترة (1958م - 1963م)، نال إجازة العالمية سنة 1918م، وعُيّن مدرسًا بالمعاهد الدينية ثمّ بالقسم العالي ثمّ مدرسًا بأقسام التخصص، ثمّ وكيلًا لكلية الشريعة، ثمّ عضوًا في جماعة كبار العلماء، ثمّ شيخًا للأزهر عام 1958م، وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية عام 1946م، وكان أول حامل للقب الإمام الأكبر. من مؤلفاته: فقه القرآن والسنة، مقارنة المذاهب، القرآن والقتال، منهج القرآن في بناء المجتمع، رسالة المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية، تنظيم العلاقات الدولية الإسلامية، من توجيهات الإسلام، الفتاوى، وتفسير القرآن الكريم (الأجزاء العشرة الأولى).

هو فضيلة الشيخ العلَّامة الأصولي الفقيه الشيخ محمد عبد اللطيف موسى السبكي الحنبلي (1314 - 1389هـ / 1896 - 1969م)، وُلِد في 5 من ربيع الآخر 1314هـ/ 18 سبتمبر عام 1896م، بقرية (سبك الضحاك) بمركز الباجور بمحافظة المنوفيَّة، ومنها جاء نسبته (السبكي) إلى اسم القرية، وكان آخر من تولى منصب شيخ مذهب الحنابلة بالأزهر الشريف.

نشأ الشيخ الجليل في قريته، وقد أضفت عليه نشأته الريفيَّة حالًا من التأمل والصفاء والنقاء، فحفظ القرآن الكريم في صغره، وشب محبًّا للعلم، شغوفًا بالقراءة والتحصيل.

والتحق بالأزهر الشريف، حتى حصل على شهادة العالميَّة سنة 1342هـ / 1923م، فعُيِّنَ مدرسًا بمعهد الزقازيق في بداية الدراسة به سنة 1925م، واختير حينئذٍ لتدريس ما عُرف آنذاك بالعلوم الحديثة، وهي الحساب، والجبر، والهندسة، فأظهر اقتدارًا في غير تخصصه، كما درَّس مادة التاريخ.

وحينما أُنشئت الجامعة الأزهريَّة عام 1349هـ / 1930م اختاره الشيخ الظواهري ليكون أستاذًا في كليَّة الشريعة سنة 1935م، وفي العام نفسه عُيِّن عضوًا في لجنة الفتوى بالأزهر، ثم اختاره شيخ الأزهر الشيخ المراغي رئيسًا لها لخمس سنوات أو يزيد، وقد اتسع نشاط اللجنة في عهده وأصبحت تتلقى الفتاوى وترد عليها، ثم اختير مفتشًا عامًّا للعلوم الدينيَّة والعربيَّة بالأزهر سنة 1947م، وفي عام 1951م عاد إلى منصبه أستاذًا في كليَّة الشريعة، ثم شيخًا لها لمدة خمس سنوات، وظلَّ يعمل في الكليَّة حتى بلغ سن التقاعد للمعاش عام 1959م.

عُين الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي عضوًا بهيئة كبار العلماء ضمن ثمانية علماء، هم: الشيخ عبد الله غسان موسى، والشيخ محمد عبد الله يوسف الجهني، والشيخ رزق محمد الزلباني، والشيخ عبد القادر خليف، والشيخ صالح موسى حسن شرف، والشيخ محمد علي السايس، والشيخ الطيب حسن حسين النجار، وذلك وفقًا للأمر الملكي رقم (35) الصادر في 20 من شعبان عام 1371هـ / الموافق 14 مايو لسنه 1952م.

كما اختير عضوًا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلاميَّة، وعضوًا في جماعة نشر الثقافة بالأزهر، وتولى مدير تحرير مجلة الأزهر، كما كان رئيسًا للجنة إحياء التراث الإسلامي، ولجنة التعريف بالإسلام، وعضوًا بلجنتي الخبراء وموسوعة عبد الناصر للفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلاميَّة سنة 1963م.

شغل الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي (مثل أبرز معاصريه من طبقة الشيخ محمود شلتوت ١٨٩٣- ١٩٦٣ والشيخ محمد محمد المدني ١٩٠٧- ١٩٦٨ والدكتور محمد يوسف موسى ١٨٩٩- ١٩٦٣) بالحديث عن الجوانب الفلسفية والعقلانية في التشريع الإسلامي، وشملت مؤلفاته مجالات عدة، مثل: الدراسات القرآنيَّة، والفقه الإسلامي، والسيرة النبويَّة، وغير ذلك من المجالات، ومن مؤلفاته:

1- في رياض القرآن: وقد اشتمل هذا الكتاب على بحوث علميَّة تتعلق بعلوم القرآن، وعرض نماذج من رياض القرآن، كالبدء بالتسمية في القرآن وغيره.

2- نفحات القرآن: (ثلاثة أجزاء)، وهو عبارة عن تفسير لآياتٍ من الذكر الحكيم تتعلق بمقامات الأخلاق والاجتماع وقضايا المجتمع.

3- بحوث في ترجمة القرآن الكريم: بالاشتراك مع الشيخ عيسى منون.

4- تاريخ التشريع الإسلامي: بالاشتراك مع الشيخ محمد علي السايس، والشيخ محمد يوسف البربري، وقد اشتمل هذا الكتاب على تاريخ التشريع الإسلامي من حيث نشأته وتطوره ومصادره ومذاهبه ومزاياه ومقاصده، وجهود الأولين في بيان أسرار الشريعة والبحث في أحكامها، ثم بيان أخبار الفقهاء والمجتهدين، والحديث عن الحياة العلميَّة لعلماء وعظماء الإسلام ومدارسهم العلميَّة، وكيف كانوا رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

5 ــ تشخيص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في المسرح وعلى شاشة السينما: بالاشتراك مع الشيخ طه محمد الساكت، والشيخ حافظ محمد الليثي، والشيخ عبد الكريم جاويش.

6 ــ في ظلال الكعبة: وقد اشتمل هذا الكتاب على الحديث عن الكعبة من جانبين:

الأول: وهو الجانب التاريخي؛ حيث ذكر فيه المؤلف عدد المرات التي جُدِّد فيها بناء الكعبة، ورجح أنها تسع مرات، واعتمد في هذا الجانب على السرد التاريخي الموجز المختصر دون تطويل أو إطناب.

والثاني: الجانب التشريعي للكعبة؛ حيث ذكر فيه المؤلف الأحكام التشريعية المتعلقة بها، دون التعرض لاختلافات الفقهاء والعلماء، بأسلوب مختصر دون إسهاب.

7 ــ التوثيق في المعاملات بين الشريعة والقانون: وقد جاءت صفحات هذا الكتاب مشتملة على بحوث فقهيَّة مهمة، تجمع بين وجهة نظر الشريعة والقانون في المعاملات الماليَّة؛ لبيان أنَّ الشريعة صالحة لكلِّ زمان ومكان، وأنَّها أقوى اتصالًا بحياة وواقع الناس، وهذا الكتاب لم يطرح رأي الحنابلة فقط، بل تطرق إلى عرض آراء المذاهب الفقهيَّة الأخرى؛ لإبراز يسر الشريعة ومرونتها.

8 - رسالة في أصول الفقه عند الحنابلة: وقد حوت تلك الرسالة الماتعة مباحث عدة في علم أصول الفقه عند الحنابلة، وقدَّم لها فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، ومفتي جمهورية مصر العربيَّة سابقًا.

9 ــ مذكرات في التاريخ: وهذا الكتاب يشتمل على تاريخ الدولة العثمانية، وتاريخ مصر في عهد العثمانيين، ثم حكم محمد علي باشا لمصر، وما تبع ذلك من إصلاحات وتحديث للدولة المصريَّة في عهد محمد علي، إلى أن تولى الحكم من بعده أولاده، وقد انتهى الكتاب بعهد إسماعيل باشا.

10- التعاون في الإسلام: بالاشتراك مع الشيخ طه محمد الساكت والشيخ عبد الكريم جاويش، وقد جاءت صفحات هذا الكتاب معبرة عن التعاون في نشأته وتطوره وضروبه وأصنافه؛ من حيث التعاون الاجتماعي، والتعاون بين الراعي والرعيَّة، والتعاون في الرأي الذي يعد مظهرًا من مظاهر اتحاد الأمَّة، وسببًا من أسباب مجدها ورقيها، كذلك التعاون في أوقات الحرب لمجابهة ومقاومة العدو وهزيمته والقضاء عليه؛ للحفاظ على أمتنا مرفوعة هامتها، عزيزة بأفرادها وقادتها.

11- الهجرة النبويَّة بين أسبابها ونتائجها: وقد اشتمل هذا الكتاب على عرض مختصر للهجرة النبوية، مبينًا أسبابها ونتائجها، حيث تعرض المؤلف في كتابه لمعنى الهجرة، ثم هجرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم بيَّن الأسباب الحتميَّة التي أدت للهجرة من اضطهاد المسلمين المستضعفين، وإيذاء النبي، والوقوف ضد دعوته، وكيفيَّة وقوع الهجرة، وما كان في ذلك من تخطيط وأخذ بالأسباب، وما ترتب على ذلك من تمام الهجرة، وانتصار الحق، وقيام دولة الإسلام، ثم ختم المؤلف كتابه ببيان حكم الهجرة في سبيل الله تعالى.

12- الوحي إلى الرسول محمد ﷺ: وقد اشتمل هذا الكتاب على الإرهاصات والأمارات التي منَّ الله بها على الأنبياء والمرسلين قبل النبوة والرسالة، ثم الحديث تفصيلًا عن الإرهاصات والأمارات التي كانت قبل مبعث سيدنا محمد ﷺ، وما تبع ذلك من نزول الوحي على سيدنا رسول الله ﷺ، وكيف كانت صور ذلك الوحي، ثم بيان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعصمته ﷺ، وشواهد ذلك، ثم بحوث علمية تتعلق بالقرآن والسنة النبوية، ويقع هذا الكتاب في (199صفحة) من القطع المتوسط.

13 ـ كتاب المطالعة للمعاهد الدينيَّة: بالاشتراك مع الشيخ أبو الوفاء المراغي، والدكتور محمود رزق سليم، وقد جاءت موضوعات هذا الكتاب مشتملة على الأدب واللغة والتاريخ والاجتماع الإنساني، وآداب الشريعة الإسلاميَّة وأسرارها وقيمها، فكانت متنوعة في المقاصد والأغراض والأساليب، وقد قررت مشيخة الأزهر الشريف تدريس هذا الكتاب على طلبة السنوات الأولى والثانية والثالثة بالمعاهد الدينيَّة في فترة الخمسينيات من القرن العشرين.

14- المختار من صحاح اللغة: بالاشتراك مع الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، فقد دعت الحاجة إلى إخراج معجم صغير يشتمل على أغلب المفردات اللغويَّة، ويكون سهلًا في عرضه وتناوله دون تقصير أو إطناب، فوقع اختيار الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي والشيخ محيي الدين عبد الحميد على «مختار الصحاح» للإمام محمد بن أبي بكر الرازي، المتوفَى سنة 666 هـ، فحققا نصه تحقيقًا دقيقًا بالرجوع إلى أصوله الخطية، وإلى أمات كتب اللغة ضبطا مفرداته ضبطًا تامًّا، وزادا عليه زيادات مهمة من المعاجم الأخرى، وميزا تلك الزيادات بعلامات مميزة، ورتبا مواد الكتاب على الحرفين الأول والثاني، وسُمِّي هذا المعجم «المختار من صحاح اللغة»، وفي هذا المعجم مادة علميَّة غزيرة يحتاجها كلُّ عالم وباحث لفهم معاني النصوص العربيَّة، وللوقوف على معاني المفردات.

ولم يتوقف نتاج الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي في حدود التأليف فقط، بل كان له باع كبير في كتابة المقالات في الصحف والمجلات، فكتب في جريدة الأهرام، ومجلة الأزهر، ومنبر الإسلام، والوعي الإسلامي، والرسالة، ولواء الإسلام، وكانت له مقالات في نقد الصحافة، تميزت بالنقد الهادف الذي لا يُجافي الحقيقة الواضحة من ناحية، كما لا ترتفع نبرته إلى حدِّ التشهير والتجريح من ناحية أخرى، كذلك كانت له الكثير من المساجلات بينه وبين الأستاذ المفكر محمود عباس العقاد رحمه الله تعالى.

ولم يتوقف النشاط العلمي والدعوي للشيخ محمد عبد اللطيف السبكي عند هذا الحد، فقد ألقى المحاضرات في الندوات والصالونات العلميَّة، وقد تميز أسلوبه في محاضراته بالثراء العلمي، والنقد البناء، ومعالجة قضايا المجتمع، ومن ذلك: محاضرته عن «الإسلام والمجتمع» التي ألقاها في المؤتمر الإسلامي بقاعة المحاضرات الكبرى بالأزهر، يوم الأربعاء 15 من ربيع الآخر 1375هـ / 30 نوفمبر 1955م، وندواته في مجلة لواء الإسلام.

كما كان الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي من أبرز علماء الأزهر اتصالًا بالصحافة المكتوبة إن لم يكن أبرزهم وقد كان يكتب في الأهرام ولواء الإسلام (لصاحبتها السيدة فاطمة حمزة) ومنبر الإسلام (التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية).

كذلك امتد نشاط الشيخ السبكي إلى الإذاعة والتليفزيون، فسجل العديد من الأحاديث واللقاءات في برامج عدة مثل: برنامج «نور على نور»، و«في رحاب الإيمان»، و«رأي الدين»، و«مع كتاب الله»، حيث سجل في هذا البرنامج عام 1965م عدة حلقات حول تفسير آيات من الذكر الحكيم.

 

وفاته

بعد رحلة حافلة بخدمة العلم والدين توفي الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي-رحمه الله- على مكتبه ببيته في القاهرة أثناء إعداده الفصل الأخير من كتابه (القدس)، يوم 12 من المحرم سنة 1389هـ/ الموافق 31 مارس سنة 1969م، عن عمر ناهز 73 عامًا، ودُفن بمسقط رأسه بمحافظة المنوفيَّة، رحمه الله رحمة واسعة، وأنزله منازل الأبرار.

 

________________
المصادر:

  1. الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي، هيئة كبار العلماء، https://bit.ly/3PM3wNS
  2. محمد الجوادي، الشيخ السبكي.. الفقيه العضوي المشتبك مع قضايا عصره، مدونات الجزيرة، 26 أغسطس 2020، https://bit.ly/40GhOWq
  3. ماهر حسن، وفاة الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي 31 مارس 1969، المصري اليوم، 31 مارس 2023، https://bit.ly/40tXPZW

صدر حديثًا –في شهر يناير 2025م- العدد المزدوج (182-183) من مجلة "المسلم المعاصر"، وهي إحدى المجلات الفكرية الإسلامية الرائدة التي تهدف إلى تعزيز الاجتهاد المعاصر في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، حيث تُعدّ مجلة "المسلم المعاصر" منبراً علميًا محكّمًا يُعنى بتقديم الأبحاث والدراسات التي تجمع بين التراث الإسلامي ومتطلبات العصر الحديث. فمنذ إصدارها الأول في عام 1974، تسعى المجلة إلى الإسهام في تطوير الفقه والفكر الإسلامي بما يستوعب التغييرات والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي المعاصر.

 

وقد جاء العدد الجديد من المجلة حافلًا بالمواضيع الغنية التي تلامس مختلف العلوم الشرعية والاجتماعية والاقتصادية، وتميز بتنوع الأبحاث التي تُلقي الضوء على قضايا معاصرة تحتاج إلى تحليل وطرح جديد وفق مقاربات إسلامية، ويتضمن العدد كلمة التحرير التي قدمها أ. د. محمد كمال إمام (رحمه الله)، حيث تناول فيها موضوع "مقاصد الشريعة الإسلامية"، مسلطًا الضوء على أهمية هذا المفهوم في ضبط الفهم الإسلامي العصري ومراحل العناية به وتوجيه الاجتهادات الشرعية نحو تلبية متطلبات الواقع، وتناول كيف تحركت المقاصد الشرعية في جميع المجالات دفاعا عن الشريعة باعتبارها الدين والعقيدة أولًا، والخصوصية والهوية ثانيًا، وأهمية الفهم الاجتماعي للنص في الرؤية المقاصدية.

 

أبحاث العلوم الشرعية:

  

ومن الأبحاث الرئيسية التي تضمنها هذا العدد بحث أ. د. أحمد علي سالم، والذي جاء تحت عنوان "حاكمية القرآن ووحدته البنائية": ويقدم هذا البحث تحليلاً لرؤية الدكتور طه العلواني في التعامل مع السنة النبوية باعتبار القرآن المصدر التأسيسي الوحيد للأحكام الشرعية، بينما السنة هي تطبيق للقرآن، كما يناقش البحث موقف العلواني من قضية نسخ الأحكام في القرآن ويدعو إلى الالتزام بالظروف والمقاصد الشرعية عند تطبيق الأحكام، ورؤيته بأن إصلاح الفكر الإسلامي يعتمد على العودة إلى القرآن كمصدر أساس للحياة والتشريع، والتي أكدت على وحدة القرآن والسنة في توجيه الأمة.

 

من جانب آخر، يبرز بحث أ. د. الحسان شهيد بعنوان "من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام": والذي يعالج مسار تطور علم الكلام منذ بداياته كصناعة علمية للعقيدة، وتطور الجدل العقدي بين الفرق الكلامية، وينتقل إلى محاولة تجديد علم الكلام في سياق معاصر، مع التركيز على تحويل العقيدة من صناعة علمية جدلية إلى مقاصد عقدية تعيد النظر في تجديد العلم وفق متطلبات العصر، موضحًا ضرورة استحضار تلك القضايا في أي محاولة لتجديد علم الكلام.

 

 

أيضًا، جاء بحث د. يوسف الإدريسي بعنوان "منهج الفقهاء في نقد الأخبار": ليناقش كيفية تعامل الفقهاء مع الأخبار النبوية بمنهج دقيق يراعي التوازن بين الجزئيات والكليات، ويبرز أهمية تقديم المعاني الكلية وتفضيل القطعي على الظني في إصدار الأحكام، ويركز على ضرورة التفريق بين صحة الحديث وحجيته عند الفقهاء، ويعالج الاختلافات الفقهية في تفسير الأحاديث، محذرًا من اتهام العلماء بالتحيز دون فهم منهجهم العلمي.

 

مناهج البحث:

يتضمن العدد كذلك أبحاثًا في مناهج البحث الإسلامي، حيث قدّم أ. د. شريف عبد الرحمن بحثًا بعنوان "اقتراب السنن - مدخل منهجي مقترح لدراسة الظواهر الاجتماعية": ويقترح هذا البحث مدخلًا منهجيًا لدراسة الظواهر الاجتماعية من منظور حضاري إسلامي، مؤكدًا على ضرورة وجود بديل إسلامي في دراسة العلوم الاجتماعية. ويعزز البحث فكرة التوافق بين التطلعات الأخلاقية للمجتمع المسلم والواقع المعرفي، مشيرًا إلى أهمية أن تسهم الجماعة البحثية المسلمة في تشكيل المعرفة الإنسانية عبر تقديم رؤى حضارية مستقلة.

 

علم الاقتصاد:

على صعيد الاقتصاد الإسلامي، قدمت د. فاطمة الزهراء دوقية بحثًا بعنوان "الاقتصاد في القرآن ومبادئه الثمانية": يستعرض البحث المبادئ العامة للاقتصاد الإسلامي في القرآن، والتي تهدف إلى تنظيم السلوك الإنساني في مجال الاقتصاد وفق قيم أخلاقية وتشريعية حاكمة. يؤكد البحث على ضرورة العمل في إطار هذه المبادئ الثمانية لتحقيق الرفاه الإنساني والعدالة الاقتصادية، معتبرًا أن تطبيق هذا النهج القرآني هو السبيل لتحقيق الحياة الطيبة والأمن الاجتماعي.

 

علم الاجتماع:

في مجال علم الاجتماع، تقدم أ. د. أماني صالح بحثًا بعنوان "المرأة والسنة النبوية: إشكاليات منهجية": يتناول البحث الإشكاليات المتعلقة بموقع المرأة في السنة النبوية، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من تلك الإشكاليات يعود إلى عدم فهم منهجي للنصوص. ويؤكد البحث على ضرورة تجديد أدوات الاجتهاد في فهم السنة وضبطها، ويخلص إلى أن الحلول تكمن في تحسين المناهج والأدوات لفهم النصوص الشرعية بعمق أكثر، وليس في النصوص نفسها.

 

قسم الحوار:

في القسم الأخير من العدد، يتناول العدد ردًا من أ. صفية الجفري على المعقبين على بحثها السابق حول موضوع "الحجاب، أسئلة الثبات والتغير"، حيث ترد فيه على ملاحظات الأساتذة الذين شاركوا في النقاش حول هذا البحث، وتوضح فيها الإشكاليات التي تضمنها التعقيبان الفقهي والمعرفي على البحث.

 

من تراثنا المعاصر:

واختتم العدد أبحاثه ببحث عن "محمد فريد وجدي"، وكتابه المعنون "المدنية والإسلام" والذي طبع أول مرة عام 1898م تحت عنوان (تطبيق الديانة الإسلامية على النواميس المدنية)، ثم أُعيد طباعته عام 1904م، تحت عنوان (المدنية والإسلام)، ويعد من أهم أعمال المفكرين المسلمين دفاعا عن علاقة الدين بالمدنية. وستستكمل المجلة هذه الدراسة في العدد القادم منها.

صدر حديثًا كتاب بعنوان "قانون الخدمة المدنية وقانون العمل" للدكتور محمد محمد عبد اللطيف (أستاذ القانون العام بكلية الحقوق– جامعة المنصورة)، عن دار الأهرام للنشر والتوزيع في نوفمبر 2024. يقدم الكتاب دراسة مقارنة بين قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، مع التركيز على نقاط التشابه والتقاطع بينهما، ويعد هذا الكتاب هو المؤلف الأول من نوعه في هذا المجال في مصر.

 

شرع المؤلف في تأليف هذا الكتاب -حسبما صرح بنفسه- بناءً على طلب عدد من الباحثين، وخلال العمل، ظهرت أوجه تشابه كبيرة بين قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، مما دفع المؤلف إلى إعادة توجيه دراسته نحو المقارنة بينهما، وجاءت هذه الفكرة بعد الاطلاع على الأحكام القضائية والفتاوى القانونية التي تتعلق بالموضوعين، كما لعبت الدراسات البينية دورًا في تشكيل الفكرة، خاصة مع غياب مقارنة ممنهجة في الفقه القانوني المصري، على الرغم من وجودها في الأبحاث الفرنسية.

 

الدافع وراء الكتاب:

يستجيب الكتاب لمطالب البحث الأكاديمي المعني بدمج القضايا التقليدية مع المستحدثة، فرغم أن المؤلف كان قد اتجه نحو الدراسات الحديثة، إلا أن أهمية تغطية قانون الخدمة المدنية الشاملة دفعته إلى المقارنة مع قانون العمل. ويعتبر الكتاب محاولة لتسليط الضوء على أثر القانونين على حياة العاملين في القطاعين الحكومي والخاص، ويرى المؤلف أن هذا الربط بينهما يمكن أن يسهم في تطوير منظور أشمل للحياة المهنية وتنظيمها القانوني.

 

منهجية الكتاب وأسلوبه:

اعتمد المؤلف في الكتاب على منهجية أكاديمية تحليلية تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، مع تركيز خاص على الأحكام القضائية المصرية والفرنسية، ويُعد الكتاب أكاديميًا في إطاره العام، لكنه يتميز بتناول القضايا القضائية الحديثة حتى نوفمبر 2024، مما يضيف له قيمة عملية وبحثية كبيرة.

 

المصادر والمراجع:

استند المؤلف بشكل أساسي إلى الأحكام القضائية الصادرة من مصر وفرنسا. شملت هذه الأحكام المحكمة الدستورية العليا، والمحكمة الإدارية العليا، ومحكمة القضاء الإداري في مصر، وكذلك أحكام مجلس الدولة والمحاكم الإدارية في فرنسا، واستعان أيضًا بموسوعات قانونية فرنسية مثل Dalloz-LexisNexis والمجلات الفقهية المتخصصة، مما أثرى الدراسة بمعلومات حديثة.

 

الصعوبات والتحديات:

واجه المؤلف تحديًا كبيرًا في تعديل بنية الكتاب عندما تطورت الفكرة إلى مقارنة بين القانونين. كما تطلب الوصول إلى المصادر القضائية المتنوعة مجهودًا إضافيًا، خاصة من المجلات القانونية والموسوعات المتخصصة. ورغم هذه التحديات، تمكن المؤلف من تقديم دراسة متكاملة تغطي الجوانب المقارنة بين القانونين.

 

المميزات والقيمة العلمية:

أحد أبرز مميزات الكتاب هو تركيزه على الجانب القضائي وتوظيفه في إطار أكاديمي، ويعتمد المؤلف على الأحكام القضائية كمرجع رئيسي، مما يجعله أداة قيمة للباحثين الذين يسعون لفهم الجوانب التطبيقية للقوانين. بالإضافة إلى ذلك، يسهم الكتاب في إثراء مجال الدراسات المقارنة عبر تقديم رؤية جديدة تجمع بين قانوني العمل والخدمة المدنية، مما قد يفتح آفاقًا جديدة للبحث والتطوير القانوني.

 

فصول الكتاب وموضوعاته:

الكتاب مقسم إلى أجزاء متعددة تتناول العلاقة بين قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، مع دراسة مفصلة للقضايا المشتركة بين مصر وفرنسا. كما يقدم الكتاب تحليلًا للأحكام القضائية المتعلقة بالمنازعات الوظيفية وقانون العمل في كلا البلدين، مع التركيز على الجانب القضائي في كل منهما.

 

________________

المصدر: محمد عبد اللطيف، معًا في كتاب واحد: قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، حسابه على الفيسبوك، https://bit.ly/4hiTEXD

مقدمة:

لا تزال “الدولة القومية” واحدة من أهم الإشكاليات التي تواجه العالم بأسره، إذ لا تزال موضوعًا بحثيًّا يشغل الباحثين والمفكرين باختلاف انتماءاتهم وثقافاتهم وحضاراتهم. وإذا كان السياق الثقافي والتاريخي هو المحدد الرئيس للمشكلة التي تمثلها الدولة بالنسبة للباحث، فإن ذلك هو ما يفسر التباين الواسع في مناهج النظر وأشكال التناول لهذه الظاهرة. إن الناظر إلى الكتابات التي تناولت ظاهرة الدولة القومية الحديثة لا يكاد يجد اتفاقًا بين دارسيها على ماهيتها فضلًا عن مفهومها أو تعريفها وكذا وظائفها وأدوارها، ويمكن القول في هذا السياق إن دراسة “الدولة القومية” قد تنازعتها مجموعة من الاتجاهات والمداخل المتباينة والمختلفة؛ ففي دراسة الدولة كانت هناك نماذج كبرى Paradigms، وكانت هناك مدارس فكرية ومذاهب نظرية أو اتجاهات مذهبية، وكان هناك تيارات، كما كانت هناك نظريات وأطر نظرية، وكانت هناك مفاهيم عديدة، ونماذج Models متنوعة، ورؤى متعددة، ومنهجيات وأيديولوجيات وأدوات تحليلية، وقضايا جوهرية، وموضوعات فنية، ومعارك فلسفية.. وغير ذلك كثير. ومعنى ذلك أنه كانت هناك -في دراسة الدولة- تشابكات وتداخلات، كما كانت هناك تناقضات وتعقيدات. والحقيقة أن الدولة في واقعها العملي والتطبيقي لم تكن أبدًا أقل سوءًا من حال دراستها، سواء كان ذلك في تناقضاتها أو اضطراب حالتها ومشكلاتها(1).

إن الحديث عن الدولة كمفهوم دائمًا ما يُقصد به ظاهرة الدولة القومية كما تطورت في الفترة من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، وكما نظَّر لها مفكرون من قبيل مكيافيلي وبودان وهوبز وهيجل. وقد تعدَّدت وتنوَّعت تعريفات هذا المفهوم بين التيارات الفلسفية والمدارس الفكرية المختلفة، ولا يمكن القول بأن هناك اتفاقًا على تعريفها بين الدارسين، وهذا التعدُّد والتنوُّع يمكن إيجازه في اتجاهات أربعة هي الأكثر شيوعًا لفهم وتعريف الدولة الحديثة(2):

  1. الدولة باعتبارها الحكومة، أي مجموعة القيادات والأفراد الذين يتولون مواقع اتخاذ القرار وسلطاته في النظام السياسي.
  2. الدولة باعتبارها نظامًا قانونيًّا مؤسَّسيًّا أو باعتبارها بيروقراطية عامة أو جهازًا إداريًّا ينظر إليه ككل متجانس.
  3. الدولة باعتبارها الطبقة الحاكمة أو التعبير المؤسِّس عن مصالحها.
  4. الدولة باعتبارها نظامًا معياريًّا متكاملًا للقيم العامة.

ومن ثم؛ فمما لا خلاف عليه بين المفكرين والدارسين أن الدولة القومية ظاهرة ومفهوم يمكن تحديد أصولهما ومؤشرات نشوئهما. فهي من الناحية الجغرافية والتاريخية ظاهرة أوروبية تطوَّرت بين القرنين السادس عشر والعشرين. وهي من الناحية القانونية مبنية على أساس فكرة القانون بصفته أنظمة عامة لا شخصية. والدولة من الناحية التنظيمية مقترنة بالوحدة والمَرْكَزَةِ والتمايُز الوظيفي (ما يُسَمَّى بـ ”النمط القانوني – العقلاني” مع جهازه البيروقراطي وموظفي الخدمة المدنية فيه). أما من الناحية الاقتصادية، فقد جاء صعودها بوجه عام مصاحبًا لتطوُّر الرأسمالية وصعود البورجوازية، بما في ذلك الحاجة إلى توسيع السوق والسيطرة عليها، والحاجة إلى نشر عملية التسليع وتوحيدها قياسيًّا داخلها، بحيث شملت العمل البشري كذلك(3).

أمَّا عن انتقال هذه الدولة إلى العالم العربي والإسلامي فيمكن تحديده مع بزوغ القرن التاسع عشر، إذ اصطدم الفكر العربي لأول مرة بنموذج حديث للدولة والنظام السياسي قادم من أوروبا، لا عهد له به في تجربته السياسية التاريخية الخاصة، ولا في الصورة التي تكوَّنت لديه عن أوروبا طويلًا قبل ذلك الصدام العظيم الذي أطلقته حملة نابليون على مصر عقب ثورة فرنسا السياسية الكبرى. كان -أي الفكر العربي- قد تعرَّف بأوروبا في الماضي في مناسبات كثيرة مختلفة: إبان الحروب الصليبية، وفي الأندلس بعد سقوط مملكة غرناطة، وفي المغرب مع احتلال إسبانيا لمدينتي سبتة ومليلية بدءًا من القرن السادس عشر، وفي حروب المغرب والبرتغال أيام الدولة السعدية، وفي سواها من سوابق الاحتكاك والصراع. غير أن أوروبا القرن التاسع عشر كانت شيئًا آخر مختلفًا تمامًا. كانت قد أنجزت ثورتها الصناعية الأولى، وامتلكت المدفع، وبنت الجيش القوي الضارب، وبدأت تقضم العالم جغرافيًّا، ومنها بلاد العرب والمسلمين(4).

حمل اكتشاف هذه الأوروبا الجديدة من طرف النخب العربية، واكتشاف دولتها ونظامها السياسي الحديثين بخاصة، بكيفيَّتين مختلفتين من خلال معاينة إدارتها العسكرية والسياسية والإدارية في البلاد العربية الواقعة تحت احتلال جيوشها، ثم من خلال معاينتها في عقر دارها، وتدوين تلك المعاينة في نصوص انتهى معظمها إلى الأدب السفاري أو أدب الرحلة. والمعاينتان اللتان ذكرنا كانتا أول مظهر للعلاقة المباشرة بها، قبل أن تبدأ النخب الفكرية في تأليف صلات ببعض نصوص مفكري الغرب الأوروبي، وفي تكوين صورة عن الخلفيات الفكرية (= الوجه الآخر لأوروبا) التي صنعت لها أسباب انتهاضها الحضاري وعوامل الشوكة والغلبة(5). وهذه الحالة في مجملها هي ما أطلق عليه الكثير من المفكرين، الصدمة الحضارية.

وعلى هذا لا بد أن نوضِّح أن العقل العربي والمفكرين المسلمين لم يتعرَّفوا بادئ الأمر على الدولة كجهاز متكامل، بل كعناصر مبتورة. ولم يكن شأنهم هنا سوى رد فعل لما كان قد وقع فعليًّا؛ ذلك أنه كان قد بدأ عمليًّا إدخال تنظيمات، وعلى فترات متباعدة (تتعلق بالجيش أو بالتعليم أو بالقضاء أو غيرها) مبتورة من جهاز متكامل (الدولة)؛ أضف إلى ذلك عدم إدراكهم لمنطقه المتكامل (نظرية الدولة) وهو ما حدث في فترة حكم محمد علي في مصر، وبداية من عصر محمود الثاني في الدولة العثمانية، وكان لهذا البتر المزدوج نتائجه فيما بعد. وهذه التنظيمات حين إنشائها -كما يرى طارق البشري- خضعت لمنطق الدفاع والشعور بالخطر الداهم المتمثل في الاستعمار والغزو الأجنبي لبلاد المسلمين. فالنظم الغربية كما يقول: “صممت فكرًا ونماذج وأجهزة في عصور أمن تام من أي خطر خارجي، وقد صار إعمالها في المجتمعات العربية الإسلامية في عهد المخاطر وفي عصر السيطرة الأجنبية على هذه المجتمعات”(6). وهوما انعكس وأثر بالضرورة على آليات عملها ومنطق تكوينها وبنائها ووظائفها.

واتساقًا مع رأى البشري، يرى مفكر عربي آخر هو علي أومليل، أنه إذا كان وراء نشأة الدولة الوطنية في البلاد الأوروبية حركة اجتماعية، فإن البلاد الإسلامية تطلعت إلى إقامة هذه الدولة كرد فعل دفاعي ضد التدخُّل الأجنبي. وكان وراء هذا التطلُّع سؤال أساسي: ما مصدر قوة البلاد الأوروبية؟ وما السر في انحطاط المسلمين؟ هذا السؤال الذي صار المسلمون يطرحونه منذ أواخر القرن الثامن عشر لم يُطرح بمجرد أن كان هناك غزو أجنبي لبلادهم، بل لأن هذا الغزو من طينة لم يعهدوها. فالمسلمون قديمًا لم يطرحوا مثل هذا السؤال حين غزتْهم أوروبا وحين أخرجهم المسيحيون من الأندلس. ولذا نجد الغزالي مثلًا وهو يرد الفعل على الغزو الصليبي يرجع إلى البضاعة المأثورة؛ فيقيم مشروعًا لإصلاح إسلامي مكتفٍ بذاته دون حاجة إلى الالتفات إلى ما عسى أن يكون عند الغير. أما في عصر الإسلام الحديث، وإذا استثنينا بعض الحركات الإصلاحية الدينية التي ترعرعت خارج المناطق الحضرية كالوهابية والمهدية والسنوسية، فإن اقتباس تنظيمات الغرب -أو على الأقل ما عسى أن يكون مصدر قوته المادية- صار دعوةً مألوفةً عند دعاة الإصلاح سواء أقروا بالاقتباس أو برَّروه بتبريرات مختلفة(7). وعلى هذا بدأ الاستيراد وأخذنا في النقل.

من هنا تتحدَّد الإشكالية الرئيسة وسؤال هذه الورقة، وهو هل يمكن تبيئة الدولة القومية الحديثة في تربة العالم العربي – الإسلامي، وإخضاعها بتكويناتها وهيكلها للشريعة الإسلامية بحيث يصح وصفها بالدولة الإسلامية، أم أن هذا غير ممكن وخاصة في سياق التعارض الحاد بين الإسلام الذي يفرض شريعته حاكمة لحياة الإنسان وبين الدولة التي لا تقبل أن تكون محكومة بغير ذاتها، والتي وصفها الكثيرون في هذا السياق بأنها قد تألهت وأصبحت إله العصر الحديث(8). اختلفت الآراء والأفكار حول هذه الإشكالية بين اتجاهات متباينة يعنينا منها في هذا المقام اتجاهين؛ الأول: يقول باستحالة الأسلمة وأن الدولة القومية لا يمكن أن تكون إسلامية خاضعة لشريعة الإسلام وقيمه الحاكمة. بينما يرى الثاني أن الدولة هي أداة في يد من يحكم، ويمكن أن تتبنَّى الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع وصياغة القوانين، ومن ثم يكون نظام الدولة السياسي ونظام الحكم إسلاميًّا. يمثِّل الاتجاه الأول وائل حلاق، بينما يمثل الثاني المفكر المصري الراحل طارق البشري.

وعلى هذا فإن الورقة تعتمد المنهج المقارن، والمقارنة هنا ستكون بين اتجاهين في تناول مسألة “أسلمة الدولة القومية”. وتعد المقارنة بالنسبة للعلوم الاجتماعية جزءًا أساسيًّا من البحث العلمي، بل هي بؤرة وجوهر المنهج العلمي -على حد تعبير ألكسي دي توكفيل- فالتفكير بصورة مقارنة أمر بديهي، تقوم عليه أسس معرفة الإنسان منذ طفولته، ومن ثم فقد مارسه علماء الاجتماع والباحثون في العلوم الإنسانية على مدار التاريخ، فالمقارنة هي بديل عن التجربة في العلوم الطبيعية وتؤدِّي كثيرًا من أهدافها(9). ويمكن تحديد أهداف عملية المقارنة في التالي(10):

  1. الأهداف المعرفية: المقارنة طريقة عامة في التفكير لنعرف ونميِّز ونقوِّم أفعالنا وأفعال الآخرين كأمم وأفراد، وبها يبدأ البشر خطوات تعليمهم الأربع الأولى من حب استطلاع، وإدراك أنماط، وحصر حالات وتصنيفها، وتحديد التشابهات والاختلافات. ومن ثم فأول أهداف المقارنة تحقيق المعرفة وتوسيعها.
  2. الأهداف العلمية والمنهجية: تتعدد أهداف المقارنة ذات الطبيعة العلمية والمنهجية طبقًا لتعدد مراحل البحث العلمي، ونوعية وطبيعة الإشكالات التي تواجه العلوم الاجتماعية عامة.

وعليه يمكن القول إن المقارنة في هذه الدراسة تسعى لتحقيق النوع الأول من الأهداف، فهي تسعى لسبر أغوار مشروعين فكريين متقابلين، لتحقيق المزيد من الفهم حول ظاهرة معقَّدة ومشكِلة، لا تزال تواجه العقل العربي المعاصر. ونروم من وراء ذلك الإسهام في الجدل القديم المتجدد حول الدولة وعلاقتها بالإسلام، وهو جدل يهدأ ثم لا يلبث أن يشتعل باستمرار مع كل حدث يصيب العالم الإسلامي؛ من قبيل ثورات الربيع العربي 2011، أو حتى الانتكاسات والهزائم كالهزائم المتكررة للدولة العربية أمام دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948 وحتى طوفان الأقصى وما تلاه من عدوان إسرائيلي سافر على غزة ولبنان وسوريا 2023/2024. وأخيرًا تنقسم الدراسة إلى مبحثين؛ يتناول الأول طرح وائل حلاق بينما يتعرض الثاني لفكر البشري ثم خاتمة نعرض فيها الاستنتاجات والخلاصة.

المبحث الأول: الدولة الإسلامية دولة مستحيلة.. أطروحة وائل حلاق

تنطلق أطروحة حلاق من مقولة رئيسة مفادها: “أن مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي، وذلك بحسب أي تعريف سائد لما تمثِّله الدولة الحديثة”(11). فالدولة الحديثة تمتلك بنيتها الخاصة المتفرِّدة بطبيعتها، حيث تمثِّل كيانًا سياسيًّا مجهولًا للإسلام في كل الأزمنة والأمكنة إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر، إلى أن فُرِضت على العالم الإسلامي من خلال المشروع الاستعماري. وإضافة إلى كونها أجنبية، ثمة معطى آخر زاد من درجة غُربة الدولة عند المسلمين: ذلك أن الدولة نشأت في سياق عام وشامل للفصل بين الرؤية الكونية الأخلاقية والأخلاق الوجودية من ناحية، وبين الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي البارد من ناحية أخرى، هذا الواقع الذي تلعبُ فيه الأخلاق دورًا ثانويًّا في أحسن الأحوال(12).

يعتمد حلاق في دراسته للدولة على مجموعة من المفاهيم والمناهج النقدية وكذا إسهامات بعض الفلاسفة كميشيل فوكو وكارل شميت وجورجيو أجامبين. ولعل أبرز المفاهيم التي يعتمدها حلاق هو مفهوم “النطاق المركزي” الخاص بكارل شميت. ويعني هذا المفهوم أنه عندما يصبح نطاقٌ ما مركزيًّا، فإن مشكلات النطاقات الأخرى تحل في إطار النطاق المركزي، وتُعد هذه المشكلات ثانوية، إذ يأتي حلها بصورة تلقائية عندما تحلُّ مشكلات النطاق المركزي. ومن ثم إذا كان المشروع المركزي للتنوير / الحداثة كان استبدال الأخلاق المحلية والعرفية والتقليدية وكل أشكال الإيمان المتعالي بأخلاق نقدية وعقلانية قُدِّمَتْ كأساس لحضارة كونية. وهذه الأخلاق الجديدة العلمانية والإنسانية الملزمة لكلِّ البشر تضع معايير كونية لتقويم المؤسسات الإنسانية. هذا هو المشروع الذي تشكَّلت على أساسه الماركسية والليبرالية بكلِّ ما فيهما من تنوُّعات، وهو ما يشكِّل أساسًا لكلٍّ من الليبرالية الجديدة واتجاه المحافظين الجدد، كما يشترك فيه مفكرو عصر التنوير كافة، على الرغم من تشاؤمهم بخصوص الاحتمالات التاريخية لنجاحه، أو نظرتهم إليه على أنه شيء بغيض. وقد شكل هذا المشروع النطاق المركزي الذي تُحل من خلاله المشكلات الرئيسة والفرعية كافة، وهو الذي وجَّه طرائقنا الحياتية ولا يزال، سواء كان ذلك إلى الأفضل أم إلى الأسوأ(13).

ومن خلال هذا المفهوم يوضِّح حلاق أن النطاق المركزي لمشروع الحداثة الذي نتجت عنه الدولة القومية يتنافى تمامًا مع نمط الحكم الإسلامي حيث تكون الشريعة فيه هي النطاق المركزي، وهي التي يجري على أساسها تقويم النطاقات الفرعية (العلمي – الاقتصادي – السياسي – الاجتماعي). ومن ناحية أخرى يوظف حلاق توليفة أخرى يجمع فيها بين نظريات عديدة ليصنع بها سردية متماسكة تعبر عن تصوُّره للدولة؛ فيجلب بيروقراطي فيبر، وقانوني كلسن، وسياسي شيمت، واقتصادي ماركس، وهيمني جرامشي، وثقافي فوكو، ليضع أسس تصوُّر لماهية الدولة. وعلى هذا يمكن التعرُّض لأطروحة حلاق حول الدولة من خلال فهمه لماهية الدولة أولا، ثم علاقتها بالشريعة ثانيًا.

 

أولًا: ماهية الدولة عند وائل حلاق:-

لا يمكن فهم الدولة وفقًا لحلاق بدون إدراك نشأتها التاريخية وأصلها، فتاريخ الدولة هو السيرورة التي تتكشَّف من خلالها الدولة كمفهوم مجرَّد وكمجموعة من الممارسات. وتمتلك الدولة الحديثة خصائص خمسًا لا يمكن تصوُّر هذه الدولة بدونها، هي: (1) تكوين الدولة كتجربة تاريخية محددة ومحلية إلى حد بعيد (2) سيادة الدولة والميتافيزيقيا التي أنتجتْها (3) احتكار الدولة للتشريع وما يتعلَّق بذلك من احتكار ما يسمَّى العنف المشروع (4) جهاز الدولة البيروقراطي (5) تدخُّل الدولة الثقافي الهيمني في النظام الاجتماعي، بما في ذلك إنتاجها الذات الوطنية. وعليه فإن الأمة باعتبارها جماعة سياسية ومفهومًا سياسيًّا، إضافة إلى نظم تعليمها ومؤسساتها التعليمية، هي أجزاء أصيلة من هذه الهيمنة الثقافية(14) وبشيء من التفصيل نتعرض لهذه الخواص الخمسة.

  • الدولة منتج أوروبي:

وفقًا لحلاق؛ فالاسم المعياري للجهاز الحاكم في الحداثة هو (State) في اللغة الإنجليزية و(Etat) في اللغة الفرنسية و(Stato) في اللغة الإيطالية و(Staat) في اللغة الألمانية. وكما هو ظاهر فإن هذه المصطلحات لها جذر مشترك، كما أن هذه مصطلحات لم تظهر قبل القرن الخامس عشر في أوروبا لتدلَّ على نظام حكم معيَّن. وبوضوح فإن هذا النظام كان أوروبيًّا محضًا، وكان محصلة ونتيجة لتطوُّرات خاصة وفريدة حدثت في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وإنجلترا، وكانت هذه التطورات سياسية واقتصادية واجتماعية، والأهم من ذلك أنها كانت ربما عسكرية، كان انهيار النظام الإقطاعي وصعود المُلك المطلق أمرًا ضروريًّا لهذا التطوُّر، بالإضافة إلى ظهور المدن والنقابات والأشكال الجديدة للتبادل الاقتصادي والإدارة البيروقراطية(15).

إن المؤسسات السياسية الحديثة التي طوَّرتها أوروبا كانت نتيجة مقاومة قوية ضد السلطة المطلقة والمطالبات الإلهية لملوك أوروبا، كما كان ذلك أيضًا نتيجة لردود الفعل ضد الإساءات طويلة الأمد التي أحدثتها الكنيسة الكاثوليكية، والإساءات التي ارتُكبت بحق أعداد كبيرة من سكان أوروبا باسم الله. ولكي تُكبح سلطات الملك والكنيسة الشريرتين فقد كان من الضروري بناء نظام يحد سلطات الملكية ويسلب من الكنيسة أحقية دعواها بالتدخل في السياسة نيابة عن الله، وكانت الحريات الجديدة المكتسبة ضد هاتين القوتين المتعاظمتين سياسية في البداية، ولكنها تُرجمت فيما بعد إلى حريات اقتصادية خلقت أشكالًا جديدة من تكوين الثروة، وهي الأشكال التي أنشئت للعمل جنبًا إلى جنب مع السياسة، وهذا هو السبب في أن الدولة الحديثة بحكم تعريفها تُشكِّل بشكل حتمي دولة كولونيالية(16).

وهكذا خلقت هذه التحولات كيانًا سياسيًّا يُعَدُّ انعكاسًا للمسيحية الكاثوليكية ضمن أشكال علمانية، وهو ما يتوافق مع طرح كارل شميت الذي مفادهُ أن جميع المفاهيم والمؤسسات السياسية المهمة التي بحوزتنا الآن داخل منظومة الحداثة هي صيغ مسيحية معلمنة، أي إن كل هذه التطوُّرات خلقتْ أشكالًا علمانية فريدة للسياسة المسيحية، التي أمسيْنا نطلقُ عليها اسم الدولة الحديثة، ومن هنا فإن الدولة هي تجربة أوروبية متفرِّدة لا تمتُّ بصلة للتجارب السياسية أو الاجتماعية التي عرفها الإسلام(17).

  • مبدأ السيادة:

يعد مفهوم السيادة أحد المكونات الضرورية للدولة الحديثة. تنبني السيادة سياسيًّا وأيديولوجيًّا حول المفهوم المتخيَّل الخاصِّ بإرادة التمثيل. وتنهض فكرة السيادة على فكرة أن الأمة التي تجسِّد الدولة هي وحدها صاحبة إرادتها ومصيرها. من ناحية، تتأسَّس السيادة داخليًّا على العنف المؤسَّس قانونيًّا؛ بمعنى أنها تتحقَّق من خلال دستور سياسي – قانوني، فالسيادة بهذا المعنى تقوم وتسقط بالعنف “القوة” المؤسَّس قانونيًّا، لأنها لا تسقط إلا إذا قامت ثورة أو تغيير عنيف يحدِّد سيادة جديدة عبر تغيير دستوري وقانوني كامل، كما أن هذا التغيير يحتاج إلى القوة كي يحافظ على بقائه. ومن ناحية أخرى لا تصبح السيادة ذات قيمة إلا إذا حصلت على اعتراف الدول الأخرى، وهي تعني دوليًّا اعتراف الدول بسلطة كل واحدة منها ضمن حدودها، وبأن لكل منها شرعية تمثيل أمتها في تعاملاتها مع الدول الأخرى، سواء كان ذلك بصورةٍ فردية أم جماعية. وقد أثبت هذا التخييل أنه من النجاح والقوة إلى درجة أن نظامًا يعلم الجميع أنه لا يمثِّل شعبه، بل يضطهده، يظلُّ مُخَوَّلًا بالتحدث بصورة شرعية بالنيابة عن مواطنيه / شعبه. ولا يمكن إلا لثورة أو تغيير دستوري جوهري في البلد أن يتجرَّأَ على إحلال حكومة مقبولة دوليًّا كصاحبة للسيادة محل استبداد سابق(18).

إن السيادة كما يطرحها حلاق هي التي تُعطي الدولة ألوهيَّتها، فلا نظام أعلى من الدولة داخل حدود الأمة، وقانونها هو قانون الوطن، ولا يمكن أن تَبطل أو تستأنف أحكامها سلطة أعلى، فهي في النهاية التعبير عن الإرادة السيادية. ومن ثم لكي تظهر السيادة إلى حيِّز الوجود فهي لا تحتاج إلى دولة فحسْب، بل شرطًا عامًّا مسبقًا يتيح قيام بناء متخيَّل هو الأمة، ومن هناك فإن الدولة ذات السيادة هي التي تخلق أمتها، وبهذا المعنى يرى حلاق أن السيادة تشترك مع التوحيد في بعض الصفات(19):

أولا: هي كلية القدرة، فكل الأشكال السياسية متاحة لها.

ثانيًا: أنها تملأ الزمان والمكان تمامًا، فهي حاضرة بالقدر نفسه في كل لحظة من حياة الأمة وفي كل موقع ضمن حدودها.

ثالثًا: أننا لا نعرفها إلا من خلال ما تنتجه، فنحن لا ننتبه أولا إلى السيادة الشعبية ثم نسأل عن إنجازاتها، ونحن نعرف أن الدولة يجب أن توجد لأننا ندركها كتعبير عن إرادتها، ونستنبط حقيقة الذات من اختبارنا ما تخلَّق من منتجات.

رابعًا: نحن لا نقدر على إدراك تلك الدولة ذات السيادة من دون اختبارها كقضية معيارية تقدم نفسها كتأكيد للهوية، لذا نحن نفهم أنفسنا كجزء وكمنتَج لتلك الدولة ذات السيادة، ونرى أنفسَنا فيها؛ أي هي التي تحدِّد وتشكِّل هويَّتنا.

وبهذا تصبح الدولة إلهًا يخلق الذوات الحديثة (المواطنين) من خلال الإرادة السيادية التي تدرك بكونها مصدرًا لكلٍّ من القانون والأمة. فالقانون الذي يعكس الإرادة السيادية وبالتالي الإرادة التي تخلق الذات وتشكلها على صورتها، لا يزيد كثيرًا عن كونه إحلالًا واستبدالًا للتصور المسيحي للإرادة. وكما هو الحال مع كثير من الأفكار الحديثة، أبقي على أشكال السلطة المسيحية السابقة على عصر التنوير من خلال مجموعة بديلة من المصادر ذات القدرة السلطوية المساوية لها. وفي هذا الفهم يستند حلاق على كارل شميت وقوله: “إن كل المفاهيم المهمة في النظرية الحديثة عن الدولة هي مفاهيم لاهوتية معلمنة ليس بسبب تطورها التاريخي فحسب -حيث تحوَّلت من اللاهوت إلى نظرية الدولة التي أصبح بها الله القادر على كل شيء على سبيل المثال، هو المشرع القادر على كل شيء- بل أيضًا بسبب بنيتها النظامية”(20). والخلاصة هنا أن مبدأ السيادة جعل الدولة هي مرجعية ذاتها ولا يمكن لها أن تخضع لأي شيء يتجاوزها (أي جعلها إلهًا في ذاتها وعلى من يخضعون لها).

  • التشريع والقانون والعنف:

إذا كانت الدولة الحديثة تؤسِّسها الإرادة السيادية، وإذا كانت الإرادة السيادية تتجلَّى من خلال القانون، فإن فرض القانون يصبح تحقُّقًا لتلك الإرادة. فإرادة من دون أداة قسْر تدعمها ليستْ قوةً أو سلطةً على الإطلاق؛ وهي لا شيء من وجهة النظر السياسية. لقد رأينا أن الدولة (وكذا القانون) هي غاية نفسها، وأنها لا تعرف، بفضل دستورها ذاته، سوى نفسها وميتافيزيقيَّتها فحسْب. هكذا ترسم الدولة وحدها حدود العنف، كما أن معيارها هو الذي يحدد نوع ومستوى العنف الذي يطبَّق على الخارجين على إرادتها. بعبارة أوضح؛ الدولة هي الفاعل الأعلى في تشريع العنف، ذلك أنه حتى لو افترضنا أن بعض العقوبات المشروعة إلهيًّا يجب تطبيقها أو تبنِّيها، فإنها تُتَبَنَّى كخيار للدولة وكتعبير عن إرادتها. فالدولة هنا هي التي تقرُّ الإرادة الإلهية وليس العكس. وبعبارة أكثر وضوحًا، فهي تتعامل باعتبارها رب الأرباب. وإذا كانت الإرادة السيادية هي الإله الجديد كما رأينا، فلا إله إذن إلَّا الدولة. ولذلك فإن الحق الحصري في ممارسة العنف والتهديد به لإنفاذ الإرادة القانونية السيادية هو أحد أهمِّ سمات الدولة الحديثة. والتركيز هنا ليس على الأسلوب القديم لقدرة الحاكم على إنفاذ العنف، بل على العلاقة الفريدة بين العنف وميتافيزيقيا الإرادة السياسية(21).

  • الجهاز البيروقراطي العقلاني:

وفقًا لماكس فيبر الذي يعتمده حلاق في هذه النقطة، فمن الخصائص الرسمية للدولة الحديثة أنها تمتلك نظامًا إدرايًّا وقانونيًّا قابلًا للتغيير بالتشريع، وهذا النظام البيروقراطي يمتلك سلطة ملزمة، وتلك السلطة الملزمة تسيطر على كلِّ ما يقع داخل إقليم الدولة السيادي، ويتميَّز النظام الإداري للدولة بأنه جزءٌ سياسيٌّ من النظام القانوني، ويتميَّز كذلك بالقدرة على السيطرة، بالطوعية والتنظيم، وهذه الطوعية عقلانية، أي إنها تمنع أن تُحَدَّدَ بواسطة دين أو عرف، وما دام النظام البيروقراطي يتميَّز ببنية غير شخصية، فإنه يعامل الجميع على قدم المساواة بما فيهم أعضاء الجهاز البيروقراطي أنفسهم. غير أن حلاق يعترض على هذه النقطة ويرى أنه لا يوجد أي طرح عقلاني يدلُّ على الوجود الحقيقي لتلك المساواة بين النظام البيروقراطي العقلاني والمنتمين إليه، وبين الجموع التي في ذلك النظام الاجتماعي.

من ناحية أخرى، فإن الإضافة التي يقدِّمها حلاق حول الجهاز البيروقراطي وهو هنا يستدعي طرح فوكو حول الحكمية (Governmentality) وممارسات الخطاب الذي تشكل الذوات. هي أن لبيروقراطية الدولة تأثيرًا واسع النطاق يتجاوز تأثير أي تنظيم سياسي (هيئات وأحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية وخلافه). فتنظم بيروقراطية الدولة في الواقع البنى البيروقراطية الفرعية وتأمرها وتخضعها لقواعدها العقلانية، كما تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فتنظم المجتمع المدني من تسجيل المواليد إلى توثيق الوفيات، وكل ما هو بينهما تقريبًا؛ التعليم والتعليم العالي والصحة والبيئة والرفاه والسفر والعمل والسلامة أثناء العمل والضرائب والصحة العامة والمتنزهات والترفيه وخلافه. بعبارة أخرى، لا تتدخل البيروقراطية في المجال الخاص والمجتمع المدني فحسْب، بل تحدِّد معايير الجماعة وتصوغها، بل إنها تشكل الجماعة والذوات الفردية التي تتكون منها وتعيد تشكيلها باستمرار. وهي بذلك تنتج جماعتها الخاصة؛ جماعة الدولة(22).

  • الهيمنة الثقافية:

يرى حلاق أن التماسك والقوة الداخليين لأي دولة لا يعتمدان على قدرتها في تنظيم المجتمع وحده، وهو ما تفعله الدولة بواسطة الدستور والقوانين، بل يعتمدان أيضًا على التوغُّل فيه ثقافيًّا. ولكي تحقِّق الدولة ذلك فإنها تعمد إلى تدمير أي كيانات داخلها تتحلَّى بسلطة مستقلَّة ذاتيًّا، فتدمير هذه الكيانات أو الوحدات هو بداية الهيمنة الثقافية للدولة، ثم تعمد الدولة إلى إعادة تركيب وتشكيل الوحدات الاجتماعية – الثقافية التقليدية السابق وجودها على الدولة لتحقِّق شكلًا من أشكال الوحدة الثقافية وواحدية الانتماء. وهي في ذلك تعتمد على مدارس الدولة والتعليم من ناحية، لتنشأَ نخبة علمية نموذجية ويعاد إنتاجها كمجال ثقافي يستجيب لتوغُّل الدولة في النظام الاجتماعي(23).

ومن ثم فإن كانت هذه هي الدولة عند حلاق، فلماذا لا يمكن أن تكون إسلامية؟ هنا نتطرَّق للنقطة الثانية في طرح حلاق حول علاقة الدولة بالشريعة الإسلامية..

ثانيًا: الدولة والشريعة:

إن الشريعة الإسلامية كما فهمها حلاق هي ممارسة خطابية· مثَّلت في الأصل مركَّبًا معقَّدًا من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للنظامين الاجتماعي والسياسي؛ ممارسة خطابية تقاطعت فيها هذه العلاقات وتفاعلت فيما بينها وأثَّرت فيها بطرقٍ لا حصر لها (رغم أن معرفة الكيفية التي يتمُّ بها ذلك على وجه الدقَّة في مواضيع بعينها بحاجة إلى دراسات متعدِّدة في مستوى بحثي أكثر تخصُّصًا). مركَّب تضمَّن كل الأشياء التالية: مؤسسات متنوعة اشتغل بعضها على بعض ويقاوم بعضها بعضًا و/ أو يعاضد بعضها بعضًا؛ فقد شملت الكتابة والدراسة والتدريس والتوثيق؛ وشملت أيضًا التمثيل السياسي باسم «القانون»، واستراتيجية لحماية نفسها (أي الشريعة) من الاستغلال السياسي أو أي استغلال آخر؛ تحويل تطبيق القانون إلى ثقافة، حيث دمجت المقولات الثقافية في الفقه وفي الإجراءات القانونية وفي القواعد الأخلاقية وفي أشياء كثيرة أخرى؛ مجتمعًا أخلاقيًّا بدرجة عميقة بحيث لا يمكن لقانونها إلا أن يُطاع، إذ يُعتبر من المسلَّمات أنَّ الشريعة مؤسسة نظريًّا على افتراض كون المخاطبين بها هم جماعات متخلِّقة على الدوام؛ وكذلك منظومة فكرية، كان فيها الفقهاء والقضاة مربِّين وكتابًا ومفكِّرين، وكانوا من جهة أخرى مؤرِّخين وعلماء عقيدة وأدباء وشعراء (إن لم يكونوا كيميائيين وفيزيائيين وعلماء فلك)، ومن جهة أخرى كانوا رجال أفكار أسْهموا في تشكيل مجموعة معقَّدة من العلاقات التي خلَقت أو أفْضت إلى خلق واقع سياسي وأيديولوجي معيَّن، بينما في أوقات أخرى قاموا بما يحوزوه من حق بمواجهة السلطة؛ تنظيمًا لاقتصاديات الزراعة والتجارة عمل على حفظ الحياة المادية والثقافية وجسَّر بالضرورة الهُوَّةَ بين مختلف “طبقات” المجتمع(24).

لم تكن الشريعة إذن مجرد قوانين أو نظام قضائي ولا حتى مجرد مذهب فقهي بعينه، بل كانت -وفق حلاق- ممارسة خطابية ربطت نفسها بنيويًّا وعضويًّا بالعالم من حولها بطرق عمودية وأفقية، بنيوية وخطية، اقتصادية واجتماعية، أخلاقية وقيمية، فكرية وروحية، إبستمولوجية وثقافية، نصية وشعرية. وعلاوة على كون الشريعة مثَّلت محصِّلة لكلِّ هذه العلاقات، فإنها قد ميَّزت نفسها عن القانون الحديث من طريق آخر أشد حَسْمًا: أنها قد نبعت وترعرعت في قلب النظام الاجتماعي الذي أتتْ لكي تخدمه في المقام الأول. فقط في تجلِّيها النصوصي التقني (أي: كتخصُّص علمي) كانت بحكم الضرورة ذات مضامين نخبوية، ولا شيء منها تقريبًا سوى ذلك كان نخبويًّا(25). وفي هذا السياق قدَّم حلاق مقارنة بين الشريعة ونظام عملها في المجتمع، وبين القانون والنظام البيروقراطي في الدولة الحديثة، عن طريق المقارنة بين المتشرِّعين -أي مجالس القضاء- وبين المكاتب البيروقراطية الحكومية الحديثة، فالأولى لم تكن مُنفكَّة عن المجتمع معزولةً عنه، بل منخرطة في المجتمع، إذ كانت تُقام في المساجد والأسواق والبيوت، فلم تكن هناك فجوة بين المحكمة وبين الناس، فاكتسب المجتمع كله خبرة بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وكان المُفتون يقدِّمون الاستشارات الفقهية للناس دون مقابل مادي، إذن كان الفقه متاحًا للجميع، وهو ما أتاح نشر المعرفة الفقهية للجميع؛ أي أتاح ذلك “شعبنة” الفقه، فكان المجتمع المسلم منغمسًا في منظومة القيم التشريعية، وكانت المحكمة مرتبطة بالمجتمع منغمسة في فضائه الأخلاقي، وهو ما أدَّى إلى نشأة مجتمع يحكم ذاته.

أما القانون في الدولة الحديثة، فهو على الضد من ذلك، فالمؤسسات القانونية منعزلة عن الناس بالمكاتب البيروقراطية الحديثة، وكذلك ترى القائمين على تلك المؤسسات اليوم -المحامين والمستشارين وغيرهم- يقدمون للناس الاستشارات القانونية بمبالغ باهظة، وهو ما أدَّى إلى اغتراب الناس عن القانون والنظام القضائي في الدولة الحديثة، وجهل الناس بحقوقهم وواجباتهم. والقانون في الدولة الحديثة -على الضد من الشريعة- يعامل الناس ككتلة واحدة منسجمة ومتجانسة ومتشابهة، بوصفهم مواطنين من صنع الدولة القومية، فترى القانون يعامل المواطنين بروح التكويد القانوني والقولبة من غير أن يُراعي الاختلافات البشرية. أما الشريعة فلم تهتم بالوحدة أو المجانسة، لأن عنايتها تنصبُّ على الفرد، ولذا لا تحتاج الشريعة اللغة التجريدية أو التكويدية التي يعتمد عليها القانون في الدولة الحديثة.

وعلى هذا يرى حلاق أن الدولة والشريعة بينهما تناقض تام بحيث يستحيل التوفيق بينهما للأسباب التالية(26):

أولًا: أن كليهما قد صُمِّمَ لتنظيم المجتمع، وحلِّ النزاعات التي تهدِّد بتشويش النظام الذي أرساه كلٌّ منهما بالرغم من كون نظام كلٍّ منهما يختلف تمامًا عن نظام الآخر.

ثانيًا: الأكثر أهمية من ذلك أن كلاهما مُنتِج تشريعي نشط؛ ينتج القوانين (الدولة) أو المبادئ التشريعية (الشريعة) اللازمة للتعامل مع النظام الاجتماعي. وبسبب هذا التقارب النسبي بين وظيفتيهما وجدت الدولةُ والشريعةُ نفسيهما في وضعية تنافسية. وبالرغم من أنه كان بمستطاع الشريعة أن تتيح الفرصة لقدر من تدخُّل السلطة السياسية – وقد فعلت؛ فإنها قد فعلت ذلك بشكلٍ يعتبر ثانويًّا وهامشيًّا بعكس القانون الذي فعل ذلك بشكل جوهري. ومن ثم إذا كانت الشريعة متقبِّلة لمنافسة السلطة التنفيذية، فإنها مع ذلك لم تكن تسمح بأي قدر معتبر من التدخُّل في التشريع، أمَّا الدولة في المقابل فقد طوَّرت تدريجيًّا درجةَ تحمُّل ضعيفة جدًّا للتنافس التشريعي والتنفيذي والبيروقراطي.

ثالثًا: على الصعيد النظري والعملي، فإن كلًّا من الشريعة والدولة يدَّعي لنفسه السيادة المطلقة. فبحسْب نظرية السياسة الشرعية على الأقل تَخضع السياسةُ (الحكم) -المعادل النسبي للدولة القومية الحديثة- للشريعة. لقد كانت غاية وجود السياسة أصلًا هي خدمة القانون (الشريعة) وليس العكس. هذه السيادة التشريعية التي حافظت على وجودها في مستوى النظرية والتطبيق ضمن نطاق الشريعة هي واقع لا يمكن له أن يتناغم بحال مع احتكار الدولة الحديثة لهذا الضرب الرفيع من السيادة (سيادة التشريع). إن دولة بلا سيادة تشريعية ليست بدولة على الإطلاق.

رابعًا: تعمل كلٌّ من الشريعة والدولة في اتجاهين متعاكسين؛ فبينما الدولة تتَّسم بأنها جبرية وتدفع نحو المركزية الشمولية والمطلقة، كانت الشريعة وبشكل واضح تمارس الطرد بعيدًا عن أي مركز.

خامسًا: الشريعة منظومة عامية (شعبوية)، انبثقت من جماعات متخصِّصة ومؤسسات تشريعية متجذِّرة اجتماعيًّا، لقد كان القلب النابض للنظام التشريعي يقبع في وسط النظام الاجتماعي وليس فوقه كما هو الحال في الدولة الحديثة.

سادسًا: بالرغم من كون الدولة والشريعة يشتركان في الهدف العام المتمثِّل في تنظيم المجتمع والقضاء في النزاعات؛ فإن كلًّا منهما يتوخَّى من وراء تحقيق هذا الهدف نتائج مختلفة تمامًا بالنسبة إلى الدولة، فهي تستهدف بشكل جوهري تحقيق التجانس (الدمج) التام بين المواطن والنظام الاجتماعي، ولإنجاز هذا الهدف تنخرط الدولة بشكل ممنهج في عمليات المراقبة والضبط والعقاب. فمؤسساتها التعليمية والثقافية مصمَّمة بحيث تُنتج “المواطن الصالح”؛ أي: المواطن المطيع للقانون، الخاضع لقيم النظام والانضباط، العامل والمنتج اقتصاديًّا. إن الضبط مقرونًا بالعقاب جزءٌ لا يتجزَّأ من بنية الدولة الحديثة وإحدى سماتها الفريدة. إن منتجها: “المواطن الصالح” هو ذلك المتفانِي في خدمة الدولة بوصفها أبًا للجميع. ومن هنا كان احتكارها للعنف واستخدام القوة. في المقابل كان هم الشريعة الأول الحفاظ على النسيج المجتمعي والحفاظ على إنسانية الإنسان من خلال منظومة أخلاقية قيمية تربط الدنيا بالآخرة، والعقاب بالتوبة والإصلاح.

إن التناقض بين الدولة والشريعة بلغ حدًّا دفع بالأولى لهدم الأخيرة تمامًا حتى يتسنَّى لها التسيُّد والسيطرة، إبان دخول الحداثة الكولونيالية على العالم الإسلامي، فقد وضعت الحداثة نصب أعينها ثلاثة أهداف(27):

الأول: الهدم التدريجي لمختلف المؤسسات التقليدية القضائية وغيرها، واستبدالها في الآن نفسه تقريبًا بنماذج أوروبية.

الثاني: فصل الشريعة وفقهها عن بنيتهما السوسيو-إبستمولوجية التحتية من خلال عملية التقنين التي وضَّحتها تجربة الهند البريطانية أكثر من غيرها. إذ تمَّ انتزاع الفقه تمامًا من ركيزة المعرفة الاجتماعية، تلك التي ضمنت مبكِّرًا سلامة العملية القانونية بما تتضمَّنه من تعدُّدية تشريعية ومن تعدُّدية الأهداف القضائية التي لَبَّتْ مختلف الضرورات الاجتماعية المحلية والأخلاقية وما سواهما.

والثالث: توظيف السلاح الذي لولاه ما كان للهدفين السابقين أن يتحقَّقا؛ أي التقنيات الثقافية. لقد كان توجيه مثل هذه التقنيات بكثافة نحو العالم اللاأوروبي هو الذي حافظ على الكولونيالية التشريعية البريطانية وغير البريطانية، بل وعزَّزها أيضًا.

والخلاصة أن الشريعة والدولة كينونتان متناقضتان، لكلٍّ منهما نطاقه المركزي أو أن كلًّا منهما نطاقٌ مركزيٌّ لا يقبل إلا أن يهدم الآخر ولا يمكن أن يندمج معه إلا أن يُخضعه. وبهذا يكون مركَّب (دولة حديثة “حداثية” إسلامية) مستحيل التحقُّق.

المبحث الثاني: الدولة وتطبيق الشريعة .. أطروحة طارق البشري

اخْتُصَّ طارق البشري بطريقة في البحث والدراسة أسْماها “منهج النظر” للتعرُّف على الظواهر والقضايا التي ترتبط بعالم العرب والمسلمين، تعرف بالوصف الدقيق لمفاصل الظواهر والظاهرة في حال حركتها وسيرورتها، حتى إذا ما حدث الوعي بالظاهرة في مدخل يعتمد الوصف المتكامل للظاهرة، بدأ يستنبط السُّنَّة الحاكمة الظاهرة منها والكامنة، المؤثِّر منها والفاعل، وشبكة الظاهرة العصبية المحرِّكة لها والمنبِّهة لكلٍّ منها، وعلى فهم السُّنَّة والوعي بها يتأسَّس الوعي بكلِّ كمالاته، وعي بالذات ووعي بالغير ووعي بالموقف، فتبدو الأمور واضحةً من بعد غموض، وجليَّة من بعد الْتباس، تفكُّ اشتباك عناصرها مـن غير التغاضي عن كلية الظاهرة وتفاعل مكوناتها وعواملها، وتحدِّد الأصيلَ النابعَ منها والتابع لها، وتتبصَّر العام في الظاهرة مما يستحقُّه من تعميم، والخاص فيها ممَّا يجدر به من تخصيص، وفي سياق يتغيَّا تشريح الظاهرة وتشريحها من اختلاط ظواهر أخرى أو أحكام سابقة(28).

إن النظر في تناول البشري لمسألة الدولة يكشف عن منظومة من المفاهيم حكمت تناوله لهذه الظاهرة، لعل أبرزها: النظام السياسي – دوائر الانتماء – الجامعة الوطنية – نظام الحكم – جهاز الدولة – المؤسسات السياسية والدستورية – المجتمع الأهلي – الوافد والموروث أو الأصالة والمعاصرة – الأمة – الجماعة السياسية. في إطار هذه المفاهيم يمكن النظر في كيفيَّة فهم البشري للدولة القومية وعلاقتها بالشريعة الإسلامية. هذا إلى جانب إدراك أن البشري في كتاباته كان يتحرَّك بين التاريخ والواقع بصورة مرنة بحيث يشبه الطائر المحلِّق في السماء، ينظر إلى الواقع من الأعلى محاولا استيعابه ثم يسْبر أغوارَ التاريخ ليبحث عن السُّنن المُنشأة والمحرِّكة للوقائع والأفكار. هذا مع كثرة تنبيهه لضرورة التفريق بين الثابت والمتغيِّر وبين الأصول والفروع، لحفظ الأصول والثوابت من عبث الأفكار الوافدة والمستوردة مع الاجتهاد في الفروع والمتغيِّرات لملاءمة احتياجات العصر والواقع. غير أن الأهم من هذا كله أن البشري كان في المقام الأول “رجل دولة” إلى جانب كونه مفكرًا ومؤرخًا، إذ قضى البشري جُلَّ عمره في المؤسسة القضائية المصرية حتى وصل إلى منصب نائب رئيس مجلس الدولة. وهو مكون هام لا ينبغي إغفال أثره في نظريته حول الدولة.

أولًا: ماهية الدولة عند طارق البشري:-

يفهم البشري الدولة على أنها شكل من أشكال التنظيم السياسي المعبِّر عن جماعة سياسية تعيش في إطارٍ جامع وتجمعُها مصالح عامة مشتركة. وهذا التنظيم هو الذي يعبِّر عن الإرادة العامة التي تكْفل للمجموع تحقيقَ أهدافه وحماية مصالحه. وقد تطوَّر هذا التنظيم مع تطوُّر المجتمعات البشرية وتزايُد أعدادها وتعقُّد أنماط المعيشة. ويرى البشري أن فكرة التنظيمات هي مشترك إنساني واجتماعي وسياسي، وُجدت في المجتمع الإسلامي قديمًا، وكذا طوَّرتها أوروبا مع عصر النهضة. فيقول: وقد انشغل فكر “التنظيمات”، أي الفكر السياسي والإداري باستنباط خير الوسائل لتكوين أجهزة النشاط العام بصورة تطبعها بالطابع العام، وتحرِّرها لأقصى درجة ممكنة من ذوات الأفراد العاملين فيها. انشغل بذلك الفكر الإسلامي وخاصة على عهد الماوردي وأبي يعلى الفراء وغيرهما منذ القرن الرابع الهجري، كما انشغل بها الفكر الأوروبي والغربي في القرنين الماضييْن بشكل لم يكن له مثيل من قبل، وذلك بسبب التضخُّم والتنوُّع الهائلين في أحجام الجماعات المختلفة وأنشطتها(29).

غير أن البشري ينشغل كثيرًا بمقارنة هذه “التنظيمات”؛ أشكالها وتطوراتها والأُسس الفكرية التي قامت عليها سواء في الفكر السياسي الإسلامي أو الفكر الأوروبي الحديث، ويجد أن أهم المبادئ التي قام عليها التنظيم السياسي، هي(30):

  1. مبدأ “النيابة” التي تكفل تعدُّد الأفراد مع “واحدية” الشخص، أو تكفل تمثيل الفرد الواحد لأشخاص عديدين. والصورة الأولى التي نجدها هنا هي عندما يعيَّن شخصٌ للقيام بوظيفة معيَّنة، ولا يكفي جهده الفردي لاستيفاء كل ما هو مطلوب منه، فيلجأ “للإنابة” أي تعیین مساعدين له ينظرون في الشؤون الموكولة له حسب نظام لتوزيع العمل إمَّا أن يكون محلِّيًّا فيختص كنائب بإقليم معين، أو يكون نوعيًّا، حيث يختصُّ بنوع معيَّن من الأعمال. والصورة الثانية للنيابة، أن أفراد جماعة معيَّنة لا يستطيعون بجمعهم أن يباشروا مجتمعين شؤونهم العامة، فيكلون هذا الشأن إلى واحد أو أفراد قليلين منهم يقومون به نيابة عنهم، والمثل الواضح لهذه الصورة هو مبدأ الانتخاب، سواء كانت الجماعة هي المجتمع أو أية جمعية أو شركة أو نقابة.
  2. مبدأ توزيع العمل الواحد بين العديد من الأجهزة والمؤسسات، فلا يستقل فرد أو مؤسسة واحدة بالعمل العام، إنما يتناول العملَ العامَّ الواحدَ عددٌ من الأجهزة يتداوله كلُّ واحد منها في مرحلة محدَّدة من مراحل تكوُّنه حتى يصدر في النهاية، ولكلٍّ من هذه الأجهزة سهم شائع في تكوينه وإصداره. وهذا التوزيع للعمل الواحد على عديد من الأجهزة والمؤسسات، يمكن أن يؤدِّي إلى قدرٍ من التباطؤ والتعقيد في الإجراءات وفي تحريك الأعمال. ولكنه من ناحية أخرى، يُمكن من مشاركة تخصُّصات فنية كثيرة ومتنوِّعة في إعداد العمل ودراسته من وجوهه المتعدِّدة، كما أنه يحفظ العمل العام من أن يكون مستوعَبًا في إرادة فردية واحدة أو في إطار النظرة المحدودة لجهاز واحد، ويجعل مجالات السلطة موزَّعة على العديد من المؤسسات.

وفي هذا الإطار يجد البشري أن التنظيمات الحديثة التي أنتجتْها أوروبا قد انتهت إلى تحديد ثلاث جهات يتوزَّع بينها العمل العام أو النشاط العام، بحيث يكون من يصدر القرار أو يصوغ الإرادة العامة غير من يُنفذ هذه الإرادة غير من يشرف على صحة تطبيقها، هذه التنظيمات هي(31):

  • المؤسسة التشريعية: وهي مصدر القرار العام، وتتكوَّن بطريقة تمكِّنها من أن تقوم بهذه الوظيفة، إذ يكْفل لها أسلوب اختيار أعضائها أن تكون على علاقة مباشرة بقوى الرأي العام الموجودة في المجتمع، وتمارس عملها بإجراءات تُتيح لها أن تكون بقدْر الإمكان جهازًا متَّصلًا بالرأي العام خارجها، عن طريق اتصال أعضاء هذا الجهاز بالمؤسسات ذات الشأن في المجتمع، وفي الغالب ما يكون أعضاء هذه المؤسسة التشريعية متساوين في أوضاعهم ومراكزهم داخل هذه المؤسسة دون أن تقوم بينهم علاقات رئاسة، فالغالب في أسلوب بناء هذه المؤسسات أنه بناء أفقي وليس بناءً رأسيًّا هرميًّا، والإشراف والرقابة هنا لا يملكها رئيس على مرؤوس، ولكن يملكه المجموع على الفرد، فهي تقوم بالتبادل والتداول، وكل فرد خاضع لإشراف الباقين، ويساهم معهم في الإشراف على غيره.. وهكذا.
  • المؤسسة التنفيذية: وتتعلق بالإدارة والتنفيذ، وتخضع في عملها للسياسة التي تقرِّرها الهيئة التشريعية، فهي أداة لتنفيذ هذه السياسة وأداة لإدارة العمل اليومي، ومؤسسة التنفيذ تُبنى بطريق هرمي رئاسي؛ حيث تقوم رئاسة مفردة أو قليلة العدد من الأشخاص، وتقوم هي باختيار الأشخاص في الوظائف الأدنى نزولًا من قمة الهرم إلى أسفله وقاعدته العريضة. وحركة الدفع تَرِدُ من أعلى إلى أسفل، فالسياسات تُرسم في المستويات الأعلى كما أن الإشراف والرقابة يأتيان من المستويات الأعلى للمستويات الأدنى منها وهكذا. وهذا هو أسلوب التشكيل الذي يتلاءم مع الوظيفة التنفيذية التي تأتي بعد اتخاذ القرارات ورسم السياسات. ولذلك تعتمد على إصدار الأوامر للتنفيذ، وهذا هو شأن الوزارات والمصالح المختلفة وهو كذلك الشأن بالنسبة لأجهزة الضبط كالشرطة والجيش.
  • المؤسسة الثالثة هي القضاء وتختلف نظمنا القائمة في طريقة تعيين القضاء ولكن يبقى أنه جهاز يراقب الشرعية ويقضي بها سواء في تعاملات الأفراد أو في عقاب المجرمين أو في رقابة نشاط السلطات العامة. وهو يتكوَّن من وحدات متماثلة في الأساس يتوزَّع العمل عليها حسب التوزيع المحلي للأعمال في المناطق المختلفة، أو التوزيع النوعي الذي تنشأ به محكمة لكلٍّ من أنواع القضايا المدنية والجنائية والتجارية.. وهكذا.

إلا أن البشري بعد هذا التناول وبعد الإقرار بأن هذا الشكل التنظيمي هو الذي يسود العالم كله الآن بما فيه العالم الإسلامي، يرجع إلى التاريخ الإسلامي لينظر فيما كان لدينا من تنظيمات سياسية. فيجد أن النظام السياسي الإسلامي لم يعرف توزيع السلطة بهذا الشكل “الحداثي”، لأن أسس النظام الإسلامي تختلف اختلافًا جذريًّا عن أُسس النظام السائد الآن، من حيث إن النظام الحديث نظام وضعي لا يعترف بشريعة أو شرعية للحكم منزَّلة من السماء، في حين أن النظام الإسلامي يبدأ من مقولة أساسية هي مصدرية السماء لتشريع الأرض. وبهذه المقولة الأساسية استقامت في الإسلام خريطة متميزة في توزيع السلطات.

فإذا نظرنا إلى وظيفة الإمام وسلطته في النظام الإسلامي، نجد أن الوظيفة الأساسية للإمام هي حراسة الدين وسياسة الدنيا، فالإمام هنا حارس وسائس وهي معان أقرب إلى العمل التنفيذي وإلى الواجبات التي تُلقى على مسؤول التنفيذ بالمصطلح الذي يُستعمل حاليًّا لما يُسَمَّى السلطة التنفيذية. وعند جمهور مجتهدي الأمة تنعقد الإمامة بالبيعة، والبيعة دائمًا تصدر للإمام على أساس أن يعمل بكتاب الله وسنة نبيِّه. فهي بيعة مشروطة دائمًا، وشرطها يعنى أن سلطة الإمام سلطة مقيَّدة وأنها تجري في إطار نظام قانوني مضروب عليها من أحكام التشريع الإسلامي المنزَّلة. ويرجع البشري إلى الماوردي لينقل عنه سلطات الإمام كما حدَّدها الأخير، وكذا وظائف الوزراء “وزير التفويض” و”وزير التنفيذ” ليستدلَّ البشري بذلك على أن الفكر والواقع الإسلامي عرف أشكالًا من السلطة التنفيذية تقوم بنفس الوظائف -أو قريبًا منها- التي تؤدِّيها السلطة التنفيذية المعاصرة(32).

أما السلطة التشريعية، فإن البشري يلاحظ أن فقهاء المسلمين لم يتعرَّضوا لهذه السلطة بالشكل المألوف الآن، ذلك أنهم لم يكونوا يبحثون عن جهة تقوم بهذه الوظيفة، لأنها في نظرهم كانت قائمة فعلًا وهي تتمثَّل في القرآن والسُّنَّة. وهنا وجه تمييز أساسي بين التنظيم السياسي المستمدِّ من أُسُسِ الشرعية الإسلامية وبين التنظيم الذي ينبني على أُسُسِ النُّظم الوضعيَّة. وفي نظر فقهاء الإسلام ومن واقع التجربة التاريخية للنُّظم الإسلامية، يتبيَّن أنهم نظروا لهذا الأمر بحسْبان أن للدولة الإسلامية قانونًا أساسيًّا إلهيًّا شرعه الله بالقرآن وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فحيث وجد في القرآن أو في السُّنَّة نَصٌّ يصدق حكمه على وضع معيَّن أو حالة مخصوصة وجب على كلِّ امرئٍ أن يطبِّقه وشرعيَّته في التطبيق مستمدَّة من أصل نزوله بالقرآن الكريم أو صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم. دون أن يتطلَّب موافقة أو اعتمادًا أو تصديقًا من جهة ما. وهو واجب النفاذ يمتثل له الكافَّة وعلى رأسهم إمام المسلمين وعمَّال دولته، بل إن إطاعة المسلمين لهم مشروطة باتِّباع هؤلاء أحكام القرآن والسُّنَّة، وأصل شرعية وجودهم أن يحرسوا هذه الأحكام. هذا هو ما يمكن أن يُطلق عليه بالتشريع الأساسي المبتدأ الذي يتمثَّل في أحكام القرآن والسُّنَّة أو (التشريع من الدرجة الأولى)(33).

ولمعالجة القضايا المستحدثة استحدث الفقهاء وظيفة “الإفتاء” للتعامل مع النوازل، وهو ما يمكن تسميته بالتشريع من الدرجة الثانية. أمَّا بالنسبة للقضاء فإن النظام الإسلامي يتصوَّر الوظيفة القضائية جزءًا من الولاية العامة التي يمارسها «الإمام» وذلك حسبما نعرف من وقائع النظم الإسلامية وحسبما يثبت فقهاء الأحكام السلطانية، وقد كان الخلفاء الراشدون يقضون بأنفسهم فيما يتنازع فيه الناس من أمور. كما أن للإمام أن يعيِّن القضاة وله أن يسمح للولاة والأمراء في الأقاليم أن يعيِّنوا القضاة في الأقاليم التي يتولون عليها. غير أن القاضي لا يحكم وفق قانون وضعتْه الدولة أو السلطة التشريعية وإنما وفق اجتهاد القاضي واعتماده مدونات الفقه والمذهب الفقهي الذي يتبعه. لذا كانت السلطة القضائية مستقلَّة بدرجة كبيرة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية(34).

إن الفارق الأهم الذي يبرزه طرح البشري أن الدولة الحديثة تستولي على السلطات الثلاثة ولا يمكن فيها تحقيق استقلال بين السلطات بالشكل الذي كان موجودًا في نظام الحكم الإسلامي. فالدولة في الخبرة الإسلامية كانت تتشكَّل أساسًا من السلطة التنفيذية، أمَّا الجانب القانوني فكان مصدره القرآن والسُّنَّة، وكلٌّ له علماؤه وفقهاؤه المعترف بهم أهليًّا بما يفتونه ويجتهدون في حَلِّ مشاكل الناس في المساجد والمنتديات العامة، دون أن يكون الحاكم هو مصدرهم في التشريع.

أمَّا عن مركَّب “الدولة القومية” فيرى البشري أن القومية ليس المشكلة لأنها تتعلَّق بأساس تكوين الدولة على معنى قومي. ومن ثم يجب أن نميِّز بين الدولة كجهاز تنظيمي يحكم جماعة معيَّنة، وبين الجماعة السياسية التي تحكم وفقًا لتنظيم أو لآخر. القومية معيار لتشكُّل الجماعة السياسية أي جماعة المحكومين، والدولة تتعلَّق بالجهاز الذي يحكم ويدير شؤون الجماعة السياسية. فصفة القومية لا تتعلَّق بأساليب تشكُّل جهاز الدولة، إنما تتعلَّق بنطاق تكوُّن الجماعة السياسية كانتماء مشترك عام يربط بين أناسها. والدول تتكوَّن إمَّا على أساس الهُوية الواحدة، أو اللسان الواحد، أو الحدود القطرية بشرط قيام عنصري الوحدة الجغرافية أو التقارب الجغرافي مع الاتصال التاريخي الذي يتشكَّل به الإحساس بالانتماء لهذه الجماعة. إن الجموع الشعبية ومعايير التصنيف التي تخضع لها هي التي تشكِّل الجماعة، أمَّا الدولة فهي جهاز تنظيمي حاكم له ولاية عامة على الناس. وتشكُّل الجهاز التنظيمي واختصاصه باتخاذ القرارات وتنفيذها هو أمر تنظيمي بحت، ومعايير كل من الأمرين متميزة تمامًا عن الآخر(35).

ومن ثم كان البشري يرى أن الدولة بالأساس هي جهاز تنظيمي وإداري، وأما فكرة استيراد النموذج (نموذج الدولة القومية) فلم يَرَ البشري أن هذه هي مشكلة الدولة في العالم العربي. فمفهوم الدولة يتعلَّق بالجهاز والتنظيم الذي تضمُّه الجماعة ليحكمها وينظِّم شؤونها، ويتعلَّق بإدارة شؤون جماعة سياسية معيَّنة. والأصل في الدولة أنها نتاج هذه الجماعة السياسية؛ بمعنى أن الجماعة السياسية تتحدَّد تاريخيًّا بانتماءٍ شعبيٍّ يجمع بين من يتَّصفون بالوصف الذي يقوم به رباط وأساس هذه الجماعة، وهذا له أوضاعه التاريخية، فيمكن أن يكون أساس الجماعة التجمُّع العقيدي، ويمكن أن يكون أساسها التجمُّع اللغوي، ويمكن أن يكون أساسها عوامل جغرافية أو عوامل قبلية، وكلُّ ذلك ينشأ في ظروف تاريخية معيَّنة. وهذه الجماعة تتشكَّل وتتكوَّن لإدارتها أجهزة أو جهاز هو «الدولة» ليقوم أساسًا بوظيفتين أساسيَّتين: أولاهما: حفظ أمنها في مواجهة مخاطر الخارج عليها، وثانيًا: حفظ علاقة التوازن بين الانتماءات الفرعية التي توجد داخل هذه الجماعة السياسية لبقاء حاكمية الجماعة السياسية نفسها(36).

ومن ثم فكونها دولة قومية ليست هي مشكلة الدولة في العالم العربي، وإنما مشكلتها أنها “دولة استبدادية”، بمعنى أنها تقبض -كجهاز واحد- على كل السلطات والإمكانيات، ولا تُتيح لأي جماعة فرعية أن تنظِّم نفسها في حدود التنظيمات الفرعية، ولا تتيح لغيرها معارضتَها من داخلها (أي من داخل الجماعة القطرية)؛ وهذا هو الاستبداد. وهذه الدولة تقف دائمًا في مواجهة أي محاولة لإنشاء أية تكوينات خاصة أهلية تنظِّم الشؤون المحلية والأهلية لكلِّ الجماعات الفرعية، فضلًا عن أن تستطيع تلك التكوينات أن تواجه الدولة كمعارضة لمن يقبضون على الدولة أو مؤسساتها أو تحل محلَّ من يقبضون عليها. ومن ثم فمشكلة الدولة هي الاستبداد. الجهاز الحكومي فيها تكوينه هيكليًّا استبدادي؛ فهو جهاز حاكم مغلق على نفسه يختار رجاله ويدربهم في إطار أسلوبه في التعامل مع الناس، بعيدًا عن أي مشاركة شعبية، ورافضًا لتكوين أي تكوينات شعبية مستقلة عنه وخارجة عن سيطرته في التجميع والتشكيل والتقرير. كما يرفض تمامًا تكوين أي تنظيمات أهلية يكون لها الاستقلالية في تجميع أعضائها، وتشكيلهم لتكوينات مؤسسية، وتقريرهم بأنفسهم ما يتعلق بشؤونهم الذاتية؛ لكي يكون هو وحده -جهاز الدولة- المسيطر على كل هذه الفعاليات التنظيمية؛ رافضًا إنشاء أي تنظيم آخر بعيدًا عن سيطرته. ومن ناحية أخرى فإن الدولة في العالم العربي ليست دولة قومية، وإنما دولة قطرية(37).

هذه إذن هي الدولة القومية كما فهمها البشري وطرحها وتعامل معها فكريًّا وواقعيًّا، فماذا إذن عن علاقتها بالشريعة؟

ثانيًا: الدولة والشريعة في فكر البشري:-

يفهم البشري الشريعة الإسلامية في إطار المنظومة المفاهيمية للعلوم الشرعية، فيقول: الشريعة الإسلامية هي الأحكام المنزلة من الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والتي وردت في القرآن الكريم وفي السُّنَّة الصحيحة. والقرآن هو كلام الله المنزل على نبيه محمد، والذي يضمُّه المصحف من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، والذي انتقل إلينا بالتواتر جيلا عن جيل، محفوظًا من أي تغيير أو تعديل، مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)([38]) والسُّنَّة هي كل قول أو فعل أو تقرير وَرَدَ عن رسول الله، وكان مقصودًا به التشريع والاقتداء(39).

والقرآن كله ثابت ثبوتًا يقينيًّا لا يأتيه الشَّكُّ أبدًا، والسُّنَّة منها ما هو ثابت ثبوتًا يقينيًّا لنزولها إلينا بالتواتر، مثل حركات الصلاة وعدد ركعات كل منها، ومنها ما يثبت بالظن الراجح، أي ثبوتًا أقل من ثبوت القرآن والسُّنَّة المتواترة. ونصوص القرآن والسُّنَّة بعضها قطعي الدلالة لا يرد الخلاف بين العقول حول الحكم المقصود من النص، وبعضها ظني الدلالة، أي يمكن أن تتباين العقول في إدراك معانيه. وأحكام القرآن والسُّنَّة لها وضع إلهي، وهي لا يطرأ عليها تغيير ولا تبديل. وهذه الأحكام هي المقصودة بالشريعة الإسلامية، وهي تشمل جملة ما يتضمَّنه الإسلام من أصول حاكمة للعقيدة الإسلامية وللعبادات ومعاملات البشر(40).

وهو بهذا التعريف يتغيَّا تمييز الشريعة عن الفقه، فالفقه كما عرَّفه هو اجتهادات البشر في إدراك أحكام الشريعة، وفي استخلاص المعاني المقصودة ووصل تلك الأحكام بأحوال البشر في كل بيئة، أي هو اجتهادات العلماء في إدراك معاني النصوص، والتفريع على الأصول العامة الواردة بالقرآن والسُّنَّة، وتطبيق النصوص الثابتة التي لا تتغيَّر على أحوال البشر المتنوِّعة، ووقائعهم المتغيرة مع تغير الأزمان والأمصار. وهذه الاجتهادات ذات وضع بشري تحتمل الخطأ، وتحتمل التغيُّر والتنوُّع مع اختلاف البيئات والأحوال. وهي كلها تتعلَّق بتفاصيل الأحكام وبفروع المسائل. هذا فارق نظري يتعيَّن ملاحظته بدقَّة عند النظر في الأحكام، وعندما نتدبَّر عنصر الثبات فيها، ووجوه التغيُّر والاختلاف. فالشريعة ثابتة، وهي ذات وضع إلهي، وأحكامها ونصوصها لیست تاريخية، بمعنى أنها ليست نتاج تاريخ الإنسان، وأنها ليست من الأحداث التي تُرَدُّ إلى أسباب حادثة، وتتغيَّر بتغيُّر أحوال البشر عبر مراحل التاريخ. والفقه من حيث اجتهاد الفقهاء والمفكرين يمكن أن يَرِدَ عليه التنوُّع والتغيُّر بتغيُّر الزمان والمكان. فهو ذو وضع تاريخي واجتماعي، كما يَرِدُ عليه احتمال الخطأ؛ بحسبانه من جهد البشر(41).

وبعد هذه التفرقة المفاهيمية بين الشريعة والفقه، يتَّجه البشري لتفرقةٍ تاريخيَّةٍ مهمَّةٍ، فيقول: إذا نظرنا إلى عهود الإسلام في تاريخنا منذ بعث النبي بالرسالة حتى يومنا هذا؛ نجد أن هناك عهدًا ليس كالعهود، وهو يتميَّز عنها تميُّزًا جوهريًّا، وذلك هو عهد الرسالة وما تلاه في زمان الخلفاء الراشدين، تلك الفترة التي لا تتجاوز نصف القرن بكثير. إن الفارق الأساسي بين عهد الصدر الأول هذا وبين ما تلاه من عهود، يتعلَّق بأن العهد الأول هو عهد «الشريعة»؛ أي عهد تأصيل الشريعة، بينما أن كل ما تلا ذلك من عهود فهي عهد «تطبيق الشريعة» أي عهود الفقه. العهد الأول يضم -فيما يضم- «الوعاء الزمني» لرسالة الإسلام، وأن ما به من نقاء وصفاء إنما يرد من هذا الوضع، ومن أنه كان «وعاء» النصوص. والنص -دائمًا- «مثال» يستمدُّ مثاليَّته من ذاته، وليس من غيره، فهو قائد وليس مقودًا، وهو حاكم وليس محكومًا. أمَّا مَا بعد ذلك من عهود وأزمان، فهي تاريخ من التاريخ، وما حدث فيها تجارب من تجارب المجتمعات والبشر يؤخذ منها ويُرَدُّ حسْب الحاجة والمصلحة(42).

كان الفقه إذن منتجًا اجتماعيًّا ينمو ويتطوَّر بواسطة عمل أهلي شعبي بعيدٍ عن نشاط الدولة وأجهزتها، وكان العلم يعلَّم في المساجد بالدعوة التلقائية وبالعمل التلقائي ويظهر المجتهد بالاعتراف العام الذي يكسِبه بعلمه وتدريسه ومناظرته، وهو اعتراف عام يرد له من أهل المعرفة بهذه الأمور، والناس تسعى إلى من تتوسَّم فيه الصلاحية للفتوى فيستفتونه، والعلماء يتبادلون العلم والمعرفة بالمجادلة والمناظرة. وبهذا النشاط “الأهلي” غير الرسمي وغير الحكومي ترسو مبادئ الاجتهاد وتظهر. ثم هي مع درجةٍ ما من درجات القبول العام لدى العلماء تستقرُّ وتصير كالأوضاع المعترف بها جزءًا من نسيج الهيكل التشريعي للجماعة، من حيث إنه يضبط تصرفات الأفراد ومعاملاتهم، ومن حيث إن له وجه إلزام على سلطات الدولة بحسْبانه حكم الشريعة فيما تقرَّر من الأمور([43]). هذا يعني أن الواقع الإسلامي كان يشهد عملية اجتهاد مستمرَّة تحقِّق إشكالًا من التجديد ومراعاة ما يستجدُّ من نوازل ومتغيِّرات.

غير أنه منذ القرن التاسع عشر، تساوقت عناصر ثلاثة كان من شأن تفاعلها حدوث الاضطراب في البناء التشريعي وهياكله وأنساقه في أقطار العالم الإسلامي. لم يكن واحد من هذه العناصر وحده هو مصدر الاضطراب، ولكن تضاربها معًا -على الصورة التي حدثت في الظروف التاريخية الملموسة- هو ما أشاع الفوضى في هذا المجال. أول هذه العناصر كان جمود الوضع التشريعي الآخذ عن الشريعة الإسلامية، وهو الوضع الذي انحدر إلينا من قرون الركود السابقة، حسبما آلتْ إليه الأوضاع الاجتماعية السياسية وقتها. وليس المقصود بالجمود هنا الشريعة الإسلامية -بحسبانها الأصول المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة- ولكن المقصود هو ما آل إليه الجهد الاجتهادي في تلك الأحكام من جمود(44).

وثاني هذه العناصر، ما أوجبته أوضاع الصحوة الاجتماعية والسياسية، من طروء الحاجة الماسة لإصلاح الأوضاع والنظم وتجديدهما، الأمر الذي يستوجب إصلاحًا وتجديدًا مناسبين في الهياكل والنظم التشريعية. وليس الإصلاح في ذاته مدعاة للاضطراب، إنما أسلوب الإصلاح هو ما أفضى إلى ذلك. إذ اتخذت برامج النهوض -سواء على أيدي سليم الثالث ثم محمود الثاني في إستانبول، أو على يدي محمد علي في القاهرة- طابعًا ازدواجيًّا، تأتَّى من إبقاء القديم على ركوده وإنشاء الحديث بجانبه وعلى غير انبثاق منه ولا تفاعل معه؛ يظهر ذلك في المؤسسات التعليمية والقضائية ونظم الإدارة والقانون والاقتصاد. وكان هذا مما انصدعت به البيئة الاجتماعية والفكرية إلى شطرين متميزين، ولا تزال آثار انصداعها العميقة تعمل عملها إلى الآن. وثالث هذه العناصر هو الغزو الأوروبي السياسي والاقتصادي ثم العسكري(45).

وعلى هذا يرى البشري أن النفاذ التشريعي للتشريعات الغربية التي أخذت تحلُّ محلَّ التشريع الإسلامي، قد بدأ بالظهور واضحًا من عام 1839 مع ما أطلق عليه “خط جلخانه” الذي أعلنه السلطان عبد المجيد فور تولِّيه الحكم بعد وفاة أبيه، وفور هزيمة الجيش العثماني أمام قوات محمد علي في الفترة ذاتها. وأطلق على هذه المرحلة مرحلة التنظيمات واستمرت حتى عام ١٨٧٩، بعيد تولي السلطان عبد الحميد الثاني حكم الدولة العثمانية في ١٨٧٦. وعلى مدى رحلة التنظيمات اطَّرد صدور القوانين ونظم المحاكم الآخذ عن التشريعات الغربية، والفرنسية منها على وجه الخصوص، وصدرت مجموعات للقوانين وأنشئت محاكم اقتطعت مجالات كثيرة للتعامل من هيمنة الأحكام الشرعية ومن ولاية القضاء الشرعي، وفي ١٨٤٧ أنشئت محاكم مدنية وجنائية مختلطة من قضاة محليِّين وأجانب، وفي ١٨٥٠ صدر قانون تجاري مأخوذ من القانون الفرنسي وأُنشئت محاكم تجارية عن التشريعات الفرنسية، وفي ١٨٦١ صدر قانون للإجراءات التجارية، وفي ١٨٦٣ صدرت مجموعة القوانين التجارية البحرية، وفي ١٨٦٧ مُنِحَ الأجانبُ حقَّ تملُّك العقارات، وفي ١٨٦٩ أعيد تنظيم المحاكم النظامية الجديدة، وفي ۱۸۷۹ فُصلت دعاوى الأراضي عن المحاكم الشرعية(46).

وفي مواجهة حركة التغريب هذه ظهرت حركة “تقنين الشريعة” كردِّ فعل لوضع تشريعات آخذة عن الشريعة الإسلامية. وظهرت مجلة «الأحكام العدلية» التي أعدتها لجنة من سبعة علماء في “إستانبول” برئاسة أحمد جودت باشا في الفترة من ۱۸٦٩ حتى ١٨٧٦. وقد اقتصرت المجلة في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية على المعاملات، وأبقت مسائل الأحوال الشخصية بعيدة عنها، وذلك لاختلاف الملل والطوائف والأديان في سائر أقطار الدولة العثمانية، وأخذ غالب أحكام المجلة من المذهب الحنفي السائد في الغالب من الأقطار، ومع صدور المجلة تأسَّس معهد حقوقي عال عُيِّنَ للتدريس فيه بعض أعضاء اللجنة التي أعدَّتها.

كما صدرت مجلة للجنايات والأحكام العرفية في تونس في ١٨٦١ آخذة في الغالب من المذهب المالكي السائد في المغرب العربي، ثم صدرت في تونس أيضًا مجلة جديدة عن الالتزامات والعقود في سنة ١٩٠٦ مستقاة من العديد من مذاهب الفقه الإسلامي، ولكن مجلة «الأحكام العدلية» العثمانية هي ما حقق انتشارًا واسعًا وشيوعًا وإحياء لفقه الشريعة الإسلامية على المذهب الحنفي في سائر أقطار المشرق العربي، وبقيت لها آثار على مدى قرن من الزمان، وخاصة في لبنان والأردن والكويت وفلسطين، كما بقيت في العراق، ثم حمل التقنين العراقي الجديد أثرًا واضحًا لها منذ منتصف القرن العشرين(47).

غير أن عملية تقنين الشريعة هذه ما لبثتْ أن فشلتْ مع توغُّل الاستعمار وسيطرة بريطانيا وفرنسا على معظم الدول العربية، وظهور تعدُّدية في المحاكم والأنظمة القانونية (محاكم مختلطة وأهلية وقضاء شرعي)، وهو ما انتهى في النهاية إلى توحيد الأنظمة القانونية وتبنِّي القوانين الغربية بشكل كامل واضح واستبعاد الشريعة أو حصرها في مجال الأحوال الشخصية في أحسن الأحوال. ومن تلك اللحظة أصبح مطلب “تطبيق الشريعة” مطلبًا مُلِحًّا ينادي به الكثير من أبناء الدول الإسلامية، وكان في أول الأمر مطلبًا قانونيًّا مرتبطًا بفقهاء القانون والدستور. ثم ما لبث أن أصبح مطلبًا سياسيًّا مرتبطًا برغبة حركات سياسية في الوصول إلى الحكم. وقد كان من شأن انتقال هذا المطلب من الإطار القانوني إلى الإطار السياسي، أن استحدث الخصومات السياسية والصراع السياسي بين الحركات المنادية به والدولة نفسها.

ملاحظات ختامة:

تبيَّن من الطرح المتقدِّم أن كلًّا من حلاق والبشري ينطلقان من خلفيات منهجية وفكرية شديدة التباين، أُثَّرت ووجَّهت طرح كل منهما حول مسألة “الدولة الإسلامية”، فبينما يخرج حلاق من التقليد الاستشراقي الأكاديمي الغربي “حتى وإن كان ينتقده” يخرج البشري من السياق الفكري العام العربي والإٍسلامي الواقعي. وكذا يتَّضح الفارق الكبير بين المنهج النقدي الراديكالي الذي يتناول به حلاق مسألة الدولة الحديثة خصوصًا والحداثة الغربية عمومًا. وبين منهج البشري الواقعي والتاريخي الذي يعمد إلى قراءة التاريخ لفهم الواقع. ولا يمكن أن نغفل في هذه النقطة إلى من يوجِّه كل من الطرفين خطابه، فحلاق يخاطب بالأساس جمهورًا مدرسيًّا مهتمًّا بالدراسات الإسلامية وغيرها، بينما يخاطب البشري جمهورًا أوسع من المثقفين العرب، ولعل هذا أحد أسباب اختلاف اللغة والمناهج التي يستخدمها كل منهما.

إن التضاد والاختلاف بين الطرحين والذي يسمح لنا بأن نصفهما باتجاهين متعاكسين، لا ينفي وجود تقاطعات وتوافقات بينهما؛ وخاصة في فهم الطرفين لعلاقة الشريعة بالمجتمع المسلم قديمًا، وبدور الاستعمار والتغريب في تحويل العالم الإسلامي وتنميطه على الشاكلة الأوروبية. وكذا يتفق الطرفان على أن الشريعة الإسلامية غير قائمة في الواقع، إلا أن سبب هذا يختلف اختلافًا جذريًّا بينهما، فيرى حلاق أنها غير قائمة لأن هذا غير ممكن بأي حال، بينما يرى البشري أنها غير قائمة لأسباب سياسية تعلق بالقائمين على السلطة في الدول العربية، وأن مشروع تطبيق الشريعة ممكن إذا سمحت به الظروف السياسية.

لم تُعن هذه المقارنة بالمفاضلة بين أطروحتين، وإنما عُنيت في المقام الأول بالفهم والنظر، خاصة أن موضوع الدولة الإسلامية كان ولا يزال واحدًا من أهم الموضوعات التي تشغل العقل العربي والمسلم المعاصر، ولا تزال مسألة محل جدل واسع واختلاف شديد بين كافة التيارات السياسية والفكرية.

 

المصدر: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 29 ديسمبر 2024، https://2u.pw/uU0cnxek

_______________________________ 

الهوامش:

* مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية- كلية التجارة- جامعة حلوان.

** باحثة في العلوم السياسية.

 

(1) صلاح سالم زرنوقة، الاتجاهات الحديثة في دراسة الدولة: الجوانب البنيوية، مجلة النهضة، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، العدد2، أبريل 2006، ص 3.

(2) نزيه الأيوبي، العرب ومشكلة الدولة، (بيروت: دار الساقي، 1992)، ص ص 23-24.

(3) نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة: أمجد حسين، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص51.

(4) عبد الإله بلقزيز، رضوان السيد، أزمة الفكر السياسي العربي، (دمشق: دار الفكر العربي، الطبعة الثانية، 2006)، ص 52.

(5) المصدر السابق، ص 52.

(6) طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، (القاهرة: دار الشروق، 2005) ص13.

(7) علي أومليل، الاصطلاحية العربية والدولة الوطنية، (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985)، ص ص 88-89.

(8) حامد ربيع (مقدمة)، في شهاب الدين بن الربيع، سلوك المالك في تدبير الممالك، تحقيق وتعليق: حامد ربيع، (القاهرة: دار الشعب، 1980)، ص16.

(9) نصر محمد عارف، نظريات السياسة المقارنة ومنهجية دراسة النظم السياسية العربية، (فيرجينيا: جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية، 1998)، ص82.

(10) المصدر نفسه، ص ص101-105.

(11) وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة: عمرو عثمان، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الثالثة، 2015)، ص19.

(12) سجالات “الدولة المستحيلة”: ردود وتعقيبات – حوار مع وائل حلاق، حاوره: عثمان أمكور، مركز نهوض للدراسات والبحوث، 25 نوفمبر 2022، متاح عبر الرابط: https://2u.pw/MEPS2bxV.

(13) وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مصدر سابق، ص ص 40-41.

(14) المصدر نفسه، ص63.

(15) سجالات “الدولة المستحيلة”: ردود وتعقيبات – حوار مع وائل حلاق، مصدر سابق.

(16) المصدر السابق.

(17) المصدر نفسه.

(18) وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مصدر سابق، ص68.

(19) المصدر السابق، ص70.

(20) المصدر السابق، ص71.

(21) المصدر نفسه، ص ص74-75.

(22) المصدر نفسه، ص78.

(23) المصدر نفسه، ص ص 81-82.

  • الممارسة الخطابية: مفهوم مركزي عند ميشيل فوكو، استخدمه في تحليله لمفهوم الخطاب، وهو مصطلح إبيستيمولوجي يعرفه فوكو بأنه: «مجموعة من القواعد الموضوعية والتاريخية المعينة والمحددة دوما في الزمان والمكان، والمحددة في فترة زمانية بعينها، وفي نطاق اجتماعي واقتصادي وجغرافي معين. إن فوكو غير معني إذن بالخطاب بما هو كذلك، وإنما بالممارسة الخطابية، أي: مجموعة القواعد الموضوعية تماما؛ المحددة في زمان بعينه ومكان بعينه وشروط اجتماعية واقتصادية بعينها، التي تحدد إنتاج هذا الخطاب. ويقابلها الممارسة غير الخطابية، كتلك المتعلقة بموضوعات غير خطابية كالسلطة مثلا أو الطب أو السجن. حلاق هنا وضدا على اختزال الشريعة في صورة نص قانوني ينظر إلى الشريعة بوصفها ممارسة خطابية، أي: قواعد متغلغلة في السياق الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي الذي عاشت فيه. انظر هامش (1) للمترجم في، وائل حلاق، ما هى الشريعة، مصدر سابق، ص28.

(24) وائل حلاق، ما هى الشريعة؟، ترجمة: طاهرة عامر وطارق عثمان، (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2016)، ص29.

(25) المصدر نفسه، ص 30.

(26) المصدر نفسه، ص ص 75-80.

(27) المصدر السابق، ص ص101-102.

(28) سيف الدين عبد الفتاح، المجتمع المدني والأهلي من منظور إسلامي بين الفكر والممارسة، في سيف الدين عبد الفتاح والحبيب الجنحاني، المجتمع المدني وأبعاده الفكرية، (دمشق: دار الفكر العربي، 2003)، ص ص 122-123.

(29) طارق البشري، اجتهادات فقهية، (القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2017)، ص199.

(30) المصدر السابق، ص ص 200-201.

(31) المصدر السابق، ص ص 202-203.

(32) طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، (القاهرة: دار الشروق، 2005)، ص 57.

(33) المصدر السابق، ص58.

(34) المصدر نفسه، ص61.

(35) مدحت ماهر (محاور)، حوارات مع طارق البشري: سيرة معرفية بين الذات والأمة، (القاهرة: دار البشير، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2020)، ص384.

(36) المصدر السابق، ص386.

(37) المصدر السابق، ص 387.

(38) سورة الحجر: 9.

(39) طارق البشري، اجتهادات فقهية، مصدر سابق، ص38.

(40) المصدر نفسه، ص39.

(41) المصدر نفسه، ص ص 29-40.

(42) المصدر نفسه، ص43.

(43) طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، مصدر سابق، ص ص 60-61.

(44) طارق البشري، الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، (القاهرة: دار الشروق، 1996)، ص5.

(45) المصدر السابق، ص6.

(46) طارق البشري، السياق التاريخي والثقافي لتقنين الشريعة الإسلامية، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2011)، ص21.

(47) المصدر السابق، ص22.

يُعَدُّ الذكاء الاصطناعي من أبرز معالم العصر الحديث، حيث يسهم في تطوير العديد من المجالات، بما في ذلك مجال القضاء؛ فمع تزايد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء، برزت الحاجة إلى دراسة فقهية تأصيلية تُحدد مدى توافق هذه التطبيقات مع الشريعة الإسلامية، ويأتي كتاب "أحكام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء" للدكتورة أروى بنت عبد الرحمن بن عثمان الجلعود كإسهام علمي متميز في هذا المجال، حيث يتناول بالتحليل والتفصيل الأحكام الفقهية المتعلقة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي، وهذا الكتاب كان رسالتها العلمية التي حصلت بها على درجة الدكتوراة من قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك سعود الإسلامية.

 

أسباب اختيار الموضوع:

مع التطور التكنولوجي السريع، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من العديد من المجالات، بما في ذلك القضاء، ومع ذلك، يثير استخدام هذه التقنيات تساؤلات فقهية حول مدى توافقها مع الشريعة الإسلامية، لذلك، كان من الضروري إجراء دراسة فقهية تأصيلية لتحديد الأحكام الشرعية المتعلقة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في القضاء، لضمان تحقيق العدالة وحفظ حقوق الأفراد.

 

أهداف البحث

يهدف البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:

  1. التعرف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي المؤثرة في المجال القضائي: دراسة التطبيقات الحالية والمستقبلية للذكاء الاصطناعي في القضاء.
  2. بيان التكييف الفقهي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي: تحليل مدى توافق هذه التطبيقات مع الأحكام الشرعية.
  3. بيان الأحكام الفقهية المتعلقة بقضاء الذكاء الاصطناعي: تحديد الأحكام الشرعية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء.

 

أهمية البحث:

يكتسب هذا البحث أهمية خاصة نظرًا لتناول موضوع حديث وحيوي، يتعلق بتوظيف الذكاء الاصطناعي في القضاء. مع التطور التكنولوجي السريع، أصبح من الضروري دراسة مدى توافق هذه التطبيقات مع الشريعة الإسلامية، لضمان تحقيق العدالة وحفظ حقوق الأفراد. يهدف البحث إلى سد الفجوة المعرفية في هذا المجال، وتقديم إسهام فاعل في إثراء المكتبة الفقهية القضائية.

 

منهج البحث:

اعتمدت الباحثة في دراستها على المنهج الاستقرائي التحليلي، حيث قامت بجمع الأدلة والنصوص الشرعية المتعلقة بالموضوع، ثم تحليلها ومناقشتها للوصول إلى الأحكام الفقهية المناسبة، كما استندت إلى آراء الفقهاء المعاصرين، مع مراعاة المستجدات التكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن من الملاحظ أن هناك نقصًا في التحليل النقدي العميق لبعض التطبيقات العملية، إذ إن الكتاب ركز بشكل أساسي على الجوانب النظرية، كان من الممكن تعزيز التحليل بنماذج من الواقع القضائي، سواء في العالم الإسلامي أو خارجه، لمعرفة كيف يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تكون مفيدة أو مدمرة، وأيضًا المؤلفة لم تقدم تحليلًا نقديًا للأخطاء الأخلاقية المحتملة التي قد تنشأ عن استخدام التكنولوجيا في القضاء، على الرغم من الإشارة إلى مسألة التحيز، إلا أن هذا الجانب كان يحتاج إلى تفصيل أكبر، خصوصًا في ظل تحديات الأخلاقيات التقنية المعاصرة.

 

 

موضوعات الكتاب:

يتألف الكتاب من ثمانية فصول، تناولت فيها المؤلفة مختلف جوانب استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء من منظور فقهى تأصيلي، والتي كانت كالتالي:

الفصل الأول: حكم تولي النظام الذكي القضاء (يتناول هذا الفصل دراسة مدى جواز تولي الأنظمة الذكية لمهام القضاء، مع تحليل الشروط والضوابط الشرعية اللازمة لذلك).

الفصل الثاني: حكم تولي النظام الذكي التحكيم (يبحث هذا الفصل في إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة للتحكيم بين الأطراف المتنازعة، مع استعراض الأحكام الفقهية المتعلقة بذلك).

الفصل الثالث: حكم تولي النظام الذكي التحقيق والاستعانة به "يناقش هذا الفصل دور الذكاء الاصطناعي في عمليات التحقيق، ومدى جواز الاستعانة به في جمع الأدلة وتحليلها".

الفصل الرابع: أثر الذكاء الاصطناعي في طريق الحكم وصفته "يستعرض هذا الفصل تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على سير عملية الحكم، وكيفية تأثيره على صفات القاضي التقليدية".

الفصل الخامس: أثره في الشهادات (يتناول هذا الفصل دور الذكاء الاصطناعي في جمع وتوثيق الشهادات، ومدى تأثيره على مصداقية الشهادة في النظام القضائي).

الفصل السادس: أثره في الإقرار (يناقش هذا الفصل كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على عملية الإقرار، سواء من حيث جمعه أو توثيقه).

الفصل السابع: أثره في قضاء التنفيذ (يبحث هذا الفصل في دور الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الأحكام القضائية، وكيفية استخدامه في متابعة تنفيذ القرارات الصادرة).

الفصل الثامن: أثره في التوثيق (يتناول هذا الفصل دور الذكاء الاصطناعي في عمليات التوثيق، ومدى تأثيره على ضمان صحة الوثائق وسلامتها).

 

التوصيات:

في نهاية الكتاب، قدمت المؤلفة بعض التوصيات التي تتعلق بضرورة تطوير التشريعات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء الإسلامي، ومن ضمنها التوصية بتدريب القضاة على التعامل مع التكنولوجيا وضمان أن تكون القرارات النهائية دائمًا في يد الإنسان وليس الآلة. لكن يلاحظ أن التوصيات جاءت عامة بعض الشيء، وكان من الأفضل تقديم خطط تفصيلية أو نماذج عملية لتبني هذه التوصيات في المحاكم الإسلامية، كما كان من الضروري تقديم نقد داخلي للأحكام الفقهية المعروضة، بحيث توضح كيف يمكن للتقنيات الحديثة أن تتحدى أحيانًا مبادئ قديمة وتحتاج إلى اجتهاد جديد.

 

رابط تحميل ملف الكتاب

______________________________

* أروي الجلعود، أحكام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء، الجمعية العلمية القضائية السعودية، الرياض، الطبعة الأولي، 2022م.