موقع حوارات

موقع حوارات

يُـحاول أن يقدِّم رصدًا لعشرات المواضع التي جرى فيها تـجديد للاجتهاد الفقهي في السنين الستين الأخيرة. والتجديدُ الفقهيُّ أصلٌ أصيل في دين الإسلام. أخرج أبو داود وغيرُه عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله ? قال: ” إنَّ اللَّـه يبعثُ لـهذه الأُمةِ على رأس كلِّ مائة سنةٍ من يُـجدِّد لـها دينها “. وقد قام العلمـاء – ولا يزالون يقومون – بهذا الواجب فعلًا. فلا يخلو بلدٌ من بلاد الإسلام من أئمة هداة يستمر بهم العطاء الإسلامي متجدد في كلِّ زمان ومكان. ولأنَّ مذاهب العلماء تتنوَّع، واجتهاداتهم تتباين أحيانًا في الأمر الواحد، فإنَّ محاولة الرصد التي يُـقدِّمها هذا الكتاب لا تقتصر على ما يؤيِّده كاتبه أو يقبله من آراء العلماء؛ وإنَّما تتسع لتشمل بعض ما يرى استحقاقه للتصويب أو التعليق. كما أنَّ ما تضمَّنه هذا الكتاب في طبعاته السابقة أدَّى إلى أن يختلف معه – أو يتفق – بعض كبار علماء العصر الذين ضمَّت هذه الطبعة آراءهم في معظم المواضع التي أدلوا فيها برأيٍ. ويُقدِّم هذا الكتاب نماذج للاجتهاد الذي يقوم به العلماء المؤهَّلون تفرِّق بينه وبين الجرأة على الدين، التي يقع فيها كثيرٌ من الناس، ولو كانوا من ذوي المناصب والألقاب.

والكتاب يدعو إلى الاجتهاد الواجبِ العلماءَ القادرين على ذلك. ويدعو إلى الاجتهاد الذي يسير على مناهج الاستدلال والبحث التي قَبِلَها المسلمون على امتداد تاريخهم، ويرفض الأقوال التي يتحلل أصحابها من كلِّ قيدٍ؛ اتباعًا للهوى، أو طلبًا لمصالحَ قريبـةٍ زائلة، أو استرضاءً لمن يُظنُّ أنَّ في أيديهم نفعًا أو ضرًّا.

والكتب طٌبع أكثر من طبعة، آخرها طبعة دار السلام عام 2017.

 

فيما يلي عرض كتبه الباحث الحسن الفرياضي لكتاب “في أصول النظام الجنائي الإسلامي” للدكتور محمد سليم العوا، وهو منشور بتاريخ السادس من أغسطس عام 2016 على موقع المركز الديمقراطي العربي.

كان النظام الجنائي في القرون الأولى للإسلام يتميز بالبعد عن التطرف، وسهولة المأخذ، إذ يستمد أحكامه من الكتاب والسنة والاجتهاد، ويتميز كذلك باستقلال المؤسسة القضائية، إلا أن موضوع هذا النظام شكل منذ ذلك العصر إلى هذا اليوم، نقطة الخطر في النظام القضائي، لأنه يتعلق بجرائم الحدود، والتعزير، والكتاب الذي بين أيدينا، “في أصول النظام الجنائي الإسلامي (دراسة مقارنة)” للدكتور محمد سليم العوَّا، يعالج هذه النقطة بدراسة أصولها في المنظور الإسلامي، ومقارنتها بالقوانين الوضعية، وهذا التقرير يأتي لرسم نظرة سريعة بالتعريف بهذا الكتاب، وبيان منهجه، واستكشاف ما يحمله من الحلول للإشكالات المستجة من الأمور في أصول النظام الجنائي الإسلامي و في القوانين الوضعية.

أولا.  موضوعات الكتاب:

يقع كتاب، “في أصول النظام الجنائي الإسلامي” في مقدمة، وخمسة أبواب هي: باب في أوليات التشريع الجنائي الإسلامي، والباب الثاني في جرائم الحدود و عقوباتها، والباب الثالث في جرائم الاعتداء على الأشخاص وعقوبتها، والباب الرابع تناول فيه جرائم التعزير وعقوباتها، والباب الخامس، والأخير تناول فيه نظام الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي.

والطبعة التي بين يدي هي لمؤسسة نهضة مصر للطباعة، والنشر، والتوزيع، الطبعة الرابعة، 2006 م، مؤلف من مجلد واحد، عدد صفحاته 381 صفحة، رقم الايداع: 1784/2006، الترقيم الدولي 0-337-14-977 ISBN.

المقدمة : إفتتح المؤلف كتابه بمقدمة طويلة، ركز فيها على مجموعة من الأمور، منها:

المحاولات المعاصرة لتطبيق النظام الجنائي الإسلامي في واقع الناس، في مصر و غيرها من البلاد العربية، والإسلامية، والتي تتمثل في عقد الندوات والمؤتمرات، وكذلك التأليف في هذا الموضوع.

الإشارة إلى أهمية البحث والتأليف في الأحكام الجنائية الإسلامية، مع التيسير في تطبيق هذه الأحكام في واقعنا المعاصر.

حدد العوامل التي عاقت تقدم الفقه الجنائي الإسلامي في عاملين: أولهما: التطبيق المحدود للأحكام الإسلامية في الواقع، والثاني: ذلك الرأي الذي إنتشر بين عدد كبير من المهتمين بقضايا الإسلام، و الذي يدعوا إلى إقامة حكومات إسلامية دون مراعاة قضايا المجتمع المعاصر و مشكلاته (الإقتصادية و السياسية و التعليمية و القانونية…)

الباب الأول، في أوليات التشريع الإسلامي:

حيث ناقش فيه عددا من الأوليات، والأسس التي يقوم عليها بناء النظام الجنائي الإسلامي، ومن هذه الأسس التي ذكرها:”ما يتصل بمصدر القانون وأثره في أحكامه ومنها ما يتصل بقواعده الموضوعية، كما أن منها ما يتصل بقواعد إجرائية”[1]، كما يلي:

أوليات تتصل بالمصدر: وذلك أن التشريع الجنائي الإسلامي يستند في أسسه العامة و قواعده الكلية و كثير من أحكامه الجزئية إلى الوحي من القرآن و السنة,وهذا يترتب عليه النتائج التالية:

وجوب تطبيق هذه الأحكام و الخضوع لها,بإعتبارها جزءا من الإسلام

لا يوجد إنفصال بين القاعدة الجنائية الإسلامية و القاعدة الخلقية لإصطباغ قواعد هذا التشريع بالصبغة الدينية.

أوليات تتصل بالموضوع: ركز في هذا المحور على ثلاث قواعد:

“لا جريمة ولا عقوبة بغير نص”: ومقتضى هذه القاعدة أن أفعال الأفراد وسلوكهم لا تعتبر جرائم إلا إذا كانت ثمة نص قانوني صدر عن السلطة التشريعية في الدولة يقرر جعل هذا السلوك المعين جريمة,ويقرر عقوبة له بشرط أن يكون هذا النص التشريعي قد صدر قبل إرتكاب الفعل أو وقوع المراد عقابه.

“عدم رجعية التشريع الجنائي إلى الماضي”: ومقتضى هذه القاعدة أن النصوص الجنائية لا ترجع إلى الماضي، وإنما يكون تطبيقها بأثر مباشر على الوقائع التي تحدث بعد صدور هذه النصوص,دون الوقائع التي حدث قبلها.

“المساواة أمام النصوص الجنائية.”وذلك بأن يسري هذا القانون في حق كافة من يخالفونه دونتمييز و يعبرون عن ذلك بأن يكون القانون واحد بالنسبة لكافة الناس.

واختتم المؤلف هذا المحور بالإشارة إلى البيان الفقهي لوظائف العقوبات في النظام الجنائي الإسلامي، وهي:

  1. تحقيق الجزاء العادل.
  2. منع وقوع الجريمة في المستقبل.
  3. إصلاح الجاني حتى لا يعود إلى إرتكاب الجريمة مرة أخرى.

ثم بعد ذلك إنتقل المؤلف إلى التفصيلات التي تتعلق بهذا الموضوع، وذلك بذكر الانتقادات الموجهة لكل هدف من هذه الأهداف، ورد عليها بالأدلة من القرآن و السنة ومن الآثار.

أوليات إجرائية: ذكر فيها مجموعة من الأمور منها:

تقسيم الفقهاء المسلمون للأفعال التي ورد التكليف الشرعي بإتيانها أو بمنع فعلها وهي ثلاثة أقسام: قسم هو حق خالص لله، وقسم يشتمل على حق لله و حق للفرد ولكن حق الله فيه أغلب، وقسم يشمل على حق لله و حق للفرد فيه أغلب.

ثم بعد ذلك ذكر النتائج التي تترتب على هذا التقسيم، وهي إما أن تكون موضوعية أو إجرائية.

وفي الأخير توصل إلى تحديد ما يعتبر من الجرائم، سواء كان الاعتداء، اعتداء على حق الله أو كان الاعتداء، اعتداء على حق الفرد.

ومن جملة الأمور التي ذكرها أيضا في هذا الموضوع، قاعدة: “درء الحدود بالشبهات“، ومقتضى هذه القاعدة الفقهية، أنه متى وقع لدى القاضي شبهة في ارتكاب الجريمة الموجهة لعقوبة من عقوبات الحدود، وجب عليه ألا يحكم على المتهم بعقوبة الحد، وقد يجوز مع ذلك الحكم عليه بعقوبة تعزيرية في حالات معينة.

ثم بعد ذلك ناقش كون القاعدة فقهية لا نصية، واتصالها بقاعدة: “إفتراض البراءة“، وفسر الشك لصالح المتهم، ثم ذكر مدى جواز إعمال هذه القاعدة في الجرائم التعزيرية.

وبعد هذا إنتقل المؤلف إلى الحديث عن أحكام العفو والتوبة، وذكر أن من أسباب إسقاط حق الدولة في العقاب (الأعذار المعفية من العقوبة): التقادم، ووفاة المتهم، العفو العام والشامل، الصفح أوالتصالح.

ثم نبه إلى أن هذه الأعذار تنظمها شروط، وأنها أعذار قانونية يقررها المشرع لا القاضي، ثم بعد ذلك إنتقل بنا المؤلف إلى الحديث في الشق المتعلق بالتوبة، وذكر فيه تعريف للتوبة، وأثرها في الإعفاء من العقوبة، ثم خلص إلى مجموعة من الملاحظات حول فكرة التوبة.

الباب الثاني، في جرائم الحدود وعقوباتها: تحدث المؤلف في هذا الباب أولا، عن الجريمة و أحكامها، ثم ثانيا، عن الحدود، وعقوباتها في النظام الجنائي الإسلامي، وهي إما: جرائم حدود، وإما جرائم قصاص (دية)، وإما جرائم تعزيرية.

و التقسيم نفسه يجري في العقوبات، إذ هي مقررة لهذه الجرائم ولازمة لها.

ثم نبه إلى ان جرائم الحدود و القصاص محدودة العدد، مقررة بنص الشارع، خلافا لجرائم التعزير الغير المحددة، فهي متروكة لتحكيم القضاء، أو ولاة الأمر.

وفي دراسة لهذه الأحكام، خالف الكاتب جمهور الكاتبين في الفقه الإسلامي في حصر الأحكام المتعلقة بالحدود فلما ذكر أن الفقهاء اتفقوا على أن جرائم الحدود ستة، هي: الردة، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والقذف، والزنا، والبعض منهم ينقص جريمة شرب الخمر.

نبه المؤلف إلى ضرورة تصنيف هذه الجرائم إلى قسمين:

أحدهما يتعلق بالخطأ المدني الذي ينشىء حقا في التعويض لمن أصابه الضرر.

والثاني يتعلق بالجريمة الجنائية التي ينشئ حقا للدولة في العقاب عليها.

وعلى هذا الأساس خلص إلى أن جريمة البغي، و شرب الخمر، و الردة، لا تدخل في جرائم الحدود، لأن حدود الجرائم تعود المصلحة في عقابها إلى مصلحة الأمة عامة، فلا يجوز للدولة تخفيضها ولا العفو عنها.

وأضاف أيضا أن جرائم الحدود بالمعنى الصحيح هي جرائم السرقة والحرابة و القذف و الزنا.

الباب الثالث، في جرائم الاعتداء على الأشخاص وعقوبتها:

بين في هذا الباب المقصود بجرائم الاعتداء على حياة الأشخاص، وحدد نوع السلوك، وحقيقة الفعل الضار الذي ينتمي إلى أفعال الاعتداء على الحياة بالقتل، أو الاعتداء على الأشخاص بالجرح أو الضرب، وذلك بناء على القواعد الأساسية في نظام القصاص، والدية، وهي:

في القصاص: إما قصاص في النفس (قتل القاتل)، وإما دون النفس (إحداث جرح أو ألم بالجاني، ولما أحدثه بالمجنى عليه).

وفي الدية: فهي مبلغ من المال، يدفع إلى أولياء القتيل، مقابل نزولهم عن الحق في القصاص، أو يدفع  للمجني عليه مقابل نزوله عن الحق في القصاص لما أصابه من الاعتداء.

ثم ذكر المؤلف أن هذه الأحكام إنما تكون في القتل والجرح العمدين، أما في حال الخطأ فجزاؤهما الدية و الكفارة.

كما ذكر غير هذا من الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع، مثل القصاص غير القتل، والقصاص بين الإعمال والإهمال، وأحكام القصاص، وتعدد الجناة، والقصاص من المسلم لقتل الذمي، والقصاص من الوالد بولده.

ثم اختتم هذا الباب بوصف واقع تشريع القصاص في الدول العربية، والإسلامية، ثم مسألة القصاص و الدية بين العقوبة و التعويض.

الباب الرابع، في جرائم التعزير وعقوباتها:

بين في هذا الباب المقصود بالتعزير و أهميته، خاصة في الفقه الجنائي الإسلامي.

ثم بعد ذلك رد على شبهة بعض المستشرقين، وهي أن القرآن والسنة لا يعتنيان بأحكام التعزير، وهو السبب الذي دفعه إلى البحث والتقصي عن كلمة “التعزير” في القرآن و السنة، حتى توصل أن هناك أفعال في القرآن، والسنة ورد الأمر بالعقاب عليها، دون أن يحدد لها عقوبة معينة.

جملة هذه الأمثلة التي ذكرها: التعزير على الشطط في التأديب، التعزير على ترك الجهاد، التعزير على سرقة لا توجب الحد، التعزير على منع الزكاة، التعزير على مماطلة المدين المويسر، التعزير على الإساءة إلى قائد الجيش.

وخلص في هذا الموضوع، بتسجيل حقيقتين أساسيتين:

الأولى: أن التعزير كنظام متكامل من أنظمة العقوبات التي عرفها الفقه الجنائي الإسلامي، لم يظهر في صورة واضحة، إلا في مرحلة متأخرة نسبيا من مراحل تطور هذا الفقه.

والحقيقة الأخرى:أن الفقهاء مدينون في فهمهم وبيانهم لنظام التعزير في الفقه الجنائي الإسلامي، للتطبيقات النبوية في العمل بالتعزير.

ثم بعد هذا شرع في ذكر باقي أنواع العقوبات التعزيرية الأخرى، مثل: عقوبة الوعظ والتوبيخ والتهديد، والهجر، والتشهير، والعقوبات المالية، والحبس، والجلد، والإعدام، وشهادة الزور، وخيانة الأمانة، والرشوة، وغير ذلك من الأمثلة.

و ختم المؤلف هذا الباب بتقويم نظام التعزير، ومدى تطبيقه في النظم الجنائية الإسلامية.

الباب الخامس، في نظام الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي:

تناول فيه المؤلف العلاقة بين توقيع العقوبة على مرتكب الجريمة، و بين أدلة الإثبات التي يطلب القانون توافرها لإثبات نسبة ارتكاب الجريمة إلى الجاني.

وبين أن غاية هذه العلاقة لا تقتصر على إثبات إدانة الجاني فقط، بل تستهدف أيضا براءة البريء.

ثم بعد ذلك أشار إلى الطرق الرئيسية للإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي، ومن جملة هذه الطرق التي ذكرها: الشهادة، والإقرار، والقرائن، ثم علم القاضي.

خاتمة:

اختتم المؤلف موضوعات، ومحاور هذا الكتاب، بتقييم لمحتوياته، ثم ذهب إلى أنه أفنى فيه ثمرة، وقته، وعصارة ذهنه، للمقارنة بين أصول التشريع الإسلامي، وبين أصول التشريع الوضعي، خصوصا ما يتعلق بأصول التشريع الجنائي البريطاني، والنيجيري، ثم السعودي.

ثم بعد ذلك التمس العذر من القارئ الكريم إذا فاته شيء من هذا الكتاب.

ثانيا. منهج العوا في تناوله لموضوعات الكتاب:

سلك سليم العوا في موضوع هذا الكتاب، منهجا واضح المعالم، يحاول من خلاله المقارنة بين أصول التشريع الجنائي الاسلامي  وبين أصول التشريع الوضعي، و يبرز هذا المنهج الرئيسي فيما يلي:

اتبع منهجا واحدا في عرض هذه الجرائم و العقوبات، حيث يبدأ بالتعريف (تعريف جرائم الحدود، والقصاص، والتعزير)، ثم بعده يذكر مالا يعتبر من هذه الأقسام، وما يعتبر منها، ثم يناقش ما يذهب إليه جمهور الكاتبين في الفقه الجنائي الإسلامي فيها، مع الإدلاء برأيه في الموضوع.

أما ذكره لأحكام هذه الأقسام الثلاثة المشار إليها,فقد جاء على وجه التوضيح للمبادئ العامة التي تحكم كل قسم.يقول في هذا الصدد:”على أننا لن نتوقف طويلا عند الجزئيات و التفصيلات و إنما سنكتفي بالمبادىء العامة التي تحكم كل قسم”[2]

يذكر أحيانا في نهاية الموضوع ما يعزم بحثه لاحقا في دراسة مستقلة، ومثال ذلك انه بعد الإنتهاء من مبحث شرب الخمر، قال : (وثمة تفصيلات في مشروعي القانونين اللذين أعدتهما لجنة الأزهر، والدكتور إسماعيل معتوق، لعلهما أن تكون موضوع دراسة مستقلة إن شاء الله)[3]

يعتمد المناقشة الصريحة، بما يتضح معه رؤية الموضوع، وتتبين جوانبه، يقول:(وفي كل هذه الموضوعات كانت دراستنا -على إيجازها- متجهة وجهة المقارنة بين النظام الجنائي الإسلامي، والنظم الجنائية الحديثة، وقد بدأ أثر هذا الاتجاه واضحا في المنهج و المصطلح بقدر ما ظهر في التعرض للموضوع نفسه)[4]

التقليل من الأمثلة، والجزئيات، والتفصيلات، يقول: (وفي دراستنا لأحكام الجرائم و العقوبات، سوف نعالج الأقسام الثلاثة المشار إليها، على أننا لن نتوقف طويلا عند الجزئيات، والتفصيلات، وإنما سنكتفي بالمبادئ العامة التي تحكم كل قسم)[5]

يدلي برأيه في مواضيع الخلاف، ويستدل له بأدلة عقلية، و نقلية قال: (وندلي برأينا في مواضع الخلاف بين الفقهاء، حيث نظن أن لإبداء الرأي فائدة علمية في الظروف المعاصرة، وفي ضوء المنهج الذي ارتضيناه في هذه الدراسة، والذي سبق أن فصلنا الكلام فيه)[6]

ثالثا. النتائج والملاحظات:

اختم هذا التقرير، بتسجيل جملة من الملاحظات حول هذا الكتاب، وذلك في اسلوبه، وقيمته العلمية، حيث توصلت إلى وضع النتائج، والملاحظات الآتية :

أولا،أسلوب الكتاب: أسلوب سليم العوا في هذا الكتاب، أسلوب علمي، يتميز بالشرح، والتحليل والنقد، والترجيح، مما يساعد على استيعاب الأفكار، والمعنى، حتى في معالجته الموضوعات الصعبة بطبيعتها كالمسألة التي تناول فيها “الدية و القصاص”.

ثانيا،الإضافة العلمية للكتاب:كتاب “في أصول النظام الجنائي الإسلامي“، مرجع أساسي في هذا الموضوع، لأنه يسد فراغا كبيرا فيه، لغياب مؤلفات في هذا الموضوع، وهذا ما نبه إليه حينما قال :(حيث أصبحت الدراسة لهذه الأحكام خارج المعمول به… منها دراسة لا يعنى بها في الغالب إلا المشتغلون بالدعوة الإسلامية العامة)[7].

بالإضافة إلى ذلك، فالكتاب جاء بإضافات علمية جديدة، وآراء مستقلة لم يسبقه إليها أحد، يقول سليم العوا : (ثم نظرت في فصوله فأضفت إليه ماجد من بحوث علمية… وأضفت أيضا ما بدا لي من رأي في بعض المسائل التي بحثتها في الطبعتين السابقتين من زاوية,ثم جد من الوقائع ما يقتضي النظر إليها من زاوية أخرى) [8]

ثالثا،تقسيم الكتاب: لم ينصف المؤلف الأبواب الخمسة من حيث حجم الكتابة، حيث نجده طول كثيرا في الباب الثاني حتى تجاوز مائة وثلاثين صفحة، أي ما يقارب ربع الكتاب، في حين نجده في الباب الأخير لم يتجاوز فيه حتى خمسة عشر صفحة.

رابعا، نقذه للفقهاء في مسالة عدد جرائم الحدود: عندما ناقش المؤلف جرائم الحدود إنتهى رأيه إلى أنها أربعة جرائم فقط. خلافا للشائع بين الفقهاء من كونها ست جرائم أو سبعا.فأفعال البغاة,وشرب الخمر,و الردة المحضة عن الإسلام غير المقترنة بالإشتراك في الحرب ضد الدولة الإسلامية ولا بالدعوة إلى الخروج عن الدين.هذه الأفعال جميعا ليست من جرائم الحدود.

[1] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص: 57.

 

[2] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي، ص:151.

 

[3] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص:178

 

[4] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص:57

 

[5] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص152.

 

[6] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص152

 

[7] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص:50.

 

[8] – انظر: سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص:9.

يقول الأستاذ سليمان الناصر في ممقدمة عرضه للكتاب: كتاب الدكتور طه عبد الرحمن الجديد «التأسيس الائتماني لعلم المقاصد» الذي صدر عن مركز نهوض للدراسات والبحوث عام 2022م، كتاب غزير ومتدفّق لا يكاد القارئ يلتقط أنفاسه وهو يتتبع بناءه المدهش، إنه تواشج قِيمي إيماني لُغوي أصولي منطقي فلسفي فريد، وهو -ككل أعمال المؤلف- لن يُدلّ على مضمونه إلّا من خلال دراسته بتأنٍّ وطول تأمل، وقد قرأتُ هذا الكتاب أوّل صدوره قُبيل رمضان، ثم قرَّرتُ إعادة قراءته لأكتب عنه هذا التقديم المتواضع، لكن ضيق وقت رمضان لم يسمح لي إلّا بمراجعة عاجلة.

يمكنك الإطلاع على القراءة من هنا

عرض قامت به الدكتورة ماجدة بركة لكتاب ماهية المعاصرة للحكيم البشري، نُشر في مجلة المستقبل العربي في العدد 247 عام 1999

يمكن تحميل العرض عبر هذا الرابط

عرض قام به الدكتور ماهر حسين حصوة لكتاب “الفكر المنهجي عند الأصوليين: دراسة تحليلة لنظريتي الدليل والترتيب والموازنة” من تأليف الدكتور عبد السلام عوام.

تنزيل عرض الكتا من هنا

 

عرض قام به الدكتور عبد العزيز شادي لكتاب المستشار الراحل طارق البشري (منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي)، نشر في مجلة النهضة التي تصدر عن كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة

قم بتحميل عرض الكتاب من هنا

قراءة قام بها الدكتور محمد إبراهيم طاجن لكتاب “أصول النظام القانوني الإسلامي” للدكتور محمد أحمد سراج، وكل من الكتاب الأصلي وعرضه من منشورات مركز نهوض للدراسات والبحوث، وفيما يلي تقسيمات الكتاب وفق ما عرضه الدكتور طاجن:

جاء هذا الكتاب في ثمانمائة واثنتين وستين (862) صفحة، مقسمًا إلى خمسة أقسام رئيسة، جاءت على النحو التالي: 
تناول في القسم الأول مقدمات في علم الأصول، بالتعريج على الإطار المنهجي، وتاريخ أصول الفقه، وأهم المؤلفات فيه، وتمثِّل هذه المقدمة خريطةً كاشفةً لخطة العمل المتبعة على طول الدراسة.
واحتوى القسم الثاني من الكتاب على نظرية الحكم الشرعي، التي اشتملت على مقدمات في الحكم الشرعي، كتعريفه، وبيان علاقته بالأحكام التشريعية والقضائية والإفتاء، وعرج على المحكوم به، وأنواعه ومصدره ومتعلقه، منبهًا على مدى استيعاب معايير الأحكام الأصولية للتصرفات القانونية.

وساق القسم الثالث تحت عنوان: الأدلة النصية وغير النصية، ليبدأه بتمهيد حول نظرية المصادر الأصولية، ثم أدرج فيه فصلين، الأول منهما جعله بعنوان: الأدلة النصية، ذكر تحته ثلاثة مصادر، الأول: القرآن الكريم، وقد نبَّه في هذا المصدر على ضرورة تناول القرآن في تشريعات البلاد الإسلامية الحديثة، وطبيعة التشريعات القرآنية، وفكرة القصص القرآني والتشريع، وأسلوب القرآن في مواجهة الأوضاع الاجتماعية السائدة، وكيف أن المفاهيم التشريعية القرآنية مبنيَّة على العدالة. وأما المصدر الثاني فعرض فيه للسُّنة النبوية من حيثُ حجيتُها في الدلالة على الأحكام وأنواعها، وخُتم هذا الفصل بالحديث عن الإجماع بوصفه مصدرًا نقليًّا ثالثًا، وعرض أنواعه وصوره التي يمكن أن يتحقَّق من خلالها في العصر الحديث. وعقد الفصل الثاني للأدلة غير النصية، وساق تحته تسعة مصادر، بدأها بالتعرض للاستدلال، فعرَّفه، ثم عرج على الاستدلال القانوني (Legal Reasoning)، وجعل القياس مصدرًا ثانيًا، عرض فيه لتعريفه وحجيته وأركانه وأنواعه وأحكامه، وشروط العلة، والمناسبة بين العلة والحكم، وختمه بالحديث عن القياس في القانون المدني. وذكر في المصدر الثالث المصلحـة، فتناول فيها فكرة تطور النظر إلى المصلحة، والمصلحة ومقاصد الشريعة، والسياسة الشرعية، وعرض للاستحسان بوصفه مصدرًا رابعًا، ووضع العرف في المصدر الخامس، وأرَّخ له تأريخًا أظهر فيه دور الشيخ عبد الوهاب خلاف في وضعه ضمن مصادر الاجتهاد، وجعل العمل والسوابق القضائية المصدر السادس كإضافة جديدة في هذا الباب، وأما المصدر السابع فكان التشريع، ليعرج فيه على أصل التشريع المتمثل في التقنين، وقد أشار إلى أبرز التقنينات الشرعية، ونبَّه على الشروط التي يلزم توافرها في التشريع، وتعرَّض لسدِّ الذرائع والاستصحاب في المصدرين الثامن والتاسع.

وجاء القسم الرابع بعنوان: تفسير النصوص ودلالات الألفاظ، مشتملًا على أربعة فصول، جعل الأول منهما لمقدمات عامَّة، ذكر فيها منهجية التناول، التي عرج فيها على تعريف التفسير والتأويل، وأنواع التفسير ومذاهبه، وعرض لقواعد التفسير العامة، وتفسير النصوص القانونية في ضوء قواعد التفسير الأصولية، وإجمال قواعد التفسير لدى محكمة النقض المصرية. وأما الفصل الثاني فكان عنوانه: وضوح الدلالات وخفاؤها ومراتبها، وأدرج فيه خفي الدلالة، والواضح الدلالة، وأنواع الدلالات وأوجه دلالة اللفظ على المعنى. وعقد الفصل الثالث للتفسير اللغوي، وذلك بالتعريج على الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والأمر والنهي، والمشترك. وختم هذا القسم بالفصل الرابع الذي جعله للتفسير المقاصدي والقانوني، فعرض فيه للتفسير المقاصدي أولًا بالتنبيه على أنه لا تقصيد إلَّا بدليل، وكشف عن قواعد التفسير المقاصدية، وطرق الكشف عنها، والمنهج المقاصدي والعمل القضائي، ثم عرض للتفسير القانوني للنصوص الجنائية والمدنية بذكر بعض القواعد مع تفسيرها.


وختم الكتاب بالقسم الخامس وجعله تحت عنوان: الاجتهاد والتقليد، وذلك في فصلين، الأول منهما جعله للاجتهاد، وتناول فيه تعريف الاجتهاد ومراتبه، وعرض فيه للاجتهاد الإفتائي والقضائي، ونوَّه ببعض الممارسات الاجتهادية في المراحل التاريخية الأولى من عمر هذه الأُمَّة، وشدَّد على عدم صحَّة الفكرة القائلة بأن باب الاجتهاد قد أُغلق مدَّة من الزمان ثم فُتح، ثم أشار سريعًا إلى الاجتهاد في العصر الحديث، ومجالاته ومبادئه وأنماطه، ومؤسسات الاجتهاد الجماعي. وختم هذا القسم بالفصل الثاني الذي عقده عن التقليد، فعرض لتعريفه وحكمه، ومسألة التمذهب بمذهب معيَّن، وعرج بعد ذلك على وظائف التقليد.

_________

حمّل عرض الكتاب من هنا 

يُعد كتاب فقه الشورى والاستشارة للمستشار توفيق الشاوي من أهم الكتب التي تناولت بالتفصيل قضية “الشورى” باعتبارها من أهم قضايا الفكر الإسلامي القديم والمعاصر، وهذه قراءة للكتاب قدمها الأستاذ الدكتور إبراهيم البيومي غانم نُشرت في دورية دار الاجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر عام 1993، ويصف غانم الكتاب أنه “اجتهاد جديد وفذ، وفتح كبير في تاريخ تطور الفكر الإسلامي”

__________________

رابط عرض الكتاب من هنا

قراءة موسعة للباحث خباب مروان الحمد في كتاب (خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم) للدكتور محمد فتحي الدريني رحمه الله، يبدأ العارض كلامه قائلًا:

“إن الكتابات الإسلامية التي تتناول الجوانبَ المتعلّقة بمُجريات الأحكام السياسية على قلّتها؛ لا تُوازي بكمّها وكيفِها شيئاً من الكتابات المتعمّقة التي تتحدّث عن الفلسفة التشريعية ذات المُكوّن الأساس في مجال نظام السياسة وإدارة الحكم في الإسلام؛ فهذا المجال لا يزال ثغرة بارزة لكل بصير بواقع الكتابات التي تتحدّث عن مجال السياسة الشرعية أو الفقه السياسي.

حالما يُقنع المرء الطرف الآخر؛ أو يُريد أن يشرح له فكرة متّسقة شمولية حول الأسس الإسلامية الفلسفية في المجال السياسي؛ فإنّه قد تكون في ذهنه كلمات شذر مذر مختلفة متفرقة دون وحدة موضوعية تنظّم الأفكار، وتبني هرماً معرفياً سامقاً؛ تبدأ جذوره بالتعمق حتّى يصل إلى ساحة الأفكار وسطحها فإنّها تُظهر عوامل الفرعيات والفقهيات المتعلقة بما انتصبت عليه الأدلّة وكلها فوق قاعدة الفلسفة السياسية.”

وقد بدأ الدريني رحمه الله كتابه بمقدمة طويلة بعنوان مفاهيم عامة في السياسة والحكم، ثم تحدث في الباب الأول عن خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، وفي الباب الثاني عن قواعد الحكم في التشريع الإسلامي.

يمكنك مطالعة عرض الكتاب من هنا

مصطلح القانون الجنائي

تشرين1/أكتوير 08, 2023

تعريف القانون الجنائي:

القانون الجنائي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الجرائم وتبين العقوبات المقررة على مرتكبيها.

وقانون العقوبات هذا يحوي بدوره نوعين من القواعد القانونية الموضوعية:

أ.  قواعد عامة: وتضم القواعد التي تخضع لها جميع الجرائم والعقوبات على اختلاف أنواعها، وتسمى مجموعة هذه القواعد “قانون العقوبات- القسم العام”.

ب. قواعد خاصة: تضم القواعد التي تحدد كل جريمة على حدة من حيث بيان أركانها الخاصة وعقوبتها والظروف الخاصة بها، وتسمى مجموعة هذه القواعد “قانون العقوبات- القسم الخاص”.

تسمية القانون الجنائي:

تكاد الدول العربية تجمع على تسمية القانون بـ “قانون العقوبات” أخذًا بالتسمية الدارجة في القانون الفرنسي حيث يستعمل مصطلح القانون العقابي “Le droit pénal” إلا أن المشرع الكويتي استعار تعبير المشرع العثماني فأطلق على القانون “قانون الجزاء”. وقد بقي أثر هذه التسمية في قوانين أخرى، فكل من قوانين العقوبات في لبنان وسوريا والأردن يستعمل مصطلح “القانون الجزائي” أو “الشريعة الجزائية”، وفي تونس يطلق علي قانون العقوبات “المجلة الجزائية التونسية” وقانون الدعوى العمومية يسمى “قانون أصول المحاكمات الجزائية” في العراق ولبنان وسوريا والأردن، أو “قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية” في الكويت أو “قانون الإجراءات الجزائية” في الجزائر. وقيل في تبرير ذاك إن التعبير بقانون العقوبات لا يشمل التدابير الاحترازية.

وكلمة “الجزاء” ذات معنى عام، فهي تشمل رد فعل مخالفة أي فرع من فروع القانون، بيد أن كلمة “العقوبة” تفصح عن أشد جزاءات القانون، وهى المقررة للجرائم، ومنها جاء اصطلاح “قانون العقوبات” وهو الاصطلاح الأنسب للتعبير عن القانون الجنائي باعتباره يعبر عما يهدد مرتكب الجريمة من جزاءات تتفق في شدتها مع الإخلال بالأمن والنظام.

تطور القانون الجنائي:

قسّم العلماء التطور الخاص بالقانون الجنائي إلى عدّة مراحل بناءً على الحقبة التي مرت بها المجتمعات، وهذه المراحل هي:

  • مرحلة الانتقام الفردي: فقد شملت هذه المرحلة القبائل المتنقلة، والتي كانت تعتبر أي اعتداء على أحد من أفرادها اعتداءً على القبيلة بأسرها، فكان أفراد قبيلة المجني عليه يتجمّعون لغزو قبيلة الجاني، والتي تعدّ المسؤولة بالتضامن مع الجاني، فتقوم حربٌ بين القبيلتين، وذلك بهدف الانتقام، وهذا الانتقام يكون لإرضاء عائلة المجنيّ عليه أو من أجل التوصّل إلى حلّ لمصالحة الطرفين المتخاصمين على شروط أن يتفقوا عليه. أمّا داخل القبيلة فكانت توزع المسؤوليات على رئيس القبيلة، والذي يباشر سلطته على قبيلته، فله صلاحية تأديب أفراد قبيلته من ضرب بسيط مرورًا بالقتل أو الطرد، وبعد أن تطوّر المجتمع ظهر نظام القصاص ونظام الديّة، وأصبح تطبيق هذه الأنظمة إجباريًّا بعد نشوء الدول، بالإضافة إلى ظهور مجموعةٍ من الأنظمة الأُخرى؛ كنظام نفي الجاني، ونظام التخلي عن الجاني لأهل المجني عليه، ونظام تحريم القتل في أوقات معينة.
  • مرحلة الانتقام للدولة: بدأت هذه المرحلة منذ نشوء الدولة، والتي أصبحت السلطة التي تصدر العقاب وتمارسه نيابةً عن الأفراد، فقد كان هذا الحقّ مقصورًا على الجرائم التي تمسّ أمن الدولة، إلّا أنّها قد شملت جميع الجرائم فيما بعد، وفي هذه المرحلة كان العقاب قائمًا على أساس التكفير، فكان يقع العقاب من أجل إرضاء الآلهة بالانتقام لها، وبعد ذلك أصبح العقاب يقع على المجرمين للانتقام للجماعة، حيث كان تنفيذ العقوبات بدرجةٍ عاليةٍ من الحزم والصرامة دون طرح فكرة إصلاح المجرم، والجدير بالذكر أنّ الحكم بين الناس لم يكن قائمًا على أساس العدل، بل بالنظر إلى مراكزهم الاجتماعية في الدولة.
  • مرحلة الإنسانية: وتسمى كذلك بالمرحلة الفلسفية، وأساسها تغيير نظام العقوبة من نظام انتقاميّ إلى نظامٍ أكثرَ تسامحًا وإنسانية، وقد بدأت هذه المرحلة في القرن الثامن عشر مع ظهور بعض المصلحين، ومنهم:
  • (مونتسكيو (بالإنجليزية Montesquieu)) الذي ألّف كتاب روح القوانين، وانتقد فيه نظام العقوبات السائد.
  • (روسو) صاحب كتاب العقد الاجتماعي، والذي نادى إلى تخفيف العقوبات إلى الحدّ الأدنى لحماية المجتمع من المجرم، ومنعه من إيذاء غيره. سيزاري بيكاريا صاحب كتاب الجرائم والعقوبات والذي رأى أنّ أساس قانون العقوبات هو حماية مصلحة الجماعة في أن تحيا وتحافظ على كيانها، وبالتالي فإنها من الضروري أن تملك حق العقاب للدفاع عن مصالحها، وذلك بأن يتمّ تحديد هدف العقوبة في منع المجرم من العودة إلى حياته الإجرامية ومنع الناس من الاقتداء به.
  • المرحلة الحديثة: بعد ازدياد انتشار الجريمة في منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت نظريةٌ جديدةٌ في إيطاليا، سمّيت بالمدرسة الواقعية، وكان أساس هذه النظرية هو الاهتمام بالجاني بالمقام الأول، ومن ثم تأتي الأفعال المادية بالمقام الثاني، وقد أنكرت هذه النظرية مبدأ حرية الاختيار، وأخذت بمبدأ الإجبار، حيث إنّ السبب وراء قيام الجاني بجريمته هو توفّر عوامل داخلية متعلقة بالجانب النفسي للمجرم، وعوامل خارجية متعلقة بظروف معيشته وبيئته، وقد أوضحت هذه النظرية أنّه يمكن التنبؤ بخطورة الشخص الإجرامية قبل ارتكابه للجريمة، وعليه يمكن اتّخاذ تدابير وقائية لتلافي حدوثها. وقد نادى أصحاب هذه النظرية بضرورة دراسة الأسباب النفسية والاجتماعية التي قد تؤدي إلى تنفيذ المجرم لجريمته، وعلاج هذه الأسباب قبل حدوثها.

أهداف القانون الجنائي:

  • تحقيق العدالة: يعزز توقيع العقوبات على الجناة شعور الأفراد بالعدالة ويعزز شعور الرضا لدي المواطنين، حيث إن العقوبة التي وقعت علي الجاني تساوي المكاسب التي حققها، وعند توقيع العقوبة لن يكون هناك حقد بين المجني عليه والجاني.
  • تحقيق الأمن في المجتمع: عندما يعلم كل فرد في المجتمع ان هناك قوانين رادعة ستطبق علي الجميع بدون تمييز عند مخالفة القوانين، سوف يتحقق الأمن والأمان في المجتمع.
  • حماية الفرد والأسرة والمجتمع: القانون الجنائي يحمي الفرد عن طريق تجريم أي فعل يهدد حق الفرد في الحياة مثل القتل ويحمي الفرد ضد السرقة والابتزاز ويحمي القانون الجنائي المجتمع عن طريق سن القوانين التي تحمي الأسرة مثل قوانين للحماية من أضرار المخدرات ويحمي القانون الجنائي الدولة عن طريق سن القوانين التي تعمل علي حماية الدستور وحماية الدولة ضد التجسس.

خصائص القانون الجنائي:

  • التحديد الدقيق: فالقانون الجنائي محدد على عكس القانون المدني الذي يتسم بصفة عمومية، يراعي المشرع فيه الدقة والوضوح ولا يحتمل تفسيرات واجتهادات، ولو كان هناك شك دائما نرجع للقاعدة المشهورة “الشك دائمًا في صالح المتهم”.
  • المساواة: ان القانون الجنائي يجب أن يحمل صفة المساواة؛ أي وجوب تطبيقه على كافة المخالفين له من دون اعتبار لشخصية مرتكب المخالفة الجنائية أو مركزه الاجتماعي.
  • عدم جواز القياس عليه: بالنسبة للدول التي تعتبر النظام الفرنسي يجب أن تكون جميع القواعد مكتوبة وواضحة، فعند عدم تضمن القانون لنص صريح يجرم فعلًا معينًا فلا يجوز الرجوع لسوابق قانونية لتجريم الفعل أو الامتناع عن الفعل، وهذا للحفاظ على مبدأ الشرعية والاستقرار القانوني وتأكيد سيادة القانون (طريقة القياس في الحكم والاعتماد علي السوابق القانونية يتم تطبيقها في بريطانيا).
  • العقوبة الجنائية: من بين خصائص القانون الجنائي أنه يضع في نصوصه عقوبات جزائية يتم فرضها على كل مخالف لنصوصه، وهذه العقوبات تعتبر تهديدًا لأي فرد يحاول مخالفة القانون، وبالتالي يكون هذا التهديد إجراءً وقائيًا.

أهمية القانون الجنائي:

 يستمدّ القانون الجنائي أهميّته من الغاية التي وُضع من أجلها، ويمكن تلخيص أهميته فيما يلي:

  • حماية المصالح الجماعية والفردية: فلو تُرك الأمر دون قانون يحمي مصلحة الفرد لسادت الاضطرابات بين الناس وضاعت مصالحهم.
  • توفير الأمان والطمأنينة لأفراد المجتمع: فالأفراد يقدمون على أعمالهم دون خوف من أن يُحاسبوا على فعل غير مجرّم، وذلك لأنَّ قانون العقوبات جمع الأفعال التي تُعتبر من الجرائم، ووضع لها عقوبات مسبقًا، وهذا من شأنه أن يُشعر الأفراد بالطمأنينة وعدم الخوف مِن وقوع أي ظلم عليهم، وحتى لو وقع فإنهم على علمٍ بأنّ الفاعل لن يفرّ من العقاب.
  • ·                    نشر العدالة بين الناس: إنَّ الناس أمام القانون سواسية، يُطبَّق عليهم دون أي اعتبارات، وذلك لأنّ القانون حدّد الأفعال المجرّمة مسبقًا؛ بحيث لا يمكن أن يعاقب الفرد ما لم يقترف أيّ فعلٍ من هذه الأفعال، وفي حال ارتكابها فإنّه سيُعاقَب مثل غيره من الناس الذين ارتكبوا الجرائم قبله.
  • ·                    مكافحة الجريمة: إنَّ أهمية القانون الجنائي تتمثل في مكافحة الإجرام، ومحاولة منع الجرائم قبل وقوعها عن طريق التدابير الاحترازية والوقائية.

مصادر القانون الجنائي:

 إنَّ مصادر القانون الجنائي تختلف من دولة إلى أُخرى، ولا يمكن حصرها بمرجع واحد، فعلى سبيل المثال يَعتبر التشريعُ الجنائيُّ الإسلاميَ؛ القرآنَ والسنّةَ أساسَ أحكامه، ويعتمد كذلك على اجتهادات الفقهاء وإجماعهم، وقياسهم، وعليه فإنَّ القانون الجنائيّ يستمد قواعده من عدّة مصادر يمكن تقسيمها إلى مصادر مباشرة وغير مباشرة، ويمكن تلخصيها على النحو الآتي:

  • القوانين الجزائية المتعلقة بالتجريم والعقاب: فإنَّ السلطة التشريعية وحدها هي التي تملك الحقّ في إصدارها، وقد تصدر على شكل قواعد عامّة مجردة، وتُعتبر المصدرَ الأساسيَّ لقانون العقوبات، فيحدد المُشرِّع الأفعال التي يُعاقَب عليها، والجزاءات التي تقع على مرتكبيها، وعليه فإنّه لا تتمّ معاقبة أحد على أفعاله ما لم يكن منصوصًا على تجريمها في القانون، وهذا ما يُعرف بمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصّ”.
  • الأنظمة الإدارية الجزائيّة: بالرغم من أنّ الأصل هو صدور القوانين الجنائية من السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان، إلا أنَّه يمكن أن يتمّ إعطاء صلاحيات السلطة التنظيمية لرئيس الدولة، أو للسلطات الإدارية كالوزارات، والإدارات المركزية أو العامة؛ حيث يُسمح لها بإصدار قرارات أو مراسيم مُلزِمةً، وتُعتبر مخالفتُها جريمةً تستحقُّ العقابَ عليها.
  • العرف: وهو رأي الجمهور حول قضية معينة، إلا أنَّ التشريع الجنائي يعتمد بالمقام الأول على التشريع المكتوب، لذلك يُعتبر العرف من المصادر غير المباشرة للقوانين الجنائية، وقد وُجدت أحكامٌ عديدةٌ في قانون العقوبات راعت أعراف المجتمع وعاداته بما يتناسب مع المجتمع نفسه.
  • القانون الدولي العام: يعتمد القانون الجنائي في بعض أحكامه على القانون الدوليّ العام، وذلك في تحديد القوانين الواجب تطبيقها لمعاقبة المجرمين سواء كانوا مواطنين، أم أجانب، داخل الدولة أم خارجها، وفي تحديد الأقاليم البحرية والجوية للدولة، وفي قضايا تسليم المجرمين وغيرها من الأمور.

القانون الجنائي في الإسلام:

التشريع الجنائي جزء من التشريع الإسلامي، وهذا من كمال الإسلام وصلاحيته للأزمان والأمكنة والظروف المختلفة، فالإسلام ليس للوعظ وحده، ولكن كما قالوا: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، فهناك حالات لا ينفع فيها إلا العقوبة، ولا سيما إذا كانت الجرائم مجبرة ومتعمدة، فالشريعة حينها تمنع الإفلات من العقاب، فلا بد لكل جريمة من عقوبة، إلا أن الشريعة جاءت بعقوبات محددة وقليلة جدًا، وتركت العقوبات للتقدير التشريعي والقضائي، لأن الجريمة نفسها قد يكون لها حجم معين من الخطورة والفساد والضرر، وهي نفسها في ظروف أخرى يصبح لها شأن آخر، ومن شخص إلى شخص، ومن قصد إلى قصد؛ فالذي يقتل في شجار، ليس كالذي يقتل في تدبير وترصد وإعداد.

هناك جرائم تركت للتعزير في الإسلام، بينما للعقوبات المحددة جدًا هناك القصاص، والقصاص له مخارج؛ كالعفو والدية، ويمكن يكون أو لا يكون، وهناك 6 عقوبات منصوصة في الشريعة، والشريعة لا تشجع على تطبيقها إلا إن كانت هي الحل الأفضل الذي يزيح مشاكل عديدة، فمثلًا في الحدود تشدد الشريعة في إثباتها، من خلال طلب الشهود والشهود لا يكون فيهم شك وبهم ثقة، وفي إثبات الزنا هناك تشدد كبير جدًا، لأن هذا يضر بالعائلة بأكملها، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجل الحكم، رغم أن اعتراف الزاني سيد الأدلة، “لعله كذا وكذا”، يلتمس النبي المخارج كي لا يطبق العقوبات. فهذه العقوبات على شدتها فإن الشارع لا يريد تطبيقها، إلا بعد إجراء التحريات والبحث عن حلول أخرى، فالشريعة الإسلامية هي الأقل اعتمادًا على العقوبات، لذلك تجد في العالم أن القانون الجنائي ينص على العديد من العقوبات، والغرامات، بينما الإسلام عقوباته مضيقة والباقي تعازير فيها إمكانية العفو. كما أن العقوبات أحيطت بترسانة ضخمة جدًا من التحريات، فأسندت لجهة معينة وهي جهة الدولة والقضاء، فهي التي تقوم بتنفيذ هذه العقوبات لا جهة أخرى، ثم أحيطت بشروط قاسية وصارمة لإثبات هذه العقوبة، وإذا وقعت شبهة صغيرة جدًا في هذه العقوبات فإنها لا تطبق.

العقوبات الشرعية كما وردت في الكتب الفقهية؛ ثلاثة عشر عقوبة وهو يرتبها من الأدنى إلى الأعلى: التوبيخ، الزجر، التشهير، النفي أو التغريب، الحبس، الجلد، قطع اليد اليمنى، القطع من خلاف، قصاص ما دون النفس [قطع بعض أعضاء الجاني أو جرحه أو فقئ عينه إذا تعمد إيذاء شخص بمثلها]، القتل وهو على ثلاثة أصناف (القتل قصاصا، القتل رجما، القتل صلبا). وعلاوة على تلك العقوبات المحددة المنصوص عليها هناك عقوبات تكميلية أخرى في الشريعة وعددها يسير كعقوبة القاذف الذي لا تقبل شهادته. وهناك أيضا ما يسمى “التعزير” وهي عقوبة مخولة للقاضي في حال تعذر إثبات التهمة بوسائل الثبوت الشرعي المعتادة، أو في حال ارتكاب جرم لا تنطبق عليه تعريفات الجريمة الشرعية، وعندئذ يحق للقاضي اختيار عقوبة من العقوبات السالفة وتوقيعها على المذنب، ويذكر بيترز أن الجلد كان أكثر العقوبات توقيعا من جانب القضاة، وأن القتل تعزيرا يعد من المسائل الخلافية لكن جميع المذاهب قد أجازته في نهاية الأمر لمن تكررت منهم الجرائم، وللجرائم الخطيرة كالسحر واللواط، والتجسس لصالح العدو.

التشريع الجنائي الإسلامي في عصور الحداثة:

في عصور الحداثة برزت مسألة التغييرات القانونية التي أدخلت على التشريع الجنائي الإسلامي منذ القرن التاسع عشر بفعل عملية التغريب التي قادتها بعض النخب المحلية واستلزمت تبني القوانين الأجنبية، والاستعمار الغربي للبلدان الإسلامية، فقد اعتبر الموظفون الاستعماريون أن التشريع الإسلامي تشريع متعسف وأنه بحاجة للإصلاح، ومجمل انتقادهم يتعلق بباب التعازير الذي هو باب فضفاض لا يضم تعريفا محددا للجريمة وأوصافها، وعقوباته غير موضوعية لأن بعضها يمكن إبطاله بالصلح بين الخصوم ودفع تعويض مالي (الدية)، ومن جانب آخر فإن العقوبات الشرعية غير متساوية، فربما عوقب شخص بأكثر من شخص آخر رغم أن الجرم واحد.

ويمكن رصد التطورات التي لحقت بالتشريع الإسلامي في القرن التاسع عشر، واجمالها في تطورات ثلاثة:

الأول: الإلغاء الكامل للتشريع الجنائي الإسلامي وإحلال القوانين الغربية محله، وقد اتبع في معظم الدول الواقعة تحت الاستعمار كما هو الحال في الجزائر على يد الفرنسيين.

الثاني: إدخال تعديلات تدريجية على بعض جوانب التشريع الجنائي الإسلامي، وهذا النهج اتبعه الإنجليز في الهند وفي نيجيريا حيث تم المزج بين القوانين الغربية وقوانين الشريعة في حزمة واحدة، لكنه ألغى التشريع الجنائي الإسلامي في نهاية المطاف.

الثالث: الجمع بين التشريعين الجنائيين الإسلامي والوضعي، وهو النهج الذي سارت عليه الدول المستقلة كمصر والدولة العثمانية، وذلك بمحاولة تقنين الفقه، وإنشاء محاكم مدنية إلى جوار المحاكم الشرعية.

الاختلافات الأساسية بين القانوني الجنائي الإسلامي والوضعي:

تختلف طبيعة الشريعة عن القانون الوضعي بصفة عامة، من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول: أن القانون من صنع البشر، أما الشريعة فمن عند الله، وكلٌّ من الشريعة والقانون يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع البشر ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثمَّ كان القانون عرضة للتغيير والتبديل، أو ما نسميه التطور، كلما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة أو وجدت حالات لم تكن منتظرة. فالقانون ناقص دائمًا ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن أن يوصف بالكمال، ولا يستطيع أن يحيط بما سيكون وإن استطاع الإلمام بما كان. أما الشريعة: فصانعها هو الله، وتتمثل قدرة الخالق وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وما هو كائن؛ ومن ثمَّ صاغها العليم الخبير بحيث تحيط بكل شيء في الحال والاستقبال حيث أحاط علمه بكل شيء، وأمر جل شأنه ألا تغير ولا تبدل حيث قال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس: ٦٤]؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل مهما تغيرت الأوطان والأزمان وتطور الإنسان.

الوجه الثاني: أن القانون عبارة عن قواعد مؤقتة تضعها الجماعة لتنظيم شئونها وسد حاجاتها. فهي قواعد متأخرة عن الجماعة، أو هي في مستوى الجماعة اليوم، ومتخلفة عن الجماعة غدًا، لأن القوانين لا تتغير بسرعة تطور الجماعة، وهي قواعد مؤقتة تتفق مع حال الجماعة المؤقتة، وتستوجب التغير كلما تغير حال الجماعة. أما الشريعة فقواعد وضعها الله تعالى على سبيل الدوام لتنظيم شئون الجماعة، فالشريعة تتفق مع القانون في أن كليهما وضع لتنظيم الجماعة. ولكن الشريعة تختلف عن القانون في أن قواعدها دائمة ولا تقبل التغيير والتبديل.

الوجه الثالث: أن الجماعة هي التي تصنع القانون، وتلونه بعاداتها وتقاليدها وتاريخها، والأصل في القانون أنه يوضع لتنظيم شئون الجماعة، ولا يوضع لتوجيه الجماعة، ومن ثم القانون متأخرًا عن الجماعة وتابعًا لتطورها، وكان القانون من صنع الجماعة، ولم تكن الجماعة من صنع القانون. وإذا كان هذا هو الأصل في القانون من يوم وجوده، فإن هذا الأصل قد تعدل في القرن الحالي، وعلى وجه التحديد بعد الحرب العظمى الأولى، حيث بدأت الدول التي تدعو لدعوات جديدة أو أنظمة جديدة تستخدم القانون لتوجيه الشعوب وجهات معينة، كما تستخدمه لتنفيذ أغراض معينة، وقد كان أسبق الدول إلى الأخذ بهذه الطريقة روسيا الشيوعية، وتركيا الكمالية، ثم تلتهما إيطاليا الفاشيستية وألمانيا النازية، ثم اقتبست بقية الدول هذه الطريقة، فأصبح الغرض اليوم من القانون تنظيم الجماعة وتوجيهها الوجهات التي يرى أولياء الأمور أنها في صالح الجماعة. أما الشريعة الإسلامية فقد علمنا أنها ليست من صنع الجماعة، وأنها لم تكن نتيجة لتطور الجماعة وتفاعلها كما هو الحال في القانون الوضعي، وإنما هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه. وإذا لم تكن الشريعة من صنع الجماعة، فإن الجماعة نفسها من صنع الشريعة.

وقد انعكس هذا الاختلاف بدوره على طبيعة التشريع الجنائي في كل الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.

___________________________

المصادر:

  • قواعدٌ وشبهات حول التشريع الجنائي والعقوبات في الإسلام، عمران، 11 مايو 2020، https://2u.pw/X7oEL9Z.
  • فاطمة حافظ، الجرائم والعقوبات في الشريعة، إسلام أونلاين، https://2u.pw/RZfvG50.
  • عبد القادر عودة، كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 17-22.
  • تعريف القانون الجنائي وأهم مبادئه وأقسامه وخصائصه وأهدافه وتاريخه، واحة القانون، أكتوبر 2022، https://2u.pw/wCY5g2e.
  • هايل الجازي، تعريف القانون الجنائي، موضوع، 7 أبريل 2022، https://2u.pw/D2kMuYa.

محمود طاهر، النظام الجنائي في الإسلام، نقابة المحامين المصرية، 8 أبريل 2020، https://2u.pw/oi5opkb.