هذا الكتاب هو نفسه الرسالة التي تقدم بها د. عبد السميع أحمد إمام لنيل درجة أستاذ من قسم الدراسات العليا في كلية الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، وقد فازت بتقدير (جيد) عام 1360هـــــ/1941م، وصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن درا الطباعة المحمدية بالقاهرة عام 1376ه/1957م.

ومما جاء في التقديم لهذا الكتاب ما يلي:

إن من مفاخر الشريعة الإسلامية اتساع صدرها للباحثين. وقبول أحكامها المسايرة الزمن. وشمولها لما يتجدد فيه من المعاملات مع السهولة والتيسير ومراعاة مصالح العباد. فهي الدستور الخالد. والقانون العادل. مصدرها كتاب الله المنزل «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» وتبيانها هدى النبي المرسل ليبين للناس ما نزل إليهم. فهو لسان الشريعة الناطق. وبيانها الصادق. ومترجمها الأمين بلسان عربي مبين. بلغ الرسالة. وأدى الأمانة. واجتهد. ووعد المجتهدين بالثواب. ما دام الحق رائدهم، ومعرفة الحكم غايتهم ومطلبهم. وقد بذلوا في ذلك وما قصروا. فكثر من أعلام أمته من شمروا عن ساعد الجد. واستفرغوا غاية الجهد. في استكناه أسرار الدين واستنباط أحكامه أصولاً وفروعًا حتى تسنموا ذروة الاجتهاد. وخلفوا لمن بعدهم تراثًا مجيدًا خالدًا على الأيام.

فلو أننا شرعنا نستضئ بنوره لنتعرف أحكام ما حدث في عصرنا من معاملات إذًا لأمكن أن نصوغ منه مثالاً يساير الزمان في جدته ويجاري المجتمع في حضارته. وبهذا نكون قد أدينا خدمة للإنسانية. وقمنا بما في الوسع من واجبات الدين.

وقد رأيت أنواعًا من البيوع استحدثت في هذا العصر وأخرى يخيل للناظر فيها أنها لم تكن معروفة من قبل، وقد اختلط سليمها بسقيمه، حتى اشتبه الصحيح منها بالعليل، ولم يدر الخالص فيها من الدخيل.

فرغبت في جعل موضوع رسالتي التي أتقدم بها لنيل درجة الأستاذية هو البحث في أصول البيوع الممنوعة في الشريعة الإسلامية وموقف القوانين الوضعية منها، عسى أن أهتدى إلى رأي التشريع الإسلامي في هذه المستحدثات وأتمكن من الحكم عليها بالتطبيق على أمثالها أو بإدخالها تحت القواعد العامة التي تتناولها حتى يأخذ كل منها ما يستحقه من الحظر أو الإباحة ويستقر مع لداته من الحلال أو الحرام.

ولم أتردد في الحكم بالجواز على ما أراه منها مشمولاً بما يفيد حله من الضوابط الشرعية، وقد رسمت لنفسي أفقًا أتنقل فيه، إذ إني نظرت إلى البيوع التي حظرتها الشريعة الإسلامية فوجدت أسباب منعها تنحصر في أنها فقدت أمرًا مما أوجب الشارع توفره في البيع الجائز، ثم نظرت في كتب الأحكام فألفيت الأمور التي يجب توفرها في عقد البيع لا تخرج عن الأركان والشروط فمن ثم حزمت رأيي أن أتتبعها في كتب المذاهب المعروفة، ثم أتكلم على كل منها بما يفيد أنه أصل ينشأ عن فقده النهى عن بعض البيوع، وقد لاحظت فيما اختصصته بالذكر منها أن يكون مما له مساس بحياتنا العملية أو يصلح أساسًا لبعض ما ظهر التعامل به في عصرنا الحالي، ولم يفتني أن ألمح إلى آراء علماء القانون الوضعي حينما يتعرضون لما يتصل بموضوع البحث، وربما دعاني بعض المواطن إلى شيء من التطويل كي يستوفي المقام حقه من الدرس.

وقد اجتهدت أن أستخلص من مجموع ما أبحثه من المذاهب المختلفة والآراء المتعددة نواحي من النظر تكون مساعدة لي على تكوين رأي خاص أو ترجيح مذهب من المذاهب السالفة محاولاً جهدي أن أدنو من الانصاف قدر المستطاع.

 

محتويات الكتاب:

المبحث الأول: في كون المعقود عليه مالاً شرعيًا، وفيه مواطن.

المبحث الثاني: في كون المعقود عليه موجودًا.

المبحث الثالث: في كون المعقود عليه معلومًا للمتبايعين.

المبحث الرابع: في كون المعقود عليه غير منهي عنه وفيه مواطن.

المبحث الخامس: كون المعقود عليه مقدور التسليم.

المبحث السادس: كون المعقود عليه مملوكًا للعاقد.

خاتمة في مراتب البيوع الممنوعة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

 

إن خدمة الإسلام في هذا العصر عمل صعب معقد يحتاج إلى تجرد تام وفقه رحب... فأمام ركام من المواريث الثقافية والاجتماعية لابد من جراحات جريئة لبتر البدع والأوهام والمراسم التي تغلغلت في حياتنا الخاصة والعامة وأفسدت نظرتنا للدين والدنيا..

وأمام ركام من التقاليد التي رمتنا بها الحضارة الغالبة لابد من بصر دقيق بما ينفع وما يضر! دون تشاؤم قابض أو ترحيب غافل...

إنني أحيانًا كنت أغلغل البصر في النظام الشيوعي نفسه لأتعرف الجوانب التي تجتذب الجماهير، والتي قد تكون بها أثارة من حق، فقد تكون مأخوذة من تراثي أنا فإني أذكر من سيرة "كارل ماركس" أنه قرأ كتاب الخراج «لأبي يوسف».

ويوم آخذ هذا الجانب فهي بضاعتنا ردت إلينا.

ثم إننى محتاج إلى الاستفادة من نشاط العقل البشري في كل قارة وفي كل حضارة إذا كان هذا النشاط يدعم قيمًا مقررة عندي..

وأخيرًا أجدني مضطرًا لذكر أمر مثير سوف يصطدم به خدام الإسلام الصادقون! هو الحقد المتنقل على مر القرون ضد محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته الخاتمة..

إن الصهيونيين والصليبيين والملحدين والعلمانيين من وراء المجازر الرهيبة التي تعرض لها الدعاة وجمهور المؤمنين في أرجاء العالم الإسلامي الكبير.

وقد استبنت أن مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر كانا مخلبي قط في مؤامرات محبوكة للإجهاز على الإسلام وبنيه، وقد تتكرر المؤامرة وتتعدد المآسي، وعلى المسلمين أن يصمدوا فإما الشهادة وإما النصر...

على أن حركات الجماعات العاملة للإسلام هي السبب الأهم وراء انتصاراته وهزائمه، ولنقف وقفة متدبرة عند هذه القضية.

إن الإسلام عقيدة وشريعة ما يشك في ذلك عاقل، وتطلعه إلى أخذ مقاليد الحكم اتجاه طبیعي لتحقيق أهدافه.

بيد أن الترتيب المستفاد من تعاليم الإسلام أن تكوين الدولة يتم بعد تكوين الفرد، وأن وضع النظام يجيء بعد إنضاج الإيمان، وقد تنزلت آيات الأحكام بعد مهاد عريض من اليقين والإخلاص وإرادة الآخرة...

إن التطلع إلى الحكم كما يكون لإعلاء كلمة الله قد يكون لرغبات خاصـة كـامنـة أو مكشوفة..!!

والحكم الإسلامي قبل أن يكون لمعان أسماء أو تسنم مجد هو تفانٍ في الله ورغبة فيما عنده... وإلا فالأمر كما قال الله: ﴿مَن كَانَ يُريدُ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوفَ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُوْلَئِكَ الَّذيِنَ لَيْسَ لَهُم في الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

وقد كنت أعظ نفسي وإخواني بهذه الحقائق من ديننا، وأقول: إنه قبل أن يكون المرء صاحب منصب رسمي يستطيع أن يؤدي للإسلام أجل الخدمات في الميدان الثقافي والاجتماعي..

والذين يسوفون في البلوغ بأمتهم سن الرشد -حتى يتسلموا أزمة الحكم - لن يفعلوا شيئًا طائلاً حين يحكمون.

وقلت -لنفسي وإخواني- إن الحكام في الشرق العربي والإسلامي يعدون المناصب حياتهم.. فالرئيس أو الوزير في أوروبا مثلاً قد يترك وظيفته ويسير آمنًا في أية مدينة أو قرية..

أما في شرقنا العليل فإن عددًا من الزعماء إذا ترك الحكم تابعته ترات قد تودي به، وتخترم أجله، ومن ثم فإن حرصه على الحكم لون من دفاعه عن حياته.

ورؤساء كثيرون يشعرون بالخطر على أشخاصهم إذا أحسوا أن الدعاة المسلمين ينشدون الحكم أول ما ينشدون..

ومن أجل ذلك فهم يشمون رائحة الموت من وراء المطالبة بالحكم الإسلامي.

ونحن المسلمين لسنا قتلة، ولا تحركنا عداوات خاصة، ولا نطلب الحكم لنحيا ويفنى غيرنا..

ويسرنا أن نكون في الصف الثاني إذا احتل الصف الأول من يحقق مراد الله..

وفي الصف الثاني مجالات هائلة لمن يريد أن يسدى للإسلام يدًا، وإذا كان حجم ما يتم في هذا الصف قليلاً، فلا ضير علينا ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها..

من أجل ذلك أطلب بإلحاح أن تنشغل الجماعات الإسلامية بترقية شئون الأمة في نطاق ما تقدر، ويجب أن تعلن باستمرار أن الإسلام دين ودولة، ولكن هذا الإعلان لا يجوز أن يكون عملها الشاغل..

إن الأمراض النفسية بالغة الخفاء شديدة الخطر، وتحقق لي ذلك -في صفوف المتدينين- كنت أرقب الحرب بين المجاهدين الأفغانيين والزحف الشيوعي المجتاح للبلاد..!!

كانت هناك ست جبهات أو ست طوائف تقاوم غارة أولئك الكفار المجرمين، وقد حاول أولو الألباب جعلها جبهة واحدة وبذلوا جهودًا موصولة لإزالة الفرقة، وكان نجاحهم جزئيًا ولاتزال المحاولات تبذل..!!

إن قلب الإسلام مهدد بالتوقف في أفغانستان، والموت يأتي من كل جانب ومع ذلك فالرؤساء الكبار حراص على مناصبهم أو على زعامتهم..!!

إن في ذلك مؤشرًا إلى مهاب الهلاك، ومصادر العطب..

وإذا كان نصر الله يتنزل فى هذه الميادين القصية فمن أجل الجنود المجهولين وذوي الكفايات الذين لا يعرفون إذا حضروا ولا يسأل عنهم إذا غابوا..!

لقد استيقنت من تجاربي أن قلة الفقه سوء كبير! لكن غش النية سوء أكبر..

هناك مسلم «سلفى» يموت ولا يضع يده في يد مسلم "صوفي"، هل هذا يصلح للدفاع عن الأمة أو السير بتعاليم الإسلام في الميدان الدولي؟!

وهناك مسلم يرى أن العمامة لباس الإسلام الرسمي، ويجب أن يكون لها ذنب، ويرفض الصلاة وراء من لا يرتدي هذا الزي، أذلك امرؤ يصلح للدفاع عن الإسلام أو السير به في الميدان الدولي؟!

إن أمتنا مصابة من الناحية الفكرية والخلقية بعلل شتى، وكل جماعة تؤخر علاج هذه العلل، وتجعله فى المرتبة التالية، فهي هازلة فى جهادها، متهمة في قصدها..

وقد أشرت إلى الخلل الهائل، الموروث أو الطارئ، فى كياننا الديني، وبقى أن نتكاتف ضده..

ونعود إلى ما بدأنا به..

إذا كان هناك أقوام اختصموا فى ربهم فنحن المسلمين طرف في هذه الخصومات الباقية إلى آخر الدهر.

نقول لمن ينكر وجود الله: كذبت، الله حق! والكون كله خلقه الفقير إليه، القائم به!

ونقول لمن يرى الآلهة ثلاثة أو أقل أو أكثر: ضللت فالله واحد، وما عداه عـبـده سواء كان ملكًا أو إنسًا أو جنًا..

ونقول لأهل الأرض كلهم: إن محمدا رفيع الشأن، عرف الناس بالله أحسن تعريف، وأعدهم للقائه بعد الرحيل عن هذه الدنيا بأمرين، الإيمان والصلاح: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمورِ﴾.

ومن حق الإسلام أن يحيا، ويبقى وينمو، ويمتد! ما دام هناك مستمسك به، وراغب فيه.

ولكننا نشعر بأن أعداءه يضنون عليه بهذا الحق، ويحاولون بالختل والجهر القضاء عليه، أو تقليص وجوده في أضيق نطاق..

وقد استطاع أعداؤنا -بتفريطنا وخبثهم- أن يحرجونا وينالوا منَّا ويذلوا جانبنا..

ولكننا صحونا من غفوتنا، أو قمنا من كبوتنا، وشرعنا نؤكد وجودنا، ونوصد أبواب الفتنة التي انفتحت علينا من شرق وغرب..!

وأحب أن تربو مشاعر الثقة في قلوب المسلمين الذين كتب عليهم أن يكونوا قلة في أوروبا أو أمريكا أو آسيا أو إفريقيا، وأن يستمدوا هذه الثقة من أنهم وحدهم الذين يعرفون الحقيقة التي بلغها أنبياء الله، وأن مواريث السماء التي معهم لا تحريف فيها ولا غلو ولا إفك..!!

إن الباطل لا يرفع خسيسته أن يكون صاحبه غنيًا أو قويًا .. المهم أن يكون أهل الحق صورة مشرفة له مترجمة عنه..

في إنجلترا وفرنسا ملايين من المسلمين، إن هذه الملايين بين مائة مليون من البشر التائهين عن الله يمكن أن يكونوا هداة مقدورين، وأساة مشكورين، يوم يكونون مسلمين حقًا.

وسيكونون سبة للإسلام، وسدًا دونه يوم تكون عقائدهم زائغة وخلائقهم هابطة. إن حساب العدد يختفى، ويبرز حساب الكيف والأثر في بيئات كثيرة..

والهزيمة أو النصر شعور داخلي قبل أن تكون ظروفًا خارجية.

كان أحد العسكريين -في الخمسينات أو الستينات- يحدثني عن قطاع غزة، وأنه خمسون ميلاً على ساحل البحر في عرض عدة أميال من فلسطين المحتلة، وإن الدفاع عنه عسر!

قلت له: هذا الشعور أول أسباب الهزيمة، إن الجندي الجرىء الجسور يشعر بأن القطاع -في شكله الحالي- رأس حربة ينفذ منها إلى بقايا الوطن المغتصب، ويعده كسبًا لا عبئًا، أما الخور فيتحدث عن الوضع باللغة التي تقول:

إن الأقليات الإسلامية في العالم تبلغ ثلاثمائة مليون أو يزيدون كما ذكرنا أول هذه الرسالة، وهذا العدد إذا كان اتصاله بالإسلام عن طريق شهادات الميلاد، فإن عشر هذا العدد من الوثنيين المشركين سوف يغلبه، ويلحق به الخسار..

وعندي حديث آخر إلى المسلمين الذين يعيشون كثرة فى بعض أقطار إفريقيا، كثرة تبلغ 70% في تنزانيا و٩٥% في السنغال.

إن هذا الوضع شاذ بالغ الشذوذ ويجب أن يتغير لا بالحماس الطائش ولكن بالإعداد الذكي، والخطى المدروسة.

لقد اتضحت سياسة القوى المعادية للإسلام، فقد قسمت الكيان الكبير أكثر من سبعين قطعة، ثم وفرت لكل قطعة من العوامل المادية والأدبية ما يجعل الإسلام فيها يذبل ويتلاشى على مر الأيام..

والخطة واحدة في الأجزاء التي سميت دولاً مستقلة، والأجزاء التي يحيا فيها الموحدون قلة منقوصة منكورة.

ولعل من إخواننا المتفرغين من يشرح في رسائل صريحة كيف تم صنع خمسين دولة في إفريقيا وآسيا يتيه فيها المسلمون، ويحيون دون رباط روحي أو فكري ودون كيان اجتماعي أو اقتصادي .. وكيف شغلوا الجماعات الإسلامية في الدول المستقلة بقضايا سخيفة، ومعارك خاسرة..

وكلمة أخيرة إلى المسلمين في دولهم المستقلة:

إن الفرق بين العالم الأول والعالم الثالث لا يرجع إلى أن المتفوقين قادرون على غزو الفضاء وصنع الطائرات العملاقة، إن هذا مظهر التفوق لا سببه.

الواقع إن الفرق هو النشاط الذهني عند هؤلاء والكسل الذهني عند أولئك، هو غزارة العلم هنا وضآلة العلم هنالك، هو توفير الفرص لنمو الأقوياء في الشعوب المتقدمة، وتوفيرها لنمو التافهين والسفلة في الأمم المتخلفة..

أي إنها أسباب خلقية ونفسية قبل أي شيء آخر..

ويستطيع المسلمون المخلصون أن يقهروا العقبات التي تعترضهم في هذه الميادين مهما كانت جسيمة..

ونحن لا نكلفهم بصنع المعجزات، فلينظروا إلى خصومهم اليهود وكيف تحملوا التحريق والتمزيق وصنعوا من آلامهم جسرًا عبروا عليه إلى أرضنا وعرضنا..

إننا نمثل أصدق وأقدس رسالة لعبادة الله، وترشيد الحياة وتكريم البشر..

وعلى العرب أن يعرفوا فضل الإسلام عليهم، وأنه أكسير وجودهم وبقائهم، لقد دخلوا به التاريخ فلما خانوه خرجوا من التاريخ أذلة مطرودين.

نعم، هل العروبة هي التي هزمت فارس والروم؟ لو أن العرب خرجوا من جزيرتهم يحدوهم عمرو بن كلثوم ببيته المشهور:

وتَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْوَا

 

ويَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدَرًا وطينًا..!!

لضربوا بالنعال على حدود الدولتين العتيقتين، ولكنهم خرجوا وراء عمر الخاشع لربه المتساوي مع خادمه الذي خاض بقدميه بركة ماء دون تأفف وهو يقول: كنا أذل الناس حتى أعزنا الله بهذا الدين فمهما ابتغينا العز في غيره لن نفلح..

على هذه الهيئة التقية المخبتة لله تسلم مفاتيح بيت المقدس..

ونقولها لعرب اليوم بصوت عالٍ: إن فلسطين لن يحررها إلا جيش مسلم، أما تجمع العرب بلا دين فلن يحرر جحر نملة!!

ويجب أن يكون ولاؤنا للإسلام جادًا، متقدمًا على كل ولاء آخر للتراب أو للدم.

ومقتضى هذا ألا ينقطع لنا جؤار بضرورة إلغاء القوانين الاستعمارية وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الأوحد للقوانين كلها، وإنعاش المعاهد الإسلامية المتخصصة حتى تستطيع سد كل ثغرة وإجابة كل مطلب..

إن محو الإسلام في ميدان التقنين كان العمل الأول للاستعمار يوم عسكرت جيوشه فى بلادنا، ومشت تختال على أنقاضنا، ومقدساتنا المهشومة.

من أجل ذلك لا ينبغى التسويف في إعادة الحياة للشريعة التي أماتوها، ورد مكانتها الرسمية المقصاة.

وسوف يقاوم ذلك الأعداء التقليديون للإسلام الراغبون في محو معالمه وفض أتباعه..

وبديه أن ينضم إليهم سماسرة جدد، هم الشيوعيون الحانقون على كل ما له صلة بالسماء .. لقد تضافر هؤلاء وأولئك على محاربة الشريعة المبعدة، وافتراء الأكاذيب عليها وعلى رجالها، ولا دافع لكل هذا الغل إلا الكفر بالله ورسله..

دهشت لأستاذ جامعي كبير كان مربوط اللسان مكسور القلم أيام الاحتلال الإنجليزي، وما عرف له في المقاومة العامة تاريخ ولا شبه تاريخ .. وبغـتـة أخـذت الصحف تنشر مقالات ملتهبة للرجل الذى سكت نصف قرن عن الإسهام بكلمة في الحياة العامة، كلمة لها قيمة وبعد..

ماذا يريد هذا المتحرك المفاجئ؟ شتم المطالبين بتحكيم الشريعة والزعم بأن قطع الأيدي يتم في «الشفاخانات»..!!

إن الرجل الذى لم يعرف بالدفاع عن وطنه أصبح مدافعًا عن اللصوص وسنجد في الطريق كثيرًا من هؤلاء "الأذكياء" ولن يعوقوا القافلة السائرة..

وعلى جماهير العرب أن يرفضوا تهويد أي بلد من بلادهم أو علمنته أو تنصيره، إن ذلك معناه سقوط ما يسمى بالشرق الأوسط في براثن الاستعمار العالمي، وعندما يضرب القلب فلا قيمة للأجنحة.

إن هزائم القرن الرابع عشر الهجري أغرت بنا من لا يدفع عن نفسه، ولقد تناوبتنا اللطمات على الخد الأيمن والأيسر، وشعرنا بمعاناة هائلة من كثرة ما نالنا..

لا بأس، نحن الذين مكنا أعداءنا بنومنا الطويل، واسترسالنا مع الأوهام، ولم نع قول ربنا: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغفلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَميلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً واحدةً﴾.

واليوم، ومع مطالع القرن الجديد تدق طبول اليقظة.

إننا سنحيا برسالتنا وسنحيا لها: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾..

أظننا لن نحرز نجاحًا يذكر خلال القرن الجديد إذا بقينا على فقهنا الضيق المحدود الذي عشنا به خلال القرون الأخيرة، فإن هذا الفقه لم يعالج الخلل المتوارث في علاقة الحكومات بالشعوب، ولم يساند الحريات الصحيحة، ولم ينم القدرات على علاج الأخطاء السياسية والاقتصادية الشائعة في بلادنا..

وفى بلادنا تقاليد ربما كرهت الحرام - أو الرذيلة - لأن فى الضمير الديني بقية حياة..

ولكن هذه التقاليد لا توسع دائرة الحلال، ولا تزيح العوائق المبعثرة في طريقه، فكانت النتيجة أن حرمة الزنى مثلاً بقيت! ويجب أن تبقى، ولكن الزواج تكاثرت حوله الصعاب، حتى يئس البعض من مناله..

وهذه السلبية في الفكر الديني ترشحه للموت، ولا تؤهله للحياة..

ومثل ذلك إجماع أهل الدين على أن الظلم حرام، والكذب حرام ومع ذلك فهم يسكتون سكوت المقابر إذا وقع تزوير عام في انتخابات لخـدمــة فـرد، كأن الكذب يستنكر إذا كان بسيطًا، ويسلم له إذا كان مركبًا.!

ومن المستحيل أن تصلح الأوضاع السياسية للمسلمين إذا كان الدين في وعيهم يهتم بفقه الحيض والنفاس، ولا يكترث لفقه المال والحكم، بل إن مستقبل المسلمين کله سيخضع للحديث الصحيح: «لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوى غير متعتع».

 


* مقال مستل من كتاب: الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية للشيخ محمد الغزالي، طبعة نهضة مصر للنشر والتوزيع، القاهرة، يناير 2005م، ص89-97.

** الشيخ محمد الغزالي (1917م- 1996م): مفكّر إسلامي بارز، وداعية متميز بالعطاء الفكري والعلمي، يعتبر من العلماء المجددين، له إنتاج غزير؛ حيث صدرت له العديد من الكتب المرجعية في الفكر الإسلامي المعاصر.

عَقد مركز خُطوة للتوثيق والدراسات يوم السبت الموافق 02/ 03/ 2024 حلقة نقاشية حول الورقة التي أعدها الأستاذ الدكتور شريف عبد الرحمن سيف النصر (الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة)، المعنونة بـ "الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع".

وقد أدار الجلسة د. مدحت ماهر الليثي (المدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات والبحوث).

 

السادة الحضور:

أ. أحمد رأفت (طالب بكلية اقتصاد وعلوم سياسية، قسم علوم سياسية).

أ. د. أماني صالح (أستاذ العلوم السياسية).

أ. تقى محمد يوسف (باحثة في مركز خطوة وطالبة ماجستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية".

أ. محمد الديب (باحث ماجستير في العلاقات الدولية).

أ. محمد محمود محمد الجزار (طالب دكتوراة، ومعلق صوتي بشركة المتحدة).

أ. منال يحيى شيمي (باحثة في العلوم السياسية- باحثة في مركز خطوة).

أ. مهجة مشهور (مدير مركز خُطوة للتوثيق والدراسات).

د. هاني محمود (مدرس في قسم الشريعة الإسلامية- كلية الحقوق- جامعة عين شمس).

أ. وليد القاضي (باحث بمركز خُطوة للتوثيق والدراسات، وباحث دكتوراة في العلوم السياسية).

 

وفيما يلي النص الكامل للحلقة النقاشية نقلًا عن مركز خطوة ويتبعه رابط للاطلاع على الورقة التي دار حولها النقاش:

 

د/ مدحت ماهر:

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نرحب بحضراتكم في هذا اللقاء العلمي الذي نسأل الله عز وجل في مطلعه أن يجعله علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا. بداية نتقدم بالشكر إلى مركز خطوة على هذه الخطوة المهمة، وأشرف بأن أكون مديرًا لهذه الجلسة.

إن شاء الله، لقاؤنا اليوم حول ورقة بحثية أساسية أو تأسيسية وأيضًا إثرائية في عالم الفقه والتنظير، وعنوانها كما تقدم يقع بين هذين العمودين الكبيرين الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع. والموضوع يتضمن الكلام عن الفقه بالألف واللام، فنحن لا نتكلم عن باب فقهي ولا عن قضية فقهية أو مسألة، ولا نتكلم عن قضية أو مسألة في العلوم الاجتماعية أو في فلسفة العلم أو بالأخص في فلسفة المنهج إنما نتكلم عن فكرة التنظير، وليس عن نظرية معينة، ونتكلم عن مجال وعن أداة أو فكرة وممارسة أساسية في عالم العلم والإنتاج العلمي الأساسي؛ وهي ممارسة التنظير، فعند هذا المستوى فنحن نتكلم فيما يمكن أن يسمى المستوى الإستراتيجي للعلم، وإذا صح أن ما نتناوله يوميًّا هو مستويات تكتيكية وجزئية، وإن صح أيضًا أننا نتعرض للكليات، فنحن اليوم أمام كليات كبرى، الفقه والتنظير، والدكتور شريف مشكورًا في هذه الورقة التي حملت همومًا وِهمّة، يناقش هموم تطور الفقه وهموم التنظير، كما يظهر هِمّة في طرح مجموعة من الأسئلة التي أعتقد أنها تنقلنا من مستوى أو مراحل تم العمل فيها على تأسيس فكرة التنظير في الفقه حديثًا، في ممارسة أشكال من التنظير وإخراج نظريات فقهية، إلى مستوى آخر؛ وهو مستوى المراجعة على ذلك، والنظر في جدواه والنظر في تقييمه، وفيما ينبغي أن يسأل فيه، وبالأخص المناظرة بين ما قام به فقهاء العصر من تنظير، وبين المفهوم السائد في العلوم الاجتماعية (الحداثية) عن مفهوم للتنظير، هذه الإشكالية، التي سيعرض الدكتور شريف تفاصيلها، ثقيلة، ولكن أعتقد أنها تحتاج إلى إمعان النظر فيها، وأيضًا إلى مواجهتها بعمل بحثي يجيب عن أكثر الأسئلة وبالأخص الأسئلة التسعة الأخيرة التي ختمت بها الورقة.

أنقل الكلمة للدكتور شريف لكي يعرض الأفكار التي وردت في الورقة وبالأخص، لكي ندير حولها حوارًا نتمنى أن يكون نافعًا وماتعًا.

 

د/ شريف عبد الرحمن:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا

ليس هدفي في هذه الكلمة أن أُعيد طرح ما هو وارد في الورقة التي تدور حول الفقه والتنظير، بقدر ما أريد أن نُعمل فيها إحدى النظريات ما بعد الحداثية، المعروفة بنظرية موت المؤلف، فنتعامل مع الورقة كما لو كانت ورقة ليست منسوبة إلى شخص بعينه، وإنما هي مما يتعلق بالحوار العقلي والتلاقح الذهني، وإن جاز لي أن أبدأ هذا الموضوع بشكل ذاتي، فإن هناك تفصيلة معينة أحب أن أشير إليها، بدأت في مرحلة عمرية مبكرة، فقد كنت ممن أدركوا عهد الراديو، وقد كان في رأيي وسيلة معرفية ليس لها مثيل، فهي مسئولة عن تشكيل خيالات وصناعة وعي ربما لا يشاركنا فيه الآن من لم يعاصروا مثل هذه الوسيلة المعرفية المهمة؛ فالراديو كان مساحة للتخيل وبناء عالم افتراضي مبكر حيث يتم تصور المتحدثين، وتخيل هيئتهم، والتفاعل مع أفكارهم، وكانت أحد التقاليد المحمودة في البرامج الإذاعية القديمة، أنه كان يتم في بعض الاحيان إذاعة مناقشات مسجلة لرسائل الماجستير والدكتوراة، على مستوى إذاعة القرآن الكريم، وأيضًا على مستوى إذاعة البرنامج الثقافي، والذي كان وقتها اسمه إذاعة البرنامج الثاني، وكان هناك مناقشة تُذاع كل يوم اثنين، وكنت وقتها في المرحلة الإعدادية، وكان يخلب عقلي تلك الحالة من الجدال حول الأفكار، لم أكن أستوعب كثيرًا مما يقال، ولكن ثمة مشترك رسخ في ذهني ومثّل عنصرًا متكررًا، يتم دائمًا التأكيد عليه في كل مناقشة تقريبًا، وهو تلك الفقرة التي يقوم فيها أحد المناقشين بمعاقبة الطالب لأنه لم ينجح في توظيف الإطار النظري، أو لم ينجح في تفعيل النظرية التي وعد بتوظيفها، لم يتقن استخدام المنهج، كانت هذه العبارات تذكر بشكل متكرر، وكان الباحثون يستسلمون أمامها ولا يستطيعون أن يردوا بشكل مقنع، كان هذا النقاش يرسخ في ذهني على نحو تراكمي، حتى بدأت مرحلة الدراسات الجامعية، ونويت ألا أقع في هذا الفخ وأن يكون لدي إجابة لو سُئلت في يوم من الأيام كيف وظفت النظرية وكيف استعنت بالإطار النظري، وفيما أفادك المنهج؟ بدأت الدراسة وانتهت في الجامعة، ولكن لم أقض نهمي من هذا الأمر، فنويت أن يكون أول بحث أقوم به في مرحلة الدراسات العليا يتعلق بهذا الأمر تحديدًا، ما هي النظرية؟ وما هو المنظور؟ وما هو الإطار النظري؟ وما هو المنهج؟ وما هي المستويات المختلفة للبناء المنهاجي، وهكذا كانت رحلتي مع النظرية رحلة مبكرة، وكنت حريصًا على أن أبسط الأمور لنفسي فاعتبرت "أن النظرية هي بناء فكري يلم شتات الواقع المبعثر" فإذا كان الإنسان كائنًا معاديًا للفوضى؛ فالنظرية هي الأداة التي تساعده في التغلب على هذه الفوضى، بتسكين ظواهر الواقع ضمن أطر مسبقة على نحو يجعله مفهومًا، وهذا كان يستدعي أن أحدد معنى الفهم نفسه، وكانت الإجابة التي استطعت أن أطورها هي أن الفهم هو اكتشاف العلاقات ما بين الظواهر؛ فالظواهر تظل غير مفهومة طالما بقيت مبعثرة لا رابط فيما بينها، فإذا وجدت هذه العلاقات أصبح الأمر ميسورًا. وظائف التنظير أيضًا تعاملت معها على أنها تبدأ بوصف الظواهر ثم تفسيرها ثم محاولة توقع مساراتها المستقبلية، إذا كانت هذه الظواهر ديناميكية، أو تقييمها إذا ما كانت الظواهر إستاتيكية، وكنت أُجري تجارب مع الطلبة لأكتشف إذا كانوا بالفعل قادرين على أن يفكروا بشكل نظري أم لا؛ ففي تجربة مشهورة كنت أطلب من الطلبة أن يعلقوا فيما لا يزيد عن نصف صفحة على تمثال نهضة مصر الذي يقع أمام مدخل جامعة القاهرة، كيما أكتشف ما إذا الطلبة يستوفون الخطوات المنهجية في تفكيرهم وكتابتهم أم لا، بمعنى هل يقومون بالوصف والتفسير والتقييم؟ وكنت كثيرًا ما أجد من واقع التجربة أن معظم الطلبة والباحثين يقفزون مباشرة إلى مستوى التقييم، فيعبرون عن آرائهم في التمثال كتحفة فنية، أو كتمثال يبعث على الكآبة والانقباض، من دون أن يمروا على خطوتيّ الوصف والتفسير.

وحتى من كان يقدم وصفًا للتمثال فإنه كان يقدم وصفًا غير مطابق لحقيقة التمثال نفسه، فكان كثير من الطلبة لا يستطيعون أن يصفوا وضعية يد المرأة الموجودة في التمثال بجوار مجسم أبي الهول، فكانوا يتصورن أن المرأة تضع إحدى يديها على رأس أبي الهول واليد الأخرى تمسك بها جرة أو ما شابه، ولم يلتفت أحد إلى أن المرأة المنحوتة، تقوم بنزع الوشاح من على رأسها، فهذا هو الوضع الذي أراد محمود مختار للتمثال أن يخلده وأن يشير إليه باسم النهضة، تحرر المرأة من حجابها، الذي اعتبره رمزًا للجمود والتخلف والرجعية وما شابه.

هذه الأمور ذات دلالة، كيف تؤدي النظرية إلى تحقيق الفهم؟ ولماذا تحقق هذا الدور؟ استدعى مني هذا بحثًا لاحقًا لأن النظرية تدَّعي أنها تقدم فهمًا أو تقدم أسلوبًا لاكتساب المعرفة، فما الذي دفع المطورين الأوائل للنظرية لكي يقوموا بهذا الدور، وتتبع تاريخ الأفكار أفصح عن أنه كانت هناك طريقتان لاكتساب المعرفة، إما طريقة الاستقراء والتجربة والحس باستخدام أدوات الحس، أو طريقة الاستنباط وإعمال العقل.

بعض المفكرين يشبهون الطريقتين بطريقة النملة في مقابل طريقة العنكبوت؛ فالنملة عندما تسعى لكسب قوتها تقوم بجمع ما أنتجه الآخرون، أما العنكبوت فعندما يسعى لكسب قوته ينتج شبكته من ذاته، فكأن العنكبوت استنباطي بهذا المعنى والنملة استقرائية؛ لأن النملة تجمع ما وفّره الآخرون وتنظمه، والعنكبوت استنباطي لأنه ينتج شبكته من داخله ومن جهده الخاصة. وفي مواجهة نمطي النملة والعنكبوت، كان فرانسيس بيكون يدعو الباحثين أن يكونوا مثل النحل؛، لأن النحلة تجمع الرحيق، ولكنها تُنتج العسل بعد ذلك، فكأنه جمع ما بين الاستقراء والاستنباط.

كان الأمر ينحصر ما بين هذه الثنائيات، ثنائية التجريب وثنائية الاستنباط، واكتسب التجريب سمعة أفضل مع الوقت، وأصبح معظم العلماء في إطار عصر النهضة وما بعده يفكرون بشكل تجريبي، إلى أن جاء الشخص الذي تعرفونه جيدًا "ديفيد هيوم" وألقى حجرًا في ماء التجريب الراكد، وصدم الجميع بأنه لا يوجد أي تلازم عقلي منطقي ضروري في العلاقات التجريبية، فإذا كان كل البجع أبيض تمامًا لأننا لم نعثر على بجعة سوداء، فهذا لا يولد أي إلزام منطقي أو عقلي بأن البجع كله أبيض، أي أن فكرة اكتساب المعرفة أو إقامة الفهم، بناء على الاستقراء المتواصل بجمع المزيد من الشواهد، لكي يتم تأكيد نفس الفكرة، فهذا لا يُثبت شيئًا؛ ففي النهاية، لا يوجد تلازم عقلي منطقي بأن يكون كل البجع بالضرورة أبيض، لكون ما تم العثور عليه تجريبيًّا واستقرائيًّا حتى اللحظة هو بجع أبيض.

تعليقات هيوم أفرزت حالة من الشكوكية، التي تطلبت من الباحثين أن يضيفوا إلى أبحاثهم التجريبية ما يشبه المدونة التفسيرية لما يقيمونه من علاقات، فإذا كان الفهم هو اكتشاف العلاقات، وإذا كان اكتشاف العلاقات لابد وأن يتم بشكل تجريبي، كما استقرت على ذلك أبستمولوجيا المعرفة أو نظرية المعرفة الحديثة، فإن إسهام هيوم يتمثل في ضرورة الرجوع خطوة، لفهم طبيعة التلازم المنطقي بين الاستقراء وما بين اليقين، كيف يمكن الادعاء بأنك قد اكتسبت معرفة لمجرد أنك راكمت المزيد والمزيد من الشواهد؟

منذ هذه اللحظة، كما أدعي، أصبحت النظرية هي الكلمة السحرية؛ لأن النظرية، بعبارة وجيزة، هي المذكرة التفسيرية للإجابة عن تساؤل، لماذا أتصور أن الاطراد يولد معرفة؟ البحث العلمي هو محاولة الوقوف على الاطرادات، لا يوجد قانون للتعامل مع حالة؛ فالقانون يتعامل مع الحالة التي تتكرر كلما توافرت ظروفها، فكلما سُخِّن الحديد تمدد؛ فالقوانين تتعامل مع الاطرادات. وإذا كان القانون يصف فدور النظرية في هذه الحالة هي أن تفسر، إذن الدور الأساسي للنظريات، والذي ظهرت من أجل أن تقوم به، هو الدور التفسيري.

 للمستشار البشري تعقيب مهم على كتاب محمد عابد الجابري "نقد العقل الأخلاقي العربي" الذي كان الجابري فيه يتهم العقل العربي أنه لم ينجح في تطوير نظرية أخلاقية، وأنه عندما بدأ في البحث عن مظان هذه النظرية –إن كانت هناك نظرية– لم يجدها إلا بشكل شديد التأخر في كتابات ابن المقفع في كتاب "كليلة ودمنة". أدهش هذا الاستخلاص المستشار طارق البشري، وكتب ردًّا مهمًّا على هذا الكتاب ناقش فيه ادعاء الجابري "أن العرب لم ينجحوا في تطوير النظريات"، فبدأ بمناقشة الجابري في معنى النظرية، وثنّى بالتساؤل هل النظرية هي وصف أم وظيفة؟ وإذا كان الفقه الإسلامي قد خلا من هذا المفهوم فهل لم تقم مفاهيم فقهية أخرى بالأدوار الوظيفية للتنظير، وقدّم البشري في هذا الرد جهدًا مشكورًا وكان ملهمًا جدًّا بالنسبة لي.

بقيت أفكر هل بالفعل يمثل خلو التراث الفقهي من مفهوم التنظير سقطة أو نقطة ضعف؟ أو أمرًا سلبيًّا يحتاج إلى التدارك؟ أو يحتاج إلى تطوير سياسة دفاعية اعتذارية، أو أمرًا نحتاج إلى أن نتكلم عنه بشكل تبريري؟ أم أن الأمر كان مقصودًا، وأن الفقه ربما لا يناسبه أن يكون تنظيريًّا بهذا المعنى؟ في الحقيقة قراءتي للمفكر وائل حلاق فتحت لي بوابة للإجابة؛ لأن حلاق كان معنيًّا بفكرة تطور الفقه الإسلامي، وعلى خلاف كثير من المتعلمين تعليمًا غربيًّا، وهو المسيحي العربي الذي ترقّى في أكاديميات البحث العلمي الغربية، كان شديد الانبهار بحالة التنوع الفقهي، وكان يعتبر أن فكرة جمع الآراء الفقهية في إطار منظومة واحدة تشبه المنظومات القانونية على نحو ما جرى مثلًا في مجلة "الأحكام العدلية" وما شابهها، كان يَعتبر أن هذا يعد من باب تضييق الواسع، وكان يعتبر أن الواقع البشري الإنساني المتنوع، الثري، التدافعي، يلائمه أن يكون الفقه الذي يخاطبه ويوجهه ويضبط حركته فقهًا ثريًّا متنوعًا متدافعًا. احتفى وائل حلاق على امتداد كتابه "الشريعة" بشكل شديد الإيجابية بثراء وتنوع الحالة الفقهية عبر التاريخ الإسلامي، وعندما بدأ هذا التاريخ ينحو ناحية صياغة المدونات القانونية، ولا نقول الفقهية، كان يعتبر أن هذا هو بداية الانسحاق أمام الحداثة، معتبرًا أن الحداثة بشكل أو بآخر هي تلك الفكرة الضجرة بالتنوع؛ فالحداثة هي بشكل أو بآخر تعتبر أنه بالإمكان وضع البشر على خط إنتاج، فهي أخت التصنيع، والتصنيع هو ذلك الفكر الذي يولع بإنتاج السلع المتشابهة، ويعتبر أن السلعة المختلفة هي سلعة غير مطابقة للمواصفات، ومن ثم سلعة معيبة بالضرورة. اعتبر حلاق أن الحداثة نقلت هذا التصور التصنيعي إلى عالم البشر، وأصبح البشر أيضًا مطلوبًا منهم أن يُنَمـَطُوا، وأن يكونوا على شاكلة السلع القياسية.

وكانت أدوات الحداثة في تحقيق هذا التصور متعددة، ومنها النظرية نفسها، هذا هو الادعاء الذي أدعيه في هذه الورقة: أن الحداثة ربما تكون طَورت "التنظير والنظريات" كمحاولة لضبط الواقع المتنوع، ضبط الواقع من خلال مقولة، نظرية، مثل الصراع الطبقي لتفسر كل أشكال الصراع الطبقي، أو نظرية مثل التنمية الاقتصادية، أو نظرية نشأة الدول. هذا الطموح المعرفي الذي كان يسعى لتلخيص الواقع المتنوع في إطار عبارات مصمتة، يبدو شديد الشبه بالحداثة، كما أن الحداثة شديدة الشبه به، ربما يكون هذا هو الطرح الموجود في الورقة على كثرة تفاصيلها، وربما يكون هذا الطرح غير ملائم للواقع الإسلامي، أو يكون الواقع الإسلامي يناسبه أكثر أن يُمارس العقل المسلم نوعًا من الاجتهاد الذي يحاول الاقتراب من الحقيقة دون أن يدَّعي أنه قد اقتنصها في إطار عبارة أو جملة أو مقولة، أو ربما يكون العقل الفقهي ميسرًا أكثر لأن يطور نوعًا من القواعد الفقهية التي توجه الواقع دون أن تدَّعي أنها تفسره، والتفسير هنا يعني -باقتباس "المسيري"- ذلك الجموح العقلي الذي يدَّعي أنه قد ألمّ بأطراف الظاهرة جميعها وأصبح قادرًا على أن يتحكم بها؛ فالتفسير وفقًا للمسيري يندرج ضمن خصائص العقل الحداثي الذي يمارس دائمًا نوعًا من الاستعلاء إزاء هذا العالم، ويدَّعي أن العالم يمكن تفسيره. وكان عبد الوهاب المسيري في إطار ما يدعو اليه من تبَّني النموذج الرباني منفتحًا على أفكار التنوع والاختلاف، وكان واعيًا – وإن لم يفرد مساحات كبيرة من عمله للتأصيل لهذه الفكرة – بفكرة التنوع التي كانت حاضرة بشكل كبير في إطار النموذج الرباني الذي كان يتحدث عنه.

إذن، هل في إطار ثنائيات الواحدية والتنوع، وهل في إطار ثنائية أن التنظير وليد سياق حضاري ربما يكون مختلفًا عن السياق الحضاري الإسلامي، هل يعد غياب التنظير بهذا المعنى أمرًا يحتاج إلى الاستدراك بشأنه، أو التعامل معه، وخصوصًا أنه على أرض الواقع قد حدث هذا بشكل أو بآخر؟ في إطار خضوعنا لمبضع الاستشراق وتعامله مع تراثنا بشكل فيه نوع من الاستباحة، والاستشراق وفقًا لوائل الحلاق هو أحد أضلاع مثلث، ضلعاه الآخران هما الحداثة والدولة القومية. فإذا كان الاستشراق قد قدّم المادة المعرفية إلى مؤسساتنا وإلى أكاديمياتنا وإلى معاهدنا العلمية، فهل يمكن أن نتخيل أن كثيرًا من هذه المؤسسات قد أصبحت تعكس هذا الوعي الاستشراقي، الذي يضيق بالتنوع، ويضيق بكثرة المذاهب، وكثرة الآراء، وكثرة الفتاوي، وكثرة القواعد، ويريد أن يصب الواقع في شكل نظريات؟ هل استلهمت مؤسساتنا ذلك؟ ربما الواقع يقول أن هذا ما قد حدث بشكل ما.

النظريات الفقهية: ما يسترعي الانتباه عند الاطلاع على المحصول المتوافر مما يسمى بالنظريات الفقهية، أن النظريات التي توصف بأنها نظريات فقهية، يدبج مؤلفوها الكثير من الكلمات والعبارات في توضيح الفارق بينها وبين القواعد وبينها وبين الأحكام، ولا يظهر وجه الشبه فيما بينها وبين النظريات أصلًا. وهنا كان الأولى قبل أن يستفرغ هذا الوسع والجهد في بيان الفارق ما بين هذه النظريات الفقهية وما بين القواعد والأحكام وما شابه، أن يتم التساؤل هل هي أصلًا تقترب من معنى النظرية أم لا، وهل هي نظريات بالمعنى الذي نناقشه الآن؟ هل فيها ذلك المعنى التفسيري؟ وهل من الوارد أن يقدم العقل الفقهي تفسيرًا، أم أن هذا مما يخرج عن نطاق اهتمامه؟ وهذا أيضًا من التساؤلات التي أطرحها في هذه الورقة، حيث إنني لا أملك لهذه التساؤلات جوابًا؛ فالعقل الفقهي دائمًا معني بصياغة الحكم العملي، الحكم الذي سيترتب عليه حركة وتفاعل في الواقع، وهو يبني هذا الحكم على أساس من تصور للواقع، أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فهل في المسافة ما بين الوصف والحكم يختفي التفسير؟

هل التفسير ليس جزءًا من بنية العقل الفقهي؟ وهل التفسير يتضمن نّفسًا حداثيًّا يتضمن معنى الإمساك بجوهر الشيء وحقيقته؟ والفقه بحكم أنه ينبع عن عقل مجتهد، ينأى بنفسه عن أن يقدم تفسيرات بهذا المعنى. وإذا خلا الفقه من المعنى التفسيري، فهل ليس للفقه ما يقوله إزاء تمدد المساحات الفكرية إلى الحِمى الفقهية إن جاز القول؟ وعندما يصدر كتاب مثل كتاب "الدولة المستحيلة" مثلًا، أليس للفقهاء ما يقولونه حول هذا الأمر؟ وكيف يقولون أو كيف يعلِقون على ما قاله وائل حلاق، وهو لم ينشأ في إطار المؤسسة الفقهية؟

بعد سلسلة كتب السياسة الشرعية وكتب الماوردي وكتب ابن تيمية، لم نجد تأصيلًا فقهيًّا تفسيريًّا، فليس لدينا شيء على وزن النظريات الغربية فيما يتعلق بنشأة الدول، والعلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، لماذا لا توجد نظرية إسلامية تفسر تدهور الأداء البيروقراطي في ظل المؤسسات الكبيرة؟ لماذا لا يقدم الفقه تفسيرًا لمثل هذه الظواهر التي هي جزء من الحياة كظاهرة الاستبداد؟ لماذا نرجع باستمرار إلى عبد الرحمن بن خلدون إذا أردنا أن نجد تفسيرًا بهذا المعنى، تفسيرًا ينتقل من الأجزاء إلى صياغة مقولة كلية؟ هل الفقه يعتبر أن المساحة (التفسيرية) لا تنتمي إليه؟ هل هو زاهد في أن يطور إنتاجًا بحثيًّا فيها، هل يجد الفقه نفسه محصورًا في إطار دائرتي الوصف (أو التصور) والحكم؟ أم أن هناك جهدًا تفسيريًّا موجودًا؟ هل هناك تفسيرات فقهية لظواهر مثل التضخم، والاحتكار، والأزمات الاقتصادية؟ أم أن النظرية الفقهية هي نظرية قبلية، تقدم الحل مهما كان نوع المشاكل، (عندما كنت أبحث عن إجابات عن المشكلات الاقتصادية في إطار كتب الفقه الإسلامي، كانت الإجابات دائمًا ما تكون إجابات قبلية، أن النظرية الاقتصادية الإسلامية تنهى عن الاكتناز، وتنهى عن الربا، وتنهى عن الاحتكار، وتنهى عن كذا...، كأنها تطرح نظرية قبل نظرية تصلح للواقع، مهما كان نوع المشاكل التي سوف تظهر في إطاره، وليست من نوع النظريات البعدية، التي تتعامل مع النوازل تفسيريًّا. طبعًا يمكن الاستدراك على هذا الكلام بالقول أن هناك رسائل وأبحاث للتعامل مع هذه الجزئيات، ولكن نحن نتحدث – كما أشار أخي د. مدحت – على مستوى التنظير الكلي، وليس على مستوى الاجتهادات أو المقولات التفسيرية الجزئية. فهل من حق الباحثين المسلمين أن يبدأوا في المطالبة بتوفير مثل هذا النوع من التنظير؟ أم أن هذا التنظير – كما سبق القول – هو مما يختلف مع طبيعة الفقه؟ هذا سؤال ينبغي أن نحسمه مرة واحدة وإلى الأبد، ذلك لأنه يمكن الادعاء بأن ما هو موجود من نظريات فقهية، لا يمت لمفهوم النظرية بكثير شبه، هذا هو السياق الذي كُتبت فيه هذه الورقة. ربما يوجد تفاصيل في الورقة لم أتعرض لها، ولكن أرجو أن يكون قد توفر لحضراتكم الوقت للاطلاع عليها، ومحاولة الاشتباك مع ما ورد فيها من أسئلة وتفاصيل. والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين، وشكرًا لحضراتكم.

 

د/ مدحت:

شكرًا د. شريف، كان العرض ممتعًا، وفيه روح، والموضوع في مستوى كلي، هذه طبيعة المناقشات فيه، ولكن الأجزاء المتعلقة بالواحدية والتنوع، والمناظرة ما بين مدخل الوحي ومدخل الحداثة، أعتقد أنها كانت تحتاج لمزيد من التنويه في كلمة حضرتك، وعمومًا فإن الورقة بها الكثير من التفاصيل، وأتمنى أن يكون الحضور قد طالعوها بشكل جيد؛ لأنها جديرة بنقاش قوي إن شاء الله عز وجل.

 

أ/ مهجة مشهور:

كنا نناقش هذا الموضوع كثيرًا داخل المركز قبل طرحه على حضراتكم في هذه الحلقة النقاشية، ولم أتفق مع دكتور شريف على أن تقتصر الورقة على التنظير الفقهي فقط، على أساس أنه انطلق من فكرة هل العقل المسلم عقل جزئي أم عقل كلي؟ واقترحت أن نقسم النظريات إلى ثلاثة مستويات: النظريات العلمية البحتة وهي النظريات الطبيعية التي لا يُختلف عليها، التي يشترك فيها العقل المسلم وغير المسلم، وكان المسلمون قد شاركوا عبر التاريخ في اكتشاف الضوء واكتشاف الأرقام وغيره، وأسسوا نظريات في عدد من العلوم، وبالتالي فالعقل المسلم لم يكن في هذا المجال عقلًا جزئيًّا. ثم النظريات المعرفية في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والنفسي وغيرها من علوم إنسانية واجتماعية، أرى أن هناك فراغًا حقيقيًّا في هذه المساحة لدينا كمسلمين مما جعلنا نلجأ إلى النظريات الغربية، واضطرت كل دولة أن تتبنى نظرية من النظريات السائدة، النظرية الليبرالية أو النظرية الاشتراكية، رغم عدم انتمائها إلى رؤيتنا الإسلامية أو قواعدنا وأصولنا. وهنا يجدر القول بأن التنظير في المجال المعرفي -الذي قام به الغرب – لا يمكن مقارنته بالتنظير في المجال الفقهي لدينا، فهم ليسوا متطابقين من حيث البنية والطرح، ولم يكن رد المستشار البشري كافيًا في هذا الإطار. فعلى سبيل المثال عندما قام "كينز" بوضع نظرية في المجال الاقتصادي والتزم بها العالم فترات طويلة، وقد أُدخل عليها عدة تعديلات، لكن تظل هناك نظرية رائدة قامت عليها اقتصاديات دول، وهذا يُقال أيضًا على الماركسية والاشتراكية. أما نحن فلدينا فراغ نتيجة أن القواعد الكلية لدينا في الوحي -والتي كان من الممكن أن يقوم على أساسها بناءً نظريًّا متكاملًا- لم يتم استغلالها الاستغلال الكافي بحيث يكون لدينا نظرية إسلامية يمكن أن تدير الدولة على أساسها نظامها الاقتصادي. وهنا تأتي فكرة التنوع، فكل دولة يمكن أن تكون لديها –وفق ظروفها الخاصة- المنظور الخاص بها في وضع نظريتها على أساس القواعد والرؤية الإسلامية. فلا ضرورة لوجود نظرية اقتصادية إسلامية واحدة يلتزم بها الجميع، وإنما التنوع يمكن أن يظهر من طبيعة كل بلد، إلا أنه يجب أن تكون هناك رؤية كلية منبثقة من النموذج المعرفي الإسلامي يتم التنظير على أساسها. وأخيرًا تأتي النظريات الفقهية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاقتصار على الجانب الفقهي عند الحديث عن التنظير في المجال الإسلامي أمرٌ غير معبر عن واقع العقل المسلم؛ فالنظريات الفقهية لها طبيعة خاصة وبالتالي فالتعميم انطلاقًا من المدخل الفقهي ليس معبرًا عن واقع العقل المسلم والعربي، كما أن الاقتصار على المدخل الفقهي في هذا المجال لن يسمح بالمقارنة مع التنظير الغربي الذي قامت على أساسه إشكالية الجابري. وهنا يطرأ سؤال مهم وهو مدى امتداد الفقه لتغطية الجزء المعرفي في الفكر الإسلامي؟ فخريجو كليات الاقتصاد لا يملكون من البضاعة الفقهية ما يمكِنهم من تقديم بناءً نظريًّا أو رؤية كلية في المجال الاقتصادي. وكذلك الفقيه، فهو لا يجتمع لديه كل أصول المجال الاقتصادي لكي يستطيع أن يُنظِّر في موضوعات متخصصة مثل التضخم وعلاجه أو الكساد أو غيرها. وشكرًا.

 

أ / محمد الديب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... في البداية أرى أن هناك تفاصيل كثيرة في الورقة، فكنت أقرأ الورقة لكي أرتوي، ولكني أنهيتها وأنا ما زلت عطشًا. مسألة الواحدية والتعدد ومقارناتها بالحداثة والوحي تلك المسألة مهمة جدًّا. وتعليقي كالآتي: في البداية تحدثنا عن الخطاب الفقهي، أرى أن يطول قليلًا تعريف الفقه وتحديده بعدة مداخل، وليس مجرد تعريف نظري أن "الفقه هو معرفة الأحكام"، ونحتاج أن نذكر مثالًا لنماذج شخصيات في عصور مختلفة، فبالتالي التحديد بشخصيات والتحديد الزمني والتحديد بمواضيع وقضايا مهم جدًّا.

ما هو مفهوم الفقه؟ هل نتحدث عن المدونات الفقهية التي استقرت على مذاهب أربعة، وكل مذهب معروف كتبه الأساسية ومتونه؟ إننا يجب أن نُطيل النفَس في الفقه ومستوياته، هل "كتاب الأموال" لأبي عبيد القاسم يُدرج في الفقه أم لا؟ فهو لا يخرج عن نطاق الفقه بالمعنى الواسع. وأيضًا كتاب "السير الكبير" للشيباني فهذا كتاب في الفقه أم لا؟ "الأحكام السلطانية" هل هو كتاب في الفقه؟ إلخ…

عندما نتكلم عن وظيفة النظرية، وهل كان لدى المسلمين نظريات، أو بمعنى أدق هل قاموا بتفسير الواقع؟ هل التراث الإسلامي كان يسعى لتفسير الواقع الاجتماعي سواء على مستوى السلوكيات الفردية أو السلوكيات الجماعية؟ هل ممكن بهذا المعنى أن نذكر "إحياء علوم الدين" وأنه يناقش السلوكيات والدوافع على المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي؟ هل "الغياثي" للإمام الجويني – وهو كتاب رفيع المستوى في باب السياسة الشرعية تعرض للواقع وناقش مشكلات لم تكن موجودة بعد – فهل هذا النموذج تحديدًا يمكن أن يُذكر كنوع من أنواع التنظير؟ وعلى المستوى العقدي هناك مثلًا كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" لابن تيمية، هل ممكن أن يمكن أن نصف هذا الكتاب بأنه على مستوى التنظير أم لا؟ إذ إنه يناقش سلوكيات وظواهر معينة والحكم عليها. وعلى المستوى الفردي هناك كتاب "معيد النِعم ومبيد النِقم"، فهو في مجمله يناقش مسألة الأخلاق والفساد الأخلاقي وآثاره على المجتمع. وإذا ذكرنا ابن خلدون هل يُدرج في الفقه أم لا؟ وهكذا يجب أن نذكر أمثلة على مستوى الشخصيات أو على مستوى القضايا.

هناك تساؤل آخر، أيهما أفقه، الأئمة الأربعة أم سيدنا أبو بكر وعمر بن الخطاب؟ الأئمة الأربعة نتج عنهم مذاهب وقد استقرت تلك المذاهب، لكن لو درسنا سيرة سيدنا أبي بكر أو سيدنا عمر وما كانوا يقومون به على جميع المستويات في حياة المسلمين –ليس على المستوى الفقهي فحسب– فسيتسع المجال. لقد شعرت وأنا أطالع الورقة أننا نتكلم عن الفقه في مسائل الأحوال الشخصية ومسائل القضاء وما شابه ذلك فقط.

 

د/ مدحت:

هناك مجموعة من اللمحات ذُكرت في هذه المداخلة أعتقد أنها مهمة لمزيد من تحديد مفهوم الفقه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال عدد من النماذج التي تطرح سؤالا: هل الفقه بناء على هذه الشواهد شيئًا واحدًا؟ وهل هذه النماذج تعاملت مع التنظير، سواء التنظير الوصفي كما ذكر الدكتور شريف أو التنظير التفسيري كما هو معروف في العلوم الاجتماعية؟ هل هذه الكتب ممكن باختلافها وتنوعها أن تذكر شيئًا مختلفًا أو تنتهي إلى المقولة التعميمية؟

 

أ/ أحمد رأفت:

السلام عليك ورحمة الله وبركاته... أود أن أتحدث في البداية عن التنظير بالمعنى الذي ذكره د/ مدحت وكيفية صياغة نظرية؟ النظرية في أساسها هي رؤية فلسفية ورؤية لغاية الوجود، وتصورات حول ماهية الله والإنسان والعالم، من خلال هذه الرؤية المركزية يتم الانتقال إلى كل المستويات الجزئية لبنائها اتساقًا مع هذا المركز. صحيح أن الفقه يتعلق بأشياء جزئية، لكن يسبقها رؤية كلية للوجود، وهذا ما نتحدث عنه من حيث الأدلة، هذه الرؤية تُبنى على النصوص المقدسة سواء من القرآن الكريم أو من السنة، والإجماع، والرأي، والقياس. بالتالي الفقه عندما يتعامل مع أي قضية فهو يرجع لهذه المرجعية؛ فالتنظير لا يفسر الواقع فحسب، ولكنه أيضًا يحدد الاتجاه الذي يجب أن يسير إليه المجتمع، ويقدم تصورات للشكل الذي يجب أن يكون عليه هذا المجتمع. الفقه في الواقع هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. أما تعريف المعرفة في الغرب فهي الإدراك الجازم للواقع وللحقيقة. ونحن كدارسين للعلوم الاجتماعية يجب أن نعلم بأن هذا التعريف غير مناسب لنا تمامًا كمسلمين، وتحتوي العلوم الشرعية على تعريفات أخرى للإدراك، أو للمعرفة. فالفقه هو أصلًا – كما ذكر إمام الحرمين – ظن، ولو لم يكن ظنًّا لما كان فقهًا، والظن هو أكثر من خمسين بالمئة، فعندما نتحدث مع الفقيه ونذكر له أننا سنقوم بذلك، فيرد لأي درجة تعتقد كذا؟ فنرد أظن فهذا يعني أكثر من خمسين في المائة، فاذا كان رده أشك فالشك يعني نسبة خمسين / خمسين، بمعنى أنه ليس مختلف تمامًا، من هنا فإننا نحتاج أن نعرف هل العقل الفقهي يتسع للتنظير؟ نعم من حيث الأصول، فعلم الأصول هو النظر في الأدلة من حيث استفادة الأحكام منها، لكن ما نحتاجه هو توسيع علم الأصول، ليس لإحكام وإثبات شيء أو نفيه عنه فقط، ولكن ليشمل إفادة التصورات، كيف نرجع بنفس الأدلة والأدوات العقلية لكن نوسع المنهج والمضمون مع التعامل مع النصوص المقدسة.

من جانب آخر، فإن جزءًا من عقلية الفقيه هو التفسير بلا شك، فمن قواعد الإمام الشافعي في فقهه، أن الأمور تتبع المقاصد، كمثال أن كان هناك من يُقصر الصلاة وهو يسافر عابثًا دون وجهة فلا يجوز له أن يُقصر، فبالتالي أن الحكم الفقهي لا بد وأن يترتب على تفسير. ولكن لماذا لا يقدم الفقه تصورات عن المجتمع؟ هنا نتكلم عن غاية الفقيه؟ وما هي الغاية من الموضوع؟ مثلًا الفقهاء يقدسون فكرة حفظ دماء المسلمين، فعندما نذكر الثورة ولماذا تحدث فلن يقبل بها، لكن في نفس الوقت حينما نقدم له كباحثين للعلوم الاجتماعية الشكل المجتمعي الذي نظن أنه أكثر اتساقًا مع النظام الإسلامي فسيكون حكمه أن هذا الأمر مستحب لكنه لن ينادي به، فيقول هذا الشكل حكمه قد يكون مندوبًا لكنه لن ينادي به.

أما الجزء المتعلق بالتنوع، فبالرجوع إلى المصادر المقدسة ومنها القرآن الكريم، فهناك مفهوم في غاية الأهمية أكثر استخدامًا عند الصوفية هو مفهوم التجلي، فإن "ابن عربي" يتحدث عن أن التجلي لا يكون واحدًا أبدًا؛ فالمصري مثلًا حينما يتعامل مع النص المقدس سيحصل على فهم غير ما سيحصل عليه الإندونيسي غير ما سيحصل عليه غيره؛ لأن التجلي مختلف، ويظهر بمظاهر مختلفة، لكن المصدر واحد والغاية واحدة، وهو الذي سيكون مقياسًا لأي اختلاف.

فإن وُجد شخص تربى على العلوم الفقهية لكنه غير مقتصر عليها، فهل يستطيع أن يقدم تنظيرات متعلقة بالواقع الاجتماعي؟ وهنا يمكن أن أذكر مثالًا: محيي الدين بن عربي في كتابه "التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية" استطاع أن يصنع حالة من التجريد بحيث أنه ينظر إلى الواقع فيقول أنه يستفيد منها خادم الملوك في خدمته ويستفيد منها الإنسان في حياته، فهو صنع تجريدًا لمجموعة من القيم استقاها من النص المقدس وبما يتسق مع العلوم الفقهية –رغم تعارض موقفه من الفقهاء– لكنه قال إننا نستطيع أن نقيس الواقع الاجتماعي ونحسنه بناء على هذا التجريد. إذن من الممكن، من خلال توسيع مجال الدلالة الفقهية وتحديد المعرفة وأدواتها، تحقيق مرة أخرى أن يرتبط الفقه بالتنظير. وشكرًا جزيلًا.

 

د. مدحت: شكرًا لاستدعاء أصول الفقه لأنه مهم جدًّا.

 

أ/ وليد القاضي:

أعتقد أن الفقه لم يخلُ يومًا من التنظير، بل هو سمة أصيلة فيه، إذا أخذنا بمفهوم النظرية الموجود في الورقة بأنه "جملة من التصورات المؤلفة تأليفًا عقليًّا، تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات". وإذا كان ظاهر فقهنا التقليدي أنه يهتم بالفروع وبالجزئيات، دون النظريات العامة، فإن حقيقة الأمر، وكما أشارت الدراسة إلى أن الفقهاء والأصوليين بذلوا محاولات رائدة في مجال التنظير، تتمثل في كتاباتهم المنهجية في أصول الفقه، وفي مقاصد الشريعة، وفي عنايتهم بالقواعد الفقهية. وهذا يتوافق في نهاية المطاف مع القول بأن مفهوم النظرية لم يكن فقط حاضرًا بروحه، وإنما تمكَّن من تطوير "نظريات فقهية" فعلية؛ تقوم على "تصور مجرد جامع للقواعد العامة، الضابطة للأحكام الفرعية الجزئية"، وأن هذا التصور يقوم بالذهن، سواء من خلال الاستنباط بالتسلسل الفكري المنطقي، أو عبر استقراء الأحكام الفرعية الجزئية.

ثم إذا كانت النظرية في العالم الغربي تأخذ بعين الاعتبار الرغبة الحداثية في التحكم بالواقع، وتنحو ناحية التنميط، مع عدم استبعاد البُعد المادي، فأتصور أن الإسقاطات الحداثية تعسفية وأنانية، وتخدم في نهاية المطاف مصالح طائفة معينة من البشر، على عكس الوحي الذي يبتغي مصالح العباد كافة، خاصة وأن عملية التنميط مخالفة لسنة الاختلاف التي يجب احترامها وعدم تجاهلها. وحتى لو أخذنا جدلًا بمقولة أن سنن الواقع الاجتماعي تشير إلى أن ما يبدأ متنوعًا وتعدديًّا لا بد وأن ينتهي أحاديًّا ومحددًا، وذلك على اعتبار أن الاستقرار على شكل نهائي هو المآل الطبيعي لأي حالة أصلية من التفاعل والتنوع، فلو افترضنا ذلك، فكيف يمكن القول بتلاقي الفقه مع التنظير بالمعنى الغربي؟ فإذا التنظير الحداثي يهدف إلى السيطرة على الإنسان، فإن التنظير الفقهي يهدف إلى تحقيق مصالح الإنسان، وأخذ تغيرات الواقع في الحسبان، وهو أكثر مراعاةً واستيعابًا لحالات الإنسان وطباعه المتغيرة والمتنوعة. ثم إذا كان هدف التنظير، بصورته الغربية، تحقيق صورة نمطية مجردة وعامة، يتم على ضوئها فهم وتفسير الواقع، فإن العالم الغربي ذاته ما لبث أن نكث إلى التعددية والتنوع التي حاول تحجيمها، وذلك عن طريق الإيغال في التقسيم التخصصي العلمي، فأضحى يعج بعشرات النظريات التي قد تتضارب مع بعضها أحيانًا.

من جهةٍ أخرى، أتصور أن التنظير الفقهي يُعد أكثر اتساقًا مع طبيعة العلوم الاجتماعية، حيث من المعلوم أنه لا توجد نظريات تامة أو نهائية أو بإمكانها التنبؤ بالتصرفات البشرية. وإذا كان ما يشغل العقل المسلم هو احتواء الظواهر داخل أطر شرعية والحكم عليها وليس تفسيرها، مثل التضخم والاحتكار وغيرهما، كما ذكرت الدراسة؛ فذلك لأن الإسلام قدَّم الركائز الأساسية التي من المفترض، وينبغي، أن تكون عليها المجتمعات البشرية، مثل الرحمة والأمانة وتحريم الربا، وهذه الركائز –كما لا يخفى– ذات توظيف مزدوج ومصلحي في الغرب، ولا تُلزم مَن يشتغل بالتنظير هناك ضرورة الأخذ بها أو مراعاتها لدى تنفيذ عملية التنظير، وذلك على عكس ما يقوم به الفقهاء.

وفي هذا السياق، يكون من الجور ادعاء البعض بأن الجهود التنظيرية الفقهية والإسلامية متخلفة عن الجهود التنظيرية الغربية، خاصة وأنه يجب أن يكون حاضرًا في الذهن أن الأخيرة لن تقبل بحال أن يتفوق عليها غيرُها، وإلا كان ذلك نذيرًا بانهيار حضارتها التي عملت جاهدةً على فرض سيطرتها وإظهار تفوقها وتقدمها في ربوع الأرض. ومن ثمَّ، لم يجد المستشرقون بُدًّا من إضفاء صفة "التخلف" على الجهود الإسلامية ذات الصلة؛ في مسعى لتجهيل العقل المسلم. بل أن مقولة "صراع الحضارات" التي طرحها أحد المنظِّرين الغربيين (صامويل هنتنجتون) تؤكد مدى قوة الإسلام، الذي ستصطدم حضارته في نهاية المطاف مع الحضارة الغربية، ولا شك أن هذه القوة تنبني في العديد مِن أُسُسِها على قناعة دينية وجهود فكرية راسخة منذ القرن الأول للإسلام. وبناءً على ذلك، من الأجدى الكفُّ عن المساعي والمحاولات التبريرية التي يقوم بها بعض الفقهاء للتأكيد على أن للمسلمين إرثًا نظريًّا ذا شأن، بل يجب أن ينصرف ذلك الجهد نحو سبل التجديد الممكنة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية.

هذا، وأعتقد أن الانبهار بالغرب، جعل كثيرين من العالم الإسلامي يُفتَن بالأفكار والنظريات الغربية، وبالتالي يبني عليها، فأصبح الكثير من فكرنا بالتالي تابعًا بشكل أو بآخر للأفكار الغربية في نهاية الأمر، كما أن ذلك يخدم الغرب من جهة أخرى؛ حيث ينظر إلى ذلك باعتباره مظهرًا للفقر الإبداعي والتنظيري لدى المسلمين اليوم. كما أتصور أن حركة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية أو الفرنسية وغيرها، ليست بذات القدر السريع من الترجمة من تلك اللغات إلى العربية، ما يُعني أن أفكارهم تنتشر بسرعة في المجالَيْن العربي والإسلامي، مقابل انتشار محدود للغاية للأعمال العربية والإسلامية في المجال الغربي.

ارتباطًا بمسألة التنوع والاختلاف بين المذاهب الإسلامية، وعمَّا إذا كانت مدخلًا للفرقة في الدين، فيمكن القول بأن مراعاة الحكمة الأصلية من الخلق قد تجيب عن ذلك؛ بمعنى أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وبالتالي كان قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وكذا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، هو ما يجب على المؤمنين الالتزام به لتحقيق العبودية الحقة لله تعالى. وبالتالي، متى راعت التعددية الفقهية والمذهبية وغيرها هذه الحكمة، والتي تقتضي بالطبع الالتزام بما جاء بالكتاب والسنة المطهرة، فإنها لا بد أن تؤدي في نهايتها إلى تعزيز التمسك بالدين القويم، ويُفهَم –وفقًا لذلك– أن هذه التعددية هي فقط من باب التيسير في الدين، وليس أن تكون سببًا للفرقة.

فيما يتعلق بالتساؤل الخاص: هل ينبغي أن يلعب الفقه دومًا أدوارًا محافظة، أم أنه يمكن أن يمارس أدوارًا إصلاحية إزاء الواقع؟ أتصور أنها ليست محافظة بالمعنى الجامد، وإنما لا بد أن تأتي وفقًا لكتاب الله وسنة رسوله، كما يمكنه ممارسة هذه الأدوار الإصلاحية عبر ما يُسمَّى بـ "التجديد الفقهي" الذي يشتمل، من بين أمور أخرى، على الحاجة إلى تقديم اجتهادات في المسائل المستحدثة، وهو أمر أصبح مقبولًا في الحِس الإسلامي العام والعلمي؛ لأنه النتيجة الحتمية لقاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، ومن هذا المعنى قولهم بعدم خلو عصر من مجتهد.

وفي هذا السياق ينبغي العمل على استكمال الجانب التنظيري في الدراسات الفقهية المعاصرة، أخذًا في الاعتبار هذه المسائل المستحدثة، وذلك، وفقًا لما ذكره علماء أجلاّء مثل محمد عمارة، وجمال الدين عطية، من أن ذلك يأتي:

تحقيقًا للأغراض العلمية والتعليمية، في تيسير دراسة الأحكام الفرعية، بجمعها تحت قواعدها الفقهية، وربط هذه القواعد بالقواعد الكلية الأعلى منها.

وكذا كون ذلك سببًا دعويًّا، بمعنى أن الإسلام –وسط المعترك الفكري والأيديولوجي المعاصر– مُطالَب بتقديم الإسلام كمنظومة واحدة مترابطة المقدمات بالنتائج، تحكمها مقاصد محددة مبنية على عقيدة واضحة.

وأيضًا كونه سببًا لتعزيز الاجتهاد والقضاء، وتسهيل مهمة المجتهدين والقضاة في سد الفراغات التشريعية؛ إذ إن نصوص الكتاب والسنة لا تغطي كامل مساحة النشاط الإنساني المتزايد دومًا، فنكون بحاجة إلى تغطية هذه الفراغات بالاعتماد على القواعد والنظريات المستنبطة أصلًا من الفروع والمقاصد، وتفصيل هذه المسألة أدخل في تجديد أصول الفقه منها في تجديد الفقه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

د/ مدحت:

تناقش الورقة كيف يمكن أن يكون الفقه أكثر اشتباكًا مع التطورات في المنهجية العلمية، هل بأن يجدد نفسه من ذاته وكفى؟ أم يقدم نفسه وعينه على التطورات في مجال العلوم الاجتماعية وبالأخص في المستوى التنظيري؟ فنحن مؤمنون بديننا وقرآننا وسنتنا بأنها هي الحق الأعظم والخير الأعظم والعدل الأعظم، ولكن الفقهاء اختلفوا، وطالما اختلفوا إذن هناك درجات من الصحة والخطأ، من الصحة والأصح، فأثناء أدائنا هل نحتاج إلى مستوى من القولبة يشتبك مع الواقع بالتفسير؟ أم يكتفي كما قال الدكتور شريف بالوصف والتكييف والحكم؟ وبحضور الدكتور هاني سيتكلم عن الرباعية المعروفة للمفتي أو القاضي الذي يصف الواقعة ويكيّفها شرعيًّا وينزل عليها الحكم، بعد أن يسكِنها في الباب الخاص بها، لكن أين التفسير؟ فنحن علينا جهد في أن نعرِف الوصف للمستفتي، أو للقاضي، أو للمدعي، أو ما إلى ذلك. ولكن هل يكفي الوصف؟ أم ينبغي معرفة التفسير، والتفسير درجات، تفسير جزئي، وهناك تفسير أكثر بنيوية وأوسع.. و... إلخ، هل هذا الجزء مطلوب؟ وهل عندما صغنا النظريات الفقهية تم تغطيته ومراعاته نريد أن نشتبك عند هذا المستوى؟ أما مستوى فقهنا هل هو بخير أم لا؟ فهو بخير والحمد لله وهو شرعنا بالأساس، ولكن درجة تفعيله في المجتمع يجب أن نشتغل عليها.

أعتقد أن الآراء ثرية، تضغط على الإطار المتعلق بالفقه والحداثة إلى أن تدخله في الفقه نفسه.

 

د. أماني صالح:

أشكر مركز خطوة على دعوتي للمشاركة في مناقشة هذه الورقة المهمة للأستاذ الدكتور شريف عبد الرحمن وما تطرحه من موضوع إشكالي مهم أعتقد أنه يترجم واحدًا من هموم مسلمي هذا العصر في تعاملهم مع تراثهم الفقهي العظيم انطلاقًا من زمانهم وقضاياه. وأرجو أن يستمر هذا الاتجاه من انتقاء الموضوعات التي تحقق غاية ورسالة "مركز خطوة". وتتلخص ملاحظاتي على الورقة وموضوعها الإشكالي وهو "الفقه والتنظير" في النقاط التالية:

أولًا: أن المتابع لمنهجية الفقه يلحظ أن هناك اتجاهًا عامًا من الفقه يتحرز من إطلاق الأفكار العامة أو التعميمات -التي تمثل النظريات إحدى صورها- خشية الابتعاد عن النص وتلمسًا وحرصًا على الاتساق مع لفظ القرآن الكريم ما استطاع الفقيه أثناء قيامه باستنباط الحكم الشرعي لجلال وخطورة ما يقوم به وهو يستنبط حكمًا شرعيًّا يحل حلالًا أو يحرم حرامًا، ومن ثم فهو يسعى للحد –ما استطاع – من المكون الفكري الشخصي في بناء الحكم.

هكذا تصور الفقيه أو تمنى.. ولعل هذا هو ما دعا الفقهاء إلى اتخاذ موقف مناهض رسميًّا لعلم الكلام الذي يعتمد كثيرًا على الأفكار والتعميمات حتى ما ينتمي من ذلك العلم إلى أهل السنة والجماعة مثل فكر الأشاعرة.

ولكن السؤال المطروح هو: هل نجح الفقهاء فعلًا في الابتعاد عن التعميمات والتنظير لصالح "الأدلة التفصيلية" المستقاة من النصوص.. يمكن الرد على ذلك بمنتهى الأريحية، بالنفي وأستند في ذلك الرأي إلى ما سيلي من نقاط.

ثانيًا: أن الحديث عن التنظير لا يقودنا بالضرورة إلى النظرية؛ فالتنظير يتخذ أشكالًا ودرجات متفاوتة تتراوح بين: الحجاج والنقاش النظري الجدلي، وبين المقولات النظرية، وهناك المفاهيم، ثم هناك الافتراضات النظرية المسبقة غير المصرح بها والتي تحكم المنتج الفكري أو ما يسميه البعض بالنص الضمني أو المسبق، ثم هناك المنظور أو الاقتراب، وصولًا إلى النظرية.. وهنا يبرز سؤال: من يستطيع أن ينكر وجود العديد من تلك التجليات التنظيرية في عمل الفقهاء حتى وإن غاب مستوى النظرية؟ على سبيل المثال لقد حفل الفقه بالنقاش أو الحجاج النظري؛ والمتابع لفقه الإمامة مثلًا يذهل لمستوى النقاشات التي خاضها أئمة مثل الغزالي والجويني والباقلاني وأئمة المدرسة الخلدونية المالكية، ابن خلدون وابن الأزرق، حول شرط "القرشية" في الولاية وشرعيته وجدواه أمام شرط "الكفاءة"، وأصل قضية القرشية وتحليلها وعلاقتها بالعصبية والشوكة وبالمقاصد الشرعية، كذلك سقوط هذا الشرط الواقعي وما يثيره من نقاش حول علاقة النص بالعقل… إلخ.

حفل الفقه كذلك بقواعد وتعميمات نظرية حكمت العمليات الجزئية للاستنباط والاجتهاد وأطَّرتها، مثل مقولة ترك الفتن والطاعة لولي الأمر الحاكمة في الفقه السياسي السني. وعلى المستوى المنهاجي عدت القواعد الفقهية التي أنتجها الأصوليون من أهم إنجازاتهم، وهي تعميمات وقواعد نظرية قائمة على الاستقراء حكمت عمليات الاستنباط والاجتهاد مثل "لا ضرر ولا ضرار"، "دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة"، "الضرورات تبيح المحظورات"، "اليسر ورفع الحرج"، "سد الذرائع"... إلخ.

ثم هناك نظرية المقاصد العامة للتشريع والضرورات الخمس، وهي جهد عقلي تنظيري قام على استقراء الأحكام.. ومعلوم أن المقاصد لا توجد بنصها أو نظمها أو ترتيبها بشكل مباشر في الكتاب أو السنة فهي نوع من التدبر العقلي للقواعد والمقاصد الكامنة والتي يتوخاها الشارع.

ثالثًا: أنه كلما قلّت النصوص الشرعية المباشرة والصريحة في موضوع من موضوعات الحياة زادت مساحة الاجتهاد الفكري والتنظير في الإسهام الفقهي في هذا المجال، كما يتجلى في الفقه السياسي وقضية السلطة أو ما يُعرف بفقه الإمامة. فالنصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة المشرفة هي نصوص محدودة اتسع معها اجتهادات الفقهاء لتغطية هذا الجانب المهم من قضايا الأمة. ويكفي أن ننظر إلى مبحث "وجوب الإمامة" الذي يتصدر كافة كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية، وهو مبحث نظري بامتياز يناقش مسألة لزوم وأهمية السلطة لنشوء الجماعة والقيام بوظائفها من منظور إسلامي. وقد ناقش أسس هذا الوجوب أو اللزوم لنصب الإمام وما إذا كانت شرعية أم عقلية أم الاثنين. والمثير أن هذا النقاش النظري قد شارك فيه حتى أكثر الفقهاء عنايةً بالنقل ورفضًا للفلسفة والكلام، مثل الإمام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية". وربما حرض طبيعة الموضوع السياسي وندرة النصوص فيه فقهاء آخرين إلى المضي قدمًا في البناء التنظيري إلى حد تطوير نظرية تفسيرية لقيام السلطة والدولة وانحلالها مثل الفقيه العلامة ابن خلدون ونظرية العصبية.

رابعًا: أن الحديث عن علاقة الفقه بالتنظير يحتم علينا فتح موضوع العلاقة بين الفقه وعلم الكلام؛ فرغم الموقف الرسمي للفقه والفقهاء من رفض علم الكلام حتى من جانب الكلاميين السنة باعتباره انجرارًا إلى موضوعات رأوها تضليلًا وتلبيسًا وتخليطًا يضر بسوية واستقامة الدين ومباشرة الأحكام، إلى حد أن عرف أحدهم (وهو المديني المتوفي 324 هجرية) أهل السنة بأنهم "مَن لا يخاصم أحدًا ويناظر ولا يتعلم الجدل والكلام في القدَر" فأخرج بذلك المتكلمة من أهل السنة. ورغم ذلك فقد جمع العديد من الفقهاء المقدرين بين الفقه وعلم الكلام مثل الغزالي والجويني، وجادل آخرون علماء الكلام في قضاياهم مثل الإمام ابن تيمية.

لقد قام علم الكلام الإسلامي على تنظير الرؤى والقواعد الأساسية في العقيدة الإسلامية. وبعض المذاهب مضت قُدُمًا نحو تطوير نظريات متكاملة؛ مثل نظرية الإمامة كأصل من أصول الدين عند الشيعة، ونظرية الأصول والأركان الخمس عند المعتزلة، وبعضها مثل أهل السنة اكتفى بولوج نقاشات نظرية وتطوير مقولات نظرية من باب الدفاع والرد على الآخرين وهؤلاء هم متكلمة السنة (مثل قضايا إثبات الصفات، وأن القرآن كلام الله وتعديل الصحابة جميعًا… إلى آخره).

والشاهد أنه في النموذجين –ورغم الفروق بينهما– فقد كان للتنظيرات المتعلقة بالعقيدة وأصول الدين إسقاطاتها على القضايا الفقهية للمذهب؛ ومنها في فقه أهل السنة مثل قضايا الناسخ والمنسوخ، ومن يحق له الاجتهاد، ومسائل الإجماع، وحكم الأمر في القرآن… إلخ.

خامسًا: أن الحديث عن "نظرية فقهية" لا بد أن يقودنا إلى الحديث عن تنوع مفهوم النظرية. فهل يتوقع أن يقدم الفقه "نظرية تفسيرية" أم "نظرية معيارية" أم مزيج بين الاثنين؟ أظن أن الفقه باعتباره علمًا معني بالحِل والحرمة والمباح والمنكر لا ينتج إلا نظرية معيارية تتعلق بما يجب أن يكون (كسائر البنى النظرية القانونية). لكن تاريخ الفقه يشير إلى احتمال تسرب الواقع للبنية الفقهية من خلال مسائل الفتوى وفقه الواقع المتجدد (على نحو مثلًا طرح نموذج الكد والسعاية وشروط عقد الزواج في منظومة الحلول الفقهية لتعقيدات الواقع الاجتماعي والأسري وصيغه المتجددة). غير أن دخول الواقع إلى النظرية المعيارية يحمل معه مخاطر الانزلاق إلى "التبريرية" على نحو ما شهده بالفعل الفقه السياسي الإسلامي في معالجاته التشريعية لظواهر "إمارة التغلب" و"إمامة المفضول" التي أنتجها واقع وتاريخ الخلافة.

سادسًا: هذه النقطة تتعلق بسؤال مهم ناقشه باستفاضة د. شريف عبد الرحمن في ورقته وهو: هل التنظير مهم للفقه؟ وما هي القيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها للبنية الفقهية العظيمة للفقه الإسلامي؟ ثم ما هي المخاطر التي يحملها لها في طياته؟

أعتقد – من وجهة نظري المتواضعة – أن التنظير ضروري في الفقه الإسلامي، ولو بشكل أو مستوى من المستويات المشار إليها، خاصة ما يتعلق ببلورة منظور أو اقتراب – من خلال استقراء النصوص- يحكم التناول الشرعي لموضوع معين (مثل الأموال، الأسرة، علاقة المرأة والرجل، الحاكم والمحكوم… إلخ)، وذلك لأسباب عدة:

= لإزالة التشرذم والتناقض المرتبط بالاستنباط والقياس الجزئي للأحكام، دون ناظم، اللهم إلا العنوان (في باب كذا وكذا).

= لتفعيل القيم والقواعد الإسلامية العليا التي وردت في القرآن الكريم بوضوح (مثل قيم العدل والحق والمسئولية الإنسانية والاستقامة وحرية الإنسان والمساواة الإنسانية والخيرية والتزكية…)، تفعيلها في عملية استنباط الأحكام بحيث تصبح ذات فاعلية في توجيه عمليات التفسير والاجتهاد والاستنباط والقياس، وهو في نظري من ضرورات ولوازم تفعيل الشرع.

= لإيجاد قواعد للاسترشاد والتوجيه عند وجود أكثر من بديل محتمل مرجح في عمليات التفسير والاستنباط.

الحديث عن أهمية التعميم والتنظير لا بد أن يتعرض أيضًا لمخاطر التنظير (لأن كل تصرف لا بد أن يحمل معه مزايا ومخاطر يتعين استيعابها ومعالجتها). والمشكلة المحتومة في قضية التنظير هي "حتمية الخلاف" لأن استقراء أية نظرية حتى وإن بُنيت على نفس النصوص إنما ينطوي على مكون شخصي حتمي للمفكر الذي يقوم بعملية الاستقراء والتأصيل التي لا بد أن يتفاعل فيها النص مع رؤى المفكر المتأثرة بنشأته وبعوامل التاريخ والجغرافيا والثقافة والقيم والبنية الاجتماعية. ومن ثم لا بد أن تنتج رؤى مختلفة في النظريات الفقهية تختلف باختلاف المنظرين والمفكرين.

ومع ذلك يبقى السؤال هل خلا الفقه الملتصق بجزئيات الأحكام من الخلاف، وهل خلت تلك التأثيرات غير المنظورة للثقافة والواقع التاريخي والشخصي في توليد الحكم. إن كل اجتهاد ينطوي على استنباط، أو استقراء، أو قياس، أو فتوى لا بد أن يعكس بدرجة أو أخرى كل تلك التأثيرات الثقافية -الاجتماعية- التاريخية. ولعل هذا هو مناط التجديد ومعامل التمييز بين النص المقدس والاجتهاد البشري أيًّا كان مستواه أو درجته.

أشكر لكم سعة صدركم وأعتذر للإطالة.

 

د/ هاني محمود:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أولًا أشكر المركز على إتاحة هذه الفرصة، أنا سعيد بفكرة الندوة وأتمنى أن تكون ندوة شهرية؛ لأننا أصبحنا نفتقد مثل هذه اللقاءات.

يعتبر هذا هو الوقت المناسب لهذه الورقة؛ لأن هناك فراغًا منهجيًّا موجودًا على الساحة، ولذلك لن أنشغل كثيرًا بالدفاع، وإنما سأنشغل بالتعاطي مع الأسئلة الجادة التي طُرحت في الورقة، وأنا من إعجابي بالورقة قرأتها حرفًا حرفًا، وبعض المواضع قرأتها أكثر من مرة. وكعادة أستاذنا الدكتور شريف أنه من خلال العرض أثناء اللقاء عادة ما يضيف الجديد، أو الذي لا يكون منصوصًا عليه صراحة في الورقة. فأنا أتفق مع الدكتور شريف في جزئية أن الفقيه المعاصر، وأفضل أن أعبر بلفظ الفقيه لأني اعتقد أن المساحة التي ركَّز عليها الدكتور شريف هي مساحة الفقيه المعاصر أكثر من الفقه؛ لأن الفقه فيه محصول كثير. وأنا أستحضر هنا عبارة للمستشار البشري –عليه رحمة الله– أننا أنتجنا من الأفكار ما يكفي، وهذا أوان التفعيل. فمن حيث المحصول نحن لدينا محصول فقهي ثري جدًّا، ولكن الإشكالية والمعضلة الأساسية الآن هي كيفية التفعيل، وهذه مساحة كلما فكر الإنسان فيها شعر بالعجز والإحباط، فمتى سنشهد اللحظة التي نستطيع أن نُفَّعِل فيها كل هذا المحصول الثري؟ طبعًا هناك عقبات –لا تخفى على الحاضرين– تتعلق بمساحة ربما يكون جزء منها يرجع إلينا أو إلى تقصيرنا، ولكنْ جزء مهم منها يرجع إلى أسباب خارجة عن إرادتنا. وأنا في تعليقي هنا أُركز على تجاربي الشخصية التي تمس هذه المساحة، فلدي تجربتان.

التجربة الأولى: رسالتي في الدكتوراة، والتجربة الثانية: تدريس مادة النظريات الفقهية.

فيما يتعلق برسالة الدكتوراة التي كانت عن رسالة الإمام الشافعي في المنظور الاستشراقي. إلا أن الموضوع في بدايته كان عما لاحظته في قراءتي عن الأطروحات العلمانية أو الحداثية أو الاستشراقية في الشريعة وأصول الفقه، وكان المخطط في البداية أن أتناول شخصية من الشخصيات التي تعرضت لقضايا الشريعة وأصول الفقه من المنظور العلماني أو الحداثي أو الاستشراقي، وكنت قد نويت في البداية تناول شخصية "محمد شحرور"، فعلًا أعددت خطة بهذا الصدد، ولكن تم رفض هذه الخطة. وعزمت على أن أغيِّر دفة الموضوع، وكان الدكتور محمود عبد الرحمن هو مَن ناقشني في الماجستير، وكنت أتشاور معه لاهتمامه بهذه المساحة، فنصحني أن أظل في هذه المساحة مع تغيير موضوع البحث، فأخذت أُطالع حتى لاحظت أن هناك تركيزًا من المستشرقين والحداثيين على مناقشة الإمام الشافعي في كتاب "الرسالة"، فانشرح صدري لأن أتناول البحث من خلال هذا الموضوع، فكان موضوع البحث عن رسالة الإمام الشافعي في المنظور الاستشراقي، وكانت فرصة لي كي أُتم قراءة كتاب "الرسالة" وأُعيد اكتشاف وظائف أخرى لعلم أصول الفقه، وكذلك اكتشاف جوانب أخرى في شخصية أئمة الفقه ولا سيما الإمام الشافعي. فعلى سبيل المثال وجدت أن هناك باحثين غربيين يتعاملون مع الأئمة من أمثال الشافعي وابن تيمية لا على أنهم فقهاء فحسب، بل على أنهم فلاسفة، أو بتعبيرهم الذي نقله أمثال محمد عابد الجابري، أنهم إبستمولوجيون، فضلًا عن كونهم فقهاء، فهذه الصفة وُصِف بها الغزالي ووُصِف بها من قبله الشافعي، ووُصِف بها حتى الفقهاء الذين يُتهمون بالسلفية. ووجدت باحثين شرعيين مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتاب "تمهيد إلى تاريخ الفلسفة الإسلامية"، يركز على هذه القضية، فهو يعتبر أن الفقه وأصول الفقه هي علوم فلسفية، وأننا إذا أردنا أن نقدم فلسفة إسلامية رصينة  لا ينبغي أن نقتصر فقط على المباحث الفلسفية التقليدية أو المباحث الثلاثة الأنطولوجي، والإكسيولوجي، والأبستمولوجي، وإنما ينبغي أن نستخرج المناحي الفلسفية من أبواب الفقه، وكان يثمن بشدة على علم أصول الفقه وأيضا كتاب الرسالة للإمام الشافعي، وتابعه على ذلك تلميذه الدكتور مصطفى سامي النشار في كتاب "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" وأفاض القول في بيان الصبغة الفلسفية لعلم أصول الفقه، حتى أنهم كانوا يرون أن علم أصول الفقه هو أفضل مُعَبِّر عن ما يمكن تسميته بإستمولوجيا الإسلام. وهذه وجهة نظر قد يقبلها البعض وقد يرفضها البعض، لكني أستشهد بها للفت النظر إلى الجوانب الأخرى غير المطروقة بالنسبة لوظائف العلوم الإسلامية ومنها علم أصول الفقه، وفي ذلك الوقت كنت بدأت أهتم بمناشدات المتخصصين في الشريعة إلى ضرورة البحث في مسألة المساحة البينية بين علوم الشرع وعلوم الواقع، أو العلوم الاجتماعية، وكيف يمكن أن نستخرج من علوم الشرع منظورات تُفيد الباحثين في العلوم الاجتماعية، فشعرت أن هذه الوجهة في النظر إلى العلوم الشرعية يمكن أن تثري البحث في هذا الميدان. ومن هنا ممكن أن نتطرق إلى الصبغة التنظيرية للعلوم الشرعية ومنها علم أصول الفقه، فمن يتعامل مع علم أصول الفقه على أنه نظرية بوجه من الوجوه، أي نظرية تفسيرية، ليست تفسيرية بالمعنى الذي طالب به الدكتور شريف أن يكون للفقيه دور في تفسير الواقع، لكنها على الأقل تفسيرية من حيث إنها نظرية النص. هذا لا يعني أن علم الأصول منبت الصلة عن قضية فهم أو تفسير الواقع، لكن وظيفته الأساسية يجب أن تكون تفسير النص. إلا أن هذا لا يمنع من أن يكون للعلم وللفقه وللفقيه دور في تفسير الواقع، فهذه كانت نقطة جوهرية في طرح الدكتور شريف. فينبغي أن نفرق بين أمرين، الأمر الأول هو الوظيفة الأساسية للفقه، والأمر الثاني هو المساحات التي وجدنا بعض الفقهاء يتطرقون لها في سعيهم إلى الإصلاح. بمعنى أننا لو نظرنا إلى المبادئ العشرة وإلى وظيفة الفقه، أو فائدته أو ثمرته، نجد أنه ليس معنيًّا أساسًا بتفسير الواقع؛ لأن الفقه حتى في أبسط تعريفاته هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، وبالتالي الصبغة التفسيرية للفقه هي منصبة أساسًا إلى تفسير النص وبيان الأحكام الشرعية. ولكن وجدنا من اشتباكات الفقهاء مع الواقع جهدًا تفسيريًّا، هذا الجهد التفسيري ينصب أساسًا في أمرين، الأمر الأول هو تفسير أجزاء من النص من خلال تعليلات الأحكام الشرعية، والجزء الثاني هو تفسير أجزاء من الواقع من خلال بيان السببية. على سبيل المثال: نجد في تعليلات القرآن والسنة أو تعليلات الأحكام الشرعية بشكل عام إضاءات لمشكلات توجد في الواقع، مثل حينما ننظر إلى قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، فهذا من ضمن التعليلات التي نص عليها القرآن الكريم فيما يتعلق بمسألة تقسيم الأموال، أن مثل هذه التعليلات يمكن أن تسهم في إضاءة بعض الظواهر وبعض المشكلات في الواقع. كذلك مساحة السببية حين يبين الفقيه بعض الروابط السببية التي اطلع عليها في النص، هذا يعني جهدًا تفسيريًّا يمكن أن يقدمه الفقيه إذا ما أراد أن يكون له إسهام في مسألة تفسير الواقع. فعلى سبيل المثال نجد في بعض النصوص الشرعية ارتباطًا سببيًّا بين ارتكاب بعض الذنوب وبين ظهور بعض المفاسد في الواقع، مثلًا في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه أن هناك خمسة أشياء لو ظهروا تظهر خمس مفاسد، وما منعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، فإن طرح الفقيه لهذه العلاقات السببية يمكن أن يكشف جانبًا من تفسير بعض المفاسد التي تطرح في الواقع؛ فهناك مساحة السببية ومساحة بيان علل الأحكام التي تبلورت بعد ذلك في علم مقاصد الشريعة. إن تجلية هاتين المساحتين يمكن أن تجعل للفقيه جهدًا أكبر في مسألة تفسير الواقع. فالخلاصة من خلال تجربتي الأولى في بحث الدكتوراة أني وجدت العديد من الملامح التنظيرية في علم أصول الفق؛ فأبواب الفقه لا تخلو من ترتيب نظري.

أنتقل إلى التجربة الثانية وهي تجربة تدريس النظريات الفقهية. الشائع أن النظريات الفقهية التي عُنيت بصياغة الفقه في شكل نظري والتي كتبها أمثال الشيخ "أبو زهرة" والشيخ "أحمد إبراهيم" والشيخ "علي الخفيف" و"عبد الوهاب خلاف" و"مصطفى الزرقا" و"عبد الكريم زيدان" تعتبر قريبة من الذي ألّفه طلاب القانون وطلاب العلوم الاجتماعية، فهم قاموا بعمل محاكاة للنظريات القانونية، وهذا أمر أنا لا أثبته ولا أنفيه، لكن من خلال تجربتي وجدت أن طريقة ترتيب النظريات الفقهية قريبة الصلة بترتيب أبواب الفقه وخاصة في المذهب الحنفي. فعند تدريس مادة الأحوال الشخصية، نجد أن الترتيب في طريقة التدريس يقارب بشكل كبير ترتيب كتب الفقه الحنفي. ويجب أن نلتفت إلى تجارب مثل مجلة "الأحكام العدلية" والتقنينات التي قام بها "قدري باشا"، فإن كتب النظريات الفقهية استفادت من هذا الجهد، كما قد تكون استفادت من محاكاة أسلوب القانونيين في صياغة النظريات الفقهية.

لقد طرح دكتور شريف سؤالًا مهمًّا "هل يجب علينا كشرعيين أن نعرض معرفتنا بنفس القوالب التنظيرية التي اعتاد علماء القانون على طرح النظريات القانونية من خلالها؟" أقول وما المانع من أن نستفيد من هذا الشكل في تقريب المعرفة الفقهية إلى طلاب القانون والدراسات الاجتماعية، دون أن يعني هذا أن كل شيء على ما يرام وأننا قد فعلنا كل ما يلزم، وأننا لا نحتاج إلى شيء آخر.

تبقى بعض الإشارات السريعة أحب أن أطرحها في ختام هذه المداخلة. هناك ملامح مبكرة أود الإشارة اليها، ذات مرة في معرض الكتاب وجدت كتابًا بعنوان "نظرية العقد" فتخيلت أنه سوف يكون للشيخ "محمد أبو زهرة"، أو للشيخ "علي الخفيف" أو "عبد الوهاب خلاف"، ولكن الكتاب كان لابن تيمية، وبعد قراءة المقدمة وجدت أن هذا الكتاب هو جهد قام به الشيخ "محمد حامد الفقي" مؤسس جماعة أنصار السنة، ويبدو أنه مَن وضع هذا العنوان، فهو اندهش حين طالع مؤلفًا لابن تيمية عن أحكام العقود في البيع والشراء، فوجد أن كلام ابن تيمية يكاد يكون شبيهًا بما جرى عليه التأليف في نظرية العقد عند المتأخرين بما فيهم القانونيون. وهذا أثار لديّ سؤالا، لماذا لا يكون القانونيون في صياغتهم لنظرية العقد قد تأثروا بالفقه الإسلامي؟ ولماذا نفترض أن الذين كتبوا في نظرية العقد عند الفقهاء هم الذين تأثروا بالقانونيين؟ لماذا لا يكون القانونيون –أمثال السنهوري– حين كتبوا في نظرية العقد قد تأثروا بالأوضاع التي كان عليها الفقهاء، خاصة وأن هناك كتابًا آخر معنونًا بـ"جواهر العقود" لأحد فقهاء الحنفية، يجمع فيه الأحكام المتعلقة بالعقد. إذن فهذه البواكير جديرة بأن ننظر إليها للإجابة على تساؤل هل الفقهاء هم الذين تأثروا بالقانونيين أم العكس؟ أم أن العلاقة متبادلة بمعنى أن هناك تأثيرًا وتأثرًا.

طرحت الورقة أسئلة مثل: أليس للفقهاء ما يقولونه في كتاب مثل كتاب "الدولة المستحيلة"، وهذه أطروحات جديرة بالتعاطي معها، وأن تكون منطلقات مشروعات بحثية مشتركة تثري هذه المساحات البينية.

هل الفقيه مكلف بتفسير الواقع؟ أجبت على ذلك حين ذكرت أن مساحة العلل الشرعية ومساحة السببية يمكن أن تكون منطلقًا لكي يقدم الفقيه إسهامًا في تفسير الواقع، لكن تحميل الفقيه وحده المسئولية عن تفسير الواقع ربما لا يكون أمرًا غير منصف؛ لأن تفسير الواقع المعني به باحثون متعددون من تخصصات متعددة ربما يكون الفقيه أحدهم، فلو ابن تيمية أو الغزالي في حاجة إلى تفسير الواقع إلى مَن يلجؤون؟ وقد ذكر د. مدحت أنهم لم يكونوا محتاجين لأحد لأن الواقع كان بسيطًا، في حين أن الواقع الآن مركب ومعقد إلى أبعد الحدود.

 

د/ شريف: أو أنهم كان لديهم عقلية مركبة بحيث إنهم استطاعوا أن يستوعبوا الواقع من زاوية الفقه ومن زوايا التفسير العملي.

 

د/ أماني:

أو أنهم كانوا يمارسون مسألة الفتوى، فهي تحركك نحو الواقع وتربطك بالفقه في آن واحد.

 

د/ مدحت:

من الذي يفسر الواقع؟ المفتي أم المستفتي؟ أم الاثنان؟ فقد جاءت امرأة لابن تيمية فقالت: زوجي يقول لي أنا زوجك فأصنع فيكي ما أشاء، فيسكنني بين قوم من المناجيس، ويغشى مجالسهم ويريدني أو يحملني على أن أغشى مجالسهم، فما قولك؟ قال: هذا يعاقب بعقوبتين أولًا: ليس للإنسان أن يقول أصنع في نفسي ما أشاء، فكيف يصنع في غيره هذا؟ إنما يصنع في نفسه وفي غيره ما شاء الله، ثم قال وهذا الرجل عُوقب بعقوبتين عقوبة في حق نفسه وعقوبة في حقه غيره، هنا من الذي رفع الواقع؟ المرأة.

جاءه سؤال آخر هو الذي رفع فيه الواقع، فقد جاءه سؤال: ما تقول في التتار الذين أتونا، يقاتلوننا ويقتلوننا ويقولون إنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فكتب ثلاث صفحات في وصف حال التتار لكي يُخرِج فكرة الشهادة "أن لا إله الا الله" مع القتل، مع حال المرجعية، ومع تعاملهم مع القضاء، ومع وجود ما يسمى بـ "الياسق" عندهم. كيف كتب هذا ومن أين؟ قال مما يأتينا من الأخبار، ومما شهدناه منهم بأعيننا، ومما سمعناه منهم ومن الذين خالطوهم. فقد قام بدور الباحث.

فتوى أخرى قديمة للإمام مالك تعرف بفتوى موسى بن أعين والفقهاء السبعة، فيها كان النصارى تحت يد المسلمين ولما وقعوا تحت أيد غير المسلمين فهل ترد إليهم الجزية أو لا ترد؟ فهنا التحليل الذي تم في الواقع كان على يد الفقهاء، كان كل واحد يذكر الأخبار التي يعرفها؛ فمسألة الفتوى تحتاج إلى دراسة مَن الذي يرفع الواقع وكيف يرفعه؟

 

د/ شريف:

أعتقد أننا مستلهِمون نفَسًا حداثيًّا ونحن نؤصل لهذه الفكرة، بمعنى نظرية ثنائية الباحث والفقيه أو المثقف والفقيه، فنحن نتكلم في إطار أن الباحث ليس فقيهًا، رغم أن الفقه، حتى في إطار كل ما نشهده من تحولات، جزء من تكويننا العقلي والثقافي أو ينبغي أن يكون كذلك. في السعودية مثلًا يُدرَّس الفقه حتى الثانوية العامة بكل تشعباته؛ لأن الفقه عندهم هو المنطق الإسلامي. فهنا السؤال نفسه غريب علينا، هل ينهض الفقيه بهذا التنظير؟ يجب أن يكون العقل الفقهي جزءًا من عقل الباحث الاجتماعي، فلا نريد أن نستلهم العقل الحداثي في الموضوع، وكأن هذه التقسيمات تقسيمات قدرية، لماذا لا يكون العقل الفقهي جزءًا من التكوين التأسيسي للباحث الاجتماعي؟

 

د. هاني:

هناك مقولة إذا تأملناها ربما تكون ذات دلالات في هذا السياق "يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور" هذه المقولة يمكن أن تكون مفتاحًا لإضاءة بعض الأمور، بشأن التساؤلات التي نحن بصددها.

هناك بعض ملامح أخرى أود الاشارة إليها مثل طريقة الفقهاء في تبويب الكتب، مثلًا الإمام الناطفي له كتاب اسمه "جمل الأحكام" صنّف فيه أبواب الفقه على أساس الأشخاص، فتجد فيه أحكام المجانين، أو أحكام السُكارة، أو أحكام العبيد، وهي كانت طريقة في التبويب الفقهي غير مألوفة، فهي مؤشرات لملامح تنظيرية لو أردنا أن نُحدث تجديدًا ما فيما يتعلق بمجال النظريات الفقهية.

مسألة ارتباط العقيدة بالفقه والأخلاق، هذا ملمح تنظيري مهم يمكن أن يجعل التنظير الإسلامي ذا سمة متفردة؛ لأن التنظيم القانوني لا يُعنى بقضية ربط القانون بالعقيدة والأخلاق كما هو الشأن في الفقه. وهناك لطيفة تذكر على سبيل الاستئناس، أن كتب الفقه الإسلامي عادة ما تُختم بباب العتق رجاء أن يعتق الله رقابنا ورقاب من قرأ هذا الكتاب من النار، فهي مسألة قد تبدو وعظية لكن تأتي في إطار أن الأحكام الفقهية قوية الصلة بمسألة العقيدة والأخلاق، وقد سُئل محمد بن الحسن الشيباني أن يصنف كتابًا في البيوع فصنّف كتابًا في التصوف، فسُئل عن ذلك فقال: "مَن صحت معاملته مع الحق صحت معاملته مع الخلق". هذا يبرز جوانب في شخصية الفقيه تجعل ما يكتبه متميزًا عن القوانين المجردة التي انتقدها أمثال وائل حلاق، والذي يتحدث في كتابه عن النظريات الفقهية عن أصول الفقه، فهو يعتقد أن علم أصول الفقه هو علم مولد للنظريات الفقهية.

 

د/ شريف:

وائل حلاق لا يُكتشف من خلال كتابه تطور المناهج، لكنه يُقرأ من خلال كتبه: الشريعة وقصور الاستشراق والدولة المستحيلة، لكن في البدايات لا تكاد تُميزه عن الاستشراق التقليدي حتى وهو يتحدث عن النشأة المادية للفقه، فهو يثير لدى الباحث المتدين تحفظات عديدة، لكن هذه كانت الأثر الاستشراقي الأول الذي لم يستطع أن يتخلص منه في المرحلة المبكرة من تكوينه.

 

د/ هاني:

بخصوص الصبغة الفلسفية لعلم أصول الفقه، قام البعض بعمل مقارنات بين المنطق الأرسطي والمنطق التشريعي كما يبدو عند الشافعي؛ فهذه مسألة جديرة بالالتفات اليها.

وأختم بأمثلة من علم تخريج الفروع على الأصول؛ فعلم تخريج الفروع على الأصول يربط النظرية بالتطبيقات وهو أقرب صلة بالواقع، ومن الأمثلة أن "الإسنوي" والذي اشتهر بقضية تخريج الفروع على الأصول في كتاب "التمهيد" له كتاب آخر وهو "الكوكب الدري" يُخرج فيه الفروع الفقهية على المسائل النحوية، فيذكر مسائل اختلف فيها الفقهاء وسبب الخلاف يكون راجعًا إلى علم النحو. بخصوص مسألة التنوع فقد أشرت لبعض الفقهاء في حكمة وجود الاختلاف بين الفقهاء، فهل هو مكروه أم له فوائد ورحمة للأمة، وهناك كلام يتعلق بذلك للشعراني في كتاب "الميزان". وجزاكم الله خيرًا.

 

أ/ منال شيمي:

بسم الله الرحمن الرحيم... في البداية من الممكن أن يكون السبب في مثل هذه الحلقة أن عقلنا حداثي، وأننا نشأنا في ثقافة معينة، فلدينا ازدواجية النظام التعليمي؛ فنحن دائمًا ننظر إلى الفقيه أنه غير الباحث، أو غير المتخصص، وهي أزمة حديثة على العالم الإسلامي، انفصال العلوم لم يكن موجودًا في الحضارة الإسلامية، ففيما مضى كان من الطبيعي أن العالم المسلم والمفكر المسلم قد تشكَّل عقله بشكل أكثر تركيبًا وشمولًا لعدة مجالات بحيث لا يفصل علوم الدين عن علوم الدنيا، فقد ذكرت أ/ مهجة في البداية أن هناك نظريات طبيعية أنتجها المسلمون، تتفق عليها جميع الثقافات بغض النظر عن الدين، لكني أرى أنه حتى هذه النظريات رغم انتمائها للعلم الطبيعي تكون مختلفة؛ لأن العقل المسلم بطبيعته حتى في مجال العلوم الطبيعية البحتة ينتج نظرية نتيجة رؤية كلية معينة للكون تختلف عن غيرها، قد لا تختلف النظريات في تفاصيلها ولكن يكون لها صبغة مختلفة وبصمة مختلفة على مستوى من المستويات؛ لأن العقل الذي أنتجها يؤمن بالوحي. فقضية انفصال العلوم الطبيعية عن العلوم الشرعية، والعلوم الإنسانية عن العلم الشرعي هي مسألة حديثة، يمكننا الرجوع خطوة للخلف حتى نتداركها، ومنها يمكن أن نحل جزءًا مهمًّا من الأزمة، وهي هل غياب النظريات تقصير من الفقهاء؟ أم تقصير من الباحثين والمفكرين؟ وهل هذا جهد ينبغي أن يقوم به الفقيه أم جهد ينبغي أن يقوم به الباحثون والمفكرون.

هناك فراغ في المجتمع يجعلنا نحتاج أن نفهم سببه ونحدد موضعه؟ هل نسميه فراغ في مساحة التنظير، أم التفسير، أم مستوى أكثر جزئية؟ فنحن لا نتكلم على نظرية بمعنى الرؤية الكلية؟ نحن نتكلم على النظرية بمستوى آخر من التنظير ليست بهذا المستوى الكلي المختص به "الوحي"؛ فهذا المستوى من الرؤية مُعطى. لكن نتحدث عن نظرية في المستويات الأدنى من ذلك. صياغة الكليات المعطاة وحيًّا وبلورتها في صورة أنساق بشرية نسبية متغيرة وقابلة للتعديل باختلاف الزمان والمكان.

 

د/ شريف:

لماذا لا يوجد نظرية استباقية للواقع توضح موقف الفقه الإسلامي التنظيري؟ ربما نحتاج أكثر أن نتحدث عن العقل السنني والتفكير السنني (إن شاء الله يكون هذا موضوع السمينار القادم)، نحتاج أن نفكر في إطار سنن الواقع وليس نظريات الواقع. أثناء إعداد أحد البحوث وجدت أن كل النظريات لها النسخة "الما بعد" الخاصة بها، بمعنى أن الواقع يُظهر النظرية اليوم وبعدها يُظهر الما-بعد مثل الحداثة "Modernism" ثم ما بعد الحداثة "Postmodernism"، الواقعية ثم ما بعد الواقعية، البنيوية ثم ما بعد البنيوية، وهكذا فالتنظير طوال الوقت يتحرك بشدة. "توماس كون"  (Tomas Kohn) يقول إن التغير في الواقع هو الذي يقود التقدم في التنظير، وتقدم التنظير هو الذي يُكسب الحقل الذي ينتمي اليه صفة العلم. وكان دكتور "أحمد المستجير" يقول إن كل النظريات خاطئة؛ لأن كل النظريات لها مدة صلاحية ثم تَنفُذ هذه المدة. ولذلك عندما نحتفي بابن خلدون لا نقول إنه فعل المستحيل، لكنه قدّم المقولات التفسيرية المرحلية التي صلحت في وقته لكي تكون بمثابة استكشاف لسنن نظرية أو سنن مرحلية. فما الفرق ما بين السنة والنظرية؟ النظرية في النهاية تؤول إلى نظر عقلي بحت، ولكن السُنة تحاول أن تربط الأشياء بالأسس التفسيرية الكبرى أو المقولات النسقية "النسق المعرفي الإسلامي"، وفي النهاية تلتئم بشكل أو بآخر مع مقولات الوحي.

 

د/ أماني:

هذا الموضوع ضمن المشكلات الكبرى في العالم، وهي مشكلة الخلط ما بين السنن والنظرية. على سبيل المثال عندما نطرح نظرية داروين على أنها قاعدة من قواعد التطور الوجودي وتكون قانون أو سنة تطور الخلق، هذا التلبيس ما بين القوانين التي يسير عليها الوجود وبين النظريات مسألة خطيرة جدًّا.

 

د/ شريف:

طوال الوقت مفهوم أن القوانين تصف والنظريات تفسر، والدمج ما بينهما يعتبر إشكالاً خطيرًا. ما يمكن أن يُستخدما بالتبادل بنوع من السعة، هما فكرة النظرية والمنظور؛ فالمنظور أكثر سعة من النظرية لأن مقولاته لا تكون بنفس التضييق، ولكنها مقولات متسعة، ومن ثم من الجائز للباحث أن يعمل في إطار منظور أو في إطار نظرية لو أن لديه مقولات أكثر إحكامًا وتقييدًا. ولكننا ذكرنا في المقدمة أن مشكلة التنظير أنه صادر عن عقل حداثي، والعقل الحداثي يَعتبر أن الإنسان في النهاية هو صورة للطبيعة، والطبيعة صورة العقل الإنساني، ومن ثم الإنسان في لحظة من اللحظات يعتبر أن عقله مجهز وقادر على أن يستوعب معنى الوجود ويستطيع أن يترجم هذا الاستيعاب في شكل عبارة أو جملة أو نظرية مصمتة. فكانت الماركسية تصدر مقولة واحدة وتدعي أنها تفسر اقتصاد وسياسة واجتماعًا وثقافة وكل شيء. والمقولة النسوية تفترض أن العالم يمكن إعادة تفسيره من المنظور النسوي لأنه في الحقيقة يعني أكثر من كونه نظرية، فهو يفترض أن كل شيء يمكن أن يُفسر بالإحالة إلى مجموعة مقولات جندرية (gender) أو ما شابه. هذا هو الصلف الحداثي. وهذا يوضح بشكل ما لماذا غابت النظرية عن العقل الفقهي الذي لم يكن بالضرورة معنيًّا بأن يستوعب الواقع ولا يتصور أن بإمكانه استيعاب الواقع بهذه الطريقة التي قام بها المنظرون. المفسر الإسلامي أو الفقيه الإسلامي قدّم اجتهادات في بعض الأحيان وصفت بأنها سنن، وإذا كانت سننًا فليست بالمعنى المطلق وليست بمعنى قوانين. كنا نناقش إنتاج ابن خلدون على أنه اجتهادات سننية، أو سنن نظرية، لأنه في النهاية عندما يقول "المغلوب مولع بتقليد الغالب" فلدينا في التاريخ شواهد تمثل استثناءات على هذا التصور الكلي المصمت، في حالات كثيرة تشبه الغالب بالمغلوب وليس العكس، إذا كان المغلوب لديه نوع من التفوق الثقافي أو الحضاري أو القيمي. إذن فنحن لا نصل إلى النظريات بالمعنى الغربي، ولكن نصل إلى مقولات أقرب إلى معنى السنن، والسنن ليست دائمًا هي السنن الإلهية التي لا تنخرم، ولكنها قد تكون في حالتنا نحن أقرب إلى أن تكون سننًا اجتهادية أو سننًا نفسية. ففي حديث سابق تكلمنا عن التحولات في الضمير العالمي تجاه بني إسرائيل ومقابل ذلك التحول فينا الذي حذّرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فقالوا: أوَ مِن قلة نحن يوم إذن يا رسول الله قال بل أنتم كثير ولكنكم كغثاء السيل»، وبعدها جاءت السنة، «وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ولينزعن المهابة من قلوب أعدائكم منكم»؛ ففكرة أن التحولات الحضارية تكون مصحوبة بتحول نفسي، فهذا استبشار وعنصر بُشري؛ لأننا أمام حالة يتحول فيها العالم من التعاطف مع المحرقة ومن التعاطف مع اليهود إلى كراهية شديدة ونوع من النفور من هذه الدولة الصهيونية العنصرية، فقد يكون هذا التحول النفسي مصحوبًا أيضًا بتحول حضاري في موازين الأمم، هذا التصور قد يكون ذا نَفس سنني، لكن لا نستطيع أن نقدمه على أنه يمثل قانونًا أو نظرية بالمعنى الغربي، فهو يحاول أن يستلهم معنى السنن النفسية، بمعنى أن التحولات الحضارية الكبرى قد تُسبق بنوع من التحولات النفسية، فإذا تحولت نفوس العدو تجاه من يستهدفونه بنوع من الإحساس بانكشاف المهابة وانكشاف غطاء التعاطف، إلى إحساس بالنفور والكراهية، قد يكون في هذا علامة خير إن شاء الله تعالى؛ فالتحولات النفسية من العدو الصهيوني يمكن أن نرصدها في إطار ما نسميه بالسنن النفسية، ولكنها ليست بحال من الأحوال سننا بالمعنى المكتمل.

 

أ/ منال:

هناك جزء كبير من الحضور قد اتفق على أن هناك فراغًا منهجيًّا، وممكن أن يكون لدى السُنة أكثر من الشيعة؛ فالشيعة طوروا نظريات في المجال السياسي مثلًا، فلدينا منظورات تقوم بالمهمات الأربع فهي تصف وتفسر وتقيّم وتوجه، فهي في النهاية تقوم بتوجيه واقع المجتمعات الإسلامية إلى ما هو أقرب من مراد الشرع الحكيم.

من جانب آخر، من يقوم بصياغة هذه الرؤى النظرية؟ فإذا تجاوزنا هذه الفجوة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية، فإن هذه مهمة المفكر الإسلامي، وليس بالضرورة أن نلصقها بالفقيه الجزئي المنوط به استخلاص الأحكام.

بشأن القلق من ثنائية التنوع والواحدية، فإن هذا التنوع قد أثار القلق قبل ذلك على مستوى القراءات والتفاسير، وليس الفقه وحده. وهنا يجب أن نستلهم روح الشرع، فلا هي الواحدية الحداثية ولا هو التنوع الذي أقلق كثيرًا من السلف من اختلاف الأمة وتنازعها. في مراحل معينة اضطررنا إلى أن نضع النِقاط فوق الحروف في رسم المصحف، وأن نحدد عددًا من القراءات المعتمدة للقرآن الكريم، وأن نجمع القرآن. فنحن نحتاج الوسط بين التنوع والواحدية، ونحتاج إلى جهد في هذه المساحة، وأن يكون جهدًا تجميعيًّا بحيث لا تخرج الأمور عن التيار العام للشريعة في كل مجال من المجالات. فلا بد أن يكون هناك جهد فكري وتنظيري في حدود هذا التيار العام، لكي لا نصل للتنوع الذي على شاكلة ما بعد الحداثة فيؤدي لانفراط العقد، ولا نتقيد بالواحدية التي تقيد الشرع نفسه وتفقده مرونته. أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك قدر من السعة، وأن تستوعب الشريعة جميع الاختلافات وتسع البشر كافة على اختلاف طباعهم وتنوعاتهم المختلفة. من هنا نحن نحتاج إلى رؤى عامة ليست مطلقة، ولكن قابلة للتعديل وقابلة للتغيير داخل الأطُر التي يقدمها الوحي أو يسمح بها. وشكرا جزيلًا..

 

د/ أماني:

قضية بناء منظور الإسلامي ليكون نموذجا للحياة والترويج له ليس فقط من أجل أن ينتظم الفقه، ولكن من أجل أن يُقبل ويُفعّل في الحياة، فما مدى فاعلية الفقه الآن أو الأحكام الفقهية أو الأحكام الشرعية عند جيل من الشباب لا يستوعب منظورًا إسلاميًّا؟ فلدينا جيل لا يستوعب فكرة أن الحياة ليست دنيا فقط، ولكنها آخرة أيضًا، المنظور المادي تم تبنيه وبلورته والترويج له بشتى السبل، كيف لهذا الجيل أن يتقبل قواعد فقهية ويلتزم بها ونصوصًا شرعية ويُسّير حياته على أساسها، فبناء المنظور مهم جدًّا ليس فقط عند الفقيه، ولكن لتفعيل الفقه في الواقع.

 

أ/ تقى:

نحتاج في البداية معرفة إلى أي مدى وصل التنظير في الغرب؟ وهل أخرج نتائج جيدة في الواقع خاصة في الزمن الحاضر، أم أن فكرة التنظير نفسها تراجعت؟ لأن التنظير في الغرب لم يعُد في شكل نظريات كبرى، وأصبح هناك تناقض واضح، فإذا كان يعاب على الفقه أن له أحكامًا متناقضة، فإن التنظير الغربي به أشياء متناقضة حتى في النظرية الواحدة. على سبيل المثال قضية التعامل مع الأقليات حاليًا هي قضية مهمة جدًّا في الغرب، فنجد التيارات المختلفة تذكر أشياء متناقضة، هل نستوعبهم، أم ندمجهم، أم نتركهم كما يريدون؟ وعند التعامل مع الاختلافات لا يصلون إلى شيء لأن ليس لديهم المرجعية، ولكن كفقيه من الممكن أن يصل إلى أشياء متفق عليها على الأقل على المستوى الكلي، وبعدها يختلف في التفصيلات، ولكنهم في التنظير الغربي لا يملكون فكرة كبيرة ينطلقون منها ثم بعدها يختلفون في التفاصيل، فبالتالي التنظير في الغرب في مأزق حتى حول فكرة التنظير نفسها. فيما سبق كان هناك نظريات كبرى ننطلق منها، ولكنها أدت إلى نتائج كارثية، لماذا نتحدث عن التنظير بشكل أننا نحتاج استلهامه والبحث فيه على الرغم من أن الغرب لم ينتج شيئًا جيدًا؟ وهذه فكرة التناقضات.

فكرة أخرى، التنظير الغربي كان له علاقة دائمة بالسلطة، هناك تفاعل ما بين النظريات والمنظرين ومستويات سلطة معينة، مثل أفكار "آدم سميث" التي تبنتها سلطة معينة قامت بتطبيق هذه الأفكار، ولكن أن تكون مجرد نظريات تُكتب وتظل حبيسة الأوراق فما الجدوى، هل علاقة الفقيه بمستويات السلطة سواء قديمًا أو الآن لها علاقة بما نتحدث عنه الآن؟

بخصوص التنظير في الفقه ولماذا لم نتحدث عنه بشكلٍ كافٍ، أرى أن القواعد الفقهية تُعتبر تنظيرًا بقدر كبير، فهناك نوعٌ من التعميم خاصة عند الحديث عن الكليات، والقاعدة الفقهية تتفاعل مع الواقع بشكل كبير وتستوعبه، مثال أن "العادة محكمة" أو "المشقة تجلب التيسير"، وعندما يتم استيعاب هذه القواعد سواء من الفقيه أو من الإنسان العادي، يبدأ الانطلاق بشكل رشيد في تفاصيل الحياة.

ننتقل إلى نقطة أخرى هي أصول الفقه، فعند استيعابها نستطيع أن نخرِّج مسائل موجودة حاليًا ونتفاعل مع الواقع بقضاياه المستحدثة بناء على تلك الأصول، بالتالي نستطيع أن نصل إلى قاعدة لحكم جزئي انطلاقًا من نفس هذه الأصول.

فيما يتعلق بفكرة الفراغ المنهجي، وعند ربط كلام أ. منال بكلام د. أماني، هل الفراغ المنهجي أو عدم وجود نظريات كلية سبب عدم حضور الفقه بشكل قوي في حياتنا؟ أم عدم وجود اجتهادات حقيقية قادرة على استيعاب الواقع المعقد بشكل كبير؟ أم أنه جزء من مشكلة أكبر وهو انسحاب الشرع من حياتنا بسبب الحداثة أو بسبب غلبة المادية؟ أم لها أسباب أخرى، أم أن الموضوع مركب وممكن أن يوجد أكثر من مشكلة؟

نحتاج إلى معرفة السبب الحقيقي لعدم فاعلية الفقه في الحياة اليومية، لكي نعلم هل لو قدمنا نظريات ستُحل المشكلة؟ أم هناك طريقة أخرى؟

عنصر آخر مهم، هو أننا من الممكن أن نعتبر أن الحضارة الإسلامية حضارة مبنية على نص، وبالتالي فإن الفقهاء والمحدثين والمفسرين ركزوا على التعامل مع النص وتفسير النص، وقد وصلوا إلى أشياء كثيرة، خصوصًا في كيفية تفسير النص والوصول لكليات، وحتى في التعامل مع النص وقواعده... الخ، هل من الممكن أن تكون هذه مرحلة يجب أن تليها مرحلة أخرى وهي تفسير الواقع بعد الانتهاء من فهم النص والتفاعل معه وتفسيره.

 

د/ شريف:

الواقع ليس كائنًا خاملًا فمن الممكن أن يتحول إلى كائن مفترس ويفترس الفقه نفسه، ويستأنس الفقه ويستأنس الفقهاء ويحيدهم، فإن لم نستطع تتبع الواقع بنظر مدقق سيلتهمنا؛ فالأمر ليس رفاهية، الواقع الآن يلتهم الجميع، وقد ذكر ذلك "حلاق"، ماذا حدث في الشريعة عند تقنينها حيث تم استئناسها، واعتقد الجميع أننا أصبح لدينا مدونات قانونية للشريعة مثل مدونات القانونيين في الخارج، وفي النهاية اكتشفنا أن الموضوع كان مقصودًا به نوع من الاستئناس وتحييد التنوع لصالح رؤية أحادية، وهذا ما حدث مع تحييد القضاء الشرعي، فمن المهم أن نتحدث عن حكم الشرع في البنوك ولكن لا بد أن نكون على دراية بما تقوم به البنوك في الواقع، أو ما حكم الشرع في البيروقراطية لكن لا بد أن نعي كيف تَفسد البيروقراطية وكيف تترهل وكيف تؤدي بالأمور إلى عكسها.

 

أ/ مهجة:

ما ذكرته د. أماني عن المنظومة مهم جدًّا، وأن العقيدة والأخلاق يجب أن تكون مكونًا أساسيًّا قبل التطرق إلى الجزئيات الفقهية، لأن من لديه المنظور العقيدي لن يتدهور الواقع لديه بهذا الشكل. الإنسان يقوم بتصرف خطأ وبعدها يتجه للفقيه ليسمع رأيه في الحلال والحرام فإن كان لديه العقيدة والإيمان والأخلاق لن يتطور الواقع بعيدًا عن روح الشرع بهذا الشكل الحالي، فلو أن هناك نظرية تصوغ الشكل والحدود العامة، وأن تكون المعالم الأساسية واضحة من أجل تفعيل المنظور الذي قد يكون مفقودًا عند الأفراد، فلن يطغى الواقع بهذا الشكل.

 

د/ أماني:

التحدث عن سقوط السرديات الكبرى، وأنه لم يبق سوى سردية واحدة فقط، هي الإسلام، صحيح ومهم. وهذا يطرح تساؤلاً: لماذا لا يتجه التنظير إلى بناء وبلورة أبعاد هذه السردية؟ لأن الانسحاب لن يكون أثره فقط على الفقه، ولكن على الحياة كاملة.

 

د/ شريف:

عندما كان الطلبة يتظاهرون ويضربون كنتاكي بالحجارة، كنت أعلق بقولي: أن الأولى من مواجهة مظاهر الحداثة في الخارج، على الفرد أن يحاول أن يتبين مظاهر وأثر الحداثة في شخصه ويحاول هو أن يقتلعها، وأقصد أن جزءًا كبيرًا من تكوينكم العقلي كشباب صنعته هوليود وصنعه الإعلام الأمريكي والسياسة الأمريكية والأدب الأمريكي، فهذا أمر أخاطب به نفسي، فأنا مشبع بهذا النسق المعرفي وأتصرف على أساسه، وعلى المفكرين والأساتذة أن يساعدونا في إضاءة هذه المساحات داخلنا التي من الممكن أن تَخفى علينا.

كان الطبيعي في –إطار التعامل مع الأفكار– أننا نزكي أزواجًا من المتغيرات على حساب أزواج أخرى، كنا دائمًا في إطار ثنائية الجزئية والكلية ننتصر إلى الكلية، وثنائية الرجعي والتقدمي ننتصر إلى التقدمي، وثنائية الغيبي والواقعي ننتصر للواقعي، ثنائية الاستنباط والاستقراء ننتصر إلى الاستقراء، كما لو كانت هذه الأمور هي من حكم الضرورة وينبغي أن تكون دائمًا في الصدارة.

عندما كتب "بيونج تشول هان" كتاب مجتمع الشفافية حدث للفرد نوع من التبصر، لماذا بالضرورة نكون مع الشفافية بهذا الشكل المطروح، هل هناك شيء كامن في طبيعة الشفافية يجعلها على حق؟ هل الخصوصية دائمًا شريرة؟ هل الجزئية دائمًا بها نوع من الإعاقة؟ هل التفكير الرجعي غير التقدمي بالضرورة به نوع من النقص؟ أرى أنه يجب على الفرد بين الحين والآخر أن يعيد النظر في هذه الثنائيات التي قد تكون ظالمة. لم أكن معنيًّا بالرد على الاتهام بأن العقل الإسلامي عقل جزئي، كنت أحاول أن أتتبع ملامح الصورة في الورقة ولم يكن يعنيني بالضرورة أن أثبت العكس، بل بالعكس كنت أرى أن هذا اللغم أو هذا الطُعم ينبغي ألا نبتلعه طوال الوقت، فأنا عندما يتهمني الآخر أسارع بأن أعتبر اتهامه وصفًا لحقائق الأمور فأبدأ بتبني الطرح الذي يقول: لا، نافيًا التهمة عن نفسي، لست رجعيًّا أنا تقدمي بالضرورة، أنا لست جزئيًّا أنا كلي بالضرورة. يجب أن نلتفت لهذا اللغم. قد يكون الوقت قد حان لكي نعيد الاعتبار إلى المفاهيم الجزئية لأن المفاهيم الجزئية تصدر عن عقل كلي، فعندما تَصدر عن الجزئية الفقهية مثل هذا الأحكام والشمول والاتساع المدهش للتفاصيل، فإن هذا يستبطن معنى كليًّا، ويستشعره مَن يتحولون إلى الإسلام في الغرب، فهم يستوعبون هذا المعنى الكلي المستبطن في التفاصيل، كيف يدخل الإنسان إلى المسجد فيجد طريقة انتظام الصفوف في الصلاة فيدخل في الدين، وكيف يرى الفرد المسلمين يتصافحون بعد انتهاء الصلاة فيدخل في الدين، كيف يجد الإنسان أن جاره المسلم يبتسم في وجهه بدون أي مصلحة فيدخل في الدين، أن تفاصيل الإسلام قد صيغت بشكل يستوعب المعنى الكلي حتى ولو لم يُسم.

ما يحدث الآن في الإقليم من مشاكل سياسية كشفت لنا عن نوع من العجز وعدم الفاعلية وعدم القدرة على الحركة، هذا يرجع في قدر منه إلى أننا كليون، أو أننا نتصرف في إطار نظري سياسي، فقد درسنا العلوم السياسية، منظوراتها ونظرياتها، ولكننا عندما استدعى الأمر نوعًا من الحركة وجدنا أنفسنا غير قادرين على الحركة، أن التعامل الآن كان حريًّا به أن يستدعي مرة أخرى النظرة الجزئية، لكي نعرف حكم من يبيت شبعانًا وجاره جائع، أو أن الشخص الذي يموت جوعًا تصبح ديته على من حوله، ربما يكون استدعاء النظر الفقهي الجزئي في هذه الحالة كان ليمثل مخرجًا من أزمة عجزت النظريات عن أن تتعامل معها، فإن الجزئية ليس بها هذا العار الذي يجب أن نتحلل منه، بل بالعكس يجب استدعاؤه في المواقف اللازمة، مواقف الحركة، الفقه الذي يتحدث دائمًا عن الأحكام العملية، ما الذي ينبغي عليّ أن أقوم به؟ ربما يكون هذا هو واجب الوقت الآن. ماذا أخذنا من علماء السياسة مع احترامنا لجميع العلماء، بماذا أفادونا الآن عندما يتوجه إلينا الطلبة ويقولون كيف تفصحون عن هذا الوجه الغريب من عدم الفاعلية، وعدم القدرة على قيادة أجيال تنتظركم لكي تسمع الحكمة مجسدة في شكل كلمات، فنظهر أننا ليس لدينا بضاعة للتعامل مع أمر واقع، ولكن لدينا نظريات.

وكما ذكرت أ. تقى، فأنا أؤيد فكرة سقوط السرديات الكبرى، وبحكم التخصص أذكر أن كل ما يدور حاليًا حول فكرة إعادة الاعتبار مرة أخرى إلى البيانات "الداتا"، والتي هي تلك المادة الخام البسيطة المتواضعة التي في النهاية تُنتج المعلومات، فكان من الطبيعي بمقارنة الجزئي والكلي أن نرفع القبعة للمعلومة، ونتعامل باستخفاف مع البيان، والآن النظرية التي تشغل العالم هي نظرية "big data"، لأنهم ذكروا أننا سوف نؤسس الحركة على ما تقودنا إليه البيانات الجزئية، وليس النظريات الكلية فقط، فكأن الواقع الآن يسير مرة أخرى باتجاه إعادة اعتبار الجزئي بجانب المقولة الكلية؛ فالمقولة الكلية لن تُخبرني كيف أتكلم، وكيف أرتب أفكاري، وكيف أستدعي أولوياتي، فربما تكون الجزئية هي من الأفكار التي هُضم حقها، وقد حان الوقت لكي يُعاد النظر فيها.

 

أ/ محمد الديب:

نحن نتعامل مع كلمة الفقيه على أنه شخص له معايير محددة ووحيدة، في حين أن في الفقه الإسلامي الفقهاء لهم مستويات متعددة. نحن نتحدث عن المجتهد داخل المذهب، وعن المقلد، هناك مَن يتحدث في الأحكام التفصيلية على المستوى العملي، وهناك مَن يتكلم عن القضايا الكبرى مثل الغزالي وابن تيمية، وهما شخصيتان كانت لهما تجربة في التعامل مع الواقع الاجتماعي؛ فالإمام الغزالي -كما أوضح تجربته "ماجد عرسان الكيلاني" في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين" – انعزل عن المجتمع لأنه وجد أن الفساد الاجتماعي أساسه فساد أخلاقي، ومن ثم تكلم عن إحياء علوم الدين؛ لذلك فهو كتاب ليس سلوكيًّا على المستوى الشخصي فقط؛ فانخفاض مستوى الإيمان أدى إلى الفساد والانهيار على مستوى المجتمع. كذلك ابن تيمية – وإن كان التحدي أيامه مختلفًا، فهو لم يتكلم على مستوى الأحكام فقط، وكما تكلم في العقيدة تكلم في أحكام الجهاد ولديه اتجاهات سلوكية. فمطالبة الفقيه وهو شخص له نمط محدد أن يتحدث في جميع المستويات أمر به مشقة، منهم مَن سيكون عنده القدرة ويكون لديه استيعاب للكليات ويتكلم في الجزئيات معًا، وهذا نادر، لكن الطبيعي أن الفقيه يتكلم في مستوى الجزئيات واستيعاب الكليات سوف يكون لعدد قليل من الأئمة. وشكرًا جزيلًا.

 

د/ مدحت:

بسم الله الرحمن الرحيم، نشكركم على هذه الجولة الممتعة من التفكير في هذا المستوى الصعب، في اشتراكي في هذه الورقة لدي أربع نقاط:

الأولى مسألة المفاهيم، وبالأخص المفاهيم الرئيسية، فهي تحتاج من أول الورقة أن يكون بها تحديد. فطوال الورقة لدينا مفهومان للتنظير، وحولهم بعض الهالات الدلالية، الأول هو مفهوم التنظير بمعنى إنتاج النظريات التفسيرية، ثم التنظير بمعنى إنتاج الكليات عن الواقع وهذا أوسع من التفسير، وهو مستوى التنظير بالمعنى العربي وهو ما أوردت له تعريفات عن الذين يعملون في النظريات الفقهية أو النظريات القانونية، فهي صناعة الكليات، بمعنى الكليات العامة المجردة الجامعة لأبواب من المسائل ومن القضايا الموجودة في كتب الفقه أو في كتب القانون.

ومفهوم الفقه نفسه، ما بين الفقه كما يفهمه المسلمون، والفقه كمادة في كليات الحقوق ويجري عليها التنظير. أما المفاهيم الثنائية والتي هي أعمدة في الورقة مثل الواحدية أو الأحادية، أحيانًا توصف بالأحادية لكن أكثرها الواحدية، ولكن الأحادية هي الأفضل؛ لأن الواحدية عندنا هي وصف لله عز وجل، أما الأحادية فهي أقرب للمعنى المقصود في الورقة. وهناك كلمة تستخدم في هذا المقام أكثر تعبيرًا وهي "الاختزال"، والتي تقابلها التعددية والتنوع، والتي أحيانًا تكون فوضى أو تكون تفكيكًا، هذه المجموعة من المفاهيم تحتاج تعريفًا قبليًّا وليس بعديًّا.

المفهومان الآخران اللذان يحتاجان أن يُراجعا هما الوحي والحداثة؛ فالحداثة معروضة باعتبارها كلها شرًا، إلا أن هناك قدرًا من المعرفة البشرية ضخمًا ومشتركًا، فقد تعامل فقهاؤنا مع المشترك بشكل فيه أريحية أعلى من الذي نحن نراه، ربما لأنهم كانوا في حالة راحة حضارية وكانوا أقوياء، فهم يترجمون في دار الحكمة وبعدها يعيدون الكتابة، حتى الترجمة كانوا يصبغونها بصبغتهم، فيجب حسم مسألة المفاهيم لأنها إن ظلت بشكلها مع المستوى الصعب للحديث في التنظير فسوف يكون هناك ثقل.

الوحي أكثر استيعابًا للاختلاف من فكر المسلمين؛ فالإسلام أوسع من المسلمين، وحي الله عز وجل أوسع، وكثير مما أنتجه الغرب بعقولهم لو كنا مكانهم سنكون متفقين فيه، وكلمة التنظير في الإطار الإسلامي أوسع بكثير جدًّا من الفقه؛ لأن التنظير في الفقه حذر، وعندما يخرج الفقيه عن دائرة الفقه يصبح أديبًا. وفي بناء علوم اجتماعية جديدة، نجد أن ابن خلدون اختار التاريخ، فدرس ما قدمه المؤرخون قبله وتفوق عليهم لكي يبني طرحه الجديد في "مقدمة المقدمة"، فتناول الفقيه وذكر "الماوردي" وقال ما أقوم به ليس ما أنجزته أنت، ثم بعده "الفارابي" وأسماه أصحاب السياسات المدنية، وأيضًا ذكر "الطرطوشي" صاحب سراج الملوك، وقال لقد حومت حول ما أريده لكنك لم تقع عليه لأنك اكتفيت بالجانب الأخلاقي ولم تنتقل إلى التحليل البرهاني للواقع، أو كما سماه "البرهان الوجودي". فكان ظهور ابن خلدون في زمنه – وتقدير الله أن الأشياء تظهر في توقيتات معينة – لأن هناك قاعدة حاكمة للبشرية من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة وهي أن "الحاجة أم الاختراع"، وأن المسلمين لم يقوموا بشيء لأن الشرع يطلبه منهم في إطار فراغ وإنما "احتاجوا فاشتغلوا". حدث هذا في الحديث، فعندما ظهرت الحاجة تطور علم الحديث ودوِّن بأشد درجات الضبط. وفي التفسير نفس الشيء.

فيما يتعلق بالفقه، لم يكن الموضوع إشكاليًّا، فعندما نذكر الفقه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل القرآن نجد أنه ليس الفقه الذي نتحدث عنه الآن، لفظ الفقه في القرآن والسنة هو كل علوم الدين ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، «اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين»، «ومن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، فلم يكن هناك كلمة الفقه بمعنى علم الأحكام الذي ينفصل عن علم العقيدة ويختلف عن علم السلوك أو الأخلاق. ولكن عندما كثرت المسائل، وهذه هي الحاجة، كان الصحابة يجاوبون عليها ثم تلاميذهم، ولم يحتاجوا إلى التدوين، وعندما ظهر جيل منتصف القرن الثاني الهجري، ظهرت مدونات صغيرة، وبدأت تكبر حين احتاجها الوافدون من بلاد أخرى، فبدأ تدوين كلام الإمام مالك أو غيره، وكان الإمام مالك نفسه يحتاج تدوين فقهه على شكل أدلته "الحديثية". وقد كتب أصحاب وتلاميذ أبو حنيفة – قبل الإمام مالك – كلمة كلمة قالها، ثم – والأعظم – أنهم كانوا يكتبون كلامهم هم، فكان أبو يوسف يكتب: قال صاحبي… وأنا أقول… وعندما جاء محمد بن الحسن كتب: قال صاحبي…، وأنا أقول…، ثم الحسن بن زياد وغيره كتبوا بهذا النفَس الحواري. وهكذا بدأ عندنا قصة "العلم المكتوب". ولكن أصل الحضارة الإسلامية في تسييرها للحياة لم يكن الفقه مكتوبًا؛ فالأمة لا تكتب ولا تحسب، فهذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، «نحن أمة أمية لا تقرأ ولا تحسب…». وحتى العالَم نفسه أمي، كم شخص في العالم يقرأ علومًا سياسية لكي يتكلم في السياسة؟ فالعلم الشفاهي غير الجانب الأكاديمي الذي نحصر به مقولة التنظير. هذا السياق يبين فاعلية العلم وأخذه وعطائه، ولمن يُنَظِّر وأيضًا بأي كيفية. وعند ظهور القوالب والمدارس أصبح التنظير فعلًا أكثر تخصصية وأصبح يأخذ المعنى الحالي، بخلاف النداءات الحركية مثل "حامد ربيع"، أو تحويل ذلك إلى خطاب أو إلى رسالة، ولذلك كان الفقهاء يكتبون كتبًا لبعضهم البعض، وكانوا يكتبون الرسائل؛ "فالسياسة الشرعية" هي رسالة ليست مكتوبة للفقهاء، ولكنها مكتوبة للثقافة، و"الأحكام السلطانية" رسالة كما كُتب في أولها "كتبت هذا لمن وجبت طاعته واشتغل بأمر السياسة ليعرف مذاهب الفقهاء فيما له فيستوفيه وما عليه فيوفيه". هذا غير كتاب "الحاوي" في الفقه للإمام الماوردي، الذي شرح فيه الفقه الشافعي. الشاهد أن هذا الفقه لم يكن هو المشكلة، ولكن المشكلة ظهرت في أواخر القرن الثاني الهجري وتم حلها سريعًا، وهي الاختلاف بين المذاهب بدون ضابط، فيرسل "عبد الرحمن بن مهدي" إلى الشافعي، ويقول له "اكتب لنا شيئًا يضبط هذا الاختلاف بين الناس"، ولا بد أن ندرس هذه النقطة: كيف كُتب هذا الذي خرجت منه القواعد الفقهية والنظريات والتنظيرات وهو كتاب "الرسالة"؟ بمعنى بأي قلم كتب الإمام الشافعي؟ بالعقيدة، باللغة، بفهم كبير لمعاني القرآن وكليات القرآن؟ كتب بها جميعًا، وصار هذا هو مجال التنظير؛ فمن يريد أن ينظر في الفقه لا يذهب إلى الفقه، ولكن لأصول الفقه، فمنه خرجت المقولات والنقاشات النظرية كما ذكرت د. أماني وأ. وليد.

من ثم فالحاضر الغائب في هذه الورقة هو أصول الفقه وليس الفقه؛ لأننا ننشئ ثنائية ما بين الجزئي والكلي، بينما الكلي موجود، وسوف نُقيم مقارنة بين ما آل إليه التنظير في العلوم الغربية وبين ما تم في أصول الفقه؟ ما هي الأسئلة التي أجاب عنها وما علاقتها بالتفسير؟ وكما ذكر د. هاني؛ فالتفسير لديهم كان تفسير نص، ولم يكونوا معنيين بتفسير الواقع، ولكن قدّموا تنظيرًا لتفسير النص، وكان تنظيرًا كبيرًا احترمه القدماء والمعاصرون والمسلمون وغير المسلمين. وهنا سؤال أ. تقى: هل اشتغلوا في الواقع؟ فكانت إجابة د. أماني: أن الأدباء في هذا العصر لم يكتبوا في النص، وإنما كانوا يكتبون في الواقع. فلو بدأنا من الجاحظ وابن المقفع وغيرهما كانوا يكتبون عن أحوال الناس، والمؤرخون كانت أعينهم على أحوال الناس والملوك والصناعات والصنائع والعلوم، حتى أنهم ينظرون لحركة العلوم، وهذه نقطة مهمة عند ابن خلدون، فقد جمّع كل هذا، فهو لم يكتب عن السياسة فقط، وإنما كتب الباب الأول في أحوال العالم والعلم، والباب الثاني عن أحوال العمران، والباب الثالث في السياسة، والباب الرابع في المعايش، والباب الخامس في الصنائع، والباب السادس في التربية. هذه هي مجالات الحضارة التي كانت موجودة، والطريقة التي كتب بها كانت هي الطريقة التي ظهرت الحاجة إليها فكتب بها. ومن أروع الأشياء في تاريخ الإسلام هي تلك القدرية العظيمة في اختلاف المسلمين في كل شيء لكن اجتماعهم على الدين. مثلًا عند جمع القرآن ورغم اختلافهم في كل شيء إلا إنهم لم يختلفوا فيه، فلم يرِد إلينا لا من مستشرق ولا من مستغرب أن هناك من عارض وقال إن عثمان رضي الله عنه دمّر القرآن. وهكذا فإن اختلافهم مع الاجتماع على الدين كان نوعًا من أنواع الدلالة على أن الدين مُجمَع عليه.

كتاب "الأصول" هو الذي تطور من هذا التأسيس الكلي للإمام الشافعي إلى التأسيس المبوب لمن جاءوا بعده إلى فكرة القواعد والأصول، وهذا تطور تنظيري، لكن بالنسبة للعلوم الاجتماعية فهي أُدمجت في كتاب الفقه أولًا ثم فُصلت مع الاتصال بكتب الفقه، وهذا مثل الماوردي وصولًا لابن تيمية، لكن لم يكن الفقيه وحده هو الذي يكتب؛ فالأديب كتب، والمؤرخ كتب، وكان المؤرخ سرديًّا وغير تمحيصي ولا يُستفاد مما كتبه إلا للمتعة العقلية والمعرفة غير الفعالة، حتى أتى ابن خلدون، ويجب أن يُقال مدرسة ابن خلدون، لأنه رُزق مباشرةً بتلاميذ ثم جيل ثم بهتت الدنيا حتى اختفت. ويظهر "الجبرتي" ويتأثر به "خير الدين التونسي" ثم تتجدد المدرسة من جديد حتى مدرسة المنظور الحضاري. وكان لابن خلدون تلميذ خطير هو "المقريزي" وهو إمبريقي في كتابه "إغاثة الامة بكشف الغمة" يبحث فيه ظاهرة المجاعات في تاريخ مصر، ويعد حوالي ست وعشرين مجاعة ويحلل المجاعة تحليلاً بمؤشرات: ماذا يحدث في النيل؟ ماذا يحدث في الزرع؟ ماذا يحدث في الأسعار? ماذا يحدث في سياسات النقد؟

الأمر الثاني هو علاقتنا بالغرب والحداثة، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر؛ فالمسلمون عندما اصطدموا بالحداثة تذبذبوا بين الشرق والغرب. أعجبني من توجه ناحية الشرق، حيث يبدو أن الغرب على مدار التاريخ به فيروس. مثلًا نجد "البيروني" في القرن ما بين الرابع والخامس الهجري، درس الهند، وبدأ يكتب عن الهنود، ووجد أن الحديث عن هذا المجتمع ليس علميًّا، فهو ليس قائمًا على مسموعات مباشرة أو على مشاهدات مباشرة ولا ترجمة كتبهم، فكأنه عالم اجتماعي أنثروبولوجي، فألّف كتاب "تحقيق مال الهندي من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، فتكلم فيه عن أنه لا يوجد طريق لمعرفة المجتمعات إلا المشاهدة، والملاحظة، وتمحيص الأخبار، وإعادة قراءة الخطابات، وإحسان ترجمة النصوص، وكانت النتائج مبهرة. أولًا توصل إلى أن هذا المجتمع المستبشع في عقائده له أصول توحيدية، وأن كثيرًا مما تُرجم عنها تُرجم مشوهًا، ومع ذلك لا تزال عقائدهم فاسدة، لكن فيها ما هو مشترك وفيها ما يمكن تأويله، واستخلص منهم الفلك، والجبر، وسماه بأسمائهم ثم طوّر ونمَّى. وفي هذه الأثناء كان يضع نظريات رياضية، والتي كان يوظفها لصالح حساب مواقيت الصلاة، ومواقيت الحج والصيام، ولحساب المواريث، إذن ما أود قوله أن التعامل العملي الأريحي مع الأمر هو الذي يليق بهذا المستوى التنظيري. ولو كانوا قد وضعوا نظريات فقهية فماذا ستكون نتائجها؟ فبعد 100 سنة من التنظير الفقهي الحديث ماذا نجد؟

بخصوص التنظير الغربي، أريد أن أنقل تجربتي، كنت أعمل في رسالة الدكتوراة وكان موضوعها في "القوة والمصلحة والأخلاق" وكانت الكلمة الجديدة هي الأخلاق. طرحت مفهوم الأخلاق في العلاقات الدولية فوجدت مجموعة رائعة من الكُتاب الذين راكموا في هذه المسألة، ولكنهم غير مشهورين، فمن الواضح أن التنظير الذي يصل إلينا ليس الجيد بالضرورة، بل هناك من الجيد ما يتم التعتيم عليه أو استبعاده. ومن خبرتي الأخيرة يبدو أن فكرة التنظير الكبيرة العميقة ينبغي أن نصلها بالواقع والتوظيف الغربي لكي نكتشف من أين يأتي هذا التنظير؟ وهل فعلًا هو من أجل أغراض خطيرة متعلقة بالحداثة والتنظير. ويجب أن نصلها أيضًا بالوضعية، فما بين التنظير والحداثة تأتي الوضعية والسلوكية، والسلوكية بالأخص، لأنها هي التي دمرت العقل الغربي بأن حصرته في أن ما تستطيع أن تقيسه هو فقط الذي يجب أن تدرسه، ومع ذلك فهي ما زالت رائجة؛ فالتنظير الرائج في الغرب غير التنظير الذي يشتمل على المعياري والوصفي، وليس كله بالضرورة تفسيريًّا، وهو جزء من الحداثة أو ما بعد حداثة، لكنه موجود، فلكي أقيِّم مشكلة مع التنظير بتعميمه، ينبغي أن أبصر التنوع في هذا التنظير.

عنصر أخير، الأمة ليست قائمة على الفقيه وحده وإن كان لا بد أن تستند للفقيه باستمرار لكن ليس هو من يفسر الواقعة. لن يكون في مقدرة الفقيه الذي يدرس كل المواد الفقهية - حتى بعد تطوير الأزهر الحديث – أن يفسر الشأن الاجتماعي والعلم الاجتماعي بثقل. فلا بد أن يلتقي علماء الاجتماع والسياسيون مع الأزهريين، من هنا تخرج نظرية أو أنصاف نظريات أو نقاشات نظرية، حتى تظهر النظريات التي تعيد توجيه المجتمع نحو دولة أفضل ومجتمع أكثر تماسكًا واقتصاد أكثر عدالة... إلخ.

في دراستي اكتشفت أنني أجهل ما يكتب إسلاميًّا في العلوم الاجتماعية، هناك إنتاج ضخم من ماليزيا حتى المغرب لكننا لا نطلع عليه. فهناك مثلًا دراسات قيمة في معالجة الأزمة المالية بقيم إسلامية وبمقاصد إسلامية، باللغتين العربية والإنجليزية، بها محاولة اشتباك مستصحب إسلاميته ومستصحب أدوات إسلامية فقهية وأصولية.

 

د/ هاني:

ذكرتني الأسئلة التي طرحها د. شريف ببعض الأطروحات الشبيهة السابقة التي قد عزمت على الاهتمام بها، مثل كتاب "ما لم يقُلْه الفقيه" للدكتورة أماني أبو الفضل، فقد طرحت بعض التساؤلات التي تعتقد أن الاجتهاد الفقهي المعاصر لا يستطيع الإجابة عنها، وهناك تجربة للدكتور علي جمعة في كتاب "أسئلة الأمريكان". وهناك كتاب "مائة سؤال عن الإسلام" للشيخ الغزالي، وكان للمستشار طارق البشري بعض المساحات التي أشار إليها لم يتم تغطيتها فقهيًّا بشكل كافٍ، منها أن طريقة عمل المؤسسات المعاصرة من الداخل تحتاج إلى إسهام فقهي رصين. وقد أشار د. شريف إلى نقطتين، نقطة تتعلق بضعف الأداء البيروقراطي وجنوح الموظفين إلى الرشوة والفساد، فقد تبلورت في ذهني فكرة من خلال هذا الخيط المتتابع من الأسئلة التي تطرح على العقل الفقهي المعاصر وهي أهمية عمل مسرد بهذه القضايا التي لم تُغط إلى الآن، وهذا المسرد يشتمل على مائة تساؤل وقضية من هذه القضايا، ثم يوجه الباحثين الشرعيين الجادين إلى الاشتباك مع هذه القضايا، بدلًا من تناول مسائل قُتلت بحثًا.

 

د/ شريف:

بخصوص موضوع العملات الإلكترونية، فإن الفتاوى تسير حيثما صارت الدولة؛ فالموضوع معقد جدًّا، فيجب إثارة المناقشات حول هذا الأمر، ويجب تجنب موقف أن طالما أن المصلحة العامة تقتضي فنقبل أو نرفض، فهذا ليس بالكافي. حتى على مستوى نقل المعرفة فنقل المعرفة بهذه الطريقة لا يُشبع، فنحن لدينا طلبة علم شرعي يحتاجون أن يؤسَسوا ويلهَموا هذا النَفَس الفقهي ليصبح لديهم فكرة الملَكَة، وهي لن تتأتى بذكر الحكم مباشرةً، أو التكييف بناء على مصلحة عامة مبهمة، هناك واقع يتغير. في النهاية النَفَس التفسيري مهم، رغم أن العقل الفقهي لديه نوع من الفهم لأن التفسيرات في النهاية لا يمكن أن تكون تفسيرات مكتملة، وأن هذا الجهد يعكس نوعًا من الاستعلاء المعرفي، الذي ربما يخالفه الواقع، ولكن فلنسمه اجتهادًا وليس تنظيرًا، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؛ فأين هي النظريات الإسلامية التي تشرح كيف بدأ الخلق، وأين النظريات البديلة؟ وأين الطرح الإسلامي المناظر لنظريات الانفجار الكبير أو الداروينية؟ رغم الأمر القرآني المباشر بالنظر في كيفية بدء الخلق؟

أتفق مع أخي مدحت في أن الموضوع يحتاج أريحية في التعامل مع الحداثة، لكن المشكلة في الحداثة أن ميراثها كله يتمخض عن نفي الإنسان، وتجريده من المعنى بشكل أو بآخر. هي بدأت بالنهضة، وهي حالة الاستفاقة كإنسان استيقظ وقرر العودة لاستئناف دوره الحضاري، وبعد ذلك مارس الإصلاح الديني ليحطم المؤسسات التي كانت تعوق هذه الحالة التحررية، ويقاوم الاستيلاب الذي أوقعته فيه الكنيسة، بعد ذلك التنوير الذي أُعيد فيه العقل إلى مكانته التي يستحقها، وبعدها دخلنا طور الثورة الصناعية التي أبدلت الأنساق المعرفية تمامًا، وأصبح الإنسان يفكر بأنساق قريبة من أنساق الآلات، ثم لُخص هذا في اسم الحداثة التي أصبحت في النهاية تعتذر عن دراسة الإنسان لغياب الأدوات الكافية لدراسته، ولكنها في النهاية تقوم بتحليله، كما فعلت السلوكية؛ فالسلوكية بدأت بطرح لطيف ومهذب، فنحن ليس لدينا الأدوات الكافية لدراسة النفس ولكن نستطيع أن ندرس السلوك، وبعدها قالوا لا توجد نفس، وكل ما لدينا هو السلوك، وكذلك في مجالات أخرى، دائمًا يتم تحييد الحقيقي والمعنى والمتجاوز والجوهر، والاستعاضة عنه بالعرض؛ فالحداثة نحاسبها في إطار ما نعرفه عنها.

النظريات، وهل لا بد أن تكون نظريات أبدية؟ فقد أشرنا إلى أن النظرية بطبيعة الحال هي مرحلية، والنظريات لا توضع لكي تكون موجودة الآن وإلى الأبد، ولكنها بطبيعة الحال لا تصرح بذلك. فالنظرية تشبه عقد الزواج، يمكن أن ينتهي، ولكن إذا نُص على توقيته في أثناء عقده يفسد. فالنظرية لا تُصرّح في البداية أنها سوف تكون نظرية مرحلية، هي تُطرح على أنها نوع من الزواج سيستمر، ولا يُنص على أنها سوف تنتهي صلاحيتها بعد فترة من الفترات، ولكن يمكن أن تنتهي صلاحيتها كما يمكن أن ينتهي الزواج. ومن ثم إذا أردنا أن نفكر في التنظير الفقهي، فلن يكون من حسن السياسة أن نقول مسبقًا أن هذه النظريات مؤقتة وسوف تنتهي؛ لأن الناقد سوف يأتي في أي لحظة ويقول حان أوان انتهاء نظريتك فهي لم تعُد صالحة، ومن ثم يطالب بسحبها من نطاق التفسير.

فيما يتعلق بأن تكون النظرية متعددة المنظور، بمعنى أنها تستوعب المقولة التفسيرية التي تنطق بها وتستوعب مقولات تفسيرية أخرى، هذا يمكن أن يفرغ التنظير من معناه؛ لأن التنظير بطبيعته لا بد أن يراعي عنصر التبسيط. فهناك مقطع فيديو شهير عن "جون ميرشايمر"، وهو أحد كبار منظري العلاقات الدولية في العالم، وُجِه إليه سؤال: "ربما ما يحدث الآن في غزة يجعلكم تعيدون النظر في النظرية الواقعية، فنحن الآن أمام حالة صريحة تقوم فيها دولة بسلوك سياسة خارجية ليست مبنية على أساس من المصالح الدولية الصريحة، فأمريكا قد ورطت نفسها فيما لا تريده بسبب الدعم المطلق الذي تقدمه لإسرائيل؟"، فوافق "شايمر"، ولكنه اعترض على أن هذا ربما يمثل مدخلًا لإعادة النظر في مقولاته الواقعية، وقال: "إن الواقعية كأي نظرية أخرى لم تطرح لكي تكون نظرية تستوعب الواقع بنسبة 100%، ولكنها سوف تفسر نسبة وتفقد قابليتها التفسيرية في نسبة أخرى". ولا ينبغي أن يستدعي هذا من الواقعيين أن يعيدوا تطوير نظريتهم، لأن إعادة تطوير النظرية على نحو مستمر وفقًا "لشامير" يخرجها عن العمل. وهو نفس ما كان قد قاله "صامويل هنتنجتون" عندما كان يناقش فكرة التنظير في مجال العلوم الاجتماعية، وكان يناقش هذه الجدلية، فكرة أن النظرية طوال الوقت يُنظر إليها على أنها الساعة التي تدل على التوقيت السليم في اليوم لمدة مرتين فقط، لأنها ساعة متوقفة عن العمل، بمعنى أنها تطرح مقولة، والمقولة هذه يجب أن تكون صالحة لكي تفسر أوضاع الواقع، ولكنها في الحقيقة لا تستطيع أن تستوعب كل تفاصيل الواقع.

من هنا نستنتج، أن الأمر يستدعي أن يكون الإنتاج الفقهي إنتاجًا اجتهاديًّا وليس تنظيريًّا كليًّا، بالمعنى الذي تناقشنا حوله، وألا نخجل من فكرة الكلية، وأن ينتقل الشغف من معنى النظريات إلى معنى المقولات التي يمكن البرهنة عليها أو يمكن الرهان عليها؛ لأن النظرية لا تستطيع أن تستوعب الواقع وكل الاستدراكات التي تحيط به؛ لأنه مليء بالاستدراكات في حقيقة الأمر. لكن هذا لا يقدح في فكرة بلورة المنظور؛ لأن المنظور لا يقدم مقولات تفسيرية محددة بالمعنى الذي تأتي به النظريات فهو توجيهي أكثر، فهو يعبر عن طريقة لرؤية الواقع الكلية، ولكنه لا يلتفت إلى كل تفصيلة فيرسم ملامحها. وكان "صامويل هنتنجتون" يقول: "إننا إذا فسرنا السلوك الاقتصادي على أنه ينبع من رغبة الفرد في تحقيق المنفعة الاقتصادية، فلو رأى البعض أن ربما هناك عوامل أخرى تتحكم في السلوك الاقتصادي لدى الأفراد مثل الإيثار أو الكرم أو الطمع، فيقول فإذا قال مطورو النظرية الاقتصادية إن معنى المنفعة يتسع لكي يشمل كل هذه العوامل، فهذا يسقط النظرية تمامًا؛ لأنها لا تصبح بعد ذلك كيانًا فكريًّا قادرًا على تفسير الواقع والتنبؤ بالسلوك أو توجيه السياسات على النحو الذي ينبغي أن تقوم به النظريات".

 

د/ أماني:

وهذا يعني أنه ممكن للنظرية ألا تُقدح، ولكن تولِّد نظرية أخرى، وهذا ينطبق على النظريات التي نشأت أو نمت في إطار أصول الفقه. بمعنى مثلًا أن المقاصد ليست كل شيء، ولكن قد توجد بجوارها أشياء، العلل شيء وبعدها هناك مقاصد وبعدها قد توجد أشياء وهكذا.

 

د/ شريف:

ولذلك احتفى "وائل حلاق" بالتنوع الفقهي وبالحالة الفقهية التي تتضمن طوال الوقت تلاقحًا مستمرًا مع الواقع. وقد احتفى بحالة التجدد الفقهي الذي كان النقاد الحَدَاثيون أو المستشرقون ينظرون إليه بنوع من الازدراء؛ لأنهم يرون أننا غير قادرين على أن نصل إلى حالة من النضج الفقهي، ولن تستطيعوا أن تسبكوا من كل هذا الشتات مقولات قانونية وعقوبات رادعة وأنظمة محددة يستطيع الشخص البيروقراطي الذي يجلس في موقع القانوني أو القاضي أن يحكم بها. هذا لأن الحداثة في النهاية تقوم على تقسيم العمل؛ فهناك شخص وظيفته قاض، والقاضي لا يشترط فيه أن يكون مجتهدًا أو ذا عقل لكل يستطيع أن يستخرج من المذاهب الفقهية، هو يحتاج مدونة ينظر فيها الحالة بحالتها؛ فالحداثة يناسبها القانون في إطار تقسيمها للعمل. كأن القاضي بهذا المعنى هو شخص يجلس على خط إنتاج؛ فالعامل العادي يُنتج جزءًا لا يستطيع أن يتصور علاقته بالمنتج النهائي، فكأن القاضي أيضًا في إطار المنظومة الحَدَثية ينطق بحكم ولا يستطيع بالضرورة أن يسكِّنه في إطار منظومة العدالة، كما يفترض في الفقيه المجتهد.. وجزاكم الله خيرًا.

 

د/ مدحت: نشكر جميع الحضور ونختتم اللقاء.

 

رابط الدراسة: تساؤلات حول علاقة الفقه والتنظير ضمن ثنائية الواحدية والتنوع (هنا)

 

 

قراءة في الرؤية الإصلاحية والمشروع المعرفي:

مع انتصاف القرن العشرين بدا واضحًا أن مشروع النهضة والإصلاح الإسلامي الذي تأسس في القرن التاسع عشر بات على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة عبّرت عنها متغيرات عديدة من قبيل: حرب فلسطين (1948م)، ورحيل الاستعمار التقليدي، والإخفاقات المتوالية لمشروع الدولة الوطنية. ولم يكن الوضع على الصعيد الفكري أفضل حالًا، إذ كان نهج الدولة قائمًا على اقتباس المناهج والنظريات والأفكار الغربية وتطبيقها بشكل قسري ودفعة واحدة على النظام التعليمي ووسائل الإعلام ومنابر التثقيف بدعوى أن الاقتباس سيأتي بنتائج مماثلة لنظيرتها الأوروبية، وهو ما أوجد قلقًا عميقًا وجدلًا حول الهوية التي بدت معرّضة للخطر بفعل عمليات التغريب الممنهجة التي مارستها الدولة.

كان من المنطقي أن تترك تلك المتغيرات آثارها العميقة على مشروع الإصلاح الذي بلغ ذروة نضجه واكتماله في مطلع القرن بفضل اجتهادات عبد الرحمن الكواكبي (ت1902م)، والشيخ محمد عبده (ت 1905م)، ورشيد رضا (ت 1935م)، حيث دخل المشروع منعطفًا جديدًا بالتساوق مع هذه المتغيرات حين شرع في مراجعة أهم مقولاته، وهي إمكان بلوغ النهضة عبر اقتباس النظم والأفكار الغربية وإضفاء الطابع الإسلامي عليها. وأسفرت المراجعة عن بروز فكرة مضادة وهي أن الأفكار الغربية هي نتاج حضارة مادية، وأنها تستبطن خصائص تتعارض مع الرؤية الإسلامية التي تصبح مهددة في عُقر دارها إذا تمّ اقتباس الأفكار الغربية، وعليه فليس هناك من سبيل لبلوغ النهضة إلا الاجتهاد في سبيل إيجاد بديل لها من داخل المنظومة الإسلامية، وهو ما بات يُعرف باسم “الأسلمة”.

وعلى هذا، فإنه يمكننا القول إنه بينما كانت مهمة بعض الإصلاحيين المتقدمين القيام بعملية تقريب المنتج الحضاري الغربي (أفكار، نظم، أدوات) إلى الواقع الإسلامي؛ فإن مهمة إصلاحيي النصف الثاني من القرن العشرين تركزت حول التأكيد على تميز الأفكار الإسلامية وإيجاد البديل الإسلامي للمنتج الحضاري الغربي أي أسلمة المعارف والتقنيات الغربية.

ومن المتغيرات الأخرى التي يمكن رصدها على مشروع الإصلاح التفاوت الكبير في تشخيص الأزمة واقتراح الحلول؛ إذ بينما التفت بعض الإصلاحيين الأوائل إلى الإصلاح السياسي بكثير من الاهتمام وعولوا على دور الدولة في الإصلاح؛ فإن معظم الإصلاحيين المتأخرين -وبخاصة مع إخفاق مشروع الدولة الوطنية- قد شخّصوا أزمة الأمة باعتبارها أزمة فكرية[1] ومن ثم نظروا للمدخل المعرفي باعتباره سبيل الإصلاح.

من جهة أخرى، فإننا نلاحظ أن نسبة يُعتدُّ بها من إصلاحيي النصف الثاني من القرن العشرين هم ممن يصح أن نُطلق عليهم وصف “إصلاحيي الخارج”، إذ تهيأت للعديد منهم سُبُل التعليم والإقامة في الغرب، وهو ما يُعني أن المكوّن الفكري لديهم لم يكن إسلاميًا خالصًا وإنما هو مكوّن غربي تمّ مزجه ببعض التأثيرات الثقافية الإسلامية، وهذا بخلاف الإصلاحيين الأوائل الذين كانت ثقافاتهم إسلامية بالأساس إذ هم لم يعايشوا أو يتعرفوا على الثقافة الغربية عن كثب[2]، ومن ثَمَّ انطلقوا في مسعاهم للتجديد من الأرضية الإسلامية التقليدية.

وأخيرًا، فإن أحد المتغيرات الهامة التي يمكن رصدها على مشروع الإصلاح في النصف الثاني من القرن العشرين هو في انتقاله من الطابع الفردي[3] إلى الطابع المؤسسي والذي يجسده مشروعات مثل “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” و”جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية” و”الجامعة الإسلامية العالمية” في ماليزيا، وذلك مع غياب المفكرين الكبار من وزن جمال الدين الأفغاني (ت 1897م) والشيخ محمد عبده (ت 1905).

ويُعد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي (1921-1986م) خير ممثل لمفكري تلك المرحلة الهامة من مراحل المشروع النهضوي.

أولًا: السيرة والإنتاج المعرفي:

وُلِد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام (1921م) لإحدى الأسر الفلسطينية العريقة والثرية. عمِل والده قاضيًا شرعيًا ورغم ذلك فقد فضّل أن يتلقى ابنه تعليما مدنيًا حديثًا على عادة بعض الأسر الفلسطينية الثرية؛ فألحقه بمدرسة الفرير الدومينيكان الفرنسية (سان جوزيف) التي حصل منها على الشهادة الثانوية عام (1936م)، ومنها التحق بكلية “الآداب والعلوم” بالجامعة الأمريكية ببيروت حيث حصل على بكالوريوس الفلسفة عام (1941م). وعقب تخرجه اشتغل ببعض الأعمال الحكومية في ظل حكومة الانتداب البريطاني. ومع اندلاع القتال في فلسطين عام (1948م) شارك في بعض العمليات الجهادية إلا أنه غادر إلى الولايات المتحدة مع انتهاء الحرب وتأسيس الدولة اليهودية[4].

فور وصوله إلى الولايات المتحدة تابع إسماعيل الفاروقي تحصيله العلمي حيث حصل على درجتي ماجستير في الفلسفة عامي (1949، 1951م)، ثم حصل على درجة الدكتوراه من جامعة إنديانا عام (1952م) عن رسالته المعنونة “نظرية الخير: الجوانب الميتافيزيقية والإبستمولوجية للقيم”.

وعلى الرغم من حصوله على أعلى الدرجات العلمية فقد استشعر الفاروقي نقصًا في تكوينه المعرفي بسبب اقتصاره –حتى ذلك الحين- على الاطلاع والتعمق في الثقافة والفكر الغربي، حيث نهل من رافد معرفي وحيد هو الرافد الغربي، لذلك قرر الإقبال على الدراسات الإسلامية حتى يستكمل تكوينه العلمي؛ فتوجه إلى القاهرة وأمضى بها نحو الأربعة أعوام تفرغ خلالها لدراسة العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية في الأزهر الشريف، وقد برهن على عميق فهمه وتمثله للتراث المعرفي الإسلامي حين وقع اختياره على ابن تيمية (728 هـ) ليكون مرجعيته فيما استشكل عليه من أمور فكرية، وبخاصة ما يطرحه عليه المستشرقون في الغرب بشأن الإسلام، وفي هذا الصدد يقول الفاروقي: “يظُنُ بعض الناس أن أفكاري من صنعي ولكن كلما استشكل علىّ أمر أجدُ جوابه عند شيخ الإسلام ابن تيمية”[5].

وإلى جانب هذه التأثيرات الإسلامية تعرّض الدكتور الفاروقي خلال إقامته بالقاهرة لبعض التأثيرات الناصرية حين آمن لبعض الوقت بفكرة العروبة التي رأى أنها ذات جذور إسلامية من حيث إن العرب كان لهم بعض الفضل بسبب قيامهم بالدور الأكبر في تبليغ الدين الخاتم، وذلك بخلاف مفهوم القومية الذي هو نتاج تجربة حضارية غربية لا يمكن تعميمها عالميًا. إلا أن تعثر مشروع جمال عبد الناصر القومي والإخفاق السياسي الذي مُني به في حرب يونيو (1967م) جعل الفاروقي يتوجه نحو الإسلام حتى إنه لم يعُد يذكر العروبة في كتاباته.

مع اكتمال التكوين المعرفي ارتحل الدكتور إسماعيل الفاروقي مجددًا إلى الولايات المتحدة حيث اشتغل منذ أواخر الخمسينيات أستاذًا لفلسفة الأديان في عدد من الجامعات الأمريكية والغربية، وله مؤلفات متميزة في هذا المجال، فقد صدر له باللغة العربية “الملل اليهودية المعاصرة”، كما أن له عددًا من المؤلفات باللغة الإنجليزية ولم يتم تعريبها، نذكر منها: Historical Atlas of the Religions of the World الأطلس التاريخي لديانات العالم، The Great Asian Religions أديان آسيا الكبرى، Christian Ethics الأخلاق المسيحية. وقريب من هذا كتاباته عن اليهود والظاهرة الصهيونية من مثل (أصول الصهيونية في الدين اليهودي) و(Islam and The Problem of Israel) الإسلام ومشكلة إسرائيل، وهي مؤلفات امتدحها المفكر عبد الوهاب المسيري في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية) بوصفها استطاعت أن تتجاوز السياسي وصولًا إلى المعرفي في فهم الظواهر المرتبطة باليهود.

أما بقية إنتاجه المعرفي فهو يدور حول الحضارة الإسلامية التي خصها الفاروقي بمؤلف ضخم أسماه “أطلس الحضارة الإسلامية” والذي نُقل إلى العربية بعد رحيله، وقد حاول من خلاله أن يعرّف بجوهر الحضارة الإسلامية وخصائصها المميزة وأن يؤكد على دور التوحيد في تشكيل جميع جوانبها حتى المادية منها، ولا ننسى في هذا المقام كتابه الأكثر أهمية، والذي نشره بالإنجليزية تحت عنوان (Al Tawhid; Its Implications for Thought and Life) التوحيد وآثاره في الفكر والحياة. كما أن للفاروقي عددًا من البحوث حول (إسلامية المعرفة) الذي يُعد بحق المُنظّر الأول لها، وبعضها تمت ترجمته ونُشرت من خلال المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودورية (المسلم المعاصر). وللفاروقي مجموعة مهمة جدًا من البحوث والدراسات المنشورة باللغة الإنجليزية حررها ونشرها بعد وفاته عطاء الله صديقي تحت عنوان: (Islam and Other Faiths) الإسلام والعقائد الأخرى، هذا فضلًا عن بعض ترجماته إلى اللغة الإنجليزية مثل ترجمته لكتاب (حياة محمد) لمحمد حسين هيكل.

كانت للدكتور الفاروقي نشاطات واسعة خلال إقامته في الولايات المتحدة عبّر من خلالها عن تواصله مع قضايا العالم الإسلامي وبخاصة المعرفية منها، وبرهن على أن الارتحال عن الوطن لا يعني انفصالًا وانقطاعًا عن متابعة قضاياه والعمل لأجلها، وفي هذا الصدد نذكر أنه قد أسس مع مجموعة من أعضاء اتحاد الطلاب المسلمين “جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين” عام (1972م) وتولى رئاستها منذ تأسيسها وحتى عام (1978م)، ومن خلال الجمعية ونقاشاتها تبلورت لديه رؤية محددة حول “إسلامية المعرفة” وهي الفكرة الأم التي تأسس حولها “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” في الولايات المتحدة عام (1981م).

ثانيًا: معالم الرؤية الإصلاحية:

1) مراجعة مشروعات النهضة:

اعتبر الفاروقي حركات الإصلاح أحد المعالم المميزة للتاريخ الإسلامي حتى إنه لا يكاد يخلو منها إقليم أو منطقة حضارية إسلامية على الرغم من الاختلافات الواضحة فيما بينها. وبحسب الفاروقي فإنّ أُسس الإصلاحية الإسلامية تمّ إرساؤها على يد شيخ الإسلام ابن تيمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين؛ ومنذ ذلك الحين أصبح ابن تيمية المُلهم والمُرشد لكثير من حركات الإصلاح ولاسيما ذات النهج السلفي منها. وحسب الفاروقي فإن ما يجعل من تراث ابن تيمية الإصلاحي حيًا باقيًا كونه صاحب رؤية متجاوزة لزمانها، وأن اجتهاده لم يكن محصورًا داخل مجال بعينه؛ فإلى جوار المجال الديني برز اجتهاده في المجالات الثقافية والاجتماعية، بل وحتى العسكرية، حيث استطاع بمجهوده الخاص أن يساهم في إثارة المشاعر والقوى الإسلامية وتعبئتها في مواجهة التتار ووضع نهاية لتقدمهم في العالم العربي.

وفيما يتعلق بالحركات الإصلاحية الحديثة فقد لجأ الفاروقي إلى وضع معايير حتى يمكن الاحتكام إليها عند مناقشة دورها وتقييم أثرها في الواقع الإسلامي المعاصر، ذلك أن كثرة الحركات وتنوعها واختلاف مناهجها جعل هناك ضرورة علمية للقيام بذلك.

أولى هذه المعايير التي اقترحها الدكتور الفاروقي هو موقف الحركة الإصلاحية من التعليم، وإلى أي مدى قامت بالدعوة إلى تضمين الإسلام باعتباره نظامًا عقائديًا وخُلقيًا وممارسة واقعية في المؤسسات التعليمية على كافة مستوياتها؟

أما المعيار الثاني فيتعلق بمدى نجاح الحركة في التعرف على العلل التي تواجه الأمة وما هي رؤيتها لكيفية مواجهتها. على حين يرتبط المعيار الثالث بمدى نجاح الحركة الإصلاحية في التعبير عن عالمية الإسلام وعدم خصوصيته للمسلمين، وإعلان أنه بُعث لأجل إشباع الحاجات المادية والروحية للأفراد والمجتمعات على حدٍ سواء.

ومن خلال تطبيقه لهذه المعايير الثلاثة على الحركات الإصلاحية الحديثة – جميع الحركات التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين عدا الحركة السلفية الوهابية- استنتج الفاروقي أن هذه الحركات تُعاني من مشكلات متعددة تتعلق بالتصور والممارسة معًا، وقد أجملها على النحو التالي:

أ- الاقتباس عن الغرب: لقد كان تصور بعض الحركات الإصلاحية قائمًا على إمكانية اقتباس أفكار الغرب ومنتجاته لتحقيق النهضة. ولا يتردد الفاروقي في إبداء أسفه تجاه هذه الفكرة قائلًا لقد “قامت الحركات الإصلاحية والتحريرية في كل أنحاء العالم الإسلامي، ولكن رغم ذلك كان – للأسف- نهج معظم هذه الحركات في غالب الأحيان وتصورها لقضايا الإصلاح تصورًا ونهجًا غربيين، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون نصيب تلك الحركات هو الفشل الذريع والإخفاق الشديد؛ لأن من البديهي أن ما يصلح للغرب من فكر وعقائد لا يصلح لأمة قدر الله لها أن يُبنى كيانها ويرتبط مصيرها وشأنها بكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام” [6]، ويفترض الفاروقي أنه ينبغي على الحركات الإصلاحية إن أرادت بلوغ النهضة أن تُدرِك أن الأمة الإسلامية هي أمة رسالة لن يصلح آخرها إلا بما صلُح به أولها، وهذا يعني ضمن ما يعنيه العودة إلى الاستقاء بشكل مباشر من النصوص الإسلامية التأسيسية من قرآن وسنة، ومهمة الحركات الإصلاحية الحقيقية تتحدد في “معرفة معالم السبيل إلى تمثُل كتاب الله وسنة رسوله ونقلهما من عالم القيم والتوجيه والمثال إلى عالم الواقع والحركة والتطبيق العملي”[7].

ب- النظرة الجزئية: ليس هناك من حركة إصلاحية -كما يذهب الفاروقي- تميزت بشمولية الرؤية واتساعها. والأدلة على ذلك أكثر من أن تُحصى؛ فالحركة الوهابية تفوقت في تأكيد مبدأ التوحيد، والحركة السنوسية برزت في مجال تطبيق المبادئ الإسلامية وإدراجها ضمن ممارسات الحياة اليومية، على حين أبلت الحركة المحمدية في اندونيسيا بلاءً حسنًا في مضمار التعليم والتعامل مع المعطيات العصرية “ولكن الإنجاز الإجمالي لجميع الحركات يُعد جزئيًا ولم تصل أي منها- بل حتى لم تحاول- التعبئة العامة من أجل التحويل الجذري للمجتمع”[8].

ج- تضييق باب الاجتهاد: لا ينكر الفاروقي أن بعض الدعوات الإصلاحية – وبخاصة التي أطلقها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده – قد بادرت بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، إلا أن الدعوة على استنارتها أخفقت لكون المؤهلات التقليدية التي يجبُ توفرها في المجتهدين بقيت على حالها[9]، وبذلك تم حصر صفة الاجتهاد في الأئمة التقليديين من خريجي المدارس التقليدية، وهؤلاء لم تتوفر في مناهجهم أدوات الاجتهاد ولا يؤمنون بوجود حاجة إليه؛ إذ يعتقدون بأن مشكلات العالم الإسلامي – على اختلافها- يمكن ردها إلى ضعف الإيمان الذي اعترى البعض، وعدم تطبيق الشريعة. يضاف لهذا استمرار التصور التقليدي بأنّ المجتهد ليس سوى الفقيه، وهو ما ترتب عليه أن أصبحت قضايا الإسلام تُختزل في كيفية ترجمة المشكلات والقضايا إلى صياغات فقهية قانونية، واختُزل معه مفهوم الاجتهاد إلى حدِه الأدنى وبات محصورًا في أعمال الإفتاء وإصدار الأحكام على أفعال المسلمين في حياتهم اليومية.

د- الفُرقة والمحلية: عانت الحركات الإصلاحية من الفُرقة؛ فما من حركة إلا واختلف أصحابها وظهرت فيما بينهم بذور الشقاق، وإلى جانب الفُرقة تلوح آفة المحلية فليس هناك حركة إصلاحية قد امتدت فيما وراء حدودها الجغرافية وضمت مسلمين مختلفين عرقيًا ولغويًا وثقافيًا، وتلك ظاهرة ينبغي على الحركات الإصلاحية أن تعمل على تلافيها في المستقبل.

على ضوء هذه التقييمات والمآخذ حول مسيرة الحركة الإصلاحية يبدو مفهوما لِم اختار الفاروقي ابن تيمية دون غيره ليكون مرجعيته الفكرية، ولماذا يغدو وصل ما انقطع من التراث وإحياء الصلة معه إحدى الغايات الكبرى لإسلامية المعرفة، المشروع الفكري الأهم في حياة الدكتور الفاروقي.

2) إسلامية المعرفة:

كان لتعثر جهود الإصلاح أثره الكبير على الفاروقي وأترابه من الدارسين المسلمين في الغرب، الذين استطاعوا بحكم إقامتهم في الغرب أن يدركوا حالة التراجع الإسلامي من جهة ومدى التناقض بين التصورات الغربية الوضعية عن المعرفة وبين مثيلاتها الإسلامية من جهة ثانية. وحسب هؤلاء فإن أيًا من المصلحين السابقين لم يستطع أن يقف على هذا التناقض “إن جيلنا هو الذي اكتشف هذا التناقض عندما عاشه في حياته الفكرية، على أن العذاب النفسي الذي ولدّه هذا التناقض فينا جعلنا نستيقظ مرعوبين ومُدركين تمامًا ما تتعرض له الروح الإسلامية من انتهاك في جامعات العالم الإسلامي. ولهذا فنحن نُنبه العالم الإسلامي إلى هذا الشر، ونسعى ولأول مرة في التاريخ إلى تطوير خطة توقف سريانه وانتشاره، وتتصدى لنتائجه، وتُعيد التعليم الإسلامي إلى نهجه القويم”[10].

كانت تلك هي الأجواء التي تم خلالها إنشاء “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” بواشنطن عام (1981م) الذي ترأسه الدكتور الفاروقي منذ إنشائه وحتى وفاته عام (1986م)، وذهب مؤسسو المعهد إلى أن الأزمة التي تُعاني منها الأمة هي أزمة فكرية، وأن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما هي إلا تجليات لهذه الأزمة الأم. وقد قدم هؤلاء رؤية يمكن وصفها بالمتفردة حيث وقفت موقف النقد من المعرفة الغربية للمرة الأولى – عربيًا على الأقل[11]– كما أنها تبنت استراتيجية أو خطة مقترحة للعمل عرفت باسم (إسلامية المعرفة) وهكذا اجتمع في هذه الرؤية النقد والتقويض جنبًا إلى جنب مع البناء والتأسيس.

يُعد الفاروقي من أوائل من اشتغلوا على تمحيص الأسس الفلسفية التي تأسست عليها المعرفة الغربية ومقارنتها بالأسس الإسلامية، وخلص من خلال المقارنة إلى أن هناك اختلافات لا مجال لإنكارها تجعل من التسليم الإسلامي المطلق للمعرفة الغربية أمرًا مُتعذرًا، وهذه الاختلافات هي: الاعتقاد بأن الغيب لا يُمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة، وأن العلم هو ما يتعلق فقط بالحقائق الموضوعية التي ترصدها الحواس، وأنه يخلو من أي موجهات أخلاقية أو قيمية، وأن غايته القصوى إشباع الحاجات المادية لبني البشر وتحقيق سعادتهم دون أن يُعنى بالارتقاء بهم.

وعلى النقيض من هذا تقف المعرفة الإسلامية التي تتأسس –حسب الفاروقي- على مبدأ “وحدة الحقيقة” الذي يُعني أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر المعرفة، وأن وحيه الإلهي قد تضمن إلى جوار صفاته عز وجل (الحقيقة المطلقة العليا) بعض الإشارات الكونية (الحقائق الموضوعية)، وأنه ليس ثمة تعارض بين الوحي من جانب وبين العقل والعلم من جانب آخر؛ فالعقل هبة من الله للإنسان وتقع على عاتقه مهمة مزدوجة هي استيعاب الوحي واكتشاف الأسباب والسنن الكونية. ويذهب الفاروقي إلى أن هناك ما يحول بين العلم الإسلامي وبين الانزلاق إلى ما انزلق إليه العلم الغربي من إنكار لوجود الإله ومن نهب للطبيعة وإعلان للسيطرة عليها؛ ذلك أنه يعمل في إطار من القيم والأخلاق المستمدة من الوحي مصدر العلم والمعرفة؛ ونظرًا لأخلاقيته فهو يرتبط بالجماعة والأمة، إذ الأخلاق هي مجموعة ضوابط تنظم علاقة الفرد بالمجموع العام، ولا يمكن أن يكون مجال تطبيقها الدائرة الفردية وحسب.

من ناحية أخرى أولت خطة إسلامية المعرفة –التي حدد ملامحها الدكتور الفاروقي[12] – اهتمامًا ملحوظًا بالتعليم الأوليّ حين دعت إلى إعادة تأسيس النظام التعليمي الراهن على نحو يكفل القضاء على الازدواجية التي تقسمه إلى نظامين، أحدهما إسلامي والآخر علماني، واعتماد نظام موحد يحل محلهما يضُم العلوم الحديثة إلى جانب مبادئ العلوم الشرعية، فالإسلام يمقت تقسيم الناس إلى طبقتين طبقة عامة الناس وطبقة العلماء الشرعيين؛ فالناس سواسية في اكتساب المعرفة الحديثة وفي التعرف على مبادئ دينهم. ويتميز هذا النظام الجديد بأنه يجعل من دراسة الحضارة أمرًا إلزاميًا في كافة المراحل التعليمية لأنها وحدها الكفيلة بغرس روح الانتماء في نفس الدارس وتعريفه بتاريخه وجوهر حضارة أمته على نحو يجعله في منأى عن التأثر السلبي بالأفكار الوافدة.

كذلك طرحت إسلامية المعرفة تصورًا للعملية المعرفية مفترضة أن إنتاج معرفة إسلامية يقتضي أمرين:

الأول، الاطلاع الواسع على المنتج المعرفي الغربي، ومنهجيات البحث العلمي، والانتقادات الموجهة إلى المعرفة الغربية من جانب المفكرين الغربيين[13]، وهذا الاطلاع العميق يعني لدى الفاروقي وقوفًا من الباحث المسلم على آخر التطورات العلمية، ومعرفة ما الإضافات التي يمكن تقديمها إليها.

والثاني، أن يكون الباحث متمكنًا من التراث، ومن هنا نبتت فكرة الدعوة إلى تيسير التراث. وقد اقترح الفاروقي إجراءات عملية في سبيل تيسيره من قبيل القيام بتبويبه وتصنيفه وفقًا لتقسيمات العلوم الاجتماعية وأقسامها، والتعريف بمصطلحاته بلغة يسيرة ومفهومة، ونشر بعض الكتب التراثية الهامة مع تقديم شروح لها. ويبين الفاروقي أن الغاية من وراء الاهتمام بالتراث أن يصبح بمقدور الباحث المسلم أن يجيب على أسئلة ثلاث: ما هي مساهمة التراث الإسلامي في القضايا التي تثيرها العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ وأين يتفق ويختلف معها؟ وكيف يمكن أن يُسهم في تصحيح وتقويم مسار المعرفة الإنسانية والاجتماعية المعاصرة؟

إن الإحاطة بهذه التساؤلات وتقديم الإجابات عليها لن يتحقق إلا إذا سبقها فهم واستيعاب كامل لطبيعة هذا التراث وتقدير لجوانب القوة والضعف فيه، وتلك نقطة يشدد عليها الدكتور الفاروقي حين يذهب إلى القول بأن التراث ليس نسخة من الوحي لكنه يشتمل عليه كنقطة انطلاق تأسست عليها مجمل الثقافة والمعارف الإسلامية، وإذا كان الوحي غير قابل للنقد فليس كذلك فهم المسلمين له ولا مجمل المعرفة الإنسانية الناتجة عنه، ومن هنا ينبغي إعمال النقد بحق التراث؛ فإذا وجد أنه غير ملائم أو جانبه الصواب فينبغي أن تتوجه الجهود لتصحيحه، أما إذا كان ملائمًا لاحتياجات الواقع فلنعمل على الاستفادة منه وصقله وبلورته والإضافة إليه.

3) الإسلام والأديان الأخرى:

قدّم الدكتور الفاروقي إسهامًا متميزًا في سبيل إيضاح موقف الإسلام من الأديان الأخرى وذلك بحكم تخصصه في فلسفة الأديان، وهو ينطلق من إقرار الإسلام بأن ظاهرة النبوة ظاهرة شاملة ومتكررة، وأنها حدثت على امتداد الزمان والمكان، وأن الله سبحانه وتعالى لن يُحاسب البشر حتى يبعث فيهم نبيًا. والأنبياء منهم من ورد ذكره في الكتب السماوية ومنهم مَنْ لم يرِد، ولكن يمكن لنا التعرف عليهم عن طريق مضمون رسالتهم؛ فجوهر دعوة الأنبياء جميعًا التوجه إلى الله وحده بالعبادة، وفعل الخيرات واجتناب المنكرات. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 62).

وينظر الإسلام إلى الديانتين التوحيديتين اليهودية والمسيحية بنوع من الشعور بأواصر القربى والاشتراك في جوهر توحيدي واحد، “فالإسلام لا يرى في اليهودية والمسيحية آراء أخرى لابد من التسامح إزاءها، بل ديانتين قائمتين شرعًا نزلتا بوحي من الله، ثم إن وضعهما المشروع هذا ليس بالاجتماعي السياسي ولا الثقافي ولا الحضاري، بل هو وضع ديني. والإسلام دين فريد في هذا المجال، إذ لا توجد ديانة في العالم تجعل من الإيمان بحقيقة أديان أخرى شرطًا لازمًا في إيمانها الخاص وشهادتها على الناس”[14].

ولا يعني هذا أن الإسلام يُقدّر أتباع الأديان توحيدية كانت أم وضعية مسقطًا من تقديراته من هم لا يؤمنون بأي دين؛ فهؤلاء ينظر إليهم الإسلام باعتبارهم بشرًا لهم حقوقهم الكاملة غير المنقوصة؛ بموجب أنهم يؤمنون بالدين الفطري الذي منحه الله للبشر كافة، وأنهم يمكن أن يكونوا مؤمنين بالله سبحانه وتعالى بما استودعه الله فيهم من عقل قادر على التمييز بين الهدى والضلال.

وعلى هذا فإن نظرة الإسلام إلى البشر –كما استنبطها الفاروقي- تأتي على ثلاثة مستويات منفصلة أولها الاشتراك في دين الفطرة؛ فالله تعالى قد منح البشر جميعًا عند ميلادهم دينًا صحيحًا صادقًا وفطريًا لا يتبدل بمرور الأزمان. وثانيها أن البشر وعلى اختلافهم كانوا هدفًا للوحي الإلهي كلٌ بأسلوب يتلاءم مع تاريخه ولغته. وثالثها التماثل بين الديانات التوحيدية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام باعتبارها مُنّزلة من الله سبحانه وتعالى.

ومن الواضح أن الإسلام وقد اعترف بالديانات التوحيدية وغيرها قد منح جميع الذميين – أتباع الديانات التوحيدية والأديان الأخرى – حقوقًا وامتيازات داخل الدولة الإسلامية؛ فللذمي الحق المطلق في أن يظل على عقيدته حتى وإن تم عرض الإسلام عليه مرات متعددة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كفل لنصارى نجران ولكافة الذميين هذا الحق. كما يجوز للذمي أن يحاول إقناع المسلم بعقيدته أيًا كانت، انطلاقًا من أن حق الإقناع متبادل، وأنه عملية ذات وجهين من المناقشة والمناقشة المضادة، ولا يمكن أن تتم إلا في وجودها وإلا أصبحت إملاءً وإكراهًا. ولأهل الذمة الحق في أن يلقنوا أبناءهم تعاليم دينهم، وأن يتلقى أبناءهم تعليمًا دينيًا في المؤسسات التعليمية الرسمية، ولهم كامل الحق في التعبد وإقامة دور العبادة التي تكفل لهم ممارسة شعائر دينهم. وللدولة الإسلامية أن تكفل لهم حق التملك، وحق العمل دونما تقيد بنوعية معينة من الوظائف حتى ذات الطبيعة الحساسة كالوظائف العسكرية، ولهم الحق كذلك في إشباع رغباتهم في السعادة والتمتع بالجمال، إذ يجوز لهم معاقرة الخمر واقتناء الأعمال الفنية التي يرى الإسلام أنها غير جائزة، شريطة أن يتم ذلك في نطاق ضيق لا يتجاوز دوائرهم المغلقة خشية تهديد الشعور الأخلاقي العام.

من خلال العرض السابق يمكننا القول إن الدكتور الفاروقي كان يمتلك رؤية تجديدية منفتحة على العصر وغير منقطعة الصلة عن التراث، وترك بصمات فكرية واضحة على عدد من الباحثين الشباب من أبناء الجيل الثاني، نذكر منهم إبراهيم زين ولؤي صافي لإسلامية المعرفة. وقد تميزت أفكاره بالانفتاح وخصوصًا تجاه الآخر إذ كان ينظر إليه بوصفه إنسانًا له كافة الحقوق الإنسانية بغض النظر عن دينه وجنسه؛ فكان بذلك مفكرًا عربيًا وإسلاميًا إنسانيًا.

***************

 


* فاطمة حافظ (2009). قراءة في الرؤية الإصلاحية والمشروع المعرفي: إسماعيل راجي الفاروقي نموذجًا. مجلة المسلم المعاصر. 131. ص ص. 261- 278.

** دكتوراة في التاريخ. كلية الآداب. جامعة القاهرة

[1] هناك قائمة طويلة من المفكرين الإصلاحيين نذكر منهم على سبيل المثال: جودت سعيد، طه جابر العلواني، عبد الحميد أبو سليمان.

[2] من الواجب أن نشير هنا إلى أن الفكر الغربي خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كان أكثر رحابة وإنسانية ولم يكن قد أحدث قطيعة كاملة مع كل ما هو غيبي، ومن هنا رأى المصلحون المسلمون إمكانية التوفيق بينه وبين الإسلام؛ أما مع النصف الثاني من القرن العشرين فقد كان الأمر مغايرا مع صعود تيارات ما بعد الحداثة ونفيها للإنسان ولكل ما هو مقدس، ولذلك كان من المتوقع أن يذهب بعض المفكرين المسلمين الذين عايشوا هذا الإنكار بأنفسهم إلى أنه ليس هناك مجال للتعايش بين الإسلام والأفكار الغربية كما فعل سيد قطب وأبو الأعلى المودودي.

[3] لا ننكر هنا أن بعض رجال الإصلاح الأوائل اجتهد في العمل على إنشاء بعض المؤسسات التعليمية والصحفية مثل رشيد رضا الذي أنشأ مجلة المنار، ومدرسة الدعوة والإرشاد، وحسين الجسر الذي أنشأ مجلة طرابلس الشام، والمدرسة الوطنية الإسلامية. لكن لم يُكتب لهذه المشاريع الاستمرار لأسباب عديدة منها ارتباط هذه المؤسسات بشخوص أصحابها وإمكانياتهم المادية الخاصة.

[4] على الرغم من مشاركته الجهادية عام (1948م) إلا أن الدكتور الفاروقي قد قبل في مرحلة متأخرة بوجود اليهود في الدولة الإسلامية الموحدة (سواء داخل فلسطين أم خارجها على السواء) وفق صيغة من صيغ قبول أهل الكتاب المستأمنين والمعاهدين وأهل الذمة في الدولة الإسلامية كما صاغها الفقه الإسلامي مع حفظ كافة حقوق اليهود الدينية والثقافية في الدولة الإسلامية والتي يعيش فيها العرب إلى جوار اليهود، ولكن هذا القبول كان مشروطاً لديه بنزع الطابع الصهيوني عن الدولة  وتفكيك مؤسساتها الصهيونية وخصوصا العسكرية منها، وإنهاء أي شكل من أشكال السيادة الصهيونية، وإعادة الفلسطينيين إلى ديارهم التي أُخرجوا منها، وتعويضهم عن كل خسائرهم بسبب التهجير ونزعهم من أراضيهم وممتلكاتهم, وتخليها عن عنصريتها تجاه العرب.

لمعرفة الموقف الدقيق للفاروقي من هذه القضية، يمكن الرجوع إلى كتابه: الإسلام ومشكلة إسرائيل، ص 112ـ 114.

Ismail Raji Al Faruqi, Islam and The Problem of Israel, Kuala Lumpur, The Other Press, 2003, pp 112-114.

[5] من مقدمة هشام الطالب للطبعة المعربة من كتاب أطلس الحضارة الإسلامية: إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، الرياض، مكتبة العبيكان، 1998، ص 16.

[6] إسماعيل راجي الفاروقي، إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات، واشنطن، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1986، سلسلة إسلامية المعرفة1، ص 12.

[7] نفس المرجع السابق، ص 13.

[8] إسماعيل راجي الفاروقي، النهضة الإسلامية في المجتمع المعاصر، المسلم المعاصر (بيروت، ع 28، 1981)، ص 62.

[9] هذا الكلام يمكن التحفظ عليه، لأن محمد عبده قد وضع شروطا نوعية وجديدة لمفسر القرآن وللمجتهدين عموما، والمشكل برأينا ليس عند رجال الإصلاح، بل تتحمله المؤسسات الدينية التي عجزت عن استقبال أفكار هؤلاء المصلحين وإدراجها ضمن برامجها التعليمية.

[10] إسماعيل راجي الفاروقي، إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات، ص 52.

[11] يشير البعض إلى سيد نقيب العطاس الإندونيسي باعتباره أول من تبنى الدعوة إلى إسلامية المعرفة.

[12] انظر: إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات. وهي في الأصل ورقة عمل محررة باللغة الإنجليزية تحت عنوان “Islamization of Knowledge” قدمت إلى مؤتمر أسلمة المعرفة في باكستان عام 1982م.

[13] في الحقيقة استفاد الدكتور الفاروقي وصحبه كثيرا من تيارات النقد الثقافي الغربي التي وجهت النقد المرير للتصورات والمنهجيات المعرفية الغربية، ولعل أبرز هذه المدارس مدرسة فرانكفورت وتيارات التفكيك الحداثي.

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ص 279.

 

يسلّط هذا البحث –المنشور في العدد السادس من مجلة "المدونة" التونسية عام 2024م- الضوء على مناقشة علمية بين الدكتور وائل حلاق وبين غيره من الباحثين حول قضيتين، الأولى: في استشكال كون الشافعي أول من صنف في علم أصول الفقه، والثاني: في مكانة الرسالة ضمن مصنفات علم أصول الفقه، وقد استند البحث في هذا إلى دراستين قدمهما الدكتور وائل حلاق. والملاحظ هو وحدة النتائج التي توصل إليها الدكتور وائل حلاق رغم اختلاف السياقات الحاكمة لكل دراسة.

ومما جاء في مقدمة هذا البحث ما يلي:

تشهد الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية اليوم ازدهارًا واضحًا من قبل الأكاديميين والنخبة المثقفة، ازدهارًا أفرز إنتاجًا علميًا بارزًا أصبح من جملة التراكمات والإسهامات في مجال الدراسات الإسلامية بمختلف تخصصاتها من جهة، كما أصبح يفرض نفسه بقوة في دائرة البحث العلمي من جهة ثانية، بحيث لا يسع المتخصص في المجال إهمال هذا الاهتمام ولا تجاهل نتائجه، اهتمام تشير إليه المجلات الصادرة عن دور نشر أو جامعات غربية، وهي مجلات علمية متخصصة في نشر بحوث الدراسات الإسلامية، كما تشير إليه الندوات والمؤتمرات التي أصبحت تُعقد هناك خصيصًا لمعالجة مواضيع وقضايا تاريخية لها راهنيتها اليوم في معترك الحياة الفكرية، وكذا التطرق إلى بعض الشخصيات العلمية البارزة في التراث الإسلامي، يقصد البحث في آرائها وإسهاماتها وآثارها العلمية، كأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ) وابن رشد الحفيد (ت 595 هـ) وغيرهما ممن أفردت لهم أعمال قائمة بذاتها.

وما تميزت به هذه الكتابات المعاصرة هو إعادة طرحها، على مائدة النقاش، بعض القضايا التي أصبحت لدى المتخصصين من قبيل المسلمات، ومن ثم إعادة استشكالها وإفاضة البحث فيها قصد مراجعتها وتسليط الضوء على بعض الجوانب التي مازالت في حاجة إلى مزيد بحث وتعميق نظر.

ولقد كان من بين الكتاب المبرزين في هذا المجال الباحث وائل حلاق، الأستاذ المحاضر بالجامعات الأمريكية، والذي تميز بوفرة البحوث في مجال الدراسات الفقهية والأصولية، دراسات يمكن القول إنها قد أسهمت على نحو بارز في إثراء البحث في الدرس الفقهي والأصولي في السياق الغربي، وقد دل على هذا ما تُحدثه تلك الأعمال من تفاعلات مساندة أو معارضة لما يكتبه، وهو ما يسهم في زيادة الاهتمام بالتراث الإسلامي وإن بمستويات مختلفة من حيث البواعث الدافعة لذلك.

كثيرة هي القضايا والمواضيع التي طرحها وائل حلاق على مائدة النقاش مما يرجع إلى تخصصات الدراسات الإسلامية، والملاحظ أن كتاباته كانت مؤطرة بسياقات معينة يمكن تلخيصها في أنها كانت طرفًا محاورًا لبعض الجهات ممن كان له الاهتمام ذاته في السياق الغربي أيضًا؛ حيث كانت بعض دراساته موجهة لانتقاد أعمال بعض المستشرقين الذين انتصبوا لدراسة تاريخ العلوم الإسلامية، وخرجوا، بعد سنوات من البحث، بنتائج وأحكام لا يمكن القطع بها، وإنما هي أحكام يمكن عرضها من جديد على محك النظر وفق قواعد البحث العلمي.

ولقد كانت من أبرز القضايا التي انتصب وائل حلاق لمراجعتها قضية كون الشافعي (ت 204 هـ) هو المهندس الأول لعلم أصول الفقه؛ حيث إن من جاء بعده من الأصوليين سار على منواله، وقد كانت هذه إحدى النتائج التي توصل إليها بعض المستشرقين حسبما يذكر وائل حلاق، كما أنها صارت من قبيل المسلمات عند كثير من أهل التخصص في الدراسات الأصولية، وهو ما لم يسلم به حلاق، واعتبره حكمًا قابلاً لإعادة النظر والمراجعة بناء على معطيات تاريخية مخالفة نذكرها أثناء الخوض في البحث.

كان من نتائج هذه المعارضة العلمية أن تثير نقاشًا آخر حول الموضوع، خصوصًا من منتقديه الذين أبوا هذا التشكيك في القضية، متمسكين بما تقرر قبل؛ وهو ما كان سببًا في إعادة طرح الموضوع على مائدة النقاش مرة أخرى من قبل وائل حلاق، لا بقصد التنازل أو التراجع عما قرره من قبل، وإنما بقصد دعم رأيه بحجج أخرى، وتناول الموضوع من زاوية أخرى.

وقد ارتأينا في هذا المقال أن نرصد هذا الجهد لوائل حلاق وهو يناقش هذه القضية وينقضها؛ من حيث إنه عرض لها في مقامين مختلفين، وفي بحثين مختلفين أيضًا، بين الأول والثاني حوالي ربع قرن من الزمن، ولن يكون هذا الرصد للموضوع رصدًا معرفيًا، أي: ملاحظة الجانب المعرفي للقضية؛ إذًا لكان الأمر في ذلك هينًا نظرًا لأن النتيجة، في نهاية الأمر، إما إيجاب أو سلب، وإنما القصد هنا الاحتفال بالسياقات المختلفة للقضية، وكذا رصد آليات الاشتغال لدى وائل حلاق في كلٍّ من بحثه الأول والثاني.

وعليه، فإن الأسئلة التي ينطلق منها هذا البحث هي:

ما السياقات العلمية التي احتضنت هذا النقاش العلمي بين وائل حلاق وغيره؟ وما منهج المعالجة لدى وائل حلاق في هذه المراجعة؟

وإذا كان وائل حلاق قد أفرد للقضية بحثين مختلفين، فهل كانت آليات الاشتغال عنده واحدة في البحثين معًا، أو كان هناك اختلاف بين البحث الأول والثاني؟

هذا الذي يسعى هذا البحث لرصده من خلال مبحثين اثنين الأول: سياقات طرح القضية، والثاني: منهج المعالجة.

ولقد خلص البحث إلى النتائج الآتية:

  • اعتراض وائل حلاق على دعوى المستشرق جوزيف شاخت القائلة بأن الشافعي هو من هيكل علم أصول الفقه وحدد مواضيعه، وأن من جاء بعده من الأصوليين ما زادوا على تفصيل المجملات وتوسيع العبارات، هي في حد ذاتها دعوى ليست جديدة، وإنما هي قديمة في تراث الأصوليين، وموجودة على نحو واسع حتى صارت عند جملة منهم من قبيل المسلمات؛ ومن هنا يمكن اعتبار اعتراض وائل حلاق على شاخت اعتراضًا من جهة أخرى على علماء الأصول المسلمين وإن كان لم يصرح بها في مقاليه.
  • اختلاف منهج المعالجة لدى وائل حلاق في كل من مقاليه بالنظر إلى اختلاف السياقات رغم أن القضية واحدة، وقد تميز منهج المعالجة في البحث الأول بالتركيز على الجانب التاريخي المعتمد على الحفر في مصنفات التأريخ للعلم بقصد إثبات سبق في التأليف في بعض مباحث أصول الفقه قبل الشافعي؛ الشيء الذي يجعل القارئ أمام معطى جديد في القضية، مع السكوت عن تفسير هذا المعطى أو عدم اعتباره من قبل كثير من الأصوليين؛ حيث لم يلتفت إلى تلك التأليف ولا تم اعتبارها سباقة في أصول الفقه، وأما في البحث الثاني فقد انتقل وائل حلاق إلى حجج أخرى تمثلت في توظيف النظر الإبستمولوجي للعلم؛ إذ قصد إلى التمييز، بما وضعه من معايير، بين الكتابة العلمية في أصول الفقه وبين ما لا يعدو أن يكون إسهامًا مصاحبًا لظهور علم أصول الفقه كما هو الشأن في الرسالة.
  • الشروط التي قدمها وائل حلاق على أنها معايير معتمدة في التمييز بين الكتابة العلمية وبين غيرها إنما صيغت بالنظر إلى مختلف الاعتبارات، وذلك اعتبار القصد من علم أصول الفقه، واعتبار وظيفته، واعتبار سيرورته التاريخية إلى الحد الذي بدأت ملامح التوقف والانحدار تبرز في بعض مصنفات العلم، ولقد كان التحقيب الذي قدمه وائل حلاق لتاريخ علم أصول الفقه مبنيًا على تلك المعايير.

 

محتويات الدراسة:

مقدمة

  1. سياقات طرح القضية.
  • الجدلية النقدية.
  1. منهج المعالجة.
  • استشكال المسلمات.
  • الاستعانة بالتأريخ لعلم أصول الفقه.
  • المعايير الإبستمولوجية في التأريخ لعلم أصول الفقه.

أهم النتائج والخلاصات.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

يتناول البحث الحديث عن قضية فض النزاع حول المياه، وموقف الفقه الإسلامي والقانون الدولي منها، حيث إن الواقع يكشف لنا عن كثير من المنازعات التي تقوم حول هذه المصدر الهام، والتي في هي في سبيلها إلى التوسع مستقبلا. ولا يكتفي البحث -فقط- برصد المواقف والإجراءات التي يتخذها الفقه والقانون حول هذه القضية، بل يسعى لإقامة مقارنة بين النظامين في كيفية التعامل؛ ليكشف عن جسور التواصل الفكري التي يمكن أن يفيد كل طرف منها الآخر؛ لنصل في النهاية إلى قواعد عادلة تضمن إرساء السلام الدولي الذي ينشده الإسلام، وتبحث عنه النظم القانونية النزيهة.

 

التعريف بموضوع البحث:

يبين البحث القواعد التي يتبناها النظام القانوني للفقه الإسلامي لفض النزاعات التي تحدث حول المياه، ويستعرض الإجراءات التي تقوم بها القوانين المحلية والدولية لتسوية الخلاف حول كل أشكال تواجد المياه محل النزاع، ويستتبع ذلك توضيح وجهة نظر المدارس الفقهية المختلفة في تعاملها مع هذه القضية؛ لنصل من خلال المناقشة إلى أسلم الحلول التي يفيد منها الواقع، وتحقق مقصد الشارع. ولا يقف البحث عند هذه النقطة، لكنه يقارن بين الفقه والقانون؛ ليبين الحدود التي توقف عندها كلا النظامين، والأفكار التي لابد أن تضاف إلى كل منهما؛ ترقية للواقع، وتحسينًا لأدوات التعامل مع المستجدات، خاصة في القضايا الحيوية التي تتعلق بالحرب والسلام.

 

أهمية الموضوع:

يعد هذا الموضوع من القضايا الهامة للآتي:

  • فهو يتعلق بقضية واقعية تتعلق بالدول الإسلامية وغيرها، الأمر الذي يستدعي توضيح موقف الفقه الإسلامي منها.
  • يتهم كثير من الناس الفقه الإسلامي بالجمود، أو أنه فقه يقتصر على العبادات وحسب، وهذا البحث يكشف عكس ذلك تمامًا من خلال رصد دقيق للقواعد القانونية التي تبناها والتي ساعدته وتساعده في معالجة قضايا الساعة.
  • يساعد البحث المشرعين المحليين، أو الدوليين في التوصل إلى أفضل الحلول التي لابد من تبنيها؛ لفض النزاعات حول المياه بصورة تراعي الأولويات، وتحقق السلام الشامل.
  • يكشف البحث عن المنهجية السليمة التي نتبناها في المقارنة بين الفقه والقانون، فليس الغرض هو رصد الأسبقية الفكرية، ولا الدفاع عن الفقه من خلال التقليل من قواعد القانون، لكن الغرض من المقارنة هو ترقية النظم، ومد جسور الإفادة بينها، من خلال الوقوف على النقاط الضعيفة التي يمكن لكل نظام أن يعين الآخر في تعديلها أو تخطيها.

 

منهج البحث:

اعتمد الباحث على عدة مناهج هي:

  • المنهج الوصفي: في رصد موقف الفقه والقانون من القضية.
  • المنهج التحليلي: في الكشف عن المقاصد، والأهداف، والمنهج الذي اتبعه كل من الفقه والقانون لفض التنازع.
  • المنهج المقارن: في المقارنة بين نظام القانون الإسلامي ونظام القانون الدولي لاستخلاص أوجه التشابه، والاختلاف.

 

أهم نتائج البحث:

توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج التي يمكن إجمالها على النحو الآتي:

  • إن الفقه الإسلامي يعلي من قيمة النفس؛ حيث يكفل لها كل مقومات الحياة، فقد اعتبر المياه حقًا مشتركًا لا يجوز منعه وإن كان خاصًا.
  • استطاع الفقه أن يحقق المعادلة المهمة التي تسعى إليها القوانين، وهي الموائمة بين المصلحة العامة والخاصة، من خلال توضيح الوظيفة الاجتماعية للحق؛ فهو يسمح لكل طرف بإقامة ما يريد من مصالح شريطة أن تراعى الأولويات عند التنفيذ.
  • اتفق الفقهاء على أن ماء البحار والأنهار العظام (العامة)، لا يجوز تملكها إلا ما حازه الشخص منها بإناء، ويثبت فيها حق الشفة والشَّرب لجميع الناس، وتبين من خلال هذه الدراسة أن هذه التقسيمات اجتهادية في أغلبها تتعلق بالمصلحة والزمن.
  • تنصب الأبحاث الفقهية في معظمها حول حقوق الارتفاق دون اهتمام بإبراز حقوق الجوار، فحقوق الارتفاق هي تكليف مقرر على إقليم لمنفعة إقليم آخر؛ ومن ثم فالتعدي على هذا الحق لن يأتي إلا من جانب دولة الإقليم المقرر عليه الحق أي الدولة الخادمة، في حين أن مفهوم حقوق الجوار يتضمن حقوقًا والتزامات متبادلة بين الدول المتجاورة؛ لذلك فنظرية حقوق الجوار أصلح النظريات للتوفيق بين سيادات ومصالح الدول التي تقع في حوض النهر الدولي الواحد.
  • صحيح أن الفقه الإسلامي لم يتأخر عن القانون الدولي، ولكن لا ننسى أن القانون تشكلت فيه أربع نظريات: الأولى نظرية السيادة الإقليمية التي تعني إطلاق يد الدول التي تجري بأراضيها أنهار دولية في استخدام مياهه دون أي اعتبار بحقوق الدول المتشاطئة، ونظرية الوحدة الإقليمية التي تعني أن للدول التي يمر بها النهر عدم الحق في إقامة أي مشروع خاص بها، ونظرية السيادة الإقليمية المقيدة التي تعني أن لكل دولة الحق في القيام بما تريد مع مراعاة حقوق الدول الأخرى، وتعد النظرية الحديثة هي نظرية وحدة المصالح التي تنظر إلى النهر باعتباره وحدة واحدة، وهي من أقوى النظريات التي سبق إليها الفقه الاسلامي غيره من النظم.
  • لا بد هنا من توضيح نقطة فاصلة في قواعد البحث الفقهي المقارن فيما يتعلق بالقضايا المعاصرة التي تعالجها بنود القوانين، وهي أننا لا نطالب مدونات الفقه بالإفصاح التام عن اتفاقيات القانون الدولي؛ لأن ثمة فرقًا بين التقنين والفقه، فالتقنين بنود محددة واضحة تعبر عن الواقع في لحظة كتابته، لكن الفقه هو وعاء النظريات التي نأخذ منها تلك البنود، والفقه ليس من شأنه التحديد بل من شأنه إعطاء الإطار العام، تمامًا كالفرق بين عمل مصنع القماش وحائك الأثواب، فالباحث في مثل هذه القضايا لا بد أن يبحث عن القواعد العامة لمثل هذه الموضوعات، ولا يضيره بعد ذلك أن يجد نصًا صريحًا أو لا، وفيما يتعلق بموضوعنا فإن فقهاء القانون يشيرون إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة ۱۹۷۷م رغم كونها اتفاقية إطارية فهي تقدم حلولاً عادلة لمشاكل الأنهار الدولية تبنى على مبدأ الانتفاع المنصف والعادل متى روعيت الظروف والاعتبار الخاصة لكل نهر دولي.

 

أهم التوصيات التي توصل البحث إليها:

  • الاهتمام بإبراز نظريات الفقه الإسلامي في القانون العام والدولي؛ لأنه يستطيع أن يمد هذه الحقول القانونية برؤى وأفكار تساهم في إرساء قواعد السلام الدولي.
  • العمل على فهرسة المسائل الواقعية في مدونات الفقه التي تذكر مبعثرة دون رباط يجمعها مما يعسر عملية البحث.
  • أن تتصدر واقعية التشريع الحديث العام في البرامج الثقافية؛ حتى نعيد ثقة الأجيال الحالية في التراث بعدما حاولت أيدي عابثة زعزعته من النفوس.
  • وفيما يتعلق بالتوصيات التي تؤكد عليها الدراسات القانونية:
  • ضرورة تكوين لوبي عربي ودولي يطالب الأمم المتحدة بمراجعة اتفاقية ۱۹۹۷م على اعتبار أن بعض البنود بها تحتاج إلى مراجعة دقيقة؛ لتتوافق مع قواعد القانون الدولي العادل.
  • قيام مجموعة الدول الإسلامية داخل الأمم المتحدة بصياغة اتفاقية إطارية موازية لاتفاقية الأمم المتحدة قوامها يتعلق برؤية القانون الإسلامي للانتفاع المشترك بمياه الأنهار الدولية، يكون نابعًا من مجلس استشاري يضم النخبة من الخبراء والمشرّعين والعلماء في مجال المياه من العالم الإسلامي؛ لوضع سياسات مائية إسلامية تشتمل على مبادئ توجيهية موحدة، وتقوم على توجيه النصح بتنفيذ مشروع إرشادي يغطي كل القضايا الموجودة في البلدان الإسلامية، ويخاطب المجتمعات الإسلامية بلغة يسهل فهمها وتوجه خطابًا محددًا إلى المجتمع الدولي كله.

 

محتويات البحث:

تم تقسيم البحث إلى خمسة مطالب، وذلك على النحو التالي:

المطلب الأول: الحقوق المتعلقة بالمياه.

المطلب الثاني: تقسيم المياه من حيث الامتلاك وعلاقة الحقوق بها.

المطلب الثالث: حقوق الأنهار الخاصة والعامة وقواعد إنهاء التنازع عليها.

المطلب الرابع: قواعد القانون الدولي في فك التنازع وموقف الفقه منها.

أولاً: قواعد تسوية النزاع حول المياه في القانون الدولي.

ثانيًا: موقف الفقه الإسلامي من قواعد القانون الدولي.

ثالثًا: الموازنة بين الحقوق المشروعة في استخدام المياه المتنازع عليها في الفقه والقانون.

رابعًا: شروط استخدام الطرق غير السلمية في فك النزاع في الفقه والقانون.

المطلب الخامس: الموازنة بين الفكر الفقهي والقانوني.

أولاً: ما تفرد به الفقه الإسلامي.

ثانيًا: ما تفرد به القانون.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 


* دكتوراه الشريعة الإسلامية والمقارنات التشريعية- كلية دار العلوم جامعة القاهرة.

 

تعد الأعراف الدولية أحد الأسس الجوهرية في تشكيل العلاقات الدولية، حيث تمثل آلية مهمة لتنظيم سلوك الدول في مختلف المجالات، كما أنها تشكل إطارًا قانونيًا غير مكتوب تلتزم به الدول في تعاملاتها المتبادلة، ويختلف عن القوانين الدولية الصريحة التي يتم التوصل إليها من خلال المعاهدات والاتفاقات الرسمية. وعلى الرغم من أن الأعراف الدولية ليست مكتوبة أو موقعة من قبل الأطراف المعنية، فإنها تكتسب قوتها القانونية من استمرارية تطبيقها واعتراف الدول بها.

 

مفهوم الأعراف الدولية لغة واصطلاحًا:

  1. تعريف الأعراف لغةً:

الأعراف في اللغة العربية جمع "عُرف"، ويقصد به ما تعارف عليه الناس واعتادوا على ممارسته، سواء في عاداتهم أم في سلوكياتهم اليومية. يشير "العرف" إلى التقاليد والممارسات التي يتقبلها المجتمع كجزء من حياته الطبيعية، دون الحاجة إلى أن تُفرض من خلال قانون مكتوب.

 

  1. تعريف الأعراف اصطلاحًا:

أما اصطلاحًا، فتعرف الأعراف في القانون الدولي بأنها مجموعة من القواعد التي تنشأ من الممارسات الدولية المتكررة والمستقرة، والتي تعتقد الدول بأنها ملزمة قانونًا. الأعراف تختلف عن القوانين المكتوبة أو المعاهدات، إذ تعتمد على سلوك الدول واستمرار تطبيقها لممارسات معينة لفترة طويلة. عندما تشعر الدول بأنها ملزمة قانونًا بتلك الممارسات، فإنها تتحول إلى "عرف دولي".

 

نشأة الأعراف الدولية وتطورها

تعود نشأة الأعراف الدولية إلى العصور القديمة، حيث كانت الدول تتبع بعض القواعد العرفية التي تضمن حسن سير العلاقات بين الأمم. ولكن هذه الأعراف لم تكن موحدة أو مدونة بشكل رسمي، بل كانت تعتمد على الأعراف الدبلوماسية والتقاليد التي تتفق عليها بعض الدول الكبرى في تلك الحقبة.

مع تطور العلاقات الدولية وزيادة التبادل بين الدول، بدأت هذه الأعراف في اكتساب طابعًا أكثر رسمية. في القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهدنا بدايةً لتدوين بعض من هذه الأعراف، خاصةً في إطار العلاقات بين الدول الأوروبية، ففي القرن السابع عشر، تم تطوير مفهوم "العدالة الدولية" الذي يحدد سلوك الدول في الحرب والسلام.

وفي القرن العشرين، ومع إنشاء الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، أصبحت الأعراف الدولية أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالقانون الدولي المنظم، وتزايد استخدام الأعراف كأداة لحل النزاعات بين الدول، خاصة في إطار حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

 

دور الأعراف الدولية وفق القانون الدولي:

في القانون الدولي، يُنظر إلى الأعراف على أنها قواعد قانونية نشأت عن ممارسات دولية ثابتة ومتفق عليها بين الدول.  ويُشار إلى أن الأعراف الدولية تُعتبر أحد المصادر الأساسية للقانون الدولي، إلى جانب المعاهدات والاتفاقات الدولية؛ حيث تشير المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية إلى أن الأعراف الدولية تشكل أحد مصادر القانون الدولي، بجانب المعاهدات والقوانين العامة. ويُعرّف العرف الدولي بأنه "ممارسة ثابتة ومستمرّة من الدول، التي يعتقد أنها تتبع بموجب التزام قانوني". بمعنى آخر، إذا قامت معظم الدول بتصرف معين لعدد من السنوات أو العقود، وكان هذا التصرف يُعتبر ملزمًا قانونًا، يمكن اعتباره عرفًا دوليًا. ومن أجل أن يتحقق العرف الدولي، يجب أن يتوافر عنصران: العنصر المادي (أي ممارسة الدول) والعنصر النفسي (أي الاعتقاد بأن هذه الممارسة مفروضة قانونًا). لا بد أن تكون الممارسة مستمرة وموحدة بين الدول، وأن تكون الدول تعتقد بأنها ملزمة قانونًا بها.

وتعمل الأعراف الدولية على ملء الفراغات التي قد تنشأ بسبب غياب معاهدات مكتوبة أو غموضها. على سبيل المثال، إذا لم يتمكن اتفاق بين الدول من معالجة مشكلة معينة، فقد يتم اللجوء إلى الأعراف لحلها. كما أن الأعراف تعمل على تطوير القانون الدولي بشكل ديناميكي، مما يساهم في ضمان استقرار العلاقات الدولية وتقديم حلول عملية لمشكلات العالم المتجددة.

 

الأعراف الدولية في فروع القانون الدولي

يمكن تقسيم الأعراف الدولية إلى عدة مجالات رئيسية يتعامل فيها القانون الدولي مع دول العالم. هذه الفروع تشمل:

  1. الأعراف الدولية في القانون الدولي الإنساني: الأعراف الإنسانية تمثل مجموعة من القواعد التي تحكم سلوك الدول في أوقات النزاعات المسلحة. على سبيل المثال، تتضمن هذه الأعراف ضرورة توفير الحماية للمدنيين والأسرى، كما هو الحال في اتفاقيات جنيف.
  2. الأعراف في القانون الدولي الاقتصادي: في هذا المجال، تلعب الأعراف دورًا مهمًا في تنظيم التجارة الدولية وحركة رأس المال. على سبيل المثال، تتبع الدول العديد من الأعراف التي تحكم المعاملات التجارية الدولية، مثل احترام العقوبات الاقتصادية أو تسوية المنازعات التجارية وفقًا لقواعد محددة.
  3. الأعراف في القانون البيئي الدولي: الأعراف الدولية المتعلقة بالبيئة تساعد على تعزيز التعاون بين الدول لحماية الموارد الطبيعية والمناخ. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الأعراف التي تحكم قضايا مثل التلوث عبر الحدود أو حماية التنوع البيولوجي.

 

دور الأعراف الدولية في حل النزاعات

تعد الأعراف الدولية أداة فعالة لحل النزاعات بين الدول، فعندما لا تنجح الوسائل الدبلوماسية أو المعاهدات القانونية في حل النزاع، يمكن أن تُستخدم الأعراف الدولية كحلول وسط. على سبيل المثال، في حالة النزاعات حول الحدود أو حقوق المياه الدولية، قد تلجأ الدول إلى الأعراف الدولية المتبعة لحل هذه النزاعات. وقد أثبتت المحكمة الدولية في عدة قضايا أنها تعتمد بشكل كبير على الأعراف الدولية لإصدار أحكامها، مثل قضايا الحدود بين الدول أو النزاعات حول الأنهار الدولية.

 

التحديات والانتقادات

على الرغم من أهمية الأعراف الدولية، إلا أنها تواجه العديد من التحديات. من أبرز هذه التحديات صعوبة إثبات الأعراف في بعض الأحيان، خاصة إذا لم تكن الدول قد طبقتها بشكل مستمر أو موحد. بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من الانتقادات التي تُوجه إلى الأعراف الدولية، حيث يرى البعض أنها تُفضي إلى فرض مبادئ من قبل الدول الكبرى على الدول الصغيرة أو النامية.

 

مفهوم الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية

الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية ترتبط بمفهوم "العرف" الذي يعتبر أحد المصادر التكميلية للتشريع الإسلامي. وعلى الرغم من أن الفقه الإسلامي لا يستخدم مصطلح "الأعراف الدولية" بالمعنى الحديث الذي يُستخدم في القانون الدولي، فإن هناك مفاهيم قريبة من هذا المبدأ في الإسلام تتعلق بالعرف والممارسات المستقرة التي يتعارف عليها الناس في علاقاتهم الدولية. فهو في "الاصطلاح الفقهي": ما تعارف عليه الناس وأصبح سائدًا بينهم في سلوكياتهم ومعاملاتهم، بشرط ألا يتعارض مع نصوص الشريعة أو مقاصدها. والعرف في الشريعة الإسلامية يُعتبر مصدرًا من مصادر التشريع، ولكن بشرط أن يكون متوافقًا مع الأصول الشرعية ولا يتعارض مع نصوص القرآن أو السنة. ويعد العرف في الإسلام جزءًا من الفقه المرن الذي يأخذ في الاعتبار الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يتغير فيها الناس عبر الزمن. أما في العلاقات الدولية، نجد أن الفقه الإسلامي قد أرسى العديد من المبادئ التي تشبه "الأعراف الدولية" الحديثة من حيث أهدافها وطبيعتها. على سبيل المثال، أحكام العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين تم تنظيمها من خلال فقه المعاهدات وفقه الحرب والسلام، وهي مجموعة من القواعد التي تضبط سلوك الدولة الإسلامية في تعاملاتها مع الدول الأخرى.

ومفهوم الأعراف الدولية هو أحد المفاهيم الأساسية التي تحدد آلية التعامل بين الدول في سياق إسلامي، حيث يُأخذ بعين الاعتبار أن الأعراف الدولية تتفق مع القيم والمبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية، مما يعزز فهمًا شاملًا لماهية العلاقات بين الدول وفقًا للمفاهيم الإسلامية.

وفيما يلي استعراض مفصل لبعض مبدأ تلك الأعراف الدولية في التشريع الإسلامي:

 

  1. الاعتراف بالأعراف الدولية كأداة لتنظيم العلاقات الدولية

تُعتبر الأعراف الدولية أداة لتنظيم العلاقات بين الدول في الإسلام، شأنها شأن القوانين التي يتم التوافق عليها بين الأطراف المختلفة. ويُنظر إلى الأعراف الدولية على أنها إطار يُمكّن الدول من تنظيم تعاملاتها في غياب نصوص شرعية قطعية، وبالتالي يتم قبول العرف الدولي شريطة ألا يتعارض مع النصوص الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم والسنة النبوية. الشرط الأساسي في ذلك هو أن الاعتياد والتوافق الدولي بين الدول لا ينبغي أن يضر بالقيم الإسلامية، أو يُخالف مبادئ الشريعة الأساسية. وفي هذا الإطار إذا كان العرف الدولي يتوافق مع المصلحة العامة ويخدم تحقيق العدالة والإنصاف، فيُقبل به ويُعتبر مُلزمًا شرعًا.

 

  1. الوفاء بالعهد والميثاق: جوهر الأعراف الدولية

يُعد الوفاء بالعهد والميثاق من المبادئ الأساسية التي يُبنى عليها العرف الدولي في الإسلام. الإسلام يُعلي من قيمة العهود والمواثيق، ويُعتبر الإخلال بالعهد أو نقضه انتهاكًا لقاعدة شرعية قوية. تقول الآية الكريمة: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا" (الإسراء: 34)، مما يدل على وجوب احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُبرم بين الدول، سواء كانت مع دول إسلامية أم غير إسلامية. في هذا السياق، يتفق هذا المبدأ مع الأعراف الدولية الحديثة التي تُلزم الدول باحترام المعاهدات الدولية والاتفاقات الموقعة بين الدول، مثل معاهدات السلام والتحالفات التجارية. يتم الربط بين العرف الدولي في الشريعة الإسلامية وبين ضرورة احترام جميع الدول لمواثيقها وعهودها ضمن نظام منظم يعزز الاستقرار الدولي ويحفظ حقوق الأطراف المتعاقدة.

 

  1. العدالة والتعايش السلمي: المبادئ الأساسية للأعراف الدولية

تُعد العدالة والتعايش السلمي من المبادئ الأساسية التي تشكل جوهر العلاقات الدولية في الإسلام. ومن هذا المنطلق، يتم التعامل مع الأعراف الدولية في الشريعة الإسلامية باعتبارها وسيلة لتحقيق المساواة والعدالة في التعامل بين الدول والشعوب، حتى وإن كانت هذه الدول غير مسلمة، فمن المبادئ الإسلامية التي تتوافق مع الأعراف الدولية الحديثة مبدأ البر والقسط مع غير المسلمين في التعاملات الدولية. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة: 8). هذا المبدأ يمكن اعتباره عرفًا دوليًا في الشريعة الإسلامية يشجع على التعايش السلمي واحترام الحقوق المتبادلة بين الدول الإسلامية والدول غير الإسلامية. ويتضمن ذلك احترام حقوق الأقليات والعدالة في التوزيع بين الدول، وهذا يشمل التعاون بين الدول لتحقيق المصالح المشتركة دون اللجوء إلى العنف أو العدوان، وهذا يتوافق مع الأعراف الدولية الحديثة التي تدعو إلى حل النزاعات بالطرق السلمية وتعزيز السلام العالمي عبر أدوات مثل الدبلوماسية والتحكيم والوساطة.

 

  1. حقوق الإنسان وحماية الحقوق الدولية

تُعد حقوق الإنسان جزءًا لا يتجزأ من الأعراف الدولية في الإسلام، وقد أرسى الإسلام مبادئ حقوق الإنسان بشكل عام، وأكد على ضرورة حماية حقوق الأفراد والجماعات في العلاقات الدولية. من هذه المبادئ: حماية الحياة، الحرية، الكرامة الإنسانية، مما يتقاطع مع الأعراف الدولية الحديثة التي تركز على ضمان هذه الحقوق في التعامل بين الدول. في الإسلام، لا يُسمح للدولة أو أي طرف دولي بالتعدي على حقوق الإنسان، كما أن الدول الإسلامية يجب أن تلتزم بتقديم الحماية للأقليات والعدالة لجميع الأطراف بغض النظر عن الدين أو العرق. هذا المبدأ يعكس تكامل الأعراف الدولية في الإسلام مع المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان.

 

  1. الحل السلمي للنزاعات الدولية

حل النزاعات بالطرق السلمية يُعد من القيم الجوهرية التي يتبناها الإسلام في علاقاته الدولية؛ حيث يولي الإسلام أهمية كبيرة لحل النزاعات بين الدول عبر الحوار والوساطة والتحكيم، وهي آليات معترف بها في الأعراف الدولية المعاصرة. يُنظر إلى هذه الأساليب على أنها وسائل فعّالة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين. لذا فإن اللجوء إلى القوة العسكرية يُعتبر خيارًا أخيرًا، ويجب أن يتم في إطار الدفاع الشرعي ضد العدوان. بينما يتم تشجيع الدول على استخدام الوسائل السلمية من خلال التحكيم الدولي أو الوساطة، بما يتماشى مع المبادئ التي تأسست عليها الأعراف الدولية في العصر الحديث.

 

مقارنة بين الأعراف الدولية المعاصرة والشريعة الإسلامية

الأعراف الدولية في القانون الوضعي المعاصر تقوم على ممارسات مستمرة بين الدول، وفي الشريعة الإسلامية نجد أن العرف الشرعي هو ما يتوافق مع الشريعة ويحقق المصلحة العامة دون تعارض مع النصوص القطعية.

الالتزام بالأعراف في كلا النظامين (الإسلامي والدولي) يقوم على نفس المبدأ: إذا تعارف الناس أو الدول على أمر ما واعتبروه جزءًا من التعاملات القانونية أو الأخلاقية، يصبح ملزمًا لطرفي التعامل.

ويمكن القول إن الشريعة الإسلامية تفتح الباب أمام الأعراف والتقاليد التي تحقق المصلحة العامة طالما أنها لا تتعارض مع نصوص الشريعة. وفي سياق العلاقات الدولية، فإن الأعراف الدولية التي تتفق مع مبادئ العدالة والقسط واحترام المعاهدات تجد لها أساسًا قويًا في الفقه الإسلامي. بذلك، تشكل الأعراف الدولية في الإسلام إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا يتوافق مع المبادئ الإنسانية العامة التي تُنظم العلاقات بين الدول.

 

____________________________

المصادر:

  1. القانون الدولي والعدالة، الأمم المتحدة، https://2u.pw/fRvW2Q4s
  2. عبد الرحمن أسامة، العرف الدولي، الموسوعة السياسية، 4 أبريل 2020، https://2u.pw/CAH831
  3. قاعدة بيانات القانون الدولي الإنساني العرفي، قواعد بيانتا القانون الدولي الإنساني، https://2u.pw/0CDlwn0i
  4. القانون الدولي العام.. إجراءات ونصوص لتنظيم العلاقات بين الدول والمنظمات، الجزيرة نت، 4 يونيو 2024، https://2u.pw/z4cmpQTh
  5. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المفوض السامي لحقوق الإنسان، https://2u.pw/SJXLG
  6. العرف الدولي، موسوعة ودق القانونية، 28 مارس 2021، https://2u.pw/t0UnebmW
  7. إبراهيم دراجي، العرف الدولي، الموسوعة القانونية المتخصصة، https://2u.pw/UnNCZB2J
  8. تحول القواعد الدولية الاتفاقية إلى عرفية، مجلة العلوم القانونية والسياسية، العدد 1، 2022، https://2u.pw/ID4XulSP
  • عبد الرسول كريم، القواعد العرفية في القانون الدولي، 2015، https://2u.pw/husecbHU
  1. آية الوصيف، تعريف ومفهوم العرف في القانون، المحاماة نت، 6 ديسمبر 2017، https://2u.pw/RJ8PHDOq
  2. فائز الرويلي، العرف الدولي بين الفقه والقانون وأثره في المعاهدات المعاصرة: المملكة العربية السعودية نموذجا، الجامعة الأردنية كلية الدراسات العليا، https://2u.pw/9D6JapEk
  3. مبخوتة أحمد، التطورات المتلاحقة على العرف الدولي باعتباره مصدرا للقانون الدولي، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، عدد 1، 2021،https://2u.pw/uqFkLW3K
  4. علي صادق أبو هيف، القانون الدولي العام، منشأة المعارف.
  5. محمد أبو زهرة. (1958). العلاقات الدولية في الإسلام. دار الفكر العربي، القاهرة.
  6. وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي. دار الفكر، دمشق، 1981.
  7. نادية محمود مصطفي (محرر)، موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، دار السلام، 2022.

 

 1- انتشار ملك الشقق والطبقات ومزاياه ومشكلاته:

يشهد عصرنا الحاضر انتشارًا واسعًا لتمليك الشقق والطبقات، نتيجة أزمة الإسكان وارتفاع أثمان الأراضي وجسامة تكاليف البناء[1].

والواقع أن هناك مزايا لنظام تمليك الشقق والطبقات تساعد على انتشاره في العصر الحاضر، لعل أهمها الآتي:

(أ) أنه يمكن الكثيرين من تملك المسكن الملائم، فقد أصبح الآن تملك أرض والبناء عليها أمرًا شاقًا على كثير من الناس نظرًا لارتفاع أثمان الأراضي وجسامة تكاليف البناء. وبالتالي ليس هناك خيار أمام الكثيرين سوى أن يتملكوا شقة أو طبقة أو أن يظلوا مستأجرين. ولا شك أن المالك لشقة أو طبقة أحسن حالًا من مستأجرها، لأن الأجرة التي سيدفعها طوال عمره سيدفع منها ثمن الشقة، ولن يحاول أحد أن يطالبه بأجرة لها بعد ذلك، كما لن يضايقه بعد تملكها مالك آخر، وستكون له حرية الانتفاع بها واستغلالها كأي مالك، وله أن يجرى فيها كافة التعديلات والتحسينات باعتبارها ملكًا له.

(ب) يشجع هذا النظام أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة على استغلال أموالهم في انشاء العمارات وبيعها شققًا، لأن ثمن بيع الشقق أكبر بكثير من ثمن بيع العمارة دفعة واحدة مما يحقق أرباحًا زائدة. كما أنه من السهل العثور على مشترين للشقق لأن ثمن الشقة قد يتوافر عند الكثيرين، بينما من الصعب وجود مثل عدد هؤلاء مشترين للعمارة كلها لضخامة ثمن العمارة.

وبناء عمارات شاهقة وبيعها شققًا يرفع أثمان الأراضي، إلا أنه يوفر -من جهة أخرى- من نفقات البناء، عن بناء عدة عمارات صغيرة تضيع مساحات كبيرة منها في الأقنية وتضيع نفقات فيها في التأسيس والتجهيزات اللازمة للعمارة.

(جـ) هذا النظام يشجع كذلك على تكوين شركات وجمعيات لبناء العمارات وتمليكها شققًا.

على أن تمليك الشقق والطبقات لا يخلو من مشكلات، وأهم مشكلاته هي:

(أ) أنه يتضمن دوام الشيوع الجبري في بعض أجزاء العمارة، وهي الأجزاء التي تسمى «بالأجزاء المشتركة» كالمدخل والسلم والأقنية ... إلخ، وهذا يقتضي تعاونًا بين ملاك الشقق والطبقات واحترامًا لحقوق الجوار بصفة دائمة ومستمرة.

(ب) أن هذه الأجزاء المشتركة تحتاج إلى نظام خاص لحفظها وصيانتها وإدارتها.

(جـ) أن انهدام شقة في العمارة أو جدار مشترك أو سقف مشترك، له أثره الخطير على الملاك الباقين في السفل أو في العلو أو المجاورين، مما يتطلب حلًا ناجعًا وعاجلًا لا تتسبب عنه أضرار لهؤلاء الملاك ولا للمالك الذي انهدمت شقته أو جداره أو سقفه أو تصدع له شيء من ذلك.

 

 2- قدم ظهور هذا النظام ومصادره:

تمليك الطبقات نظام عرف من زمن بعيد، إذ يروى أن رجلًا من مدينة سيار في دولة بابل كان يملك دارًا من طابقين باع السفل منها واحتفظ بالعلو. كما عرف الكلدانيون هذا النظام[2]. وعرفته مصر أيام الدولة الرومانية الشرقية. كما عرفته الدولة الإسلامية ونظم الفقه الإسلامي علاقة صاحب العلو يصاحب السفل وأحكام الحائط المشترك والتزامات الجوار وحقوق الارتفاق.

أما أوروبا فالراجح أنها لم تعرف هذا النظام إلا في القرون الوسطى[3] وقد انتشر في بلجيكا وفي فرنسا في مدينة جرينويل ثم في غير ذلك من المدن.

وينشأ هذا النظام من عدة مصادر، منها بيع شخص لطابق أو شقة في عقار يملكه مكون من عدة طوابق أو شقق إلى شخص آخر، أو قسمة مبنى بين عدة ملاك قسمة تجعل لكل منهم طابقًا أو شقة فيه، أو نتيجة قيام جمعية بتمليك أعضائها شققًا في مبنى قامت بإنشائه، أو نتيجة الإيجار التمليكي، ويتم بقيام عدة أشخاص ببناء عمارة بحيث يدفع كل منهم حصة في رأس مال مشترك بنسبة قيمة الشقة التي سيتملكها مع أجرة الشقة لمدة معينة مع قسط آخر يكفي لسداد قروض يقترضونها باسمهم جميعًا، وغالبًا ما يطلقون على تجمعهم اسم «الشركة» وتنحل شركتهم بعد الوفاء بالتزاماتهم وفي التصفية يتملك كل شريك شقته... إلخ.

 

 3- جواز تمليك الشقق والطبقات شرعًا:

أجاز الفقه الإسلامي تمليك الشقق والطبقات، عملًا بالقواعد العامة في الشريعة الإسلامية التي تجيز بيع الأموال وتجيز تملكها ملكًا مفرزًا أو شائعًا كما تجيز تقرير حقوق ارتفاق عليها.

وقد تحدثت نصوص الفقه الإسلامي عن بيع العلو (أي الطبقة العليا) والسفل (أي الطبقة السفلى) وهبة ذلك والصلح عليه واجارته، كما وضعت أحكامًا تعالج مشكلات صيانة السفل والعلو وانهدام أحدهما... الخ[4].

بل تحدث الفقه الإسلامي عن بيع حق القرار وهو يتضمن بيع الفراغ الذي يعلو أحد الأدوار ليبني فيه آخر طبقة أو شقة. ولا يعد بيع حق القرار من الغرر الذي تنهى الشريعة الإسلامية عنه، لأن الفراغ الذي يعلو الطبقة التي تملكها فراغ موجود بالفعل ويمكن البناء فيه، وينتفع من يملكه بسقف الطبقة التي سيبنى عليها لأن هذا السقف سيكون بمثابة الأرض التي يبنى عليها، فلم يكن في بيع حق القرار غرر ينهى الشارع عنه[5].

لكن من الغرر أن تبيع أو تؤجر بيتًا تزعم بناءه أي قبل أن يتم هذا البناء، لأنك قد تبنيه وقد لا تبنيه، فكان وجوده على خطر الوجود والعدم، وهذا نوع من الغرر الفاحش الذي يؤدى إلى النزاع بين الناس، والذي تنهى الشريعة الإسلامية عنه.

والفرق واضح بين بيعك حق القرار وبيعك بيتًا تزعم بناءه، فبيع حق القرار يرد على فراغ موجود بالفعل، أما بيعك البيت في هذا المثال فيرد على شيء غير موجود، لأن البيت المبيع قد يوجد وقد لا يوجد، فكان في بيعه غرر فاحش لا يجوز.

ولقد بلغ من فهم بعض علماء الفقه الإسلامي للأوضاع الاقتصادية المتقدمة، أنهم أجازوا لك أن تبيع علوا على سفل ستبنيه، أي إذا كانت لك أرض ليس عليها بناء، لكن في نيتك أن تبنى عليها الدور الأرضي، جاز لك أن تبيع الفراغ الذي يعلو هذا الدور الأرضي، وعندئذ يمكنك أن تنتفع بثمنه في بناء الدور الأرضي وتسديد بعض تكاليفه[6]، وليس في هذا غرر لأنك تبيع فراغًا موجودًا بالفعل على أرض موجودة وسقف سيوجد حتمًا فإذا لم تقم ببناء السفل أمكن لمن اشترى فراغ العلو أن يبنى السفل بالثمن الذي كان سيدفعه لك ويرجع عليك بباقي التكاليف، وله أن يتملك السفل ويستغله حتى تدفع له تكاليفه ثم يبنى العلو على هذا السفل. وكل ما اشترطه الفقه الإسلامي لصحة هذا التصرف أن يكون كل من السفل والعلو معلومًا للمتعاقدين، أي معروفة أبعاده وطريقة بنائه، حتى لا يكون بينهما نزاع بعد ذلك.

ويجوز لك -من باب أولى- إذا كنت تملك أرضًا- أن تبيع القضاء الذي يمكن فيه أن يبنى المشترى الدور الأرضي، وتحتفظ بحقك في البناء على العلو.

 

4- مجال أحكام ملك الشقق والطبقات:

إذا أردت أن تملك شقة أو طبقة، فذلك يقتضي، من الناحية الشرعية أو القانونية توافر الأمور الآتية:

أولًا: أن يكون هناك مبنى مكون من شقق أو طوابق.

وبالتالي لا مجال لأحكام ملك الشقق والطبقات في الأراضي غير المبنية، فذلك يمكن أن يرد عليها تملك حق القرار أي حق البناء، لكن لا ترد عليها أحكام تملك الشقق أو الطبقات.

كذلك لا مجال لتملك الطبقات في المباني المكونة من طبقة واحدة ولا لتملك الشقق في المباني المكونة من شقة واحدة (كبعض الفيلات)، أي أن مجال أحكام تملك الشقق أو الطبقات يفترض وجود أكثر من شقة أو طبقة في المبنى.

ثانيًا: أن يكون ملك المبنى مجزءًا بين عدة ملاك.

فلا مجال لأحكام تملك الشقق والطبقات في المبنى المملوك لشخص واحد[7]. سواء كان هذا الشخص انسانًا أو جمعية للبناء لم تملك أفرادها شقق المبنى أو طبقاته، أو غير ذلك.

ثالثًا: أن تكون كل طبقة أو كل شقة ملكًا خاصًا مفرزًا لمالكها أو لمالكيها، وأن تكون الأجزاء الأخرى في المبنى كالمدخل والسلم، مما يمكن أن يستعمله سائر ملاك الشقق أو الطبقات إما لأنهم يملكون هذه الأجزاء ملكية شائعة، وإما لأن لهم حق ارتفاق عليها، وتسمى هذه الأجزاء بالأجزاء المشتركة.

وعلى ذلك لا مجال لأحكام تملك الشقق والطبقات في المبنى المملوك كله لعدة ملاك على الشيوع، كما رأينا أنه لا مجال لهذه الأحكام في المبنى المملوك كله ملكية مفرزة لمالك واحد، ذلك أن ملك الشقق والطبقات يتضمن نوعًا خاصًا من الملكية يسمى بالملكية المشتركة.

فالملكية -في الأصل- قد تكون مفرزة وقد تكون شائعة. فالملكية المفرزة هي ملكية يستأثر فيها المالك بالشيء المملوك وحده دون أن يشاركه فيه غيره، كما لو كنت مالكًا وحدك منزلًا من المنازل، أما الملكية الشائعة فهي ملكية يشترك فيها أكثر من مالك بحيث لا يستأثر أحدهم بالشيء المملوك كله أو بعضه، وإنما يكون له نصيب شائع فيه كالنصف أو الثلث مثلاً. فإذا كنت تملك منزلًا مع آخر، لكل منكم فيه الربع مثلًا، كانت ملكية كل منكم ملكية شائعة، أي يكون لك الربع بالمشاع في جميع أجزاء المنزل.

أما ملكية الشقق أو الطبقات فهي ملكية تتميز بأن فيها أجزاء مملوكة ملكية مفرزة مثل الحوائط الداخلية للشقة، وأجزاء أخرى مشتركة قد تكون مملوكة ملكية شائعة لسائر ملاك الشقق أو الطبقات، وقد يكون بعضها سلوكًا ملكية شائعة لهم بينما البعض الآخر لهم عليها حق ارتفاق. وهكذا تعتبر ملكية الشقق والطبقات ملكية مشتركة تجمع بين الملكية المفرزة والملكية الشائعة.

والأجزاء المشتركة إذا كانت مملوكة على الشيوع لملاك شقق أو طبقات المبنى، فإن الشيوع فيها شيوع اجباري تبعي، أي يلزم الملاك فيه بالبقاء على الشيوع فلا يجوز لأحدهم طلب القسمة في هذه الأجزاء المشتركة، كما أن النصيب الشائع لكل منهم في هذه الأجزاء المشتركة إنما هو نصيب تابع للشقة أو الطبقة التي يملكها ملكية مفرزة فالشيوع هنا اجباري وتبعي في نفس الوقت.

وإذا كانت الأجزاء المشتركة غير مملوكة على الشيوع، وإنما عليها حق ارتفاق، فالاشتراك فيها اشتراك في الانتفاع بها، فهي مشتركة في الاستعمال لا في الملكية.

ويلاحظ أن هناك فرقًا بين أن تكون الأجزاء المشتركة مملوكة على الشيوع الجبري التبعي، وبين أن يكون عليها حق ارتفاق، فمثلًا إذا كان هناك منزل مملوك ملكية مفرزة لشخص، ويقع خلفه منزل آخر مملوك ملكية مفرزة لشخص آخر، وكان الوصول إلى المنزل الاخير يقتضى المرور في ممر مملوك لصاحب المنزل الأول، فإننا نكون بصدد حق ارتفاق عبارة عن حق المرور في هذا الممر للوصول إلى المنزل الثاني، فالممر عقار خادم والمنزل الثاني هو العقار المخدوم، والممر مملوك لصاحب المنزل الأول، إلا أن لمالك المنزل الثاني حق استعمال هذا الممر للوصول إلى منزله. وقد تكون بصدد صورة أخرى يملك فيها صاحب المنزل الأول جزءًا من هذا الممر ملكية مفرزة، ويملك فيها صاحب المنزل الآخر الجزء الآخر للممر ملكية مفرزة كذلك. ثم يتفقان على أن يكون لكل منهما استعمال الممر كله، فينشأ بذلك حق ارتفاق «تبادلي» على ملك كل منهما.

هكذا نجد أن الارتفاق حق يرد على ملك الغير، بخلاف الشيوع الجبري فلا يرد على ملك الغير، فالممر إذا كان مملوكًا على الشيوع المالكي المنزلين، فمعنى هذا أن كلًا منهم يملك نسبة معينة كالنصف مثلًا في كل جزئية فيه، وهو إذا استعمله قائمًا يستعمل ملكه أو يستعمل ما له فيه ملك، بينما الارتفاق يستعمل فيه الشخص ملك غيره، والارتفاق يفترض وجود عقار خادم وعقار مخدوم، ويفترض أن مالك العقار الخادم غير مالك العقار المخدوم، وأن كلاهما يملك عقاره ملكية مفرزة. أما الملك في الشيوع الجبري فيفترض وجود عقار تابع مملوك على الشيوع وعقار متبوع مملوك ملكية مفرزة، ويفترض أن مالك العقار المتبوع يملك نصيبًا في العقار التابع.. ولهذه التفرقة نتائجها الهامة في فقه الشريعة وفي فقه القانون[8].

 

 5- نوعان من الأنظمة في ملك الشقق والطبقات:

يمكن أن نميز في أنظمة ملك الشقق والطبقات بين نوعين من الأنظمة:

النوع الأول: نظام الفقه الإسلامي: وفيه تعتبر الطبقة أو الشقة مملوكة ملكية مفرزة، ويلحق بها أجزاء أخرى في المبنى تعتبر مملوكة لمالك الطبقة أو الشقة ملكية مفرزة لكن لباقي ملاك الطبقات أو الشقق عليها حق ارتفاق يخولهم استعمالها والانتفاع بها. وإلى جانب ذلك توجد أجزاء أخرى تعتبر مملوكة لسائر الملاك ملكية شائعة ولهم استعمالها والانتفاع بها على هذا الاعتبار.

فهذا النظام يتميز بأنه يتوسع في الأجزاء الخاصة المملوكة ملكية مفرزة، ويضيق من الأجزاء المشتركة التي يمكن لسائر الملاك استعمالها والانتفاع بها، ويجعل بعض هذه الاشياء المشتركة مملوكًا ملكية شائعة، وبعضها الآخر مملوكًا ملكية مفرزة غير أن السائر الملاك عليه حق ارتفاق.

النوع الثاني: نظام التشريع الفرنسي: وفيه تعتبر بعض أجزاء الشقة مملوكة ملكية مفرزة. أما باقي أجزائها مع سائر أجزاء المبنى الأخرى فتعتبر من الأجزاء المشتركة المملوكة لسائر الملاك ملكية شائعة.

فهذا النظام يتميز بأنه يضيق من الأجزاء الخاصة المملوكة ملكية مفرزة، ويتوسع في الأجزاء المشتركة المملوكة لسائر الملاك ملكية شائعة، ويستغنى بهذا التوسع عن تقرير حق ارتفاق عليها.

وسنشرح - فيما بعد - أهم ملامح هذين النظامين، ونقارن بينهما.

 

 6- أهم الأحكام التي تنظم ملك الشقق والطبقات:

في الفقه الإسلامي ينظم ملك الشقق والطبقات عدة أحكام أهمها ما ورد فيه من أحكام العلو والسفل، وأحكام الجدار المشترك، وأحكام الملكية الشائعة، وأحكام التزامات الجوار... وهذه الأحكام وردت في الفقه الإسلامي من زمن بعيد وهي صالحة لحكم ملك الشقق والطبقات في عصرنا الحاضر، مما يدل على أن الفقه الإسلامي عريق وأصيل.

أما التشريع الفرنسي، فهو تشريع حديث، لأنه لم تكن في فرنسا نصوص تشريعية تحكم هذا النظام سوى المادة ٦٦٤ مدني فرنسي وأحكام الشيوع. وأول قانون فرنسي وضع لتنظيم ملك الشقق والطبقات صدر في ۲۸ يونيو ۱۹۳۸ م. وقد حدد هذا القانون حقوق والتزامات الملاك في الأجزاء الخاصة والأجزاء المشتركة، كما أنشأ من جميع الملاك نقابة بقوة القانون مالم يتفق الملاك على نظام آخر، وجعل سلطة هذه النقابة لا تتعدى المسائل المتعلقة بالانتفاع بالأجزاء المشتركة وادارتها دون عمل تحسينات أو تركيبات جديدة[9] ثم صدر في فرنسا قانون آخر جديد برقم ٥٥٧ لسنة ١٩٦٥ م في ١٠ يوليو ١٩٦٥م الذي عدل بالقانون رقم ١٠٠٦ لسنة ١٩٦٦م، الصادر في ٢٨ ديسمبر ١٩٦٦ م وأكمل بالأمر رقم ۲۲۳ لسنة ١٩٦٧ في ١٧ مارس ١٩٦٧م الخاص بإدارة الملكية المشتركة[10] وقد جعلت هذه التشريعات الجديدة تنظيم نقابة الملاك إلزاميًا لا يجوز الاتفاق على خلافه، كما أجازت لهذه النقابة أن تعمل تحسينات وتركيبات جديدة على تفصيل في ذلك.

ويعتبر القانون المدني المصري العالي نموذج التشريع الذي حاول أن يجمع بين فكرة نظام الفقه الإسلامي وفكرة نظام التشريع الفرنسي الحديث في ملك الشقق والطبقات. ولم يكن الأمر كذلك في مصر فيما مضى، لأن أحكام الشريعة الإسلامية كانت هي الأحكام السارية على هذا النظام في مصر، ثم نص القانون المدني المصري الملغى على المواد 34 - 37 أهلي / 55 - 58 مختلط لحكم هذا النظام، وقد استمد هذه المواد من الفقه الإسلامي ومما نصت عليه مجلة الأحكام العدلية من أحكام، ثم صدر القانون المدني المصري الحالي ينظم ملك الشقق والطبقات في المواد ٨٥٦ - ٨٦٩ بعنوان ملكية الطبقات، وقد تأثر في هذه الأحكام بالقانون الفرنسي الصادر في ٢٨ يونيو ۱۹۳۸ وبالفقه الإسلامي، وقد أجاز القانون المدني المصري الحالي تكوين «اتحاد الملاك الشقق والطبقات» في كل عمارة لإدارة وصيانة الأجزاء المشتركة، غير أن هذا الاتحاد لا يقوم إلا باتفاق الملاك عليه، على خلاف قانون ۱۹۳۸ الفرنسي الذي أقام هذا الاتحاد بقوة القانون إذا لم يتفق الملاك على نظام آخر، وعلى خلاف قانون ١٩٦٥ الفرنسي الذي جعل قيام هذا الاتحاد إلزاميًا لا يجوز الاتفاق على غيره - كما وضع القانون المدني المصري الحالي أحكامًا تنظم علاقة العلو بالسفل.

وقد اختلف شراح القانون المدني المصري الحالي حول ما إذا كان نظام ملك الشقق والطبقات الوارد به هو نظام واحد أم نظامان.

فقد رأى فريق من الفقهاء[11] أن نظام ملك الشقق والطبقات في القانون المدني المصري الحالي إنما هو نظام واحد يتضمن أحكامًا للأجزاء الخاصة المملوكة ملكية مفرزة، كما يتضمن أحكامًا للأجزاء المشتركة المملوكة على الشيوع كما ينظم الارتفاقات بين السفل والعلو.

ويذهب فريق آخر من الفقهاء[12] إلى أن تنظيم القانون المدني المصري الحالي لملك الشقق والطبقات يتضمن التفرقة بين ملكية الشقق وملكية الطبقات، أما ملكية الشقق فهي مستمدة من النظام الفرنسي الذي يجعل المبنى فيه أجزاء خاصة مملوكة ملكية مفرزة وأجزاء مشتركة مملوكة على الشيوع لسائر ملاك الشقق، وأما ملكية الطبقات - فهي في نظرهم - مستمدة من نظام الفقه الإسلامي، وهي ملكية العلو والسفل، وتتميز بأنها ملكية مفرزة لكل طبقة، ولصاحب العلو فيها حق القرار على الطبقة التي تحته، ولا تقترن هذه الملكية بالضرورة بملكية شائعة للأجزاء التي ينتفع بها سائر الملاك وإنما لهم عليها حق ارتفاق، ويضيفون أن نظام ملكية الشقق هو القواعد العامة أما نظام ملكية الطبقات فلا يسرى إلا إذا اتفق عليه، أخذًا من المادة 856/1 التي نصت على أنه إذا تعدد ملاك طبقات الدار أو شققها المختلفة، فإنهم يعتبرون شركاء في ملكية الارض وملكية أجزاء البناء المعدة للاستعمال المشترك بين الجميع.. مالم يوجد في سندات الملك ما يخالفه.

وفي رأينا أن القانون المدني المصري الحالي، يفرق بين ملكية الشقق وملكية الطبقات، كما يذهب هذا الرأي الأخير، إلا أننا نرى أنه في ملكية الطبقات ابتسر بعض أحكام الفقه الإسلامي وغفل عن بعضها الآخر، ولو أخذ بكل هذه الأحكام لما احتاج الى تنظيم آخر لملكية الشقق يستمده من التشريع الفرنسي أو من غيره من التشريعات.

وستحاول -فيما يلي- أن نستعرض أهم ملامح النظام الفرنسي ونظام الفقه الإسلامي في ملك الشقق والطبقات.

 

 7- التفرقة بين الأجزاء الخاصة والأجزاء المشتركة في النظامين الفرنسي والمصري:

سبق أن ذكرنا أن ملك الشقق والطبقات في النظام الفرنسي يفرق بين الأجزاء الخاصة والأجزاء المشتركة. فالأجزاء الخاصة هي أجزاء مملوكة لصاحبها ملكية مفرزة أي تخص مالكًا معينًا دون غيره، كالجدران الداخلية للشقة[13]. والأجزاء المشتركة هي أجزاء يشترك ملاك الشقق في امتلاكها ملكية شائعة[14].

ومعيار التفرقة بين الأجزاء الخاصة والأجزاء المشتركة هو نوع الانتفاع، فإذا كان الانتفاع بجزء من العمارة خاصًا أي مقصورًا على شخص معين كان هذا الجزء خاصًا، وإذا كان الانتفاع بجزء منها مشتركًا بين عدة أشخاص كان هذا الجزء مشتركًا[15].

وذلك كله مالم يوجد نص أو اتفاق يقضى بغير ذلك. فقد تبيع شركة تأمين شقق عمارة بنتها وتحتفظ الشركة لنفسها بملكية الأرض، وقد يتفق ملاك الشقق على أن تكون الأرض المقامة عليها العمارة ملكًا خاصًا لملاك شقق الدور الأرضي، أو يتفقون على أن يكون فناء العمارة أو حديقة فيها ملكًا خاصًا لصاحب الشقة التي تفتح بابًا لها على الفناء أو الحديقة وهكذا.

ومن أمثلة الأجزاء الخاصة في النظام الفرنسي والمصري[16]:

ومن أمثلة الأجزاء الخاصة في النظام الفرنسي والمصري(أ) أرضية الشقة المصنوعة من الخشب أو بلاط الأسمنت أو بلاط قنالتكس أو الرخام أو غير ذلك، أما ما تحت هذه الأرضية فهو سقف للشقة السفلي أو هو أرض العمارة، وكلاهما في الأصل من الأجزاء المشتركة.

(ب) الجدران الداخلية للشقة طالما أنها لا تعتبر من الأجزاء الرئيسية للعمارة، وكذلك ما على الجدران من بياض ودهان وكسوة وزخارف داخل الشقة.

(جـ) أبواب غرف الشقة وبابها الخارجي ونوافذها وشبابيكها (أي شيشها) الداخلية والخارجية، وما بهذه الأبواب أو تلك النوافذ من مقابض أو زجاج أو خلافه.

(د) السواتر الداخلية للشقة وشرفاتها ودعامات هذه الشرف[17].

(هـ) ما بداخل الشقة من أنابيب المياه والغاز وأسلاك الكهرباء وتوصيلة المسرة (التليفون) أو الإذاعة المسموعة (الراديو) أو المرئية (التليفزيون)، والمدافئ التي تعمل بالفحم. وكذلك الأدوات الصحية بداخل الشقة كحوض الاستحمام (البانيو) وأحواض الغسيل وصنابير المياه وغيرها، وأنابيب القمامة الخاصة بالشقة.

(و) ما يتبع الشقة من بدروم أو مخازن أو مأوى (جراج) للسيارات أو غرفة للخدم أو للغسيل إذا لم يكن مخصصًا إلا لصاحب الشقة ولم يكن مشتركًا بينه وبين غيره في الملك أو الاستعمال.

ومن أمثلة الأجزاء المشتركة في النظام الفرنسي والمصري:

(أ) الأرض المقام عليها بناء الشقق، فهي مملوكة لجميع ملاك شقق العمارة.

(ب) أساسات المبنى داخل الأرض وعلى سطحها مما يقوم عليه البناء.

(جـ) الأفنية (المناور) سواء كانت أقنية داخلية أو كانت أقنية خارجية تطل على الشارع، أو كانت أفنية المرافق (أي أفنية دورات المياه والحمام والمطبخ).

وقد يستغل مالك إحدى الشقق في الدور الأرضي جزءًا من فناء، أو أحد الأفنية، برضا ملاك سائر الشقق، بل وقد يعترف له بحق استقلال خاص لأحد الأفنية وعندئذ يحق له أن يغطيه أي يجعل له سقفًا[18].

كذلك قد ينشئ أحد الملاك على أحد الأفنية مبنى كغرفة أو مخزن، فتكون الفرقة ملكًا خاصًا له، ويظل الفناء من الأجزاء المشتركة المملوكة لسائر الملاك، ويتم هذا باتفاق صريح أو ضمني بين ملاك الشقق[19].

(د) الحديقة أو الحدائق التابعة للمبنى: وهذا يحسن تنظيمه باتفاق حتى لا يحدث نزاع بين ملاك الشقق، على أن جزءًا من الحديقة يتولى ملاك شقق الدور الأرضي استغلاله استغلالًا خاصًا بهم، ويتم ذلك عادة باتفاق صريح أو ضمني أيضًا بين ملاك الشقق[20].

(هـ) الأسوار، كسور المبنى وسور الحديقة التابعة له[21].

(و) المداخل: كالمدخل الرئيسي للعمارة، والمداخل الفرعية إن وجدت، وأبواب هذه المداخل ونوافذها.

(ز) الجدران الرئيسية للمبنى، ومنها الحوائط الخارجية للعمارة، والأعمدة المسلحة الرئيسية لا الفرعية، والحوائط الخارجية لكل شقة عدا الحوائط الفاصلة بين شقتين فتكون ملكيتها مشتركة بين أصحاب هاتين الشقتين[22] وكذلك جدران السلم من الأجزاء المشتركة.

(ح) الأسقف (أو قواعد الأرضيات) فهي جزء لا يتجزأ من الجسم الرئيسي للبناء[23] أما ما على قواعد الأرضيات من بلاط أو خشب أو خلافه فهو من الأجزاء الخاصة بمالك الشقة، على ما عرفنا.

(ط) الممرات والدهاليز: إلا أنه إذا كان الممر خاصًا بشقتين، فملكيته مشتركة بين أصحاب هاتين الشقتين[24].

(ى) السلم والمصعد: ونوافذ السلم وملحقاته كمسند السلم (الدرابزين) والتوصيلات الكهربائية للمصعد[25].

(ك) أنابيب المياه والغاز وأسلاك الكهرباء، إلا ما كان منها داخل الشقة، والتوصيلات الرئيسية لذلك ومسالك الدخان والمجاري والبشر، والعداد العام للكهرباء والمياه، عدا العدادات الخاصة فهي لأصحاب الشقق، والتوصيلات الرئيسية لأجهزة التدفئة والإذاعة.

(ل) السطح من الأجزاء المشتركة على أساس أن الانتفاع به مشترك بين سائر ملاك الشقق[26].

(م) أماكن الخدمة العامة، مثل غرفة البواب أو الغفير، أماكن عربات الأطفال والدراجات، وصناديق القمامة خارج الشقق[27].

وهناك حقوق تابعة للأجزاء المشتركة منها:

(أ) حق التعلية للبناء:

(ب) حق إقامة مباني في الأفنية أو الحديقة.

(ج) حق إنشاء منتزهات أو حديقة في المبنى.

فهذه الحقوق هي لسائر ملاك الشقق مالم يتفق على غير ذلك، كان يتفق على أن يكون لملاك شقق الدور الأعلى حق التعلية أو لملاك شقق الدور الأرضي استغلال الحديقة... الخ.

 

 8- نصيب مالك الشقة في الأجزاء المشتركة

مالك كل شقة يملك جزءًا شائعًا في الأجزاء المشتركة بنسبة قيمة شقته، مالم يتفق على غير ذلك[28].

وتتحدد قيمة الشقة على أساس مساحتها وموقعها ومواصفات بنائها، والعبرة في تقدير هذه القيمة بوقت انشاء الملكية المشتركة، فلا عبرة بأي تغيير خارجي يطرأ على المبنى بعد انشائه كتحسين صنع المبنى لتوسيع الطريق الذي يطل عليه مثلًا مما يزيد في أثمان الشقق، كما لا عبرة بأي تغيير داخلي في الشقة كزينة أو زخارف. ويلاحظ أن قيمة الشقة على هذا الأساس قد تختلف عن الثمن الذي بيعت به، لأن تحديد هذا الثمن قد يختلف من مشتر إلى آخر وقد يتوقف على اعتبارات شخصية.

وتحديد حصة مالك الشقة في الأجزاء المشتركة له أهميته من عدة وجوه منها: أن توزيع تكاليف صيانة وتجديد هذه الأجزاء المشتركة يتم بنسبة نصيب كل مالك فيها، كذلك إذا تحقق عائد أو دفع بدل لهذه الأجزاء المشتركة كثمن بيع ثمار الحديقة أو تأجير جزء من فناء العمارة أو نزع جزء منه للمنفعة العامة، فإن هذا العائد أو البدل يوزع على ملاك الشقق بنسبة تصيب كل منهم، كذلك عند إدارة هذه الأجزاء المشتركة تكون العبرة برأي أغلبية الشركاء. وتحسب هذه الأغلبية على أساس نصيب كل مالك في الأجزاء الخاصة المفرزة وما يتبعها من أجزاء مشتركة.

 

 9- طبيعة حق مالك الشقة على الأجزاء المشتركة:

آثار وضع الأجزاء المشتركة خلافًا كبيرًا في الفقه حول طبيعة حق مالك الشقة عليها، وأهم الآراء في ذلك كانت تتلخص في الآتي:

الرأي الأول: أن مالك كل شقة له حق ارتفاق على الأجزاء المشتركة، عدا الأرض فيمتلكها جميع الملاك على الشيوع. ومقتضى هذا الرأي أن يكون مالك الشقة مالكًا لجدرانها الداخلية والخارجية ومالكًا لأرضها وسقفها ملكية مفرزة، غير أن لسائر ملاك الشقق حق ارتفاق على الجدران الرئيسية وعلى أرض الشقة أو سقفها وعلى الأجزاء المشتركة الأخرى في المبنى عدا الأرض فيملكها جميع ملاك الشقق ملكية شائعة[29].

وهذا الرأي كان له في فرنسا في ظل المادة ٦٦٤ مدني فرنسي[30]، إلا أنه لم بعد قائمًا بعد صدور قانون ۲۸ يونيو ۱۹۳۸ الفرنسي ومن بعده قانون ۱۰ يوليو ١٩٦٥ م الفرنسي وكلاهما اعتبر كل الأجزاء المشتركة مملوكة لجميع ملاك الشقق ملكية شائعة.

وكان هذا الرأي هو السائد في مصر في ظل القانون المدني السابق، حيث كان المالك لطبقة يعتبر مالكًا لها ولجدرانها الرئيسية ملكية مفرزة، وله حق ارتفاق على ما تحته من سفل أو ما فوقه من علو، إلا أن الأرض والتوصيلات الرئيسية للمياه والكهرباء كانت مملوكة ملكية شائعة لسائر ملاك الطبقات[31]، وفي ظل القانون المدني الحالي فإن هذا الرأي، يطبق على ملكية الطبقات في العلو والسفل بخلاف ملكية الشقق التي يعتبر فريق من الفقهاء الأجزاء المشتركة فيها مملوكة ملكية شائعة.

الرأي الثاني[32]: ويذهب الى أن العمارة كلها تكون مملوكة لسائر ملاك الشقق والطبقات ملكية شائعة، على أن يكون لكل مالك منفردًا حق استعمال الشقة التي تخصه ويستعمل مع غيره من الملاك سائر الأجزاء الشائعة. فكأن العمارة قد قسمت بين الملاك قسمة مهايأة مكانية دائمة.

وهذا التصوير يتعارض مع نصوص المواد 5 قانون ۱۹۳۸ الفرنسي السابق. و۲ و۳ قانون ١٩٦٥ الفرنسي الحالي، كما يتعارض مع أحكام المواد 34/٣7. و٥5/٥8 مدني مصري سابق والمادة ٨٥٦ من القانون المدني المصري الحالي، وهذه المواد صريحة في وجود ملكية مفرزة في المبنى لمالك الشقة أو الطبقة. وهذه الملكية المفرزة هي ميزة ترغب الناس في ملك الشقق والطبقات فلا يليق سلبها منه.

الرأي الثالث[33]: ويذهب إلى النظر إلى أن كل مالك لشقة يملك نصيبًا أو حصة في المبنى عبارة عن شقته وما يتبعها من الأجزاء المشتركة. والعبرة بالأصل وهو الشقة، أما الفرع فيتبع الأصل. والأصل هنا عبارة عن حصة مملوكة ملكية مفرزة.

على أن هذا الرأي لم يوضح لنا سوى تبعية الأجزاء المشتركة للنصيب المفرز، وهو أبو مسلم، لكن هذا التبعية لا تنفى أن لهذه الأجزاء المشتركة وضع خاص ينبغي النظر إليه، خصوصًا مع توسع النظام الفرنسي والمصري في اعتبار معظم أجزاء العمارة أجزاء مشتركة.

الرأي الرابع: ويذهب إلى أن مالك الشقة يملك شقته ملكية مفرزة، ويملك معها على الشيوع حصة في الأجزاء المشتركة.

وهذا هو الرأي السائد في فرنسا[34]، وفى مصر[35]، باعتباره الرأي الذي يتفق مع النصوص المعمول بها «وهي: قانون ۱۰ يوليو ١٩٦٥م في فرنسا والمادة ٨٥٦ مدني مصري وما بعدها في مصر».

 

 10- نتائج اعتبار بعض الأجزاء مشتركة:

يترتب على اعتبار بعض الأجزاء في المبنى أجزاء مشتركة نتائج عامة منها:

(أ) أن تكون هذه الأجزاء المشتركة مملوكة لجميع ملاك الشقق، ملكية شائعة على الرأي السائد.

(ب) أن تظل على حالة الشيوع الجبري، وبالتالي فإن هذه الأجزاء المشتركة لا تقبل القسمة.

(جـ) أن يكون نصيب كل مالك لشقة في هذه الأجزاء المشتركة تابعًا لملكيته المفرزة للشقة. وبالتالي لا يجوز لمالك أي شقة أن يتصرف في نصيبه في الأجزاء المشتركة مستقلًا عن الشقة التي يملكها، تصرفًا ناقلًا للملكية كالبيع أو غير ناقل لها كالرهن. كذلك لا يجوز التنفيذ الجبري على نصيب الشريك في الأجزاء المشتركة مستقلًا عن الشقة التي يملكها ملكية مفرزة.

وأخيرًا فإن التصرف في الشقة يشمل النصيب التابع لها في الأجزاء المشتركة ما لم يتفق على غير ذلك.

(د) لا يجوز لمالك أي شقة أن يحدث تعديلًا في الأجزاء المشتركة، إلا بموافقة جميع ملاك الشقق في العمارة أو بإذن اتحاد الملاك، كقاعدة عامة[36].

(هـ) الأجزاء المشتركة مخصصة للاستعمال المشترك، أي لاستعمال جميع ملاك الشقق، ولمالك كل شقة أن يستعمل الأجزاء المشتركة بشرط أن يكون هذا الاستعمال في حدود ما أعدت له هذه الأجزاء، فلا يستعمل مأوى السيارات «الجراج» مثلًا مخزنًا لمنقولاته القديمة، وأيضًا بشرط إلا يحول استعماله للأجزاء المشتركة دون استعمال باقي الشركاء لحقوقهم عليها.

(و) يشترك كل ملاك الشقق في تكاليف حفظ الأجزاء المشتركة وصيانتها وادارتها وتجديدها، كقاعدة عامة.

(ز) أجاز القانون المدني المصري الحالي أن يتفق ملاك شقق المبنى على تكوين اتحاد لهم يتولى إدارة وصيانة الأجزاء المشتركة. وأنشأ قانون ۱۹۳۸م الفرنسي من جميع ملاك شقق المبنى نقابة بقوة القانون ما لم يتفق هؤلاء الملاك على نظام آخر، بينما جعل قانون ١٩٦٥ والأمر رقم ٢٢٣ لسنة ١٩٦٧ في فرنسا قيام هذه النقابة إلزاميًا لا يجوز الاتفاق على ما يخالفه لإدارة وصيانة الأجزاء المشتركة وعمل تحسينات وتركيبات فيها في حدود معينة[37].

 

 11- نقد التوسع في اعتبار بعض الأجزاء في المبنى أجزاء المشتركة:

سبق أن ذكرنا أن النظام الفرنسي في ملك الشقق والطبقات، وعنه أخذ القانون المصري، يتوسع في الأجزاء المشتركة في المبنى.

وقد رأينا عند الكلام عن أمثلة الأجزاء المشتركة أن الأرض والأفنية والحديقة والأسوار والمداخل وأساس المبنى وجدرانه الرئيسية وأسقفه، وممراته ودهاليزه وسلمه ومصعده وسطحه من الأجزاء المشتركة، وكذلك أماكن الخدمة العامة والتوصيلات الرئيسية لمرافقة.

ومن يتأمل أمثلة الأجزاء المشتركة في النظام الفرنسي والمصري يجد أن المبنى كله يكاد يكون من الأجزاء المشتركة، عدا الحوائط الداخلية في كل شقة وبلاط أو خشب أرضيتها وأبوابها ونوافذها وما يداخلها من أنابيب المياه والكهرباء والغاز أي أن النذر اليسير في المبنى هو الذي يعتبر من الأجزاء الخاصة المملوكة ملكية مفرزة، وهو الذي يعتبر الأصل، بينما الجزء الأكبر والغالب من المبنى هو الذي يعتبر من الأجزاء المشتركة المملوكة ملكية شائعة، وهو الذي يعتبر فرعًا تابعًا للأصل. وهو وضع معكوس. ولذلك رأينا عند الكلام عن طبيعة حق مالك الشقة على الأجزاء المشتركة من يرى أن العمارة كلها مملوكة على الشيوع، وأن لكل مالك منفردًا حق استعمال الشقة التي تخصه، وهو تصوير أقرب إلى الواقع لولا أن نصوص القانون تتعارض معه، وتذهب بالتحكم إلى اعتبار الأجزاء الخاصة في الأصل والأجزاء المشتركة في الفرع التابع، مع غلبة هذا الفرع وكبر حجمه وشموله لأغلب أجزاء العمارة، لأن الحوائط الخارجية للشقة وأرضها وسقفها من الأجزاء المشتركة، وفقًا لتصوير النظام الفرنسي، بينما الحوائط الداخلية في الأجزاء الخاصة من الشقة، فإذا خرجنا من الشقة وجدنا كل ما يستعمله مالك الشقة من سائر أجزاء المبنى بعد ذلك هو من الأجزاء المشتركة، فهو يعيش في فراغ محاط من كل جوانبه بأجزاء مشتركة ويكاد لا يملك - على انفراد - من الشقة إلا استعمالها من الداخل فحسب.

إن الأفنية و"المناور"، مثلًا يستعملها في الغالب ملاك الشقق في الدور الأرضي، ويكفي أن يكون لملاك الشقق العليا عليها حق ارتفاق المطل، ذلك هو الوضع العملي، وهو الأفضل من اعتبار كل ملاك الشقق في العمارة ملاكًا لهذه الأفنية، لأن ذلك قد يدفع ببعضهم إلى منازعة ملاك شقق الدور الأرضي في هذه الأفنية على أمور تافهة بحجة أنهم من ملاك هذه الأفنية، بل وقد يسيء بعضهم استعمال هذه الأفنية أو يحاول إيذاء ملاك شقق الدور الأرضي بوضع القمامة مثلًا في هذه الأفنية في بعض المناطق المزدحمة بالسكان بحجة أن لهم نصيبًا في ملكية هذه الأفنية. أن اختصاص ملاك شقق الدور الأرضي بملكية هذه الأفنية يوفر كثيرًا من هذه المنازعات وهو أصلح لصيانة هذه الأفنية وحسن استعمالها.

ولقد اتجه المشرع الفرنسي والمصري إلى اعتبار الحائط الفاصل بين شقتين ملكًا مشتركًا بين أصحاب هاتين الشقتين فحسب، فلماذا لا يعتبر السقف كذلك بين شقتين ملكًا مشتركًا بين أصحاب هاتين الشقتين؟! أن هذا الوضع سيحصر النزاع حول صيانة هذا السقف بين مالكي هاتين الشقتين وهو وضع عملي يفضل كثيرًا جعل هذا السقف مملوكًا لجميع ملاك شقق العمارة ويكفل سرعة حل أي نزاع حوله.

ثم لماذا لا تعتبر الحوائط الخارجية للشقة التي تطل على شارع أو فناء، كالحوائط الداخلية للشقة مملوكة ملكية خاصة لمالك الشقة؟ أليس ذلك مما يحفز مالك الشقة على صيانتها والعناية بها أكثر من جعلها مملوكة لسائر ملاك شقق العمارة الذين تتضاءل مصلحتهم أو تكاد تتقدم بالنسبة لهذه الحوائط، اللهم إلا عند تهدمها وهو وضع له حكم خاص.

حتى سلم العمارة، هل يهتم مالك لشقة في الدور الأرضي بتصدع بضع درجات في السلم الموصل مثلًا للدور الخامس أو العاشر؟ مهما قيل له أنه مالك لهذا السلم مع غيره على الشيوع، فإن هذه الملكية ذاتها هي التي ستدفعه إلى الأعمال باعتبار أن هناك غيره من سيتولى ذلك، أو من تكون مصلحته حافزًا له على الاهتمام بالسلم الذي يعلوه، فلماذا لا يعاد النظر في ملكية السلم على النحو الذي يحفز مالكه ومن له مصلحة فيه على الاهتمام بصيانته والمحافظة على حسن استعماله؟

وكذلك الحال بالنسبة لأرض المبنى وأساساته أو سطحه وحدائقه وغير ذلك مما يجب إعادة النظر فيمن يختص بملكيته.

ولا يقال أن تكوين اتحاد لملاك شقق العمارة يحل مشكلات الأجزاء المشتركة، فكلنا يعرف ما قد يعترى هذا الاتحاد بعد فترة من الفتور وما يقف أمامه من صعوبات وما يفتته من منازعات، وقد كان التشريع الفرنسي ۱۹۳۸ م يجعل هذا الاتحاد قائمًا بقوة القانون مالم يتفق على غير ذلك، ووجد المشرع الفرنسي أن هذا الوضع لا يكفى فجعل في تشريع ١٩٦٥ م قيام هذا الاتحاد ملزمًا ولو اتفق الملاك على عدم قيامه، وذلك لما لاحظه من تسبب واهمال في إدارة الأجزاء المشتركة، فما بالك بالوضع في مصر وقيام اتحاد الملاك فيها أمر اختياري لا يوجد إلا عند الاتفاق عليه.

إن كل توسع في الأجزاء المشتركة يعنى الزيادة في مشكلات ملك الشقق، مع النسيب والإهمال في إدارتها، وعدم الاكتراث بثروة المباني وهي ثروة قومية.. ومهما أقمنا من اتحادات للملاك وجعلنا قيام هذه الاتحادات أمرًا لازمًا، فإن هذه الاتحادات ستعاني من مشكلات التوسع في الأجزاء المشتركة.

ذلك أن التوسع في الأجزاء المشتركة يعنى التوسع في الملكية الشائعة، وللملكية الشائعة عيوبها الكثيرة، لكثرة الشركاء فيها وتعدد مطالبهم وتشابك مصالحهم.

فإذا أضيف إلى ما سبق أن الشيوع في الأجزاء المشتركة إنما هو شيوع جبري لا سبيل إلى القسمة فيه، لتبين لنا أن عيوب الملكية الشائعة ستظل ملازمة لملك الشقق على الدوام، ولا مقر للخلاص منها.

وناهيك إذا ما تفتت ملكية كل مشقة بالميراث عندئذ ستتفاقم مشكلات الأجزاء المشتركة وتزداد تعقيدًا، خصوصًا مع قدم المبنى وكثرة ما يحتاج فيه إلى صيانة وترميم وإصلاح.

ولا شك أن الإدارة المشتركة لا يمكن أن تحقق ما تحققه إدارة المالك لملكه الخاص.

ثم إن أهم ميزة لملك الشقق أن ينفرد كل مالك بملكية خاصة لشقته، وهذه الميزة تكاد تتلاشى مع التوسع في الأجزاء المشتركة التي تجعل مالك الشقة يكاد يملكها ملكية شائعة.

ولا معنى لأن يثبت الملك لشخص في أمر لا تهمه مصالحه لأن الملك اختصاص، وينبغي أن يظفر بهذا الاختصاص من تجعله مصالحه أكثر اهتمامًا به، أما من تكون له مصالح عابرة في الشيء فإن فكرة حق الارتفاق يمكن أن تفي بمصالحه العابرة. وهذا هو النهج الذي سار عليه الفقه الإسلامي، كما سنرى.

 

۱2- التفرقة بين العلو والسفل في الفقه الإسلامي:

إذا كان النظام الفرنسي قد حدد أحكام ملك الشقق على أساس التفرقة بين الأجزاء الخاصة والأجزاء المشتركة في المبنى، مع التوسع في الأجزاء المشتركة، فإن الفقه الإسلامي قد نظم أحكام ملك الشقق والطبقات على أساس التفرقة بين العلو والسفل، وهي تفرقة كانت أصلًا للطبقات يعلو بعضها بعضًا، وليس هناك ما يمنع قياس الشقق عليها باعتبار أن بعضها يعلو بعضها الآخر، أما الشقق المتجاورة فهي كالمباني المتجاورة وهذه لها أحكامها العامة المنصوص عليها في باب الحائط المشترك، فتبين أن الذي يميز ملك الشقق والطبقات في الحقيقة هو العلو والسفل، وهو اعتبار أوضح من فكرة الأجزاء الخاصة والأجزاء المشتركة. على أن الفقه الإسلامي لا يستبعد فكرة الأجزاء الخاصة والأجزاء المشتركة، وإنما يضيف إليها فكرة الارتفاقات.

وتتميز أحكام العلو والسفل التي تحدد ملك الشقق والطبقات في الفقه الإسلامي بالآتي:

(أ) التوسع في الأجزاء الخاصة، أي الأجزاء المملوكة ملكية مفرزة، وذلك على أساس أن اهتمام الشخص بملكه الخاص أكثر من اهتمامه بالملك الشائع بينه وبين غيره.

(ب) لا يثبت الملك الشائع إلا بالقدر الضروري، وذلك في الأجزاء التي يكون لأصحابها فيها مصالح تجعلهم أكثر اهتمامًا بها، وبذلك تضيق دائرة الأجزاء المشتركة، مع الحد من تعدد الملاك فيها بقدر الإمكان.

(جـ) أما من له مصالح عابرة، فيثبت له حق ارتفاق لتمكينه من الحصول على مصالحه، وذلك على أساس أن الملك اختصاص، ولا ينبغي أن يظفر بهذا الاختصاص إلا من تجعله مصالحه أكثر اهتمامًا به.

ويمكن أن تتلخص الأحكام التي تبنى على هذه الأسس التي تحدد ملامح أحكام ملك الشقق والطبقات في الفقه الإسلامي، على النحو الآتي:

أولًا: تثبت الملكية الخاصة المفرزة لمالك كل شقة أو طبقة في جميع الجدران الداخلية والخارجية لشقته أو طابقه، عدا الجدران التي تكون مشتركة بينه وبين جار له. وكذلك أبواب الشقة وأبواب غرفها ونوافذها وشبابيكها (أي شيشها) الداخلية والخارجية، وما بهذه الأبواب أو تلك النوافذ من مقابض أو زجاج أو خلافه. والسواتر الداخلية للشقة أو الطابق والشرفات ودعاماتها، وما بداخل الشقة أو الطابق من أنابيب المياه والغاز وأسلاك الكهرباء والمسرة (التليفون) والإذاعة. وكذلك المدافئ والأدوات الصحية وأنابيب القمامة وما يتبع الشقة أو الطابق من بدروم أو مخازن أو مأوى (جراج) للسيارات أو غرفة للخدم أو للغسيل.

كما يملك مالك الطابق الأرضي أو ملاك الشقق في الدور الأرضي، الأرض المقامة عليها الطابق أو الشقة كما يملك الفناء الذي تطل عليه إلا إذا كان مشتركًا بين شقتين فهو لمالكيهما، وفي حكم الفناء الحديقة والأسوار، فهذه تعتبر مملوكة ملكية خاصة لمالك الطابق الأرضي، أو مملوكة ملكية شائعة بين مالكي شقق الدور الأرضي التي تطل عليها، أما ملاك باقي الشقق فلهم عليها حق ارتفاق المطل أو المرور[38].

وعلى هذا يفترق الفقه الإسلامي عن النظام الفرنسي في أنه جعل كل حوائط الشقة مملوكة لمالك الشقة، عدا ما كان مشتركًا بينه وبين جار له، وجعل الأرض والفناء والحديقة والأسوار لمالك الطابق الأرضي، أو لملاك شقق الدور الأرضي، وبهذا أثبت الملك لمن كانت مصالحه أكثر اهتمامًا به، مما يحقق المالك على العناية به وصيانته، وجعل لمن له مصالح عابرة كملاك الشقق العليا حق المطل على الفناء والحديقة لتحقيق هذه المصالح بالقدر الضروري فحسب.

ثانيًا: تثبت الملكية الشائعة في الأجزاء التي لا مناص فيها من الانتفاع المشترك مع الحد من تعدد الملاك بقدر الإمكان أي أن الفقه الإسلامي يضيق من فكرة الأجزاء المشتركة، ليجعلها بالقدر الضروري، حتى يقلل من أضرار وعيوب الملكية الشائعة.

وعلى هذا الأساس نجد أن:

(أ) مدخل العمارة: من الأجزاء المشتركة المملوكة ملكية شائعة لسائر ملاك الشقق والطوابق، فكلهم له مصالح فيه عامة فثبت الاختصاص لهم جميعًا في تملكه، لأن انتفاعهم به انتفاع مشترك[39].

(ب) سلم العمارة: هو لملاك الشقق فوق الأرضي. لأن لهم اليد عليه، وكلهم لهم مصالح فيه هامة وانتفاعهم به مشترك فكان مملوكًا لهم على الشيوع، على تفصيل في ذلك[40].

(جـ) السقف: هو مشترك بين الشقة التي يعلوها والشقة التي يسفلها، وبالتالي يعتبر مملوكًا ملكية شائعة بين مالكي السفل والعلو، على رأي جمهور الفقهاء[41]، ولا يعتبر مملوكًا لسائر ملاك الشقق لأن الحد من تعدد الملاك يقلل من عيوب الملكية الشائعة، ثم إن مصالح أصحاب الشقتين اللتين بينها السقف تجعلهم أكثر اهتمامًا به، كما أن الانتفاع المشترك بهذا السقف أظهر بالنسبة لهما عن غيرهما، فثبت الملك لهما فيه دون غيرهما، ونظير ذلك الحائط المشترك كما سنرى، فهو مملوك ملكية شائعة لأصحاب الشقتين اللتين يفصل بينهما.

(د) الحائط الفاصل بين شقتين: ذلك أن حوائط الشقة الخارجية قسمان أحدهما يفصل بين شقتين والآخر يطل على الشارع أو على قناء العمارة أو فناء السلم، فالحائط الفاصل بين شقتين مملوك ملكية شائعة لأصحاب هاتين الشقتين فحسب[42].

(هـ) التوصيلات الرئيسية للمياه والغاز والكهرباء ومسالك الدخان والمجاري والبشر وكذلك أماكن الخدمة العامة مثل غرفة البواب وأماكن الدراجات فهذه كلها مملوكة ملكية شائعة لسائر ملاك الشقق، أو لملاك الشقق التي ينتفعون بها انتفاعًا مشتركًا.

ثالثًا: يثبت حق ارتفاق لملاك الشقق الذين لهم مصالح عابرة، على بعض الأجزاء الخاصة المملوكة لبعض الملاك، بالقدر الذي يحقق مصالحهم، كالمطل على الفناء والحديقة. والقرار على السفل ... الخ[43].

ويلاحظ أن الاحكام السابقة تبنى على العرف، وبالتالي تتغير بتغير العرف، كما أنه إذا وجد اتفاق على ما يخالفها وجب العمل به، لأن كل شرط لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا يجب الوفاء به[44].

وهكذا يجمع الفقه الإسلامي بين الدقة والمرونة، ويضع كل حكم في موضعه الصحيح.


[1] ونضرب لذلك مثلاً بما حدث في مصر، ذلك أن هذا النظام لم يكن منتشرًا فيها، إلا أن المشرع المصري توقع انتشاره فوضع سنة 1948م أحكامًا له في القانون المدني الحالي، ولم يمضي أقل من عشرين سنة حتى انتشر هذا التمليك انتشارًا واسعًا في القاهرة والإسكندرية، كما أخذ في الانتشار في غيرهما من المدن.

[2] برنارد Robert Bernard في رسالته La propriété des étages et des appartements dans les maisons horizantalement divisées. Paris 1928, P. 8.

[3] جوليو Julliot في كتابه Traité-Formulaire de la division des maisons par étages et par appartements. Paris. 1938, P. 2.

[4] ومن هذه النصوص عند الحنابلة: المغني لابن قدامه جـ ٤ ص ٤٥٧ والاقناع ج ۲ ص ۱۹۹. وعند الشافعية: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج جـ ٤ ص ۱۲۷ ومعنى المحتاج ج ۲ ص ١٩، وعند المالكية حاشية الدسوقي ج ٣ ص ١٤، وعند الأحناف: حاشية ابن عابدين جـ 5 من ٤٤٨.

[5] وذلك على خلاف رأى آخر في الفقه الاسلامي يعتبر ذلك غررًا - انظر عبد السلام العبادي في رسالته الملكية في الشريعة الإسلامية ط ١٩٧٤ عمان، ج ۱ ص ۲۱۰ – ۲۲۱. (البيت غير مبنى إذا وصف العلو والسفل. ويصبح فعل ذلك صلحًا أبدًا، وإجارة مدة معلومة).

[6] في الاقناع ۲ - ۱۹۹ (ويصح أن يشترى.. علو بيت يبنى عليه بنيانا موصوفًا، وكذا لو كان يصح البيع والصلح والإيجار.

وفي الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي 3- 14 (وجاز بيع هواء ... أي فضاء فوق هواء بأن يقول شخص لصاحب أرض بعني عشرة أذرع مثلاً فوق ما تبنيه بأرضك أن وصف البناء الأسفل والأعلى لفظًا أو عادة، للخروج من الجهالة والغرر).

وهناك رأى على أن ذلك لا يجوز لقولهم (أما حق التعلي فمتعلق بالهواء وهو ليس بعين مال) حاشية ابن عابدين 5-87، أي أن البيع يرد على هواء، والهواء ليس بمال فلا يجوز بيعه طالما أن البائع لا يحوزه. وهذه الحجة محل نظر لأن البائع هنا لا يبيع الهواء وإنما يبيع حيزًا معينا فوق أرضه أو فوق مبنى بناه، وهو يحوز هذا الحيز ويتموله الناس فكان مالاً وجاز بيعه.

[7] حتى لو جاوره مبنى آخر، وكان لأحدهما حق المرور في عقار الآخر ليصل إلى ميناء. انظر حكم 8- 4 - ١٩٧٠ في Gazette du Palais (جازيت دي باليه) ١٩٧٠ - ٢-٢٠٦.

[8] انظر: بلا نبول وريبير وبيكار:

Plnniol et Repert, Traitێ de droit civil.

Fran„„†çais, T, 111 (les bicns), par M. picard. paris 1952, P. 289.

[9] انظر في شرحه جوليو Julliot المرجع السابق. ودا للوز الدوري ۱۹۳۹ تعليق شفالييه Chevallier ص ٤ وما بعدها.

ويلاحظ أن قانون ۱۹۳۸م، اعترف (لشركات) الإيجار التمليكي بالشخصية الاعتبارية وهي الجماعات التي نشطت لتمليك الشقق في ذلك الوقت لأعضائها ولم تكن تستهدف الربح، ومع ذلك اعتبرها شركات سواء استهدفت الريح أو لم تستهدفه خلافًا للقواعد العامة التي لا تعتبر شركة إلا ما كان يستهدف الربح كما أجاز قانون ۱۹۳۸ لها عمل اكتتابات اضافية لزيادة رأس المال لمواجهة التكاليف غير المتوقعة. وهو ما يتضمن زيادة أعباء الشركاء على خلاق القواعد العامة التي لا تجيز ذلك

[10] داللوز، التقنين المدني ط 68-۱۹۱۹ م ص ۳۱۱ - ۳۳۱ وانظر في شرحه Cabanac: Traité de la construction en copropriété et du noveau régime de la copropriété, T. 2, 1970.

(ب) وأيضًا موسوعة داللوز Encyclopédie Dalloz

القانون المدني -المجلد الثالث- ١٩٧٥م الملكية المشتركة للعقارات المبنية بواسطة جيفوردن وجيفورد

Claude Giverdon, François Givord

Sizaire (سيزار) La Statut de la copropriété des immeubles bâtis, 1969.(ج)                   

(د) زورفليه وترايزافورت - المرجع السابق الإشارة إليه لهما.

[11] حسن كيره في الموجز في أحكام القانون المدني - الحقوق العينية الأصلية لـ ۱۹۷۵ م بند ۱۳۷ و١٤٣ - وعبد المنعم البدراوي في حق الملكية طـ ۱۹۷۳ م بند ۱۷۳ وعبد المنعم الصدة في حق الملكية ط ١٩٦٤ بند ١٨٤ - ١٨٦ - ومذكرة المشروع التمهيدي - مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري جـ ٦ ص ١٦٧.

[12] أحمد سلامة في الملكية الفردية في القانون المصري ط ۱۹۷۰ بند ۱۵۳ - وإسماعيل غانم في الحقوق العينية الأصلية ط ١٩٦١ ج ۱ بند ١٤٩ - السيد على المغازي في ملكية طبقات المنازل ط ١٩٤٩ بند ٤٨ - وجميل الشرقاوي بند ٥٩ وعبد الرزاق السنهوري في الوسيط جـ 8 بند ٦١٤ - ومحمد لبيب شنب في موجز الحقوق العينية الـأصلية طــ ١٩٧٤ بند ۳۱۸ ومنصور مصطفى منصور في حق الملكية في القانون المدني المصري ط ١٩٦٥ بند ۱۰۰.

[13] ووجود الأجزاء الخاصة يميز ملك الشقق عن الملك الشائع، فلو أن العمارة كلها كانت مملوكة لعدة أشخاص ملكية شائعة. لكان ملاكها شركاء على الشيوع دون أن يختص أحدهم بأي جزء منها.

[14] وجود الأجزاء المشتركة يميز ملك الشقق من الملك المفرز، فلو أن العمارة كلها كانت مملوكة الشخص واحد، لما كانت هناك أجزاء مشتركة.

[15] وهذا ما تنص عليه المواد ۲ و۳ و۷ قانون ۱۰ يوليو ١٩٦٥م الفرنسي الحالي ونصها:

Art 2 Sont privatives les parties des bâtiments et des terrains réservées à 1,

usage exclusif d'un copropriétaire déterminé. Les parties privatives sont la propriété exclusive de chaque copro- priétaire.

Art 3: Sont communes les prities des bâtiments et des terrains affectées à L' usage ou à L' utilitié de tous les copropriétaires ou de plusieure d'entre eux.

Dans le silence ou la contradiction des titres, sont réputés com- munes:

Le sol, les cours, Les parcs et jardins, les voies d'accés;

Le gros œuvre des bâtiments. Les élements d'équipment commun. Y compris les parties de canalsations Y afférentes qui traversent des locaux privatifs;

Les coffres, gaines et têtes de Cheminées;

Les locaux des services communs;

Les passages et corridors;

Sont réputés droit accessoires aux parties communes ..... etc.

Art 7: "Les cloisons on murs, Séparant des parties privatives et non compris

dans le gros œuvre, Sont présumés mitoyens entre les locaux qu'ils

séparent".

وهذا المعيار نصت عليه أيضًا المادة ٨٥٦ مدني مصري (۱ - إذا تعدد ملاك طبقات الدار أو شققها المختلفة فإنهم يعدون شركاء في ملكية الأرض وملكية أجزاء البناء المعدة للاستعمال المشترك بين الجميع وبوجه خاص الأساسات والجدران الرئيسية والمداخل والأفنية والأسطح والمصاعد والممرات والدهاليز وقواعد الأرضيات وكل أنواع الأنابيب إلا ما كان منها داخل الطبقة أو الشقة. كل هذا مالم يوجد في سندات الملك ما يخالفه 3000 - والحواجز الفاصلة بين شقتين تكون ملكيتها مشتركة بين أصحاب هاتين الشقتين). وهذه المادة كانت منقولة من المادة الخامسة من قانون ۲۸ يونيو ۱۹۳۸ الفرنسي السابق.

وانظر سيزار بند ۳۱ وموسوعة داللوز بند ١٥ وأحمد سلامة ص ٤٤٦، وإسماعيل غانم ص ٣٤٩ (والعبرة بالإعداد للاستعمال المشترك لا بالاستعمال الفعلي) وجميل الشرقاوي ص ۱۸٦ و۷۱۷ وعبد المنعم البدراوي ص ٢٥٠ ولبيب شنب ص ۳۲۹.

[16] برنارد السابق ص ۸۷ وجوليو ص ۲۸، وموسوعة واللوز بند ۲۹.

وأحمد سلامه ص ٤٤٧ والسيد المغازي ص ۲۹ وجميل الشرقاوي ص ١٨٦ وحسن كيره ص ٢٥٣.

وعبد الرزاق السنهوري جـ ۸ ص ۱۰۱۸ وعبد المنعم البدراوي ص ٢٥٧ ومحمد لبيب شنب ص ۲۲۹.

[17] ما لم تعتبر الشرفة من الأجزاء الرئيسية للمبنى وعندئذ تعد من الأجزاء المشتركة – موسوعة داللوز ۱۹۷۵ المرجع السابق بند ۲۸.

[18] موسوعة داللوز ۱۹۷۵ بند ۱۸.

[19] سيزار - المرجع السابق بند ٢٦، وموسوعة داللوز بند ۱۷

[20] موسوعة داللوز بند ۲۰ وأحمد سلامه ص٤٤٩.

[21] البدراوي ص 250.

[22] أحمد سلامة ص ٤٤٩ وجميل الشرقاوي ص ۱۸۶ و۱۸۷ وحسن كيره ص ٢٥٣ وعبد الرزاق السنهوري ج ۸ ص ۱۰۱۹ وعبد المنعم البدراوي ص ۲۵۰ ومحمد لبيب شتب من ۳۲۹.

[23] برنارد ص ۹۱. وكان هناك رأى آخر في فرنسا يذهب الى أن مالك الشقة يملك أرضيتها على أساس أن المادة ٦٦٤ مدني فرنسي تجعل تكاليف الأرضية على من يمشى عليها، تم صدر قانون ۱۹۳۸ م ثم قانون ١٩٦٥ م وكلاهما صرح باعتبار قواعد الأرضية من الأجزاء المشتركة.

[24] قياسًا على الحائط الفاصل بين شقتين، السنهوري ج ۸ ص ۱۰۲۰.

[25] وقد أغفل نص المادة ٨٥٦/1 مدني مصري ذكر السلم بين الأجزاء المشتركة وكان واردًا في المشروع التمهيدي، وجاء هذا الإغفال سهرًا لأنه حذف في لجنة المراجعة دون سبب ظاهر لحذفه (مجموعة الأعمال التحضيرية جـ ٦ ص ١٥٥ - ١٥٨) على أن المادة ٨٥٦/1 مدني مصري صرحت باعتبار المساعد من الأجزاء المشتركة، ويمكن أن يدخل فيها السلم، إذا فسرنا المساعد بأنها المصاعد الكهربائية وغير الكهربائية.

وكان في فرنسا قبل صدور قانون ۱۹۳۸م رأي يذهب إلى أن صاحب الطبقة يملك السلم الموصل إلى طبقته ابتداء من الطبقة التي تحته مباشرة فلا يملك صاحب الطبقة الأرضية شيئًا في السلم. ولأصحاب الطبقات العليا حق ارتفاق على أجزاء السلم أسفل منهم. انظر جوليو بند ۲۹.

[26] وهذا هو حكم القانون الفرنسي الحالي. جيفورد وجيفوردن في موسوعة داللوز بند ۲۱، وهذا هو أيضًا حكم القانون المدني المصري الحالي ٨٥٦/1 منه، أما في القانون المدني المصري السابق، فكان السطح ملك لصاحب الطبقة التي يعلوها هذا السطح باعتباره من مختلف طبقته (م ٣٦/57 منه).

[27] موسوعة داللوز بند ٢٤.

[28] وهذا ما تنص عليه. م 5 قانون 10 يوليو 1965 بفرنسا:

Art 5: "Dans le silence ou la contradiction des des titres la quote-part des parties communes afférente à chaque Lot est proportionelle à la valeur relative de chaque partie privative par rapport à l'ensemble des valeurs desdites parties, telles que ces valeurs résultent lors de l'établissement de la copropriété, de la consistance, de la superficie de la situation des lots, sans égard a leur utilistaion."

وواضح من النص أن قيمة الشقة تحسب وقت إنشاء الملكية المشتركة انظر ساباناك بند ۳۰۳ وسيزار بند ٥٢ وموسوعة داللوز بند ۳۲-٣٥ وإشارة إلى حکم استئناف باريس في ٧ يناير ١٩٦٩م. وتنص مادة ٨٥٦/2 مدني مصري على أنه: (وهذه الأجزاء المشتركة من الدار لا تقبل القسمة ويكون نصيب كل مالك فيها بنسبة قيمة الجزء الذي له في الدار، وليس لمالك أن يتصرف في نصيبه هذا مستقلاً عن الجزء الذي يملكه). وقد اختلف شراح القانون المصري حول الوقت الذي تتحدد فيه قيمة هذا الجزء، فذهب جمهورهم إلى أن العبرة بوقت إنشاء المبنى: أحمد سلامة من ٤٥١ واسماعيل غانم من ٣٥٦ و٣٥٧ وجميل الشرقاوي من ۱۸۸ والسنهوري چـــــ ۸ ص ۱۰۲۱، ويعتد عند البعض بكل تغيير خارجي أو داخلي - محمد على عرفه ص479 و٤٨٠، ويعتد عند البعض الآخر بالتغيير الخارجي فقط - السيد المغازي من ٢٤ و٦٤ والبدراوي بند ۱۸۷. ورأى الجمهور يضبط الحكم ويحتمله تفسير النص وهو الرأي الذي صرح به القانون الفرنسي الحالي الصادر سنة ١٩٦٥م.

[29] هوك في كتابه Commentaire théorique et pratique du code civil, V. 4, No. 351.

وأشار إليه السيد المغازي - المرجع السابق من ص ٢٢ وما بعدها.

[30] فقد كانت حجة أصحاب هذا الرأي أن المادة ٦٦٤ مدني فرنسي التي كان يستند إليها في تنظيم ملكية الشقق والطبقات، وردت في باب الارتفافات مما يعنى أن المشرع الفرنسي يعتبر حق مالك الشقة على الأجزاء المشتركة حق ارتفاق. وهذه الحجة كانت محل نظر على أساس أن المشرع الفرنسي عندما وضع المادة ٦٦٤ في باب الارتفاقات، لم ينظم حقوق ملاك الطبقات وإنما نظم التزاماتهم، وبالتالي لم يجعل لكل منهم حق ارتفاق على الأجزاء المشتركة وإنما فرض عليهم التزامات. ولهذا ورد نص المادة ٦٦٤ ضمن النصوص الخاصة بالحائط المشترك وما يفرض على ملاكها من التزامات. ولما كان المشرع يعتبر ملكية الحائط المشترك على الشيوع، فإن اعتبار الأجزاء المشتركة مملوكة على الشيوع أولى من تقرير حق ارتفاق عليها. برودون Proudhon في كتابه Traité de la propriété-2-299.

[31] استئناف مختلط ۸ مارس ۱۹۱۷ بلتان ٢٦ - ۲۷۲.

[32] انظر:

 Chevallier, Commentaires de la loi du 28 Juin 1938, D. P. 1939 4, 78.

[33] انظر:

Givord et Giverdon, La Copropriété, 1968, No. 153.

[34] سنبزار بند ٤٦ ونقض فرنسي ۲۱-۱۱-١٩٥٥ جازيت دي باليه ١٩٥٦-١-٥٢.

[35] أحمد سلامة ص ٤٤٧ وما بعدها، اسماعيل غانم بند ١٤٩، السيد المغازي ص ٩٣ و٩٤ وجميل الشرقاوي ص ١٨٦ وما بعدها وعبد الرزاق السنهوري جـ ۸ ص ۱۰۲۳ ومحمد لبيب شب من ۳۲۹ وما بعدها.

[36] ويجوز استثناء لمالك أي شقة اجراء تعديل في الأجزاء المشتركة بدون موافقة الملاك أو اتحادهم عند توافر شروط أربعة هي: أ- أن يتم ذلك على نفقته. ب- أن يكون من شأن التعديل الذي يقوم به تسهيل استعمال الأجزاء المشتركة. جــــ - وألا يغير التعديل من تخصيص هذه الأجزاء. د - وألا يلحق التعديل ضررًا بملاك الشقق الأخرى. وذلك كان يبدل أنابيب المياه بأنابيب أوسع لتصل المياه إلى شقته في جميع الأوقات، أو أن يقيم شرفة في شفته. انظر أحمد سلامة من ٤٥٢ و٤٥٣ وجميل الشرقاوي من ۱۹۰ وعبد المنعم البدراوي ص ٢٥٣ و٢٥٤ ومحمد لبيب شنب ص ۳۳۱.

[37] انظر موسوعة داللوز المرجع السابق. بند 125 – 209.

[38] ويؤخذ هذا كله من كثير من النصوص منها: في المغني لابن قدامه4/457 و٤٥٨ (وإن تنازع صاحب العلم والسافل في حوائط البيت السفلاني فهي لصاحب السفل، لأنه المنتفع بها وهي من جملة البيت فكانت لصاحبه. وإن تنازعا حوائط العلو فهي لصاحب العلو لذلك). وفي الإقناع 2/٢٠٦ (لو اتهدم سقل علوه لغيره انفرد صاحب السفل ببنائه وأجبر عليه وإن كان على العلو طبقة ثالثة فصاحب الوسط مع من فوقه كمن تحته معه). وقس على ذلك سائر الأدوار العليا. ولا ينفرد صاحب السفل ببناء سقله إلا إذا كان يملك جميع حوائطه وما يداخل الشقة إلخ وكذلك صاحب الشقة الوسط.

[39] ومن النصوص في ذلك نص مفتي المحتاج جـ ۷ ص ۱۹۲: / لو كان السفل لأحدهما والعلو لأخر وتنازعا في الدهليز أو العرضة، فمن الباب إلى المرقى (السلم) مشترك بينهما، لأن لكل منهما يدا وتصرفا بالاستطراق ووضع الأمتعة وغيرهما، والباقي للأسفل لاختصاصه به يدا وتصرفا)

[40] لقد كان السلم في العصور السابقة يتخذ عدة أشكال، فقد يكون السلم عبارة عن سلم خشبي يسند إلى الحائط للصعود عليه وقد يكون درجات خشبية تسمر أو مجرد قطعة خشب تسمى دكة، وقد يكون السلم مبنيًا وتحته غرفة للمبيت تسمى بينا، وقد يكون تحت السلم مخزن للمياه يسمى طاق أو خزان. فإذا كان الانتفاع بالسلم خاصًا بطابق معين فهو لمالك هذا الطابق، وإن كان الانتفاع به مشترکًا فهو من الأجزاء التي يملكها المنتفعون به ملكية شائعة ففي المغني لابن قدامه جـ ٤ ص ٤٥٨ (وإن تنازع صاحب العلم والسفل في الدرجة التي يصعد منها، فإن لم يكن تحتها مرفق لصاحب السفل، كسلم مسمرًا أو دكة، فهي لصاحب العلو وحده لأن له اليد والتصرف وحده، لأنها مصعد صاحب العلو لا غير والعرصة التي عليها الدرجة له أيضًا لانتفاعه بها وحده، وإن كان تحتها بيت بنيت لأجله لتكون مدرجًا للعلو فهي بينهما، لأن يديهما عليه ولائها سقف للسفلاتي وموطئ للفوقاني فهي كالسقف الذي بينهما. وإن كان تحتها طاق صغير لم تبن الدرجة لأجله وإنما جعل مرفقا يجعل فيه حب الماء ونحوه، فهي لصاحب العلو لأنها بنيت لأجله وحده، ويحتمل أن يكون بينهما لأن يدهما عليها وانتفاعهما حاصل بها فهي كالسقف).

وفي حاشية القليوبي (مع عميرة) جـــــــــ ٢ ص ۳۱۸) لو تنازعا في المرقى (السلم) صدق صاحب العلم أنه له لأنه المحتاج إلى وضعه) وفى معنى المحتاج 3/۱۹۳: (إن كان المرقى مثبتًا في موضعه كالسلم المسمر فلصاحب العلو لأنه المنتفع به، وكذا إن كان مبنيًا ولم يكن تحته شيء، فإن كان تحته بيت فهو بينهما كسائر السقوف أو موضع جرة أو نحوها الصاحب العلو عملاً بالظاهر مع ضعف منفعة الأسفل).

[41] في المغني لابن قدامة جـ ٤ ص ٤٥٨: وإن تنازعا السقف تحالفا، وكان بينهما. (عند الحنابلة). وبهذا قال الإمام الشافعي. وقال أبو حنيفة: هو لصاحب السفل. لأن السقف على ملكه. فكان القول قوله، كما لو تنازعا سرجا على دابة أحد هما كان القول قول صاحبها. وحكى عن مالك: أنه الصاحب السفل، وحكى عنه أنه لصاحب العلو، لأنه يجلس عليه ويتصرف فيه ولا يمكنه السكني إلا به، ولنا أنه حاجز بين ملكيهما ينتفعان به غير متصل ببناء أحدهما اتصال البنيان فكان بينهما، كالحائط بين الملكين، وقولهم: هو على ملك صاحب السفل يبطل بحيطان العلو. (أي أن حيطان العلو على حيطان السفل ولا تعتبر ملكًا لصاحب السفل رغم أنها على حيطان يملكها صاحب السفل) ولا يشبه السرج على الدابة لأنه لا ينتفع به غير صاحبها ولا يراد إلا لها فكان في يده. وهذا السقف ينتفع به كل واحد منهما لأنه سماء صاحب السفل يظله وأرض صاحب العلو تقله فاستويا فيه. (وهذه العبارة الأخيرة تبين أن الانتفاع المشترك هو معيار ثبوت الملكية الشائعة في ملك الشقق والطبقات. كما رأينا أن الانتفاع الخاص هو معيار ثبوت الملكية المفرزة في ملك الشقق والطبقات. ففي المغنى أيضًا ٤٥٧/٤ و٤٥٨) إن تنازع صاحب العلو والسفل في حوائط البيت السفلاتي فهي لصاحب السفل لأنه المنتفع بها وهي من جملة البيت فكانت لصاحبه.

[42] في مغنى المحتاج 2/187) والجدار بين مالكين قد يختص به أحدهما، وقد يشتركان فيه). فيختص به أحدهما إذا كان مبنيًا لشقته فحسب ويشتركان فيه إذا كان فاصلاً بين الشقتين.

وعبر الفقه الإسلامي عن ذلك بما كان معروفًا من هذه المرافق المشتركة من قديم، ومن النصوص في ذلك، في الاقناع 2/207 (إذا كان نهر أو بئر أو دولاب أو ناعورة أو قناة بين جماعة واحتاج إلى عمارة.. كان غرم ذلك بينهم على حسب ملكهم فيه، ويجبر الممتنع، وليس لأحدهم منع صاحبه من عمارته).

[43] في حاشية ابن عابدين 5/444 (لكل من صاحب السفل والعلو حق في ملك الآخر. لذي العلو حق قراره ولذي السفل حق دفع المطر والشمس عن السفل ١٠ هـ ٠٠ ثم لو هدم ذو السفل سفله، وذو العلو علوه، أخذ ذو السفل ببناء سفله إذ فوت عليه حقًا الحق بالملك فيضمن كما لو قوت عليه ملكًا).

[44] في حاشية ابن عابدين 5/188 هذه (الأحكام تبنى على العرف، فيعتبر في كل إقليم وفي كل عصر عرف أهله).

أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية، في تشكيلتها للحالة في دولة فلسطين، بالإجماع قرارين برفض الطعون المقدمة من قبل دولة إسرائيل بموجب المادتين 18 و19 من نظام روما الأساسي (النظام الأساسي). كما أصدرت مذكرات اعتقال بحق السيد بنيامين نتنياهو والسيد يوآف جالانت.

 

القرارات بشأن طلبات دولة إسرائيل

حكمت الدائرة بشأن طلبين قدمتهما إسرائيل في 26 سبتمبر/أيلول 2024. في الطلب الأول، طعنت إسرائيل في اختصاص المحكمة بشأن الوضع في دولة فلسطين بشكل عام، وعلى المواطنين الإسرائيليين بشكل أكثر تحديدًا، على أساس المادة 19(2) من النظام الأساسي.

وفي الطلب الثاني، طلبت إسرائيل من الدائرة أن تأمر الادعاء بتقديم إخطار جديد بشأن بدء التحقيق إلى سلطاتها بموجب المادة 18(1) من النظام الأساسي. كما طلبت إسرائيل من الدائرة وقف أي إجراءات أمام المحكمة في الوضع ذي الصلة، بما في ذلك النظر في طلبات إصدار أوامر اعتقال للسيد بنيامين نتنياهو والسيد يوآف جالانت، التي قدمتها النيابة العامة في 20 مايو/أيار 2024.

وفيما يتعلق بالطعن الأول، لاحظت الدائرة أن قبول إسرائيل لاختصاص المحكمة ليس ضروريًا، لأن المحكمة تستطيع ممارسة اختصاصها على أساس الاختصاص الإقليمي لفلسطين، كما حددته الدائرة التمهيدية الأولى في تشكيل سابق.

واعتبرت الدائرة أنه بموجب المادة 19(1) من النظام الأساسي، لا يحق للدول الطعن في اختصاص المحكمة بموجب المادة 19(2) قبل إصدار أمر بالقبض. وبالتالي فإن طعن إسرائيل سابق لأوانه. وهذا لا يمس بأي طعون مستقبلية محتملة على اختصاص المحكمة و/أو قبول أي قضية معينة.

ورفضت الدائرة أيضًا طلب إسرائيل بموجب المادة 18 (1) من النظام الأساسي. وأشارت الدائرة إلى أن الادعاء أخطر إسرائيل ببدء التحقيق في عام 2021. وفي ذلك الوقت، وعلى الرغم من طلب التوضيح الذي قدمه الادعاء، اختارت إسرائيل عدم متابعة أي طلب لتأجيل التحقيق. وعلاوة على ذلك، اعتبرت الدائرة أن معايير التحقيق في الوضع ظلت كما هي، وبالتالي لم يكن هناك حاجة إلى إخطار جديد لدولة إسرائيل. وفي ضوء ذلك، وجد القضاة أنه لا يوجد سبب لوقف النظر في طلبات أوامر الاعتقال.

 

أوامر الاعتقال

أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف جالانت، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على الأقل حتى 20 مايو/أيار 2024 على الأقل، وهو اليوم الذي قدمت فيه النيابة العامة طلبات إصدار مذكرات اعتقال.

وقد تم تصنيف أوامر الاعتقال على أنها "سرية"، وذلك لحماية الشهود وضمان سير التحقيقات.

وقررت الدائرة الكشف عن المعلومات الواردة أدناه نظرًا لأن سلوكًا مماثلًا لما ورد في أمر الاعتقال يبدو أنه مستمر. وعلاوة على ذلك، ترى الدائرة أنه من مصلحة الضحايا وأسرهم أن يتم إعلامهم بوجود أوامر الاعتقال.

واعتبرت الدائرة أن السلوك المزعوم للسيد نتنياهو والسيد جالانت يقع ضمن اختصاص المحكمة.

وأشارت الدائرة إلى أنها قررت بالفعل في تشكيل سابق أن اختصاص المحكمة في هذه الحالة يمتد إلى غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. وعلاوة على ذلك، رفضت الدائرة استخدام سلطاتها التقديرية من تلقاء نفسها لتحديد مدى مقبولية القضيتين في هذه المرحلة. وهذا لا يخل بأي قرار بشأن اختصاص وقبول القضيتين في مرحلة لاحقة.

وفيما يتعلق بالجرائم، وجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو، المولود في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1949، ورئيس وزراء إسرائيل وقت ارتكاب السلوك المعني، والسيد جالانت، المولود في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، ووزير دفاع إسرائيل وقت ارتكاب السلوك المزعوم، يتحمل كل منهما المسؤولية الجنائية عن الجرائم التالية باعتبارهما مشاركين في ارتكاب الأفعال بالاشتراك مع آخرين: جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب؛ والجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية. ووجدت المحكمة أيضًا أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت يتحملان المسؤولية الجنائية باعتبارهما رئيسين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجوم متعمد ضد السكان المدنيين.

 

الجرائم المزعومة

ووجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأنه خلال الفترة المعنية، كان القانون الإنساني الدولي المتعلق بالنزاع المسلح الدولي بين إسرائيل وفلسطين ينطبق. وذلك لأنهما طرفان متعاقدان ساميان في اتفاقيات جنيف لعام 1949 ولأن إسرائيل تحتل أجزاء على الأقل من فلسطين.

ووجدت الدائرة أيضًا أن القانون المتعلق بالنزاع المسلح غير الدولي ينطبق على القتال بين إسرائيل وحماس. ووجدت الدائرة أن السلوك المزعوم للسيد نتنياهو والسيد جالانت يتعلق بأنشطة الهيئات الحكومية الإسرائيلية والقوات المسلحة ضد السكان المدنيين في فلسطين، وبشكل أكثر تحديدًا المدنيين في غزة. وبالتالي، فقد تعلق الأمر بالعلاقة بين طرفين في نزاع مسلح دولي، فضلًا عن العلاقة بين قوة الاحتلال والسكان في الأراضي المحتلة. ولهذه الأسباب، وفيما يتعلق بجرائم الحرب، وجدت الدائرة أنه من المناسب إصدار أوامر الاعتقال وفقًا لقانون النزاع المسلح الدولي. ووجدت الدائرة أيضًا أن الجرائم المزعومة ضد الإنسانية كانت جزءًا من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في غزة.

 

ورأت الدائرة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن كلا الفردين حرموا عمدًا وعن علم السكان المدنيين في غزة من أشياء لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة، بما في ذلك الغذاء والماء والأدوية والإمدادات الطبية، فضلًا عن الوقود والكهرباء، من 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 20 مايو/أيار 2024 على الأقل.

 

ويستند هذا الاستنتاج إلى دور السيد نتنياهو والسيد جالانت في إعاقة المساعدات الإنسانية في انتهاك للقانون الإنساني الدولي وفشلهما في تسهيل الإغاثة بكل الوسائل المتاحة لها. ووجدت الدائرة أن سلوكهما أدى إلى تعطيل قدرة المنظمات الإنسانية على توفير الغذاء وغيره من السلع الأساسية للسكان المحتاجين في غزة. كما كان للقيود المذكورة أعلاه، إلى جانب قطع الكهرباء وتقليص إمدادات الوقود، تأثير شديد على توفر المياه في غزة وقدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الطبية.

وأشارت الغرفة أيضًا إلى أن القرارات التي تسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة أو زيادتها كانت مشروطة في كثير من الأحيان. ولم تتخذ هذه القرارات بهدف الوفاء بالتزامات إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي أو ضمان تزويد السكان المدنيين في غزة بالسلع التي يحتاجون إليها على النحو الكافي. بل كانت في واقع الأمر استجابة لضغوط المجتمع الدولي أو لطلبات الولايات المتحدة الأميركية.

وفي كل الأحوال، لم تكن الزيادات في المساعدات الإنسانية كافية لتحسين قدرة السكان على الوصول إلى السلع الأساسية.

 

وعلاوة على ذلك، وجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأنه لا يمكن تحديد أي حاجة عسكرية واضحة أو مبرر آخر بموجب القانون الإنساني الدولي للقيود المفروضة على وصول عمليات الإغاثة الإنسانية. وعلى الرغم من التحذيرات والمناشدات التي وجهها، من بين جهات أخرى، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والأمين العام للأمم المتحدة والدول والمنظمات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني بشأن الوضع الإنساني في غزة، لم يتم السماح إلا بالحد الأدنى من المساعدات الإنسانية. وفي هذا الصدد، نظرت الدائرة في فترة الحرمان المطولة وبيان السيد نتنياهو الذي يربط بين توقف السلع الأساسية والمساعدات الإنسانية وأهداف الحرب.

 

وبناء على ذلك، وجدت الدائرة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت يتحملان المسؤولية الجنائية عن جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب.

ووجدت الدائرة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن نقص الغذاء والماء والكهرباء والوقود والإمدادات الطبية المحددة، خلق ظروفًا معيشية من شأنها أن تؤدي إلى تدمير جزء من السكان المدنيين في غزة، مما أسفر عن وفاة مدنيين، بمن فيهم أطفال بسبب سوء التغذية والجفاف. وعلى أساس المواد التي قدمتها النيابة العامة والتي تغطي الفترة حتى 20 مايو/أيار 2024، لم تتمكن الدائرة من تحديد ما إذا كانت جميع عناصر جريمة الإبادة التي تشكل جريمة ضد الإنسانية قد استوفيت. ومع ذلك، وجدت الدائرة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن جريمة القتل التي تشكل جريمة ضد الإنسانية قد ارتُكبت فيما يتصل بهؤلاء الضحايا.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الشخصين المذكورين مسؤولين أيضًا عن إلحاق معاناة شديدة بأشخاص يحتاجون إلى العلاج من خلال تقييد أو منع وصول الإمدادات الطبية والأدوية إلى غزة، وخاصة المخدر وأجهزة التخدير. فقد أُجبر الأطباء على إجراء عمليات جراحية لجرحى وبتر أطراف، بما في ذلك على الأطفال، دون تخدير، و/أو أُجبروا على استخدام وسائل غير كافية وغير آمنة لتخدير المرضى، مما تسبب في آلام ومعاناة شديدة لهؤلاء الأشخاص. وهذا يرقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية من خلال أفعال لاإنسانية أخرى.

 

ووجدت الدائرة أيضًا أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن السلوك المذكور أعلاه حرم جزءًا كبيرًا من السكان المدنيين في غزة من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة والصحة، وأن السكان كانوا مستهدفين على أساس سياسي و/أو وطني. ولذلك وجدت الدائرة أن جريمة الاضطهاد قد ارتُكبت.

 

وأخيرًا، خلصت الدائرة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت يتحملان المسؤولية الجنائية بصفتهما رئيسين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجمات عمدية ضد السكان المدنيين في غزة. وفي هذا الصدد، وجدت الدائرة أن المواد التي قدمتها النيابة العامة لم تسمح لها بالتوصل إلى نتائج إلا بشأن حادثتين يمكن اعتبارهما هجمات عمدية ضد المدنيين. وهناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن السيد نتنياهو والسيد جالانت، على الرغم من وجود تدابير متاحة لهما لمنع أو قمع ارتكاب الجرائم أو ضمان إحالة الأمر إلى السلطات المختصة، فشلا في القيام بذلك.

 

خلفية

في الأول من كانون الثاني/يناير 2015، أودعت دولة فلسطين إعلانًا بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي تقبل فيه اختصاص المحكمة منذ 13 حزيران/يونيه 2014.

في 2 يناير 2015، انضمت دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي بإيداع وثيقة انضمامها لدى الأمين العام للأمم المتحدة. ودخل نظام روما الأساسي حيز النفاذ بالنسبة لدولة فلسطين في 1 أبريل 2015.

في 22 مايو/أيار 2018، وبموجب المادتين 13(أ) و14 من نظام روما الأساسي، أحالت دولة فلسطين إلى المدعي العام الوضع القائم منذ 13 يونيو/حزيران 2014، دون تحديد تاريخ انتهاء.

في 3 مارس/آذار 2021، أعلن المدعي العام عن فتح التحقيق في الوضع في دولة فلسطين. وجاء ذلك في أعقاب قرار الدائرة التمهيدية الأولى في 5 فبراير/شباط 2021 بأن المحكمة يمكن أن تمارس ولايتها القضائية الجنائية في الحالة، وبأغلبية الأصوات، أن النطاق الإقليمي لهذه الولاية القضائية يمتد إلى غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.

في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، تلقى مكتب المدعي العام إحالة أخرى بشأن الوضع في دولة فلسطين من جنوب أفريقيا وبنغلاديش وبوليفيا وجزر القمر وجيبوتي.

في 18 كانون الثاني/يناير 2024، قدمت جمهورية تشيلي والولايات المتحدة المكسيكية إحالة إضافية إلى المدعي العام فيما يتعلق بالوضع في دولة فلسطين.

 

_______________

المصدر:

  • Situation in the State of Palestine: ICC Pre-Trial Chamber I rejects the State of Israel’s challenges to jurisdiction and issues warrants of arrest for Benjamin Netanyahu and Yoav Gallant, ICC, 21 November 2024, https://2u.pw/gn8vDGdI