الملخص:

لقد كان الفقه الإسلامي هو القانون الوحيد، والنظام الحاكم والمطبق في جميع البلاد العربية إلى غاية سقوط الخلافة العثمانية، ووقوع أكثر الدول العربية تحت سيطرة الاستعمار الغربي، غير أنه وبعد استقلال هذه الدول تراجعت نظرتها إلى الفقه الإسلامي، فبعض الدول استمدت قانونها المدني كله من الفقه الإسلامي، وبعضها استمدت بعضه فقط الإسلامي وأكثره من القوانين الغربية، وعلى ذلك أكثر الدول العربية، في حين زاوجت بعض الدول في الاستمداد بين الفقه الإسلامي والقوانين الغربية.

الكلمات المفتاحية: الفقه الإسلامي، القانون المدني، تأثير، استمداد، القوانين العربية.

Abstract:

It was Islamic jurisprudence is the only law, the ruling and applied in all the Arab countries and order until the fall of the Ottoman Empire, and the occurrence of more Arab countries under the control of Western colonialism, however, and after the independence of these countries outlook fell to Islamic jurisprudence, some states derived civil law the whole of Fiqh Islamic, and some are only partly derived from Islamic jurisprudence, and most of Western laws, and that more Arab while some countries in the Twin draw upon between the Western and countries, Islamic jurisprudence laws.

Key words: Islamic jurisprudence, civil law, impact, Arab States, Extraction.

مقدمة:

ظلت الشريعة الإسلامية هي القانون الوحيد المطبق في العالم الإسلامي زهاء ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، حتى ابتلي العالم الإسلامي في أكثره بالاستعمار الغربي، الذي حاول بكل الطرق طمس هوية الدول المستعمرة وتغريبها، حتى أنه غير نظمها القانونية، فأحل بذلك نظمه وقوانينه بدل الشريعة الإسلامية، وشمل ذلك جميع المجالات القانونية عدا مسائل الأحوال الشخصية، وبعد أن استردت هذه الدول المستعمرة حريتها وأخرجت المستعمر من أراضيها، لم تقم بتنقية مخلفاته كلها، بل لقد ترك المستعمر الغربي تراثًا من مخلفاته أهمه وأرذله تلك القوانين الأجنبية التي لا تزال تتضمنها قوانين دولنا العربية حتى الآن، وكأن هذه الدول قد ألفت تلك القوانين كما يألف المريض علته، فتركتها تحكم شؤونها حتى بعد رحيل المستعمر عنها، غير أنه مع كثرة الدعوات والأصوات المنادية بالعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية[1] استجابت أكثر الدول – على الأقل في قوانينها المدنية – لذلك ونصت في دساتيرها كما سيأتي على اعتبار الشريعة الإسلامية مصدر رئيسًا للتشريع، ونص بعضها على أن الإسلام دين الدولة ...

هذا بالنسبة للدول التي قبعت تحت وطأة الاستعمار الغربي، أما بالنسبة للدول التي نجت من تسلط المستعمر عليها مثل الحجاز "المملكة العربية السعودية حاليًا" واليمن فظلت تطبق الشريعة الإسلامية إلى يومنا هذا.

ولذلك سنقسم هذا البحث إلى ثلاثة محاور أساسية:

  • الدول التي استمدت قانونها المدني كله من الفقه الإسلامي مثل السعودية غير أنها لم تلجأ إلى تقنينه، واليمن 1992م، والأردن 1976م، والإمارات العربية 1985م، والسودان في قانونها الجديد الصادر سنة 1984م الذي استمدته من القانون الأردني وغيره.
  • الدول التي زاوجت في الاستمداد في قانونها المدني بين الفقه الاسلامي والقانون الغربي أو ما يمثله كالقانون المدني المصري، مثل العراق في قانونها الصادر سنة 1952م، وقبله مجلة الالتزامات والعقود التونسية 1906م التي أعدها المستشرق الإيطالي سانتيلانا على أساس من الفقه الإسلامي، مما جعل البعض يجزم بأنها مستمدة من الفقه الإسلامي كلها، وقانون الالتزامات والعقود المغربي 1913م، الذي جعل من المجلة التونسية أصلاله.
  • الدول التي استمدت قانونها المدني جله من الفقه الغربي - إلا بعض المسائل – مثل القانون المدني اللبناني، والقانون المدني المصري 1948م، والدول التي اتخذت القانون المدني المصري أصلاً لقوانينها مثل القانون المدني السوري 1948م، والقانون المدني الليبي 1954م، والقانون المدني الجزائري 1975م، والقانون المدني القطري 2004م.

 

المحور الأول

الدول التي استمدت قانونها المدني كله من الفقه الإسلامي

من هذه الدول التي استقت قانونها المدني كله من الفقه الإسلامي الدول التي لم تخضع لأي استعمار غربي فساعدها ذلك على الاستمرار في تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع شؤونها، مثل الحجاز بأقاليمه واليمن، ومنها التي خضعت للاستعمار مثل الأردن ...

أما بالنسبة للدول التي لم تخضع للاستعمار فكانت الشريعة الإسلامية هي الشريعة الوحيدة والقانون الوحيد الذي يحكم جميع معاملاتها، ويمثل هذه الدول السعودية واليمن.

أولاً: المملكة العربية السعودية

المملكة العربية السعودية قبل توحدها وتسميها بهذا الاسم كانت عبارة عن إقليمين أساسيين هما إقليم نجد وما يتضمنه من مناطق محيطة به، وإقليم الحجاز الذي من أهم مدنه مكة والمدينة، والمناطق المجاورة مثل ينبع وعسير...، وما يهمنا في هذا التقسيم هو النظام القانوني السائد في كل منها، ثم نتكلم عن القانون السائد وخصوصًا في جانب المعاملات المدنية في المملكة السعودية بعد توحدها.

أما بالنسبة لإقليم نجد والمناطق المحيطة به ابتداء من قيام الدولة السعودية الأولى حتى بدايات الدولة السعودية الثالثة كان النظام القانوني الذي يحكم المعاملات المدنية هو عبارة عن خليط بين مذهب الإمام أحمد بن حنبل وبين النظام القانوني القبلي، في حين كان القضاء في المدن الكبرى ولا سيما الخاضعة لحكم آل سعود يلتزم بتطبيق الراجح من مذهب الإمام أحمد، في حين أن القرى والبوادي الخارجة عن سيطرة آل سعود كان حكم المعاملات المدنية فيها حكمًا قبليًا ويعرف «بقضاء البدو»، وغالبًا ما يكون القاضي هو شيخ القبيلة، ويعتمد هذا القضاء على العرف والتقاليد الموروثة الملزمة لأبناء القبيلة الواحدة، سواء وافق ذلك الشريعة الإسلامية أو خالفتها[2].

أما بالنسبة لإقليم الحجاز فهو إقليم يتميز عن سابقه بالانفتاح والمرونة والتنوع لكونه يعد مكانًا تلتقي فيه جميع شعوب الأرض من كل حدب وصوب لأداء المناسك الدينية.

وكان هذا الإقليم خاضعًا للخلافة العثمانية قبل توحد المملكة السعودية، ولذلك فقد تأثر بالنظام القانوني الذي كان يحكم الدول والأقاليم الخاضعة لسلطان هذه الخلافة، وكما هو معلوم فإن تشريعات الخلافة العثمانية كانت مستمدة من الفقه الإسلامي وبالضبط من المذهب الحنفي، غير أنه ببزوغ نجم الدول الأوروبية، وظهور علامات سقوط الخلافة العثمانية، حتى وصفت بالرجل المريض، بدأت هذه الخلافة في مهادنة الدول الأوروبية، ومن مظاهر تلك المهادنة اقتباس النظم القانونية الأوروبية وتطبيقها في الخلافة العثمانية، فمن ذلك على سبيل المثال اقتباس قانون العقوبات الفرنسي سنة 1840م، وقانون التجارة سنة 1850م، وقانون الإجراءات المدنية سنة 1880م...، أما القانون المدني فقد انبرى له جماعة من الفقهاء وهم سبعة فقهاء أشهرهم ابن عابدين الحنفي، وقننوه في ما يسمى بمجلة الأحكام العدلية من سنة 1970-1977م[3].

وطبقت مجلة الأحكام العدلية كتقنين للمعاملات المدنية مستمد من الفقه الحنفي على بلاد الخلافة العثمانية الخاضعة لحكمها، ومن تلك البلاد إقليم الحجاز، وبالضبط المدن الكبرى من هذا الإقليم فقط، كمكة والمدنية شرفهما الله تعالى، وينبع والطائف، لأنها هي التي كانت خاضعة بصورة فعلية للخلافة العثمانية، بخلاف القرى والبوادي الذين كانوا يحتكمون إلى القانون القبلي.

وبعد أن استولى الملك عبد العزيز على الحجاز كان لزامًا فيما يرى هو أن أنسب وسيلة لتمهيد إنشاء المملكة العربية السعودية هو إصدار تنظيم قانوني موحد يحكم المعاملات، أساسه الشريعة الإسلامية مستمدًا من المذاهب الأربعة جميعها[4]، لأنه لم يكن يريد فرض المذهب الحنبلي على أهل الحجاز وهم في أكثرهم حنفية كما هو معروف، ووضع لذلك خطة عمل، غير أنها لم تكلل بالنجاح لأسباب أهمها:

  • طول المدة التي يستغرقها المشروع، فإذا كانت مجلة الأحكام العدلية وهي على مذهب واحد دام إنجازها في مدة عشر سنوات تقريبًا، فكيف بمن يريد تقنينًا على أربعة مذاهب، ذلك أن الملك آنذاك كان يسارع الزمن من أجل توحيد المملكة.
  • عدم تحمس العدد الكافي من العلماء الممثلين للمذاهب الأربعة لهذا العمل[5].

بعد تعثر مساعي الملك عبد العزيز للأسباب الفارطة أصدرت هيئة الرقابة القضائية بديلاً عن خطة العمل التي أرادها الملك، تتمثل في جعل المذهب الحنبلي هو المصدر الأساسي لحكم المعاملات المالية في المملكة السعودية، وربما كان ترجيحهم لذلك كونهم كانوا في أكثرهم حنابلة، وتصديقًا على ما رأته الهيئة القضائية أصدر الملك مرسومًا ملكيًا يحدد من خلاله مصادر الفقه الحنبلي التي يجب اعتمادها في القضاء، وفي حال القضاء بمذهب آخر في حالات استثنائية يجب ذكر دليل ومستند الرأي المعمول به، وهذه المصادر المعتمدة في الفقه الحنبلي حسب المرسوم الملكي هي:

  • شرح منتهى الإرادات 00 المتن للفتوحي (ت 972هـ)، والشرح للبهوتي (ت 1051هـ).
  • شرح الإقناع. المتن للحجاوي (ت 948هـ) والشرح للبهوتي. فما اتفق عليه الشرحان أو انفرد به أحدهما فعليه العمل وما اختلفا فيه فيقدم ما في المنتهي.
  • شرح زاد المستقنع المسمى بالروض المربع، المتن للحجاوي والشرح للبهوتي.
  • شرح دليل الطالب المسمى منار السبيل، المتن لمرعي الحنبلي (ت 1032هـ) والشرح لابن ضويان (ت 1353هـ).
  • المغني للموفق أحمد ابن قدامة (ت 620هـ).
  • الشرح الكبير لعبد الرحمان بن أبي عمر بن قدامة (ت 682هـ)[6].

ولقد قام بهذه المهمة وانبرى لها القاضي الشرعي أحمد بن عبد الله القاري[7]، حيث قام بصياغة مواد هذه المجلة من الكتب المذكورة في المرسوم الملكي متأسيًا بمجلة الأحكام العدلية ومرشد الحيران لقدري باشا، حيث وصلت موادها إلى 2382 مادة في مقدمة و21 كتابًا[8].

غير أن هذا التقنين لم يكن ملزمًا للقضاة، ولكن مصادر هذا التقنين لم يكن يجوز للقاضي الخروج عنها إلا في حالات خاصة، وهو ما نص عليه المرسوم الملكي، ولأن التقنين كان من ميزات الدول الغربية، ولأسباب أخرى أيضًا، لم تقم المملكة بتقنين الفقه والإلزام به، غير أن ذلك لم يدم طويلاً فقد قننت المملكة الكثير من القوانين الجزئية المنظمة لمسائل خاصة بالعقارات مثلاً، وأملاك القصر، وحقوق المؤلف[9] وغيرها ... وعليه وبعد صدور العديد من التقنينات الجزئية المنظمة لمسائل كثيرة مرتبطة بالمعاملات أصبح من المهم بمكان أن تجمع في تقنين واحد حتى يسهل على القاضي الحكم في القضايا التي صدرت في حقها هاته القوانين المستمدة طبعًا من الفقه الإسلامي[10]، وبهذا كله لم يصبح لمسألة الاختلاف في التقنين معنى وخصوصًا بعد صدور الكثير من التقنينات كما سبق.

ثانيًا: القانون المدني للجمهورية العربية اليمنية

اليمن من الدول التي لم تخضع لأي احتلال لاتساع أراضيها، ولأن الدول المستعمرة لم ترها ذات فائدة، فظلت بذلك بعيدة عن الغزو الأجنبي، وبقيت تطبق الشريعة الإسلامية في كافة مجالاتها، وهو ما أكدته مواثيق ودساتير الجمهورية اليمنية، وآخرها دستور سنة 2001م، والذي نص في المادة الثالثة منه على ما يلي "الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات"، وهو ما جاء واضحًا جليًا في المادة الأولى من القانون المدني اليمني "يسري هذا القانون المأخوذ من أحكام الشريعة الإسلامية على جميع المعاملات والمسائل التي تتناولها نصوصه لفظاً ومعن، فإذا لم يوجد نص في هذا القانون يمكن تطبيقه يرجع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية المأخوذ منها هذا القانون فإذا لم يوجد حكم القاضي بمقتضى العرف الجائز شرعًا فإذا لم يوجد عرف فبمقتضى مبادئ العدالة الموافقة لأصول الشريعة الإسلامية جملة ويستأنس برأي من سبق لهم اجتهاد من علماء فقه الشريعة الإسلامية ويشترط في العرف أن يكون ثابتًا ولا يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية والنظام العام والآداب العامة".

وجاء في تقديم هذا القانون ما يلي "فإن الجمهورية العربية اليمنية تقدم للبشرية عامة وللأمة الإسلامية خاصة (القانون المدني، المعاملات الشرعية) مستمدًا من مصادر الشريعة الإسلامية، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس، والأخذ بأقوى ما في كل مجموعة المذاهب الاجتهادية..."[11] وهذا يدل على أن القانون المدني مستمد من الإسلامي غير مقيد بأي مذهب من المذاهب الاجتهادية، وقد صدر هذا القانون على فترتين، في كل فترة يصدر فيها كتابان، وكلما صدر كتابان من الكتب الأربعة التي تشكل القانون المدني اليمني طبق وعمل به من يوم إصداره.

  • فقد صدر الكتاب الأول "أحكام عامة في المعاملات «والكتاب الثاني» الحق والالتزام به «بقانون رقم 10 لسنة 1979 يوم 21 أفريل 1979.
  • ثم صدر الكتاب الثالث "العقود المسماة في الفقه الشرعي" والكتاب الرابع "الملكية وما يتفرع عنها" قانون رقم 16 لسنة 1983 يوم 20 يونيو 1983.

وبعدها ألغيت هذه القوانين ووقع تعديل طفيف في الكتب السابقة وصدر القانون المدني بقانون رقم 19 لسنة 1992م، غير أنه تم تعديله أيضًا وصدر بقانون رقم 14 لسنة 2002م.

ومما يلاحظ على هذا القانون أنه أخذ عن القانون المدني المصري مواد كثيرة، وخصوصًا في الكتاب الثاني المتعلق بالحق والالتزام به، بحجة أنها لا تخالف الشريعة الإسلامية مع أنهم لم يشيروا إلى هذا في المذكرة الإيضاحية. وعلى كل حال فهذا القانون هو قانون مستمد من الفقه الإسلامي، ويرجع في تفسير نصوصه إلى قواعد الفقه الإسلامي وأصوله حسب نص المادة الأولى منه كما سبق.

ثالثًا: القانون المدني للمملكة الأردنية

لقد بقيت مجلة الأحكام العدلية هي القانون الذي يحكم المعاملات المدنية بالأردن إلى غاية صدور القانون المدني الأردني في أغسطس 1976م، وهذا القانون بدأ التحضير له، وشكلت له لجنة بتاريخ 3/6/1971، وبقيت اللجنة في عملها هذا حتى انتهت منه سنة 1976، وقد بلغت مواده 1449 مادة وجاء من حيث الترتيب العام على نسق القانون المدني المصري مقسمًا إلى أربعة كتب وباب تمهيدي.

الباب التمهيدي: يتناول الأحكام العامة من المادة 1-86.

الكتاب الأول: يتناول الحقوق الشخصية من المادة 87-464.

الكتاب الثاني: يتناول العقود وينقسم إلى خمسة أبوب من المادة 465- 1017.

الكتاب الثالث: يتناول حق الملكية وينقسم إلى بابين من المادة 1018-1321.

الكتاب الرابع: يتناول التأمينات العينية وينقسم إلى ثلاثة أبوب من المادة 1322-1449.

بل وقبل صدور القانون بربع قرن تقريبًا ثار الحوار لدى السلطات التشريعية في القطر الأردني حول النهج الذي يتعين أن يسلكه واضع القانون المدني الأردني الجديد، أهو نهج القانون المدني العراقي المتأثر بمجلة الأحكام العدلية بنسبة كبيرة أم القانون المدني المصري، وغيره من القوانين المدنية العربية المتأثر بالقوانين الغربية؟

لقد اختار واضع القانون المدني نهجًا جديدًا يميل إلى القانون المدني العراقي، ويتفوق عليه[12]، وهو ما جاء صريحًا في كلمة رئيس مجلس الأعيان حسب ما ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني: "لأول مرة في تاريخ العرب الحديث تقوم المملكة الأردنية الهاشمية بإعداد مشروع قانون مدني، يتناول أحكام المعاملات، مستمدًا من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة المتفتحة على الحياة، وقواعده المتطورة دائمًا مع متطلبات العصر، والصالحة للغد ولتبدل الأزمان"[13]، فاقتباس القانون المدني الأردني من الفقه الإسلامي لم ينحصر على مذهب من المذاهب، بل استمد نصوصه من قواعد الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، كما استمد الكثير من نصوصه من مجلة الأحكام العدلية، وكذلك بعض القوانين الوضعية[14] التي لا تتعارض مع أحكام الفقه الإسلامي[15]، وقد استمد الكثير من المواد عن القانون المدني المصري وخصوصًا في الكتاب الأول من حيث تقسيم الحق الشخصي وتحديد آثاره، أو ما يعبر عنه بالالتزام وآثاره، ويظهر ذلك جليًا واضحًا لمن قارن بين نصوص القانونين مع أن القانون المدني الأردني خالف كثيرًا غيره من القوانين الوضعية المستمدة من القانون المدني المصري، من حيث ترتيب مواد هذا الجزء المتعلق بأحكام الالتزام كبدئه بالتنفيذ الاختياري أي بالوفاء، أو ما يعادل الوفاء ثم التنفيذ الجبري[16] ...

ولتأكيد المشرع المدني الأردني تمسكه بالاستمداد من الفقه الإسلامي نص في المادة الثانية 02/2 من الباب التمهيدي على ما يلي: "فإذا لم تجد المحكمة نصًا في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون، فإن لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية"، ثم نص في الفقرة الثالثة من نفس المادة عن العرف وقواعد العدالة بشرط عد المخالفة لأحكام الفقه الإسلامي، ونص في المادة الثالثة من الباب التمهيدي على ما يلي: "يرجع في فهم النص وتفسيره وتأويله ودلالته إلى قواعد أصول الفقه الاسلامي".

وهكذا يكون القانون المدني الأردني حقيقة هو أول قانون مدني عربي مستمدًا أحكامه من الفقه الإسلامي، ونص في مصادره الاحتياطية على الرجوع إلى الفقه الإسلامي أولاً ثم الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية ... إلخ، وإن كان استمد بعض النصوص من قوانين متأثرة بالفقه الغربي، فإنه قطع الصلة بينها وبين الفقه المستمدة منه بنصه في المادة الثالثة كما سبق، من أن تفسير النصوص وفهمها ودلالتها يرجع فيها إلى قواعد وأصول الفقه الإسلامي، وهي الفكرة التي نبه عليها العلامة عبد الرزاق السنهوري في خاتمة مقاله "من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي"[17].

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن القانون المدني لم يلغي بصدوره مجلة الأحكام العدلية تمامًا، بل نص في المادة ما قبل الأخيرة (1448) "يلغى العمل بما يتعارض مع أحكام هذا القانون من مجلة الأحكام العدلية" أي أنه لا يزال معمولاً بها فيما لا يتعارض مع نصوص القانون المدني الجديد[18].

رابعًا: القانون المدني لدولة الإمارات العربية المتحدة

بعد نهاية الحماية البريطانية على المنطقة في مطلع السبعينات من القرن الماضي سارعت الإمارات السبع للاتحاد، وبدأت في توطيد الاتحاد على كافة المجالات، ومن ذلك الاتحاد القانوني، فصدر في مجال المعاملات القانون الاتحادي رقم 05 في 15/12/1985 المتضمن قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، ويتألف هذا القانون من 1528 مادة مقسمة إلى باب تمهيدي وأربعة كتب رئيسية، متأسيًا في ذلك بترتيب القانون المدني المصري والأردني.

الباب التمهيدي: يتناول الأحكام العامة من المادة 1-123.

الكتاب الأول: يتناول الالتزامات أو الحقوق الشخصية من المادة 124- 488.

الكتاب الثاني: يتناول العقود من المادة 489-1132.

الكتاب الثالث: يناول الحقوق العينية الأصلية من المادة 1133-1398.

الكتاب الرابع: يتناول التأمينات العينية التبعية من المادة 1399- 1528.

ولقد كان مصدر القانون المدني لدولة الإمارات هو الفقه الإسلامي[19]، وقد جعل من القانون المدني الأردني أصلاله[20]، وخالفه في بعض المسائل، وزاد عليه في بعضها الآخر.

وقد نصت المادة الأولى من قانون المعاملات المدنية الإماراتي على جعل الشريعة الإسلامية هي المصادر الأول الاحتياطي في حالة عدم وجود نص في المسألة المعروضة على القضاء، على أن يكون المذهبان المالكي والحنبلي في المقدمة، فإن لم يجد القاضي فيهما أنسب الحلول للقضية المعروضة عليه نظر في المذهبين الشافعي والحنفي، ثم العرف الموافق للشريعة الإسلامية، وهذا هو نص المادة الأولى: "تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها وفحواها. ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص القطعي الدلالة. فإذا لم يجد القاضي نصًا في هذا القانون حكم بمقتضى الشريعة الإسلامية. على أن يراعي تخير أنسب الحلول من مذهبي الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل فإذا لم يجد فمن مذهبي الإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة حسبما تقتضيه المصلحة. فإذا لم يجد حكم القاضي بمقتضى العرف على ألا يكون متعارضًا مع النظام العام أو الآداب وإذا كان العرف خاصًا بإمارة معينة فيسري حكمه على هذه الإمارة".

ومما يؤكد استمداد قانون المعاملات المدنية الإماراتي من الفقه الإسلامي نص المادة الثانية «يرجع في فهم النص وتفسيره وتأويله إلى قواعد وأصول الفقه الإسلامي» وذلك لأن هذا القانون مستمدة من الفقه الإسلامي، وحتى وإن استمد بعضها من غير الفقه الإسلامي - مثل ما فعل القانون المدني الأردني- فإنها لا تخالف أحكامه، ولذلك يرجع في فهمها إلى قواعد الفقه الإسلامي، مما يدل على قطع الصلة بينها وبين المصدر الذي استمدت منه حتى لا يقول قائل إن مصدر تلك المادة هو القانون الفرنسي أو الإيطالي فيجب الرجوع إليهما لفهم هاته المادة.

خامسًا: قانون المعاملات المدنية السوداني

بقي القانون الإنجليزي هو القانون الذي يحكم البلاد السودانية حتى قيام بعض الثورات التي من مطالبها ضرورة تبني تشريعات عربية بدل القوانين الأجنبية، فأعلن الرئيس السوداني في ذلك الوقت السيد جعفر نميري في 31/08/1970م بدء الثورة التشريعية، وبصفة عاجلة أحضرت لجنة من كبار المستشارين المصريين بمعية بعض القضاة السودانيين، وفي فترة وجيزة انتهت اللجنة من عملها فجاء القانون في 917 مادة مقسمة على أربعة كتب، وجاء تقريبًا نسخة عن القانون المدني المصري[21] بل حتى في مذكرته التفسيرية هي مأخوذة عن المذكرة الإيضاحية للقانون المدني المصري، غير أن هذا القانون لم يدم العمل به إلا سنتين، بسبب احتدام الصراع، فألغي، ورجع العمل بالقانون الإنجليزي في شأن المعاملات المدنية بالإضافة إلى السوابق القضائية، وإصدار بعض القوانين الجزئية، مثل قانون العقود، وقانون البيع، وقانون الوكالة، وذلك سنة 1974، وتوالت صدور بعض القوانين الجزئية حتى سنة 1984م، وهي السنة التي ولد فيها قانون المعاملات المدنية الجديد نتيجة ظهور رغبة رئيس البلاد السيد جعفر النميري نحو النهج الإسلامي تلبية لطلب الغالبية العظمى من الشعب السوداني، فبدأ تجسيد هذه الرغبة بالنص في دستور 1973م في مادته التاسعة "الشريعة الإسلامية والعرف مصدران رئيسيان للتشريع"، وفي سنة 1977م تشكلت لجنة لمراجعة القوانين السودانية وتعديلها لتتماشى مع أحكام الشريعة الإسلامية، وفي 11/2/1984م صدر قانون المعاملات المدنية والذي شمل 819 مادة، مستمدًا بعض أحكامه من بعض قوانين الدول العربية وخصوصًا القانون المدني الأردني، ومشروعات قوانين بعض دول الإمارات العربية المتحدة قبل صدور قانونها المدني الموحد، ومصر، والكويت، واليمن، كما استعان في كثير من مواده بفقه المذهبين الحنفي والمالكي، ليصبح قانونًا مستمدًا من الشريعة الإسلامية[22]، غير أن هذا القانون تعرض لحملة شرسة، منها ما هو جدير بالذكر والبيان مثل إغفال القانون المدني لكثير من المسائل المهمة كالمبادئ العامة لآثار الالتزام من تنفيذ عيني جبري أو بمقابل، ثم ما يتعلق بأوصاف الالتزام، وما يتعلق بانقضاء الالتزام سواء بالوفاء أو ما يعادل الوفاء أو بالإبراء ...[23]، ومنها ما هو مبالغ فيه كادعاء بعضهم بأن نصوصه تكاد تطابق نصوص القانون المدني القديم لسنة 1971 بنسبة 75% تقريبًا مع بعض التحوير والتغيير[24].

 

المحور الثاني

الدول التي زاوجت في الاستمداد في قانونها المدني بين

الفقه الإسلامي والقانون الغربي

من أهم الدول التي تمثل هذا الاتجاه هي العراق، وهذا بشهادة أكثر فقهاء القانون، وعلى رأسهم الأستاذ السنهوري، الذي كان رئيسًا للجنة التي أعدت المشروع، أما بالنسبة لمجلة الالتزامات والعقود التونسية التي هي أصل قانون الالتزامات والعقود المغربي والموريتاني فإن الفقهاء لم يستقروا من حيث مدى تأثرها بالفقه الإسلامي على رأي كما سنرى في محله، وقد آثرت أن أضعها في نفس المكانة مع القانون المدني العراقي لكثرة المسائل التي استمدتها من الفقه الإسلامي إذا ما قورنت بالاتجاه الثالث والأخير.

أولاً: القانون المدني العراقي

ظلت مجلة الأحكام العدلية هي المطبقة في العراق إلى غاية صدور القانون المدني العراقي الجديد، ففي سنة 1936 ألفت الحكومة العراقية لجنة من رجال القانون لوضع مشروع قانون مدني جديد يقوم على أساس من الفقه الإسلامي مع إدخال ما تقتضيه ظروف التطور من القوانين الحديثة، وكان من بين أعضاء تلك اللجنة الأستاذ السنهوري، وكان في ذلك الوقت عميدًا لكلية الحقوق في بغداد، فوضع مشروعًا تمهيديًا لأحكام عقد البيع، ثم توقفت اللجنة عن عملها. وفي عام 1943م تألفت لجنة جديدة برئاسة الأستاذ السنهوري لهذه الغاية، فأنجزت عملها في مدة ثلاث سنوات، ثم عرض على مجلس الأمة فوافق عليه بتاريخ 8/9/1951، على أن يطبق بعد سنتين من تاريخ نشره[25]. وقد جاء هذا القانون في 1383 مادة تنقسم إلى باب تمهيدي وقسمين رئيسيين:

القسم الأول: يتناول الالتزامات والعقود وينقسم إلى كتابين:

الكتاب الأول: الالتزامات بوجه عام المواد من 73-505.

الكتاب الثاني: يتناول العقود المسماة المواد من 506 -1047.

القسم الثاني: يتعلق بالحقوق العينية، وينقسم إلى كتابين:

الكتاب الأول: يتناول الحقوق العينية الأصلية، المواد من 1048 -1284.

الكتاب الثاني: يتناول الحقوق العينية التبعية، المواد من 1285- 1383.

أما بالنسبة لمصادر هذا القانون فقد جاء في لائحة الأسباب الموجبة لهذا القانون ما يلي: "وقد أخذت الأحكام الواردة في هذا المشروع من:

  • المشروع المصري: والذي هو في جملته صفوة مختارة من القواعد التي استقرت في أرقى التقنينات الغربية.
  • القوانين العراقية الحالية: وفي طليعتها مجلة الأحكام العدلية وقانون الأراضي.
  • الشريعة الإسلامية"[26].

إذًا مصادر القانون المدني العراقي هي "القانون المدني المصري الذي يمثل القانون الغربي، والقوانين المعمول بها في العراق وأهمها مجلة الأحكام العدلية، والشريعة الإسلامية ويدخل فيها جميع المذاهب الفقهية وبعض مشاريع القوانين مثل مرشد الحيران لقدري باشا الذي اعتمد عليه في كثير من الأحيان المشرع العراقي".

وبذلك تعتبر العراق من أول الدول العربية التي اعتزت بتراثها وحفظته من الضياع، وجعلت من الفقه الإسلامي أساسًا لقرابة النصف من مواد قانونها المدني[27]، أو أكثر من النصف كما أثبته الدكتور أحمد عبيد جاسم في أطروحته الموسومة بالتأصيل الفقهي للقانون المدني العراقي، وذلك بعد أن رد أكثر نصوص القانون المدني إلى مجلة الأحكام العدلية، ومرشد الحيران، وبعض مدونات الفقه الإسلامي[28].

فعلى سبيل المثال فإن الباب التمهيدي يحتوي على 8 مواد من مجلة الأحكام العلية.

وفي الباب الأول الخاص بمصادر الالتزام من الكتاب الأول من القسم الأول، والمشتمل على 173 مادة نقل منه ما يقرب من 76 مادة من المجلة، وما يقرب من 22 مادة من مرشد الحيران، مع وجود الكثير من المواد المتقاطعة والمتشابهة بين المجلة ومرشد الحيران.

وفي الباب الثاني الخاص بآثار الالتزام من نفس الكتاب المشتمل على39 مادة، نقل منه 5 مواد من المجلة.

وفي الباب الثالث الخاص بالأوصاف المعدلة للالتزام والمشتمل على 54 مادة، نقل منها 13 مادة من مجلة الأحكام العدلية، و14 مادة من مرشد الحيران .... وهكذا في جميع الأبواب والكتب[29].

وفيما يخص مكانة الشريعة الإسلامية من بين المصادر الاحتياطية التي يرجع إليها القاضي فقد جاءت في المرتبة الثانية بعد العرف والعادة، مقلدًا في ذلك القانون المدني المصري، وهو ما نصت عليه المادة الأولى من القانون، وليته لم يفعل، لأن ابتعدوا خطوة عن الفقه الإسلامي، وهم الذين يريدون أن يتميزوا عن بقية القوانين بقربهم من الفقه الإسلامي حسب ما تم ذكره في لائحة الأسباب الموجبة للقانون المدني العراقي.

ومن الموضوعات التي استمدها القانون المدني العراقي من الفقه الإسلامي إجمالاً نجد: بعض القواعد الفقهية مثل: المادة 2 "لا مساغ للاجتهاد في مورد النص"، المادة 3 "ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه" وهكذا من القواعد إلى المادة 5.

نجد أيضًا نظرية التعسف في استعمال الحق (مادة 07)،، الرضا كأحد أركان العقد (مواد 77-92)، الأهلية (مواد 93-111)، أحكام تفسير العقد، والتي هي عبارة عن قواعد فقهية (مواد 155-167)، الإرادة المنفردة كمصدر من مصادر الالتزام (مواد 184-185)، حوالة الدين (مواد 339-361)، الإبراء من الدين بإرادة منفردة (مواد 420-424)، خيار الشرط (مواد 509-513)، الهبة كأحد العقود التي تقع على الملكية (مواد 601-625)، وبعض أنواع الشركات كشركة الوجوه، وشركة المضاربة، وشركة الأعمال (مواد 658-683)، إيجار الأراضي الزراعية، والمزارعة، والمساقاة، والمغارسة كأنواع للإيجار (مواد 794- 833)، وحقوق الارتفاق، والعلو والسفل والحائط المشترك والميراث والوصية كسببين لكسب الملكية والشفعة ... [30].

كانت هذه بعض الأمثلة فقط التي تبين مدى استمداد القانون المدني العراقي من الفقه الإسلامي، والقانون العراقي يعد نموذجًا خاصًا للقوانين التي جمعت بين أحكام الفقه الإسلامي والقوانين الغربية الحديثة جنبًا إلى جنب، مع تغليب الفقه الإسلامي وجعله هو الأساس الأول الذي يبنى عليه التقنين.

ثانيًا: القانون المدني التونسي والمغربي والموريتاني

لم تصطلح بعض هذه الدول على القانون المنظم للمعاملات المالية بين الأفراد المصطلح الغربي المعروف، بل فضلت مصطلح المجلة، على غرار مجلة الأحكام العدلية، فسمت تونس قانونها المدني بـ: مجلة الالتزامات والعقود، وتعتبر مجلة الالتزامات والعقود التونسية الصادرة سنة 1906م هي أصل قانون الالتزامات والعقود المغربي، والذي صدر سنة 1913م، وقد حدثت فيه تعديلات عديدة اختصرها الأستاذ السنهوري بقوله "ولكن التقنين المراكشي جاء أكثر اختصارًا من التقنين التونسي، إذ حذفت بعض النصوص المتعلقة بالإجراءات لا تطبق في مراكش، ولا شأن لها بالقانون المدني، وحذفت كذلك بعض النصوص تتعلق بقانون التجارة، وأخرى بقانون الأراضي لا محل لتطبيقها بمراكش، وأخيرًا حذفت نصوص أحكامها من عادات محلية بتونس، كما عدلت بعض المواد..." وهاته الثانية هي الأصل لقانون الالتزامات والعقود الموريتاني الصادر سنة 1989م، مع حدوث بعض التعديلات المتعلقة بالأعراف والعادات ... ولأن مصدر هذه القوانين الثلاثة المذكورة هو مجلة الالتزامات والعقود التونسية سنقتصر عليها فقط.

لما أعلن الفرنسيون الحماية على تونس قرروا إصدار نظام قانوني يحكم البلاد، فألفوا لجنة مكونة من خمسة أعضاء كلهم من رجال القانون الفرنسي بتاريخ 06/09/1896م[31]، ومهمتها وضع مشروع لتقنين حديث يضم أحكام الالتزامات والعقود والتجارة، وعين مقررًا لهذه اللجنة محام إيطالي معروف بتمكنه من الفقه الإسلامي، اسمه دافيد سانتيلانا.

وقد بذلت هذه اللجنة جهدها في التوفيق بين أحكام القانون الفرنسي وأحكام القوانين الغربية وأحكام الشريعة الإسلامية[32] مع مراعاة الأعراف والعوائد التونسية[33]، وبعد أن أتمت اللجنة عملها نوقش المشروع على مدار سنة كاملة، ثم عرض على لجنة أخرى متكونة من اثنين من أعضاء اللجنة الأولى، وعشرة من علماء الشريعة، منهم خمسة من أساتذة الشريعة في جامع الزيتونة، وخمسة من قضاة المحكمة العليا الشرعية وهاته اللجنة هي التي قامت بالترجمة أولاً، ثم راجعته مراجعة دقيقة، وخرجته على أحكام الشريعة الإسلامية، ولم تجد فيه ما ينافيها، وقد اعتمدت في عملها هذا على الأسس الآتية:

  • جواز الاقتباس من الغير.
  • ملاحظة مقاصد الشريعة فيما يقتبس من القوانين.
  • تجاوز التعصب المذهبي عند الترجيح أو التخريج[34].

فصدر بذلك مرسوم الباي في 15 ديسمبر 1906م[35] مصادقًا على عمل اللجنة، وبذلك خرج هذا التقنين إلى الوجود باسم مجلة الالتزامات والعقود.

تأثر مجلة الالتزامات والعقود بالفقه الإسلامي:

لقد تباينت وجهات النظر من حيث مدى استمداد مجلة الالتزامات والعقود التونسية من الفقه الإسلامي إلى عدة أقوال أهمها:

القول الأول: يتزعمه محمد عبد الجواد الفقيه القانوني الكبير، والمناضل لأجل تطبيق الشريعة وإحلالها محل القوانين الوضعية، ومن انتصر له كالدكتور ابن زغبية في أطروحته "حركة تقنين الفقه الإسلامي في البلاد التونسية" والكثير من الباحثين المغاربة، يقول الدكتور محمد عبد الجواد: تعليقًا على قول سانتيلانا – "بأنه لا يوجد بهذا المشروع أي أثر لما هو مخالف لمذهب أشهر فقهاء الإسلام ... هذا العمل من أعمال الحضارة السامية التي بادرت فرنسا به، والذي يمكن لها أن تفخر به أمام التاريخ..- "فإني أؤيده كل التأييد، وليتهمني من شاء بما شاء، في أن لفرنسا الاستعمارية أن تفخر بأن وكلت إلى مستشرق إيطالي أن يضع قانونًا يستمده من الشريعة الإسلامية، في الوقت الذي عمدت فيه مصر بواليها أو خديويها المسلم، واستقلالها وأزهرها، وعلمائها الدينيين والمدنيين إلى نقل القوانين الفرنسية وإصدارها إلى مصر"[36].

القول الثاني: ويتزعمه الأستاذ السنهوري الذي يرى بأن هذا القانون ينتمي إلى الثقافة القانونية الغربية اللاتينية، حيث يقول "فوضعت اللجنة المشروع، وبذلت بعض الجهد في التوفيق بين أحكام القانون الفرنسي وأحكام القوانين الغربية وأحكام الفقه الإسلامي، ولكن أحكام القانون الفرنسي كانت هي الأساس الذي بني عليه العمل"[37].

ولعل اللبس الذي حدث بالنسبة للفريق الأول خصوصًا لما عرض المشروع على جماعة من العلماء المتخصصين في الشريعة الإسلامية، وخرجوا نصوصه على أحكام الفقه الإسلامي، ثم عرض المشروع للمراجع التي استمد منها هذا القانون، وهي متنوعة ما بين كتب في الفقه المالكي كالتبصرة لابن فرحون، والعقد المنظم لابن سلمون، والبهجة في شرح التحفة للتّسولي، وتحفة محمد بن عاصم ... وفي الفقه الحنفي: الأشباه والنظائر لابن نجيم، ورد المحتار لابن عابدين، والفتاوى الهندية، ومجلة الأحكام العدلية ومرشد الحيران، كذلك كان من بين المراجع المعتمدة القوانين الغربية مثل القانون الفرنسي والإيطالي والألماني ... وللإجابة على هذا اللبس نطرح التساؤل التالي: هل كل قانون نستطيع تخريجه على أحكام الفقه الإسلامي يصير قانونا إسلاميًا؟، فالأولون لما رأوا أن مجلة الالتزامات والعقود لما كانت تحيل إلى مراجع في الفقه الإسلامية تتضمن نصوص مواد المجلة، قالوا بأنه أخذ نصوصه عن الفقه الإسلامي، أو أن هذه النصوص مادامت لا تتعارض مع الفقه الإسلامي، ونستطيع تخريجها على أحكامه ومقاصده فهي داخلة في دائرة الفقه الإسلامي، وهو العمل الذي قام به علماء الشريعة الذين عُرض عليهم المشروع.

أما من قال بالقول الثاني فهم يرون أنه وإن استطعنا تخريج جميع أحكام القانون على أحكام الفقه الإسلامي فلن تكتسي هذه النصوص الصبغة الإسلامية، ولا يوصف القانون بأنه الفقه الإسلامي، بل يقولون هو قانون غربي النزعة موافق للفقه الإسلامي، ولذلك جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني المصري بأن هذا القانون - أي المصري – نستطيع تخرجه كله على أحكام الفقه الإسلامي[38]، ومع هذا هم يقولون أنه غربي النزعة يمثل الثقافة القانونية الغربية حق تمثيل[39].

ولاضطراب الآراء في مدى استمداد هذا القانون من الفقه الإسلامي رأيت أن أضعه في المكانة مع القانون المدني العراقي من حيث الاستمداد من الفقه الإسلامي، وإن كان قد ورد في لائحة الأسباب الموجبة للقانون المدني العراقي في تعداد القوانين اللاتينية النزعة فذكر منها القانون المدني التونسي والمغربي، وجعلهم في نفس المرتبة مع القانون المدني المصري والسوري[40].

هذا ولا ينكر تأثر هذا القانون بالفقه الإسلامي فقد أخذ عنه الكثير من أحكامه مثل مسائل الأهلية (مادة 6-7)، الجعل (مادة 19)، مجلس العقد (مواد 27-36)، الإكراه (مادة 50)، الغبن (مادة 61)، عقد السكران (مادة 58)، التعسف في استعمال الحق (مادة 103)، اليمين (مادة 427)، بيع المريض مرض الموت (مادة 565)، تحريم بعض بيوع الغرر (مواد 571- 574)، بيع الزبل (مادة 575)، بيع الطعام (مادة 584)، الفضالة (مادة 1179)، عقد القراض (مواد 1195-1225)، الخماسة (مادة 1369)، المساقاة والمغارسة (مواد 1395-1426)[41]. إضافة إلى الكثير من القواعد الفقهية المنثورة بين دفتي هذا القانون[42].. كانت هذه بعض المسائل التي تأثر به القانون المدني التونسي بالفقه الإسلامي، والشيء نفسه يقال عن القانون المدني المغربي والقانون المدني الموريتاني.


 

المحور الثالث

الدول التي استمدت قانونها المدني جله

من الفقه الغربي إلا بعض المسائل

أولاً: القانون المدني المصري ومن حذا حذوه كالقانون السوري والليبي والجزائري:

 لأن القانون المدني المصري يعد أصلاً لمجموعة من القوانين المدنية العربية مثل القانون المدني السوري لسنة 1949م والقانون المدني الليبي لسنة 1953م، والقانون المدني الجزائري لسنة 1975م، فهذه القوانين الثلاثة على الخصوص تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن القانون المدني المصري، ما عدا بعض الاختلافات البسيطة التي تميز بها كل بلد من حيث الأعراف والعادات، أو حذف بعض المواد، ومن المسائل التي تميزت بها القوانين الثلاثة السوري والليبي والجزائري عن القانون المدني المصري تقديم مبادئ الشريعة الإسلامية على العرف خلافًا للأصل المصري الذي قدم العرف على مبادئ الشريعة الإسلامية بالنسبة للمصادر الاحتياطية التي يلجأ إليها القاضي عند عدم وجود نص، وبعض المسائل مثل تحريم الفوائد الربوية بين الأفراد كما في القانونين المدنيين الليبي والجزائري خلافًا للقانون المدني المصري.

ولذلك سوف أقتصر على القانون المدني المصري، وكل ما يقال عن القانون المدني المصري من حيث استمداده من الفقه الإسلامي ينصرف إلى بقية القوانين المذكورة.

إن أول قانون مدني في مصر هو القانون المدني المختلط سنة 1875م، الذي وضع ضمن حركة الإصلاح القضائي التي تم الاتفاق عليها بين مصر والدول صاحبة الامتيازات. ثم صدر القانون المدني الأهلي بعد ثماني سنوات في سنة 1983م، لتطبقه المحاكم الأهلية في الدعاوى التي تقوم بين المواطنين دون غيرهم.

وبعد أن ألغيت الامتيازات الأجنبية بمعاهدة مونترو 1937م، كلف الأستاذ السنهوري بوضع مشروع جديد للقانون المدني ليحل محل القوانين المدنية الأهلي والمختلط[43]، فصدر القانون بعد معارك طويلة بين من يريده قانونًا إسلاميًا خالصًا كالدكتور محمد صادق فهمي، وبين من يريده غربي النزعة كواضعه الدكتور عبد الرزاق السنهوري، كما تروي ذلك لنا مجموعة الأعمال التحضيرية لهذا القانون[44]، وصدر القانون سنة 1948م، وطبق بعد سنة من صدوره، وجاء مشتملاً على 1149 مادة، مقسمًا إلى باب تمهيدي وقسمين رئيسيين:

القسم الأول: الالتزامات أو الحقوق الشخصية، وجاء مقسمًا إلى كتابين:

  • الكتاب الأول: الالتزامات بوجه عام (مواد 89-417)
  • الكتاب الثاني: العقود المسماة (مواد 418-801)

القسم الثاني: الحقوق العينية:

  • الكتاب الأول: الحقوق العينية الأصلية (مواد 802-1029)
  • الكتاب الثاني: الحقوق العينية التبعية (مواد 1030- 1149)

مصادر القانون المدني المصري:

استقى القانون المدني المصري نصوصه من ثلاثة مصادر هي:

  • القانون المدني المصري السابق (نصوصه وقضاؤه، وهو قانون فرنسي إلا قليلاً).
  • القوانين الغربية الحديثة من جرمانية ولاتينية وغيرها وقد وصلت إلى قرابة 20 قانونًا.
  • الفقه الإسلامي، يقول السنهوري "للفقه الإسلامي مكان ملحوظ بين المصادر الثلاثة، فقد استبقى التقنين الجديد ما اشتمل عليه التقنين القديم من أحكام أخذها عن الفقه الإسلامي، واستحدث أحكامًا جديدة أخذها عن هذا الفقه، وجعل بعد ذلك كله الفقه الإسلامي مصدرًا رسميًا للقانون المدني يأتي بعد النصوص التشريعية والعرف، ويتقدم مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة"[45].
  • القديم من الفقه الإسلامي الذي استبقاه التقنين المصري الجديد:

وهذه المسائل هي: بيع المريض مرض الموت (مادة 477-478)، الأهلية (مادة 44-48، 109-119)، الشفعة (مادة 935-948)، الهبة (مادة 486-504)، سداد الديون قبل قسمة التركة (مادة 891-899)، الغبن في بيع القاصر (مادة 845)، خيار الرؤية (419-422)، تبعة الهلاك في المبيع (مادة 437)، غرس الأشجار في العين المؤجرة، الأحكام المتعلقة بالعلو والسفل (مادة 856-869)، وبالحائط المشترك (مادة 814-818)، ومدة التقادم (مادة 968-969).

 

  • الجديد من الفقه الإسلامي الذي استحدثه التقنين الجديد:

بعض هذه الأحكام هي مبادئ عامة أو نظريات، وبعضها مسائل تفصيلية.

المبادئ العامة:

1/ النزعة الموضوعية التي تتخلل كثيرًا من نصوصه، وهي نزعة الفقه الإسلامي والقوانين الجرمانية، أثرها التقنين الجديد على النزعة الذاتية التي هي طابع القوانين اللاتينية، وجعل الفقه الإسلامي عمدته في الترجيح.

2/ نظرية التعسف في استعمال الحق (مادة 05): لم يأخذها التقنين الجديد عن القوانين الغربية فحسب، بل استمدها كذلك من أحكام الفقه الإسلامي، وخصوصًا معايير التعسف...

3/ حوالة الدين (مادة 315-322): وكذلك الأمر في حوالة الدين أغفلتها القوانين اللاتينية، ونظمتها القوانين الجرمانية متفقة في ذلك مع الفقه الإسلامي، فأخذ بها التقنين.

4/ ومبدأ الحوادث غير المتوقعة (الظروف الطارئة) (مادة 147/2): أخذ بها بعض التقنينات الحديثة، فرجح التقنين الجديد الأخذ بها استنادًا إلى نظرية الضرورة، ونظرية العذر في الفقه الإسلامي.

الأحكام التفصيلية التي استحدثها التقنين الجديد واستمدها من الفقه الإسلامي:

من هذه المسائل كما يقول السنهوري "الأحكام الخاصة بمجلس العقد (مادة 94-97)، وإيجار الوقف (مادة 628-634)، وبالحكر (مادة 999-1014)، والمسائل المتعلقة بإيجار الأراضي الزراعية، وبهلاك الزرع في العين المؤجرة، وبانقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه للعذر فقد نصت عليهم المواد (610-627)، وبوقوع الإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده (مادة 371-372)"[46].

ثم يقول السنهوري "هذا هو الحد الذي وصل إليه التقنين الجديد في الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية، أما جعل الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول الذي يبنى عليه تشريعنا المدني فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي تختلج بها الصدور، وتنطوي عليها الجوانح، ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة ينبغي أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون المقارن"[47]. وقال في مكان آخر - فيمن يدعي أن بعض النظريات القانونية كنظرية البطلان وعيوب الرضا ونظرية السبب ونظرية الفسخ، هي نظريات يمكن الأخذ بها كما هي مبسوطة في القوانين الحديثة مع نسبتها إلى مذاهب فقهية تتعارض معها كل التعارض[48] - "وبدهي أن الشريعة الإسلامية لا تخدم عن طريق أن ينسب إليها ما ليس منها، وإنما تخدم عن طريق دراستها دراسة علمية صحيحة، وأول شرط لهذه الدراسة هي الأمانة العلمية، ولا يعيب الشريعة الإسلامية أنها لا تطاوع في بعض نظرياتها ما وصل إليه القانون الحديث من نظريات معروفة، ولكن يعيبها أن تشوه مبادئها وأن تمسخ أحكامها"[49].

ثانيًا: القانون المدني اللبناني

ظلت مجلة الأحكام العدلية هي القانون المطبق في لبنان حتى سنة 1934م، وكان لبنان وقتها تحت الانتداب الفرنسي، فكلف الأستاذ روبرس بوضع مشروع للالتزامات والعقود، ولما تم أرسله إلى الأستاذ جوسران، عميد كلية الحقوق بليون ليعيد فيه النظر، ثم حول إلى اللجنة الاشتراعية الاستشارية بلبنان لتنقيحه ووضعه في صيغته النهائية، وصدر هذا القانون في 09/03/1932م، ونشر في الجريدة الرسمية في 1/04/1932م، وعمل به في أواخر سنة 1934م، وسمي هذا القانون بقانون الموجبات والعقود، وجاء مشتملاً على 1106 مادة، مقسمًا إلى قسمين رئيسيين، كل قسم يحوي مجموعة من الكتب[50].

أما مصادر هذا القانون كما يقول السنهوري "ولكنه تأثر تأثرًا كبيرًا بالتقنين المدني الفرنسي وبالمشروع الفرنسي الإيطالي، فجاء يحمل كثيرًا من عيوبهما ... كما أنه لم يعن عناية كافية بالتوفيق بين ما أورده من أحكام وأحكام الشريعة الإسلامية، بل اقتفى أثر تركيا ومصر[51]، في نبذه للشريعة الإسلامية"، وفي ذلك يقول نائب رئيس اللجنة الاشتراعية في تقريره "فخليق إذن بالجمهورية اللبنانية أن تقتدي بالأمم الغربية، وبأقرب جاراتها أعني تركيا ومصر..."[52].

ومع هذا فإن هذا القانون جاء متأثرًا بالشريعة الإسلامية في جملة من الأحكام، أهمها:

نظرية التعسف في استعمال الحق (مادة 124)، الإثراء بلا سبب (مواد 140-146)، الوعد بمكافأة (مادة 179)، التعاقد بين غائبين (مادة 184)، حوالة الدين (مواد 287-289)، الغبن (مادة 213-214)، خيار الشرط (مادة 84-87)، الشفعة، المغارسة، المزارعة، المساقاة، بيع السلم، أحكام مرض الموت[53].

ثالثًا: القانون المدني الكويتي

بقيت مجلة الأحكام العدلية هي القانون المطبق في الكويت حتى سنة 1980، غير أنه عندما كلف الأستاذ السنهوري بوضع مشروعات قوانين دولة الكويت قام بنقل الجزء الخاص بالالتزامات في القانون المدني المصري إلى القانون التجاري الكويتي مما أبعد تطبيق المجلة في هذا الجزء، وفي سنة 1977م أصدر مجلس الوزراء الكويتي قرارًا بتشكيل لجان يكون مهمتها وضع قوانين مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية وفقًا لأحكام الدستور الذي نص في مادته على أن "الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، ومتمشية مع واقع الكويت وتقاليده، ومن هذه اللجان لجنة التشريعات المدنية، والتي اسفر عملها على صدور القانون المدني الكويتي الحالي في أكتوبر 1980م، والذي ألغى في مادته الأولى العمل بمقتضى مجلة الأحكام العدلية، وجاء هذا القانون في 1082 مادة، وجاء من حيث التقسيم موافقًا للتقنين المدني المصري تمامًا.

وقد استمد هذا القانون كغيره من قوانين الدول العربية بعضًا من أحكامه من الفقه الإسلامي، وما استمده من باقي القوانين العربية والغربية خرجه على أحكام الشريعة الإسلامية، فقد جاء في مقدمة هذا القانون ما يلي: "إن هذا القانون قد جاء في أحكامه متوافقًا تمامًا مع أحكام الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه، حتى إنه لا يوجد فيه حكم يستعصى تخريجه على مذهب من هذه المذاهب، أو يتعارض مع روح الشريعة الإسلامية السمحة، وذلك مع الاستفادة في الوقت ذاته مما وصل إليه الفكر القانوني المعاصر من تقدم رائع في فن صناعة التشريع وأساليبه الحديثة... وأصبح للكويت قانون مدني على مستوى رفيع، ومتفق مع أحكام الشرع الإسلامي الأغر"[54].

وقد جعل القانون المدني الكويتي في مادته (الأولى فقرة 02) أحكام الفقه الإسلامي المصدر الثالث بعد العرف، تقليدًا للقانون المدني المصري، والعراقي، غير أن هذه المادة عدلت بعد ذلك، فقدمت أحكام الفقه الإسلامي على العرف ليكون النص كالآتي "فإن لم يوجد نص تشريعي، حكم القاضي وفقًا لأحكام الفقه الإسلامي الأكثر اتفاقًا مع واقع البلاد ومصالحها، فإن لم يوجد حكم بمقتضى العرف" وكان هذا التعديل بمبادرة من اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، التي شكلت بالمرسوم رقم 139/1991م، لوضع خطة لتهيئة الأجواء لاستكمال لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية[55].

ومن مظاهر أثر الشريعة الإسلامية في هذا القانون ما يلي:

نظرية التعسف في استعمال الحق (مادة 30)، مجلس العقد (مادة 46- 50)، الغبن في عقد القاصر (مادة 163)، الوعد بجائزة كتطبيق للإرادة المنفردة (مادة 121-122)، ضمان أذى النفس، ويقصد به التعويض بالدية الشرعية (مواد 248-252) ... وكثير من المسائل التي تدل على الأثر الواضح للشريعة الإسلامية في هذا القانون، وخصوصًا أن جميع مواده لا تعارض الشريعة الإسلامية كما سبق نقله[56].

وفي الأخير لقد رأينا كيف أن الفقه الاسلامي أثر في جميع قوانين الدول العربية التي تطرقنا إليها - بل وحتى التي أغفلناها لكي لا يطول البحث، وخصوصًا أنه يقال فيها ما يقال في مثيلاتها، كالقانون المدني القطري لسنة 2004م، والقانون المدني البحريني، والقانون المدني لسلطنة عمان.. - فلقد رأينا أن بعض الدول بلغ تأثير الفقه الإسلامي فيها مبلغًا كبيرًا، وبعضها كان تأثير الفقه الإسلامي موازيًا لتأثير القانون الغربي، وبعضها كان أثر الفقه الإسلامي فيها قليلاً، وهي أكثر الدول العربية للأسف، وحاولنا في هذا البحث إعطاء بعض الأمثلة التوضيحية من خلال عرض بعض النصوص القانونية من كل القوانين المدروسة.

وفي الختام نقول إن تشريع كل أمة هو من خصائصها، وله ارتباط وثيق بأخلاقها، وتقاليدها، وجوّها، وأرضها، وما هو إلا مظهر من مظاهرها الاجتماعية، ومرآة لحالتها الاقتصادية، وإذا ألقينا نظرة على مختلف الأمم التي لها مجد في الحياة، وشخصية تعتز بها، وجدنا أن قانونها هو منها، وهي مصدره الأول، فها هو القانون الفرنسي ما هو إلا قانون تلك الأمة التي توارثته عن تاريخها القديم، وعدلته طبقًا لحاجاتها الحديثة، كذلك الحال بالنسية للقانون الألماني، فهو مطبوع بطابعهم، وهو مظهر لعقليتهم وروحهم، وتقنين لما جرت به تقاليدهم وأنظمتهم ... وهكذا القانون الإنجليزي والإيطالي وغيره[57]، ويثبت نسب القانون للأمة كلما ثبت ميلاده فيها، أو اتصاله بتاريخها وتأثره بعاداتها وتقاليدها، ومسايرته لحالتها الاجتماعية والسياسية والدينية، وإذا ثبت نسب القانون للامة فقد ثبتت شرعيته وأهليته لحكمها، ولم تجد الأمة غضاضة في احترام القانون وطاعته، لأن الأمة في هذه الحالة إنما تحكم نفسها بنفسها، وتخضع لما تدين به من عاداتها وتقاليدها وآدابها ونظمها وعقائدها، ولهذا كله حرص المقننون في كل بلاد العالم إذا ما أخذوا لأمة من قوانين أمة أخرى على أن يعدلوا ما يأخذونه حتى يأتلف مع قوانين الأمة الآخذة، ويتفق مع أنظمتها، لأنهم يعلمون حق العلم أن إلزام أمة قانون أمة أخرى دون مراعاة لما بين الأمتين من تخالف معناه إلزام إحدى الأمتين بالتخلي عن عاداتها، وتقاليدها، وآدابها، ومميزاتها، ونظمها، وشرائعها[58]، ومن ذلك ما يفخر به بعض الفقهاء السويسريين - وهو الفقيه رسل - في مؤلفه القانون المدني السويسري حيث يقول: "قد استمددنا القانون المدني السويسري من مصادر هي مصادرنا، استطعنا أن نتجنب الاستمداد من التشريعات الأخرى، وإذا كان طبيعيًا أن توجد مسائل مشتركة بين تقنينا والتقنين الألماني أو التقنين الفرنسي، فتقنيننا ليس مدينًا لأي من التقنينين، أو هو على الأقل ليس مدينًا لهما إلا في بعض المسائل التفصيلية، وبقدر واحد بالنسبة لكل منهما، ويمكن القول إن تقنيننا قد نُسج على منوال طباعنا، وأخلاقنا، وعقليتنا، إذ أنه حقًا تشريع سويسري قبل كل شيء"[59].

والله الموفق لأن ترجع دولنا العربية للاستمداد من الفقه الإسلامي وحده، - وهو الأمل الذي كان يرجوه السنهوري رحمه الله، وكتب فيه مقاله الرائع الموسوم بالقانون المدني العربي الموحد[60]، الذي يكون مصدره الوحيد هو الفقه الإسلامي -، ولتأكيد صلاحية الفقه الإسلامي لأن يكون نظامًا قانونيًا يرجع إليه، وأنه يزاحم الأنظمة القانونية الكبرى اللاتينية، والجرمانية، والأنجلوسكسونية، تلك الشهادات التي أدلى بها بعض مؤتمرات القانون المقارن[61]، والكثير من أفراد فقهاء القانون في هذا العصر من العرب والعجم، من ذلك:

  • يقول المؤرخ الإنجليزي «ويلز» في كتابه ملامح تاريخ الإنسانية: «إنّ أوربا مدينة للإسلام بالجانب الأكبر من قوانينها الإدارية والتجارية»[62].
  • يثني المستشرق المجري «فمبري» على الفقه الإسلامي قائلاً: «إنّ فقهكم الإسلامي واسع جدًا، إلى درجة أنّي أعجب كلما فكرت في أنّكم لم تستنبطو منه الأنظمة والأحكام الموافقة لبلادكم وزمانكم»[63].
  • وفي مصر نصح الأستاذ «بيولا كازيلي» الإيطالي -مستشار وزارة العدل ورئيس قضايا الحكومة حينذاك- بالأخذ من مبادئ الشريعة الإسلامية حيث يقول: «إنّه يجب على مصر أن تستمد قانونها من الشريعة الإسلامية فهي أكثر اتفاقًا من غيرها مع روح البلد القانونية»[64].
  • يقول الدكتور علي علي منصور: ولقد عثرت أخيرًا على مقال للأستاذ الدكتور عبد السلام ذهني تحت عنوان «تجميع القوانين والشريعة الإسلامية»، ورد فيه: «لما كنت بمدينة ليون بفرنسا بقسم الدكتوراه في سنة 1911-1920م كان أستاذنا لامبير يرى أنّ الفقه الإسلامي في المعاملات كنزٌ لا يفنى ومعين لا ينضب، وكان يشير على الطلبة المصريين بالرجوع لوضع رسائلهم في الدكتوراه في مواضيع من الشّريعة الإسلامية، وفعلاً وضع الدكتور محمد فتحي رسالة الدكتوراه عن مذهب الاعتساف في استعمال الحق والخروج عما شرع له عند فقهاء المسلمين، وما كادت الرسالة تطبع في كتاب حتى نفدت في ستة أشهر، وكتبت عنه المجلات القانونية كثيرًا، وأشادت بعظمة التشريع الإسلامي ...
  • وما كتب الفقيه الألماني «كوهلر» في مقال له «إنّ الألمان كانوا يتيهون عُجبا على غيرهم لخلقهم نظرية الاعتساف في استعمال الحق؛ وإدخالها ضمن التشريع في القانون المدني الذي وضع سنة 1787م، أما وقد ظهر كتاب «الدكتور فتحي» وأفاض في شرح هذه النظرية نقلاً عن رجال الفقه الإسلامي، فإنّه يجدر بعلماء القانون الألماني أن يتنازلوا عن المجد الذي نسبوه لأنفسهم، ويعترفوا بالفضل لأهله، وهم فقهاء الإسلام الذين عرفوا هذه النظرية وأفاضوا في الكلام عليها قبل الألمان بعشرة قرون...[65].

الهوامش:

 

* دراسة منشورة بمجلة "الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية"، الجزائر، العدد السابع، المجلد الثاني، 2017م، ص738- 762.

** أستاذ الشريعة والقانون - جامعة المسيلة الجزائر.

 

[1] فاطمة محمد عبد العليم، أثر الدين في النظم القانونية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، 2001، ص 363.

[2] سليم أيمن سعد، نظام المعاملات المدنية السعودي بين الفقه والتقنين، مجلة مصر المعاصرة، مجلد 98، عدد 488، سنة 2007م، ص 93.

[3] سليم أيمن سعد، مرجع سابق، ص 95-96.

[4] سليم أيمن سعد، مرجع سابق ص 101.

[5] سليم أيمن سعد، مرجع سابق، ص 103-110. مقدمة محقق مجلة الأحكام الشرعية لأحمد عبد الله القاري، تحقيق: عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، محمد إبراهيم أحمد علي، مطبعة تهامة، جدة، ط1/ 1981م، ص 29.

[6] راجع المرسوم في موقع المجلس الأعلى للقضاء على الرابط التالي: https://www.scj.gov.sa/About

[7] ومن العجيب أن الشيخ عبد الله القاري كان حنفي المذهب نشأة ومشيخة، غير أنه ممن مارس القضاء على المذهب الحنبلي، ولجمعه بين المذهبين استطاع أن يجاري مجلة الأحكام العدلية في تقنين المذهب الحنبلي، وانظر ترجمة الشيخ بإسهاب في مقدمة المحقق، أنظر عبد الله القاري، مجلة الأحكام الشرعية، تحقيق: عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، محمد إبراهيم أحمد علي، مطبعة تهامة، جدة، ط1/ 1981م.

[8] محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي المبدأ المنهج التطبيق، دار إحياء التراث، قطر، ط2/ 1986م، ص 61.

[9] وانظر الكثير من هذه التقنينات في موقع المجلس الأعلى للقضاء السعودي على الرابط التالي: https://iservices.scj.gov.sa:9113/home/pdflist

[10] وهو ما أكده دستور المملكة في مادته السابعة "يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة".

 [11] كان هذا التقديم من طرف رئيس مجلس الشعب التأسيسي - نائب رئيس الجمهورية السيد: عبد الكريم بن عبد الله العرشي في مقدمة القانون المدني لسنة 1992.

[12] محمد وحيد سوار، الاتجاهات العامة في القانون المدني دراسة موازنة بالفقه الإسلامي والمدونات المدنية العربية، مكتبة دار الثقافة، الأردن، ط 2001/2، ص 11-12.

[13] نقلاً عن المرجع السابق، هامش ص 11.

[14] عدنان إبراهيم سرحان، شرح القانون المدني الأردني، مصادر الحقوق الشخصية، دراسة مقارنة، 1997، ص 703.

[15] وقد جاء عن هيئة تحرير مجلة هدى الإسلام بمناسبة صدور القانون المدني الأردني أن هذا القانون قد اعتمد في مصادره على "مجلة الأحكام العدلية، والقوانين الأردنية المعمول بها، ومشروع القانون المدني الأردني السابق الذي تم رفضه سنة 1966م، والتشريعات المدنية العربية المستمدة من الفقه الإسلامي. ومن العلماء الذين شاركوا في إعداد المشروع: الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، والأستاذ زكي عبد البر، والأستاذ عبد القادر الأسود، ومحمد مصطفى المنفلوطي ... ومن القوانين العربية التي استعانوا بها: القانون المدني المصري والقانون المدني السوري، والقانون المدني العراقي، واستعانوا كذلك عند إعداد القانون والمذكرة الإيضاحية، بالأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، ومؤلفات الأستاذ عبد الرزاق السنهوري وخاصة كتابه الوسيط في شرح القانون المدني. "انظر: هيئة التحرير. القانون المدني. هدي الإسلام - الأردن، مج 20، ع 5,6 (1976)، ص84-85، ولقد رأيت كلامًا كثيرًا في المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني منقولاً حرفيًا عن المذكرة الإيضاحية للقانون المدني المصري، وانظر على سبيل المثال مسألة التعسف في استعمال الحق.

[16] ومع ذلك قد ادعى بعضهم أن القانون المدني الأردني استمد أكثر أحكامه من القوانين الجرمانية مع مراعاة مبادئ الشريعة الإسلامية. عبد السلام الترمانيني، القانون المقارن والمناهج القانونية الكبرى المعاصرة، ط 2، الكويت، 1982، ص 61. ومنهم من ادعى بأن أكثر مواد القانون المدني الأردني مخالفة لأحكام الفقه الإسلامي وهو ما أكده مفتي المملكة الأردنية الهاشمية، الشيخ عبد الله القلقيلي انظر: القلقيلي، عبد الله، نقد مشروع القانون المدني، مجلة هدي الإسلام، الأردن، مج 9, ع 1، 1964, ص 57.

[17] عبد الرزاق السنهوري، من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي، مجلة القضاء، السنة 02، مارس 1936، بغداد، ص 64-65.

[18] وحيد الدين سوار، مرجع سابق، ص 11.

[19] سرحان، عدنان إبراهيم، تقييم موقف التشريع والقضاء الإماراتيين من بعض مسائل المسئولية عن الفعل الضار، مجلة الحقوق للبحوث القانونية الاقتصادية (مصر)، ع 2، سنة 2010، ص 93؛ سرحان، عدنان إبراهيم، مباحث في أساس المسئولية عن الفعل الضار في قانون المعاملات المدنية الإماراتي وفقًا لأصوله من الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة، مجلة حقوق حلوان للدراسات القانونية والاقتصادية، مصر، ع 13، 2005، ص 91.

[20] وحيد الدين سوار، مرجع سابق، ص 13.

[21] فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق، ص 429.

[22] المكاشفي طه، تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان بين الحقيقة والإثارة، الزهراء للأعلام العربي، د ت، ص 19.

[23] وانظر المؤاخذات على هذا القانون في: أحمد عثمان عمر، أثر التشريعات الإسلامية في النظام القانوني السوداني، الشركة العالمية للطباعة والنشر، ط/2006، ص239 وما بعدها.

[24] أحمد عثمان عمر، مرجع سابق، ص 238.

[25] وحيد الدين سوار، مرجع سابق، ص 9.

[26] لائحة الأسباب الموجبة للقانون المدني طبعة في مقدمة القانون المدني العراقي في نسخته الأصلية ص 04.

[27] محمد زكي عبد البر، مرجع سابق، ص 61.

[28] انظر أطروحة الدكتوراه للأستاذ أحمد عبيد جاسم، التأصيل الفقهي للقانون المدني العراقي، منشورات زين الحقوقية، ط1/ 2013. وخصوصًا النتائج التي توصل إليها كما سبق، ص 489.

[29] فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق، ص 494-495.

[30] فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق ص 495-498؛ أحمد عبيد جاسم، مرجع سابق.

[31] بوزغيبة محمد، حركة تقنين الفقه الاسلامي في البلاد التونسية، مركز النشر الجامعي، 2003، ص 197.

[32] عبد الرزاق السنهوري، مقال من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي، مرجع سابق ص 20.

[33] بوزغبية محمد، مرجع سابق، ص 202.

[34] أحمد أدريوش، أصول قانون الالتزامات والعقود المغربي، الرباط، 1996م، ص 177 وما بعدها.

[35] بوزغبية محمد، مرجع سابق، ص 202.

[36] بوزغبية محمد، مرجع سابق، ص 206-207.

[37] عبد الرزاق السنهوري، مقال من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي، مرجع سابق، ص 20.

[38] مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري ج 20/1.

[39] عبد الرزاق السنهوري، أبحاث حقوقية، القانون المدني العربي، مجلة القانون (وزارة العدل - سوريا)، ع 01، السنة 18، كانون الثاني، 1967م، ص 7.

[40] لائحة الأسباب الموجبة للقانون المدني العراقي ص 03.

[41] محمد بوزغبية، الأصول الفقهية لمجلة الالتزامات والعقود، مقال ضمن وحدة بحث، كتاب مئوية مجلة الالتزامات والعقود 2006، ص 43 - 51؛ وانظر أيضًا فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق، ص 451 - 454.

[42] محمد بوزغبية، الأصول الفقهية لمجلة الالتزامات والعقود، مرجع سابق، ص 52 - 56.

[43] فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق، ص 410.

[44] انظر مقدمة الجزء الأول من مجموعة الأعمال التحضيرية.

[45] وهل تقدم الفقه الإسلامي على مبادئ القانون الطبيعي فيه فضل للفقه الإسلامي؟!!! هذا الترتيب عليه ملاحظات كثيرة ...

[46] هذا ما نص عليه السنهوري من حيث الاستمداد من الفقه الإسلامي انظر: عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، ط 3/ 2000 م، ج 1/ 56 - 59.، وهو ما أثبتته المذكرة الإيضاحية للقانون المدني المصري كما جاء في مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري ج 1/ 131 - 132.

[47] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، مرجع سابق، ج 1/هامش ص 60.

[48] وهو تعريض بالمشروع الذي قدمه الأستاذ محمد صادق فهمي والذي أعده مع بعض علماء الأزهر وبعض فقهاء القانون على أنه مستمد من الفقه الإسلامي، وكان متعلقًا بنظرية العقد فقط، ودار جدال كبير بين الدكتور محمد صادق فهمي والأستاذ السنهوري بهذا الخصوص. مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري ج 1/ 85 - 89.

[49] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، مرجع سابق، ج 1/هامش ص 61.

[50] عبد الرزاق السنهوري، مقال من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي، مرجع سابق، ص 21 - 22؛ فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق، ص 469.

[51] يقصد مصر في قانونيها المختلط (1875م)، والأهلي (1883م)، لا قانونها الجديد الذي جاء متأخرًا عن القانون المدني اللبناني.

[52] عبد الرزاق السنهوري، مقال من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي، مرجع سابق، ص 22.

[53] فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق، ص 470 - 472.

[54] وحيد الدين سوار، مرجع سابق، هامش ص 12.

[55] حشاد حسام، تقنين الفقه الإسلامي كخطوة لتوحيد التشريعات في البلاد العربية والإسلامية، حلقات نقاشية لرابطة الجامعات الإسلامية حول - التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في القرن المقبل – المنظمة بالأزهر في الفترة الممتدة بيمن 21 - 23 أفريل 1999م، مصر، مج 2، 1999م، ص 182.

[56] فاطمة محمد عبد العليم، مرجع سابق، ص 481 - 485.

[57] محمد صادق فهمي، محاضرة بعنوان: الفقه الإسلامي والقانون المدني المقارن، كتاب المؤتمر الثاني للمحامين العرب، المنعقد بالقاهرة من 3-8 مارس 1956م، طبع بإشراف نقابة المحامين، مصر، مطبعة حجازي، سنة 1956م، ص 246.

[58] عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا القانونية، نشر دار المختار الإسلامي، ط 5/ 1977م، ص 25.

[59] محمد صادق فهمي، مرجع سابق، ص 246.

[60] نشر هذا المقال في مجلة القانون، وزارة العدل، سوريا، عدد 1، سنة 18، 1967م

[61] مثل المؤتمر الدولي للقانون المقارن سنة 1932م، وفي دورتها الثانية سنة 1937م، ومؤتمر المحامين الدولي سنة 1938م، والمؤتمر المنعقد في كلية الحقوق جامعة باريس للبحث في الفقه الإسلامي سنة 1951م، تحت شعار «أسبوع الفقه الإسلامي»،...حيث شهدت جميع هذه المؤتمرات بمكانة الشريعة الإسلامية، وأنها نظام قانوني قائم بذاته. انظر في ذلك بالتفصيل: د. ساجر ناصر حمد الجبوري، التشريع الإسلامي والغزو القانوني الغربي للبلاد الإسلامية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/ الأولى، سنة 2005م، ص  244 - 247؛ د. شوكت محمد عليان، التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، دار الشواف، ط / 1996م، ص 196؛ سيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي، مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك، تحقيق: مركز الدراسة الاقتصادية والفقهية: د. محمد أحمد سراج وآخرون، دار السلام للطباعة والنشر، ط/ الأولى، 2001م، ص 9- 10؛ عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/ الأولى، 2011م، ص 15؛ محمد وحيد الدين سوار، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن ط/ الثانية، 1998م، ص

ب؛ محمد الصباغ، التشريع الإسلامي وحاجتنا إليه، المكتب الإسلامي، ط/ الثانية، بيروت، 1977م، ص 13 – 14.

[62] ساجر ناصر حمد الجبوري، مرجع سابق. ص 243.

[63] بلحاج العربي، أبحاث ومذكرات في القانون والفقه الإسلامي، ديوان المطبوعات الجامعية بن عكنون الجزائر، 1996م، مج 2، ص 542.

[64] بيولا كازيلي، مقال في مجلة مصر العصرية 1921م، مجلد 12، ص 195. نقلاً عن تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 13.

[65] من مقال نشر في الجريدة القضائية في 23 جانفي 1937م نقلاً عن مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مرجع سابق، ص 41-42.

صدرت كتاب "الدولتان: السلطة والمجتمع في الغرب وبلاد الإسلام" للمفكر الفرنسي برتران بادي·، عام 1996 عن المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء، أما الترجمة العربية للكتاب، فقد صدرت عام 2017 عن دار مدارات للأبحاث والنشر، بترجمة لطيف فرج.

يتناول الكتاب مقارنة بين تطور الدولة في الغرب والدولة في العالم الإسلامي، مسلطًا الضوء على الفروق التاريخية والاجتماعية والسياسية بين النموذجين. ويهدف إلى تقديم فهم أعمق لتطور الدولة والسلطة في السياقات المختلفة، مع التركيز على التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في تبني نموذج الدولة الحديثة.

وقد أفصحت دار "مدارات" عما يمكن اعتباره سببًا لإقدامها على إعادة نشر الكتاب حين ذكرت في غلافه الأخير ما يأتي:

 عقب اندلاع الانتفاضات العربية وصعود الإسلاميين إلى السلطة في عدد من البلدان العربية. تصاعد الجدل حول طبيعة الدولة في الإسلام بالمقارنة مع نظيرتها في الغرب الحديث، وواجهت الفرضيات التقليدية التي تنظر إلى التغيير السياسي في بلاد الإسلام وفي كل مكان خارج الغرب، باعتباره تقليدًا لنموذج مقتبس عن المجتمعات الصناعية الغربية، أزمة كبيرة؛ إذ وضع الصعود إلى سدة الحكم الإسلاميين أمام تحديات جسيمة تتعلق بتصوراتهم النظرية السابقة عن طبيعة الحكم والسياسة في الدولة الحديثة، وقد كان هذا الكتاب من أوائل الكتب التي حاولت الخروج من أسر تلك النظرة الاستشرافية التقليدية للدولة في الإسلام، محاولاً الإبانة عن أوجه الاختلاف الأساسية بينها وبين الدولة الحديثة في الغرب من خلال أدوات علم الاجتماع التاريخي. إن كتاب ''الدولتان'' يهدف إلى سد ثغرة ضخمة في معرفتنا بتاريخ الأفكار السياسية في التاريخ الإسلامي والغرب الحديث مما يسهم في إثراء النقاش السائد حاليا حول مسائل الدولة والسياسة والحكم في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر.

 

ومما جاء في خاتمة هذا الكتاب:

يثير التحديث السياسي الحيرة والارتباك بسبب تعدد مستويات تحليله التي يجدر إجراؤها. وبما أنه إحدى أكبر مجازفات هذا القرن، فإنه يبدو عالميًا وشاملاً، ويغذيه منطق نظام عالمي خاضع إلى نفس الضرورات، وإلى نفس القواعد المستمدة بخاصة من بنيان مجتمع صناعي. وبالرغم من أن هذا البنيان قد يكون غير متماثل، إلا أنه يستلزم تعميم عدد كبير من تقنيات الحكم. ولكن حين ندرس التحديث كممارسة سياسية، نجده أكثر التباسًا مما كان: وقد أصبح بفضل وسائل متنوعة كالهيمنة أو التيارات الثقافية، أو عمل المشاركين في السلطة -بطريقة صنعه الغربية– مرجعًا مشتركًا لعمليات البنيان السياسي عبر العالم. وبالرغم من أن الطريق الحديث via moderna الغربي يلهم في خارج الغرب غالبية الخطابات التي تنتسب في الواقع إلى الدولة وإلى الديموقراطية أو الأمة، وبالرغم من توجيهه لتكون هياكل سياسية تحمل طابع النموذج البيروقراطي بوضوح، وتتسم بالتفاعل المطرد السلطة والمجتمع، أو بالتعبئة الحزبية، فإنه يتم تعديل هذا الطريق، وتغيير اتجاهه وزيادة إثرائه بفضل ابتكارات المجتمعات المنتمية لثقافات أخرى.

إن الطابع العالمي للتحديث السياسي حقيقة لا جدال فيها، وظاهرة يمكن ملاحظتها في الواقع، ولكن ليست له قيمة معيارية حتى في حالة تعديله وتكييفه. إن تحقيق هذا التحديث الذي لا ينفصم عن أنواع الهيمنة -ثقافية أو اقتصادية أو سياسية- هو أيضًا مصدر للمعوقات وللتوترات وللإخفاقات. وبما أنه في جوهره ذاته متضاد سمات العالم الإسلامي الثقافية، بل مع بعض مظاهرة مجتمعاته، فإنه يحدث أثرًا سلبيًا بفرض التزامن الإجباري بين عالمين يتميز كل منهما بتاريخه الخاص، وبتأثره بمشاكل خاصة في عصور معنية. ويعبر التحديث السياسي الغربي من خلال إيقاع ابتكاره، عن تعاقب تحديات اضطر ابتكار الحيز السياسي في أوروبا الغربية إلى مواجهتها. وتتمثل هذه التحديات والمواجهات في: أزمة الإقطاع، وتذويب الروابط الجماعية، وقيام مؤسسات للمجالات الاجتماعية المستقلة، والتوازن بين السلطات الدينية والسياسية، وتكوين طبقات اجتماعية... إن نقل هذا التحديث إلى مكان آخر يُخضع شروط فاعليته للفكرة الوهمية بأن نفس هذه المشاكل قائمة في كل مكان بنفس الترتيب، بالإضافة إلى استبعاد أية مشاكل أخرى.

ويتمخض هذا الاستيراد الاجباري عن آثار عديد تؤثر، مع غيرها من العوامل على الأحداث السياسية الساخنة الجارية في العالم الإسلامي. أولاً الإحباطات والنتائج المخيَّبة المترتبة على التوفيق والتكييف غير البارعين مثل: الإفراط في نمو البيروقراطية، الطابع "الأبوي" لنظام الدولة (من المفهوم، كما سبق ورأينا، أن لهذه الدولة معنى مختلف في الغرب). ومن مظاهر هذا النظام الأساسية حدوث فورات استبدادية واتخاذ سياسات اقتصادية ذات طبيعة متناقضة؛ وليس هذا بكل شيء، فالقائمة ليست مستفيضة. بالإضافة إلى ذلك فإنه تظهر على الجانب الآخر منازعات مقلقة في شكلها وفي وضعها، لا سيما أنها تنتزع لنفسها الشرعية المطلقة؛ وهكذا تنتصب المنازعة كمسرح سياسي حقيقي، وتطالب بالتوحد الوثيق مع المجموع الاجتماعي، في مواجهة مسرح سياسي رسمي لا يمنحه طابعه المصطنع أي حق ولا يبشره بأية صيرورة أو دوام. وهكذا تنطوي مفارقة التحديث على نتيجة محيّرة، تضع المنازعة في مستوى أعلى من السلطة في سلسلة مراتب الشرعية، مما يضعف السلطة، ويؤدي إلى عدم فاعليتها، بل إلى استهلاك مواردها الضعيفة في الحماية الهشّة والجزعة لمؤسساتها ولفاعليها، مع المخاطرة بعرقلة ضرورة التنمية الملحة أو بمحاولات تدعيم الحرية.

والأثر الأخير، ولعله الأكثر خطورة في الأمد الطويل، هو الصعوبة البالغة في قيام خيال العناصر الاجتماعية الفاعلة بتشكيل طوبيا جديدة تستطيع دفع الإمكانيات إلى ما هو أبعد من التكييف والتوفيق، للوصول إلى تحقيق نماذج تنمية مبتكرة. أما الطوبيا الجديدة المستمدة بخاصة من الراديكالية الإسلامية، والمتسمة بوضوح بقوة شحنتها التنازعية، فإنها تجد صعوبة كبيرة في تكوين نموذج للدولة وفي تجاوز مرحلة "الثورة الدائمة". ولأن هذه المنازعة تجد نفسها معوّقة بسبب مسألة الشرعية، فإنها لا تنجح دائمًا وبصفة كاملة في الانفصال عن الرؤية الإحيائية الخاصة بالعودة إلى العصر الذهبي، وبذلك تعطي بلا قصد مصداقية للفكرة المسبقة والمغالى فيها والقائلة بأن الخيار الذي يواجه المجتمعات في العالم الإسلامي يتحدد في المفاضلة بين تقليد التحديث، وبين المخاطرة بالاضطرار إلى البقاء خارجه.

ويضاف إلى هذا الخيار بديل آخر، لكنه مروع أيضًا بسبب تبسيطيته المفرطة، وهو يدفع عالم الاجتماع إلى الخيار بين الاحتفاء بالنزعة التنموية developpementalisme، أو بالنزعة الثقافية culturalisme. لقد ارتكب المذهب خطأ حين اعتبر التقليد طبيعيًا وسليمًا، ثم عند إفراطه في استخدام حجة التأخر أو عدم التأهب لتبرير فشله أو أضراره. وتستند النزعة الثقافية إلى تبسيطية مماثلة، وذلك بمقابلة فشل الممارسات بدوام وصدق الهويات، متعللة بالوهم بأنه يكفي إحياء «الأصالة» لكي يتم التصدي لجميع التحديات.

من المؤكد أن العناصر الفاعلة ذاتها قد خضعت أكثر من مرة لهذه الرؤى المتكاسلة، فقد اغترف الحكام من حجة التنمية أثناء بحثهم عن الشرعية، كما سعى المنازعون لدى النزعة الثقافية للحصول على مغزى لتاريخهم. ومع ذلك فإنه بالإضافة إلى فشل هذه الأوهام، نجد الممارسات الحقيقية تتجه فعلاً نحو الانفصال عنها: إذ تبتعد النماذج المقامة شيئًا فشيئًا عن التقليد الواهن نتيجة لكثرة التجارب المتراكمة؛ أما خطاب المنازعة؛ فإنه لم يعد مجرد إحياء، وذلك وفقًا لما تظهره الراديكالية الإسلامية في اتجاهاتها الراهنة. إذا كانت آفاق هذه الرؤى لا تزال في حالة الاحتمالات الكامنة، وكان تطبيقها يؤدي إلى العراقيل التي سبق لنا ذكرها فهما أمران لا يجعلاننا بأي حال ننغلق داخل هذه الخيارات الزائفة: أليست العراقيل الواضحة حاليًا هي ذاتها ثمرة لتاريخ؟ لعله سيتم تجاوز هذه العراقيل على الأمد المتوسط، مما يمنح العمل قدرته الخلاقة والتجديدية: وهذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن يتخذه التحليل، بل وبلا جدال الممارسة أيضًا، وذلك بعيدًا عن قصر نظر المفاهيم والنظريات المكرسة.

 

محتويات الكتاب:

الجزء الأول: تأملات في الحداثة

الفصل الأول: تضادات فعاليتين ثقافيتين.

  • منابع الحداثة الغربية في القرون الوسطى.
  • ابتداع حيز سياسي مستقل.
  • الجماعة والفرد.
  • منابع المدينة الإسلامية في القرون الوسطى.

الفصل الثاني: الهيمنة التدريجية للتحديث السياسي الغربي.

  • التحديث السياسي الغربي بين الوحدة والتعدد.
  • التحديث والتمثيل في البنيان الإنجليزي للحيز السياسي.
  • عند حدود الشرق: المسيحية الشرقية ومأثور القيصر - الكاهن.
  • الدولة، والإصلاح، والإصلاح المضاد
  • الإسلام والتحديث.
  • بصحبة الغرب.
  • مناقضة الغرب.
  • داخل الغرب أم خارج الغرب

الفصل الثالث: هل يوجد علم اجتماع سياسي عالمي؟

الجزء الثاني: تنوع صيغ التطور السياسي

الفصل الرابع: إستراتيجية بناء الدولة.

  • نشوء الدولة وإستراتيجيات العناصر الفاعلة.
  • نمو الدولة.
  • نمو الدولة والتحديث.

الفصل الخامس: أي تحديث إسلامي؟

  • الخروج من النظام التقليدي
  • التغلغل في النظام الاجتماعي.

الفصل السادس: هل هناك تحديث غير التحديث الغربي؟

  • التحديث المحافظ
  • التحديث الثوري.
  • التحديث المضاد.

الجزء الثالث: نموذجان للمنازعة السياسية:

الفصل السابع: المنازعة السياسية.

  • الدولة كوسيلة للترابط الاجتماعي
  • ثقافة الفتنة وثقافة المطالبة.
  • تواترات المنازعة – الفتنة: من المحتمل إلى القائم واقعيًا.

الفصل الثامن: المنازعة وتجدد البنيان السياسي في العالم الإسلامي.

  • تجدد الحياة السياسية.
  • نحو طوبيا سياسية جديدة؟
  • هل يتم الاهتداء إلى التحديث من جديد؟

خاتمة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

  • ولد برتران بادي في 14 مايو 1954م، وهو باحث فرنسي، أستاذ في معهد الدراسات السياسية بباريس، وأستاذ باحث في مركز الدراسات والأبحاث الدولية، ويعتبر أحد المهتمّين عن قرب بالثورات العربية وبقضايا الشرق الأوسط عمومًا، له العديد من المؤلفات منها: سوسيولوجيا ماكس فيبر، الدولتان: السلطة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام، عالم بلا سيادة- الدولة بين المراوغة والمسئولية (2001)، السياسة المقارنة (بالاشتراك مع غي هيرمت)، أوضاع العالم 2013- حقائق القادة والأسباب الحقيقية للتوترات في العالم (بالاشتراك مع دومينيك فيدال) ... الخ.
 

 

تسعى هذه الدراسة** إلى إجراء مقارنة بين مسارات الحداثة ومآلاتها في كل من اليابان ومصر، حيث ترى الباحثة أن العوامل المشتركة بين مصر واليابان يمكن تتبعها من خلال العلاقة بين تراثهما الثقافي الأصلي، ومقاربتهما للحداثة، إضافة إلى مسألة ما بعد الحداثة.

ومن خلال ما جاء في مقدمة الدراسة فإن الباحثة تركز على دراسة مشروع المفكر المصري طارق البشري (1933-2021م) الذي كرس حياته في مقاربة المسائل المتعلقة بالأصالة والتحديث المعاصرة في المجتمع المصري، ودراسة أفكار طارق البشري من قبل باحث ياباني يمكن أن تفهم على أنها شكل من أشكال التواصل الفكري والمعرفي. وبناءً عليه، تعقد هذه الورقة مقارنة بين مسارات التحديث في كل من مصر واليابان، ثم تدرس أثر طارق البشري على الحراك الفكري في مصر خصوصًا، وصدى هذا الفكر في السياق العالمي عمومًا.

وقد أشارت أياكا في هذا الشأن إلى أنه يمكن القول إن العلمانية "فشلت أخيرًا في ترسيخ جذورها داخل المجتمع المصري وإن الدين لا يزال يمارس تأثيره المباشر وغير المباشر بوضوح لا يخفى على متتبع. ولذلك يواجه المجتمع المصري تحديًا صعبًا في بناء حداثة جديدة لا تنفي التدين ولا تستأصله، بل تجد لنفسها مكانًا إلى جانبه؛ مغايرة بذلك الحداثة العلمانية التي لطالما اعتبرها الغرب واليابان بديهية وأمرًا واقعًا لا مفر منه. وفي هذا الصدد، يبرز المفكر طارق البشري بوصفه أنموذجًا فرض حضوره في الحالة الثقافية المصرية من خلال دراسته للعلاقة بين التحديث والتقليد على نحو يربط فيه التقليد بالتراث الإسلامي بشكل واضح".

ولخصت الكاتبة اليابانية الدور الذي لعبه مفكّرو تيار الوسطية الإسلامي في مصر –ومن ضمنهم المستشار طارق البشري- في النقطتين التاليتين:

أولا: أنهم رفضوا الفكر الإسلامي المتطرف والمتعصب، إضافة إلى تناولهم مجموعة من القضايا المحورية المعاصرة في الفكر الإسلامي كالحرية والحقوق والمساواة والعلاقات بين الأديان والإصلاحات المتعلقة بالقانون الإسلامي والنظام القضائي. فقد كتب البشري، على سبيل المثال لا الحصر، على نطاق واسع في تسعينيات القرن الماضي حول وجهة نظر الفقه الإسلامي في نظرية المواطنة، التي غدت مفهوما أساسيا في الفكر السياسي الإسلامي في أي مناقشة معاصرة للمساواة بين المواطنين. كما صرح عن قناعته بأن الدولة التي يجب على المصريين السعي لإقامتها لا تتمثل في إحياء الدولة الإسلامية الماضية، بل هي دولة ديمقراطية حديثة تتيح لجميع أفرادها ومواطنيها المشاركة على قدم المساواة، بغض النظر عن دينهم الذي ينتمون إليه أو جنسهم. كما أعلن البشري في كتابه المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية" الحاجة إلى الاجتهاد ودعا إليه، كما ناقش إمكانية تولي القبطي لرئاسة الدولة نظريا من خلال توضيحه للفرق الجوهري بين طبيعة رئيس الدولة الإسلامية التقليدية وطبيعة الدولة الحديثة.

ثانيا: أنهم -ومن خلال نشاطاتهم الفكرية والاجتماعية- قاموا بدور الوساطة في الصراعات بين العلمانيين والإسلاميين والمسلمين والمسيحيين وغيرهم من أصحاب الانتماءات الأيديولوجية والدينية والسياسية المختلفة. هذه الوساطة يمكن التعبير عنها بكلمات د. محمد سليم العوا في وصفه لهدف التيار الوسطي الإسلامي بأنه "جمع الناس معا".

 

وخلصت الباحثة – في خاتمة دراستها- إلى ما يأتي:

إن اليابان ومصر على -الرغم من تباعدهما الجغرافي- قد نهجا مسالك مشابهة في مهد الحداثة، وعلى الرغم من التزام اليابان بالإمبريالية لفترة من الزمن، فإن الباحثين اليابانيين الذين كونوا علاقات مع مصر بعد الحرب العالمية الثانية، واصلوا دراساتهم في المقارنة بين الحضارتين وأبحاثهم المتعلقة بالتفاهم بين الثقافتين، ولم يقصروا في التعلم من المجتمع المصري، والتفكير في القضايا السياسية والاجتماعية والتاريخية في اليابان.

وقد علق سانيكي ناكاوكا Saneki Nakaoka، الباحث في التاريخ الاقتصادي المصري والعربي، مرة بأنه من خلال تواصله مع المثقفين العرب شعر باختلاف في الوعي بين الشعبين إزاء مستقبل الأمة. وانتقد المثقفين اليابانيين لمواقفهم غير المؤكدة فيما يتعلق بأهداف أمتهم، وشجب شعور الرضا الخفيف عن وضعهم المكتسب في المجتمع الدولي. هذا الوعي النقدي الذي تبنّاه ناكاوكا في أواخر ستينيات القرن الماضي وسبعينياته لم يفقد حيويته ونضارته إلى اليوم، حتى بعد مضي ما يقارب الخمسين عاما.

وكما قررت في المقدمة، كانت مصر لليابان في العصر الحديث نموذجا يحتذى به. وحتى اليوم ثمة الكثير من الأفكار التي تطورت في مصر الحديثة يمكن لليابانيين أن يتعلموها ويفيدوا منها، منها على سبيل المثال - تلمس الطريق لفهم طبيعة الحداثة والأصالة والعلاقة بينهما من خلال دراسة التاريخ، وبذل الجهود الحثيثة للتغلب على الانقسامات السياسية والاجتماعية، إضافةً إلى تنمية وعي مرهف إزاء مستقبل الأمة.

 

محتويات الدراسة:

  1. أثر الحداثة الغربية على اليابان ومصر.
  2. أهمية نقد التقليد "الأصالة" والمعاصرة "الحداثة".
  3. طارق البشري مفكرًا للديمقراطية والتيار الأساسي.
  • ‌أ- طارق البشري ورؤيته كمفكر لتيار الوسطية الإسلامية: محاولات الوساطة في الصراعات داخل المجتمع المصري.
  • ‌ب- تجليات التاريخ المصري الحديث في فكر البشري وصياغة مفهوم "التيار الأساسي".
  • ‌ج- أهمية فكر البشري الديمقراطي في السياق المصري والعالمي.

      - الخلاصة.

 

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

 

 *أستاذ مساعد بجامعة ريتسو ميكان باليابان.

** نشرت هذه الدراسة في العدد الخامس والعشرين من حولية أمتي في العالم: منهاج النظر الحضاري في قضايا الأمة - قراءة في فكر المستشار طارق البشري، الجزء الثاني، 2023، ص: 1003-1027.

يُعد "معجم مصطلحات العلوم الشرعية"، مبادرة رائدة في مجال بيان معاني المصطلحات الشرعية، ويمثل إضافة كبيرة للباحثين المهتمين بالجوانب الشرعية، وللجهات الإسلامية، ولطلاب العلوم الشرعية حول العالم.

ويقع المعجم في أربعة مجلدات، وقد شارك في إعداده مجموعة من المؤلفين تحت رعاية وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية. صدرت الطبعة الثانية منه عن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض في عام 1439هـــــــ/ 2017م، وهي الطبعة التي ننشرها رفق هذا التقديم.

وهذا المعجم -حسبما جاء في كلمة د. تركي بن سعود بن محمد آل سعود (رئيس مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية) الواردة في صدر المعجم–: "إصدار يؤصل لمفاهيم ومصطلحات العلوم الشرعية في مجال علوم القرآن وعلوم الحديث، والعقيدة وأصول الفقه والثقافة والدعوة وعلوم الفقه والتربية والسلوك، وذلك لأهمية المصطلحات في العلوم الإنسانية عامة والعلوم الشرعية خاصة، وبيان خصائصها وتميزها، وتطبيق المبادئ الصحيحة في منهجية وضع واختيار المصطلحات العلمية والمساهمة في الحد من خلافات وضع المصطلحات في العلوم الشرعية، وتيسير فهم المصطلحات الشرعية على الدارسين بمختلف ثقافاتهم".

ومما جاء في مقدمة الباحث الرئيس للمعجم د. إبراهيم بن حماد الريس:

إن المصطلحات أصل تقوم عليه كثير من الدراسات، والأبحاث، والمقالات العلمية في كل علم من العلوم، والخلل في وضعها ينتج عنه حصول أخطاء كثيرة لها آثارها السيئة في الفهم والتطبيق.

وقضية (المصطلح) من القضايا ذات الأهمية الكبرى التي تشغل الدارسين في مختلف العلوم خاصة مصطلحات العلوم الشرعية، إذ لا يخلو علم من العلوم من مصطلح يؤطر ظواهره، أو يعنون معانيه، أو يدلل على حالة أو حادثة به، بل هو حاجة وضرورة لا بد منها، ليسهم في بقائه واستمراريته.

ومصطلحات العلوم الشرعية تبرز أهميتها وتستمد قوتها من مصدرها وهي النصوص القطعية في الكتاب والسنّة لأنها غنية بدلالاتها، لا يعروها التناقض، ولا يضيرها تشويه المفاهيم.

كما أن مصطلحات العلوم الشرعية هي أدوات فهم الخطاب الشرعي المتضمنة خصائصه وميزاته، وهي وسيلة الفقيه والمعلم والداعية لبيان الإسلام وأحكامه، لهذا كان الحرص على المصطلح الشرعي، فهمًا وتجديدًا، بحثًا ودراسة، من الأمور التي يوليها المختصون عنايتهم؛ فالعلوم الشرعية قامت على أساس استيعاب المفاهيم الشرعية في مصطلحاتٍ تميزت بالفهم والتطبيق.

ولئن كانت المصطلحات العلمية موضوعًا شاغلاً عالجه وتدارسه العديد من المختصين، إلا أننا في حاجة إلى ضبط فوضى التعامل مع المصطلحات، خاصة فيما يتعلق بالمصطلحات الشرعية؛ فالمصطلح هو روح النص العلمي ولا يتأتى التفاهم والتطوير إلا بتحديد مفهومه ودلالته وتوحيده وتنميطه وتعريفه؛ فمعرفة المفاهيم الشرعية والسعي لإدراك بعض مقاصدها ومآلاتها الدلالية هو تفعيل للحفاظ على القيم الحضارية والثقافية وإبراز الهوية وشعائرها الإسلامية التي نفخر بها.

إن الاهتمام بمعجم مصطلحات العلوم الشرعية يُعدّ ضرورة منهجية أولية، خاصة لما يتمتع به المصطلح الشرعي من خصائص هي أكثر اكتنازًا من المجالات الأخرى، فالحاجة إلى المصطلح لا تنتهي، لأنه علم دائم التجدد والتطور، مرتبط بنمو المعرفة الإنسانية، ومجال العلوم الشرعية هو رأس الأمر في مجالات العلوم الإنسانية، لذا كانت الحاجة للمصطلح هي الحاجة إلى تصويب الفهم والتبين.

إن مشكلة فهم المصطلح كانت من أولى المشكلات التي وقعت في الفكر الإسلامي، فأحدثت اختلافات جذرية في فهم الإسلام والإيمان وما يتبعهما من مسائل الأسماء والصفات، والقضاء والقدر وغيرها. قال ابن تيمية (۷۲۸هـ): "ومن أنفع الأمور معرفة دلالة الألفاظ مطلقًا، وخصوصًا ألفاظ الكتاب والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة، كثر فيها نزاع الناس".

وتكمن إشكالية مصطلحات العلوم الشرعية في أمرين:

الأول: ما ينشأ من اختلاف في المصطلحات ومعانيها بين الوافد من المصطلحات والإسلامي منها؛ وينشأ ذلك بسبب اختلافات الثقافات والبيئات، أو القصور في تعلم العلم الشرعي أو ضعف التأسيس المنهجي لدى عدد من المثقفين الذين يتناولون القضايا الشرعية في حديثهم، أو التزييف المتعمد في النقل أو الوضع.

والثاني: ما ينشأ من اختلاف على المصطلح الواحد -في الغالب- نتيجة الخلاف المذهبي، والخلفيات الفكرية والشخصية.

والمتأمل في منهجيات وضع المصطلحات المعاصرة يلحظ خلطًا كبيرًا بين كثير من العناصر، فإما أنها لا تفي بالغرض المطلوب، أو أنها –في كثير من الأحيان– تسبب فوضى تؤدي إلى عدم الدقة، إضافة إلى أن العفوية وغياب المنهج الواضح في تعريف أو وضع المصطلح الذي يخضع في كثير من حالات وضعه إلى عملية المراس والصبغة الشخصية، إلى نتائج سلبية تتسم بالاضطراب وعدم التناسق والوضوح.

إضافة إلى أن قصور بعض تلك المنهجيات عن الوفاء بمتطلبات العصر من المصطلحات في بعض العلوم الشرعية المتجددة والمعاصرة في النوازل المختلفة قد يكون ناتجًا عن عدم وضوح مفهوم المصطلح لدى كثير من المُصْطَلِحين، أو يكون ناتجًا عن الاجتهادات المختلفة التي يضعونها دون التزام بمنهجية موحدة تلزم الجميع العمل بها حتى تنتج أعمالاً تتسم بقدر من الاتفاق والتحديد، ولعل السبب راجع فيما يبدو إلى عفوية المنهجيات المقترحة بضبط المصطلحات.

ولما كانت المصطلحات في كل علم من العلوم وضعت تيسيرًا للتعبير عن قواعده التي هي لبه وجوهره، وتقريبًا لبيان ما يتعلق بذلك، وتحرّيًا للدقة في القول، واختصارًا له؛ زادت عناية المختصين في العلوم المختلفة بالمصطلحات لمواكبة هذا التطور، والعمل على دراسة وتجديد منهجية وضع وتعريف المصطلحات خاصة في العلوم الشرعية، والإفادة من الوسائل والطرائق التي رسخها علماؤنا القدماء في هذا الغرض التي قادتهم لمواكبة حضارة عصورهم، وإحرازهم قصب السبق، من خلال ضبط طبيعة هذه المصطلحات، وبيان إيحاءاتها الحضارية.

وقد بادرت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالعمل على إنشاء معجم لمصطلحات العلوم الشرعية، فتم ترشيح عدد من الباحثين المتميزين في العلوم الشرعية والعربية لجمع وتحرير مصطلحات العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية، وبيان معاني تلك المصطلحات بطريقة سهلة مختصرة، مع الأمثلة والشواهد، ليكون -بإذن الله -عونًا للطلاب والباحثين في مجال الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، على فهم تلك المصطلحات بيسر وسهولة.

وقد تم البدء في اعتماد العمل في مشروع (معجم مصطلحات العلوم الشرعية) في ١/١/١٤٣٦هـ.

 

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الأول

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الثاني

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الثالث

 

رابط مباشر لتحميل المجلد الرابع

 

 

 

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الحصار الاقتصادي أحكامه وآثاره الفقهية" للدكتور عبد الله يوسف أبو عليان·، عن دار إقدام للطباعة والنشر باسطنبول في عام 1446هـــ/ 2025م، وهي الطبعة التي ننشرها رفق هذا التقديم، ويُذكر أنه قد تم طبع هذا الكتاب برعاية هيئة علماء فلسطين، وقدم للكتاب الدكتور نواف تكروري (رئيس هيئة علماء فلسطين).

وأصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه نوقشت في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود- الرياض- بتاريخ 23 رجب 1439هـــ، ونال بها صاحبها مرتبة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، كما أوصت لجنة المناقشة بطباعة الرسالة وبتداولها بين الجامعات، وأشرف على هذه الرسالة فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عمر بن فيحان المرزوقي، وتكونت لجنة المناقشة من كل من فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد عبد العزيز اليمني، فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحافظ يوسف أبو حميدة، فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن معلوي الشهراني، وفضية الشيخ الدكتور فهد بن صالح العجلان.

وقد أثنى الدكتور نواف تكروري -في مقدمته- على هذا الكتاب ومؤلفه؛ فكتب يقول: "إن عملاً مثل هذا يحتاج إلى باحث متميز، دقيق المقارنة، عميق الفكر، واسع الاطلاع الفقهي والواقعي، وطويل الأنفس، وصبور على التحليل والتركيب، وقوي التتبع، وهذا ما تلحظه في هذا المؤلف الذي تمرس صاحبه بهذا المجال وقضاياه ومنهجه، فالأخ -الدكتور عبد الله أبو عليان- لم يكن في عمله هذا مجرد جامع أو ناقل للمادة المعرفية من المصادر والمراجع، بل كان متمكنا من امتلاك كفايات التعليل المتعلقة بالفهم السليم، والاستدلال الصحيح، والاستنباط الواضح، والتدقيق في المقارنة بين الأقوال الفقهية وأدلتها، وتنقيح المناط، وتحقيق المصالح ودرء والمفاسد، فضلاً عن أنه صاحب همّ ومشروع معايش لما يعانيه شعبه وأهله في غزة الخاصة وفلسطين عامة، فهو يكتب بقلم الخبير في الحكم والواقع".

والمطلع على هذه الدراسة سيجد أنها انطلقت من كون الحصار الاقتصادي يُعد سلاحًا يهدد جوانب الحياة المختلفة، وتنتج عنه آثار كثيرة، وتترتب عليه أحكام فقهية عديدة، سواء في حكمه ابتداء، أم في مواجهته والتعامل معه، أم من حيث تأثيره في الأحكام، وأن هذه الأحكام تحتاج اجتهادًا يراعي المؤثرات المختلفة، وخاصة عند تنزيل أحكامه على واقعة معينة، لذلك خُصصت هذه الدراسة الفقهية لتعالج هذه الموضوعات، وتسعى لتحقيق مناطاتها في الحصار المعاصر.

ولقد حدد الباحث أهداف دراسته هذه على النحو الآتي:

  1. توضيح مفهوم الحصار الاقتصادي، وأنواعه، وتاريخ، وأسبابه، ووسائله، وآثاره.
  2. تجلية الأحكام الفقهية المتعلقة بالحصار الاقتصادي الواقع على المسلمين، وسلطة ولي الأمر في مواجهته والتعامل معه.
  3. الوقوف على أثر الحصار الاقتصادي في الأحكام الفقهية المتعلقة بالعبادات والمعاملات والأنكحة وغيرها.
  4. تحقيق مناط أحكام الحصار الاقتصادي في الواقع المعاصر.

واعتمد الباحث في دراسته على المنهج الاستقرائي التحليلي الاستنتاجي التطبيقي.

 

ومما جاء في مقدمة الباحث للدراسة:

يحتاج الناس في ظل الحرب الطاحنة والحصار الخانق، إلى الغذاء والماء والدواء والإيواء، وبجانب هذه الاحتياجات فإنهم بحاجة إلى فقه الحرب والحصار؛ ليعرفوا ما يأتوا وما يدعوا، وما حقه التقديم وما حقه التأخير، والثابت الذي ينبغي التمترس خلفه والمتغير الذي يمكن إبداء المرونة فيه، والرخص التي تباح نتيجة الحرب والدمار، والتدابير اللازم اتباعها في دفع العدوان وكسر الحصار.

وفي هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا الإسلامية وقضيتنا الفلسطينية، أقدم للمهتمين والمتخصصين خلاصة جهدي في رسالة الدكتوراه، بعنوان/ الحصار الاقتصادي أحكامه وآثاره الفقهية.

حيث تناولت فيها الحديث عن: أنواع الحروب وموقع الحصار منها، والأحكام الفقهية المتعلقة بالحصار الواقع على المسلمين، وواجب المسلمين تجاه إخوانهم المحاصرين، وسياسات ولي الأمر تجاه الحصار، وحكم خضوع المسلمين المحاصرين لمطالب الجهات المحاصرة، وأثر الحصار في العبادات والجهاد، وحكم الهجرة من البلد المحاصر، وأثر الحصار في المعاملات، والأنكحة، والغذاء والتداوي والعقوبات، وفيها عشرات المسائل الفقهية والمضامين المهمة في واقعنا المعاصر.

هذه الدراسة ولدت من رحم المعاناة والشدة والحروب والحصار، وجمعت بين التأصيل الفقهي والتطبيق الواقعي، سائلًا الله عز وجل أن أكون وفقت فيها لأرشد الآراء والاجتهادات، وجزى خيرًا مشايخي وأهلي وزملائي وكل من أفادني في إنجازها، وشكر الله لإخواني في هيئة علماء فلسطين على تبني الرسالة وطباعتها في هذا الكتاب.

 

واختتمت الدراسة بعدد من النتائج والتوصيات يمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: النتائج:

  • تفتقر الدول الإسلامية إلى ميثاق خاص ينظم أحكام فرض الحصار بينها، من حيث الحالات التي يجوز فيها، والضوابط التي ينبغي مراعاتها فيه، والجهة المسؤولة عن تقديره، وآلية التحاكم الدولي حال وقوعه بغير وجه حق، ومعيار تجريم المساهمين فيه، والجزاءات المناسبة تجاهه.
  • إذا وقع حصار اقتصادي على المسلمين، فلولي الأمر سلطة واسعة في اتخاذ التدابير المناسبة لمواجهته، سواء بإعلان الحرب، أو المصابرة رجاء انتهائه، أو مصالحة المحاصرِين على ما فيه ضيم، إن كان النفع فيه للمسلمين حال الاضطرار.
  • يختلف حكم الخضوع لمطالب الجهات المحاصرة باختلاف المآلات المترتبة عليه، غير أن الأصل جوازه في حق من لا طاقة له بعدوه، وينتقل الحكم من الإباحة إلى الوجوب أو الحرمة، باختلاف القرائن التي تحف الحالة، على أن ينضبط الجواز بمجموعة من الضوابط تجعل ضرر الخضوع أخف، والمصلحة المتحقق أرجح.
  • تؤثر بعض صور الحصار الاقتصادي في مجموعة من الأحكام الفقهية، في العبادات والمعاملات والأنكحة والغذاء والدواء والعقوبات، وغيرها من الأبواب الفقهية، ويختلف توصيف التأثير باختلاف شكل الحصار، والموضوع الفقهي محل التأثر.

ثانيًا: التوصيات:

  • أسهمت هذه الدراسة في تنقيح مناط أحكام الحصار وتأصيلها، أما تحقيق مناط أحكام الحصار في الواقع، وتنزيلها على حالة من الحالات، فيتطلب اجتهادًا تطبيقيًا خاصًا يختلف باختلاف حالة الحصار، فالفتوى في الواقع تتطلب الدراسة الفقهية للأحكام، والدراسة الاجتماعية للواقع، وقد أسهمت الدراسة في الجانب التأصيلي، وتركت الباب مفتوحًا في الجانب التطبيقي لدراسات لاحقة، تدرس حالة أو أكثر من حالات الحصار، وتجتهد في تطبيق الأحكام التأصيلية على واقع البلاد المحاصرة.
  • إن المسائل المرتبطة بالعلاقات الدولية لها أهمية كبيرة، تطلب الاجتهاد الجماعي في أحكامها، من خلال عقد المجاميع الفقهية المتخصصة لدراستها، وتبادل الآراء حولها، ويجدر بالمجامع الفقهية، والمركز البحثية، العناية بأحكام الحصار، فالاجتهاد الجماعي أسلم من الاجتهاد الفردي.
  • وقوع الحصار الاقتصادي على دول مسلمة يؤكد أهمية وجود محكمة إسلامية دولية، لها ميثاق شامل لتنظيم علاقات الدول المسلمة مع بعضها في السلم والحرب، وتتولى الحكم في نزاعاتها.
  • هناك مسائل عديدة متعلقة بالحصار مازالت بحاجة إلى توسيع دائرة البحث والدراسة مثل:
  • الأحكام المتعلقة بسياسة الدولة تجاه الحصار الاقتصادي، لتشمل السياسات الداخلية والخارجية بشيء من التفصيل.
  • حكم مشاركة المسلمين في الحصار المفروض في إطار الأمم المتحدة سواء فرض على دولة مسلمة أم غير مسلمة.
  • مشاركة المسلمين في إغاثة المحاصرين من غير المسلمين، سواء كان غير المسلمين داخل البلد المسلم المحاصر، أم إذا كان الحصار بين الكفار وبعضهم البعض.
  • أحكام العمل الخيري وقت الكوارث والأزمات الاقتصادية، من حيث منهج الاجتهاد في أحكامها، ودراسة أهم المسائل المتعلقة بها، والرخص التي تراعي فيها.
  • حصار العمل الخيري، وما يتعلق به من أحكام.
  • الانضمام إلى المعاهدات الدولية المتعلقة بالجزاءات الاقتصادية، والتزام قراراتها.

 

محتويات الكتاب:

تم تقسيم الكتاب إلى بابين وخاتمة اشتملت على أهم النتائج والتوصيات، وذلك على النحو التالي:

الباب الأول: حقيقة الحصار الاقتصادي ومنهج الاجتهاد في أحكامه

الفصل الأول: مفهوم الحصار الاقتصادي والألفاظ ذات الصلة

الفصل الثاني: أهداف الحصار الاقتصادي ومظانه وأسس الاجتهاد في أحكامه

الفصل الثالث: الأحكام المتعلقة بالحصار الاقتصادي الواقع على المسلمين.

الباب الثاني: أثر الحصار الاقتصادي في الأحكام الشرعية

الفصل الأول: أثر الحصار الاقتصادي في العبادات والجهاد

الفصل الثاني: أثر الحصار الاقتصادي في المعاملات

الفصل الثالث: أثر الحصار الاقتصادي في الأنكحة

الفصل الرابع: أثر الحصار الاقتصادي في الغذاء والتداوي والعقوبات.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

 

 

 

 

  • الدكتور عبد الله ابو عليان هو عميد كلية الدعوة الإسلامية بغزة- فلسطين، وعضو في اتحاد الجامعات الدولي، ومدير عام التعليم الشرعي بوزارة الأوقاف، وأمين مجلس الاجتهاد الفقهي.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتيسر الخيرات، وبرحمته تبدل السيئات حسنات؛ فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على عبده ورسوله محمد r، المبعوث ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم؛ فبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك؛ فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ورضي الله عن أصحابه البررة الذين صدقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأدوا ما علَّمَهُم إياه إلى مَن بعدهم، وعبد وا لهم سبيل الاجتهاد، وحملوهم أمانة البلاغ، حتى وُجِدَ في كل جيل من صالحي العلماء من ينفون عن الدين تحريف الغالين وتأويل المبطلين وانتحال الجاهلين. فهؤلاء هم حَمَلة الدين الحق، الذين يميزُ الله تعالى بهم الحق من الباطل، والهدى من الضلال. نسأل الله ربنا أن يرزقنا حبهم، ويجعلنا من ورثتهم، وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرتهم، إنه هو السميع العليم.

وبعد؛

فهذا كتاب ينضم -على استحياء- إلى قائمة تجل عن الحصر من الكتب، والموسوعات، والمختصرات، والتعليقات، والمنظومات، والمعاجم التي جعلت من «أصول الفقه» موضوعًا لها. ولعل أحدًا لا يستطيع أن يزعم أنه يقدم جديدًا، لم يسبق إليه، في مجال هذا العلم. بل غاية ما يصنعه المتصدي للتأليف فيه أن يبسِّط صعبًا، أو يشرح وجيزًا، أو يختصر مبسوطًا، أو يجمع بين محتوى كتابين، ونحو هذا من أعمال المصنفين في المعارف التي أسفر صبحها، وتبين للناظرين فيها الصحيح المعقول الذي يرجع إليه، والفاسد المدخول الذي لا يعول عليه.

***

ولسائل أن يسأل: إذا كان ما تقول صحيحًا فأي الدوافع حدا بك إلى الكتابة في أصول الفقه؟

والسؤال مشروع، وجوابه واجب، فأقول:

في غمرة ما عرف بـ «الصحوة الإسلامية» توجه كل فريق من المعنيين بالإسلام إلى ما خلق له، أو ما تيسر عليه الاهتمام به، من مجالات العمل الإسلامي، صحت فيه هذه النسبة أو لم تصح.

وكان مما شغلني، وشغل نخبة متميزة من الرجال والنساء، أمر المثقف المسلم المعاصر الذي رأينا أن المنابع الأولى لثقافتنا ليست متاحة له بالقدر الكافي لتكوينه تكوينًا يستحق معه وصف «المثقف المسلم».

وانتهت مداولاتنا في هذا الشأن إلى حاجة المجتمع المصري إلى مركز يعنى بنشر الثقافة الإسلامية بين الناس، ويعتني من جوانبها بما هو ضروري لترسيخ الهوية الثقافية العربية الإسلامية (بلا فصلٍ) في أذهان من تصل إليهم دعوة هذا المركز، أو يصل هو إليهم، عبر مؤسسيه، والأعلام من النخبة المتميزة من أعلام ثقافتنا التي تقبل التعاون معه، بأن تجود ببعض وقتها وجهدها وعلمها من أجل الفكرة المهمة التي كانت له هدفًا وغاية.

***

استقر رأي هذه النخبة المباركة على تأسيس جمعية ثقافية تجعل همها الأول توسيع نطاق المعرفة بالثقافة الإسلامية، وتعريف الذين لا يعرفون، وتذكير الذين ينسون، بمدى تأثير هذه الثقافة في حياتنا اليومية، وفي تكويناتنا العائلية، وفي أفكارنا المتداولة بيننا، في شتى مجالات المعرفة.

وهكذا أُسِست «جمعية مصر للثقافة والحوار»، ومارست نشاطات ثقافية متعددة: فمن المحاضرات المتصلة في موضوع واحد، إلى المحاضرة الواحدة التي تجلِّي مسألة واحدة، أو تعرض وجهة نظر ملقيها في موضوع بذاته، إلى مؤتمرات ثقافية دورية وغير دورية، نظمتها الجمعية، وشارك فيها مؤسسوها مع غيرهم من المثقفين المصريين وغير المصريين. وتضيق هذه السطور عن إحصاء أنواع العمل الثقافي التي انشغلت بها جمعية مصر للثقافة والحوار، في أثناء المدة التي تمكنت من ممارسة نشاطها فيها، وهي نحو من خمس عشرة سنة([1]). ثم عَدت عليها عوادي الزمن، فتوقف عملها المنتظم، وإن استمر تأثيرها في المنهج وفي التكوين الفكري والثقافي فيمن لا يُحصَون من أعضائها، ورواد مواسمها الثقافية، ومؤتمراتها.

وكان من الأعلام الذين شاركوا الجمعية نشاطاتها، وأدوا دورًا لا يُنسى في التعريف بها واجتذاب طليعة الشباب إلى نشاطاتها: القاضي العادل، والمؤرخ المنصف المفكر الكبير المستشار طارق البشري، الذي حاضر لعدة مواسم في برنامجه الدوري المعنون «مصر في قرنين»؛ والمفكر المرموق الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي حاضرنا في عدة مواسم في «القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني: ماديًا ومعنويًا»؛ والعلامة الأستاذ الدكتور محمد هيثم الخياط، الطبيب اللغوي الحجة، (من سوريا) الذي حاضرنا مواسم متتالية في «لغة القرآن»؛ والأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل علي، التربوي الفذّ، الذي ألقى مجموعة من المحاضرات في تاريخ التعليم في مصر؛ والعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، والمستشار الجليل يحيى الرفاعي، والأستاذ الدكتور محمود عاطف البنا، والإعلامي الفَذِّ الأستاذ أحمد فراج، وقرينه، في المهنة والمكانة والشهرة والتأثير، الأستاذ حمدي قنديل، والفيلسوف المحقق الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس (من السودان) والداعية المؤثر عصام البشير (وزير الأوقاف، ورئيس مجمع الفقه الإسلامي في السودان سابقًا)، والعلامة المحدث اللغوي الدكتور محمد لطفي الصباغ (من سوريا)، والباحث المدقق الثقة الأستاذ الدكتور إبراهيم البيومي غانم، والصحفية الكبيرة، الباحثة الدؤوب في الشؤون الإفريقية والعربية، الأستاذة عايدة العزب موسى، والمفكر العروبي الفلسطيني الكبير الدكتور أحمد صدقي الدجاني، والطبيب النابغة، الداعية القدوة الأستاذ الدكتور حسان حتحوت، والمفكر التربوي المرموق الأستاذ الدكتور أحمد المهدي عبد الحليم، والمؤرخ الفلسطيني المعروف الدكتور بشير النافع وأستاذ التحليل النفسي، ذائع الصيت، الأستاذ الدكتور هاني السبكي...

وأنا أقطع بأن بعض الأسماء لم تحضرني وأنا أكتب هذه السطور، غير أن ذلك لا يحول بيني وبين إزجاء الشكر: أصدَقَه وأعمَقَه، لهم جميعا، ولا ينسيني الدعاء، لمن لا يزال بيننا منهم، بطول العمر مع دوام العافية واستمرار العطاء، وأن أدعو لمن لبَّوا نداء الحق بأعلى المنازل في الجنة وبأجمل المثوبة عما قدموا لثقافتهم، وما تركوا من أثر باقٍ نافع في أمتهم.

***

هذا غيض من فيض من العمل الثقافي الجاد الذي رعته جمعية مصر للثقافة والحوار، وشارك فيه أعلام من صفوة مثقفي مصر، والمثقفين من البلاد العربية الشقيقة، بل وبعض المفكرين الأوربيين كذلك.

***

وكان من عطاء تلك المواسم الثقافية أصل هذا النص الذي أشرف بتقديمه للقراء. هو نص «أوَّلي» في علم «أصول الفقه». والمراد بالأولية هنا أنه يصلح أن يكون «أوَّل» ما يقرأه المثقف غير المتخصص في العلوم الإسلامية في موضوعه، ثم هذا القارئ وشأنه إن رغب في الاستزادة من هذا العلم العظيم فمصادره مبذولة، رائجة، لا تكاد تخلو من بعضها مكتبة عامة أو خاصة. وهذا القارئ سيجد إشارات عديدة في تضاعيف هذا النص «الأوَّلي» وإحالات غير قليلة إلى كثير من المصادر الأصلية التي يمكنه الرجوع إليها ليوسع نطاق معرفته بهذا العلم النفيس.

***

وقد اقتضى الهدف من هذه الدراسة أن تكون موضوعاتها مقتصرة على لب اللباب من أساسيات هذا العلم. وهي دراسة كافية للإلمام المجمل، أو العام، وإن شئت قلت «المبدئي» بعلم الأصول. وأنا راجٍ أن تكون فصول هذا الكتاب نافعة للمبتدئ في دراسة العلوم الشرعية، لكنها -عندي- لا تكفي قطعًا لتكوين أصولي كامل، ولا كان هذا ما أريد منها وبها.

***

من أجل ذلك عدلت عن الترتيب الشائع في جمهرة كتب أصول الفقه، قديمها وحديثها. ورتبت فصول هذا العمل على النحو الذي حسبته أكثر نفعًا لمن يتوجه إليه؛ فبدأت فيه بمجموعة من التعريفات اللازمة لفهم بعض التعبيرات الأساسية في علم الأصول. ثم ثنَّيتُ بتعريف مناسب لهذا العلم، ثم ذكرت الموضوعات التي يتناولها الدرس الأصولي، ثم بينت الفارق الأساسي بين عمل «الأصولي» وعمل «الفقيه»، وبعد ذلك أتيت على ذكر مختصر لتاريخ التأليف في علم الأصول، وعلاقة الأصول بالواقع الذي ينظر في حكمه الفقيه، أو القاضي، أو المفتي، أو المعلِّم([2]).

***

ثم كان ترتيب فصول الكتاب (أو مقاماته) مراعيًا حال القارئ الذي يتوجه إليه، مختلفًا -لذلك- عن الكتب المدرسية المؤلفة في علم الأصول، وعن الكتب الموسَّعة التي تحتوي جميع موضوعاته، وتخرج في أحيانٍ كثيرةٍ عن صلب مسائله إلى مناقشات كلامية أو منطقية أو فقهية لا شأن لها بأصول الفقه.

لذلك كان أول المقامات هو «مقام الأدلة»، وفيه بحثت الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، مبينًا رأي العلماء الذين أخذوا بكل دليل، والذين لم يروه دليلاً، متوخيًا الإيجاز المغني، متجافيًا عن الإطناب المخل بالمقصود.

وجاء المقام الثاني مخصصًا لدراسة «القواعد الفقهية» التي هي قوانين كلية، جاءت ببعضها نصوص الوحي، واستنبط الفقهاء بالنظر في أحكام الفروع بعضها الآخر. وسيرى القارئ أن الصلة بين القواعد الفقهية وبين آراء المجتهدين، وأحكام القضاة، وفتاوى المفتين تستحق إدراجها بين «مقامات» أصول الفقه، وأن الإشارة الموجزة جدًا إليها، في جمهرة كتب أصول الفقه المعاصرة، لا تسمن ولا تغني من جوع في شأن القدر الواجب الإلمام به عن أهمية القواعد ودورها في الاجتهاد الفقهي.

وفي المقام الثالث، تناول الكتاب «المقاصد»، وهي الغايات العليا التي تتغيا الشريعة تحقيقها بما شرعته من أحكام: سواء في جانب المنع (التحريم والكراهة)، أو في جانب الإجازة (الوجوب والإباحة). ويستصحب هذا المقام الكلمة النفيسة للعز بن عبد السلام، سلطان العلماء:  «كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل»([3]).

وجعلت المقام الرابع «للاجتهاد»، إذ هو الذي يبين كيفية التعامل مع الأدلة، وفيه يتبين الأثر الأصولي لكل دليل، وكيف كان الاختلاف في النظر في الأدلة -الكلية أو الجزئية التفصيلية- أصلاً لاختلاف النتائج التي يصل إليها فقيه، أو مدرسة فقهية، عن تلك التي يصل إليها غيره. كما أشرت فيه إلى مسألة التقليد واختلاف العلماء في إجازته أو منعه.

وجاء المقام الخامس خاصًا ببيان «الأحكام» الشرعية: ماهيتها، والأثر المترتب على كل منها. وقد أخَّرْتُ الكلام في مقام الأحكام، على الرغم من أن أكثر كتب الأصول تقدمه، باعتبار أن الحكم هو الثمرة التي يصل إليها المجتهد بعد أن ينظر في الأدلة، ويبحث فيما تقرره القواعد، ويتبين ما تهدي إليه المقاصد، فيستطيع أن يكشف، بعد انتهائه من هذه الخطوات الضرورية، عن الحكم الشرعي للمسألة التي يبحثها وهو مطئمن إلى أنه إن لم يكن عين الصواب فإنه أحسن ما أدّاه إليه اجتهاده. وبذلك تبرأ ذمته، وتنتفي تبعته عما توصل إليه، صوابًا كان أو خطأً؛ فهو دائر بين الأجر والأجرين، والله يضاعف لمن يشاء.

***

وسوف يلاحظ القارئ، الدارس لعلم الأصول، خلو الكتاب من المقدمات المنطقية، ومن بيان أوجه استعمال الألفاظ وحروف المعاني، ومن المباحث اللغوية، ومن مباحث التعادل والترجيح والنسخ، والتكليف بالمحال، والتكليف قبل ورود الشرع... وغيرها مما تهتم به كتب أصول الفقه الموسَّعة فتستفيض في بحثه أخذًا وردًا، وقبولاً ورفضًا؛ أو ما تورده الكتب المتوسطة الحجم إيرادًا دالاً على وجوب العلم به، واختيار قول من الأقوال فيه.

وسبب إضرابي عن إيراد هذه الموضوعات أن هذا الكتاب موجه أصلاً إلى «المثقف» غير المتخصص في العلوم الشرعية. وهذا المثقف، أيًا تكن مهنته ومجالات اهتمامه، يعيش في مجتمع مُسْلِمِ الثقافة، لمعاني الحلال والحرام، والمستحب والمكروه، فيه اعتبار كبير. بل إن كثيرًا من تشريعاته مأخوذ مباشرة من الشريعة والفقه الإسلاميين، أو مستفيدٌ على نحو ما من هذا الفقه وتلك الشريعة.

فسواء أكان هذا المثقف المعاصر مسلمًا أم غير مسلمٍ، فإنه لا تكتمل ثقافته إلا بأن يُلمَّ، على نحو معقول، بحقائق التشريع الإسلامي الكلية، ومصادره الأصلية، وكيفية نظر الفقيه فيها لينطق بما يراه حكمها الصحيح. وبغير هذا القدر من المعرفة تكون معرفة المرء بثقافته منقوصة، وإلمامه بها مختلاً؛ ولهذا النقص والخلل من الآثار الضارة على من يعاني منه، ويتصف به، ما لا يخفى على ذي لب.

وإذ كانت الموضوعات التي لم أعن بإيرادها في هذا الكتب مما يحتاج إليه المجتهد، الذي ينظر في الوقائع والنوازل، ليستخلص من الأدلة ومكملاتها -من القواعد والمقاصد- حكم الشرع في المسألة، فإن ذكرها، في مثل هذا الكتاب، يكون تزيدًا غير نافع لقارئه بل مثقلاً عليه، ومشوشًا فكره بما لن يستطيع الإحاطة اللازمة، أو النافعة به؛ وبما يصرفه عن حسن الاستيعاب للمقاصد الثقافية الأصلية للكتاب، فيكون ضرره محضًا، وفائدته معدومة أو تكاد.

ولا يغيب عن القارئ أن للعمل أو الدرس الثقافي، الموجه إلى الكافة، مقتضياته وضوابطه وحدوده، وللعمل العلمي الموجه إلى المتخصصين مثل ذلك سواءً بسواء. فإذا غابت هذه الحقيقة عن المصنِّف كان جهده عليه لا له، وكان ضرره لقارئه أكبر من نفعه. نعوذ بالله من ذلك.

***

ولا أحب أن أضع القلم دون أن أعبر عن امتناني للإخوة والأخوات، والأبناء والبنات، أعضاء جمعية مصر للثقافة والحوار، ورواد مواسمها الثقافية، فلولا دأبهم وحرصهم، وتفاعلهم الإيجابي، ما كان لمواسمها الثقافية أن تقام، وأن تنجح النجاح الذي نحمد الله سبحانه وتعالى عليه.

والشكر مستحق للإخوة الكرام في «مدارات للأبحاث والنشر» الذين اعتنوا بهذا النص، وأعانوني على إتمامه، وتحملوا عبء إخراجه في هذه الحلة القشيبة. فلهم عندي -بذلك- يَدٌ لا تنسى، جزاهم الله خيرًا، ونفع بعلمهم كله.

وأود أن أذكر بخالص التقدير للإخوة الكرام الذين كانوا قائمين على مؤسسة Islam On Line في القاهرة، وأخص بالذكر الأخوين الكريمين الأستاذ توفيق غانم، والمفكر السياسي النابه الأستاذ هشام جعفر اللذين عمل فريق تحت إشرافهما في تحويل النص المنطوق (المحاضرات المسجلة) إلى نص مكتوب كان هو الطور الأول لهذا النص الذي بين يدي القارئ.

***

وبعد...

فهذا أحسن ما قدرت عليه، فمن جاء بأحسن منه شكرته ودعوت له، وهو غاية جهدي فإن يكن صوابًا فمن فضل الله تعالى، وإن يكن غير ذلك فمني ومن الشيطان، والله ورسوله وسلف العلماء منه بُرءاء.

وأسأل الله سبحانه أن يتقبل صالح عملنا، وأن يغفر سيئه، وأن يُبدّلَ بفضله سيئاتنا حسنات، ويلحقنا برحمته بنبيه r، وبصالحي المؤمنين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

وقد جاء تقسيم المقامات مفصلاً بين دفتي الكتاب كالتالي:

  1. المقام الأول : الأدلة
    1. الدليل الأول : الكتاب (القرآن الكريم)
    2. الدليل الثاني: السنة النبوية
    3. الدليل الثالث: الإجماع
    4. الدليل الرابع: القياس
  2. الأدلة المختلف فيها: الأدلة التبعية
    1. الاستحسان
    2. المصلحة المرسلة (الاستصلاح)
    3. سد الذرائع
    4. العرف
    5. شرع من قبلنا
    6. قول الصحابي

 

  1. المقام الثاني : القواعد الفقهية:

أولاً: القواعد الكلية الموضوعية

القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها

القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير

القاعدة الرابعة: لا ضرر ولا ضرار

القاعدة الخامسة: العادة محكمة

ثانيًا: القواعد الحاكمة للنصوص

القاعدة الأولى: الأصل في الكلام الحقيقة.

القاعدة الثانية: إعمال الكلام ألى من إهماله.

القاعدة الثالثة: لا ينسب إلى ساكت قول.

القاعدة الرابعة: ما لا ضابط له في الشرع أو في اللغة يرجع فيه إلى العرف.

  1. المقام الثالث: مقاصد الشريعة:

المقصد الأول: حفظ الدين.

المقصد الثاني: حفظ النفس.

المقصد الثالث: حظ العقل.

المقصد الرابع: حفظ النسل.

المقصد الخامس: حفظ المال.

 

  1. المقام الرابع: الاجتهاد

 

  1. المقام الخامس: الأحكام

 

 

 

 

 

 

* صدر هذا الكتاب عن دار مدارات للأبحاث والنشر، عام 2024م. وقد جاء في تقديم المحرر لهذا الكتاب ما يأتي:

فهذا المؤلف في علم أصول الفقه هو في أصله محاضرات أسبوعية، ألقيت بجمعية مصر للثقافة والحوار، في موسمين ثقافيين متتاليين (2005 -2007) ضمن البرنامج الثقافي «معالم الثقافة الإسلامية» (...) أما محاضرات (أصول الفقه الإسلامي) فقد أراد بها الدكتور العوَّا أن ترشد المثقف المسلم المعاصر إلى علم إسلامي عميق التخصص، غاية في الأهمية لكل مسلم. فالمسلم يذهب للفقيه يستفتيه كما يذهب المريض إلى الطبيب بحثًا عن الدواء الفعال، إلا أنه مع الطبيب قد يسلم له، ويطبق تعالميه دون جدل، أما فيما يخص أمره الشخصي -بل شديد الخصوصية- أمر دينه فهو يسأل، ويحاور ويناقش يريد معرفة من أين أفتاه المفتي، ولماذا حكم على هذه المسألة أو تلك بالحِلِ أو بالحُرمة، وهذا حقه لا مراء في ذلك، فإذا ألَّم بعلم أصول الفقه، بالصورة المبسطة التي يقدمها له هذا الكتاب، استطاع أن يعلم كيف توصل الفقيه من هذا الطريق إلى حكمه، أو لماذا ذكر له أن هذا الحكم موجود في القاعدة الفقهية كذا، ولم يقل له آية قرآنية أو حديثًا نبويًا. وقد رَمَتْ هذه المحاضرات إلى وضع صورة عامة عن موضوعات أصول الفقه، من الأدلة وترتيبها، والقواعد الفقهية وماهيتها، باعتبارها قواعد عامة مجردة تنطبق على ما لا يحصى من الوقائع، ومقاصد الشارع وغاياته من التشريع كله، وهي مكون أساسي في تقرير الحكم الشرعي الاجتهادي، والاجتهاد ومباحثه، وثمرة هذا كله وهو الأحكام الشرعية وهل الجائز كله سواء، والممنوعات جميعها على درجة واحدة؟

** عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، عضو المجمع العلمي المصري، عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي - جدة

 

[1]  تأسست سنة 2000م.

[2] هؤلاء جميعًا لا يسع أيًا منهم أن يكون غير محيط، ما وسعته الإحاطة، بعلم أصول الفقه في موضوعاته كافة، وإلا استحال عليهم الوقوف على وجه الصواب والخطأ فيما يعرض من المسائل.

[3]  العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ط مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1968 ج2 ص143.

 

ملخص:

يعد الفقه الإسلامي من أعظم النظم القانونية اليوم ثراء وسعة بما يحويه من كنوز وتراث فقهي لا يستطاع حصر مسائله كثرة ، غير أن بعض المشككين في ثراء الفقه الإسلامي لمزوه بالنقص والتشويه، وأنه فقه جامد لا يقبل التطور وأنه لا يصلح أن يكون نظامًا قانونيًا يحكم البشرية مثل النظم القانونية اللاتينية والجرمانية اليوم، لذلك فإن الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية لتميط اللثام عن تلكم الكنوز والتراث الفقهي العظيم الذي يزخر به الفقه الإسلامي ولم يجد فقط من يتناوله ويظهره بلغة جديدة ومظهر صالح لهذا العصر، فالدراسات المقارنة تعتبر من أهم الطرق اليوم للكشف عن أعظم النظريات الفقهية والمبادئ القانونية التي هي مبعثرة في التراث الكبير الذي يزخر به الفقه الإسلامي، خصوصًا وقد شهد الغرب أنفسهم بثراء الفقه الإسلامية وصلاحيته ليكون نظامًا قانونيًا من أعظم النظم القانونية كمجمع لاهاي للقانون المقارن، كما شهد بذلك كبار فقهاء القانون في الغرب من أمثال إدوارد لامبير وغيره، ولذلك فإن الدراسات المقارنة هي السبيل الوحيد للكشف عن أرقى المبادئ القانونية التي سبق بها الفقه الإسلامي جميع النظم القانونية المنتشرة اليوم.

الكلمات المفتاحية: الدراسات المقارنة؛ النظم القانونية؛ الفقه الإسلامي؛ القوانين الغربية.

Abstract:

Islamic jurisprudence is considered one of the greatest legal systems today, rich and vast, with its treasures and jurisprudential heritage, whose many issues cannot be counted. Latin and Germanic legal systems today, so the comparative studies between Islamic jurisprudence and man-made laws are in order to unveil those treasures and the great jurisprudential heritage that Islamic jurisprudence abounds with, and it has not found only those who deal with it and show it in a new language and appearance that is valid for this era. Comparative studies are considered one of the most important ways today to uncover the greatest jurisprudential theories and legal principles that are scattered in the great heritage that Islamic jurisprudence abounds with, especially as the West themselves witnessed the richness of Islamic jurisprudence and its validity to be a legal system of the greatest legal systems such as The Hague Complex of Comparative Law, as witnessed by that. Senior jurists of law in the West, such as Edward Lambert and others, therefore, comparative studies are the only way to reveal the finest legal principles by which Islamic jurisprudence preceded all the legal systems prevalent today.

Keywords: comparative studies, legal systems, Islamic jurisprudence, Western laws.

 

مقدمة:

يعتبر الفقه الإسلامي من أعظم النظم القانونية اليوم ثراء وسعة بما يحويه من كنوز وتراث فقهي لا يستطاع حصر مسائله كثرة، غير أن بعض المشككين في ثراء الفقه الإسلامي لمزوه بالنقص والتشويه، وأنه فقه جامد لا يقبل التطور وأنه لا يصلح أن يكون نظامًا قانونيًا يحكم البشرية مثل النظم القانونية اللاتينية والجرمانية أو الأنجلوسكسونية اليوم، لذلك فإن الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية لتميط اللثام عن تلكم الكنوز والتراث الفقهي العظيم الذي يزخر به الفقه الإسلامي ولم يجد فقط من يتناوله ويظهره بلغة جديدة ومظهر صالح لهذا العصر، فالدراسات المقارنة تعتبر من أهم الطرق اليوم للكشف عن أعظم النظريات الفقهية والمبادئ القانونية التي هي مبعثرة في التراث الكبير الذي يزخر به الفقه الإسلامي، خصوصًا وقد شهد الغرب أنفسهم بثراء الفقه الإسلامية وصلاحيته ليكون نظامًا قانونيًا من أعظم النظم القانونية، وعليه نتساءل: هل حققت وأبانت المقارنات التشريعية بين الفقه الإسلامي وغيره من النظم القانونية اليوم عن ذلك الثراء الذي يزخر به الفقه الإسلامي فروعًا وأصولاً، أم أن ما يقال من أسبقية وأفضلية وغنى الفقه الإسلامي على الكثير من النظم القانونية من حيث المبادئ والنظريات والأسس القانونية، وأنه من أهم دعائم القانون المقارن اليوم مجرد ادعاء؟ هذا ما سنراه من خلال المحاور التالية:

  1. تعريف المقارنات التشريعية.
  2. نشأة المقارنات التشريعية.
  3. دور المقارنات التشريعية في إبراز مدى ثراء الفقه الإسلامي ومكانته.
  • تعريف المقارنات التشريعية:

بداية نعرف مصلح المقارنات ونبين المقصود منه، ثم نعرف مصطلح التشريع، وأخيرًا نعرف مصطلح المقارنات التشريعية.

 

  • تعريف المقارنات:

المقارنات لغة: مصدر الفعل قارن وقارن الشيء مقارنة وقرانا، تجمع على مقارنة، يقال اقترن به وصاحبه، وقارنته قرانا أي صاحبته، وبين القوم سوى بينهم، وبين الزوجين قرانا أي جمع بينهما، والشيء بالشيء وازنه به، وبين الشيئين وازن بينهما فهو مقارن، ويقال الأدب المقارن، أو التشريع المقارن[1].

اصطلاحًا: يعرفها الدريني بقوله: مقابلة الرأي بالرأي، مقابلته أو موازنته به، ليعرف مدى اتفاقهما أو اختلافهما، وأيهما أقوى وأسد بالدليل[2]. وهو لا يخرج عن المعنى اللغوي السالف الذكر.

لكن إذا أطلق هذا المصطلح في الفقه الإسلامي فالقصد منه هو الفقه المقارن وهو مصطلح حديث يعبر به عما عرف قديمًا عند الفقهاء بعلم الخلاف، وقد عرفه الدريني بقوله: "تقرير آراء المذاهب الفقهية الإسلامية في مسألة معيّنة، بعد تحرير محل النزاع فيها، مقرونة بأدلتها، ووجوه الاستدلال بها، وما ينهض عليه الاستدلال من مناهج أصولية، وخطط تشريعية، وبيان منشأ الخلاف فيها، ثم مناقشة هذه الأدلة أصوليًا، والموازنة بينها، وترجيح ما هو أقوى دليلاً، أو أسلم منهجًا، أو الإتيان برأي جديد، مدعم بالدليل الأرجح في نظر الباحث المجتهد"[3].

أما إذا أطلق هذا المصلح في مجال القانون فيقصد به ما يصطلح عليه في هذا العصر بالقانون المقارن والذي هو فرع من فروع القانون يقصد به مقارنة النظم القانونية لعدة دول بعضها ببعض، في سبيل الوصول إلى ترقية وتحسين القانون الوطني وسد ثغراته إن وجدت، ويقصد به أحيانًا تجميع أفضل النظم القانونية المعتمدة في كثير من الدول للحصول على تقنين موحد يأخذ من أحسن وأفضل تلكم النظم والقوانين ويتجاوز النقائص والسلبيات الموجودة فيها لأجل الوصول إلى قانون موحد تأخذ به الدول جميعًا مثل قانون حقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني ...[4].

إذًا فالدراسة المقارنة يتجاذبها جانبان، الجانب النظري الذي يتناول العلاقات المتشابكة بين النظم القانونية المختلفة لمعرفة أوجه الشبه والتباعد، والتأثر والتأثير فيما بينها، وجانب عملي يجعل المقارنة مصدر إلهام في صياغة القواعد القانونية[5].

  • تعريف التشريع:

التشريع لغة: من شرع بتشديد الراء وهي مورد الشاربة الماء، واشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة ومنه قوله تعالى ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾[6].

وفي الإصلاح بحسب نسبة التشريع، فإذا كان القصد هو التشريع الإلهي فهو: "اسم للنظم والأحكام التي شرعها الله أو شرع أصولها أو كلف المسلمين إياها ليأخذوا بها في علاقتهم بالله وعلاقتهم بالناس"[7].

أما إذا كان المقصود هو التشريع القانوني الوضعي فله عدة معان أهما سن القوانين بواسطة السلطة المختصة في الدولة وفقًا لإجراءات خاصة، وقد يقصد به القاعدة القانونية في حد ذاتها أو مجموعة النصوص القانونية ذات الوحدة الموضوعية الواحدة المنظمة لجانب ومجال معين مثل القانون التجاري أو المدني فيقال التشريع التجاري والمدني ويكون عندئذ مرادفا للتقنين... [8].

هذا وقد يتداخل مفهوم التشريع الإسلامي مع مفهوم التشريع الوضعي في حالة ما إذا عمدت الدولة إلى تقنين أحكام الفقه الإسلامي وإجازتها بواسطة مؤسساتها المختصة عبر مراحل وطرق خاصة فحينئذ يقصد بالتشريع ما سن من قوانين مستمدة من التشريع الإسلامي[9].

  • تعريف المقارنات التشريعية:

من بين أهم التعريفات لهذا المصطلح تعريف الدكتور شويش المحاميد والذي يستبدل مصطلح المقارنات بالموازنات ولا مشاحة في المصطلحات حيث يرى أنها "عرض الآراء والنظريات الفقهية الإسلامية وما يقابلها في القانون الوضعي، وبيان أوجه الموافقة والمخالفة بينهما تأسيسًا على أصولهما، استمدادًا وبحثًا بالأسلوب الذي يظهرهما على حقيقتهما"[10]، وقيل هي "المقابلة والموازنة بين الأصول والمبادئ والنظريات التشريعية المختلفة للوقوف على الحق أو الصواب في النظامين التشريعيين المقارن بينهما، أو لإظهار تفوق أحدهما أو أسبقيته"[11].

 

  • نشأة المقارنات التشريعية:

بالرجوع إلى النص الذي نقله صاحب مجلة المنار – الشيخ محمد رشيد رضا - عن ابن رفاعة الطهطاوي متحدثًا عن أول تجربة للمقارنات التشريعية - والتي كانت في مصر لأسباب تاريخية وحضارية عديدة ومنها ذلك الولوع الشديد بالحضارة الغربية من طرف الخديوي إسماعيل والذي حمله على تطبيق القانون الفرنسي في البلاد المصرية – حيث يقول: "إن الحكومة المصرية لما قررت العمل بقوانين فرنسا المقتبس أكثرها من الشريعة الإسلامية ولا سيما مذهب المالكية لم يكن للأمة المصرية التي يدين سوادها الأعظم بالإسلام قول ولا رأي في شؤون الحكومة، وكان من أسبابه تقصير علماء الأزهر في القيام بما يجب عليهم من إغنائها بأحكام الشريعة الغراء عن سواها ومن المشهور عن إسماعيل باشا طلب منهم ذلك فلم يستجيبوا له. حدثني علي باشا رفاعة قال حدثني والدي – رفاعة الطهطاوي – أن إسماعيل باشا الخديوي استحضره، وقال له يا رفاعة بك، إنك أزهري تعلمت وتربيت في الأزهر فأنت أعلم الناس بعلماء الأزهر، وأقدرهم على إقناعهم بما ندبتك له، أن الإفرنج قد صار لهم حقوق ومعاملات كثيرة في هذه البلاد، وتحدث قضايا بينهم الأهالي، وهم يشكون إلي أنهم لا يعلمون بماذا يحكم لهم أو عليهم في هذه القضايا ليراعوه ويدافعوا به عن أنفسهم، لأن كتب الفقه التي يحكم بها علماؤنا معقدة وكثيرة الخلاف، فاطلب من علماء الأزهر أن يضعوا كتابًا في الأحكام المدنية الشريعة، مثل كتب القوانين في تفصيل موادها، وعدم وجود خلاف فيها، يترتب عليه اختلاف القضاة في أحكامهم، فإن لم يفعلوا، فإنني أضطر إلى العمل بقانون نابليون الفرنسي، أو ما هذا مؤداه.

قال علي باشا رفاعة: فأجابه والدي بقوله: "يا أفندينا، إنني سافرت إلى أوروبا وتعلمت فيها، وخدمت الحكومة، وترجمت كثيرًا من الكتب الفرنسية باللغة العربية، وقد شخت ووصلت إلى هذه السن، ولم يطعن أحد في ديني، فإذا أنا اقترحت الآن هذا الاقتراح على علماء الأزهر بأمر أفندينا، فإنني أخشى أن يقولوا إن الشيخ رفاعة قد ارتد عن الإسلام في آخر عمره برضاه بتغيير كتب الشريعة، وجعلها كالقوانين الوضعية، فأرجو أن يعفيني أفندينا من تعريض نفسي لهذا قبل موتي، لئلا يقال إنه مات كافرًا"[12].

الأمر الذي دفع بالخديوي إسماعيل إلى طلب ترجمة القانون الفرنسي من طرف السيد رفاعة الطهطاوي والاتصال بأحد علماء الأزهر وهو الشيخ مخلوف المنياوي، مفتي الصعيد، فقام الشيخ بما طلب منه، وقارن بين القانون الفرنسي والفقه المالكي مركزًا على أوجه الشبه – والتي كان كثيرة جدًا- وذلك في مجلدين طبعا حديثا بعنوان "المقارنات التشريعية: تطبيق القانون المدني والجنائي على مذهب الإمام مالك"[13] مما دفع بالخديوي إسماعيل إلى الأمر بتطبيق القانون الفرنسي في الأراضي المصرية، وكانت هذه هي البداية الأولى لدخول القوانين الغربية للبلاد الإسلامية.

وجلي من خلال صدور أول تجربة للمقارنات التشريعية علي يد الشيخ مخلوف المنياوي أن البداية الفعلية للدراسات التشريعية المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الحديثة الغربية قد ظهرت قبل إعلان النشأة المنهجية للقانون المقارن، وذلك في مؤتمر باريس سنة 1900م. وسنشير باختصار إلى هذه التجربة وغيرها من التجارب المتعلقة بالمقارنات التشريعية والتي هي البدايات الأولى لهذا العلم.

  • تجربة الشيخ مخلوف المنياوي: الشيخ مخلوف المنياوي من علماء الأزهر الشريف (توفي سنة 1878م، شغل منصب القضاء في صعيد مصر، لما وثق الخديوي إسماعيل بعلمه، كلفه بمهمة مقارنة القانون الفرنسي بالفقه الإسلامي بعدما تم ترجمته من طرف رفاعة الطهطاوي كما سبق ذكره، وقد ركز المنياوي في هذه المقارنات بين القانون الفرنسي والفقه المالكي على وجه الخصوص، فيذكر نص المادة الفرنسي ويتلوه بذكر ما يقابلها من مصادر الفقه المالكي مثل مختصر خليل وشروحه كمواهب الجليل... وبداية المجتهد وغيرها من مصادر الذهب المالكي، ليصل في الغالب الأعم إلى نتيجة مؤداها موافقة النص الفرنسي للفقه المالكي أو إلى مخالفته له وهو أمر قليل نادر[14].
  • تجربة قدري باشا في المقارنات التشريعية: يعد العلامة قدري باشا[15] من أعلام الفقه والقانون في مصر، ولد سنة 1820م واشتغل مترجمًا بوزارة المالية، ثم مستشارًا بالمحاكم المختلطة فناظرًا للحقانية فوزيرًا للمعارف، وقد اشترك في وضع القانون المدني المصري آنذاك، له عدة تأليف كان القصد منها إحياء الفقه الإسلامي بضرورة تطبيقه وجعله المصدر الأساس للقانون المصري فألف كتابه مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية وكتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، وآخر في الوقف، ومن ذلك كتابه القيم والذي لم يطبع بعد - على حد علمي – وهو لا يزال مخطوطًا بدار الكتب المصرية والموسوم "بيان المسائل الشرعية التي وجدت في القانون المدني مناسبة وموافقة لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان"، والذي يسعى إلى تحقيقه ونشره الأستاذ أحمد مُحمد سراج، والذي يقول في كتابه ضمان العدوان في الفقه الإسلامي تعليقًا على منهج قدري باشا في كتابه في المقارنات ومقارنته بكتاب مخلوف المنياوي منا نصه: "ويختلف منهج قدري باشا في مقارناته عن مخلوف المنياوي في إجرائه المقارنة بين القانون الفرنسي والمذهب الحنفي، الذي جرى عليه العمل القضائي في مصر والدولة العثمانية، ويختلف هذان المقارنان في أمر آخر له أهميته، هو مسارعة قدي باشا إلى إثبات وجه المخالفة بين المادة الفرنسية وقواعد المذهب الحنفي، دون أن يرهق نفسه بالتخريج على أقوال علماء المذهب الحنفي، أو بالتنبيه على الاتفاق في بعض ما تشتمل عليه المادة القانونية، دون بعضها الآخر، وبهذا فإنه إذا كان الشيخ مخلوف مستندًا في مقارناته إلى منهج الأشباه والنظائر، فإن قدري باشا اعتمد منهجًا آخر وهو منهج الفروق..." [16].
  • تجربة سيد عبد الله حسين: صاحب هذه التجربة هو المحامي سيد عبد الله حسين التيدي المولود سنة 1889م درس وتخرج من الأزهري، وأكمل دراسته في السوربون وتخرج منها بشهادة الليسانس في القانون، قام بعمل جبار بمقارنته للقانون الفرنسي بالفقه المالكي وذلك لما عزمت الحكومة المصرية على إصدار قانون مدني جديد على أسس غربية، فكتب سيد عبد الله حسين كتابه هذا والموسوم بالمقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي (مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس) ليثبت أن الفقه الإسلامي صالح للاستمداد منه وأن الأولى هو تقنين أحكام الفقه الإسلامي لتكون القانون الوحيد في البلاد المصرية، فأثبت من خلال كتابه هذا أن التشابه بين النظامين الإسلامي – المذهب المالكي على الخصوص- والقانون الفرنسي بلغ نسبة 90%، فيبدأ أثناء عملية المقارنة بذكر المادة القانونية ثم يتبعها برصد قواعد الفقه المالكي المتعلقة بالموضوع، منتهيًا إلى تحديد مواضع الاتفاق أو الاختلاف، ويختلف منهج سيد عبد الله حسين عن مخلوف المنياوي في عدم اكتفائه بالمقارنة الجزئية، فيتناول معها بعض العناصر الداخلة في مجال المقارنة الكلية، كإثبات التأثر والتأثر، وظروف الاتصال بين النظامين المقارن بينهما، والموقف العام لكل نظام بشأن الموضوع محل المقارنة[17].
  • تجربة السنهوري من خلال كتابه مصادر الحق في الفقه الإسلامي: الدكتور عبد الرزاق السنهوري شخصية معروفة كان لها الحظ الأوفر والباع الكبير في إحياء الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية وخصوصًا القانون الفرنسي، فقد اهتم السنهوري بالمقارنات التشريعية منذ قدومه من فرنسا سنة 1926م إلى وفاته سنة 1971 من أجل تطوير التفكير الفقهي الإسلامي حتى يستعيد مركزه اللائق به، بالإضافة إلى تحقيق الاستقلال التشريعي للبلاد العربية والإسلامية. ويتجلى منهج السنهوري في كتابه مصادر الحق في الفقه الإسلامي كما يقول هو نفسه في مقدمة كتابه هذا: "فنحن إذا نعمد إلى موضوع من أهم الموضوعات وأعقدها في الفقه الغربي لكي يعالجه في الفقه الإسلامي، وبذلك نضع الفقه الإسلامي إلى جانب الفقه الغربي فيما هو هام جوهري، وفيما هو دقيق خفي، ونعالج الفقه الإسلامي بأساليب الفقه الغربي"[18]، ثم يستطرد قائلاً في كونه لن يألو جهدًا في إبراز الفروق بين النظامين ولن يصطنع التقريب بينهما بقوله "بل على النقيض من ذلك، سنعنى بإبراز هذه الفروق حتى يحتفظ الفقه الإسلامي بطابعه الخاص، ولن نحاول أن نصطنع التقريب بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي على أسس موهومة أو خاطئة، فإن الفقه الإسلامي نظام عظيم له صنعة يستقل بها، ويتميز عن سائر النظم القانونية في صياغته، وتقضي الدقة والأمانة العلمية علينا أن نحتفظ لهذا الفقه الجليل بمقوماته وطابعه، ونحن في هذا أشد حرصًا من بعض الفقهاء المحدثين فيما يؤنس فيهم من ميل إلى تقريب الفقه الإسلامي من الفقه الغربي، ولا يعنينا أن يكون الفقه الإسلامي قريبًا من الفقه الغربي، فإن هذا لا يكسب الفقه الإسلامي قوة، بل لعله يبتعد به عن جانب الجدة والابتداع، وهو جانب للفقه الإسلامي منه حظ عظيم"[19].

"ثم يستطرد في بيان منهجه في كتابه ليصل إلى رصد حركة الاجتهاد في الفقه الإسلامي بقوله: "وسنحاول بقدر ما يتهيأ لنا من الأسباب أن نحدد اتجاه الاجتهاد الفقهي في مراحله المتعاقبة، حتى نتبين من وراء ذلك هذا الاجتهاد، فنتابعه في تطوره إلى حيث يقف بنا في آخر خطواته، ثم ننظر إلى أين كان يصل لو أنه تابع تطوره، ونفعل ذلك في كثير من الأناة والحرص[20].

والذي يلاحظ أن سعة اطلاع السنهوري على المطولات الفقهية في المذاهب المختلفة، إلى جانب الدراسة المستفيضة للقانون المقارن على يد عمالقته هيأه ليقود الحركة الإصلاحية للمنظومات التشريعية في البلاد العربية برمتها، وعليه لا عجب أن ترى السنهوري يتحدث في الفقه كأبرع الفقهاء المدققين، وفي القانون كأمهر القانونيين المحنكين، فيستطيع الدمج والمزج بينهما بقدرة فائقة، ليربط بين الكليات والجزئيات مع ملاحظة الظواهر القانونية والفقهية خلال دراساته وتقييدها[21].

وكما تلت أيضًا جهود السنهوري العديد من البحوث والدراسات في مجال المقارنات التشريعية بين الفقه الإسلامي وغيره من النظم القانونية فقد سبقتها بعض الجهود كان أهمها جهود الشيخ أحمد أبو الفتح، وجهود أحمد إبراهيم بك[22]..

  • دور المقارنات التشريعية في إبراز مدى ثراء الفقه الإسلامي ومكانته:

لا شك أن للمقارنات التشريعية بين الفقه الإسلامي وغيره من النظم القانونية قد برهنت بما لا يدع مجالا للشك أن الفقه الإسلامي فقه واسع ثري، غني بالمبادئ والنظريات الفقهية والقانونية، غير أن الغربيين لا يعترفون بذلك، ويؤكد الشيخ سيد عبد الله حسين أن المشرعين الغربيين تآمروا وغيبوا فضل الفقه الإسلامي على قوانينهم بقوله: "وقد أجمع المتشرعون الوضعيون إجماعًا سكوتيًا قاطعًا على عدم ذكر التشريع الإسلامي كتشريع ملأ الأرض عدلاً وعلمًا، وقد كان يحكم به في بلادهم مئات السنين يوم أن كانوا يتخبطون في ظلمات الجهالة، وقد كنت كلما تقدمت في الدراسة بجامعتهم[23] أجد النصوص هي النصوص، بل والتعليل للأحكام عندهم هو التعليل في الفقه الإسلامي، خصوصًا في مذهب الإمام مالك"[24].

فللدراسات المقارنة أهمية ودور كبير في إظهار وإبراز مكانة الفقه الإسلامي – إذ بضدها تعرف الأشياء - سواء كانت هذه المكانة التي اكتسبها الفقه الإسلامي عالمية بأن أصبح أحد أهم دعائم القانون المقارن في العصر الحديث، أو برجوع الدول العربية للاستمداد منه بدل الاعتماد على القوانين الغربية التي دخلت للبلاد العربية مع دخول المستعمر، وسأجمل دور المقارنات التشريعية في إبراز مدى ثراء الفقه الإسلامي ومكانته في ما يلي:

  • إظهار مكانة الشريعة الإسلامية وفضلها:

تهدف الدراسات المقارنة إلى إظهار فضل الشريعة وكمالها ورفعة قدرها، وأحقيتها بالتطبيق، وعلو شأنها فوق القوانين الأرضية كافة، إذ بها صلاح الدنيا ورفعة الآخرة، وبتطبيقها يرتفع الفساد الذي ظهر في البر والبحر بسبب عتو الإنسان واجترائه على محارم الله وحدوده، ويظن البعض أن في مقارنة الفقه الإسلامي بالقانون الوضعي تقليلاً من شأن الفقه الإسلامي، وهذا من ضعف الثقة بفقهنا الإسلامي، والواقع أن الدراسات المقارنة تجلي مزايا ومدى ثراء الفقه، مما يجعله محل تقدير واحترام الجهات العلمية العالمية[25].

 فإذا كان فقه التشريعات الغربية في أوروبا وأمريكا وليد قرنين من الزمان على الأكثر فإن الفقه الإسلامي له أربعة عشر قرنا طوّف الآفاق شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، ونزل السهول والوديان والجبال والصحاري، ولاقى مختلف العادات وتقلب في جميع البيئات، وعاصر الرخاء والشدة، والسيادة والاستعباد، والحضارة والتخلف، وواجه الأحداث في جميع هذه الأطوار، فكانت له ثروة فقهية ضخمة لا مثيل لها، وفيه يجد كل بلد أيسر الحلول لمشاكله، وقد حكمت الشريعة الإسلامية في أزهى العصور فما قصرت عن الحاجة، ولا قعدت عن الوفاء بأي مطلب، ولا تخلفت بأهلها في أي حين، فلا ينبغي أبدًا لمن كانت هذه الشريعة دستورهم أن يتسوّلوا على موائد غيرهم، ولأجل إبراز هذه المكانة للفقه الإسلامي ذهب كثير من الفقهاء إلى مقارنة الفقه الإسلامي بغيره من النظم القانونية وفي ذلك يقول الشيخ أبو زهرة: "وإذا كنا نتجه إلى القوانين الحديثة في دراستنا، فإننا نتجه إلى تقسيمها وتنظيم الكتابة فيها ونقارب من هذه الناحية الشكلية، ولا نحاول التقريب في الناحية الموضوعية، وإن تعرضنا للموضوع أحيانًا، فلبيان فضل الشريعة على القانون الوضعي وما سبقت به القوانين كلها من حسنات[26].

  • إبراز غنى الفقه الإسلامي بالنظريات والمبادئ القانونية:

بعد أن اطّلع علماء الغرب وفقهاء القانون على ما يحويه الفقه الإسلامي من مبادئ ونظريّات ما كان للقانون الغربيّ أن يصل إليها، لولا الاستعانة به والاستمداد منه، فقد صاغ هذا الفقه عددًا من النّظريات التي انتقلت بالتفكير القانوني نقلة ذات آثار بعيدة في تطوّر هذا التفكير، من ذلك نظرية الضرورة والدّفاع الشرعي عن النّفس، ونظريّة الظروف الطارئة، وتعادل التزامات أطراف التعاقد، وجبر الضرر بنقله إلى المتسبّب في حدوثه أو توزيعه في المجتمع.

وقد تبلورت في الفقه الإسلامي نظرية التعسف في استعمال الحق، وحماية حق الخصوصية، والشفعة، والوقف، وتحريم الرّبا، ومنع الاحتكار، والغرر والمقامرة.

وقد أوضح هذا الفقه عددًا من المفاهيم التشريعية التي لا يخفى أثرها في تحقيق مصالح النّاس وتيسير تعاملاتهم، من ذلك مفهوم النّيابة في التعاقدات، ونقلل الالتزامات بين الأحياء أو الحوالة، ومفهوم الرّضائية في العقود وإطلاق سلطان الإرادة.

وفي المجال الجنائي كان الفقه الإسلامي هو الذي طور مفهوم المسؤولية وأسباب الإباحة، ونظرية تفسير الشك لمصلحة المتهم، وغير ذلك من النظريات التي يصعب حصرها، والتي انتقلت بالتفكير القانوني إلى آفاق واسعة رحيبة[27].

يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري: "وإذا كان بعض المستشرقين مثل شنوك هيرجرونج وجولد زيهر خيل إليهم أن مبادئ الشريعة الإسلامية جامدة لا تتطور، فذلك راجع إلى أنهم ليسوا من رجال القانون، بل من رجال التاريخ. فهم ينظرون إلى الشريعة الإسلامية نظرة المؤرخ لا نظرة الفقيه، وإلا فإنّ رجال القانون ممن درسوا الشّريعة يختلفون عن هؤلاء المستشرقين في نظرتهم إلى الشريعة الإسلامية، ويكفي أن نشير إلى الفقيه الألماني "كوهلر" والأستاذ الإيطالي "دلفيكيو" عميد كلية الحقوق بروما، وإلى العميد الأمريكي "فيجمور"، وإلى كثيرين غيرهم من الفقهاء فهم يشهدون بما انطوت عليه الشّريعة الإسلامية من مرونة وقابلية للتطور، ويضعونها إلى جانب القانون الروماني والقانون الإنجليزي، إحدى الشرائع الأساسية الثلاث التي سادت ولا تزال تسود العالم...

إلى أن قال "إن في الشريعة عناصر لو تولتها يد الصّيّاغة فأحسنت صياغتها لصنعت منها نظريّات ومبادئ لا تقل في الرّقي والشّمول ومسايرة التطور عن أخطر النّظريات الفقهيّة التي تتلقّاها عن الفقه الغربيّ الحديث. وضرب لذلك أربعة أمثلة فقال: إنّ كلّ مطّلع على فقه الغرب يدرك أن من أحدث نظرياته في القرن العشرين: نظريّة التعسّف في استعمال الحق، ونظريّة الظروف الطّارئة، ونظريّة تحمّل التبعة، ومسؤولية عديم التمييز.

وكل هذه النظريات أساس كبير في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلا إلى الصياغة والبناء"[28].

يقول الدكتور علي علي منصور: ولقد عثرت أخيرًا على مقال للأستاذ الدكتور عبد السلام ذهني تحت عنوان "تجميع القوانين والشّريعة الإسلامية" ورد فيه "لما كنت بمدينة ليون بفرنسا بقسم الدكتوراه في سنة 1911 - 1920م كان أستاذنا "لامبير" يرى أنّ الفقه الإسلامي في المعاملات كنزٌ لا يفنى ومعين لا ينضب، وكان يشير على الطلبة المصريين بالرجوع لوضع رسائلهم في الدكتوراه في مواضيع من الشريعة الإسلامية، وفعلاً وضع الدكتور محمد فتحي رسالة الدكتوراه عن مذهب الاعتساف في استعمال الحق والخروج عما شرع له عند فقهاء المسلمين، وما كادت الرسالة تطبع في كتاب حتى نفدت في ستة أشهر، وكتبت عنه المجلات القانونية كثيرًا، وأشادت بعظمة التشريع الإسلامي...

وما كتب الفقيه الألماني "كوهلر" في مقال له "إنّ الألمان كانوا يتيهون عُجبًا على غيرهم لخلقهم نظرية الاعتساف في استعمال الحق؛ وإدخالها ضمن التشريع في القانون المدني الذي وضع سنة 1787م، أما وقد ظهر كتاب "الدكتور فتحي" وأفاض في شرح هذه النظرية نقلاً عن رجال الفقه الإسلامي، فإنّه يجدر بعلماء القانون الألماني أن يتنازلوا عن المجد الذي نسبوه لأنفسهم، ويعترفوا بالفضل لأهله، وهم فقهاء الإسلام الذين عرفوا هذه النظرية وأفاضوا في الكلام عليها قبل الألمان بعشرة قرون[29]...

  • الاعتراف الدولي بمكانة الفقه الإسلامي وثراءه وأنه من أهم دعائم القانون المقارن اليوم:

ونكتفي بذكر شهادة بعض المؤتمرات الدولية للقانون المقارن لا على سبيل الحصر مثل:

  • المؤتمر الدولي للقانون المقارن سنة 1932م والذي انعقد في مدينة لاهاي في دورته الأولى، حيث يعترف أعضاؤه من الفقهاء الألمان والفرنسيين وغيرهم بأن الشريعة الإسلامية إحدى الشرائع الأساسية التي سادت ولا تزال تسود العالم، وبأنها مرنة قابلة للتطور، وهي فقه حيّ نامٍ متطور يجب النظر إليه بعين الاعتبار.

وفي دورته الثانية سنة 1937م في نفس المدينة قد مثل الأزهر فيه مندوبان من كبار العلماء ببحثين: الأوّل عن "المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية" والثاني عن "استقلال الشريعة والفقه الإسلامي، ونفيّ كلّ صلة مزعومة بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني".

وقد تمخض المؤتمر عن نتائج مهمة حول الفقه الإسلامي، نبّه إليها رجال التشريع الغربي وهي:

  • اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع العام.
  • أنها حية قابلة للتطور.
  • أنها شرع قائم بذاته غير مأخوذ عن غيره.
  • مؤتمر المحامين الدولي سنة 1938م الذي انعقد في نفس المدينة – لاهاي – وقد اشتركت فيه 53 دولة من جميع أنحاء العالم، وضم عددًا كبيرًا من الأساتذة والمحامين اللامعين من مختلف البلدان.

ومن القرارات التي اتخذها المؤتمر – بناءً على اقتراح من لجنة التشريع المقارن في المؤتمر، وعطفًا على ما أقره مؤتمر القانون المقارن السابق بشأن الشّريعة الإسلامية – ما يأتي:

"نظرًا لما في التشريع الإسلامي من مرونة، وما له من شأن هام يجب على جمعية المحامين الدولية أن تتبنّى الدراسة المقارنة لهذا التشريع وتشجّع عليها".

  • مؤتمر شعبة الحقوق الشرقية من المجمع الدولي للحقوق المقارنة:

وهو المؤتمر المنعقد في كلية الحقوق جامعة باريس للبحث في الفقه الإسلامي سنة 1951م تحت شعار "أسبوع الفقه الإسلامي" برئاسة "ميو" أستاذ التشريع الإسلامي في كلية الحقوق بجامعة باريس، دعت إليه عددًا كبيرًا من أساتذة كليات الحقوق العربية وغير العربية، وكليات الأزهر، ومن المحامين الفرنسيين والعرب وغيرهم من المستشرقين، وقد اشترك أربعة من مصر، واثنان من سوريا، وقد دارت المحاضرات حول خمسة موضوعات فقهية عينها مجمع المكتب الدولي للحقوق المقارنة قبل عام، وتتعلق بالحقوق العامة والخاصة "مدنية، جنائية، إدارية، اقتصادية وتاريخ التشريع" وهي:

  • إثبات الملكية.
  • الاستملاك للمصلحة العامة.
  • المسؤولية الجنائية.
  • تأثير المذاهب الاجتماعية بعضها في بعض.
  • نظرية الربا في الإسلام.

وقد ألقيت المحاضرات كلها باللغة الفرنسية وخصص لكل موضوع يوم، وعقب كل محاضرة كانت تفتح مناقشات مهمة بين المؤتمرين والمحاضرين تطول أو تقصر بحسب الحاجة وتسجّل خلاصتها.

وفي خلال بعض المناقشات وقف أحد الأعضاء، وهو نقيب سابق للمحاماة في باريس قائلاً:

"أنا لا أعرف كيف أوفّق بين ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته أساسًا تشريعيًا يفي بحاجات المجتمع العصري المتطوّر، وبين ما نسمعه الآن في المحاضرات ومناقشاتها، مما يثبت خلاف ذلك تمامًا، ببراهين النصوص والمبادئ".

وفي ختام المؤتمر وضع المؤتمرون بالإجماع التقرير الآتي:

"بناء على الفائدة المتحققة من المباحث التي عرضت أثناء أسبوع الفقه الإسلامي، وما جرى حولها من المناقشات التي نستخلص منها بوضوح:

  • أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها.
  • إنّ اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على "ثروة من المفاهيم والمعلومات، ومن الأصول الحقوقية" هي مناط الإعجاب، وبها يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة المدنية، والتوفيق بين حاجاتها.

وبناءً على ما تقدّم يعلنون رغبتهم في أن يظل أسبوع الفقه الإسلامي يتابع أعماله سنة فسنة ويكلفون مكتب المؤتمر وضع قائمة للموضوعات التي أظهرت المناقشات ضرورة جعلها أساسًا للبحث في الدورة القادمة.

ويأمل المؤتمرون أن تؤلَّف لجنة لوضع معجم للفقه الإسلامي يسهِّل الرجوع إلى مؤلفات هذا الفقه، فيكون موسوعة فقهيّة تعرض فيها المعلومات الحقوقية الإسلامية وفقًا للأساليب الحديثة".

وأخيرًا جاء في توصيات ندوتي كليات الحقوق في العالم الإسلامي المعقودة أولاً في بيروت سنة 1973م، وثانيًا في بغداد سنة 1974م: "إنّ الشّريعة الإسلامية صالحة كنظام قانوني شامل من خلال تجربتها الواقعية في القرون الماضية، وأنّ انحسارها لم يكن لقصورها؛ بل كان لأسباب خارجة عن ذاتها"[30].

 

  • إبراز استقلالية الفقه الإسلامي وتميزه عن الفقه الغربي:

لقد كان لظهور الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الغربية الفضل في تفنيد بعض الشبه التي أثيرت حول الفقه الإسلامي من ذلك مسألة تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني، والتي أيدها معظم المستشرقين على اختلاف بينهم في مدى هذا التأثر[31]، وكان دومينيكو غاتيسكي أول من زعم أن الفقه الإسلامي مستمد من القانون الروماني، وذلك في كتابه باللغة الإيطالية والمسمى: " كتاب يدوي للحقوق العثمانية العامة والخاصة" والذي طبع في الإسكندرية سنة 1856م، والذي زعم فيه مؤلفه أن الشرع الإسلامي يتشابه ويتماثل مع القانون الروماني في عدد من المسائل، وأن قواعد القانون الروماني قد دخلت وتسربت إلى المسلمين بسهولة في زي الأحاديث الموضوعة التي نسبت إلى النبي R[32].

وتبعه بعد ذلك الكثير من المستشرقين مثل جولد زيهر، وسانتيلانا، وشرمان، وكاروزي، وآموس، وساشو، ودي بور، وفون كريمر ... إلى التشكيك في أصالة الشريعة الإسلامية بدعوى أنها مستمدة من القانون الروماني، أو أنها تأثرت به كثيرًا، أو أن القانون الروماني من أهم مصادرها على تفاوت بينهم في ذلك بين مغال ومعتدل، ومن الذين غلوا كثيرًا في ذلك شيلدونآموس الذي زعم في كتابه (القانون المدني الروماني)" أن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية الشرقية معدلاً وفق الأحوال السياسية في الممتلكات العربية[33].

لكن بعد ظهور الدراسات المقارنة التي أبانت على تميز الفقه الإسلامي وأنه من أعظم النظم القانونية في العصر الحالي، كثير من المنصفين من المستشرقين أنفسهم نفى أي صلة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني، ومنهم نالينو وفتزجيرالد[34]. بل ورجع بعضهم عن دعواه أمثال جولد زيهر[35].

 

الخاتمة

لطالما رأينا كيف أن فقهاء الغرب يتباهون بما انحدر إليهم في تراثهم التشريعي عن الرومان من آراء ونظريات مختلفة مأثورة عن فقهاء الشرع الروماني وشراحه، ويجدون في تلك الآراء كمالا وثراء لفقههم، مع أن فقههم على سعته ليس إلا شيئًا يسيرًا، أو غيضًا من فيض بالنسبة لما ورثناه من اجتهادات من فقهنا الإسلامي، لكن بعد ظهور الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الغربية والتي أماطت اللثام عن حقيقة ما يتمتع به الفقه الإسلامي من رصانة وانسجام بين مبادئه وقواعده وغناه بالنظريات والمبادئ القانونية والتي ما ظن فقهاء الغرب أبدًا أنها موجود في ثنايا الفقه الإسلامي، إضافة لتلك المرونة التي يتميز بها والتي من التأثير في باقي الشعوب، وامتيازه بإيجاد الحلول لما يطرأ من الوقائع ويستجد من النوازل[36]، ناهيك عن المبادئ والقيم الأخلاقية التي تجدها بارزة في جميع النظريات والقواعد والأحكام الفقهية[37]، لذلك كانت تلكم الاعترافات بمكانة الفقه الإسلامي سواء اعترافات فردية من كبار الفقهاء الغربيين، أو اعترافات مجامع ومؤسسات ومؤتمرات القانون في الغرب، وإضافة لانتزاع هذا الاعتراف من فقهاء الغرب ومؤسساته القانونية الرسمية بثراء الفقه الإسلامي وأنه مدرسة قانونية كبرى مثل المدرسة اللاتينة الجرمانية والمدرسة الأنجلوسكسونية، لكن هذا لا يكفي في نظري بل لا من تعريف الجيل بثراء الفقه الإسلامي وأنه أصلح من القوانين الوضعية الغربية إذا وجد اليد التي تصوغه بلغة العصر وتعرضه أحسن عرض، ولذلك في نظري لا بد من أمور أهما:

  • التعريف بالفقه الإسلامي وبيان مكانته من خلال مقارنته بالقانون الوضعي.
  • إرشاد المهتمين بالفقه الإسلامي إلى ما يحتويه من كنوز تشريعية ونظريات دفينة تضاهي بل تفوق النظريات الغربية تنتظر من يكشف عنها الحجاب ويخرجها للوجود.
  • التنويه بضرورة إعادة تجديد الفقه الإسلامي من خلال إعادة صياغته صياغة بسيطة بلغة العصر يفهمها الطلبة وتسهل عليهم عملية المقارنة بالقانون الوضعي.
  • بيان أن الدراسات المقارنة هي الوسيلة التي نستطيع بواسطتها إظهار ما يحتويه الفقه الإسلامي من نظريات ومبادئ قانونية راقية.


لتحميل ملف الدراسة

 

* مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، مج: 8، ع: 2، 2023م، ص125-148.

** أستاذ الشريعة والقانون - جامعة المسيلة الجزائر.

 

المراجع

_______________

المعاجم والقواميس:

  • محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، عني بترتيبه: محمود خاطر، دار الفكر، الطبعة الأولى، 2001م.
  • مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، مصر، الطبعة الرابعة، 2004م.

المراجع العامة:

  1. أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر، الطبعة الأولى، 2009م.
  2. الدسوقي السيد الدسوقي عيد، استقلال الفقه الإسلامي عن القانون الروماني والرد على شبه المستشرقين، مكتبة التوعية الإسلامية، جيزة – العراق -، الطبعة الأولى، 1989م.
  3. ساجر ناصر حمد الجبوري، التشريع الإسلامي والغزو القانوني الغربي للبلاد الإسلامية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005م.
  4. سيد عبد الله حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي (مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس) دراسة وتحقيق: محمد أحمد سراج، وآخرون، دار السلام، مصر، الطبعة الثانية، 2006م.
  5. شويش هزاع علي المحاميد، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر وملامحه، دراسة وثائقية تحليلية، دار عمار، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2001م.
  6. شوكت محمد عليان، التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، دار الشواف، ط / 1996م.
  7. عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1998م.
  8. عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/ الأولى، 2011م.
  9. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، دار عمر بن الخطاب –الاسكندرية – مصر، 1969م.
  10. علي علي منصور، مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، دار الفتح، بيروت، ط/ 01، 1970م.
  11. صوفي حسن أبو طالب، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مكتبة نهضة مصر، القاهرة.
  12. محمد إبراهيم طاجن، أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، مركز نهوض للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2020م.
  13. محمد أبو زهرة، الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى.
  14. محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2015م.
  15. محمد أحمد سراج، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، د ت ن.
  16. محمد الصباغ، التشريع الإسلامي وحاجتنا إليه، المكتب الإسلامي، ط/ الثانية، بيروت، 1977م.
  17. محمد رشيد رضا، مجلة المنار، مقال بعنوان: "مناظرة في مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات"، عدد ذي الحجة، 1930م.
  18. محمد شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة العاشرة، 1980م.
  19. محمد فتحي الدريني، بحوق مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1994م.
  20. محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية، إشراف: محمد أحمد سراج، أحمد جابر بدران، مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 2011م.
  21. محمد وحيد الدين سوار، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط/ الثانية، 1998م.

المقالات:

  1. رحيمة بن حمو، نحو نظرية للمقارنة بين الشريعة والقانون، مجلة المعيار، قسنطينة، مجلد 23، عدد 46، سنة 2019م.
  2. عبد الرزاق السنهوري، وجوب تنقيح القانون المدني، مجلة القانون والإدارة، سنة 06، العدد01.
  3. عبد المجيد الصلاحين، العلوم الإسلامية وتحديات العولمة – الفقه نموذجًا – مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، مجلة علمية دولية محكمة، مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة، الأغواط، الجزائر، العدد الأول، جانفي 2016م.
  4. كارلو ألفونسو نالينو، نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الرومي، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي"، دار البحوث العلمية، الطبعة الأولى، 1973م.
  5. فتزجيرالد، الدين المزعوم للقانون الرومي على القانون الإسلامي، تعريب محمد سليم العوا، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي"، دار البحوث العلمية، الطبعة الأولى، 1973م.

 

 

مراجع باللغة الأجنبية:

  1. ANTIGA PASHAYEVA, Religion and Law: The Ratio of Law and Morality in Islam, International Journal of Islamic Thought, 22 (Dec.) 2022 p:3-4.

 

doi: https://dio.org/10.55781/rsic.v8i2.473

[1] مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، مصر، الطبعة الرابعة، 2004م، ص: 760.

[2] محمد فتحي الدريني، بحوق مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1994م، ج1/ 17.

[3] محمد فتحي، مرجع سابق، ج 1 / 17-18.

[4] محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2015م، ص: المقدمة، الصفحة هـ.

  • رحيمة بن حمو، نحو نظرية للمقارنة بين الشريعة والقانون مجلة المعيار، قسنطينة مجلد 23، عدد 46، سنة 2019م. ص: 642.

[5] محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: المقدمة، الصفحة هـ.

[6] محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح عني بترتيبه: محمود خاطر، دار الفكر، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 285.

[7] محمد شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة العاشرة، 1980م، ص: 73.

[8] محمد إبراهيم طاجن، أثر مدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدراسات الفقهية، مركز نهوض للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2020م، ص325.

[9] أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر، الطبعة الأولى، 2009م، ص 21.

[10] شویش هزاع علي المحاميد، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر وملامحه، دراسة وثائقية تحليلية، دار عمار، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2001م، ص524.

[11] محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص326.

[12] محمد رشيد رضا، مجلة المنار، مقال بعنوان: "مناظرة في مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات"، عدد ذي الحجة 1930م.

  • نقلاً عن محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص 338- 339.

[13] وقد قام بتحقيقه وإخراجه إلى النور كل من أ. د/ محمد أحمد سراج، وأ. د/ علي جمعة محمد، من منشورات دار السلام المصرية، 1990م.

[14] للاطلاع أكثر على منهج الشيخ مخلوف المنياوي في كتابه المقارنات التشريعية، انظر: مقدمة المحقق للكتاب: المقارنات التشريعية تطبيق القانون المدني والجنائي على مذهب الإمام مالك، دراسة وتحقيق أ. د/ محمد أحمد سراج، أ. د/ علي جمعة محمد، دار السلام، الطبعة الأولى، 1999م، ج11/1-20. محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: المقدمة من الصفحة س - ر.

[15] انظر ترجمته في كل محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: من المقدمة ر - ذ. محمد قدري باشا، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية، اشراف: محمد أحمد سراج، أحمد جابر بدران، مركز الدراسات الفقهية الاقتصادية، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 2011م،  ج 1 / 10- 14.

[16] محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: المقدمة من الصفحة ث.

[17]  لمزيد إيضاح حول منهج سيد عبد الله حسين في كتابه المقارنات ينظر: محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: من المقدمة ذ- غ، سيد عبد الله حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي (مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك بن أنس) دراسة وتحقيق: محمد أحمد سراج، وآخرون، دار السلام، مصر، الطبعة الثانية، 2006م، ج 1/ 16-32.

[18] عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1998م، ج 1 / 5.

[19] عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ج 1 /6.

[20] عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ج1 /7. وانظر أيضًا في بيان منهج السنهوري في كتابه مصادر الحق، محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: من المقدمة غ – زز.

[21] محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص: 381.

[22] راجع في بيان هذه الجهود وغيرها، محمد إبراهيم طاجن مرجع سابق، ص: 365-399.

[23] ذلك أن سيد عبد الله حسي بعد دراسته في الأزهر وتخرجه منه بشهادة العالمية في الفقه الإسلامي، درس الحقوق بجامعة ليون بفرنسا كما ذكر هو نفسه ذلك، سيد عبد الله حسين، مرجع سابق، ج 1/ 61.

[24] سيد عبد الله حسين، مرجع سابق، ج 1/ 61.

[25] محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص: 352.

[26] محمد أبو زهرة، الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، نقلاً عن محمد إبراهيم طاجن، مرجع سابق، ص: 353.

[27] محمد أحمد سراج، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى، د ت ن. ص 205.

[28] عبد الرزاق السنهوري، وجوب تنقيح القانون المدني، مجلة القانون والإدارة سنة 06، العدد 01، ص03 علي علي منصور، مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، دار الفتح، بيروت، ط/ 01، 1970م. ص41-42.

[29] من مقال نشر في الجريدة القضائية في 23 جانفي 1937م نقلاً عن علي علي منصور، مرجع سابق، ص 41-42.

[30] انظر: ساجر ناصر حمد الجبوري، التشريع الإسلامي والغزو القانوني الغربي للبلاد الإسلامية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005م، ص: 244 - 247. شوكت محمد عليان، التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، دار الشواف، ط / 1996م، ص: 196؛ علي علي منصور، مرجع سابق، ص 9-10. عبد الكريم زيدان، نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/ الأولى، 2011م، ص: 15؛ محمد وحيد الدين سوار، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط/ الثانية، 1998م، ص، ب؛ محمد الصباغ، التشريع الإسلامي وحاجتنا إليه، المكتب الإسلامي، ط/ الثانية، بيروت، 1977م، ص 13 - 14.

[31] عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية، مصر، 1969م، ص: 73.

[32] كارلو ألفونسو نالينو، نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الرومي، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي"، دار البحوث العلمية، الطبعة الأولى، 1973م، ص: 9.

[33] صوفي حسن أبو طالب، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ص: 6.

[34] فتزجيرالد، الدين المزعوم للقانون الرومي على القانون الإسلامي، تعريب محمد سليم العوا، مقال ضمن كتاب "هل للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي".

[35] فيتزجيرالد، مرجع سابق، ص: 121؛ صوفي حسن أبو طالب، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، مرجع سابق، ص: 8. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص: 74؛ الدسوقي السيد الدسوقي عيد، استقلال الفقه الإسلامي عن القانون الروماني والرد على شبه المستشرقين، مكتبة التوعية الإسلامية، جيزة - العراق، الطبعة الأولى، 1989م، ص:14.

[36] عبد المجيد الصلاحين، العلوم الإسلامية وتحديات العولمة - الفقه نموذجًا -، مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، مجلة علمية دولية محكمة، مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة، الأغواط، الجزائر، العدد الأول، جانفي 2016م، ص: 39.

[37] ANTIGA PASHAYEVA Religion and Law: The Ratio of Law and Morality in Islam. International Journal of Islamic Thought Vol. 22 (Dec.) 2022 p:3-4148.

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "رؤية إسلامية" للدكتور زكي نجيب محمود· عام 1978 عن دار الشروق في القاهرة، ولكننا ننشر رفق هذا التقديم الطبعة الأحدث من الكتاب، والتي صدرت عن مؤسسة هنداوي.

يُعد هذا الكتاب أحد الأعمال البارزة للكاتب، والذي يناقش فيه رؤيته الفكرية والثقافية من منظور إسلامي، حيث جمع الكاتب بين الفكر الفلسفي الغربي والرؤية الإسلامية العقلانية، حتى نجح –كما رأى البعض- في تقديم "إسلام [فكر إسلامي] متصالح مع العقل والعلم" دون تناقض مع الثوابت الدينية، بلغة واضحة في متناول القارئ غير المتخصص.

وقد استقبل الكتاب بالترحاب من قبل النقاد والمثقفين، حيث أثنى الدكتور محمد حسين هيكل على الكاتب (في أحد حواراته) قائلًا: "زكي نجيب محمود يُذكِّرنا بأن الإسلام ليس مجرد طقوس، بل هو حضارةٌ قادرة على الحوار مع كل العصور"، وهو يقترب في ذلك من ثناء الأديب طه حسين على د. زكي نجيب محمود من قبل صدور كتابه هذا بأنه: "فيلسوفٌ يضع المنطق في خدمة الإيمان"، بينما ذهب المفكر محمد عابد الجابري إلى أن أعمال زكي نجيب محمود، ومنها هذا الكتاب، تُساهم في مشروعٍ فكريٍ يهدف إلى إعادة قراءة التراث بمناهج عقلانية، مشابهةً لحركة التنوير الأوروبية لكن في إطار الهوية الإسلامية.

وقد انطلق الكاتب من التساؤل حول أسباب التخلف الذي أصاب العالم الإسلامي، بعد أن كانت له القيادة والريادة؟

ولقد نوه عن ذلك الدكتور زكي نجيب محمود حين قدم لكتابه يقول:

سؤال طرحته على نفسي، حين ألقيت نظرة إلى خريطة العالم الإسلامي، في امتداد رقعته الجغرافية، من أقصى الجنوب الشرقي لقارة آسيا، حتى أقصى الغرب في معظم القارة الأفريقية، وما إن ألقيت السؤال، حتى أجريت القلم خلال ستة أشهر، بالفصول التي هي مادة هذا الكتاب، وكانت هذه الفصول تحمل أطرافًا مما يصح أن يكون جوابًا عن ذلك السؤال.

وأما السؤال فهو هذا: ما الذي أصاب العالم الإسلامي، فتخلَّف حتى أصبح في مؤخرة الركب الحضاري في عصرنا هذا، بعد أن كانت له، ذات حين قيادة وريادة؟ على أنني إذاّ أخذت أضع الجواب في قطرات متفرقة متتابعة، أنظر في كل  قطرة فيها إلى الموقف من إحدى نواحيه، كانت نظرتي تنحصر في ذلك الجزء من العالم الإسلامي - الذي يكون الوطن العربي الكبير، ثم كانت تلك النظرة- أحيانًا كثيرة- تعود فتزداد انحصارًا- حتى تقف عند حدود وطني الخاص الذي هو مصر، وسيجد القارئ في القسم الرابع من هذا الكتاب تحديدًا دقيقًا لدوائر الانتماء الثلاثة، التي على أساسها يتدرج الانتماء، من حيث التبعات الاجتماعية، تدريجا يجعلني مصريًا أولاً، وعربيًا ثانيًا، وفردًا من أبناء العالم الإسلامي ثالثًا، وهو تدرج لا أقيمه على درجات «الأهمية» لهذه الأجزاء، بل أقيمه على الأمر الواقع الذي يجعل الإنسان مسئولاً  أمام القانون عن وطنه الخاص، قبل أن يكون مسئولاً عن المجالات الأوسع نطاقًا، والتي ينتمي إليها جميعًا بدرجات.

محتويات الكتاب:

مقدمة

القسم الأول: مع العلم بعمق الإيمان

أنا المسجد والساجد

اقرأ باسم ربك

العقل يهدي ويهتدي

الأشياء والكلمات

عصر يبحث عن حرية الإنسان

اختلاف الرأي والرؤية

عالم عابد في مركبة الفضاء

 

القسم الثاني: من عوامل القوة

يموت الإنسان ليحيا

قنافذ وثعالب

أنا أريد – إذن أنا إنسان

فالق الحب والنوى للعصر الواحد صوت واحد

صورة ريفية وأعماقها

من الجذور

حياتنا الجديدة تصنعها أقلامنا

وهذه جزيرة أخرى

تقاليد وتقليد

الاقتصاد في معاناة

القسم الثالث: من عوامل الضعف

صرخة

متطرف تحت المجهر

عصر الحنين

أزرع ولا حَصَاد؟

ظلال بين اليأس والرجاء

أهو شرك من نوع جديد؟!

هذا الصغير وصاغه

صانع الحروف

هؤلاء

فعل الزمن

حتى يغيروا ما بأنفسهم

 

القسم الرابع: دائرة الانتماء

عروبة مصر

حول مشكلة الانتماء.

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 

  • الدكتور زكي نجيب محمود: (1 فبراير 1905م- 8 سبتمبر 1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، له العديد من المؤلفات في الفلسفة والمنطق، ومنها: نظرية المعرفة، المنطق الوضعي، نحو فلسفة علمية، حياة الفكر في العالم الجديد، موقف من الميتافيزيقا، أسس التفكير العلمي ... الخ، كما ألف العديد من الكتب عن الحياة الفكرية والثقافية ومنها: تجديد الفكر العربي، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ثقافتنا في مواجهة العصر، مجتمع جديد أو الكارثة، رؤية إسلامية، في تحديث الثقافة العربية، قيم من التراث ... الخ، وله العديد أيضًا من المؤلفات الأدبية منها: جنة العبيط، شروق من الغرب، الكوميديا الأرضية، قصة نفس ... الخ.

وقد حصل د. زكي نجيب محمود على العديد من الجوائز، منها:

  • جائزة الدولة التشجيعية عن كتابه "نحو فلسفة علمية".
  • جائزة الدولة التقديرية في الآداب.
  • جائزة الثقافة العربية.
  • جائزة سلطان العويس من دولة الإمارات العربية.

نُشرت هذه الدراسة في مجلة الجامعة العراقية (ع: 62، ج: 1، أغسطس 2023م، ص429-449)، وتسعى الدراسة إلى إلقاء الضوء على نظرية تحمل التبعة في كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي، وكما هو معلوم بأن هذه النظرية تعد من أهم النظريات القانونية في مجال المسئولية الدولية التي تؤسس على إقامة التبعة على عاتق المسئول عن نشاط خطر عما يحدثه بالغير من أضرار دون اللجوء إلى إثبات الخطأ في جانبه.

وكما أوضح الباحث فإن نظرية تحمل التبعة كأساس قانوني قوي ومتين يمكن أن تؤسس عليه المسؤولية الدولية، دون النظر إلى أركان المسؤولية مجتمعة، وهل تكون منطلقًا للتعويض عن الأضرار المادية أو الأدبية التي قد تحدث للكثير من أشخاص القانون الدولي.

وذكر الباحث أن هذا البحث سينطلق في تأسيس هذه النظرية الدولية من منطلق إرث كبير وهو إرث الفقه الإسلامي، وسيعطي هذا التأصيل للمطلع مزيد إحاطة وإطلاع على جنبات ودقائق هذه النظرية.

وتكمن مشكلة البحث في اعتراض بعض الفقهاء على نقل هذه النظرية من القوانين المحلية والوطنية إلى ميدان القانون الدولي، وكذلك أخذ بعض فقهاء القانون لهذه النظرية دون النظر في ركن الخطأ، والذي يعد أحد أركان المسؤولية الدولية، وهذا ما يضع تحديًا للباحث يقوم على أساس التأصيل والتحليل والمقارنة التي تنتج لنا إمكانية اعتماد هذه النظرية كأساس للمسؤولية الدولية أو لا.

وخلص الباحث من خلال بحثه هذا إلى عدة نتائج، منها:

  • يتوافر عدد من القواعد الفقهية التي تؤسس عليها نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي مثل: الخراج بالضمان، والغنم بالغرم، ولا ضرر ولا ضرار، إلا أن الباحث رأى أن أنسب تلك القواعد للقانون الدولي قاعدة الغرم بالغنم.
  • توجد بعض الاستثناءات التي ترد على هذه النظرية، والتي قد تأخذ شكلًا أخر من تحمل التبعة، أو قد تفرد كنظرية مستقلة يمكن تأسيس المسؤولية الدولية عليها.
  • أخذت بعض القوانين الوطنية بنظرية تحمل التبعة بجميع مستوياتها، بينما حددتها بعض القوانين الوطنية الأخرى بالأنشطة الخطرة.
  • هناك خلاف قوي بين فقهاء القانون الدولي في الأخذ بنظرية تحمل التبعة من عدمه، إلا أن الراجح عند الباحث هو الأخذ بهذه النظرية، والسبب في ذلك أن المسؤولية الدولية يجب ألا تؤسس على ركن الخطأ فقط، ولكن يجب أن تؤسس على ركن الضرر كما يقول فقهاء الشريعة، وهذا أدق في المعنى وأجلى للفهم.

 

تقسيمات الدراسة:

تأسيسًا على ما سبق فقد تم تقسيم الدراسة إلى خمسة مباحث، وخاتمة اشتملت على أهم النتائج، وذلك على النحو التالي:

المبحث الأول: التعريف اللغوي لمصطلح تحمل التبعة.

المبحث الثاني: تعريف نظرية تحمل التبعة فقها وقانونًا.

البحث الثالث: تأصيل نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي والاستثناءات الواردة عليه.

المبحث الرابع: تحمل التبعة في القوانين الوطنية الحديثة.

المبحث الخامس: تحمل التبعة في القانون الدولي والخلاف فيه.

 

 

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

 

* أستاذ مساعد بقسم السياسة الشرعية- المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 

نُشرت هذه الدراسة في مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التي تصدرها جامعة قطر (ع: 3، 1984م، ص67-82)، وتسعى هذه الدراسة إلى إلقاء نظرة عابرة على "علم أصول الفقه الإسلامي"، وما يقابله عند رجال القانون من "علم أصول القانون" أو "المدخل لدراسة القانون" أو "مقدمة القانون" أو غير ذلك، والمقارنة بين العلمين إجمالا دون الخوض في الكثير من التفاصيل والفروع..

ومما جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

لرجال القانون أن يفخروا -في غياب الفقه الإسلامي عن وجدانهم أو عقولهم- بقانونهم، وأن يصفوه بما شاءوا من أوصاف الكمال من دقة المبنى وكمال المعنى، مؤيدين ذلك بطول عمره واتساع رقعة تطبيقه وانتشاره في غير موطنه وتداول العقول إياه، عبر قرون عديدة في بقاع من الأرض متباعدة، بالتحسين والتدقيق والإصلاح والشرح والتطبيق والتخريج والبسط والاختصار.

ولهم أن يجادلوا -عنادًا أو جهلاً- إذا نبهوا إلى الفقه الاسلامي وما هو عليه من مبنى أدق ومعنى أكمل، لصدوره عن كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو القرآن الكريم، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، وعن إجماع الأمة الإسلامية وهي لا تجتمع على خطأ، وجهد رجال أفذاذ أخلصوا في خدمة شريعة الله وبذلوا في ذلك عمرهم.

ولكن ليس لهم إلا أن يسلموا بتفوق علم أصول الفقه، عما يقابله عندهم من "علم أصول القانون"، فأين الثرى من الثريا؟ وهو آية على عظمة العقل الإسلامي وعلى كذب الدعوى بأن الفقه الاسلامي مأخوذ عن القانون الروماني فهذه أصوله وأسسه في "علم أصول الفقه"، وليس عندهم مثيله فكيف تصح دعواهم؟

ونحن نلقي - فيما يلي - نظرة عابرة على "علم أصول الفقه الإسلامي"، وما يقابله عند رجال القانون من "علم أصول القانون" أو "المدخل لدراسة القانون" أو "مقدمة القانون" أو غير ذلك من الأسماء المختلفة في المبنى المتفقة في محتويات هذا العلم عندهم.

ونحن -في ذلك- نكتفي بالخطوط الرئيسية لكل، دون الدخول في التفصيل والتفريع، ودون التعرض لما بين علماء الأصول من الاختلافات ترجع إلى مذهب كل أو إلى فهمه هو واجتهاده، فغايتنا من هذا البحث لا تحتاج إلى شيء من ذلك.

وفي خاتمة الدراسة أوصى الباحث علماء المسلمين بأنه يجدر بهم معالجة موضوعات وردت في القانون ولم تعالج أو لم تعالج المعالجة الشافية في علم أصول الفقه، وأكد كذلك على أنه ليس بصدد مقارنة الحكم الشرعي بالقاعدة القانونية، فهما مختلفان في الطبيعة والنطاق والموضوع.

 

تقسيمات الدراسة:

الفصل الأول: علم أصول الفقه

المبحث الأول: الحكم الشرعي

المبحث الثاني: الحاكم

المبحث الثالث: المحكوم عليه

المبحث الرابع: المحكوم فيه

المبحث الخامس: المحكوم به

الفصل الثاني: علم أصول القانون

المبحث الأول: القانون

المبحث الثاني: الحق

الفصل الثالث: مقارنة بينهما.

 

رابط مباشر لتحميل الدراسة

 

 

 

 

* الدكتور محمد زكي عبد البر: محقق أصولي وفقيه وقاضي؛ فهو من أبرز القانونيين الذين لهم باع طويل في مجال الدراسات القانونية المقارنة بالشريعة الإسلامية، حصل على درجة الدكتوراه في موضوع: "نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي"، وقام بالتدريس في العديد من الجامعات في الدول العربية، كما كان نائبًا لرئيس محكمة النقض المصرية. له العديد من المؤلفات منها: الحكم الشرعي والقاعدة القانونية (الكويت 1982م)، التصرفات والوقائع الشرعية (الكويت 1982م)، الربا وأكل المال بالباطل (الكويت 1982م)، تقنين الفقه الإسلامي (قطر 1982م)، أحكام العقود الناقلة للملك (قطر 1982م) ... الح (للمزيد من التفاصيل عن الدكتور محمد زكي عبد البر: موقع حوارات الشريعة والقانون، الدكتور محمد زكي عبد البر، أعلام وشخصيات، (http://hewarat.org/index.php/2023-09-21-15-44-57/item/959-2025-04-08-14-22-59).