صدرت الطبعة الأولى من كتاب "المرجعية الإسلامية في دساتير دول منظمة التعاون الإسلامي السبع والخمسين- دراسة تطبيقية على النظام الدستوري المصري" عام 2023م، وهو في أصله أطروحة دكتوراه قدمت إلى قسم القانون العام بكلية الحقوق-جامعة الإسكندرية عام 2022، بإشراف الأستاذ الدكتور إبراهيم صلاح الهدد رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية.

 أما المؤلف فهو المستشار الدكتور "سعيد محمد عطية أبو الخير" نائب رئيس مجلس الدولة المصري، والذي انتدب للتدريس في أكثر من كلية في جامعات الإسكندرية والقاهرة والأزهر، فضلا عن انتدابه للعمل مستشارا قانونيًا في العديد من هيئات الدولة، كما أُعير مستشارًا بمحكمة القضاء الإداري بسلطنة عُمان.

وقد ذكر أ. د. صلاح الهدد في مقدمته للكتاب أن "هذه الدراسة المستوعبة المستقصية" قد أبحر من خلالها "الباحث باقتدار في دساتير سبع وخمسين دولة مع اطلاع على قوانينها المستظلة بدستورها، بوصف القوانين ناسلة من الدساتير نابعة منها، محكومة بأسسها، وهذا جهد جهيد يبصره القارئ منثورا على صفحات هذا الكتاب الذي يعد في بابه قاموسا محيطا ، ثم أطال الوقوف مع الدستور المصري، وقوانينه المحكومة به ليخرج في نهاية المطاف الفسيح إلى مجافاة بعض القوانين للدستور المصري، وهي دراسة نقدية جادة متأنية كاشفة عما يتمتع به القضاء المصري من قامات فكرية في الشريعة والقانون ، ومصر ولادة أبدا على مر تاريخها، وإني إذ أقدم لهذا الكتاب أسأل الله أن يكتب له القبول، وأن ينفع به كل من طالعه، وأن يفيد منه أهل الذكر في هذا الباب ، إذ هو علامة مضيئة على لاحب مديد".

 

يناقش الكتاب كيفية انعكاس المرجعية الإسلامية في دساتير سبع وخمسين دولة تنتمي لهذه المنظمة، ويركز بشكل خاص على النظام الدستوري المصري، مستندًا إلى فهمٍ عميق للشريعة الإسلامية ومكانتها كمصدر أساسي للتشريع، مع إيضاح التحديات والممارسات الدستورية المختلفة في هذه الدول.

كما تناول الكتاب دور السلطات العامة -التشريعية والتنفيذية والقضائية- في الدول الإسلامية حيال تطبيق أحكام المرجعية الإسلامية بصفة عامة، والمرجعية الإسلامية الحاكمة أو الملزمة بصفة خاصة، وقد اعتني الكتاب بهذه المرجعية الحاكمة بشكل أساسي في أبوابه وفصوله، لما لها من أهمية قصوى في نظر الشريعة الإسلامية عبرت عنها النصوص قطعية الثبوت والدلالة وما في حكمها، ونظرا لأن هذه المرجعية تمثل ثوابت هذه الشريعة التي لا تقبل تبديلا ولا تعديلا باعتبارها جوهر النظام العام الإسلامي الذي لا تجوز مخالفته أو الخروج عليه.

 

أهمية موضوع الكتاب:

بيّن المؤلف في مقدمته للكتاب مدى أهمية موضوعه كالتالي:

"والحقيقة أن قضية تطبيق الشريعة في الدول الإسلامية بصفة عامة تُعَدُّ مِحور جدل لا ينتهي شأن الصراع بين الحق والباطل، وهي دائما مثار شد وجذب بين الشعوب الإسلامية من جهة والأنظمة السياسية الحاكمة من جهة أخرى، والصراع بشأنها لا يهدأ وإن بدا خافتا أحيانًا. فقضية تطبيق الشريعة هي أهم وأدق القضايا التي تواجه أي دولة إسلامية تريد أن تجمع بين فرائض الدين والدنيا، بالنظر لما لهذه القضية من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة على المستويين المحلي والدولي، والتي غالبا ما تشكل في مجموعها ضغوطا على الأنظمة السياسية تدفعها إلى الإحجام عن ولوج هذا الباب مكتفية -ارضاء لشعوبها- بنص دستوري خاو على أنها دولة إسلامية أو أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة شأن بعض الدول الإسلامية، أو أن تتردد هذه الدولة أو تلك -نتيجة هذه الضغوط- في اتخاذ خطوة أو خطوات في سبيل استكمال ما عساها أن تكون قد بدأته في هذا الشأن، على الرغم من النص في دستورها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي أو الوحيد أو الرئيسي للتشريع والذي لا جدال فيه أن قضية تطبيق الشريعة تثير كثيرا من الإشكاليات التي لا دخل للشريعة الإسلامية - كنظام قانوني - بها ، وإنما مردها في الغالب إلى الظروف والأوضاع التي تعانيها المجتمعات والدول الإسلامية، تلك الإشكاليات التي دعتنا إلى إعداد هذه الدراسة أملًا في تمهيد السبيل أمام المشرعين في الدول الإسلامية للاستهداء بها أو القياس على منوالها، ولا تخاذ خطوات إيجابية تليق بوزن وحجم هذه القضية لما لها من أهمية لا من الناحية الدنيوية فحسب، بل- قبل ذلك- من الناحية الأخروية.. {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: ١٥٣)".

كما تبرز أهمية الكتاب في محاولة المؤلف الكشف عن مواضع القوة والضعف في الدساتير التي تبنت الشريعة الإسلامية كمرجعية تشريعية، كما أن الكتاب يهدف إلى تقديم رؤية شاملة للقوانين والدساتير التي تستند إلى الشريعة في العالم الإسلامي، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على هذه الدول لتعديل دساتيرها وقوانينها.

 

الإشكاليات التي تناولها الكتاب:

تناول المؤلف في مقدمته للكتاب -كذلك- إشكاليات متعددة ترتبط بدور السلطات العامة حيال المرجعية الإسلامية، وتطرق إلى تحديات تطبيق الشريعة الإسلامية في معظم الدول الإسلامية، موضحًا أن الإشكالية الكبرى التي تختزل المشهد العام في المجتمعات الإسلامية في التناقض بين ما تؤمن به هذه المجتمعات -من أن الشريعة الإسلامية هي القانون الأوحد- وبين ما يُفرض عليها في الواقع من أنظمة قانونية وضعية. هذا الانفصام الشخصي واضطراب الهوية أديا إلى تأخر المجتمعات الإسلامية وتخلفها، ما يستدعي تحرير هذه المجتمعات من الهيمنة الفكرية والمادية الغربية وإعادة تطبيق الشريعة الإسلامية كأساس لنظام الحياة.

كما قسم المؤلف تلك الإشكاليات إلى إشكاليات عامة، وإشكاليات خاصة، واستفاض في شرحها على الوجه الآتي:

  • الإشكاليات العامة:

1. إشكالية النص والواقع: تفترض هذه الإشكالية وجود تناقض بين النصوص الدستورية في الدول الإسلامية والواقع العملي. بمعنى أن العديد من النصوص التي تتعلق بالمرجعية الإسلامية هي "نصوص بلا واقع"؛ فهي موجودة على الورق لكنها غير مطبقة في الحياة العملية، باستثناء بعض التشريعات المتفرقة التي لا تعبّر عن كمال الشريعة. هذه الإشكالية تتطلب إما تعديل النصوص الدستورية أو إعادة تفسيرها بما ينسجم مع الواقع السياسي والتشريعي.

2. إشكالية الخطأ في التصور: تتعلق هذه الإشكالية بالنصوص الدستورية التي تُدرج الإسلام على أنه "دين الدولة" ولكنها في الواقع لا تميز الإسلام كمنظومة شاملة للحياة. النص الدستوري هنا يُعامل الإسلام كدين شعائر فقط، دون الاهتمام بنظامه المتكامل في الحكم وإدارة شؤون الحياة. وتكشف التجارب الدستورية أن هذا النوع من النصوص يُعتبر خاطئاً من حيث التصور والفهم لطبيعة الإسلام.

3. الخلط بين الإسلام والعلمانية: تُظهر هذه الإشكالية الخلط بين مفهوم الدولة الإسلامية والدولة العلمانية، كما يظهر في بعض دساتير الدول الإسلامية. مثل هذه النصوص الدستورية تثير التشويش حول هوية الدولة الإسلامية وتسبب اضطراباً في الوعي الجماهيري، حيث يظهر وكأن الإسلام والعلمانية قد اندمجا في مفهوم واحد، رغم التناقض بينهما.

4. الإشكالية الذهنية (الإيجابية والسلبية): تنقسم هذه الإشكالية إلى رؤيتين؛ الأولى تتمثل في التيار الإسلامي الذي يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل فوري وبدون قيود، والثانية في التيار العلماني الذي يرفض تطبيق الشريعة. بينما يمكن رفض النظرة العلمانية بالكامل، تظل هناك خلافات بين التيارات الإسلامية حول كيفية التطبيق، مما يؤدي إلى تذرع الأنظمة السياسية بهذه الخلافات لتأجيل تطبيق الشريعة.

 

  • الإشكاليات الخاصة:

تتناول هذه الإشكاليات المرجعية الإسلامية كنظام قانوني مستقل يتمتع بذاتيته وأصوله المميزة. وتشمل هذه الإشكاليات:

1. الخلط بين الإلزام والتقدير في النصوص الشرعية: هناك نصوص شرعية ملزمة وأخرى تقديرية. وهذا الخلط يؤدي إلى تضارب في فهم السلطة التقديرية التي يتمتع بها الحاكم أو المشرع في تطبيق الشريعة.

2. الخلط بين الشريعة والفقه الإسلامي: يتمثل الخلط هنا في اعتبار الشريعة هي نفسها الفقه الإسلامي، رغم أن الفقه هو نتيجة لاجتهاد العلماء في تفسير النصوص الشرعية. هذا الخلط يؤدي إلى تصور خاطئ بأن الشريعة لا يمكن أن تتكيف مع التطورات الحديثة.

3. الخلط بين العبادات والمعاملات: هناك خلط شائع في اعتبار بعض الفرائض، مثل الزكاة، ضمن العبادات الخالصة لله، في حين أن لها جوانب اجتماعية واقتصادية تتعلق بالمعاملات، وهو ما يؤثر على كيفية تقنينها وتطبيقها في النظام الإسلامي.

 

توصيات الدراسة:

اختتم المؤلف كتابه بإيجاز أهم ما خلص إليه من نتائج، ثم  ذكر أهم التوصيات العامة والخاصة التي كشفت عنها الدراسة، على النحو الآتي:

  • التوصيات العامة (للدول الإسلامية):

1. إعادة النظر في المرجعية الإسلامية على مستوى الدول الإسلامية كمرجعية تشريعية يجب العودة إليها دون منافسة من أي مرجعيات أخرى.

2. تبني نصوص دستورية تضمن تنفيذ المرجعية الإسلامية كمرجع تشريعي وحيد في الدول الإسلامية.

3. تعديل الصياغات الدستورية الحالية لضمان وحدة المرجعية الإسلامية في مجال التشريع.

4. وضع صيغة دستورية موحدة في دساتير الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي لتجنب التفاف أو إساءة تفسير النصوص الدستورية.

5. التعجيل بتنفيذ التوصيات وضرورة سن التشريعات اللازمة لتقليل الضرر على الأفراد والمجتمع بسبب عدم تطبيق القواعد الإسلامية.

 

  • التوصيات الخاصة (للنظام الدستوري المصري):

1. في مجال التشريع: ضرورة النص على مرجعية الشريعة الإسلامية في الدستور المصري كمرجعية تشريعية ملزمة، وتعديل النصوص الدستورية التي تتعارض مع هذه المرجعية.

2. في مجال القضاء الدستوري: ضمان أن المحاكم الدستورية تأخذ الشريعة الإسلامية كمرجع أساسي في القضايا المتعلقة بالتشريعات والقوانين، وضمان أن النصوص الدستورية والقانونية تحمي هذا التوجه.

هذه التوصيات تهدف إلى تأكيد المرجعية الإسلامية وتوحيد النصوص الدستورية لضمان تطبيق الشريعة كمرجع أساسي في التشريع.

 

 

فهرس موضوعات الكتاب:

توزعت موضوعات هذا الكتاب على ثلاثة أبواب:

الباب الأول: باب تمهيدي بعنوان: المرجعية الإسلامية والنظرية الدستورية

تناول فيه ثلاثة موضوعات رئيسية:

المفهوم العام للمرجعية الإسلامية - مصادرها - خصائصها - مزاياها.

الموقف الدستوري من المرجعية الإسلامية على مستوى الدول أعضاء منظمة التعاون الإسلامي.

الوضعية الدستورية للمرجعية الإسلامية.

الباب الثاني: بعنوان: المرجعية الإسلامية الحاكمة للسلطات العامة في الدول الإسلامية.

وقد تناول في هذا الباب عدة موضوعات رئيسية:

مفهوم المرجعية الإسلامية الحاكمة - مصادرها الخاصة.

نطاق المرجعية الإسلامية الحاكمة:

في نطاق القانون الخاص (قوانين الأسرة - القانون المدني).

في نطاق القانون المختلط (القانون الجنائي).

في نطاق القانون العام:

القانون العام الداخلي (القانون المالي - القانون الدستوري).

القانون العام الخارجي القانون الدولي العام).

الباب الثالث: بعنوان "دراسة تطبيقية على النظام الدستوري المصري".

تناول فيه دور السلطات العامة حيال نص المادة الثانية من الدستور مع التركيز على دور السلطة القضائية في هذا الشأن، وما ينبغي اقتراحه لعلاج مواطن الخلل والقصور سواء من خلال إعادة النظر في تفسير النصوص الحالية أم ما يقتضيه الأمر من تعديلات دستورية وتشريعية في هذا الشأن، مع محاولة وضع أسس النظرية جديدة في الرقابة الدستورية تكون أكثر انصافًا للنصوص المتعلقة بالمرجعية الإسلامية أم غيرها من النصوص التشريعية.

 

رابط تحميل مقدمة وفهرس الكتاب: هنا

 

 

في حديث عابر مع أحد الأصدقاء من الشباب المؤمن الواعي، وهو شاب طلعة يحب أن يزداد علمًا كل يوم، وأن يتفهم وأن يسأل عما لا يعلم، وأن يعلم عن دليل، وأن يناقش ليفهم، ونحن زمرة من الأصدقاء في بيته منذ ثلاث ليال نودعه ليلة سفره إلى الحج، ولم يترك السؤال والبحث والنقاش في شؤون من الشريعة وأحكامها .. استطرد إلى الحديث عن صاحب له زميل في الوظيفة من رواد الحقيقة المتطلعين إلى المعرفة، مولع بالجدل صعب الانقياد، فيه شيء من العناد، ولكنه ليس من الذين يحبون الجدل للجدل، بل يريد أن يعرف الحقيقة وأن يقع عليها.

في غمرة تلك الأحاديث ونحن مع صديقنا في وداع الحجة إلى موطن حجة الوداع، عندما وصل به الحديث إلى صاحبه هذا الزميل في الوظيفة، ووصفه بما ذكرنا قال لنا: إنه على جدله الذي يجاوز به أحيانًا حدود الاعتدال قد سمعت منه بالأمس جملة عبر بها عن ملاحظة من ملاحظاته ملكت علي إعجابي كله، وحضرت في ذهني فنزلت منه في مستقر ومستودع وأصبحت عندي إحدى ذخائر الفكر التي أختزنها.

قلنا فما هي تلك الجملة الحكيمة التي نزلت من إعجابك هذه المنزلة الرفيعة؟ أشركنا معك فيها يا رعاك الله، وهذا ثمنها نقدمه إليك سلفًا، دعوات صالحات نرفعها إلى رب البيت المعمور الذي أنت إليه قاصد، أن يكتبك في المقبولين الأبرار، ويجعل حجك مثمرًا لديه، وفي نفسك ثمرته التي شرع لأجلها، ويجعل متعتك الروحية فيه أعظم مما تؤمل.

تهللت أسارير صديقنا لهذه الدعوات، وانبرى يتابع حديثه ويروي لنا تلك الجملة التي سمعها من صاحبه الجدل.

فقال:

قال لي صاحبي هذا الذي حدثتكم عنه: إن من أعجب ما هو جدير بالملاحظة والاعتبار من غرائب الواقع في حياة الإنسان أن كل جزء في جسمه من الأجزاء التي لا تفهم ولا تعقل، يعمل بانتظام وإتقان دون خطأ، فالمعدة مثلاً لا تخطئ في عملها وإفرازها وسائر نواحي وظائفها، ومثل ذلك الأمعاء، والكبد، والغدد المختلفة، والكلى والعروق، والأعصاب بمختلف شعبها ومناطق نفوذها، إلى غير ذلك من آلاف أو ملايين الأجهزة وأجزائها وجزيئاتها في أداء وظائفها الحيوية التي تقوم بها حياة الانسان، والتي تحير عقول علماء الطب والتشريح وعلم الغريزة (الفيزيولوجيا)، وإن كان كثير من هذه الأجهزة والأجزاء قد يعجز، وقد يصاب بآفة مرضية فيختل عمله أو يقصر فيه، فهذا ليس بخطأ في عمله، فالمهم أنه لا يخطئ أبدًا، وإن كان قد يعجز أو يمرض أو يصاب بآفة.

أما العقل وهو الجانب المدرك، أو مجموع القوى المدركة في الإنسان، والتي يمتاز بها عن سائر الحيوان، ويمثل الفكر والذكاء وقدرة الابتكار التي لا حدود لها، والتدبير والتخطيط للمقاصد المستقبلة، والحيلة البارعة للتغلب على جميع العقبات والصعوبات التي تواجهها حياة الإنسان، إلى غير ذلك من المواهب التي تضافرت على تزويد الإنسان بالعلم في كل مجال وميدان بكل ما في كلمة العلم من معنى وما تشمله من آفاق وأعماق، هذا العقل الذي هو الجانب المدرك الواعي، أو هو أداة الفهم والتعقل والبصيرة لا يعمل دون خطأ، وخطؤه أكثر من صوابه!! أليس ذلك مثار عجب، ومدار اعتبار؟

قال صديقي الذي كنا في زيارته: فأنا لا أزال أتدبر هذه الجملة من صاحبي هذا، فقد نزلت في قرارة نفسي، وأصبحت لدي في جملة الملاحظات الهامة التي اكتسبتها في حياتي.

قلت له: حقًا إنها ملاحظة قيمة، وقد وجدت بها أنا أيضًا ضالتي المنشودة، كما وجد الحكيم اليوناني أرخميدس ضالته عندما لاحظ، وهو في حوض الحمام أن وزن الأجسام وهي في الماء ينقص عن وزنها وهي خارجه، فصاح وجدتها وجدتها (Eureka Eureka) واستنبط القانون الطبيعي في نسبة نقصان الوزن في هذه الحال، ذلك القانون الذي استخدم بعد ذلك في مجالات علمية وصناعية ذات شأن كبير.

ذلك أنني تعهدت لمجلة الوعي الإسلامي بكتابة كلمة للعدد الممتاز منها، وقد قرب موعد تسليم الكلمة، وأنا لا أزال محتارًا في اختيار موضوع مناسب جديد. فقد وجدته الآن، ملاحظة صاحبك جزاه الله تعالى خيرًا.

قال صديقي: فما هو الموضوع الصالح الذي وجدته في ملاحظة صاحبي هذه؟ قلت إنه حجة الشريعة على العقل، هذا الموضوع الخطير في ميزان الإيمان، حيث يقوم به الدليل على أن العقل مهما سما شأنه، وعظمت قدرته على المعرفة والاكتشاف والفهم، فإن صاحبه الإنسان هو في حاجة دائمة مع عقله هذا إلى النور السماوي الذي يهدي إلى الصواب وينير له سبيل الرشاد، ويجنبه كثيرًا من الوقوع في المآزق، والتردي في الهاويات. أفتدري أيها الأخ لماذا كان كل جزء غير ذي فهم في الإنسان يعمل بانتظام دون خطأ، وكان العقل الذي هو الفهم والإدراك يخطئ أكثر مما يصيب؟ قال: لماذا كان ذلك؟ قلت: إليك التعليل والبيان.

إن كل جهاز من أجهزة جسم الإنسان أو جسم أي حيوان، وكل جزء أو غدة أو خلية حية من خلاياه إنما يعمل بحكم الغريزة، وإنما يعمل عملاً نمطيًا رتيبًا في وقت ثابت أو عند منبه معين، وإنما يعمل عمله هذا في طريق معبدة ووسيلة وظرف مهيأين، ففي هذه الشرائط يقوم الجزء الحي بعمله النمطي بحكم الغريزة فيصبح عمله ووظيفته أشبه بانحدار الماء الذي صب في طريق محصورة منحدرة، فالماء في هذه الحال لا يخطئ في الانحدار، ولا في سلوك المجرى الذي يراد انحداره فيه حتى يصل إلى مقره بحكم الجاذبية الأرضية فيحجز فيه ويستقر.

فالمعدة إذا نزلها الطعام قامت بعملها فيه بانتظام من الحركة والإفراز، وكذلك إذا رأت عين الجائع طعامًا شهيًا أو شم رائحته، أو ذكر اسمه له كان ذلك منبهًا عصبيًا يشبه نزول الطعام إلى المعدة، فتبدأ أيضًا بالإفراز اللازم، وهذا منها عمل نمطي رتيب في ظروف وشرائط متماثلة، فكلما توافرت وتكررت هذه الشرائط والظروف نبهت المعدة فعاودت عملها نفسه، وكررت قيامها بوظيفتها ذاتها بصورة لا تختلف عما عملته في مرة سابقة وعما ستعمله في مرة لاحقة، وهذا ما نعنيه بنمطية العمل.

ومثل ذلك يقال في الكلية أو الكبد أو العين ... الخ بل في الكريات الحمراء أو البيضاء، وكل خلية من خلايا الجسم الحي، مما هو معروف في علم الغريزة (الفيزيولوجيا).

وإذا رأيت فارقًا في التمثيل لهذا النوع من العمل الوظيفي الغريزي النمطي بين عمل أجزاء الجسم الحي وانحدار الماء في المجرى المحصور المنحدر من حيث إن الماء مادة غير حية، فينحدر كما يسقط الحجر بحكم قانون الجاذبية في اتجاه معين نحو مركز الأرض إذا قطع الخيط الذي يحمله في حين أن الجزء العامل في الجسم الحي هو جزء حي يعمل عن إحساس وتنبه هو مظنة للخطأ، ولكنه لا يخطئ فإني عندئذ أنقلك إلى مثال آخر أقرب إلى مطلوبك وأوضح، مثال العامل الواقف أمام آلة واحدة في معمل كبير عظيم فيه آلات كثيرة لكل واحدة منها وظيفة، وأمامها عامل يقدم لها المادة أو القطعة التي تعمل فيها، فلا أشبه لك الجزء الحي العامل في الجسم بالآلة التي تعمل في هذا المعمل، بل أشبهه لك بالعامل الواقف أمامها، ووظيفته كلما وصلت إليه القطعة محمولة على حاملة آلية أن يتناولها ويقدمها إلى الآلة التي أمامه لتعمل فيها عملها وتدفعها إلى حاملة آلية أخرى بجانبها فتحملها إلى عامل آخر، وهكذا، ولا بد أن تكون قد رأيت طريقة صناعة الأجزاء في المعامل، فهذا الشخص العامل، الواقف أمام الآلة ليتلقى القطعة القادمة إليه، ويقدمها إلى الآلة التي أمامه هو إنسان حي كامل مفكر فاهم واع، ولكنه في عمله هذا النمطي الرتيب بتقديم القطعة إلى الآلة كلما وصلت إليه قد أصبح أشبه بالآلة يقوم بهذا العمل الواحد بصورة تلقائية عفوية تعتمد على الإحساس الغريزي دون إعمال الفكر وتجميع المعلومات واستنباط النتائج منها، وهو في عمله هذا لا يخطئ أو قلما يخطئ كما لا يخطئ العضو أو الجزء من الأجهزة العاملة في جسم الإنسان الحي.

وكلما خرجت المهمة في العمل عن النطاق الضيق المحصور والنمطية الرتيبة، فاتسع النطاق، وتنوعت الوظيفة، وأصبحت عرضة لمواجهات جديدة ومفاجآت، فإنها عندئذ تحتاج إلى تفكير وتدبير ومعالجات مختلفة باختلاف نوعية الطوارئ وما يصحبها من ملابسات معقدة، فتجعل المهمة معقدة وتستوجب من الفكر عملاً يعتمد على التشخيص والتمحيص والتحليل والتركيب، فإن الخطأ عندئذ يتسع مجاله فيقوى احتماله، ويكثر وقوعه.

ولنأخذ مثالاً على ذلك عمل الطبيب الذي عليه تشخيص الداء ووصف الدواء النوعي له، فإنه كثيرًا ما يواجه في المرضى بمرض واحد، لدى كل مريض حالة جديدة تحتاج إلى ترتيب مختلف، فإنه إن لم يختلف عليه المرض فقد اختلف المريض، وما يحمله مع المرض الرئيسي من ملابسات ومضاعفات وحساسية المريض واختلاف درجة المرض وحدته أو أزمانه، مما يستدعي ترتيبًا وتدبيرًا خاصًا بهذا المريض دون آخر، فإن العلاج النوعي الواحد قد يفيد مريضًا ولكنه يؤذي مريضًا آخر بالمرض نفسه، ومن ثم يكثر خطأ الطبيب، لأنه يجب أن يكشف حالة غامضة مبهمة، وأن يعرف الطريق الصحيح الموصل في وسط متاهة مظلمة. وهذا بخلاف الصيدلي، فإنه قلما يخطئ في تقديم العلاج أو تركيبه وفقًا لوصفة الطبيب.

بعد هذا أيها الأخ أصل بك إلى الناحية المقصودة، كثرة خطأ العقل، وسببها وعلاجها.

نعم إن العقل كما لاحظ صاحبك وقال، هو ذلك الجزء المدرك في تكوين الإنسان، هو الجانب المختص بالفهم والفكر ومعرفة الحقائق والوعي في السلوك، هو ذلك المصباح الكهربائي العظيم القوة البعيد المدى في الإنارة، ينير للإنسان ما حوله فيستطيع بذلك أن يبصر وأن يتبصر، ولكن مهمة العقل ليست نمطية رتيبة كعمل جزء من جهاز في جسم الإنسان أو خلية من خلاياه، إن مهمة العقل متنوعة معقدة، بل هي أكثر ما في الحياة تنوعًا وأشدها تعقدًا. إنها أصعب بملايين المرات من مهمة الطبيب الصعبة في تشخيص الأمراض الباطنة ومعالجتها في كل مريض.

إن العقل لكي لا يخطئ يجب أن يستطيع معرفة كل ما يحيط به من الأشياء المادية والاعتبارات المعنوية في كل ما هو حاضر أو غائب، قريب منه أو بعيد عنه وأن يعرف الملابسات التي تتصل بكل شيء من ذلك، ويبقى بعد كل هذه المعرفة لو استطاعها عرضة للخطأ بما يطرأ من تحولات ومفاجآت على الأوضاع والحالات في الظروف والأشياء التي تغير منها ما كان يعهده ويبني عليه، وأنى لعقل الإنسان كل هذه المعارف وهو إنما يعيش في متاهات، في وسط مجاهل من هذا الكون العظيم الرهيب وموجوداته ونواميسه، ومهما ملك الإنسان وعقله الجبار من معارف وبصائر، فإنه لن يبلغ علمه وبصيرته أكثر مما يصل إليه نظر واقف على ساحل البحر المحيط الهادي مثلاً بالنسبة إلى ما وراء الحدود التي يقف عندها امتداد بصره، وما في أعماق ذلك المحيط، وغيره من البحار الكبرى، وما في أجواز الفضاء وأغوار الكون كله، مما يقف عقل الإنسان تجاهه وتجاه ما يسمع عن بعضه في موقف حقارة وصغار، كحقارة الترابة الواحدة بالنسبة إلى الكرة الأرضية كلها، ولاسيما إذا تصورنا مدى ما يعنيه قول العلماء اليوم أن بين الكرة الأرضية وبعض النجوم التي تراها أعيننا مسافة مائة سنة ضوئية أو أكثر (وأنت تعلم معنى السنة الضوئية في تقدير مسافات الفضاء الكوني)[**].

فما مبلغ علم الإنسان وقدرة عقله بالنسبة إلى ما في الحياة البشرية ونواميس الكون من حقائق وخفايا وملابسات وتعقيدات، بالنسبة إلى الفرد وإلى الجماعة وإلى الحاضر والمستقبل إذا أراد أن يعرف كيف يبني حياته وسلوكه في طريق قويمة حكيمة رشيدة بين أمواج هذا الخضم العظيم الهائل؟

صدق الله العظيم بقوله في قرآنه الكريم ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥).

فعقل الإنسان في هذه المتاهة الهائلة والمجاهل المذهلة أشبه ما يكون بالطفل الصغير الذي كان يحبو فقويت رجلاه بعض الشيء فنهض يمشي وفرح بما وصل إليه من قدرة، وهو لا يعرف شيئًا عما يعرض له من مزالق ونواتئ يتعثر بها، ولا يعرف ضعف ساقيه وعدم مرونته، فهو تارة تخونه قدرته فيهوي على شيء يؤذيه، وتارة يصطدم فيشج ويقع، وتارة يتعثر بذيله، إنه يقع ويقوم ويصل إلى الجدار مرة ويسقط دونه أخرى، وهكذا. ولكن الفرق بين عقل الإنسان وبين الطفل الذي بدأ يتعلم المشي هو أن الطفل سوف يتغلب على صعوبة المشي، بما يزداد من قوة ومن خبرة ومن مرونة، فيستطيع بعد مدة أن يمشي فلا يقع وأن يركض ويقفز. أما عقل الإنسان فيبقى ما بقيت الحياة طفلاً يترعرع في بداية تعلم المشي، يقع ويقوم ويتعثر وينزلق في مجالات سلوكه في مسالك الحياة، مهما بلغ من علم ومعرفة، ومهما انكشف له من آفاق، لأن مدى علمه لا يعد شيئًا يذكر بالنسبة إلى مدى جهله بما وراءه وأمامه من أمور مغلقة ومخاطر محجبة.

ذلك أن وظيفة العقل البشري هي أعظم شيء تنوعًا وتعقدًا، فهي ليست مهمة بسيطة نمطية في مجال محدود ممهد معبد يستطيع أداءها غريزيًا بصورة آلية، إن وظيفته كوظيفة الطبيب المكلف بتشخيص داء باطن مستخف في الجسم بين مئات العلل التي لها أعراض مشابهة وعليه وصف الدواء الصحيح، وهذا تشبيه تصغير وتقريب، فمهمة العقل البشري في الواقع أعظم تعقيدًا من مهمة هذا الطبيب بما لا يمكن معه قياس.

إن مهمته هي اختيار السلوك الصحيح المستقيم الموصل إلى أحسن النتائج في حياة الأفراد والجماعات، والمتنكب للمزالق المتوقي من العثرات والهاويات المغطاة بالأعشاب الغشاشة كمزارع الألغام في أرض العدو، بل إن التشبيه الأدق الأقرب لمهمة العقل البشري، وموقفه بين مصاعبها التي لا تغلب، هو أنه كشخص ملقى في مفازات ومتاهات غير متناهية الأبعاد، وهي مليئة بالحيوانات المفترسة، والحشرات القتالة، والمزالق المردية، وتغمره فيها ظلمة حالكة دائمة لا تنجلي، ومعه مصباح يضيء له ما حوله إلى مسافة أمتار محدودة، وعليه أن يسلك طريقًا آمنة إلى رزقه وقوام حياته، يصل فيها إلى مطلوبه ويتوقى المخاطر المهلكة.

ذلك لأن مدى العلم الذي يمكن أن يبلغه الإنسان بعقله بالنسبة إلى ما في الكون الشاسع الزاخر بالعجائب والمتاهات والمجاهل هو أقل كثيرًا كثيرًا من مدی نور هذا المصباح في هذه المفازات المظلمة، هذا إذا اقتصرنا في التصوير والتشبيه على مدى كل من أفق العلم وآفاق الجهل بما في الكون من حقائق وواقع، وأسقطنا من الحساب ما يحول بين العقل والتقدير الصحيح وحسن الاختيار من شهوات الإنسان وعوامله النفسية والمغريات التي تجذبه وتطغى على علمه وعقله، والمطامع المتسلطة على العقول والنفوس البشرية، وحب الأثرة والحظوظ، مما يدعو الإنسان إلى إيثار اللذائذ على الواجبات المتعبة، وما ينشأ عن كل ذلك من تغشية على الأبصار والبصائر، ودفع للأفراد والجماعات إلى أرض الألغام المكسوة بالأعشاب الغشاشة بدلاً من طريق الأمان.

ففي هذا الواقع من طريق الإنسان ووعورتها وظلمتها ومن مهمة عقله ذلك المصباح المنير المحدود المدى، كان لا بد لهذا الإنسان من قائد ودليل بصير خبير إلى جانب المصباح الذي بيده، وإلا كان أمام مفاجآت حتمية من المخاطر وضلال الطريق، إن هذا القائد هو الشريعة الإلهية (والشريعة في أصل اللغة هي الطريق)، وإن الدليل هو أحكامها وتوجيهاتها وأوامرها ونواهيها. إنها ترسم له طريق الهدى البعيد المدى الذي يجهله ولا يعلم منه إلا القليل، بمقدار ما يمتد إليه نور مصباحه القاصر من أمتار، يرسم له هذه الطريق الأقوم الأسلم خالق الكون العالم بخوافيه وبكل ما فيه من مسالك ومهالك، والخبير بما ركبه هو في الإنسان من طبائع وغرائز ودوافع خير ونوازع شر، وما حف طريقه من مخاوف ومخاطر.

فخالق الكون أعلم بما فيه، جعل للإنسان شريعته تعبيدًا لطريق العقل. نعم إن الإنسان لا يستغني عن هذا المصباح مع الشريعة، ولكنه لا ينبغي له أن يغتر بمسافة النور القصيرة التي يبلغها ضوء هذا المصباح، فيظن في نفسه القدرة على الاستقلال عن الشريعة والانفصال عن الطريق الذي خططه له خالقه ومهده كي يجنبه المفاجآت الخطرة والمهالك.

بل عليه أن يتلمس بمصباحه المتواضع معالم هذه الطريق في حدود الشريعة الإلهية، لأن خالقه أدرى بما يصلحه وبما يفسده، لأنه أدرى بما يحيط به من مجاهل لا يستطيع هو معرفة ما فيها من آفات، فما حسنته له الشريعة بنصوصها الثابتة فهو حسن، ولو لم يستطع عقله إدراك حسنه، وما قبحته له فهو قبيح خطر وخيم العواقب على الفرد أو على الجماعة عاجلاً أو آجلاً.

هذه حجة الشريعة على العقل، تقوم على أساس هذا الواقع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. فليس للإنسان المؤمن أن يناقش الشريعة بعقله القاصر مناقشة الند للند، فيقول: ما قبله عقلي قبلته، وما لم يقبله رفضته!! فما هو عقله؟ وما مدى الثقة به؟!

إنما عليه أن يتفحص بعقله أوامر الشريعة ونصوصها، ويناقشها مناقشة المتفهم المطيع المستسلم الذي يريد أن يعرف ماذا يريد الشارع ليعرف كيف يطيع، هذا هو شأن العالم البصير وما سواه فشأن الجاهل المغرور.

نعم إن هذه الحجة تقنع المؤمن. أما الملحد المادي الذي لا يؤمن بالخالق ورسالاته الهادية بل يجحد الحقائق ويكابر في المحسوس مغرورًا بعقله القاصر، فذلك لا ينفع معه الاحتجاج، بل يجب التأسيس معه أولاً، والبدء بمناقشته من مبدأ آخر.


[*] مقال مستل من كتاب "علماء وأعلام كتبوا في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية"، ج1، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، الإصدار الرابع عشر، 1432هــــ/ 2011م، ط1، ص515-523. والمقال نُشر لأول مرة في العدد (25)، محرم (1387هـ) / أبريل (1967م).

[**] سرعة الشعاع الضوئي يقدرها علماء الفيزياء بأكثر من ثلثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، ومسافة السنة الضوئية هي المسافة التي يحتاج الشعاع الضوئي إلى أن يستمر سائرًا بهذه السرعة مدة سنة كاملة حتى يقطعها!

د. عبد المجيد النجار هو أكاديمي وفقيه ومفكر تونسي بارز، عُرف بأبحاثه المعمقة ومساهماته الفاعلة في الفكر الإسلامي وقضايا المجتمع المعاصر، وتركزت اهتماماته البحثية على التأصيل للمشروع الحضاري الإسلامي، والتجديد الديني، وترشيد التدين، وضبط العلاقة بين الدين والمجتمع.

 

أولًا: مولده ومسيرته:

ولد عبد المجيد النجار في 28/05/1945 بمدينة بني خداش بولاية مدنين في تونس، وحصل على الإجازة في أصول الدين من جامعة الزيتونة عام 1972، ثم سافر إلى مصر وحصل على الماجستير في اختصاص "العقيدة والفلسفة"، من كلية أصول الدين، جامعة الأزهر، القاهرة، سنة: 1974، بتقدير جيد جدًا ثم على الدكتوراه: في اختصاص "العقيدة والفلسفة"، من كلية أصول الدين/ جامعة الأزهر 1981، عنوان الأطروحة " المهدي بن تومرت: حياته وآراؤه وأثره بالمغرب"، بتقدير: مرتبة الشرف الأولى.

عمل عبد المجيد النجار معلمًا في السلك الابتدائي في الفترة بين عام 1974 وعام 1985، ثم منذ عام 1985 عمل أستاذًا في جامعة الزيتونة وعدة جامعات أخرى في الجزائر والإمارات وقطر والمغرب، وابتلي بالنفي من تونس سنة 1989.

 

ثانيًا: مشاركاته في المجال العام:

يعد د. عبد المجيد النجار أحد قيادات حركة النهضة التونسية، وبعد الثورة التونسية التي اندلعت أحداثها بدءًا من السابع عشر من ديسمبر عام 2010م، كان عبد المجيد النجار على رأس قائمة حركة النهضة في ولاية مدنين، وذلك في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011، وفاز بمقعد في المجلس الوطني التأسيسي التونسي.

 

ثالثًا: عضويته في العديد من المؤسسات:

كان له عضويات في كثير من الهيئات والمؤسسات كما أسس بعضها، منها:

  • لجنة جائزة ابن باديس، مركز دراسات المستقبل الإسلامي، لندن.
  • المجلس العلمي للكلية الأوروبية للدراسات الإنسانية، فرنسا/ شاتو شينون.
  • لجنة مسلمي أوروبا الشرقية/ لندن.
  • الهيئة الاستشارية لمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت.
  • المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والأمين العام المساعد له، ورئيس لجنة البحوث به.
  • مؤسس مجلس الأمناء للمنظّمة العالمية للقدس.
  • مؤسس للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وعضو مجلس الأمناء والمكتب التنفيذي ورئيس لجنة التأليف والترجمة بالاتحاد.
  • للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (الأمين العام المساعد).
  • المكتب التنفيذي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
  • الجمعية التونسية للدراسات الإسلامية بهدف نشر الدراسات المعمقة والترويج للفكر الإسلامي المستنير (مؤسسها).

 

رابعًا: مشاركاته في الندوات والمؤتمرات:

لم ينحصر علم الدكتور النجار داخل أسوار الجامعات ومدرجاتها بل طاف به كثيرا من المؤتمرات والندوات والملتقيات، حتى لا تكاد تمر عليه سنة دون أن يحاضر أو يشارك في ملتقى علمي عالمي. والمتأمل لعناوين تلك اللقاءات يجدها تنتظم حول موضوع واحد تقريبًا، هو: مستقبل نهضة الأمة الإسلامية وتحدياته، وأعلام الأمة الذي نحتاج إلى إلقاء الضوء على فكرهم للمساعدة على إحداث تلك النهضة. وهذه نماذج من تلك اللقاءات:

  • الندوة الإسلامية العالمية الرابعة، وزارة الثقافة التونسية، القيروان/ تونس 1976.
  • ندوة الإمام ابن عاشور، الجامعة التونسية، تونس 1985.
  • ندوة تجديد الفكر الإسلامي، مجلة رسالة الجهاد، مالطا 1989.
  • ندوة قضايا المستقبل الإسلامي، مركز دراسات المستقبل الإسلامي، الجزائر 1990.
  • ندوة مستقبل العمل الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا/ أمريكا 1991.
  • ندوة بديع الزمان النورسي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان/ الأردن 1997.
  • ندوة " ابن تيمية " عطاؤه العلمي ومنهجه الإصلاحي"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي وجامعة مؤتة 2001.
  • ندوة "مقتضيات الدعوة في ضوء المعطيات المعاصرة" جامعة الشارقة، أبريل 2001.
  • الملتقى الدولي الثالث "الحرية الدينية في الإسلام" جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية، قسنطينة، الجزائر، 2008.

 

خامسًا: الجوائز:

حاصل على جائزة مكتبة علي بن عبد الله آل ثاني الوقفية العالمية.

 

سادسًا: تأثيره في الفكر الإسلامي الحديث

ساهم د. عبد المجيد النجار في صياغة خطاب إسلامي يوازن بين الحفاظ على الهوية الإسلامية والانفتاح على معطيات العصر الحديث. تميزت كتاباته بالعمق الفكري والتحليل النقدي، مما جعله مرجعًا للباحثين والدارسين في مجال الدراسات الإسلامية.

ينطلق د. عبد المجيد النجار من رؤية نقدية للحالة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، والتي تتسم بتفكك داخلي نتيجة الصراعات العقائدية والمذهبية. يُبرز أن هذا الصراع لم يكن حول جوهر الدين، وإنما حول مسائل فكرية وفلسفية أُدخلت في الحياة السياسية والاجتماعية، مما أدى إلى تعطيل عجلة النهضة والتقدم. ووفقًا له، الأمة الإسلامية لم تحقق أي نهوض يُذكر منذ عقود، بل إنها كانت تتراجع حضاريًا بفعل الانقسامات.

 

  • العقيدة كأداة بناء لا هدم

المحور الأساسي الذي يبنيه النجار هو الدعوة إلى فهم جديد للعقيدة الإسلامية، بدلًا من أن تكون ساحة للنزاعات الفكرية والجدالات الدينية التي لا تؤدي إلى حلول عملية، يجب أن تكون العقيدة أساسًا لمشروع نهضوي يتبنى قيم الإسلام كأساس للبناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. العقيدة، بالنسبة للنجار، هي مصدر قوة يجب أن يوجه الأمة نحو الوحدة والنهضة. يدعو النجار إلى تجاوز القراءات التقليدية للنصوص الدينية التي تُستخدم لتبرير الانقسامات، ويطالب بقراءة متجددة تقوم على فكر شامل يتناسب مع متطلبات العصر. من وجهة نظره، يجب أن تكون العقيدة الإسلامية أداة للإصلاح والتطوير، ويجب أن يُعاد توظيفها بطريقة تفتح الأبواب للعلم والمعرفة، وتدفع نحو بناء مجتمع متقدم يُقدّر حقوق الإنسان، ويحترم الاختلاف، ويحقق العدالة الاجتماعية.

 

  • نقد الجمود الفكري

أحد جوانب فكر النجار هو نقد الجمود الفكري الذي يعاني منه الكثير من التيارات الإسلامية اليوم. يرى أن الالتزام الأعمى بتفسيرات قديمة للنصوص دون الأخذ في الاعتبار التطورات المعاصرة هو أحد الأسباب الرئيسية التي تعوق الأمة عن التقدم. فالتفسير الحرفي الجامد للنصوص لا يتماشى مع طبيعة العصر الذي يتطلب فكرًا مرنًا وقادرًا على مواكبة التحديات. في هذا السياق، يشير النجار إلى أن الأمة الإسلامية تحتاج إلى تجديد فكري وإصلاح ديني يقوم على إعادة قراءة النصوص الدينية في ضوء الواقع المعاصر. يجب أن يكون هناك انفتاح على العلوم الحديثة، والفكر العالمي، والإبداع البشري في جميع المجالات، مع الحفاظ على القيم الأساسية للإسلام.

 

  • الوحدة الإسلامية: محور النهضة

فكر النجار يضع الوحدة الإسلامية في قلب مشروع النهضة. من وجهة نظره، فالأمة الإسلامية لم تتمكن من التقدم بسبب الانقسامات الداخلية التي تأخذ أشكالًا متعددة: مذهبية، فكرية، وجغرافية. ويؤكد أن استعادة الوحدة بين شعوب العالم الإسلامي هي الخطوة الأولى نحو بناء مشروع نهضوي حقيقي. هذه الوحدة، كما يراها النجار، ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي ضرورة حضارية لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، مثل التبعية الاقتصادية، والتخلف العلمي، والاستبداد السياسي. ويرى أن العالم الإسلامي يجب أن يتوحد حول مشروع حضاري جامع، بدلًا من التركيز على قضايا ثانوية تُسهم في إضعاف الأمة. والوحدة التي يدعو إليها ليست فقط سياسية، بل هي وحدة في الفكر، والمواقف، والعمل نحو بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

 

  • بناء المؤسسات القوية

يرى النجار أن تحقيق النهضة لا يمكن أن يتم دون وجود مؤسسات قوية ومستقلة قادرة على قيادة الأمة نحو المستقبل. هذه المؤسسات تشمل الجوانب التعليمية، الاقتصادية، السياسية، وحتى الثقافية. يجب أن تكون هناك مؤسسات تعليمية تساهم في إنتاج المعرفة، وتحفز الإبداع العلمي، وتُعدّ الأجيال القادمة لتحمل مسؤولياتها في بناء المجتمع. المؤسسات الاقتصادية هي الأخرى تشكل عنصرًا مهمًا في مشروع النهضة. فبدون اقتصاد قوي ومستقل، لن تتمكن الأمة من التحرر من التبعية للدول الأخرى. ويدعو النجار إلى تطوير أنظمة اقتصادية قائمة على مبادئ العدالة الاجتماعية التي يتضمنها الإسلام، مع الأخذ بالاعتبار التجارب الاقتصادية العالمية الناجحة.

 

  • العدالة الاجتماعية

يركز النجار على أن أي مشروع نهضوي يجب أن يقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية. العدالة، في رؤيته، ليست مجرد مبدأ ديني، بل هي شرط أساسي لبناء مجتمع متماسك وقادر على التقدم. ويجب أن يكون هناك توزيع عادل للثروات والفرص، ويجب أن يتم توفير الخدمات الأساسية للجميع دون تمييز. العدالة الاجتماعية ليست فقط هدفًا داخليًا، بل يجب أن تكون مبدًا ينظم علاقة الأمة الإسلامية بالعالم الخارجي. والأمة الإسلامية، وفقًا للنجار، لديها مسؤولية تجاه العالم، ويجب أن تقدم نموذجًا للعدالة والإنصاف في علاقاتها الدولية.

 

  • علاقة الأمة بالعالم

يؤكد النجار على أن الأمة الإسلامية يجب أن تسعى لإعادة بناء علاقتها مع العالم على أسس من التعاون والتفاهم المتبادل. ويجب أن يكون هناك انفتاح على العالم، ولكن من دون التخلي عن الهوية الإسلامية. وأن الأمة الإسلامية لديها ما تقدمه للعالم في مجالات الفكر، والثقافة، والاقتصاد، ولكن يجب أن يكون هذا التفاعل على أساس من الندية والاحترام المتبادل. ويرى أن الأمة الإسلامية، رغم التحديات التي تواجهها، ما زالت تملك الكثير من الإمكانيات التي تؤهلها لتكون فاعلًا رئيسيًا على الساحة العالمية. لكن هذا لن يتحقق إلا إذا تمكنت الأمة من تجاوز خلافاتها الداخلية، وأعادت بناء نفسها على أسس قوية.

 

خلاصة فكر النجار؛ أنه يتمحور حول الانتقال من حالة الصراع العقائدي إلى مشروع نهضوي شامل يقوم على توجيه العقيدة الإسلامية نحو الإصلاح والتطوير. يدعو النجار إلى فهم متجدد للعقيدة الإسلامية يساهم في بناء مجتمع عادل ومتقدم. كما يركز على أهمية الوحدة الإسلامية وبناء المؤسسات القوية كشرط أساسي لتحقيق هذه النهضة. في نهاية المطاف، يعتقد النجار أن الأمة الإسلامية تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لاستعادة مكانتها الحضارية، ولكن هذا يتطلب تجاوز الخلافات العقائدية والتركيز على بناء المستقبل.

 

سابعًا: أعماله

للدكتور عبد المجيد النجار إسهامات بارزة في مجال الدراسات الإسلامية، تتضمن كتبًا وأبحاثًا ومقالات في الفكر الإسلامي والشريعة، منها:

 

الكتب:

  1. فقه التحضر الإسلامي.
  2. مشاريع الإشهاد الحضاري.
  3. خلافة الإنسان بين الوحي والعقل.
  4. مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة.
  5. فقه المواطنة للمسلمين في أوروبا.
  6. دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين.
  7. في فقه التدين فهما وتنزيلا.
  8. مدخل إلى مقاصد الشريعة.
  9. نحو ثقافة إسلامية أصيلة.
  10. البعد الحضاري في هجرة الكفاءات.
  11. عوامل الشهود الحضاري.
  12. الإيمان بالله وأثره في الحياة.
  13. المستقبل الثقافي للغرب الإسلامي.
  14. تجربة الإصلاح في حركة المهدي بن تومرت: الحركة الموحدية بالمغرب أوائل القرن السادس الهجري.
  15. تصنيف العلوم في الفكر الإسلامي بين التقليد والتأصيل.
  16. المعتزلة بين الفكر والعمل.
  17. المهدي بن تومرت: حياته وآراؤه وثورته الفكرية والاجتماعية وأثره بالمغرب.
  18. مقاربات في قراءة التراث.
  19. صراع الهوية في تونس.
  20. رؤية مستقبلية للجامعة الزيتونية.
  21. تحقيق " رسالة في الردّ على النصارى " للرازي.
  22. تحقيق ودراسة كتاب " تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين " للراغب الأصبهاني.
  23. مقاربات في قراءة التراث، ط دار البدائل.
  24. عبد المجيد يتمثل عالمية رسالة الإسلام في كتاباته:
  25. الإنسان في العقيدة الإسلامية: مبدأ الإنسان.
  26. الإنسان في العقيدة الإسلامية: قيمة الإنسان.
  27. الآفاق الحضارية للوجود الإسلامي بالغرب.

 

الأبحاث والمقالات:

  1. أثر تحقيق المناط في وقف تنزيل الأحكام: يناقش دور التحقق من السياق في تطبيق الأحكام الشرعية.
  2. القراءة الجديدة للنص الديني: عرض ونقد: يسلط الضوء على الاتجاهات الحديثة في تفسير النصوص الدينية وتقييمها.
  3. مآلات الأفعال وأثرها في فقه الأقليات: يعالج قضايا الأقليات المسلمة من منظور فقهي وتطبيقاتها.
  4. تجربة الإصلاح في حركة المهدي بن تومرت: دراسة حول تجربة الإصلاح التي قادها المهدي بن تومرت، مع تركيز على الفكر والأثر الاجتماعي.
  5. فقه الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية.
  6. دور الإصلاح العقدي في النهضة الإسلامية.
  7. الاجتهاد والتجديد وتدافع المرجعيات.
  8. حوار مع المفكر التونسي الدكتور عبد المجيد النجار حول قضايا الفكر والثقافة والاجتماع السياسي.
  9. دور الحوار المذهبي في مواجهة التحديات الحضارية.
  10. المقتضيات المنهجية في تطبيق الشريعة في الواقع الإسلامي الراهن.
  11. الإنسان والكون في العقيدة الإسلامية.
  12. عقيدة تكريم الإنسان وأثره التربوي.
  13. واقعية المنهج الكلامي ودوره في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة.

____________________

المصادر:

  1. "عبد المجيد النجار: عضو الهيئة الاستشارية." موسوعة الفقه السياسي الإسلامي، 29 أغسطس 2024. https://islamicpolitics.net/participants/عبدالمجيد-النجار.
  2. عبد المجيد النجار، مرصد المجلس الوطني التأسيسي التونسي، https://bit.ly/3BqijJW
  3. عبد المجيد النجار، الرابطة المحمدية للعلماء، https://bit.ly/4eAk31U
  4. عبد الحفيظ بن مبارك، عبد المجيد النجار.. صرخة إخراج الأمة من حرب العقيدة إلى عقيدة النهضة، عمران، 2 سبتمبر 2020، https://bit.ly/3TDHAHc

 

 

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "التلفيق وموقف الأصوليين منه" لمؤلفه محمد بن عبد الرزاق بن أحمد الدويش[*] عن مجلة الوعي الإسلامي التي تصدرها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية لدولة الكويت، في 1434هــــ/ 2023م.

وحسبما جاء في مقدمة الدراسة فإن الباحث يتناول من خلالها المفهوم الأعم للتلفيق من وجهة أصولية تقعيدية؛ سواء أكان المبحوث مما يتعلق بالتلفيق، أم مما يتعلق به التلفيق تأصيلاً، وإن لم يحمل اسمه، أو كان مما يدخل في مفهوم الاسم، وينضوي تحته.

ويتركز البحث فيه على تأصيل هذا الموضوع، وتطبيقه على شيء من الجزئيات؛ بغية إيضاح معالمه، وإبراز صوره. ولا يدخل في هذا البحث المفهوم الفقهي للتلفيق؛ المقتضي تتبع جميع المسائل التي يقال بدخول التلفيق فيها، ومناقشتها، والانتهاء إلى ما استقر عليه الأمر في كل واحدة منها.

كما أنه لا يدخل في موضوعه -هنا- مفهوم التلفيق عند المحدثين؛ المقتضي تتبع كل حديث دخله شيء من ذلك، وبيان وجه التلفيق فيه، وإن جاءت الإشارة عرضًا إلى هذين الصنفين من التلفيق فإنما هي من باب الإشارة إلى تمام القسمة الداخلة في هذا المسمى، دون التعرض لتفصيل شيء يخرج عن موضوع هذا البحث من وجهة تأصيلية تقعيدية، مخدومة بالجانب التطبيقي - في حدود البيان والتوضيح - ببعض الفروع الفقهية؛ كما أسلفت.

فهو إذن بحث في جزئيات المفهوم الأعم لهذا النوع الخاص من المسمى العام لهذا المصطلح الذي هو «التلفيق» بمجالاته الثلاثة: الاجتهاد، والتقليد، وما يسمى بالتشريع، وما يرتبط بهذا الموضوع، أو يرتبط هو به، من وجهة تأصيلية.

وأبرز الباحث أهمية هذا الموضوع ودوافع الكتابة فيه، من خلال النقاط التالية:

  • يتناول بحث هذا الموضوع جوانب عملية ترتكز عليها الفتوى فيما عُملَ، وفيما يمكن أن يعمل الآن، أو غدًا، ونتيجته مما يتعلق بدين الأمة: أفرادًا أو جماعات، إتيانًا، أو انكفافًا. وما هذه نتيجته فإن إبرازه وإجلاء صوره مطلب لا يستهان به.
  • أن بحثه، وإجلاء صوره، والتمييز بين المقبول منه والمردود، لم يبرز بصورة ظاهرة مستقلة، يرتكز فيها على بيان أسسه عند المتقدمين، ومسار استنتاج أحكامه عند المتأخرين الذين درجوا -في جملتهم- على بحثه ضمن مباحث التقليد، واعتبره جلهم جزءًا منه، وأنه هو فقط مجاله الذي لا يتجاوزه.
  • ولا ينكر أن ثمة كتابات مبثوثة حوله - كما ستأتي الإشارة إلى هذا قريبًا ـ لكنها لم تنح في الجملة منحى الاستقلال، والتقعيد، ورد هذا الموضوع إلى أسسه، ومن ثم التفريع على تلك القواعد، ولم يسلك هذا المسلك إلا عدد محدود مع اختصار كبير ربما فرضته طبيعة بحثه مدرجًا في مبحث التقليد الذي يرى جُلّ من كتبوا فيه أنه جزء منه، وواقع تحت مفهومه، ولأجل هذا رأيت إفراده بالبحث مستفيدًا من تلك الكتابات السابقة، ومضيفًا ما يمكن أن يدخل تحت مفهوم هذا المصطلح من وجهة تأصيلية تقعيدية مخدومة بالجانب التطبيقي الموضح لها مما يقتضيه بحث الموضوع على صورة لها سمة الاستقلال.
  • أن بحثه بصورة مستقلة على هيئة تأصيلية، وربط قواعده بالفروع الموضحة لها يظهر مدى أهمية هذا الموضوع، وما يترتب على بحثه من بيان الأحكام المندرجة تحته: إقدامًا، أو انكفافًا، إباحة، أو حظرًا، وبخاصة إذا وثقت هذه الدراسة بالحجج، والأدلة، والاستقراء الصحيح لما كان عليه سلف الأمة إزاء هذا الموضوع.
  • أن المتتبع لما كتب حول هذا الموضوع يرى فوارق كبيرة في الأحكام المتعلقة به: ما بين مانع له جملة وتفصيلاً، ومبيح له جملة وتفصيلاً ومتوسط بين هؤلاء وأولئك، ومندفع في المطالبة بالأخذ به، وبخاصة من له وجهة ظاهرة في قضية التقنين والإلزام المبني على التخير والانتقاء. ويدرك المتأمل في تلك الكتابات أن ثمة حلقات في تلك السلسلة من الآراء يحتاج الأمر إلى إجلائها، وتمحيص بعض منها.

وبحث هذا الموضوع على هيئة مستقلة لعله يساعد على بسط هذه الآراء، وبيان مواطن الالتقاء والافتراق، وتحرير محل النزاع فيها مما يساعد على تضييق شقة الخلاف، وبيان ماله سند من نصوص الشريعة أو قواعدها العامة فيؤخذ به، وما هو خالٍ من ذلك فيطرح؛ لأن الدين مداره على الدليل والحجة، لا على الرأي المجرد، أو ادعاء المصلحة.

 

واختتمت الدراسة بعدد من النتائج الهامة، منها ما يلي:

  • هذا الموضوع مما يتعلق به العمل في شؤون الناس الشرعية، وعلى هذا فلابد من إجلاء القول فيه حتى يكون المكلف -عاملاً كان، أو مفتيًا، أو حاكمًا- على بينة من أمره.
  • الكتابة في هذا المصطلح باسمه لم تبرز إلا عند المتأخرين، إلا أن أسسه، وما ينبني عليه الكلام فيه مما هو مطروق في كتب المتقدمين ممن كتب في علم أصول الفقه، وفي كتب من جاء بعدهم.
  • إطلاق القول بأن التلفيق نتاج التعصب المذهبي قول غير مسلم على إطلاقه؛ إذ إن المتأمل فيه يدرك أن فيه شيئًا من التقريب بين الآراء، والتوفيق بينها -أحيانًا-، والتعصب لا يقارن التلفيق، ولا يتأتى معه إبان وطأته وحمأته.
  • التلفيق من حيث دلالته اللغوية يشمل الجمع بين الآراء تقليدًا، كما يشمل التخير منها تخيرًا مبناه على الترجيح، والنظر، والاستدلال ممن لديه المقدرة على ذلك، دون أن يصل إلى درجة الاجتهاد المطلق، أما من بلغ درجة الاجتهاد المطلق، فلا يمكن وصف عمله بالتلفيق؛ لانفكاكه عن القيام به، معتمدًا على النظر في الآراء الأخرى.
  • التلفيق، وإن كانت دلالته فيها شيء من العموم من حيث إمكانية الاستعمال، إلا أن البحث فيه -هنا- خاص به باعتباره مصطلحًا أصوليًا فحسب؛ مع جريانه في بعض العلوم الأخرى، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ القول بأنه بحث فقهي، لاعلاقة له بعلم الأصول محل نظر، وواقع هذا البحث يثبت خلافه.
  • لا تلازم بين التلفيق، وتتبع الأخف، والأيسر؛ فقد يكون الأمر كذلك، وقد يكون على العكس منه.
  • التلفيق يمكن أن يكون في التقليد المحض؛ سواء أكان ذلك في جزئيات الحكم الواحد في المسألة الواحدة، أم في كليات الأحكام في المسائل المتغايرة، كما يمكن أن يكون في الاجتهاد؛ الذي يراد به التخير المبني على الترجيح بين الآراء ممن له مقدرة على ذلك، ولذا فإن إطلاق القول بأنه جزء من التقليد محل نظر، وأنه يمكن أن يكون في جملة المذاهب، كما أنه يمكن أن يكون في أقوال المذهب الواحد على الصحيح.
  • أن هناك فرقًا بين التخير المبني على أساس النظر والترجيح، والتخير المبني على تتبع شواذ الأقوال والمرويات، وتتبع ما هو الأحظ للنفس في القريب العاجل.
  • أنه لا يظهر فرق بين بين ما يطلق عليه البعض «التلفيق في التشريع» ونوعي التلفيق «التلفيق في التقليد، والتلفيق في الاجتهاد»، وأنه لا يخرج عن واحد منهما؛ وإن تميز بما يراد أن يصاحبه من الإلزام، أو بما اختص به من حيث الهيئة والصورة؛ فإن ذلك لا يرجع إلى حقيقته، وإنما لأمر خارج عنه.

 

محتويات الكتاب:

قسم الباحث دراسته إلى بابين، وخاتمة اشتملت على أهم النتائج، وذلك على النحو التالي:

الباب الأول: الأسس التي انبنى عليها الكلام في التلفيق

المبحث الأول: كيفية التعامل مع المسائل الخلافية في العصور المتقدمة.

المبحث الثاني: هل أن كل مجتهد مصيب؟ وهل الحق متعدد؟

المبحث الثالث: في تخير الأيسر من أقوال العلماء.

المبحث الرابع: في لزوم التزام مذهب معين أو عدمه.

 

الباب الثاني: التلفيق في صورته الآنية.

الفصل الأول: مجالات التلفيق.

المبحث الأول: التلفيق في التقليد.

المبحث الثاني: التلفيق في الاجتهاد.

المبحث الثالث: التلفيق في التشريع.

الفصل الثاني: في حكم التلفيق.

المبحث الأول: في حكم التلفيق في التقليد.

المبحث الثاني: في حكم التلفيق في الاجتهاد.

المبحث الثالث: حكم التلفيق في التشريع.

الخاتمة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


[*] الأستاذ المشارك في قسم أصول الفقه في كلية الشريعة في الرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 

تُعنى هذه الدراسة بالبحث في المفهوم القرآني بين الرؤية القرآنية للعالم ورؤية العربي له، وينطلق في معالجته للموضوع من إشكالية «تمعين» النص القرآني، أي إمداد النص القرآني بالمعنى عوض استمداد المعنى من القرآن، وهو ما يثير إشكالاً رئيسًا هو: هل المفاهيم التي نتداولها وتوصف ب «المفاهيم القرآنية» هي مفاهيم قرآنية حقًا بكل ما يحمله وصف (قرآني) من دلالة أم أنها بناء لغوي ليس له من القرآن إلا اللفظ بينما المعنى الذي مُلئ به اللفظ وشكل المفهوم هو صناعة وصياغة إنسانية عربية بحتة؟

للإجابة عن هذا السؤال تنطلق الدراسة من نموذج «التعارف»، باعتباره مفهومًا قرآنيًا فتبحث في معناه القرآني وتقارنه بالمعنى الذي صاغه المتلقي لهذا المفهوم، مقارنة تنفذ إلى الأسس المنهجية التي أقيم على وفقها المفهوم القرآني، والمتمثلة في لغة القرآن الخاصة ورؤيته للعالم، والأسس التي أنتجت المفهوم الإنساني العربي، والمتمثلة في لغة العرب ورؤية العربي للعالم، وذلك باعتماد المنهج التحليلي والمنهج المقارن، تحليلاً لعملية تلقي المعنى القرآني من خلال كتب التفاسير ومقارنة للموجود التفسيري بالمنشود القرآني.

 

ويمكن القول بأن الهدف الذي يرمي إليه البحث يتجلى في الوقوف على الأسس المنهجية التي أقيمت وفقها المفاهيم القرآنية، وذلك بغية استخلاص مفهوم قرآني خام للتعارف يتسق مع النظام القرآني ومنهجية القرآن المعرفية، ويبرز من خلاله البون الشاسع بين المفهوم المتين في صبغته القرآنية والمفهوم الهزيل في صياغته البشرية.

 

نتائج الدراسة:

يمكن إجمال النتائج التي توصل إليها البحث فيما يلي:

  • ضرورة التفريق في التعامل مع المدونات التفسيرية بين ما يمكن أن نعتبره «تمعينًا« للنص القرآني، بمعنى إمداد للنص القرآني بالمعنى، وبين ما يمكن أن نعتبره استعدادًا للمعنى من النص، ولتحقيق ذلك لا بد من التمييز بين رؤية القرآن للعالم وبين رؤية العربي للعالم، فالمعنى القرآني الخاضعُ حين إنتاجه لثقافة المفسر وما يحدها من شروط الزمان والمكان لا يمكن أن يكون إلا تمعينًا للنص، ولم يرق بعد إلى درجة الانصاف ب «المعنى»، لأن المعنى القرآني لا يمكن أن يتصف بهذه الصفة إلا إذا تأطر المفسر حين استكشافه للمعنى برؤية القرآن للعالم، والتي لا يمكن تحصيلها وتحصنيها ما لم نقرأ القرآن بلغته الخاصة التي اتحدت مع لغة العرب في الجهاز وافترقت معها في الإنجاز.
  • الاحتراز من وصف المفاهيم بـ «القرآنية» لمجرد كونها ألفاظًا قرآنية، لأن المفهوم لفظ ومعنى وما لم يكن اللفظ والمعنى قرآنيين فإن الحديث عن المفهوم القرآني سيظل سطحيًا، ويظل المفهوم حائمًا حول حمى القرآن لا يقع فيه، ولذلك كان من الضروري إعادة النظر في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فهل يقف معنى الحفظ عند مستوى اللفظ أم يتجاوز ذلك إلى مستوى المعنى، حيث يستبطن القرآن بوصلة توجه المعنى وتقيه من التمعين والإسقاط المفاهيمي الذي قد يمارسه المتلقي دون وعي منه.
  • ضرورة إعادة بناء مفهوم التعارف في ضوء النظام القرآني، شأنه في ذلك شأن كل المفاهيم القرآنية، وذلك انتقالاً به من مستوى اللفظ القرآني إلى مستوى المفهوم القرآني، وارتقاء به من مستوى التمثل العربي إلى مستوى المثال القرآني، استكشافًا للمعاني الثانوية بين تفاصيل هذا اللفظ حين يُقرأ في بيئته القرآنية وعلى وفق لغة القرآن ورؤيته للعالم.
  • ضرورة الانتقال بمفهوم التعارف من مستوى اللفظ القرآني إلى مستوى المفهوم القرآني، ذلك أن هذا الانتقال يظهر للوجود معان أخرى يكتنزها هذا المفهوم لم تكن قد استكشفت من قبل، إذا اتضح أن التعارف بمعناه القرآني ينتقل بالإنسان في علاقته مع الآخر من مستوى قبول الآخر إلى مستوى الإقبال عليه ومن مستوى الاعتراف به إلى مستوى العرفان به، ومن مستوى العيش معه إلى مستوى السكن إليه، وهي المعاني التي غابت عن من أطرته الرؤية العربية حين تلقي الآية، فوقف بالمفهوم عند أبعاد سطحية، وليس الحديث عن السطحية قدحًا فيما وصل إليه المفسرون، إنما هو مجرد وصف لما هو كائن، حيث ظل التلقي عند مستويات أولى للفهم لم تنفذ إلى أعماق اللفظ ودلالته.
  • بناء مفهوم التعارف على أسسه القرآنية يتيح إمكانية إدراك البون الشاسع بين المفاهيم القرآنية وما يقابلها من مفاهيم إنسانية، حيث يظهر الفرق جليًا بين مفهوم التعارف القرآني وما ينضوي عليه هذا المفهوم من دلالات عميقة ترقى بالتواصل مع الآخر إلى مستويات الإقبال والعرفان والسكن وبين مفهومي التعايش والتسامح اللذين اختيرا ليكونا نظيرين لمفهوم التعارف ولكن هزال بنيتهما الدلالية أبقاهما في مراتب دون التعارف بكثير، ما يحيلنا من جديد على مفهوم التصديق والهيمنة الذي لا يمكن أن يظهر جليًا ما لم نحافظ للمفاهيم القرآنية على صبغتها القرآنية الحاكمة والمهيمنة على الموروث الإنساني تفكيرًا وتعبيرًا.

 

تقسيمات الدراسة:

قسمت الباحثة الدراسة إلى عدة محاور على النحو التالي:

مقدمة.

أولاً: المفهوم: بين المثال القرآني والتمثل الإنساني.

ثانيًا: التعارف القرآني: من تدبر منظومة الاستخلاف إلى تدبير قيمة الاختلاف.

ثالثًا: المفهوم بين التعبير القرآني والتعبير الإنساني.

رابعًا: التعارف القرآني في ضوء لغة القرآن القاصدة.

نتائج الباحث.

الخاتمة.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 


* دراسة منشورة بمجلة تجسير، دار نشر جامعة قطر، المجلد الأول، العدد الأول، 2019، ص52-71.

 

صدرت هذه الطبعة من كتاب "المدخل الوسيط لدراسة الشريعة الإسلامية والفقه والتشريع" للأستاذ الدكتور نصر فريد واصل[*] عن المكتبة الوقفية بالقاهر، دون ذكر سنة نشر.

ويعد هذا الكتاب من الكتب العلمية الإسلامية التي تهتم بالدراسة العامة التي لابد منها لمعرفة الشريعة الإسلامية معرفة صحيحة عقيدة وشريعة، وتعرض لعلاقة الدين الإسلامي بالديانات الإلهية السابقة وتبين سبب كونه جاء خاتمًا لها، وتحدد علاقة الفقه بالشريعة والعقيدة.

ما تضمن الكتاب بيان الفوارق بين فقه الشريعة الإسلامية وفقه النظم الوضعية، والرد على الشبهات التي تدعى أن الفقه الإسلامي مأخوذ عن الفقه والقانون الروماني وبيان أن العكس هو الصحيح بالدليل.

كما استعرض الكتاب على التطور التاريخي للنظام التشريعي والفقهي في الشريعة الإسلامية، وأوضح أسباب اختلاف الفقهاء وظهور المذاهب الفقهية. وكذلك تضمن التعريف بأهم المؤسسين لتلك المذاهب. وفى الكتاب دراسة لمصادر الأحكام الشرعية الأصلية والفرعية عند الفقهاء.

وفي الكتاب كذلك دراسة لأهم القواعد الكلية والنظريات العامة الفقهية مع دراسة مفصلة عن نظرية العقد في الشريعة الإسلامية، مبينًا فيها الأهلية وعوارضها، ونظرية الحق والواجب والآثار المترتبة على تقسيم الحقوق في الشريعة الإسلامية عند الفقهاء.

وبهذا كان الكتاب وثيقة علمية ومهمة للباحث الإسلامي وللمكتبة الإسلامية على حد سواء.

وقد عرّف مؤلف الكتاب كتابه بقوله: "فهذه بحوث تتعلق بمدخل الفقه الإسلامي والشريعة والتشريع قصدنا منها إلقاء الضوء على الفقه الإسلامي وتقريبه للأفهام وكيفية الوصول إليه وبيان القواعد التي تحكمه آملين في الله أن يكون ذلك عونًا على وجود القاعدة العامة العريضة التي تفهم الشريعة الإسلامية بلغة العصر فهمًا صحيحًا يكون وسيلة لتطبيق نصوصها التشريعية وأحكامها في كل مجالات الحياة حتى تُحل جميع مشاكلهم الاجتماعية ويتحقق التكافل الاجتماعي بينهم ويسعد الناس بدنياهم في هذه الحياة الحاضرة كما يسعدون عند الله من بعدُ في الدار الأخرى الدائمة الخالدة".

 

تقسيمات الكتاب:

الباب الأول.

المبحث الأول: مفهوم مدخل الفقه

المبحث الثاني: مفهوم الإسلام

المبحث الثالث: الشريعة والفقه والتشريع

مميزات التشريع السماوي

تعريف الفقه

موضوع علم الفقه

المبحث الرابع: الأحكام الشرعية

أقسام الحكم الشرعي

الحكم التكليفي

الحكم الوضعي

العزيمة والرخصة

أنواع الرخص

حكم الرخصة

الصحة والفساد والبطلان

الفرق بين الفساد والبطلان

المبحث الخامس: الفقه الإسلامي والتشريعات القانونية الحديثة

تقسيمات القانون الوضعي

تقسيمات الفقه الإسلامي

علاقة الفقه بالتشريع

المبحث السادس: دعائم التشريع الإسلامي وأهم مبادئه

المبحث السابع: وحدة التشريع الإسلامي واستقلاله عن التشريعات الأخرى وعدم تأثره بالقانون الروماني أو أي قانون آخر

الباب الثاني: فقه التشريع الإسلامي والمراحل التي مر بها

المبحث الأول: الفقه في عصر الصحابة

طريقة الصحابة في استنباط الأحكام الفقهية

خصائص النشاط الفقهي في عهد الصحابة

أسباب اختلاف الصحابة

المبحث الثاني: الفقه في عهد التابعين

النشاط الفقهي في عصر التابعين وأسبابه

مدرسة المدينة

مدرسة الكوفة

خصائص الفقه في عصر التابعين

المبحث الثالث: الفقه في عصر المذاهب الجماعية

أهم خصائص الفقه الإسلامي في عصر المذاهب الجماعية

أهم عوامل نهضة الفقه في عصر المذاهب الجماعية

المبحث الرابع: أهم المذاهب الفقهية

المذهب الحنفي

المذهب المالكي

المذهب الشافعي

المذهب الحنبلي

المذهب الزيدي

المذهب الجعفري

المذهب الظاهري

المبحث الخامس: أسباب اختلاف الفقهاء

المبحث السادس: الفقه في عصر التقليد.

المبحث السابع: الفقه في عصر التجديد.

الباب الثالث: مصادر الأحكام الشرعية

المبحث الأول: الأدلة الأصلية

الكتاب (القرآن)

السنة

أنواع السنة

حُجية السنة

المبحث الثاني: المصادر التبعية

الإجماع

القياس

الاستحسان

المصالح المرسلة

أقسام المصالح

الذرائع

تطبيقات لقاعدة سد الذرائع

الاستصحاب

شرع من قبلنا

مذهب الصحابي

العرف

الفرق بين العرف والاجماع

أقسام العرف

دليل العمل بالعرف

نطاق العمل بالعرف

شروط اعتبار العرف والعمل به

الباب الرابع: أهم القواعد والنظريات الفقهية

المبحث الأول: القواعد الفقهية

الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية العامة

قاعدة «الأمور بمقاصدها»

قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»

قاعدة «الضرر يزال»

قاعدة «الاجتهاد لا ينقض بمثله»

قاعدة «التابع تابع»

قاعدة «إعمال الكلام أولى من إهماله»

قاعدة «الخراج بالضمان»

قاعدة «لا ينسب لساكت قول»

المبحث الثاني - نظرية العقد

مفهوم النظرية

العقد في اللغة والاصطلاح

الالتزام

التصرف الشرعي

تقسيمات العقد

التقسيم الأول

التقسيم الثاني

مكونات العقد (أركانه)

صيغة العقد

التعاقد بالكتابة

التعاقد بالإشارة

التعاقد بالأفعال (التعاطي)

الشروط المطلوبة لصحة الصيغة

محل العقد (المعقود عليه)

شروط المحل

العاقدان

عقد الفضولي وآراء الفقهاء فيه

الأهلية وعوارضها

الأهلية

أنواع الأهلية

عوارض الأهلية

المبحث الثالث: نظرية الحق والواجب

تعريف الحق

تعريف الواجب

تقسيم الحقوق في الشريعة

القسم الأول حق الله

القسم الثاني حقوق العباد

القسم الثالث الحقوق المشتركة بين الله والعباد.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


 [*] فضيلة الأستاذ الدكتور: نصر فريد محمد واصل هو مفتي جمهورية مصر العربية السابق، ولد فضيلته بميت بدر حلاوة - مركز سمنود - محافظة الغربية في 9/3/1937م، وحصل على الإجازة الحالية من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر سنة 1965م، ثم حصل فضيلته على الماجستير في الفقه المقارن سنة 1967م، وفي عام 1972م حصل فضيلته على الدكتوراه في الفقه المقارن. عين فضيلته من قبل بالنيابة العامة بالقاهرة (١٩٦٦-١٩٧٢)، ثم عضوًا بهيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون قسم الفقه سنة ١٩٧٣، حيث تدرج في المناصب حتى تولي عمادة كلية الشريعة والقانون بأسيوط (۱۹۸۱-١٩٨٣)، ثم عمادة كلية الشريعة والقانون بالدقهلية سنة ١٩٩٥. أعير فضيلته خلال عمله بجامعة الأزهر لأكثر من للتدريس في أكثر من جامعة، ومنها جامعة صنعاء (١٩٧٦-١٩٨٠). الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (١٩٨٤-١٩٨٨). ثم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض (١٩٩٢-١٩٩٤). عين فضيلته مفتيًا لجمهورية مصر العربية في 10/11/1996م حتى عام 2002م.

 

صدرت هذه الطبعة الثانية من كتاب "فقه الشورى والاستشارة" للدكتور توفيق الشاوي[*]، عن دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع بالمنصورة جمهورية مصر العربية في 1413هــــ/ 1992م.

وبلغ عدد صفحات هذا الكتاب ما يقرب من 832 صفحة، حيث قدم المؤلف من خلاله نظرية تحليلية وعميقة عن الشورى، مما جعل هذا الكتاب بمثابة نقلة نوعية هائلة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وأصبح مرجعًا لا غنى عنه في موضوعه، نظرًا لجدة الاجتهادات التي تضمنها، ولعمقها ورسوخ جذورها الشرعية، واستيعابها للقضايا المركزية التي تواجه العالم الإسلامي المعاصر.

أفرد الكتاب الكثير من النقاش لفكرة رئيسة تتعلق بتفعيل مبدأ الشورى، وهي فصل الجهاز التنفيذي في الدولة عن الجهاز التشريعي، وذكر أن تاريخ الإسلام لطالما كان المشرعون الفقهاء فيه مستقلين عن الخلفاء والأمراء، وبذلك استمرت الشورى في الأمور الفقهية والتشريعية وإن تعطلت في موضوع اختيار الحكام ومراقبتهم.

وفي مقارنته بين الشورى والديمقراطية،  قرر الشاوي وجود فراغ  تنظيمي في الشورى الإسلامية تحتاج إلى الملء باتباع الأساليب الديمقراطية مثل الانتخاب والتصويت، وحرية الرأي، بينما أشار إلى الفراغ الشرعي الموجود في الديمقراطية، مما يظهر الحاجة إلى ضبط الديمقراطية بالشريعة الإسلامية، ويبرز أهمية القيام بعملية تكاملية تستفيد الشورى من الديمقراطية في الآليات، وتستفيد الديمقراطية من الشورى في الضبط الشرعي "مما يعني أن ممارسة الشورى هي امتثال للوحي، وأن التزام الشورى لا يأتي فقط من باب المصلحة والمنفعة – كما هي الحال في الديمقراطية– إنما هي دين يتعبد به المسلم لربه سبحانه، سواء في حياته الخاصة مع زوجه وأبنائه، أم في حياته العامة في الحكم والسياسة".

وسعى المؤلف من خلال هذا الكتاب إلى الإجابة على تساؤل رئيس مؤداه: هل هناك أمل في عودتنا إلى الشورى التي أقامتها الإسلام وسار عليها مجتمعنا في عهد الخلافة الراشدة؟

وأكد الدكتور توفيق الشاوي على العديد من الملاحظات حول مبدأ الشورى، منها ما يلي:

  • أساس الشورى بهذا المعنى الشامل: أن كيان الجماعة وحقوقها ومسئوليتها مستمدة من تضامن مجموع الأفراد الذين ينتمون إليها، وأن رأيها هو رأى مجموع أفرادها، وفكرها هو فكرهم، وعقلها هو مجموع عقولهم، وإرادتها الجماعية ليست إلا إرادة مجموع أفرادها -أو المكلفين منهم- وهذه الإرادة يعبر عنها قرار يتخذونه؛ بناء على تشاور وحوار يدور بينهم، ويتمتع فيه كل مكلف منهم بحرية اختياره وحرية التعبير عن رأيه ومناقشة الآراء الأخرى. إن مبدأ الشورى يعنى أن كل قرار ينسب للجماعة يجب أن يكون تعبيرًا عن إرادة جمهور الجماعة، أو مجموع أفرادها بشرط أن يتمتع الجميع بحرية كاملة في المعارضة والمناقشة، بل في الامتناع كذلك.
  • الشورى بالمعنى العام في شريعتنا مبدأ قرآني، وأصل عام شامل لجميع شئون المجتمع، وتتفرع عنه قواعد وضوابط وأحكام متنوعة، تقيم لنا نظما اجتماعية وسياسية واقتصادية متكاملة ترسم للمجتمع منهاج التضامن والتكافل والمشاركة في الفكر والرأي والمال، إنها ليست مجرد مبدأ دستوري بل هي منهاج شامل وشريعة متكاملة. وسنرى في دراستنا للشورى أن شريعتنا يمكن أن تسمى شريعة الشورى بقدر ما تسمى شريعة الفطرة وشريعة السماء، إنها شريعة إلهية من حيث مصادرها السماوية؛ كما أنها تعتمد على مصادر اجتهادية هي الإجماع والاجتهاد، وكلاهما يفتح الباب للعقل والفكر في استنباط أحكامها ويمهد للأحكام سبيل النمو والتنوع والتطور في نطاق الفقه والعلم اللذين يواجهان تغيرات ظروف الزمان والمكان، وهذان المصدران -الإجماع والاجتهاد– يتجددان من خلال قناة الشورى والتشاور العلمي والفكري.
  • إن غاية الشورى هي العدالة التي تقيم توازنا عادلا ودقيقا بين حرية الأفراد والجماعات من ناحية، وبين وجود سلطة عامة تفرض حدودا وقيودا على هذه الحريات الفطرية من الناحية الأخرى، وهذا التوازن يقيمه الفكر الحر والحوار المتبادل، والتشاور على أساس مبادئ ثابتة ومستقرة، تنبع من عقيدة وشريعة تسمو على إرادة الجميع وتهيمن على فكر الجماعة ونظامها، وبذلك تكون الشورى ميزانًا تمثل الحرية إحدى كفتيه، والسلطة والحكم الكفة المقابلة لها، وترتكز كلتاهما على محور شرعي ثابت مستقر من أصول الشريعة ومبادئها.
  • أن الشريعة الإسلامية قد رسمت لنا الحدود الشرعية التي لا يجوز للشورى أن تتجاوزها، وهي حدود ثابتة خالدة طالما بقي الإسلام وبقيت شريعته.
  • إن الشورى هي الطريق الذي رسمته الشريعة الإسلامية؛ لتحرير الشعوب من سيطرة العوامل المادية والنظريات والفلسفات التي تحرمها حرية التصرف في شئونها وحقها في تسيير أمورها جميعًا بقرارات شورية، يشارك فيها أفراد المجتمع وطوائفه متمتعين بحرية كاملة.
  • الشورى تتعارض مع ما تدعيه بعض الفلسفات الأوروبية من وجود حتميات مادية أو جبرية تاريخية فرضت على المجتمعات تطورات معينة في الماضي، وتدعي أنها هي أيضًا التي تحدد تطورات المستقبل، إن الشورى على العكس من ذلك تؤكد أن مستقبل الإنسانية وشعوبها وأفرادها تحكمه إرادتها الحرة والفكر العاقل للأمم والشعوب وليس للمجتمعات المزعومة التي تروج لها تلك الفلسفات الافتراضية.
  • يوجب الإسلام الشورى في جميع نواحي الحياة الاجتماعية، فلا يقتصر وجوبها على اختيار الحاكم وغير ذلك من الأمور السياسية، بل هي أساس العلاقات الاجتماعية بما في ذلك العلاقات الاقتصادية والمالية والثقافية وغيرها، والعلاقات بين الجماعات والهيئات والطوائف التي تدخل في تكوين الأمة.
  • إن الشورى في الإسلام مبدأ إنساني أولاً، واجتماعي وأخلاقي ثانيًا، ثم هي قاعدة دستورية لنظام الحكم، لذلك فإن نطاق تطبيقها واسع شامل.
  • إن التشاور أو الشورى ليست هدفًا لذاتها، وإنما هي مشروعة في الإسلام كوسيلة لتحقيق العدل وتنفيذ مقاصد الشريعة ومبادئها، ولذلك فإنها فرع من فروع الشريعة وتابعة لها.
  • إن منظمة المؤتمر الإسلامي هي صورة جديدة لتطبيق مبدأ التشاور والشورى على المستوى الدولي، لكنها تأثرت بواقع مجتمعاتنا التي عطلت فيها الشورى في الحكم بعد انتهاء الخلافة الراشدة، ولكى نصحح مسارها يجب أن تقوم على أساس التطبيق الصحيح لمبدأ الشورى الحرة، وأن تكون نواة لفرع جديد من فروع الفقه الإسلامي ينظم علاقات الشعوب الإسلامية على أساس حقوق الإنسان وحرية الشعوب ووحدة الأمة.

 

تقسيمات الكتاب:

المقدمة العامة

الكتاب الأول: شريعة الشورى

الباب الأول: نظرية الشورى في الشريعة

الفصل الأول: المبدأ والمنهاج

الفصل الثاني: أحكام الشورى والاستشارة

الباب الثاني: الشورى في مصادر الفقه والتشريع

الفصل الثالث: الشورى في الإجماع

الفصل الرابع: الشورى في الاجتهاد

 

الكتاب الثاني: أمة الشورى

الباب الثالث: حرية الشورى

الفصل الخامس: الحرية جوهر الشورى

الفصل السادس: ثبات الأصول وحرية التنظيم والإجراءات

الباب الرابع: حكومة الشورى

الفصل السابع: الشورى هي الحكم الراشد

الفصل الثامن: الشورى ونظرية الضرورة

 

الكتاب الثالث: مستقبل الشورى

الباب الخامس: النهضة والوحدة

الفصل التاسع: النهضة

الفصل العاشر: الشورى هي الوحدة والتضامن

الباب السادس: خاتمة البحث

الفصل الحادي عشر: الحاضر

الفصل الثاني عشر: المستقبل

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


[*] الدكتور توفيق محمد إبراهيم الشاوي (15 أكتوبر 1918م- 8 أبريل 2009م) فقيه قانوني ومفكر الإسلامي، له العديد من المؤلفات القيمة، منها:

  • فقه الخلافة الإسلامية وتطورها لتصبح عصبة أمم للعلامة السنهوري -الناشر: دار الرسالة– لبنان.
  • الموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي -الناشر: دار الشروق– مصر.
  • فقه الحكومة الإسلامية بين السنة والشيعة.
  • السنهوري من خلال أوراقه الشخصية -الناشر: دار الشروق- مصر.
  • نصف قرن من العمل الإسلامي -الناشر: دار الشروق- مصر.
  • الشورى أعلى مراتب الديمقراطية -الناشر: الدار السعودية للنشر والتوزيع– السعودية.
  • اعترافات كوبلاند -الناشر: الدار السعودية للنشر والتوزيع– السعودية.
  • فقه الشورى والاستشارة -الناشر: دار الوفاء– مصر.
  • قصص البنوك الإسلامية “البنك الإسلامي للتنمية”- الناشر: الزهراء للإعلام العربي.
  • كمين في بيروت (قصة) -الناشر: دار النشر والتوزيع الإسلامية – مصر.
  • هندي في السجن الحربي (قصة) -الناشر: دار النشر والتوزيع الإسلامية- مصر.
  • صمود الأزهر في الدفاع عن قيم الإسلام ومقدساته -الناشر: دار النشر والتوزيع الإسلامية– مصر.
  • التعديلات التشريعية في قانون الإجراءات الجنائية -معهد الدراسات العربية العالية.
  • نظرية التفتيش (باللغة الفرنسية)، طبعته جامعة القاهرة على نفقتها.

 

التعريف اللغوي والاصطلاحي:

الاستدمار أو الاحتلال: هو سيطرة دولة على أخرى بقوة السلاح، وتأسيس نظام سياسي وإداري جديد فيها. الاستيطان: هو استقرار مجموعة من الناس في مكان جديد وإقامة مستوطنات فيه. والاستدمار الاستيطاني: هو شكل من أشكال "الاستدمار" يهدف إلى السيطرة على أرض أجنبية واستبدال سكانها الأصليين بمستوطنين من الدولة المستدمرة، بهدف إقامة مجتمع جديد يحمل هوية المستدمر. ويعود مفهوم الاستدمار الاستيطاني إلى عصور قديمة، حيث مارسته العديد من الحضارات، مثل الإغريق والرومان. إلا أن هذا المفهوم شهد تطورًا كبيرًا خلال العصر الاستدماري الحديث، الذي شهد تقسيم العالم بين الدول الاستدمارية الأوروبية.

 

طبيعة الاستدمار الاستيطاني:

في كتابه "الاستعمار والاستيطان: دراسة في التاريخ الفلسطيني" يري د. عبد الوهاب المسيري أن الاستدمار الاستيطاني ليس مجرد احتلال عسكري، بل هو مشروع حضاري يهدف إلى تغيير الهوية الوطنية للبلد المحتل، واستبدال سكانها الأصليين بسكان جدد، في حين ركز عزمي بشارة على الشق السياسي والديموغرافي للاستدمار من جهة أن الاستدمار الاستيطاني هو مشروع سياسي يهدف إلى إقامة دولة أجنبية على أرض شعب آخر، وذلك بطرد السكان الأصليين أو تهميشهم، واستيلاء على أراضيهم ومواردهم. ويري إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" أن الاستدمار ليس مجرد سيطرة سياسية واقتصادية، بل هو أيضًا هيمنة ثقافية وبناء صورة للـ"آخر". ويري ألبرت ميمي في كتابه "المُستعمِر والمستعمَر" أن الاستدمار ليس مجرد استغلال لشعب من قبل آخر، بل هو نظام هيمنة يخلق تراتبية بين المستدمر والمستدمَر. ويقوم الاستدمار أو الاستدمار الاستيطاني على فرضية تأمين الأرض؛ أي الحصول على الأرض والحفاظ عليها. وهو يشكّل الدافع وراء استئصال السكان الأصليين. فطرد السكان الأصليين يوفّر الأساس لمواصلة المشروع الاستدماري الاستيطاني، ولذلك ترتبط الإبادة ارتباطًا وثيقًا بالتوسّع والسيطرة على الأرض. وهو "بنية وليس حدثًا". وتنخرط الدولة الاستدمارية الاستيطانية في "مشروع شامل يتمحور حول الأرض، وينسّق بين مجموعة متكاملة من الهيئات؛ بدءًا من المركز المتروبولي، وصولً إلى التخوم، بهدف محو مجتمعات السكان الأصليين". ولا يسع المرء إلا أن يتفق مع هذا التوصيف التحليلي. ومن المرجح أن هذا ما دار في خلد الباحثين الأكاديميين المذكورين، في مقدمة هذه الدراسة، الذين وصفوا المشروع الصهيوني بأنه استدمار استيطاني، قبل أن يكتب وولف ذلك.

الفرق الرئيس بين الاستدمار الكلاسيكي والاستدمار الاستيطاني من خلال الاختلاف بين عبارتين موجهتين إلى السكان الأصليين: "اعملْ من أجلي" (الاستدمار الكلاسيكي)، و"اذهبْ من هنا" (الاستدمار الاستيطاني). فالعبارة الأولى نابعة من "منطق الاستغلال"، في حين أن الثانية منبثقة من "منطق الإلغاء" الذي يسعى إلى طرد السكان الأصليين والحلول محلهم. ويقيس إليان بابي ذلك بالاستدمار الاستيطاني في فلسطين فيذكر في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" أن المشروع الصهيوني في فلسطين كان مثالًا كلاسيكيًا للاستدمار الاستيطاني، والذي يهدف إلى القضاء على السكان الأصليين وإنشاء دولة يهودية خالصة.

 

أهداف الاستدمار الاستيطاني:

يهدف الاستدمار الاستيطاني إلى السيطرة على الموارد الطبيعية حيث غالبًا ما تكون الأراضي المستدمرة غنية بالموارد الطبيعية التي تسعى الدول الاستدمارية إلى الاستفادة منها، بالإضافة إلي التوسع الجغرافي وزيادة مساحة الدولة المستدمرة ونفوذها، كما تسعى الدول الاستدمارية إلى نشر ثقافتها وقيمها في الأراضي المستدمرة، كما يدفع بعض المستوطنين إلى الهجرة إلى الأراضي المستدمرة هربًا من المشاكل في بلدانهم الأصلية.

 

الاستدمار الاستيطاني في العصر الحديث وآثاره:

على الرغم من انتهاء العصر الاستدماري العسكري المباشر (باستثناء الاستدمار الصهيوني لفلسطين تقريبًا)، إلا أن آثار الاستدمار الاستيطاني لا تزال موجودة حتى اليوم في العديد من المناطق حول العالم، وتشكل تحديًا كبيرًا لبناء مجتمعات عادلة ومتساوية. ويترك الاستدمار الاستيطاني آثارًا مدمرة على الشعوب المستدمرة، فهو يدمر الحضارات والثقافات الأصلية للبلدان التي يستدمرها، والتهجير القسري لملايين الأشخاص من أراضيهم، والاستغلال الاقتصادي للشعوب المستدمرة، كما عانى السكان الأصليون من العنصرية والتمييز.

 

أبرز الأمثلة على الاستدمار الاستيطاني:

الاستدمار الأوروبي للأمريكيتين: حيث قام الأوروبيون بتدمير الحضارات الأصلية واستبدالها بمجتمعات أوروبية.

الاستدمار البريطاني لأستراليا: حيث تم تهجير السكان الأصليين واستقدام مستوطنين بريطانيين.

الاستدمار الصهيوني لفلسطين: حيث قام اليهود بتأسيس دولة إسرائيل على أراضي الفلسطينيين، وطردوا الملايين منهم من ديارهم.

الاستدمار الفرنسي في الجزائر: حيث قام الفرنسيون بتغيير التركيبة السكانية للجزائر واستيلاء على أراضيها.

 

الاستدمار الاستيطاني والقانون الدولي:

يعتبر القانون الدولي الاستدمار الاستيطاني انتهاكًا صارخًا لمبادئه وقواعده الأساسية، إن ممارسة الاستدمار الاستيطاني، والتي تتمثل في استيلاء دولة على أراضي دولة أخرى بقوة السلاح وإقامة مستوطنات فيها، تتعارض بشكل مباشر مع مجموعة من المبادئ والقواعد الدولية، بما في ذلك:

  • مبدأ سيادة الدول: ينص هذا المبدأ على حق كل دولة في ممارسة سيادتها على أراضيها، والاستدمار الاستيطاني ينتهك هذا المبدأ بشكل صريح.
  • حق الشعوب في تقرير المصير: يكفل هذا المبدأ حق كل شعب في تقرير مصيره بنفسه، والاستدمار الاستيطاني يحرم الشعوب المستدمرة من هذا الحق.
  • حظر العدوان: يحظر القانون الدولي أي استخدام للقوة المسلحة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، والاستدمار الاستيطاني يمثل شكلًا من أشكال العدوان.
  • حماية المدنيين: يفرض القانون الدولي واجبات على الدول المحتلة لحماية المدنيين في الأراضي المحتلة، والاستدمار الاستيطاني ينتهك هذه الواجبات من خلال طرد السكان الأصليين وتغيير التركيبة الديمغرافية للأراضي المحتلة.

 

من قرارات الأمم المتحدة:

أصدرت الأمم المتحدة العديد من القرارات التي تدين الاستدمار الاستيطاني وتعتبره غير قانوني، من أبرز هذه القرارات:

  • القرار 242: الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967.
  • القرار 465: الذي يدين إقامة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة.

 

الشريعة الإسلامية والاستدمار الاستيطاني:

الشريعة الإسلامية، بصفتها نظامًا شاملًا للحياة، تتضمن مبادئ وقيم تحرم الظلم والعدوان والاستيلاء على أراضي الغير، وتعتبر قضية الاستدمار الاستيطاني من القضايا المعاصرة التي تتطلب الوقوف عليها من منظور شرعي. وقد أبدى علماء الشريعة الإسلامية آراءً واضحة في هذا الشأن، مستندين إلى مبادئ وأحكام الإسلام، ومن تلك المبادئ والأحكام:

  1. حرمة الاعتداء على الأراضي والأعراض: قال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]، وهذا الآية الكريمة تحرم أي اعتداء على حقوق الآخرين، بما في ذلك الاعتداء على أراضيهم وأعراضهم. والاستدمار الاستيطاني يعد اعتداءً صريحًا على حقوق الشعوب الأصيلة.
  2. حق الشعوب في العيش بحرية: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَكمْ﴾ [الحجرات: 13]، وهذه الآية تؤكد على حق كل شعب في العيش بحرية وكرامة على أرضه، دون أن يتعرض للظلم أو القهر. والاستدمار الاستيطاني ينتهك هذا الحق.
  3. العدل والمساواة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وفي الآية دعوة إلى العدل والمساواة بين جميع الناس، بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو جنسهم. والاستدمار الاستيطاني يمارس التمييز العنصري ويؤدي إلى الظلم.

إن الاستدمار الاستيطاني عمل محرم في الإسلام، وهو ينتهك مبادئ عديدة من مبادئ الشريعة الإسلامية، مثل: حرمة الاعتداء على الأراضي والأعراض، وحق الشعوب في العيش بحرية، والعدل والمساواة، والسلم والتعايش.

ويعتبر من أهم الفروق بين الفتوحات الإسلامية والاستدمار الاستيطاني، أن الفتوحات الإسلامية لم تتضمن أبدًا طرد أصحاب الأرض الأصليين بل ظلوا في بلادهم يعيشون تحت شعار "لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم"، يحميهم مبدأ لا "إكراه في الدين"، وتظللهم قيم البر والرحمة والعدل..، فقد كان هدف الفتوحات إصلاحي لا إحلالي، وكان القضاء العادل هو الحَكَم بين المتخاصمين، لا يفرق بين مسلم أو غير مسلم، بل يعطي كل ذي حق حقه دون تمييز ديني أو عرقي، فقد كانت العدالة مبصرة لا عمياء كما يحدث دومًا في البلاد المستدمرة استدمارًا إستيطانيًا إحلاليًا.

__________

* قرر موقعنا استبدال لفظ الاستدمار بلفظ الاستعمار، إذ لا يصح أن نُقر استخدام لفظ أخلاقي تنموي كالاستعمار، على اعتداء غاشم يصحبه غالبًا عملية إبادة جماعية للسكان الأصليين من جانب المحتلين... وقد استخدم لفظ الاستدمار قبلنا أكثر من باحث، مثل د. محمد شاويش (رحمه الله)، وأ. معمر حبار وآخرون.

المصادر:

  • عزمي بشارة، استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار، مجلة عمران، العدد 38، أكتوبر 2021، ص: 16.
  • ابتهال الخطيب، بين الاستعمار والاستيطان وأساليب الإبادة «اللايت»، القدس العربي، 22 فبراير 2024، https://2u.pw/ePF2hsKs
  • وليد حباس، مفهوم الاستعمار الاستيطاني: نحو إطار نظري جديد، قضايا إسرائيلية، العدد ٦٦.
  • د. محمد عمارة، الاستعمار الاستيطاني بين فقه الواقع وفقه النص، مقال يمكن الاطلاع عليه عبر هذا الرابط: بقلم: د. محمد عمارة(alsadrain.com).
  • سمير الأحمد، الاستعمار الاستيطاني، دنيا الرأي، ١٦ فبراير ٢٠١٠، https://2u.pw/ixQ7a5xE

 

 

عرضت في محاضرتي الثانية التي ألقيتها في الموسم الثقافي، الذي دعتني إليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت بعض خصائص الفقه الإسلامي، وجوانب من مزاياه التي تجعله هو المصدر الوحيد، الذي يجب أن يستمد منه كل تشريع ناظم للحقوق في البلاد العربية خاصة والإسلامية عامة، وأوضحت تلك الخصائص والمزايا بالأمثلة والشواهد العملية الواقعية من أحكام الفقه الإسلامي.

أ- فمن خصائصه الذاتية العامة التي أكسبته صفة الخلود وقابلية الاستجابة لتغطية جميع الحاجات التشريعية في مراحل الحضارة الإنسانية، الخصائص لتغطية جميع الذاتية التالية:

  • السعة والاستيعاب والغنى بالنظريات القانونية في تنظيم الحقوق والالتزامات ومصالح المجتمع بصورة شملت كل شُعب القانون المعروفة إلى اليوم مبتدئة من علاقة الإنسان بأسرته من أحكام الزواج إلى الميراث وما بينهما، وتنتهي بأحكام القانون الدولي المنظم لعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم والدول سلمًا وحربًا. كل ذلك نظمه النظام القانوني في الشريعة الإسلامية بأعدل القواعد، وأحكم الأحكام، وأسمى المبادئ وأخلدها وأكثرها رعاية للمثل الإنسانية العليا، وتطعيمًا للعنصر القانوني بالعنصر الخلقي.
  • الدقة المتناهية في بناء الأحكام، حتى لكأن الدارس الباحث في مسائل الفقه الإسلامي وآراء الفقهاء ونظرياتهم، يشعر كأنما هو أمام ميزان حساس يوزن به الألماس، وتظهر به الفروق بين المتشابهات مهما دقت وغمضت.
  • مرونة أصوله ومصادره، سواء ما كان منها نصوصًا كنصوص القرآن العظيم والسنة النبوية، وما كان منها طرقًا ومسالك وقواعد ومقاصد كالقياس والاستحسان والاستصلاح. فطريق الاستحسان يفسح مجالاً لتقرير أحكام استثنائية على خلاف القياس عندما تختلف الظروف والاعتبارات الخاصة بين المسائل المتشابهة التي يقاس بعضها على بعض في الأحكام. ومن الأمثلة التطبيقية لذلك أحكام المفقود وهو الذي فُقد ولا يدري أحد أهو حي أو ميت ولا أين هو. فالحكم الفقهي الأساسي في علاقاته وحقوقه وأمواله أنها تجمد فلا يرث ولا يورث منه حتى تثبت حياته، أو تثبت وفاته بمثبت أو بالقرائن الكافية كموت أقرانه جميعًا في بلده، فعندئذ يحكم بوفاته وتوزع أمواله بين ورثته. هذا هو مقتضى قاعدة الاستصحاب القياسية.

ولكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أن تطبيق هذا القياس على الزوجة وتركها معلقة على عصمة زوجها المفقود حتى يموت أقرانه فيه حرج عظيم وضرر بليغ بالنسبة إلى الزوجة، لأن تجميد المال غير تجميد الزوجة، فقضى بالنسبة إلى الزوجة أن لها الحق أن تطلب القضاء لها بإنهاء الزوجية بعد أربع سنوات من فقدان زوجها في حال السلم، وبعد سنة واحدة فقط في أيام الحرب، وهذا حكم قرر بطريق الاستحسان استثناء من قاعدة الاستصحاب القياسية.

  • مكانة العرف في الشرع الإسلامي، فإن العرف مصدر هام دائم للأحكام الفضائية، وتتبدل الأحكام العرفية بتبدل العرف. وبما أن العرف مُعبر في أغلب الأحيان عن حاجات المجتمع، فاعتماده في الفقه الإسلامي مصدرًا للأحكام والقضاء جعل هذا الفقه مستجيبًا بصورة دائمة لهذه الحاجات سوى ما كان منها انحرافًا يجب تقويمه، وللعرف في الفقه الإسلامي نظرية ضافية ذات قواعد وشرائط وتفصيل رائع.
  • بناء أحكام الفقه الإسلامي على أساس التوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة والحق العام.

ويتجلى ذلك في منع التعسف في استعمال الحق الخاص، وفي منع الاحتكار في التجارة، وفي الحجر على السفيه المذر، والحجر على شخصين يخصهما الفقهاء بالذكر في ضمن التعميم وهما:

الطبيب الجاهل والمكاري المفلس "والمكاري هو من يتعهد للناس بالنقل السفري على دوابه مثل مكاتب السفريات اليوم". فإذا كان مفلسًا ليس عنده دواب كافية يأخذ من الناس أجور النقل ثم لا يستطيع نقلهم في مواعيد سفرهم المقررة. فلذا يحجر عليه شرعًا في فتوى الفقهاء.

  • بناء أحكام الفقه الإسلامي على أساس الموضوعية والتجرد عن كل دافع من عصبية أو عاطفة خاصة سوى فكرة العدل والحق المجردة بقطع النظر عن اللون أو الجنس أو البيئة أو الدين أو أي صفة أخرى في الأشخاص الذين تطبق عليهم أحكام الشريعة.

ومن الأمثلة الرائعة على ذلك في التاريخ الإسلامي فتوى الإمام الأوزاعي للخليفة الأموي بعدم جواز قتل الرهائن، وهم أشخاص أخذهم المسلمون من الروم ضمانًا لعدم غدر قومهم – وكانت العادة العامة المتبعة أن تقتل الرهائن إذا غدر قومهم - فلما غدر الروم، وهَمَّ الخليفة بقتل الرهائن عارضه الإمام الأوزاعي ونادى به أنه لا يحل قتلهم في شريعة الإسلام وقانونه، لأن الله -تعالى- قد منع أن يؤاخذ أحد من الناس بجريرة غيره، وقرر ألا تزر وازرة وزر أخرى، فإذا غدر الروم فإن ذنبهم لا يسري إلى رهائنهم التي أخذناها منهم، وقد نزل الخليفة على فتوى الإمام الأوزاعي هذه.

ومن الأمثلة الرائعة أيضًا التي دوى بها التاريخ، حادثة محمد بن عمرو بن العاص فاتح مصر وأميرها عندما سبقه قبطي نصراني في حلبة سباق، فضربه محمد بن عمرو بقضيب، وقال له: أتسبق ابن الأكرمين، فلما اشتكى القبطي إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين في المدينة أحضر محمدًا وأباه عمرًا من مصر، بعد أن حقق وثبت لديه الحادثة، وقال لمحمد منذ متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ ثم أمر القبطي النصراني أن يضرب محمد بن عمرو في المجلس ثم أمره أن يضرب أيضا أباه عمرو، أمير مصر، فلما امتنع القبطي عن ضربه قال: إنما ضربك بسلطان أبيه.

من هذه الينابيع والأسس الموضوعية المجردة عن كل نزعة سوى مبدأ إحقاق الحق وإقامة العدل استمدت أحكام الفقه الإسلامي، وبهذه المادة بني صرحه العظيم الخالد، ولا يستغرب هذا في فقه مؤسسه الأول هو الرسول العربي القائل - عليه الصلاة والسلام - في التوصية بأهل الذمة، وهم المواطنون المقيمون في ظل الدولة الإسلامية من غير المسلمين: "من آذى ذميًّا فقد آذاني". فلنقارن هذا بالقانون الأسود القائم في أميركا مثلاً على التمييز العنصري في الأحكام الإدارية والقضائية بين السود والبيض.

وبالقانون الروماني القديم، الذي هو أصل معظم التشريعات الأوروبية، والذي كان يميز في الأحكام بين الرومانيين والرعايا الآخرين من مواطني الدولة الرومانية.

  • وهناك خاصية هامة في الفقه الإسلامي، هي خاصية بالنسبة إلى العرب فقط، وهي أنه فقه عربي المنشأ والمصدر. فالكتاب الأصلي الذي يستمد منه قواعده وتوجهاته العامة في خطوطه العريضة هو القرآن، وهو عربي، والمؤسس الأول لهذا الفقه وهو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو عربي، وكلامه الذي هو نواته ثم شجرته الأصلية هو كلام عربي، والأدمغة التي خدمته ودونته في البداية هي عربية استمدته من تلك الأصول العربية، والعلماء اللاحقون الذين وسعوه ونموه بالأقيسة والاجتهاد والتخريج من مختلف الأمم الإسلامية، وإن كان منهم أناس غير عرب، إنما بنوا كل بحوثهم فيه علي تلك الأسس العربية وما استنبط منها.

وبذلك يكون هذا الفقه العظيم الضخم تراثًا عربيًا قانونيًا خَلدَ على الزمن، بينما زال كل تراث علمي آخر أنشأه الغرب أو اقتبسوه ووسعوه.

وهذا الميراث القانوني العربي، كما يقول الأستاذ السنهوري، هو مفخرة كل عربي، ولو غير مسلم، إذا كان حقًا يعتز بعروبته وأصالته فيها وصادقًا في ذلك.

هذا إجمال الخصائص الأساسية لهذا الفقه الإسلامي ومزاياه إلى جانب ما فيه من خصائص أخرى من نوع آخر كاللغة الاصطلاحية القانونية الخالدة التي أتى فيها فقهاؤنا بروائع المصطلحات مما لا يوجد له نظير في القانون، ومما لا يزال القانونيون العرب يستمدون منها حاجتهم في الترجمة عن الفقه الأجنبي، هذا إلى خصائص أخرى كثيرة فرعية يعرفها الراسخون من العلماء.

ومن هذا يتبين أن الفقه الإسلامي هو الفقه الوحيد الذي تجتمع فيه الخصائص والمزايا التي تفي بحاجة التشريع في البلاد العربية والإسلامية، لأنه منسجم مع تاريخها، ونابع من عقيدتها ولغتها الجامعة، كما أنه هو الذي يمكن أن تجتمع عليه البلاد العربية في توحيد تقنيناتها عن طريق استمدادها، ولا يمكن أن تجتمع كلمتها واتجاهاتها في ذلك على مصدر آخر سواه.

ومما يؤسف له أن كثيرًا من العالم العربي اليوم يجهلون أنفسهم وقيمة ما عندهم من تراث أصيل، ويتنكرون لذاتيتهم جهالة منهم، فيحبون استجداء الفقه والقانون من المصادر الأجنبية، معلنين أنهم فقراء جوف في هذا المضمار، ويظنون هذا تقدمية، بينما هم أغنى أمة بالتراث القانوني، ورحم الله شاعرنا المرحوم حافظ إبراهيم، إذ يقول:

أيشتكي الفقر غادينا ورائحنا         ونحن نمشي على أرض من الذهب

 أما شبهة الجهلاء الببغاويين الذين يرددون ما كان زعمه بعض المشككين الخبثاء من المستشرقين أو سواهم من أن التشريع الإسلامي وفقهه مستمد من القانون الروماني فهذه شبهة أصبحت عتيقة رثة سخيفة لم تبق في حاجة إلى أن يهتم المحققون في جمع الأدلة على إدحاضها، ذلك لأن المستشرقين المنصفين قد أغنونا عن دفعها، بما كتبوا هم وبينوا في هذا الشأن، وقرروا أن الفقه فقه أصيل مستقل بأصوله وفروعه غير مستمد من أي فقه آخر، وأن زعم استمداده من القانون الروماني هي خرافة تدل على عدم معرفة قائلها بالنظامين القانونيين كليهما، النظام الروماني والنظام الإسلامي. وإن كانت بعض قواعد العدل قد تتشابه بين أمة وأخرى نتيجة وحدة منطق التفكير العلمي ومنطق العدالة.

وأقرب ما أحيلكم عليه في ذلك قرار مجمع القانون الدولي المقارن في مدينة لاهاي عام ۱۹۳۷، حيث صرح فيه بما ذكرت من عدم وجود أية صلة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني، وأن الفقه الإسلامي صالح لإمداد التشريع الحديث بأحسن النظريات والقواعد.

وقد نقلت أنا خلاصة هذا القرار في أوائل الجزء الأول من السلسلة الفقهية التي وضعتها باسم "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد"، وكذا قرار مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الذي عقد في كلية الحقوق بجامعة السوربون بباريس، وكنت مشتركًا فيه باسم الجامعة السورية، حيث تضمن ذلك القرار تأكيد هذا المعنى، بالإضافة إلى بيان ما في مجموع المذاهب الفقهية من قيمة فقهية خالدة، تصلح أن تكون خير مستمد للتشريع الحديث.

_________________________________

مقال مستل من كتاب "علماء وأعلام كتبوا في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية"، ج1، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، الإصدار الرابع عشر، 1432هــــ/ 2011م، ط1، ص509-515. والمقال نُشر لأول مرة في العدد (١٤)، صفر (١٣٨٦هـ) / مايو (١٩٦٦م).

صدرت الطبعة الأولى من كُتيب "نحو اجتهاد فقهي معاصر" لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب[1] ضمن سلسلة "كلمات الإمام الأكبر (رقم 11)، والصادرة عن مجلس حكماء المسلمين بالإمارات العربية المتحدة، في 1440هـــــ/ 2019م.

ويُذكر أن أصل هذا الكُتيب هو كلمة أُلقيت في مؤتمر دار الإفتاء المصرية: "التكوين العلمي والتأهيل الإفتائي لأئمة المساجد للأقليات المسلمة" المنعقد بالقاهرة تاريخ 16- 17 من محرم سنة 1438هـــ الموافق 17- 18 من أكتوبر سنة 2016م.

وأكد فضيلة الإمام على أن بعضُ العُلماء المعاصِرِينَ تَفَطَّنَ إلى أنَّ إحجام الفقهاء عن الاجتهادِ سيترُكُ المجتمعات الإسلامية «للآخَرِ» يملؤُها بما يشاء، وهو: "لون مِنَ الوقوع في فصلِ الدِّينِ عَنِ الحَياةِ، أو فَصلِ الحَياةِ عَنِ الدِّينِ، الذي نتَنكَّر له كشِعارٍ، ثُمَّ نُمارِسُه كواقع".

هذا مع التأكيد والاعتراف على أن الأمة تعيش أَزمَةً حقيقيَّةً يدفَعُ جماهير المسلِمينَ ثَمَنَها غاليًا حيثما كانوا وأينما وُجِدُوا: أَوَّلًا بسبب التَّهَيُّبِ والإحجام عن التَّعامُلِ معَ الشَّرِيعَةِ الَّتي هي يُسر "كلها ورحمة كلها وعدل كلها" والتي نَصِفُها بأَنَّها صالِحَةٌ لكُلِّ زَمانٍ ومكانٍ، نتعامل معها بحُسبانِها شَريعةً عاجزةً عن مسايرةِ النَّوازلِ والوقائع المستجدة، وثانيًا نتيجة غيابِ الرُّؤيَةِ "المَقاصدِيَّةِ" الَّتي تُشَوِّشُ حَتمًا عَلَى النَّظَرَةِ الاجتهادية، وتأخُذُ الفَقِيهَ بعيدًا عَنِ رُوح الشَّرِيعَةِ ومقاصدِها العُليا مِنَ الحُكم الشرعي المُناسِبِ.. وثالثًا نتيجةَ الفَتاوَى المُعَلَّبةِ، والعابرة للدول والأقطار، والتي لا تتوقَّفُ كثيرًا ولا قليلاً عند اعتبار أحوالِ المُجتمعاتِ، وتضرِبُ عُرض الحائط باختلافِ الأعراف والعادات والثقافاتِ واللغات والأجناس، حتَّى صارَتِ الفتوى الواحِدةُ يُفتَى بها للمُسلِمِينَ مهما اختلفت دِيارهم وتنوعت أوطانهم وتبدَّلت أحوالهم مِن حَربٍ وسَلَامٍ وغِنِّى وَفَقْرِ وعِلمٍ وجَهل، فهل يُعقل أو يُقبَلُ أَن يُفْتَى للمُسلِم بِالفَتَوَى الواحِدَةِ فِي النَّوازِلِ المُتشابِهَةِ شكلاً والمُختلِفَةُ واقِعًا وضررًا ومصلحة - في القاهرة ونيامي ومقديشيو وجاكارتا ونيودلهي وموسكو وباريس وغيرها مِنَ الحَواضِرِ والبَوادِي في الشَّرقِ والغَرب؟!

وعلق سيادته ملاحظة على مصطلح الأقليات قائلاً: "أمَّا عُنوانُ هذا المُؤتمَرِ فَإِنِّي أَستسمِحُ أخي سَماحَةَ مفتي الديار المصرية في أن أُسَجِّل رأيي في أنَّ مُصْطَلَحَ الأَقَلِّيَّاتِ المُسلِمَةِ، الوارِدَ في عُنوانِ المُؤتمر، هو مُصْطَلَح وافِدٌ عَلَى ثَقافَتِنا الإسلامية، وقد تحاشاه الأَزهَرُ في خطاباته وفيما صَدَرَ عنه مِن وَثائقَ، لأنه مصطلح يحمل في طياته بذور الإحساس بالعُزلَةِ والدُّونِيَّةِ، ويُمَهِّدُ الأرض لبذور الفِتَنِ والانشقاق، بل إنَّ هذا المُصطلح ليُصادِرَ - ابتداء عَلَى أَيَّةِ أَقَليَّةٍ كثيرًا من حقوقها الدينية والمدنية، وفيما أَعْلَمُ فَإِنَّ ثَقافَتَنا الإسلامية لا تعرف هذا المُصْطَلَحَ، بل تُنكِرُه وتَرفُضُه، وتَعرِفُ بَدَلًا منه معنى المُواطَنَةِ الكامِلَةِ كما هو مُقَرَّرُ في وَثِيقَةِ المَدينة المنورة؛ لأنَّ المُواطَنة في الإسلام - حقوق وواجبات ينعم في ظلالها الجميع، وَفْقَ أُسسٍ وَمَعايير تُحَقِّقُ العدل والمساواة.

 

تقسيمات الكتاب:

تناول فضيلة الإمام العديد من العناصر والمحاور التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

  • افتتاح المحاضرة.
  • دور علماء الفتوى ودُورِ الإفتاء بين الواقع والمأمول.
  • تَغَلُّبُ الفِقْهِ العَبَنِي - الذي يَرُدُّ النَّاسَ إِلى أَخلاطٍ مِنَ الآراء المتشدِّدَةِ - عَلَى دُورِ الإفتاء.
  • نَجاحُ الفِقهِ العَبَثي وغَلَبَتُه مَرجِعُه إلى قدرته على التَّحرُّكِ بينَ النَّاسِ والمثابرة، لا إلى واقعيَّتِه ويُسرِه.
  • رُكُودُ فَتاوَى المجامع ولجان البحوث الفقهية - كفَتاوَى فرديَّةٍ قاصِرَةٍ، أو حبيسة مجلدات علمية - ساعد الفقه العبثي على النجاح.
  • انتقادُ الواقع بهدَفِ النُّهوض إلى التَّجديدِ، والانخلاعِ مِنَ العَجز والجُمودِ.
  • عَدَمُ الإفادةِ مِن عِلم الفقيهِ بنَصِّ الفَتوَى إِذا كان مُغَيَّبًا عن محلِّ النَّص وتَصَوُّرِ الواقِعَةِ التي يَتنزَّلُ عليها النَّصُّ تَنَزُلًا دَقِيقًا.
  • مثال: عَدَمُ بُلوغ الحكم الشرعي للنَّاسِ على وجهه الصَّحيح في قضية تَعَدُّدِ الزَّواج، هو السبب في فَوضَى تَعَدُّدِ الزَّواجِ وفَوضَى الطَّلَاقِ.
  • اعتراءُ الزَّواج للأحكام الخمسَةِ.
  • تحريمُ الزَّواج عندَ تَيَقُنِ الزَّوجِ أَنَّه سيجُورُ على زَوجَتِهِ.
  • خَوفُ إيقاع الضَّرِرِ بالزَّوجَةِ مُقدَّم عند الفقهاء على خَوفِ الوقوع في الزِّنَى.
  • خَوفُ الجَورِ على الزوجة مانع شرعيٌّ مِنَ الزَّواج، ومن بابِ أُولَى فهو مانِعُ مِنَ التَّعَدُّدِ.
  • سُؤالٌ وجَوابٌ حَولَ إِبَاحَةِ التَّعَدُّدِ معَ جَورِ الزَّوج وتَعَسُّفه، طالما أنَّ لجوء المرأةِ إلى الخُلعِ مُتاحًا.
  • مَورِدُ عِباراتِ الفُقهاء في مسألةِ الزَّواج هو: تَحمُّلُ المسئوليَّةِ الأخلاقيَّةِ تُجَاهَ الشَّرِيكِ قبلَ البَدْءِ في مشوار هذه الشّراكَةِ.
  • فوضويَّةُ الزَّواج والطلاق وراءَ الكَثرَةِ الكاثِرَةِ مِن أطفال الشوارع كضحايا لهما.
  • تجديد الخطاب الديني بينَ عُلماء اليوم والأمسِ.
  • تَحَلِّي عُلماءِ القَرنِ الماضي بشجاعة أكبر في اقتحام القضايا التي مَسَّتِ الحاجة إلى تجديدها.
  • بروز شَجَاعَةِ علماءِ القَرْنِ الماضي في اجتهادهم بوقوع الطلاقِ الثَّلاثِ بلفظ واحدٍ طلقة واحدةً على خِلافِ الفَتَوَى آنذاك.
  • امتناع العلماء عن اقتحام حاجز الخوف لتجديد الفتوى، باعَدَ بينَ الشَّرِيعَةِ الإسلامية وواقع النَّاسِ.
  • إحجامُ الفُقهاءِ عَن الاجتهاد هو لون من ألوانِ فَصل الدين عن الحياة، وترك للمجتمعات الإسلامية للآخَرِ.
  • أسبابُ أَزْمَةِ المسلمين اليوم.

أوَّلُ أسبابِ الأَزمَةِ: الخوف والإحجامُ مِنَ التَّعَامُلِ مع الشريعة.

ثانيها: غِيابُ الرُّؤية المقاصدية التي تُشَوِّشُ على النظرة الاجتهادية.

ثالثها: الفَتاوَى المُعَلَّبَةُ العَابِرَةُ للدُّولِ والأقطارِ.

  • اعتراض على لفظ الأقلّيَّاتِ في عُنوانِ المؤتمر لوفوده على ثقافتنا.
  • خُطُورَةِ مُصطلح الأقليَّاتِ ولماذا استبعده الأزهر خطاباته وبياناته ووثائقه؟
  • المواطنة الكامِلَةُ هي البديل لمصطلح الأقلية، كما جاءَ في وثيقة المدينة المنوَّرَةِ.
  • ترسيخ فقه المواطنة بين المسلمين في أوروبا وغيرها مِنَ المجتمعات المتعدّدَةِ الهُوِيَّات خطوةً ضرورية على تحقيق الاندماج الإيجابي.
  • حفظ الاندماج الإيجابي لسَلامَةِ الوَطَنِ وتماسكه وترسيخه تأصيل الانتماء.
  • فقه المواطنة هو السَّدُّ المنيع أمامَ الذَّرائعِ الاستعماريَّةِ.
  • تنبه دار الإفتاء المصريَّةِ لأهميَّةِ تأهيل الأئمة للإفتاء.
  • ختام المحاضَرَةِ.

 

رابط مباشر لتحميل الكتيب

 

[1] الشيخ أحمد الطيب هو أحمد محمد أحمد الطيب الحسَاني، وُلد في 6 يناير 1946م الموافق 3 صفر 1365هـ، وهو الإمام الأكبر شيخ الأزهر (الإمام الثامن والأربعون) منذ 19 مارس 2010م حتى الآن (بارك الله في عمره)، والرئيس السابق لجامعة الأزهر، ومفتي الجمهورية سابقًا، ورئيس مجلس حكماء المسلمين، وهو أستاذ في العقيدة الإسلامية، يتحدث اللغتين الفرنسية والإنجليزية بطلاقة وترجم عددًا من المراجع الفرنسية إلى اللغة العربية وعمل محاضرًا جامعيًا لمدة في فرنسا.