1. تمهيد: القاعدة القانونية والقاعدة الخلقية:

إن مشكلة العلاقة بين القانون والأخلاق تعد إحدى المشكلات الفلسفية البالغة التعقيد، والتي يثور حولها جدل مستمر بين المشتغلين بالفلسفة، والمشتغلين بالقانون، وهذا الجدل يضرب بجذوره في الزمن إلى البدايات الأولى للفكر الفلسفي المعاصر، ولكنه اكتسب حيوية متجددة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، بوجه خاص، في ربع القرن الأخير، نتيجة توالي صدور قوانين تسبغ الإباحة الوضعية على أفعال كانت محلًا للتجريم، وكان تجريمها يجد سندًا له في تنافيها مع تعاليم الأخلاق، فلما انتصر –سياسيًا- مذهب القائلين بأن الدائرة التي يجب أن يحميها القانون بالتجريم والعقاب يمكن -بل يجب- ألا تتطابق والدائرة التي تظلها الأخلاق بمظلة الاستهجان، فقد تجريم تلك الأفعال سنده، وانتهى الأمر بها إلى الإباحة([1]).

ويتمثل أوضح تعبير عن رأي القائلين بضرورة الفصل بين دائرتي القانون والأخلاق -فيما يتصل بالحماية التي يسبغها القانون على القيم الخلقية- في العبارات الآتية:

  • "إن الغرض الوحيد الذي يجوز أن تستعمل من أجله القوة -بحق- ضد أي عضو في مجتمع متمدين، على الرغم من إرادته، هو منع الاضرار بالآخرين"([2]).
  • "إنه بينما تمثل قواعد الأخلاق الحد الأقصى للكمال، تمثل قواعد القانون حده الأدنى، وتمثل قواعد القانون الجنائي الشق الأساسي من هذا الحد الأدنى"([3]).
  • "ما لم تكن هناك محاولة متعمدة يقوم بها المجتمع، متخذًا من القانون أداة له، للتسوية بين دائرتي، الجريمة والمعصية، فإنه يجب أن يترك نطاق للأخلاق الخاصة، يكون فيه ما هو أخلاقي وما ليس كذلك أمرًا وراء دائرة عمل القانون"([4]).

وفكرة الفصل بين القيم الخلقية الشخصية، أو الخاصة، وبين الأخلاق العامة -PRI VATE MORALITY AND PUBLIC MORALITY.

هي الفكرة التي يقوم عليها إلى اليوم منهج التشريعات الجنائية الأوربية - والتشريعات المتأثرة بها خارج أوربا في إسباغ الحماية الجنائية، أو عدم إسباغها، على الأفعال المنافية لما توجبه قواعد الأخلاق من سلوك.

وعلى الرغم من شيوع هذا الاتجاه وغلبته تدريجيًا منذ الحرب العالمية الثانية، إلى أن بلغ مداه في أواسط الستينيات من هذا القرن الميلادي، فإن اتجاهًا آخر مضادًا له لا يزال يجد له أنصارًا في عديد من دول أوربا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ويرى أنصار هذا الاتجاه أن التفرقة بين ما يعد من القيم الخلقية شخصيًا، وما يعد عامًا، تفرقة مصطنعة، وأن القانون في أي مجتمع متحضر يجب أن يتدخل دائمًا ليشمل بحمايته القدر المتعارف عليه اجتماعيًا من القيم الخلقية، وذلك بتجريم السلوك المنافي لهذه القيم. وفرض العقاب الملائم عليه، وإنزاله بمرتكبه([5]).

 

  1. التشريع الإسلامي وحماية القيم الخلقية:

إنه إذا كان موقف جمهرة الفلاسفة والمشتغلين بالقانون -وعلى الأخص القانون الجنائي- هو ما قدمنا من القول بضرورة الفصل بين دائرتي القانون والأخلاق، بحيث لا يبسط الأول حمايته على شيء مما تهتم الثانية به، إلا على ما كان أساسًا بالمجتمع ممثلاً فعلًا ضارًا أو فعلًا خطرًا ذا طبيعة عامة، فإن المشتغلين بالنظام القانوني الإسلامي لا يستطيعون أن يتخذوا موقفًا مماثلًا. ذلك أن النظام القانوني الإسلامي يحفل إلى أبعد حد بحماية القيم الخلقية التي يجب أن تسود المجتمع الإسلامي، والتي يجب أن يلتزمها الأفراد فيه.

بل إنه إذا كان القائلون من القانونيين والمفكرين الغربيين بضرورة توسيع نطاق الحماية الجنائية لتشمل السلوك المنافي للقيم الخلقية بالتجريم والعقاب يعبرون عن هذه القيم بأنها "القدر المتعارف على قبوله من القيم الخلقية في المجتمع"، فإن الفكر القانوني الإسلامي يعبر عن موقف مختلف تمام الاختلاف يتمثل في شمول القاعدة الجنائية الإسلامية بحمايتها للقيم الخلقية التي يجب -في تشريع الاسلام- أن تسود المجتمع.

والفارق بين الموقفين أن الأول -موقف المفكرين الغربيين- يكتفي بحماية ما يرى المجتمع -عرفًا- حمايته من القيم الأخلاقية. وحين تتغير النظرة الاجتماعية إلى قيمة ما، أو مجموعة من القيم، فإنها تخرج من نطاق القيم المشمولة بالحماية القانونية، أو التي يجب أن تشمل بها.

أما الفكر القانوني الإسلامي فإنه يفرض -من خلال القواعد الدينية- مجموعة من القيم، تمثل النظام الخلقي، ويفرض الحماية الجنائية لهذا النظام كله، ليحمل المجتمع دائمًا على احترامه، بفرض العقاب على صور السلوك التي تمثل إخلالاً به.

ويبدو ذلك واضحًا في نظام التعزيز الذي هو نظام بمقتضاه يمتد سلطان القاعدة الجنائية الإسلامية ليشمل كل معصية -أي مخالفة لنظام القيم المقرر إسلاميًا- لا حد فيها -أي عقوبة مقررة من الشارع- ولا كفارة([6]).

وللتعزير أهمية خاصة في الفقه الجنائي الإسلامي إذ لا تتجاوز جرائم الحدود أربعًا -في أضيق الأقوال- وسبعًا -في أوسعها- ولا تتناول جرائم القصاص والدية سوى جرائم الاعتداء على الأشخاص بالقتل أو الجرح أو الضرب، ويأتي خارج إطار هذه الجرائم نظام التعزير الذي يتيح تجريم كل فعل مخالف للمصلحة الاجتماعية، أو مناف للقيم الإسلامية، ومن ثم فإن النصوص الإسلامية المحدودة العدد -أو المتناهية بتعبير الفقهاء- لا تقف حائلاً دون مراعاة المصالح غير المتناهية أو المتجددة.

 

  1. التشريع المصري وحماية القاعدة الخلقية:

لا يختلف موقف التشريع المصري من حماية القاعدة الخلقية بتقرير جزاء جنائي يلحق مرتكب السلوك المخالف لما توجبه عن موقف التشريعات الغربية، فلا يحمي القانون الجنائي المصري من القيم الخلقية إلا ما تعلق من مخالفة هذه القيم بالأخلاق العامة، أي أن العقوبة الجنائية التي تقررها بعض النصوص ذات الصلة بقواعد الأخلاق المقررة في المجتمع، لا تقررها لأن السلوك الذي تعاقب عليه منهي عنه خلقيًا، وإنما تقررها لأن في ممارستها بالطريقة التي يعاقب عليها النص -علانية مثلاً، أو في مكان معين كمنزل الزوجية- إخلال بمصلحة اجتماعية أخرى -غير حماية القاعدة الخلقية- تتمثل في الحياء العام، أو العلاقة الزوجية أو غير ذلك.

وهذا الموقف للمشرع المصري يتفق مع خطة المتابعة الدقيقة التي انتهجها التشريع الجنائي المصري للتشريعات الأوروبية وعلى الأخص للمدونة الفرنسية([7]). ولكنه لا يتلاءم مع التعديلات الدستورية التي تضمنها الدستور المصري لسنة ۱۹۷۱ م وتعديلاته. بل إنه ليس ببعيد أن يقال إن نصوص قانون العقوبات سنة ۱۹۳۷م -وهو القانون المعمول به إلى الآن- تتعارض مع الدستور في موقفه من القيم الأخلاقية، وهي في هذا الخصوص غير دستورية لتعارضها مع نص الدستور الخاص باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا، أو المصدر الرئيسي، للتشريع. ولأهمية هذه النصوص الدستورية، نفرد لها الفقرة التالية.

 

  1. الشريعة الإسلامية والقيم الخلقية في الدستور المصري:

ينص الدستور المصري في مادته الثانية على أن:

"الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

وتنص المادة التاسعة من الدستور نفسه على أن: "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية. وتحرص الدولة على الحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة المصرية وما يشتمل فيه من قيم وتقاليد، مع تأكيد هذا الطابع وتنميته في العلاقات داخل المجتمع المصري".

وتنص المادة الثانية عشرة من الدستور على أن: "يلتزم المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة، وعليه مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية والقيم الخلقية والوطنية، والتراث التاريخي للشعب، والحقائق العلمية، والسلوك الاشتراكي، والآداب العامة، وذلك في حدود القانون. وتلتزم الدولة باتباع هذه المبادئ والتمكين لها".

وبعض عبارات هذه النصوص ترديد لعبارات أصبحت تقليدية في الدساتير المصرية، مثل عبارات: "الإسلام دين الدولة"، و"الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية"، والتزام الدولة بالسلوك الاشتراكي ....

غير أن في عبارات هذه النصوص جديدًا ذا مضمون غير تقليدي يتعين الوقوف عنده وتقرير دور المشرع العادي إزاء ما أوجبه المشرع الدستوري بهذه النصوص([8]).

ومن ذلك: النص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، والنص على التزام المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها. فهذه النصوص موجهة في المقام الأول إلى المشرع المصري، توجب عليه النظر في التشريعات المصرية جملة وتعديلها في اتجاه توسيع دائرة حماية القيم الخلقية، إعمالًا للنصيين الدستوريين اللذين يقضيان باتباع مبادئ الشريعة الإسلامية وبالتزام المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها. فمبادئ الشريعة الإسلامية تشمل بالحماية الجنائية القواعد المكونة لنظام القيم الخلقية الإسلامية كافة، ولا معنى لالتزام المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها إلا أن تبسط تشريعاته جناح الحماية الجنائية على القيم الخلقية المرعية في المجتمع المصري([9]).

وفي ضوء هذه الحقيقة الدستورية يتعين علينا أن نقوِّم موقف المشرع المصري في علاجه للجرائم الخلقية الماسة بالأسرة.

 

  1. موضوع البحث ومنهجه:

تتضمن مدونة قانون العقوبات المصري عددًا من الجرائم المضرة بالأسرة، وحين قيدنا موضوع هذا البحث بالجرائم الخلقية الماسة بالأسرة، كان اتجاهنا منصرفًا إلى قصر نطاق البحث على الجرائم التي تعد اعتداء على التنظيم الاجتماعي للحياة الجنسية، أو ما يسميه الباحثون الغربيون: "الأخلاق الجنسية" SEXUAL MORALITY.

ويرمي التنظيم الاجتماعي للحياة الجنسية إلى تحقيق غرضين: هما توجيه الحياة الجنسية إلى غرضها الاجتماعي باعتبارها باعثًا على الزواج ثم على إنشاء الأسرة التي هي نواة المجتمع وأداته للبقاء والنماء، وتفادي شيوع الفوضى الجنسية التي تحمل معها الفساد الخلقي والانحلال الاجتماعي وما لا يحصى من الأمراض النفسية والبدنية([10])، وما حديث العالم كله عن انهيار المناعة لدى الشاذين جنسيًا ببعيد عن الأذهان، وهو ليس إلا إحدى النتائج التي عرفناها للمجتمع المتحرر، بل المتحلل: PERIMSSIVE SOCIETY.

وسوف نهتم في هذا البحث أيضًا بجرائم البغاء والدعارة من حيث هي ماسة بالأسرة مساسًا مباشرًا، ومن حيث هي انتهاك في صورة واضحة للقيم الخلقية الحاكمة في مجال الحياة الجنسية.

وليس في هذا التحديد لنطاق البحث أي ادعاء بأن غير هذه الجرائم لا تمس الأسرة، أو أنها ليست انتهاكًا لقيم خلقية، وإنما هو اختيار رمى إلى تحقيق غايات علمية بحتة، من أهمها تبين خطورة هذه الجرائم على كيان الأسرة، وإيضاح الفارق بين التنظيم القانوني في مصر والدول العربية لموضوع هذه الجرائم، وبين التنظيم الذي تفرضه الشريعة الإسلامية للموضوع نفسه، وأخيرًا التنبيه إلى الواجب الذي يتقاعس المشرع عنه حتى الآن، ذلك الواجب المتمثل في إسباغ المشروعية الوضعية على الأحكام القانونية الإسلامية الخاصة بالجرائم موضوع البحث -بل على الأحكام القانونية الإسلامية كافة- تنفيذًا للنصوص الدستورية الموجبة لذلك.

وتأسيسًا على ما تقدم فسوف نشير في هذا البحث إلى بعض الجرائم التي خصصت لها مدونة قانون العقوبات المصري الباب الرابع من الكتاب الثالث المعنون بـ "هتك العرض وإفساد الأخلاق" وإلى الجريمة المنصوص عليها في المادة ۳۰۸ من مدونة قانون العقوبات.

ولن تتعرض دراستنا هذه للتفاصيل التقليدية لهذه الجرائم وبيان أركانها وما تثبت به وما تنتفى، فموضوع ذلك الكتب الدراسية الجامعية المخصصة لدراسة القسم الخاص في قانون العقوبات. ولكننا سنكتفي بعرض النصوص القانونية الخاصة بكل جريمة لتستبين ماهية الفعل المعاقب عليه، وعلة التجريم أو المصلحة التي يحميها النص، ونشير إلى مدى شيوع الفعل المجرم في المجتمع المصري مستندين إلى أحدث إحصاء نشرته وزارة الداخلية سنة ۱٩٨٥، ثم نعرج على حكم هذه الجريمة في النظام القانوني الإسلامي، لنبين مدى التوافق أو التنافر بين الحكم الوضعي والحكم الشرعي، وبذلك تتحدد دعوتنا الموجهة إلى المشرع في تأكيد مواطن التوافق، والقضاء على صور التنافر بين الحكمين.

 

  1. جريمة الاغتصاب:

قرر المشرع المصري جريمة الاغتصاب بنص المادة (٢٦٧) من مدونة قانون العقوبات، وهو النص الذي يقضي بأن: "من واقع أنثى بغير رضاها يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. فإذا كان الفاعل من أصول المجنى عليها، أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها أو ممن لهم سلطة عليها أو كان خادمًا بالأجرة عندها، أو عند من تقدم ذكرهم يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة"([11]).

وتتضمن التشريعات الجنائية العربية نصوصًا مقاربة في مضمونها لنص القانون المصري سالف الذكر. فقانون العقوبات الليبي يجرم الاغتصاب (أو المواقعة) في المادة (٤٠٨) من ذلك القانون، ويخالف النص الليبي النص المصري في انطباقه على اللواط (إتيان الذكر للذكر) بينما لا ينطبق النص المصري إلا على إتيان الذكر للأنثى([12]). وقانون العقوبات القطري (قانون عقوبات قطر) ينص على الجريمة نفسها في مواده (۱۹۷) و(۱۹۸) و(۱۹۹)، ونصوصه كنص القانون المصري لا تتسع إلا لمواقعة الذكر للأنثى. ولا يعتبر رضاء الأنثى التي لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها رضاء صحيحًا في القانون، وفق نص المادة (۱۹۷) من قانون عقوبات قطر. وليس في النص المصري حكم مماثل، لذلك يميز الفقه بين رضاء الصغيرة غير المميزة، فلا يقيم له وزنًا في نفي قيام الجريمة، وبين رضاء الصغيرة المميزة ومع وجوده ينتفي الاغتصاب، وتقتصر مسؤولية الجاني على هتك عرض غير مصحوب بقوة أو تهديد، إذا لم تكن المجني عليها قد أتمت الثامنة عشرة من عمرها([13]). على أن جانبًا من الفقه المصري يرى ضرورة التفرقة بين رضاء الصغيرة المميزة ذات الخبرة التي تمكنها من تقدير خطورة الفعل الذي تقدم عليه، ورضاء الصغيرة التي لا خبرة لها، ولا تستطيع تقدير أثر الفعل الذي تقدم عليه على سمعتها ومستقبلها، فيكون رضاء الأولى نافيًا لفعل الاغتصاب بينما لا يكون رضاء الثانية كذلك([14]). ويعاقب المشرع البحريني على الاغتصاب بموجب أحكام المادتين (١٥٣) و(١٥٤) من قانون عقوبات البحرين لسنة ١٩٥٥م.

ولا عبرة في القانون البحريني برضاء من لم تبلغ الرابعة عشرة من عمرها، فإن كانت المجني عليها بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة اقتصر أثر رضاها على النزول بالعقوبة من الحبس مدة لا تتجاوز أربع عشرة سنة إلى الحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وبعقوبة الغرامة من حد أقصى مقداره عشرة آلاف روبية إلى حد أقصى مقداره ثلاثة آلاف روبية. ولا يتسع النص البحريني لغير مواقعة الأنثى، شأن النصين المصري والقطري.

ويتضمن قانون الجزاء الكويتي نصوصًا تجرم الاغتصاب هي نصوص المواد (١٨٦) و(۱۸۷) و(۱۸۸). ويقتصر مجال إعمال هذه النصوص على الحالات التي يكون المجني عليه فيها أنثى، شأن التشريع المصري، ولا يعتد المشرع الكويتي برضاء من لم تبلغ التاسعة من عمرها، فإن بلغت التاسعة ولم تبلغ الثامنة عشرة كان تأثير رضاها مقتصرًا على تخفيض الحد الأقصى لعقوبة الحبس من خمس عشرة سنة إلى سبع سنوات، ولعقوبة الغرامة من خمس عشرة ألف روبية إلى سبعة آلاف روبية.

ويذهب القانون العراقي إلى التسوية بين اغتصاب الأنثى واغتصاب الذكر، فيقضي نص المادة (393/1) من قانون العقوبات العراقي رقم (۱۱۱) لسنة ١٩٦٩ بأن "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس عشرة سنة كل من واقع أنثى بغير رضاها أو لاط بذكر أو أنثى بغير رضاه أو رضاها".

ولا عبرة في القانون العراقي برضاء من لم يتم الخامسة عشرة من عمره في نفي الجريمة، وإنما يقتصر أثر هذا الرضا على النزول بالحد الأقصى لعقوبة السجن من خمس عشرة سنة إلى عشر سنين، وإلى سبع سنين إذا كان عمره فوق الخامسة عشرة ودون الثامنة عشرة (م / ٣٩٤). وينص الفصل رقم (٤٨٦) من القانون الجنائي المغربي على أن: "الاغتصاب هو مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها، ويعاقب عليه بالسجن من خمس إلى عشر سنوات.

فإن كانت سن المجنى عليها تقل عن خمسة عشر عامًا، فإن العقوبة هي السجن من عشر سنين إلى عشرين سنة".

وتتضمن قوانين البحرين وقطر والمغرب والكويت نصوصًا خاصة بالعقاب على الشذوذ الجنسي. (م / ١٦٩ بحريني، وم / ۲۰۰ قطري، وف / ٤٨٩ مغربي، وم / 193كويتي).

 

  1. علة التجريم أو المصلحة المحمية:

من المتفق عليه أن النص الجنائي قد يشمل بالحماية الجنائية مصلحة واحدة، وقد يشمل بها مصالح متعددة([15]). ومن أمثلة النصوص الجنائية التي تحمي مصالح متعددة نص المادة (٢٦٧) عقوبات مصري، فعلة التجريم هنا هي الاعتداء على العرض، وهذه العلة تضمنت عددًا من المصالح التي يحميها النص الجنائي بتقرير العقاب: ففي الجريمة اعتداء على الحرية العامة للمجني عليها، وفيها اعتداء على حصانة جسمها، وهي قد تضر بصحتها النفسية أو العقلية، وهي اعتداء على شرفها، وقد يكون من شأنها تقليل فرص الزواج أمامها -إن لم تكن متزوجة- أو المساس باستقرارها العائلي -إن كانت متزوجة- وقد تفرض عليها أمومة غير شرعية فتصيبها بأضرار مادية ومعنوية([16]).

واشتراط النص أن يكون ارتكاب الفعل المكون للجريمة بغير رضاء المجني عليها لا يعني أن يكون الفعل مصحوبًا دائمًا بإكراه مادي أو معنوي، بل إن حالات ارتكاب الجريمة تتسع لتشمل جميع حالات الاتصال الجنسي بغير رضاء صحيح من المرأة، والرضا غير الصحيح هو الرضا غير المعتبر قانونًا، وهو يشمل رضاء المرأة فاقدة التمييز، والرضاء الصادر تحت تأثير غلط أو تدليس، ويشمل الفعل المجرم كذلك حالة ارتكابه على أنثى عاجزة عن التعبير عن إرادتها قبولاً للموقعة أو رفضًا لها([17]).

 

  1. جرائم الاغتصاب في الاحصاءات الجنائية:

في تقرير الأمن العام الذي أصدرته وزارة الداخلية في أبريل ١٩٨٥ متضمنًا الإحصاءات الجنائية لعام ۱٩٨٤ تندمج جرائم الاغتصاب وجرائم هتك العرض بوجه عام تحت بيان إحصائي واحد. وبمطالعة هذا التقرير نتبين أن جنايات الاغتصاب وهتك العرض المبلغ بها كانت سنة ١٩٨٣م مائة وإحدى وستين جناية، وارتفعت في سنة ١٩٨٤م إلى مائة وتسع وثمانين جناية بزيادة مئوية مقدار ١٧٪ في عام واحد. وكان نصيب مدينة القاهرة من الجنايات (٤٢) جناية، ونصيب مدينة الاسكندرية (۲۷) جناية([18]).

وإدماج جنايات الاغتصاب في بيان إحصائي واحد مع جنايات هتك العرض -على الرغم من التمييز التشريعي بينهما- من شأنه أن يضيف إلى الغموض الإحصائي الذي تشتهر به هذه الجرائم غموضًا آخر. ويرجع هذا الغموض إلى أن ما يصل إلى علم السلطة العامة من هذه الجرائم يقل كثيرًا عن عدد، ما يرتكب منها فعلاً. ويرد بعض الباحثين ذلك إلى الرغبة في التستر وتجنب الفضيحة وخوف المجني عليها من ظهور دورها فيما وقع من جرم([19]).

وذلك الغموض العددي أو الإحصائي له -على خلاف العادة- دلالة موجبة لا سالبة، لأنه ناتج عن زيادة عدد الجرائم التي ترتكب في الواقع عن تلك التي يبلغ ذوو الشأن فيها السلطة العامة، وتظهر من ثم في البيانات الإحصائية. فإذا أضفنا إلى البيانات الإحصائية التي قدمناها أن نسبة جنايات الاغتصاب وهتك العرض بلغت عام ١٩٨٣م ١٠,٥٪، من مجموع الجنايات المرتكبة، وكانت عام ١٩٤٥ لا تجاوز ۳,۱۱٪([20]) من مجموع الجنايات، وأن نسبة زيادتها في مدينة القاهرة وحدها كانت 50٪ عام ١٩٨٤ مقارنًا بعام ۱۹۸۳ وفي مدينة الإسكندرية كانت نسبة الزيادة ۱۷٪([21]) إذا أضفنا ذلك إلى البيانات الإحصائية السابقة استطعنا أن ندرك أن هذه الجرائم في ازدياد مطرد -منسوبة إلى العدد الإجمالي للجرائم المبلغ عنها- وهو ما يقتضي، بالإضافة إلى الأسباب الأخرى، النظر في تقويم سياسة المشرع المصري في تجريم الاغتصاب، بل في تجريم أفعال العدوان على الأعراض بشكل عام. وذلك ما سوف نحاوله في ختام هذه الدراسة بعد استعراض الجرائم الأخرى الماسة بالأسرة والمتضمنة انتهاكًا للأخلاق.

 

  1. هتك العرض:

عُرف هتك العرض بأنه الإخلال العمدي الجسيم بحياء المجني عليه بفعل يرتكب على جسمه ويمس في الغالب عورة فيه([22]).

وفي القانون المصري نصان مخصصان لهتك العرض، أولهما هو نص المادة (٢٦٨) من مدونة قانون العقوبات وهو خاص بجناية هتك العرض بالقوة أو التهديد، والثاني هو نص المادة (٢٦٩) الخاص بهتك عرض الصغير الذي لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر دون قوة أو تهديد (وهذه جنحة) أو هتك عرض من لم يبلغ السابعة من عمره وهتك العرض الواقع من أصول المجني عليه أو المتولين تربيته أو ملاحظته أو ممن لهم سلطة عليه أو من خادم عند المجني عليه أو عند واحد من هؤلاء، (والجريمة في هذين الفرضين جناية).

ويكفي لقيام جريمة هتك العرض وقوع فعل يمس بصورة ما جسم المجني عليه وينطوي على إخلال جسيم بحيائه، ولا عبرة بشخص المجني عليه، فقد يكون رجلاً أو امرأة، وكذلك الجاني في هتك العرض قد يكون رجلاً وقد يكون امرأة.

وهذان الأمران يميزان هتك العرض عن الاغتصاب، ففي الاغتصاب لا تقع الجريمة (وفق النص المصري) إلا من رجل على أنثى، ولابد لتمامها من اكتمال الاتصال الجنسي غير المشروع، وكلا الأمرين لا يشترط في هتك العرض([23]).

وتعاقب التشريعات العربية على هتك العرض في خطة قريبة من خطة المشرع المصري، فيخصص المشرع الكويتي لذلك المادتين (۱۹۱) و(۱۹۲) من قانون الجزاء (١٩٦٠)، ويخصص المشرع العراقي لهتك العرض المادتين (٣٩٦) و(٣٩٧) من قانون العقوبات (١٩٦٩)، ويعاقب المشرع القطري على هتك العرض (يسميه ارتكاب فعل فاحش على جسم شخص) بموجب المادة (۲۰۲) من قانون عقوبات قطر، ويعاقب المشرع المغربي على هتك العرض بمقتضى الفصلين (٤٨٤) و(٤٨٥) من قانون العقوبات المغربي.

 

  1. علة التجريم في هتك العرض:

يحمي المشرع بالعقاب على هتك العرض حقٌّ المجني عليه في اختيار الطرف الذي يشاركه متعته الجنسية، وهو ما يعبر جانب من الفقه المصري عنه (بالحرية الجنسية)([24]) ذلك أن الفعل المخل بالحياء على نحو جسيم (وهو ما تقوم به جريمة هتك العرض) ليس إلا تمهيدًا لاتصال جنسي (في المجرى المعتاد للأمور) وهو اتصال لا يرغب فيه المجني عليه، أو هو لا يعارضه ولكن عدم اعتراضه عليه أو رضاءه به غير معتبر قانونًا لصغر سنه. وتنطوي جريمة هتك العرض بالإضافة إلى ذلك على مساس بالشرف، وبحق المجني عليه في حصانة الجسم، وحقه في الحرية بصفة عامة([25]).

  1. هتك العرض في الاحصاءات الجنائية:

سبق أن بينا تداخل جنايات هتك العرض وجنايات الاغتصاب في بيان إحصائي واحد، الأمر الذي زاد -على ما بينا- من الغموض الإحصائي الذي يكتنف المعلومات الخاصة بهذا النوع من الجرائم. وهذا الغموض يصدق أيضًا على جرائم هتك العرض التي تعتبر جنحًا وفقًا للمادة ٢٦٩ من قانون العقوبات بل إن الغموض قد يكون هنا أشد لحرص العائلات في العادة على عدم الإبلاغ عما يتعرض الصغار له من أفعال مخلة بالحياء تجنبًا لشيوع قالة السوء عن الصغيرة أو الصغير، وخشية امتدادها إلى سمعته في كبره، بل إلى سمعة الأسرة كلها.

وعلى الرغم من ذلك فإن الإحصاءات المنشورة عن السنتين الآخرتين ١٩٨٣ و١٩٨٤ تبين أن جنح هتك العرض المبلغ بها قد زادت بنسبة ١٠٪ خلال عام واحد.

وبالإضافة إلى الأثر غير المنكور الذي يحدثه وقوع هذه الجرائم على أسرة المجني عليه، وعلى أسرة الجاني، من حيث شعور الأسرة الأولى بفقدان الأمن وانعدام الثقة في الآخرين وانهيار الأخلاق في المجتمع، وما يتبع ذلك من توخي جانب المبالغة في الحرص والحذر، والتضييق من مجالات العلاقات خارج الأسرة، مما قد يستتبع انطواء غير محمود، مصحوبًا بخوف وترقب لدى الصغار المنتمين إليها. ومن حيث شعور الأسرة الثانية بغصة الازدراء والاحتقار اللذين يواجه المجتمع بهما مرتكب هذه الجريمة، وقد يبلغ الأمر حد التعيير بذلك بين الجيران والمعارف، وآثار ذلك على الصحة النفسية وعلى السمعة التي تشيع عن الأسرة لا تخفى؛ -بالإضافة إلى هذه الآثار- تبين لنا الإحصاءات مدى مساس هذه الجرائم بالأسرة حين نتبين أن عدد من وقعت عليهم جنايات هتك العرض ممن لم يتموا ثماني عشرة سنة كان في مدينة القاهرة وحدها عام ۱۹۸٤ ثمانية وعشرين شخصًا من أصل (٤٣) هو عدد المجني عليهم في جنايات هتك العرض بها، وكان في مدينة الإسكندرية عشرين شخصًا من أصل (۲۷) مجني عليه. وأن عدد المتزوجين من المجني عليهم كان (۱۷) شخصًا في مدينة القاهرة، وكان (٥) أشخاص في مدينة الإسكندرية، فإذا استبعدنا من لم يتموا الثامنة عشرة من العمر وجدنا أن من جاوزها من المجني عليهم كانوا جميعًا في مدينة القاهرة من المتزوجين وكان ۷۱٫٥٪ منهم في الإسكندرية من المتزوجين([26]).

 

  1. زنـا الأزواج:

يعاقب القانون المصري على الزنا الذي يرتكبه أحد الزوجين حال قيام الزوجية بينهما. وقد خصصت مدونة قانون العقوبات لهذه الجريمة المواد ۲۷۳ و٢٧٤ و٢٧٥ و٢٧٦ و٢٧٧.

وتنطبق هذه النصوص بجريمتين لا بجريمة واحدة: فزنا الزوجة جريمة أيًا كان المكان الذي ارتكب فيه، أما زنا الزوج فقد تطلب المشرع ركنًا خاصًا لا تقوم الجريمة دونه: هو ارتكاب الفعل المكون لجريمة الزنا في منزل الزوجية.

وجريمتا الزنا تقعان في نطاق جرائم الجنح إذ يعاقب عليهما بالحبس. على أن المشرع يميز بين الجريمتين في العقوبة، بعد أن غاير بينهما في الأركان، فعقوبة الزوجة الزانية الحبس سنتين، وعقوبة الزوج الزاني الحبس ستة شهور. ومهما قيل في تسويغ هذه التفرقة، فهي لا تقوم في نظرنا على أساس مقنع بل لعل الزوج الذي يزني في منزل الزوجية أجدر بتشديد العقاب عليه من الزوجة التي تزني في غير منزل الزوجية([27]).

ويفرق المشرع كذلك بين الجريمتين إذ يتيح للزوج العفو عن جرم زوجته الزانية في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو بعد الحكم عليها نهائيًا بالإدانة، بينما يقتصر حق الزوجة في ذلك على العفو قبل صدور حكم نهائي بالإدانة. (م / ٢٧٤).

ومن ناحية أخرى فإن المشرع يمنع من سماع دعوى الزوج إذا كان قد سبق له ارتكاب جريمة الزنى في منزل الزوجية (م /٢٧٣).

وأخيرًا فإن الزوج الذي يفاجئ زوجته متلبسة بالزنى فيقتلها هي ومن تزني معه يعاقب بالحبس بدلاً من العقوبات المقررة في القانون للقتل العمد (م / ۲۳۷).

وقد جرمت القوانين العربية زنا الأزواج، إذ شددت العقوبة عليه عما قدره المشرع المصري.

وقد عالج هذه الجريمة المشرع العراقي في المواد ۳۷۷ - ۳۸۰ من قانون العقوبات (١٩٦٩)، وعالجها المشرع الكويتي في المواد 195 - ۱۹۷ من قانون الجزاء (١٩٦٠)، وعالجها المشرع القطري في المواد ٢١١ - ٢١٤ من قانون عقوبات قطر، وعالجها المشرع المغربي في الفصول ٤٩١ - ٤٩٣ من قانون العقوبات.

 

  1. علة التجريم في زنا الأزواج:

يحمي المشرع بالعقاب على زنا الأزواج العلاقة الزوجية باعتبارها الطريق الذي شرعه القانون لتنظيم إنشاء الأسرة، وهي نواة المجتمع كله. فالحماية الجنائية موجهة في الواقع إلى الأسرة باعتبارها تنظيمًا قانونيًا لا باعتبارها علاقة شخصية بين طرفين هما الزوج والزوجة.

ويقوم موقف الشارع المصري في قصر العقاب على الزنا الذي يرتكبه شخص متزوج على أساس من نظرته إلى العلاقات الجنسية التي اعتبر الأصل فيها الإباحة ما دامت تتم بالرضا بين أشخاص بالغين.

ففي ضوء هذه النظرة لا تعد العلاقة بين غير المتزوجين علاقة يعاقب عليها القانون، بل إن العلاقة بين رجل متزوج وامرأة غير متزوجة إذا تم الاتصال الجنسي فيها خارج منزل الزوجية لا تعد زنا مجرمًا وفق نصوص القانون المصري.

ولا شك أن هذه النظرة، وما ترتب عليها من أحكام تعتبر من أكثر الأسباب إثارة للانتقاد الموجه إلى المشرع المصري في علاجه للجرائم الماسة بالأسرة. وسيأتي مزيد بيان لذلك بعد قليل.

وتمضي جل التشريعات العربية في مجموعها في خطة مباينة أساسًا لخطة التشريع المصري إذ تعتبر العلاقة الجنسية خارج إطار عقد الزواج علاقة غير مشروعة توجب العقاب، فمن ذلك نص الفصل رقم (٤٩٠) من قانون العقوبات المغربي: " كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تُكَوّن جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة".

ونص المادة (۲۱۲) من قانون عقوبات قطر: " كل من واقع امرأة غير زوجته، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على ألفي ريال أو بالعقوبتين معًا".

"فإذا كان الجاني متزوجًا، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز خمس سنين". والمشرع القطري يشترط في الإثبات شهادة أربعة شهود عدول، فهو يستعير نظام الإثبات المتشدّد المقرر في الشريعة الإسلامية لتوقيع عقوبة لا تقاس من أي وجه بالعقوبة المقررة في تلك الشريعة، وهذا الحكم يقتضي إعادة النظر في النص القطري..

ونص المادة (١٩٤) من قانون الجزاء الكويتي، وهو يشترط ضبط الجاني حال تلبسه بارتكاب الجريمة([28]).

 

  1. زنـا الأزواج في الاحصاءات الجنائية:

إن كل ما سبق بيانه عن غموض الأرقام الإحصائية لجرائم الاغتصاب وهتك العرض ينطبق بصورة أكبر على جرائم زنا الأزواج. فالرغبة في الستر وتجنب الفضيحة وتجنيب الأولاد وعائلتي الزوجين مغبتها أقوى وأفعل في جرائم الزنا منها في جرائم الاغتصاب وهتك العرض.

والغالب أن تنتهي هذه الجرائم بانفصال الزوجين دون أن يبلغ عنها، أو بصفح أحدهما عن الطرف الآخر رغبة في الإبقاء على رابطة الزوجية، وحماية للأولاد، وحفاظًا على كيان الأسرة من الانهيار.

وتبين الإحصاءات المنشورة سنة ۱۹۸٥ أن عدد جرائم زنا الأزواج المبلغة إلى الشرطة عام ۱۹۸۳ كان (١٣٤) جريمة، وأصبح سنة ۱۹۸٤ (۱۲۸) جريمة بنقص مقداره ٤٪.

 

  1. جرائم البغاء([29]):

يعالج القانون المصري جرائم البغاء بنصوص القرار بقانون رقم ١٠ لسنة ١٩٦١.

ولا يبدو مساس جرائم البغاء بالأسرة إلا بمراجعة الإحصاءات الجنائية التي بينت في دراسة أجراها المدير العام السابق للمنظمة العربية للدفاع الاجتماعي([30]) ضد الجريمة، وقام بعمليات البحث فيها وأشرف على فريق العمل الذي نفذها مدير معهد تدريب ضباط الشرطة([31])، حول إجرام النساء، الحقائق الآتية:

  • ٤٥٪ من العينة التي شملتها الدراسة (ممن يمارسن البغاء) سنهن بين ١٦ سنة و١٨ سنة. والسبب الرئيسي لانحرافهن هو غياب العائل أغلب فترات اليوم عن المنزل أو طلاق الأم أو انفصال الأب عنها.
  • ٤٥٪ من المنحرفات متزوجات.
  • ٨٥,٣٤٪ من المنحرفات غير متمسكات بالقيم الدينية.
  • ٣٨,٥٧٪ من المنحرفات حكم عليهن بعقوبة الحبس لمدة ستة أشهر أو أقل.
  • وأخيرًا تبين تلك الدراسة أن ٧٦,٣٦٪ من المنحرفات لا ينوين التوبة عن سلوك طريق الرذيلة.

وتبين إحصاءات وزارة الداخلية لعام ١٩٨٤ أن هناك ۱۱۳ جنحة اتجار بالبغاء واستغلاله، و٦٠٨ جنحة ممارسة للبغاء على سبيل الاعتياد، وأن نسبة ما ضبط من بيوت البغاء في محافظتي القاهرة والإسكندرية إلى مجموع القضايا في المحافظات كافة كانت ٥١٪.

ولا تحتاج دلالة هذه الإحصاءات في خطورتها على الوضع الخلقي العام، وفي تأثيرها على الأسرة إلى بيان كبير. كما أنه من الضروري التنبيه إلى أن جميع هذه الجرائم لا يظهر فيها الرجل إذ التجريم مقتصر على المرأة التي تمارس البغاء أو تحترفه، لا يمكن الجزم بعدد الرجال المتزوجين الذين يقبلون على ممارسة الزنا مع البغايا المحترفات.

 

  1. الطعن في الأعراض وخدش سمعة العائلات:

تنص المادة ۳۰۸ من قانون العقوبات على أنه: "إذا تضمن العيب أو الإهانة أو القذف أو السب الذي ارتكب بإحدى الطرق المبينة في المادة ۱۷۱ طعنًا في عرض الأفراد أو خدشًا لسمعة العائلات يعاقب بالحبس والغرامة معًا في الحدود المبينة في المواد ۱۷۹ و۱۸۱ و۱۸۲ و٣٠۳ و٣٠٦ و٣٠٧ على ألا تقل الغرامة في حالة النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات عن نصف الحد الأقصى ولا يقل الحبس عن ستة شهور".

وقد قضت محكمة النقض في حكم قديم لها بأن "الطعن في أعراض العائلات معناه رمي المحصنات أو غير المحصنات من النساء مباشرة أو غير مباشرة بما يفيد أن أولئك النسوة يفرطن في أعراضهن، أي يبذلن مواضع عفتهن بذلاً محرمًا شرعًا أو يأتين أمورًا دون بذل موضع العفة ولكنها مخالفة للآداب مخالفة تنم عن استعدادهن لبذل أنفسهن عند الاقتضاء وتثير في أذهان الجمهور هذا المعنى الممقوت..."([32]).

وقد استقر في الفقه والقضاء، بناء على هذا الحكم والأحكام المماثلة، أن المقصود من الطعن في العرض هو رمي المجني عليه رجلاً كان أو امرأة بما يفيد أنه يفرط في عرضه، أما خدش سمعة العائلات فيشمل كل ما يمس شرفها أو كرامتها سواء أكان ذلك موجهًا إلى شخص معين أم غير موجه إلى شخص معين منها. وسواء أكان متصلاً بالعرض أم لم یكن([33]).

وهذه الجريمة بالمعنى الذي استقر عليه الفقه والقضاء المصري للطعن في الأعراض ليست سوى جريمة القذف التي عرفتها الشريعة الإسلامية بأنها: رمي المحصن بالزنا أو نفى نسبه من أبيه([34]). وقد فرضت الشريعة الإسلامية لهذه الجريمة عقوبة من عقوبات الحدود ومنعت قول شهادة القاذف وجعلته بنص القرآن في عداد الفاسقين.

والجريمة المنصوص عليها في المادة ۳۰۸ من قانون العقوبات تمس الأسرة بنص القانون ذاته، والعقوبة المقررة لها وهي صورة من صور تشديد العقاب على جريمة القذف المقررة بنص المادة ۳۰۲ و۳۰۳ من قانون العقوبات. ويأخذ التشديد صورة وجوب الحكم بالحبس والغرامة معًا، فلا يجوز للمحكمة أن تقضى بإحدى العقوبتين دون الأخرى، فإذا كان ارتكاب الجريمة قد وقع بطريق النشر في الصحف أو ما في حكمها فإن المحكمة تلتزم بألا تقل الغرامة عن نصف الحد الأقصى لها وألا يقل الحبس عن ستة شهور. وهذا تشديد زائد يتمثل في رفع الحد الأدنى للعقوبة.

 

  1. ملاحظات ختامية:

تناولنا فيما سبق من فقرات هذه الدراسة الجرائم الخلقية الماسة بكيان الأسرة أو استقرارها أو سمعتها، مما نص على عقابه المشرع المصري في قانون العقوبات وفي قانون مكافحة الدعارة، وما نص عليه في بعض التشريعات العربية، ونأتي إلى مرحلة إبداء ملاحظاتنا على هذه الجرائم، أو بعبارة أدق على منهج الشارع في التجريم والعقاب فيما يتصل بمدى تحقيقه الحماية الواجبة للأسرة في مواجهة ما قد يعصف بها، أو يؤثر على استقرارها وأمنها، من أفعال منافية للقيم الخلقية. ونظرًا لتنوع هذه الملاحظات فإننا نفرد لكل منها فقرة مستقلة.

 

  1. السياسة التشريعية:

جنح المشرع المصري في معالجته للجرائم الخلقية الماسة بالأسرة -بالمعنى الذي حددناه لها في مطلع هذه الدراسة- إلى اتجاه أساسه الاعتراف للأفراد بالحرية الجنسية، فجعل ممارسة هذه الحرية نوعًا من النشاط المشروع -بحسب الأصل- لا تشترط لإباحته صلة قانونية من أي نوع بين أطراف العلاقة الجنسية، ولا فرق في ذلك بين الأفعال المتنوعة التي يعد أي منها نشاطًا جنسيًا. ومن ثم فإن نطاق التجريم ينحصر في ظل القانون المصري في الأفعال التي تعد اعتداء على الحرية الجنسية، وهي الأفعال التي ترتكب دون رضاء صحيح قانونًا من المجني عليه، أو التي تعد اعتداء على تنظيم إجماعي أو على الحقوق التي يرتبها هذا التنظيم لأطراف العلاقات التي تحكمها قواعده القانونية([35]).

وهكذا لا يتجه المشرع المصري إلى حماية العلاقات الجنسية من أي ممارسة غير مشروعة، وانما يقصر حمايته لهذه العلاقات على منع الممارسات غير المشروعة التي تتم ضد إرادة المجني عليه أو دون أرادته([36]).

ولنا على هذه الخطة التشريعية مآخذ نجملها فيما يلي:

 

19/1. مجافاة العرف الاجتماعي:

إن المجتمع المصري بطبيعته مجتمع متدين، يلتزم أفراده -عادة- بجوهر تعاليم الأديان، ويحرصون على ممارسة شعائرهم، حتى وإن خالفوا في ظاهر مسلكهم بعض الأوامر الدينية. أو أتوا بعض المناهي.

والأخلاق الفاضلة أهم مصادرها الدين، وليس هناك دين يبيح لأتباعه كل نوع من العلاقات الجنسية ما دام الفعل المكون لهذه العلاقات يتم بين شخصين بالغين راضيين.

من هنا فإن المشرع المصري، منذ صدرت أولى مدونات قانون العقوبات، قد خالف العرف الاجتماعي حين اتخذ الخطة التي أسلفنا بيانها في معالجته للجرائم الخلقية الماسة بالأسرة. فلا زالت جميع أشكال العلاقة الجنسية خارج إطار عقد الزواج تلقى استهجان المجتمع المصري بوجه عام، ولازال هذا المجتمع يعتبر الحفاظ على الفضيلة مقومًا أساسيًا من مقوماته.

فإذا انتقلنا من العموم إلى الخصوص، وجدنا مجتمعنا يدين القسم الأكبر من أبنائه بالإسلام الذي توزن فيه الأعمال والتصرفات كافة بميزان الأخلاق قبل أي ميزان آخر([37])، والذي يقوم نظامه القانوني قبل كل شيء على إقرار الأخلاق الفاضلة ومنع الممارسات المنافية لها، حتى ليقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم حسن الأخلاق"([38]).

وحجر الزاوية في التنظيم الاجتماعي الإسلامي هو نظام الأسرة، وأحكام الإسلام الاجتماعية تقوم على حياطة هذا النظام بأقوى سياج ممكن من عوامل الاستقرار والطمأنينة.

فكيف ساغ للمشروع المصري، وهذه المعاني كلها قائمة عند وضع نصوص قانون العقوبات، ولا تزال قائمة حتى اليوم، أن يبني خطته في معالجة الجرائم الخلقية الماسة بالأسرة على نحو ما بيناه من جعله أساسها حرية العلاقات الجنسية؟ إننا نقرر بكل اطمئنان أن هذا لم يكن إلا أثرًا من آثار التقليد غير الواعي للغرب المستعمر أو المسيطر. وهو أثر تخلصت منه التشريعات الجنائية التي صدرت في دول عربية بعد التشريع المصري (كالمغرب والكويت وقطر وغيرها، وإن كان هذا التخلص ما زال جزئيًا) ويجب على المشرع -في تقديرنا- أن يبادر إلى الاقتداء بها في تغيير أساس خطته التشريعية سالفة البيان إلى أساس متسق مع العرف الاجتماعي المصري.

 

19/2- عدم الاستجابة للتعديلات الدستورية:

نقلنا في صدر هذه الدراسة نصوص المواد ۲ و۹ و۱۲ من الدستور المصري الصادر سنة ۱۹۷۱، وهي النصوص التي تجعل مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وتوجب على الدولة رعاية الأخلاق وحمايتها والتمكين لها وتجعل أساس المجتمع الأسرة، وتحدد قوام الأسرة بالدين والأخلاق والوطنية.

ولئن كان مسلك المشرع المصري في علاج الجرائم محل البحث هنا قبل صدور هذا الدستور مجافيًا للواقع الاجتماعي، مجافاة كان يتعين ألا تقع أصلاً، إلا إنه الآن يمثل تحديًا للنصوص الدستورية سالفة الذكر يتيح لأي ذي مصلحة الطعن بعدم دستورية نصوص قانون العقوبات لمخالفتها للنصوص الدستورية([39]). وإذا كانت المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بجلسة 4/5/١٩٨٥ في القضية رقم ۲۰ لسنة قضائية دستورية (الجريدة الرسمية العدد ٢٠ في ٢٦ شعبان ١٤٠٥ الموافق ١٦ مايو 1985) قد حصَّنت القوانين السابقة في الصدور على الدستور من الطعن فيها بعدم الدستورية للأسباب التي تضمنها حكمها، فإنها قررت في الحكم نفسه أن ذلك "لا يعفي المشرع من تبعة الإبقاء على التشريعات السابقة رغم ما قد يشوبها من تعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وإنما يلقي على عاتقه من الناحية السياسية مسئولية المبادرة إلى تنقية هذه التشريعات من أية مخالفة للمبادئ سالفة الذكر، تحقيقًا للاتساق بينها وبين التشريعات اللاحقة في وجوب اتفاقها جميعًا مع هذه المبادئ وعدم الخروج عليها".

ولا شك أن هذا التدخل المطلوب يكون أوجب إذا أضيف إلى مخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية -كما هو الحال هنا- مخالفة العرف الاجتماعي ومجافاته. إذ يخرج القانون الجنائي في هذه الحالة عن كونه حارسًا للقيم الاجتماعية مانعًا من الخروج عليها، إلى كونه فارضًا قيمًا لا علاقة للمجتمع بها، بل تأباها قواعد العلاقات الاجتماعية السائدة فيه.

ولا يُرَدُ على هذا النظر بالاستمساك بنص المادة ٤١ من الدستور الذي يقضي بأن: "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس ...." لأن الحرية المرادة هنا -بدليل مورد النصر وسياقه- هي الحرية السياسية في مواجهة السلطة، لا الحرية الاجتماعية أو الخلقية أو غيرها في مواجهة مبادئ الدين، ولا الحرية في مواجهة قواعد العرف الاجتماعي المقبول.

 

  1. الأحكام التفصيلية:

لقد قادنا النظر في الأحكام التفصيلية التي تضمنتها نصوص قانون العقوبات المصري للعقاب على الجرائم الخلقية الماسة بالأسرة في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية إلى إثبات الملاحظات الآتية على تلك الأحكام:

أولاً: فيما يخص جريمتي الاغتصاب وهتك العرض بالقوة أو التهديد:

إن جريمة الاغتصاب وجريمة هتك العرض بالقوة أو التهديد المنصوص عليها في المادتين ٢٦٧ و٢٦٨ من قانون العقوبات المصري تقعان داخل إطار النموذج القانوني لجريمة الحرابة في النظام الجنائي الإسلامي، فهذه الجريمة تقع من كل من استعمل القوة -فردًا كان أم جماعة- لقطع طرق المواصلات بين المدن والقرى، أو الاعتداء على أموال الناس أو أرواحهم أو أعراضهم أو ظهار سطوته واستخفافه بسلطان الدولة وسلطاتها([40]).

بل إن نصوص الفقه الإسلامي لتتسع لتشمل بالعقاب المقرر للحرابة في القرآن الكريم كل من استعمل الحيلة أو الخديعة، أو التهديد أو استعان بسقي المجني عليه -أو عليها- مادة منومة أو مخدرة([41]).

وتأسيسًا على ذلك نص المشروع المعدل لقانون العقوبات في الكويت على أنه:

"يعد مرتكبًا لجريمة الحرابة كل من أرهب الناس داخل المصر أو خارجه مع عدم إمكان الغوث، سواء كان ذلك بقصد الاعتداء على المال أو العرض أو النفس، أو لمجرد إظهار سطوته. ويستوي في ذلك أن يكون المحارب فردًا أو أكثر".

وعلى الرأي الفقهي القائل بأن الحاكم -الإمام أو القاضي- مخير بين عقوبات الحرابة يوقع أيها شاء([42]) فإنه لا تثريب على المشرع أن هو قرر الإعدام عقابًا على الاغتصاب وهتك العرض بالقوة أو التهديد، سواء قرره عقابًا وحيدًا، أم خير القاضي بينه وبين الأشغال الشاقة باعتبارها، من حيث هي حبس، صورةً من صور النفي الجائزة في الفقه الإسلامي([43]).

ثانيًا: فيما يخص هتك العرض دون قوة أو تهديد:

قدمنا أن هتك العرض دون قوة أو تهديد ليس إلا تمهيدًا لاتصال جنسي غير مشروع لا يرغب فيه المجني عليه. وتجرم الشريعة الإسلامية كل اتصال جنسي غير مشروع لا تكتمل فيه العلاقة الجنسية بالوطء تحت اسم "مقدمات الزنا" أو "الوطء فيها دون الفرج" بحسب نوع الفعل ودرجة جسامته.

والعقوبة التي تقررها الشريعة لهذا الفعل هي عقوبة تعزيرية يترك تقديرها للسلطة المختصة في الدولة. ومأخذنا -من ثم- على المشرع المصري في هذا الصدد أن نطاق التجريم الذي فرضته المادة ٢٦٩ في جريمة هتك العرض دون قوة أو تهديد ضاق عن أن يشمل الأفعال الجنسية الرضائية بين البالغين، وهي ملحوظة ألصق بالسياسة التشريعية -في واقع الأمر- منها بالأحكام التفصيلية لهذه الجريمة. ونعتقد أنه يتعين على المشرع عند إعادة النظر في النصوص الخاصة بالجرائم الخلقية أن يأخذ بعين الاعتبار شمول التجريم كل الأفعال الجنسية خارج إطار الزواج الصحيح، وهي الخطة التي تلتزم بها الشريعة الإسلامية.

ويلحق بهذه الجريمة سائر الجرائم الجنسية المنصوص عليها في قانون العقوبات المصري، فهي جرائم تعزيرية لم تفرض لها الشريعة الإسلامية عقوبة محددة، بل تركت الباب في تقرير العقاب عليها وتقديره مفتوحًا لاعتبارات الملاءمة التي تقدرها السلطة المختصة في الدولة في ظل الظروف السائدة وقت التشريع.

ثالثًا: فيما يخص زنا الأزواج:

إن نصوص قانون العقوبات المصري في خصوص الزنا تتناقض تناقضًا تامًا مع نصوص الشريعة الإسلامية.

فالزنا في الشريعة الإسلامية يشمل كل صور الاتصال الجنسي المتضمن جماعًا بين رجل وامرأة لا تجمعهما رابطة الزواج الشرعي.

والشريعة الإسلامية حددت للزاني المحصن عقوبة أشد من تلك التي حددتها للزاني غير المحصن.

ولا تجيز أحكام الشريعة العفو عن الزاني لأي شخص، ولا لأي سلطة من سلطات الدولة، باعتبار الجريمة من جرائم الحدود التي لا يدخلها العفو ولا تقبل الإسقاط([44]).

وعلى خلاف ذلك كله، لم يجعل القانون الصلة الجنسية غير المشروعة معاقبًا عليها إلا إذا كان أحد طرفيها متزوجًا وأباح للرجل المتزوج أن يزني خارج منزل الزوجية بلا عقاب، وحين فرض عقوبة على الزنا الذي يرتكبه الرجل داخل منزل الزوجية جعلها عقوبة تافهة لا تناسب قط الجرم المرتكب.

بل إن من عجائب التشريع المصري أن العقوبة التي تنال الزاني في منزل الزوجية -على ما يتضمنه فعله من طعن المرأة في كرامتها، والأسرة في شرفها وسمعتها- هي نفسها العقوبة التي تناله إذا لم يدل بالبيان الصحيح عن حالته الاجتماعية أو عنوان زوجته عند توثيق زواجه، أو إذا لم يوثق إشهاد الطلاق لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يومًا من إيقاع الطلاق([45]).

فكيف ساغ للمشرع أن يسوي بين هذه الأفعال في مقدار العقوبة ونوعها؟ أو ليس ذلك خللاً في التشريع يشينه بعيب عدم الاتساق بين الجرائم والعقوبات؟

وقد سبق للفقه الجنائي المصري أن وجَّهَ انتقادات متعددة لنصوص قانون العقوبات الخاصة بزنا الازواج في ناحيتيها الموضوعية والإجرائية([46])، وذلك كله يقتضي من المشرع النظر من جديد في هذه النصوص ليسبغ على العلاقة الزوجية، وعلى الرابطة الأسرية الحماية الجنائية التي هما جديرتان بها، لا هذه الحماية المتهافتة القائمة في التشريع بوضعه الحالي.

كذلك فإنه مما ينبغي أن يشمله التجريم، بنصوص صريحة، أفعال الشذوذ الجنسي التي تتم رضائيا بين البالغين ذكورًا كانوا أو إناثًا، والمخادنة، أو اتخاذ خليلة، وهي العلاقة غير المشروعة التي لها صفة الاستمرار بين رجل وامرأة لا تربطهما رابطة الزواج الشرعي، وتتميز بالإضافة إلى عنصر الاستمرار بقيام الرجل -في العادة- بالإنفاق على خليلته.

وحين يستجيب المشرع إلى ما اقترحناه من تعديلات في سياسة التجريم والعقاب، وفي تفصيلات الأحكام الخاصة بالجرائم التي تناولناها، فإنه يستجيب في واقع الأمر لما ألزمته به النصوص الدستورية من اتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ولما يوجبه المنطق القانوني من اتساق أحكام التجريم والعقاب مع القيم السائدة في المجتمع، لا اتخاذها أداة لتغيير هذه القيم أو الانحراف بها.

ولله الحمد رب العالمين

 لتحميل ملف البحث

 ______________________

الهوامش:

*  بحث منشور بحولية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية- جامعة قطر، ع: 5، 1407هــــ/ 1987م، ص 189- 219.

** الأستاذ بجامعة الملك سعود (سابقًا).

(1) أنظر في تفصيل ذلك:

Martin Golding, Philosophy of  Law Jersey, 1957.

Friedman, Law in Changing Society, London, 1972, Hart.

Law Liberty and Morality, London, 1969.

وكتابنا: في أصول النظام الجنائي الإسلامي، الطبعة الثانية، دار المعارف، ١٩٨٣ ص51 وما بعدها، والمراجع المشار إليها فيه. وأهم الأفعال التي أباحتها التشريعات المتعاقبة منذ سنة 1961 هي الإجهاض والبغاء، والشذوذ الجنسي بين الذكور إذا كان الطرفان بالغين راضيين، وارتكب الفعل في غير علانية ونشر المواد الإعلامية الفاضحة التي لا تتضمن تحريضًا صريحًا (!) على الفجور.

(2) John Stuart Mill, On Liberty, p.15.

(3) رمسيس بهنام، النظرية العامة للقانون الجنائي، ۱۹۷۱، ص ۱۳۱.

(4) Report of the committee on Homesexual offences and Prostitution (Cmnd 747,1957) S. 61.

وقد مضى في الطريق نفسه مشروع القانون الجنائي النموذجي الذي أصدره معهد القانون الأمريكي سنة ١٩٦٢ فأباح الشذوذ الجنسي الرضائي بين البالغين. ولكن هذه الإباحة لم تجد طريقها إلى قوانين جل الولايات المتحدة. انظر:

Wolfgang Friedmann, Law in Changing Society, London, 1972, P.201.

(5) من أقوى مؤيدي هذا الرأي تعبيرًا عنه وعرضًا له:

Lord Devlin, The Enforcment of Morals, London, 1965.

Basil Mitchell, Law, Morality and Religion, London 1970; Abrahams, Morality and the Law London, 1971.

وقد تردد القضاء البريطاني (مجلس اللوردات) في موقفه من حماية القيم الخلقية بتجريم صور السلوك المنافية لها، فبعد أن اتخذ موقفًا واضحًا في أن ذلك هو الرأي الذي يؤيده، في قضية SHAWV.D.P.P، عاد فعدل عن هذا الرأي حين رفض القول بأن من سلطته مَدّ نطاق القانون الجنائي ليشمل بحمايته القيم الخلقية، وذلك في قضية: (۱۹۷۳) Knuller V.D.P.P.

 (6)العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، المرجع السابق، ص ٢٥٩ وما بعدها.

(7) انظر: علي راشد، القانون الجنائي، ١٩٧٤، ص ٩٠ - ٩٤.

(8) Hart, Law, Liberty and Morality, P.5.

(9) Hart, Law, Liberty and Morality, P.5.

(10) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، جرائم الاعتداء على الأشخاص، القاهرة، ۱۹۷۸، رقم ۳۳۳ ص ۳۲۸.

(11) تسمية هذه الجريمة اغتصابًا هو الشائع في الفقه المصري، ويسميها الاستاذ الدكتور عوض محمد عوض جريمة المواقعة لأسباب بينها في بحثه: الجاني والمجني عليه في جريمة المواقعة: دراسة مقارنة للتشريعين المصرين والليبي، بنغازي (دون تاريخ).

(12]) عوض محمد عوض، المصادر السابق، ص ١٦ - ٢٢.

 (13)محمود نجیب حسني، المرجع السابق، رقم ٣٥٣، ص ٣٥٤ - ٣٥٦.

 (14)هذا هو الرأي الذي يذهب إليه الأستاذ الدكتور محمود نجيب حسني، وهو رأي يقوم في نظرنا على اعتبار واقعي صحيح لذا نراه جديرًا بالتأييد.

(15) حسنين عبيد، فكرة المصلحة في قانون العقوبات، المجلة الجنائية القومية عدد يوليو ١٩٧٤ (العدد الثاني - مجلد ١٧)، ص ٢٥٠.

(16) محمود نجيب حسني، المصدر السابق، رقم ٣٤٢، ص ٣٣٩. وقارن: محمد أبو عامر: الحماية الجنائية للعرض في التشريع المعاصر، ص ١٤٩ – ١٥١، حيث يرى أن المصلحة التي أراد المشرع حمايتها بهذه الجريمة هي حماية العرض فحسب، بل يرى أن المشرع المصري لم يشغل نفسه بالأغراض المستهدفة من تقرير جريمة الاغتصاب، (ص ١٤٩) وهو رأي جدير بالتأمل.

(17) أنظر في تفصيل ذلك كله: محمود نجيب حسني، المصدر السابق، أرقام ٣٥٠ - ٣٥٥، ص 350-360.

(18) تقرير الأمن العام لسنة ١٩٨٤ وزارة الداخلية المصرية، جدول رقم ٤ ص ٧، وجدول رقم ٢ ص ٤.

(19) محمد أبو عامر، المصدر السابق، ص ١٣٦ - ١٣٧.

(20) تقرير الأمن العام، المصدر السابق، جدول (٤)، ص ۷، وجدول (۱)، ص ۳.

(21) تقرير الأمن العام، جدول رقم ٧٥، ص114.

(22) محمود نجیب حسني، المصدر السابق، رقم ٣٦٨، ص ١٣٦٧.

(23) المصدر السابق، رقم ۳۷۱ و۳۷۳، ص ۳۷۰ - ۳۷۱.

(24) محمود نجيب حسني، المصدر السابق، رقم ۳۷۰، ص370.

(25) المصدر السابق، الموضع نفسه. وقارن: محمد أبو عامر، المصدر السابق، رقم ۲۳، ص ۷۱ - ۷۳. حيث يرى وقوف الحماية القانونية عند صيانة الجسد من كل ممارسة جنسية غير مشروعة تقع عليه من الغير برغم إرادته أو دونها.

(26) تقرير الأمن العام، المصدر السابق، جدول رقم ۸۰، ص ۱۲۰. وجدول رقم ٧٧، ص ١١٦.

(27) أورد ما قيل من اعتبارات لتسويغ التفرقة بين عقوبة الجريمتين، وانتقدها بحق: محمود نجيب حسني، المصدر السابق، رقم ٤٦٤، ص ٤٥٩ – ٤٦٠.

(28) ولذلك لا يعتبر هذا النص مطابقًا للنصوص السابق إيرادها المجرمة لمجرد الاتصال الجنسي بين غير الأزواج.

(29) يتعين لمن أراد التوسع في دراسة جرائم البغاء مراجعة رسالة الدكتور محمد نيازي حتاته: جرائم البغاء، رسالة دكتوراة، جامعة القاهرة، ١٩٦١.

(30) الدكتور عبد الوهاب العشماوي المحامي الآن بالقاهرة وهو الذي أعطاني مشكورًا نسخة من تلك الدراسة القيمة التي أجريت على عدد من المحكوم عليهن نزيلات سجن النساء بالقناطر.

 (31)اللواء سيد أبو مسلم في أكاديمية الشرطة. وكان عنوان الدراسة: إجرام النساء.. ظاهرة اجتماعية اقتصادية.

(32) نقض جلسة 16/1/١٩٣٣ الطعن رقم ٨٦٣ س ٢ ق مجموعة ربع القرن ص ٧٤٢.

(33) مصطفى الشاذلي، الجرائم الماسة بالشرف والاعتبار والآداب، الإسكندرية، (دون تاريخ)، ص229- ۲۳۰.

(34) الكمال بن الهمام، فتح القدير، جـ ٤، ص ١٩٤.

(35) محمود نجیب حسني، المصدر السابق، رقم ٣٣٤، ص ٣٣٠.

(36) محمد زكي أبو عامر، المصدر السابق، ص ۷۲ – ۷۳.

(37) العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، المصدر السابق، ص227.

(38) هذا النص هو الذي رواه مالك في الموطأ بسند صحيح، الموطأ عبد الباقي، ص ٥٦٤. وقد أخرج الحديث أيضًا بلفظ مختلف الإمام أحمد في مسنده، راجع مشكاة المصابيح، ط المكتب الإسلامي بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الالباني، جـ ٢، ص ٦٣٢.

(39) هذا الرأي هو الذي نراه، وليس هنا موضع تفصيل حججه وأسانيده، ولكن المحكمة الدستورية العليا ذهبت إلى أنه لا يعد مخالفًا للدستور، بحيث يحكم بعدم دستوريته، إلا نصوص القوانين الصادرة بعد بدء العمل بالدستور دون النصوص التي سبقت في صدورها الدستور ذاته. ولكنها -على كل حال- لم تعف المشرع من واجب الإسراع إلى تعديل تلك النصوص الأخيرة لتتوافق مع النصوص الدستورية على ما بيناه في المتن- وهو عين ما نطالب به.

(40) انظر في تفصيلات ذلك: العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص ۱۸۹ – ۲۰۸.

(41) حاشية الصاوي على الشرح الصغير، جـ ۲، ص ۲۸۳ وهذا هو ما رآه القرطبي وابن العربي في تفسيريهما لآيتي الحرابة رقم ٣٣ و٣٤ من سورة المائدة.

(42) للتفصيل راجع: العوا، المصدر السابق، ص ١٩٥ - ١٩٦ و١٩٩.

(43) أنظر في تفصيل الآراء الفقهية في هذا الشأن، المرجع السابق، ص ٢٠٠ - ٢٠١.

(44) تفصيل ذلك في: العوا، المصدر السابق، ص ١٢٧ و٢١٦ وما بعدها.

(45) أنظر المادة ۲۳ مكرر من القانون رقم ۲٥ لسنة ۱۹۲۹ المضافة بالقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥.

(46) أنظر على سبيل المثال: محمود نجيب حسنى، المصدر السابق، أرقام: ٤٦٤، ص ٤٥٩ و١٣١ ص ۱۳۳ و٤٩٨ ص ٤٩٢.

 

صدر كتاب "في الاجتماع السياسي الإسلامي المجتمع السياسي الإسلامي- محاولة تأصيل فقهي وتاريخي" - لمؤلفه الشيخ محمد مهدي شمس الدين*، وتقديم زكي الميلاد- ضمن سلسلة "الفكر النهضوي الإسلامي"، والتي صدرت بدورها ضمن فعاليات مشروع "إعادة إصدارات مختارات من التراث الإسلامي الحديث في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجرين/ التاسع عشر والعشرين الميلاديين" الذي تبنته مكتبة الإسكندرية؛ "انطلاقًا من رؤيتها التي تقوم على ضرورة المحافظة على التراث الفكري والعلمي في مختلف مجالات المعرفة والمساهمة في نقل هذا التراث للأجيال المتعاقبة تأكيدا لأهمية التواصل بين أجيال الأمة عبر تاريخها الحضاري؛ إذ إن الإنتاج الثقافي -لا شك- تراكمي، وإن الإبداع ينبت في الأرض الخصبة بعطاء السابقين، وإن التجديد الفعال لا يتم إلا مع التأصيل، وضمان هذا التواصل يعتبر من أهم وظائف المكتبة التي اضطلعت بها، منذ نشأتها الأولى وعبر مراحل تطورها المختلفة".

ويُذكر أن هذ الكتاب طُبع لأول مرة عام (1412هـ / 1992م)، ويُعد من أهم مؤلفات الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وقد مهد له الشيخ مهد لهذا الكتاب بـ"كلمة في المنهج" شرح فيها طبيعة منهجه في دراسة مسألة الدولة ونظام الحكم في الإسلام واختلافه من هذه الجهة مع الآخرين الذين بحثوا ودرسوا هذه المسألة.

وارتكز منهج الشيخ على أمرين: الأول أن كل شعب مسلم على المستوى الوطني أو القومي يجب بالضرورة أن يكون له نظام حكم وحكومة يحفظانه، ويضمنان سلامته وتقدمه، أما أن يكون هذا النظام وهذه الحكومة إسلاميين، فقضية غير مسلمة وغير بديهية؛ فالمهم هو استمرار الإسلام في الأمة، واستمرار الأمة مسلمة موحدة، والثاني أن قضية الحكم ليست قسمًا من أقسام الشريعة الإسلامية وفصلاً من فصولها وبابا من أبوابها، وإنما هي طبيعة فيها، ونتيجة لها، وسمة فيها، تتولد منها تولد الثمرة من الشجرة، والضوء من الشمس.

ونظرًا لأن هذا الكتاب يأتي في إطار أبحاثه عن المسألة السياسية في الإسلام بعد كتابه الأول "نظام الحكم والإدارة في الإسلام"، فقد لفت النظر الأستاذ زكي الميلاد -في مقدمته لهذا الكتاب- إلى ما بين هذين الكتابين من مفارقات، لم يتوقف عندها المؤلف، ولم يشر إليها أو إلى بعضها، على ما لها من وجوه عديدة، ومن هذه المفارقات:

أولاً: السياق الزمني، من هذه الجهة تحددت المفارقة في الفاصل الزمني الطويل نسبيًا، ما بين الكتابين، فكتاب «نظام الحكم» ألفه الشيخ شمس الدين في مطلع شبابه، وقبل أن يكمل عقده الثاني، بينما كتاب «في الاجتماع السياسي» ألفه بعدما تجاوز مرحلة الشباب، وكان في العقد السادس من عمره، فهناك أكثر من ثلاثة عقود تفصل ما بين الكتابين. وهذا يعني أن العلاقة بين الكتابين هي علاقة ما بين جيلين بالنسبة إلى المؤلف: جيل الشباب الذي ينتمي إليه الكتاب الأول، وجيل ما بعد الشباب الذي ينتمي إليه الكتاب الثاني. مع ذلك لم يعتبر المؤلف أن الكتاب الثاني جاء ناسخًا للكتاب الأول، وإنما اعتبره متصلاً به، ومتممًا له، ومنتظمًا في سياق الاهتمام بالمسألة السياسية في الإسلام، وهذا يصدق على الطبعة الثانية من الكتاب التي صدرت منقحة لتكون بهذه الرؤية التي عبر عنها المؤلف.

ثانيًا: السياق الموضوعي، من هذه الجهة تحددت المفارقة في أن الكتاب الأول كتب متأثرًا من الناحية الموضوعية بأجواء غير التي كتب فيها الكتاب الثاني، فالكتاب الأول جاء متأثرًا بما وصفه المؤلف بما كانت تعانيه مدينة النجف آنذاك من تذوق الطعم المر، وبالشعور بالفجيعة، وخيبة الأمل لما آلت إليه تجربة معركة المشروطة في إيران، والتي انتهت بحكم أسرة بهلوي، والمقصود بهذه المعركة هي ثورة الدستور التي حصلت في إيران مطلع القرن العشرين وتحديدًا خلال الفترة ما بين (١٩٠٥ – ١٩١١م).

في حين أن الكتاب الثاني، تأثر بما حصل في إيران نفسها من انتصار ثورتها الشعبية، ونهاية حكم أسرة بهلوي سنة ١٩٧٩م.

ثالثًا: السياق المعرفي، من هذه الجهة تحددت المفارقة في أن الكتاب الأول كتب في ظل أجواء ما كانت تقترب كثيرًا من الاهتمام بمسألة الدولة ونظام الحكم في الإسلام، وكان من النادر الكتابة والعناية بهذا المجال، وحسب تقدير المؤلف فإن الإسلام باعتباره مشروع دولة ونظام وحكم لم يكن يمثل آنذاك همًّا ظاهرًا من هموم النجف، وهو -فيما يعلم- فإن هذا الكتاب يُعد في نظر المؤلف أول نص عربي شيعي في حينه يطرح مسألة الحكم الإسلامي في العصر الحاضر.

وهذا بخلاف الحال تمامًا مع الكتاب الثاني، الذي كتب في ظل أجواء شهدت اقترابًا كبيرًا من مسألة الدولة ونظام الحكم في الإسلام، ونالت اهتمامًا واسعًا في مجال الكتابة والتأليف، وبطريقة يمكن أن يؤرخ لها، بعد هذا المستوى من التراكم المتصاعد الذي يحصل لأول مرة في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر.

وأشار المؤلف لمثل هذه الملاحظة في كتابه الثاني، بقوله: «إن مسألة الحكم في الإسلام باعتباره مشروعًا للتطبيق على هذا المجتمع الإسلامي أو ذاك، قد بحثت في العقود الأخيرة من قبل كثير من الإسلاميين، فقهاء ومجتهدين وعلماء دين ومفكرين، لأجل أسلمة المجتمع تنظيمًا وحضارة على قاعدة الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي».

رابعًا: السياق المنهجي، من هذه الجهة تحددت المفارقة في أن الكتاب الأول كان مسكونًا بهاجس الهم النظري، وبنزعة الدفاع عن الذات، ومواجهة الإشكاليات الاحتجاجية المثارة في وجه الإسلام والفكر الإسلامي، وفي ظل الشعور بالضعف، وتحت تأثير مقولة "حصوننا مهددة من الداخل".

وهذا ما أوضحه المؤلف عند حديثه عن طبيعة الوضعيات التي تولد فيها عنده الاهتمام بمسألة الدولة والحكم في الإسلام، وقررها بقوله إن «منطلق الواقع الذي فتحنا أعيننا عليه في الثلاثينيات من هذا القرن - العشرين – الميلادي، وقد ولدت فيها، ومن بقايا الدويّ الذي كان يطرق أذاننا وضمائرنا وقلوبنا، عن جحافل الغرب المتصارعة فيما بينها، ونحن الفريسة أو الجائزة، والإسلام الطريدة والضحية، ومن أحاديث النجف الغاضبة والآسفة والنادمة عن معركة المشروطة والمستبدة. ومن قراءاتي عن الأفغاني ومحمد عبده ولهما، وآخرين غيرهما، ومما كانت تفيق عليه النجف آنذاك من سباتها، أو ينفتح لها من آفاق على عزلتها، من لغط حول ما سمي فيما بعد تيار الحداثة، أو تيار التغريب من خلال ما كان يصل إلى النجف أو تتسامع به من أعمال ممثليه آنذاك طه حسين وعلي عبد الرازق ومن إليهما. من كل ذلك وما إليه كان الاهتمام بمسألة حكم الإسلام وحكومة الإسلام ليواجه بها المسلمون الغزو الذي اجتاحهم».

وقد اعتبر المؤلف أن الاهتمام بهذه المسألة، هو من ألطاف الله الخفية به، ومن النعم الخفية عليه في تلك الحقبة المبكرة جدًا من حياته.

وبتأثير تلك الوضعيات، كان هم المؤلف إثبات أن الإسلام فيه نظام للحكم، وتأكيد العلاقة بين الدين والدولة والدعوة إلى حتمية الحكومة الإسلامية.

بينما الكتاب الثاني كان مسكونًا بهاجس الهم التطبيقي، وناظرًا إلى إشكاليات ما بعد التجربة، وما أفرزته التجارب الإسلامية الحديثة من ثغرات وتساؤلات فكرية وفقهية وقانونية وتشريعية وسياسية واقتصادية في النطاق الوطني، وفي نطاق العلاقات الدولية. هذه لعلها أبرز المفارقات بين الكتابين، وعلى ضوئها تتكشف صور العلاقة بينهما.

 

محتويات الكتاب:

القسم الأول: الأساس النظري على مستوى التشريع.

الفصل الأول: الإسلام كل واحد.

الفصل الثاني: الموقف من الدنيا والآخرة.

الفصل الثالث: الأساس النظري والواقع التاريخي.

القسم الثاني: الملامح العامة والمبادئ والأسس في شأن المجتمع السياسي والدولة والنظام.

الفصل الأول: قيم المجتمع السياسي الإسلامي التي تقوم عليها فكرة الدولة في الإسلام.

الفصل الثاني: سياسات الدولة في المجتمع الإسلامي.

القسم الثالث: في التطبيق التاريخي.

الفصل الأول: حكومة النبي صلى الله عليه وسلم

الفصل الثاني: مسألة استمرار الدولة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

الفصل الثالث: الخصوصية الشيعية في الإطار الإسلامي.

الملاحق

الملحق الأول: تحقيق في مسألة إنكار الضروري وآثاره.

الملحق الثاني: خلافة الإنسان في الأرض.

الملحق الثالث: (الصحيفة/ الكتاب) بين المسلمين واليهود في المدينة.

الملحق الثالث: نصوص فقهية قديمة عن (العمل والتعامل مع ولاة الجور).

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


* الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1936م-2001م) لبناني، أحد أعلام الفكر الإسلامي الشيعي، وكان رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، له العديد من المؤلفات منها: نظام الحكم والإدارة في الإسلام، الاحتكار في الشريعة الإسلامية، المسائل الحرجة في فقه المرأة، الحوار سبيل التعايش (ندوات الفكر المعاصر)، مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني، ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ثورة الحسين "ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية"، أنصار الحسين الرجال والدلالات، الحسين قصة حياته وثورته، العلمانية، دراسات في نهج البلاغة، محاضرات في التاريخ الإسلامي، دراسة عن موسوعة الفقه الإسلامي ... الخ.

 

صدرت الطبعة الخامسة من كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" لمؤلفه علال الفاسي*، في عام 1993م عن دار الغرب الإسلامي، ويُذكر أن هذه الطبعة تم إصدارها بعد اتفاق وإذن خاص من مؤسسة علال الفاسي (الطبعة الأولى من الكتاب كانت قد صدرت عام 1963م).

اهتم الأستاذ علال الفاسي بمقاصد الشريعة الإسلامية، وأولاها حيزًا ومساحة كبيرة من اهتماماته وتفكيره، ويمكن القول بأن كتابه هذا لا يقل أهمية عما كُتب في موضوع مقاصد الشريعة الإسلامية، ولاسيما كتاب مقاصـد الشريعة الإسلامية للإمـام محمد الطـاهر ابن عاشور، حيث يعد الفاسي ومن قبله الإمام ابن عاشور من أبرز الرواد الذين استأنفوا الكتابة في مقاصد الشريعة وأصَّلوا لها على نحو جديد.

وقد بيَّن العلامة علال الفاسي في تقديمه للكتاب الأسباب التي دعته إلى تناول مثل هذا الموضوع، والتي تمثلت في كون الذين تعاقبوا على الكتابة في المقاصد الشرعية، لم يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده الشاطبي، أو لم يبلغوا ما إليه قصد، وأن بعضهم خرج عن الموضوع إلى محاولة تعليل كل جزء من أجزاء الفقه أخذا للمقاصد بمعناها الحرفي.

وكما أوضح الفاسي أنه في عرضه لموضوع المقاصد فضَّل أن تكون شاملة الجوانب، معرفًا بقسط من أصول تاريخ القانون ووسائل تطوره، وكيف أن الشرائع الإنسانية كلها كانت تقصد إلى العدل، ولما لم تبلغ مداه بحثت عنه خارج مصادرها التشريعية، بينما بقي الفقه الإسلامي يحقق العدالة والعدل بأصوله الذاتية نفسها.

وذكر الفاسي أنه قد بنى دراسته للمقاصد في الشريعة الإسلامية على المقابلات بين الشريعة الإسلامية وغيرها من الشرائع الأخرى حيث قال: "وفي المقابلات التي وضعتها بين الشرائع السماوية والشرع الإسلامي من جهة وبين ما استعمله اليونان والرومانيون والإنجليزيون من وسائل لاستكمال الإنصاف، وبين ما جاء به الإسلام من أصول ومقاصد ما يوضح تفوق شريعتنا السمحة واستحقاقها لأن تبقى القانون الأسمى للمسلمين ولمن يريد العدالة الحق من بني الإنسان".

 

ومما جاء في خاتمة الكتاب:

تلك هي مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها فصلنا منها ما تتوقف عليه حاجة الطالبين وما تدعو إليه تذكرة الراغبين، من أسرار الشرع الحنيف، ومعالم الفقه البينة، وكل أملنا أن يكون طلبتنا قد وعوا منه ما سمعوه، وأدركوا من محاسن قانوننا السماوي سره الذي يهدي للحق وإلى صراط مستقيم.

ولقد مضى على المسلمين حين من الدهر نسوا ما ذكروا به وذهلوا عما يحتوي عليه دينهم من هدى ومن إرشاد، واتبعوا ما تملي شياطين الاستعمار من آراء وتشريعات لا قبل لهم بها، ولا اقتناع لعقولهم بمغازيها، ولا تمثل من مجتمعهم شيئًا، وإنما هي أنقاض لحضارات متباينة مع حضارتهم، أُرغموا على قبولها بالحديد وبالنار، وبالضغط الفكري الذي يتمثل في هذه المدارس الأجنبية والبرامج الأعجمية.

وإن الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين لم يُحدث من الخراب في الأرض وفي الأجسام ما أحدثه في العقول والقلوب والأفهام.

فقد أصبح المسلمون بما تسرب إلى بواطنهم يجهلون أنفسهم ولا يعرفون من حقيقة أمرهم شيئا، واختلفوا باختلاف عدوهم، فمنهم من يؤمن باليمين ومنهم من يؤمن باليسار ومنهم من يظل فارغًا من كل عقيدة ومجردًا من غير التبعية في الهوى وفي الشهوة، فكان عاقبة أمرهم أن تسلطت عليهم هذه الحكومات البوليسية في كل مكان تصليهم ظلمًا، ولا تألوهم اضطهادًا وهضمًا، فإذا انتبهوا وظنوا أنهم قادرون على أن يقاوموا الجور وينازلوا الطغيان، جاءهم من فكر الغرب ما يوجههم نحو طغيان آخر واضطهاد جديد، وسيبقون كذلك ما داموا ينشدون العدل من غير الإسلام، والصلاح من غير القرآن؛ وقد صدق مالك حين قال؛ (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) فعسى أن يتنبه طلبتنا، والدارسون للقانون والأخلاق منا، والمتيقظون على العموم، إلى أن الفقه الإسلامي وحده الكافي لعلاج المجتمع، والأخلاق القرآنية وحدها المحققة لتوازن القوى وتعادل الوحدات الاجتماعية في البر والتقوى، فيتقدمون إلى دراسة الفقه، واستخلاص أسراره، وإلى الأخلاق واستنباط جماعها ومعالمها، ثم يشرحون ذلك لإخوانهم. ويبلغونه لجمهور الأمة التي لا تنتظر إلا من يخاطبها بما يوافق قلبها ويعيد وعيها، ثم يجاهدون جهاد الأبطال لإقرار شريعة الإسلام قانونا للدولة، وأخلاق القرآن معيارا للشرف والفضيلة والقيم الاجتماعية.

وأنهم متى فعلوا سيجدون من الاستجابة في الشعب والتأييد من عقلاء الأمة وفلاسفة الدنيا ما يشجعهم ويقوي عزمهم ويثبتهم في مواقفهم.

فأما عقلاء أمتنا فما زالوا يتألمون من هجوم الاستعمار الفكري عليهم، ومازالوا يحللون مع أنفسهم أسباب الانحطاط الذي أصاب بلادهم وقومهم فلا يردونه إلا إلى إعراض الكل عن شريعة الإسلام وتعاليمه الحق، وهم مؤمنون بأن الخير كل الخير لهم ولذويهم في العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهم مستعدون ليكونوا حواريى كل داعية يدعو إلى الحق، وإلى نصرة الشرع.

وأما المثقفون ثقافة غربية من أبناء قومنا فهم مقتنعون بأن الفكر الغربي هو كل شيء والقانون الأجنبي هو المثل الأعلى، ولكن عذرهم أنهم لم يدرسوا الفقه الإسلامي ولا تعرفوا إلى مصادره ولا تعمقوا أسراره ومقاصده، وهم ولا شك مستعدون متى ما وجدوا من ينصبون أنفسهم لتوعيتهم وإرشادهم لأن يستجيبوا، وهم أقدر على المقارنات والمقابلات التي تريهم مزايا الفقه الإسلامي وتفوقه على كل القوانين.

 

محتويات الكتاب:

  • خطبة الكتاب.
  • المراد بمقاصد الشريعة.
  • الإنسانية في عصور ما قبل التاريخ.
  • الأسرة هي الخلية الاجتماعية الأولى.
  • الإنسانية في عهد النبوات.
  • من العقائد الدينية نشأت فكرة القانون.
  • الشرائع الإلهية.
  • من الأحكام الملهمة الدينية نشأ العرف.
  • مجموعة الشرائع الكتابية غير الإسلام.
  • وسائل التطور في الشرائع القديمة.
  • القانون الطبيعي.
  • فكرة القانون الطبيعي عند اليونان.
  • قانون الشعوب عند الرومان.
  • القانون الكنسي.
  • قانون العدالة عند الانكليز.
  • مصدر العدالة في العصر الحديث
  • المقاصد الشرعية في الإسلام.
  • التشريع.
  • السياسة الشرعية في الإسلام.
  • الإسلام دين العقل والعدل.
  • تحقيق المناط في معنى كلمة الدين وما يدخل تحت عمومها من آحاد.
  • أصول الشرعة.
  • القرآن.
  • تفسير القرآن.
  • المعتزلة الجدد.
  • التفسير بالإشارة.
  • حول الفن القصصي في القرآن .
  • الإسرائليات.
  • الإسرائليات الجديدة.
  • النسخ في القرآن.
  • ترجمة معاني القرآن لغير العربية
  • السنة.
  • جوانب تصرفات الرسول.
  • الأصول النظرية.
  • الإجماع.
  • القياس.
  • الاستدلال.
  • الاستصحاب .
  • الشرائع السابقة.
  • الاستحسان.
  • مراعاة الخلاف.
  • المصلحة المرسلة.
  • مذهب الطوفي.
  • عمل أهل المدينة.
  • العادة، العرف، العمل.
  • سد الذريعة.
  • فتح الدريعة.
  • الاجتهاد.
  • أسباب الاختلاف في الأحكام.
  • قواعد تقييد المصلحة بالمقاصد.
  • البدعة والسنة.
  • مكارم الأخلاف مقياس كل مصلحة عامة وأساس كل مقصد من مقاصد الإسلام.
  • منهاج الحكم في الإسلام.
  • خاتمة الكتاب.
  • مصادر الكتاب.

 

 رابط مباشر لتحميل الكتاب


* هو علال بن عبد الواحد بن عبد السلام بن علال الفاسي الفهري (10 يناير 1910م – 13 مايو 1974م) سياسي وأديب مغربي، مؤسس حزب الاستقلال وزعيم الحركة الوطنية المغربية، وأحد أعلام الحركة الإسلامية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين، والتي دعت إلى نوع من السلفية التجديدية، رفقة محمد عبده ورشيد رضا ومحمد الطاهر بن عاشور وغيرهم. له العديد من المؤلفات القيمة، من أهمها: النقد الذاتي، دفاع عن الشريعة، الإسلام وتحديات العصر، تاريخ التشريع الإسلامي، شرح مدونة الأحوال الشخصية، المدخل للفقه الإسلامي.

تعدُّ الهدنة في غزة خطوة قانونية وإنسانية طال انتظارها، لكن مسار الوصول إليها لم يكن سلسًا. فبينما تلكأت إدارة جو بايدن في ممارسة الضغط اللازم على إسرائيل لوقف التصعيد، جاء الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بموقف مختلف تمامًا، حيث فرض الهدنة بقوة ودون تأخير.

 

في تحول لافت، دفعت إدارته نحو التهدئة، حتى إن أحد مبعوثيها فرض على الجانب الإسرائيلي الاستمرار في العمل يوم السبت، وهو ما يعد خرقًا للعادات الإسرائيلية التقليدية، مما يعكس أن الإرادة الأميركية فيما لو توفرت فإنها تستطيع إنهاء المعاناة الإنسانية للفلسطينيين.

 

لقد جاء هذا التحرك بعد رفض إسرائيل عروضَ هدنة سابقة، مما أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، حيث تجاوزت التكلفة البشرية والمادية حدود المخاوف، مخلفة عشرات آلاف الضحايا المدنيين، ودمارًا هائلًا في البنية التحتية.

 

يستعرض هذا المقال التعريف القانوني للهدنة، كما يناقش تأثير هذه الخطوة على الوضع الإنساني في غزة، وآليات ضمان استمرارها من قبل الأطراف الدولية. ويطرح تساؤلات حول قدرة هذه الهدنة على الصمود، وهل تمثل تغييرًا جوهريًا في التعامل مع الصراع أم مجرد استراحة مؤقتة في ظل معاناة إنسانية متفاقمة؟

 

تعريف الهدنة قانونيًا

الهدنة، في القانون الدولي، تُعرف بأنها اتفاقٌ بين الأطراف المتحاربة لوقف الأعمال العدائية مؤقتًا. وفقًا لاتفاقيات جنيف وخاصة البروتوكول الأول (1977) – الذي يوسّع نطاق الحماية للضحايا في الحروب الدولية – الهدنة هي توقف القتال الفعلي لفترةٍ محددة تتفق عليها الأطراف المتحاربة، مما يسمح بإجلاء الجرحى، وتبادل الأسرى، وتوفير المساعدات الإنسانية.

 

كما تنص المادة 15 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على أن أي اتفاق هدنةٍ يجب أن يضمن اتخاذ تدابير لحماية الجرحى، وتأمين المساعدة الإنسانية لهم، مما يجعل الالتزام بالهدنة واجبًا قانونيًا وفق القانون الدولي الإنساني.

 

هذا الاتفاق لا يعني نهاية الحرب بل هو مجرد وقفٍ مؤقت للعمليات القتالية، ويمكن أن يتضمن أيضًا إجراءاتٍ لإعادة الأسرى لديارهم أو لمواصلة المفاوضات السلمية. يُعتبر تنفيذ الهدنة جزءًا من القانون الإنساني الدولي، حيث تحدد الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الملحقة الطريقة التي يجب أن تتبعها الأطراف لتجنب انتهاكات حقوق الإنسان.

 

الظروف الواقعية والقانونية لغزة تحت الاحتلال

قطاع غزة، بمساحته الضيقة والكثافة السكانية العالية، محاط بإسرائيل ومصر، وتحت حصار دام لسنوات. من الناحية القانونية، يعتبر الوضع في غزة معقدًا؛ بسبب تأثير الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عام 1967، على الرغم من انسحاب إسرائيل من القطاع عام 2005.

 

الحصار وتحكم إسرائيل في الحدود البحرية والجوية والبرية يعني أن غزة لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية من الناحية القانونية الدولية كمنطقة محتلة. وفقًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يحظر على الدولة المحتلة القيام بأي أعمال تؤدي إلى تغييرات دائمة في الأراضي المحتلة، إلا إذا كانت هذه الأعمال تقتضيها ضرورة عسكرية أو تستهدف تحسين حال السكّان المحليين.

 

الظروف الاقتصادية والإنسانية في غزة تعاني من تدهور شديد نتيجة للحصار، مما يقلل من إمكانية الوصول إلى الموارد والخدمات الأساسية. تأثير الحصار يمتد ليشمل تدهور البنية التحتية، مثل؛ الطاقة، والمياه، والرعاية الصحية، مما يجعل الحياة اليومية في غزة صعبة للغاية.

 

بموجب القانون الإنساني الدولي، تكون قوة الاحتلال مسؤولة عن توفير الضروريات الأساسية للسكان المدنيين. المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة تُلزم القوة المحتلة بضمان الغذاء والماء والرعاية الصحية، واحترام حقوق المدنيين.

 

في ضوء هذه الالتزامات القانونية، فإن استمرار الحصار والعمليات العسكرية، يثير تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل، كقوة احتلال، بمسؤولياتها القانونية، وهو ما تسعى منظمات حقوق الإنسان إلى تقييمه باستمرار.

 

في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن موقفه بأن عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول لم تأتِ من فراغ، مشيرًا إلى أن هذه العملية ليست منعزلة عن السياق السياسي والإنساني المعقد الذي تعيشه غزة والضفة الغربية والقدس، ما يعني أن الاحتلال هو سبب كل الكوارث الإنسانية، بما فيها رد فعل الاحتلال المفرط على عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والآثار الإنسانية الكارثية بعد مرور أكثر من 467 يومًا من الحرب على غزة.

 

هذا الوضع أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، حيث شهدت غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة، مما يجعل التدخل الدولي وضرورة وقف الحرب أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

وكما أن مصداقية العالم المتحضر ومقاصد الأمم المتحدة باتت على المحك، فقد أصبحت الهدنة مطلبًا حضاريًا أكثر منها مطلبًا سياسيًا أو إستراتيجيًا. فالهدنة الآن ليست مجرد وقف للقتال، بل هي استجابة لنداءات الإنسانية، واختبار للقيم الحضارية التي يدعي العالم التمسك بها.

 

كيف جرى التوصل لوقف إطلاق النار الآن؟

إن وقف إطلاق النار في غزة تطلّب مفاوضاتٍ معقدة وشاملة بين الأطراف المتحاربة، حيث تكون هناك حاجة دائمة لوساطةٍ دولية لتسهيل الاتفاق. الوقف الذي جرى في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 بين إسرائيل وحركة حماس بوساطةٍ قطرية ومصرية، يُعتبر مثالًا على ذلك، حيث شمل تبادل الأسرى والمحتجزين، وإدخال مساعداتٍ إنسانية إلى غزة، معتمدًا على توافق الأطراف على شروطٍ محددة وضماناتٍ لتنفيذ الهدنة.

 

تشمل هذه الضمانات تحديد الفترة الزمنية للهدنة ومراقبةً دولية تستخدم تكنولوجيا متقدمة مثل الأقمار الصناعية وكاميرات المراقبة؛ لضمان عدم الانتهاكات. هذا الوقف أصبح ممكنًا بعد أن كان عسيرًا في الماضي؛ بسبب عدة عوامل، منها زيادةُ الضغط الدولي بسبب الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وتدهور الوضع الإنساني في غزة، وتغييرٌ في الإرادة السياسية، وتطوراتٌ إقليمية ودولية.

 

كما لعب تهديد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بتحويل المنطقة إلى "جحيم" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقٍ دورًا كبيرًا في دفع الأطراف نحو الهدنة، مما جعل من الوقف الآن أمرًا ضروريًا ومقبولًا من جميع الجوانب.

 

القيمة القانونية لإيداع اتفاق الهدنة لدى الأمم المتحدة

يمكن للأطراف المتفقة على هدنةٍ، بما فيها حركة حماس كحركةِ تحررٍ وطنيٍ بحسب تقييم القانون الدولي، أن تودع الوثائق لدى الأمم المتحدة، مما يمنحها طابعًا دوليًا رسميًا ويضفي عليها قوةً قانونيةً إضافية. وفقًا للمادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة، يتعين تسجيل أي اتفاقٍ دولي يتم إبرامه بين الدول الأعضاء لدى الأمم المتحدة، وبمجرد تسجيله، يصبح الاتفاق جزءًا من السجل الدولي الذي يمكن الرجوع إليه قانونيًا في حالة النزاعات أو الانتهاكات.

 

مثالٌ على ذلك، قرار مجلس الأمن رقم 1701 الصادر في عام 2006، الذي أعقب الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، حيث تم إيداعه لدى الأمم المتحدة، مما أدى إلى إنشاء قوةِ الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) لمراقبة التزامِ الهدنة والانسحابِ الإسرائيلي من جنوب لبنان، واستمرار الهدنة حتى سبتمبر/ أيلول 2024.

إيداع الاتفاق يضمن الشفافية ويزيد من الزخم الدولي لدعمه، حيث يصبح خاضعًا للإجراءات القانونية التي تنظم العلاقات بين الدول. بالإضافة إلى ذلك، يعزز الإيداع من إمكانية مراقبة الالتزام بالاتفاق عبر الأمم المتحدة، ما يمنح الأطراف الضامنة والوسطاء الدوليين أدواتٍ قويةً لضمان تنفيذ بنود الاتفاق.

في حالة حركة حماس، يمكن أن يساعد هذا الإطار القانوني في تعزيز الالتزام بالهدنة وحماية حقوق المدنيين، معتمدًا على الالتزام بمبادئ القانون الإنساني الدولي، كما حدث في محاولات الوحدة الفلسطينية بعد انتخابات 2006.

ومن الناحية العملية، فإن إيداع الاتفاق يمنح الأمم المتحدة الحق في متابعة تنفيذ الاتفاق وإعداد تقاريرَ دوريةٍ حول مدى الالتزام به. كما يمكن أن تستخدم الأمم المتحدة هذا الإطار القانوني للضغط على الأطراف للامتثال من خلال اللجان المتخصصة أو من خلال قرارات مجلس الأمن، مما يجعل الاتفاق أكثرَ استقرارًا وفاعلية.

 

ومع ذلك، فإن نجاح هذا الإجراء يعتمد على عدة عوامل، منها إرادةُ الأطراف المتنازعة، وفاعليةُ الدور الأممي في المراقبة، والتزامُ المجتمع الدولي بدعم الاتفاق. ليس كل اتفاقٍ يصل إلى هذه المرحلة بسهولة، حيث تتطلب العملية أحيانًا مفاوضاتٍ مطولةً وتوافقًا شاملًا لضمان القبول الدولي. وفي سياق غزة، يمكن أن يكون هناك تحدياتٌ إضافية؛ بسبب عدم الاعتراف الدولي بحركة حماس كدولة، لكن تسجيل الاتفاقات يمكن أن يكون خطوةً نحو تعزيز التزامهما بالمبادئ القانونية الدولية.

 

إن الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإنشاء حكومة وحدةٍ وطنيةٍ فلسطينية قد يعالج مشكلة إيداع الاتفاق لدى الأمم المتحدة، ولكن حتى ذلك الوقت، يمكن لحركات التحرر الوطني أن تودع الاتفاقات لتعزيز التزامها بالمبادئ القانونية الدولية.

 

الهدنة في إطار الصراع العربي الإسرائيلي

الهدنة، من الناحية القانونية، لا تؤسس بذاتها لوقف إطلاق نار مستدام، خصوصًا في سياق الصراع العربي الإسرائيلي الذي يتسم بتعقيداته التاريخية والسياسية المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.

 

تُعد الهدنة إجراءً مؤقتًا يهدف إلى وقف الأعمال العدائية وتهيئة بيئة تفاوضية لمعالجة القضايا الجوهرية، مثل؛ إنهاء الاحتلال، وضمان السيادة الفلسطينية في إطار حدود الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس كعاصمة لدولة فلسطين، واحترام حقوق المدنيين. ورغم أن الهدنة قد تمثل خطوة أولى نحو تحقيق الاستقرار، فإن نجاحها يعتمد بشكل كبير على وجود إرادة سياسية قوية ودعم دولي حاسم.

وعلى سبيل المثال، أثبتت التجارب السابقة، كما في حالة اتفاق دايتون الذي أنهى حرب البوسنة والهرسك، أن الهدنة قد تكون نقطة انطلاق نحو سلام دائم. ومع ذلك، يواجه الصراع العربي الإسرائيلي تحديات إضافية؛ بسبب تعقيداته المرتبطة بالحدود، والسيادة، وحقوق اللاجئين.

 

كما تتيح الهدنة فرصة لتحليل الأسباب الجذرية للصراع، مثل؛ السيطرة على الموارد، وانتهاك حقوق الفلسطينيين، وقضية اللاجئين، وهو ما يحتاج إلى معالجة شاملة لضمان إدراجها في أي مفاوضات مستقبلية.

 

يبقى دور المجتمع الدولي محوريًا في ضمان تنفيذ الهدنة، ومراقبة التزام الأطراف المعنية، لا سيما إسرائيل كدولة احتلال، بالقوانين الدولية ذات الصلة.

 

في هذا السياق، يمكن أن تمثل الهدنة أساسًا لإجراء محادثات أعمق واستكشاف حلول دائمة لأسباب الصراع، لكنها تظل مجرد خطوة مبدئية ما لم تصاحبها جهود حقيقية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني بما يتماشى مع القانون الدولي.

 

_________________

* أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

المصدر: محمود الحنفي، القيمة القانونية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الجزيرة نت، 18 يناير 2025، https://bit.ly/3WrMQih

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "مشكلتان وقراءة فيهما"، من خلال المعهد العالمي للفكر الإسلامي ضمن سلسلة "إسلامية المعرفة" الكتاب رقم (9)، عام 1413ه/ 1992م، حيث تضمن الكتاب مقدمة للمستشار طارق البشري· كان قد قدم بها لتقرير "الأمة في عام" (1991م) والتي يصدرها سنويًا مركز الحضارة للدراسات السياسية (مركز الحضارة للدراسات والبحوث فيما بعد)، تضمنت تحليلا لمشكلتين أو أزمتين، أزمة "نظام الحكم"، و"كارثة الخليج" المتمثلة في الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس عام 1990م، فقرر د. طه جابر العلواني·· أن ينشر تلك المقدمة في صورة مقالة مع قراءة له فيما تضمنته تلك المقالة من تحليل عميق لهاتين المشكلتين، تحت العنوان المذكور، "مشكلتان وقراءة فيهما".

ومما جاء في تقديم د. العلواني لهذا الكتاب:

وقد دار التحليل حول مشكلتين: "مشكلة الحكم" أو "الجماعة السياسية ومشكلة الحكم"، ومشكلة أو كارثة «الخليج»، وأثر كل منهما في سير الأحداث في ذلك العام في قطر من أهم أقطارنا العربية المسلمة الذي اتخذ موضوعًا للدراسة ألا وهو مصر.

ومع أن المعهد قد اختط لنفسه سياسة استراتيجية ثابتة لا حيدة عنها تتلخص في الإنصراف التام إلى القضايا الفكرية والمنهجية والثقافية، وتعتبر "المشكلتان" عند النظرة الأولى في آخر ما يندرج تحت قضاياه لكن المعالجة المتأنية الحكيمة التي عالج المستشار طارق بها "المشكلتان" جعلت منها معالجة ذات إطار فكري ومنهجي حملنا على أن نحرص على تقديمها نموذجًا لأساليب التناول المتميزة للقضايا الساخنة المشكلة، فالمقدمة أو المقالة تصلح أن تكون منهجًا للباحثين في تناول مثل هذه القضايا، فهي مقالة رصينة جادة تولت معالجة "مشكلتين" من أبرز المشاكل التي انعكست عليها أزمة أمتنا الفكرية المعاصرة، مشكلة "نظام الحكم" و "كارثة الخليج". ولقد بحث المستشار طارق - وفقه الله ونفع به – "المشكلتين"، كما سماهما بحيث جعل منهما نموذجين لأبرز المشاكل التي تبدو الأزمة الفكرية المعاصرة لأمتنا فيها بوضوح، ويبدو في كل منهما ارتباطها بالجذور التاريخية لأزمتنا الفكرية، وارتباط كثير من الأزمات والمشكلات المعاصرة بشبكة من القضايا المتعددة التي يصعب فهمها من غير ربط كل منها بالقضايا المتصلة بها، كما جعل من الظرف أو الزمن (الذي حدده ظرفًا للنظر في المشكلتين وانعكاساتهما فيه) إطارًا زمنيًا يصلح أن يتخذ عينة الدراسة تاريخنا المعاصر على مدى القرنين الأخيرين. كما تناول "الكارثة الخليجية الثانية" التي سماها بالمشكلة الثانية باعتبارها حدثاً مدرسيًا يصلح أن يقدم مثالاً لطلبة العلوم السياسية للدراسة والتحليل المعرفة كيفية تشابك القضايا، وتضارب العلاقات، وقد ربط بالمشكلتين مجموعة من القضايا تكاد تجعل منهما قضيتين تطويان جناحيهما على كم هائل من القضايا الأخرى.

وقد تناول المستشار طارق ذلك - كله - بعقلية ناقدة بصيرة أتيح لها من التجارب والخبرات ما جعلها قادرة على أن تقول في كل منهما قولاً سديدًا يجمع بين الفكر الناقد البصير، والخبرة التاريخية والموازين القانونية الدقيقة. والمستشار طارق هو من الشهود على قرننا هذا فقد خبر يساره ويمينه ووسطه وأطرافه، وتتبع قضاياه وشارك في صياغة بعض طروحاته، فإذا تناول هاتين القضيتين، وفي هذا الإطار فإنه تناول نموذجي يسعد المعهد أن ينشره ويروّج له وللحقيقة أقول: ما رأيت فيما اطلعت عليه من أقوال كثيرة في كارثة الخليج الثانية جاوز ما تجمع منها سبعين مجلدًا لحد الآن -كلمة أوجز وأدق - مع شمول واستيعاب ونصفة مثل هذه الكلمات الوجيزة التي كتبها المستشار طارق في هذه الكارثة.

إن هذه المقالة ستساعد - ولا شك - في إنماء روح المراجعة لدى سائر الأطراف، وعزل المثيرات والمضاعفات التي أحاطت بالأحداث -في حينها-ـ وساعدت على تغبيش الرؤية لدى الكثيرين.

كما أن المقالة لفتت النظر بأسلوب الحكيم السهل الممتنع إلى المواقف المبدئية المتنوعة التي إن لوحظت - مجردة - بعيدًا عن المثيرات والأعراض الجانبية فإنها ستساعد في جعل أسباب الخلاف مفهومة أو قابلة للفهم وتلك خطوة هامة في الاتجاه السليم.

ولذلك فقد سارعت إلى الحديث إليه واقترحت أن تطور المقدمة إلى مقالة مستقلة يتولى المعهد نشرها في هذا الإطار إطار الدراسة النموذجية لمشكلات خطيرة كهذه - وربط هذه المشاكل بالأزمة الفكرية. المعاصرة.

 

محتويات الكتاب:

المقدمة

  • الأزمة الفكرية
  • قضايا الأزمة وجذورها التاريخية
  • مدرسة المعهد وتناول الأزمة
  • مشكلتان نموذج مدرسي

مشكلتان

  • نظام الحكم
  • الفشل في تحقيق الوحدة
  • الاختلاف حول المفاهيم وآثاره
  • افتقاد مناخ الحوار
  • الفصام في الشرعية الحزبية
  • إمكانات ومقومات التصحيح

كارثة الخليج

أولاً: بالنسبة الإمارات الخليج

ثانيًا: بالنسبة للأوضاع العربية

ثالثًا: بالنسبة للجيوش العربية

رابعًا بالنسبة للقوى السياسية العربية

خامسًا: بالنسبة للوجود الأجنبي

قراءة في "مشكلتان"

  • انعطاف نحو انعكاسات الأزمة الفكرية المعاصرة
  • العقيدة قاعدة الفكر المتينة
  • تحديات الأزمة الفكرية قبل كارثة الخليج
  • المشكلة الثانية
  • الصحوة وحقيقتها
  • بين الماضوية والتجديد
  • قصور البرامج الثقافية
  • الشعوب والكارثة الثانية
  • انهيار مفهوم الأمة
  • الفئات العلمانية
  • فشل منطلقات التغريب الانمائية
  • ضرورة المشروع الحضاري الواحد
  • الإسلاميون والفصائل الأخرى
  • الإسلاميون والمشروع الحضاري
  • الإسلاميون والأزمة الفكرية
  • مفهوم الأمة
  • تفرق الأمة
  • الأمة والانحراف السياسي
  • تأصيل الانحراف
  • الشرق والشرقيون في نظر الأفغاني
  • فشل مشاريع الإصلاح
  • همسة أخيرة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


* المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري (1 نوفمبر 1933م - 26 فبراير 2021م): هو مفكر ومؤرخ وفقيه وأحد أبرز القانونين المصريين في العصر الحديث. شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري ورئيسًا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عدة سنوات، وترك ذخيرة من الفتاوى والآراء الاستشارية التي تميزت بالعمق والتحليل والتأصيل القانوني الرصين، كما تميزت بإحكام الصياغة القانونية، وما زالت تلك الفتاوى حتى الآن تمثل مرجعًا لكل من الإدارة والقضاة والمشتغلين بالقانون بشكل عام على تفهم الموضوعات المعروضة عليهم، كما ترك العديد من المؤلفات والدراسات والمقالات القيمة.

** طه جابر العلواني (1935 – 2016م)، هو مفكر وفقيه إسلامي عراقي. كان رئيس المجلس الفقهي بأمريكا، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بهرندن، فرجنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. حصل على الدكتوراة في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر في القاهرة، مصر، عام 1973م. كان أستاذاً في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، المملكة العربية السعودية منذ عام 1975 حتى 1985. في عام 1981 شارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة، كما كان عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة. هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1983. وكان رئيس جامعة قرطبة الإسلامية في الولايات المتحدة.

 

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الرسالة الرمزية في أصول الفقه" للدكتور عادل فاخوري·، في عام 1978، ثم صدرت الطبعة الثانية عن دار الطليعة للطباعة والنشر ببيروت عام 1990م، وهي الطبعة التي ننشرها رفق هذا التقديم.

ومما جاء في مدخل هذا الكتاب:

"حيث المجتمع ثمة شرع"، قبائل عرفت شرع حمورابي، والإغريق أقاموا الألواح الاثني عشر، والرومان اتبعوا قوانين يوستنيانوس، وليس من أمة عبر التاريخ لم تسنّن قانونًا أو تنتهج عرفًا، لكن المجتمع الإسلامي امتاز عن سائر الأمم بأنه أول من وضع منطقًا للشرع تحت اسم "أصول الفقه".

فعلم الأصول هذا، لكونه نشأ على تربة إسلامية، واعتبر بالتالي في خدمة عقيدة مغايرة لعقيدة الغرب، لم ينقل في القرون الوسطى أو بعدها مع سائر العلوم التي ترجمت إلى اللغات الأجنبية، لذلك فالحضارة الغربية التي لحقت بالحضارة العربية تأخرت حتى القرن العشرين في وضع الأسس المنطقية للحقوق والأخلاق.

وعلم أصول الفقه، وإن كان من حيث نشأته متعلقاً بالفقه الإسلامي وبالتالي بأحداث تاريخية عينية، فهو من حيث كنهه علم كلي مجرد لا يمت بصلة إلى دين أو مجتمع بصلة ذاتية، بل إنه يصلح لأن يكون قالبًا لكل شرع وخلق، وبقول آخر إن علم الأصول خلاقًا لما ذهب إليه نظار العرب ومن بينهم ابن خلدون، هو من العلوم العقلية وليس من العلوم النقلية، بل هو بين العلوم الشرعية في أعلى درجات التجريد، ومن هنا شموليته وشرف مرتبته اللذان نوّه بهما القدماء.

حول هذه النقطة يدور البحث في هذا الكتاب، ولن يكون البحث مجرد عرض تقليدي لموضوعات الأصول ولا دراسة تاريخية لنشأته وتطوره، ولا أيضًا مقارنة بين المذاهب المختلفة، بل أن استخرج التبر من التراب، فأقيم انطلاقًا من الأصول منطقًا حديثًا للحقوق والأخلاق، وحذوي في ذلك حذو من أراد أن يبني بناءً جديدًا على طراز عربي قديم.

 

ومما جاء في خاتمة الكتاب:

إن لم يكن هذا البحث قد استوفى كل الموضوعات التي يشتمل عليها أصول الفقه، فهو على الأقل حاول إرساخ القواعد الثابتة التي يُبنى عليها هذا العلم، وعلى الرغم من الثراء الذي أصاب علم الأصول عبر تطوره التاريخي في الحضارة الإسلامية كان لابد من العودة إلى البدء والانطلاق من جديد، كما انطلقت "رسالة" الشافعي من مفاهيم ومبادئ أساسية، إنما على طرق أكثر دقة وإحكامًا.

تبقى ولا شك كثير من المسائل التراثية العميقة التي يمكن بل يجب استيعابها في الأصول الحديثة، ولكن بسبب تعقيدها وتشعب مادتها ما زالت تفتقر إلى سبر وتحليل وتأسيس كي تبلغ مرتبة العلوم اليقينية.

 

محتويات الكتاب:

  1. المدخل.
  2. بنية الأصول.
  3. مفاهيم أولية في المنطق.
  4. الفعل والترك.
  5. الأمر والنهي.

5,1 تحديد الأمر والنهي.

5,2 لواحق الأمر.

  1. منطق الجهات الشرعية.

6,1 الجهات الشرعية ونشأتها.

6,2 التساوق بين الجهات المعيارية والجهات العقلية.

6,3 تعريف الجهات الأساسية.

6,4 رد الجهات إلى الأمر.

6,5 مسألة: ما يلزم عن الواجب، هل يوصف بالوجوب؟

6,6 مسائل أخرى.

6,7 العنتية الأخلاقية وإشكال الكعبي.

6,8 تكرار الجهات والبنية المراتبية.

6,9 المندوب والمكروه.

6,10 الحسن والقبيح.

6,11 النسق المعلق بأسباب.

6,12 النظرية الجزائية للمعايير.

6,13 تأسيس المعايير.

  1. عدم تكليف ما لا يطاق.
  2. قياس التمثيل.
  3. خاتمة.

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


  • عادل فاخوري (1939م – 2017م) فيلسوف وشاعر ولسانيٌّ لبناني، يعتبر من أفضل الباحثين في علم المنطق الرياضي، ومن أبرز المطبّقين لعلم المنطق الرياضي على الّلغة، كونه كان يهتم باللسانيات. كما كان على معرفة واطّلاع دائم بكل ما يحصل في التقنيات الرقمية وربط ذلك بالذّكاء الاصطناعي، وله العديد من المؤلفات القيمة مثل: أفكّر إذن أنا كمبيوتر، المنطق الرياضي، منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث، الرسالة الرمزيّة في أصول الفقه، تيّارات في السيمياء، علم الدلالة عند العرب، ومحاضرات في فلسفة اللغة.

 

صدرت الطبعة الثامنة عشر من كتاب "الإسلام عقيدة وشريعة" للشيخ محمود شلتوت· عن دار الشروق بالقاهرة عام 2001م، ويعد هذا الكتاب من الكتب المهمة التي تناولت العقيدة والشريعة الإسلامية بشكل شامل ومفصل، وكانت قد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1959م.

ويُعد كتاب الإسلام عقيدة وشريعة من الكتب القيمة التي تناولت الإسلام من شعبتيه الأساسيتين: العقيدة: وهي الجانب النظري الذي يطلب الإيمان به أولًا وقبل كل شيء- إيمانًا لا يحمل إليه إكراه ولا يرقى إليه شك ولا تؤثر فيه شبهة، والشريعة: وهي النظم التي شرعها الله أو شرع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربه وعلاقته بأخيه المسلم وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بالكون وعلاقته بالحياة.

ومن يقرأ الكتاب سرعان ما يتضح له أن العقيدة إنما هما وجهان متعانقان ومتكاملان، فالعقيدة أصل تُبنى عليه الشريعة، والشريعة أثر تستتبعه العقيدة، ومن ثم فلا وجود للشريعة في الإسلام إلا بوجود العقيدة هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه يمكن القول بأنه لا ازدهار للشريعة إلا في ظل العقيدة؛ ذلك أن الشريعة بدون العقيدة علو ليس له أساس.

ومن خلال موضوعات الكتاب ناقش الشيخ شلتوت العقائد الأساسية في الإسلام وطرق ثبوت العقيدة، ثم العبادات ونظام الأسرة بدءا من تكوينها وتأسيسها والحفاظ عليها وصولًا إلى الطلاق ومرورًا على التعدد وتنظيم النسل والمواريث، ثم انتقل الشيخ إلى مناقشة العقوبات؛ حيث بيَّن هدف الشريعة من تقرير العقوبة ونصوص القصاص فيما دون النفس والمسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية، انتقالًا إلى مصادر الشريعة من القرآن والسنة وأسباب اختلاف الأئمة في فقه القرآن والسنة، وغيرها من الموضوعات.

 

محتويات الكتاب:

تمهيد:

القسم الأول: العقيدة

الباب الأول: العقائد الأساسية في الإسلام.

الباب الثاني: طريق ثبوت العقيدة.

القسم الثاني: الشريعة

الباب الأول: العبادات.

الباب الثاني: نظام الأسرة والمواريث.

الفصل الأول: الأسرة تكوينها والمحافظة عليها.

الفصل الثاني: تعدد الزوجات.

الفصل الثالث: تنظيم النسل.

الفصل الرابع: المرأة في نظر الإسلام.

الفصل الخامس: المواريث.

الباب الثالث: الأموال والمبادلات.

الباب الرابع: العقوبات.

الفصل الأول: مسلك الشريعة وهدفها في تقرير العقوبات.

الفصل الثاني: جريمة القتل في الإسلام والشرائع الأخرى.

الفصل الثالث: حكم القرآن والسنة في القتل والقصاص.

الباب الخامس: المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية.

الباب السادس: الأمة في الإسلامي.

الفصل الأول: أسس الدولة في الإسلام.

الفصل الثاني: العلاقات الدولية في الإسلام.

خاتمة: الأخلاق في الإسلام.

القسم الثالث: مصادر الشريعة

الباب الأول: القرآن.

الباب الثاني: السنة.

الباب الثالث: أسباب اختلاف الأئمة في الفقه القرآن والسنة.

الباب الرابع: الرأي والنظر.

 

 

رابط مباشر لتحميل الكتاب

 


  • الشيخ محمود شلتوت (1893م - 1963م)، عالم إسلامي مصري وشيخ الجامع الأزهر في الفترة (1958م - 1963م)، نال إجازة العالمية سنة 1918م، وعُيّن مدرسًا بالمعاهد الدينية ثمّ بالقسم العالي ثمّ مدرسًا بأقسام التخصص، ثمّ وكيلًا لكلية الشريعة، ثمّ عضوًا في جماعة كبار العلماء، ثمّ شيخًا للأزهر عام 1958م، وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية عام 1946م، وكان أول حامل للقب الإمام الأكبر. من مؤلفاته: فقه القرآن والسنة، مقارنة المذاهب، القرآن والقتال، منهج القرآن في بناء المجتمع، رسالة المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية، تنظيم العلاقات الدولية الإسلامية، من توجيهات الإسلام، الفتاوى، وتفسير القرآن الكريم (الأجزاء العشرة الأولى).

هو فضيلة الشيخ العلَّامة الأصولي الفقيه الشيخ محمد عبد اللطيف موسى السبكي الحنبلي (1314 - 1389هـ / 1896 - 1969م)، وُلِد في 5 من ربيع الآخر 1314هـ/ 18 سبتمبر عام 1896م، بقرية (سبك الضحاك) بمركز الباجور بمحافظة المنوفيَّة، ومنها جاء نسبته (السبكي) إلى اسم القرية، وكان آخر من تولى منصب شيخ مذهب الحنابلة بالأزهر الشريف.

نشأ الشيخ الجليل في قريته، وقد أضفت عليه نشأته الريفيَّة حالًا من التأمل والصفاء والنقاء، فحفظ القرآن الكريم في صغره، وشب محبًّا للعلم، شغوفًا بالقراءة والتحصيل.

والتحق بالأزهر الشريف، حتى حصل على شهادة العالميَّة سنة 1342هـ / 1923م، فعُيِّنَ مدرسًا بمعهد الزقازيق في بداية الدراسة به سنة 1925م، واختير حينئذٍ لتدريس ما عُرف آنذاك بالعلوم الحديثة، وهي الحساب، والجبر، والهندسة، فأظهر اقتدارًا في غير تخصصه، كما درَّس مادة التاريخ.

وحينما أُنشئت الجامعة الأزهريَّة عام 1349هـ / 1930م اختاره الشيخ الظواهري ليكون أستاذًا في كليَّة الشريعة سنة 1935م، وفي العام نفسه عُيِّن عضوًا في لجنة الفتوى بالأزهر، ثم اختاره شيخ الأزهر الشيخ المراغي رئيسًا لها لخمس سنوات أو يزيد، وقد اتسع نشاط اللجنة في عهده وأصبحت تتلقى الفتاوى وترد عليها، ثم اختير مفتشًا عامًّا للعلوم الدينيَّة والعربيَّة بالأزهر سنة 1947م، وفي عام 1951م عاد إلى منصبه أستاذًا في كليَّة الشريعة، ثم شيخًا لها لمدة خمس سنوات، وظلَّ يعمل في الكليَّة حتى بلغ سن التقاعد للمعاش عام 1959م.

عُين الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي عضوًا بهيئة كبار العلماء ضمن ثمانية علماء، هم: الشيخ عبد الله غسان موسى، والشيخ محمد عبد الله يوسف الجهني، والشيخ رزق محمد الزلباني، والشيخ عبد القادر خليف، والشيخ صالح موسى حسن شرف، والشيخ محمد علي السايس، والشيخ الطيب حسن حسين النجار، وذلك وفقًا للأمر الملكي رقم (35) الصادر في 20 من شعبان عام 1371هـ / الموافق 14 مايو لسنه 1952م.

كما اختير عضوًا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلاميَّة، وعضوًا في جماعة نشر الثقافة بالأزهر، وتولى مدير تحرير مجلة الأزهر، كما كان رئيسًا للجنة إحياء التراث الإسلامي، ولجنة التعريف بالإسلام، وعضوًا بلجنتي الخبراء وموسوعة عبد الناصر للفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلاميَّة سنة 1963م.

شغل الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي (مثل أبرز معاصريه من طبقة الشيخ محمود شلتوت ١٨٩٣- ١٩٦٣ والشيخ محمد محمد المدني ١٩٠٧- ١٩٦٨ والدكتور محمد يوسف موسى ١٨٩٩- ١٩٦٣) بالحديث عن الجوانب الفلسفية والعقلانية في التشريع الإسلامي، وشملت مؤلفاته مجالات عدة، مثل: الدراسات القرآنيَّة، والفقه الإسلامي، والسيرة النبويَّة، وغير ذلك من المجالات، ومن مؤلفاته:

1- في رياض القرآن: وقد اشتمل هذا الكتاب على بحوث علميَّة تتعلق بعلوم القرآن، وعرض نماذج من رياض القرآن، كالبدء بالتسمية في القرآن وغيره.

2- نفحات القرآن: (ثلاثة أجزاء)، وهو عبارة عن تفسير لآياتٍ من الذكر الحكيم تتعلق بمقامات الأخلاق والاجتماع وقضايا المجتمع.

3- بحوث في ترجمة القرآن الكريم: بالاشتراك مع الشيخ عيسى منون.

4- تاريخ التشريع الإسلامي: بالاشتراك مع الشيخ محمد علي السايس، والشيخ محمد يوسف البربري، وقد اشتمل هذا الكتاب على تاريخ التشريع الإسلامي من حيث نشأته وتطوره ومصادره ومذاهبه ومزاياه ومقاصده، وجهود الأولين في بيان أسرار الشريعة والبحث في أحكامها، ثم بيان أخبار الفقهاء والمجتهدين، والحديث عن الحياة العلميَّة لعلماء وعظماء الإسلام ومدارسهم العلميَّة، وكيف كانوا رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

5 ــ تشخيص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في المسرح وعلى شاشة السينما: بالاشتراك مع الشيخ طه محمد الساكت، والشيخ حافظ محمد الليثي، والشيخ عبد الكريم جاويش.

6 ــ في ظلال الكعبة: وقد اشتمل هذا الكتاب على الحديث عن الكعبة من جانبين:

الأول: وهو الجانب التاريخي؛ حيث ذكر فيه المؤلف عدد المرات التي جُدِّد فيها بناء الكعبة، ورجح أنها تسع مرات، واعتمد في هذا الجانب على السرد التاريخي الموجز المختصر دون تطويل أو إطناب.

والثاني: الجانب التشريعي للكعبة؛ حيث ذكر فيه المؤلف الأحكام التشريعية المتعلقة بها، دون التعرض لاختلافات الفقهاء والعلماء، بأسلوب مختصر دون إسهاب.

7 ــ التوثيق في المعاملات بين الشريعة والقانون: وقد جاءت صفحات هذا الكتاب مشتملة على بحوث فقهيَّة مهمة، تجمع بين وجهة نظر الشريعة والقانون في المعاملات الماليَّة؛ لبيان أنَّ الشريعة صالحة لكلِّ زمان ومكان، وأنَّها أقوى اتصالًا بحياة وواقع الناس، وهذا الكتاب لم يطرح رأي الحنابلة فقط، بل تطرق إلى عرض آراء المذاهب الفقهيَّة الأخرى؛ لإبراز يسر الشريعة ومرونتها.

8 - رسالة في أصول الفقه عند الحنابلة: وقد حوت تلك الرسالة الماتعة مباحث عدة في علم أصول الفقه عند الحنابلة، وقدَّم لها فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، ومفتي جمهورية مصر العربيَّة سابقًا.

9 ــ مذكرات في التاريخ: وهذا الكتاب يشتمل على تاريخ الدولة العثمانية، وتاريخ مصر في عهد العثمانيين، ثم حكم محمد علي باشا لمصر، وما تبع ذلك من إصلاحات وتحديث للدولة المصريَّة في عهد محمد علي، إلى أن تولى الحكم من بعده أولاده، وقد انتهى الكتاب بعهد إسماعيل باشا.

10- التعاون في الإسلام: بالاشتراك مع الشيخ طه محمد الساكت والشيخ عبد الكريم جاويش، وقد جاءت صفحات هذا الكتاب معبرة عن التعاون في نشأته وتطوره وضروبه وأصنافه؛ من حيث التعاون الاجتماعي، والتعاون بين الراعي والرعيَّة، والتعاون في الرأي الذي يعد مظهرًا من مظاهر اتحاد الأمَّة، وسببًا من أسباب مجدها ورقيها، كذلك التعاون في أوقات الحرب لمجابهة ومقاومة العدو وهزيمته والقضاء عليه؛ للحفاظ على أمتنا مرفوعة هامتها، عزيزة بأفرادها وقادتها.

11- الهجرة النبويَّة بين أسبابها ونتائجها: وقد اشتمل هذا الكتاب على عرض مختصر للهجرة النبوية، مبينًا أسبابها ونتائجها، حيث تعرض المؤلف في كتابه لمعنى الهجرة، ثم هجرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم بيَّن الأسباب الحتميَّة التي أدت للهجرة من اضطهاد المسلمين المستضعفين، وإيذاء النبي، والوقوف ضد دعوته، وكيفيَّة وقوع الهجرة، وما كان في ذلك من تخطيط وأخذ بالأسباب، وما ترتب على ذلك من تمام الهجرة، وانتصار الحق، وقيام دولة الإسلام، ثم ختم المؤلف كتابه ببيان حكم الهجرة في سبيل الله تعالى.

12- الوحي إلى الرسول محمد ﷺ: وقد اشتمل هذا الكتاب على الإرهاصات والأمارات التي منَّ الله بها على الأنبياء والمرسلين قبل النبوة والرسالة، ثم الحديث تفصيلًا عن الإرهاصات والأمارات التي كانت قبل مبعث سيدنا محمد ﷺ، وما تبع ذلك من نزول الوحي على سيدنا رسول الله ﷺ، وكيف كانت صور ذلك الوحي، ثم بيان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعصمته ﷺ، وشواهد ذلك، ثم بحوث علمية تتعلق بالقرآن والسنة النبوية، ويقع هذا الكتاب في (199صفحة) من القطع المتوسط.

13 ـ كتاب المطالعة للمعاهد الدينيَّة: بالاشتراك مع الشيخ أبو الوفاء المراغي، والدكتور محمود رزق سليم، وقد جاءت موضوعات هذا الكتاب مشتملة على الأدب واللغة والتاريخ والاجتماع الإنساني، وآداب الشريعة الإسلاميَّة وأسرارها وقيمها، فكانت متنوعة في المقاصد والأغراض والأساليب، وقد قررت مشيخة الأزهر الشريف تدريس هذا الكتاب على طلبة السنوات الأولى والثانية والثالثة بالمعاهد الدينيَّة في فترة الخمسينيات من القرن العشرين.

14- المختار من صحاح اللغة: بالاشتراك مع الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، فقد دعت الحاجة إلى إخراج معجم صغير يشتمل على أغلب المفردات اللغويَّة، ويكون سهلًا في عرضه وتناوله دون تقصير أو إطناب، فوقع اختيار الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي والشيخ محيي الدين عبد الحميد على «مختار الصحاح» للإمام محمد بن أبي بكر الرازي، المتوفَى سنة 666 هـ، فحققا نصه تحقيقًا دقيقًا بالرجوع إلى أصوله الخطية، وإلى أمات كتب اللغة ضبطا مفرداته ضبطًا تامًّا، وزادا عليه زيادات مهمة من المعاجم الأخرى، وميزا تلك الزيادات بعلامات مميزة، ورتبا مواد الكتاب على الحرفين الأول والثاني، وسُمِّي هذا المعجم «المختار من صحاح اللغة»، وفي هذا المعجم مادة علميَّة غزيرة يحتاجها كلُّ عالم وباحث لفهم معاني النصوص العربيَّة، وللوقوف على معاني المفردات.

ولم يتوقف نتاج الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي في حدود التأليف فقط، بل كان له باع كبير في كتابة المقالات في الصحف والمجلات، فكتب في جريدة الأهرام، ومجلة الأزهر، ومنبر الإسلام، والوعي الإسلامي، والرسالة، ولواء الإسلام، وكانت له مقالات في نقد الصحافة، تميزت بالنقد الهادف الذي لا يُجافي الحقيقة الواضحة من ناحية، كما لا ترتفع نبرته إلى حدِّ التشهير والتجريح من ناحية أخرى، كذلك كانت له الكثير من المساجلات بينه وبين الأستاذ المفكر محمود عباس العقاد رحمه الله تعالى.

ولم يتوقف النشاط العلمي والدعوي للشيخ محمد عبد اللطيف السبكي عند هذا الحد، فقد ألقى المحاضرات في الندوات والصالونات العلميَّة، وقد تميز أسلوبه في محاضراته بالثراء العلمي، والنقد البناء، ومعالجة قضايا المجتمع، ومن ذلك: محاضرته عن «الإسلام والمجتمع» التي ألقاها في المؤتمر الإسلامي بقاعة المحاضرات الكبرى بالأزهر، يوم الأربعاء 15 من ربيع الآخر 1375هـ / 30 نوفمبر 1955م، وندواته في مجلة لواء الإسلام.

كما كان الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي من أبرز علماء الأزهر اتصالًا بالصحافة المكتوبة إن لم يكن أبرزهم وقد كان يكتب في الأهرام ولواء الإسلام (لصاحبتها السيدة فاطمة حمزة) ومنبر الإسلام (التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية).

كذلك امتد نشاط الشيخ السبكي إلى الإذاعة والتليفزيون، فسجل العديد من الأحاديث واللقاءات في برامج عدة مثل: برنامج «نور على نور»، و«في رحاب الإيمان»، و«رأي الدين»، و«مع كتاب الله»، حيث سجل في هذا البرنامج عام 1965م عدة حلقات حول تفسير آيات من الذكر الحكيم.

 

وفاته

بعد رحلة حافلة بخدمة العلم والدين توفي الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي-رحمه الله- على مكتبه ببيته في القاهرة أثناء إعداده الفصل الأخير من كتابه (القدس)، يوم 12 من المحرم سنة 1389هـ/ الموافق 31 مارس سنة 1969م، عن عمر ناهز 73 عامًا، ودُفن بمسقط رأسه بمحافظة المنوفيَّة، رحمه الله رحمة واسعة، وأنزله منازل الأبرار.

 

________________
المصادر:

  1. الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي، هيئة كبار العلماء، https://bit.ly/3PM3wNS
  2. محمد الجوادي، الشيخ السبكي.. الفقيه العضوي المشتبك مع قضايا عصره، مدونات الجزيرة، 26 أغسطس 2020، https://bit.ly/40GhOWq
  3. ماهر حسن، وفاة الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي 31 مارس 1969، المصري اليوم، 31 مارس 2023، https://bit.ly/40tXPZW

صدر حديثًا –في شهر يناير 2025م- العدد المزدوج (182-183) من مجلة "المسلم المعاصر"، وهي إحدى المجلات الفكرية الإسلامية الرائدة التي تهدف إلى تعزيز الاجتهاد المعاصر في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، حيث تُعدّ مجلة "المسلم المعاصر" منبراً علميًا محكّمًا يُعنى بتقديم الأبحاث والدراسات التي تجمع بين التراث الإسلامي ومتطلبات العصر الحديث. فمنذ إصدارها الأول في عام 1974، تسعى المجلة إلى الإسهام في تطوير الفقه والفكر الإسلامي بما يستوعب التغييرات والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي المعاصر.

 

وقد جاء العدد الجديد من المجلة حافلًا بالمواضيع الغنية التي تلامس مختلف العلوم الشرعية والاجتماعية والاقتصادية، وتميز بتنوع الأبحاث التي تُلقي الضوء على قضايا معاصرة تحتاج إلى تحليل وطرح جديد وفق مقاربات إسلامية، ويتضمن العدد كلمة التحرير التي قدمها أ. د. محمد كمال إمام (رحمه الله)، حيث تناول فيها موضوع "مقاصد الشريعة الإسلامية"، مسلطًا الضوء على أهمية هذا المفهوم في ضبط الفهم الإسلامي العصري ومراحل العناية به وتوجيه الاجتهادات الشرعية نحو تلبية متطلبات الواقع، وتناول كيف تحركت المقاصد الشرعية في جميع المجالات دفاعا عن الشريعة باعتبارها الدين والعقيدة أولًا، والخصوصية والهوية ثانيًا، وأهمية الفهم الاجتماعي للنص في الرؤية المقاصدية.

 

أبحاث العلوم الشرعية:

  

ومن الأبحاث الرئيسية التي تضمنها هذا العدد بحث أ. د. أحمد علي سالم، والذي جاء تحت عنوان "حاكمية القرآن ووحدته البنائية": ويقدم هذا البحث تحليلاً لرؤية الدكتور طه العلواني في التعامل مع السنة النبوية باعتبار القرآن المصدر التأسيسي الوحيد للأحكام الشرعية، بينما السنة هي تطبيق للقرآن، كما يناقش البحث موقف العلواني من قضية نسخ الأحكام في القرآن ويدعو إلى الالتزام بالظروف والمقاصد الشرعية عند تطبيق الأحكام، ورؤيته بأن إصلاح الفكر الإسلامي يعتمد على العودة إلى القرآن كمصدر أساس للحياة والتشريع، والتي أكدت على وحدة القرآن والسنة في توجيه الأمة.

 

من جانب آخر، يبرز بحث أ. د. الحسان شهيد بعنوان "من كلام العقيدة إلى عقيدة الكلام": والذي يعالج مسار تطور علم الكلام منذ بداياته كصناعة علمية للعقيدة، وتطور الجدل العقدي بين الفرق الكلامية، وينتقل إلى محاولة تجديد علم الكلام في سياق معاصر، مع التركيز على تحويل العقيدة من صناعة علمية جدلية إلى مقاصد عقدية تعيد النظر في تجديد العلم وفق متطلبات العصر، موضحًا ضرورة استحضار تلك القضايا في أي محاولة لتجديد علم الكلام.

 

 

أيضًا، جاء بحث د. يوسف الإدريسي بعنوان "منهج الفقهاء في نقد الأخبار": ليناقش كيفية تعامل الفقهاء مع الأخبار النبوية بمنهج دقيق يراعي التوازن بين الجزئيات والكليات، ويبرز أهمية تقديم المعاني الكلية وتفضيل القطعي على الظني في إصدار الأحكام، ويركز على ضرورة التفريق بين صحة الحديث وحجيته عند الفقهاء، ويعالج الاختلافات الفقهية في تفسير الأحاديث، محذرًا من اتهام العلماء بالتحيز دون فهم منهجهم العلمي.

 

مناهج البحث:

يتضمن العدد كذلك أبحاثًا في مناهج البحث الإسلامي، حيث قدّم أ. د. شريف عبد الرحمن بحثًا بعنوان "اقتراب السنن - مدخل منهجي مقترح لدراسة الظواهر الاجتماعية": ويقترح هذا البحث مدخلًا منهجيًا لدراسة الظواهر الاجتماعية من منظور حضاري إسلامي، مؤكدًا على ضرورة وجود بديل إسلامي في دراسة العلوم الاجتماعية. ويعزز البحث فكرة التوافق بين التطلعات الأخلاقية للمجتمع المسلم والواقع المعرفي، مشيرًا إلى أهمية أن تسهم الجماعة البحثية المسلمة في تشكيل المعرفة الإنسانية عبر تقديم رؤى حضارية مستقلة.

 

علم الاقتصاد:

على صعيد الاقتصاد الإسلامي، قدمت د. فاطمة الزهراء دوقية بحثًا بعنوان "الاقتصاد في القرآن ومبادئه الثمانية": يستعرض البحث المبادئ العامة للاقتصاد الإسلامي في القرآن، والتي تهدف إلى تنظيم السلوك الإنساني في مجال الاقتصاد وفق قيم أخلاقية وتشريعية حاكمة. يؤكد البحث على ضرورة العمل في إطار هذه المبادئ الثمانية لتحقيق الرفاه الإنساني والعدالة الاقتصادية، معتبرًا أن تطبيق هذا النهج القرآني هو السبيل لتحقيق الحياة الطيبة والأمن الاجتماعي.

 

علم الاجتماع:

في مجال علم الاجتماع، تقدم أ. د. أماني صالح بحثًا بعنوان "المرأة والسنة النبوية: إشكاليات منهجية": يتناول البحث الإشكاليات المتعلقة بموقع المرأة في السنة النبوية، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من تلك الإشكاليات يعود إلى عدم فهم منهجي للنصوص. ويؤكد البحث على ضرورة تجديد أدوات الاجتهاد في فهم السنة وضبطها، ويخلص إلى أن الحلول تكمن في تحسين المناهج والأدوات لفهم النصوص الشرعية بعمق أكثر، وليس في النصوص نفسها.

 

قسم الحوار:

في القسم الأخير من العدد، يتناول العدد ردًا من أ. صفية الجفري على المعقبين على بحثها السابق حول موضوع "الحجاب، أسئلة الثبات والتغير"، حيث ترد فيه على ملاحظات الأساتذة الذين شاركوا في النقاش حول هذا البحث، وتوضح فيها الإشكاليات التي تضمنها التعقيبان الفقهي والمعرفي على البحث.

 

من تراثنا المعاصر:

واختتم العدد أبحاثه ببحث عن "محمد فريد وجدي"، وكتابه المعنون "المدنية والإسلام" والذي طبع أول مرة عام 1898م تحت عنوان (تطبيق الديانة الإسلامية على النواميس المدنية)، ثم أُعيد طباعته عام 1904م، تحت عنوان (المدنية والإسلام)، ويعد من أهم أعمال المفكرين المسلمين دفاعا عن علاقة الدين بالمدنية. وستستكمل المجلة هذه الدراسة في العدد القادم منها.

صدر حديثًا كتاب بعنوان "قانون الخدمة المدنية وقانون العمل" للدكتور محمد محمد عبد اللطيف (أستاذ القانون العام بكلية الحقوق– جامعة المنصورة)، عن دار الأهرام للنشر والتوزيع في نوفمبر 2024. يقدم الكتاب دراسة مقارنة بين قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، مع التركيز على نقاط التشابه والتقاطع بينهما، ويعد هذا الكتاب هو المؤلف الأول من نوعه في هذا المجال في مصر.

 

شرع المؤلف في تأليف هذا الكتاب -حسبما صرح بنفسه- بناءً على طلب عدد من الباحثين، وخلال العمل، ظهرت أوجه تشابه كبيرة بين قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، مما دفع المؤلف إلى إعادة توجيه دراسته نحو المقارنة بينهما، وجاءت هذه الفكرة بعد الاطلاع على الأحكام القضائية والفتاوى القانونية التي تتعلق بالموضوعين، كما لعبت الدراسات البينية دورًا في تشكيل الفكرة، خاصة مع غياب مقارنة ممنهجة في الفقه القانوني المصري، على الرغم من وجودها في الأبحاث الفرنسية.

 

الدافع وراء الكتاب:

يستجيب الكتاب لمطالب البحث الأكاديمي المعني بدمج القضايا التقليدية مع المستحدثة، فرغم أن المؤلف كان قد اتجه نحو الدراسات الحديثة، إلا أن أهمية تغطية قانون الخدمة المدنية الشاملة دفعته إلى المقارنة مع قانون العمل. ويعتبر الكتاب محاولة لتسليط الضوء على أثر القانونين على حياة العاملين في القطاعين الحكومي والخاص، ويرى المؤلف أن هذا الربط بينهما يمكن أن يسهم في تطوير منظور أشمل للحياة المهنية وتنظيمها القانوني.

 

منهجية الكتاب وأسلوبه:

اعتمد المؤلف في الكتاب على منهجية أكاديمية تحليلية تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، مع تركيز خاص على الأحكام القضائية المصرية والفرنسية، ويُعد الكتاب أكاديميًا في إطاره العام، لكنه يتميز بتناول القضايا القضائية الحديثة حتى نوفمبر 2024، مما يضيف له قيمة عملية وبحثية كبيرة.

 

المصادر والمراجع:

استند المؤلف بشكل أساسي إلى الأحكام القضائية الصادرة من مصر وفرنسا. شملت هذه الأحكام المحكمة الدستورية العليا، والمحكمة الإدارية العليا، ومحكمة القضاء الإداري في مصر، وكذلك أحكام مجلس الدولة والمحاكم الإدارية في فرنسا، واستعان أيضًا بموسوعات قانونية فرنسية مثل Dalloz-LexisNexis والمجلات الفقهية المتخصصة، مما أثرى الدراسة بمعلومات حديثة.

 

الصعوبات والتحديات:

واجه المؤلف تحديًا كبيرًا في تعديل بنية الكتاب عندما تطورت الفكرة إلى مقارنة بين القانونين. كما تطلب الوصول إلى المصادر القضائية المتنوعة مجهودًا إضافيًا، خاصة من المجلات القانونية والموسوعات المتخصصة. ورغم هذه التحديات، تمكن المؤلف من تقديم دراسة متكاملة تغطي الجوانب المقارنة بين القانونين.

 

المميزات والقيمة العلمية:

أحد أبرز مميزات الكتاب هو تركيزه على الجانب القضائي وتوظيفه في إطار أكاديمي، ويعتمد المؤلف على الأحكام القضائية كمرجع رئيسي، مما يجعله أداة قيمة للباحثين الذين يسعون لفهم الجوانب التطبيقية للقوانين. بالإضافة إلى ذلك، يسهم الكتاب في إثراء مجال الدراسات المقارنة عبر تقديم رؤية جديدة تجمع بين قانوني العمل والخدمة المدنية، مما قد يفتح آفاقًا جديدة للبحث والتطوير القانوني.

 

فصول الكتاب وموضوعاته:

الكتاب مقسم إلى أجزاء متعددة تتناول العلاقة بين قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، مع دراسة مفصلة للقضايا المشتركة بين مصر وفرنسا. كما يقدم الكتاب تحليلًا للأحكام القضائية المتعلقة بالمنازعات الوظيفية وقانون العمل في كلا البلدين، مع التركيز على الجانب القضائي في كل منهما.

 

________________

المصدر: محمد عبد اللطيف، معًا في كتاب واحد: قانون الخدمة المدنية وقانون العمل، حسابه على الفيسبوك، https://bit.ly/4hiTEXD