البحث في هذه الجزئية من الدراسة أمر به ما به من تركيب وتعقيد، وذلك رغم ما يتمتع به من يسر ظاهر. فأما ذلك اليسر، فلمحدودية الأحوال الشخصية وتحيزها انحصارًا في مسائل الحق القانوني للأسرة بمتعلقاتها من زواج بتداعياته وطلاق بآثاره،
وهذه جلها مما يكاد ينحسم أمره في نطاق علاقته بالنظام العام، فاستقرار أوضاعها منذ زمن بعيد ممتد إلى ما قبل التنظيم القانوني الحديث، متدثر بمرجعية الشريعة الإسلامية هاديًا وحاكمًا وضابطًا، يجعل من شأنه تماسه بالنظام العام أمر يكاد يكون مستقرًا ومتواترًا، لذا فلا نصادف في قضاء المحاكم الشرعية وما بعد إلغائه في دوائر الأحوال الشخصية أن في الأحكام القضائية المتعلقة بالأحوال الشخصية في المسلمين، ما يمثل إبداعًا قضائيًّا في مقام تأصيل مفهوم النظام العام الوضعي، أو إضافة علمية في مجال هيكله كالتي شهدناها في قضاء القانون العام الإنشائي بهذا النطاق. وأما التركيب والتعقيد الذي يصادف البحث في هذه الجزئية، إنما مرده أمور مرتبطة، أولهـا: منهجي نتاج ما وصل إليه البحث المنقضي داخل الإطار النظري لمفهوم النظام العام في هيئته الوضعية وإنكارنا لوجود هذا المفهوم بهذه الهيئة في البناء المنظومي للشريعة الإسلامية، بحسبان الأخيرة هي المرجع لأحكام الأحوال الشخصية، وثانيها: يتعلق بتساؤل أصل يطرح نفسه عن التصور الذي سوف نعتمده أساسًا للحكم على قضاء الأحوال الشخصية، هل هو التصور الوضعي لفكرة النظام العام، بحسبان ذلك القضاء في النهاية إنما هو قضاء وضعي محسوب على المنظومة القانونية القضائية الفاعلة وداخل تفاعلًا بها مقيد بأوضاعها ومفاهيمها، أم أنه التصور الشرعي للمرجعية الإسلامية العليا على نحو ما تقدم بالباب السابق، بحسبان كون قضاء الأحوال الشخصية مما يعد موضوعيًّا قضاء شرعيًّا، يرتد إلى أحكام الشريعة الإٍسلامية مرجعًا وضابطًا، وثالث هذه الأمور المتشابكة، يكمن في طبيعة قضاء الأحوال الشخصية ذاته، هل هو قضاء وضعي بحسبانه جزءًا من نظام قضائي وضعي قائم يطبق -ابتداءً- قوانين الأحوال الشخصية الوضعية التي هي من عمل المشرع الوضعي، أم هو قضاء شرعي بحسبان مرجعية الشريعة الإسلامية للأحكام الوضعية التي يطبقها. أما رابع هذه الأمور فهو التسمية التي سوف نطلقها على الأصول والكليات التي يعتد بها قضاء الأحوال الشخصية ضابطًا لمسائل الأحوال الشخصية هل تعد نظامًا عامًّا من المنظور الوضعي أم تعد إطارًا مرجعيًّا شرعيًّا من المنظور الإسلامي.
وخـامس تلك الأمـور، موقف المحكمة من الدستور، وهو موقف به الكثير مما يستدعى العرض والمناقشة.
ولفض هذا التشابك، سوف نعرض لعدد من الأمور، نحسبها مقدمات للبحث في هذه الجزئية، فنلتزمها ونعمل وفق هداها. والحق، أن هذه المقدمات لتكاد تكون توفيقية بين اعتبارات متباينة نحسبها معترضة للنطاق البحثي على ما تقدم بيانه، نحاول من خلالها إزاحة العديد من الانبهام ناتج هذا التشابك المعقد الذي ذكرناه، وذلك بالتهيؤ في مسافات وسطى بين أطراف التباين والإمساك بما يصلح قواسم مشتركة بين المختلفين، واضعين في الاعتبار أننا نتعامل مع نظام قانوني قائم فعلًا لا مع نموذج يراد امتثاله، الأمر الذي قد يكون من أثاره، مفارقتنا -في مسألة أو أخرى- لقليل من عناصر أي من التصور الوضعي لمفهوم النظام العام أو التصور الشرعي للإطار المرجعي الإسلامي، على ما انتهينا إليه بالباب السابق. ولا نكون بذلك - أي في حال حصول مثل هذا الافتراق - منكرين لما سبق وانتهينا إليه أو متناقضين وأصول أنبنى عليها نهجنا البحثي المتقدم، وإنما نكون منصاعين لواقع يفرض نفسه قسرًا لا يمكن إنكاره ولا يجوز التغاضي عنه تجاوزًا.
أولًا: يتعين بداية الإشارة إلى المقصود بمسائل الأحوال الشخصية حسب نص المادة (13) من القانون رقم 147 لسنة 1949 بشأن نظام القضاء، المسائل المتعلقة بحالة الشخص وأهليته، ونظام الأسرة من زواج وخلافه ونسب، والمسائل المتعلقة بالولاية والقوامة والحجر والإذن بالإدارة والغيبة والمفقود، فضلًا عن مسائل المواريث والوصايا. وهي جميعها مسائل ترتبط، وبشكل مباشر، بأخص مكونات الهوية الذاتية للفرد، ألا وهو ديانته أي معتنقه العقدي، الذي يتشكل وجدان الفرد وفق تعاليمه وتتكون الأنساق القيمية والحكمية والفلسفية للفرد على هدى من أحكام هذا المعتقد، مما لم يكن معه من سبيل لتجاهل وثوق هذه الروابط، فكانت الشرائع الدينية هي الحاكم الأعلى لمسائل الأحوال الشخصية بحيث يخضع كل فرد لأحكام قانونه الشخصي المتسق وتعاليم دينه الخاص، الأمر الذي أفرز حال من التعدد التشريعي في مسائل الأحوال الشخصية.
ثانيًا: إن قضاء الأحوال الشخصية قام بدور في غاية الأهمية على مستوى التقريب بين مفاهيم الفقه الإسلامي وأوضاع القانون الوضعي هذا من جانب، ومن جانب آخر قام بدور لا يقل أهمية على مستوى التعامل مع تشريعات الأحوال الشخصية لغير المسلمين لدمجها في النظام القانوني المصري الذي يجد من الشريعة الإسلامية أصلًا مرجعيًّا في هذا الخصوص.
ثالثًا: يتميز النظام القانوني لمسائل الأحوال الشخصية، بأنه كان يجد، ومنذ قبل التعديل الدستوري الذي تم في 22/5/1980 وبمقتضاه غدت الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، في الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي الحاكم بهذا النظام القانوني، وصارت الكليات الأصيلة لهذا النظام هي كليات وقطعيات الشريعة الإسلامية، ما انعكس بدوره على الوضع التشريعي للأحكام القانونية الضابطة للأحوال الشخصية لغير المسلمين، التي أصبحت بدورها منضبطة بأصول النظام الشرعي الإسلامي، على ما سوف يتبدى لاحقًا.
رابعًا: النظام القانوني لمسائل الأحوال الشخصية، وإن بدا نظامًا هجينًا يجد من التشريع مصدره الأول ومن الشريعة الإسلامية مصدر الثاني، إلا أنه وفي حقيقة كنهه هو نظام شرعي إسلامي خالص، إذ التشريع لا يعدو كونه تخير ولي الأمر لأحكام من داخل الشريعة الإسلامية لتكون واجبة التطبيق لزومًا، أي أنه ليس تشريعًا وضعيًّا بمفاد انفلات سلطان ولي الأمر حياله، وإنما هو تشريع يجد في الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي والوحيد، ولا يعدو دور المشرع حياله سوى الترجيح بين الآراء الفقهية وتخير أحدها تغليبا لها على باقيها، وعليه ومن هذه الوجهة فإن النظام القانوني للأحوال الشخصية هو نظام تشريعي إسلامي. وهذا كله باستثناء نظم الطوائف والملل غير المسلمة التي تخضع أحكامها المخصوصة والتي في النهاية منضبطة بإطار النظام العام الوضعي، الذي تعد الشريعة الإسلامية من روافده الأساسية.
خامسًا: أما قضاء الأحوال الشخصية، فهو وإن مر بتطور طويل من قضاء متعدد بعضه وطني كالمحاكم الشرعية والمجالس المحلية. وبعضه الآخر أجنبي كمحاكم القناصل، وبعضه الثالث مختلط وطني من حيث الشكل وأجنبي من حيث الواقع، مرورًا بقضاء موحد نسبيًّا عند إلغاء الامتيازات الأجنبية ومعها المحاكم المختلطة ومحاكم القناصل، وذلك في 1949 بموجب معاهدة مونترو الموقعة في 1937م؛ حيث بقيت المحاكم الوطنية وإلى جانبها المحاكم الشرعية للمسلمين والمجالس المحلية لغير المسلمين، إلا أنه تم توحيده كاملًا بصدور القانون رقم 462 لسنة 1955 في 21 من ديسمبر سنة 1955 الذي ألغى المحاكم الشرعية والمجالس المحلية وأحال اختصاصاتها إلى المحاكم الوطنية اعتبارًا من الأول من يناير سنة 1956م، وبذلك صار ثمة جهة قضائية واحدة هي المختصة بكافة مسائل الأحوال الشخصية، وإن كان هذا لا ينفي تعدد النظم المعمول بها لدى هذه الجهة القضائية حسب الملل والطوائف المختلفة. هذا الوضع أثر إيجابيًّا على قضاء الأحوال الشخصية القائم في الدوائر المختصة بالقضاء المدني العادي، إذ وجد ميراثًا قضائيًّا عظيمًا متخلفًا عن المحاكم الشرعية، لكنه من القضاء على هدى أحكام الشريعة الإسلامية بيسر دون تعسر، خاصة أن القضاء الشرعي كان قد قام قبل بدور هام في مقام تقريب الأحكام الشرعية من قواعد القانون الوضعية، الأمر الذي يسري على القضاء الوطني، ومن بعد، في تحديد ما لا يجوز مخالفته أو الخروج عليه.
سادسًا: البادي من الاستعراض المتقدم، وحركتي التطور التشريعي والقضائي في مجال النظام القانوني لمسائل الأحوال الشخصية، أننا بصدد وضع غير منتظم أو منضبط، فإنه ولئن كنا بصدد جهة قضائية واحدة تتولى شأن الأحوال الشخصية، فإننا أيضًا بصدد تعدد في النظم القانونية الحاكمة لهذا الشأن ما بين الشريعة الإسلامية الأصل وشرائع الملل والطوائف، فضلًا عن التداخل غير المنطقي لجهات الاختصاص بمسائل الأحوال الشخصية التي تقضي على أصل من الشريعة الإسلامية بباقي النظام القضائي الكامل الذي يقضى وفق مرجعيات وضعية متباينة والمرجعية الشرعية لمسائل الأحوال الشخصية، وذلك حال يفرز وضعًا في غاية التناقض، فكيف لمحكمتين داخل ذات النظام القانوني الموحد وبهيئة قضائية واحدة، أن تقضى كل منهما وفق مرجعية تخالف الأخرى. إلا إن وزعم التناقض البادي على ذلك النحو، فإنه لا يعدو كونه تناقضًا ظاهريًّا ولا يخبر عنه إلا مظهره، حال تنبئ حقيقة جوهرة عن خلافه؛ إذ الواقع القضائي والقانوني إنما يفصح عن امتزاج بقوائم بين هذا الكل المركب، امتزاج جعلنا معه بصدد منظومة متكافئة تهيأت أوضاع آلياتها على نحو متسق. وآية ذلك أن قضاء الأحوال الشخصية ومنذ العهد باختصاصه للمحاكم الشرعية، اضطلع بدور مشكور في تقريب أحكام الشريعة الإسلامية على أصل من مفاهيم وآليات ونظم القانون الوضعي حتى أنه عند صيرورة أمر الأحوال الشخصية إلى القضاء المدني العادي، كان الطريق ليكاد يكون قد مهد بالكامل أمام الأخير، من وجهة الامتزاج شبه الكامل لأحكام الأحوال الشخصية ذات المرجعية الشرعية الوحيدة بالنظام القانوني الوضعي القائم، ما لا يبدد معه أي مظهر لتناقض أو افتراق في خاصة هذا المجال، بل إن الواقع القانوني ليفصح عن استيعاب كامل وسليم من قبل النظام القانوني القائم، لأحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية. ومن جانب آخر، قام القضاء المدني العادي الموكول إليه بمهمة القضاء في مسائل الأحوال الشخصية بدور غير منظور في القيام بمحاولة استيعاب النظم القانونية الخاصة بالملل والطوائف المختلفة، داخل النظام القانوني القائم، وذلك بالتقريب بينهما، في ظل هيمنة المرجعية الشرعية الإسلامية، بوصفها المكون الأول والوحيد لإطار النظام العام الخاص بهذا المجال، وهذا الدور إن لم يفرغ منه القضاء بعد كاملًا، فقد فرغ من جانب كبير منه.
سابعًا: إزاء ما تقدم جميعه، ولما اتضح لنا من إطار النظام العام الوضع المتربع على القمة من المنظومة القانونية الوضعية، وكذا إطار المرجعية الشرعية العليا المتبوئة للمكانة المقدسة الأسمى للنظم القانوني الشرعي، وإزاء ما تظهره عبارات نص الفقرة الثانية من المادة السادسة من القانون رقم 462 لسنة 1955 سالف الإشارة من أنه «أما بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين والمتحدي الطائفة والملة الذين لهم جهات قضائية ملية، وتحت صدور هذا القانون فتصدر الأحكام -في نطاق النظام العام- طبقًا لشريعتهم»[1].
ومن استعراض العديد من قضاء الأحوال الشخصية، يتبين أن دورًا تقريبيًّا هامًّا، اضطلع به هذا القضاء، في القيام بالتوفيق بين كل من إطار النظام العام وإطار لمرجعية الشرعية العليا، بحيث يمكن القول بأن قضاء الأحوال الشخصية تمكن من تحيز مساحة الأحوال الشخصية القائمة بالإطار المرجعي الشرعي، وقام بدمجها بإطار النظام العام المحيط بالنظام القانوني الوضعي. ولعله في ذلك كان مدركًا ما سبق وانتهينا إليه قبل من التباين بين مفهوم النظام العام الوضعي ومفهوم المرجعية الشرعية العليا بالنظام الإسلامي، إلا أنه ولضرورات الواقع المعيش وما فرضه من إقصاء للشريعة الإسلامية من مجال التشريع القانوني لفترة شارفت القرن، لم يكن أمامه من بد، إلا الانصياع لهذا الابتلاء، ومحاولة الالتفاف عليه، بإعادة إحياء الشريعة الإسلامية مرة أخرى داخل النظام القانوني الوضعي، وذلك بتخريج أحكامها المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية، تخريجًا قانونيًّا وضعيًّا، مقربًا بين المنظومتين، عاملًا من خلال قواسمهما المشتركة، مستخدمًا في كل ذلك المصطلح الوضعي نزولًا على ضرورات الواقع، وذلك دونما إخلال بأحكام الشرعية الإسلامية وبضوابط التفسير والقياس الفقهي المعتمدة من قبل الفقه الإسلامي وأصوله، ومع استبقاء الحرص على الالتزام الكامل للاجتهاد في نطاق سعة أحكام الشريعة دون خروج عليها أو افتئات، وإنما الأمر كان يتعلق بالتقريب في التصورات العامة وبالتركيز على المتشابهات بين المجالين الشرعي والوضعي - الأمر الذي يفسر - وعلى ما سوف يتبدى لاحقًا - إطلاق مصطلح النظام العام على ما عده من قطعيات أو كليات إسلامية لا خروج عليها، فذلك العمل ليس من قبيل إنكار ما للشريعة الإسلامية من وجود مستقل بآلياتها الذاتية، وإنما هو من قبيل استغلال المتاح من آليات وضعية لفرض القدسية الواجبة على الكليات الإسلامية وقطعياتها.
ثامنًا: أما عن الإشكاليات المتعلقة بعمل المحكمة الدستورية العليا، فهو منفصل منهجًا عن عمل قضاء الأحوال الشخصية، ولذا سوف نرجئ التعليق عليه إلى أن نشرع في دراسته استقلالًا بنهاية البحث بهذه الجزئية[2].
قضاء الأحوال الشخصية
أولًا: حفظ الدين:
الإسلام هو خاتم الرسالات السماوية وخيرها جمعاء، هدى به المولى عز وجل البشرية قاطبة، فكان فرضًا حتمًا حفظه فضلًا عن العمل على نشره، وهي الرسالة الأصل التي كلف بها حملة لواء هذا الدين الهادي، لذا لم يكن ثمة بد من التقرير بذلك وانتهاج سبل مقتضاه، فكان التقرير فيما نصت عليه كافة الدساتير المصرية المتعاقبة من كون الإسلام دينًا رسميًّا للدولة، المادة 149 من دستور سنة 1923، والمادة 138 من دستور 1930، المادة 3 من دستور 1956، والمادة 5 من دستور 1964، والمادة 2 من دستور 1971، ورغم التباين الهائل بين هذه الدساتير في المفاهيم والتوجهات والأهداف، فقد بقي لواء الدين الإسلامي مشرعًا فوق هامة الدولة المصرية، حال يتعين انتهاج سبل مقتضى هذا الفهم، في الحفاظ على هذا الدين، هاديًا ونبراسًا منيرًا، وذود عنه دفعًا لكل ما يتهدده أو يتهدد أي من أصوله القائم عليها. وهو ما تولى قضاء الأحوال الشخصية تأكيده في غير قضاء له، بحسبان الامتزاج الكامل بين الدين الإسلامي والدولة المصرية، فهما أمرٌ واحدٌ، لا انفصال لهما ولا انفصام لعراهما، تقرر أنه «واجب على المسلمين أن يعدوا ما يستطيعون من قوة للدفاع عن الوطن وإرهاب أعدائه بل من أول واجب عليهم، إن سلامة الوطن قبل كل شيء وفوق كل شيء[3]، الأمر الذي يفيد تقرير هذا القضاء لقاعدة كلية، تمثُلُ قاعدة نظام عام في الفهم القانوني الوضعي، كما هي قاعدة كلية قطعية في الفهم الإسلامي الشرعي، ألا وهي صون الدين وزود عنه، وليس بأدلة حفظًا لهذا الدين من الدفاع عن الوطن الذي يحمل لواء الإسلام، وتشهر جماعته أحكام الإسلام ومبادئه نهجًا قويمًا لها. بيد أن الإسلام لم يكن، ولن يكون، فقط شعارًا يتسع له الوطن، وتزدان به الجماعة، وإنما هو أحكام وضوابط وأصول ومبادئ يتعين أن تنتهجها الدولة وتتبعها الجماعة وهو المركب الذي عرف بالشريعة الإسلامية، فكان لمن يريد الإسلام دينًا أن يمتد خياره، لزومًا وحتمًا، إلى شريعته القويمة نهجًا ونبراسًا، وهذا ما قرره القضاء الشرعي في أن «الشريعة الإسلامية اعتبرت في الإسلام واعتناقه، وأنه بمجرد اعتناق الشخص له يُعطي أحكامه، بقطع النظر عن الباعث له»[4]. وحفظ الدين ليس فقط سبيله الدفاع عنه وعن الوطن من العدوان وإنما يكون من باب أولى بحفظ إسلام الأفراد وإبقائه عليهم، فلا يرموا الإسلام ولا يتهموا بالخروج عنه دونما دلالة جلية قاطعة في إفادة هذا الأمر، فكان من قضاء الأحوال الشخصية أن أكد ذلك وعده من كليات الإسلام، إن «الإسلام يكفي في تحقيقه شرعًا وترتب آثاره عليه النطق بالشهادتين، قال -ـ صّلى الله علي-ه وسلم -ـ في جواب من سأله عن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا).
وقد أجمع العلماء على أن ما زاد عن الشهادتين من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلى آخر ما جاء بهذا الحديث، إنما هو لبيان الإسلام الأكمل وأنه يكفي في إجراء أحكام الإسلام الشهادتان. هذا هو الإسلام عند من شرعه دينًا للناس، فلا محل فيه للبحث والنقاش، أما الإجراءات المتبعة الآن فهي إصدار إشهاد بالإسلام فلا تقوى على أن يكون الغرض منها ألا يكون الإسلام صحيحًا بدونها؛ لأن في ذلك مصادمة للمشروع والمعقول، وإنما الغرض منها مجاملة أهل الديانات الأخرى وضبط الأمر لمعرفة مدى التغييرات من دين إلى آخر ومنع الاحتيال باسم الإسلام لضياع حق الغير أو الإضرار به من ناحية أخرى، فإذا لم يكن ثمة احتيال فلا ضرورة للتمسك بتلك الإجراءات[5].
أي أنه من موجبات حفظ الدين، حفظ الإسلام على معتنقه، وذلك بعدم إنكار عمن نطق الشهادتين ولم تصاحبه قرائن احتيال في إسلامه. وهو ما أكدته محكمة النقض فيما بعد بحسبان «الاعتقاد الديني مسألة نفسية وهو من الأمور التي تبنى الأحكام فيها على الإقرار بظاهر اللسان والتي لا يسوغ لقاضي الدعوى التطرق إلى بحث جديتها أو بواعثها ودوافعها، فإنه لا يجوز التعرض لحقيقة إسلامه وصحة إيمانه به»[6]. ولذلك واستشعارًا من هذا القضاء لعظيم حفظ الإسلام على المرء، انتهى في قضاء له إلى إنه «إن كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع الكفر تحسينًا للظن بالمسلم»[7].
بيد أن صون قضاء الأحوال الشخصية، للدين الإسلامي بشحذ القوى للدفاع عنه وحفظه على معتنقه؛ وذلك نزولًا على أحكام الإسلام في هذا الخصوص، وعلى ما تقدم، انعكس بدوره على كافة أحوال تفريط المرء في إسلامه بالارتداد عنه، حيث قضى بأنه «من قرر بعد إسلامه أنه على غير دين الإسلام كان مرتدًّا شرعًا؛ لأنه خرج على الدين وأصبح خطرًا على النظام العام، فتنزع منه أولاده، إن كانوا معه، وإذا طلب هو ضم أولاده إليه لا يجاب إلى طلبه»[8]. أي أن هذا القضاء عد الارتداد خروجًا على النظام العام، وكيف لا، والإسلام هو دين الدولة الرسمي، هو الخيار العقدي والحضاري لجماعته الغالبة، فإذا كان هذا الإسلام يُعد من كبائر المعاصي الارتداد عنه، لم يكن ثمة من مناص عن اعتبار شأن الارتداد من قواعد النظام العام، حتى إذا ما حصل، كنا بصدد خرق جسيم للنظام العام الوضعي، خرق يتمثل في جرح هذا الفعل لأهم أركان المكون الضروري للجماعة المصرية الكائن المستوى الارتكازي لهيكل مفهوم النظام العام ألا وهو حفظ الدين وعدم التفريط فيه، كما يجرح، أهم أركان المكون الكلي للدولة المصرية للكائن بالمستوى الفوقي للهيكل المذكور التي عدت الإسلام دينها الرسمي، مما لا سبيل معه سوى الانصياع لأحكامه، التي تتأبى وتركه أو الارتداد عنه. وقد فصلت هذا الأمر محكمة الاستئناف التي أكدت على أن «المرتد تطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية ذات الولاية العامة على نحو ما نصت عليه المادة الأولى من القانون رقم 462 لسنة 1955 ولا تطبق عليه شريعة الأقباط الأرثوذكسي - المرتد إليها - لأنه بإسلامه التزم أحكام الإسلام ومنها أحكام الردة فهو إذا دخل في الإسلام وتبرأ من الأديان الأخرى ارتضى أحكام الشريعة الإسلامية، ومن أحكامها فسخ الزواج بينه وبين زوجته المستأنفة إذا هو ارتد عن الإسلام، ومن أحكامها أيضًا أنه إذا ارتدا فلا يقر على ردته ولا يعترف بديانته التي ارتد إليها، وهذا حكم متعلق بالنظام العام، قصدت به الشريعة الإسلامية حماية أبنائها والحفاظ على دينهم باعتباره خير الأديان وآخرها.
وليس في هذه القاعدة المتعلقة بالنظام العام تعارض مع حرية العقيدة التي نصت عليها المادة السابعة من الدستور المؤقت التي قررت قاعدة تكاد تجمع عليها الدساتير، وهي أن المواطنين سواء أمام القانون، وأنه لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة؛ وذلك لأن حرية الاعتقاد شيء والآثار التي تترتب على هذا الاعتقاد من الناحية القانونية شيء آخر، وكل فرد حر في أن يعتنق ما شاء من الأديان في حدود النظام العام، وكذلك النتائج التي تترتب على هذا الاعتقاد فقد تكفلت القوانين بتنظيمها. فالمسلم تطبق عليه أحكام خاصة بالنسبة لمسائل الأحوال الشخصية، والمسيحي أو اليهودي وفي حدود القانون واعتبارات النظام العام، وتطبيق قوانين واعتبارات النظام العام، وتطبيق قوانين خاصة على كل طائفة من الطوائف تبعًا لما تدين به ليس فيه تمييز بين المواطنين، بل على العكس فيه إقرار بمبدأ حرية الاعتقاد وتنظيم لمسائل الأحوال الشخصية اللصيقة بالشخص في حدود دينه وعقيدته.
ومن المسلم به في فقه الشريعة الإسلامية أن هناك أحكامًا قررتها الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالأحوال الشخصية ذات طابع متصل بالنظام العام بحيث لا يمكن المساس بها مثل حكم المرتد وفسخ زواجه، عاملًا بغير توقف على قضاء القاضي وعدم إقراره على ردته وعدم الاعتراف بديانته التي ارتد إليها، وحكم زواج المسيحي أو اليهودي أو البوذي أو الوثني بمسلمة، فمثل هذا الزواج باطل لمخالفته لقاعدة من قواعد النظام العام وهي عدم جواز أن تكون المسلمة تحت غير المسلم ولو كان كتابيًّا[9].
وهذا حكم قاطع في إجلاء موقف قضاء الأحوال الشخصية من الإشكال المتعلقة بحفظ الإسلام وصونه، وما يرتبه هذا من أحكام مرتبطة تترتب على هذه القاعدة الكلية التي كما تُعد قطعية في الشريعة الإسلامية هي قاعدة من قواعد النظام العام في النظام القانوني الوضعي.
وعلى ذلك وبسند قاطعٍ حاسمٍ، في حفظ الإسلام وصونه، فقرر أن «من استخف بشرع النبي - صّلى الله عليه وسلم - فقد ارتد بإجماع المسلمين ولزمته أحكام المرتدين المسطرة في المتون والشروح والفتاوى المستغنية عن الشرح والتبين من وجوه الإهانة بالحبس وكشف الشبهة والقتل أن لم يجدد له إسلامه وغير ذلك من الأحكام»[10].
وعليه انتهى إلى أن «الرجل المسلم الذي يسعى في تنصير بناته المسلمات تبعًا لدين أمهن الذمية في مرتبة قومه مرتبة المستخف بالشرع وفوق مرتبة من فضل النصرانية على اليهودية والمجوسية في النظر الفقهي؛ لأنه اختار غير الإسلام دينًا لأولاده وفضل النصرانية على الإسلام، وقلب دينه بالفعل والقول والكتابة، فعمله أشد هولًا وأكبر جرمًا واكد في النصرانية، فهو مرتد يجب قتله وغير أمين على أولاده، ومفسد يجب نزع أولاده منه وسلب ولاية حفظه عنه»[11].
وقضى بأنه «حيث قرر المدعى أنه مسلم ونطق بالشهادتين وتزوج وهو معروف بأنه مسلم، والمقرر شرعًا أن مثل هذا يعد مسلمًا ويعامل معاملة المسلمين (كما في الدرر وابن عابدين بباب الردة) فإذا عاد إلى الأول كان مرتدًّا لأن المرتد هو المسلم الذي يغير دينه، ولا يعتبر بالمرة دين، لأن المرتد لا يرث أحدًا كما نص على ذلك في باب الردة بالجزء الخامس من البحر والجزء الثالث من حاشية رد المحتار والجزء الثالث من شرح الزيلعي على الكنز والجزء الرابع من فتح القدير والجزء الثلاثين من المبسوط، لأن الإرث صلة شرعية وبالردة يكون جانيًا على حق الشرع فيحرم من الميراث عقوبة له كالقاضي بغير حق»[12].
كما قضى بأن «الإجماع بين المسلمين انعقد على أن المرتد أو المرتدة لا يرث من غيره مطلقًا»[13].
والبين من هذا القضاء أخير، أن المحكمة استفادت حكمًا قطعيًّا في خصوص منع توريث المرتد إطلاقًا، وذلك استدلالًا بالإجماع، أي أنها أقامت قرينة قطعية الحكم بالاستناد إلى مصدره، وهو الإجماع، وبذلك - ووفق نهج قضاء الأحوال الشخصية القائم على التقريب بين القطعيات الشرعية والنظام العام - تغدو قاعدة منع توريث المرتد من النظام العام بحسبها من الآثار التي رتبها هذا القضاء على الارتداد، الذي يشكل، في ذاته وبذاته، خرقًا جسيمًا للنظام القضائي، مما يتعين معه أيضًا حرمان المرتد من الزواج إطلاقًا، إذ «الردة - وهي الرجوع عن دين الإسلام - بسبب من أسباب الفرقة، ومن أحكامها أنه ليس لمرتد أن يتزوج أصلًا لا بمسلم ولا بغير مسلم، إذ هي في معنى الموت وبمنزلته، والميت لا يكن محلًا للزواج وهي لو اعترضت الزواج رفعته وإن قارنته تمنعه من الوجود، وفقه الحنفية على أن المرأة إذا ارتدت ثم تزوجت لا ينعقد لها زواج، وإذا تزوجت ثم ارتدت انفسخ العقد ووجبت الفرقة بين الزوجين بمجرد تحقيق مسببها وبنفس الردة وبغير توقف على قضاء القاضي»[14].
ومن الزاوية الأخرى، وحثًّا من قبل هذا القضاء على استرداد المرتد لإسلامه ثانية بالعودة إليه بعد الاستتابة، قضى برد حقوق العائد للإسلام، إليه، بعد أن كان قد جرد منها بموجب ردته، ذاك أنه إذا كان «المرتد - وهو الراجع عن دين الإسلام - لا ملة له وهو لا يقر على ردته ولا على ما اختاره دينًا له، بل يستتاب ويؤمر بالرجوع إلى الإسلام، فإن هو عاد إلى إسلامه، عاد ماله إلى ملكه بعد أن كان قد زال عنه بردته، زوالًا مؤقتًا، وإذا كان الثابت من الدعوى أن الطاعن أقر في طلب استخراج جواز سفره بأنه هو مسلم، وإقراره هذا مفاده أنه تاب وعاد إلى إسلامه، وهي أمور تتصل بالعقيدة الدينية التي تبنى الأحكام فيها على الإقرار بظاهر اللسان ولا يجوز لقاضى الدعوى أن يبحث في بواعثها ودواعيها، وكان الحكم المطعون فيه لم يعول على هذا الإقرار وجرى على قضائه وراء البحث في علته والأسباب التي دعت إليه، فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه»[15].
والبين مما تقدم جميعه، وبالاستخلاص المنطقي لاتجاه قضاء الأحوال الشخصية في مجال العلاقة مع الدين الإسلامي، أنه استقراء من جملة أحكام الدين الإسلامي - نصوصًا وإجماعًا واجتهادًا - إن حفظ الدين يستوى على القمة من مدارج الشرعية الإسلامية العليا، مما يستلزم وجوبًا نصبه مقصدًا أسمى، يتبوأ صدارة الاهتمام الجمعي، من هذا الاستقراء مصحوبًا باستنباط تحليلي وضعي لنصوص الدساتير المصرية، بما قررته من تعيين للإسلام بحسبه الدين الرسمي للدولة، ومدفوعًا بظروف حال تستدعي مزج المفاهيم الشرعية الإسلامية في المفاهيم القانونية الوضعية، بتخريج الأولى على الثانية، تمكن قضاء الأحوال الشخصية من تحريك مقصد حفظ الدين، بتنويعاته المختلفة، من الإطار المرجعي الشرعي إلى الإطار القانوني الوضعي، فأضحى حفظ الدين كل من الكليات الأصيلة بالاطار القانوني الوضعي، فأضحى حفظ الدين كل من الكليات الأصيلة بالاطار الأخير، ليبيت حفظ الدين قاعدة متعلقة بالنظام العام، لا تسكن وحسب المستوى الارتكازي من هيكل مفهوم النظام العام، وإنما، فضلًا، تتهيأ ضمن القواعد ساكنة الإطار الفوقي، بحسبان حفظ الدين لم يعد لينحصر ضمن الأولويات الجمعية، بل امتد ليصبح بصدارة أولويات التنظيم السياسي المؤسسي القائم على الجماعة.
وعليه وعلى هدى من ذلك، استطاع قضاء الأحوال الشخصية، تكشف عدد من قواعد النظام العام الفرعية، المرتبطة بهذا الأمر، التي تسكن المستوى الفرعي من هيكل مفهوم النظام العام، فغدا مستقرًّا قطعًا في الفقه القانوني الوضعي، بعد أن كانت هذه قطعية قاصرة على النظام الشرعي الإسلامي - أقول - غـدا مستقرًّا قطعًا النهي عن كل صور الارتداد عن الإسلام، وإن حكم المرتد هو - وعلى أقل التقدير - الموت المدني، فلا يبقى له من حال على ملكه، ولا زوج بعصمته - ذكرًا أو أنثى - وتزول عنه ولايته على صغاره فينزعوا منه، وليس له من حق في زواج مستقبل وهو على حاله هذه، وأخيرًا ليس له من حق في الميراث. ولا ريب أن هذه الأحكام جميعا، لم تكن لتقرر بالمنظومة القانونية الوضعية، لولا تدخل قضاء الأحوال الشخصية الأمين علي الشريعة الإسلامية، أمانته على النظام القانوني الوضعي.
ثانيًا: حفظ حقوق الله
ذهب قضاء الأحوال الشخصية، في تأكيد كامل لقاعدة من القواعد الأصل التي ينبني عليها قضاؤه، إن «حق الله هو المعبر عنه حديثًا بالنظام العام»[16]، أي أن كل ما عده الفقه الإسلامي حقًّا خالصًا لله وما به حق غالب لله، فهو بحكم اللزوم والضرورة، يكن من النظام العام الوضعي، فإذا كانت الحسبة «هي فعل ما يحتسب عند الله، وفي اصطلاح الفقهاء هي أمر بمعروف إذا ظهر تركه، ونهى عن منكر إذا ظهر فعله، وهي من فروض الكفاية وتصدر عن ولاية شرعية أصيلة - أو مستمدة - أضافها المشرع على كل من أوجبها عليه وطلب منه القيام بها، وذلك بالتقدم إلى القاضي بالدعوى والشهادة لديه أو باستعداء إلى المحتسب أو إلى المظالم لم (تبلغ النيابة العامة). ودعوى الحسبة تكون فيما حق الله أو فيما كان حق الله فيه غالبًا كالدعوى بإثبات الطلاق البائن وبالتفريق بين زوجين زواجهما فاسد»[17]، إن «الحسبة اسم من الاحتساب وهو طلب الأجر والثواب عند الله، وهي إنما تكون في حقوق الله تعالى، وهي الحقوق التي تعود منفعتها على العامة كلهم لا على أشخاص بعينهم»[18]، فمن ثم - والحال هذه - تضحى الحسبة من النظام العام الوضعي، حيث تتهيأ بالأساس في المستوى الارتكازي لهيكل مفهومه النظام العام، وهو المستوى الذي يضم القواعد التي تشكل الوجود الضروري لمكون الجماعة، بحسبان كون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إنما هما لصلاح شأن الجماعة بالأساس، فإذا كان ذلك، وكان «جمهور الفقهاء على عدم تقيد دعوى الحسبة بشرط الإذن أو التفويض من ولي الأمر»[19] أضحى القانون تعتوره عيوب عدم الدستورية، لتعارضه مع بعض من أحكام الشريعة الإسلامية، قسيمة القطعي، التي تكون بالنسبة لهذه الشريعة الغراء، مرجعيتها العليا التي لا انفكاك منها أو انفلات عنها، مرجعية تمتد بدورها إلى نظام القانون الوضعي، بحكم ما لنص المادة الثانية من الدستور، من تحكيم للشريعة الإسلامية ومرجعيتها الشرعية العليا على العمل التشريعي الوضعي، بوصفها - أي الشريعة الإسلامية - المصدر الرئيسي لهذا التشريع[20].
* عماد طارق البشري، فكرة النظام العام في مجال الأحوال الشخصية، المسلم المعاصر، 1 سبتمبر 2004، العدد 113، https://bit.ly/496AwKVK ، وهو المقال الأخير من مقالات ثلاث تحدث فيها الكاتب عن "النظام العام في الشريعة الإسلامية"، وقد اخترنا نشر هذا المقال مباشرة تزامنًا مع النقاشات الدائرة الآن في جمهورية مصر العربية بشأن مشروع جديد لقانون الأحوال الشخصية.
** المستشار الدكتور عماد طارق البشري هو رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا في مصر، وقاضٍ وفقيه دستوري حاصل على الدكتوراة من كلية الحقوق- جامعة الإسكندرية عن أطروحة عنوانها: "فكرة النظام العام في النظرية والتطبيق: دراسة مقارنة بين القوانين الوضعية والفكر الإسلامي". ينتمي إلى عائلة قانونية وفكرية عريقة؛ فهو نجل المفكر والمؤرخ الراحل المستشار طارق البشري، وحفيد الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق. وإلى جانب قيادته لهيئة المفوضين المسؤولة عن تحضير الدعاوى الدستورية، يشغل منصب القائم بأعمال أمين عام المركز المصري للبحوث والدراسات الدستورية للدول الإفريقية، وعضو لجنة العلاقات الخارجية بالمحكمة الدستورية العليا، ممثلاً للقضاء الدستوري المصري في العديد من المحافل والفعاليات الدولية والملتقيات القضائية المشتركة.
[1] شرح مبادئ الأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين، د/حسام كامل الأهواني -دار النهضة العربية- طبعة 1982 - ص 9 وما بعدها.
[2] انظر قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن الشريعة الإسلامية لاحقًا.
[3] القضية رقم 1328 لسنة 34 شرعي جزئي ملوي. جلسة 24/7/1935 - تؤيد استئنافيًّا - مجلة المحاماة الشرعية - لسنة 7 - ص 854.
[4] القضية رقم 521 لسنة 37 شرعي كلي مستأنف الإسكندرية - جلسة 1/9/1938 - مجلة المحاماة الشرعية - لسنة 10 - ص 158.
[5] القضية رقم 1672 لسنة 32 ملوى - جلسة 31/10/1933 - مجلة المحاماة الشرعية - السنة 7 - ص 836.
[6] نقض رقم 20 لسنة 26 القضائية - جلسة 7/5/1969 - لسنة 20 وبذات المعنى نقض رقم 44 لسنة 40 القضائية - 29/1/1975 - السنة 6.
[7] القضية رقم 3497 لسنة 46 شرعي كلي مستأنف مصر - جلسة 27/4/1948 - مجلة المحاماة الشرعية - سنة 19 - ص - 318.
[8] القضية رقم 237 لسنة 45 أبو تيج - جلسة 14/6/1946 - تأيد استئنافيًّا - مجلة المحاماة الشرعية - سنة 17 - ص 29.
[9] القضية رقم 51 لسنة 80 أحوال شخصية - استئناف القاهرة - جلسة 18/1/1964.
[10] القضية رقم 295 لسنة 48 العطارين - جلسة 20/4/1948 - مؤيد استئنافيًّا - مجلة المحاماة الشرعية - لسنة 25 ص99.
[11] ذات القضاء سابق الإشارة إليه.
[12] القضية رقم 169 لسنة 34 كلي شرعي مصر - جلسـة 14/1/1936 مؤيد استئنافيًّا - مجلة المحاماة الشرعية - لسنة 8 - ص 122.
[13] القضية رقم 10 لسنة 49 المحكمة العليا الشرعية - جلسة 23/10/1950 - مجلة المحاماة الشرعية - السنة 22 - ص 198.
[14] نقض رقم 20 لسنة 34 القضائية - جلسة 30/3/1966 - السنة 17.
[15] نقض رقم 37 نقض رقم 37 لسنة 32 القضائية - جلسة 21/4/1965 - السنة 16.
[16] القضية رقم 2725 لسنة 46 شرعي جزئي الجمالية - جلسة 28/2/1948 - تؤيد استئنافيًّا - مجلة المحاماة الشرعية - لسنة 20 ـ ص 222.
[17] نقض رقم 20 لسنة 34 القضائية - جلسة 30/3/1961 - السنة 17.
[18] القضية رقم 398 لسنة 41 شرعي كلي مستأنف مصر - جلسة 26/7/1942 - مجلة المحاماة الشرعية - السنة 16 - ص 29.
[19] نقض رقم 20 لسنة 34 القضائية - جلسة 30/3/1966 - السنة 17.
[20] ويجدر ملاحظة ما تواتر عليه قضاء الدستورية من أن ما يصدر من قوانين ويسن من تشريعات، بعد التعديل الدستوري الذي تم في 22/5/1980، يتعين لزومًا حتمًا، تقيده بأحكام الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يعد معه القانون المذكور خاضعًا لمجاله الزمني لنص المادة الثانية من الدستور، الذي حددته المحكمة الدستورية لتمكين مبادئ الشريعة الإسلامية على القوانين الصادرة بعد - رغم اعتراضنا على هذا التمييز الزمنى للنص الدستوري على نحو ما تقدم.