موقع حوارات

موقع حوارات

حينما نتحدث عن المغفور له بإذن الله تعالى فضيلة الدكتور حسين حامد حسان، إنما نتحدث عن قامة علمية كبيرة، وفقيه ذي مواصفات خاصة، وعلم من أعلام الأمة العاملين المجتهدين المخلصين .. جمع بين الأصالة والمعاصرة، واتسم بتعدد التخصصات والخبرات، فقد جمع بين الثقافة الشرعية، والثقافة القانونية، والثقافة الاقتصادية، والثقافة المالية والمصرفية .. مع خبرة عميقة في الأصول وفي الشريعة وفي المقاصد.

 

لقد كان الدكتور حسين حامد – رحمه الله – مدرسة فقهية في ذاته، كما قال عنه العلماء، فكان يُعمِل المقاصد بشكل متوازن، وكان يتسم بالجدية في التعامل مع أي قضية فقهية مطروحة، كما كان يجيد ما يسميه العلماء بـ«الصنعة الفقهية»، حليم، متواضع، طويل النفَس، يتسع صدره لكل ناقد أو محاور أو طالب علم.. أظهر براعة فائقة في مسألة البناء القانوني للعمل المصرفي الإسلامي، إذ استطاع أن يدمج بين القانون وأصول الفقه.. فاستحق بجدارة أن يكون عالم عصره وفقيه زمانه.

حينما قرر الدكتور حسين – رحمه الله – أن يدخل إلى مجال العمل المصرفي الإسلامي، استطاع بنك دبي الإسلامي، الأول في عالم الصيرفة الإسلامية، أن يكون أيضاً أول من يظفر بخدمات الدكتور حسين العالم الفقيه المتمرس المنفتح على كل الثقافات والمدارس الفقهية والاقتصادية والقانونية، فكانت النقلة النوعية للبنك، والتي يمكن أن نسميها (مدرسة بنك دبي الإسلامي الفقهية)، التي كانت ملهمة لعدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في العالم.

إن السيرة العلمية والعملية للمغفور له بإذن الله الدكتور حسين حامد لا يكفيها مقال أو خبر أو حتى مجلد، حيث كرّس حياته العملية لخدمة الإسلام والمسلمين، وقضاها متنقلاً بين مدن العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه؛ إما بحثاً عن العلم، أو ملبياً لنداء المؤسسات الاقتصادية والمالية الإسلامية؛ وظل هكذا حتى وفاته.

فمسيرة الدكتور حسين، الممتدة من أواخر الخمسينيات وحتى عام 2020 حافلة بالإنجازات، على المستويات الشخصية والمجتمعية والرسمية، فقد كان خبيراً قانونياً واقتصادياً ومصرفياً قلّ أن تجود الدنيا بمثله، خاصة أنه كان يتمتع بعقلية فذة، وحضور ذهني مفتوح على كل ما يمكن أن يعرض عليه من خطط أو معاملات أو فتاوى في كل ما يتعلق بالمال والاقتصاد والقانون، فضلاً عن دوره الملموس في التدريس بعدد من الجامعات الإسلامية.. وفي هذا الإطار نذكر له – رحمه الله – دوره في تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان، حين دعاه الرئيس الباكستاني لتأسيس الجامعة، وبعدها ترأس نفس الجامعة لمدة 14 عاماً.

وحتى يتسنى لنا الحديث عن إنجازات الراحل الدكتور حسين حامد حسان، لابد أن نتناول جانباً من سيرته الذاتية؛ العلمية والعملية، لنقف على حياته التعليمية التي كانت مليئة بالطموح، يظهر ذلك جلياً في حصوله على عدة شهادات عليا خلال أقل من 5 سنوات، فقد ولد في محافظة بني سويف المصرية عام 1932، وحصل على ليسانس في القانون والاقتصاد من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1959، كما حصل على ليسانس في الشريعة من كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1960، بعدها حصل على ماجستير في الشريعة الإسلامية من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1960، ثم على ماجستير في القانون المدني من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961، وعلى دبلوم في القانون المقارن من جامعة نيويورك من المعهد الدولي للقانون المقارن عام 1963، ثم حصل على الماجستير في القانون المقارن عام 1965م، وحصل على الدكتوراة في الفقه وأصول الفقه من كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1965.

وظائف‭ ‬مهمة

– عُيّن فضيلة الدكتور حسين حامد – رحمه الله – محامياً بإدارة قضايا الحكومة – مصر – عام 1959م، ثم معيداً بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، فمدرساً فأستاذاً مساعداً فأستاذاً فرئيساً لقسم الشريعة بالكلية، ثم أعير رئيساً للدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن علي السنوسي الكبير في ليبيا، ثم أعير رئيساً للدراسات العليا الشرعية بجامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، ومديراً لمركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة بالجامعة، ومستشاراً لمدير الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث والتعاون بين الجامعة والجامعات الأخرى، ورئيساً للجنة الدائمة لترقية أعضاء هيئة التدريس في جامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

في عام 1979 أعير لإنشاء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، عقب إعلان باكستان تطبيق الشريعة الإسلامية، وعين عضواً في مجلس أمناء هذه الجامعة، ثم تولي رئاستها لمدة أربعة عشر عاماً. عمل فضيلة الدكتور حسين مستشاراً قانونياً واقتصادياً لرئيس جمهورية كازاخستان، ومستشارا اقتصادياً لرئيس وزراء قيرغزستان، وكلف بعمل خريطة استثمارية للدولة، كما عمل مستشاراً لرئيس جمهورية باكستان الإسلامية لشئون الجامعة الإسلامية العالمية، ومستشاراً لأمين عام رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ثم مستشاراً لرئيس مؤتمر العالم الإسلامي بجدة، ومستشاراً لهيئة إحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، كما عين مستشاراً لرئيس جامعة القاهرة.

وبالإضافة إلى ذلك تولى العديد من المناصب الاستشارية الأخرى في عدد من المجامع الفقهية والمؤسسات الدينية الرسمية في الدول العربية والأوروبية.

وللدكتور حسين – رحمه الله – عدد كبير من المؤلفات تزيد على 400 كتاب وبحث ومقال في عدة مجالات كالصيرفة والتمويل والتأمين الإسلامي، كما شارك في مئات المؤتمرات العالمية والندوات المعنية بالاقتصاد والتمويل الإسلامي، قدم فيها العديد من البحوث والدراسات الفقهية التي كان لها أثر كبير في إثراء الصناعة.

هذا جانب من المسيرة العلمية والعملية التي عاشها الدكتور حسين حامد حسان، الخبير الحقوقي والمالي والاقتصادي، الذي ترك إرثاً اقتصادياً كبيراً تستفيد منه الأجيال القادمة، خاصة في الصناعة المصرفية والمالية الإسلامية.

الاقتصاد‭ ‬والبنوك‭ ‬الإسلامية

بدأ الدكتور حسين حامد حسان – رحمه الله – مسيرة العمل في البنوك الإسلامية، ثم أصبح في وقت قصير جداً واحداً من أشهر فقهاء المعاملات الإسلامية في العالم، فقد ظل لسنوات طويلة يصل الليل بالنهار بحثاً في أمهات الكتب عن كل ما هو جديد في مجال المعاملات الإسلامية، ولأنه كان خبيراً قانونياً وعالم شريعة وخبير اقتصادي في نفس الوقت، استطاع في فترة وجيزة أن يطور العقود الشرعية للمعاملات والصيغ المصرفية لعدد كبير من البنوك الإسلامية وشركات التأمين التكافلي، واستحداث عدد من الصيغ الشرعية المبتكرة التي سارت عليها تلك المؤسسات حتى الآن.

ولقد أسهم الدكتور حسين بدور كبير في خدمة الصناعة المصرفية الإسلامية منذ إنشائها، كما حرص على تدريب الكوادر المصرفية العاملة في هذا المجال، واختير رئيساً للعديد من هيئات الرقابة الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في العالم، وعلى رأسها بنك دبي الإسلامي.

بنك‭ ‬دبي‭ ‬الإسلامي

تولى الدكتور حسين – رحمه الله – رئاسة هيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بنك دبي الإسلامي لفترة طويلة، وبرز دوره المتميز والنشط خاصة وأنه قام باستحداث عدد من العقود الشرعية التي كان لها دور متميز في نشاطات البنك وتميزه بين أقرانه، وجعلته في مقدمة البنوك الإسلامية في المنطقة، بل وفي العالم كله، بنظامه الرقابي الراقي والصارم، ومعاملاته التي حرصت الهيئة الشرعية على اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها مطابقتها لمبادىء وأحكام الشريعة الإسلامية، والبعد عن المعاملات التي تثير الشبهات في العمل المصرفي الإسلامي، ومن هنا اكتسب البنك ثقة عملائه، كما اكتسب سمعة طيبة في الصناعة المصرفية الإسلامية وفي العالم أجمع.

وقد كان للدور المتميز الذي قام به الدكتور حسين خلال رئاسته لهيئة الفتوى في بنك دبي الإسلامي ردود فعل إيجابية تجاه البنك، حيث سعت معظم البنوك الإسلامية في المنطقة والعالم إلى الاستفادة من خبرات البنك في مجال صياغة العقود الجديدة، بينما عملت معظم المؤسسات المالية الإسلامية الأخرى في محاكاة الأنشطة والعقود التي يعمل بنك دبي الإسلامي من خلالها.

وسعياً لتعزيز دور الرقابة الشرعية في بنك دبي الإسلامي عمل الدكتور حسين حامد – رحمه الله – على تأسيس «دار الشريعة»، وهي شركة شرعية قانونية متخصصة في صياغة العقود الشرعية المستجدة، ومراجعة العقود الأخرى المعمول بها فعلياً في المؤسسات المالية الإسلامية وشركات التأمين التكافلي، ولتكون هذه الشركة بمثابة المرجع الشرعي والقانوني لعمليات بنك دبي الإسلامي والبنوك الإسلامية الأخرى في العالم، حيث نفذت «دار الشريعة عدداً كبيراً من العقود الشرعية لصالح عدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، وحصلت هذه العقود على الإشادة من أساتذة الشريعة وفقهاء المعاملات الإسلامية.

‮«‬هندسة‮»‬‭ ‬التحول

كان لفضيلة الدكتور حسين حامد حسان – رحمه الله – الدور الرئيس في تنفيذ عمليات تحول العديد من البنوك التقليدية إلى بنوك إسلامية، بعد التوجه الذي اتخذته هذه البنوك لتحويل أنشطتها ومعاملاتها إلى إسلامية، فقد اختير من قبل إدارة بنك الشارقة ليتولى تنفيذ عملية تحويل كافة أنشطته التقليدية إلى معاملات وأنشطة إسلامية وليصبح اسمه «مصرف الشارقة الإسلامي»، كما قاد عملية تحويل بنك الإمارات إلى «مصرف الإمارات الإسلامي»، بالإضافة إلى سوق دبي المالي الذي تولى الدكتور حسين عملية تحويله إلى سوق مالي إسلامي، وظل رئيساً لهيئته الشرعية حتى وفاته، وما تبع ذلك من إعادة صياغة كافة العقود إلى عقود إسلامية بشكل كامل، كما حرص – رحمه الله – على تدريب الكوادر البشرية العاملة على تنفيذ المعاملات الإسلامية بعد عمليات التحول، وكذلك إعادة هيكلة كافة العمليات والأنشطة وحقوق المساهمين والمتعاملين حسب النظام المصرفي الإسلامي.

وفي هذا الإطار، ومما يؤكد الدور المتميز للدكتور حسين حامد في تحويل العديد من البنوك التقليدية إلى بنوك إسلامية، أطلق عليه المصرفيون لقب «مهندس عمليات التحول» حيث طلب منه أكثر من بنك تقليدي إجراء عملية التحويل إلى النشاط المالي الإسلامي، وقد تكللت كل هذه الجهود بالنجاح والحمد لله.

مساهمات‭ ‬قانونية‭ ‬وشرعية

أسهم الدكتور حسين – رحمه الله – في إعداد القانون المدني المصري وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وأعد مذكرته التفسيرية، كما أسهم في إعداد قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، وشارك في تحويل نظامها المصرفي التقليدي إلى العمل طبقاً لمبادىء الشريعة الإسلامية، وكذلك في جهود تطبيق الشريعة بالكويت، وراجع مشروع قانون شركات التأمين الإسلامي بها، كما أعد مشروع قانون الأحوال الشخصية بليبيا، وفي إعداد دستور جمهورية كازخستان والقوانين المكملة للدستور.

وفاته

بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتميز والنجاح، استمرت نحو 60 عاماً، غيب الموت الدكتور حسين حامد حسان، الخبير الاقتصادي والحقوقي والمالي، وأبرز خبراء الصناعة المصرفية الإسلامية في العالم، في 20 أغسطس 2020، ووقع خبر وفاته كالصاعقة على تلامذته ومحبيه، وكذلك على الفقهاء والاقتصاديين والمصرفيين، الذين كانوا يرون فيه مدرسة فقهية متنوعة الثقافات، وخبيراً في فقه الواقع، وعالماً منزهاً عن مغريات الدنيا، منقطعاً للاجتهاد والبحث في كل ما هو مستجد في عالم الاقتصاد والمعاملات الإسلامية.

وستظل بصماته واضحة لدى كل من يعمل في هذا المجال، وسيذكره التاريخ دائماً بالخير مادامت البنوك الإسلامية.

رحم الله الدكتور حسين حامد حسان، وجزاه خير الجزاء عما قدمه للإسلام والمسلمين.

__________________________
نُشر هذا التقرير في العدد رقم (479) المجلد رقم (41) من مجلة الاقتصاد الإسلامي الصادرة عن بنك دبي الإسلامي بتاريخ أكتوبر 2020، ومنشور على الموقع الإلكتروني للمجلة.

بحث للأستاذ الدكتور أحمد سعد البرعي منشور في المجلد (14) العدد (48) بمجلة دار الافتاء المصرية، جمهورية مصر العربية، الصادرة في يناير 2022م.

تناولت هذه الدراسة موضوعًا من أهم الموضوعات المثارة الآن، ألا وهو “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي”، وجاء في مقدمة هذه الدراسة:

   فإنه لم يكن من المتوقع في يوم من الأيام أن يجد الفقهاء والقانونيون أنفسهم مطالبين بالبحث عن التكييفات الفقهية والطبيعة القانونية لآلات جامدة باتت تحمل من الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والقرار الذاتي، ما يجعلها قادرة على محاكاة السلوك البشري، والقيام بما يقوم به الإنسان من وظائف وأعمال.

فالذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد ضربًا من ضروب الخيال العلمي، ولم يعد البحث فيه وفي أحكامه نوعًا من أنواع الترف الفكري، بل إنه بات حقيقة واقعة يتجه العالم إليها بقوة، وستُبنى عليه في السنوات القادمة اقتصاديات دول، وميزانيات حكومات، فالمدن الذكية التي تطوَّر هنا وهناك، والمركبات المستقلة (Autonomous Vehicles (AV التي يتوقع لها أن تستحوذ على مكانة رئيسة في النقل والمواصلات في السنوات القليلة القادمة، والطائرات بدون طيار (Drones) واستعمالاتها المدنيَّة والتجارية التي انتشرت مؤخرًا، والتي ستسيطر في المستقبل القريب على مجال الشحن والتوصيل، بعد أن سُمح لشركات التجزئة وشركات البريد باستخدامها في مجال توصيل البضائع والطرود البريدية، وظهور الجيل الثاني من هذه الطائرات ذاتي التشغيل والتوجيه والتنفيذ ‏(Autonomous Drones) وما يُثيره من القضايا الأخلاقية والشرعية والقانونية المتعلقة بالتسليح، والحدود الفاصلة بين المشروع منه والمحظور، وانتشار الوكلاء الأذكياء في التجارة الإلكترونية والاعتماد عليهم في إبرام العقود وتنفيذ المعاملات، وتطوير الروبوتات المستقلة التكيُّفيَّة، القادرة على التعلم الآلي، والتكيف الذاتي والتطور الاجتماعي، والتي ستقتحم مجال الخدمات المهنية والمنزلية والشخصيَّة في السنوات القادمة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا فقهية وقانونية تتعلق بتكييف طبيعتها الفقهية، وسط ما ينادي به بعضُ القانونيين اليومَ من إضفاء صفة «الشخصية القانونية» و«الأهلية» على هذه الروبوتات؛ نظرًا لما تحويه من ذكاء واستقلالية في التصرف يجعلها مغايرة تمام المغايرة لغيرها من الآلات التقليدية، والأجهزة الصماء، وما تثيره هذه الروبوتات من مسائل تتعلق بالمسؤولية والضمان في حال ما لو انفلتت فأحدثت ضررًا في نفس أو عضو أو مال، وكذا ما مكنت له التطورات في مجال تكنولوجيا النانو (Nanotechnology) من تطوير روبوتات نانوية يمكن زرعها في الأجسام البشرية لأداء وظائف معينة، ومهام متعدّدة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا وأحكام، إلى غير ذلك من القضايا الأخرى المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، والتي فرضت كثيرًا من المسائل والمستجدات أردتُ أن أتناولها بالبحث والبيان في هذه الدراسة، التي عنونت لها باسم: “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي“، راجيا الله تعالى أن تكون مفيدة في بابها، نافعة لكاتبها وقارئها، وأن تكون فاتحة خير للبحث الفقهي المتعمّق في هذه الموضوعات باعتبارها واحدة من أولى الدراسات الفقهية الموضوعة في هذا الباب، والتي جاءت كثير من التكييفات الفقهية فيها مبنية على تخريج ورأي مني، أسأل الله تعالى أن أكون قد وُفقت فيه، ويبقى المرجع دائمًا في مثل هذه النوازل والمستجدات إلى الاجتهاد الجماعي، والرأي المؤسسي.

وقد قُسمت هذه الدراسة إلى مقدمةٍ، وفصلين، وخاتمة؛ حيث تناولت المقدمة: أهمية البحث وخطة الدراسة، في حين تناول الفصل الأول الذكاء الاصطناعي وأدوات الثورة الصناعية الرابعة، بينما تناول الفصل الثاني الأحكام الفقهية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

بحث للدكتور أحمد نجيب قربي منشور في العدد (4)، المجلد (39) بمجلة الحقوق، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي الصادر في ديسمبر 2015م.

تناول البحث دراسة مبدأ القاضي الطبيعي الذي يُعد الجهة الأمينة على حق التقاضي، وذلك في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي؛ حيث تحوز فكرة القضاء الطبيعي أهمية كبيرة في أي نظام قانوني؛ لأن وضع ضوابط محددة لهذه الفكرة يساهم في إيجاد جهة قضائية يمكن للأفراد أن يأتمنوها على حقوقهم وحرياتهم، فالقضاء -والذي هو حصن الحقوق وموئل الحريات- يُشكل أحد الحصون المنيعة التي تقف في وجه السلطات إذا ما حاولت اغتيال هذه الحقوق والحريات أو إنقاصها.

وفي سبيل توضيح الفكرة السابقة قسم الباحث دراسته إلى أربعة مطالب، حيث تناول في المطلب الأول مفهوم القاضي الطبيعي في كل من الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وتوصل في نهاية المطلب إلى وضع تعريف محدد لمبدأ القاضي الطبيعي.

وفي المطلب الثاني قام بدراسة عناصر القضاء الطبيعي التي تتمثل في خمسة عناصر أساسية تتمثل في أن يكون إنشاء المحكمة وتحديد اختصاصها بقانون قبل نشوء الدعوى بشرط أن تكون ولايتها دائمة، وأن تتوافر في هيئة المحكمة ضمانات التخصص والكفاءة، وأن يضمن القانون لهذه الهيئة حصانة ضد العزل.

وبحث في المطلب الثالث شروط القاضي الطبيعي التي تجسدت في شَرْطَي كفالة حق الدفاع وتعدد درجات التقاضي.

ثم خصص المطلب الرابع لتوضيح مدى اعتبار بعض أنواع القضاء المتخصص -كالقضاء العسكري ومحاكم الأحداث- من القضاء الطبيعي.

رابط مباشر لتحميل البحث

نُشر هذا البحث في كتاب “وجوب تطبيق الشريعة والشبهات التي تُثار حول تطبيقها”، وهو كتاب يضم عدة بحوث قُدمت في مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام 1396هـ، يستعرض فيه الدكتور الزرقا -رحمه الله- الخطوط العريضة للنظام القانونى فى الشريعة الإسلامية، والقواعد التي أرساها في جميع فروع القانون الرئيسية المعروفة إلى اليوم، ويوضح صلاحها الدائم للتطبيق المنتج المحقق للعدل الحقوقي والاجتماعي، ثم كيفية النظر وطرق النظر التي بها تستجيب الشريعة الإسلامية لحاجات المجتمعات المتطورة في كل زمان ومكان.
جاء البحث في فصلين، تناول الأول الحقوق الخاصة في كل من الأحوال الشخصية، والولاية والوصاية، والميراث، ثم انتقل للحديث عن الحقوق المدنية (المعاملات) فتناول الالتزامات والعقود والنظام الجنائي، ثم تحدث عن الحقوق العامة، فتعرض للحقوق الداخلية، في الناحيتين الدستورية والإدارية، والحقوق الخارجية، ثم طرح في الفصل الثاني سؤالًا عن كيفية استجابة الإسلام لحاجات الحياة المتطورة، وكيف أن طبيعة النصوص العامة في الشريعة الإسلامية أدت إلى اكتفائها الذاتي في المباديء الأساسية.

رابط مباشر لتحميل البحث

بحث للأستاذ الدكتور محمود نجيب حسني منشور في العدد (3)، المجلد (28) بالمجلة الجنائية القومية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الصادر في نوفمبر 1985م.

يتناول البحث موضوع مفهوم الدفاع الاجتماعي على الصعيد العربي ومظاهر الدفاع الاجتماعي في الشريعة الإسلامية”، حيث أشار في مقدمة هذه الدراسة إلى أن البحث في هذا الموضوع يتطلب تحديد المدلول العام للدفاع الاجتماعي كمذهب للسياسة الجنائية، والتعريف بأصوله، وبيان المفهوم العربى لهذا المدلول، والبحث فيما إذا كانت الشريعة الإسلامية قد تضمنت من الأصول والقواعد ما يتسق مع الأفكار التي يقوم عليها الدفاع الاجتماعي على نحو يمكن معه القول بأن الشريعة الإسلامية قد انطوت على نواة الأفكار التى قام عليها فيما بعد مذهب الدفاع الاجتماعي أو على الأقل أن تطبيق هذا المذهب لا يتعارض مع المبادىء الإساسية في الشريعة الاسلامية بل يمكن أن تلتئم معه بحيث تصبغه بطابعها وتضفي عليه من روحها، على نحو يجوز معه القول بنشوء مذهب جديد يطلق عليه تعبير “الدفاع الاجتماعي الإسلامي” قوامه مبادیء الدفاع الاجتماعى المجردة، وقد اصطبغت بالطابع الإسلامي المستلهم من المبادى الخالدة للشريعة الإسلامية.

وفي سبيل الإجابة على التساؤلات التي أثارتها الدراسة قسم سيادته هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: التعريف بالمبادىء الاساسية في الدفاع الاجتماعي، في حين عالج الفصل الثاني: مفهوم الدفاع الاجتماعى على الصعيد العربى، أي تطبيق مباديء الدفاع الاجتماعي في الوطن العربي، بينما عالج الفصل الثالث استقراء أهم مظاهر الدفاع الاجتماعي في الشريعة الإسلامية.

رابط مباشر لتحميل البحث

بحث بعنوان “الاتفاق على الأموال المشتركة بين الزوجين (راتب الزوجة بين الشريعة والقانون)” للدكتورة حفيظة طالب، نُشر في مجلة الحضارة الإسلامية العدد رقم (15) الصادر عام 2011.
يتناول البحث قضية صارت شائكة في هذه الأيام، وهي الأموال المشتركة بين الزوجين، وكيفية النظر إلى راتب الزوجية بمنظور كل من الشريعة والقانون.
وقد تضمن البحث الحديث عن نظرة الإسلام للمال وكون حفظ المال من الضرورات الخمس للشريعة، ثم انتقل للحديث عن حقوق المرأة المالية، وحقها في الملكية، وكذلك مشروعية تصرف أحد الزوجين في مال الآخر.

رابط مباشر لتحميل البحث

محاضرة نادرة للشيخ محمد أبي زهرة

أُلقيت هذه المحاضرة في الملتقى السابع للفكر الإسلامي الذي عُقد في تيزي وزو بالجزائر في الفترة من 1-22 جمادى الثانية 1393هـ الموافق 1-22 يوليو 1973م، ونشرت هذه المحاضرة وما اشتملت عليه من تعليقات الحضور ضمن منشورات وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية الجزائرية في المجلد الأول، وتحديدًا من صفحة 399 حتى صفحة 472.

وجاء في بداية المحاضرة:

الشريعة الإسلامية مطبقة في تشريع المسلمين اليوم، أم غير مطبقة؟

 ولذلك جواب يوجب الحسرة والأسى، ويضيق حتى يكون معناه الشريعة الإسلامية متحقق روحها في التشريعات القائمة اليوم، وإن لم تكن مطبقة بحذافيرها وغير قائمة حدودها ولا منفذة زواجرها الاجتماعية، ولا نظمها الاقتصادية، وقد يزداد في هذه المعنى، فيُدعى أن روحها قائمة في التشريع، لأنها قائمة على المصلحة الإنسانية فى زعم الزاعمين، وادعاها البعض متفقة مع هذا الزمان في كثير من المسائل!

كان هذا التشكيك في المعنى -أو الشك فيه- سببًا في حيرة المعنى؛ لأن الروح معنى فيه اتهام، إلا إذا قلنا أن روح القانون أو الشريعة إما أن تكون سالبة وإما أن تكون موجبة، وعلى ضوء هذا المعنى نقول علاقة القوانين المطبقة اليوم سالبة أم موجبة، أي للشريعة تأثير فيها أم ليس لها تأثير، بل مناقضة.

وحصر الشيخ أبو زهرة محاضرته حول ثلاثة موضوعات هي: مقام الشريعة من التطبيق في الماضي، ومغزى تطبيقها، والعلاج مع القوانين القائمة.

 وقد خلص الشيخ أبو زهرة إلى أنه يجب على المسلمين في كل البقاع الإسلامية -قاصيها ودانيها- أن يرفعوا عن أنفسهم رق الحكام، ويجعلوهم مسئولين ككل الناس، وإلا استمر الضياع.

رابط مباشر لتحميل المحاضرة.

إقامة العدل مقصد رئيس من مقاصد الشريعة الإسلامية أكدته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ ومنها قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ” (النحل: 90) ، و” وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” (النساء: 58) وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ” إن المقسطين عند الله على منابر من نور”

وعبر تاريخهم فهم المسلمون ما تأمر به النصوص القطعية من وجوب إقامة العدل وتنزيله من إطاره النظري ضمن أطر ومؤسسات واقعية تضطلع بمهمة تطبيق العدالة، وفي هذا السياق أقيمت مؤسسة القضاء في الإسلام وعهد إليها بمهمة الفصل في المنازعات، ومنحت صلاحيات لبعض رجال الإدارة المحلية مثل: المحتسب ورجال الضبط “الشرطة” من أجل ضمان تنفيذ العدالة. وفي السطور التالية أحاول التطرق إلى بنية المؤسسة القضائية وخصائصها ومهام أفرادها، وأروم من ذلك إلى الإجابة عن سؤال كيف طبقت العدالة داخل السياق الإسلامي.

المؤسسة القضائيةالبنية والمهام

 المحكمة هي الجزء الأبرز داخل المنظومة القضائية الإسلامية، وهي تفصل في المنازعات التي ترفع إليها من المتنازعين، وقبيل أن نتطرق لهيكل المحكمة ينبغي الالتفات إلى أنه بينما تُحل معظم النزاعات في المجتمعات المعاصرة ضمن المؤسسة القضائية الرسمية إلا أن المجتمعات ما قبل العصر الحديث كانت تمتلك بعض الآليات التي تمكنها من حسم النزاعات قبيل الوصول إلى ساحة القضاء، وكان قضاة الشرع منخرطون في حل هذه النزاعات بشكل غير رسمي، ولذا كانت النزاعات التي ترفع إلى المحكمة محدودة العدد وجلها يتعلق بالجنايات أو البيوع والأوقاف، لأن معظم النزاعات قد تم تسويتها بشكل غير رسمي. وبصفة عامة كانت هيئة المحكمة مكونة من تنظيم هرمي يتألف من :

  • القاضي:

وهو أعلى منصب قضائي داخل المحكمة فصاحبه تلقى تعليما دينيا رفيعًا أهله لأن يصبح موضع ثقة الأهالي في الفصل في دعاويهم، وفي القرون الأولى كان القاضي ينظر القضايا في المسجد، وبمضي الوقت صارت المحكمة مؤسسة مستقلة لها قضاة معينون من قبل ولاة الأمر ، وكان القضاة يحكمون في القضايا استنادا إلى المدونة الفقهية التي هي جهد جماعي للفقهاء من مختلف العصور والأمصار، إذ لم يكن هناك قانون مدون مكتوب من صنع الحاكم كما هو الحال مع “قانون جستنيان” على سبيل المثال، وهو ما يعني أمران: أن القانون لم يكن مرتبطا بالنخبة الحاكمة ولم يصطبغ بطابع إقليمي معين، وأن إعمال القانون كان يعني تطبيق الشريعة الإسلامية.

كانت المهمة الرئيسة للقاضي هي الفصل في الدعاوى التي ترفع إليه وإصدار الحكم فيها وفقا للبينة التي يقدمها كل من المتداعيين، وينتقد بعض الدارسين القانونيين الغربيين ما أسموه “الدور السلبي للقاضي في عملية التقاضي” معتبرين أنه لم يكن يمتلك سلطة التحقيق في الدعوى وإنما اقتصر دوره على مراجعة الإجراءات القانونية وتقييم البينة (الشهادة)، فضلا عن أنه لم يمتلك سلطة إلزام المتنازعين المثول بين يديه كما يفعل المدعي العام في عصرنا، وهذا الانتقاد يغض الطرف عن مسألة هامة تميز القضاء الإسلامي وهي عدم انفراده بالفصل بالنزاعات إذ يلعب أفراد المجتمع المحلي دورا في العملية القضائية فالقاضي لا يصدر حكمه إلا بناء على الشهادة التي يؤديها أفراد المجتمع، فليس للقاضي تلك السلطة المطلقة التي يتمتع بها اليوم، من جانب آخر فإن مؤسسات الدولة في العصور الإسلامية لم تكن مؤسسات إلزامية، وكان تدخلها في حياة الأفراد هامشيا خلافا للعصور الحديثة التي تلعب فيه هذه المؤسسات دورا مركزيا بما لها من صفة إلزامية.

  • الشهود العدل:

وهم الذين يقوم القاضي بتعيينهم ضمن هيئة المحكمة ممن يتمتعون بالنزاهة الأخلاقية، وتتمثل مهمتهم في التحري عن عدالة واستقامة الأشخاص الذين لهم دعاوى أمام القضاء، وكثيرا ما كانوا يمثلون أمام المحكمة نيابة عن المتنازعين بصفة وكلاء، وكانت محاضر المحكمة عادة ما تذيل بتواقيع هؤلاء الشهود الذين كانوا عادة ما يكونون قادة محليين (فقهاء أو وجهاء أو ذوي مكانة اجتماعية) ولم يكن توقيعهم سوى موافقة جماعية على أن ما ورد بالمحضر من إجراءات وأحكام يلقى قبولا اجتماعيا فضلا عن القبول الشرعي.

  • كتبة المحكمة:

وهم المسئولون عن تدوين محاضر الدعاوى ضمن سجلات المحكمة، وقد اقتضت طبيعة عملهم وثيقة الارتباط بالفقه أن يكونوا ممن نالوا تعليما دينيا، وكانوا مثل الشهود العدول همزة وصل بين المحكمة والمجتمع المحلي الذي تأسست فيه المحكمة.

وإضافة إلى هؤلاء الذين يشكلون البنية المؤسسية القضائية، يمكن الحديث عن المتداعيين الذين يمثلون طواعية أمام المحكمة ويعرضون قضاياهم بشكل مباشر دون وسيط محترف (المحامي)، مستخدمين في ذلك لغة غير قانونية دون اعتراض من هيئة المحكمة، وكان هذا شائعا لأنه لم تكن هناك تلك الهوة التي تفصل بين المحكمة كمؤسسة شرعية/قانونية وبين من يلجأون إليها أيا كان وضعهم الاقتصادي والاجتماعي ومستواهم التعليمي، وليست طبيعة المحكمة -التي لا تتقاضى أتعابا باهظة ولا تتطلب معرفة قانونية خاصة- هي من جسرت هذه الهوة وإنما الفضل يعود إلى الأفراد أنفسهم؛ لأنه خلافا للمجتمع الحديث الذي يعاني اغترابا في مجال القانون فإن أفراد المجتمع الإسلامي كانوا على معرفة بالمنظومة القانونية للشريعة، وكانوا يعيشون أخلاق التشريع ومبادئه في ممارساتهم الاجتماعية، وهو ما جعل الشريعة عرفا حيا ومعاشا داخل المجتمع.

  • ضمانات العدالة:

جسدت المحكمة فكرة العدالة تجسيدا حيا بما وفرته من ضمانات كفلت للفئات الأضعف داخل المجتمع نظر قضاياهم بالقسط، ومن تلك الضمانات التي استخرجناها من مدونة الفقه الحنفي الذي كان معمولا به في الدولة العثمانية والولايات التابعة لها، والتي عرفت طريقها للتطبيق على يد قضاة الشرع:

  1. أن أحكام القضاة تصان عن الإلغاء والإبطال ولا يتم التعرض لها بالنقض إلا في حالة واحدة فقط وهي أن يصدر القاضي حكما لم يستوف شرائطه الشرعية عندئذ لا يكون نافذا.
  2. الحق لا يسقط بتقادم الزمان. – يُمهل صاحب الحق إلى أن يتمكن من إقامة الدعوى دون تقيد بمضي خمسة عشر عاما كما ينص الأمر السلطاني.
  3. 3.     لليتيم بعد بلوغه أخذ حقه وملكه ممن استولى عليه.
  4. للمكره بعد زوال الإكراه فسخ البيع، ولا يبطل حق الفسخ بموت أحد المتعاقدين، فلورثة المكره الرجوع على المشتري أو ورثته.
  5. لا تقبل شهادة مشايخ البلد [رؤساء القرى] في الدعاوى.

    خصائص النظام القضائي


تحملنا الضمانات السابقة على الاعتقاد أن النظام القضائي الإسلامي كانت له خصائص تميزه عن غيره من الأنظمة القضائية، ومنها:-

  • الحضور الأخلاقي: وهو يتبدى في مسائلتين الأولى : مصداقية الشهادة – وهي أهم أركان العملية القضائية- التي كانت تستند إلى الأخلاق وحسن السيرة، لقد كانت وظيفة شهود المحكمة تزكية شهود العيان قبيل قيامهم بأداء الشهادة، وكانت إجراءات التزكية بالغة الدقة بحيث يستبعد من الشهادة من هو غير محمود السيرة، والثانية : عملية إصدار الحكم، إذ غالبا ما كان القاضي يستفسر عن مدى الالتزام الأخلاقي للمدعي وهل يمكن أن يكذب في ادعائه ضد المدعى عليه، وكان الحكم النهائي للقاضي يصدر بناء على هذا التقييم الأخلاقي للشخص.
  • المساواة الاجتماعية: وهي تتجلى في أن إجراءات المحكمة لم تكن تميز بين أصحاب القوة والثراء وبين المعوزين، وكانت الأحكام تصدر دون مراعاة للأوضاع الاجتماعية للمتداعيين، ولعل هذا ما شجع الفئات الأضعف على التصدي لمن هم في مواقع القوة والنفوذ، وضمن هذا السياق كان الفلاحون غالبا ما يكسبون قضاياهم ضد ملاك الأراضي الجائرين، وكان اليهود والنصارى يكسبون قضاياهم ضد شركائهم المسلمين.
  • أولوية الصلح على التداعي: وهي سمة لا نجد لها نظيرا في الأنظمة القانونية الأخرى وتجد صداها في مقولة “الصلح سيد الأحكام” التي تعكس النظرة المتجذرة بأن الوساطة والتحكيم جزء أساسي من العملية القضائية، وأنه ربما يتفوق على عملية الادعاء والتقاضي في ظل مجتمع يقدس العلاقات الأسرية ويعتقد بأن النزاعات التي تحوي أمورا حميمية يجب حجبها عن العامة ومعالجتها في نطاق ضيق.
    _____________________________
    *نُشر هذا المقال على موقع إسلام أون لاين
  1. عرض الدكتور محمد حسن جبل لمعاني تعبير (العدل) ومشتقاته في القرآن الكريم وانتهى بعد استقراء مواضع الاستعمال القرآني لهذه الكلمة إلى أنها ترد في مواضعها كلها بمعنى العدل الذي هو ضد الظلم، اللهم إلا في أربعة مواضع.[1] ويذكر الدامغاني أن العدل في القرآن الكريم يفسَّر على خمسة أوجه هي: الفداء، الإنصاف، القيمة، شهادة أن لا إله إلا الله، الشرك.[2]
  2. وقد ورد لفظ العدل وما اشتق منه في القرآن الكريم، تسع عشرة مرة، مستعملا بمعاني الحكم بالحق، وضد الجور، والإنصاف، والقسط، والسوية وما إليها، مما سبق ذكره.[3]على أنه ينبغي التنبه دائمًا إلى أن المقاصد القرآنية هي أصل المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية. ومقاصد القرآن مبسوطة في الكتاب العزيز كله لا يقتصر البحث عنها على الآيات التي ورد فيها اللفظ الدال عليها أو المؤدي معناها، وإنما يرتحل للوقوف عليها بين دفتي المصحف الشريف، المرة بعد المرة، ليقف الراغب في التعرف على مقاصد القرآن الكريم على طلبته. كيف لا وهو الذي لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، ويظل غضًا في فم كل قارئ وقلبه ما أخلص النية في تلاوته، وقصد بها وجه الله تعالى.
  3. فمن ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل…﴾ وقوله في الآية نفسها ﴿…فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يُمِلَّ هو فليملل وليه بالعدل…﴾[البقرة:282]. والمراد بالعدل في هذه الآية، بموضعيها، الحق،[4] بألا يزيد في الدَّيْن ولا ينقص منه بل يتحرى الحق والمعدلة بينهم.[5]
  4. ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل…﴾[النساء:58].  والخطاب الآمر بالحكم بالعدل في هذه الآية موجه للذين يتولون الحكم بين الناس في الخصومات، والمكلف بالحكم بين المتنازعين – كالقاضي والمحكّم ومن إليهما – عليه العناية بإظهار المحق منهما من المبطل، أو إظهار الحق لأحدهما وأخذ حقه ممن اعتدى عليه. والعدل: مساواة بين الناس في تعيين الأشياء لمستحقيها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه. والعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو من حسن الفطرة. والعدل في الحكم، وفي أداء الشهادة بالحق هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قِيدَ أنملة يجر إلى فساد متسلسل.[6]  والعدل – في هذه الآية – عند الشوكاني هو فصل الخصومة على ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وليس الحكمُ بالرأي المجردِ من الحقِّ في شيء.[7]
  5. ولا ريب في أن هذا المعنى – لو انفرد – لجعل العدل مقصدًا قرآنيًا عامًا، ذلك أنه لا يختلف اثنان في أن صلاح المجتمع والأمة من أعظم المقاصد التي رعاها الإسلام وحثَّ عليها القرآن الكريم.  ولا ريب في إتيان الشريعة بالنهي عن الفساد كله. والعدل هو الذي يحقق منع الفساد، فهو مقصود لذاته ومقصود لغيره. فأما أنه مقصود لذاته فبيانه أن القرآن والسنة متظاهران على الأمر بإيتاء كل ذي حق حقه، وعلى تحريم العدوان، ورده إن وقع، بإعادة الحق إلى صاحبه أو بتعويضه عما لحقه من ضرر؛ وأما أنه مقصود لغيره فبيانه أن صلاح العالم لا يكون إلا به، وما يقتضيه المقصود الشرعي بحيث لا يتحقق إلا به يكون مقصودًا كذلك وإلا تناقضت أدلة الشرع وتهاترت، وهذا عبث ينزه الشارع – سبحانه وتعالى – عنه في قول المسلمين كافة.[8]
  6. ومن مواضع ذكر (العدل) في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَرون﴾ [النحل:90].  وقد اختلف في تأويل العدل والإحسان في هذه الآية، فنقل الطبري عن عبد الله بن عباس t أن المراد بالعدل قول لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض[9] وأصَّل الطبري ذلك على فهم العدل على أنه «الإنصاف، ومن الإنصاف الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله، وأن نولي الحمد أهله… فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له».[10]  ونُقِل عن علي بن أبي طالب t أن العدل هو الإنصاف، والإحسان التفضل. وعن سفيان بن عيينة أن العدل ها هنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية.[11]  واستحسن الشوكاني – بعد ذكره لتلك المعاني – تفسير العدل بمعناه اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فيكون المقصود أن يكون العباد على حالة متوسطة في الدين، ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغُلوّ المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين[12] وذهب ابن عطية إلى أن العدل هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع، وأداء الأمانات وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق.[13]
  7. وأولى ما قيل، في معنى العدل هنا، بالصواب هو ما ذهب إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور[14] من أن العدل كلمة مجملة جامعة فيصار فيها إلى ما هو مقرر بين الناس في أصول الشرائع، وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، إذ مرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة. وحقوق الناس بعضهم على بعض قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية. وهو يصف هذه الآية بأنها جامعة أصول التشريع. وأن العدل فيها يعني إعطاء الحق لصاحبه. وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجيّ من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات.[15]  وإذا كان العدل أصلا جامعًا للحقوق، على هذا النحو، فلا ريب أنه يمثل مقصدًا عامًا من المقاصد القرآنية التي يتحقق بمراعاتها والنزول عندها مراد الشارع من التشريع بوجه عام.
  8. وقد روي عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها ثم قال: «إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئًا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعه».[16] ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «هذه أجمع آية في القرآن لخير يُمتَثَلُ، ولشر يجتنب».[17]
  9. وفي القرآن الكريم أمرٌ لرسول الله ﷺ: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾ [الشورى:15]. قال الشوكاني: «والظاهر أن الآية عامة في كل شيء»[18]، ونقل الطبري عن قتادة أنه قال: «أُمر نبي الله ﷺ أن يعدل فعدل حتى مات صلوات الله عليه. والعدل ميزان الله في الأرض، به يُأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدِّق الله الصادق، ويكذِّب الكاذب، وبالعدل يردُّ المعتدي ويوبخه».[19] والمقصود بالعدل هنا هو العدل في جميع الأحوال.[20]
  10. وقد أمر الله بالتزام العدل في الشهادة على الوصية فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم…﴾[المائدة:106].[21]   وقال تعالى، في الإشهاد على الطلاق:﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله…﴾[الطلاق:2].[22]  ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بينة واضحة، بعيدة عن الاحتمالات والتوهمات».[23]
  11. ولم يأمر القرآن الكريم بالعدل في الحكم والفعل فحسب، بل فرض الله، سبحانه وتعالى، في كتابه، العدل في الكلام المنطوق ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى…﴾[الأنعام:152]. قال الشيخ ابن عاشور: «وهذا جامع كلَّ المعاملات بين الناس [التي تكون] بواسطة الكلام… والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق: بإبطالها أو إخفائها… ومنه التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة، وقول الحق في الصلح… وإذا وعد القائل لا يخلف، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث، ولا يحلف على الباطل، وإذا مدح أحدًا مدحه بما فيه. وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقًا فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به… والمرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل. وأما أن يقول الظلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك… وجاء طلب الحق بصيغة الأمر بالعدل، دون النهي عن الظلم أو الباطل…».[24] ومرد هذا الفهم الصحيح للآية الكريمة أن كلام الناس يكون حقًا أحيانًا، ويكون باطلاً أحيانًا أخرى، والأمر بالعدل أمر بألا يكون الكلام إلا بالحق، فهذا هو مراد الشارع من الآية. وفي قوله تعالى ﴿ولو كان ذا قربى﴾ نهي عن التعصب لقريب أو التعصب على بعيد، ونهي عن الميل مع صديق أو على عدو، بل الواجب هو التسوية في الحق بين الناس لأن ذلك هو العدل الذي أمر الله به.[25]
  12. ولأن واجب القيام بالعدل، أو بما يوجبه العدل من حق للغير لا يسقط عن المسلم في أي حال كان، ولأن الإنسان قد لا يستطيع القيام بالواجب منه على الوجه الأكمل فإن القرآن الكريم لم يأمر بالعدل الكامل التام في كل حال، بل أمر بما يمكن منه عندما يكون الوصول إلى تحقيقه كاملا غير مستطاع. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء:129]. فالعدل الذي تنفي هذه الآية إمكانه هو العدل المطلق الكامل، الذي يسوي فيه الرجل بين زوجاته في الأقوال والأفعال والمحبة والمعاشرة، وغير ذلك من صور التعامل بين الرجل ونسائه.[26] وعبّرت الآية الكريمة بــــ ﴿لن﴾ للمبالغة في نفي إمكان العدل التام، وعلل ذلك ابن عاشور بأن «أمر النساء يغالب النفس، لأن الله جعل حُسْنَ المرأة وخُلُقَها مؤثرًا أشد التأثير، فرب امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهن في ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتًا في محبة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصًا على إظهار العدل بينهن، فلذلك قال ﴿ولو حرصتم﴾. وأقام الله ميزان العدل بقوله: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ أي لا يُفْرِطْ أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهن حتى يسوء الأخرى بحيث تصير كالمعلقة».[27] وقد نهى الله تعالى عن الميل كل الميل، لأن ترك الجور كل الجور في وسع الرجل، فليكن الميل بقدر، وليتجنب ما يعد منه جورًا تصبح معه إحدى الزوجتين – أو الزوجات – كالمعلقة.[28]
  13. ومع أن العدل الكامل غير مستطاع – بصريح النص القرآني – فإن القدر الممكن منه واجب على الزوج إعمالا لقاعدة التكليف بالوسع.  والعدل في أداء حقوق الزوجة الواحدة – حال عدم التعدد – واجب وجوبه بين الزوجات المجتمعات إذا تعددن. فلا يجوز للرجل أن يميل عن زوجته ميلا يعد ظلمًا لها ولو لم يبلغ بها أن تكون كالمعلقة. فإن من واجب الأزواج البرُ بالزوجات وإحسان الصلة بهن وهذا بعض معنى قول الله تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء:34]، فإن القوَّام هو القائم على الشيء بما يصلحه. وليس الإصلاح أن يظلمها أو يميل عنها أو يقصر في حقوقها.  فإن «من الحب حظًا هو اختياري، وهو أن يَرُوضَ الزوج نفسَه على الإحسان لامرأته، وتحمل ما لا يلائمه من خَلْقِها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتى يحصل من الإلف بها والحُنُوَّ عليها، بطول التكرر والتعود، ما يقوم مقام الميل الطبيعي».[29] وهذا أحد المواضع التي استنبطت منها القاعدة القائلة: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».
  14. وأمر الله سبحانه أن يكون العدل أساس الحكم في جزاء قتل الصيد عمدًا في الحرم ﴿… فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة…﴾[المائدة:95]. والحكمان من ذوي العدل – في هذا المقام – يجب أن يَجْمعا، إلى العدالة الذاتية، المعرفةَ بقيمةِ الصيد الذي قتله المُحْرِم لأنه ليس كل عدلٍ يعرف ذلك. وما يحكم به الحكمان يكون ملزمًا للمحكوم عليه.[30]
  15. وفرض الله – تبارك اسمه – القيام بالعدل بين المسلمين وأعدائهم ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾[المائدة:8]. والشنآن هو البغض، أو شدته، فنهى الله تبارك وتعالى عن ترك العدل الواجب على المؤمنين بسبب البغضاء بينهم وبين غيرهم. ثم أكد سبحانه وجوب العدل في كل حال بجملة ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار.[31]
  16. وقد جمع القرآن الكريم بين الأمر بالعدل الخاص والأمر بالعدل العام في آية واحدة هي قوله تعالى في شأن قتال البغاة من المسلمين: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات:9]. فبعد أن تبغي إحدى الطائفتين على الأخرى يأتي الأمر بالإصلاح بينهما بالعدل. والمراد به العدل الخاص في شأن الخسائر التي لحقت بكل فريق إذ تفاوتها يوجب النظر الذي يراعي تحقيق العدالة لكل منهما. والفئة التي خضعت للقوة وألقت السلاح تكون شاعرة بانتصار الفئة الأخرى عليها، كسيرة الخاطر لهزيمتها، فأوجب الله تعالى على المسلمين أن يستعيدوها إلى الجماعة ويشعروها بأخوة الإسلام لئلا يورث القتال بينها وبين الطائفة الأخرى بغضاء ذميمة، أو شحناء مستكنة، يستثيرها أدنى مثير فينشب القتال من جديد.
  17. ثم بعد هذا العدل الخاص أمر ربنا – تبارك اسمه – بالعدل العام بقوله ﴿وأقسطوا﴾ ومؤداه أن يعدل المسلمون في كل أمورهم، وزاد الترغيب فيه بقوله ﴿إن الله يحب المقسطين﴾. فالعدل العام واجب في كل حال، والعدل الخاص واجب عند وقوع ما يقتضيه، فلا تنفك الأمة، أو الجماعة المسلمة، عن أن تكون على حال في العدل دائمة لا يسوغ لها التحلل منها أو التغاضي عن النزول على حكمها.[32]
  18. ويلفت النظر في الآيتين الكريمتين، من سورة المائدة وسورة الحجرات، أن القرآن الكريم قدم في إحداهما ذكر القسط على العدل، وقدم في الثانية ذكر العدل على القسط. وقد يلوح للمتأمل أن المغايرة في الصيغة يترتب عليها مغايرة في المعنى ولابد. لكن الصحيح أن اللفظين بمعنى واحد في كلام العرب وفي الاستعمال القرآني، وما التقديم والتأخير في النظم القرآني إلا أداة من أدوات البلاغة المعجزة لهذا الكتاب العزيز.
  19. وقد ورد لفظ القسط ومشتقاته منفردًا مرادًا به العدل في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾[آل عمران: 18]. وأهل التفسير متفقون على أن ﴿بالقسط﴾ تعني بالعدل.[33]  قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور «والقسط: العدل… وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نظمها، وفي تقدير بقاء الأنواع، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل: لدفع ظلم بعضهم بعضًا، وظلمهم أنفسهم، فهو القائم بالعدل سبحانه، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله».[34]
  20. وذهب الشيخ ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله…﴾[النساء:135]، إلى أن القسط هو العدل، غير أن القسط كلمة معربة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحكم، وأما لفظ العدل فأعم من ذلك.[35]ومقصود الآية أمر المؤمنين بالشهادة بالحق – وهو العدل – على أنفسهم بحقوق الغير، وعلى والديهم أو الأقربين بما يلزم أيًا منهم من حقوق لغيره، وذكر الأبوين لأنهما أحب الخلق، في العادة، إلى الإنسان، وذكر الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا  شهد المرء بما على نفسه وبما على هؤلاء المقربين إليه من حقوق للغير كان أحرى أن يشهد على الأجنبي من الناس حيث ينتفي داعي كتمان الشهادة أو تغيير وجه الحق فيها.[36]
  21. ومن تلك الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿… وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾[الأنعام:152]. ومثله قوله سبحانه في سورة هود ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾[هود:85]، ومثل ذلك في الآية (35) من سورة الإسراء، وفي الآيتين (181) و(182) من سورة الشعراء، وفي الآية (9) من سورة الرحمن. ودلالة هذه الآيات، في تكرارها، على أهمية العدل في العلاقات التجارية، من بيع وشراء ونحوها لا تخفى، إذ في مثل ذلك يكثر الطمع والتغابن والتطفيف، فنبه الله – تبارك اسمه – على خطورة ذلك وعلى أهمية اتباع العدل في تلك المعاملات ونظائرها، وفاءً بالحقوق لأصحابها وتوقيًا لأكل مال الناس بالباطل الذي تَفسدُ به الدنيا، وتُمحقُ به البركة، وهذا كله مخالف لمقصود الله تعالى في إحقاق الحق وإبطال الباطل.
  22. ولعل أجمع آية في وجوب حمل الناس على العدل هي قوله تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد:25].  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله تعالى وحقوق خلقه. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ فمن عَدَلَ عن الكتاب قوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد رُوي عن جابر بن عبد الله t أنه قال: «أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا – يعني السيف – من عَدَل عن هذا – يعني المصحف -».[37]  ومذهب بعض أهل التفسير في هذه الآية أنها خبر عن إرسال الرسل وإنزال الكتب وشَرْعِ العدل (=القسط) وتعليم صناعة السلاح ليحاربَ به من عاند، ولم يهتد بهديْ الله، فلم يبق له عذر.[38] والقسط في هذه الآية هو العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور، لأن القسط يقتضي إجراء أمور الناس كلها على ما يقتضيه الحق، فهو عدل عام. أما العدل الذي يقتضيه ذكر الميزان فهو مختص بالفصل بين متنازعيْن في كل منازعة على حدة.[39]
  23. والآية رقم (25) من سورة الحديد، مثلها مثل الآية رقم (9) من سورة الحجرات، تذكر كل منهما عدلين: عدلا عامًا وعدلا خاصًا، في تنبيه، لا يخطؤه النظر، من القرآن الكريم على وجوب العدل في كل حال وتحريم الجور في كل مجال. ولذلك قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرفاتها بأن مقصدها أن يكون للأمة ولاة يسوسون مصالحها، ويقيمون العدل فيها وينفذون أحكام الشريعة بينها… وقد أشار إلى هذا قوله ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط…﴾ [الحديد:25]… ومقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء كلها على الجملة أن يشتمل على ما فيه إعانة على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي… وقد ظهر أن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغه الحقوق إلى طالبيها، وذلك يعتمد أمورًا: أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه، والعدالة» وهي «الوازع عن الجور في الحكم والتقصير في تقصِّي النظر في حجج الخصوم؛ فإن القضاء أمانة ولذلك قرنه الله بالأمانات في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[النساء:58]».[40]
  24. وقد نصت الآيات المذكورة آنفًا على العدل في جميع مجالات الحياة، جليلها وصغيرها، ليتبين أولو الألباب أن العدل – باعتباره مقصدًا قرآنيًا – يجب تحقيقه في كل علاقة بين طرفين، نُصَّ عليها في القرآن الكريم أم لم ينص؛ فوجوبه بين الرجل وأهله، وبين الحاكم والمحكومين، وفي كتابة الديون والإشهاد على الوصية، والإشهاد على الطلاق، ووجوبُه في القول وجوبَه في العمل… كل ذلك دليل يقاس به ما لم يُنَصَّ عليه من أفعال الناس وأقوالهم وعلاقاتهم وتصرفاتهم، من حيث وجوب العدل فيه، على ما نص عليه القرآن بخصوصه.
  25. وينبغي التنبه إلى أن الاحتفاء بمفهوم العدل في القرآن الكريم لا يتبين من تتبع مواضع ورود الألفاظ الدالة عليه وحدها، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة دالة على وجوب العدل دون أن تكون متضمنة كلمة (العدل) أو (القسط)، أي إن هذه الآيات تدل على مقصد العدل، وكونه من مقاصد القرآن الكريم، بطريق الإشارة أو الإيماء دون طريق العبارة الصريحة اللفظ. مما يقتضي تأمل القرآن الكريم كله، فإن كثيرا من آياته التي لا تتضمن تلك الألفاظ تدل بمؤداها على كون العدل مقصدًا قرآنيا أساسيًا. تأمل، إن شئت، قول الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًأ﴾[البقرة:143]. والوسط: السواء والعدل والنصف.[41]
  26. ومن أمر القرآن الكريم بالعدل، دون إيراد لفظه أو لفظ مرادف له، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا﴾ [النساء:9]. ودون خوض في تأويلات المفسرين، من القدامى والمحدثين، لمعنى هذه الآية، فإن الذي يعنينا منها هو تفسير القول السديد. قال الطبري: «والسديد من الكلام هو العدل والصواب»[42] وكذلك قال القرطبي، ثم قال: «وقيل المعنى قولوا للميت قولا عدلا»،[43] أي في حال احتضاره.
  27. وأحكام الميراث مبناها كلها على العدل في قسمة المال الموروث بين مستحقيه، وهو عدلٌ لو أنفق أهل الأرض فيه أعمارهم ما هم ببالغيه، وكفى دليلا لصحة ذلك قول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾[النساء:11]. وذهب الطبري إلى أن معنى هذه الآية الكريمة أن الله تعالى «لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي عليه من مواضع المصلحة في البدء والعاقبة».[44]
  28. ومن هذه الآيات قوله سبحانه في شأن النساء ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾[البقرة:231]. وقوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ [البقرة:232]. وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ [النساء:19]. وقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾[النساء:20].
  29. وتأمل، كذلك، الآيات الكريمة الدالة على التوسط في الأمور المذكورة فيها، من مثل قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسُطها كل البسط فتقعد ملومًأ محسورًا﴾ [الإسراء:29]، وقوله ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنْسَ نصيبك من الدنيا﴾[القصص:77]، وقوله سبحانه ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:67]. فهذه الآيات، ونظائرها، تدل على معنى العدل وإن لم يرد فيها لفظه أو لفظ مرادف له.[45]
  30. ونظائر هذه الآيات الكريمة كثيرة جدًا في القرآن الكريم، وهي مفرقة في مجالات متعددة، الأمر الذي يدل على أن مقصد العدل مقصد محيط، في التشريع القرآني، بأحكام العلاقات الإنسانية كافة. ولينظر من شاء في أحكام الزواج والطلاق والميراث والوصية، والبيع والشراء، والحدود والقصاص فإنه يجد مدار الأمر فيها على العدل ومناط النهي فيها هو الظلم. وهذا قاطع في اعتبار العدل مقصدًا قرآنيًا يُتحرى ويُتبع ويُؤمر به ويُنهى عن ضده، وهو الظلم، في أي نوع من أنواع العلاقات الإنسانية.[46]

*نُشر هذا البحث على الموقع الإلكتروني لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي.

[1] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة 2010، ج3 ص 1423. والمواضع التي أريد بها غير المعني المذكور هي: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾[البقرة 48 و123]، فالمراد هنا الفدية؛ ﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾[المائدة:95]، والآية فيمن قتل الصيد وهو محرم والمراد صيام أيامٍ تساوي قيمة الصيد المقتول، وللعلماء في تحديد تلك الأيام أقوال عدة، انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، ط دار ابن حزم، بيروت 1423هــ / 2002م عند تفسير الآية؛ ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾[الأنعام:70]، أي إن تَفْدِ النفسُ الكافرةُ يوم القيامة بكل فداء لا يقبل منها؛ ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾[الأنعام:1]، أي يشركون بأن يُسووا بين الله تعالى وبعض خلقه. ومما يخرج عن معنى العدل الذي هو ضد الظلم -ولم يذكره- قوله تعالى ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك[الانفطار:7]، فمعناه جعلك أيها الإنسان معتدلا سَوي الخلْق.

 

[2] الدامغاني، السابق، الموضع نفسه. وهو يرى أن العدل في قوله تعالى:﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى… ﴾[النحل:90]، يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد، ص 80.

 

[3] هذا العدد لا يشمل مواضع ورود لفظ (العدل) ومشتقاته حيث قصد به معنى آخر.

 

[4] محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس 1997، ج3 ص 101 و105.

 

[5] الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فنيَّ الرواية والدراية من علم التفسير، دار ابن حزم ودار الورّاق، بيروت 2000، ص 255؛ وابن عطية، المحرر الوجيز، دار ابن حزم، بيروت 2002، ص 259.

 

[6] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 93-95، وص 224 في تفسير الآية 135 من سورة النساء.

 

[7] الشوكاني، فتح القدير، السابق، ص 391.

 

[8] راجع، في تقريب هذا المعني، كتابيْ الأخ العلامة الدكتور أحمد الريسوني: مقاصد المقاصد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت، ومركز المقاصد للدراسات والبحوث، الرباط، الطبعة الثالثة 2014؛ والذريعة إلى مقاصد الشريعة، دار الكلمة، القاهرة 2015.

 

[9] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله التركي، دار عالم الكتب، الرياض 1434هــ / 2013، ج14 ص 334.

 

[10] المصدر نفسه.

 

[11] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي، القاهرة 1387هـــ / 1967م (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، ج10 ص 160.

 

[12] فتح القدير، السابق، ص 969.

 

[13] ابن عطية، السابق، ص 111.

 

[14] ابن عاشور، التحرير والتنوير، السابق، ج 14 ص 255.

 

[15] المصدر نفسه، ص 254.

 

[16] الشوكاني، السابق، ص 971.

 

[17] القرطبي، السابق، ص 165.

 

[18] فتح القدير، السابق، ص 1585,

 

[19] تفسير الطبري، ج20، ص 486.

 

[20] تفسير القرطبي، ج 16 ص 13.

 

[21] انظر تفسير الآية في: ابن عاشور، السابق.

 

[22] ابن عاشور، السابق، ج28 ص 309 وفي مقتضى صيغة الأمر: هل هو للوجوب أم للندب، وهل يشمل الفراق والرجعة أم يقتصر على الرجعة وحدها؟ خلاف فقهي لخّصه ابن عاشور في هذ الموضع.

 

[23] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 114، في تفسيره لآية سورة البقرة 282.

 

[24] ابن عاشور، السابق، ج8، ص 166-168. وكلامه نفيس فراجعه.

 

[25] الشوكاني، السابق، ص 556.

 

[26] ابن عطية، السابق، ص 487.

 

[27] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 218. والمعلقة التي ليست أيمًا ولا ذات زوج.

 

[28] الشوكاني، السابق، ص 421. والقصد بعبارة «ترك الجور كل الجور في وسع الرجل» هو أن بعض الجور ملازم لعدم استطاعة العدل الكامل بين النساء، فكانت الرخصة فيما لا يمكن التخلص منه مما لا تصبح مضارة المرأة معه كاملة أو مؤذية لها بمثل إيذاء المعلقة.

 

[29] ابن عاشور، المصدر نفسه، الموضع نفسه.

 

[30] ابن عاشور، السابق، ج7 ص 47؛ الشوكاني، السابق، ص 493.

 

[31] ابن عطية، السابق، ص 508؛ الشوكاني، السابق، ص 450.

 

[32] ابن عاشور، السابق، ج26 ص 240؛ الشوكاني، السابق، ص 1662.
[33] ابن الجوزي، زاد المسير، المكتب الإسلامي، بيروت، 1384هــ / 1964م، ج1 ص 362؛ الشوكاني، السابق، ص 274؛ ابن عطية، السابق، ص 284.
[34] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 187.
[35] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 225. والمقصود بأنها كلمة معربة أنها نقلت إلى العربية من كلمة just الإنجليزية ونظيراتها في اللغات الأوروبية الأخرى. وتأمل ما ذكرناه في الحاشية رقم 53 الآتية.
[36] الشوكاني، السابق، ص 422.
[37] ابن تيمية، السياسة الشرعية، دار الشعب، القاهرة 1969، ص 26؛ وقرب: الشيخ محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار القلم، القاهرة 1964، ص 466. وحديث جابر رواه سعيد بن منصور في سننه، القسم الثاني من المجلد الثالث، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت د.ت، رقم 2935 ص 335 وقد أورده ابن تيمية بصيغة التمريض (رُوي) إشارة إلى ضعفه عنده. والصواب أن الكلام ليس لجابر t ولكنه لرجل ممن كانوا خرجوا على عثمان t قاله يسوِّغُ به خروجه. وهو هكذا في المستدرك يرويه جابر عن هذا الخارج على عثمان t وصحح الحاكم رواية جابر وتابعه الذهبي. راجع المستدرك، الحديث 5939، ط دار الفكر، تحقيق دكتور محمود مطرجي، بيروت 1422 / 2002، ج4 ص 151.
[38] ابن عطية، السابق، ص 1828.
[39] ابن عاشور، السابق، ج27 ص 415. وقارن ما نقلناه عنه في تفسير الآية (135) من سورة النساء في الفقرة رقم (27) من هذا البحث. فقد ذهب هناك إلى خصوص القسط وعموم العدل، وهو هنا يقول بالعكس، أو هكذا يبدو والله تعالى أعلم.
[40] باختصار في مواضع النقط من: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، السابق، ص 495-503. وهو في الطبعة التي حققها الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة ج3 ص 518-529.
[41] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق 1423ه / 2002م، ص 869.
[42] الطبري، جامع البيان، ج6 ص 453.
[43] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5 ص 52 و53، وهذا القول الثاني المراد به أن يقال ذلك عند احتضار الشخص فتكون تسميته «ميتًا» بحسب المآل، وشرح القرطبي القول العدل بأنه تلقين الميت «لا إله إلا الله» بأن يقولها الحاضر عنده بحيث يسمعه إياها ولكن لا يأمره بقولها. وفي الآية أقوال أخرى لكن ما نقلناه عن الطبري والقرطبي هو الصواب إن شاء الله.
[44] الطبري، السابق، ص 473؛ وانظر: القرطبي، السابق، ص 75.
[45] لفتني إلى هذه الآيات ودلالتها سؤال أوردته الابنة الأستاذة أمل العشماوي في أثناء تعليقات المشاركين في الدورة الثانية لمقاصد القرآن الكريم بعد تقديم هذه الدراسة.
[46] راجع: دكتور علي الزوبي، السابق، ص 67.

لا يجهل باحث في أصول الفقه، ولا في مقاصد الشريعة، ولا في سماحتها، عظم قدر رسالة «تعليل الأحكام: عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد» للشيخ العلامة محمد مصطفى شلبي، فهي مرجع لا غنى عنه، فضلا عن كونها أول مؤلف يحمل هذا الاسم في التاريخ الإسلامي، وللأمر دلالة. بل قد صارت الرسالة علمًا يشار إليه دون حاجة إلى تعيين اسم كاتبها، فيقول المؤلفون: قال صاحب «تعليل الأحكام»، كأنما صار هذا لقبًا جديدًا له. لكن الرسالة، على عظمتها – فهي من درر مؤلفات الشيخ – إن أوفت الشيخ قدره عالمًا فلن توفه القدر إنسانًا ومعلمًا. لذا كتبت هذه الترجمة، تعريفًا بالشيخ الذي صاحبته أعوامًا متواصلة، بلغت ثمانية وثلاثين عامًا، فما رأيت منه إلا إجلالًا للعلم وتواضعًا مع طلابه.

قصة صاحب الرسالة

ولد الشيخ محمد مصطفى شلبي في السبت الموافق 14 شعبان 1328هـ (20 أغسطس/آب 1910م)، بقرية ميت عفيف، التابعة لمركز الباجور، بمحافظة المنوفية. وكعادة أهل ذلك الزمان، التحق بكتاب القرية، وأتم حفظ القرآن سنة 1340هـ (1923م)، ثم التحق بمعهد القاهرة الأزهري، وواصل دراسته الأزهرية على المذهب الحنفي حتى حصوله على شهادة العالمية سنة 1356هـ (1937م). ليجتاز بعدها الامتحان التمهيدي المؤهل لإعداد رسالة للحصول على «العالمية من درجة أستاذ»، التي سينالها بالفعل عن رسالة «تعليل الأحكام».

عقب التخرج، عمل الشيخ مدرسًا للفقه والأصول في معهد الزقازيق الديني، فلما خلت درجة وظيفية في كلية الشريعة نقل إليها مدرسًا سنة 1366هـ (1947م)، وانتدب للتدريس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1373هـ (1953م)، ثم عين أستاذًا مساعدًا، فأستاذ كرسي الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة 1390هـ (1970م).

تعاقد بعدها فضيلته مع المعهد العالي للقضاء الشرعي سنة 1392هـ (1972م) للعمل أستاذًا، ثم مع جامعة بيروت العربية للعمل أستاذًا في كلية الحقوق سنة 1393هـ (1973م). إلى أن عاد إلى مصر سنة 1400هـ (1980م) أستاذًا متفرغًا للشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، وعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية (هيئة كبار العلماء) بالأزهر الشريف، وهي العضوية التي نالها سنة 1390هـ (1970م). استمر رحمه الله في أداء مهام وظيفته في جامعة القاهرة، وممارسة واجبات عضويته في مجمع البحوث الإسلامية، إلى أن توفي يوم الخميس 18 من ربيع الآخر 1418هـ (21 أغسطس/آب 1997م).

أذكر من مواقف الشيخ الشجاعة، في الدفاع عن الشريعة الإسلامية، أن اللجنة المعنية بمناهج كليات الحقوق كانت قد أعدت دراسة لتقليص مناهج الشريعة الإسلامية، وإلغاء أصول الفقه، وحدّدَ موعد الاجتماع الخاص ببحث هذه المسألة صبيحة إلقاء الرئيس جمال عبد الناصر خطابه الشهير بعد نكسة يونيو/حزيران 1967م. كان الشيخ قد أعدّ مذكرة مفصلة تناهض ذلك التوجه، فبدأ كلامه بالتحذير من مخالفة توجه الدولة الذي عبر عنه الرئيس بقوله: «لابد من العودة إلى الدين». قال لهم: كيف تواجهون رئيسًا هذا رأيه بإلغاء منهج أصول الفقه الإسلامي؟ فلم يجد بعد ذلك حاجة لعرض مذكرته، فقد وافقوا فورًا، وبالإجماع، على بقاء المناهج كما هي، ولا تزال كما هي حتى كتابة هذه السطور.

جدير بالذكر أن الشيخ قد تتلمذ على كبار شيوخ الأزهر في عصره، واختص بالتلمذة للعلامة الشيخ عيسى منون، شيخ رواق الشوام، وعميد كلية الشريعة، وقد كان الشيخ عيسى – الشافعي المذهب – مثلًا احتذى به الشيخ، رحمه الله، في التفرغ للعلم والتعليم.

قصة الرسالة

أما قصة رسالة «تعليل الأحكام»، بإيجاز، كما سمعتها من شيخي أكثر من مرة، وكما ذكر في المقدمة المعنونة بـ«قصة هذه الرسالة»، التي وضعها للطبعة الثانية، الصادرة عن دار النهضة العربية بيروت، سنة 1981، أنه لما عزم على نيل العالمية من درجة أستاذ، استعرض موضوعات كثيرة ليختار منها موضوعًا لرسالته، لكن الاختيار استعصى عليه، حتى كاد اليأس يتسرب إلى نفسه، فترك التفكير في المسألة، وفوّض أمره إلى الله داعيًا إياه أن يهديه إلى ما يذهب حيرته.

كان ذلك في أول شهر رمضان سنة 1361هـ (1942مـ). وقبل أن ينقضي الشهر، رأى نفسه في المنامه يدخل مكتبة كلية الشريعة، فيجد فيها حشدًا من الشيوخ والطلاب، وإذا بأمين المكتبة ـ وكان رحمه الله شيخًا وقورًا – يسرع إليه ويناوله كتابين: أحدهما مطبوع والآخر مخطوط، ويقول له: «خذ هذين الكتابين من مراجع رسالتك»، فقال له الشيخ: «إنني لم أختر موضوع رسالتي بعد». فأجابه الأمين: «رسالتك في تعليل الأحكام». يقول الشيخ: «استيقظت بعد هذه الرؤيا وأنا في حيرة مما رأيت: هل هي رؤيا أم مجرد خاطر نفسي؟ وسرعان ما استبعدت الثاني لأنني لم أكن أفكر في موضوع الرسالة، ولا خطر ببالي هذا الموضوع من قبل». ثم يكمل قصة الرسالة، مسميًا إياها بـ«الكتاب»، وقد صرح بتأسيه في ذلك بالإمام الشافعي الذي لم يسم رسالته الأصولية إلا بهذا الاسم، رحمهما الله تعالى.

ومن طريف ما لم ينشر من «قصة هذه الرسالة»، ما حدثني به الشيخ، أنه عند تقديمها إلى كلية الشريعة، لتحديد موعد المناقشة، ظلت بين أيدي أعضاء اللجنة المكلفة بمناقشتها سنة أو تزيد ـ ولم يكن ذلك معهودًا آنذاك ـ وأنهم اجتمعوا مرات عدة، وكان رأي غالبيتهم أن ترد الرسالة إلى صاحبها، بينما رأت أقلية منهم، أو بالأحرى فرد منهم، أنها رسالة يجب أن تجاز، وإلا فليكتبوا أسبابًا مقنعة لردها. فلما لم يجدوا شيئًا يسوّغ ما يريدون، ناقشوها في 20 من ربيع الأول 1364هـ (4 أبريل/نيسان 1945م)، لتنال أول تقدير «امتياز» في تاريخ كلية الشريعة، وخرج الشيخ من الكلية محمولًا على أعناق الطلبة، بعد مناقشة استمرت ساعات طويلة.

انتشرت رسالة «تعليل الأحكام» في مختلف أرجاء العالم، منسوبة إلى صاحبها أحيانًا، ومنتحلة أحيانًا أخرى، في جرأة بلغت بأحدهم درجة انتحالها كاملة بعنوانها في إحدى كبريات الجامعات داخل مصر. كما انتحل أحد كبار الشيوخ الجامعيين بحثه المعنون بـ«الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية»، وحين أطلعت الشيخ شلبي على البحث المنتحل منشورًا في إحدى كبريات المجلات الثقافية العربية، منسوبًا إلى هذا الشيخ، في عام 1388هـ (1968م)، لم يزد أن قال: «يا بني: فائدة العلم أن ينتفع به».

أيام مع الشيخ

بدأت صلتي بالشيخ في أول محاضرة لي طالبًا في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية سنة 1389هـ (1959م)، ولم تنقطع إلا بوفاته. إذ اعتدت صحبته في أيام السبت والأحد والاثنين – وهي الأيام التي كان يقضيها بالإسكندرية – من الكلية إلى الفندق الذي يقيم فيه، وكان يأبى أن أحمل عنه حقيبته أو أوراقه، ويقول لي: «صاحب الشيء أولى بحمله». كان يكرر هذه العبارة حتى ظننتها حديثًا نبويًا يتأسى به، وقد شغلني الأمر حتى بحثت عنه في كتب الحديث فلم أجده. وفي اللقاء التالي مباشرة، هممت أن أحمل حقيبته، وأنا أخبره بروح الفتى المنتصر أن عبارته الشهيرة ليست بحديث، فنظر إلي باستغراب وتهكم، وقال لي: «هو حدّ قال لك إنه حديث!». يومها أدركت أن صنيعه كان حسن خلق وتواضعًا ذاتيًا. كما لم أره مرة يسمح لأحد بتقبيل يده، بل كان يأبى ذلك بشدة، ويدعو لمن يحاول فعله، إرضاءً له، حتى لا يتوهم الناس أنه يفعلها أنفة فيظلمونه.

صاحبت الشيخ أعوامًا متواصلة بلغت – كما قلت – ثمانية وثلاثين عامًا، لم تقطعها الأسفار، فقد كنا نتكاتب في أثنائها مرتين أسبوعيًا، وكنت أسافر في سنوات الدراسة من الإسكندرية إلى القاهرة، في شهور الإجازة الصيفية، في كثير من أيام الخميس والجمعة، لأصحبه فيهما في بيته بحدائق شبرا، ثم في بيته بالدقي، إلى وفاته رحمه الله. وقد عهد إلي في العامين الأخيرين من حياته بحفظ أمواله، وأوصاني بتوزيع تركته بعد إخراج ثلثها في وجوه برّ معينة، وقد فعلت ذلك بفضل الله ونعمته.

ولشيخنا فتاوى كثيرة مكتوبة، لم تنشر بعد، وله بحوث قدمها إلى مجمع البحوث الإسلامية، الذي كان من أقدم أعضائه، أسأل الله أن ييسر لي جمعها ونشرها بإذنه تعالى. رحم الله شيخنا محمد مصطفى شلبي أوسع رحمة، وأجزل له المثوبة عنا، وعن آلاف لا تحصى من طلبة العلم الذين درسوا على يديه في الجامعات أو انتفعوا بمؤلفاته.

من أعمال الشيخ محمد مصطفى شلبي المطبوعة:

  • تعليل الأحكام: عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد.
  • المدخل لدراسة الفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه.
  • أحكام الأسرة في الإسلام: دراسة مقارنة بين فقه المذاهب السنية ومذهب الشيعة الإمامية.
  • أحكام الوصايا والأوقاف في الفقه الإسلامي.
  • أحكام المواريث.
  • الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية.
  • تطبيق الشريعة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين.
  • الاستحسان في الفقه الإسلامي وعلاقته بالتشريع.
    _______________________________________
    *نٌشر هذا المقال على موقع إضاءات بتاريخ 12 مارس 2018.