موقع حوارات

موقع حوارات

في القاهرة عقد قضاة مصر أول مؤتمر في تاريخهم، نظمه نادي القضاة، تحت عنوان “مؤتمر العدالة”.

وقد تشعب عمل المؤتَمرِين إلى شعب خمس، انتظمت كل واحدة منها في لجنة من لجان المؤتمر، لتناقش شأنًا مهمًا من شؤون العدالة، أو تتداول في بعض شجونها.

وكان أكبر مثير للانتباه ذلك الذي شغلت به للجنة سُميت بلجنة التشريع، وعقد لها اختصاص مناقشة سبل معالجة التضخم التشريعي، وقد أشار رئيس الجمهورية في خطابه الذي افتتح به المؤتمر إلى أن مصر قد صدر فيها ستة آلاف قانونًا منذ يوليه سنة 1952 حتى الآن، وهو رقم -في نظر المختصين- يقل كثيرًا عن الرقم الحقيقي لعدد التشريعات. ولكن هذه اللجنة شغلت بأمر آخر، غير تضخم التشريعات وزيادة عددها بلا توقف، شغلت بأمر نوع التشريعات المطبقة في مصر، ومصدرها وأساسها.

فكان المحور الرئيسي لعمل هذه اللجنة هو: تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر. ولم يبد أحد من المتحدثين من رجال القانون أو القضاة أو المحامين إلا تأييدًا مطلقًا لتطبيق الشريعة، وإعمال أحكامها واتخاذها –كما كانت- أساسًا للنظام القضائي والقانوني المصري.

وتوالت الحجج في هذا الخصوص: فنص المادة الثانية من الدستور المصري يوجب ذلك، وتطبيق أحكام الشريعة فرع لصحة الإيمان بالله تعالى وكتابه ورسوله، واستقلالنا السياسي لم يكتمل حتى اليوم.

إذ لا يكتمل لأمة استقلالها السياسي وهي مستعمرة تشريعية بكل ما في الكلمة من معان، بل إن مصر على وجه الخصوص مستعمرة تشريعية لمستعمرين متعددين لا لمستعمر واحد، وفي هذا من العنت والعسف بالناس ما فيه، وفيه من الإرهاق والإزعاج للقضاة والمحامين، الملزمين بتتبع مأخذ كل تشريع والبحث عن تفسيره المستقر في (بلد المصدر) حتى يتسق معه تفسيره في مصر، ما لا يعرفه إلا الساهرون الليالي بحثًا عن أصل الكلمة الفرنسية أو الانجليزية أو الايطالية التي ترجمت في قانوننا إلى العربية، وعن كيفية إعمالها قضائيًا في لغتها الأصلية، ومدى مناسبة ذلك لسياق قانوننا، أو اختلافه معه.

والقانون الأوروبي الذي يطبق في مصر فُرِضَ عليها فرضًا بعد الغزوة البريطانية الغادرة في سبتمبر 1882، إذ قدم ناظر الحقانية حسين فخري باشا إلى مجلس نظار الاحتلال الأول في 27 /12/1882 مذكرة يطلب فيها -وهو موقن بالإجابة- عدم عمل القوانين المطابقة للشريعة الغراء، نظرًا للحالة الجارية بين الأهالي. وهذه الحالة لم تكن إلا سعي القوات العسكرية البريطانية إلى تثبيت أركان وجودها الاستعماري في مختلف أنحاء القطر المصري، وفي كل جوانب الحياة فيه.

وما تخوفت منه بعض المحاكم المصرية من فراغ قانوني لا أساس له من الصحة، فنصوص الشريعة الإسلامية القطعية الورود والدلالة (وهي تمثل أسس النظام العام الإسلامي) تعمل من تلقاء نفسها في النظام القانوني ولا تحتاج إلى تدخل تشريعي جديد، وما عدا ذلك تكفَّلت بعلاجه طبيعة النظام القانوني في بعض جوانبه، ونصوص تشريعية كنص المادة الثانية من القانون المدني، ونص المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية (وهو نص لم يلغ) في جوانب أخرى.

والقضاة غير غرباء عن الشريعة الإسلامية بمصادرها ومراجعها ومصطلحاتها، فكثير منهم -بل جلهم- جلسوا في محاكم الأحوال الشخصية وهي لا تقضي إلا بالشريعة الإسلامية، فألفوا تلك المصطلحات ومرنوا على التعامل مع المراجع والمصادر الإسلامية، وهم جميعًا قد درسوا في كليات الحقوق قدرًا لا بأس به من المناهج الشرعية التي تجعلهم، بجهد لا يزيد كثيرًا عن جهدهم في التوصل إلى حكم القانون الوضعي، قادرين على التوصل إلى حكم الشريعة في الأقضية التي يتناولها المتقاضون أمامهم، والزعم بأن الشريعة تخيف إخواننا الأقباط زعم باطل مبني على النظرية الاستعمارية: فرق تسد، فقد عشنا معهم وعاشوا معنا ثلاثة عشر قرنا أو تزيد نستظل جميعًا بظل الشريعة السمحة، وقد أعلن كثيرون من أهل الرأي منهم أن في الشريعة الإسلامية من الأحكام ما هو أكثر إنصافًا وأعظم عدلًا لهم من القوانين التي يضعها الناس على هواهم، أو يقلدون فيها غيرهم. وهم قطعًا سيكونون -کما هم الآن- في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية، في وضع قانوني أفضل ألف مرة من وضع المسلمين القانوني في المجتمعات غير الإسلامية، التي تحكمها -بالطبع- القوانين الوضعية.

والشريعة، أخيرًا، أحفظ نظام وأحفله بحماية حقوق الناس والحفاظ على مصالحهم، وإقامة الحكام مسؤولين عن تحقيقها والسعي الدؤوب إلى استقرارها في المجتمع وبين كل شرائحه وطوائفه، حتى قرر الإمام القرطبي أن من أصر على الجور أو ترك الشورى من الحكام فعزله واجب بلا خلاف!!

فأي ضمان للناس أكثر من هذا الضمان، وأي احترام لإرادتهم وحقوقهم أعظم من هذا الاحترام!

أما الحكام، فهم في ظل الشريعة، إن حكموا بالعدل، وأقاموا في الناس ما يقضي به الدين، وحرصوا، جهدهم كله، على تحقيق مصالح المحكومين، وأخذوا بالشورى، ونبذوا الاستبداد، ووالوا أولياء الأمة وعادوا اعداءها، أولى الناس بالطاعة لهم، بل إن مخالفتهم فيما يأمرون به وينهون عنه من المباحات، تعد عندئذ معصية يجتنبها المؤمن طاعة لله لا خوفًا من القانون، ولا فزعًا من الشرطة، ولا رهبة من قوانين الطواري الدائمة أو المؤقتة.

ذلك، كان مجمل حجج المؤيدين لتطبيق الشريعة، وهناك تفاصيل كثيرة، بعضها ذو أهمية تركتها في هذا المقام لأعود إليها في موضع أكثر مناسبة لها إن شاء الله.

ولم يغب عن عمل تلك اللجنة -لجنة التشريع- الرأي الآخر، المعارض علنًا وبقوة لتطبيق الشريعة الإسلامية، أبداه بعض غير المشتغلين بالقانون من ضيوفها الذين حرصوا على المساهمة الفعالة في عملها.

وكان مجمل حججهم، أن النظم الإسلامية غير معروفة المعالم للكافة، فكيف نطالب بتطبيق شيء غامض؟

وأن الشريعة لم تكن مطبقة في مصر في العصر المملوكي والعصر العثماني، وأن الحاكم -الوالي- كان يجعل تطبيق أحكام القصاص والحدود إلى نفسه لا إلى القاضي، وأن هناك من يتخوفون من تطبيق الشريعة -بل يرتجفون- لأن المثل الموجود أمامهم هو مثل ذلك النفر من الشباب المتعجل، الذين يفصلون فيما يظنونه قضية، دون أن يسمعوا مرافعة ولا دفاعًا، وينفذون الحكم بأيديهم فلا يتيحون فرصة لاستئناف ولا نقض!!

ونالت تلك الحجج عناية كل المتحدثين، فبينوا أن النظم الإسلامية ذات أصول راسخة في القرآن والسنة، وأن ما لا يخالف نصًا قطعيًا فسبيله سبيل الاجتهاد المباح في الشرع، بل الواجب على القادرين عليه. وأن عدم العلم بهذه الأصول، وما بنى عليها من فروع ليس دليلًا على عدم وجودها حتى يطالب دعاة تطبيق الشريعة في كل موقف بتقديم الدليل عليها واثباتها!!

وقيل إن عيوب التطبيق تدل على انحراف في السلوك، لا في القواعد الحاكمة لهذا السلوك، وإن الانحراف أيًا كان سببه أو الدافع إليه لا يسوغ انحرافًا جديدًا، ولا يجعل الاستمرار في الانحراف أمرًا مشروعًا.

وأن الوالي حين كان يجعل التطبيق إليه في القصاص والحدود فإنما ذلك من شدة الاحتياط في أمر العقوبات الماسة بالحياة أو بالشرف والاعتبار، والفقهاء يحفلون غاية الاحتفال بما يمس الدماء والأعراض من العقوبات، ويوجبون الاحتياط في توقيعها، فجعل الوالي ذلك تحت اشرافه المباشر تنفيذًا، لا قضاء، إذ بقى القضاء دائمًا مستقلًا عن الوالي غير خاضع له. تلك هي القراءة الصحيحة للتاريخ، وما عداها -إن وجد- فهو شذوذ يعيب أصحابه ولا يعيب الإسلام ذاته.

وقيل أخيرًا إن ردود الفعل لا عبرة بها، وتصرفات الآحاد لا تلقي بالذنب أو اللوم على الكثرة المخالفة لها، ولا على الفكر الذي ينتسب إليه أصحابها. إنما يلام فهمهم، ويدان سلوكهم الخاطئ، ولا يجوز لعاقل أن يتصور تحول الدولة بنظمها ومؤسساتها إلى مجموعة من المتهورين المتعجلين. وهؤلاء لم يوجدوا إلا نتيجة القهر السياسي، والظلم الاجتماعي، والفساد في التركيبة الاقتصادية، وطغيان أقلية ظالمة على الأغلبية الصامتة المسحوقة، وحين تزول هذه الأسباب، ويسود العدل، وتبسط المساواة رداءها على الناس، فلن نجد لهؤلاء أثرًا، ولن نسمع لهم صوتًا.

وكان من طريف الحجج، وقويها في الوقت نفسه تلك الحجة القائلة: إن كل الأمم تحكم بقوانين تختارها ووفق نظم تقرها، وتتفق مع معتقداتها أو لا تتناقض معها. فما بال أمتنا المصرية والإسلامية بوجه عام يحال بينها وبين هذا الحق الطبيعي للأمم كافة؟ وهي قد أبدت رغبتها في استفتاءين شعبيين، وألحت عليها من خلال ممثليها في مجلس الشعب، واستمسكت بها في كل المناسبات والظروف، أم ترانا سنصنع صنع الذين لا يذكرون الله، فإذا مسهم الضر، ضل من يدعون إلا اياه، فإذا نجاهم إذا هم معرضون؟

لذلك انتهت أعمال المؤتمر وفي الصدارة من توصياته التوصيات الخاصة بإقامة النظام القانوني والقضائي المصري على أساس من الشريعة الإسلامية.

وبقي أن يستجيب لذلك صناع القرار التشريعي والسياسي، رفعًا للحرج عن القضاة واستجابة لحق الأمة في أن تحكم بما تريد، وقبل ذلك طاعة للرب، واستجلابًا لرحمته وهو القائل، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)﴾.


مقال مستل من كتاب: الأزمة السياسية والدستورية في مصر 1987-1990، للدكتور: محمد سليم العوا.

بعدما اتفق شيوخ القبائل في “سوات” على تطبيق الشريعة الإسلامية في مقاطعتهم، فإن أول ما فعلوه أنهم شرعوا في إقامة المحاكم الردع المذنبين وتأديب المتفلتين، و”سوات” هذه مقاطعة في شمال غرب باكستان في المنطقة الحدودية الموازية لأفغانستان، وسكانها من “البشتون” الذين خرجت طالبان الأفغانية من صفوفهم، وهذه الخطوة ليست شاذة في مجتمعات مسلمى أطراف العالم الإسلامي، الذين يعتبرون تطبيق الحدود هو الخطوة الأولى اللازمة لتطبيق الشريعة، وهو ما حدث في نيجيريا والصومال “حركة المحاكم الإسلامية”.

ومن المفارقات أن هذا الذي اعتبروه مدخلًا لتطبيق الشريعة، هو من الناحية الزمنية من آخر مانزل من تعاليم الإسلام، من تلك المفارقات أيضًا أن تلك الدعوات انطلقت في مجتمعات بائسة عانت من الدمار والفقر والتخلف، لكن الذين أطلقوها أداروا ظهورهم لكل عناصر ذلك الواقع المؤلم، ولم ينشغلوا إلا بالتعامل مع المنحرفين في المجتمع، وهو ما يدعونا إلى تأمل المفارقة الثالثة التي تتمثل في تجاهل أشواق الأسوياء الذين يشكلون الأغلبية الساحقة، وتوجيه الاهتمام صوب المنحرفين ومن لف لفهم، من ثم فإن مسلكهم جاء معبرًا عن فهم منقوص للدين ولسنن الإصلاح، وفهم معدوم للدنيا ولفقه عمارة الأرض.

 كون ذلك حاصلًا في مجتمعات الأطراف يفسر لنا لماذا تعاني من الفقر الشديد في المعارف الإسلامية، الأمر الذي تحتل في ظله الأولويات والموازين بحيث تغيب المقاصد عن الإدراك العام، وتحتل بعض الوسائل صدارة الاهتمام، وهو ما يحول الرسالة السماوية في نهاية المطاف إلى قانون للعقوبات، وليس سبيلًا إلى هداية الناس واستقامتهم، ودعوة إلى عمارة الأرض، وإشاعة الخير والنماء في المجتمع.

هؤلاء الذين يريدون اختزال الإسلام في الحدود يهينونه من حيث إنهم يبتذلونه ويقزمونه. كما أنهم يلطخون وجه الحضارة الإسلامية التي أنجزت ما أنجزته، لا لأنها لاحظت العصاة والمنحرفين، ولكن لأنها فجرت طاقات النهوض والإبداع لدى النابهين من أبناء الأمة، فتنافسوا في العطاء ووظفوا إيمانهم لصالح التقدم والبناء.

 في زياراتي لباكستان وأفغانستان صادقت نماذج من هؤلاء، وحين كنت أحدثهم عن أن من يريد أن يطبق الشريعة حقًا يجب أن يدخل إليها من باب تعزيز الحرية والديمقراطية، ولا ينبغي أن يفتح باب الحديث عن الحدود قبل توفير الكفايات للناس حتى يتسنى لهم الحلال الذي يغنيهم عن اللجوء إلى الحرام. وقد علت الدهشة وجوههم، حين قلت إن سيدنا عمر بن الخطاب أوقف حد السرقة في عام المجاعة، لأن الناس يجب أن يشيعوا ويعيشوا مستورين حتى لا يمد أحدهم يده ليسرق شيئًا من مال غيره، وكانت خلاصة ما خرجت به أن هؤلاء مسلمون مخلصون لكنهم لا يعرفون من أمر دينهم إلا النزر اليسير وهو ما حاولت لفت الانتباه إليه في كتابي عن جماعة طالبان، الذين وصفتهم بأنهم “جند الله في المعركة الغلط”.

هذه العقلية تجلت في سلوك “الخوارج” الذين كانوا أشد فرق المسلمين تدينًا وأكثرهم اندفاعًا وتهورًا. فهم الذين رفعوا شعار “لا حكم إلا لله” وكفروا عليا بن أبي طالب لأنه قبل التحكيم بينه وبين معاوية، حتى لم يترددوا في قتل من لم يؤيدهم في تكفيره، وهؤلاء لم يختلفوا كثيرا عن “اليعقوبيين” في الثورة الفرنسية، الذين باسم الحرية والإخاء والمساواة ارتكبوا الفظائع، فقتلوا المئات، وأسالوا الدماء غزيرة في البلاد.  لقد ندد الشيخ محمد الغزالي في كتاباته كثيرا بالمسلم “الغبي” الذي اعتبره كارثة بكل المعايير ولا أعرف ما الذي كان يمكن أن يقوله إذا ما قرأ خبر الذي جرى في “سوات” لكننى واثق من أنه لن يصنفه بعيدًا عن ذلك “الغبي” الذي استفزه وأثار غضبه ولم يتوقف عن مطاردته في كتبه خلال السنوات الأخيرة في عمره.

____________________________

المصدر: فهمي هويدي، بوابة الإسلام العقابي، جريد الشرق القطرية، 23 مارس 2009، https://2u.pw/w248NHi.

في هذه المقالة يناقش جوزيف لمبارد الأسس المعرفية للبحث الغربي حول الإسلام والقرآن، فيحاول كشف سيطرة البعد الكولونيالي على هذا البحث في أعمق مساحاته، ويعتبر لمبارد أن سيطرة هذا البعد والممكن تسميته «الاستعمار المعرفي» بما يستتبعه من تقسيم خرائطي للمعارف هو الذي يقضي بالتشكيك الدائم في صلاحية المصادر الإسلامية والمناهج المعرفية السائدة في هذا التراث، حيث يتم تقسيم المعارف إلى معارف مقبولة ومعارف غير مقبولة، ويتم وضع المعارف والمناهج الإسلامية خلف خط المعارف المقبولة كنتاج لا يصلح إلا للمعرفة الأدبية ولا يرقى لتكوين معرفة علميّة موثوقة.

وتأتي أهمية ترجمة هذه المقالة للمبارد ضمن ملف الاتجاه التنقيحي من كونها تكشف الأساس المعرفي الأعمق وراء هذه التشكيكات الجذرية في المصادر الإسلامية التي ينادي بها هذا الاتجاه، فضلًا عن قدرتها على كشف اتساع هذا التشكيك؛ حيث يشمل المناهج والأدوات وليس فقط المعارف، وقدرتها كذلك على كشف تجذّر هذا التشكيك أيضًا في أعمق مساحات البناء المعرفي الغربي.

بالإضافة لهذا تأتي أهمية هذه المقالة من كونها -عبر تفكيكها الأساس الثاوي في البناء المعرفي الغربي والقاضي بالتحيّز ضد المعارف والمناهج الإسلامية- تعدّ محاولة لإعادة الاعتبار لهذه المناهج، وهذا من شأنه أن يطور البحث الغربي للقرآن عبر الاستفادة منها.

رابط مباشر لتحميل المقالة

ورقة بحثية قُدمت إلى ندوة “الصكوك الإسلامية: عرض وتقويم” التي عُقدت في جامعة الملك عبد العزيز في جدة خلال الفترة 10-12/6/1431هـ الموافق 24-26/5/2010م بالتعاون مع مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية، وجاء في مقدمة هذه الورقة ما يلي:

تتناول هذه الورقة أهم القضايا الفقهية والاقتصادية التي أثيرت حول الصكوك. فمن الناحية الشرعية، تتفق الورقة مع التكييفات والآراء الفقهية الاجتهادية السائدة في قضية الصكوك، وتختلف عنها بعض الأمور، أهمها تفضيل معيار الغلبة في تداول الصكوك التي تحتوي موجوداتها على ديون أو نقود تجنبًا لوقوع ربا النسيئة، وعدم الموافقة على الإطلاق على تضمين موجودات الصكوك أي ديون ربوية.

وبينما تقبل الورقة القول بجواز تداول صكوك السلم، إلا أنها تحذر من استخدام ذلك التسويغ لتركيب عقود تسمح بوقوع المتاجرات (المضاربات) التي تودي باستقرار الأسواق. وكذلك تقبل الورقة جواز تضمين مدير الصكوك على أساس دارسة الجدوى التي يقدمها، ولكن ببعض الشروط، أهمها: أن ينص العقد بين الطرفين على تحديد مسببات الخسارة التي لا يكون بوقوعها مدير الاستثمار مسؤولاً عن رأس المال؛ وأن يُحتكم إلى محكم خارجي مستقل يتمتع بالخبرة الشرعية والتجارية لتقرير مسؤولية مدير الاستثمار من عدمها؛ وأن يقتصر التضمين إن وقع بشروطه على رأس المال، ولا يتجاوز بذلك إلى الربح. وأن يضمن مدير الصكوك في حال التضمين بشروطه القيمة السوقية لموجودات الصكوك عند وقوع مسبباته، لا أن يضمن رأس المال كاملاً عبر ضمانه للقيمة الاسمية للصكوك. وتحذر الورقة من أن ينطوي التعهد بشراء موجودات الصكوك ببقية أقساط الإجارة المتبقية في صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك، على تحقق الضمان الممنوع. كما تحذر بأن تعهد المستأجر في صكوك الإجارة التشغيلية بشراء الأصول عند الإطفاء بقيمتها الاسمية يمكن أن ينطوي على بيع الاستغلال وبيع العينة المنهي عنهما.

وتجيز الورقة التزام مدير الصكوك بتقديم قرض عند نقصان الربح الفعلي عن المتوقع في مقابل تنازل حملة الصكوك عن الربح الزائد عن المتوقع إذا كانت الصكوك صكوك استثمار يقوم على الربح والخسارة، ولا يكتنفها شيء من الضمانات، وتمثل ملكية حقيقية لا شكلية لموجودات الصكوك. وتؤكد الورقة على أن بيع الصكوك بأقل من قيمتها الاسمية لبعض حملة الصكوك، يتنافي مع مبدأ الاشتراك في الربح والخسارة بين حملة الصكوك، ولعدم قيام ما يسوّغ تفاوت حملة الصكوك في نسب الربح في بعض الحالات.

وتقول الورقة بجواز توزيع مدير الصكوك لجوائز على بعض حملة الصكوك إذا كانت قيمة أو مبالغ هذه الجوائز غير مرتفعة وكان ثمنها يدفعه مدير الصكوك من ماله الخاص، وبشرط ألا تزيد حصة الربح المشروطة لمدير الصكوك عن المعتاد، بما يجعلها تعويضًا له عن قيمة هذه الجوائز. وتقول كذلك بجواز اقتطاع نسبة معينة من أرباح الصكوك لتشكيل احتياطي يغطي خسائر مستقبلية محتملة، مع تمكين حامل الصكوك من استرداد ما اقتطع من ربحه عند انسحابه من العملية الاستثمارية.

وتجيز الورقة أن يعمد بائع الأصول إلى استئجار الأصول بعد بيعها إجارة منتهية بالتمليك، مع تحقق شرطين الأول: أن عقد البيع الأول الذي بيعت فيه الموجودات المؤجرة عقد بيع حقيقي بين بائع الموجودات وحملة الصكوك أو من يمثلهم. الثاني: أن حملة الصكوك يتحملون حقيقة تبعات الموجودات المؤجرة طيلة فترة عقد الإجارة، من حيث ضمان خطر الأصل المؤجر، وتحمل نفقات الصيانة الأساسية التي يتحملها المؤجرون عادة ونفقات التأمين والضرائب والغرامات وكل ما يتحمله الملاك عادة.

ومن الناحية الاقتصادية غالبًا ما تبنى العلاقة بين حملة الصكوك والهيئة الخاصة على أساس عقد المضاربة، بحيث لا يتدخل حملة الصكوك في تفاصيل أعمال الهيئة، وإنما عليهم أن ينتظروا النتائج، ونظرًا لأن الهيئة الخاصة ينشئها ويملكها في الغالب المالك الأصلي للموجودات المصككة، فمن المتوقع أن تحدد مهام الهيئة وصلاحياتها عند إنشائها بما يتفق مع مصالحه التي قد تتعارض مع مصالح حملة الصكوك، ولحماية حملة الصكوك من تضارب المصالح، يكون الأفضل أن تبنى العلاقة بين حملة الصكوك والهيئة الخاصة على أساس المشاركة.

وللتأكد من توافق أعمالها مع الشريعة لا بد من وجود هيئة شرعية تشرف عليها. فإذا تعددت العمليات التي تقوم بها الهيئة الخاصة وتنوعت فلا مناص من أن يؤسس جهاز للتدقيق الشرعي يعمل تحت إشراف الهيئة الشرعية.

وتتلخص أهداف السلطات الرقابية فيما يتعلق بالصكوك في: أولاً، الحرص على خاصية التوافق مع الشريعة، لأنه إذا لم تتوافر الشروط الشرعية في الصكوك، فإنها تهدد بسوء السمعة وفقدان الثقة التي قد تتطرق إلى النظام النقدي والمالي بأسره. وثانيًا الحرص على أن حملة الصكوك يمتلكون حصصًا على المشاع في موجودات حقيقة، لأن هذا شرط للتوافق مع الشريعة ولضمان حقوق حملة الصكوك.

وثالثًا، الحرص في كل الأحول على خلو استخدام حصيلة الصكوك من مخاطر النزوع السيئ، بمعنى أن بائع الصكوك سوف يستخدم الحصيلة فيما خصصت له، وهذا يضمن قدرته على خدمة موجودات الصكوك من حيث الصيانة والحفاظ على منافعها، وكذلك دفع أقساط الإيجار وغيرها من مستحقات حملة الصكوك.

ورابعًا، الحرص على أن كافة الاحتياطات قد اتخذت لكي لا يكون لدى حملة الصكوك حاجة إلى التصرف في موجوداتها بتأجيرها إلى جهة أخرى أو ببيعها. لأن حدوث ذلك، سوف ينزع من الصكوك عنصر الاستقرار، ويهدد السوق المالية كلها بالانهيار.

ومن غير الممكن القيام بالرقابة والإشراف على إصدار وتملك وتداول الصكوك بدون توفر بنية أساسية مناسبة تتضمن من ناحية سهولة إصدار صكوك متوافقة مع الشريعة، ومن ناحية أخرى تحقق قدرة السلطات الرقابية على التعامل مع ما قد يتصل بها من انحرافات وقائيًا وعلاجيًا.

وأول عناصر تلك البنية الاعتراف بعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني، حتى لا تتعامل المحاكم مع تلك العقود كعقود ربوية، ولكي تقر بملكية حملة الصكوك للموجودات، وثانيها أن يصدر قانون للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية حتى تتمكن السلطات الرقابية من فحص وتدقيق المنتجات المالية بناء على مرجعية إسلامية وليس مرجعية ربوية لا تقبل اختلافات جوهرية بين المنتجات المالية الإسلامية والمنتجات التقليدية، ولا تستحل السلطات الرقابية لنفسها إصدار أوامر وتوجيهات عامة إلى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لا تتفق مع شروط ترخيصها بصفتها بنوك تعمل بالتوافق مع الشريعة.

وثالثًا، وضع ضوابط لحوكمة الهيئات الشرعية العاملة لدى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، تمنع المدعين من الانتساب إليها، ولكي يتوقف سيل المنتجات المالية سيئة السمعة التي ترتكز على الصحة الشكلية دون صحة الغرض دون الانتباه إلى المآلات التي تترتب على تلك المنتجات، وحتى تقتصر عضوية تلك الهيئات على عدد فردي من علماء الشريعة الحاصلين على الدكتوراه في الشريعة من جامعات مرموقة، يساعدهم مستشار حاصل على الدكتوراه في اقتصاديات النقد والمال. كما يجب أن تدخل هيئات التصنيف مؤهلات أعضاء الهيئات الشرعية المشرفة على إصدار الصكوك في تصنيفها.

ورابعًا، لا بد من حوكمة الهيئة ذات الغرض الخاص التي تقوم بشراء الموجودات، وإصدار وتوزيع الصكوك، والتي تمثل في النهاية مصالح حملة الصكوك، بحيث يتملك حملة الصكوك حصصًا على المشاع فيها بنسبة ما يحمله كل منهم من الصكوك، ومن الممكن أن ينضم إليهم منشئ الموجودات كشريك بقيمة ما يحمله من الصكوك.

وفي النهاية تقدم الورقة مقترحين بشأن تفعيل دور الصكوك في مجال السياسات الاقتصادية والتنموية. الأول هو قيام البنك المركزي بإصدار صكوك إقراض مركزية، تستثمر حصيلتها من خلال وضعها كودائع ادخارية واستثمارية لدى البنوك الإسلامية، ويمكن أن يحقق تداولها تكوين سوق نقدية بين البنوك الإسلامية. كما يمكن أن تستخدمها السلطات النقدية كأداة للتحكم في معدل التوسع النقدي، والثاني أن تقوم المؤسسات العامة بإصدار صكوك تستخدم حصيلتها في توسيع نشاطها وتمويل رأسمالها العامل، بجانب تمويل المشروعات الكبرى، وبخاصة مشروعات البنى التحتية.

رابط مباشر لتحميل البحث

أ- سيادة الدستور وضرورة حراسته:

1- منذ ظهرت الجماعات السياسية المنظمة، وانقسم الناس فيها إلى حكام ومحكومين، برزت مشكلة أساسية، صارت ولا تزال محور أبحاث القانون العام وعلمي السياسة والاجتماع، وهي مشكلة العلاقة بين الفرد والدولة، أو بين الحكام والمحكومين .. وقد أسفر التطور الطويل لهذه العلاقة عن ظهور مبدأ قانوني أساسي يهدف إلى حماية الأفراد في مواجهة السلطة العامة، ويكفل تحول السلطات التي تملكها الدولة، ويباشرها “الحكام” من مجرد قوى أو قدرات مادية، إلى اختصاصات تحددها وتضبط اتجاهها مقدما مجموعة من القواعد القانونية العامة.. وهذا المبدأ هو ما يعرف بمبدأ الشرعية Principe de legalie، أو مبدأ سلطان القانون وسيادته The Rule of Law، ومؤداه أن يخضع الحكام جميعًا للقانون، بحيث لا تكون أعمالهم ولا قراراتهم صحيحة قانونًا وملزمة للمخاطبين بها إلا بقدر التزامها لحدود الإطار القانوني الذي تعيش الجماعة في ظله.

 2- وقد دلت تجارب الشعوب على امتداد التاريخ على أن مبدأ الشرعية هذا يظل عديم القيمة من الناحية العملية، ما لم يقترن بجزاء فعال ومنظم يكفل امتثال السلطات العامة لمضمونه وتقيدها بحدوده.. وهو المعنى الجليل الذي استند إليه الصحابي العبقري (عمر بن الخطاب) حين كتب إلى قاضيه قائلًا: “واعلم أنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له”.. وقد استقرت أكثر النظم القانونية على أن الضمان الحقيقي الفعال لمبدأ الشرعية، من بين ضمانات أخرى ذات طابع سياسي، يتمثل في التسليم لسلطة خاصة مستقلة عن السلطة السياسية في الدولة بمهمة التحقق من احترام السلطات العاملة في الدولة لمبدأ الشرعية بعناصره المختلفة، وعلى رأسها احترام النصوص الدستورية التي تمثل قمة الهرم الذي تتكون منه القواعد القانونية في الدولة. وهكذا ظهر مبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الحكام وقراراتهم، سواء كانت تلك القرارات صادرة من السلطة التشريعية أو من السلطة التنفيذية.

وفى بيان أهمية الرقابة القضائية على أعمال السلطات العامة قررت محكمة القضاء الإداري في مصر أن تلك الرقابة “هي دون غيرها الرقابة الفعالة التي تكفل للناس حقوقهم الطبيعية وحرياتهم العامة، وبها يبقى النظام في حدوده الدستورية المشروعة، وكل نظام أرسى الدستور أساسه ووضع القانون قواعده هو نظام يخضع –مهما يكن نظاما استثنائيا- لمبدأ سيادة القانون، ومن ثم لرقابة القضاء.

ب- الطبيعة الخاصة للقضاء الدستوري “من مجلس الدولة إلى المحكمة الدستورية العليا”:

3- وحين أخذت مصر عام 1946 بنظام القضاء الإداري بصدور القانون 146 لسنة 1946 بإنشاء مجلس الدولة.. كانت أمام الفقه والقضاء في مصر تجربة مكتملة النمو في ممارسة الرقابة القضائية على أعمال الإدارة.. وهي التجربة الفرنسية التي تحددت خلال مراحلها المختلفة طبيعة الرقابة القضائية على قرارات الإدارة وأعمالها المادية.. وظهر تميز قواعد القانون الإداري عن قواعد القانون المدني الذي يحكم علاقات الأفراد، وذلك في مجالات ثلاثة أساسية أولها: مجال العقود، والثاني: مجال المسئولية التقصيرية، والثالث: مجال القرارات الإدارية.. وكان واضحا منذ اليوم الأول لنشأة القضاء الإداري في مصر أنه ليس كالقضاء المدني، قضاء تطبيقيًا تحكمه قاعدة سلطان الإرادة في العقود، والمساواة بين أطراف العلاقة في ميدان المسئولية عن الفعل الضار “المسئولية التقصيرية”، وإنما تتسع وظيفته في هذين المجالين وفى غيرهما، بحيث لا تقف عند حرفية النصوص، تشريعية كانت، أو عقدية تنشئها إرادات الأفراد المتساوية.. وإنما هي وظيفة تنطوي على دور “إنشائي” يقوم به القاضي، وهو يحدد نقطة التوازن بين مصالح الدولة وهيئاتها من ناحية، ومصالح الأفراد من ناحية أخرى .. وهو توازن يحكمه اعتباران أساسيان:

أولهما، ملاحظة أن المصالح التي تتنازع وتتصارع أمام القضاء الإداري ليست متكافئة من حيث الأهمية، فبينما يعبر الفرد الذي يختصم الإدارة عن مصلحة خاصة فردية، فإن الإدارة التي يختصمها تسعى -بحسب الأصل- إلى رعاية مصلحة عامة جديرة بالاعتبار لتعلقها بمجموعة المواطنين، أو فريق كبير منهم.

ومن ناحية أخرى فإن ما تملكه الإدارة من حقوق السلطة العامة وامتيازاتها ومن سلطة التنفيذ المباشر على الأفراد عن طريق استخدام القوة في كثير من الحالات .. يتجاوز كثيرًا حدود ما يملكه الفرد الذي يخاصمها..

ومن ثم كانت مراعاة هذين الأمرين فرضًا على القاضي الإداري، وكان ما يتوصل إليه من حلول، وما يصدره في المنازعات الإدارية من أحكام: معبرًا بالضرورة عن السعي للتوفيق بين هذه الاعتبارات المتعارضة، وتحديد نقطة التوازن بينها.. ولا يحتاج القارئ -بعد مضى أكثر من نصف قرن على نشأة القضاء الإداري- أن نردد أمامه ما قررته عشرات الأحكام من هذه الطبيعة الخاصة التي تميز القضاء الإداري. وإلى أحكام أخرى غير قليلة أوشكت فيها المحكمة أن تعبر الخط الفاصل بين “رقابة المشروعية” التي تملكها بغير منازع والرقابة على سلطة التقدير التي تملكها –بحسب الأصل– جهات الإدارة، وذلك حين بسطت رقابتها على عنصر “التناسب” بين المقدمات التي استندت إليها الإدارة لإصدار قرارها، وبين حدود النتائج التي رتبتها على تلك المقدمات.. مقررة في بعض أحكامها أن القرار يكون جديرًا بالإلغاء إذا شابه خطأ صارخ في التقدير لـ manifeste Dappreciaion Erreur كما في حالة عدم التناسب الصارخ بين المخالفة الوظيفية المنسوبة لأحد العاملين بالدولة وبين الجزاء الذي وقعته جهة الإدارة بسبب تلك المخالفة.. وقد درجت محاكم مجلس الدولة على إطلاق وصف “الغلو” على حالات هذا الخطأ الصارخ في التقدير.

4- وحين اتجهت مصر إلى تنظيم الرقابة على دستورية القوانين بإنشاء المحكمة العليا عام 1969، ثم بالنص على إنشاء محكمة دستورية متخصصة في المادة 174 من دستور مصر الصادر عام 1971، وهو النص الذي وضع موضع التطبيق بإنشاء المحكمة الدستورية العليا بالقانون رقم 48 لسنة 1979، فقد كان التصور السائد أن مهمة هذه المحكمة لا تنطوي على أكثر من المقابلة بين نصوص التشريع المطعون بعدم دستوريته، وبين نصوص الدستور. بحثًا عن المخالفة الدستورية التي ينسبها إليه الطاعن فيها.. وتصور كثيرون أن هذه الرقابة سوف تظل تمارس في أضيق الحدود نزولًا عند عدد من الاعتبارات القانونية والسياسية.. على رأسها اعتباران:

 أولهما: أن الهيئة التشريعية هيئة منتخبة من جماهير الناس، وأنها –لذلك– معبرة عن إرادة الناخبين، وممثلة لتوجهاتهم السياسية والاجتماعية.. وأنها لذلك ينبغي أن تظل صاحبة القول الفصل في ملاءمة ما تصدره من تشريعات.. وأن المحكمة الدستورية -لذلك كله- سوف تحجم عن التدخل في تقدير تلك الملاءمة.. حتى لا تتجاوز حدود وظيفتها القضائية.

الآخر: أن مبدأ الفصل بين السلطات، والذي بمقتضاه عهد الدستور إلى المجالس النيابية المنتخبة وحدها بوظيفة التشريع، لابد أن يحول دون إقحام المحكمة الدستورية العليا نفسها في تلك الوظيفة التشريعية، وهذه المحكمة في مصر -على ما هو مقرر ومعروف- هيئة قضائية خالصة في تشكيلها وإجراءاتها والاختصاصات الممنوحة لها. ولعله في إطار هذين المبدئين، والتزاما بهما قرر الفقه والقضاء وجود ما يسمى “قرينة الدستورية” أي أن الصحة هي الأصل في التشريعات الصادرة من المجلس التشريعي، وأن مقتضى هذه القرينة أن يقع على الطاعن عبء إثبات المخالفة.. ومقتضاها كذلك ألا تقضى المحكمة بعدم دستورية نص تشريعي إذا إلا جرى التيقن من هذه المخالفة، فلا تكفي “شبهة” المخالفة للقضاء بعدم دستورية التشريع. وربما ساعد على انتشار هذا التصور غير الدقيق لمهمة المحكمة الدستورية العليا ما اشترطه قانونها في المادة 30 منه من ضرورة أن يحدد الطاعن في صحيفة طعنه النصوص التشريعية المطعون بعدم دستوريتها وأوجه تلك المخالفة والنصوص الدستورية التي يدعى مخالفة التشريع لها وأوجه تلك المخالفة.

ومع ذلك فقد استوقفنا كثيرا ما ورد في تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب عند مناقشتها مشروع القانون رقم 48 لسنة 1979 الخاص بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا، جوابا عن الاعتراض على نظام الرقابة القضائية اللاحقة لدستورية القوانين بأن الهيئة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين قد تعتدى على المشرع وتتدخل في أعماله على خلاف ما يقضى به مبدأ الفصل بين السلطات، جوابا عن هذا الاعتراض يقول التقرير: “إن الرقابة على دستورية القوانين وما قد تصل إليه الهيئة المنوط بها الرقابة من إلغاء التشريعات غير الدستورية يمكن اعتباره نوعا من التوزيع الدستوري للوظيفة التشريعية بين البرلمان والهيئة المنوط بها الفصل في دستورية القوانين”.

وهذا القول يتجاوز كل ما قاله المنادون بتوسيع نطاق الرقابة القضائية على القوانين، داخل المحكمة الدستورية العليا في مصر، وخارجها، وهو –في تقديرنا- قائم على تفسير للوظيفة التشريعية، لا نوافق عليه، ذلك أن مجرد القضاء بعدم دستورية نص تشريعي لا ينطوي –بذاته- على اشتراك في الوظيفة التشريعية مع المجلس التشريعي الذي أناط به الدستور وظيفة التشريع، فالمحكمة حين تقضى بعدم دستورية نص تشريعي، فهي –في الحقيقة– تحدد للمجلس التشريعي ما لا يملكه وهو يمارس وظيفته، ولكنها تتوقف -بعد ذلك– عن تحديد كيفية ممارسة ذلك المجلس التشريعي لما يملكه من أمر التشريع. ودورها في ذلك لا يعدو أن يكون إعمالًا صحيحًا لمبدأ الفصل بين السلطات وما يتممه من مبدأ التوازن وتبادل المراقبة Checks and Balances بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. وحين يستقيم فهم وظيفة المحكمة الدستورية على هذا النحو فإن كثيرًا من النقد الذي يوجه إليها وإلى بعض أحكامها يغدو نابعًا من فهم غير صحيح لوظيفتها، وفهم آخر غير صحيح لمبدأ الفصل بين السلطات.

طبيعة القضاء الدستوري وحدود سلطة المحكمة:

في السابقة المشهورة التي قررت المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية فيها أن تتصدى للرقابة على دستورية القوانين في غيبة نص دستوري يمنحها هذا الاختصاص، صورت المحكمة دور القضاء في الرقابة تصويرًا شديد التبسيط، وإن بدا مقنعًا ومنطقيًا، فقررت على لسان رئيسها مارشال الذي ارتبط اسمه باسم الرقابة على دستورية القوانين “إن القضاء حتى يفصل في خصومة موضوعية قائمة أمامه لابد أولًا أن يحدد القانون الذي يطبق عليها. فإن حدث وتناول المشكلة القانونية المعروضة نصان متعارضان أحدهما دستوري والآخر عادى فإن على القضاء أن يختار بينهما، ولما كان الدستور هو القانون الأساسي الذي يشغل الدرجة العليا من البناء القانوني فلا شك أن على القضاء أن يطبقه في الخصومة ضاربًا صفحًا عن كل نص تشريعي مخالف..”.

 وهذا الذي يقوله مارشال، والذي ذهب إلى مثله، أقرب إلى الواقع وأكثر اتفاقًا من المنطق القانوني من القول بأن المشرع الدستوري قد اتجه إلى توزيع الوظيفة التشريعية بين المجلس النيابي والقضاء الدستوري، وهو التفسير الذي أورده تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب وبغض النظر عن أن المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية كانت بصدد تقرير حقها في الرقابة على دستورية القوانين عن طرق الامتناع عن تطبيق النص التشريعي المخالف للقانون.. فإن جوهر ما نهدف إليه من الإشارة إلى تلك السابقة القضائية هو عرضه هذا التصوير “الشكلي” لمهمة القضاء، وهو يراقب دستورية النص التشريعي. ولما كان من المقرر في الفقه، وفى ضوء الدراسة المستفيضة للعمل القضائي، أن “العبرة في الحكم على مسلك المحكمة، أي محكمة، إنما هي بما يفعله القاضي فعلًا. وليس بما يقول إنه يفعله”..

ويدل استقراء مئات الأحكام القضائية المتصلة بدستورية القوانين، في مصر، وفى فرنسا وفى الولايات المتحدة.. دلالة واضحة على أن القاضي يمارس سلطة تقديرية واسعة حين يستخدم حقه المقرر في الرقابة على دستورية القوانين، ويرجع اتساع هذه السلطة التقديرية إلى أن نصوص الدساتير نصوص لها طبيعة خاصة تميزها عن سائر النصوص القانونية، إذ يقع بعضها على الحدود الفاصلة بين عالم السياسة وعالم القانون.. فالنصوص الدستورية التي تعالج أمر سلطات الحكم ورسم الحدود الفاصلة بينها تحمل بسبب عمومها تفسيرات متعددة، ومثلها في ذلك النصوص التي ترسم الحدود بين سلطات الدولة المختلفة وحقوق الأفراد والجماعات. فإذا أضفنا إلى ذلك أن النصوص الدستورية العديدة التي تحدد للمشرع ولسائر سلطات الحكم في الدولة، تشتمل على توجهات موضوعية عامة في العديد من الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن ذلك التحديد يتم عادة من خلال نصوص عامة… ينفتح معها الباب لدور إنشائي وإبداعي كبير في تفسيرها وإنزال حكمها الملزم لسلطة التشريع.

إذا ذكرنا هذا كله لاتضح لنا على الفور ما تؤدى إليه هذه الطبيعة الخاصة للنصوص الدستورية من منح القاضي الذي يحاكم النصوص التشريعية إلى نصوص الدستور سلطة تقديرية واسعة يكون له في ظلها تأثير على السياسات العامة للمجتمع في الميادين الاجتماعية والسياسية. وهو التأثير الذي أشار إليه تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب عند مناقشة مشروع قانون إنشاء المحكمة الدستورية، والذي تحفظنا عليه في مطلع هذا البحث، انتباها إلى أن مشاركة القضاء تظل مشاركة سلبية، تتمثل في تحديد ما لا يملكه المشرع وفقًا لتفسير المحكمة الدستورية لنصوص الدستور.

خلاصة القول أنه قد صار معلومًا لكل مشتغل بالقضاء، ممارسة أو دراسة وتحليلًا.. أن المحكمة الدستورية تمارس دورًا إنشائيًا يتجاوز حدود التطبيق الحرفي لنصوص الدستور، ليصل إلى التأثير العملي على كثير من أمور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع.. وأن هذا الدور الإنشائي يتحقق عن طريق قيام المحكمة بتفسير نصوص الدستور ونصوص القوانين واللوائح التي يطرح عليها أمر دستوريتها.. وأن هذا التفسير لا يمكن أن ينفصل تمامًا عن الرؤية الخاصة للمحكمة في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية التي تتناولها في أحكامها.. وقديمًا عبر عن هذه المشاركة أحد رؤساء المحكمة العليا الأمريكية قائلًا: “نعم.. نحن –أي المحكمة– نعمل في إطار الدستور، ولكن الدستور هو ما نقرر نحن أنه الدستور”.

ولذلك قلنا في مناسبة سابقة: “إن العدالة الدستورية ليست أبدًا عدالة معصوبة العينين. والرقابة على دستورية القوانين ليست عملية حسابية أو آلية توضع بها نص القانون في مواجهة نص الدستور فيظهر على الفور مدى التطابق بينهما، أو مدى مخالفة القانون لنصوص الدستور، إن النصوص الدستورية –على ما ذكرنا– تعالج أمورًا بالغة التعقيد تتصل بمبادئ سياسية واجتماعية يتفاوت النظر في تحديد مدلولها وتحديد نطاقها. والقضاة –في نهاية الأمر– مواطنون مشاركون في حياة مجتمعهم، ولكل منهم –وهم بشر- رأيه الخاص وتوجهاته الخاصة ومنطلقاته الفكرية تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، ومن شأن هذه الآراء والتوجهات أن تجد سبيلها إلى الأحكام القضائية التي يصدرها أولئك القضاة، وهم يفصلون في أمر دستورية نص تشريعي يعالج الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. ولهذا وجدنا الفقه الدستوري في بلد كالولايات المتحدة يعنى عناية خاصة بفهم الرؤى السياسية والقانونية لأعضاء المحكمة الاتحادية العليا، ووجدناهم يؤلفون الكتب وينشرون عشرات المقالات في تحليل تلك الرؤى ورصد انعكاساتها على ما أصدره وما يتوقع أن يصدره أولئك القضاة من أحكام تتعلق بدستورية القوانين”.

منهجان مختلفان في ممارسة الاختصاص بالرقابة على دستورية القوانين:

تعرضت المحاكم التي تمارس الرقابة على دستورية القوانين لحملات تعترض على بعض أحكامها، وترى فيها اقتحامًا -لا يجوز– لسلطة التشريع التي اختص بها الدستور والمجالس النيابية المختلفة.. وقع ذلك الاعتراض في الولايات المتحدة منذ أوائل القرن الماضي، ووقع مثله في مصر حين توالت خلال العشرين سنة الأخيرة أحكام قضت فيها المحكمة الدستورية بعدم دستورية عديد من التشريعات يتصل بعضها بالحقوق والحريات، ويتصل بعضها الآخر بنصوص تشريعية تعالج جوانب مختلفة من حياتنا السياسية والاجتماعية وكان جواب المحاكم الأمريكية ومعها جانب من الفقه.. هو عين جواب المحكمة الدستورية في مصر، ومعهما كذلك جانب كبير من فقهاء القانون الدستوري، ومضمون هذا الجواب أن المحكمة إنما تمارس اختصاصها بالرقابة وفق منهج صارم يتوسط به بين التفريط الذي يؤدى إلى استمرار العمل بنصوص تشريعية مخالفة للدستور.. والإفراط الذي تقتحم به المحكمة مجال التشريع، متجاوزة القاعدة المقررة من أن المحكمة الدستورية تقضى ولا تشرع تمامًا، كما أن القاضي الإداري يقضى ولا يدير… أي أن المحكمة في الحالين لا تتجاوز حدود العمل القاضي ولا تقتحم على أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية مجال اختصاصها الذي حجزه لها الدستور.

ويتمثل هذا المنهج “الوسط” في التزام المحكمة عددًا من الضوابط التي يسميها الفقه، كما سمتها المحكمة الدستورية العليا في مصر “ضوابط التقيد الذاتى” Judicial self restraint. في مقدمة هذه الضوابط ما استقر عليه الفقه والقضاء من احترام قرينة “الدستورية” أي قرينة احترام النصوص الدستورية فيما تصدره سلطة التشريع من قوانين وقرارات، ومنها أن المحكمة في ممارستها للرقابة لا تتدخل في البواعث التي دفعت المشرع إلى إصدار التشريع محل الطعن.. كما لا تتداخل في أمر “ضرورته” وتقدير الحاجة إلى إصداره.

ويعرف أهل الاختصاص بالقانون الدستوري، أن اختيار المحاكم الدستورية “للسياسة القضائية” التي ترسم بها لنفسها حدود تدخلها في العمل التشريعي هي أكثر أجزاء عمل المحكمة الدستورية دقة وصعوبة، ولن يدرك عامة المتقاضين ثقل المحكمة [المهمة] الملقاة على المحكمة الدستورية، وهي تتلمس لنفسها –في قضائها- سبيلًا قوامًا بين الإسراف في الحذر والإفراط في الإقدام.

ولقد تعرضت محكمتنا الدستورية العليا لسهام نقد زاد عددها مع زيادة عدد الأحكام التي قضت فيها المحكمة بعدم دستورية عدد كبير من التشريعات، وتساءل كثيرون، من رجال القانون، ومن عامة المثقفين والمهتمين بالشأن العام عن دلالة كثرة الأحكام الصادرة بعدم دستورية العديد من نصوص القوانين.

ومن الضروري أن يلاحظ الجميع أن كثرة هذه الأحكام لا تعبر –بالضرورة- عن إسراف مذموم في تقدير عدم دستورية تلك القوانين بقدر ما تعبر عن ترخص المشرع في بعض ما يصدره من تشريعات، وتساهله في التثبت من التزام تلك التشريعات لحدود الدستور، وهو ترخص لا يكشف بالضرورة –كما يتوهم البعض- عن الاستخفاف بنصوص الدستور أو توهم أن المجلس التشريعي “سيد” فوق القانون وفق الدستور، وإنما قد يرجع ذلك –في بعض حالاته على الأقل– إلى تنوع المجالات التي يتناولها بالتنظيم التشريع الحديث وتعقيد بعضها… وأن انشغال المجلس التشريعي بمواجهة الحاجات الاجتماعية والسياسية بما يناسبها من تنظيمات تحقق الأهداف الكبرى للمجتمع، هذا الانشغال قد يصرف تلك المجالس عن توجيه العناية الكافية إلى بحث مدى اتفاق تلك التشريعات مع نصوص الدستور، ويظهر ذلك بصفة خاصة حين يكون المجال الذي ينظمه التشريع مجالًا مستحدثًا، لا سوابق له يقاس عليها، ولا أحكام قضائية في شأنه تكشف للمشرع –مقدمًا– عن مدى دستوريته.

وهذا الالتفات النسبي عن “المسألة الدستورية” لا ينبغي أن يقلق الرأي العام كثيرًا، مادام النظام الدستوري والقانوني قد تكفل، في مجموعه، بتدارك الأمر، ووكل هذا التدارك إلى صاحب الاختصاص فيه، وهو “المحكمة الدستورية” وذلك حين منحها، وحدها دون غيرها، مهمة الرقابة على دستورية القوانين.

إن التقدم الحقيقي لأي نظام دستوري، أو سياسي، إنما يقاس بمدى قدرة هذا النظام على إصلاح أخطائه وتدارك عثراته من خلال آليات وتركيبات تنظيمية “مؤسسية” تتولى، من داخله إصلاح تلك الأخطاء.. وليس من شك في أن وجود المحكمة الدستورية العليا عندنا يمثل حجر الزاوية، والضمان الأكبر لالتزام المشرع حدود الدستورية، ولتوفير أكثر الضمانات فاعلية في حماية الحقوق والحريات وتأمين العدل وسيادة القانون بأوسع معانيها وأكثرها شمولًا. لهذا نقرر –في غير تردد– أنه لا ينبغي لأحد –حاكمًا كان أو محكومًا- أن يضيق بأحكام المحكمة أو أن يذهل عن دورها الكبير في نظامنا الدستوري، وفى توفير الأمن القانوني للمجتمع كله.. إن هذا الأمن القانوني هو السبيل الوحيد لتوفير الأمن السياسي وحراسة السلام الاجتماعي.. كما لا يجوز –كذلك- لأحد أن يتصور –وهما وخطأ- أن كثرة الأحكام التي تقرر فيها المحكمة الدستورية عدم دستورية بعض النصوص التشريعية دليل على تجاوز المحكمة الدستورية أو اقتحامها مجال التقدير الذي تركه الدستور وعهد به إلى المجالس التشريعية.

ولا يعنى هذا بطبيعة الحال أنه لا رأي لنا -تحفظًا واستدراكًا- على بعض ما انتهت إليه المحكمة في أحكامها التي تمس أمورًا اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية تختلف في شأنها الآراء باختلاف الرؤى السياسية والاجتماعية وما تنطوي عليه تلك الرؤى من ترجيح بين المصالح المتعارضة وتحديد لأولويات المبادئ الحاكمة؛ إذ إن هذا التحفظ، وذلك الاستدراك، ملازمان لدور الفقه في مناقشة أحكام القضاء مناقشة شرطها ألا تكون قائمة على مجرد المفاضلة والاستحسان وإنما تقوم على منهج علمي موضوعي صارم في موضوعيته صرامة التزام الأحكام القضائية بأصول العمل القضائي في إجراءاته ومبادئه التي تكفل له أعلى درجات التجرد عن الهوى والتزام بالحياد واتباع أصول الصناعة القضائية التي كان بها دور المحاكم في إقامة العدل “فريضة محكمة وسنة متبعة”.

وليت غير المتخصصين من كتابنا ومثقفينا وشبابنا يقلبون بعض صفحات الأحكام التي أصدرتها محكمتنا الدستورية خلال ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا، هي أعوام حياتها بيننا، ولو فعلوا لرأوا رأى العين كيف تعلن هذه المحكمة باسمهم في كل مرة أن هامة الدستور الذي ارتضوه لمجتمعهم أعلى من كل هامة، وأن حرياتهم التي تحرسها المحكمة حرم آمن لا يجوز لسلطة مهما علت مكانتها أن تلتف حوله أو تجور عليه، وإن بين يدى وأنا أكتب هذه السطور المجلدات التسعة التي تضم ما أصدرته المحكمة الدستورية من أحكام منذ إنشائها عام 1979 وحتى شهر يونيه سنة 2001، وبين يدى كذلك مجلدات تضم أهم الأحكام التي أصدرتها المحكمة العليا الأمريكية في الشئون الدستورية، وأشهد –بغير مبالغة يميلها الانحياز أو يدفع إليها الشعور بالاعتزاز- أن محكمتنا الدستورية قد بلغت في بعض أحكامها، ولا أقول فيها جميعًا، مبلغًا من الحرص على سيادة الدستور، ومن التحليل القانوني الدقيق، ومن الصناعة الفقهية والقضائية المتمكنة ما لا يقل بحال عما بلغته المحكمة العليا الأمريكية التي بدأت مسيرتها قبل محكمتنا بنحو قرنين من الزمان. ولا يتسع المقام لتقديم تقييم علمي شامل لمجمل المبادئ التي أرستها محكمتنا الدستورية في المجالين السياسي والاجتماعي للحياة في مصر وإنما سأجتزئ بالإشارة إلى عدد قليل من هذه الأحكام قبل مناقشة أمرين يهمان كل مشتغل بالقانون.

أولهما: مناقشة اقتراح أوشك البعض أن يستحسنه ويميل إليه، تقيدًا لسلطة المحكمة في ممارسة الرقابة على القوانين، ووجدنا من الواجب أن نناقشه في هدوء وأن نكشف عن ضرره الكبير حتى لا تحدث أحدًا نفسه بالعودة إليه أو ما يشابهه.

والآخر: إلقاء نظرة على مستقبل القضاء الدستوري في مصر.. وما قد تقتضيه مراعاة “اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال” كما كان يقول فقهاؤنا الأولون، من إعادة النظر في بعض ما قررته أحكام قديمة للمحكمة، وقعت بعدها تغيرات في بنية المجتمع وأوضاعه على نحو يستوجب العدول عن بعض ما انتهت إليه تلك الأحكام القديمة.

وقبل أن ننتقل إلى مناقشة هذين الأمرين، وهما داخلان كلاهما في نطاق البحث الفني الذي يخاطب المثقفين في النطاق الدستوري والقانوني.. فلا بد أن نشير إلى “بؤرة” اهتمامنا في مناقشتنا لبعض الأحكام التي أصدرتها المحكمة، هي مناقشة ما يمكن أن نسميه “السياسة القضائية” للمحكمة، من حيث اختيارها لموقف الالتزام الصارم بضوابط “التقييد الذاتى”.. الذي تتناءى معه عن الدخول في تقدير ملاءمة التشريع.. أو موقف الإقدام والإيجابية activism الذي تتوسع به المحكمة في بسط رقابتها على القوانين، بحيث تقترب في بعض أحكامها من التخوم الفاصلة بين الشرعية والملاءمة، وهما مدرستان كان لهما ولا يزال أتباعهما بين قضاة المحاكم الدستورية في مصر وفى غيرها.

وقد ظهرت إلى جوارهما مدرسة ثالثة تتبنى سياستين قضائيتين مختلفتين باختلاف ميدان الرقابة، فهي تتبع الساسة الإيجابية النشطة activism في المجال السياسي وما يتصل به من حقوق وحريات شخصية وسياسية… وفى مجال حرية التعبير التي هي –في نهاية المطاف– أقوى الضمانات لقيام ديمقراطية حقيقية مبناها المشاركة الحقيقية الفعالة والاختيار الحر الطليق، بينما تتبع سياسة التقييد الذاتي في المجالين الاجتماعي والاقتصادي إيمانًا بأن الاختيار بين البدائل المتاحة في هذا الميدان هو أخص خصائص الوظيفة التشريعية التي احتجزها الدستور للمجالس التشريعية المنتخبة.

ولعل أكثر الاحكام التي أثارت جدلًا وخلافًا في الرأي العام وبين رجال القانون أنفسهم هي تلك التي تتصل بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، كالأحكام الصادرة في شأن التزام الزوج المطلق بتوفير مسكن للمطلقة الحاضنة.. وتلك الصادرة في ميدان العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين.. وكلها ميادين بالغة الدقة شديدة التعقيد، لا يزال المشرع عاجزًا –إلى يومنا هذا– عن قطع الأمر فيها بكلمة سواء.. وهو ما يفسر التأخر الطويل في إصدار القوانين المنظمة لتلك العلاقات.

وإذا كنا من جانبنا نؤيد –في حماس موضوعي تبرره وتشهد له تجارب عشرات السنين– السياسة القضائية الإيجابية في ميادين الحقوق الشخصية والحريات المدنية والسياسية.. فإننا نفضل -في حماس موضوعي كذلك- أن تتجه المحكمة إلى مزيد من التقييد الذاتي، وإلى إعمال الضوابط التي قررتها هي في العديد من أحكامها لسلطتها في الرقابة على التشريع، وذلك حين يتصل الأمر بترتيب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية… حتى تظل تبعة التوفيق بين المصالح المتعارضة في تلك الميادين واقعة على عاتق الهيئة المسئولة دستوريًا عن تحقيق ذلك التوفيق وهي الهيئة التشريعية المنتخبة الممثلة لاتجاهات الجماهير.

وفى تقديرنا أن زهد المحكمة الدستورية في اقتحام هذا المجال على صاحب الاختصاص الأصيل فيه، من شأنه أن يقوى ساعدها ويثبت مكانتها حين تمارس الإيجابية والإقدام في الميدان الذي لا يقوم غيرها مقامها فيه، وهو ميدان حماية حرية الاعتقاد والتعبير وممارسة الإبداع، وحماية الحقوق الشخصية والمدنية للأفراد والأقليات، وحماية ضمانات المتهمين في التحقيق والمحاكمات.

خاتمة:

وفى الجزء الثانى من هذا البحث سوف نتعرض لمناقشة أربعة أحكام، يقع اثنان منها في ميدان الحقوق الشخصية والحريات العامة، ويقع الاثنان الباقيان في ميدان العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، لنتبين من خلال هذه المناقشة حقيقة الدور الذي تؤديه المحكمة الدستورية العليا في نظامنا السياسي ونظامنا الاجتماعي، ولنتعرف من خلال هذه المناقشة كذلك على المعايير القانونية التي تطبقها المحكمة وهي تمارس رقابتها على التشريع في هذين المجالين. وبعد ذلك ننتقل إلى مناقشة أمرين آخرين يتعلقان بالجانب الفني في ممارسة المحكمة لاختصاصها وبحدود هذا الاختصاص.

 أولهما: مناقشة الأفكار والاقتراحات التي طرحها البعض بقصد تقييد سلطة المحكمة، والانتقاص من قيمة ما تصدره من أحكام.

والآخر: الوسائل الفنية التي تتمكن المحكمة عن طريقها من مراجعة بعض ما انتهت إليه في عدد من أحكامها السابقة.


* نُشر هذا المقال في العدد الأول من مجلة “الدستورية” ، التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا في مصر، والذي صدر في شهر يناير- 2003م.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم الشعب

مجلس الدولة

المحكمة الإدارية العليا

الدائرة الأولى – موضوع

**********

بالجلسة المنعقدة علنًا بمبنى مجلس الدولة في يوم السبت الموافق 26/4/2014

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فريد نزيه حكيم تناغو

رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين / د. عبد الفتاح صبري أبو الليل وأحمد وجدى عبد الفتاح وفوزي عبد الراضي سليمان أحمد ومحمد ياسين لطيف شاهين.

نواب رئيس مجلس الدولة

وحضور السيد الأستاذ المستشار / أحمد أمين المهدى

نائب رئيس مجلس الدولة ومفوض الدولة

وحضور السيد / كمال نجيب مرسيس              سكرتير المحكمة

*********

أصدرت الحكم الآتي

في الطعن رقم ٣٦۸۲۱ لسنة ٥٦ القضائية عليا

المقام من

رئيس هيئة مفوضي الدولة

طعنًا في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية (الدائرة الثانية – بحيرة) بجلسة 26/5/2010 في الطعن رقم ١٩٠٩ لسنة ٣٨ ق . س

المقام من

  1. وزير العدل.
  2. مساعد وزير العدل لشئون المحاكم والمأذونين والموثقين.
  3. كاتب أول محكمة دمنهور الابتدائية للأحوال الشخصية.

ضد

السعيد صبحي السعيد عطية قمح

والمتدخل فيه إنضماميًا إلى جانب الجهة الإدارية/ سمير عبد المجيد عبد الحميد عبيد

“الإجراءات”

****

بتاريخ 24/7/2010 أودع رئيس هيئة مفوضي الدولة -بصفته- قلم كتاب هذه المحكمة تقريرًا بالطعن قيد بجدولها بالرقم المبين بعالية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية “الدائرة الثانية – بحيرة” في الطعن رقم ۱۹۰۹ لسنة ٣٨ ق. س بجلسة ٢٦/5/2010 والقاضي بقبول الطعن شكلًا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا برفض الدعوى وإلزام المطعون ضده المصروفات.

وطلب الطاعن -للأسباب الواردة في تقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا بقبول الدعوى شكلا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من عدم التصديق على قرار دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة دمنهور الابتدائية بجلسة 27/5/٢٠٠٢ بتعيين المطعون ضده مأذونًا لناحية معنيا بمركز إيتاي البارود وما يترتب على ذلك من آثار.

وجرى إعلان الطعن على النحو المبين بالأوراق.

وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلًا ورفضه موضوعًا مع إلزام المطعون ضده المصروفات.

وتحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 18/3/۲۰۱۳ على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 17/6/۲۰۱۳ قدم المطعون ضده مذكرة دفاع وحافظة مستندات، وبجلسة 17/6/٢٠١٣ قررت المحكمة إحالة الطعن إلى دائرة الموضوع وحددت لنظره جلسة 1/8/۲۰۱۳، وقد نظرته المحكمة بتلك الجلسة وما تلاها من جلسات على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وبجلسة 18/1/۲۰۱٤ طلب السيد/ سمير عبد المجيد عبد الحميد عبيد عن طريق وكيله التدخل انضماميًا إلى جانب الجهة الإدارية، وبجلسة 22/2/٢٠١٤ قدم طالب التدخل صحيفة معلنة بهيئة قضايا الدولة بتدخله في الطعن ومذكرة دفاع طلب فيها الحكم أصليًا: بعدم قبول الطعن، واحتياطيًا: برفضه وتأييد الحكم المطعون فيه، وبذات الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

المحكمة

***

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.

وحيث إن الطعن أقيم خلال الميعاد المقرر قانونًا، واستوفى سائر أوضاعه الشكلية الأخرى، فمن تم يكون مقبول شكلًا.

وحيث إن وقائع النزاع تخلص – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 21/10/۲۰۰۳ أقام السيد/ السعيد صبحى السعيد عطية قمح الدعوى رقم ٤٤٧ لسنة ٥١ ق أمام المحكمة الإدارية بالإسكندرية بطلب الحكم بوقف تنفيذ ثم إلغاء قرار مساعد وزير العدل لشئون المحاكم فيما تضمنه من عدم التصديق على قرار دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة دمنهور الابتدائية الصادر بجلسة 27/5/٢٠٠٢ بتعيينه مأذونًا لناحية معنيا مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة وبإعادة إجراء القرعة بين المرشحين لشغل المأذونية المذكورة، وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.

وقال المدعى شرحًا لدعواه أنه تقدم ومعه ستة آخرين لشغل مأذونية قرية معنيا مرکز إيتاي البارود – بحيرة – وقد استبعدت دائرة الأحوال الشخصية اثنين منهم لحصول أحدهما على مؤهل متوسط وعدم حصول الثاني على أي مؤهل، وبتاريخ 27/5/٢٠٠٢ تم إجراء القرعة بين باقي المرشحين الحاصلين على مؤهل عال وتم فوزه بها، ومن ثم قررت محكمة دمنهور الابتدائية للأحوال الشخصية تعيينه مأذونًا لناحية معنيا وأرسلت الأوراق إلى إدارة المحاكم بوزارة العدل للتصديق على قرار تعيينه، إلا أن الأخيرة رفضت وقررت استبعاد أحد المرشحين لكونه شافعي المذهب وأن اشتراكه في القرعة يبطلها وانتهت إلى إعادة إجراء القرعة بعد استبعاد المرشح المذكور، ونعى المدعى على هذا القرار مخالفته للقانون لأن اشتراك صاحب المذهب الشافعي في القرعة لم يكن له تأثير لعدم فوزه بها، الأمر الذي حدا به إلى إقامة دعواه.

وبجلسة 26/4/۲۰۰٦ أصدرت المحكمة الإدارية بالإسكندرية حكمها بقبول الدعوى شكلًا وبإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الإدارة المصروفات، وشيدت المحكمة قضاءها على أسباب حاصلها أن لائحة المأذونين نصت على تفضيل المرشح صاحب المذهب الحنفي على المرشح صاحب أي مذهب آخر – ومنها المذهب الشافعي – ولم تنص اللائحة على استبعاد هذا الأخير، ومن ناحية أخرى فإن الثابت من الأوراق أنه على الرغم من مشاركة المرشح صاحب المذهب الشافعي بالقرعة المشار إليها فإن الفائز بها حنفي المذهب، ولم يكن لاشتراك المرشح صاحب المذهب الشافعي ثمة تأثير على هذه القرعة، ومن ثم يكون السبب الذى قام عليه القرار المطعون فيه مخالفًا للقانون، مما يتعين معه القضاء بإلغاء هذا القرار مع ما يترتب على ذلك من آثار.

وإذ لم ترتض الجهة الإدارية هذا الحكم فقد طعنت عليه أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بالطعن الاستئنافي رقم ۱۹۰۹ لسنة ۳۸ ق. س بتاريخ 19/6/٢٠٠٦ طالبة الحكم بقبول الطعن شكلًا، وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا برفض الدعوى وإلزام المطعون ضده المصروفات عن درجتي التقاضي، وذلك على سند من مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله لأن القرار المطعون فيه صدر سليمًا باعتبار أن القرعة التي أجريت وترتب عليها فوز المطعون ضده تمت بالمخالفة لأحكام القانون لاشتراك صاحب المذهب الشافعي مما يستوجب إعادة القرعة من جديد.

وتداول نظر الطعن أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وخلالها قدمت صحيفة معلنة بتدخل السيد/ سمير عبد المجيد عبد الحميد عبيد – أحد المرشحين لشغل الوظيفة والفائز بالقرعة بعد إعادتها – منضمًا إلى جانب الجهة الإدارية الطاعنة، وبجلسة 26/5/٢٠١٠ قضت المحكمة بقبول الطعن شكلًا، وبإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وإلزام المطعون ضده المصروفات.

وأقامت المحكمة حكمها على أساس أن القرار المطعون فيه الصادر برفض اعتماد نتيجة القرعة وإعادتها بعد استبعاد أحد المشتركين لكونه شافعي المذهب صدر موافقًا لصحيح حكم القانون، فاشتراك المرشح شافعي المذهب في القرعة حال عدم أحقيته في ذلك يشوب الإجراءات بعدم الصحة التي تطول نتيجة القرعة وتصمها بالبطلان، إذ إن اشتراكه يؤثر بلا ريب على فرص كل مرشح بالفوز وبالتالي على مبدأ تكافؤ الفرص، وأنه ليس صحيحًا ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أنه لا يوجد نص يقضى باستبعاده فهو قول يهدر المادة (۱۲) من لائحة المأذونين، فخروج المرشح الشافعي المذهب من الأفضلية بين المرشحين وقصرها على أصحاب المذهب الحنفي يقتضي بالضرورة استبعاده من الاشتراك في القرعة إذ ينتفى أي مبرر لاشتراكه، ومن ثم فإن اشتراك المرشح شعبان حسن قمح حال كونه شافعي المذهب يبطل القرعة المشار إليها، وإذ صدر القرار المطعون فيه برفض التصديق عليها واعتماد نتيجتها وإعادتها بعد استبعاد أحد المشتركين لكونه شافعي المذهب، فإنه يكون موافقًا لأحكام القانون بمنأى عن الإلغاء.

ومن حيث إن مبنى الطعن الماثل أن الحكم المطعون فيه خالف معيار الأفضلية المنصوص عليه في المادة (۱۲) من لائحة المأذونين وما استقر عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا، لأن مشاركة صاحب المذهب الشافعي بالقرعة لا يبطلها لأن الفائز بالقرعة (المطعون ضده) حنفي المذهب، ولم يكن لاشتراك المرشح صاحب المذهب الشافعي ثمة تأثير على القرعة.

وحيث إنه عن طلب تدخل السيد/ سمير عبد المجيد عبد الحميد خصمًا منضمًا إلى جانب الجهة الإدارية، فالثابت أن المتدخل أحد المرشحين لشغل وظيفة مأذون محل النزاع الماثل، ولم تتضمن صحيفة تدخله على طلب الحكم لنفسه بشيء، وقد تم التدخل وفقًا للإجراءات المقررة قانونًا، ومن ثم تقضى المحكمة بقبول تدخله سيما وأنه سبق أن تدخل أمام المحكمة المطعون على الحكم الصادر منها، وقبلت تلك المحكمة تدخله.

وحيث إن مقطع النزاع في الطعن الماثل يتمثل فيما إذا كان اشتراك صاحب المذهب غير الحنفي خريج إحدى كليات جامعة الأزهر مع غيره من خريجي كليات الحقوق في إجراء القرعة اللازمة للتعيين في وظيفة مأذون – يبطل هذه القرعة من عدمه.

ومن حيث إن المادة (۳) من لائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل في 10/1/١٩٥٥ والمعدلة بالقرار رقم ٦٣٥ لسنة ۱۹۷۲ تنص على أنه “يشترط فيمن يعين في وظيفة المأذون: أ- …….. ب- ……. ج- أن يكون حائزًا لشهادة التخصص أو شهادة العالمية أو شهادة الدراسة العالية من إحدى كليات الجامع الأزهر أو أي شهادة من كلية جامعية أخرى تدرس فيها الشريعة الإسلامية كمادة أساسية. د- …… ه – ………”.

وتنص المادة (۱2) من ذات اللائحة على إنه “بعد استيفاء جميع الإجراءات تصدر الدائرة قرارًا بتعيين من تتوافر فيه الشروط من المرشحين ولا يكون قرارها نافذًا إلا بعد تصديق الوزير عليه. وفي حالة تعدد من تتوافر فيهم شروط التعيين يفضل من يحمل مؤهلًا أعلى ثم الحائز لدرجات أكثر في الامتحان المنصوص عليه في المادة التاسعة ثم الحائز لدرجات أكثر في أحكام الزواج والطلاق وعند التساوي يقدم حنفي المذهب ثم يكون التفضيل بطريق القرعة”.

وحيث إن مؤدى هذين النصين، وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة في الطعن رقم ١٥٥٠٦ لسنة ٥٦ ق. عليا بجلسة 26/3/۲۰۱۱، أن المشرع فيما يتعلق بالشهادات الواجب توافر الحصول على إحداها فيمن يعين في وظيفة المأذون قد ساوى بين تلك التي يتم الحصول عليها من إحدى كليات جامعة الأزهر الشريف أو التي يتم الحصول عليها من إحدى الكليات بالجامعات الأخرى التي تدرس فيها الشريعة الإسلامية كمادة أساسية، الأمر الذي يغدو واضحًا منه أن عنصر التساوي فيما بين جميع هذه الشهادات يتمثل في انطواء الدراسة في الكليات التي تمنحها على دراسة الشريعة الإسلامية كمادة أساسية بغض الطرف على قيام دراستها على أساس من المذاهب الفقهية تخصصًا من عدمه، ومن ثم تتساوى الشهادات التي تمنحها إحدى الكليات غير التابعة لجامعة الأزهر مع تلك التي تمنحها إحدى كليات هذه الجامعة متى كانت تقوم بتدريس الشريعة فيها كمادة أساسية، وعلى ذلك إذا توافر للمتقدم للترشيح معيار التفضيل المتمثل في أن يكون حنفي المذهب كان واجبًا تقديمه على غيره، وإذا لم يتوافر في أي من المتقدمين هذا السبب للتفضيل وجب إجراء القرعة فيما بينهم جميعًا بحسبان تساويهم في شرط الحصول على المؤهل الذي سبق منحه ودراسة الشريعة الإسلامية كمادة أساسية، يستوى في ذلك من كان منتميًا لمذهب فقهى غير المذهب الحنفي أو من لم يكن منتميًا إلى أي من المذاهب الفقهية، لاسيما وأن الجميع يتعين عليه تطبيق أحكام قانون الأحوال الشخصية عملًا والذى يتخذ من المذهب الحنفي عمدة لنصوصه ومرجحًا عند الاختلاف في الحكم الراجح في هذا المذهب.

وحيث إنه من المقرر أن خريج كليات الحقوق ليس بالضرورة أن يكون حنفي المذهب لمجرد دراسته لأحكام قوانين الأحوال الشخصية وفقًا لهذا المذهب، لأن دراسة الشريعة الإسلامية في الكليات المشار إليها فضلًا عن أنها تتم دون التقيد بمذهب معين، فإنه حتى مع التسليم بأن قوانين الأحوال الشخصية التي تدرس في هذه الكليات مصدرها الرئيسي أو الذي يرجع إليه لاستجلاء بعض النصوص هو المذهب الحنفي، إلا أنها لا تلزم الدارس بإتباع هذا المذهب دون سواه، كما لا تتضمن الشهادات الدراسية الصادرة عنها أي بيان يتعلق بالمذهب الذى ينتمى إليه الدارس.

“يراجع حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم ١٣١٥٤ لسنة ٤٩ ق. عليا بجلسة 6/5/٢٠٠٦”.

ومن حيث إنه ترتيبًا على ما تقدم ولما كان الثابت من الأوراق أن قرار الجهة الإدارية المطعون عليه قد صدر برفض التصديق على نتيجة القرعة التي أجرتها دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة دمنهور الابتدائية بتاريخ 27/5/٢٠٠٢ بتعيين المرشح/ السعيد صبحى السعيد عطية قمح في وظيفة مأذون لناحية معنيا مركز إيتاي البارود – بحيرة – مع إعادة إجراء القرعة بين أربعة مرشحين من بينهم المذكور بدعوى أنهم حنفي المذهب لحصولهم على ليسانس الحقوق وبعد استبعاد مرشح ثبت أنه شافعي المذهب، وإذ جاءت الأوراق خالية مما يثبت أن أيًا من المرشحين الأربعة المذكورين حنفي المذهب، ولا يجوز اعتبارهم كذلك لمجرد حصولهم على شهادة ليسانس الحقوق حسبما سلف بيانه، ومن ثم فلا يجوز أن يكون لهم ثمة أفضلية على المرشح الذي تقرر استبعاده بالقرار المطعون عليه والحاصل على شهادة من تلك المنصوص عليها في البند (ج) من المادة “3” من لائحة المأذونين من إحدى كليات جامعة الأزهر بسبب ما ثبت من أنه شافعي المذهب، وبالتالي فإن اشتراكه في القرعة يتفق وصحيح حكم القانون، ويضحى القرار المطعون عليه برفض التصديق على نتيجة القرعة في غير محله متعينًا القضاء بإلغائه.

ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى غير هذه النتيجة فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله، وأضحى متعينًا القضاء بإلغائه بتأييد حكم المحكمة الإدارية بالإسكندرية “الدائرة الثانية – بحيرة” فيما انتهى إليه من إلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار.

ومن حيث إن من خسر الطعن يلزم مصروفاته عملًا بحكم المادة (١٨٤) مرافعات.

“فلهذه الأسباب”

حكمت المحكمة بقبول تدخل الخصم المنضم للجهة الإدارية، وبقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبتأييد حكم المحكمة الإدارية بالإسكندرية فيما انتهى إليه من إلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.

سكرتير المحكمة                                                  رئيس المحكمة

يُعد البروفيسور المصري الأمريكي أحمد عاطف (أحد أكبر المتخصصين في الدراسات الإسلامية والقانونية، في الأكاديميا الغربية)، من أهمّ مَنْ درَس فكرة “فتور الشريعة” في العصرِ الحديث، تلك الفكرة التي أفاض فيها إمام الحرمين الجوينيّ (419ه- 478ه) في الغياثي، وألمح إليها مرارًا في البرهان والتلخيص، وغيرهما، وكانت في حاجةٍ ماسّة إلى من يفردها بالتصنيف، تحقيقًا، وتدقيقًا.
مرحلة فتور الشريعة
كَتَبَ عاطف كتابه المهمّ: “فتور الشريعة” وطُبع مترجما في الشبكة العربية، ببيروت سنة 2017م.
وقد أفردَ فيه فصلا بعنوان: “علمٌ مهجورٌ”، تحدث فيه عن نظريّةِ موتِ الشريعة، ويقول إنه كان في بدايات أمره من المؤمنين بالنظريّة: “فتلك الشريعة المدوّنة كانت أجلَّ من أن تُطبَّق على الناس من حولي..، ومن أجل ذلك فقد قررت مستجمعا فتوة شبابي أن الشريعة باتت شبه ميتة، لكونها أجلَّ من أن تطبّق على الناس من حولي، وسلَّمتُ بأنّها قد ماتت، أو بتعبير آخر: اغتيلت على يد من يدّعون الإسلام، وليس على يد جيوش الاستعمار”. لكن عاطف تراجع عن تلك النظرية فيما بعد.
ظهر كتاب “فتور الشريعة” سنة 2012م، وهي نفس السنة تقريبا الذي خرج فيه كتاب الدولة المستحيلة لحلاق، وكلاهما يبحثان عن موقع وموضع الشريعة في عالم الحداثة.


ويقول عاطف في أحد حواراته عن الفارق الجوهريّ بين الكتابين: “قضيّتنا واحدة بلا شك، لكن الفرق بيننا في النتائج. فقبل كتابه هذا، كانت له مقالة قصيرة ومهمة جدًا، على الرغم من اختلافي معها، بعنوان “هل يمكن إحياء الشريعة؟” وفيها يقول أنها ماتت، ويعطي انطباعًا في هذه المقالة وفي “الدولة المستحيلة” بأنه يتحسّر على ذلك. ورأيي ربما مختلف، إذ أقول إن الشريعة لها أن تعيش طالما يقول المسلمون بأنها يجب أن تعيش، ولن يستطيع فرد مهما كان أن يقول بأنها ماتت، وحياتها المستمرة هذه لا تعني عدم حصول تغييرات عليها. ثم إنني أجد حلاق رومانسيًا ونوستالجيًا بعض الشيء، فهو يميل بشكل من الأشكال للشريعة في صورها التاريخية الأولى، فيما أرى أن الحفاظ على الشيء يكون بتغييره، لا بالإبقاء عليه في صوره الأولى. الشريعة عمرها طويل، ولا يمكننا الدفاع عن شيء عاش أكثر من ألف سنة، وفي أراضٍ مترامية من أوزبكستان والهند إلى الشام والمغرب. هناك أشياء هي جزء من تاريخنا وثقافتنا لكنها ليست بالضرورة شريعةً، وفي كل الأحوال لا يمكننا تمجيد شيء قام به البشر”. ((حوار مع العربي الجديد بتاريخ 02 سبتمبر 2017م)).

يلتفت عاطف في كلامه هذا إلى أمرٍ في غايةِ الأهميّة طالما ردده حلاق دون تأنٍ وبصيرة، وهو الفارق بين الشريعة وحمَلة الشريعة، بين الفقه والمتفقهة، بين الدين والقراءة الدينية، وربما كان الفقهاء والفلاسفة الإيرانيون أكثر إبداعا وتنظيرًا في هذه المسألة.

وهذا يحيلنا إلى أُسّ من أسس المسألة لم يلحظها حلاق رغم متانته الأصولية، وهي مسألة التصويب في الأصول والفروع، وبناء على قول الجمهور فيها نعرف أنّ مقولات الفقهاء ليست عين مراد الله في نفس الأمر، بل هي اجتهادات تصيب وتخطئ. أما التعامل معها على أنها مراد الله في نفس الأمر، والتعامل مع سياسات الأمويين والعباسيين على أنها السياسة الشرعية المأمولة كما أرادها الشارعُ في نفس الأمر كما هو مقتضى كلام حلاق، فهو تغافل عن التراث السياسي التاريخي والعمليّ للمسلمين حينئذ، فقد نشبت حروبٌ سياسية وطائفية، وفتن، وثورات بسبب جور الحكّام وظلمهم واستبدادهم، ومن ثمّ فإنّ محاولة تكريس هذا الواقع باعتباره هو الشريعة والشريعة هو، إنما يخدم فكرة الاستبداد والجبر التي تحدث عنها عابد الجابري باستفاضة.

وهي أيضا فكرة وإن زعمت التمسك بمقولات الفقهاء والحنين إليهم في العصور الوسطى، والقرون الأولى فهي في الحقيقة مُهينة للفقهاء، والمتكلمين، لأنها تنصر السياسيّ عليهم/ أي على الديني، فتساند الاستبداد الأموي والعباسي، والمملوكي والعثماني ضد المؤسسة الدينية الأهلية، والفقهاء المستقلين، فهي أقرب للقراءة الرسمية لو رجعنا إلى الماضي، وافترضنا أنها قيلت في تلك الأزمنة، وكأنها الخطاب الرسمي للدولة!.

لكن هنا لمحةٌ مهمة، وهي أنّ مقولة “موت الشريعة” ليست من اختراعات المشتغلين بالإسلامِ المعاصر، ولا حتى من التنظيرات الافتراضية لبعض الأصوليين كالجوينيّ، بل إنني وجدتُ تلك المقولة حتى في عهد الخلفاء الراشدين أنفسهم.

فيتكلّم الإمام عليّ في نهج البلاغة عن غياب الشريعة، فيقول في خطبة له: “أَلاَ وقد قطعتم قَيْد الإسلامِ، وعَطّلتم حدودَه، وأَمتُّمْ أحكامَه..”. وفي رسالة لأحد عمّاله قال له: “فإنّك ممن أستظهرُ به على جهادِ العدوّ، وإقامةِ عمود الدين”.

أيضا نجد مسألة اندثار الشريعةِ عند زيد بن عليّ (ت: 122ه) فهو يدعو في ثورته على الأمويين، عندما بايعه الناس، حسب الطبريّ (ت: 310ه) في تاريخه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين: “إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفاع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين..”.

فنحن أمام نصّ صريح يطالب بالرجوع إلى الكتابِ والسنّة، وهو يُشبه ما جاء عند الذهبيّ في السير أنّ يزيد بن الوليد: “خطب عند قتل الوليد، فقال: إني -والله- ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكن خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى كتاب الله وسنة نبيه حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار المستحل للحرمة، والراكب البدعة..”.

فمعالم الهدى دُرست، وطُفيْ نور أهل التقوى، واستُحلّت الحرمات..!. إذن في كلّ عصر وُجد من يحلم بنموذجٍ مثالي لتطبيق الشريعة، عندما يرى خفوتها في المجتمع، والمفارقة أنّ هؤلاء (كزيد بن عليّ، والنفس الزكية، وجدّهما، وغيرهم) طلبوا إعادة تفعيل وإحياء الشريعة في العصر المبكر للإسلام، في حين إن وائل حلاق يرى ذلك العصر هو العصر المثالي للشريعة على يد الأمويين والعباسيين!.  

مأزق حلاق: المقدمات غير المسلّمة

ينتقد عاطفُ حلاّق نقدا صريحا، ومن أسباب عدم الالتقاء بينهما في نظري أنّ المنطلقات مختلفة، والوعاءات متباينة، فعاطف رجل قانون، مهمومٌ بالقانون وقريب من الممارسة، فهو يشبه طارق البشري في الحالة المصرية، ولذا فإنه لم يكن مثاليًا أو خياليا طوباويًا، ولم ينشد إصلاحا مأمولا بعيدًا عن الواقع، بل يقدم علاجا لواقع مأزوم، يجب أن نتعامل معه شئنا أم أبينا.

في حين إن حلاق يقول (كما في دراسته: هل يمكن إحياء الشريعة؟) إنّ الشريعة ماتت، عندما تبنت الدول الإسلامية الدولةَ القومية الحديثة!.

ثم يضع تصورًا ينبئ عن سبب تلك القراءة التي لا نتفق معها، فيقول: “فبينما كان الحاكمُ التقليدي يرى نفسه خاضعًا للشريعةِ، تاركا السلطة والوظائف القضائية والتشريعية لطائفة العلماء، فإنّ الدولة الحديثة قلبت هذا المبدأ رأسا على عقب، فادّعت لنفسها السلطة المنوط بها تحديد ما يُعدّ قانونًا وما ليس كذلك”.  

وهذا الكلام التعميمي يُردده حلاق في جلّ مصنفاته، وهو بمثابة المقدمات التي يبني عليها نتائج خطيرة، في حين إننا لا نتفق أصلا مع تلك المقدمات التي تحتاج إلى دراسات تاريخية وفقهية كي نقرّ بها.

نرى أنّ حلاق وقع هنا في خطأين منهجيين:

الأول: أنّ الحاكم التقليدي لم يكن أبدًا خاضعًا للشريعة ولا تاركًا الوظائف القضائية للعلماء، فهذه نوادر وشذوذات تاريخية، فالأصل أنه كان يعيّن القضاة (لا المفتين)، ويعزلهم، دون أيّ رقابة على سلطاته التشريعية ومداخله المالية، بل حاول السياسيُّ/ الحاكمُ تدجين العلماء، في كثير من الأوقات، وهذه الاستراتيجية طبيعة السياسيّ في كلّ عصر عندما يتعاطى مع الدينيّ، سيّما إذا كان الدينيّ أداة شرعية سياسية!.

فتغيير الواقع التاريخي، أو قراءته المبتسرة والمنقوصة تؤدي إلى نتائج مثالية أقرب إلى التحليل الرغبوي.

الثاني: نرى أنّ الدولة الحديثة لم تقلب هذا المبدأ بل هناك مؤسسات تشرف على تلك الوظائف وليس الحاكم الفرد، اللهم إلا إذا قصد دول الاستبداد المشرقيّ، وهي دول ليست بقومية وليست بحديثة أصلا.

خاتمة،

نجد أن عاطف أقرب إلى الفيلسوف الذي يشتبك مع قضايا مجتمعه، في حين إنّ حلاق أشبه بفيلسوف يحلق في عالم الفكر، فينتقد ويتمنى ويرغب، دون أيّ احتكاك بالواقع. ولو افترضنا صحة مقولته بأنّ المشكلة كلها تكمن في الدولة الحديثة دون غيرها، فما الحل؟! هل هناك سبيل للرجعة إلى الدولة ما قبل الحديثة للمسلمين؟! أم أن الحل هو ترشيد الموجود بقدر الإمكان، وتهذيبه بما يتوافق مع ضروريات الشريعة. ولذا تعامل عاطف مع الدولة باعتبارها مكونة من أفراد ومؤسسات يمكن تشكيلها وتنميطها حسب إرادة الشعوب، وإرادة النخب والفاعلين ممن يتولون زمامها، في حين تعامل حلاق مع الدولةِ الحديثة، كصنمٍ أو ككتلةٍ واحدة لا يمكن إصلاحها ولا التعديل عليها، فهو يتعاطى بنظرية “الكتلوية” التي انتقدها جورج مقدسي في مواضع متفرقة من كتبه، ذلك التعاطي الذي لا يجدي نفعا مع الظواهر الإنسانية والفلسفية.

وأخيرًا، فإذا كان الجوينيّ تكلم عن موت الشريعة إلا أنه لم ينزع شرعية الدولة عند موتها، بل نصح المسلمين بحفظ الضروريات والمتواترات التي لا يمكن أن تندثر أو تختفي، في حين أن حلاق بعد أكثر من ألف سنة من وفاة الجوينيّ يطرح سؤالات موت الشريعة، ويطلب من المسلمين التوقف: اللاعمل، واللاشيء، أو كما قال رضوان السيد لي في يوم من الأيام، كأنه يقول للمسلمين: “روحوا موتوا”!.


المصدر: موقع الجزيرة. نت، على هذا الرابط: https://l8.nu/si-C.

 

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت ٣ يولية سنة ۱۹۹۹م الموافق ۱۹ ربيع الأول سنة ١٤٢٠هـ.

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدین جلال………………………… رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري، ومحمد على سيف الدين، وعدلي محمود منصور، ومحمد عبد القادر عبد الله، وعلى عوض محمد صالح، وأنور العاصي. وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق……………… رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ حمدي أنور صابر………………………………………… أمين السر

أصدرت الحكم الآتي:

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ١٦٤ لسنة ١٩ قضائية «دستورية».

المقامة من:

  1. السيد/ رئيس الجمهورية.
  2. السيد/ رئيس مجلس الوزراء.
  3. السيد/ رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب.
  4. السيد/ وزير العدل.
  5. السيدة/ فتحية إبراهيم محمد.
  6. السيدة/ ابتسام زكى السيد أحمد.
  7. السيدة/ إيمان زكى السيد أحمد.
  8. السيدة/ هنادي زكى السيد أحمد.
  9. السيد/ بكر حسن أحمد حسانين.

الإجراءات

بتاريخ التاسع عشر من أغسطس سنة ۱۹۹۷، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلبًا للحكم بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والخامسة من المادة (٢٠) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ۱۹۲۹ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم بعدم قبول الطعن بالنسبة إلى الفقرة الأولى من المادة (۲۰) المشار إليها وبرفض الدعوى فيما عدا ذلك.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى عليها الخامسة كانت قد أقامت ضد كل من المدعى والمدعى عليه التاسع الدعوى رقم ١٨٧٤ لسنة ١٩٩٦ أحوال شخصية «نفس» شبرا، ابتغاء القضاء بإلزامهما بتسليمها ابن ابنتها الصغير المشمول بحضانتهما باعتباره ابن أخيهما المتوفى.

وأثناء نظر تلك الدعوى دفع المدعى بعدم دستورية نص المادة (۲۰) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع؛ وأذنت للمدعى بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.

وحيت إن هذه المحكمة سبق أن باشرت رقابتها القضائية على دستورية الفقرة الأولى من المادة (۲۰) من المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ۱۹۲۹ – المشار إليها – فأصدرت بجلستها المعقودة في الخامس عشر من مايو سنة ۱۹۹۳ حكمها في القضية رقم 7 لسنة ٨ قضائية دستورية برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية هذا النص. وقد نشر ذلك الحكم بالجريدة الرسمية بتاريخ 5/6/1993. إذ كان ذلك، وكانت أحكام المحكمة الدستورية العليا قولا فصلا لا يقبل تأويلا ولا تعقيبا من أي جهة كانت، فإن الخصومة الدستورية بالنسبة لذلك النص – وهى عينية بطبيعتها – تكون قد انحسمت وتغدو الدعوى – في هذا الشق منها – غير مقبولة.

وحيث إن نطاق الدعوى – بهذه المثابة – أصبح منحصرًا في الفقرة الخامسة من المادة (۲۰) التي تنص على أن:

«.. يثبت الحق في الحضانة للأم، ثم للمحارم من النساء؛ مقدمًا فيه من يدلي بالأم على من يدلي بالأب، ومعتبرًا فيه الأقرب من الجهتين على الترتيب التالي:

الأم، فأم الأم وإن علت، فأم الأب وإن علت …. فعمات الأب بالترتيب المذكور».

وحيث إن المدعى ينعى على هذا النص، مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية؛ التي تعتبر الحضانة حقًا للمحضون لا للحاضنة؛ وأنه ينبغى في كل حال الاعتداد بمصلحته دون توقف عند ترتيب مجرد للحاضنات أو الحاضنين: وإنما بمراعاة أمانتهم وكفاءتهم؛ حتى لا تؤول الحضانة إلى مضيعة للصغير.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة، قد اطرد على أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها في ٢٢ مايو سنة ۱۹۸۰ – يقيد السلطة التشريعية اعتبارًا من تاريخ العمل بهذا التعديل؛ وأن مؤداه ألا تناقض تشريعاتها – ومن بينها القانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ – مبادئ الشريعة الإسلامية التي لا يجوز الاجتهاد فيها؛ والتي تمثل ثوابتها – مصدرًا وتأويلًا – إذ هي عصبة على التأويل فلا يجوز تحريفها، بل يتعين رد النصوص القانونية إليها للفصل في تقرير اتفاقها أو مخالفتها للدستور. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها ، أو بهما معًا؛ إذ هي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا؛ ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، ومن ثم تنحصر دائرة الاجتهاد فيها على أن يكون هذا الاجتهاد واقعًا دومًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد الكلية للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن البيِّن من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥ المشار إليه أن وجود الولد ذكرًا كان أم أنثى في يد الحاضنة – سواء قبل بلوغهما سن العاشرة أو الثانية عشرة أو بعدها – لا يغل يد والدهما عنهما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما؛ فإن عليه مراعاة أحوالهما، وتدبير أمورهما، وولايته عليهما كاملة؛ وإنما يد الحاضنة للحفظ والتربية ولها القيام بالضروريات التي لا تحتمل التأخير كالعلاج والإلحاق بالمدارس بمراعاة إمكانات الأب. وأن ترتيب الحاضنات والحاضنين من العصبة وذوى الأرحام مأخوذ من فقه المذهب الحنفي، بما مؤداه أن أحكام الأهلية للحضانة – بوجه عام – يرجع في شأنها إلى الأرجح من فقه ذلك المذهب.

وحيث إن الصغير تثبت عليه منذ مولده ثلاث ولايات: أولاها: ولاية التربية؛ ثانيتها: الولاية على النفس؛ وثالثتها: الولاية على ماله. وتثبت الولايتان الأخيرتان – كأصل عام – للعصبة من الرجال. أما ولاية التربية، وهي الحضانة، فغايتها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته التي لا يستغنى فيها عن النساء ممن لهن الحق في تربيته شرعًا. والأصل فيها هو مصلحة الصغير؛ وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه، وأقدر على صيانته؛ ولأن انتزاعه منها – وهى أشفق عليه وأوفر صبرًا – مضرة به إبان هذه الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره. وقد وردت الآثار الصحاح بأن النساء أحق بالحضانة في هذا الدور من حياة الصغير؛ فقد روى أن امرأة احتكمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حضانة صغيرها وقد أراد أبوه – مطلقها – أن ينزعه منها فقال لها الرسول الكريم: «أنت أحق به»؛ فلزم من ذلك أن تكون الحضانة للمحارم من النساء أولا؛ وأن تقدم قرابة الأم منهن على قرابة الأب؛ وهو ما توخاه النص المطعون فيه.

وحيث إنه ليس ثمة نص قطعي يقرر حكمًا فاصلًا في شأن ترتيب الحاضنات- بعد الأم – فيما بينهن؛ ومن ثم يكون باب الاجتهاد في هذا النطاق – عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية – مفتوحًا، فلا يصد اجتهادُ اجتهادًا أو يكتسب عصمة من دونه؛ ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التي تنظم الأسرة بغيره إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، بما لا يناقض شريعة الله ومنهاجه. وقد جاء بالأثر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وجدة ابنه «عاصم» – أم أمه – تنازعًا بين يدى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه على حضانته فأعطاه إياها، وقال للفاروق: «ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك». ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك. أما الفقهاء أصحاب المذاهب فقد اتفقوا على أن أم الأم -التي تدلى إليها مباشرة – تلي الأم في ترتيب الحاضنات. فقد قال الحنابلة بثبوت الحضانة للأم ثم أمها ثم أم أمها وهكذا ثم الأب ثم أمهاته. والشافعية على أنه إذا اجتمع الذكور مع الإناث فتقدم الأم على الأب ثم أم الأم وإن علت بشرط أن تكون وارثة ثم بعدهن الأب ثم أمه ثم أم أمه وإن علت إذا كانت وارثة. ويرى الحنفية – ومعهم المالكية – أن أحق الناس بحضانة الصغير بعد أمه أمها وإن علت. وإذ كان هذا هو ما نحاه النص الطعين؛ بما ارتآه محققًا مصلحة الصغير – وعليها مدار الحضانة – مستلهمًا بذلك مقاصد الشريعة الكلية، دائرًا في فلك الأصول العامة لها؛ فإن النعي عليه بمخالفته للمادة الثانية من الدستور يكون حريًا بالرفض .

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

أمين السر                                                                   رئيس المحكمة

مقال اليوم ذو أهمية بالغة … وحسبه أنه يذكر بحقيقة نسيها أو تناساها جميع الذين يتحدثون عن تطبيق الشريعة الإسلامية وتقنينها!!

ولا أريد أن أعيد هنا ما قلته هناك.. بيد أنه لابد من كلمات حثيثة وعابرة.. نؤكد فيها أن تحكيم الشريعة الإسلامية، والحكم بها لا يمكن أن يكونا مصدر فزع، ناهيك عن أن يكون مصدر تأخر أو شقاء! كذلك فإن هذا التحكيم وهذا الحكم لن ينجم عنهما انقلاب في حياة الأمة والمجتمع ثم أنهما لن يحتاجا إلى حسابات معقدة.. فشأنهما شأن الإسلام كله الذي جعله الله سبحانه يسرًا، لا يعرف العسر إليه طريقًا!! ففي العقوبات -مثلًا- تؤدى الحدود وظائف اجتماعية، وأخلاقية. وأمنية – لا أقول: أنها تناهت في الحزم فقط، بل وفي السمو أيضًا.. وحين تطالع الضوابط التي شرعها الله لإقامتها يبهرنا فرط رحمته وفرط حكمته وعدالته. فالحدود لا تقام اعتباطًا ولا انتقامًا -بل نظامًا، ورحمةً، وتقويمًا.. وفيما وراء الحدود، فلن تحتاج إلا إلى اضافات أو تعديلات يسيرة، وربما طفيفة، إذ إنها جميعًا تقع تحت طائلة التعزير الذي هو من عمل الاجتهاد الفقهي قديمه وحديثه.

وفي القانونين المدني والتجاري لن نحتاج إلا إلى عزل المعاملات الربوية ثم تبقى بقية القوانين في هذا المجال كما هي، إذ سنراها مسايرة إلى مدى بعيد لفقهنا الإسلامي، وإن احتاجت إلى جديد من الإضافة أو التعديل، فسيغطى الفقه بثرائه المذهل كل هذه الاحتياجات كما يغطيها الاجتهاد.. ثم يجيء دور المجتمع وتعلية سلوكياته العامة وسلوكيات أفراده بحيث تلتقي لقائها السعيد مع روح الإسلام وأخلاقياته وضميره.. وفي هذا المجال لابد من الاعتماد على أسلوب التدرج في التعلية وفى التغيير المتزامنين مع الدعوة الناشطة والدائبة والمستنيرة مستبعدين الطفرة المتهورة.. فتلك كانت طريقة الاسلام في عصر الوحي، وأيام رسوله العظيم. ولقد ضربنا لمنهج الوحي والرسول في التغيير المستأني والحكيم مثلًا بالخمر التي لم يحرمها الإسلام إلا بعد سبعة عشر عامًا من إهلاله ومجيئه..!

****

قلنا إن جميع المنادين بتقنين الشريعة -إلا من رحم ربك- ينسون أو يتناسون أهم وأعظم مجالات هذا التقنين- ألا وهو “نظام الحكم”..! مع أن كل محاولة للتطبيق والتقنين لا تبدأ من هنا، فهي رافضة لنصف الإسلام وملقية به وراءها ظهريًا!!

وإنه لموقف يزكم العقول ويحيرها، ويملأ الأنفس ريبةً وفزعًا حين لا نرى ولا نسمع أي اهتمام بتقنين الشريعة فيما يختص بنظام الحكم، وكأنه مجرد نافلة.. وكأن الإسلام الذي نهتف صباح مساء بأنه “دين ودولة” قد عقم وعجز عن تقديم هذا النظام..!

 كل ما يجود به هؤلاء قولهم: إن نظام الحكم في الإسلام، هي الشورى.. ثم ماذا يا سادة؟؟ الشـورى.. ثم ماذا أيضًا؟؟ الشورى!! وكأن كلمة «الشورى» تهويمة، أو تعويذة لا تفتأ حين توضع فوق مجمرة البخور” أن ترسل في الفضاء سحابات من دخانها المعطر ترسم في هذا الجو العبق والمسحور خارطة لنظام حكم لا يرقى إليه نظام..!!

إن العقبة التي تنتظر اقتحامها هي ذي قواعد واضحة ومستبينة ومفصلة لنظام الحكم.. ولقد فصلنا القول في هذا النظام خلال المقالات السبع السالفة وفق ما يفيئه الاسلام- روحًا، ومنهجًا، وتطبيقًا.. سموا هذا النظام ما تشاءون.. سموه الديمقراطية.. سموه: الديمقراطية الإسلامية.. سموه الشورى.. المهم هو المضمون، والمنهج، والتطبيق.

وهذه الثلاثة تعنى -تحت أي اسم- قيام العناصر والأجهزة التي تحقق للأمة سيادتها وحريتها، وهذا يعنى:

أولًا – أن تكون الأمة مصدر السلطات بما فيها السلطة التشريعية -ولن يكون في ذلك أي افتيات على حق الله في التشريع.. لأن كل القضايا التي أفتى فيها النص من كتاب أو سنة متواترة ستبقى له قداسته واحترامه.. أما وراء ذلك فسيكون مرجعنا فيه الفقه الإسلامي المتراحب. والاجتهاد المتجدد.. وهما -الفقه والاجتهاد- من نتاج العقل والفكر، اللذين لا يتنافيان بهذه المثابة مع اعتبار الأمة مصدر السلطات.

ثانيًا – لكي تتعاون السلطات الثلاث -التشريعية، والقضائية، والتنفيذية- تعاونًا يحول دون طغيان إحداهن على الآخرين، كما يحول دون تركيز السلطة العامة والسياسة في قبضة دكتاتور مستبد.. نقول لكي يكون ذلك كذلك، فلابد من الفصل من هذه السلطات.

ثالثًا – إذا كان الحاكم، أو الإمام في الإسلام لا تنعقد إمامته ولا إمارته إلا باختيار الشعب، فإن هذا الحق الذي أكده الإسلام -مبدًأ وسلوكًا- يعطى الشعب -تلقائيًا وبداهةً- حقه في اختيار ممثلين له ونواب عنه، يتشكل منهم “برلمان” حر شجاع يدير خواطره ومناقشاته المستمرة حول قضايا الشعب وحقوقه، يكون عونًا للحاكم إذا استقام، ومقومًا له إذا انحرف- وتكون له الكلمة العليا في كل شئون المجتمع السياسية، والعسكرية والاقتصادية، والاجتماعية- حيث يتكون رأيه النافذ عن طريق الاجماع أو الاغلبية.

رابعًا – لكي يحقق هؤلاء النواب مسئوليتهم أمام الشعب الذي اختارهم وانتخبهم، ثم لكي ينقلوا سيادة الأمة من الشارع إلى داخل البرلمان، لابد أن ينتظم معارضة برلمانية، تقف بالمرصاد لكل جنف من الحاكم ولكل محاولة منه لتجريف سيادة الأمة وسلطان نوابها.

خامسًا – وما دامت مصالح الشعب وقضايا حياته وتقدمه متباينة ومتنوعة تنوع الوسائل التي تحققها، فإن ذلك مدعاة لقيام أحزاب سياسية، تتنافس في خدمته، وتسهم في تكوين وعيه السياسي، بل والديني.

سادسًا – ولابد من قيام صحافة حرة تضمن القوانين العادلة حقها في التعبير، والنقد والرفض.. ولا تخضع في ملكيتها، ولا في تنظيم بيتها لغير القانون.

****

هذه جميعا -عناصر الديمقراطية- وهي جميعًا عناصر الشورى في الإسلام.

وإذا اتفقنا على أنها كذلك، فلابد أن توثق هذه الصورة وهذه الحقيقة بكل تفصيلاتها في الدستور أولا. ثم في قانون، أو قوانين تتصدى [تتصدر] كافة قوانين تطبيق الشريعة وتقنينها.

وإذا لم نفعل، فلنفسح الطريق للرياح التي ستذرو ذرو التراب كل مجهوداتنا ومحاولاتنا وأمانينا..!

إن أول ما يجب تقنينه في شريعة الإسلام هو “نظام الحكم”، القائم على الشورى الواضحة.. لا الشورى الغامضة. وعلى الشورى الملزمة، لا الشورى الهازلة. وعلى الشورى بكل مؤسساتها وعناصرها التي سقناها آنفا..

إن المناخ الصالح التطبيق الشريعة هو ذلك الذي يعيش الشعب فيه سيدًا … لا عبدًا.. وآمنًا، لا خائفًا.. ويكون الحاكم فيه رمزًا للسلطة العادلة.

وليس ثمة ضرر ولا خطر يحيقان بالإسلام وبالمسلمين مثل تطبيق الشريعة وتقنينها في ظل حكم مطلق، ودكتاتورية مستبدة غاشمة… فهنالك يحمل الإسلام أوزار وأصار وجرائم هذا النوع من الحكم الدعي والبغي!! وتتحول الشريعة السمحة الغراء إلى (غابة) تعج بكل ذي مخلب وناب.. كما تتحول إلى (قفاز) يستخدمه الحاكم المستبد في ارتكاب جرائمه حتى لا تظهر بصماته الواشية!! وإني لأذكر حكمة رائعة للإمام شيخ الاسلام “ابن تيمية”، يقول فيها: “ليس إمامًا للمسلمين ولا أمينًا على شرع الله، من يطلب الشريعة ليؤسس بها لنفسه سلطانًا بانيًا، ولا من يرشو بأمواله كيما يحصل على الإمامة..!

إن قيام الشريعة وتنفيذ أحكامها في ظل حكم ديمقراطي عادل وأمين ورشيد يجعل منها واحةً، ومرفًأ، وهناءً وفيضًا من السعادة والطمأنينة لا يغيض.. في حين أن استخدام دكتاتور مستبد لها ولنصوصها ولاجتهاداتها، واستغلالها في التمكين لحكمه الطاغي وأهوائه المريضة والحاقدة لن يعدوا أن يكون تحريفًا لدين الله، وكلمة حق يراد بها باطل!!

إنّا لنرسل البصر كرتين إلى هذا الطراز من بعض حكام المسلمين، فينقلب إلينا البصر خاسئًا وهو حسير!!

****

لقد أوردت في مقالاتي السابقة الكثير المبارك من النصوص، ومن الوقائع التي شهدها عصر الوحي، وقول الرسول الله -صلي عليه وسلم- وعمله، وعمل خلفائه الراشدين.. أوردت من ذلك كله ما يؤكد أن الشورى في الإسلام ليست كلمات يتلمظ بها المبطلون، إنما هي نظام المتكامل وثق الرسول وخلفاؤه مبادئه، ثم طبقوا هذه المبادئ، في النماذج التي كانت تلائم وتوائم أعراف ذلك العصر البعيد.

فمثلا- لم يشهد ذلك العصر قيام “برلمانات”، في مستوى “برلمانات” اليوم، بيد أنه شهد من الشورى ومن حق الأمة في الاختيار وفي اتخاذ القرار ما يجعل هذا النظام البرلماني أصدق تعبير عن هذا الذي كان.. بل لقد منحنا أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب”، نموذجًا مناسبًا لما نسميه اليوم بالبرلمان.

يقول الأخ الفاضل الدكتور عبد الحميد اسماعيل الأنصاري في كتابه القيم “الشورى وأثرها في الديمقراطية”:

“لما فتح الله على المسلمين أرض السواد -الشام والعراق- طلبوا من “عمر” -رضي الله عنه- أن يقسم الأرض المفتوحة عليهم باعتبارها غنيمة.. والغنائم تقسم وفق نص الآية الكريمة في سورة الأنفال.. ولكن أمير المؤمنين “عمر” رأى -مجتهدًا- أن الأرض ليست من الغنائم التي تنطبق عليها الآية الكريمة، ووافقه على ذلك بعض كبار الصحابة- منهم “على وعثمان، وطلحة، ومعاذ”، وخالفه آخرون من كبار الصحابة أيضًا- منهم “عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وبلال”، وحاول “عمر” إقناع مخالفیه برأيه فما اقتنعوا.. هنالك جمع المسلمين في المدينة للنظر في الأمر، حيث استقر الرأي على الاحتكام إلى عشرة من الانصار من ذوي الرأي- خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج”.

ويستمر المؤلف في ذكر الواقعة، لنرى أمير المؤمنين يشرح لهذه “اللجنة” التي أحال المؤتمر إليها دراسة القضية.. يشرح لها حجته قائلًا: “أرأيتم هذه الثغور؟ لا بد لها من رجال يلزمونها.. أرأيتم هذه المدن العظام؟ لابد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار الطعام عليهم.. فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الارض ومن عليها؟؟ كيف نقسمها لهؤلاء، وندع من يجيء بعدهم؟؟

وينتهي الأمر باللجنة وبالمؤتمر إلى الموافقة -بعد الاقتناع الكامل- على رأى “عمر”.

أليس هذا نموذجًا للبرلمان؟ وهل لو كانت أعراف الزمان والمكان تألف -منذ ألف وأربعمائة عام- النظام البرلماني في حقيقته وصورته اليوم، أكان الاسلام سيرفضه؟ لقد نقل عمر “نظام الدواوين” عن الروم إبَّان حكمهم في الشام.. أفمن الاثم أن ننقل النظام البرلماني عن الديمقراطيات المعاصرة في الغرب؟!

وما يقال عن “برلمان”، يُقال عن المعارضة.. فللمعارضة في الإسلام قدم صدق، ومقام عظيم!!

 حسبنا نزول الرسول على رأى المسلمين في كل ما اختلف فيه الرأي بينه وبينهم.. وحسبنا قول خليفته في خطبة الافتتاح التي استهل بها عهده: “وإن أسأت فقوموني”.. وحسبنا قول “عمر”: “الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بسيفه”..!! وحسبنا ذلك السلوك العام للخلفاء الراشدين، وللخليفة الخامس “عمر بن عبد العزيز” تجاه المعارضة التي هي جزء وثيق من الشورى، وواحد من أهم التعبيرات عنها.

وأما الأحزاب السياسية، فما دام هناك ما تفرضه طبائع الأشياء من تعدد وجهات النظر، وتعدد أساليب العمل تجاه قضايا الأمة ومشكلاتها -لا سيما في عصرنا الذي نعيشه- فإن قيامها لا يدحضه أي نص من قرآن ولا من سنة.. كما أنه ليس ثمة اجماع ولا قياس يوحيان برفضها. والقاعدة الفقهية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة”، فمن كان معه من الشرع ما ينقل الإباحة هنا.. إلى المنع والحظر فليأتنا به..!!

إن الأحزاب السياسية ليست ترفًا، إنما هي ضرورة لضمان حرية الرأي، وحرية النقد، وحق المعارضة.. كما أنها اليوم ضرورة لتوعية الشعب سياسيًا، وتكوين القيادات السياسية الصالحة للنهوض بأعباء حكم صالح حين تُدعى لهذا.. ولو لم يكن ثمة دليل على مشروعية الأحزاب إلا أنها من المصالح المرسلة لكان هذا حسبها..

يقول أخونا الفاضل الشيخ محمد الغزالي في كتابه القيم: “مائة سؤال عن الإسلام”:

“الأمة الإسلامية مصدر السلطات التي تنشأ بين ظهرانيها.. أعنى أنها وحدها صاحبة الحق في اختيار الرجال الذين يلون أمرها، وصاحبة الحق في محاسبتهم على ما يقومون به من أعمال. وفي معاقبتهم إن أساءوا، وعزلهم إذا شاءت.. كذلك الشورى في الإسلام، فهي مبدأ مقرر وفريضة محكمة. ولابد من انشاء أجهزتها، وتنظيم إشرافها على شئون الدولة، وتمكينها من تقليم أظافر الاستبداد الفردي وضمان مصالح الجماهير.. إن أجهزة الشورى المنظمة، والمحترمة، والملزمة، هي التي تحفظ حدود الله، وتأخذ على أيدي الظلمة.. وتقي الأمة شرهم، وتنفذ قول الرسول الكريم: “إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”..!!

ثم يقول عن تعدد الأحزاب: “إذا رأى البعض أن الإسلام لا يوجبها، فهو أيضًا لا يحرمها.. هب أن جماعة من الناس تخيرت من مذاهب الفقه الاسلامي أن تؤخذ الزكاة من جميع الزروع والثمار.. وأن تبقى المناجم مِلكًا لأصحابها على أن يؤخذ منها الخمس.. وأن يسوى بين دية الرجل والمرأة.. وأن تباشر المرأة بنفسها عقد زواجها.. وأن تُقبل شهادتها في الدماء والأعراض كما تُقبل في الأموال.. إلخ، ثم وضعت هذه الجماعة منهاجها هذا وعرضته على الأمة، أيكون هذا التصرف ارتدادًا عن الإسلام؟! وهب أن جماعة من الناس رأت أن تضع منهجًا لتصنيع البلاد، أو رأت اتحاد بلادها مع غيرها في أقاليم منفصلة.. أو رأت انشاء سوق إسلامية مشتركة.. أو رأت تطوير أساليب عرض الإسلام مستخدمة في ذلك إمكانات الحكم.. فما الذي يمنع من إنشاء حزب لتحقيق ذلك، سواء ضاق به الخليفة أو رضي.. أليس ذلك أفضل من الاغتيال والكبت والاحتيال وتمكين الجهال من الإمساك بدقة الأمور..”؟!

هذه كلمات داعية رشيد لا ينال دينه وفقهه أدنى اتهام.

****

ولقد أوردت في مقالاتي السابقة تلك القواعد الفقهية والمذهبية، كقول الإمام “ابن القيم”: “ليس للحق ولا للعدل طريق واحدة، فكل طريق يحق الحق ويقيم العدل فهو شرع الله، وأمره، ورضاه..!! وقول شيخ الاسلام (ابن تيمية)- “ليس من حق أحد أن يلزم الناس برأيه واجتهاده، عملا بقول “عمر”: (لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة)- وقول الإمام “الطوفي الحنبلي”: “إذا تعارض النص مع المصلحة، قدمت المصلحة على النص لأنه ما جاء إلا لرعاية مصالح العباد..!!

إن في الشريعة الاسلامية وفقهها الأثير والغزير، ما يجيز -إن لم يحض- على قيام الأجهزة والمؤسسات الديمقراطية التي ذكرناها، والتي تجعل من نظام الشورى في الاسلام حقيقةً، وواقعًا، وملاذًا.. ثم إننا نملك حق الاجتهاد الذي فتح الإسلام جميع أبوابه، وتركها مفتوحة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

هذا الاجتهاد حق ثابت لكافة أجيال الأمة المسلمة وجميع عصورها بنص حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله”.. إذن فلكل جيل من أجيال المسلمين عدوله الذين يحق لهم الاجتهاد وصولًا إلى تحقيق مقاصد الشريعة وهديها.

وبعد، فمرة أخرى أقول: إن أي محاولة لتطبيق الشريعة الاسلامية، لا تبدأ -أولا وقبل كل شيء- بتطبيق وتقنين نظام الحكم وفق مبادئ الإسلام العظيمة القائمة على تقديس الحرية، وجعل سلطة الأمة فوق سلطة الحاكم- ستكون عبئًا على الإسلام ذاته، الذي سيحمل آنئذ كل أوزار الحاكم المستبد وكل جرائمه..!!

وعلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ألا يصدقوا أي حاكم يفرض عليهم حكمًا مستبدًا مطلقًا تحت عنوان “تطبيق الشريعة”..!! فالشريعة من هذا براء!! وإذا أراد المبشرون بالشريعة والداعون في صدق إلى تطبيقها ألا يكونوا كمن يحرث في البحر، وألا يلحقوا بدينهم سوء السمعة وسوء المنقلب، فليبدأوا من هنا.. من تقنين نظام الحكم وفق الشورى الصحيحة.. تقنينًا مفصلًا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من هذا النظام إلا بيَّنها وأحصاها..

فالشورى الملزمة، والبرلمان الممثل للأمة تمثيلًا صادقًا، والمعارضة التي تكبح جماح الحاكم وجموحه، والأحزاب التي تتبلور في مناهجها أهداف الشعب القريبة والبعيدة، والفصل بين السلطان.. كل هذه من صميم الشورى كنظام سياسي متكامل يستلهم مقاصد الشريعة ويحترم روح المعاصرة.. وحين نستهل تقنين الشريعة بـ “بسم الله الرحمن الرحيم” فيجب أن يتلوها مباشرة، وقبل أي شيء آخر، القانون الذي يفصل حقوق وواجبات وشكل نظام الحكم الذي تهتف به الديمقراطية والشورى.

هذا نذير يجيء في أوانه.. وكلمة حق أقولها والحاجة إليها أعظم ما تكون.. والحمد لله الذي وفق، وهدى، وأعان.


* مقال منشور ضمن الكتيب غير الدوري: حقوق الإنسان العربي، والذي تصدره المنظمة العربية لحقوق الإنسان، في 30 من مارس 1985م، ص7-12 (وقد نشره الكتيب نقلا عن مجلة المصور المصرية، التي سبق أن نشرت المقال المذكور بتاريخ 14 من مارس 1985م، ضمن حلقات حديث أ. خالد محمد خالد عن “الديمقراطية والإسلام”، المقال الثامن).

 

القضية رقم 45 قرار 17 القضاء القضائي الدستوري العالي “دستورية”

مبادئ الحكم: جنائي – حرية حرية – حكم دستورية – دستور – دعوى دستورية – شريعة اسلامية – قانون – نفقة.

نص الحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 22 مارس سنة 1997 م، موافقة 13 ذو القعدة سنة 1417 هـ

حضر المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدي محمود غني منصور ومحمد عبد القادر عبد الله.

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدي أنور صابر………………………… أمين السر.

صدر الحكم قادما:

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا رقم 45 حكم 17 القضاء “دستورية”

المقامة من:

السيد/ فتحي محمد شادي الطنطاوي.

ضد:

  1. السيد رئيس الجمهورية.
  2. السيد/ رئيس الوزراء.
  3. السيد/ رئيس مجلس الشعب.
  4. السيد/ رئيس مجلس الشورى.
  5. السيد/ وزير العدل.
  6. السيد/ النائب العام.
  7. السيدة/ سامية إبراهيم عثمان.

التدابير

بتاريخ 24 يونيو سنة 1995، أودعت توجيه هذه الدعوة إلى قلم قانون المحكمة، طالبتا بالحكم بعدم دستورية نص المادة 293 من قانون العقوبات.

وأصدرت أحكام القضايا الحكومية بموجب قرار الحكومة برفضها.

وبعد الانتهاء، وأودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

ونظرت لذلك على النحو المبين بمحضر النظر، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الترجمة على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من محطات وسائر الأصول – تتحصل على السيدة/ سامية إبراهيم عثمان – المدعى عليها السابعة – لم تتمكن من الحصول على حكم قضائي في المحكمة رقم 302 نهائي 1988 أحوال شخصية قسم أول المحلة الكبرى المتنوعة، باستحقاقها نفقة لها ولصغيرها مناشد، ضربت ثم على حكم في المركز رقم 30 قرار 1993 - من تايقوه - بقوة يضغط ثلاثين يوما لامتناه من أداء مبلغ 960 جنيها من تجميد النفقة المحكوم. وقد تم تنفيذ هذا الحكم.

واستمر في الاستمرار في امتناعه عن الوفاء بما في ذلك ذمته من النفقة، فقد أقامت ضده بالطريق المباشر الجنحة رقم 8538 بحكم 1993 – أمام محكمة أجنحة قسم أول المحلة الكبرى – حكم المحكمة بمعاقبته بمقتضى المادة 293 من قانون العقوبات، وإلزامية بتعويضات مؤقتة.

وقد قضت هذه المحكمة بتاريخ 6/11/1993 – ويا غياب – بحبس ستة أشهر، وبأن يؤدي للمدعية منذ بداية المدنية مبلغ 51 جنيه على تعويض مؤقت، فعارض في هذا الحكم، وقضى في معارضته بإلغاء الحكم المعارض فيه، وبعد قبول الدعويين خالية والمدنية، إلا أن النيابة العامة طعنت على هذا الحكم بحكم رقم 7879 بحكم 1994، وفيه حكمت المحكمة بأجنحة مأمورية المحلة الكبرى – غيابيا – بإلغاء الحكم المحكم، وأمام المحكمة أول حكم للفصل فيها توقف بهيئة مغايرة.

ونظرت إليه – أثناء النظر في الموضوعية بعد عودتها إلى محكمة أجنحة قسم أول المحلة الكبرى – عدم دستورية المادة 293 من قانون العقوبات، وقدرت محكمة الموضوع الجديد الدفع، وقد أقامت الماثلة.

وحيث إننا نقول ينعى على المادة 293 من قانون المطعون عليها، مخالفتها للشريعة الإسلامية التي اعتبرتها المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها – المصدر الرئيسي للتشريع، والتي تعتبر صلاح العبادة مرهونا باتباعها، وقررت على أن من غير المتصور أن يكون الابن سببا في حبس أبيه وتقيد حريته هذا فضلًا عن أنس الحب للمرة الثانية ويمكن 293 المطعون عليها، يعطل أباه عن العمل لمدة حدوده فيس، وما ينشأ عن ذلك من حديث مورد الرزق الذي ينفق منه على الابن فضلًا عن أن النص في المادة 347 من قوانين المعاملات القضائية شرعية بما يتعلق بها، ثم في المادة 293 المطعون عليها، على حبس المدين بالنفقة المحكوم بها، مؤسسة اجتماعية عقوبتين عن فعل واحد، هو النكول عن ممارسة النفقة المقضي بها بحكم حكمه بالقدرة على دفعها.

وقد انبنى التجريم بالنص المطعون عليه على علة صون الروابط العائلية، ولكن تطبيقه يؤدي إلى قطعها.

وبالتالي جاء هذا النص مخالفا لها الذي رسمها الدستور في المحاكمة المنصفة، ومن ثم مافيا تساوي اشتراكها أمام القانون، إذ تنطبق على الرجال المتزوجين دون سواهم، مما يؤدي إلى حجامتهم عن الزواج، شيوع الزنا.

وحيث إن المادة 347 من لائحة الإجراءات القانونية والشرعية بها الرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931، وتسجل على أنها إذا امتناع المحكوم عليه تنفيذ الحكم في الزيادة أو في أجرة الحضانة أو الحجز أو المسكن، ومتى تحتفظ بأن المحرم عليه قادر على القيام بما بما في ذلك حكم به وأمرته ولم يمثل، حكمت بحبسه. ولا يمكن أن يكون محددًا مدة الحبس لمدة ثلاثة أيام تقريبًا إذا كان المحكوم عليه ما حكم به، أو مقصد كفيلًا، ليتمكن من أجله. وهذا لا يمنع من تنفيذ الحكم بالطرق الاعتيادية.

وتميزت من أن تهجر، نصت المادة 293 من قانون الضمان على ما يأتي: “كل من صدر حكم قضائي بدفع النفاذ بدفع نفقة لزوجه أو أقربائه أو أصهارته أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن، وامتنع عن الدفع مع التوقف لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع، يتابع فقط مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري أو باثنان هاتين العقوبتين ولا ترفع إلا بناء على البرمجة من صاحب الشأن. وإذا رفعت بعد الحكم عليه دعوى عن هذه الجريمة، فتكون عقوبته الحبس مدة لا سنة على سنة. وفي حالة جميع المناسبات إذا كان المحكوم عليه ما يحكم في ذمته، أو قدم كفيلا يقبله صاحبه فلا تحكم”.

وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية لمشروع هذه المادة، “أنها أضيفت للمعاقبة على جريمة هجر العائلة جريمة تعاقب عليها القوانين. وقد أدخلت في بلجيكا بالقانون في 19 مايو سنة 1912؛ وفي فرنسا بالقانونين المباشرين في 7 فبراير سنة 1924 و3 أبريل سنة 1928؛ وفي إيطاليا بقانون مطلق في 19 أكتوبر سنة 1930، وأن النص الجديد يعاقب كل من حكم القضاء واجب النفاذ بدفع نفقة له أو أقربائه أو أصهارته أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن وامتنع عن الدفع مع التوقف لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع ، نظرًا لأنها كانت هذه الجريمة مما يمس نظام الأسرة ويؤثر على العلاقات العامة، فقد رئي محاكمة في التعامل مع أصحاب المصلحة”.

وحيث إنه عمل بنص المادة 41 من دستور مصر 1923، صدر المرسوم بقانون رقم 92 لسنة 1937 في المشاركة في التدابير التي تتخذ وفقا لنص المادة 293 من قانون العقوبات، متوخيا فض التداخل مع المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وذلك حسب ما تحدده لكل منهما مجال تطبيقها، وجهة لا تتضمن حكمها. ومن ثم كان هذا المرسوم بقانون متصلاً بتنظيم الضبط بعد إلغاء الدول الأجنبية لا امتيازاتها في مصر.

ضمن نطاق هذا التنظيم، وإرساء لقواعده، ويشمل هذا المرسوم بقانون مادتين؛ وتولتهما أولا على امتناع الاشتراك لنص المادة 293 من قانون العقوبات، قبل أن يستنفد المحكوم لم تصلحه بالنفقة – وفي ظل التي يطبق فيها نص المادة 347 من لائحة الترتيبات القضائية الشرعية – وتفرض عليها. وتقضي ثانيتها إذا نفذ الإكراه على شخص وفقا لحكم المادة 347 من لائحة المحاكمة الشرعية، ثم حكم عليها بسبب قضائها بعقوبة الحبس تطبيقا، إذا 293 من قانون العقوبات، استنزلت مدة الإكراه للمرة الأولى من مدة الحبس المحكوم به، حكم عليه بغرامة، تم حذفها عند البدء في الحصول على عشرة قروش عن كل يوم من أيام الإكراه التنازل الذي سبق أن تعاطيه فيه.

وحيث إن النص المطعون فيه، يقرر أصليًا توقيًا لهجر العائلة، ولدعم الأواصر بين أفرادها، فلا يمزقها الصراع، ولا يهيمن عليها التباغض، بل يكون التضامن بينهم. موطئًا لتعاونهم وفق القيم والتقاليد التي يمليها التضامن الاجتماعي، فلا يتناحرون. ومن ثم كان هجر العائلة جريمة معاقب عليها في كثير من الدول المتطوره، مما يعني أنها تعني عنها والامتناع عن الإنفاق عليها، وعريضها للضياع، إلى ذلك السلطة الأبوية التي يباشرها أصولها على بنيهم لا تمحض عن حقوق، بل تقارنها واجباتهم التي لا تملكون أن تصل منها، وإلا ووجب حملهم عليها بالجزاء، ولا يتخلصون منه إلا بعودتهم إلى العائلة التي هجروها، ومواصلتهم الحياة معها، على أن تدل قرائن الحال على أن تطلبم لها، ليس ملحوظا فيها أن تكون موقوتًا مرحليًا، بل واشية بإرادة بقائهم في محيطها، حيث يوجد خيارًا للحياة العائلية بينها. أفرادها.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد يقضي، على أنه القول بأن العلاقة الشخص بذوي قرباه – من غير أبنائه – تقوم في جوهرها على مجرد ذات صلة – ولو لم تكن صلة محرمية – إلا أن الولد بعض أبيه، أو هو جزؤه الذي لا ينفصل عنه، وليه يكون منتسبا، فلا يلحق بغيره، وهذه الجزئية أو أحمدية مرجعها إلى الولادة، وليس ثمة نفع يقابلها وجود معنى العوض. ومن ثم كان مخصص الوالد دون غيره بالإنفاق على عياله الثابت لا يؤول فيه، بل إنرار إد النفقة عليهم وبقدر كفايتهم، أكفل لحياتهم وأحفظ لأعراضهم وقولهم، وهو كذلك يدخل إلى تربيتهم وتقويم اعوجاجهم بما ويردهم دوما إلى قيم الدين عاليه.

وحمل الوالد على إيفاء النفقة التي حجبها – عنادًا أو إهمالًا – عن أولاده، هو إلزام بما في ذلك هو مطلوب بعد أن يمنعهم دون حق، وأهدر أصليًا وجوبها لأولاده المحتاجين إليها. وملائمة لظلم الوالد بالعدل ليس إعتناقًا من طويًا على التضييق عليه، بل يعيش مطلوبًا ديانا، وواجبًا تقتضيه، محققًا لمصالحها درجاتها. كذلك تقرير فإن النفقة وفرضها من خلال الحكم، ليس سرفًا، ذلك أن الوالد وإن علا لا يحبس في الدين لولده وإن سفل، إلا في النفقة، لأن الامتناع عنها مع وجوبها ضياع لها، مؤبد إلى إتلافها.

وحيث إن من المقرر كذلك شرعيًا، أن نفقة الزوجة تقابل احتباسها حق زوجها، ومكان استمتاعه بها استيفاء للعقود عليه، وعملًا بقاعدة نصية كلية أن من كان محبوسًا تمامًا لكل ماوده، كانت نفقته عليه. وقصر المرأة على زوجها، يعني أن المنافع التي أذنها الله بها، تعود إليه بطلب. ومن ثم كان رزقها وكسوتها، متطلب معروفًا بعد أن أخذها زوجها وستحلها بكلمة الله، وهو ما يمنحها المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 25 بحكم 1920 الخاص بتنزيل النفقة ومسائل القروض الشخصية بعد تعديلها بقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض قوانين التداول الخاصة بالشخصية، من أن نفقة الزوجة على زوجها تجب من تاريخها الصحيح بتسليمها نفسها إلى القول حكمًا، حتى لو كانت موسرة أو مختلفة عنه في الدين، على أن تشملها وكسوتها وسكنها وتجر علاجها، وغير ذلك مما يقضي به الشرع.

وحيث إن ما ينعاه يدعو من مخالفة المادة نص 293 من قانون المعونة عليها في منتصف الدستور، مردود قضاء هذه المحكمة مطرد على أن حكم هذه المادة – بعد تعديلها في 22 مايو 1980 – اقترح على أن الدستور – واعتبارًا من تاريخ العمل بهذا التأسيس – قد أتى بقيد على المؤسّسة الحكومية تقيدها – فيما تقره من النصوص القانونية – بمراعاة أصول الكلية للشريعة الإسلامية، إذ هي جوهر بنيانها وتركيزها، وقد أقرها الدستور أصلاً ينبغي أن يطلق عليها هذه النصوص، فلا تتنافر مع مبادئها وترك بوتها ودلالتها، وإن لم يكن لا بد من استمداد تلك النصوص مباشرة منها، بل يكفيها ألا تعارضها، وبعدها إبان بعضها البعض الأخرى التي يفترضها الدستور على السلطة البرلمانية، ولا تتمتع بصلاحياتها الدستورية. ومن ثم لا تحكم على الدستورية الشرعية التي تباشرها هذه المحكمة – في مجال تطبيقها الكامل، إذا من الدستور الثاني – ليس النصوص القانونية التنفيذية بعد تعديلها. ولا كذلك نص المادة 293 من قانون المطعون عليها، منذ إصدارها المشرع قبل نفاذ التحسينات الشاملة الثاني من الدستور في 22 مايو 1980. المحكمة في إطار الشرعية الدستورية.

وحيث إن القوانين تحمل المدين بالنفقة – سواء كان مستحقها للتنازل أو أولاده – واقتضائها من الملتزمين بها جبرًا – ولو موضوع الإكراه معينة – هو ما يقرر بقضاء المحكمة العليا في القضاء رقم 1 حكم 5 القضاء عليا “دستورية” مختلفة في 29 من يونيو 1974 بمناسبة فصلها في دستورية نص المادة 347 من لائحة النظام القضائي الشرعي؛ وكان ما خلص إلى قضاءها من يحدثها مع الدستور، ويعتبر قولها فصلًا لا يقبل تعقيبًا من أحد – على ما انتهى إلى قضاء المحكمة الدستورية العليا – فإن الخوض في ولايات جديدة حبس المحكوم عليه بالنفقة – إذا امتنع عن التدخين بعد أن أُمر بدفعها ويمكن أن يتمكن من ذلك إيفايا – يكون لغوًا.

وحيث إن ما ينعاه يدعو من مخالفة النص المطعون فيه إذن 9 من الدستور التي تقضيها الأسرى بتعديلها والأخلاق والوطنية الدين، وأن على الدولة أن تعمل صون طابعها الأصيل – يقوم بما بما فيه من القيم والتقاليد – مردود، ذلك ما نسعى إليه النص المطعون فيه، ليس إلا أثارًا لرواية رب العمل، وكفل لاتصالها المباشر، بدعم وشائجهم، وهو كذلك ضمان لوحدتها ودعوها لا يناقض جوهر بنيانها، بل يرسيها على الدين الحق والعمل القويم، إعلاء لفضائلها، فلا يوجد أعضاء لها مجموعة معينة خصيمًا، بل عونًا ونصيرًا. لعدة أشهر كان المدين ممتنعًا مطلًا أو إعتناتًا عن الاستمرار على أولاده وزوجه، كان هادمًا لصلاة حرم الله قطعها، فلا يقوم بكفايتهم، بل يرهقهم من أمرهم عسرًا وما حمل على إيفائهم نفقتهم التي تستحقونها، ولو لم يكن ذلك، كان ذلك جزاءً وفاقًا.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة مطرد على أن استيفاء القيود التي تفرضها المشرع فيما يتعلق بالقصاص، مؤداه أن القاتل من مرتكبيها قد يكتمل، فلا يجوز أن يلاحق جنائيًا أكثر من مرة عن الجريمة وإلا ما زال قلقًا مضطرًا، مهددًا من الدولة بنزواتها، تم مدها بأسمها حين تريد، ليدو قبل وقوعها، من صدق لا لها، مهدرًا لموارده في غير مقتض، متعثر الخطى، بل إن إدانت – ولو كان بريئًا – أنظر أكثر احتمالًا، كلما كان مؤمنًا متتابعًا عن الجريمة الناشئة.

وما ينعاه من تنبيه من انطواء النصعون فيه على فرض أكثر من كبسولة عن جريمة واحدة.

مردود أولًا: بما اضطر إلى أن تقرر لنص المادة 293 من قانون المطعون عليها – والتي استنفادها قررت تحديدها المادة 347 من لائحة الترتيب القضائي الشرعي لتحصيل النفقة المحكوم، وأن من يستحقونها قد تتضرروا من بسبب امتناع المدين بالنفقة عن دفعها لمدة ثلاثة أشهر بعد أشهر من التنبيه عليها بإيفاءها، مما حملهم على أن يتقدموا ضده بشكواهم استنهاضًا لنص المادة 293 المطعون عليها التي لا تعرفها بالمادة 347 من اللائحة الحقيقية واحدة يقوم بها جراس الحب، بل يمكن أن يستخدم النصعون فيه، أن المدين بالنفقة لا تعرف مماطلا حتى بعد أن حبس ولأنها تؤكد اللائحة، وأن الامتناع عن دفعها لا أهمها منذ فترة من حيث الزمان، بما في ذلك أن حقائق الامتناع – مع تعددها – لا تعد مشروعًا إجراميًا عالميًا، بل يكون لكل منها وجودها وإثباتها عن بعضها جزئيًا، وإن كان هدفها باتجاه المشاهير في اتجاهها. سوف المدين بالنفقة إلى النكول عن خانا.

ومردود ثانيًا: أن عدم جوازات السفر يفترض أكثر من الجزاء على فعل واحد، والذي يتابعها ويستيفاء كل منها. ولا كذلك النص المطعون فيه، ذلك أن مدة الإكراه لغرض التي تم في حق المدين وفقا لنص المادة 347 من لائحة الترتيبات المحاكمة الشرعية، يجب استنزالها من مدة الحبس المحكوم بها وفقا للنص المطوع فيه اختلاف كان قد حكم عليه بغرامة، وتخفيضها عند التنفيذ. عشرة قروش عن كل يوم من أيام الإكراه الخاصة الذي سبق أن جرمه فيه.

وحيث إن ما ينعاه يدعو من خلال النص المعونة فيه بالحروفية الشخصية وطالبها في المادة 41 من الدستور.

مردود أولًا: ضمانها لا يعني غل منظمة المشرع عن منظمة المنظمات الإرهابية، ذلك أن صون الحرية الشخصية يحتاج بالضرورة إلى إمكان مباشرتها دون الإلكترونية جائرة تعطيلها أو تحديها، وليس إسبان حصانة عليها تعريفها من القيود التي تقتضيها مصالح الجماعة، وتسوغها ضوابط حركتها.

ومردود ثانيًا: بما بعد قضاء هذه المحكمة من المحكمة أن يحكم ببراءته مع غيره من الدعاوى في سعيها لمسؤولي الأشخاص فيما بين الأطراف، وعليهم صلواتهم بمجتمعهم، إلا أن هذا القانون يفارقها في دعوى الجزاء وأدانهم على إتيانهم الذي يأمرهم بما في ذلك أواصر تلك التي تطالبهم بلاجتنابها، وهي بذلك يتغيا أن تحدد – ومن شخص اجتماعي – ما لا يجب عليه التسامح فيه من مظاهر التحرر منهم، بما في ذلك أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مشرفا إلا إذا كان مفيدا من وجهة اجتماعية، حيث كان مكاوزا بحدود حدود التي ترسم بخومها، غدا مخالفًا للدستور متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه يتوخى أن يرتبط بعائلة الأسرة بها، فلا يهجرها من خلال الامتناع عن احتلالها، والتضييق عليه يعتبر كافلاً لها، فإن تقرير وإيقاع هذا الجزاء، لا يكون مخالف للدستور .

وحيث إن ادعاء مخالفة النص المطعون فيه و40 من الدستور، مردود الدخول في الأسرة من خلال الصارمة، والتي تحمل عبائها. ولا كذلك غير المتزوجين الذين يختلفون مركزا عن الأولين.

وحيث إن القول بإهدار المطمع النصعون فيه لضوابط المحاكمة المنصفة التي يمكن لها في المادة 67 من الدستور، مردود على هذا النص – وفق مضمونه – لا يخل التسجيل في إدارة العدالة فارما فعالة على ضوء مستوياتها في الدول المتطوّرة، ولا تقص من ضماناتها.

وحيث إن النص المطعون فيه لا يعارض مع أي حكم آخر في الدستور من أي شيء آخر.

فلهذه الفكرة

حكمت المحكمة برفض القضية ومصادرة الكفالة، ولزمت المصروفات وبلغت مائة جنيه ضد أتعاب المحاماة.