صدرت الطبعة الأولى من كتاب "التخلف الاجتماعي- مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" لمؤلفه الدكتور مصطفى حجازي[*]، في عام 2001م، وصدرت الطبعة التاسعة -التي ينشرها موقعنا- عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء بالمغرب عام 2005م.

وهذا الكتاب يكاد يكون غير مسبوق في موضوعه، وصاحبه لم يرضخ لما أحاط به من اجتهادات تعزو التخلف إلى عدم الرضا بالخضوع لواقع فرضه المتغلبون والمتسلطون على إنسان العالم الثالث المتخلف، وخاصة في العالم العربي، كما أنه لم يحمل نصوص الشريعة مسؤولية ذلك التخلف الذي يحيط بهذا الإنسان، بل تعمق في التحليل النفسي والاجتماعي لإنسان العالم الثالث وفَقِه واقعه المتخلف الذي انعكس على سيكولوجية هذا الإنسان وقَهَرهُ ورسخ تخلفه، ليسهم المؤلف بطريقته في حوارات الشريعة والقانون عبر تخصصه المهني والعلمي، وليضيء الطريق للمشاركين في تلك الحوارات نحو الاهتمام بالبعد الإنساني، ومد البصر إلى أهمية أن تشتمل تلك الحوارات على ما يسهم في انتشال هذا الإنسان (المتخلف) من هاوية القهر التي انغرس فيها حتى القاع، وفي تحقيق التنمية الإنسانية التي تتحقق بها في الوقت ذاته مقاصد الشريعة الإسلامية، والتي تستهدف دوما تحقيق مصالح الإنسان في الدارين!

لقد تركزت تلك الحوارات حول العلاقة بين الشريعة والقانون -في معظمها- حول مدى صلاحية الحدود الشرعية (العقابية) للتطبيق في عالمنا المعاصر، وحول حجاب المرأة ومدى قبول الشريعة لخروجها إلى العمل، وحول مدى شرعية وجود البنوك وربوية معاملاتها، وغفلت عن حال الإنسان العربي (والمسلم) في هذا العالم، وتجاهلت أنه بات مقهورًا مهدورًا، وأن الأولى هو النظر في رفع هذا القهر والهدر عنه بدلا من التفكير في كيفية توقيع العقاب عليه وحبس المرأة عن الخروج من بيتها أو جرها إلى الانفلات والسفور وهدم هذا البيت (أي تفكيك الأسرة)، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، وكذلك الكتاب الذي يليه للمؤلف نفسه "الإنسان المهدور" والذي يعد استكمالًا له وتطويرًا، فهما يساعدان الفقيه -الشرعي والقانوني- على فقه واقع الإنسان الذي يتساجلون حوله، وهو أساس الإصلاح ومحله، وتحريره وانتشاله من التخلف أولى من السجال حول مسائل تعد هامشية بالنظر إلى ما يمس نفسه وكيانه من إصر وأسر يمنعانه من النهوض والإبداع.

 

ومما جاء في مقدمة المؤلف لهذا الكتاب:

أصبحت الكتابات حول التخلف من أوائل الخمسينات غزيرة، نظرًا لبروز ظاهرة الدول المستقلة حديثًا، في ما يطلق عليه اسم العالم الثالث، والمشكلات والقضايا التي طرحتها مهمات النهوض الاجتماعي فيها. اتخذت هذه الدراسات وجهات متعددة، ولكنها تركزت أساسًا حول الاقتصاد والصناعة، والعناية بالسكان (صحة، تعليم، تغذية، إعمار، إلخ ...) فنشأ عن ذلك علم اقتصاد وعلم اجتماع التخلف. ولكن الإنسان المتخلف لم يعط الاهتمام نفسه الذي وجّه إلى البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. صحيح أن هذا الإنسان هو وليد البنية الاجتماعية المتخلفة، ولكنه ليس مجرد أمر مادي قابل للتغيير تلقائيًا.

يعاش التخلف على المستوى الإنساني كنمط وجود مميز، له دينامياته النفسية والعقلية والعلائقية النوعية. والإنسان المتخلف، منذ أن ينشأ تبعًا لبنية اجتماعية معينة، يصبح قوة فاعلة ومؤثرة فيها. فهو يعزز هذه البنية ويدعم استقرارها، بمقاومة تغييرها، نظرًا لارتباطها ببنيته النفسية. العلاقة إذًا جدلية بين السبب والمسبب (البنية والنمط الإنساني الذي ينتج عنها) مما يحتم علينا الاهتمام بهما كليهما عند بحث حالة أحد المجتمعات المتخلفة، بغية وضع الخطط التنموية.

ولقد أوقع تجاهل هذه الحقيقة دارسي التخلف وعلماء التنمية، ومن ورائهم القادة السياسيين الذين يقررون عمليات التغيير الاجتماعي، في مآزق أدت إلى هدر الكثير من الجهد والوقت والإمكانات المادية، بشكل اتخذ طابع التبذير الذي لا يمكن للمجتمع المتخلف، ذي الأعباء الثقال، أن يسمح لنفسه به. انطلق هؤلاء جميعًا في مشاريع تنموية طنانة، ذات بريق ووجاهة، قائمة على دراسات ومخططات جزئية، لم تتجاوز السطح معظم الأحيان، كي تنفذ إلى دينامية البنية المتخلفة من ناحية، أو إلى التكوين النفسي والذهني للإنسان المتخلف الذي أريد تطويره من ناحية ثانية. وضعت خطط مستوردة عن نماذج طبقت ونجحت في بلدان صناعية، ولكن مسيرة هذه الخطط تخط بعيدًا، فلقد أخفقت التجارب المستوردة، والمشاريع الملصقة من الخارج، كما فشلت المشاريع ذات الطابع الدعائي الاستعراضي في تحريك بنية المجتمع ككل، وفي الارتقاء بإنسان ذلك المجتمع.

ذلك لأن إنسان هذه المجتمعات لم يُنظر إليه باعتباره عنصرًا أساسيًا ومحوريًا في أي خطة تنموية. التنمية، مهما كان، ميدانها، تمس تغير الإنسان ونظرته إلى الأمور في المقام الأول. لابد إذن من وضع الأمور في إطارها البشري الصحيح، وأخذ خصائص الفئة السكانية التي يراد تطوير نمط حياتها بعين الاعتبار، ولابد بالتالي من دراسة هذه الخصائص ومعرفة بنيتها وديناميتها، وهو ما ندر الاهتمام به إلى الآن. فعلم النفس لم يحتل بعد مكانته المفروضة في هذا المضمار، ومع أنه يملك مفاتيح مهمة لمعرفة الإنسان، والقوى التي تحركه داخليًا وعقلانيًا، والمقاومات التي يظهرها إذا مس توازنه، وكل تنمية لا بد لها إذا كانت فعالة، من المساس بهذا التوازن لإحلال آخر أكثر تطورًا ومرونة مكانه. لا بد من شمول النظرة من خلال الاهتمام بالبعد الذاتي "الإنساني" إضافة إلى البعد الموضوعي "الاجتماعي الاقتصادي"، ومن خلال فهم العلاقة الجدلية بينهما، إذا أردنا السير على طريق يحالفها الحظ في إيصالنا إلى الهدف.

ومن هذا المنظور تنبع أهمية محاولتنا لدراسة نفسية الإنسان المتخلف. فإذا توقفنا ونظرنا مليًا، نجد أن ظواهر حياة هذا الإنسان التي تبدو مشتتة تذهب في كل اتجاه، وأن تصرفاته ونظرته ومواقفه واستجاباته التي يبدو عليها التفكك، هي في الحقيقة كل متماسك، له بنيته الخاصة وديناميته المتطورة. فحياة الإنسان المتخلف تنتظم في وحدة قابلة للفهم جدليًا، وحدة لها تاريخها ومسيرتها رغم ما يبدو عليها من سكون ظاهري، يسبغه تحكم التقليد وما يفرضه من جمود في المجتمع.

يتلخص وجود الإنسان المتخلف، في نظرنا، في وضعية مأزقية، يحاول في سلوكه وتوجهاته وقيمه ومواقفه مجابهتها، ومحاولة السيطرة عليها بشكل يحفظ له بعض التوازن النفسي، الذي لا يمكن الاستمرار في العيش بدونه. هذه الوضعية المأزقية أساسًا وضعية القهر الذي تفرضه عليه الطبيعة التي تفلت من سيطرته وتمارس عليه اعتباطها، والممسكون بزمام السلطة في مجتمعه الذين يفرضون عليه الرضوخ. ولذلك فإن سيكولوجية التخلف من الناحية الإنسانية تبدو لنا على أنها، أساسًا، سيكولوجية الإنسان المقهور. تنبث علاقات القهر والتسلط من ناحية، ورد الفعل عليها من رضوخ أو تمرد من ناحية ثانية، في كل ثنايا وجود الإنسان المتخلف تكوين الإنسان المتخلف النفسي، وتركيبه الذهني، وحياته اللاواعية، محكومة كلها بالاعتباط والقهر وما يولدانه من قلق جذري، وانعدام الشعور بالأمن والإحساس بالعجز أمام المصير. ولا يقف الإنسان المقهور مكتوف اليدين إزاء هذه الوضعية عسيرة الاحتمال، نظرًا لكونها تزلزل التوازن الوجودي، بل يحاول أن يجابهها بأساليب دفاعية جديدة، متعارضة جدليًا أو متكاملة في تعارضها. تطغى في كل مرحلة من تاريخه نماذج سائدة منها، تتغير تبعًا لتغير ظروفه. والكثير من معتقدات الإنسان المتخلف وانتماءاته وممارساته، تبدو في النهاية كمحاولات داعية للسيطرة على وضعيته المأزقية وإيجاد حلول معينة لها. هذه الحلول تتخذ أشكالًا فاترة أو نشطة، تشدّه إلى الوراء أو تدفع به إلى الأمام، تميل به إلى الاستكانة والانسحاب، أو تدفعه إلى المجابهة والتصدي، ولكنها دومًا تشكل نماذج من الاستجابات الممكنة، في ظروف تاريخية وعلائقية محددة لما يحيط بحياته من ضغوط.

التكوين النفسي والتكوين الذهني للإنسان المتخلف، بديناميته الخاصة، وحركته التاريخية، والأساليب المتنوعة التي يجابه بها مأزقه الوجودي، يشكلان قسمي هذا البحث. ففي القسم الأول ترسم الملامح النفسية الأساسية للإنسان المقهور. أما في القسم الثاني فنستعرض أهم الأساليب الدفاعية التي يجابه بها وضعيته في تفاعلها وتناقضها وتغيرها. ويتضح من هذين القسمين أن حياة الإنسان المتخلف وممارساته وتطلعاته، هي أبعد ما يكون عن العشوائية والتشتت اللذين يبدو أنهما يميزانها ظاهريًا.

رغم أن الحديث يدور حول الإنسان المتخلف بشكل عام، إلا أن المادة مستقاة أساسًا من واقع الإنسان اللبناني خاصة، والعربي عامة. بالطبع لا ينطبق كل ما سيقال على كل لبناني أو كل عربي، فهناك بالضرورة خصائص نوعية في كل حالة، تجعل سيادة نماذج معينة من التكوين النفسي ومن الأساليب الدفاعية أمرًا محتومًا. إلا أن الخصوصية هذه لا تمنع محاولات النظر في إمكانية التعميم، انطلاقًا من مقارنة مختلف وضعيات الإنسان المتخلف في مختلف البلدان خارج العالم العربي.

إن انفجار العنف في "لبنان" والأشكال التي اتخذها، وما يحيط به من ظروف، وما تحركه من قوى وعوامل، تعتبر في نظرنا فرصة كاشفة لما يعتمل في بنية المجتمع المتخلف من عنف، وما يصطرع فيها من مآزق وتناقضات، وهي بالتالي تبين لنا ما يتعرض له الإنسان في ذلك العالم من قهر واعتباط، وما يحل بقيمته الإنسانية من هدر. وإذا اتخذ العنف وما يدفعه من قهر وهدر لكيان الإنسان في الحالة الراهنة، طابعًا صريحًا صارخًا ومأساويًا، فإنه هو نفسه، في رأينا، فاعل في بنى المجتمعات المتخلفة على تعدّدها، ومحرك لها، ومحدد لأنماط العلاقات والاستجابات فيها، إنما بأشكال مقنّعة وغير مباشرة، وراء حالة من السكون الظاهري. ذلك هو، على الأقل، افتراضنا الأساسي الذي دفعنا إلى الحديث عن سيكولوجية الإنسان المقهور باعتباره النتاج الرئيسي للتخلف الاجتماعي.

تقوم هذه المحاولة منهجيًا على الملاحظة والتحليل النفسي والاجتماعي للظواهر المعاشة. وهي تدخل في إطار علم النفس الاجتماعي العيادي، الذي يدرس الظواهر النفس اجتماعية بالطريقة العيادية. وقد يطرح، كونها لا تستند إلى أبحاث ميدانية أو تجريبية محدّدة بدقة، بعض ظلال من الشك حول درجة اليقين التي تتمتع به نتائجها. ذلك صحيح ولا شك. على أن الغاية من هذه المحاولة ليست الوصول إلى نتائج نهائية، فهذه تحتاج إلى أبحاث طويلة النفس، تكفي لملء حياة فريق كبير من العلماء. إن ما نهدف إليه، هو كتابة نوع من المدخل إلى علم نفس التخلف، وإسهامه الغني جدًا بالنتائج التي تكمل الدراسات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة. قيمة هذه المحاولة الأساسية، في نظرنا، هي طرح منهجية نفسية لدراسة الإنسان المتخلف، بمختلف خصائصه الوجودية. هذه المنهجية تبين، بلا شك، أن هذا الوجود متماسك في ظواهره على تنوعها وتشتتها، وهو ينتظم في بنية دينامية، هي وضعية الإنسان المقهور.

هذه المحاولة بما يعتورها من ثغرات، تطمح إلى فتح الطريق أمام أبحاث نفسية ميدانية، تحاول فهم الإنسان المتخلف بنوعيته وخصوصية وضعه، وبشكل حي وواقعي، لتكون مرتكزات علم نفس التخلف. بذلك وحده يمكننا أن نضع أخيرًا حدًا لإلباس هذا الإنسان القوالب النظرية، والتفسيرات الموضوعية لإنسان العالم الصناعي، والتي أدت إلى تعميمات متسرعة كانت نتيجتها أنها حادت عن غرضها المعرفي، نظرًا لما تحمله من خطر إخفاء وطمس الواقع الحقيقي. تكون هذه المحاولة قد حققت غايتها، إذا تمكنت معطياتها من اتخاذ طابع الافتراضات العملية، التي تطلق أبحاثًا ميدانية تتمتع بالدقة والعمق الكافيين، لفهم واقع إنساننا العربي. هذا الفهم العلمي، وحده، يمكننا من وضع خطط تنمية وتطوير فعالة، ويجعل مسيرتنا واضحة المعالم وطريقنا إلى أهدافنا في الارتقاء مضمونة.

 

محتويات الكتاب:

قسم المؤلف كتابه إلى قسمين، وذلك على النحو التالي:

القسم الأول: الملامح النفسية للوجود المتخلف

تمهيد

الفصل الأول: تحديد وتعريف.

الفصل الثاني: الخصائص النفسية للتخلف.

الفصل الثالث: العقلية المتخفة.

الفصل الرابع: الحياة اللاواعية.

القسم الثاني: الأساليب الدفاعية

الفصل الخامس: الانكفاء على الذات.

الفصل السادس: التماهي بالمتسلط.

الفصل السابع: السيطرة الخرافية على المصير.

الفصل الثامن: العنف.

الفصل التاسع: وضعية المرأة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


[*] الدكتور مصطفى حجازي (1936م - 14 أكتوبر 2024م) هو عالم نفس وأستاذ جامعي ومفكر لبناني، له العديد من المؤلفات، منها:

  • سيكولوجية الإنسان المهدور- علم النفس والعولمة.
  • إطلاق طاقات الحياة- قراءات في علم النفس الإيجابي.
  • ثقافة الطفل العربي بين التغريب.
  • الأسرة وصحتها النفسية.

 

  • منشأ فكرة الموسوعة:

لما عقد مؤتمر "أسبوع الفقه الإسلامي" في باريس في بهو كلية الحقوق من جامعة السوربون أول شهر تموز ١٩٥١م، بدعوة من لجنة الحقوق الشرقية في المجمع الدولي للقانون المقارن، وظهر – من المحاضرات التي ألقيت في موضوعات شتى من مختلف شعب الحقوق والقانون في الفقه الإسلامي - ما في هذا الفقه الأصيل المؤثل من ثروة حقوقية ونظريات قانونية خالدة القيمة، اتخذ المؤتمر قراره التاريخي الذي من جملة ما جاء فيه ما ترجمته الحرفية كما يلي:

أ- إن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة "حقوقية تشريعية" لا يمارى فيها.

ب- وإن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات، وإن الأصول الحقوقية هي مناط الإعجاب، وبها يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها.

ويأمل المؤتمرون في أسبوع الفقه الإسلامي أن تؤلف لجنة لوضع معجم للفقه الإسلامي يسهل الرجوع إلى مؤلفات هذا الفقه، فيكون موسوعة فقهية تعرض فيها المعلومات الحقوقية الإسلامية وفقًا للأساليب الحديثة[1].

فهذا الأمل الذي دعا إلى تحقيقه مؤتمر "أسبوع الفقه الإسلامي" الأول في باريس كان هو النواة الأولى لفكرة موسوعة الفقه الإسلامي التي أُنشئت لها لأول مرة لجنة خاصة في كلية الشريعة بجامعة دمشق سنة ١٩٥٥.

 

  • غاية الموسوعة:

إن دراسة الحقوق وعلم القانون اليوم تتجه إلى المقارنة بين الشرائع والنظم ليستفيد الاتجاه التشريعي والاجتهاد القضائي من أحسن النظريات الحقوقية وأقربها إلى العدل.

ولا شك أن الفقه الإسلامي الذي هو أغنى فقه عرفه التاريخ البشري في أمة من الأمم هو أولى بالاطلاع عليه والمقارنة به، ولاسيما في البيئات العربية التي تربطها به وشيجة النسب، لأنه تراثها الأصيل المجيد، العربي الأصول والمنابع، فضلاً عن غناه الواسع، وذلك لكي يمكن اتخاذه أساسًا للتشريع والاجتهاد القضائي في البلاد العربية والإسلامية.

ولكن باختلاف الزمن وتطور الأساليب والحاجات الثقافية أصبح فقهنا هذا وما فيه من جوهر نفيس، ونظريات حقوقية محكمة، ومبادئ قانونية سامية ذات قيمة خالدة، كل ذلك فيه أصبح محجوبًا عن أنظار الحقوقيين والمشرعين بغلاف من أسلوبه وترتيبه القديم، وعباراته المعقدة في كثير من كتبه، وبمراجعه الصعبة المسالك على غير المختصين، ولكن تطور الحياة وحاجاتها وتشعب الثقافة العامة جعلا الزمن أضيق أن من يسمح للباحث ببذل الجزء الكبير منه في المراجعة، وهذا ما يوجب على أبناء العربية اليوم تعبيد الطريق إلى هذا الفقه العالمي الضخم الذي أقام نظام العدل في مشارق الأرض ومغاربها نحو أربعة عشر قرنا، وواجه ألوان الحضارات، وحل جميع مشكلات الحياة بأحسن الحلول، وأعدل الأحكام، وأمرن القواعد في معالجة مشكلات اختلاف الزمان والمكان والأعراف والحاجات، بمذاهبه الاجتهادية المتعددة.

فغاية الموسوعة صياغة الفقه الإسلامي كما هو في مراجعه الأصلية وبأسلوب سهل، وتبسيط العبارات المعقدة التي تصادف فيه، دون أن يدخل الكتاب شيئًا من اجتهاداتهم الشخصية، مع الإشارة إلى اختلاف المذاهب والاجتهادات في كل موطن يكون فيه ذلك هامًا ومفيدًا، ثم ترتيب هذه الأحكام الفقهية الشرعية في الموسوعة ترتيبًا أبجديًا على حروف المعجم بحسب الحرف الأول، وما يليه من الكلمة العنوانية الدالة على الموضوع الفقهي.

فأحكام التقادم مثلاً تذكر تحت كلمة "تقادم" التي تأتي في حرف التاء المثناة. مع القاف، وأحكام عدة المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها تذكر تحت كلمة "عدة" التي تأتي في حرف العين المهملة. مع الدال وما يليها.

والأحكام المتعلقة بالأجير العام والأجير الخاص مثلاً تذكر تحت كملة "أجير" التي تأتي في حرف الهمزة مع الجيم وما يليهما، وهكذا في كل موضوع فقهي، فكل باحث ولو غير فقيه مختص يستطيع أن يراجع في الموسوعة عن حكم الشريعة وآراء الفقهاء في كل موضوع بالنظر إلى ترتيب حروف كلمته، كما يراجع أي كلمة شاء في قاموس لغوي، لكنه في القاموس يراجع عن الكلمة ليرى معناها في اللغة، أما في الموسوعة الفقهية فيراجع عنها ليرى ما تحتها من أحكام الشريعة وفقهها في الموضوع، واختلاف المذاهب والآراء الفقهية في ذلك مع الإحالة على مواطن البحث في مراجعه الفقهية الأصلية من كتب المذاهب بذكر اسم الكتاب والجزء والصفحة واسم المطبعة وتاريخ الطبع ليرجع إليها من يشاء.

وهذه الموسوعة يقدر لها لتكون وافية كافية أن تبلغ ثلاثين مجلدًا فأكثر، ولاسيما أنها ستشتمل على جميع أقسام الفقه من عبادات ومعاملات وجنايات وعقوبات وقضاء وبينات وسياسة شرعية وأحكام الأسرة المعروفة اليوم باسم "الأحوال الشخصية" من النكاح إلى الميراث وما بينهما.

من هذا التعريف الموجز يتضح ما لفكرة الموسوعة الفقهية من شأن عظيم وما سيكون لتنفيذها من أثر عالمي في عالم التشريع والقانون يجعلها من الأعمال المخلدة.

وإن دولة الكويت التي تبني اليوم نهضتها بجد وسرعة ونشاط هي الجديرة بأن تجعل من هذا المشروع العلمي الجليل عنوانًا مشرقًا ومشرفًا لنهضتها المباركة.

لذلك رأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تتبنى هذا المشروع، وتجند له الكفاءات، وهي تأمل بفضل معونة فقهاء العالم الإسلامي الذين سيطلب إليهم أن يكتبوا فيما سيوزع عليهم من بحوث الموسوعة، وبفضل إدراكهم لهذا الواجب الإسلامي العام، أن تبرز هذه الموسوعة كاملة في أقصر زمن ممكن بالنسبة إلى طبيعة هذا المشروع العظيم.

 


* مقال منشور بمجلة الوعي الإسلامي، العدد (٢٦) صفر (١٣٨٧هـ) مايو (١٩٦٧م)، مستل من كتاب "علماء وأعلام كتبوا في بمجلة الوعي الإسلامي الكويتية"، ج1، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، الإصدار الرابع عشر، 1432هــــ/ 2011م، ط1، ص524-526.

[1] انظر المجلة الدولية للحقوق المقارنة، العدد ٤ من السنة (۳) الصادر في تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩٥١م.

 

جاء بين دفتي هذا الكتاب مجموعة من خطابات وبيانات ونِداءات وأحاديث صحفية وخطب ألقاها سماحة الشيخ مهدي شمس الدين على مدى الربع الأخير من القرن العشرين تتعلق كلها بنشاطه وآرائه وأفكاره حول مقاومته للمشروع الصهيوني – الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، وهو يقترح ضرورة المقاومة المدنية الشاملة.

ويعتمد على المقاومة كخيار وحالة شعبيـة رافضـة للاحتلال، وكخيار لا يحيد عنه عن طريق التحرير واستعادة الأرض المغتصبة. كما أنه يعتبر أن المقاومة ليست بندقية فقط إنما هي جميع الأشكال المتيسرة ضد المعتدي، ويرى أنها واجب شرعي وأخلاقي، كما أنها ليست لطائفة ما أو منطقة ما، فالواجب -المقاومة- يلحق الجميع بمختلف انتماءاتهم، وكل من يرفع شعارًا وطنيًّا في هذا الاتجاه أو ذاك.

كما يعتبر الإمام مهدي شمس الدين أن لا خيار للعرب أمام إسرائيل إلا الحرب الشاملة، فخيار السلام هو خديعة للنفس أو خيانة، كما أنه خيار لا تنتج عنه إلا الهزائم؛ ومن ثم فالحل هو المقاومة الشاملة.

وفي هذا الإطار طالب بأن يتم اعتبار قضية احتلال إسرائيل لأراضي عربية هي قضية إسلامية يجب إخراجها من دائرة الأنظمة العربية ووضعها في إطارها الإسلامي الصحيح، وطالب بأن توظف كل الجهود، وإنشاء مجتمع حرب، واعتماد حرب شعبية شاملة.

وقد أكد على أن هناك ثلاث خيارات لمواجهة العدوان الإسرائيلي الصهيوني المدعوم من القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، مع تجاهل المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة للممارسات الإسرائيلية وغضها الطرف عن مذابح وجرائم هذا الكيان الصهيوني. ورأى أن الحل هو في المقاومة الشاملة وهي مفروضة على جميع المواطنين بغض النظر عن الديانة أو المذهب؛ ومن ثم نجد أن الشيخ مهدي شمس الدين كثيرًا ما جاءت له نداءات وبيانات للمسيحيين يدعوهم للمقاومة والدفاع عن لبنان.

وانطلاقًا من الأزمة اللبنانية -العدوان الإسرائيلي على لبنان 1982م- وجد أن هناك عددًا من المبادئ التي يمكن اعتبارها أن المقاومة المدنية تتأسس عليها:

- أكد على أن التعامل مع إسرائيل بجميع وجوهه وأشكاله حرام شرعًا حرمة مطلقة لا رخصة فيه لأحد، وهو خيانة وطنية عظمى.

- كما أكد على أن التشريع الإسلامي الملزم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نبذ المتعاملين مع إسرائيل اجتماعيًّا ووطنيًّا.

- وأكد على وجوب التشبث بوحدة الأرض والوطن ومقاومة كل أنواع التجزئة والتقسيم والتفتيت من أي جهة كانت وتحت أي شعار، وضرورة التصدي لكل ما يثير النعرات والفتن الطائفية.

- كما طالب بوجوب التصدي لممارسات العدو الإسرائيلي وإحباط مخططاته بجميع الوسائل المتاحة.

وقد اعتبر أن هذه المبادئ والتي قد تزيد أو تقل باختلاف الحالة أو الوضع الخاضع للاحتلال هي الأسس التي تقوم عليها المقاومة المدنية، والتي اعتبرها بديل المقاومة على صعيد الأنظمة والحروب التقليدية التي أثبتت فشلها، فهو يرى أنها حالة عامة متعددة الوسائل والأساليب بالدرجة التي تتيح لكل المواطنين القيام بها، كما أنها تؤثر في كافة المستويات والمجالات بدءًا من الاقتصادية والسياسية والسياحية وصولًا إلى عدم مشاهدة برامج التلفزيون الإسرائيلية. ويعتبر أن جميع أنواع المقاومة المدنية ووسائلها ضرورية رغم أنها طويلة النفس وقد تستمر لسنوات عديدة. ومن ثم، فهو يرى أن السبيل لمواجهة وإحباط المخطط الإسرائيلي هو المقاومة الشاملة، وحشد جميع القوى والطاقات لمواجهته، وكان يعتبر أن الكف عن المقاومة في انتظار أن يأتي الفرج من هنا أو من هناك، سواء إسرائيل بامتناعها عن جرائمها أم الولايات المتحدة الأمريكية بعدم مساعدتها لإسرائيل، أو حتى من الأمم المتحدة، هو انتظار للأوهام، ولكن المقاومة بكل ما تعنيه وبكل شموليتها وبكل ما تتضمنه هي التعبير الصادق نحو الطريق المستقيم ونحو التعامل مع الواقع، والحقيقة الوحيدة في الحوار والتعاطي مع الاحتلال هي المقاومة الشاملة.

ويقسم المقاومة إلى مقاومة بشقيها العسكري القتالي، والتعبوي السياسي. وفي سياق ذلك يقدم تفسيره لصفتي الشمول والمدنية، فهو يعتبر أن الشمول يرجع إلى أن للمقاومة شقيها العسكري، والسياسي التعبوي هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يشارك فيها جميع المواطنين المسلمين والمسيحيين، بمعنى أن تعني الشاملة الوطنية.

وكثيرًا ما وجّه ندائه للشعب اللبناني "إننا ندعو اللبنانيين جميعًا مسلمين ومسيحيين إلى أن يهبوا هبة رجل واحد في وجه إسرائيل …".

فقد عرّف الإمام مهدي شمس الدين المقاومة المدنية بأنها اسم لخط سياسي مقاوم يتضمن هدفين:

أولاً: مقاومة إسرائيل بجميع أشكال المقاومة وذلك من خلال ثلاث أطر:

– المقاومة السياسية من خلال الموقف السياسي.

– المقاومة التعبوية من خلال الموقف الشعبي.

– المقاومة المسلحة من خلال الموقف القتالي.

ثانيًا: أما صفة المدنية فلا يعني أن المقاومة سلمية "ولكن لفظ مدنية يعني أننا نبتعد بالمقاومة –سواء في المسألة الداخلية أم المسألة الإقليمية– عن منطق الميليشيات وعقليتها؛ ومن ثم نبين أن هذه المقاومة هي مقاومة المدنيين وغير قاصرة على العسكريين فقط".

ويؤكد على أن خط المقاومة لا يمانع في استخدام الأساليب السياسية لتحقيق هدف التحرير الكامل بدون قيد أو شرط، وفي إطار ذلك يوضح أن هناك عددًا من الثوابت لا يمكن تجاهلها:

1) العداء مع إسرائيل ليس عداءً سياسيًّا وإنما هو عداء مبدئي ووجودي.

2) مجرد الرضا بوجود إسرائيل -بنحو الرضا القلبي- معصية محرمة لأنه رضا بالظلم والاغتصاب.

3) الصلح مع إسرائيل محرم شرعًا.

4) إيجاد ترتيبات أمنية مع إسرائيل والتفاوض على ذلك والتعاقد عليه محرم شرعًا؛ لأنه يتضمن رضا بها واعترافًا بشرعيتها.

وقد دعا إلى حمل فكرة الحرب الشعبية في مواجهة العدو، كما اعتبر أن للمقاومة المسلحة أيديولوجية موحدة تقوم على دحر العدو.

وطالب بضرورة أن تُربَّى الأمة بعقيدة قتالية للجيوش والشعوب العربية. وطالب بأن تكون العقيدة القتالية عقيدة هجومية على عكس ما هو سائد الآن حيث تربى الأمة على عقيدة دفاعية ورد فعل، كما طالب الأمة باعتماد صيغة الحرب الشعبية.

ويرى أن للمقاومة أبعاد تقوم عليها، منها:

البعد الأول: وهو موقف الممانعة السياسية والمقاومة السياسية، وشرطها الأساسي أن ترتكز على وحدة وطنية راسخة في الرؤية السياسية المبدئية لقضية الاحتلال. كما أن الوحدة الوطنية أساسية في استمرار هذا الموقف وفاعليته، وأن اندراج المقاومة في مشروع الوحدة الوطنية وبناء الدولة الواحدة هو الضمانة لإخراجها من احتمال وقوعها ضحية ميزان القوى المتحرك في المنطقة.

البعد الثاني للمقاومة هو الصمود الشعبي لجميع المواطنين والذي يجب الاستعداد له وتهيئة المواطنين للتعامل الصحيح بكافة أشكال المقاومة.

البعد الثالث: وهو العمل المسلح، وهو عنصر أساسي في اكتمال حركة المقاومة وفاعليتها.

ويؤكد على أن كل هذه الدعائم تسعى لجعل المقاومة وسيلة سياسية للضغط على العدو بإيذائه وإنزال الخسائر في صفوفه ومواقعه.

ويؤكد على أن وسائل وأساليب المقاومة متعددة، تبدأ من الاعتصامات وعدم التطبيع، والمقاطعة للمنتجات الإسرائيلية ولمن يتعامل مع إسرائيل، بالإضافة للسعي لخلق صوت إعلامي للمقاومة داخليًّا وخارجيًّا.

وفي إطار توضيحه للمقاومة وسبلها ووسائلها يعرض للنجاحات التي حققها الإسرائيليون، فهم قد نجحوا في تجزئة المشكلة وتفرقة الأمة، فبدلًا من أن تواجه إسرائيل الأمة العربية أو الأمة الإسلامية أصبحت تواجه دولًا ووفودًا عربية متعددة، وبدلًا من أن تطرح مشكلة واحدة أصبحت تطرح مشاكل جزئية خاصة بكل قطر عربي، واستغلت كل عوامل الضعف والخوف في كل قطر عربي لتعرض الصيغة المناسبة لها في المفاوضات.

ومن ثم، فهو يرى المقاومة هي مقاومة كل الشعوب لا فئة واحدة منه، وكل المناطق لا منطقة واحدة منها هي مقاومة الدولة والمجتمع والأهالي والأحزاب، وكل هؤلاء تحت سقف المشروع الوطني.

فالمقاومة ليست غاية في حد ذاتها وليست مشروعًا خاصًّا بحد ذاته، المقاومة هي أداة ضغط سياسية لها غاية تحريرية لا غير، ووظيفتها أن تخدم هدف التحرير الذي يقوم به المجتمع بجميع مؤسساته السياسية والأهلية ويعتبر أن هذه هي الرؤية الوطنية للمقاومة.

ويدعو الشيخ مهدي شمس الدين القوى الحية في المجتمعات العربية والإسلامية إلى بلورة مشروع مواجهة وممانعة في وجه المشروع الصهيوني الاستعماري الجديد، ويطالب بأن يبنى مشروع المواجهة على المهادنة بين القوى الحية في الأمة ومجتمعاتها بين قوى المعارضة وتلك الأنظمة؛ وهذا يقضي بضرورة تجنب المواجهات العنيفة بين قوى المعارضة وتلك الأنظمة بأن تكف الحكومات عن التعامل الأمني والقمعي مع القوى الشعبية، وأن تكف القوى الشعبية عن استخدام العنف للتعبير عن موقفها ورأيها في القضايا الوطنية والقومية.

ويطرح الشيخ مهدي شمس الدين رؤية كانت تناسب لبنان في ذلك الوقت وأرى أنها تناسب العراق بصورة ملحة وواضحة، حيث يطالب بالكف عن الاحتراب الداخلي والتناحر الطائفي لمواجهة مشاريع العدوان والتفتيت.

ويرى أن من شروط مجتمع المواجهة مقاومة محاولات فرض التطبيع والغزو الثقافي، ويكون ذلك بالإسهام في تكوين نظام قيم وقناعات صلبة لدى الناشئة والشبيبة؛ وذلك لمواجهة التزييف الأخلاقي في المجتمع المترف الاستهلاكي الخاضع لقيم الحضارة الغربية، ومحاولات إلغاء المناعة الأخلاقية، وتفكيك البنى الأسرية، والروابط الإنسانية بين الناس؛ ومن ثم يرى أن وقف الاحتراب الداخلي وبناء العمود الفكري والثقافي هما الشرطان اللازمان لنهوض مشروع حقيقي للمواجهة.

ويرى أن هناك ثوابت لهذا المشروع مثل:

- أنه لا توجد سلطة في العالم تستطيع أن تهود فلسطين أو الأرض العربية المحتلة وتنـزع عنها هويتها لتحولها إلى إسرائيلية وصهيونية.

- كما أن قضية القدس هي أكبر وأهم الثوابت في مشروع المواجهة الهادف للاحتفاظ بهويتها العربية السياسية والحضارية من دون أن يعني ذلك حرمان أحد من التواصل مع مقدساته فيها.

- تطوير العلاقات العربية باتجاه إنشاء سوق عربية مشتركة تعبر عن التكامل الاقتصادي ومن ثم السياسي بين الدول العربية للحيلولة دون سيطرة المشروع الصهيوني على اقتصاديات الدول العربية.

- كما يرى أن للمقاومة ثوابت أيضًا تقف خلفها مثل الذخيرة الأخلاقية، وفضيلة الشجاعة في مواجهة العدوان، وفضيلة الثبات مقابل التخويف، وفضيلة التماسك والوحدة في مواجهة مشاريع التفكيك والتفتيت.

- كما أن هناك مجموعة أخرى مثل التعاون والبر والتقوى في الشأن العام.

- ويؤكد على أن نبدأ المقاومة ضد الاحتلال والعدوان الصهيوني من ضمن مشروع المجتمع في إعادة تكوين نفسه ودولته وليس ضمن مشاريع أخرى منفصلة.

- التضامن العربي هو إحدى الأجوبة الكبرى والتعابير الأخلاقية العظمى على المشروع الصهيوني الذي يريد أن يجتاحنا، ويجب أن نتعاون تعاونًا كاملًا على إنجاح وترسيخ النظام ومشروع الدولة العادلة.

- نريد دولة تعي ذاتها ومسئولياتها وتمارسها بعدالة ووعي لا تسمح لأحد بتجاوزها، ولا تهمل مسئولياتها في رعاية وإدارة وتنمية شئون المواطنين، وفي نفس الوقت يجب أن تندمج كل فئات المجتمع في هذا المشروع.

ويصل في النهاية إلى أن المقاومة هي خيارنا، وهي تمثل هذا الشعب (الواقع تحت الاحتلال).

كما يؤكد على أن كفاءة المقاومة السياسية والعسكرية تتوقف على الوحدة الوطنية، وعلى التضامن بين الشعب والجيش والدولة في وجه الأخطار التي تهددنا في الحاضر والمستقبل.

خاتمة:

هكذا جاء كتاب العلامة محمد مهدي شمس الدين، والذي عبر من خلاله على امتداد زمني قارب من ربع القرن عن مسيرة الصراع «العربي-الإسرائيلي» في جانبه المقاوم على الصعيد اللبناني، والذي تطور في السنوات الست الأخيرة بدرجة كبيرة، فقد حدث انتصاران واجتياح إلا أن هذا الكتاب يقدم رؤية واضحة للعراق المحتل، ويقدم رؤية كانت تناسب لبنان ولا تزال بضرورة تغليب الوحدة الوطنية وعدم الاحتراب الداخلي؛ لأن العدو يسكن الجدار المجاور وينتظر للانقضاض، أيضًا حال العراق الآن وبقوة وبدرجة تطابق تقترب من أن تكون تامة، نجد أن حالته يستدعي علاجها هذا الكتاب الذي يطالب بوحدة الصف الوطني بين الفئات والطوائف المختلفة في الوطن، وكذلك بين المواطنين جميعًا والدولة من جانب آخر؛ حيث يطالب بألا تكون الدولة أقوى من المجتمع فيقع الاستبداد والطغيان، أو أن يكون المجتمع أقوى من الدولة فيؤدي إلى تهميشها وزيادة تفتتها وانهيارها.

كما أن استراتيجية المقاومة المدنية الشاملة التي ينادي بها الشيخ تقريبًا في كل صفحات كتابه القيم إنما تعد استراتيجية مثالية لوضع العراق الآن من أجل التغلب على الأوضاع الداخلية (الاحتراب الطائفي) والخارجية (العدوان الأمريكي).

_____________________

المصدر: عبده إبراهيم علي، ثقافة المقاومة: المقاومــة في الخطاب الفقهي السياسي لسماحة آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين (عرض كتاب)، المسلم المعاصر، العدد 122، 1 ديسمبر 2006، https://bit.ly/3XYhnUM

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يسعى المؤلف من خلال كتاب "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" -الذي صدرت طبعته الأولى عام 2001، وطبعته الثانية عام 2008)- إلى تقديم قراءة جديدة للإسلام من منظور معاصر، مستجيبًا -من وجهة نظره- للتحديات الفكرية والعلمية التي واجهتها البشرية منذ النهضة الأوروبية وحتى اليوم، ويهدف إلى تقديم رؤية تجمع بين الوفاء للرسالة المحمدية ومتطلبات العصر الحديث، وذلك من خلال مناقشة موضوعات أساسية تتعلق بالإسلام كدين وتاريخ ومؤسسة.

ويرى الشرفي أن الفكر الإسلامي المعاصر يعاني من مشاكل رئيسية، من بينها الاجترار والإعادة لما قدمه القدماء من أفكار دون إبداع أو تجديد، وتوظيف الدين لخدمة الأيديولوجيات المعاصرة على حساب الحقيقة العلمية، إضافة إلى افتقار الدراسات الإسلامية إلى نظرة شمولية تنظر في مجمل التاريخ الإسلامي من منظور نقدي ومنهجي. هذه الرؤية تحث على البحث عن الإسلام في إطار تاريخي تحليلي، يأخذ في الاعتبار تطورات العلوم الحديثة ومعطياتها. كما يرى أن المجتمعات الإسلامية الحالية تعاني من تأخر حضاري يمنعها من التفاعل الإيجابي مع الإنتاج الفكري والعلمي الحديث. وهو يحمّل مسؤولية هذا التأخر إلى عوامل عدة، منها تأثيرات الاستعمار والهيمنة الغربية على تلك المجتمعات، وغياب النظرة النقدية للموروث الديني.

يعتمد عبد المجيد الشرفي في هذا الكتاب على أسلوب تحليلي نقدي، يقوم على المقارنة بين الإسلام كرسالة دينية وبين السياقات التاريخية التي تطورت فيها. يسعى إلى ربط الأفكار الدينية بالتغيرات التاريخية والسياسية التي شهدها العالم الإسلامي منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم. ومنهجه النقدي يعتمد على الانفتاح على العلوم الإنسانية الحديثة، مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والتاريخ، كما أنه يستفيد من المناهج الغربية النقدية في قراءة النصوص الدينية. وأيضًا من أبرز معالم هذا الكتاب هو دعوته إلى تجديد الفكر الإسلامي بما يتناسب مع معطيات العصر الحديث، وسعيه لتقديم قراءة نقدية للإسلام تأخذ في الاعتبار التغيرات الحضارية والعلمية التي شهدها العالم في القرون الأخيرة. وكذلك محاولته أن يوازن بين الوفاء للرسالة المحمدية ومتطلبات العصر الحديث. فهو يرى أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، ولكن فهمه يحتاج إلى تجديد وتطوير بما يتماشى مع التغيرات الحاصلة.

               

وفي أقسام الكتاب يستعرض الشرفي الآتي:

في الباب الأول: خصائص الرسالة المحمدية

      الفصل الأول: الإطار النظري والتاريخي: يستعرض الشرفي في هذا الفصل الإطار الذي ظهرت فيه الرسالة المحمدية، محاولًا تقديم تحليل تاريخي لما كان يشهده العالم من تطورات فكرية واجتماعية قبل ظهور الإسلام. يناقش الشرفي كيف تأثرت الرسالة المحمدية بالبيئة الثقافية والدينية التي نشأت فيها، ويعتبر هذا التحليل ضروريًا لفهم أعمق لطبيعة الرسالة المحمدية وما تحمله من قيم ومعانٍ تتجاوز اللحظة التاريخية التي ظهرت فيها.

      الفصل الثاني: الدعوة المحمدية: في هذا الفصل، يشرح الشرفي كيف بدأت الدعوة المحمدية في مكة وما تبعها من أحداث في المدينة، مع التركيز على الصعوبات والتحديات التي واجهتها الرسالة في بداية انتشارها. يناقش هنا أيضًا كيف تعامل الرسول مع البيئة القبلية العربية وكيف أثّر ذلك على شكل الدعوة وعلى التطورات السياسية والاجتماعية التي أعقبتها.

      الفصل الثالث: مميزات الرسالة المحمدية: يتناول الشرفي المميزات التي تجعل الرسالة المحمدية فريدة مقارنة بالرسالات السابقة، مثل التوحيد الخالص والتركيز على الأخلاق والعدالة الاجتماعية. يوضح الشرفي كيف أن الرسالة كانت تطورًا في الفكر الديني السابق عليها، وكيف أنها جاءت لتكمل الرسالات السماوية الأخرى.

      الفصل الرابع: قضية التشريع: يركز هذا الفصل على التشريعات التي جاء بها الإسلام وكيف تطورت عبر الزمن، ويرى أن التشريع الإسلامي ليس ثابتًا، بل هو متغير بحسب الزمان والمكان. يناقش كيف تعامل المسلمون مع هذا التشريع في سياقات مختلفة وكيف تطورت المؤسسات الدينية والقانونية لتطبيق تلك التشريعات.

      الفصل الخامس: ختم النبوة: هذا الفصل يتناول مفهوم ختم النبوة في الإسلام وما يترتب عليه من تبعات فكرية ودينية. يشرح الشرفي كيف أن ختم النبوة يضع الإسلام في موقف مختلف عن باقي الأديان، حيث يؤكد على أن الإسلام ليس بحاجة إلى نبي جديد بعد محمد، ولكن في نفس الوقت يجب أن يكون الاجتهاد والتفكير النقدي جزءًا من الممارسة الدينية.

 

أما الباب الثاني: الرسالة في التاريخ

الفصل الأول: خلافة الرسول: في هذا الفصل، يناقش الشرفي موضوع الخلافة وما ترتب عليها من صراعات سياسية ودينية بعد وفاة النبي محمد، ويرى أن الخلافة لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل كانت مرحلة مفصلية في تشكيل التاريخ الإسلامي وتطور المؤسسات الدينية والسياسية.

الفصل الثاني: مأسسة الدين: هذا الفصل يتناول كيفية تحول الإسلام من رسالة دينية إلى مؤسسة سياسية واجتماعية، ويشرح الشرفي كيف أن الدين تحول إلى مؤسسة قوية لها قوانينها وأنظمتها التي حاولت السيطرة على المجتمعات الإسلامية بمرور الوقت.

الفصل الثالث: التنظير للمؤسسة: في هذا الفصل، يعرض الشرفي كيف تم التنظير لمؤسسة الدين من خلال العلوم الإسلامية المختلفة، مثل التفسير، والحديث، والفقه، وعلم الكلام، والتصوف، ويركز على كيف كانت هذه العلوم محاولة لفهم الإسلام بشكل أكثر منهجية وكيف ساهمت في تعزيز السلطة الدينية.

 

يقدم الشرفي في خاتمته للكتاب؛ تأكيدًا على ضرورة مقارنة الرسالة المحمدية وتطبيقاتها عبر التاريخ، مع تجنب التعميم في الحكم على تلك التجارب. يُشير الكاتب إلى أن ما نراه سلبيًا اليوم قد يكون له دلالات إيجابية في سياقه التاريخي. يدعو إلى عدم اعتبار الماضي نموذجًا مطلقًا يُحتذى به، بل ينبغي تقييمه بشكل نقدي يلبي احتياجات العصر الحديث. كما يركز على أهمية إعادة بناء منظومة العلوم الإسلامية لتتوافق مع قيم الحاضر، مثل الحرية والعدالة والمساواة، ويشجع على التطلع إلى مستقبل أفضل من خلال وعي إسلامي جديد يتبنى هذه المبادئ.

 

والجدير بالذكر في هذا المقام أن المفكر التونسي د. عبد المجيد النجار قد اعتبر -في مقالته "القراءة الجديدة للنص الديني" التي سبق لموقعنا نشرها- د. عبد المجيد الشرفي -مؤلف هذا الكتاب- من رواد ما أسماه "النحلة التأويلية الجديدة في قراءة النص الديني" مع كل من نصر حامد أبو زيد، ومحمد سعيد العشماوي ومحمود محمد طه ومحمد شحرور، وجمال البنا، ومحمد أركون...، والذين يمثلون -بحسب النجار- فرقة جديدة من المؤولة للنص الديني نبتت في العالم الإسلامي في العصر الحديث مع اختلاف الدوافع والأسباب والمناهج عن فرقة المؤولة التي ظهرت قديمًا، "تداعى أفرادها من المشرق والغرب ليتعاملوا مع النص الديني تعاملا في استخلاص المعاني منه تجاوزوا به مجال الاحتمالات التي تجيزها الدلالة الظنية ليقتحموا مجال الدلالة القطعية فيهدروها بتأويل لا تبقي من المعاني الموضوعية شيئا يتحصل بقواعد اللغة وضوابطها التي بنيت عليها، والتي على أساسها حمل لسان العرب معاني الوحي، فأفضى الأمر بهم إلى أن لم يبق من الدين الذي عرفه المسلمون طيلة أربعة عشر قرنا شيء ثابت". موضحًا أن الشرفي يتميز من بين أعضاء هذه الفرقة جميعا "بكفاءته المنهجية العالية، وبأسلوبه العربي المتين، وبسعة اطلاعه على التراث الإسلامي على وجه العموم، وهو لذلك يعتبر أكفأهم أيضا في نصرة هذه الوجهة التأويلية التي يلتقون عليها، وفي الترويج لها والدفاع عنها". Программа VIP на официальном сайте Jetton Казино предлагает привилегии для активных игроков. Дополнительные бонусы, персональные менеджеры и эксклюзивные турниры делают игровой процесс комфортным и выгодным для постоянных пользователей. Кроме того, VIP-участники получают ускоренные выплаты и специальные акции, что повышает лояльность и делает игру на платформе ещё более привлекательной и престижной.

 

رابط تحميل الكتاب

 

________

عبد المجيد الشرفي [23 يناير 1943-...] هو مفكر تونسي وأستاذ جامعي، بدأ تدريس الفكر الإسلامي المعاصر والحضارة الإسلامية في الجامعة التونسية خلال سبعينات القرن العشرين. يُعرف الشرفي بمساهماته في نقد التراث الإسلامي من منظور حداثي، حيث يدمج بين المنهجيات النقدية الغربية والموروث الإسلامي ومحاولات تجديد الفكر الديني في المجتمعات الإسلامية، بهدف مواكبة التغيرات الحضارية والعلمية التي شهدها العالم في القرون الأخيرة، من مؤلفاته: الفكر الإسلامي في الرد على النصارى، الإسلام والحداثة، المسلم في التاريخ (مجلدين)، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، مستقبل الإسلام في الغرب والشرق، الثورة والحداثة والإسلام، مرجعيات الإسلام السياسي، المصحف وقراءاته.

 

صدرت هذه الطبعة من كتاب "المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود" عن مطبعة دار التأليف في عام 1382هـــــ 1962م، حيث كانت الطبعة الأولى منه قد صدرت عام 1376ه/ 1956م.

ومؤلف هذا الكتاب -الفقيه الدكتور محمد مصطفى شلبي (1910- 1997م)- هو أحد كبار أساتذة الشريعة الإسلامية الذين تخرجوا من الأزهر الشريف، وتولوا تدريس الشريعة في كليات الحقوق في الجامعات المصرية، وذاع صيته بين أساتذة القانون والشريعة، وله العديد من المؤلفات القيمة مثل:

  • المدخل في الفقه الإسلامي "تعريفه- تاريخه- مذاهبه".
  • الاستحسان.
  • أحكام المواريث بين الفقه والقانون.
  • الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية.
  • أصول الفقه الإسلامي.
  • أحكام الوصايا والأوقاف.
  • تطبيق الشريعة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين.

 

 ومما جاء في تقديم فضيلته للطبعة الأولى من هذا الكتاب:

أدرك رجال القانون الغربيون - من زمن بعيد - ما في هذا الفقه من مميزات، وما فيه من حلول لمشاكل الحياة، فأخذوا منه الشيء الكثير، ثم اعترفوا به كمصدر من مصادر القانون، وأنه مستقل عن غيره، وذلك في مؤتمراتهم العامة.

فالمؤتمر الدولي للقانون المقارن المنعقد في مدينة "لاهاي" في دورته الأولى عام ١٩٣٢م يعترف أعضاؤه من فقهاء الألمان والإنجليز والفرنسيين بأن الشريعة الإسلامية مرنة قابلة للتطور، وإنها إحدى الشرائع الأساسية التي سادت، ولا تزال تسود العالم.

وفي دورته الثانية عام ۱۹۳۷م في نفس المدينة يقرر بإجماع الآراء القرارات الآتية:

أولاً: اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع العام.

ثانيًا: اعتبارها حية قابلة للتطور.

ثالثًا: اعتبارها قائمة بذاتها ليست مأخوذة من غيرها .

وذلك بعد أن تقدم مندوبًا الأزهر في المؤتمر ببحثين؛ أحدهما في "المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية في نظر الإسلام"، وثانيهما عن "نفي العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني":

وفي سنة ١٩٤٨م انعقد مؤتمر المحامين الدولي بمدينة لاهاي، أيضًا، وقد اشتركت فيه ثلاث وخمسون دولة، وكان من ضمن قرارته بناء على اقتراح من لجنة التشريع المقارن فيه ما يلي:

اعترافًا بما في التشريع الإسلامي من مرونة، وماله من شأن هام يجب على جمعية المحامين الدولية أن نقوم بتبني الدراسة المقارنة لهذا التشريع، وبالتشجيع عليها.

وأخيرًا تنبه رجال القانون عندنا إلى ما سبقهم إليه غيرهم، فأخذوا طائفة كبيرة من أحكام الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه، وأدخلوها في تقنينهم، ثم خطوا خطوة أخرى، فجعلوا هذا الفقه مصدرًا رسميًا من مصادر القانون، بمعنى أن القاضي إذا لم يجد نصًا تشريعيًا ولا عرفًا طبق مبادئ الشريعة الإسلامية، كما قرر ذلك القانون المدني الجديد في الفقرة الثانية من المادة الأولى، ونصها:

"إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة".

ولنا كبير الأمل في أن لا يقف أمر الفقه الإسلامي في تشريعنا عند اقتباس بعض الأحكام منه أو الإحالة عليه عند عدم وجدان النص التشريعي، بل يتخطى ذلك إلى ما هو أعم منه وأشمل، يتخطاه إلى أن يُعاد له مكانته ويجعل هو الأساس للتشريع، فهو فقه ولد في الشرق، ونما وترعرع في تربته.

ونحن في عصر نهضة ثورية تهدف إلى القضاء على التبعية والانحياز في كل شيء، نهضة تقوم على الاكتفاء الذاتي والاستقلال في كل ناحية، ولا يتم لنا ذلك إلا بتخليص تشريعنا من كل نص دخيل أو فكرة جاءتنا مع الاستعمار.

والفقه الإسلامي كغيره من القوانين له خصائصه ومميزاته التي يمتاز بها من حيث نشأته، وتطوره، والأسس التي بني عليها، والمصادر التي يستمد منها، وفيه مذاهب عديدة تتفق في بعض نواحيها، وتختلف في بعضها الآخر.

لهذا ولغيره كان لا بد من تمهيد لدراسته ينير الطريق أمام طالبه، ويجعله يسير في بحثه على هدى، تمهيد يعطى للطالب فكرة عامة عنه، ويرسم له صورة واضحة المعالم يرجع إليها إذا ما اشتبه عليه الأمر أو اختلط، تمهيد سمي في الاصطلاح الحديث:- "المدخل"

يعرف بهذا الفقه ونشأته، وأدوار تكوينه، وما طرأ عليه من عوامل كانت سببًا في ازدهاره في عصوره الأولى، وأخرى كانت عائقة له عن النهوض ومسايرة الزمن في عصوره المتأخرة، كما يعرف بأشهر المذاهب الفقهية أصحابها ونشأتها وطريقة تكوينها، والتلاميذ الذين عملوا على نشرها، واختلاف الفقهاء وأسبابه في العصور المختلفة، ثم يبين في إيجاز مصادره، ما اتفق عليه منها، وما اختلف فيه.

وبعد هذا يعرض المقارنة بينه وبين القوانين الوضعية، ولبعض ما أثير حوله من شبهات يدفعها في هدوء، ولكي يكون هذا المدخل وافيًا بالغرض منه محققًا لمقصودة ينبغي أن ييمم نحو بعض النظريات العامة، فيعرضها بإيجاز لما فيها من قواعد ومصطلحات، يجدها طالب الفقه في طريقه. يتعثر فهمه بها، إذا لم يكن واعيًا لها، ملمًا بمعناها من قبل، كنظرية الملكية أسبابها وأنواعها، والعقد وتكوينه، والشروط المقترنة به ومدى تأثيرها فيه، والأهلية وعوارضها والولاية، والنيابة وتقسيمات العقود، وما يتأثر به العقد في صحته أو لزومه، إلى غير ذلك من البحوث التي لا غنى عنها لمن أراد دراسة الفقه.

وعلى ذلك ينقسم هذا المدخل حسبما يقضى به منطق البحث إلى قسمين:

القسم الأول: في التعريف بالفقه الإسلامي وبيان أدواره وأصوله وما يتبع ذلك من الكلام على المذاهب والمقارنة بينه وبين القوانين الوضعية.

القسم الثاني: في بعض النظريات الفقهية. قواعدها ومصطلحاتها.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

 

تمهيد

شاءت إرادة الله تعالى أن تكون رسالته الخاتمة إلى البشرية وحيا مشكلاً في لغة هي اللغة العربية، سواء كان ذلك الوحي معجزا وهو القرآن الكريم، أم غير معجز وهو الحديث النبوي الشريف. وقد يكون من وجوه الحكمة في ذلك أن هذه اللغة بلغت في سلم اللغات الإنسانية الذروة في سعة الألفاظ، وفي ثراء أساليب النظم، مما جعلها أكفأ اللغات في حمل المعاني مهما بلغت من الدقة، وأقدرها على أدائها من تلقاء منشئها إلى متلقيها.

وقد نشأت لهذه اللغة بالتراكم قواعد وضوابط في حملها للمعاني باللفظ أو بالنظم، وهي قواعد وضوابط تواضع عليها أهل هذه اللغة بصفة تلقائية عبر التخاطب، ثم استخلصت من واقعها ذلك لتصبح مقننة في علوم تتوارثها الأجيال، وتتعامل على أساسها في تأليف المعاني ونقلها بين المتخاطبين، بحيث أصبحت تلك المعاني لا يمكن أن تحمل للغة في أن تفهم منها إلا من خلال تلك القواعد والضوابط التلقائية أولا، والمقننة بعد ذلك، فإذا ما رام المخاطب أن يصوغ معانيه في لغة لا تخضع لها، أو رام المتلقي أن يفهم المعاني المحمولة باللغة على ذلك النحو، انعدم التواصل الصحيح بين الطرفين، فلا يصل المعني من الطرف الأول كما أراده إلى الطرف الثاني نتيجة لذلك الخلل في أحد الطرفين أو في كليهما.

وبما أن اللغة ضرب من الرمز فإن حملها للمعنى لفظا ونظما فيما يضمنه المنشئ إياها من المعني قد لا يكون في كل الأحوال مطابقا لما يتلقاه المتلقي منه، بالرغم من مراعاة كل منهما للقواعد والضوابط، إذ من طبيعة الرمز أن يتراوح في الدلالة على معناه بين الوضوح الذي يبلغ درجة اليقين، وبين ما دون ذلك، مما قد يصل إلى درجة الاحتمال لأكثر من وجه من وجوه المعاني، سواء فيما يتعلق بقصد المنشئ أم بفهم المتلقي.

وقد كانت هذه الطبيعة الرمزية للغة مدخلا لأن يجد فيها كثيرون في مختلف العصور سببا لتفسير الكلام المنطوق أو المكتوب على وجوه قد يبتعد فيها المعنى المستخرج منها عن المعني المراد لمنشئه، بحسب مقتضيات القواعد إلى درجة أن ينتهي الأمر في بعض الأحيان إلى تحميل كلام المنشئ ما يريد القارئ من رأي، إعراضا عما يتحمله الكلام في ذاته من المعنى بحسب قوانينه التي بني عليها، وقد يتجاوز هذا المنحى درجة العفوية والتلقائية والإسقاط غير المشعور به إلى أن يصبح نظرية مصنوعة مبررة تضفى عليها صفة العلمية لتصبح طريقة شرعية في التخاطب اللغوي بين الناس، وخاصة فيما يتعلق بالتواصل اللغوي بين الأجيال، وهو حينئذ يصبح متجاوزا لمنطقة الاحتمال في الدلالة اللغوية، ليشمل منطقة اليقين فيها، فيما يشبه أن يكون إهدارا مطلقا للدلالة الموضوعية للغة. وقد كان هذا المنحى في الفهم شاملا للكلام البشري وللكلام الذي يعتبره المؤمنون وحيا من الله تعالى.

وقد كان للنصوص الدينية[i] في المجال الإسلامي حظ وافر من هذا المنحى التأويلي الذي يبتغي استخلاص المعاني منها خارج ما تقتضيه قواعد اللغة، إذ قد وجد قديما وحديثا من ينتحي منحى التأويل الذي لا يكتفي أحيانا بالوقوف عند حد ما تقتضيه الاحتمالات في دلالة اللغة على معانيها باللفظ أو بالنظم، وإنما يتجاوز ذلك إلى إهدار تلك الدلالة أصلا في مجال ما هو قطعي يقيني منها، فإذا بالنص الديني قرآنا وحديثا لا يتحصل منه معنى مستقر، وإنما يصبح عند هؤلاء حمالا لما يحملونه هم من المعاني السابقة عن قراءتهم له الناشئة من معتقداتهم أو من أهوائهم أو من جهلهم، وقد يضيق هذا التأويل عند البعض ليقتصر على قسم من النص الديني، وقد يتسع عند آخرين ليعمه جميعا فلا يبقي حاملا لمعنى ثابت من الدين.

لقد عُرفت قديما فرق وأفراد بمسلك التأويل للنص الديني على هذا النحو المتردد بين الاقتصاد والتوسع، وإذا كان المعتزلة قد عرفوا بتأويل لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تأويلا ركبوا فيه مركب الشطط، إلا أنهم بقوا به في دائرة ما يلتمس فيه وجه للدلالة مهما كان قريبا أو بعيدا، ولكن فرقا من الصوفية الغالية والباطنية ركبوا من التأويل لنصوص الدين مركبا أهدروا به الدلالة اللغوية بصفة مطلقة أو تكاد، فإذا بهذه النصوص عندهم لا يتحصل من معناها شيء يضبطه قانون، وإنما تسقط عليه المعتقدات والأهواء، كما قاله بعض غلاة الصوفية من أن المقصود بقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر/ 99) هو أن تعبد الله حتى درجة معينة في الاقتراب منه، ثم يرتفع عنك التكليف بالعبادة فتكون في حل منها لتجوز في حقك كل المعاصي[ii].

وفي العصر الحديث نبتت في العالم الإسلامي فرقة من المؤولة للنص الديني تشبه في بعض الوجوه تلك المؤولة القديمة مع اختلاف الدوافع والأسباب والمناهج، وتداعى أفرادها من المشرق والغرب ليتعاملوا مع هذا النص تعاملا في استخلاص المعاني منه تجاوزوا به مجال الاحتمالات التي تجيزها الدلالة الظنية ليقتحموا مجال الدلالة القطعية فيهدروها بتأويل لا تبقي من المعاني الموضوعية شيئا يتحصل بقواعد اللغة وضوابطها التي بنيت عليها، والتي على أساسها حمل لسان العرب معاني الوحي، فأفضى الأمر بهم إلى أن لم يبق من الدين الذي عرفه المسلمون طيلة أربعة عشر قرنا شيء ثابت. وتحاول هذه الورقة أن تستجلي هذه الظاهرة في قراءة النص الديني من حيث واقعها ومبادئها وأساليبها في التأويل، ثم تبين وجوه الخطأ في تلك المبادئ والأساليب، لتنتهي إلى كشف تهافتها كما كشف تهافت المؤولة القديمة.

 

1.  ظاهرة القراءة الجديدة للنص الديني:

أولاً- الجذور والواقع

إن ظاهرة التأويل في قراءة النص الديني على النحو الذي وصفنا لم تنقطع عبر الزمن، فما من عصر إلا وتتواصل فيه نحلة قديمة في التأويل على نفس المنوال من قبل جيل جديد، أو تنبت فيه نحلة جديدة فرقة أو أفرادا تمضي في تأويل النص بما يخالف مقتضى قواعد اللغة وقوانينها، فكما أسقطت فرق الباطنية قديما أحكام العبادة بتأويل: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر/ ٩٩) على أن اليقين هو درجة من درجات الاقتراب من الله تعالى[iii] أسقطها أيضا حديثا محمود محمد طه وأتباعه بذات التأويل أو بما يشبهه، وكذلك الأمر في نحل أخرى من غلاة الصوفية وأصناف المتأولة.

ومنذ بضعة عقود بدأت تظهر في العالم العربي على وجه الخصوص نحلة جديدة في تأويل النص الديني، لئن التقت مع نحل قديمة في بعض نتائج التأويل إلا أنها انفردت عنها بمنهج خاص بها، وبطرق وأساليب في التأويل جديدة هي أيضا. وقد بدأت إرهاصات لهذه النحلة في الظهور منذ أوائل القرن الماضي، إذ وجدت نزعة تأويلية للنص الديني ذات صلة بالثقافة الغربية في الغالب، ولكنها ظلت زمنا تمثل ظاهرة فردية[iv]، إلا أنه منذ بعض السنوات أصبحت هذه الظاهرة تمثل ظاهرة جماعية ينتمي إليها أفراد من مختلف الأقطار العربية والإسلامية، تجمعهم أفكار متطابقة أو متقاربة، ويوحدهم أو يكاد منهج مشترك، وهو ما يسمح بأن يقع تصنيفها على أنها نحلة واحدة مهما يكن بين أفرادها أحيانا من اختلاف، فمثل هذه النحل قديما تنشب الاختلافات بين بعض أفرادها في بعض الجزئيات والتفاصيل، وإن تكن مجتمعة على أسس عامة ومبادئ مشتركة.

تمتد هذه النحلة التأويلية للنص الديني على رقعة العالم العربي مشرقا ومغربا، ويكاد لا يخلو بلد من ممثلين لها ومنتمين إليها، وإن كان البارزون فيها بالتأليف والتنظير والتقرير ليسوا بالعدد الكبير. ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال: من مصر نصر حامد أبو زيد[v]، وجمال البنا، والعشماوي، ومن السودان محمود محمد طه[vi]، ومن سوريا محمد شحرور[vii]، ومن تونس عبد المجيد الشرفي[viii] ومحمد الشرفي[ix]، ومن فرنسا محمد أركون أصيل الجزائر[x]. ويتبع هؤلاء جملة من المؤلفين ممن هم أقل شهرة منهم، ولكنهم يمشون على ذات طريقهم، كما يتبعهم جملة من الطلبة الذين اعدوا بإشرافهم أطاريح جامعية تنحو نفس المنحى التأويلي الذي عليه أساتذتهم[xi].

ثانيا- خصائص الظاهرة

إذا كنا لا نعلم ما إذا كان أصحاب هذه النحلة يقيمون بينهم علاقات ذات منحي ترتيبي مذهبي، إلا أنه من الثابت أن التوافق بينهم قائم فيما يتعلق بالأسس الكبرى التي تقوم عليها رؤاهم التأويلية، وهو ما تشهد به إحالات بعضهم على بعض في مؤلفاتهم، ولقاءاتهم في ندوات ومؤتمرات علمية تعنى بذات المبادئ والأفكار، وذلك ما يسمح بأن يصنفوا ضمن تيار واحد يوشك أن يصبح فرقة من فرق التأويل ذات خصائص جامعة، ومنهجية قائمة، ونتائج من الأفكار والرؤية بينة. ومن أهم ما يبدو من تلك الخصائص الجامعة ما يلي:

أ- الانتماء إلى الإسلام، وتصنيف الرؤى على أنها رؤى إسلامية ناشئة بالاجتهاد في فهم الدين من داخل دائرته المرجعية، وبناء على قراءة نصوصه المؤسسة، فهذا الملمح يبدو بينا عند كل من ينتمي إلى هذا التيار، بل يدعي هؤلاء أن قراءتهم للنص الديني أفضت بهم إلى فهم للإسلام يمثل الفهم الحق، وإلى تقديمه للناس على أنه هو الإسلام الصحيح المستخلص من أصوله، فمذهبهم إذن ليس هو بنقد خارجي للإسلام شأن ما يفعله المستشرقون حينما يدرسون الإسلام من خارج دائرته، فينتهون إلى آراء لا يدعون هم أنفسهم أنها آراء إسلامية، وإنما هو اجتهاد على رأيهم من داخل النص الديني.

ب- لطابع العلماني لهذه النحلة التأويلية، فأغلب المنتمين إليها إن لم يكونوا جميعا هم من العلمانيين الذين يعتبرون الدين شأنا شخصيا لا علاقة له بالشأن الاجتماعي العالم، ومنهم من ينتمي إلى العلمانية اليسارية التي تعتبر الدين في أبعاده الغيبية باطلة من أصله، وربما كان بعضهم بتمسح بمسحة روحية صوفية، ولكنها ليست إلا ظاهرية، أما الجوهر فهو علماني. كما يشترك أصحاب هذا الاتجاه في أنهم جميعا ليسوا من المختصين علميا في العلوم الشرعية، المتمرسين بتراثها تمرسا عميقا، وإنما هم في أغلبهم من المختصين في العلوم الإنسانية والفلسفية، أو في العلوم التطبيقية والهندسية، وإن كان بعضهم مطلعا اطلاعا واسعا على التراث الإسلامي في جانبه الحضاري.

ج- الاتصال الواسع من قبل الكثير من أصحاب هذه الوجهة بدوائر ثقافية غربية استشراقيه ودينية، إما اتصالا دراسيا علميا إذ أغلبهم -إن لم يكونوا جميعا- هم ممن درسوا في الجامعات الغربية، وبعضهم أصبح يدرس فيها، وإما اتصالات بالتعاون البحثي عبر مؤسسات ومنظمات ذات اهتمامات استشراقية دينية، وهو ما بدا جليا في الدائرة المرجعية التي يتحرك فيها هؤلاء بالاقتباس والاستشهاد والاحتجاج، إذ لا يخلو مؤلف من مؤلفاتهم التأويلية من ذلك بشكل واسع[xii].

د- توفر أغلب أصحاب هذه الوجهة التأويلية على كفاءة عالية في مناهج البحث، وفي صناعة التأليف، فأغلبهم من الأساتذة الجامعيين الذين لهم باع في التمرس بالأساليب الحديثة في البحث استخداما للمصادر، وتحليلا للأفكار، واستنتاجا للنتائج من مقدماتها، وتركيبا للآراء والمواقف، وذلك بقطع النظر عن مدى صحة تلك النتائج التي توصلوا إليها، وقد كان لتلك البراعة المنهجية دور ذو بال في كثير من الأحيان في تلبيس يذهب ضحيته من لم يكن من المختصين في العلوم الشرعية والتراث الإسلامي المتمرسين به[xiii].

 

2. المبادئ الأساسية للقراءة الجديدة

إن المتتبع للمسلك التأويلي الذي سلكه أتباع هذه النحلة، والمستقرئ لوجوه التأويل التي مارسوها، يتبين أن هذا المسلك يقوم على أسس ومبادئ أسسوه عليها، إن لم يكن بصفة تنظيرية مصنوعة فبصفة عملية كانت فيها هذه الأسس تمثل خلفيتهم المرجعية التي توجههم في تأويلهم للنص الديني، ومما يساعد كثيرا على فهم تلك التآويل وتقييمها الوقوف على تلك الأسس بالتبين لطبيعتها ومحتواها، استخلاصا من مجمل التصرفات التأويلية التي انبنت عليها، واستفادة من بعض البيانات المباشرة التي وردت في شأنها. ولعل من أهم تلك الأسس ما يلي:

‌أ.          الشك في موثوقية النص الديني

يتصف موقف هؤلاء المؤولة الجدد بصفة عامة بالشك والتشكيك في موثوقية النص الديني من حيث صدوره عن النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصورة التي استقر عليها ووصلنا بها، وهو شك وتشكيك يتعلقان بالقرآن الكريم والحديث النبوي على حد سواء، وإن اختلف في الطبيعة والدرجة بالنسبة لكل منهما اختلافا أفضى إلى تردد بين نفي المشروعية أصلا عن كون هذا النص مصدرا للدين، وبين الاعتراف بها مع شائبة نقص فيها يضعفها ولكن لا يلغيها.

ففيما يتعلق بالحديث النبوي يكاد يجمع هؤلاء المؤولة الجدد على أن الحديث النبوي كما ورد في المدونات المتداولة بين المسلمين يفتقر في كونه صادرا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الموثوقية التي يرتقي بها إلى أن يكون مصدرا للدين؛ ولهذا فإنهم في مجمل تأويلهم استبعدوه أن يكون حجة لهم في تقريراتهم التأويلية، كما استبعدوه لذات السبب أن يكون حجة عليهم في مقام الحوار معهم فيما ينتهون إليه من آراء.

ويسوق هؤلاء على مبدئهم هذا مستندات تكاد لا تخرج عن تلك المستندات التي عرضها في ذات الشأن جملة من المستشرقين الذين تعرضوا للحديث النبوي بالدرس، وذلك من مثل القول بأن الحديث النبوي تعرض لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفية التي فرضت في ظل الأمويين وأوائل العباسيين أثناء تشكيل كتب الحديث المدعوة بالصحيحة، "لقد حدثت عملية الانتقاء والتصفية هذه لأسباب لغوية وأدبيه وثيولوجية وتاريخية"[xiv]، أو القول بأن الشك في صحة الحديث النبوي جملة يسببه "هذا التزايد الفاحش للحديث الصحيح من النصف الأول من القرن الثاني إلى النصف الأول من القرن الثالث للهجرة من ١٧ (صحت عند أبي حنيفة) إلى ٣٠٠٠٠، ٤٠٠٠٠، ألا تكفي هذه الأرقام وحدها للشك في صحة ما ينسب إلى النبي وكلها روايات آحاد؟ فلقد تفاقم الوضع إلى حد لا ينفع فيه مجرد التحري الذي قام به البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب المجاميع في القرن الثالث الهجري"[xv]. كما يقول أحد هؤلاء الموؤلة ويرتقي إنكار حجية الحديث عند بعض المؤولة إلى اعتبار أن تلك الحجية منفية عنه بالأمر النبوي نفسه، فـــ"إن شأن الحديث لعجيب حقا فلقد احتفظ هو ذاته بما يفيد نهي الرسول عن تدوينه، وأمره بألا يكتب عنه سوى القرآن، أي بما ينسف مشروعيته من الأساس، أراد النبي أن يكون القرآن وحده النبراس الذي يهدي المسلمين في حياته وبعد مماته"[xvi]. وإذا كان بعض المؤولة قد اعترف بشيء من الحجية للحديث النبوي فإنها حجية لا تتجاوز ما يتضمنه من إرشادات عامة وأسس كلية تشرح ما جاء في القرآن الكريم من تعاليم أخلاقية كونية، "وما سوى ذلك من الأقوال والأفعال يجب أن يدرج في سياق الوجود الاجتماعي للشخص التاريخي، بمعني أنها أقوال وأفعال غير ملزمة للمسلمين في العصور التالية"[xvii]، وهكذا ينتهي الأمر إلى نزع المشروعية عن السنة مصدرا من مصادر الدين، إن بصفة مطلقة أو بصفة قريبة منها.

وأما فيما يتعلق بالقرآن الكريم فإن أصحاب هذه النحلة يعتبرونه هو المصدر المشروع للدين، وهو بالتالي الذي ينبغي الاقتصار عليه في فهم الدين واستخلاص أحكامه، ولكنهم يحيطونه أيضا بجملة من الشكوك والمؤاخذات التي من شأنها أن تضع موثوقيته من حيث التطابق بين ما هو بين يدي المسلمين اليوم وبين ما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) موضع الشك، وذلك جراء ملابسات تتعلق بجمعه وتدوينه وترتيبه، وكان لهذه الشكوك آثارها في تأويل المعاني القرآنية المتعلقة بالأحكام العملية على وجه الخصوص.

ومما يثير الاستغراب في هذا الشأن أن المؤلفات التي اطلعنا عليها من أدبيات هؤلاء المؤولة لم يحدد أصحابها تحديدا بينا قاطعا طبيعة القرآن فيما إذا كان وحيا من الله تعالى نزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) ليبلغه للناس، أو هو إنتاج بشري من النبي نفسه كما ذهب إلى ذلك من تناول القرآن بالدرس من المستشرقين، فبقي موقفهم من هذا الأمر ملتبسا مثيرا للظنون، بل إن بعض آراء المستشرقين التي تعتبر القرآن إنتاجا بشريا تجدها تتردد عند بعض أصحاب هذه النحلة، وهو ما يبدو في شرح أحدهم لحقيقة الوحي حينما قال: "فالوحي إذن هو مصدر علم النبي، أي تلك الحالة الاستثنائية التي يغيب فيها الوعي وتتعطل الملكات المكتسبة، ليبرز المخزون المدفون في أعماق اللاوعي بقوة خارقة لا يقدر النبي على دفعها ولا تتحكم فيها أرادته"[xviii]. وإزاء هذا الالتباس في تحديد مصدرية القرآن الكريم، وإزاء هذه الإشارات المؤمنة بالمصدرية البشرية عند بعض هؤلاء المؤولة لا يملك الدارس إلا أن يقف موقف الشك في كون بعض أتباع هذه النحلة على الأقل يؤمنون بالمصدرية الإلهية للقرآن الكريم.

وينطلق كثير من هؤلاء المؤولة في شكوكهم بموثوقية القرآن الكريم من مبدأ أنه نقل من النبي إلى من بعده شفويا ثم كتابة، وأن النقل هو في أصله غير موثوق به أن يكون المنقول مطابقة صورته عند المنقول منه لصورته عند المقول إليه، إذ لابد أن يحدث اختلاف بين الصورتين مهما كان عليه الناقل من درجة في الصدق والتحري[xix]، ثم إن تحول المنقول من صورته الشفوية إلى صفته المكتوبة يعرضه لا محالة إلى تفاوت بين الصورتين بالزيادة أو بالنقص أو التغيير، إن بأقدار كبيرة أو صغيرة[xx]، وكل هذا من شأنه أن يضع القرآن كما وصل إلينا في دائرة الشك بالنسبة لصورته التي صدر بها عن النبي الكريم.

وقد حظي تدوين القرآن الكريم عند أصحاب هذه النحلة بنصيب وافر من سببية الشكوك فيه، والآراء في ذلك لا تخرج عن تلك الشكوك التي أبداها المستشرقون منذ ما يقارب من الزمن.

ومن تلك الشكوك أن القرآن الكريم لم يقع تدوينه كله في عهد النبي، بل إن أصحاب النبي "دونوا في حياته بعض الآيات، وهكذا تشكلت نسخ جزئية على أشياء مادية غير كافية"[xxi]  كما يقول أحدهم، ويضيف آخر مستكملا قوله: "بينما دونت رسالة محمد بعيد وفاته"[xxii] ، وذلك ما يفضي إلى اعتبار أن بعض القرآن على الأقل تأخر تدوينه إلى ما بعد وفاة النبي، مما أدى إلى وجود فجوة زمنية بين صورة القرآن الشفوي وصورة القرآن المدون تسمح باحتمال التغاير بحق الصورتين، وانتهى الأمر إلى أن أصبحت الصورة التي تلاها النبي على أصحابه وهي «القرآن» مغايرة للصورة التي دونت فيما بعد وهي (المصحف)، وأصبح "الترادف التام بين القرآن والمصحف والذكر والكتاب ليس بديهيا على النحو الشائع بين القدماء وأتباعهم السلفيين، وينبغي أن يكون موضوع بحث عميق، واستقصاء قد يؤدي إلى نتائج مخالفة للحلول التي رأوها"[xxiii]، وقد لعبت السلطة السياسية على رأي بعض هؤلاء في هذا التغاير بين الصورتين دورا كبيرا، إذ استعملت نفوذها لإقرار صورة بعينها من صور القرآن أثبتتها مصحفا، ومنعت صورا أخرى وأتلفتها[xxiv].

ولعل من مظاهر ذلك التفاوت بين صورتي القرآن والمصحف على رأي بعضهم ما انتهى إليه المصحف من ترتيب يخالف الترتيب التاريخي الذي كان عليه القرآن، وهو ترتيب يبدو فيه التغيير متمثلا في ضرب من الاعتباطية التي صار بها المصحف ترتيبه لا يخضع لأي معيار عقلي في منطقي[xxv]. ولا يضير وقوع هذا التغيير في القرآن ذلك الوعد الإلهي بحفظه؛ وذلك لأن الذكر الذي وعد الله بحفظه هو المحتوى وليس الظرف، هو مضمون الدعوة فيما انطوت عليه من تبشير وإنذار، ومن توجيه وإرشاد، وليس الألفاظ والتعابير التي صيغت فيها تلك الدعوة[xxvi]، ولا غرابة في ذلك فإن بعض الآراء تذهب إلى أن الذي نزل على النبي من الله تعالى أنما هي المعاني، وأما اللغة فهي من تعبيره نفسه، وهذا الرأي "هو في الحقيقة أقرب المواقف من المعقولية الحديثة"[xxvii]  كما يقول أحدهم.

إن هذه الشكوك في موثوقية النص الديني قرآنا وحديثا من شأنها لا محالة أن تسمح بضرب واسع من التأويل لذلك النص، إذ ما دام الأمر على هذا النحو فإنه يمكن للدارس أن ينطلق في درسه من افتراض صور أخرى للقرآن غير هذه التي وصلت إلينا، وأن تستدعى المعاني منها بدل أن تستدعي من الصورة المتداولة بيننا، ويمكن أن يقع العثور في شواذ الروايات والأخبار وضعافها ومتروكاتها التي تدعي صورا أخرى للقرآن على ما يسعف هذه الوجهة التأويلية مما قد نضرب له أمثلة فيما يلي من هذا البحث.

‌ب. الظنية المطلقة لدلالة النص الديني

يقرر أصحاب هذه النحلة في معظمهم أن النص الديني المتمثل في القرآن الكريم بل والمتمثل في الحديث النبوي هو نص ظني الدلالة بصفة مطلقة، إن ثلاثة من كبار المنظرين لهذا المذهب التأويلي على الأقل يتبنون هذا الرأي ويدافعون عنه، ويرتفعون به إلى أن يكون أحد أسس مذهبهم، وقد عبر أحدهم عن ذلك بقوله: "بغض النظر عن احتماله (أي القرآن) مثل كل النصوص المكتوبة والدينية التأسيسية منها على وجه الخصوص لعدد يكاد يكون غير محدود من التأويلات حتى في الآيات التي تبدو في الظاهر صريحة، فإن الأصوليين لم يراعوا فيه لا الغايات المرصودة من الحلول الظرفية التي احتوى عليها، ولا السياقات المخصوصة التي وردت فيها الآيات التي كانت محل عنايتهم"[xxviii].

ولا يذهبن الظن إلى أن هذه الاحتمالية المطلقة إنما تتعلق بالأحكام الشرعية دون الأحكام العقدية، إذ هي احتمالية شاملة لكل أحكام القرآن، وهو ما يذهب إليه منظر ثان على نحو صريح إذ يقول: "القرآن هو عبارة عن مجموعة من الدلالات والمعاني الاحتمالية المقترحة على كل البشر، وبالتالي فهي مؤهلة لأن تثير أو تنتج خطوطا واتجاهات عقائدية متنوعة بقدر تنوع الأوضاع والأحوال التاريخية التي تحصل فيها أو تتولد منها... فالقرآن نص مفتوح على جميع المعاني ولا يمكن لأي تفسير أو تأويل أن يغلقه أو يستنفذه بشكل نهائي"[xxix]، وإلى ذات هذا الرأي ذهب المنظر الثالث[xxx]، الأمر الذي يجعل من هذه الفكرة مبدأ أساسيا من مبادئ هؤلاء المؤولة فيما سلكوه من تأويل.

‌ج. حاكميه الواقع على النص الديني

نقصد بالواقع ما يؤول إليه تطور الحياة البشرية من أوضاع في الفكر والسلوك، وما تنتهي إليه تلك الحياة من أحوال متمثلة في الأوضاع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وسواها. والمقصود به عند هؤلاء المؤولة هو ذات هذا المعنى مع تحيين له بما وصلت إليه الحضارة الحديثة من أوضاع في مختلف أوجه الحياة.

هذا التأسيس للواقع الذي تجري به الحياة البشرية قيّما على الدلالة النصية يكاد يكون قاسما مشتركا بين المنتمين لهذا المذهب التأويلي، وهو ما يرتقي به إلى أن يكون أساسا من أسس ذلك المذهب. ومما قاله بعضهم في ذلك: "... أما المسار الثاني، فيتمثل في ترك مفهومي الإسلام والتراث مفتوحين أي غير محددين بشكل نهائي ومغلق، لأنهما خاضعان للتغير المستمر الذي يفرضه التاريخ"[xxxi]، ومن البين أن المقصود بما يفرضه التاريخ ما ينتهي إليه الواقع الإنساني من أحوال. ومما قاله آخر في ذلك: "في تقديرنا أن العودة للسياق الاجتماعي الخارجي، السياق المنتج للأحكام والقوانين، وتحديد أحكام النص على ضوئها، يمكن أن يمثل دليلا هاديا لا لفهم الأحكام فقط، بل يفتح باب الاجتهاد لتطويرها على أساس تأويلي منتج"[xxxii]، والمقصود بالسياق الاجتماعي الخارجي إنما هو الوضع الذي يجري به الواقع الاجتماعي. وهكذا ينتهي الأمر في هذه القراءة للنص الديني إلى أن تكون قراءة متأسسة على تحديد أحكام النص على ضوئها، يمكن أن يمثل دليلا هاديا لا لفهم الأحكام فقط، بل يفتح باب الاجتهاد معاني ذلك النص بحسب ما يجري به الواقع من أوضاع، لتكون تلك الأوضاع في منقلباتها غير المتناهية هي الحاكمة على مدلول النص الديني.

‌د. إهدار التراث باعتباره فهما للنص الديني

الرسالة الإسلامية هي تلك الرسالة المضمنة في النص القرآني وفي نص الحديث النبوي، وقد نظر المسلمون في هذا النص وكونوا من نظرهم هذا فهما لهذه الرسالة ولئن كان هذا الفهم يختلف في بعض الجزئيات والفروع فإن أصوله العامة وفروعه التي علمت من الدين بالضرورة ظلت قدرا مشتركا في إفهام المسلمين، يتدينون به اعتقادا وسلوكا، من يوم نزل الدين إلى يومنا هذا، وهو ما استقرت عليه الأمة خالف عن سالف في إجماع شمل جميع طوائفها وأجيالها وعلمائها وعامتها، معتبرة أن ذلك هو الدين الحق الذي تضمنته نصوص الوحي، وبشر به النبي (صلي الله عليه وسلم).

ولكن هؤلاء المؤولة الجدد كان لهم في هذا الأمر رأيا آخر، وملخص هذا الرأي أن الدين الذي جاء به النبي (صلي الله عليه وسلم) هو هذا الدين الذي تدينت به الأمة طيلة أربعة عشر قرنا، وإنما هو دين آخر ما تزال النصوص متضمنة إياه، وتنتظر من يستخرجه منها بإفهام أخرى، ليست هي تلك الأفهام التي استقرت عليها الأمة.

والسبب في كون الرسالة الإسلامية التي تدين بها المسلمون ويتدينون ليست هي الرسالة التي جاء بها النبي؛ هو أن فهم تلك الرسالة كما تم من قبل الجيل الإسلامي الأول، وكما ضبطه وأرساه العلماء وخاصة منهم الفقهاء بعد ذلك كان فهما خاطئا، وتوالى الخطأ بالتناقل إلى اليوم، فهؤلاء جميعا كأنما قد غفلوا من الوجه الحق من الإسلام، وهو وجه "طمسه التاريخ، وأنكر طاقاته الإبداعية، فلم يتعود المسلمون كشفه والتنقيب عن خفاياه وأسراره ودلالاته، ولم يتفطنوا في الأغلب حتى إلى وجوده ذاته، لا لتقصير منهم أو عجز أو ما أشبه ذلك، بل لأن ظروفهم وطبيعة ثقافتهم لم تكن تسمح لهم إلا بما اهتدوا إليه وطبقوه"[xxxiii]. ولما كان هذا الإسلام الذي يتدين به الناس تشكل في الأفهام في الفترة الإسلامية الأولى "فإن التاريخ لأحداث القرن الأول للهجرة يستلزم إعادة النظر في أكثر من مسلمة، ولاسيما فيما يتعلق بوفاء الأجيال الإسلامية الأولى لمبادئ الرسالة، وهي التي كانت مدعوة إلى تجسيدها"[xxxiv].

وإذا كان المسلمون عامة قد وقعوا في هذا الالتباس في فهم الدين الفهم الصحيح فإن العلماء منهم والفقهاء بصفة خاصة هم الذين يتحملون المسؤولية في ذلك، فالفقهاء قد شيدوا فقها جوانب عديدة منه "صنعها أناس ضدا على المبادئ القرآنية"[xxxv]، وقواعد الفقه التي وضعها الفقهاء ليست في حقيقتها ذات طبيعة دينية، وإنما هي قواعد من وضع بشر، فكانت منافية للعدل والمساواة وحقوق الإنسان[xxxvi]. وإنما سلك الفقهاء هذا المسلك تاركين الوجه الحق من الإسلام إلى الوجه الخاطئ منه، إما لما كانت تسلط عليهم من ضغوط من قبل المجتمع الرجالي المستبد على النساء[xxxvii]، ومن قبل السلاطنة السياسيين، وإما خضوعا منهم لدواعي الأهواء التي زينت لهم حب الجاه والترؤس والترف، والبذخ[xxxviii].

ومادام الأمر على هذا النحو من أن المسلمين عامة والعلماء والفقهاء منهم خاصة قد فهموا الدين على غير وجهه الحقيقي، بقطع النظر عن كون ذلك نشأ عن قصور أو تقصير، فإنه يكون من الحق أن يكون باب الفهم الصحيح للدين مفتوحا ليلجه الوالجون من تلقاء تأويل جديد يفضي إلى استحضار الوجه الحق من الدين، وهذا الباب هو الذي يلجه اليوم هؤلاء المؤولة ليكون هذا المعنى أساسا من أسسهم فيما يرومونه من تأويل، وأما الفقهاء والعلماء الذين أسسوا هذا الفهم السائد للدين، فـ "من أدراهم أن المسلمين لن يتبنوا في المستقبل فهما أعمق وأفضل من فهم لم يسد في النهاية إلا أقل من أربعة عشر قرنا، وهي فترة قصيرة في عمر الإنسانية الطويل؟"[xxxix].

‌ه. ذاتية القراءة للنص الديني

يتردد في مؤلفات المؤولة الجدد كثيرا فكرة ترقى إلى أن تكون أساسا من أسسهم في التأويل، وهي فكرة الذاتية المطلقة في قراءة النص الديني، وبالتالي في التدين بما تفضي إليه تلك القراءة. وخلاصة هذه الفكرة أن النص الديني يخاطب الإنسان خطابا مباشرا بصفة فردية، ويحمله مسؤولية قراءته ونتائجها بصفة فردية أيضا؛ ولهذا فإنه من حق الفرد أن تكون له قراءته الخاصة لهذا النص ينتهي فيها إلى ما يرتضيه من مدلول بحرية مطلقة لا يحتكم فيها إلا إلى ضميره، خاصة وأن هذا النص مفتوح على أحتمالات من المعاني غير متناهية كما أسلفنا بيانه، وبالتالي فإنه لا حق لأحد في أن يعيب على آخر قراءته لهذا النص، والنتيجة التي يتوصل إليها منها، أو يمنعه من هذه وتلك.

 

3. طرق التأويل في القراءة الجديدة

اتخذ تأويل النص الديني عند هؤلاء المؤولة مسارات عدة، تختلف في أشكالها، ولكنها تلتقي في نتائجها. ويجمع هذه المسارات أن المعاني والأحكام والمطلوبات والمنهيات التي يتضمنها النص الديني لا ينبغي أن تحمل على ظاهرها سواء في الدلالة اللغوية على المعاني في ذاتها، أم في المدى الزمني الذي يمتد إليه الخطاب، أو في المدى البشري الذي يشمله الأمر والنهي، وإنما تصرف عن ذلك الظاهر إلى وجوه أخرى قد تكون مخالفة له إن قليلا أو كثيرا، لتكون تلك الوجوه من المعاني والتكاليف هي المقصود من النص، ولتكون بالتالي هي الدين الحق الذي يتضمنه ذلك النص، مهما كان مخالفا لما استقرت عليه الأمة في الفهم والتطبيق بإجماع منذ نزول الدين إلى اليوم، وإذا كانت المسارات التأويلية التي سلكتها المؤولة الجديدة متعددة ومتنوعة آخذة من مسارات قديمة ومضيفة إليها أخرى جديدة، فلعل المسارات الأساسية الهامة التي ترجع إليها فروع وتفاصيل كثيرة تتمثل في المسارات التالية:

‌أ.          التأويل الزمني:

فإن هذا التأويل الزمني يمكن تفريعه إل فرعين: التأويل الزمني بالحال الجماعية، والتأويل الزمني بالحال الفردية.

أولا- التأويل الزمني بالحال الجماعية

عرف هذا التأويل باسم يكاد يصبح مصطلحا له، وهو (تاريخية النص الديني)، ومعناه في الجملة أن الكثير مما تضمنه النص الديني من مطلوبات ومنهيات إنما هو متجه بالخطاب التكليفي إلى مخاطبين في زمن معين حينما يكونون على وضع من الحياة معين، وأما الآخرون الذين يكونون في زمن غير ذلك الزمن، وفي وضع غير ذلك الوضع فإنهم لا يكونون مشمولين بذلك الخطاب النصي؛ ولذلك فإنهم يحق لهم بل يجب عليهم أن يفهموا النص في حق ما يتوجب عليهم على غير ما يقتضيه ظاهر الخطاب الذي هو متجه إلى آخرين في زمن غير زمنهم، وفي أوضاع غير أوضاعهم.

إن القرآن الكريم بحسب هذا التأويل فيما تضمنه من أحكام كثيرة كان يعالج أوضاع الناس زمن نزوله، وهي أوضاع تقتضي طبيعتها أن لا يكون لها علاج ناجع إلا بتلك الأحكام، فإذا ما تغيرت تلك الأوضاع في أجيال لاحقة فإن المؤمن في هذه الأوضاع الجديدة "لا يضيره أن لا يرى فيما فرض من تفاصيل العبادات والمعاملات متى وجدت وهي قليلة جدا سوى أثر لمقتضيات الاجتماع في عصر ولا سيما الحديثة منها في مشارق الأرض ومغاربها"[xl]، فيكون إذن في حِل من تلك الفروض بمقتضى أوضاعه الجديدة، وله أن يعتبر الخطاب القرآني بصيغة يا أيها الناس أن "المقصود بالناس هنا الجماعة الأولي التي كانت تحيط بالنبي، والتي سمعت القرآن من فمه لأول مرة"[xli].

وهكذا "لا ينبغي أن يكون تنفيذ عقوبة معينة كما هو الشأن في القصاص والسرقة وغيرهما محسوبا على الخضوع لأوامر إلهية لا صلة لها بالزمان والمكان بل هي مما اقتضته ضرورات الاجتماع والأخلاق، وهي أمور متغيرة وغير مستقرة، تتأثر بعوامل عديدة منها الثقافي ومنها الاقتصادي والسياسي"[xlii]، وهذا يعني أنه إذا تغيرت ضرورات المجتمع وأخلاقه عما كان عليه الأمر زمن نزول القرآن بأحكام العقوبات فإنه يصبح في حد منها، وذلك بقراءته على ضوء الواقع الجديد.

وما يقال عن الحدود في هذا الشأن يمكن أن يقال أيضا عن العبادات وهي التي تبدو أكثر ديمومة وثباتا في أفهام المسلمين وأعمالهم. إلا أنه مع ذلك فطريقه العبادة التي التزمها المسلمون على عهد نزول القرآن ليست بملزمة لمن يأتي بعدهم إذا ما تغيرت ظروف الحياة، بل يمكنهم أن يأتوا من هذه العبادات بما يلائم ظروفهم الجديدة، فإذا كان النبي على سبيل المثال "يؤدي صلاته على نحو معين فكان المسلمون يقتدون به، إلا أن ذلك لا يعني أن المسلمين مضطرون في كل الأماكن والأزمنة والظروف الالتزام بذلك النحو... (فثمة أصناف) أخرى من الناس ممن أعوضوا عن الصلاة، أو يعيشون تمزقا بين الواقع والمنشود، ألا يحق لها أن تكون وفية لما يأمرها به دينها من دون الالتزام بما قرره السلف في هذا الشأن (شأن الصلاة) بكل تفاصيله؟"[xliii]، وإذن فإن الأحكام الدينية بما فيها العبادات هي في الإلزام بها رهينة الأوضاع الاجتماعية وليست لها صفة الإلزام المطلق، وللمسلمين في كل زمن أن يقرأوا النص الديني قراءة يخرجون فيها بفهم تحدده في أوضاعهم متجاوزين ما يحمله ظاهر ذلك النص من التكاليف التي كانت بحسب ذلك الظاهر تخاطب أوضاع الناس في المرحلة الزمنية التي نزل فيها الدين[xliv].

ثانيا - التأويل الزمني بالحال الفردية

هذه الحال التأويلية شبيهة بما قبلها إلا أن التأويل الزمني فيها يتعلق بما يحدثه الزمن من تغيير في حال الفرد وليس في أوضاع الجماعة أو الأمة، فالدين كله إنما غايته عند القائلين بهذا التأويل هي أن يترقى الإنسان بتدينه روحيا في اتجاه مثاله الأعلى وهو الله تعالى، وأحكام الشرع متمثلة في العبادات على وجه الخصوص إنما شرعت بغاية تدريب الإنسان على هذا الترقي الروحي، فإذا ما ترقى الإنسان بطريق هذه العبادة، ووصل إلى الدرجات المبتغاة من الرقي أصبحت الأوامر النصية بالعبادات لاغية في حقه، لأنها قد استنفذت أغراضها، فيصبح إذن في حل منها، ويصبح متأولا للنص على هذا الأساس.

إن الأحكام عامة وأحكام العبادات خاصة على رأي المؤولة الجدد لا يتم استنباطها "على أساس سليم بالتمسك بحرفيتها في نوع من عبادة النص، بل بالبحث من روحها ومغزاها ومراعاة القصد منها حتى تكون العبادة لله وحده، ويكون ضمير المسلم هو الحكم الأول والأخير في مدى الاستجابة للتوجيه الإلهي"[xlv]، وعلى سبيل التمثيل بعبادة الصلاة فإن (النبي صلى الله عليه وسلم) كان يؤدي صلاته على نحو معين، فكان المسلمون يقتدون به، إلا أن ذلك لا يعني أن المسلمين مضطرون في كل الأماكن والأزمنة والظروف للالتزام بذلك النحو على فرض أنه كان فعلا موحدا ولم يطرأ عليه أي تغيير أثناء فترة الدعوة"[xlvi]، وإذن فإن للمسلم أن يقرأ النص الديني الآمر بالعبادات قراءة يتحرر فيها من أشكالها الظاهرة ليمارس عبادته صلاة وصياما وسواهما بما يمليه عليه ضميره، وبما يحقق من المقصد الأعلى للعبادة.

‌ب. التأويل اللغوي:

اعتمد بعض المؤولة الجدد في تأويلهم للنص الديني على فلسفة لغوية وجدوا فيها مدخلا لذلك التأويل، وهي فلسفة تقوم على تحليل طبيعة اللغة في دلالتها على المعاني، وذلك بالأخص فيما إذا كانت المدلولات موضوعية تحملها اللغة خارج المتلقي، أو هي مدلولات تتولد بالأساس في ذهن المتلقي لتتحدد بعد ذلك برموز اللغة، وكذلك فيما إذا كانت اللغة تدل على المعاني بذاتها، أو أن للسياق الذي تدرج فيه مدخل في تلك الدلالة، وعناصر هذه الفلسفة اللغوية بعضها قديم وبعضها حديث، وقد استثمرت من قبل بعض هؤلاء المؤولة لتأويل النص الديني.

والوعي الثقافي يختلف باختلاف الأزمان والأجيال، بل قد يختلف باختلاف الأفراد في الزمن الواحد وفي الجيل الواحد؛ ولذلك فإن المدلول اللغوي للنص الواحد قد يكون مختلفا بين جيل وآخر، بل بين شخص وآخر من نفس الجيل، من معاني النص قد يكون مخالفا لما يفهمه جيل أخر أو فرد أخر منه، إذ هو لا يحمل في ذاته معنى موضوعيا يلتقي الجميع في فهمه، وإنما يتحدد معناه بالوعاء الثقافي الذي يتنزل فيه بالتلقي[xlvii].

هذه الفكرة الفلسفية طبقها بعض المتأولة الجدد على النص الديني قرآنا وحديثا، فقالوا: "إن الخطاب الإلهي خطاب تاريخي، وبما هو تاريخي فإن معناه لا يتحقق إلا من خلال التأويل الإنساني، أنه لا يتضمن معنى مفارقا جوهريا ثابتا له إطلاقية المطلق وقداسة الإله"[xlviii]، وإذا كان القرآن على هذا النحو من عدم تضمنه معنى موضوعيا مفارقا، وبما أنه من جهة أخرى "هو نص موجه للناس في سياق ثقافة بعينها (وهي ثقافة من نزل بين ظهرانيهم)"[xlix]، فإن النتيجة تكون أن المعني القرآني هو ذلك المعني الذي ينطبع في أذهان المتلقين بحكم ما تنتجه ثقافتهم من عملية التلقي للنص القرآني، وبما أن ثقافة المتلقي للنص القرآني تتغير من زمن إلى زمن فإن المعني القرآني الذي يحصل في أذهان أهل زمن ما من ذوي ثقافة معينة ليس هو المعني الذي يصلح منه في أذهان أهل زمن آخر من ذوي ثقافة أخرى، وذلك ما يسمح بتعدد المعاني القرآنية بحسب تعدد الثقافات والأزمان.

إن هذا التأويل اللغوي يسمح بقراءة للنص الديني تنتهي إلى إهدار كثير من الأحكام الدينية الأساسية منها والفرعية؛ وذلك لأن هذه الأحكام يمكن بمقتضى الأساس الفلسفي اللغوي لهذا التأويل أن يفهمها كل أهل زمن وفق الوعي الثقافي الذي يكونون عليه، فلا يكون لها أذن معنى ثابت، فإذا ما يفهم عند أهل زمن على أنه مطلوب يصبح عند غيرهم مفهوما على أنه غير مطلوب، وإذا ما يفهم عندهم على أنه منهي عنه يصبح عند غيرهم مفهوما على أنه مباح نتيجة تغير الثقافات بين الأزمان.

‌ج. التأويل المقاصدي:

إذا كانت أحكام الدين فيما تضمنته من تفاصيل وضوابط وحدود تهدف إلى تحقيق مقاصد معينة هي المعروفة بمقاصد الشريعة، فإن المؤولة الجدد احتفوا بتحقيق المقاصد دون تفاصيل الأحكام وضوابطها، وانتهجوا في ذلك مسارا تأويليا للنص الديني سموه بالتأويل المقاصدي، وهو تأويل ينتهي بالنص الديني إلى إهدار الأحكام المتعلقة بضبط الأفعال من حيث الأمر والنهي، ويعتبر فقط المقاصد من تلك الأحكام، بحيث إذا تحققت بدونها أصبحت هي لاغية في هذه القراءة التأويلية.

وفي شرح هذا المعني يقول أحد المؤولة: "إن التأويل المقاصدي هو التأويل الأنسب من الوجهة الدينية، وينبغي ألا يطول البحث في تحليل الكلمات، بل لابد من البحث وراء المعاني الحرفية عن روح القرآن، وتناول كل مسالة حسب وضعها ضمن المقاصد الإلهة الشاملة، ويقتضي هذا البحث إدماج عامل الزمان، فيمكن أن تكون القاعدة (أي الحكم الشرعي) صالحة لوقت معين، لكنها إذا أصبحت لمرور الزمن وتغير الأوضاع غير ملائمة ينبغي أن نتمكن من تغييرها"[l]، وهذا التغيير إنما هو بسبب كونها لم تعد محققة لمقاصدها، أو كون مقاصدها أصبحت تتحقق بغيرها، وفي كل الحالات فينبغي أن تقرأ الأحكام في الإلزام بها أو عدم الإلزام قراءة تحقق مقاصدها دون التفات إليها في ذاتها؛ ولذلك فإنه على سبيل المثال فيما يتعلق بحد السرقة "لا حرج البتة في التخلي عنه، واستبداله بعقوبات أخرى تتماشي والأوضاع التي تعيشها المجتمعات الإسلامية الحديثة، طالما يمكن تحقيق الغرض منه بوسائل أخرى"[li].

إن هذه القراءة التأويلية المقاصدية للنص الديني هي قراءة كفيلة بأن تغير الأفهام في استخلاص معاني الأحكام من نصوصها ليصبح الأمر نهيا والنهي أمرا إذا ما تبين للقارئ أن مقصد الحكم لا يتحقق به بل يتحقق بحكم غيره، فيصبح ذلك الغير هو المطلوب خلافا لما يقتضيه ظاهر النص، وهو ما يقتضي على سبيل المثال إمكان أن يفهم من النص القرآني حلية الربا بدلا من حرمته، وأن يفهم بطلان عقوبات الحدود بدلا من وجوبها، بل يصل الأمر إلى إلغاء العبادات من صلاة وصوم وحج وزكاة على النحو الذي هي محددة به، وذلك إذا ما تحققت مقاصدها في ترقية الروح وتحقيق العدالة بأشكال أخرى منها أو حتى بدون تلك الأشكال أصلا، ذلك هو ما يفهم من كثير من النتائج التي انتهى إليها بعض هؤلاء المؤولة من قراءتهم لأحكام العبادات في القرآن الكريم[lii].

‌د. التأويل العلمي:

هو ضرب من التأويل للنص الديني ينسب نفسه إلى العلم بمعنى العلوم الحديثة طبيعية ورياضية، وذلك بأن يقع تأويل النص على أساس بعض القوانين الطبيعية والرياضية لتصرف معانيه عن ظواهر دلالاتها اللغوية المتعارف عليها وتحمل بمقتضى هذه القوانين التي يكتشفها الإنسان تباعا على مدلولات أخرى مخالفة لما تقتضيه ظاهر اللغة وما استقرت عليه أفهام المسلمين منذ نزول الدين إلى اليوم.

وإذا كان هذا الضرب من التأويل ليس منتشرا على نطاق واسع بين المؤولة الجدد إلا أن قول بعضهم به يجعله مبررا لأن ندرجه ضمن مسارات التأويل في هذه الظاهرة من باب الاستيفاء والتقصي مهما يكن عليه هذا التأويل من غرابة، خاصة وأن ثمة بوادر تشير إلى أنه قد يكون سائرا في طريق التوسع والانتشار.

والمثال الأبرز لهذا التأويل الرياضي ما شرحه أحد المؤولة فيما يتعلق بما جاء فى النص الديني من أمر بالتزام حدود الله تعالى وعدم تعديها، وحدود الله هي الخطوط الفاصلة بين ما هو مسموح بفعله على وجه الوجوب أو الندب أو الإباحة، وما هو غير مسموح به على وجه المنع أو الكراهة، وذلك فى كل ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه، وليس الأمر خاصا بالمعنى الاصطلاحي المتعلق بالعقوبات.

وبحسب ما يرى هذا المؤول فإن كل أوامر الله تعالى ونواهيه تنحصر بين حدين أعلى لا يمكن الصعود فوقه، وحد أدنى لا يمكن النزول تحته، وذلك متحقق بالنظر إلى الأحكام الشرعية في جملتها كالحد الأعلى المتمثل في أحكام السرقة والقتل، وهو ما لا يمكن الصعود فوقه بالتشديد، والحد الأدنى المتمثل في تحريم النكاح من المحارم النصوص عليها، وهو ما لا يمكن النزول تحته بالتساهل تحليلا لبعض هذه المحارم.

وعلى سبيل المثال فإنه إذا كان الحد الأدنى في حكم الشريعة تحريم المحارم المنصوص عليها فإنه لا يمكن بحكم القانون الرياضي النزول تحت ذلك الحد بإضافة محارم أخرى، ولكن يمكن الصعود فوقه بمنع الزواج من بعض الأقارب غير المعدودين من المحارم كبنات العم والعمة والخالة إذا بين علم الطب أن لذلك آثارا سلبية على النسل، أو بين علم الاقتصاد أن له آثارا سلبية على توزيع الثروة، ولا يكون في ذلك تجاوز لحدود الله لأنه ليس فيه نزول تحت الحد الأدنى.

أن الأسس المبدئية المنهجية التي انبنت عليها هذه القراءة، والتي شرحها أصحابها بشيء من التفصيل تسمح للدارس أن يستكمل صورة التدين الذي تدعو إليه هذه القراءة، وذلك بأن يجري ما لم يقع فيه تفصيل على نسق ما فصلته القراءة، ووفق الأسس المنهجية التي رسمتها وجرت عليها، وحينئذ فإنه يمكن أن نرصد النتائج التي انتهت إليها هذه القراءة ممثلة في صورة الدين الذي بينته ودعت إليه. ولعل أهم هذه النتائج تتمثل فيما يلي:

  • نزع الثقة بمصدر الدين.
  • نزع صفة الموضوعية عن الدين.
  • إلغاء الفهم السائد للدين.
  • التشريع لدين جديد:

تشطب هذه القراءة الجديدة الدين السائد إما باعتباره فهما خاطئا من أساسه، أو باعتباره كان حقا في الزمن الماضي ولم يعد كذلك لتغير الزمن، وذلك لتؤسس لفهم جديد من خلال النص الديني، وهو فهم يشبه أن يكون حقيقته دينا جديدا وإن كان بعض أصحاب هذه القراءة ينكرون هذا التعبير بالدين الجديد أو بالشريعة الجديدة مع عملهم على تحقيق محتوى هذا التعبير[liii] مما يثير شكوكا بأن الأمر ذو صلة بالتقية على نحو من الأنحاء.

وقد اعتمد بعض هؤلاء المؤولة تعبيرا عن الفهم الجديد للدين مصطلح "الرسالة الثانية للإسلام"، أو "الوجه الثاني لرسالة الإسلام"، إشارة إلى أن الرسالة الأولى هي التي استقر عليها فهم الأمة للإسلام، والرسالة الثانية هي الرسالة التي لم تفهم والتي آن أوان فهمها لتكون هي الدين الحق الذي تبشر في القراءة الجديدة[liv].

إن الفهم الجديد للدين الذي تنتجه هذه القراءة هو فهم قد ينتهي من حيث المبدأ إلى مخالفة كل ما هو سائد من فهم سواء تعلق الأمر بالمرتكزات العقدية أو بالشرائع والأخلاق فـ "كل ما يتصل بجانب العقائد والتشريعات -الأحكام والحدود خاصة- من نصوص يدرجها الخطاب الديني في خانة الثوابت التي يجب أن ينقل فهمها عن الأسلاف. لا اجتهاد في مجال العقيدة، هذا ما يعلنه الخطاب الديني متجاهلا أن العقائد تصورات مرتهنة بمستوى الوعي، وبتطور مستوى المعرفة في كل عصر"[lv].

وعلى هذا الأساس من التأصيل للفهم الجديد ألغت هذه القراءة الجديدة قسما من المعتقدات من مثل وجود الملائكة والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال، وصور الثواب والعقاب وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط، واعتبرت ذلك كله تصورات أسطورية[lvi]. كما ألغت أحكام الحدود، باعتبارها عقوبات غايتها الإيلام، وأصبحت اليوم عقوبات وحشية همجية بغيضة[lvii]، وألغت جزءا كبيرا من أحكام الأسرة كجواز التعدد، والنسب المحددة للميراث، وذلك لمنافاتها للعدل والمساواة بين الرجل والمرأة[lviii]، وألغت العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج في ضوابطها وحدودها التي استقرت عليها عند المسلمين، وتركتها للمسلم يفهمها بحسب تأويله الخاص، ويمارسها بالكيفية التي يراها مناسبة لظروفه، فالتوجيه الديني المتعلق بهذه العبادات جاء توجيها عاما، وقد مارسها النبي بمقتضى ذلك العموم على غير كيفيات محددة، والتحديدات والتفصيلات التي وصلت بها إلينا إنما هي من وضع المسلمين فيما بعد، ولذلك فنحن لسنا ملزمين بها، فيمكن إذن أن نمارسها على أي كيفية ارتأيناها وأملتها علينا ضمائرنا[lix]. وانتهت هذه القراءة أيضا إلى ما يشبه إباحة بعض أنواع من الزنى وإخراجه من دائرة التحريم الذي أثبتته قطعيات النصوص[lx].

 

5. القراءة الجديدة في الميزان

قد لا يسمح هذا المقام بتوجيه النقد إلى كل ما توصلت إليه هذه القراءة الجديدة للنص الديني من النتائج التفصيلية، بمقتضى أسسها المنهجية التي قامت عليها، والأساليب التأويلية التي اعتمدتها، وذلك فضلا عن كون كثير من هذه النتائج متمثلة في تفاصيل من الآراء والأحكام قد وقع الرد عليها من قبل الكثيرين بشكل واسع لا يحتاج إلى مزيد من البيان، وخاصة منها تلك التي استصحبتها هذه القراءة من قراءات تراثية سابقة، أو من الدراسات الاستشراقية للإسلام في نصوصه الدينية على وجه الخصوص. ونرى من الأفيد في التعليق على هذه القراءة أن نوجه العناية بنقد الأسس التي انبنت عليها، والمسارات التي انتهجتها في التأويل، فعندما تسقط الأصول تتبعها الفروع بصفة تلقائية، على أننا سنعرض لبعض التفاصيل بالنقد حينما نرى ذلك مفيدا.

وإذا كان الأمر يتعلق بقراءة النص الديني لتحصيل مفهوم من خلاله للدين الذي يحمله، فإن هذه القراءة تقتضي من الناحية المنهجية أن تكون منطلقة من طبيعة ذلك النص ذاته فيما يدعيه لنفسه من حقيقة.

‌أ.          طبيعة النص الديني وطبيعة قراءته

مقصودنا بالنص الديني في هذا المقام هو القرآن الكريم والحديث الشريف، كما حددنا ذلك في مطلع هذا البحث. وطبيعة هذا النص هو أنه وحي من الله تعالى أنزله على نبيه ليبلغه للناس، أما القرآن فبمعناه ولفظه، وأما الحديث فبمعناه دون لفظه الذي هو من الإنشاء النبوي، سوى الحديث القدسي على بعض الأقوال[lxi]. واللغة التي صيغ بها هذا النص هي اللغة العربية، وهي لغة بلغت زمن نزول الوحي درجة من الرقي أصبحت معها جارية وفق قواعد وضوابط في تأديتها للمعاني سواء من حيث الألفاظ في ذاتها أم من حيث النظم الذي تنتظم به في سياقاتها المختلفة التي يرد فيها الكلام.

ومن أهم الخصائص في طبيعة هذا النص الديني أنه نص رسالي، وذلك على معني أنه نص يحمل جملة من المعاني المتعلقة بالوجود بقصد تبليغها للناس كي يفهموها أولا ويعملوا بها ثانيا، ثم يحاسبوا عليها إيمانا بها وعملا بمقتضاها. إنه ليس إذن نصا يحمل تأملات ذاتية، أو فلسفة شخصية، أو يعرض وجهة نظر خاضعة للمناقشة، تفهم على الوجه الذي تقتضي إرادة القارئ أن تفهم به، ويؤخذ منها ويرد بحسب تلك الإرادة. هذه هي طبيعة هذا النص الديني كما جاء هو ذاته يبينها، ويعرض نفسه على الناس على أساسها.

إن القارئ لهذا النص الديني يجب عليه منهجيا أول ما يجب أن تكون قراءته محكومة بالطبيعة التي ركب عليها، والخصائص التي تميزه عن سائر النصوص.

وأول ما يقتضيه ذلك أن تكون قراءة هذا النص قراءة استكشافية، تعمل على كشف ما يحمله من المعاني، وضبط وتحديد ما يبشر به من رسالة تقوم على الأمر والنهي، وذلك كله وفق ما تقتضيه قواعد اللغة التي صيغ بها، وحسب ما جاء فيه من إرشاد لقواعد الفهم والاستكشاف. إنها ليست إذن قراءة ذوقية تبغي مجرد المتعة الفنية، ولا هي قراءة ترفيهية تبغي مجرد التريض الفكري، ولا هي قراءة تحليلية تبغي دراسة الوضع الثقافي والحضاري لمنشئها وللعصر الذي أنشئت فيه، إنها ليست كل ذلك، بل هي قراءة مستكشفة للمراد الرسالي لمنشئ النص وفق طبيعته اللغوية، وفي نطاق طبيعته التي هو بها وحي من الله تعالى.

وحينما حددت طبيعة النص الديني في هذا الاتجاه من الوصف بالبشرية على نحو من الأنحاء، والوصف بالتاريخية، والوصف بالظنية فإن القراءة التي مورست عليه كانت في طابعها العالم قراءة إسقاطية، على معنى أنها قراءة تحمل النص من المعاني والأحكام ما هو حاضر سلفا في الأذهان بمقتضى انتماءات مذهبية ومواقف أيديولوجية ليقال إنّ مراد النص الديني هو تلك المعاني والأحكام الإيديولوجية المسبقة باعتبارها أحد الاحتمالات الممكنة لهذا النص مادام نصا مفتوحا على احتمالات غير متناهية، وغابت بذلك أو تكاد القراءة الاستكشافية التي تبحث عن مدلول النص من خلال ذاته وبمقتضى قوانينه الدلالية ووفق طبيعته التي تشكل حقائقه الأساسية.

لقد كان أغلب هؤلاء القراء الجدد للنص الديني ممن تكونوا ثقافيا على الفكر الغربي، وتشبعوا بهذا الفكر حتى أصبحت كبرى قضاياه مسلمات بالنسبة إليهم لا تقبل الجدل، فجاءوا بتلك المسلمات ليسقطوها على النص الديني باعتبارها مدلولا من مدلولاته، واحتمالا من احتمالاته. لقد كان من تلك المسلمات على سبيل المثال فكرة التغير المطلق التي انبنت عليها الفلسفة الغربية في تقديرها للطبيعة كما بدا في نظرية التطور، وفي تقديرها للقيم الإنسانية كما بدا في المذهب الأخلاقي الاجتماعي، وفي تقديرها للماهية الإنسانية ذاتها كما بدا في الفلسفة الوجودية، فهذه الفكرة حملها أصحاب هذه القراءة ليسقطوها على النص الديني ذاهبين إلى أن النص لا يحمل قيما موضوعية ثابتة، وإنما قيمه كلها متغيرة بتغير الظروف والأوضاع، فينبغي إذن أن يؤول ليحمل في كل وضع على ما يناسبه من المعاني والأحكام في تغير قد لا يكون له قرار.

 

‌ب.  موثوقية النص الديني

كان الطعن في موثوقية النص الديني على النحو الذي فصلناه سابقا أحد المداخل الأساسية التي دخل منها هؤلاء المؤولة لقراءة تأويلية لهذا النص، إذ لما كان الحديث النبوي غير موثوق به في الجملة مما ينفى عنه مشروعيته في المصدرية الدينية، فإن ذلك يفتح مجالا واسعا لتأويل القرآن على نطاق واسع، إذ هو في أغلبه كلي عام تفصله السُنّة، فإذا ما استبعدت السُنّة انفتحت كلياته وعمومياته على احتمالات ليس لها حصر. أما القرآن نفسه فإذا ما وقع الميل به إلى الصفة البشرية على نحو أو آخر كما فعل بعض المؤولة، وإذا ما وقع التشكيك في مطابقة النص (المصحفي) للنص (القرآني) الذي قرأه النبي شفويا كما فعل آخرون منهم، فإن المجال فيه يصبح مفتوحا للتأويل ميلا به نحو التاريخية في الأحكام التي هي خصائص النص البشري، واستبعادا للإطلاق فيها الذي هو من خصائص الكلام الإلهي؛ ولذلك فإن موثوقية النص الديني تعتبر إحدى المحددات الأساسية لكيفية قراءته، وإحدى الموازين لتقييم تلك الكيفية.

أولا- موثوقية الحديث النبوي

إن القرآن الكريم وهو المصدر الأعلى للدين يشرع للحديث النبوي أن يكون هو أيضا مصدرا له، ومن أوضح ما جاء في ذلك قوله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر/ ٧)، وما الأمر النبوي والنهي إلا هو الذي أصبح متعارفا عليه باسم الحديث النبوي؛ ولذلك فإنه من المستغرب حقا أن يقول أحد المؤولة أن النبي نفسه قد نفى عن حديثه شرعية أن يكون مصدرا للدين، وذلك لما ورد عنه من نهي عن أن يكتب عنه سوى القرآن[lxii]، والحال أن القصد من ذلك النهي واضح جلي وهو التحوط من أن يختلط ما هو قرآن بغيره في عصر ليست فيه من وسائل التمييز ما نعلمه اليوم[lxiii].

وأما الطعن في الحديث جملة أن يكون مصدر تشريع على أساس أنه داخله الوضع فلم يعد التمييز بين صحيحه وباطله أمر ممكنا، فإنه تجن على الحقيقة، يبدو أول ما يبدو في أن هذا المبدأ حينما نسوقه في الحديث النبوي فإنه من باب أولى أن نسوقه أيضا في حق كل أثر قولي أنساني سابق عليه أو معاصر له، وحينئذ فإننا سنكون في شك مطلق من كل التاريخ البشري إلى تخوم عصرنا الحديث الذي استقر فيه التدوين الكتابي، ولك أن تتصور حينئذ مصير التاريخ الإنساني أحداثا وآدابا وعلوما وفنونا، فاستبعاد الوثائق الدالة عليها لعدم موثوقيتها سيحدث لا محالة ارتباكا في الثقافة الإنسانية ليس له نظير.

ولئن كان الحديث النبوي قد داخله الوضع حقا فإن هذا النص قد حظي من العلوم المنهجية التي تميز صحيحه من سقيمه بما لم يكن له سابقة ولا لاحقة في التاريخ الثقافي الإنساني، وهي تلك العلوم المنهجية التي تتحرى الصادق من غيره في الرواية المنقولة، وقد عدت بحق مفخرة من مفاخر الثقافة الإسلامية شهد بها الحكماء من خارج دائرة هذه الثقافة قديما وحديثا. وما ذكر من سبب للشك في المدونة الحديثية كون أبي حنيفة لم يثبت عنده من الحديث الصحيح سوى سبعة عشر حديثا، ثم أصبحت الأحاديث الصحيحة تعد بالآلاف بعد ذلك بقرن إنما هو في حقيقته سبب لثبوت الموثوقية وليس سببا للشك فيها، إذ المسلمون لما عرفوا تسرب الوضع إلى الحديث النبوي أمسكوا على الاحتجاج به إلا فيما أيقنوا بصحته، ثم جعلوا يمحصون المرويات النبوية تمحيصا صارما، فأدخلوا في دائرة الاحتجاج كل ما ثبت عندهم صحته، وهكذا تنامي حجم الحديث الصحيح بتنامي جهود التمحيص وأساليبه حتى بلغت أعداد الصحيح منه آلافا، وهو وضع طبيعي لا ينهض حجة للطعن في الموثوقية بل هو حجة لها لا حجة عليها.

إذا كانت قراءة النص الديني من حقها بل من واجبها أن تتحرى إلى أقصى درجات التحري في ثبوت الحديث النبوي لتكون نتائجها في استكشاف المراد من ذلك النص أقرب ما يكون من الحق، فإن قيامها على شطب الحديث ابتداء أن يكون مصدرا للدين لانتفاء صفة الموثوقية عنه ليس له من مبرر معقول؛ لأن هذا الحديث لا يمكن أن يكون كله منحولا، وذلك بالنظر إلى الحركة الهائلة التي قامت لتمييز صحيحة من سقيمه. وما إخال هذه المقدمة المستبعدة للحديث النبوي التي قامت عليها هذه القراءة على أساس ظنية الثبوت إلا حلقة من الحلقات التي تسمح بالقراءة التأويلية الإسقاطية للنص الديني، إذ إهدار الحديث النبوي جملة ينتهي إلى إلغاء القسم الأكبر من البيان الديني، ويفتح إذن الباب واسعا للتأويل.

ثانيا- موثوقية النص القرآني

ليس من مجال بحثنا في هذا المقام أن نثبت أن القرآن الكريم هو وحي إلهي تنتفي عنه أي صفة بشرية، إذ مجال الحوار مع هذه القراءة الجديدة هو المجال المحدد بادعاء الانتماء إلى الدائرة الإسلامية، والإيمان بكون القرآن وحيا هو الأساس في ذلك، ولكن نعرض بالنقد لبعض ما اعتمدته هذه القراءة من تشكيك في موثوقية القرآن من حيث انتقاله من النبي مقروء إلى المسلمين بعد ذلك مكتوبا ليكون ذلك التشكيك مدخلا لبعض التأويل في قراءة النص القرآني.

ولعل أخطر ما استحدث من مدخل للتأويل هو الادعاء بأن لغة القرآن هي لغة نبوية وليست إلهة كمعانيه كما مرت الإشارة إليه، إذ عندما تكون هذه اللغة بشرية فإن مجال التأويل فيها يكون أوسع وأيسر، والحقيقة أن هذا الإدعاء ليس له من مستند سوى بعض الأقوال الشاذة التي رواها بعض المؤرخين للقرآن الكريم على سبيل استكمال صورة المرويات التي تقتضيها موضوعية البحث وليس على سبيل ما تحمله في ذاتها من وجاهة. إن الفيصل في هذه القضية هو ما يقدم به القرآن نفسه للناس فيما إذا كانت لغته نبوية بشرية أو إلهية، وهو ما لا ينبغي تجاوزه إذا ما وجد بحال من الأحوال وإلا وقعت القراءة في الإسقاط الخارجي المخل بالموضوعية. وقد جاء في القرآن الكريم بيان جلي في هذا الشأن، وهو قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) (يوسف/ 2)، فالمعاني لو كانت هي النازلة وحدها من الله تعالى لا توصف بأنها عربية، وإنما الألفاظ ونظمها هي التي توصف بذلك، وبالتالي فإن الألفاظ هي إذن التي نزلت مع معانيها من الله تعالى على النبي، فلغة القرآن ومعانيه كلها وحى إلهي[lxiv].

أما فيما يتعلق بصورة القرآن مقروءة وصورته مكتوبة وما عسى أن يكون قد حدث بينهما من تفاوت كما يدعيه أصحاب هذه القراءة وفق ما أوردناه سابقا، فإن هذا الادعاء فيه هو ادعاء مستصحب من شُبه بعض المستشرقين[lxv]، وهى شبه ناشئة من الغفلة عن حقيقة من الحقائق الثقافية المتعلقة بهذا الشأن، وهي حقيقة أن تحمل المسلمين للقرآن الكريم حال نزوله وبعد ذلك إلى يوم الناس هذا وإلى ما بعدها إنما كان تحملا الأصل فيه هو الصورة المحفوظة في الصدور المؤداة شفويا، وأن تدوينه بالكتابة هي صورة رديفة للصورة المحفوظة زيادة في الضبط وليست هي الأصل في الصورة القرآنية؛ ولذلك فإننا لو تصورنا اختفاء جميع المصاحف على وجه الأرض فإن الصورة القرآنية سوف تبقي قائمة كما هي لأنها محفوظة في الصدور على وجه من الدقة أعلى مما هي محفوظة به في المصاحف.

وقد كانت الصورة المحفوظة للقرآن الكريم واضحة جلية في العهد النبوي، تتكامل شيئا فشيئا بتكامل نزوله، وتتحملها شريحة واسعة من أفراد أمة عرفت بالحفظ لمطولات القصائد الشعرية من سماع واحد، فلما انتهى نزول القرآن كان مجموعا على صورته النهائية في صدور الجم الغفير من الناس وعلى رأسهم النبي الكريم، وكانت تلك الصورة هي الأصل الذي تم على أساسه ما وقع بعد ذلك من جمع وتدوين.

ومع هذه الصورة المحفوظة فقد كان القرآن يدون بالكتابة حال نزوله، حتى كان عند وفاة النبي مكتملا كله بالتدوين خلافا للشبهة المدعاة من أنه أو بعضا منه دون بعيد وفاة الرسول (صلي الله عليه وسلم)[lxvi]. وحينما تم جمع القرآن مكتوبا في عهد الخليفة الأول ثم أن عهد الخليفة الثالث إنما كان يجمع من مدوناته لتتألف منه صورة مكتوبة تطابق الصورة المحفوظة التي هي الأصل الحاصل مكتملا بينا، وذلك على سبيل في التحري والتوثيق، فلقد كان المكتوب يجمع إذن على أساس المحفوظ بطريقة علمية عجيبة في الضبط والدقة.

وما قيل من أن صورا أخرى من القرآن غير هذا الذي انتهى إلينا كانت قد ضاعت أو صودرت متمثلة في مصاحف بعض الصحابة مثل مصحف عبد الله بن مسعود هو قول مردود؛ وذلك لأن ما كان عند بعض الصحابة من مصاحف شخصية كان مطابقا في صورته للمصحف الذي جمعه عثمان (رضى الله عنه)، إلا أنها ربما قد تكون مشتملة على بعض الشروح والتعليقات الخاصة بصاحب المصحف نفسه، فمنع عثمان لتلك المصاحف أن تتداول كان تحوطا لأن يحصل بمرور الأيام توهم لكون تلك الشروح داخلة ضمن النص القرآني، وإذا كان بعض أصحاب تلك المصاحف تشبث أول الأمر بمصحفه، فذلك كان من باب الاعتزاز به، وإلا فإن الجميع انتهى بهم الأمر إلى الموافقة على المصحف العثماني، ولو رأوا فيه اختلافا عن مصاحفهم ما وافقوا عليه وسلموا به.

والادعاء بحصول تغيير في القرآن الكريم بتدوينه على ترتيب غير ترتيبه الزمني لا يخضع لأي أساس منطقي هو ادعاء مردود أيضا؛ وذلك لأن الترتيب التوفيقي للقرآن الذي هو مدون به الآن في المصحف كان ترتيبا مصاحبا لنزوله، فأيما أية نزلت على النبي إلا أمر كتابه أن يضعوها مكانها التوقيفى من سورتها[lxvii]، فلما اكتمل النزول كان الترتيب التوقيفي مكتملا، وهو ترتيب يبلغ القمة في المنطقية والتناسب والترابط، بل هو أحد مظاهر الإعجاز القرآني، وذلك ما كان مناط بيان واف من المنطقية والتناسب والترابط، بل هو أحد مظاهر الإعجاز القرآني، وذلك ما كان مناط بيان واف من قبل كثير من العلماء والدارسين للقرآن الكريم يمكن أن يراجع في مظانه التي لو اطلع عليها هؤلاء المؤولة ما أطلقوا هذا الحكم الخاطئ[lxviii].

وبناء على هذا فإن الصورة القرآنية المكتوبة متمثلة في المصحف العثماني كانت مطابقة تمام المطابقة للصورة المحفوظة التي حملها الصحابة بالتواتر على النبي الكريم، دون أن تحدث فجوة بين الصورتين لا من حيث التاريخ فقد كانتا متلازمتين من أول نزول القرآن، ولا من حيث واقع الجمع، فقد كان هناك أصل ثابت هو المحفوظ جمع المكتوب ليكون مطابقا له، فطابقه تمام المطابقة، سواء من حيث ذات المادة القرآنية، أو من حيث ترتيبها آيات وسورا على النحو التوقيفي الذي عليه المصحف المتداول بين الناس، فهذا النص القرآني هو إذن موصول في سنده المتواتر من نزوله على النبي الكريم، إلى تبليغه إياه للناس ملفوظا، إلى جمعه مكتوبا، إلى تداوله بين الناس مصحفا سيارا بين المسلمين قاطبة. وإنما تسربت الشكوك في موثوقيته إلى هؤلاء المؤولة استنادا على شبه أسقطت عليه إسقاطا دون تثبت، خاصة وأنهم ليس من بينهم من هو مختص ضليع في العلوم الإسلامية، ولعل ذلك وافق عندهم منازع من الهوى للتأويل بما يسمح بإسقاط الأفكار المسبقة على النص القرآني، وهو خلل منهجي قد يكون عند البعض غير مقصود، وقد يكون عند آخرين مقصودًا.

إن اللغة التي نزل بها القرآن وصيغ بها الحديث الشريف هي لغة استقرت عبر زمن طويل على قوانين وقواعد في الدلالة على المعاني لفظا ونظما، وهي بتلك القوانين والقواعد تحمل المعاني الموضوعية من المنشئ إلى المتلقي، إذ يحملها المنشئ وفقها مراده من المعاني، ويتطلب المتلقي تلك المعاني وفقها أيضا[lxix]، وذلك هو مقتضى الصفة الرسالية في النص الديني، ولو كان الأمر كما يدعيه التأويل اللغوي على النحو الذي وصفنا ما كان للبعد الرسالي في هذا النص معنى، إذ يكون دور اللغة هو إثارة ما في ذهن المتلقي من المعاني بحكم تكونه الثقافي لا حمل رسالة من آمر إلى مأمور ومن ناه إلى منهي، فالقول بهذا التأويل اللغوي هو إذن يلغي البعد الرسالي في النص الديني، وهو جوهر هذا النص وغاية وجوده.

إن النتيجة التي انتهت إليها القراءة الجديدة للنص الديني بالفعل، والتي يمكن أن تنتهي إليها بتحكيم مبادئها وأساليبها هي أنها سينشأ منها دين يمكن أن يسمى بأي اسم سوى اسم الدين الإسلامي. وإذا كان من حق كل إنسان أن يختار الدين الذي يرتئيه حقا، متحملا مسؤولية اختياره، فإنه ليس من حق أي كان أن يبني له دينا ذاتيا ثم يدعي أنه هو المقصود بنصوص الوحي، دون التفات إلى مقتضيات تلك النصوص فيما بنيت عليه من قوانين اللغة، وفيما وصفت من الدين الذي تبتغيه، وفيما أرشدت إليه من منهجية في فهم ذلك المبتغى، وإنما بعمل إسقاطي تصنع فيه الأفكار خارج النص ثم تقحم فيه إقحاما متعسفا تأباه القواعد المنهجية في البحث، كما تأباه القواعد الأخلاقية العامة، وذلك ما نحسب أن القراءة الجديدة سقطت فيه.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 


*مقال الدكتور عبد المجيد النجار مقدم إلى مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدورة السادسة عشرة بالإمارات العربية المتحدة- دبي- بتصرف.

** أستاذ الشريعة الإسلامية- باريس.

[1] نعني بالنص الديني في هذا البحث النص القرآني ونص الحديث النبوي.

[2] راجع في ذلك: عبد الرحمن بدوي- مذاهب الإسلاميين: ٧٨٩ وما بعدها.

[3] راجع: البغدادي- الفرق بين الفرق: 380.

[4] نذكر من ذلك على سبيل المثال: محمود صدقي، الذي كتب مقالا بعنوان ((الإسلام هو القرآن وحده)) ونشر في مجلة المنار عدد: ٩، سنة: ١٩٠٦، وذهب فيه مذهبا تأويليا كان إرهاصا للقراءة الجديدة الظاهرة اليوم.

[5] عرض تأويله بالأخص في كتابه: ((مفهوم النص)) و((النص، السلطة، الحقيقة: الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة)).

[6] راجع كتابه: الرسالة الثانية في الإسلام.

[7] راجع كتاب: القرآن والذكر.

[8] أهم آرائه في خصوص ما نحن بصدده ضمنها كتابيه: لبنات، والإسلام بين الرسالة والتاريخ.

[9] راجع كتاب: الإسلام والحرية: الالتباس التاريخي.

[10] عرض آراءه في جملة من كتبه من أهمها: الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، وقضايا في نقد العقل الديني، والفكر الإسلامي: قراءة نقدية. وتاريخية الفكر العربي الإسلامي، والفكر الأصولي واستحالة التأصيل.

[11] راجع جملة من هذه الأطاريح في قائمة المراجع لــ: عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ.

[xii] يذكر في هذا الخصوص الصلة الوطيدة لمحمد أركون بالاستشراق الفرنسي خصوصا والأوروبي عموما، كما يذكر صلة عبد المجيد الشرفي بالدوائر الدينية المسيحية في إيطاليا على وجه الخصوص، وقد وجد نصر حامد أبو زيد ملاذا آمنا بالأقسام الاستشراقية في الجامعات الهولندية لما واجهته مشاكل في مصر بسبب آرائه في قراءة النص الديني. ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن كتاب محمد الشرفي: "الإسلام والحرية: الالتباس التاريخي"، أنجز ضمن مشروع يسمي نفسه مشروع ((الإسلام والإنسانية))، وهو مشروع عالمي مشبوه الأهداف، وقد نشر بمساهمة القسم الثقافي للسفارة الفرنسية بالمغرب. كما تجدر ملاحظة أن كتاب عبد المجيد الشرفي: "الإسلام بين الرسالة والتاريخ"، قد أنجز خلال إقامة متفرغة بمعهد الدراسات المتقدمة ببرلين كانت على حساب هذا المعهد.

[xiii] يتميز من بين هؤلاء جميعا عبد المجيد الشرفي بكفاءته المنهجية العالية، وبأسلوبه العربي المتين، وبسعة اطلاعه على التراث الإسلامي على وجه العموم، وهو لذلك يعتبر أكفأهم أيضا في نصرة هذه الوجهة التأويلية التي يلتقون عليها، وفي الترويج لها والدفاع عنها.

[xiv] أركون- تاريخية الفكر العربي الإسلامي: 146.

[xv] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 159، وقد أشار الباحث في الهامش إلى أن الحديث حتى وإن كان متواترا فإن ذلك لا يفيد الصحة، إذ التواتر لا يفيد اليقين، ولذلك فإن القوانين الوضعية الحديثة لم تجعل منه حجة إثبات.

[xvi] نفس المرجع: ١٧٦.

[xvii] نصر حامد أبو زيد- النص، السلطة، الحقيقة ١٧، وراجع في ذات الفكرة: عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ٩٣، ٩١.

[xviii] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 42.

[xix] راجع: نفس المرجع: 137.

[xx] راجع: أركون- الفكر الأصولي واستحالة التأصيل: ١٣٥، وراجع أيضا شرح المترجم في التعليق أدناه.

[xxi] أركون- الفكر الإسلامي: ٨٥، وراجع أيضا: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل: ٤١.

[xxii] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 44.

[xxiii] عبد المجيد الشرفي- لبنان: 120.

[xxiv] راجع: أركون- الفكر الأصولي: ٢٨٤، وهو يشير إلى ما فعله عثمان رضي الله عنه من إقرار المصحف الإمام، ومنع تداول غيره.

[xxv] راجع: نفس المرجع: ١٣٥، وراجع أيضا لنفس المؤلف: الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد: 90.

[xxvi] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 50.

[xxvii] نفس المرجع: 37.

[xxviii] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 156، وراجع نفس الفكرة في: ص 85.

[xxix] أركون- تاريخية الفكر العربي الإسلامي: 143.

[xxx] من أقوال نصر حامد أبو زيد في هذا الشأن قوله: "لا اجتهاد في مجال العقيدة، هذا ما يعلنه الخطاب الديني متجاهلا أن العقائد تصورات مرتهنة بمستوى الوعي وبتطور مستوى المعرفة في كل عصر" (من كتاب: النص، السلطة، الحقيقة: 134).

[xxxi] أركون- الفكر الإسلامي، قراءة علمية، 20.

[xxxii] نصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة: ١٣٩. وراجع في ذات المعني: ص 144. ومما قاله محمد الشرفي في هذا الشأن بصدد تعليقه على حكم الإرث- الإسلام والحرية، الالتباس التاريخي: 122: "قد كان صالحا في ذلك العصر، بل كان مثار إعجاب أحيانا، ولكنه ينبغي أن يتجاوز اليوم، لأن الظروف قد تبدلت بعيدا، والأحوال تغيرت تغيرا كبيرا".

[xxxiii] نفس المرجع: ٨٧.

[xxxiv] نفس المرجع: ١٣٨. ومما قاله المؤلف في ذات المعنى- نفس المرجع: 98 "لم يتبن الصحابة والتابعون ثم الأجيال المتعاقبة السائرة على خطاهم سوى الحلول التي تتجلى لنا اليوم منقوصة، غير مرضية، إن لم نقل مزيفة؟".

[xxxv] محمد الشرفي- الإسلام والتاريخ: الالتباس التاريخي: ٦٤.

[xxxvi] راجع نفس المرجع: 97.

[xxxvii] راجع نفس المرجع: 111.

[xxxviii] راجع: عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ٩٩، ١٥١، ١٥٠. وراجع شواهد كثيرة على كون الفقهاء قرروا الوجه الخاطئ من الدين وتركوا الوجه الحق منه في: محمد الشرفي- الإسلام والحرية: ٨١، ٨٦. وعبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ١٠٦ وما بعدها، 148، 158.

[xxxix] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ٩٣. وقد خصص المؤلف كل كتابه هذا لشرح هذا المعني، واختار له عنوانا يعكس محتواه، إذ يوحي بأن الإسلام الذي هو رسالة جاء بها النبي ليس هو الإسلام الذي تحقق في التاريخ. ولنفس هذا الغرض ألف محمد الشرفي كتابه: الإسلام والحرية، الالتباس التاريخي، وهو عنوان يوحي بنفس المعني.

[xl] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 61.

[xli] أركون- الفكر الأصولي: ٣٠.

[xlii] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 85.

[xliii] نفس المرجع: 62- 63.

[xliv] إن هذا التأويل القائم على تاريخية الأحكام الدينية يمثل قدرا مشتركا بين جميع من ينتمي إلى المؤولة الجدد، وإن ببعض الاختلاف في التفاصيل.

[xlv] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 61.

[xlvi] نفس المرجع: ٦٣. وراجع للكاتب فيما يتعلق بعبادة الصوم مؤولة بنفس المنهج- لبنان: ١٦٥ وما بعدها.

[xlvii] راجع تقرير هذه الفكرة الفلسفية اللغوية وشرحها في: نصر حامد أبو زيد- النص، السلطة، الحقيقة: ٨٠ وما بعدها.

[xlviii] نصر حامد أبو زيد: النص: السلطة، الحقيقة: ٣٣.

[xlix] نفس المرجع: ٨٦.

[l] محمد الشرفي- الإسلام والحرية- الالتباس التاريخي: ١٣٨.

[li] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 70.

[lii] راجع قراءة عبد المجيد الشرفي لأحكام العبادات في: الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ٥٩ وما بعدها، وفي: لبنان: ١٦٥ ومل بعدها.

[liii] قال محمد الشرفي- الإسلام والحرية: ١٤٥: "لئن كان لكل من محمد الطالبي ومحمود محمد طه طريقته في التفكير فإنهما يشتركان في الدعوة إلى تعويض تشريع ديني بتشريع ديني أخر، وهو مالا نوافقهما عليه"، ولكنه في الفقرة التي تلي هذا القول ينقض المؤلف رأيه هذا، ويؤسس فعلا لشريعة جديدة.

[liv] عنون محمود محمد طه كتابه الذي شرح فيه فهمه الجديد للدين ب ((الرسالة الثانية في الإسلام))، وتردد عند عبد المجيد الشرفي مصطلح ((الوجه الثاني للرسالة))، ومما قاله في ذلك- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ٨٧: "يتعين الرجوع إلى وجه الرسالة الثانية، ذلك الذي طمسه التاريخ، وأنكر طاقاته الإبداعية، فلم يتعود المسلمون كشفه والتنقيب عن خفاياه وأسراره ودلالاته، ولم يتفطنوا في الأغلب حتى إلى وجوده ذاته".

[lv] نصر حامد أبو زيد- النص، السلطة، الحقيقة: ١٣٤.

[lvi] راجع: نصر حامد أبو زيد- النص، السلطة، الحقيقة: ١٣٥.

[lvii] راجع: محمد الشرفي- الإسلام والحرية، الالتباس التاريخي: ٨٩.

[lviii] راجع: عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ٨٢ وما بعدها، والإسلام والحداثة: ١٥٣ وما بعدها.

[lix] راجع شرحا وافيا لهذه المعاني المعلّقة بالعبادات في: عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: ٥٩ وما بعدها، ومما قاله في ذلك متعلقا بالصلاة ص ٦٣: "إن أصنافا أخرى من الناس ممن أعرضوا عن الصلاة، أو يعيشون تمزقا بين الواقع والمنشود، ألا يحق لها أن تكون وفية لما يأمرها به دينها من دون الالتزام بما قرره السلف في هذا الشأن بكل تفاصيله"، ومما قاله أيضا فيما يتعلق بعموم العبادات وبالصلاة على وجه الخصوص، ص: ٦٢: "تكفي نظرة سريعة على ما عجت به الموسوعات الفقهية في كل المذاهب لإدراك البون الشاسع بين التفاصيل المدرجة فيها من جهة، ومجرد حث القرآن على إقامة الصلاة من جهة أخرى. ورغم ذلك فلا تتعلق تلك التفاصيل إلا بما يمكن القيام به في صنف واحد من المجتمعات زال الآن أو هو في طريق الزوال، من حيث طرق العيش وأنماط الإنتاج التي يتميز بها".

[lx] مما قاله محمد الشرفي في ذلك- الإسلام والحرية، الالتباس التاريخي: ٨٥ "يتحتم حصر معنى الزنا في العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة أحدهما متزوج، لأن هذه العلاقة فقط يمكن اعتبارها جناية"، وعلى ذلك فإن العلاقة الجنسية بين الخطيبين مثلا لا تعتبر زني بل هي أقرب إلى السلوك الإنساني العادي (ص 116).

[lxi] راجع تفاصيل ذلك في: محمد عبد الله دراز- النبأ العظيم ١٥.

[lxii] عبد المجيد الشرفي- الإسلام بين الرسالة والتاريخ: 176.

[lxiii] راجع في هذه المسألة: محمد عجاج الخطيب- المختصر الوجيز في علوم الحديث: ٦٥ وما بعدها.

[lxiv] راجع في ذلك: محمد عبد الله دراز- النبأ العظيم: ٢١.

[lxv] راجح شبه المستشرقين فيما يتعلق بالقرآن في: محمد حسين علي- المستشرقون والدراسات القرآنية. ودائرة المعارف الإسلامية، مادة (القرآن).

[lxvi] راجع الرد على هذه الشبهة بالتفصيل في كتابنا: القرآن الكريم: ٦١.

[lxvii] راجع روايات كثيرة في هذا الشأن في: السيوطي- الإتقان: 1/ 60 وما بعدها.

[lxviii] يمكن الرجوع في ذلك مثلا إلى: أبو جعفر بن الزبير في كتابه: البرهان في مناسبة ترتيب القرآن، وأبو بكر النيسابوري والسيوطي في كتاب: أسرار التنزيل، وكتاب تناسق الدرر في تناسب السور. ويمكن أن يراجع في هذا الموضوع: الزركشي- البرهان: 1/ 34، والسيوطي- الإتقان: 2/ 108.

[lxix] راجع: الشاطبي- الموافقات: 2/ 50، حيث يبين كيف أن الناظر في القرآن والحديث، ينبغي أن ينظر فيهما بحسب مقتضيات اللغة العربية كما كانت عند نزول الوحي.

 

صدرت هذه الطبعة من كتاب نظرات في الإسلام لمؤلفه الدكتور محمد عبد الله دراز[*] عام 1392/ 1972م، ويُعد هذا الكتاب من الكتب القيمة، لإبرازه العديد من الحقائق عن الإسلام بأسلوب ميسر وشامل ومعمق، ولعل من أدق ما قيل عن تميز هذا الكتاب ما كتبه أستاذنا الدكتور محمد عمارة في تقديمه طبعة دار (مفكرون) لهذا الكتاب التي صدرت عام 2018م- من أن: "ميزة هذا الكتاب، من بين كتب العلامة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز، أنه يقدّم نظرات عامّة وشاملة للإسلام: عقيدته.. وشريعته.. وعباداته.. وقيمه وأخلاقياته.. ونُظمه الاجتماعية.. وعلاقاته بالآخرين، وليس ككثير من كتبه الأخرى، خاصًّا ومتخصّصًا في معلم محدّد من معالم الإسلام، فهو نموذج لرؤية الدكتور دراز في مجمل معالم الإسلام".

فقد لمس الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه "نظرات في الإسلام" العديد من الحقائق وأكد عليها، منها:

  • رسالة الإسلام حينما بسطت جناحيها في أقلَّ من قرن على نصف المعمور؛ كانت كأنما أنشأته خلقًا آخر؛ لقد بدَّلته من أوطانه المتفرقة وطنًا واحدًا، ومن قوانينه المختلفة قانونًا واحدًا، ومن آلهته المتعددة إلهًا واحدًا، لقد نفذت إلى جوهر نفسه فحوَّلته تحويلاً، وبدَّلت أسلوب تفكيره تبديلاً، بل عمَدت إلى لغته فأضافت لغةَ القرآن لسانًا إلى جانب لسانه، وكثيرًا ما أنسَتْه لسانَه الأصيل، وجعلت لسان الإسلام هو لسانَه الوحيد. ثم هي لا تزال في كل عصر تتلقى معاولَ الهدم من أعدائها؛ فتُكسر هذه الصدَمات على صخرتها، وهي قائمةٌ تتحدى الدهر، وتنتقل من نصر إلى نصر. فليحاوِلِ الباحثون ما شاءوا أن يعرفوا مصدرَ هذه القوة الغلَّابة، وهذا الانتصار الباهر. إن هذا النجاح ليس مرَدُّه في نظرنا إلى سبب واحد من الأسباب، ولا إلى فضيلة واحدة من الفضائل، لقد تضافرت عليه شخصية الداعي، ومنهاج دعوته، وشخصية الأمة التي تلقت تلك الدعوة، وطبيعة الدعوة نفسها، ومن وراء ذلك كله كلاءةُ الله ورعايته لهذه الرسالة حتى بلغت كمالها.
  • يقوم التشريع الإسلامي على أسس سليمة متينة، لا تضعف ولا تتزعرع، فهو تشريع مرن يتطور بتطور الحياة، ويتجاوب مع مصالح الناس وحاجياتهم، دون أن يفرض عليهم عنتًا أو حرجًا، وهو فوق هذا غني بثروته التي لا تنفد، هذه الثروة التي تلمسها بنفسك في العقائد والأخلاق والقيم الإنسانية، وفي أصول القوانين والدساتير والنظم السياسية والاجتماعية.
  • يهدف التشريع الاسلامي في جميع مراحله وأطواره، وفي جميع وسائله واتجاهاته إلى الإصلاح الخلقي والنفسي والفكري، والإصلاح الاجتماعي والسياسي والقانوني وليس من شك في أن غاياته إنما تلتقي عند إيجاد مجتمع سليم نظيف، وشعب ناهض قوي، وإخاء عالمي يقوم على أساس من الحب والعدل والمساواة والسلام.
  • الشرائع بأسرها، سماوية كانت أم وضعية، لم تتضمن تشريعًا كتشريع الزكاة الذي تضمنته شريعة الإسلام، هذا التشريع الإنساني الذي يفرض على المسلم الغني ضريبة مقدسة يفيد منها المجتمع الذي يعيش فيه، وتفيد منه الدولة التي ينتسب إليها.
  • نظرة الى خريطة العالم الإسلامي ترينا كيف أنه يمتد في قلب العالم كتلة واحدة متصلة، من أقصى الشرق الى أقصى الغرب، وأنه كله يدور على محور واحد هو مكة المكرمة التي هي قلب الوطن الاسلامي وقطب رحاه، إن هذا الوضع الجغرافي المتماسك القوي، قد اختص به الإسلام بين سائر الأديان، ومع ذلك من أعجب العجب أن الذي ينظر إلى الماضي القريب للأمة الإسلامية، لا يجدها في المكانة التي يؤهلها لها هذا الموقع الفريد، ذلك أن تفتتها الإقليمي وانطواء كل شعب منها على نفسه، قد أنساها هذه الرابطة العظمى، ولقد كان المسلمون الأولون لا يعرفون هذه الحواجز الحديدية .. فكان التجار والرحالون يتنقلون من قُطر إلى قطر، وليس بيدهم جواز سفر .. إلا كلمة الإسلام.
  • هدف الإسلام من إيجاد أمة إسلامية، إنما لتكون أمة وسطًا، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وذلك لتؤدي مهمة نبيلة إنسانية من أجل السلام العالمي، والأمن الدولي، ولا ريب في أن أمة هذا هدفها -وهذه رسالتها- لابد أن تدعم بناء العلاقات العالمية وتعمل على صيانتها، ضد عواصف الشر، وملاحم الفتن.
  • الحروب في نظر الإسلام شر لا يلجأ إليه إلا المضطر، فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم، ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء، خير من انتصار باهر للحق تزهق فيه الأرواح.
  • هناك العديد من الأدلة الملموسة على أن الإسلام لا يرمي قط إلى القضاء على أعدائه، ولا إلى الاستيلاء عليهم بالقهر، ولكن إلى تجنب خطرهم، فمتى تحقق هذا الغرض لم يبق للصراع في نظره مبرر؛ لأن هدفه إيجاد العلاقات العامة مع الناس قاطبة.
  • التشريع الدولي في الإسلام لا يكتفي بأن يستوحي في كل خطوة من خطواته روح العدالة والمساواة بين الناس أمام القانون، بل إنه يستمد من ينابيع أشد عمقًا من ذلك كله، يستمد من منابع الإيمان الصحيح، والخلق الكامل، ونستطيع أن نقول - ووثائق التاريخ بين أيدينا: إن هذا التشريع الدولي العام في الإسلام صفحة فخار، تشهد له بحرصه على إيجاد علاقات طيبة مع البشر قاطبة، لأنه دين إنساني خالد.

 

تقسيمات الكتاب:

المقدمة.

مع التشريع الإسلامي.

في حياتنا الاجتماعية.

بين المثالية والواقعية.

الإسلام والعلاقات.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب


[*] هو الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن حسنين دِراز (1874-1932م)، وهو عالم أزهري مصري، كان عضوًا بهيئة كبار العلماء وأستاذًا بكلية الشريعة، شارك في ثورة 1919م، واعتقل على إثرها، نال الدكتوراه في جامعة السوربون الفرنسية، وكتب عن علاقة الإسلام بالأديان الأخرى بطريقة منطقيّة. اهتم في كتاباته بمبادئ علم الأخلاق في القرآن الكريم، ومن أهم كتبه "دستور الأخلاق في القرآن"، وهو نفسه أطروحته التي نال عنها درجة الدكتوراة.

 

(1)

في حدود معلوماتنا المتواضعة وبعد الدراسات المضنية وجدنا: أن واقع التشريع في العالم الإسلامي في هذا الوقت بعيد كل البعد عن روح الشريعة الإسلامية في الأساس وفي المصادر وفي المبادىء العامة وحتى في كثير من التفاصيل.

وإذا كان بينهما من لقاء فهو محصور في بعض الفروع وفي كثير من المظاهر، وهذا التشابه قائم بنفس المقدار أو أكثر بين تشريعاتنا وبين مختلف التشريعات المدنية المعاصرة والسالفة.

ومن المحزن أن نعترف بهذا الواقع ونحن نتذكر الآيات القرآنية الكريمة في سورة الحجر: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر، 88-96].

إن بعض الإنتباه إلى هذه الآيات مع ترتيبها ثم وقفة تأمل أمام الكلمات: ﴿تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ و﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ و﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ والوعد بكفاية ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾... إن الدقة في هذه الأمور توضح المفهوم القرآني عن الشرك (في مصطلح الأحاديث الشرك الخفي) وإن التوحيد الكامل هو في التسليم لجميع ما أمر به، وإن تجزئة القرآن نوع من الشرك، وجعل مع الله إلهًا آخر هو المطاع في بعض المواقف وإن المظاهر التي يعيشها الآخرون الذين لا يؤمنون بالله، أو بعبارة أخرى النجاح الظاهري الذي يكتسبه الملتزمون بقوانين غير القوانين الإلهية، إن هذه المظاهر رغم إغرائها لا يمكن أن تشكل طموح الرسول (ص)، والمؤمنين الذين يلتزمون بأحكام الله جميعًا رغم اتهامهم بالرجعية وغيرها، ورغم تعرضهم للاستهزاء.

والحقيقة أن المفهوم القرآني للشرك أو للكفر بالله لا ينحصر في العبادة لغير الله، وإلا فما معنى الآية المباركة: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية،23] هل هناك من يصلي ويسجد لهواه؟ بل الإله في المصطلح القرآني هو قدس أقداس الإنسان الذي يدفعه في حركاته ونشاطه بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهو الذي يجعل الإنسان من نفسه، وفكره وعواطفه وحركاته، وسيلة لكسب رضاه، لتلبية رغباته.

وهذا المعنى هو المعنى الذي يقرب بل يوحد بين معنى التوحيد ومعنى الإسلام، إذ الإسلام هو التسليم الكامل عقلًا وقلبًا وجسمًا لله، فالتسليم في مقام العمل أي إسلام الجوارح هو جزء من مفهوم التوحيد.

والآيات القادمة تلقي أضواءً على هذا المفهوم العميق فلنتلها بتأمل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء، 150 – 151].

فلنكرر: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ ألا يعني الكفر ببعض الأحكام، عدم اعتراف بصلاحيتها والاقتباس من المصادر الأخرى؟

ثم نتلو أيضًا: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ هؤلاء هم عينًا ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فالإيمان بالله بالعقل وبالقلب "أي العقيدة والأخلاق" دون الإيمان بالجسد أي الالتزام بالأحكام "كفر بالرسل وفي مقياس القرآن كفر بالله والرسل".

وهنا يظهر بوضوح ما سنقرأه في سورة المائدة وفي الآيات 44 – 50 حيث إن الحكم بغير ما نزّل الله حول القيود والقصاص يعتبر في منطق القرآن ظلمًا وكفرًا وفسقًا، وكذلك اتباع أهواء الآخرين وعدم الخضوع لأحكام الله في الإنجيل وفي القرآن مرفوض وفسق.

الآيات: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة، 44 ـ 50].

ومجمل القول: إن الأحكام في الشريعة الإسلامية مثل جميع الشرائع السماوية جزء لا يتجزأ من الوحدة المتكاملة التي نسميها "بالإسلام"، والإسلام رغم تقسيم تعاليمه في الدراسات والكتب إلى الثقافة والعقيدة والفقه والأخلاق، رغم ذلك، وحدة متماسكة مترابطة الحقول متفاعلة الأجزاء، فالثقافة أو ما نسميه الرؤية الإسلامية للوجود قاعدة لعقيدته وكلتاهما أساس للشريعة في فقهها وأخلاقها، ومن جانب آخر فالشريعة تصون العقيدة وتوضح الرؤية وكل قسم من الشريعة ذو تأثير عميق على القسم الآخر.

وإليكم بعض الصور لهذا الترابط :

القرآن الكريم يعطي مفهومًا عن الله هو أوسع وأشمل من كافة المفاهيم التي قُدِّمَت من قبل الأديان السابقة "ملك الملوك"، "الأب" ومن قبل المفكرين والفلاسفة "واجب الوجود"، "الوجود المطلق."

هذا المفهوم -الذي له الأسماء الحسنى- وهو منتهى كل كمال والأول والآخر والظاهر والباطن: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر، 67] وهو أقرب من حبل الوريد، و﴿ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال، 24] وغير ذلك، هذا الذي نعده ركن الثقافة الإسلامية أساس العقيدة على المسلم أن يدرك هذا ويؤمن به عن دليل ويعيشه بكل وجوده ولا يقبل الإسلام بغير هذا أبدًا ولا يعد الذي فكر وآمن بغيره مسلمًا، وهكذا يقدم الإسلام مفاهيم عن الكون والحياة والموت والإنسان والمجتمع وغيره، وهذه المفاهيم أسس التفكير والإيمان والعمل في الشريعة الإسلامية.

والإيمان بالله الواحد الأحد الذي ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص، 3] بدوره ينعكس على موقف المسلم من أخيه المسلم ومن الإنسان كل إنسان ومن مجتمعه.

والعبادات بما لها من شروط وفي مقدمتها الإخلاص لله في النية نتيجة طبيعية لهذا الإيمان، وفي نفس الوقت تصون الإيمان وتنميه في النفس وتقلص النزعات الدافعة للتحرك في نفس الإنسان المسلم.

وتأثر الأخلاق الإسلامية بهذا وذاك ظاهر، حيث إن الكبر مرفوض، والثقة بالله لا بالنفس، والتواضع وحسن الظن والتسامح والطموح الكبير والأمل الدائم والكرم والشجاعة، هذه الأوصاف تُستقى من الإيمان الإسلامي ومن الرؤية الإسلامية ومن العبادات والأعمال المرغوبة في الفقه الإسلامي وهي بدورها تؤثر فيها.

إن الصورة الحقيقية للإسلام هي في كونها لوحة مترابطة الأجزاء لكل حكم مكانه ولكل تعليم أثره البالغ. وتجزئة هذه الصورة للدراسة لا يمكن أن تفصل بين حقولها ولا تمكن المسلم من الاحتفاظ الكامل ببعض مع ترك البعض الآخر.

 

(2)

التفاوت في الأساس

يصرح القرآن الكريم في أول سورة البقرة أن الأساس الأول للتقوى هو الإيمان بالغيب ويأتي من بعده متسلسلًا إقامة الصلاة والإنفاق مما رزق الله وهذا التسلسل يتضح في مختلف التعاليم الإسلامية ويؤكد أن الحكم الإسلامي ينطلق من أساس الإيمان بالغيب.

والحقيقة أن الفارق المميز بين الحكم الديني وبين الحكم الوضعي هو الإيمان بالغيب بل هذا هو الفرق بين التعاليم الدينية وبين العلوم المختلفة وبينها وبين آراء الفلاسفة وبينها وبين مكارم الأخلاق وغيره.

والغيبية في أساس الحكم الديني هي سبب القداسة والخلود والإطلاق، والحاجة الملحة في نفس الإنسان إلى الغيب وإلى الاطمئنان والاستقرار في كافة شؤونه الحياتية، تُلبى بواسطة هذه الصفة.

إن هذه الحاجة تنبع من الإحساس الطبيعي بضرورة المعايشة مع المطلق وإلا فهو يعيش مضطربًا في ذاته، مترددًا في سلوكه، ضعيفًا في عزماته ومواقفه.

أما العلوم والفلسفة والتكنولوجيا والقوانين الوضعية وكل ما هو من صنع الإنسان فهو متزلزل، حيث إنه متكامل ومتغير، لذلك فهو لا يغني الإنسان عن شعوره بالحاجة إلى المطلق، يحس بصحبته الدائمة في ساعات الحرج وعند انهيار الأسباب والتردد في بداية السلوك.

ويشير القرآن الكريم إلى هذه الزاوية من حاجات الإنسان بقوله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد، 28].

ومن المؤكد أن هذا الإحساس بالمعايشة لا بد من التكريس عند ممارسة الحياة العادية والعبادات في الإسلام بتوقيفها وعدم تقبلها للتطوير أثر حتمي لخلق هذه المعايشة، وهي بدورها تصونها وتنميها بل الثابت في جميع الأحكام الشرعية حتى [في] المعاملات والأعمال العادية إمكان إقترانها بقصد القربة. بل الأفضل من ذلك كما ورد في وصايا الرسول r وهذا بدوره يؤكد حتمية استناد الأحكام إلى الغيب حيث أن لا قربة دون الغيب، ومن جهة أخرى فإنها تتفاعل مع المعايشة المطلوبة حتى لو كان ذلك ضمن إطار عام فيكون الإنسان عند اتخاذ مواقف يحس بأنه ينفذ بصورة مباشرة أو غير مباشرة فعل إيمانه بالله وتسليمه لأمره ونهيه.

إن الغيبية وما وراءها من صفات لا تتنافى على صعيد التطبيق مع التطوير والاهتمام الكامل بالضرورات الاجتماعية المتغيرة، وبكلمة: فإن سماوية الحكم لا تتناقض مع أرضية التطبيق عند حاجة الإنسان له.

وهنا يتضح مفهوم الاجتهاد في الشريعة والفرق بينه وبين التشريع المتعارف في المؤسسات المخصصة للتشريع.

إن الاجتهاد هو في المصطلح استفراغ الوسع لاستنباط الحكم الشرعي من مصادره. وهذا يعني أن المجتهد يبذل قصارى جهده في المصادر والنصوص لكي يكشف الحكم للواقعة التي يحتاج إلى معرفة حكمها فهو يضم إلى الحكم الديني فهمه واستنباطه النابع من خبرته وممارسته ومَلَكَته النفسية به، يدخل كل هذا في استنباط المجتهد.

إن الاجتهاد تحرك وتطور ونظرة إلى الأرض ضمن الإطار الغيبي المطلق السماوي للحكم، فالإطلاق والغيبية لا يفقدان الحكم تطوره وانطباقه على حاجات الإنسان كما أن التطور والاهتمام بالحاجات لا يفقدان الحكم قدسيته وغيبيته.

أما التشريع فهو دراسة الموضوع وأبعاده والظروف المحيطة به ووضع حكم له مستند إلى مصلحة عامة أو خاصة.

والتشريع على هذا يضم جزءًا من فهم المشرِّع إلى المصالح المتوافرة في الموضوع وهو أي التشريع نظرة إلى الأرض بينما الاجتهاد انتباه إلى السماء ويشتركان في انضمام جزء من ذات المجتهد والمشرِّع ومن فهمه واستنباطه.

 

(3)

التطور في الشريعة

وقد وضع الإسلام ضمن شريعته مبادىء تمكن الإنسان من تطوير الحكم الشرعي حسب مقتضيات الزمان والمكان وغيرهما دون أن يفتقد الحكم قداسته وغيبيته.

وبذور التطور هذه على أنواع:

النوع الأول: موضوعات الأحكام وأجزائها وشروطها التي تقبل التطوير في مدلولاتها عند مختلف الظروف والأحوال ذلك مثل موضوع حكم تعدد الزوجات في القرآن الكريم: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾ [النساء، 3]، وهذا الشرط قابل للتعميم في الحالات الاجتماعية المتنوعة كظروف ما بعد الحرب وفي بعض المجتمعات الخاصة والمفهوم من الآية أن هذا الحكم ليس حكمًا مطلقًا في جميع الحالات.

وإذا فسرنا الآية الكريمة بأنها في صدد بيان حل لمشكلة الخوف من عدم القسط في شؤون الأيتام وليست في مقام تقييد الحكم إلا لمنع الزيادة عن أربع، إذا فهمنا الآية بهذا المعنى نقول: أن القرآن لم يذكر إذًا أي نص يبيح التعدد المطلق والسيرة المطهرة وسلوك الأصحاب والأئمة سيرة عملية لا إطلاق لها مثل الأدلة اللبية [من اللُب أي العقل] في مصطلح الأصوليين، يمكن اختصاصها بأسباب خاصة وبشروط معينة:

ومثل شرط العدالة في العشرة فهي تختلف باختلاف حقوق المرأة التي تحدد إمكانية قيام الزوج بمسؤولياته أمام أكثر من زوجة.

نقول هذا حتى ولو كانت الروايات فسرت العدل في العشرة، فإن شأن المرأة في الطعام والكساء والسكن يختلف أيضًا ويتطور.

ومثل موضوع الفقر في الزكاة حيث إنه يتطور حسب الحاجات المتزايدة ومتوسط الدخل الفردي، فكلما تحسنت أوضاع المعيشة وارتفع المستوى المتوسط توسع مفهوم الفقر، وهذا يعني أن الزكاة تدارك مستمر لنقص الأوضاع المعيشية لدى الفقراء وتقريب دائم لمستوى دخل الطبقات المختلفة.

ومثل موضوع الرشد في آية البلوغ والذي يجعل عمر البلوغ المدني يختلف عن السن الذي يبلغ الشاب درجة المسؤولية الجزائية.

إن الآية الكريمة تقول: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء، 6]، واستئناس الرشد بعد البلوغ الجزائي ضروري للتأكد من وصول الشاب درجة البلوغ المدني، وهنا يدخل تقدير الحاكم المسلم عندما يريد وضع القانون لتحديد سن المسؤولية المدنية، وبالتالي يدخل إمكان التطوير.

والأمثلة على هذا كثيرة جدًا اكتفينا بالقليل منها، وأبرزها مبدأ تطبيق الزكاة، فبإمكاننا اليوم أن نرفع مستوى حياة الفقراء بواسطة تأمين العلاج والعلم والضمان الاجتماعي لهم وهذا أقرب للكرامة وأدق في هذا العصر.

النوع الثاني: مبادىء موضوعة لأجل التطوير بالذات مثل قاعدة "المؤمنون عند شروطهم" وقانون ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة، 1] وغيرهما ومن خلال هذه القواعد يمكن تطوير صور الزواج وشروط الطلاق وإدخال تعديلات واسعة في قانون الأحوال الشخصية.

فالزواج بالصورة العادية هي الصورة المتناسبة مع بعض العصور اقترح الإسلام له صورة أصلية هي المتعارفة لدى المسلمين، ويمكن وضع صور جديدة للزواج من خلال وضع شروط ضمن العقد تحدد استرسال الرجل في الطلاق وعند الامتناع عن الطلاق وتحدد أيضًا المكان والمال المكتسب خلال العمل والأموال الموجودة في البيت ويمكن وضع شروط يستصعب على الزواج معها من تحديد الزوج كما يمكن تحديد وضع الأولاد عند الطلاق.

إن هذه الشروط يمكن أن توضع ضمن استمارات تعرض على الزوجين حال الزواج لأجل التمسك بها أو التخلي عنها. فإذا ذكر في عداد الشروط أن الزوج إذا أراد أن يطلق دون مبرر صحيح فعليه أن ينفق على المطلقة ما دامت غير متزوجة أو عليه أن يدفع مبلغًا كبيرًا. إن هذا الشرط من طبعه تحويل كل طلاق إلى المحكمة لمعرفة الموضوع ووجود المبرر الصحيح، ثم إنه يحول دون استرسال الزوج في الطلاق، ومن جهة ثانية إذا وضعنا ضمن العقد وكالة الحكمين أو المحكمة عن الزوج في الطلاق في حالات معينة فإن تعنت الزوج في امتناعه عن الطلاق يخف بل يتعالج نهائيًا.

النوع الثالـث: مراعاة العناوين الثانوية فإنها من أهم شؤون الاكتشاف وتطوير الأحكام الشرعية، فالتأميم مثلاً لا يمكن قبوله كمبدأ في الشريعة الإسلامية حيث إنه يقوم على أساس عدم الاعتراف بالملكية الشخصية ولكن الشريعة عندما تلاحظ أن مصالح الأمة تعرضت للخطر مثلاً تقف لحظة واحدة لحفظ مصالح الفرد فتحكم عندئذٍ بالتأميم أو حتى المصادرة، وهنا ينفتح باب واسع آخر لأجل تلبية الحالات الحادة والمستعجلة وغيرها ضمن الإطار الشرعي المتحفظ.

إن هذه التطورات ضمن الإطار العام للحكم الديني تمكن المسلم من معايشة التطورات الحديثة ومعالجة الحاجات والمشكلات الاجتماعية المتزايدة دون أن يشعر بأنه ينفذ حكمًا غير حكم الله ومع احتفاظ الحكم بقداسته الكاملة.

وهنا يتضح الفرق في الأساس بين الحكم الشرعي وبين الحكم الوضعي وما عليه عالمنا الإسلامي اليوم، حيث إن الأحكام والتشريعات فقدت قداستها لأنها لم تستند إلى أساس غيبي.

 

(4)

الفرق في المصادر

إن مصادر الأحكام الإسلامية تختلف كليًا عن المصادر المعتمدة لتشريع القوانين في العالم الإسلامي في هذا الوقت رغم ما يوجد في كافة الدساتير والقوانين الأساسية، إن دين الدولة الإسلام، وإن الإسلام مصدر رئيسي من مصادر التشريع. إن هذا كله لا يغير حقيقة الأمر.

فالحكم الإسلامي يبحث عنه وعن تفاصيله في القرآن والسنة المطهرة ثم في إجماع الأمة وهذه المصادر لا تُراجع من قبل الباحثين عن وضع القوانين بل البحث يتجه في المبادىء الدولية الحقوقية وفي تجارب الأمم الأخرى وفي الدستور وفي بلاغات الثورة وتضع المجالس التشريعية تفاصيلها، ثم تصدر مراسيم لأجل تنفيذها ولا يصلح أي قانون للتنفيذ ما لم يصدر المرسوم بشأنه ومع رعاية شروط معينة.

والمصادر تقتبس على ضوء المصالح والحاجات من الأحكام الإسلامية كما تقتبس من سواها. يقال أن "نابليون" في رحلته إلى مصر حمل معه الفقه الإسلامي في القضايا المدنية واعتمد عليها في قوانينه الشهيرة. إن هذا الاقتباس لم يجعل القوانين النابوليونية أحكامًا شرعية.

إن الفقيه المعاصر عليه أن يرجع إلى المصادر القانونية المعاصرة أيضًا لكي يصدر الفتوى، ولكن الرجوع هذا محاولات لاكتشاف الموضوع وإدراك أبعاده على العكس من الحكم الوضعي.

وهناك فرق آخر في هذا المجال وهو أن اختيار الحكم الشرعي من مصادره إلزامي على العكس من اقتباس الحكم الوضعي الذي يجعل القانون المقتبس بإرادة السلطات المشرعة دون إلزامها على إصداره.

يبقى المصدر الأخير من مصادر الشريعة الذي هو مصدر القوانين الوضعية في نفس الوقت وهو العقل، ولكن العقل في الشريعة أساس العقيدة والمسائل العقائدية في الغالب، ثم إنه يعتمد لاكتشاف الحكم الالهي استنادًا إلى مبدأ كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، أما الأحكام الوضعية فمن أوسع مصادرها حكم العقل وآراء العقلاء على أنها تلبية لحاجات الإنسان وبالتالي فهي أحكام موضوعة من قبل الإنسان.

 

(5)

المبادئ العامة

عند مقارنة التشريعات المعاصرة مع روح الشريعة نجد فارقًا في المبادىء العامة أيضًا رغم أن هذا الفارق هو نتيجة طبيعية للتفاوت في الأساس.

‌أ. فالفقه الإسلامي يعتمد في عباداته ومعاملاته على النية -إلى حد كبير- اعتمادًا مطلقًا، بينما التشريعات الحديثة تقلص من دور النية بشكل ملموس، والنية في الإسلام هدف وروح للعمل والنتيجة الباقية منه يحاسب الإنسان بحسابها ولا يُقبل أي عمل من دونها، ولها في المعاملات من عقود وإيقاعات دورها الأساسي نكتفي بتذكير المستمعين إلى الفرق بين الاضطرار والإكراه وصحة العقد مع الأول دون الثاني، نكتفي بهذا اختصارًا ثم نعيد إلى أفكارنا اهتمامات الإسلام بالمسائل النفسية والدوافع ومسائل الأخلاق.

‌ب. تضع الشريعة الإسلامية حدودًا لمفهوم الملكية وتلغي الملكية عن بعض الأشياء والمالية عن بعض الأشياء وعلى هذا الأساس تتأثر المعاملات تأثرًا بالغًا في هذا المجال.

فالخمر وآلات اللهو وما لا يستعمل إلا في المعاصي ولا يتمتع به في الحلال لا تعد في الإسلام مالاً فلا يجوز بيعها وشراؤها واستئجارها. كما وأن الملكية تحتاج إلى سبب ثابت فلا يكفي التسجيل للأرض في تملكها بل الحيازة أيضًا لا تملك. إنما الإحياء سبب لملكية الأرض ثم المبادلة والميراث.

‌ج. والإنسان في المعاملات يقوم بدور كبير وفي التشريعات الحديثة تقوم المؤسسة مقام الإنسان تدريجيًا. أما الإسلام فعلى الرغم من إقراره بل اكتشافه لأول مرة الشخص المعنوي فإنه يعلق على الشخص الحقيقي في المعاملات والإيقاعات والشهادة والقضاء أهمية كبرى تجعل منه الركن الأساسي.

‌د. والعمل الذي هو أساس لبناء العلاقات الاجتماعية مفهومه لدى الشرع غير مفهومه في القوانين الوضعية وهذا التفاوت في المفهوم يدخل فرقًا أساسيًا في القوانين والأنظمة.

إن العمل في المفهوم الديني رسالة ووظيفة، لذلك فهو حي مطلق يربط أعضاء المجتمع بعضها ببعض ويربط الأجيال المتلاحقة ربطًا عضويًا.

إن العمل ليس بضاعة تُباع وتُشترى كالأمتعة والأشياء الخارجية بل هو واجب، يقدم المجتمع الإسلامي لعامله الواجب لحفظه وحفظ عائلته وشؤونه حسب ظروف المجتمع والمرحلة الاقتصادية التي يمر فيها، وهذا البحث من كنوز الفكر الإسلامي وهو مفتاح توزيع الثروة العادلة في نظام الإسلام الاقتصادي توزيعًا عادلاً موجهًا مطورًا يشد الأفراد والأجيال في رباط مقدس.

والعمل في مفهومه القانوني كمية من الطاقة المجسدة تُقدم مقابل أجر معين، والتقابل يقتضي المساواة في القدرة والجودة أو الرداءة، والعمل في هذا المفهوم بضاعة بحتة تبحث الأنظمة الشيوعية والرأسمالية عن تقييمها، ووضعوا على نتائج التقييم جميع قوانينهم الاقتصادية وغيرها.

‌ه. والكمال في المفهوم الديني كمية مقترنة مع الحق، وليس المهم أن نكتسب القدر الأكثر من المكاسب بل المهم عدم مفارقة الحق، مع العلم أن المبدأ في المفهوم القانوني الوضعي هو تأمين الوصول إلى الدرجة الأعلى من المطالب حتى على حساب الآخرين، وما نسميه اليوم بالتربية في الإنسان والتنمية في الأشياء هو ما عبرنا عنه بالكمال في المصطلح الديني والواجب على المسلم من المهد إلى اللحد.

وهذا مصدر الطغيان والظلم والثروات والصراع الاجتماعي المرير والقانون الوضعي المنبثق من الواقع البشري يكرس هذا.

أما الدين فساحة كمال الإنسان فيه فسيحة لا يصطدم تحقيق طموح الفرد مهما بَعُد بطموح الآخرين ولا لمصالح الجماعة بمصالح جماعات أخرى، فرضى الله لا حد له ولا يشغله شأن عن شأن.

‌و. والربا فرع من هذا المبدأ، ناهيك عن تحكم قانون العرض والطلب بصورة مطلقة في التشريعات القانونية. حتى في الأنظمة الشيوعية ولكنه يتحول إلى ميادين أوسع.

‌ز. وهناك مبدأ الجزاف واعتماد الحظ وجهالة العوضين أو الغُرر، فهو بفروعه مرفوض في المعاملات الإسلامية دون التشريعات القانونية التي تكرس في العالم الإسلامي أنواعًا كثيرة من هذه المعاملات، كما نجد أنواعًا من اليانصيب، هذه المقامرة التي تسلب الإنسان المسلم جميع أنواع العطاء حتى في الصدقات الصغيرة فتحولها إلى تجارة.

أما التفاصيل في الفروع فوجود أحكام وقوانين غير متوافقة مع الشريعة بل متناقضة معها أكثر من أن تحصى وهذا أثر طبيعي للفرق في الأساس والمصادر والمبادىء العامة.

 

(6)

الربا

هنا أحب أن أقف أمام مثال واضح يلقي الأضواء الكاشفة على الواقع الإسلامي وهو مثال الربا.

إن أكثر الدول الإسلامية بعدما وجدت الحاجة الملحة إلى القرض لأجل الإنماء، وبعدما وجدت أن حرمان صاحب المال من الربح غير ممكن، أقرت الربا بصورة صريحة أو في إطار من استحياء. فمن محاولة لإصدار فتاوى بالسماح للربا في الإنتاج لا في الاستهلاك إلى حلية الربا مع فائدة قليلة أو إبراز معاملات ربوية في صورة غير صريحة مثل أوراق الاستثمار في بعض الدول الإسلامية.

هذه المساعي تكشف بوضوح سير القوانين في العالم الإسلامي، مع العلم أن المحاولة لاكتشاف بديل عن الربا كالمضاربة من المصادر الإسلامية لم تجرِ والدراسات التي وضعت لها أو اقتراح بنك لا ربوي ما جُرِّبَتْ من قبل المعنيين في العالم الإسلامي أبدًا رغم الأموال الطائلة التي تصرف في مختلف الشؤون الدينية وفي مجالات الدعوة والثقافة وغيرها.

(7)

التشريع المعاصر

وفي نهاية المطاف لا بد من طرح السؤال المطلوب طرحه في هذه الدراسة وهو أننا رغم الواقع ورغم الظروف المحلية والعالمية المعاشة كيف يمكننا أن نختصر الطريق ونقرب البعيد ونسلك خطًا يوصل التشريع المعاصر في يوم ما إلى روح الشريعة الإسلامية؟

وفي الجواب، علينا أن نعترف بصعوبة المسلك وضرورة توفير النية الحازمة ومن ثم يصار إلى تكليف هيئة من علماء الدين تضع الهيكل التشريعي العام ثم تلتقي مع الخبراء في القانون ومع المعنيين بالشؤون العامة لكي تبحث معهم ويدرسون جميعًا تطبيق المبادىء العامة ووضع التفاصيل على ضوء الواقع والظروف المحيطة به واستنباط الأحكام الأولية للأمور وإصدار الأحكام المرحلية لدى الحاجة.

وإن هناك أمورًا لا يمكن قبولها من الناحية الشرعية، ولكن يمكن تبني الشريعة لها على ضوء الظروف الحرجة للأمة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك مبدأ التأميم ثم السعي إلى تطبيق هذه النتائج في إطارات محدودة لاكتشاف النواقص واختيار الأفكار على الأرض في هذا القرن ومراقبة هذه التجارب ومن ثم تحويلها إلى قوانين وتقديمها للمجتمعات الإسلامية مع الاحتفاظ بالأساس وبالمصادر والمبادىء دون التفريط بأحدها مهما صغر في تقييم الناس له.

وبعد، فإن الطريق رغم وعورتها سالكة، والمشكلة رغم صعوبتها لا تستعصي على الحل.

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت، 69].

 

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 


* محاضرة ألقاها في الملتقى السابع للفكر الإسلامي في تيزي- أوزو- الجزائر.

** رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى- لبنان.

 

 

إن مصادر التشريع أو استنباط الأحكام الشرعية من حلال أو حرام بلغت فيما يمكن جمعه من أصول أئمة المذاهب الفقهية نيفا وأربعين دليلًا أو مصدرًا، وما عدا تلك المصادر لا يقر الإسلام أي مصدر لا يستند إلى الشريعة أو إلى الوحي الإلهي بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فهي في تقدير الشرع مصادر موهومة غير موثوقة لكثرة الخطأ فيها، أو لعدم صلاحيتها للديمومة والبقاء، أو لعدم شمولها وعمومها، أو لتأثر التشريع بناء عليها بأهواء الواضعين ومصالحهم الخاصة، أو بسبب الإخلال أو العبث أو الغض من جانب المصلحة العامة التي ينبغي أن يقوم عليها كل تشريع، ويمكن الجزم برفض هذه المصادر إجمالًا بما نص عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة ذات مدلول واحد، منها:

  • {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (سورة يونس: ١٥).
  • {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} (سورة النجم: ١ - ٤).
  • { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} (سورة المؤمنون: ٦٨ - ۷۱).

 

سلطة التشريع العليا في نظام الإسلام:

لا خلاف بين المسلمين في أن مصدر جميع الأحكام التشريعية من أوامر ونواه هو الله تعالى، لا يشاركه فيه أحد من الناس، فيما وضع من مبادئ وأصول وتشريعات مفصلة محددة، وطريق التعرف عليها ما أنزل الله في قرآنه أو أوحى به إلى نبيه محمد ﷺ. وفي ذلك ضمان وثيق لحرية الإنسان والحفاظ على كرامته ومصالحه وعدم استبداد أحد من الناس بمقدراته وأحواله. أما إعطاء سلطة التشريع والأمر لأحد من الناس، فهو إشراك في ربوبية الله، ومنازعة في سلطانه المطلق وهيمنته الشاملة، وطريق يؤدي إلى الاستبداد والطغيان والظلم والتعسف، وإهدار حرية الإنسان، والإضرار بمصالحه الخاصة التي لا تصطدم مع المصالح العامة، والعبث بأحوال الناس، والأخذ بهم إلى طريق الهاوية والضلال والضياع والفساد، كما حصل فعلًا في عصر الجاهلية حينما كان يسيطر على الناس في ترتيب أوضاعهم وتنظيم أمورهم وإحداث عقائدهم: الوثنية وعبادة الأصنام، لذا قال النبي: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه -أي أمعاءه- في النار» لأنه أول من بحر البحيرة، وسيب السائبة، وسن للعرب عبادة الأصنام، وغير دين إسماعيل عليه السلام.

وقد أورد القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على استقلال الله تعالى بسلطة التشريع وإنشاء الأحكام الشرعية، مثل قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} (الأنعام: ٥٧ ) {إن الأمر كله لله} (آل عمران: ١٥٤) {فالحكم لله العلي الكبير} (غافر: ۱۲) {وهو خير الحاكمين} (يونس: ۱۰۹) {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (المائدة: ٤٨) كل هذه النصوص ونحوها تدل على أن السيادة أو الحاكمية الله، بمعنى إنشاء أو وضع الأحكام، وليس للبشر سلطة التشريع بالمعنى الحقيقي، وإنما يقتصر دور المجتهدين أو المشرعين بالمعنى المجازي على التنظيم والترتيب والتفصيل في إطار التشريع الإلهي، ويكون لهم الحق في الكشف عن أحكام الله وإبانتها للناس، وتعريفهم بضوابطها وقيودها وتوضيح غاياتها، وإفتائهم بما يستجد من القضايا والمسائل في ضوء الروح العامة للشريعة، بالاهتداء بمقاصد الشريعة ومنهجها في رعاية المصالح العامة، ودرء المفاسد والمضار وأنواع الأذى عن الناس، والحرص على تحقيق أصول خمسة وإيجادها وبقائها، والمحافظة عليها من الاعتداء والأضرار، وتلك الأصول: هي الدين، والنفس، والعقل، والنسب أو العرض، والمال.

 

استخلاف الأمة في تنفيذ الشريعة:

ينحصر دور الناس في تنفيذ أحكام الشريعة والإذعان لها واحترامها وتطبيقها، فالبشر وكلاء عن الله في تبليغ أحكامه وتعليمها وتقريرها، ورعاية تطبيقها، وفهم مدلولاتها، والسير في فلكها، والتزام منهجها، والتجديد محصور بمراعاة الأعراف والمصالح الطارئة عن طريق سلطة الاجتهاد فيما تدل عليه النصوص، أو تهدف إليه من تحقيق غايات، أو تحد من حدود يلزم السير في نطاقها، وتنظم الحياة في محورها. والأحكام تفهم بمعنى أوسع من حرفية النص، وفهمها بعللها ومعانيها، كما فهمها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم.

والأدلة كثيرة على أن الناس وكلاء أو خلفاء عن الله تعالى في الأرض، منها قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: ٣٠) وإذ ورد النص القرآني دالًا على استخلاف بعض الرسل والأنبياء كأحسن مثال، فإن البشر أيضًا من بعدهم هم خلفاء الأرض، قال تعالى: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} (الأعراف: ٦٩) {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (يونس: ١٤) { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} (الأنعام: ١٦٥). وما على الخليفة أو الوكيل إلا أن ينفذ أوامر المستخلف له: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: ٥٨) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: ٥٩).

 

وقد حددت هذه الآية الأخيرة مصادر التشريع في الإسلام، التي تستقي في النهاية من مصدر واحد: وهو الوحي الإلهي، وهذه المصادر هي:

أولًا: القرآن الكريم، وتطبيق ما جاء فيه محقق لطاعة الله تعالى.

ثانيًا: السنة النبوية الصحيحة المبينة لما جاء من عند الله تعالى، والعمل بها محقق طاعة الرسول.

ثالثًا: الاجتهاد الجماعي أو إجماع ذوي الفكر المختصين في النظر في شؤون الناس ومصالحهم العامة، وإدراك قضاياهم الدينية أو الدنيوية، من الحكام والأمراء والعلماء ورؤساء الجند، وخبراء السياسة والاقتصاد، والإجماع لا بد له من مستند شرعي نصي أو مصلحي يمثل إرادة الأمة العامة.

رابعًا: الاجتهاد الفردي من قبل العلماء المجتهدين: وهم المؤمنون بالله ورسوله، العارفون بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالتها على مدلولاتها وتشمل طرق استنباط القواعد والأحكام والأنظمة لديهم عدة أصول، كالقياس والاستحسان والاستصلاح، والعرف والعادة، وسد الذرائع، وقول الصحابي، والاستصحاب.

فإن برز اختلاف بين الناس أو بين المجتهدين المتخصصين، عرض الأمر على القواعد العامة والمبادئ التشريعية وروح التشريع المعلومة من القرآن والسنة، على ألا يتعارض الرأي المقول به مع النصوص المحكمة أو الأدلة القطعية، وهذا تطبيق لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: ٥٩).

ويتحدد الذين يفصلون في النزاع في صورة هيئة تحكيم أو محكمة دستورية عليا، يختارهم أولو الأمر، بالنيابة عن الأمة من العلماء المختصين في موضوع النزاع، ممن اشتهروا بالعلم والمعرفة ورجاحة العقل والعدالة والتقوى والمروءة، كما حصل في تحكيم بعض أهل الشورى الذين اختارهم بعض الخلفاء الراشدين وهو عمر بن الخطاب للترشح لمنصب الخلافة، وإتمام البيعة للمرشح من سائر الناس.

ويؤخذ في التصويت برأي الأكثرية أو الأغلبية، عملًا برأي جماعة من الفقهاء القائلين بأن اتفاق أكثر المجتهدين حجة، وان لم يكن إجماعًا؛ لقول النبي ﷺ: «يد الله مع الجماعة»، «عليكم بالجماعة»، «عليكم بالسواد الأعظم». هذا ما لم يتبين للإمام الأعظم رجحان رأي الأقلية بدليل أوضح أو لمصلحة أنسب، وإلا اتبع رأي أهل الشورى وهو معنى «العزم» في آية {وشاورهم في الأمر} (آل عمران: ١٥٩) أي مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم، كما قال النبي ﷺ، وقال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما».

 

صاحب الحق في التشريع:

اتضح لنا فيما بيناه ألا حق لأحد سوى الله في التشريع بالمعنى الحقيقي، سواء أكان حاكمًا، أو طائفة معينة، أو الأمة نفسها؛ لأن إعطاء أحدهم صلاحية التشريع يجعله متأثرًا بالمصالح والأهواء الخاصة وترك مصلحة الأمة العليا، بدليل ما أكده القرآن الكريم على ترك الاختصاص التشريعي الأصلي الله ولرسوله، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (الأحزاب: ٣٦)، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: ٦٥)، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: ٦٣).

والتزم الصحابة المهديون هذا الهدي بعد وفاة الرسول الأعظم، فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا ورد عليه الخصوم، أو عرض له قضاء عام أو خاص، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من سنة رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به.

وكذلك كان يفعل عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة، وأقرهم على هذه الخطة المسلمون. وقد وضع النبي لأمته هذه الخطة، حينما بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه قاضيًا بالإسلام الى اليمن، فقال له الرسول: (كيف تقضي يا معاذ إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأيي ولا آلو -أي لا أقصر في الاجتهاد- فضرب رسول الله على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله). وروى الإمام مالك عن علي، قال: قلت: «يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن، ولم تمض فيه منك سنة؟ فقال: اجمعوا العالمين -أو العابدين- فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد».

لكن الأمة بما لديها من خبرة واحتكاك بالمجتهدين فيها، هي التي تختار أولي «الحل والعقد» حسبما تقتضي تطورات الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فتكون إرادتها ممثلة بواسطة هؤلاء العلماء المتخصصين الذين اختارتهم، وقيدتهم بمبادئ الإسلام وأحكامه، وبالمصالح العامة فيما لا نص ولا إجماع فيه من الأمور الدنيوية والقضايا الاجتماعية المتجددة أو المتطورة.

وهذا يعني أن السيادة الأصلية لله تعالى، فيجب الرجوع إلى تشريعه أمرًا ونهيًا، وأما السيادة العملية فهي للأمة باعتبارها التي تعين أهل الحل والعقد، وحينئذ يجتمع هؤلاء في مكان مخصص لهم، بدلًا من الاجتماع في المسجد، كما يجتمع أعضاء مجلس الشعب أو مجلس الأمة في الأنظمة الحديثة لمناقشة شؤون المواطنين، بشرط مراعاة أحكام التشريع الإسلامي وأسسه فيما يصدرون من قوانين.

وإذا أصبح المجتهد الذي هو أحد هيئة أهل الحل والعقد خليفة أو وزيرًا أو قاضيًا، فله الأخذ باجتهاده فيما لم يصادم إجماع المجتهدين، ويكون رأيه حينئذ ملزمًا بصفته صاحب سلطة.

ويمكن لكل إنسان بلوغ درجة الاجتهاد باستجماع شرائطه المقررة أصوليًا، وأهمها معرفة اللغة العربية - لغة القرآن والسنة، وكيفية استنباط الحكم من مصادره التشريعية وفهم مقاصد الشريعة، ويتوصل إلى ذلك بالبحث والنظر والتحصيل والممارسة الفعلية للاجتهاد، حتى تعرفه الأمة وترشحه لتمثيلها.

 

ومجال الاجتهاد محصور فيما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، أو الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أي البداهة كوجوب الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم جرائم الزنا والسرقة والتلصص (المحاربة أو قطع الطرق)، وشرب المسكرات، والقتل، وتوقيع العقوبات المقررة لها من جلد وقطع وقصاص ونحوها وتحريم الزواج بالمحارم.

وأما ما يصح فيه الاجتهاد فهو الأحكام التي ورد فيها نص ظني الثبوت والدلالة أو ظني أحدهما، والأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع، وبه يتبين أن التشريعات الصادرة بمقتضى الأنظمة الحديثة التي لا تخالف الإسلام من قبل اللجان المشرعة، لا تخالف قواعد الاجتهاد في الفقه الإسلامي، مثل إصدار قوانين تنظيم أجور العمال، والنقابات، وعقود التنقيب عن النفط والمعادن، وقوانين التأمينات الاجتماعية، وتنظيم استثمارات الأراضي الموات الزراعية والصيد، والثروة الشجرية الخراجية، وتنظيم عقود التعهدات والمقاولات العامة، ونظام المزاد العلني للمناقصات ونحوها.

والخلاصة: أن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مقصور على استمداد الأحكام الشرعية من مصدرها الإلهي، فهو دستور الأمة، والحاكم المجتهد هو الذي يجعل اجتهاد الفرد ملزما باعتماده لا الأغلبية، على عكس حال السلطة التشريعية في الدول الحاضرة، فإن لها إصدار ما تشاء من التشريعات من دون أي قيد، وتأخذ في ذلك بمبدأ الأغلبية.

 

المصادر غير الشرعية:

بناء على ما تقدم لا يقر الإسلام الأخذ بأي مصدر لا يستند الى الشريعة، أو الى الوحي بصفة مباشرة أو غير مباشرة. وأهم المصادر غير المعترف بها شرعًا هي ما يأتي:

  • التشريع أو العقل:

يطلق التشريع عند فقهاء القانون الوضعي على معنيين: أحدهما عام والآخر خاص. أما التشريع بالمعنى العام: فهو وضع القواعد القانونية اللازمة لحكم العلاقات الاجتماعية بين الناس، بصرف النظر عن كون تلك القواعد قد نتجت عن مصدر من مصادر القاعدة القانونية، أو عن تفسير للقواعد القائمة.

أما التشريع بالمعنى الخاص: فهو تعبير عن إرادة السلطة العامة، قصد به وضع القواعد القانونية، وإلزام الناس باحترامها، وهذا المعنى الخاص بكل دولة أكثر شيوعًا من المعنى العام؛ إذ هو المقصود من لفظ التشريع عند إطلاقه، والسلطة العامة التي تمارس التشريع قد تكون أفرادًا كما في الملكيات المطلقة، وقد تكون مجلسًا أو مجالس نيابية تنوب عن الشعب في وضع التشريع، كما في أغلب نظم الحكومات، وقد تكون أوسع من ذلك، بل قد تكون الشعب نفسه عند وضع القانون الأساسي للدولة، وهو الدستور.

وأيا ما كان الأمر، فان هذه السلطة تعتمد في وضع القانون على نتاج العقل البشري وتفكيره، كما هو واضح من التعريف، إذ ينص على أن التشريع تعبير عن إرادة السلطة العامة التي هي فرد أو أفراد من الناس، وإذًا فإن التشريع قائم على نتاج العقل، بل هو مرادف له.

والعقل المجرد عن الاعتماد على الشرع الإلهي لا يعتبر مصدرًا من مصادر الفقه الإسلامي عند فقهاء الشريعة الإسلامية ؛ لأنه لا يحقق العدالة والمثالية المطلوبتين في القانون، إذ إن العقول البشرية تتفاوت في إدراكها للأمور، وتختلف مقاييس الخير والشر في نظرها، ويقصر إدراكها لحقائق الأشياء الغامضة، ولا تستطيع كشف ما يجيء به المستقبل من أحداث، كما أنها ليست معصومة من الاندفاع وراء الشهوات والثروات.

ثم إن نتاج العقول لا يقوم على أساس الدين والأخلاق، فأضحت القوانين التي هي من صنع البشر قاصرة دائمًا عن تحقيق العدالة والمصلحة والاستقرار، وآية ذلك كثرة تغييرها وتبديلها أو تعديلها وإصلاح الناقص فيها، بعد زمن قصير من سنِّها أو إنشائها.

وعدم اعتبار العقل (المحض، بدون الهداية الإلهية) مصدرًا من مصادر الأحكام في الفقه الإسلامي أمر أجمع عليه فقهاء الشريعة الإسلامية، فتراهم يقررون -كما بينّا- أنه لا حاكم إلا الله رب العالمين. ولم يشذ منهم أحد، حتى فقهاء المعتزلة الذين يقولون: إن العقل يدرك في بعض الأفعال حسنًا يجعلها مأمورًا بها، ويترتب على فعلها الثواب، كالصدق والمروءة والعفو والعدل، ويدرك في بعض الأفعال قبحًا يجعلها منهيًا عنها، ويترتب على فعلها العقاب، كالكذب والقتل والظلم وغيرها.

ذلك أن المعتزلة يقولون: إن العقل لا ينشئ هذه الأحكام، ولا يضعها، وإنما المنشئ لها هو الله رب العالمين. وعمل العقل مقصور على معرفة حكم الله تعالى في هذه الأشياء بواسطة إدراك صفات الحسن والقبح الذاتية. فإذا أدرك ما فيها من حسن، أدرك حكم الله فيها، فيتعين عليه فعلها. وإذا أدرك ما فيها من قبح أدرك حكم الله فيها، فيتعين عليه تركها. ولا يتعدى عمل العقل معرفة الحكم وإدراكه. أما واضع الحكم ذاته ومنشئه فهو الله رب العالمين.

ومع هذا، فإن أهل السنة قد أبطلوا رأي المعتزلة هذا؛ لأن التجربة الجاهلية بين العرب التي سبقت الإسلام والتي اعتمدوا فيها على وحي عقولهم تعطي الدليل القاطع على خطأ الاعتماد على العقل وحده. وأما الشيعة الذين اعتمدوا العقل مصدرًا رابعًا للاجتهاد، فإنهم حصروه عندهم بامتثال التكليف الشرعي.

ولم يكن للاعتماد على العقل بصفة كونه مصدرًا للأحكام من حلال وحرام أي وجود في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام ولا في العصور التالية. أما في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن ما جاء في الكتاب الكريم من تشريعات وأحكام تفصيلية أو مجملية، كان وحيًا صرفًا من الله تعالى، بدليل قوله تعالى: «وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين» (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥) وكذلك ما جاء في السُنَّة من أحكام، فإنه وحي أيضًا، كما ترشد إليه الآية القرآنية: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} (الحاقة: ٤٤ - ٤٧)، والذي كان للفكر والعقل في إبان تنزل الوحي هو مجرد تطلع وتأمل وترقب وانتظار لنزول الوحي من الرسول نفسه أو من بعض الصحابة مثل نزول آيات كفارة الظهار لمعالجة أمل خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها، أي حرمها بتشبيهها بإحدى محارمه كأمه وأخته: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (المجادلة الآيات: ١ - ٤) ومثل نزول آيات اللعان (الأيمان الخمسة بين الزوجين عند اتهام الزوج امرأته بالزنا، أو لنفي نسب ولد): {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} (سورة النور: ٦ - ١٠) نزلت حينما قذف هلال بن أمية امرأته عند النبي بشريك بن سحماء. ومثل نزول آية تحريم الخمر تحريمًا قاطعًا وهي: {إنما الخمر والميسر..} (المائدة: ۹۰ - ۹۱) في المرحلة الرابعة من مراحل التدرج في تحريم الخمر، نزلت لقول عمر الذي نزل القرآن من سورة مؤيدًا لرأيه في بضع وثلاثين مسألة: «اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا».

وللحد من دور العقل وتساؤل الناس أسئلة ضارة بمصلحة الجماعة في عصر الوحي والرسالة، نهى القرآن الكريم عن السؤال عن أشياء، هل هي حرام أم مباحة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} (المائدة: ۱۰۱ - ۱۰۲) أي أن الأصل في الأشياء غير المنصوص عليها هو الإباحة، حماية للمصلحة العامة، ومنعًا من الأثقال والتشديد على الناس، وأخذًا بيسر الإسلام وسماحته، ويكون دور العقل البشري فيما سكت عنه الشرع أو عفا الله عنه، فهو مجال تحريك العقل وإعمال الفكر، خصوصا في أمور الدنيا وتنظيم أوضاعها، لقوله فيما رواه مسلم عن عائشة - «أنتم أعلم بأمر دنياكم» والقاعدة العامة في المعفو عنه هو الإباحة حتى يكون المنع أو الحظر.

وأما بعد عصر الرسول ﷺ، فان عمل المجتهدين لا يعدو أن يكون كشفًا للأحكام وإظهارًا لها، بتفهم النصوص وتطبيقها، والقياس عليها، والاجتهاد في استخراج الأحكام الشرعية منها، وليس فيه وضع وإحداث، أو ابتكار واختراع للأحكام من عند أنفسهم، أو إنشاء لها بواسطة عقولهم وأفكارهم؛ لأنهم يستندون إلى الكتاب والسنة في كشف هذه الأحكام وبيانها، ولا يعتمدون على غيرهما بتاتًا، سواء أكان الاجتهاد جماعيًا أم فرديًا.

غاية الأمر أن الحكم إذا أجمع عليه المجتهدون كان ملزمًا للأمة، ولا يسوغ الاجتهاد فيه بعدئذ. وإن كان الحكم قد ثبت باجتهاد فردي، فليس ملزمًا لسائر المجتهدين وإنما هو ملزم للمجتهد الذي رآه، ولكل من استفتاه من المقلدين. لكن لم يهمل الله عقول هذه الأمة، فترك لها حرية الاجتهاد، والبحث عن الحكم الأصلح فيما لا نص عليه، عن طريق القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ومراعاة الأعراف والعادات، في ضوء هدي الشريعة، وانطلاقًا من مبادئها، وتحركًا في أفق ومدار غاياتها الكبرى، وإطار مقاصدها التشريعية العامة لتنظيم حياة الفرد والجماعة، أي أن الدين لا يكون إلا من عند الله إما بنص قرآني أو حديث نبوي، وأما الاجتهاد فيما لا نص فيه فهو وضع بشري يسير في فلك الهداية الإلهية. وبه يظهر أن سلطة التشريع الأولى في الإسلام هي لله رب العالمين وللرسول عليه السلام، باعتبار أنه رسول ومبلغ وحي الله إلى سائر الناس وليست هناك سلطة تشريعية في الإسلام لأحد من الناس فردًا كان أو جماعة، لما بينَّاه سابقًا، ويكون إطلاق اسم التشريع على عمل المجتهدين، وإطلاق اسم المشرع على المجتهد أو ولي الأمر إطلاقا مجازيًا، لا حقيقيًا. ويمكن أن يقوم مقام سلطة التشريع في الإسلام مجلس تخطيط أعلى يعتمد على الشورى.

 

٢ - التفويض أو العصمة:

التفويض: إحالة الحكم إلى النبي أو العالم في المسائل والوقائع بما يشاء من غير دليل يستند إليه، ويكون حكمه صوابًا موافقًا حكم الله تعالى، لإلهامه الله له ولم يقل بهذا المصدر إلا طائفة من الشيعة الإمامية، ولذلك يدعون العصمة لأئمتهم؛ لأنهم مفوضون بالحكم من قبل الله تعالى، وهو قد ألهمهم إياه، فيكون قولهم صوابًا موافقًا لحكم الله تعالى.

لكن أهل السنة على اختلاف مذاهبهم ينكرون هذا التفويض، ولا يعدونه حجة ومصدرًا للأحكام؛ لأن الأحكام إنما تتلقى من الله تعالى بواسطة أمين وحيه: جبريل عليه السلام. فهناك تلازم بين النبوة والعصمة، ولا عصمة لغير نبي بالدليل النقلي والعقلي. أما الإلهام: فيحتمل أن يكون من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من الشيطان، كما يدل لذلك قوله تعالى: « وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» (الأنعام: ۱۲۱) ويحتمل أن يكون من وسوسة النفس وتحديثها، كما يرشد إليه قول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (سورة ق: ١٦) ومع هذه الاحتمالات لا يكون الإلهام حجة.

ومن هذا القبيل ما يراه بعض الصوفية من أن الإلهام أو المكاشفة حجة يجب العمل به للمعنى الذي قدمناه، وهذا باطل كسابقه؛ إذ لا حجة في الإلهام أو المكاشفة؛ لأن صاحب الرسالة النبي محمد (نفسه لا يقول إلا عن وحي: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} (النجم: ٣ - ٤) فالأمة أولى بألا تقول إلا عن دليل وبرهان شرعي، وأما الحكم جزافًا أو بالهوى والطبيعة، فهو عمل أهل البدعة والضلال.

 

وربما كان التنديد في القرآن بشعر الشعراء المغالين، وكراهية إنشاد الشعر على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون. والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات الفاسد إنما هو بسبب الاعتماد على مجرد الإلهام الشيطاني الخالي عن القيود والضوابط الشرعية أو العقلية السليمة، فقال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227)} (الشعراء: ۲۲۱ - ۲۲۷).

 

3- الإحالة:

الإحالة وتعرف عند القانونيين بالإسناد ليست من مصادر الفقه الإسلامي بالنسبة إلى المسلمين، بأن يحالوا إلى شريعة أو أحكام أخرى تحل محل الشريعة الإسلامي، وذلك لكمال الشريعة وتمامها بوفاة الرسول.

أما بالنسبة إلى غير المسلمين من أهل الذمة (أي العهد والضمان والأمان) الذين يقيمون بصفة دائمة في دار الإسلام، ويعدون من مواطني دار الإسلام، فإن أحكام الإسلام تقضي بعدم التعرض لهم في عباداتهم وإقامة شعائر دينهم؛ لأنا نحن المسلمين أمرنا بتركهم وما يدينون، وعلى هذا إجماع المسلمين، أما ما وراء ذلك من نظام المعاملات والعقوبات فجمهور الفقهاء على أنهم خاضعون لأحكام الشريعة الإسلامية، فيتعرض لهم بإلزامهم بها إذا خالفوها، ويقضى بينهم بأحكامها، أخذًا بمبدأ وحدة القانون والقضاء في داخل الدولة الواحدة.

لكن ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يتعرض لهم فيما يقرره أهل دينهم من أحكام المعاملات المدنية والعقود التجارية، ويقضى بينهم بأحكام دينهم فيها، إلا إذا تعلق بهذه المعاملة حق أحد من المسلمين، فإنه تطبق أحكام الشريعة الإسلامية في هذه الحالة، منعًا للضرر عنهم، كما اذا تزوج غير مسلم ذمية مطلقة من مسلم، وهي في عدتها منه، فإنه تطبق أحكام الشريعة الإسلامية في هذه الحالة بالتفريق بينهما، صيانة لحق المسلم، ومنعًا لتضرره من تزوج غيره بمطلقته وهي في العدة (مدة مكث المرأة بعد الطلاق لفترة ثلاثة أشهر أو حدوث العادة الشهرية ثلاث مرات).

وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى عدم التعرض لهم، ولكن يقضى بينهم بأحكام الشريعة الإسلامية المجمع عليها كحرمة التزوج بالأم والأخت والبنت، والجمع بين أكثر من أربع نسوة. أما الأحكام التي لم يجمع عليها في الشريعة الإسلامية، فيقضى بينهم بأحكام دينهم فيها.

يظهر من هذا أن أبا حنيفة هو الذي يقول بالإحالة إلى شريعة غير المسلمين في دار الإسلام، فيما لا يتعدى ضرره إلى أحد من المسلمين وأن صاحبي هذا الإمام وهما أبو يوسف ومحمد يقولان بالإحالة فيما ليس مجمعًا عليه من أحكام الشريعة الإسلامية لكن هذه الإحالة ليست مصدرًا للفقه الإسلامي أو استمدادًا له من شرائع أخرى تكمل شريعته ولكنها وضع اقتضاه التسامح مع أهل الذمة من غير المسلمين، بأن تترك لهم الحرية في عباداتهم وإقامة شعائرهم، وما يدينون به من أحكام المعاملات. ولا شك بأن هذا التسامح يعد من مفاخر الشريعة الإسلامية. وقد أدى إلى نشوء ما يعرف بالامتيازات الأجنبية في عهد الدولة العثمانية. ثم أحست الدول التي كانت خاضعة لهذه الدولة بمدى خطورة وعيوب هذه الامتيازات، فبادرت بعد الاستقلال إلى إلغائها، أخذة بالمبدأ الإسلامي الأكثر اتباعًا بين المذاهب، والأصوب، والأسد سياسة ومصلحة، حينما استغل الأجانب هذه الامتيازات.

ويلاحظ أن الأخذ بمبدأ العرف وشريعة من قبلنا ليس من باب الإحالة؛ لأن العرف أو شرع من قبلنا ليس شرعًا مستقلًا لنا، وإنما بسبب إقرار الشرع الإسلامي الرجوع إليه أحيانًا، لبناء العرف في الغالب على مراعاة الحاجة والمصلحة، ودفع الحرج والمشقة، والتيسير في التكاليف الشرعية، وبشرط عدم مصادمة العرف نصًا شرعيًا، فإن صادمه كان عرفًا فاسدًا لا يصح الأخذ به. وشرع من قبلنا مردود إلى الكتاب أو السنة، فلا يؤخذ به إلا إذا حكاه القرآن أو ورد على لسان النبي، أو نقله مسلم ثقة عدل، ولم ينسخ في شريعتنا، كالتي قصها الله سبحانه علينا في قرآنه، أو وردت على لسان نبيه، من غير إنكار ولا إقرار، مثل آية القصاص: {َكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة: ٤٥) ومثل آية قسمة الماء بين النبي صالح عليه السلام من أجل الناقة وبين قومه: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} (القمر: ۲۸).

 

4- القانون الروماني:

زعم بعض المستشرقين أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالقانون الروماني، بل غلا بعضهم، فزعم أن القانون الروماني مصدر من مصادر الفقه الإسلامي، وقد استند هؤلاء في إثبات دعواهم أو نظريتهم الى شبهتين:

الأولى: أن القانون الروماني سابق على الفقه الإسلامي في الوجود، وأن الشريعة الإسلامية قد خلفت القانون الروماني في كثير من البلاد مثل سورية ولبنان وفلسطين ومصر.. الخ.

الثانية: تشابه القانون الروماني والفقه الإسلامي في بعض القواعد والاصطلاحات، أي يوجد تشابه بين بعض القواعد الشرعية، وبعض القواعد الرومانية كقاعدة «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فإنها واحدة في التشريعين، وقاعدة الاستصلاح أو المصالح المرسلة، فإنها مبدأ المنفعة العامة في القانون الروماني، مما يدل على تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني، وهذا التأثر مر بمرحلتين:

الأولى: مرحلة التكوين والنشأة في عهد الرسول، حيث كان للرسول -فيما زعموا- معرفة بالقانون الروماني البيزنطي حينما سافر الى الشام.

الثانية: مرحلة النضج في عهد الصحابة والتابعين والمجتهدين، حيث تلاقت الشريعة الإسلامية مع القانون الروماني في البلاد التي فتحها المسلمون كالشام ومصر.

وهذا كله زعم باطل؛ لأن مصادر التشريع الإسلامي مستقلة، مردها إلى الإرادة الإلهية فقط، ولأن النبي كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن نبيًا حينما جاء تاجرًا الى الشام بمال السيدة خديجة رضي الله عنها في عهد الشباب. ويلاحظ أن اتهامه بأخذ الشريعة من القانون البيزنطي شبيه بقرية أهل الجاهلية الذين كانوا يقولون: «إنما يعلمه جبر» وهو غلام للفاكه بن المغيرة، وكان نصرانيًا فأسلم، وكان المشركون إذا سمعوا من النبي الله ما مضى وما هو آت، مع أنه غير قارئ، قالوا: إنما يعلمه جبر، وهو أعجمي، فقال تعالى ردًا عليهم: «ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين» (النحل: ۱۰۳) والمعنى: عجبًا لكم أيها المشركون العرب، لسان الذي تشيرون إليه، وتقولون: أنه علمه، لسانه أعجمي، ولغته أعجمية غير عربية، وهذا القرآن الذي نزل على النبي عربي مبين.

أما التشابه بين نظامين قانونيين في بعض القواعد، فلا يدل على أن أحدهما قد أخذ من الآخر أو أنه قد تأثر به، بل يدل على أن مجتمعي هذين النظامين قد وصلًا الى درجة واحدة من المدنية والحضارة. وهذا التشابه في الأحكام القانونية أو في غيره من النظم المختلفة أمر مألوف بين الأمم، لا فرق بين المسلمين والرومان أو غيرهم من الأمم، ونجد هذا التشابه واضحًا في مجالات الفلسفة ونظرياتها ومناحي التفكير عامة، ولا نستطيع لمجرد هذا التشابه الزعم بأن هذه الأمة هي التي أخذت عن تلك، فالعقل البشري السليم يتشابه في كثير من ألوان التفكير، ويتشابه الشعراء والحكماء، ويكون ذلك من قبيل توارد الأفكار، دون إمكان إثبات الأخذ والتقليد أو المحاكاة.

وأما كون الشريعة الإسلامية قد طبقت في كثير من بلاد الرومان، وظهور نوع من الاقتباس في التنظيمات الإدارية كالدواوين والتقسيمات والمكاييل والموازين، فلا يدل على أن قواعد الشريعة الأصلية وأحكامها مأخوذة من أنظمة الرومان؛ لأن استقرار أحكام الشريعة ومعرفة ما نزل به الوحي الإلهي سبق فتح هذه البلاد التي انتزعت من الرومان، ووجود لون من التشابه محصور في نطاق الاجتهاد الذي فرضت عليه الظروف الجديدة أن يتطور وينسجم مع الحاجات ومتطلبات الناس، وكان على القاضي أو المجتهد إذا عرض عليه نزاع ما، ولم يجد له حكمًا خاصًا في نصوص الشريعة، أن يوجد حلا ملائمًا لهذا النزاع عن طريق الاجتهاد، مستلهمًا روح التشريع الإسلامي العامة، ومراعيًا مصالح الناس. وحينئذ قد يصل الى حل توصل إليه القاضي الروماني، فتتشابه القاعدتان.

ولكن طرق الوصول إلى كلتا القاعدتين مختلفة، إذ أن كل قاض يلتزم بالرجوع إلى أصول تشريعه، وبمقارنة أصول الاجتهاد بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، نجد اختلافًا واضحًا بين تلك الأصول والنظريات التي يعتمد عليها.

فالتشابه في بعض الأحكام لا يدل إطلاقًا على تأثر أحد التشريعين بالآخر، وقد رفض الفقيه الفرنسي لامبير نظرية ريفيو القائلة بأن قانون الألواح الاثني عشر الروماني قد أخذ عن مجموعة أمازيس المصرية، بالرغم من التشابه بين كثير من القواعد التي ضمها كلا القانونين. فلا يتصور أن الشريعة الإسلامية ذات المصدر الإلهي أخذت بالأولى أحكامها عن القانون البيزنطي؛ لأن التشابه في بعض الأحكام لا يعني شيئًا من ذلك.

 وأما القول بأن الشريعة الإسلامية تأثرت بالقانون الروماني وأخذت منه قواعده القانونية، فهذا يتطلب إثبات أمرين:

أولهما: أنه لم يكن للعرب قانون خاص قبل الإسلام.

ثانيهما: إمكان الأخذ والانتقال من القانون الروماني إلى الشريعة الإسلامية.

لكن التاريخ عاجز عن إثبات هذين الأمرين، فقد كان للعرب مدنية مزدهرة ونظم خاصة بهم كشفت عنها البحوث الأثرية في القرن التاسع عشر، وكان يسودهم قانون عرفي قبل الإسلام. ويؤكد ذلك أن القانون البيزنطي الذي كان مطبقًا في الشام لم يصل الى الجزيرة العربية، ولم يعرفه العرب.

ومن المعلوم أن القرآن الكريم الذي تضمن القواعد القانونية ومثله السنة النبوية كانا يصدران بمناسبة حالات ووقائع تعرض على النبي r، ولم يعرف النبي عليه السلام اللغة الرومانية ولا غيرها؛ لأنه كان أميًا، وبعد وفاته نشأ القياس والإجماع.  وأما ما أقره الإسلام من النظم القانونية أو أدخل عليه بعض التعديلات، فهو من الأنظمة التي كانت سائدة في الجزيرة العربية قبل ظهورها دون ما عداها، وقد ألغى بعض الأنظمة لتعارضها مع التعاليم والمبادئ الجديدة الإسلامية ذات المصدر الإلهي فقط، فالقواعد القانونية الإسلامية تكونت تدريجيًا بمناسبة الحالات الاجتماعية التي كانت تعرض على الرسول والتي كانت تتطلب حلا لها.

وادعاء تأثر الشريعة الإسلامية في دور تكوينها بالقانون البيزنطي يتطلب إثبات كون الرسول عليه السلام يعرف أحكام ذلك القانون، ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان أميًا، وأنه نشأ في بيئة عربية خالصة، وأنه لم يغادر الحجاز إلا في رحلتين قصيرتين للتجارة، فكيف يتعرف في تلك الظروف على القانون البيزنطي، وهو لم يكن نبيًا بعد.

إن تاريخ العرب قبل الإسلام وانطواءهم على أنفسهم، والتدرج في التشريع الإسلامي وتاريخ حياة الرسول يثبت لنا بنحو قاطع بأن الشريعة الإسلامية لم تتأثر عند نشأتها بالقانون الروماني، وكذلك لم تتأثر الشريعة بعد وفاة الرسول بأي قانون آخر؛ لأن القياس والإجماع اللذين ظهرا بعد الوفاة يتطلبان الاعتماد على أصل تشريعي في النصوص القرآنية أو النبوية، فالقياس عقد مماثلة بين أمر غير منصوص على حكمه وأمر منصوص فيه على الحكم، والإجماع يتطلب مستندًا شرعيًا من النصوص أو ما يؤول إليها. وإن واقع الفتوحات الإسلامية في الشام ومصر والعراق هو الذي أدى إلى ظهور حالات اجتماعية جديدة تتطلب حلًا، وقد تصدى لها المجتهدون المسلمون، ولم يعرف في تاريخ الاجتهاد أصلًا أن المجتهدين التمسوا الحلول من غير المسلمين، بل لم يجز لهم شرعهم أن يستقوا حكمًا من غير المصادر الشرعية المعروفة، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس ونحوها من مصادر الرأي المردود في النهاية الى هذه الأصول الأربعة.

وأما ما قاله «كارزي» بأن القواعد البيزنطية انتقلت الى الإسلام عن طريق ترجمتها الى اللغة السريانية، فهو غير صحيح بتاتا؛ لأن هذه الترجمة لم تتم إلا في أواخر القرن الثامن الميلادي، أي بعد تكوين مدرستي أبي حنيفة (٦٩٨ - ٧٦٧ م) ومدرسة الإمام مالك (٧١٥ - ٧٩٥ م) فلا يقال بأن فقهاء هاتين المدرستين قد تأثروا بترجمة تلك القواعد.

ولا يمكن القول أيضًا بأن القواعد البيزنطية انتقلت عن طريق الثقافة الإغريقية؛ لأن مدرسة أهل السنة كانت متغلبة على مدرسة المعتزلة، والمدرسة الأولى لا تعرف غير فلسفة الإسلام ومبادئه، وأما المدرسة الثانية التي تأثرت بالفلسفة الإغريقية والفارسية، فكانت محصورة في علم الكلام أو علم العقائد، وقد اقتصر تأثرها على استخدام البراهين العقلية والأدلة الفكرية للدفاع عن عقائد الإسلام وفلسفته.

وكذلك لا دليل على أن انتقال القواعد البيزنطية إلى الشريعة الإسلامية قد تم عن طريق التشريع الموسوي؛ لأن هذا التشريع الذي كان سائدًا بين يهود يثرب (المدينة) لم يكن له أي دور في تكوين القواعد العرفية التي كانت تسود الجزيرة العربية بل إن العرب أنفسهم كانوا أمة أمية، فلم يتيسر للفقيه المسلم، الذي وإن سمع ببعض القواعد البيزنطية، أن يستفيد منها؛ لأن ذلك يتطلب معرفة دقيقة بالنظريات التي قامت عليها تلك القواعد، ولم ينقل تلك القوانين والأنظمة بدلا من صياغتها صياغة إسلامية معروفة لدى الفقهاء المسلمين.

ولو فرضنا أن فقيهًا عرف القانون البيزنطي، أو أن أحد الصحابة أو التابعين أو من بعدهم تعلم اللغة الروسية أو السريانية أو الفارسية، فإنه لا يستطيع أخذ حكم شرعي من ذلك القانون؛ لأن الفقيه المسلم ملزم شرعًا بالتقيد بأصول الشريعة الإسلامية، مقيد في بحثه بالرجوع إلى مصادر معينة، وملتزم في استنباط الأحكام بقواعد تفسيرية محددة أملتها طبيعة اللغة العربية، والمسلمات العقلية، وطبيعة التشريع في القرآن والسنة مما أدى الى نشوء علم قائم بذاته وهو علم أصول الفقه أي أدلة الاجتهاد والاستنباط، ذلك العلم الذي لا نجد له الى الآن مثيلا عند الأمم الأخرى.

ويؤكد كل ما ذكر أن أصول الاستنباط ومحتويات الشريعة، قد تحددت موضوعيًا منذ النصف الأول من القرن الهجري الأول، بحيث أصبحت قواعد بعيدة عن التأثر بأي مصدر أو قانون غير إسلامي.

والخلاصة:

 لقد نشأت الشريعة الإسلامية (أدلة وأحكامًا أو أنظمة قانونية) نشأة مستقلة وبعيدة عن التأثر بالقانون البيزنطي، وعن الأخذ من أي شريعة سابقة، لاندِراس الشرائع واختلاطها، وعدم وجود مصدر موثوق عنها.

 

لتحميل ملف المقال

___________

* وهبة الزحيلي، مصادر التشريع غير المقبولة في الإسلام، التراث العربي، العدد:11-12، تاريخ الإصدار: 1يوليو 1983، https://bit.ly/3zGos4q

** وهبة بن مصطفى الزُّحَيْلي (1932 - 8 أغسطس 2015)، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة من سوريا في العصر الحديث، عضو المجامع الفقهية بصفة خبير في مكة وجدة والهند وأمريكا والسودان. ورئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في كلية الشريعة بجامعة دمشق. حصل على جائزة أفضل شخصية إسلامية في حفل استقبال السنة الهجرية الذي أقامته الحكومة الماليزية سنة 2008 في مدينة بوتراجاي.

 

 

على عكس ما هو شائع، تأرجحت الفتيا والتشريع وسلطان القضاء والأحكام في الحضارة العربية الإسلامية بين الانفصال والاستقلال عن بقية السلط [السلطات]، وبين الخضوع والتبعية لأولي الأمر والمتنفذين، خلفاء ومتآمرين(1) وسواء بالمشرق أم بالمغرب وقع الانتباه منذ عهد مبكر، ليس فقط إلى أهمية توحيد الشرائع والأحكام في تثبيت المركزية السياسية وهيكلة خطط الحكم(2)، بل وكذا إلى ضرورة تحديد اختصاصات السلط والتدقيق في المرجعيات وضبط ميكانيزمات العمل التشريعي سواء على مستوى استنباط القوانين أم بخصوص تأطير مختلف مراحل التنفيذ. وبالأندلس، يقدم عصر الخلافة الحقل الأمثل لمعاينة الاتجاه نحو استقلال القضاء والفصل بين السلط في شكل مثير للانتباه يدعو إلى مراجعة ما تكرس لحد الآن بهذا الخصوص.

ويبدو أن التأصيل التاريخي للثروة النوازلية الهائلة التي تحتضنها المكتبة المغربية الأندلسية كفيل بالكشف عن دور التطورات العميقة التي مست خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة مختلف أوجه الحياة، في الدفع بالخطط التشريعية إلى مستويات أرقى، وحث الفكر الفقهي على تحقيق أعلى درجات الاجتهاد.

ولعل في ضبط عينة من المسائل الشائكة، وتتبع شبكة الفقهاء المفتين الذين تجردوا لفك رموزها، ما يفصح عن قدراتهم الفذة على استيعاب الأثر في تاريخيته، وكذا عن تجردهم في أكثر من مناسبة لاستصدار أحكام مستجدة، وإن اقتضى الأمر مخالفة قواعد المذهب المالكي المعتمدة(3).

والجدير بالملاحظة أن المفتين والفقهاء المشاورين قد بلغوا في إطار خطتي الشورى(4) والفتيا(5) الغاية في استنباط الشرائع واستصدار الأحكام المواكبة، ليـــــس فقط للتطورات الهائلة التي اكتسحت مختلف المجالات في الاقتصاد والعمران(6)، بل وكذلك لأدق تفاصيل الحياة اليومية(7)، وبالمثل فسرعان ما غدا القضاء من "أعظم الخطط عند الخاصة والعامة"(8)، واشتهرت لدى الجميع بكونها "فظيعة المقام هائلة الموقف مخوفة المطلع"(9). تجلى ذلك بوضوح من خلال تصاعد نفوذ قــــاضي الجماعة الذي سرعان ما أصبح "أعظم الولاة خطرًا بعد الإمام"(10)، إلى درجة أن "السلطان لو توجب عليه حكم حضر بين يدي القاضي"(11)، وليس أدل على صحة هذا المنحى من شيوع القول بأن خلفاء بني أمية كانوا "يكبرون من يولونه القضاء ويختارون للخطة أهليها ويوفونهم حقوقهم فيها، فكانت للقضاء فيها المنزلة العالية والرتبة السامية، مع كون الخلفـاء منقادين لأحكامهم، واقفين لدى نقضهم وإبرامهم"(12)، وبقدر ما يفصح أبو الوليد الباجي عن هذه الحقيقة، بقدر ما يكشف عن جذور التراجع والانكسار الذي أصاب السلطة القضائية ابتداء مــن عصـر الطوائف، إذ قال في عبارة دالة بأن "على الملك أن يشرف منزلة القاضي ويقـــــوي سلطانه وينفذ حكمه في نفسه وولده وأهله وفي جميع أهل مملكته كما فعلت الخلفاء والأئمة والسلف الصالح لأن سلطانه من سلطانهم"(13).

ولتمكين السلطة القضائية من تأطير جميع الميادين والحضور بفعالية في مختلف أوجه الحياة، أقدم الخليفة عبد الرحمن الناصر على فصل ولاية السوق(14) عن أحكام الشرطة(15). كما استقلت المظالم في يد محمد بن طلمس "فكان أول من ارتزق بهذه الخطة"(16)، وحددت لصاحب المدينة مجالات نفوذه(17)، وتهيكلت خطة الرد(18) المتحكمة "فيما استرابه الحكام وردوه عن أنفسهم"(19). هكذا أصبح "الحكــام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط.. وتلخيصها القضاء والشرطة والمظالم والرد والمدينة والسوق"(20)، ومن الملاحظ أن مجموع هذه الخطط ما فتئت تتعرض بعدئذ لمزيد من الهيكلة والتفريع، في ظل المجهود التنظيمي الجبار الذي أفلحت الخلافة الأموية في جعله يشارف مستويات غير معهودة(21)، ليس فقط في الماضي العربي الإسلامي، بل وكذلك - على ما يبدو - في التجارب الحضارية للأمم السالفة. فبصرف النظر عن انتظام القضاء في خطط متعددة بالحاضرة قرطبة وفي الكور(22) والأقاليم، والتمايز بين المستويات إذ كان "أجلها قضاء الجماعة"(23)، فمن المعلوم أن الخلافة الأموية سرعان ما أقدمت على تقسيم خطة الشرطة إلى عليا ووسطى وصغرى(24)، وبالمثل فمن خطة المظالم تفرعت أخرى مختصة "للنظر في مطالب الناس وحوائجهم وتنجيز التوقيعات لهم"(25). ناهيك عما يند عن الحصر من المهام الجزئية الملحقة بخدمة كل خطة على حدة حتى تتمكن من القيام بدورها على أكمل وجه.

وتفاديًا لما قد يحدث من تداخل في الاختصاصات، لم يذخر الفقهاء المفتون وسعًا في ضبط الحدود الفاصلة بين الخطط عند أدق مكامن التماس فيما بينها. ولا تعوز القرائن الدالة على ذلك، نذكر منها على سبيل المثال استفتاء ابن سهل أحد فقهاء عصره "عن صاحب السوق وهل يجوز له أن يحكم في عيوب الدور وشبهها وأن يخاطب حكام البلد، فقال ليس له ذلك"(26). ومن المعلوم أن هذه المهام من اختصاص المحاكم التي تستند على خبرة "عرفاء البنيان"(27) و"القسام الذين يعرفون قيمة الدور"(28) والعدول(29) من "الشهود العارفين بأمور البنيان وعيوب الديار وعقود الجدارات"(30)، الملحقين بخدمة القضاء. مع ذلك فثمة مجالات في هذا القطاع يمكن لصاحب السوق أن يتدخل فيها، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر "الحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة"(31). وفي نفس السياق ذكر ابن الحاج(32) أن صاحب الشرطة وصاحب السوق وصاحب الرد "لا يحكمون في ثلاثة أشياء: في الوصايا والأيتام والأحباس".

ومن المعلوم أن إصدار الحكم بالإعدام موقوف على قاضي الجماعـة و"لا يحكم حكام الكور في حد القتل"(33) المشروط بعدد من التفاصيل المسطرية، بـل وأحيانًا باستشارة أعلى سلطة سياسية ممثلة في الخليفة أمير المؤمنين، اعتبــارًا لجلالة الأمر.

وفي الميدان العقاري بلغت الدقة في ضبط وضعية الممتلكات بواسطة العقود الموثقة وأشكال "الحيازة"(34) المشهود عليها لدى "الحكام والعدول"(35)، والمؤطرة ضمن عدد من الخطط المختصة، مثل "خطة الضياع"(36) والمواريث وولاية الأحباس"(37)، أن لم يعد هناك من مجال أمام الغصب والتزوير. وغدت سلطة الأحكام فوق الجميع، بمن فيهم كبار المتنفذين وأفراد الأسرة الأموية الحاكمة، بل وحتى الخلفاء أنفسهم. ونتوفر على فيض من القرائن الدالة على ذلك، نذكر منها إقدام قاضي الجماعة على إنصاف امرأة قرطبية من حثالة العامة، بإصدار الحكم ضد خال ولي العهد الحكم المستنصر - على جبروته وطغيانه – إذ ذكرت "أنه غصبها حقًا لها في ضيعة"(38). وعلى إثر تجرؤ الوزير ابن السليم على اقتطاع جزء من "المحجة وضمه إلى جنته بمنية المغيرة"(39)، تصدت سلطة الأحكام لتجاوزاته وللتشهير به دفاعًا عن الملك العام. ولم تكن الخلافة الأموية لترغم صغار الملاكين - على ضعفهم - على الانقياد لقوانين المصادرة لأجل المصلحة العامة. فعندما تجرد المنصور بن أبي عامر لبناء القنطرة على الوادي الكبير و"كانت هناك قطعة أرض لشيخ من العامة، ولم يكن للقنطرة عدول عنها فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها"(40)، فما كان على الشيخ إلا أن رماهم بالغرض الأقصى عنده. وبالمثل، فلما عزم المنصور على توسيع المسجد بقرطبة تفانى في إرضاء أصحاب المستغلات التي شملها الهدم "بإنصافهم في الثمن أو بمعاوضة"(41). وتزخر المصادر الأندلسية بما يند عن الحصر من الحالات المماثلة(42).

وفي نص بالغ الدلالة لعبد الله بن عبد الواحد الفهري(43) ما يكشف، ليس فقط عن درجة الاستقلال التي بلغها القضاء بأندلس الخلافة، بل وكذلك عن قدرة الإفتاء والتشريع على الوقوف في وجه سلطان السيف والقلم، وإرغام أعلى سلطة سياسية ممثلة في الخليفة عبد الرحمن على الانصياع لمقتضيات الأحكام، إذ ذكر "أن الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النهر، فتشكى إلى القاضي ابن بقي ضرورته إليه لمقابلته منزهه وتأذيه برؤيتهم أو أن تطلعه من علاليه، فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي فيه وهو أولى أن يحاط بحرمـة الحبس فقال له: تكلم مع الفقهاء فيه وعرفهم رغبتي وما أجزله من أضعاف القيمة فيه فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك رخصة، فتكلم ابن بقي معهم فلم يجدوا إليه سبيلاً فغضب الناصر عليهم وأمر الوزراء بالتوجيه فيهم إلى القصر وتوبيخهم، فجرت بينهم وبين الوزراء مكالمة ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده". إن في محتويات هذا النص ما يدعو إلى مراجعة ما تكرس لحد الآن بخصوص مسألة الفصل بين السلطات، وطبيعة النظام السياسي في الإسلام، وموقع الحضارة العربية الإسلامية على هذا المستوى في سياق التاريخ الإنساني، ولعل فيما تناقله المؤرخون(44) من أخبار قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي مع الخليفة عبد الرحمن الناصر "في إنكاره عليه الإسراف في البناء"، والتشهير به في خطب الجمعة والإفراط في تقريعه على مسامع العامة، دون أن يتجرأ على عزله أو النيل من إقدامه(45)، ما يؤكد ذات الحقيقة.

من الطبيعي في ظل هذا الوضع أن يزداد الحرص في أوساط الوزراء والولاة ولدى غيرهم من المتنفذين وأرباب الخطط على الانضباط للأحكام والإمساك عن التجرؤ والاستطالة، ولا غرو فلقد اضطر الحكم المستنصر إلى إنفاذ أحد الوزراء باستعجال إلى واليه على إشبيلية "لمحنة ما تشكاه أهلها من حيفه عليهم ليقفه مع المتظلمين"(46) أمام نظر القاضي. وبالمثل، لم يتردد عن إرسال مبعوثه إلى "كورة جيان لامتحان ما رفع به أهلها على العارض عبد الرحمن بن جهور عاملهم(47)، إنصافًا لهم وإعلاء لسلطة الأحكام. ينسحب نفس الشيء على أخص خواص الدولة، ففي عهد الحجابة العامرية وقف على المنصور "رجل من العامة يومًا بمجلسه فناداه: يا ناصر الحق، إن لي مظلمة على ذلك الوصيف الذي على رأسك ... وقد دعوته إلى المحاكم فلم يأت"(48)، فما كان عليه إلا أن نهر الوصيف، على مكانته ضمن الحاشية السلطانية، مضطرًا إياه إلى المثول أمام العدالة بالقول: إنزل صاغرًا وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك". ويقدم المقري(49) تفاصيل قصة مماثلة بطلها فصاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه، ناله حكم قاضي الجماعة بالسجن وقد "قدر أن سبيله في الخدمة يحميه من العقوبة ... وذهب الفاصد إلى شكوى ما ناله، فقطع عليه المنصور وقال: يا محمد إنه القاضي وهو في عدله، ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع منه، عد إلى محبسك أو اعترف بالحق فهو الذي يطلقك، فانكسر الحاجم".

ولا تعوز الدلائل الكاشفة عن دأب القضاة على التصريح بالممتلكات عند توليهم الأحكام، تسهيلاً لمهام المحاسبة المالية ودرءًا لمخاطر الاتهام باستغلال النفوذ. مصداق ذلك ما خاطب به محمد بن يبقى بن زرب جموع الحاضرين المقبلين على تهنئته بتولي قضاء الجماعة وقد "كشف عن مال عظيم صامت في صندوق له، وقال: يا أصحابنا قد عرفتم ما نحن به من تولي القضاء قديمًا من سوء الظنة وأخشى أن أطلق الناس على عرضي، وهذا حاصلي وفيه من العين كذا وفي مخازني ما بقي بقيمته وحظي من التجارة ما علمتم، فإن فشي من مالي ما يناسب هذا فلا لوم، وإن تباعد عن ذلك فقد وجب مقتي"(50).

وتحتفظ نوازل ابن سهل(51) بالنص الكامل لإحدى أبرز المحاكمات السياسية في عصر الخلافة، ويتعلق الأمر بصك اتهام أبي الخير، رأس المعارضة الشيعية بالأندلس في زمن الحكم المستنصر، بما يكشف عن الحرص الشديد على الالتزام بالقوانين والمساطر المعتمدة، مع توفير كامل شروط المحاكمة العادلة، وإن كــان وفق منظور أهل السنة. ولا تعوز القرائن عن دأب القضاة على التريث فيما استرابوه من القضايا "حتى تظهر ... الحقيقة أو يصل المتخاصمان إلى التصالح والتراضي"(52)، ناهيك عما تواتر عن جنوحهم إلى الرفق واللين، وتحاشيهم إقامة الحدود والاحتساب فيما يتعلق بعدد من المخالفات الشرعية ذات الطبيعة الشخصية مما لا يمس الغير. وإمعانا في طلب العدالة، لم تدخر المحاكم وسعًا في ضمان حقوق الدفاع للجميع، وتقديم النصح للمتخاصمين، وتنصيب من يتكلم ويترافع عن الضعفاء وذوي الفاقة ممن يعجز عن التوكيل(53).

ما كان للقضاء والتشريع أن يصل إلى ما وصل إليه من السطوة والنفوذ، وأن يتبلور كسلطة مستقلة وممسكة بلجام أهل السيف والقلم، لولا قوة الرأي العام الضاغطة(54)، وتعاظم دور الفئات الدنيا من العوام والسوقة. وهو ما عبر عنه أحـد المؤرخين(55) في نص بالغ الدلالة والوضوح إذ قال متحدثًا عن الأحكام: إن "إنكار التهاون بتعطيلها وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره فيدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم وهذا كثير في أخبارهم، وأما الرجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكل يوم". من ثم الحرص الشديد لدى الخلفاء وأولي الأمر على إسناد القضاء لمن اشتهرت عدالته وعظمت مكانته لدى العامة وتحاشيهم التدخل في سير الأحكام والتطاول على اختصاصات القضاة، وبالمقابل الإسراع في عزل من تطاولت ألسنتهم عليه ولهجت بذم سيرته أو نالته شبهة في أحكامه(56)، بحيث لا نبالغ إذا اعتبرنا العامة خلال عصر الخلافة بمثابة الدعامة الأساسية لاستقلال القضاء ورسوخ سلطة الشرائع والأحكام. ولعل في هذا ما يفسر إقبال المهان وأهل الحرف على طلب "علم ما يلزمهم من شرائع الإسلام"(57) واستقصاء خبايا الأحكام، والتحلق في مجالس الفقهاء(58)، والحرص على السؤال فيما استجد من النوازل المرتبطة بمجالات عملهم، في ظل شيوع منقطع النظير للعلم والمعرفة في أوساطهم(59).

وبانهيار نظام الخلافة وقيام الطوائف، دب الوهن في مجموع الخطط المرتبطة بالقضاء والفتيا، واختل سلطان الشرائع والأحكام، وانفتح باب الاستطالة والتجبر أمام السيف والقلم، كاشفًا بذلك ليس فقط عن جذور أعمق تحول في النظام القضائي والتشريعي، بل وكذلك عن إحدى أبرز الحلقات الفاصلة في تاريخ النظام السياسي بالغرب الإسلامي. ولعل في استمرار عجلة التردي بعدئذ، ورسوخ منحى التراجع طوال القرون اللاحقة، ما كرس النظرة التجزيئية السائدة للموضوع في تصورات المدارس التاريخية المعاصرة، وساهم في تغييب الوجه المشرق الذي تألق لفترة ليخبو في سياق تطور معكوس للصيرورة التاريخية.

ويؤرخ أبو مروان بن حيان(60) لبداية الانكسار بولاية يحيى بن وافد اللخمي قضاء الجماعة بقرطبة، على رأس المائة الخامسة للهجرة، باعتباره "آخر كملاء القضاة بالأندلس". على غراره، نعت ابن الحصار الذي ولي نفس المنصب بعدئذ في خلافة هشام المعتد، بكونه خاتم "كملة القضاة بالأندلس، على علاته"(61)، لينتهي عصر التألق حسب بعض التقويمات بولاية ابن الصفار المتوفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة باعتباره "خاتمة القضاة بقرطبة"(62).

وليس أدل على عمق الرجة التي أصابت سلطة الأحكام، من إقدام سليمان المستعين - الذي نصبه الجند البربري خليفة في مواجهة ثورات العوام – على تعطيل "خطة القضاء بقرطبة طول ولايته زاعمًا أنه لم يرتض لها أحدًا"(63). ولـــــم يكن ملوك الطوائف بعده أقل جرأة. فبخصوص الإمارة الجهورية، ذكر ابن حيان(64): "أن الأحكام قد تعطلت بعد استعفاء ابن ذكوان وطالت المدة" في عهد أبي الحزم بن جهور. كما توقف خلفه بعدئذ "عن تعيين قاض مدة طويلة"(65). ويبدو أن انحسار سريان الأحكام كان أكثر وقعًا في الكور والأقاليم، التي ما فتئت تسقط تباعد في قبضة الجند وقواد الحصون، ممن لا يتورع عن تجميد الشرائع وتحكيم السيف والغلبة. وليس أدل على ذلك، من تزايد عدد المواقع والمدن التي "فيها أمير وليس فيها قاض"(66) يحكم بين الناس. نخص منها بالذكر "بياسة (التي) لا حكم فيها تثبت عنده الحقوق"(67). وحتى إن وجد الحكام في بعضها، فهم لا يتورعون عن التنصل من المسؤوليات في ظل سطوة المتآمرين. مصداق ذلك، ما تواتر "عن قضاة الكور كغبرة وجيان وباغة ووادي آش وأشباهها، يغيبون عنها أو يمرضون أو يشتغلون فيستنيبون من يحكم بين الناس بغير إذن من ولاهم قضاء القواعد"(68). من الطبيعي في ظل هذا الوضع أن تزداد جرأة أولي الأمر على حرمة القضاء والأحكام.

ودأبًا على تقليص سلطات قضاء الجماعة، وهتك اختصاصات قضاة القواعد تعددت حالات التدخل من طرف المتآمرين لصرف النظر في بعض القضايا عن حاكم الجهة "إلى قاضي مصر آخر بعيد منه"(69). ويقدم ابن سهل(70) نصًا بالغ الدلالة عن هيمنة السلطان على مختلف دواليب العمل التشريعي، وإحكام قبضته على مجال التوثيق، إذ قال متحدثًا عن أحدهم ممن "ينتمي إلى الفقه توسل إلى بعض خدمة السلطان راغبًا في أن تقصر عقد الوثائق عليه خاصة فأجابه السلطان إلى ذلك، وعهد إلى من ببلده ألا يعقد وثيقة إلا هذا المتفقه". ولعل في انقطاع عدد من الرسوم القضائية واختفاء خطط بأكملها، بما في ذلك خطة الرد الشهيرة(71) - على أهميتها - ما يفصح عن درجة التفكك وعمق الشرخ الذي أصاب مجموع هياكل النظام. ولا غرو، فقد بلغ الأمر بصاحب قرطبة إلى حد تجميد قضاء الجماعة، "وصرف النظر في الأحكام إلى وزيره أبي الحسن بن يحيى"(72)، مسجلاً بذلك سابقة خطيرة، تنم عن درجة تطاول الخطط الإدارية على اختصاصات القضاء. وبالمثل، فإمعانا في إذلال القضاة وإفراغ سلطتي الفتيا والأحكـام مــن مضامينهما، لم يتورع صاحب طليطلة عن امتحان أكابر فقهاء بلده المفتيـــن والمشاورين "فاستدعاهم مع قاضيهم ابن زيد بن الحشا القرطبي ... وثقفوا ستتهم وسخط على القاضي فعزل وحوسب جرى بيده"(73). وفي نص دال، يلخص شيخ المؤرخين أبو مروان بن حيان(74) مآل القضاء والفتيا إلى الانكماش، في اتجاه الخضوع والتبعية لأولي الأمر والمتنفذين بالقول: "فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق ذيادا على الجماعة وحوشًا إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صروف عما أكد الله عليهم في التبيين لهم، قد أصبحوا بين أكل من حلوائهم خائض في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم أخذ بالتقية في صدقهم وأولئك هم الأقلون".

ولترسيخ هذا المنحى، دأب ملوك الطوائف والمتحكمون في النواحي على إسناد القضاء لمن قل علمه ومال إلى حب الدنيا وضعف عن نصرة الحق. وتقدم المصادر الأندلسية فيضًا من المعلومات عمن نال هذه الخطة "ولم يكن في نصاب القضاء و ... آثر الخمول للدعة والفلاحة عن الدراسة"(75) وعمن أسندت له "أحكام الشرطة والسوق ولم يكن عنده كبير علم وإنما كانت أثرة آثره بها"(76) الأمير. ولا تعوز المعلومات عن عدد ممن ولي قضاء الكور "ولم يكن عندهم كبير علم"(77). وفي عبارة بليغة وصف أحد وزراء المعتضد بن عباد مآل نظام الطوائف في اتجاه أحكام قبضة الأمراء على مجمل السلط بقوله: "ووجدت الناس أخبر تقلة، من أمير لا أسميه ووزير أقحمت الواو فيه وكاتب أمي وقاض جبلي"(78).

ونتوفر على فيض من المعلومات عن عدد من ضعاف النفوس ممن تولى الأحكام واشتهر بإطلاق "يده على الأوقاف وأكل أموال اليتامى والضعاف"(79) والسطو على "أرض بيت مال المسلمين"(80)، حتى غدت "الخيانة في الأمناء والرشوة في الحكام"(81) من مظاهر العصر البارزة مشرقًا ومغربًا. ومن المعلوم أن "من استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الناس الأكابر"(82). وفي عبارة لاذعة، تهجم ابن حزم على المشتغلين "في أحكام المكوس والقبالات والمخاطبة عن فساق الملوك بما يرضيهم ويسخط الله عز وجل"(83). على غراره، لم يتمالك أحد كبار فقهاء المالكية ممن اشتهر بالورع والتقوى عن التشهير بهذا الصنف، مؤثرًا التخلي عن تدريس الفقه، إذ قال: في عبارة عميقة الدلالات: "صرنا بتعليمنا لهم كبائع السلاح من اللصوص"(84).

وعلى غرار العقد والتوثيق الذي غدا مرتعًا خصبًا لأصناف من التدليس ولما يند عن الحصر من أشكال الاحتيال والتزوير(85)، لم تسلم خطة الفتيا من الانغماس في سلك التبعية والخضوع لأولي الأمر، والانحلال في مستنقع المحاباة للسلطان. وهو ما كشف عنه ابن حزم(86) في عبارة غنية عن التعليق بالقول: "وشهدنا نحن قومًا فساقًا حملوا اسم هذا التقدم في بلدنا وهم ممن لا يحل لهم أن يفتوا في مسألة من الديانة ولا يجوز قبول شهادتهم. وقد رأيت أن بعضهم وكان لا يقدم عليه في وقتنا هذا أحد في الفتيا ... يفتي بالهوى للصديق فتيًا وعلى العدو فتيًـا ضدها ولا يستحيي من اختلاف فتاويه على قدر ميله إلى من أفتى وانحرافه عليه". وهو ما أكده أبو الوليد الباجي بقوله: "فإني لما رأيت ما ابتلي به الفقهاء والحكام من النظر والفتوى بين الأنام في الأحكام بادرت بكتابي هذا"(87). ولقد بلغت المستويات العلمية لمن "اتسم بالفتوى من التدني أن أثيرت زوبعة من الجدل في أوساط فقهاء العصر"(89) حول مدى صلاحية إسناد الفتوى لمن ركن إلى التقليد واقتصر على قراءة الكتب المستعملة مثل المدونة والعتبية دون رواية أو الكتب المتأخرة"(90). ولعل فيما أورده ابن حيان(91) عمن "غبر دهره عطلاً لا ينظر في شيء من التعاليم إلى أن فتح الله عليه ... فركض في حلبة الفقهاء المشاورين وقدم لعلو السن لا لعلو الهمة"، وعمن "عطف الدهر عليه بصحبة متوثبي السلاطين المنتزين على الأقطار وسط الفتنة فخاض معهم وصار أخص من مارسها وشاطر السلطان خطة المواريث"(92)، ما يؤكد شمولية التردي وسريان الفساد في مجمل دواليب النظام القضائي والتشريعي.

من الطبيعي في ظل هذا الوضع، ومع اتساع الخروق وانعدام المصداقية أن تستفحل ظاهرة هروب وتملص ثلة من الفقهاء من ولاية الخطط القضائية، بشكل لم يسبق له مثيل على ما يبدو. فلما دعي أحدهم إلى "قضاء طليطلة أبي وهرب من ذلك"(93). وبالمثل، فلما عزم المقتدر بالله أن يولي فقيهًا "الأحكام بسرقسطة أبى وحلف ألا يقبلها"(94). ومنهم من بلغ به الأمر إلى حد التضرع لله كي يصاب بالعمى حتى يتخلص من إلحاح "محمد بن جهور أن يوليه القضاء بقرطبة"(95). ولما دعي غيره إلى قضائها "صرف الرسول على عقبيه وانتهره"(96). وبالمثل، فلما دعي أبـا عبد الله محمد بن عبد الله المعافري "إلى الشورى بقرطبة أبى"(97) وامتنع. وبإشبيلية أكره أحدهم على ولاية أحكامها فعزم على الخروج من البلد حتى سكتوا عنه(98) كما تهرب أحمد بن طاهر بدانية "وامتنع عن ولاية قضائها"(99). وبمرسية اضطر أبـو علي الصدفي إلى قبول ولاية أحكامها على مضض "إلى أن استخفى آخر سنة سبع في قصة يطول إيرادها"(100). على غراره اختفى أحد المرشحين للقضاء "وغيب وجهه مدة شهور"(101) ولعل فيما أورده القاضي عياض(102) عن الصندوق المقفل الذي خلفه كبير فقهاء عصره أبو عبد الله بن عتاب، "فلما مات فتح فإذا فيه أربعة كتب من أربعة رؤساء: ابن عباد وابن الأفطس وابن صمادح وابن هود، كل منهم يدعوه إلى نفسه وتقلد قضاء بلده، وقد كتب على كل كتاب منهما تركته لله"، ما يفصح ببلاغة عن حقيقة الموقف. والجدير بالملاحظة أن هذه الظاهرة ما فتئت تزداد شيوعًا خلال العصر المرابطي(103) وبعدئذ طوال العصور اللاحقة، ونتوفر على فيض من التفاصيل عن أصناف المتابعة وأشكال القهر والامتحان(104) التــي تعرض لها ثلة من القضاة والفقهاء المفتين(105) والمشاورين(106) وأصحاب خطط المواريث والأحباس(107) ممن آثر الوقوف في وجه التيار، وعمن "امتحن في قضاء بلده بالأمراء فاعتقل"(108) خلال عصر الطوائف. ويقدم أبو عبد الله بن فرج مولى ابن الطلاع مثالاً نموذجيًا عن استمرار ذات المسلك خلال العصر المرابطي إذ "كان قوالاً للحق شديدًا على أهل البدع غير هيوب للأمراء، شوور عند موت ابن القطان، ونفذ قوله إلى أن دخل قرطبة المرابطون فأسقط عن الفتيا"(109). ولا تعوز الدلائل عن غيره من الفقهاء المفتين والقضاة وأصحاب الخطط ممن اشتهر بالورع والتقوى وبالحزم في مواجهة تيار التردي، نخص منهم بالذكر القاضي أبو المطوف بن بشر الذي "كان شديد التعسف على الفقهاء والتقويم لميلهم، فلما ولي المعتمد اجتمعوا عليه وطلبوه حتى عزله"(110). وبالمثل، فلما أقدم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على استحداث ضريبة المعونة بمباركة كبير فقهاء عصره أبي الوليد "الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس"(111) امتنع قاضي المرية "محمد بن يحيى من فرضها"(112) وانفرد بالتصدي لها والإفصاح عن لا شرعيتها(113).

وإذا كان في مواقف هؤلاء ما حافظ للقضاء والتشريع عن بعض المصداقية فإن دور العوام لا يقل أهمية. فبصرف النظر عن تجمعهم مرارًا للشكوى من قضاتهم والضغط على أولى الأمر لعزل من اتضح جوره(114)، لم يترددوا في أكثر من مناسبة عن التشهير بهم(115) واتهامهم "بأكل مال السلطان وقبول جوائزه"(116) إن لم يكن التجرد لإقامة الحدود بأيديهم(117). ولم يكن العامة أقل حزمًا في مقارعة الأمراء وأولي الأمر، لحملهم على تدعيم الخطط القضائية والالتزام بالأحكام. فعلى إثر تعطيل قضاء الجماعة بقرطبة - على سبيل المثال - "ضج الناس إلى أبـي الحزم فولى ابن المكوى"(118) اضطرارًا. وبالمثل، فلما تجرأ خلفه أبو الوليد بن جهور على إسناد الأحكام لوزيره، كما سلف الذكر، "انثال الناس وكثر تعبه وتفرقت الأمور عليه"(119)، مما عجل بسقوط الدولة الجهورية. وبطليطلة، لم يمهلوا يحيى بن ذي النون في تجرئه على قاضيهم والفقهاء، إذ بمجرد ما "وقع إلى العامة دس من الخبر، هاجت فلم يرعها إلا مائلة الرؤوس والمنادي بين أيديهم والمشيخة والممتحنون خلفها"(120)، في إحدى أكبر ثورات عامة طليطلة خلال عصر الطوائف. وعلى الرغم من شهرة قاضي قضاة إشبيلية في العهد المرابطي أبو بكر ابن العربي بكونه فخر المغرب، فقد "اجتمعت العامة العمياء وثارت عليه ونهبوا داره وخرج إلى قرطبة"(121) لائذًا. ومن المعلوم أنه كان صارمًا في تنفيذ الأحكام على العوام(122). ولتحاشي الانغماس في صراعات مماثلة، وحفاظًا على مكانته المتميزة، أثر القاضي أبي الوليد بن رشد الاستعفاء من قضاء الجماعة بقرطبة على "إثر الهيج الكائن بها من العامة واعفي"(123).

خلاصة القول - إنه بقدر ما يوفر القرن الرابع الهجري إمكانية الوقوف أبرز استقلال وانفصال القضاء والتشريع عن بقية السلط في تاريخ الغرب الإسلامي، بقدر ما تتضح إمكانات البحث عن جذور التراجع والانكفاء، في سياق الاختلالات الشاملة والعميقة التي مست مجمل الأوضاع خلال عصر الطوائف. وإذا كان دور العوام في تعضيد جهود ثلة من الفقهاء من أهل الورع والتقوى، قد ساهم في التصدي إلى حين لمنحى الانهيار، فإن عجلة التردي ما فتئت تؤتي على ما تبقى من عناصر التألق طوال القرون اللاحقة. ولعل في هذا ما يدعو البحث التاريخي المعاصر إلى استيفاء القراءة في الوجهين، في أفق تكوين منظور أكثر تاريخية لحقيقة القضاء والتشريع في الحضارة العربية الإسلامية.

 

رابط مباشر لتحميل المقال

 

 *****************

الهوامش:

  1. وهي من المواضيع التي لم تنل بعد حظها من الدرس والعناية الكفيلة بالإفصاح عن حلقات التطور على مدار تاريخ الإسلام مشرقًا ومغربًا، في أفق إنجاز نوع من تاريخية القضاء والتشريع تخلص الفكر العربي المعاصر من مزالق التعميم وانتقائية التعلق بمنجزات الثورة الفرنسية في هذا المضمار، ومن سلبيات الاقتصار على إجراء مقارنات سطحية بين الحضارات.
  2. راجع بهذا الخصوص نص الحوار الهام الذي دار بين إمام المدينة مالك بن أنس والخليفة العباسي، ضمن ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، تحقيق طه محمد الزيني، بيروت، دار المعرفة، بدون تاريخ، ج 2، 149 - 50، ويقدم ابن المقفع في نص لا يقل أهمية التفاصيل عن وقع الاختلافات في الأحكام بين البصرة والكوفة، وبداخل كل حاضرة على حدة بين الحوم والأحياء، كاشفًا عما يثيره ذلك من مشاكل، وداعيًا إلى التدخل باستعجال لتوحيد الشرائع وضبط الأحكام، رسالة الصحابة، تحقيق أبــو حلقة.

* نُشر في مجلة أمل، ع: 21، أبريل 2000م، ص110-119. https://2u.pw/rD4UQeEs

** أستاذ باحث بكلية الآداب - المحمدية.