موقع حوارات

موقع حوارات

الأمة لغًة تعني الدين والطريقة فيقال فلان لا أمة له أي لا دين له. ويقول الشاعر العربي: “هل يستوي ذو أمة كفور”، كما تدل الأمة عند العرب أيضًا على النعمة والعيش الحسن. والأمة تعني كل جماعة بشرية، وكذلك كل جنس من الحيوان والطير، ويذهب بعض المستشرقين إلى اعتبار مصطلح الأمة دخيلًا على اللغة العربية نظرًا لعدم شيوعه بين العرب قبل الإسلام، وأنه من المصطلحات الأجنبية في القرآن الكريم. ويرى هؤلاء المستشرقون أن اللفظ قد يكون مأخوذًا من العبرية (أما) أو من الآرامية (أميتا). ويرد بعض المحققين العرب على هذا الادعاء بالنفي، فتقارب اللغتين العربية والعبرية تاريخيًا يجعل من الصعب الجزم بأيهما أسبق من الأخرى بل من الممكن الاعتقاد أنها انتقلت إلى العرب عبر التواصل التجاري أو أنها كانت لغة القوم الذين كانوا يقطنون مكة حين قدم إليها نبي الله إبراهيم مع زوجته وابنه. ومهما تكن الادعاءات فإن مصطلح الأمة قد أصبح جزءًا لا يتجزأ من التراث الإسلامي.
وردت كلمة ولغة في القرآن الكريم 19 مرة، منها 13 آية مكية، والبقية الباقية مدنية، كما وردت كلمة أمم 11 مرة، منها 10 آيات مكية وآية واحدة فقط مدنية، مع ملاحظة أن لفظ «الأمة» في الآيات المكية إنما يعود إلى الأمم الكافرة التي كذبت أنبياء الله ورسله قبل الإسلام. وقد ورد ذكرها من باب العظة والاعتبار لمشركي قريش كما في قوله تعالى {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل} (غافر – 5). هذا وقد جاءت أمة في القرآن الكريم بمعان متعددة على الوجه التالي:

  1. بمعنى دين {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} (النحل – 12). أي على دين واحد.
  2. بمعني إمام {إن إبراهيم كان أمة قانتا…} (النحل – 130)، أي إمام الحنفاء.
  3. بمعنى زمن {وادكر بعد أمة…} (يوسف – 15) . أي تذكر بعد مدة من الزمن.
  4. بمعنى عصبة أو مجموعة من الناس {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون} (القصص – 23)، أي جماعة من الناس يسقون أغنامهم.
  5. بمعنى قوم {أن تكون أمة هي أربي من أمة} (النحل – 12)، بمعنى أن يكون قوم أكثر من قوم.
    بذلك يمكن القول إنه ليس هناك معنى محدد لكلمة أمة، بل وحتى لو قبلنا الوجه الجماعي كمعني لهذا المصطلح، فليس من السهل اعتباره معني سياسيًا نظرًا لعدم تحديد هوية هذه الجماعة أو مدى اشتراكها في صفات معينة أو لغة مثلًا.
    أشار القرآن الكريم إلى العرب على أنهم أمة {وكذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم} (الرعد – 30). كما ميز القرآن أمة المسلمين من فيها من الأمم في ثلاث آيات مدنية:
  1. {وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس} (البقرة – 143)، والوسط هو العدل والأخير والأفضل.
  2. {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران – 11).
  3. {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران – 14). ويرى بعض المفسرين أن الآيتين الأخيرتين تدلان على عمومية لفظ الأمة في المجتمع الإسلامي كل بحسب عصره، وبذلك تتميز الأمة الإسلامية على مستويين، الأول داخل الأمة الإسلامية، حيث تكون هناك مجموعة من الأفراد تدعو لي الخير وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر. والثاني هو المستوى العالمي حيث تكون الأمة الإسلامية أفضل أمم الأرض السابقة واللاحقة من جهة القيام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    يترتب على ذلك تناقض المفهوم القرآني للأمة مع المفهوم المعاصر الذي يعني الاشتراك في اللغة والعادات والتاريخ وكذلك بالنسبة للموقع الجغرافي والجذور العرقية، فالقرآن يتعامل مع المصطلح بشكل أشمل وأوسع حيث ينتمي للأمة الإسلامية كل مسلم يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر بغض النظر عن جنسه أو لونه أو لغته او تاريخه.
    أما الأحاديث النبوية التي تشير إلى مفهوم الأمة الإسلامية فهي أكثر من أن تحصى ويتحدث فيها النبي عن أمته في الدنيا والآخرة، وبذلك يتحد المفهوم النبوي للأمة مع المفهوم القرآني، وإن كانت الشواهد في الأحاديث أكثر بكثير من الآيات القرآنية.
    لم يستطع معظم علماء الإسلام الفكاك من أسر المفهوم القرآني للأمة، وإن استطاع بعضهم الاستعانة بمفهوم اجتماعي في شرحه كالفارابي في مدينته الفاضلة أو بمفهوم تاريخي كالمسعودي في التنبيه والإشراف. لكن ذلك لا يشكل أية مساهمة فعالة على مستوى المفهوم السياسي المعاصر لمصطلح الأمة كما ورد في الموسوعات السياسية الحديثة.

المصدر: إسماعيل مقلد ومحمد ربيع (محررين)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الجزء الأول، ص: 121-122.

مفهوم الدستورية

تشرين1/أكتوير 08, 2023

يري العديد من المفكرين السياسيين أن مصطلح دستورية مرادف لمصطلح حكم القانون (Rule of Law) والواقع أن هذا المصطلح يستخدم بمعنيين، أحدهما معنى حرفي لغوي والآخر معنى وصفي. أما الدستورية في معناها اللغوي الحرفي فتعني مجموعة المبادئ والقواعد التي تنتظم وتحكم الحكومة، وفي حين أن سير كينيث موير Sir Kenneth Wheare قد ضرب مثلًا على ذلك المعنى مشيرًا إلى النظام البريطاني قائلًا إن الدستورية هناك مجموعة القواعد القانونية، وغير القانونية أيضًا، التي تحدد شكل نظام الحكم. إلا أنه من المعتاد عند علماء السياسة بصفة عامة استخدام المصطلح للدلالة على مجموعة القواعد القانونية على وجه التحديد والمنصوص عليها في وثيقة واحدة أو عدد محدود من الوثائق. فالدستورية إذن وفقًا لهذا المعنى، هي عملية بناء الدساتير المكتوبة وتضمينها قواعد تنظم عملية الحكم. ولكن يستخدم بعض المفكرين السياسيين مصطلح الدستورية بمعنى آخر وصفي أضحى هو المعنى الشائع الاستخدام في الوقت الحالي. والدستورية وفقًا لهذا الاستخدام الثاني هي قيام نظم سياسية تأخذ بمفهوم الحكومة المقيدة، فالدستورية إذًا هي المذهب الذي يرتب الشرعية على الدستورية، فيؤمن بأن الحكومة لابد أن تكون دستورية حتى تتمتع بالشرعية. والدستورية هنا تعني شيئين، أولًا أنه لابد وأن تتكون الحكومة وفقًا لقواعد الدستور، وثانيًا أنها لابد وأن تكون مقيدة في سياساتها وتحركاتها بالمبادئ التي ينص عليها الدستور.
ويدور التنظير السياسي للدستورية حول محورين أساسيين؛ المحور الأول هو دور الدستور كمحدد ومحجم للحكومة، وذلك لاحتوائه على بعض المبادئ التي تضمن عدم سيطرة الحكومة المطلقة وعدم انفرادها بالسلطة دون مراجعة، ومن أهم المبادئ التي تعمل نحو هذه الغاية مبدأ الفصل بين السلطات. أما المحور الثاني فهو دور الدستور في الوصول بالحكومة القائمة إلى التمتع بالرضا العام. ومن أهم المبادئ التي تنص عليها الدساتير والتي تساعد على تحقق الرضا العام ويعمل في الوقت نفسه كإحدى أدوات التعبير عن هذا الرضاء هو مبدأ التمثيل النيابي.
ويوجد في معظم الدول الحديثة دستور مكتوب يعمل -من الناحية النظرية على الأقل- على تحديد شكل ومهام الحكومة وطريقة ممارستها للسلطة وبشكل يضمن تحقق الحريات السياسية. ولقد نظّر العديد من المفكرين السياسيين بداية من القرن الثامن عشر على وجه الخصوص وعلى رأسهم هوبز Hobbes ولوك Locke ومونتسكيو Montesqueu للحكومة الدستورية بصورة تضمن التعبير عن حقوق الشعب أساساً وليس عن إرادة هؤلاء الذين يمارسون السلطة. ويؤكد منظرو المذهب الدستوري أنه حتى تظل الحكومة شرعية لابد لها من احترام مبدأ الفصل بين السلطات وكذلك مبدأ سيادة القانون.

كما أنهم يركزون على ضرورة أن يكون مناط السلطة هو المنصب وليس فرداً بذاته، وعلى أن تكون هناك قواعد إجرائية واضحة يمكن للمواطن اتباعها ضد الحكومة ككل أو ضد فرد ما في الحكومة، إذا ما كان هناك تعد لما أقره الدستور كحدود لممارسة السلطة. ويخلص العديد من المراقبين السياسيين إلى أنه رغم وجود دساتير مكتوبة في الغالب الأعم من الدول الحديثة، إلا أن قلة قليلة من حكومات هذه الدول يمكن اعتبارها دستورية بالنظر إلى تطبيق معالم الدستورية السابق الإشارة إليها من حيث الواقع العملي. بعبارة أخرى، يؤكد هؤلاء المراقبون أنه إذا ما اعتبرنا المعنى الأول للدستورية وجدنا أن معظم -إن لم يكن كل- النظم السياسية في العالم اليوم دستورية. أما إذا ما اعتبرنا المعنى الثاني للدستورية وجدنا أن قلة قليلة من هذه النظم يمكن إطلاق صفة الدستورية عليها. فالنظم التي تسودها إرادة فرد واحد أو حزب واحد لا بد أن تختفي منها صفة الدستورية بغض النظر عن المسمى الذي يتسمى به النظام. ولكن العكس صحيح أيضاً. فالنظام الملكي مثلاً رغم وجود فرد واحد على قمته، إلا أنه يكون نظاماً دستورياً عندما لا تكون سلطات الملك مطلقة بل مقيدة بقواعد لا يضعها هو بل تكون معرفة بوساطة الدستور، وعندما لا يكون الملك فوق القانون بل يخضع للقانون، وعندما تكون هناك إجراءات واضحة ومحددة في الدستور يمكن اتباعها للإطاحة به في حالة ما إذا لم يحترم الدستور، وعندما تكون كل هذه الشروط ممكنة عملياً وليست مجرد قواعد نظرية مضمنة في صحف ووثائق لا يعمل بها.

المصدر: إسماعيل مقلد ومحمد ربيع (محررين)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الجزء الأول، ص: 284-285

كثيرًا ما يتداول الباحثون والمختصون في حقل القانون العام والشريعة الإسلامية مصطلح “القانون الدستوري الإسلامي” (The Islamic constitutional law)، ويمكن تعريف القانون الدستوري الإسلامي على أنه القانون الدستوري الذي يستند إلى قواعد الفقه السياسي الإسلامي.

وهذا يعني أن القانون الدستوري الإسلامي يمكن وصفه بأنه قانون مزدوج فهو قانون دستوري وضعي في الجانب الفني والمادي، وإسلامي في مصادره ومضمونه.

وبعبارة أكثر إيضاحًا يمكن القول بأن القانون الدستوري الإسلامي هو عبارة عن مجموعة القواعد والمبادئ المستمدة من الشريعة الإسلامية، والتي تم تقنينها وتدوينها في صورة مواد قانونية دستورية، ويمكن أن تشكل فيما بعد دستورًا إسلاميًا.

 وهنا يجب أن نلاحظ أنه طبقًا للقواعد العامة والعملية فإنه إذا كان القانون الدستوري الوضعي ينتج عنه دستورًا وضعيًا، فإن القانون الدستوري الإسلامي يفرز دستورًا إسلاميًا في مضامينة، ووضعيًا في شكله وصياغاته، ويتم إنتاج الدستور الإسلامي من خلال عملية يطلق عليها “عملية لتقنين الدستوري الوضعي للفقه السياسي الإسلامي”، أي من خلال تحويل القواعد الشرعية سواء الدينية، أو العقدية أو الفقهية أو الأصولية وغيرها إلى قواعد قانونية دستورية، هذه القواعد هي قواعد قانونية إسلامية من حيث المضمون، ووضعية من حيث الصياغة؛ حيث يتم إفراغ القواعد والمبادئ الإسلامية في صورة قواعد قانونية مكتوبة في الشكل الذي يظهر عليه الدستور الوضعي.


جزء مستل من د. علي المؤمن، مدخل إلى القانون الدستوري الإسلامي، دار المحجة البيضاء، 2023م (بتصرف واختصار).

أطلق فقهاء الشريعة الإسلامية القدامى على القواعد التي تنظم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول الأخرى اسم “السير والمغازي”، في حين أطلق الفقهاء المعاصرون عليه اسم “القانون الدولي الإسلامي” (Islamic International Law).
وفي الحقيقة نحن نوافق على هذه التسمية؛ لأنها تتفق والتطور الذي أصاب المجتمع الدولي، فضلًا عنها أنها تسمية تبدو أخف حدة من تسمية “السير والمغازي”، والتي قد توحي للوهلة الأولى بأن الإسلام دين حرب وليس دين سلام.
لم يهتم فقهاء المسلمين بوضع تعريف للقانون الدولي الإسلامي، ولعل الإمام السرخسي هو خير من عرف ذلك القانون؛ إذ يقول في أول كتاب السير: “اعلم أن السير جمع سيرة وبه سمي هذا الكتاب لأنه يبين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل الحرب منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين… ومع أهل البغي الذين حالهم دون المشركين وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين”.
ولقد تعددت التعاريف التي قيلت بشأن القانون الدولي الإسلامي عند الفقهاء المحدثين، ولكننا نستعير التعريف الذي قاله أستاذنا العلامة الدكتور أحمد أبو الوفا؛ حيث عرفه بأنه: “مجموعة القواعد الشرعية التي تحكم علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الأشخاص الدولية في وقت السلم أو زمن الحرب”.
ولكن في حقيقة الأمر إن هذا التعريف يوحي بأن القانون الدولي الإسلامي يقتصر على تنظيم العلاقة بين الدولة الإسلامية والأشخاص الدولية الأخرى، ومن ثم فلا دخل للقانون الدولي الإسلامي بالأفراد، وذلك على الرغم من أن الشريعة الإسلامية تجعل من الفرد –في كثير من الأحيان- شخصًا دوليًا، أو بعبارة أخرى تخاطب الجميع سواء أفرادًا عاديين أم سلطات حاكمة.
وبعبارة أخرى يمكن القول بأن القانون الدولي الإسلامي يُخاطب جميع أفراد البشرية، وكافة الجماعات الإنسانية مهما تختلف صورها وتتنوع رقعتها، وذلك راجع إلى طابعها الديني العالمي، أما المخاطب بحكم القانون الدولي فهم أشخاص القانون الدولي وحدهم، ومن ثم يمكن القول بأن القانون الدولي الإسلامي ليس ملزمًا للدولة فحسب، وإنما هو أيضًا ملزم للأفراد، وبمعنى آخر فإن قواعده ملزمة للأفراد والسلطات الحاكمة على حد سواء.
وتأسيسًا على ما سبق يمكن تعريف القانون الدولي الإسلامي بأنه: “مجموعة القواعد الشرعية التي تنظم علاقات الدولة الإسلامية وأفرادها مع غيرهم من الأشخاص الدولية بمن فيهم الأفراد سواء في وقت السلم أم في زمن الحرب”.

___________

*جزء مستل من: د. هشام بشير ود. إبراهيم عبدربه إبراهيم، المدخل لدراسة القانون الدولي الإسلامي،، مركز الدراسات العربية، القاهرة، 2022م، ط1، ، ص15-20 (بتصرف يسير).

مصطلح الدستور

تشرين1/أكتوير 08, 2023

الدستور*
أهم وثيقة في الحياة السياسية للمجتمع وفي بنيان الدولة. وهو مجموع القواعد القانونية التي تحدد نظام الحكم وشكل الحكم في الدولة. ولكل دولة دستور، مكتوبًا كان أو غير مكتوب (كما هو الحال في بريطانيا). وتمتاز بعض الدساتير بالمرونة. أي بجواز تعديلها بقانون تصدره الهيئة التشريعية أو الهيئة التنفيذية في الدولة دون حاجة إلى إجراءات معقدة وخاصة. بينما تتصف دساتير أخرى بالجمود وتعديلها يتطلب إجراءات معقدة مثل استفتاء الشعب أو إجماع مجلس النواب أو أغلبية الثلثين أو الثلاثة أرباع.
يُبين الدستور طبيعة النظام السياسي وهيئات الدولة وسلطاتها ووظائفها وكيفية انبثاقها وحركية تغيرها وعلاقاتها واختصاصاتها فيما بينها ثم علاقاتها مع المواطنين وحقوق المواطنين وواجباتهم. وهو ضمانة لحريات الأفراد وحقوق الجماعات، ويُفترض أن تقوم الهيئة القضائية بحمايته من أي عبث من قبل الهيئات الأخرى، ومن هنا كان استقلال القضاء في الدولة أمرًا حيويًا.

___________

* موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، الجزء الثاني، صـ279، 280.

مصطلح القانون*

تشرين1/أكتوير 08, 2023

يمكن تعريف القانون بأنه “مجموعة القواعد التي تنظم الروابط الاجتماعية والتي تقسر الدولة الناس على اتباعها، ولو بالقوة عند الاقتضاء”.

وله خصائص ثلاث:

  1. فهو قاعدة عامة مجردة، والعموم والتجريد فكرتان متلازمتان، أو هما وجهان لخصيصة واحدة، غاية الأمر توصف القاعدة بالتجريد إذا ما نظر إليها عند نشوئها، وتوصف بالعموم إذا ما نظر إليها من حيث أثرها عند التطبيق.
  2. وهو قاعدة تنظم الروابط الاجتماعية، فالقانون لا يوجد إلا حيث يوجد مجتمع بشري، وهو يعتني بالمظهر الخارجي لا بالنوايا (والتي يعتني بها الدين والأخلاق)، وهو يتوخى غاية نفعية، هي إقامة النظام واستقرار المجتمع، ولو اقتضاه ذلك “أن يحيد أحيانًا عن مقتضى قواعد الأخلاق والدين”!
  3. والقانون يقترن به جزاء دنيوي توقعه الدولة، وهذا هو الأمر الجوهري الذي يميز قواعد القانون عن قواعد الدين والأخلاق، والجزاء هو الوسيلة التي تملكها الدولة لضمان احترام قواعد القانون. والجزاء في وضعه الحاضر إما أن يكون جزاءً جنائيًا (يقصد به الزجر) وإما أن يكون جزاءً مدنيًا “يقصد به الجبر” عندما يجبر المدين على تنفيذ حق للدائن قِبَلِه.

* جزء مستل من: عبد الرزاق السنهوري، وحشمت أبو ستيت، أصول القانون- أو المدخل لدراسة القانون، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط 1950م، ص13- 16 (بتصرف واختصار).

يشتمل مصطلح “الشريعة الإسلامية” على كلمتين: الشريعة، والإسلامية، والشريعة “لغة” هي: مشرعة الماء وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون. والشريعة والشرعة: ما سنَّ الله من الدين وأمر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾[الجاثية:18]، وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾[المائدة:48]؛ قيل في تفسيره: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج جميعًا الطريق، والطريق هاهنا الدين، وقال ابن عباس: شرعة ومنهاجًا: سبيلا وسُنَّة. وفي المفردات عن ابن عباس: الشرعة: ما ورد به القرآن، والمنهاج: ما ورد به السُّنَّة. وقال قتادة: شرعة ومنهاجًا: الدين واحد والشريعة مختلفة. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿على شريعة﴾: على دين وملة ومنهاج، وكل ذلك يقال.

أما في الاصطلاح فتعني الشريعة “ما شرع الله – تعالى- لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلّى الله عليهم وسلم، وعلى نبينا وسلم”.

أما “الإسلامية” فهي نسبة إلى الإسلام، والإسلام لغة، هو: الطاعة والانقياد، ويطلق في الشرع على الانقياد إلى الأعمال الظاهرة، كما بين ذلك النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، وقيل: إنه “هو الخضوع والانقياد للأحكام، بمعنى قبولها والإذعان بها”، وعرَّفه الشيخ محمود شلتوت بأنه: “دين الله الذي أوصى بتعاليمه في أصوله وشرائعه إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم، وكلفه بتبليغه إلى الناس كافة”.

وبناءً على ذلك فإن الشريعة الإسلامية هي: “الأحكام التي شرعها الله – تعالى – لعباده، ونزل بها الوحي على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لتستقيم بها أحوالهم في الدنيا والآخرة”، وبمعنى آخر، هي: “كل ما شرعه الله للمسلمين من دين؛ سواء أكان بالقرآن نفسه، أم بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير؛ فهي لهذا تشمل أصول الدين، أي ما يتعلق بالله وصفاته والدار الآخرة، وغير ذلك كله من بحوث علم التوحيد أو علم الكلام. كما تشمل كل ما يتعلق بتهذيب المرء لنفسه وأهله، وما يجب أن تكون عليه العلاقات الاجتماعية، وما هو المثل الأعلى الذي عليه أن يعمل لبلوغه أو مقاربته، وما هي الطرق التي يريد بها أن يصل إلى هذا المثل أو الغاية من الحياة، وهذا كله هو ما يعرف باسم علم الأخلاق. ومع هذا أو ذاك، تشمل الشريعة أحكام الله لكل من أعمالنا، من حل وحرمة وكراهة، وندب، وإباحة..”.

وأحكام الشريعة الإسلامية – من ناحية أخرى- قد ترد في صورة أحكام تفصيلية تتعلق بالعقيدة – كالإيمان بالله واليوم الآخر، وهكذا- أو بالعبادات –كفرض الصلاة والزكاة والحج، أو بالأخلاق – كوجوب الصدق والوفاء بالعهد وتحريم الكذب والغش والغدر-، أو بالمعاملات –كأحكام النكاح والطلاق وتحريم الزنا والربا والعقوبات المقدرة في الشريعة كالحدود والقصاص، وقد ترد في صورة قواعد ومبادئ عامة –كمبدأ الشورى، ومبدأ المساواة، ومبدأ العدالة، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار. 

وهذا المعنى الواسع لمصطلح الشريعة الإسلامية والذي تتكون فيه من أقسام ثلاثة: عقائد، وأخلاق، وتشريعات عملية شاملة للعبادات والمعاملات، هو ذاته المعنى الذي أوجزه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور الذي رواه أبو هريرة: “الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها: قول لا إله إلا الله [عقيدة]، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق [معاملات]، والحياء شعبة من شعب الإيمان [أخلاق]”.


جزء مستل من: د. حازم علي ماهر، تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية، تقديم المستشار طارق البشري، مصر: دار النهضة العربية، الإمارات: دار النهضة العلمية، 1439ه/2018م، ص26-30 (بتصرف واختصار مع حذف الهوامش).

 

بقلم: أ. وائل أنور بندق

ربما نجد أن الكثيرين من رجال القانون العرب لا يعرفون هذا الفقيه العظيم، رغم شهرته العالمية الواسعة، وإسهاماته العلمية البديعة غير المنقطعة حتى الآن، لذلك وجب علينا التعريف به وبإسهاماته، وربما أجد أن التعريف به هو (فرض عين) يقع على عاتقي، بحكم صداقتنا الممتدة منذ سنوات طويلة، وقد بدأت هذه الصداقة التي أعتز بها -أيما اعتزاز- بعدما عرَّفَني عليه الصديقان المشتركان الراحلان العظيمان الدكتور هشام صادق والدكتور سمير تناغو.

والدكتور أمية علوان هو عدة فقهاء في فقيه واحد، أو فلنقل هو مثال بارز على الفقيه الموسوعي الذي لا يقف على أعتاب تخصص واحد، بل هو موسوعة قانونية متحركة في شتى فروع القانون، وله صولات وجولات في الشرائع القانونية العالمية: الشريعة الإسلامية والأنجلو أمريكية واللاتينية والجرمانية.

والأهم من كل ذلك أنه متابع جيد لكل ما يُنشر من كتب وأبحاث على مستوى العالم، وقد تعودت منه على عادة علمية محببة إلى قلبي، وهي أنه يتصل بي مرتين أسبوعيا من ألمانيا، يوم الثلاثاء ويوم الجمعة، وكل مكالمة لا تقل مدتها عن ساعة، نتناقش فيها في كل ما هو جديد في مجال القانون والشريعة والاجتماع، وقد تعودت على أن أمسك القلم وأنا أتحدث معه في الهاتف خشية أن تتوه مني ملاحظة من ملاحظاته القيمة.

إن ما أقوله عن الفقيه الكبير ليس مجرد حماس طارئ أو تكريم لأستاذ وصديق، وإنما أخشى أن يكون أقل مما يجب أن أذكره عنه، وهو أمر يدركه الجيل الرائد من رجال القانون في مصر الذين يعرفون لهذا الفقيه العظيم قدره ومقداره.

وقد تعلمت من خبرة الحياة أن الفقيه العظيم هو خُلُق عظيم وإنسان عظيم، وتلك حقيقة تتجسد بشكل كبير في الدكتور أمية علوان، فهو إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يمد يده بالتشجيع وبالخير لكل من يعرفه أيًا كانت جنسيته.

ولعل أهم خصاله الشخصية أنه رغم هجرته الي الغرب إلا أنه متمسك بمصريته وقوميته بل وباستعماله للغة العربية رغم أنه يجيد عددًا من اللغات، وأتذكر بخصوص اعتزازه باللغة العربية أنني كنت في زيارة له  بمنزله في القاهرة منذ عدة سنوات، وأردنا الاطمئنان وقتها على الراحل الجليل الدكتور أحمد صادق القشيري قبل وفاته فقام الدكتور أمية بالاتصال بمكتب القشيري وكان رد السكرتيرة باللغة الإنجليزية بحكم أن المكتب هو من أهم مكاتب المحاماة الدولية فما كان من الدكتور أمية إلا أن قال لها “يا سيدتي أنا في مصر وأحدثك بالعربية فحدثيني بها”.

وفي مرة أخرى قال لي إذا أرسلت لك إيميل من ألمانيا باللغة الإنجليزية فاعلم أن ذلك ليس من قبيل التفرنج، وإنما المشكلة في استعمال الكيبورد باللغة العربية سأحلها قريبا.

والفقيه الكبير يعمل حاليًا أستاذًا للقانون المقارن والقانون الإسلامي بمعهد القانون المقارن بجامعة هايدلبرج بألمانيا، وهذا هو معقله التاريخي منذ حصوله على الدكتوراة.

وقد ولد د. أمية علوان في الأول من أغسطس عام 1932 في القاهرة، لأب عمل مدرسًا بدار العلوم، وكان وكيلًا لوزارة المعارف، وكان الأب الأستاذ حسن علوان من فطاحل اللغة العربية، واشترك في تفسير القرآن الكريم في ثلاثين جزءًا كما كتب عددًا من الأبحاث والكتب في البلاغة والأدب.

وتخرج الدكتور أمية من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام ١٩٥٣ وكان أول دفعته، وكان من الدفعة نفسها الدكتور أحمد فتحي سرور والدكتور عوض محمد عوض، ثم حصل د. أمية بعد ذلك على دبلومي القانون الخاص والقانون العام في عامي 1954 و1955، ثم سافر إلى فرنسا وحصل منها على دبلوم في القانون الروماني وتاريخ القانون من جامعة رين.

وبعدها سافر إلى ألمانيا وحصل على الدكتوراة بتقدير ممتاز من جامعة هايدلبرج عام 1962 حول “النيابة من منظور قانوني وتاريخي مقارن”.

وعمل منذ هذا التاريخ بمعهد القانون المقارن وصار مديرًا أكاديميًا لهذا المعهد لفترة طويلة من الزمن، وكان مسئولًا عن أقسام الدول العربية، وإثيوبيا، وإيران.

وفي يومي 7 و 8 أكتوبر الماضيين أُقيم في ألمانيا مؤتمر علمي بمناسبة بلوغ الفقيه المصري العظيم الدكتور أمية حسن علوان سن التسعين، وقد أقيم المؤتمر بالتعاون بين جامعة هايدلبرج (معهد القانون المقارن)، وجمعية القوانين العربية والشريعة الإسلامية بألمانيا، وسوف يصدر كتاب تذكاري هناك بهذا المناسبة عبارة عن مجموعة دراسات مهداة إلى الدكتورة أمية علوان، وسوف أتشرف بالمشاركة ببحث فيه حول “دور قدري باشا في الدراسات المقارنة”، وببحث مشترك مع أستاذي الراحل الدكتور سمير تناغو عن “القانون واجب التطبيق على ميراث المسيحيين”.

مؤلفاته:

في الواقع أنه من الصعب حصر إسهامات وأبحاث الفقيه الكبير باللغات الالمانية والفرنسية والعربية إلا أننا سنعطي أمثلة على بعض إسهاماته الفردية أو المشتركة، وهي:

– تحديد النسل والإجهاض في الإسلام- مساهمة في قانون الدول النامية في: القانون المقارن والتوحيد القانوني.

– مشكلة تحديد النسل والإجهاض- الرأي السائد للدولة والدوائر الدينية في البلدان الإسلامية.

– قانون العقود الفرنسي.

– الاعتراف بأحكام الطلاق في مصر ولبنان.

– الاعتراف بأحكام الطلاق في المغرب وقانون الطلاق اليهودي/ المغربي.

– الاعتراف بأحكام الطلاق الألمانية في مصر- طلاق الأقباط.

– الهبة في القانون اللبناني.

– قانون التبني السوري والإسلامي.

– ترجمة اتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض من الحيوانات والنباتات البرية (CITES)، مترجمة إلى العربية بتكليف من أمانة هذه الاتفاقية في جنيف. 

– حق مندوب المبيعات (المندوب الوسيط) في المعاملات التجارية العربية الألمانية.

– إجراءات الوصايا العراقية وقانون الإرث.

– شركات المساهمة (في القانون التركي).

– قانون الشركات التركي.

– النظام القانوني في المملكة العربية السعودية.

– قانون الميراث والضرر والتأمين على الحياة اللبناني.

– القانون المصري المشترك بين الأديان في المحاكم الألمانية.

– النظام القانوني المغربي.

– المشاكل القانونية للزواج المختلط (الألماني- الهندي).

– القواعد الشرعية في الإسلام وحقوق الإنسان.

– القانون الإسلامي وتطبيقه بواسطة المحاكم الغربية.

– تعدد الزوجات في القانون الباكستاني.

 – شكل الزيجات بين المصريين والألمان في مصر من منظور التنازع الألماني للقوانين. 

– رأي حول الأسرة الأجنبية وقانون الميراث، الشرق الأدنى والأوسط وأفريقيا وآسيا.

–  قوانين الأسرة والميراث الإيرانية وتطبيقها في المحاكم الألمانية.

– الطلاق في القانون الإيراني والولاية القضائية الأساسية للمحاكم الألمانية. 

– تعليقات عامة على قانون الأديان وقانون الأحوال الشخصية في العراق. 

– الطلاق الإرادي في مواجهة قانون الكنيسة الشرقية المتحدة المعمول به في سوريا.

– مبادئ يونيدروا للعقود التجارية الدولية الترجمة إلى العربية (بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور محيي الدين علم الدين والأستاذ الدكتور حسام لطفي).

– تعليق على المادة الخامسة (2) من اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها.

– عدم قبول الدعاوى القضائية بسبب “الزواج العرفي في القانون المصري”، في: “التغلب على الحدود- الحفاظ على المبادئ”.

– أسئلة عملية مختارة في قضايا الميراث الألمانية الجزائرية.

– نهر النيل”، في “موسوعة ماكس بلانك للقانون الدولي العام – المجلد السابع” (الناشر: مطبعة جامعة أكسفورد)، 2012، ص 681-697.

– إجراءات تنفيذ الأحكام السورية في ألمانيا.

إن ما قلناه عن الفقيه الكبير هو غيض من فيض، وهو يستحق أكثر بكثير من هذا المقال المرتجل بمناسبة تكريمه في ألمانيا.

وإنه ليحق لنا التساؤل في نهاية مقالنا: لماذا لا نحتفي بعلمائنا كما يحتفي بهم الغرب؟!

الشيخ شمس الدين محمد بخيت بن حسين المطيعي المصري الحنفي المذهب..

ولد سنة 1271هـ – 1854م في بلدة المطيعة التابعة لمديرية أسيوط، ونشأ بها، وتعلم مبادىء القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر، وتلقى العلوم الشرعية والعربية على كبار الشيوخ في عصره، كالشيخ محمد عليش، وعبد الرحمن الشربيني، وأحمد الرفاعي، وأحمد منة الله، ومحمد الخضري المصري، وحسن الطويل، ومحمد البهوتي، وعبد الرحمن البحراوي، ومحمد الفضالي الجرواتي وغيرهم، وأخذ العلوم الفلسفية عن السيد جمال الدين القاسمي، ونال شهادة العالمية من الدرجة الأولى سنة 1297هـ، واشتغل بالتدريس في الأزهر، وحضر دروسه كثيرون، منهم الشيخ أبو الفضل السيد عبد الله الصديق الغماري وأجازه، والشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ بكلية الشريعة، والشيخ أحمد السناري.

وفي سنة 1311هـ عُين الشيخ المطيعي قاضيًا في الإسكندرية، ثم في المنيا، ثم في بورسعيد، ثم في السويس، ثم في الفيوم، ثم في أسيوط.

وفي سنة 1315هـ عين عضوًا في محكمة مصر الشرعية ثم رئيسًا للمجلس ثم مفتيًا للديار المصرية سنة 1914م، وأحيل إلى المعاش سنة 1921م، وأقام في بيته يفتي كما لو كان في دار الإفتاء.

كان شيخ عصره، عرفته مصر أستاذًا كبيرًا، وقاضيًا لبقًا فطنًا، يقضي بين الناس في مختلف ضروب الخصومات فيكبره المحكوم عليه والمحكوم له، وكان مفتيًا تجري بين الناس فتواه فيكون القول ما قال، والرأي ما رأى، وكان أعلم أهل جيله بدقائق الفقه الحنفي وأبسطهم لسانًا في وجوه الخلاف بين أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وجمع مكتبة كبيرة أهديت بعد وفاته للأزهر..

الملامح العامّة لشخصية الشيخ المطيعي:

  • التقوى، والصلابة في الحقّ، وعفّة اليد:

إنّ نشأة الشيخ الدينية، وثقافته الأزهرية، وما صدر عنه في بعض كتبه ومحاضراته أو مواقفه، يؤكّد أنّه كان تقيًا ورعًا، يخشى الله في كلّ تصرفاته ويستشعر رقابته في كلّ أقواله وأفعاله، ولهذا كان يجهر بكلمة الحقّ دون أن يعبأ بذي سلطان أو مسؤول كبير، وما عرف عنه أنّه داهن أحدًا، أو جامل في أحكامه القضائية، مهما تكن منزلة المدّعي أو المدّعى عليه، أو علاقته بهما، وقد أدّى به تشدّده في أقضيته إلى الفصل من وظيفته، فما عبِئ بهذا ولا سعى للعودة إلى عمله بوسيلة تخدش كرامته أو تنال من عقيدته.

ويشهد للشيخ بتقواه ودفاعه المجيد عن الإسلام ما واجه به بعض المستشرقين ومن سار على دربهم من أشباه المسلمين، فقد ردّ على المستشرق الفرنسي «رينان» ما جاء عنه من افتراءات وأباطيل في كتاب «تنبيه العقول الإنسانية لما في آيات القرآن من العلوم الكونية والعمرانية”.

  • مشاركاته الإيجابية في التصدّي لمشكلات عصره:

تدلّ مؤلّفات الشيخ وأبحاثه ومقالاته ومحاضراته وما قضى به وأفتى على أنّه عاش مشكلات عصره، وواقع بيئته، وأنّه لم يدّخر وسعًا من أجل تقديم الحلول الشرعية لهذه المشكلات. وهو من ثمّ يؤكّد بما قدّم؛ مسؤولية العلماء نحو الأُمّة، وهي مسؤولية جسيمة، لأنّها تتعلّق ببيان أحكام الله في أفعال عباده، والتصدّي للأباطيل التي تحاول التشكيك في صلاحية هذه الأحكام لكلّ زمان ومكان.

ولا مجال لتفصيل القول في آراء الشيخ التي عالج بها أهمّ النوازل والمستجدّات التي عرفها المجتمع الإسلامي في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ومنتصف القرن الرابع عشر، والتي عبّرت عن شخصيته الاجتماعية تعبيرًا واضحًا، وأنّه لم يعش بأفكاره وفقهه في برج عاجي، وإنّما كان على معرفة بكلّ ما تموج به الحياة الإنسانية في زمنه من قضايا وأفكار وعادات معرفة علمية مكّنته من أن يكون في بحثه الفقهي وثيق الصلة بعصره ومقدّمًا العلاج الملائم الذي يكفل سيادة التشريع في دنيا الناس.

وإذا كان المجال لا يسمح بتفصيل القول في هذا الجانب من شخصية الشيخ المطيعي، فإنّ «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه»، ولهذا أجتزئ ببعض القضايا التي تشهد له بأنّه كان في جهاده العلمي يعيش الواقع ويهتمّ به ويكتب عنه، وهذه القضايا تشمل ما يأتي:

1 ـ التكافل الاجتماعي:

لقد سألت وزارة المالية الشيخ -وهو يتولّى منصب الإفتاء- بتاريخ 25/2/1920م عن عريضة مرفوعة من امرأة فقيرة لا تملك شيئًا، وليس لها قريب ما يستطيع أن يعولها مع تقدّم السنّ وضعف البنية، وهي تطلب من الدولة نفقة شهرية باعتبارها مواطنة مصرية، فدرس الشيخ الموضوع من جوانبه الفقهية وقوّاه بالسند القانوني حين أكّد أنّ بيت المال (وزارة المالية)، يجبي الأموال من مرافق مختلفة، حدّدها بالاسم، ومنها التركات التي لا وارث لها أصلًا، أو لها وارث ويبقى شيء من التركة، وهذا النوع على المشهور من المذاهب يصرف للفقراء الذين لا أولياء لهم، ومصرفه لكلّ عاجز عن الكسب، ومتى كانت المرأة فقيرة محتاجة وليس لها عائل كان الحقّ لها أن تأخذ من مصارف الخراج الخاصّ بالأراضي الزراعية ومن ضرائب الجمارك ومن التركات التي لا وارث لها، فيجب على الحكومة أن تعطيها الكفاية من مرفقي الضرائب والتركات.

2 ـ رأيه في الشيوعية:

بعد أن نجحت الثورة الروسية سنة 1917 وقامت الشيوعية رسميًا، ظهرت عدة كتب خاصّة تشيد بمبادئها، وتعلن أنّها الحلّ النهائي لمشكلات البشرية، وأنّ العقائد الدينية ليست إلاّ أفيونًا للعامّة يسكرهم عن حقوقهم المغتصبة.

قرّر الشيخ المطيعي أنّ البلشفية تهدم الشرائع السماوية، وتجعل الناس فوضى في معاملاتهم، فهم يهدفون إلى هدم الكيان الاجتماعي، ويحرّضون الطبقات الفقيرة لتثير حربًا عوانًا على كلّ نظام اجتماعي يستند إلى قواعد الفضيلة والآداب. وإذا كان هؤلاء لا يعتقدون في شريعة من الشرائع الإلهية ولا يعتقدون دينًا سماويًا فهم كافرون.

3 ـ محاربة التبشير:

أمّا التبشير بالمسيحية بين المسلمين فله جذور قديمة ترجع إلى ما بعد هزيمة الجيوش الصليبية وطردهم من بلاد المسلمين، ولكن بعد أن خضع العالم الإسلامي كلّه تقريبًا للنفوذ الاستعماري باحتلال أرضه، وفرضت القوانين والتقاليد الغربية عليه، أخذ التبشير يخطّط لزعزعة ثقة المسلمين بدينهم، والتبشير بالنصرانية بينهم، وتعاون الاستشراق مع التبشير في سبيل ذلك. وقد لجأ التبشير إلى وسائل متعدّدة، وأصبح يمثّل خطرًا على عقيدة الأُمّة.

ولم يكن الشيخ بخيت في غفلة عن هذه الهجمة الباغية، فقد نبّه إلى ذلك الخطر، وحذّر من مغبّة التغاضي عن مقاومته، وممّا كتبه في هذا ما نشر تحت عنوان «التبشير وكيف نقاومه ونأمن غوائله”.

  • مشاركاته السياسية:

لم يكن الشيخ المطيعي عالمًا ضليعًا في فروع الدراسات الإسلامية بمفهومها المعاصر، وكذلك الدراسات العربية والتاريخية فحسب، وإنّما كان إلى هذا رجلًا اجتماعيًا ومجاهدًا وطنيًا، وله بصماته في مجال القضايا السياسية منذ شبابه وحتّى الأعوام الأخيرة من عمره، ولعلّ تلمذته لجمال الدين الأفغاني، وما كان يتحدّث به هذا في مجالسه عن واقع الأُمّة ووجوب العمل الجاد لإخراجها من دياجير التخلّف والتسلّط والقهر والتدخّل الأجنبي في شؤونها، كان له الأثر في اهتماماته السياسية ومشاركته في النشاط الوطني لحماية الأُمّة ممّن يكيدون لها ولا يريدون أن تعيش عزيزة كريمة مستقلّة.

وقد أطلق الزعيم الوطني سعد زغلول على الشيخ المطيعي لقب أكبر مفتي في الإسلام، وكان سعد زغلول قد قرأ وهو في باريس، الأنباء عن نشاط المجتمعين في الأزهر وما دار في اللقاء بين الشيخ ولورد ملنر فأرسل إلي حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمد بخيت المطيعي هذه البرقية:

باريس في 26 يناير سنة 1920.

حضرة صاحب الفضيلة مفتي الديار المصرية:

أكتب إلى فضيلتكم عن ابتهاجنا العظيم بالأجوبة التي أجبتهم بها لورد ملنر في داركم العامرة، فقد أيدت الحق بالحجج الناهضة، ودحضت الباطل بالإنارات الواضحة، وكانت أحسن وقعًا، وأبلغ أثرًا من المقاطعة، ولا غر، فهي أجوبة كبر مفت في الإسلام، رضي الله عنكم، وأرضاكم وسدد خطانا وخطاكم.. آمين.” سعد زغلول.

ومن المعروف أن الشيخ محمد بخيت المطيعي كان هو من قدم اقتراح تضمين دستور 1923 النص على أن الإسلام دين الدولة، وهو النص الذي احتفظت به الدساتير المصرية المتعاقبة، كما أنه كان له دور كبير في مقاومة محاولات إلغاء الوقف الإسلامي ومقاومة التغريب الثقافي.

من مؤلفاته :

  1. الدرر البهية في الصيغة الكمالية.
  2. نظام الوقف والاستدلال عليه.
  3. المرهفات اليمانية في عنق من قال ببطلان الوقف على الذرية.
  4. حقيقة الإسلام وأصول الحكم.
  5. رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها وبيان طبقات المذهب الحنفي.
  6. رفع الإغلاق عن مشروع الزواج والطلاق.
  7. حاشيته على شرح خريدة الدردير.
  8. إرشاد الأمة إلى أحكام أهل الذمة.
  9.  حسن البيان في دفع ما ورد من الشبه على القرآن.
  10. القول الجامع في الطلاق البدعي والمتتابع .
  11. إزالة الاشتباه عن رسالتي الفونوغراف والسوكرتاه.
  12. الكلمات الحسان في الأحرف السبع وجمع القرآن.
  13. القول المفيد في علم التوحيد. 
  14. أحسن القرا في صلاة الجمعة في القرى .
  15. الأجوبة المصرية عن الأسئلة التونسية.
  16. مقدمة شفاء السقام، للسبكي.
  17. حل الرمز عن معمي اللغز .
  18. إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة.
  19. البدر الساطع على جمع الجوامع، في أصول الفقه.
  20. إرشاد العباد إلى الوقف على الأولاد. 
  21. الكلمات الطيبات في المأثور عن الإسراء والمعراج. 
  22. إرشاد القارىء والسامع إلى أن الطلاق إذا لم يضف إلى المرأة غير واقع. 
  23.  أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام. 
  24. المخمسة الفردية في مدح خير البرية.
  25. الدراري البهية في جواز الصلاة على خير البرية.
  26. متناول سبيل الله مصارف الزكاة. 

وفاته: توفي في شهر رجب سنة 1354 هــ 1935 م في القاهرة، ورثاء الأديب، الشاعر علي الجندي بقصيدة عصماء، كما رثاه كل من العلامة عبد الحميد بن باديس والأستاذين محمد كرد علي وأحمد حسن الزيات.. وغيرهم.

_______________________________

المصادر:

  • زكي محمد مجاهد، الأعلام الشرقية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2، 1994.
  • محمد الدسوقي، محمد بخيت المطيعي، دار القلم، دمشق، ط1، 1432ه:2011م.
  • د. محمد الجوادي، محمد بخيت المطيعي: المفتي الذي اشترك في دستور ١٩٢٣.

أحمد بك أبو الفتح (1866 – مارس 1949) فقيه مسلم وحقوقي مصري. يعد من رواد مدرسة الحقوق المصرية الحديثة، لاسيما من خلال كتابه عن المعاملات في الشريعة الإسلامية والقوانين المدنية المصرية، وكان وطنيًا، وكان عضوًا منتخبًا في مجلس النواب.

سيرته:

ولد أحمد بك بن حسين أبي الفتح في بلدة الشهداء بالمنوفية بإيالة مصر العثمانية سنة 1303هـ/ 1866م ونشأ بها. تخرج من مدرسة دار العلوم سنة 1891 ثم التحق بوزارة المعارف، واشتغل بالتدريس في المدارس الأميرية ثم بالتفتيش.

عُيّن أستاذًا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1908، وأخذ عنه كثير من علماء عصره لأكثر من ثلاثين سنة. وفي سنة 1930 أحيل على التقاعد. كان من كبار الكتاب والأدباء والعلماء الذين اشتغلوا بالعلم والأدب والفقه الإسلامي والتأليف فيه. وكان إلى جانب ذلك كريم الأخلاق حميد السجايا كثير الإحسان شديد العناية والتربية لأبنائه النجباء الذين تعتز الصحافة بشخصيتهم الفذة، وكان كذلك ممن لهم قدم راسخة في الاهتمام بالقضية الوطنية المصرية، وقد انتخب عضوًا بمجلس النواب. وتبرع بألفي جنيه وقطعة أرض لإنشاء مجموعة صحية في بلدته، الشهداء.

وهو والد الصحفي محمود أبو الفتح (أغسطس 1893 – 15 أغسطس 1958)، وحسين، ومحمد، وأحمد أبو الفتح.

مؤلفاته:

كان لأحمد بك عدد من المؤلفات في التشريع الإسلامي، من أهمها كتابه “المعاملات في الشريعة والقوانين المصرية”، وقد ذكر في مقدمته أنه: “كتاب في المعاملات الشرعية علي المذهب الحنفي، ويهدف في تفهم الأحكام بعد حالة الفتور عنها بعد وضع القانون المدني الأهلي والعمل به بمقتضي الأمر الصادر في 28 أكتوبر 1883، وتخصيص المحاكم الشرعية بالنظر في قضايا الأحوال الشخصية، إذ المعهود في جميع الأزمنة والأمكنة أن العلم الذي لا يكون العمل جارياً على مقتضاه في جهة من الجهات تنصرف عنه الأفكار. ولا يكون الاقبال عليه ممن يضطرون الى ذلك لأداء امتحان مثلا الا ليحصلوا منه على أقل ما يوصل الى النجاح ولا يلبث بعد ذلك الا مقدار ما يلبث النقش على الماء والرسم على صفحات الهواء ولولا المحافظون عليه من السادة الأعلام وشراح القوانين المدنية الذين يرجعون الى كتب الفقه لحيف على هذا القسم العظيم. فرغبنا في تعميم تعليمه وتعلمه حتى يكون له من عناية الأمة المصرية ما لقسم الأحوال الشخصية منها حتى لا تتطرق إليه عوامل الاضمحلال والفناء لأن الله جل شأنه لا ينتزع العلم من الصدور انتزاعاً وانما ينتزعه بموت أهله، ولقد أجلنا النظر وسرحنا الفكر في جميع الوسائل التي تؤدي الى هذه الغاية الشريفة فبعد استطلاع آراء أعاظم العلماء وأكابر المفكرين وبعد الوقوف على رغبات كثير من طلبة العلوم الشرعية والقانونية وجدنا شبه اجماع على أن أفضل الوسائل وأسهل الطرق التي توصل الى نيل تلك الأمنية عمل كتاب في هذا القسم يجمع بين سهولة التعبير ووضوح المعنى وحسن الترتيب وبين إرداف الأحكام الشرعية للمسائل الكثيرة الحصول بنظائرها من أحكام اللوائح والقوانين الجاري عليها العمل في القطر المصري السعيد ليجتمع لمن يطلع عليه فائدة سهولة فهم الأحكام حكام الشرعية مع فائدة الالمام بشيء من الأحكام الأهلية ليأخذ كل منه ما يريد”.

ومن مؤلفاته أيضًا:

  • المعاملات في الشريعة الإسلامية.
  • مختصر المعاملات.
  • المختارات الفتحية في أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي.
  • ملخص محاضرات الوقف.
  • الخلاصة في نظرية المرافقات.

وفاته:

توفي في شهر جمادى الأولى 1368 الموافق لشهر مارس 1949، بالقاهرة بالمملكة المصرية، ودفن في مقابر الغفير بالعباسية.