تدرس المقالةُ المهامَ التشريعية والقضائية للفقهاء وكيف قاموا بها في البنية الدستورية أو القانونية الأعم. بينما تأثرت التجربة الباكستانية بالنموذج الإيراني لمشاركة الفقهاء في التشريع، اتخذت مصرُ طريقًا مختلفًا، فلم تعطِ أي دور رسمي للفقهاء مع اعتراف غامض بالتشريع الإسلامي. قد يأخذ الدورُ التشريعي شكلَ إدخال فقهاء إلى المجلس التشريعي، أو تشكيل لجنة مكوّنة جزئيًا من الفقهاء، أو إحالة مهمة تشريعية ما إلى مؤسسة فقهية. وعلى الرغم من أن الأسلمة كانت استجابةً لمطالب شعبية، إلا أنها وظّفت آليات استبداية وتسلطية. حاول مشروع الأسلمة استبدال فئة الفقهاء المبرّزين مجتمعيًا بلجان مُعيّنة أحال إليها التقنين الإسلامي. لذلك، طُعِن في التجربة من جهة مدى كفاءتها أو إسلاميتها، لكنها لم تنتهِ أبدًا إلى تأسيس محاكم شرعية إسلامية أو تشريعات “رجال دين” في مصر.
مدخل
إن إشكالية التكوين الدستوري الحديث ودور العلماء([1]) المسلمين في دول الأغلبيات المسلمة يمثلان وسيلة لمعرفة الموقع التقليدي لهؤلاء العلماء؛ وهم يمارسون عملهم في موقع أسميه “المجال ماوراء الدستوري”. تقدّم التجارب الدستورية المختلفة في العالم الإسلامي أمثلةً متنوعة على الكيفية التي يتم بها التعامل مع العناصر الإسلامية والعلماء المسلمين. ونعطي هنا مصر اهتمامًا خاصًا باعتبارها حالة للدراسة، بينما يتم التعرض للبلاد الأخرى التي تحمل سمات مشابهة كباكستان في بعض الأقسام([2]).
يتناول البحث أربع إشكاليات في أربع أقسام. فأولًا، تستكشف المقالة السياق الدستوري الحالي للعالم الإسلامي والعربي، والمراحل المبكرة من الدستورية الإسلامية. ثانيًا، يشرح دور العلماء المسلمين في الأنظمة الدستورية ووضع الدساتير. سيناقش البحث أيضًا دور العلماء في مساحتين اثنتين: التشريع والحكم القضائي. ويناقش القسم الثالث المواد الدستورية الإسلامية مع تركيز خاص على المادة الثانية من الدساتير المصرية الأخيرة. ثم ينتقل إلى إشكالية سلطة التفسير ويختم بالتطبيق القضائي للشريعة الإسلامية في مصر.
النظام الدستوري الحالي
يحاول هذا القسم عرض بدايات النظام الدستوري الحديث في البلاد الإسلامية والعربية. لقد شهدت هذه التجارب الدستورية المبكرة تأثيرًا وحضورًا قاطعًا للفقه والنصوص الإسلامية. وتناقش الصفحات التالية التكوين الدستوري ودور الإسلام في البلدان الإسلامية، وكذلك تأثير التجارب الدستورية الحديثة المبكرة على وضع الإسلام الحالي في هذه البلاد. ستمثل الحالة المصرية موضع تركيز النصف الثاني من هذا القسم، مع الأخذ في الاعتبار التطور السابق في الإمبراطورية العثمانية وأثر العوامل المتنوعة على صنع النظام الدستوري المصري الحالي.
السياق الدستوري
أصدرت الإمبراطورية العثمانية خلال فترة التنظيمات، أي عام 1839م، وثيقة دستورية أولى باسم الخط الشريف ضَمِنَت الحرية الدينية والمساواة في جميع أراضيها (Rafeq, 2005:11; Roder, 2011:325). وبعد عقدين، أي عام 1857م، اتبعت تونس الخطى العثمانية وأصدرت وثيقة مماثلة كانت كإعلان حقوق إنسان باسم عهد الأمان. كان من المفترض أن يكون الإعلان بمثابة استجابة لنداءات الإصلاحيين التونسيين ممن ظلوا يطالبون بصورة أكثر جوهرية بالحكم المقيد بدلًا من الحكم المطلق (Roder, 2011:325).
زاد عهد الأمان التونسي من رغبة الإصلاحيين في الضغط على حكومة الباي من أجل سياسات تشاركية، مما أدى بالفعل عام 1861م إلى قانون الدولة؛ “أول دستور في بلد عربي … يؤسس لمـَلَكية دستورية …” (Roder, 2011:325). أسس الدستور مجلسًا أعلى شارك الملك في بعض المسئوليات، وسمح كذلك ببعض المحاسبة. إلا أن هذه التجربة الدستورية كانت قصيرة العمر (1861-1864م) (N. J. Brown, 2002:16-19).
لقد أيد المفكر التونسي خير الدين باشا (ت. 1890م) -والذي كان أبو دستور 1861 التونسي- أسلوب الحكم المقيد عبر إيراد نصوص إسلامية، واستنتج أن السياسة التشاركية والتفويض السياسي وحدهما اللذان يتوافقان مع شرط الحكم الإسلامي (al-Tunisi, 1868:15–18; S. A. Arjomand, 2007:116; N. J. Brown, 2002:19–20).
وكان ابن أبي الضياف (ت. 1874م) محررًا مؤثرًا آخر من محرري هذا الدستور. إذ رفض في كتاباته الحكم المطلق سواء كان دينيًا أو سلطانيًا، وقدّم الحكم التشاركي باعتباره إسلاميًا، مؤيدًا أطروحته بنصوص واستدلال إسلامي. ففي رؤية ابن أبي الضياف، الحاكم مسئول أمام الله (أي أمام شرع الله ممثَّلًا بالشريعة الإسلامية)، ومسئول أمام الأمة التي تشهد وتوقّع “العهد” (العقد) بينهم وبين الحاكم. (S. A. Arjomand, 2007:116; Bin Diyaf, 2005:15–66). ويختم بأنه “إن نكث السلطان بعهد، يجتمع الناس في بلاطه، ويمثل اجتماعهم هذا نذيرًا بخلعه عن العرش” (S. A. Arjomand, 2007:116; Bin Diyaf, 2005:66).
وفي مركز الإمبراطورية العثمانية، دفعت طموحات شبيهة إلى إثارة مسألة وضع دستورٍ للدولة؛ من ثمّ عيّن السلطان لجنةً نخبوية مكوّنة من قادة عسكريين وسياسيين ودينيين لتحرير للدستور، والذي تم إصداره عام 1876م تحت اسم القانون الأساسي. وكالحالة التونسية أيضًا، استمر الدستور في العمل لمدة سنتين فقط. ومع ذلك، أصبح دستور 1876م العثماني “أساسًا لكتابة معظم الدساتير العربية في القرن العشرين” (N. J. Brown, 2002:20-26).
وكخير الدين باشا وابن أبي الضياف، أيّد نامق كمال (ت. 1888م) أحد أبرز محرري الدستور العثماني عام 1876م وجود حكومة مقيّدة بنوعٍ ما عبر الفصل بين السلطات ودعم أطروحته بنصوص واستدلالات إسلامية. دافع كمال عن دستور 1876م واعتبره متوافقًا بشكل كامل مع الشريعة (S. A. Arjomand, 2007:116).
قد تمثّل هذه الفترة بدايةً لما أسماه سيد آرجوماند المرحلة الأولى من الدستورية الإسلامية؛ أي الإسلام باعتباره قيدًا على الحكم والتشريع (S. A. Arjomand, 2007:115). لم تكن المهمة هي إعادة بناء النظام ليكون “خاضعًا للشريعة”. لكن لم يكن يعني ذلك أن الإسلام كان منفصلًا عن الواقع أو غير ذي أهمية، بل كان الأمر يبدو وكأن الشريعة من المفترض اجتماعيًا وسياسيًا أنها مسئولية الأمة بأكملها، وأن النظام لا يحتاج إلا رقابة إسلامية شعبية، وليس بناءً إسلاميًا شاملًا من الأساس (pp. 115-116; kamali, 2011:31; Roder, 2011:323). ووفقًا لآرجوماند، كانت المرحلة الثانية عندما أصبح الإسلام أساسًا للنظام بأكمله، كما بدا في الدول المسلمة ما بعد الفترة الاستعمارية. في هذه المرحلة، كان الافتراض هو أن يكون أساس النظام يقذّم مشروعًا شاملًا يعيد بناء النظام بالكامل وفقًا للإسلام (p. 115). كانت المرحلة الثالثة هي عودة “الدستورية الإسلامية الخالية من الأيديولوجية” عندما عادت فكرة الحكومة المقيّدة. فالقانون ليس “إسلاميًا” صِرفًا، بل إن الإسلام هو مجرد عنصر هام و”مصدر” واحد للتشريع من بين مصادر أخرى (p. 115)([3]).
يقدّم روديجر ولفرام تقسيمًا آخر يبحث فيه الدستورية الإسلامية أساسًا عبر آثارها القانونية والسياسية. فالدول المسلمة تختلف بين من يدعمون اعترافًا رمزيًا بالإسلام لكن بآثار محدودة، وعلى الجانب الآخر من يدعمون التزامًا أكثر جوهريةً بالشريعة الإسلامية “يعكس فيه تنظيمُ سلطة الدولة وعملُها إقرارًا عميقًا بالإسلام” (Wolfrum, 2011:79).
لقد استجابت الأنظمة الدستورية الحالية في العالم الإسلامي لظروف بلادها الخاصة، واتخذت مسارات مختلفة، لكن يمكن المقارنة بينها نسبيًا([4]). فقد أثّرت التجربة الدستورية العثمانية على العديد من البلاد الإسلامية وكانت ملهمةً للعديد منها في الهيكل والمضمون. يهتم القسم التالي بمصر باعتبارها حالةً دراسية تأثرت بسياق بلاد إسلامية ناقشناها في القسم السابق، وكانت بدورها تجربة مهمةً أثّرت على بلاد أخرى.
الإطار الدستوري في مصر
كانت أول وثيقة شبيهة بالدستور في مصر الحديثة هي اللائحة الأساسية عام 1882م، والتي كانت نتيجة للثورة العرابية، لكن سرعان ما ألغاها الخديو توفيق، وأصدر بدلًا منها القانون النظامي عام 1883م. وتحت الاحتلال الإنجليزي، وضع هذا القانون النظامي السلطات في يد توفيق وألغى فكرة وجود مجلس تشريعي منتخب. وقبيل الحرب العالمية الأولى، روجِع القانون النظامي عام 1913م ومُنح المجلس التشريعي سلطةً مقيّدةً جدًا، إلا أن التجربة انتهت عام 1915م (N. J. Brown, 2002:26–41; Farahat & Farahat, 2011:100–115; Hamad, 2012:2)([5]).
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، نشأت حركة قومية من الوفد الذي تفاوض مع البريطانيين حول الاستقلال المصري. أصبحت الحركة حزبًا قوميًا باسم “حزب الوفد” تحت قيادة سعد زغلول. ترجم الوفد سخط المصريين على الاحتلال الإنجليزي إلى تعبئة شعبية أدت إلى ثورة 1919م. وبعد فشل مفاوضات مكثفة، اعترف البريطانيون منفردين باستقلال مصر لتكون ملكيةً عام 1922م، وأدت هذه الخطوة إلى صياغة دستور 1923م. منح الدستور بعض السلطة للبرلمان إلا أنه منح الملك اليد العليا من خلال قدرته على حل البرلمان (Botman, 1991:25–55; N. J. Brown, 2002:36–41; Farahat & Farahat, 2011:109–115; Hamad, 2012:2–3; Roder, 2011:343).
وفي عام 1952م، قاد بعض “الضباط الأحرار” ثورةً وأصدروا إعلانًا دستوريًا ألغوا فيه الملكية الدستورية وأنشأوا جمهورية. وبحلول عام 1971م، كان قد تمت خلال عهد جمال عبد الناصر (ت. 1970) صياغة ثلاثة دساتير كانت جميعها تخدم الحكومة وتتسم بانعدام المساءلة القانونية والدستورية (N. J. Brown, 2002:78–85; Farahat & Farahat, 2011:115–131). أصدر أنور السادات (ت. 1980م) دستور عام 1971م في محاولةٍ منه لإبعاد الجمهورية عن السياسات الاشتراكية ودمج بعض العناصر الإسلامية في البنية الدستورية، كما سنرى في أقسام قادمة. برهن هذا الدستور على أنه طويل العمر (من 1971 حتى 2011م) وأدخل عناصر جديدة إلى الهيكل الدستوري المصري. كانت المادة الثانية والمحكمة الدستورية العليا من بين هذه العناصر التي لا زالت قائمةً حتى اليوم، والتي سنناقشها في مواضع مختلفة.
عَكَسَ دستور 1971م بعد تعديله عام 2007م نيةَ من قاموا بصياغته لإضفاء الصبغة الدستورية على أعمال غير دستورية. ويعني ذلك أن الإجراءات والمواد الدستورية تم استخدامها لتبرير غايات تكون عادةً غير دستورية في النظم الديمقراطية([6]). وعلى الرغم من أنه يبدو ديمقراطيًا من الناحية الدستورية، إلا أن هذا الدستور ألقي عليه اللوم لأنه أسس لنظامٍ تسلطي ودعم يد السلطة التنفيذية الطولى والحزب الحاكم الذي استمر حاكمًا لعقود في مصر (Bernard-Maugiron, 2011:373-374). جعل الدستور منصب الرئيس بالانتخاب (المادة السادسة والسبعون)، وأكد أن نظام الدولة “نظام تعددي” (المادة الخامسة)، وأعلن أن “السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات” (المادة الثالثة) (الدستور المصري لعام 1971م، المواد: 76، 75، 73).
منذ 1971م حتى 1979م، كان مفترضًا أن التشريع من اختصاص مجلس الشعب حصرًا، إلا أنه في الواقع كان جمال عبدالناصر هو المشرِّع الفعلي. ومن عام 1979 حتى 2014م، تم إدخال غرفةٍ تشريعية أخرى ذات مهام استشارية أكثر من كونها تشريعية باسم “مجلس الشورى”. ففي 1979م، أسفر استفتاء عن إدخال مجلس الشورى ليكون غرفةً عليا للهيكل البرلماني القائم. والسلطة القضائية مقسّمةٌ بين محاكم إدارية وجنايات ومدنية ، و أخيرًا ولكن أكثر أهمية: محاكم دستورية.
المحكمة الدستورية العليا
كانت الصورة الجنينية الأولى للمحكمة الدستورية العليا هي المحكمة العليا التي أسسها مرسوم رئاسي عام 1969م في محاولة من نظام عبدالناصر لضبط السلطة القضائية والقضاء على ميولها الاستقلالية. وبذلك، مُنحت المحكمة العليا السلطة الحصرية للرقابة القضائية، وكانت تتحكم فيها السلطة التنفيذية من خلال التعيينات وتنظيم المحكمة وإجراءاتها وهيكلتها (Moustafa, 2007:65-67).
استحدث دستور 1971م الشكل الحالي للمحكمة الدستورية العليا. يشرح الدستور سلطات المحكمة في المواد 174 حتى 178. وشددت المادة 175 على أن المحكمة تملك حق المراقبة القضائية عندما أقرّت أنها “تتولى دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وتتولى تفسير النصوص التشريعية …” (دستور مصر 1971م، جزء من المادة 175). رغم هذه المادة، لم تتأسس المحكمة فعليًا حتى عام 1979م للإشارة إلى إيمان الرئيس السادات بالاستثمار في النمو الاقتصادي لمصر وتطبيق فكرة الانفتاح الاقتصادي. فبتأسيس المحكمة، أراد السادات أن يؤكد للمستثمرين الأجانب أن مصر يحكمها القانون، وأنهم يمكنهم التمتع بالاستقرار. ووفقًا لمصطفى تامر وناثان براون وكلارك لومباردي، كانت المحكمة تتمتع باستقلال معتبر (N. J. Brown, 2002:83; Grote, 2011:222; Lombardi, 2006:141–145; Moustafa, 2007:57–89).
تتمثل سلطة المحكمة الرئيسية في أنها المرجع الحصري للفصل بين تفسيرات التشريعات المتنازعة، والحَكَم النهائي في النزاعات القضائية حول الاختصاص، وكانت مشرّعًا سلبيًا من خلال ممارسة سلطة الرقابة أو المراجعة القضائية (Lombardi, 2006:145; Moustafa, 2007:79–80). مارست المحكمة أيضًا دور حارس البوابة، إذ يجب على أصحاب الدعاوى أن يقيموا الدعاوى أمام المحاكم الدنيا أولًا، لكي تصرّح لهم هذه المحاكم الدنيا برفع الدعوى أمام المحكمة الدستورية العليا (Grote, 2011:232; Lombardi, 2006:145; Moustafa, 2007:80–81)([7]).
تتشكل المحكمة من أحد عشر قاضيًا بمن فيهم رئيس المحكمة، تسمّيهم الجمعية العامة للمحكمة ويعتمدهم الرئيس (Hirschl, 2003:2-3). ولم تغير هذه العملية الكثير فيما يخص سلطة المحكمة أو سير أعمالها أو تعييناتها([8]).
وبعد عرضٍ مختصر للإطار الدستوري، ستعرض الأقسامُ التالية التشريعَ الإسلامي في الهيكل الدستوري كي نفهم موقع العلماء ووظيفتهم في التكوين الحالي.
التقنينات الإسلامية في مصر الحديثة
ترمي مناقشة التقنينات الإسلامية في مصر إلى تصوير الكيفية التي تم بها تصوير الإسلام في الدولة عبر التقنينات، نتيجة وجود مفهوم ضمني عن الحق في التشريع. وعلى الرغم من أنها تأثرت بالأعمال الفقهية، إلا أن التقنينات سهّلت من الانفصال عن قانون الفقهاء.
كانت المجلة العثمانية أحد أكثر مسودات التشريعات الإسلامية المقننة تأثيرًا. كان هذا التقنين المكوّن من ستة عشر فصلًا مقدمةً من المفترض أن تتلوها تقنينات مشابهة في ميادين قانونية أخرى ليتم إصدارها باعتبارها قانون الأراضي. وألهم التقنين مشروعات مشابهة في دولٍ إسلامية مختلفة (Arjomand, 2007:123–124; Chambers, 1972:42–44; Goadby, 1939; Lombardi, 2006:70–74; Peters, 2002:87–89).
صدر تقنين مشابه في مصر بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر على يد قدري باشا -ناظر حقانية سابق- وعُرف بتقنين قدري (Peters, 2002:89–90; Qadri Pasha, 1893). وفي فترة ما بعد عرابي (بعد عام 1882م)، أرادت الحكومة المصرية تبني التقنين كي تقنع القوة المحتلة بحداثتها، إذ إنها ظلت من الناحية القانونية تابعةً للإمبراطورية العثمانية، لكنها كانت مستعمرةً من الناحية الواقعية (Lombardi, 2006:61–71). وبعد ذلك، تم تجاهل مشروع قدري بشكل كامل، إلا أن فكرة القانون المدوّن كانت قد انتشرت.
وصف رادولف بيترز هذا التحول نحو التقنينات بأنه تحول من قانون الفقهاء إلى القانون الوضعي (Layish, 2004; Peters, 2002:81). وعند لومباردي، بدأت مصر في فترة التقنين قانونًا معلمنًا (أي: محوّلًا نحو العلمانية) (Lombardi, 2006:60–71)([9]). وبنهاية ثورة 1919م، لم تتبنَّ النخب المصرية النافذة مشروع الأسلمة، بل دعمت تقنينات ومدارس علمانية، أدت -وفقًا للومباردي- إلى “إضعاف قبضة العلماء على النظرية القانونية” (Lombardi, 2006:72).
ويرى لومباردي أن مصر قد وصلت إلى نقطة إجماع على ضرورة امتلاك قانون وضعي، بحيث يجب أن تكون جميع القوانين الحاكمة -إسلاميةً أو مدنية- مفروضة ومدوّنة (Lombardi, 2006:60–63). إذ لم يعارض الجمهور -باستثناء العلماء وقواهم الاجتماعية- القوانين الوضعية. تمثلت بعض تحفظات العلماء في أن الفقهاء المسلمين التقليديين يجب أن يُسمح لهم بأن يكونوا أكثر انخراطًا في مناقشة القوانين والتشريعات وصياغتها (pp. 62-72). وكان آخرون معارضين بشكل أعمق لوجود قانون مدوّن لأن ذلك سيمهد طريق العلمنة (Layish, 2004:100–102; Peters, 2002:89–91)([10]).
قام مشروعٌ وحيدٌ بمحاولة حل معضلة القوانين المعلمنة هذه من خلال تقديم بديل يقوم على المتطلبات الإجرائية للقوانين المدونة، وفي نفس الوقت يعكس مضمون الفقه الإسلام. كان ذلك هو المشروع الذي قام عليه عبد الرزاق السنهوري (ت. 1971م) الذي كان أحد أهم المنظرين القانونيين في العالم العربي في القرن العشرين.
دعا السنهوري في النصف الأول من القرن العشرين إلى تشكيل لجنة تشرف على تدوين قانون إسلامي شامل يناسب مختلف البلاد الإسلامية (Hill, 1987; Layish, 2004:90–91; Lombardi, 2006). لكنه أخذ على عاتقه وضع هذه التقنينات، وكان القانون المدني نتاج عمل السنهوري مع آخرين.
وفي رد فعل على مشروع السنهوري في الأربعينيات، قاوم علمانيون وإسلاميون التقنين على حد سواء، إذ رفضه العلمانيون لأنه كان إسلاميًا جدًا بينما رفضه العلماء والإسلاميون لأنه لم يكن إسلاميًا بمافيه الكفاية!. ونظر العديد إلى المشروع باعتباره تلفيقًا فاشلًا. وشك الإسلاميون والعلماء في أن مشروعات التقنين ستقصي دور العلماء التقليدي (Lombardi, 2006:109–132). إلا أن دور العلماء لم يكن واضحًا من الأصل، أو على الأقل لم يكت مُتفقًا عليه.
سيناقش القسم التالي المسارات المختلفة التي اتخذتها البلاد المسلمة الحديثة فيما يخص دور العلماء، سواء في التشريع أو القضاء أو خارج أجهزة الدولة بالكلية.
دور العلماء في مؤسسات الدولة
بعد عرض السياق الدستوري للنظم الحالية في البلاد المسلمة، سيناقش هذا الجزء دور العلماء في التكوين الدستوري بالتركيز على حالة مصر.
سيبدأ هذا القسم ببحث المهمة التشريعية للفقهاء المسلمين وكيفية قيامهم بها في الهيكل الدستوري أو القانوني العام. ثم سأناقش انخراطهم في القضاء، سواءً الوضعي أو الشرعي. وسأختم هذا الجزء باختبار فكرة الدستورية الثيوقراطية ومشروعات الأسلمة الدستورية، والتركيز على الكيفية التي لعب بها العلماء دورهم.
الفقهاء في التشريع
سيبحث هذا القسم المهمة التشريعية للفقهاء المسلمين في الدولة المسلمة الحديثة. استلهمت التجربة الباكستانية النموذج الإيراني السابق عليها من انخراط الفقهاء في المجالس التشريعية. بينما اتخذت مصر مسارًا مختلفًا عبر عدم الاعتراف بأي دور رسمي للفقهاء المسلمين باعتبارهم فقهاء، مع اعتراف غامض بالفقه الإسلامي في التشريع. قد يأخذ الدورُ التشريعي شكلَ إدخال فقهاء إلى المجلس التشريعي، أو تشكيل لجنة فيها فقهاء، أو إحالة مهمة تشريعية ما إلى مؤسسة فقهية.
كان من المتوقع أن يتم أخذ آراء الفقهاء المسلمين -أي من يعبرون عن الشريعة ويفسرونها- في الاعتبار عند فهم وتطبيق القانون. لكن الكيفية التي يتم بها التعامل مع هذه الآراء في الدول ذات الأغلبية المسلمة اختلفت من دولة إلى أخرى، بل من فترة إلى أخرى ونظام إلى آخر (Fadl, 2011:48; Feldman, 2008:28–74).
استلهمت التجربةُ الباكستانية في النصف الثاني من القرن العشرين ومحاولتها إدماج الفقهاء في التشريع نظيرتَها الإيرانية. فقد قاد الفقهاء في إيران الجماهير إلى الانتصار أثناء الثورة الدستورية (1906-1911م) وأثّروا بشكل واضح على الوضع الدستوري بعد ذلك (S. Arjomand, 2011:147–150; S. A. Arjomand, 2007:117–119; Bayat, 1991:123–143). وكان أحد المطالب الرئيسية هو وضع كل تشريعات البرلمان تحت رقابة كبار الفقهاء. تم دمج شرط موافقة الفقهاء على التشريع هذا في القانون الأساسي المكمل الذي تبناه البرلمان الإيراني عام 1907م (S. Arjomand, 2011:168; S. A. Arjomand, 2007:118, 125)، وأُسنِدت مهمة الرقابة على التشريع إلى لجنة من خمسة فقهاء على الأقل كي يمر أي مشروع قانون في البرلمان.
وباستلهامها للنموذج الإيراني، شملت عملية بناء الدولة الباكستانية بعض عناصر انخراط العلماء في وضع الدستور وإقرار التشريعات. ففي 1949م، شكّلت الجمعية التأسيسية الباكستانية لجنة من العلماء المسلمين للتعامل مع الفقه الإسلامي (Ahmad, 1972:260–261). وفي الخمسينيات، طرح بعض العلماء الباكستانيين ضرورة تأسيس لجنة يناط بها فحص موافقة التشريعات للإسلام، إلا أن الفكرة أثارت معارضةً شديدة. وعام 1955م، ألغت اللجنة التأسيسية أي ذكر للجنة الفقهاء من التقرير النهائي للمبادئ الأساسية (Kennedy, 1992:3; Zaman, 2010:88). فلم تنجح محاولة إدماج العلماء في عملية التشريع الرسمية في باكستان لأسباب عدة؛ من أهمها فيما يخصنا هنا هو “الرفض السني التقليدي للكهنوتية” (Skovgaard-Petersen, 2013:279).
وبعد أكثر من ثلاثة عقود وتغير العديد من النظم، شكّل رئيس وزراء باكستان نواز شريف عام 1991م لجنةً من أعضاء البرلمان والمحامين والعلماء لصياغة مشروع قانون إسلامي يستهدف تسهيل “تطبيق الشريعة”، وتم تمريره في البرلمان وأصبح قانونًا. إلا أنه وفقًا لتشارلز كينيدي، كان تطبيق هذا القانون محدودًا. فقد لعبت القيود الدستورية دورًا كبيرًا في تقليل أثره، بالإضافة إلى حدود الاختصاص التي وضعتها المحكمة الباكستانية العليا أمام تطبيقه (Kennedy, 1992:12).
على عكس باكستان، ترجع التجربة المصرية فيما يخص دور العلماء المسلمين في التشريع إلى القرن التاسع عشر. فعندما كانت مصر جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، كان دور شيخ الإسلام مألوفًا في مراقبته للقرارات لجعلها تعكس الفقه الإسلامي. أثّر نظام الفحص الفقهي هذا على مصر، وشكّل فهمها المبكر للتشريع. وفي محاولات تحويل التنظيم نحو القانون الوضعي في أواخر القرن التاسع عشر، تم تعيين العديد من الفقهاء من مذاهب عدة لفحص القوانين وإسلاميتها، على الرغم من أنه لم يكن واضحًا ما السلطة التي يملكونها، أو إن كانت قراراتهم مُلزِمةً أم استشارية (Lombardi, 2006:55–66)([11]).
ولعقود، ظل العلماء لاعبين رئيسيين، إلا أنهم لم يكونوا في موقع تشريعي ثابت. وفي الثلاثينيات، تحالف العلماء مع الملك فؤاد (ت. 1936م) لتقديمه خليفةً في مقابل الضغط عليه ليتبنى نهجًا يأخذ العلماء في الاعتبار عند التشريع. دعمت حركة مصر الفتاة السياسية مشروع العلماء من أجل الرقابة على القوانين وفكرة أن يفحص فقهاء أزاهرة القوانين للتأكد من اتساقها مع تفسيرهم للشريعة (Lombardi, 2006:103–104).
تراجع دور العلماء التشريعي في المجال الرسمي قبل بداية السبعينيات، لعوامل عدة؛ كان من أهمها عداء نظام عبد الناصر لأي خطاب إسلامي يرى فيه “حركة رجعية” قد تعوق الإصلاحات الاشتراكية التي يقوم بها النظام. لكن المزاج “الإسلامي” للسادات أحيا المطالبات الداعية لدمج الفقهاء في التشريع. ففي 1976م، شكّل الأزهر لجنةً كانت ستقترح إصلاحات تشريعية تضمن اتساق القوانين مع الفقه الإسلامي. وهي خطوة دعمتها أكبر جماعة إسلامية؛ جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أن الاقتراحات كانت مؤثرة، إلا أن اللجنة لم تكن سلطة تشريعية رسمية، ولا تم دمجها في البرلمان (Lombardi, 2006:126–127).
وفي عام 1980م، وبعد تصويت برلماني أقر ضرورة تعديل القوانين وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية، أصدر رئيس لجنة مقترحات الإصلاح تقريرًا يقضي بأن المقترحات تتضمن النظر في النصوص الإسلامية بما فيها القرآن والسنة وآراء أئمة وعلماء المسلمين في الاعتبار (Lombardi, 2006:134–135, 166). لكن ذكر العلماء هذا لم يحدد إن كان مِن المفترض أن يصبح الفقهاء ضمن لجنةٍ تشريعية ملزمة، أو أن تكون آرائهم المنشورة فقط محل نظر من اللجنة المسئولة عن المقترحات. أرسلت اللجنة مسودات القوانين المعدّلة للأزهر، وأحدثت بعض التعديلات بناءً على ذلك، إلا أن فكرة فحص العلماء للتشريعات اُهمِلت بالكلية تدريجيًا (pp. 135-137).
بشكلٍ عام في مصر، يبدو أن الاستناد إلى العلماء في التشريع استشاريٌ وانتقائيٌ للغاية. فعلى سبيل المثال، عند محاولة إصدار قانون الأسرة المثير للجدل (المعروف بقانون جيهان)، أرسل السادات (ت. 1981م) المسودة إلى المفتي لاختبار مدى اتساقها مع الشريعة الإسلامية. اتخذ السادات هذه الخطوة ربما لعلمه بالطبيعة الخلافية لهذا القانون، لذلك أراد أن يستبق ويحتوي أي معارضة إسلامية للقانون (Lombardi, 2006:170)([12]).
إن القاعدة العامة في مصر هي منع تمكين أي مؤسسة دينية أو كيان إسلامي من أي سلطة دينية أو حكومية رسمية، حتى في أمور الفقه الإسلامي أو تفسير الشريعة. حتى محاولات نقل السلطة التفسيرية إلى الفقهاء كانت إما استشارية تفتقر إلى أي سلطة ملزمة، أو انتقائية في موضوعٍ معين تعلم الدولة مسبقًا نتيجته، وتحتاج فقط إلى ختم الشرعية من الفقهاء (Backer, 2009:169–170).
وتمثّل بلاد المغرب نموذجًا طويل العمر ومثيرًا للاهتمام. إذ لا يوجد مفتون للدولة في المغرب ولا تونس ولا الجزائر، ولا توجد مؤسسة إفتاء إسلامية رسمية تعترف بها الدولة أو تمثل جهازًا من أجهزتها. وعلى الرغم من وجود مجالس إسلامية عليا، إلا أنها ليست مؤسسات الدولة الدينية ولا تملك أي سلطة دينية خاصة على التفسير إلا فيما يخص احترام الناس وتقديرهم لها (K. Brown, 1972:127–148; L. C. Brown, 1972:47–91; Burke, 1972:93–125; Roy, 2011:116).
ورغم أن لومباردي يصف المطالبين بانخراط الفقهاء في التشريع أنهم من المدرسة “التقليدية المحدثة” (Lombardi, 2006:80-97)، يبدو أنه لا يدرك المدرسة الأكثر تقليدية ورسوخًا التي تمتنع عن الانخراط في تشريعات الدولة لأجل أن يبقوا في مساحة إنتاج الفقه المستقل وغير الملزم بشكل خاص. وبالتالي، ينبغي أن يكون وصف “التقليدية المحدثة” أكثر انطباقًا على المجموعات المتنوعة من الفقهاء المستقلين عن الدولة ممن لا زالوا -حتى عند تأسيسهم أو انتسابهم لكيانات إسلامية كما في المغرب وتونس والجزائر- ينتجون فقهًا إسلاميًا مستقلًّا بلا تشريع ولا تحكم من الدولة (Quraishi, 2011:63).
الإسلام في القضاء (الفقهاء في القضاء والمحاكم الإسلامية الشاملة)
استكشف القسم السابق المهام التشريعية أو المحاولات التي سعت إلى تضمين الفقهاء في المجلس التشريعي أو إسناد مهمة تشريعية إلى مؤسسة إسلامية أو لجنة فقهية. وسينظر هذا القسم في المهام القضائية المـُسندة إلى الفقهاء سواء في المحاكم العامة أو المحاكم الإسلامية المعروفة عادةً بالمحاكم الشرعية.
يدعي أحد الباحثين أن البنية السنية في القرون الوسطى عرفت الازدواجية القضائية، حيث يتجاور نوعان من المحاكم في نظام واحد: كان الأول هو نوع يقف فيه القاضي والمحاكم التي يقيمها الفقهاء، والتي يشمل اختصاصها مواضيع متنوعة، إلا القضايا ذات الطابع الإداري. النوع الثاني كان المحاكم الإدارية المحضة، التي يشمل اختصاصها القضايا الخاصة بفرمانات ومراسيم الحكام. ولم يكن القائمون على هذه الأخيرة من الفقهاء (Lombardi, 2006:54)([13]).
تمثل باكستان في العصر الحديث حالةً بارزةً على هذه الازدواجية القضائية في الإسلام السني. مر الفقهاء في المحاكم الباكستانية ودورهم القضائي بمرحلتين؛ الأولى بدأت في السبعينيات واستمرت حتى عام 1980م، إذ كان هناك دوائر شرعية تعمل داخل المحاكم العامة. لم تكن هناك نيابة أو محامون في هذه الدوائر، بل بدا أن الفقهاء يمثلون مايسمى ب”شهود خبراء” أكثر من كونهم قضاةً أو محامين. كان مفترضًا أن تعمل هذه الدوائر باعتبارها كيانات إسلامية استئنافية تفصل في القضايا بالقانون الجنائي الإسلامي. ولكن إن أراد أحد أطراف القضية أن يستأنف، عليه (أو عليها) أن يذهب بالقضية إلى الدائرة الشرعية في المحكمة العليا خلال ستين يومًا. ولا تقتصر هذه الدوائر على الفصل في القضايا وفقًا للقانون الجنائي، بل إنها أيضًا تملك سلطة إبطال القوانين التي تراها غير إسلامية، وهي صلاحية توجد حصرًا في يد المحاكم الدستورية أو العليا في دول سنية أخرى كمصر (Ahmad, 1972:261–267; Grote, 2011:232; Lau, 2005:122–124; Lombardi, 2006:145; Moustafa, 2007:80–81).
عام 1980م، حُلَّت الدوائر الشرعية وتم استبدالها بنظام قضائي إسلامي سُمّي بالمحاكم الشرعية الفيدرالية. باشرت المحاكم حديثة الإنشاء سلطات الدوائر الشرعية بما فيها سلطة الحكم على القوانين بمنافاة الشريعة الإسلامية. يجري الإلزام بأحكام هذه المحكمة على جميع المحاكم الأخرى، ولا يمكن الاستئناف ضدها إلا في المحكمة الفيدرالية العليا (Backer, 2009:164; Lau, 2005:143, 196–147)([14]).
كان التطور الملحوظ في إنشاء المحاكم الشرعية الفيدرالية في باكستان هو اشتمالها على علماء شرعيين في هيكلها. وبعد 1985م، حدث تثبيت رسمي للعلماء في هذه المحاكم من خلال تعديل دستوري اشترط وجود بعض العلماء في المحاكم الشرعية. نص التعديل على أن يكون من بين قضاة المحاكم الشرعية الفيدرالية ما لا يزيد عن ثلاثة من العلماء المتبحرين إلى جنب خمسة من القانونيين (Kennedy, 1992:5; Lau, 2005:130; Zaman, 2010:89–90). وفي الواقع، انتهت أحكام المحكمة الباكستانية العليا – وفقًا لتشارلز كينيدي – إلى تجريد هذه المحاكم الشرعية الفيدرالية من العديد من سلطاتها، وأنكرت عليها “اختصاصها في العديد من المجالات التي تهم الإصلاحيين الإسلاميين فيمايتعلق بنظامهم القانوني الباكستاني المقترح” (Kennedy, 1992:5).
وفي ماليزيا، أسس النظام القضائي محاكم شرعية إلى جانب المحاكم العليا والمحاكم الفيدرالية. لكن يمكن للمحكمة العليا أن تتجاوز المحاكم الشرعية وتقبل استئنافات على أحكامها، على عكس المحاكم الفيدرالية التي لا يمكنها الفصل في القضايا المرتبطة بالشريعة الإسلامية. ولذلك، وعلى الرغم من الوظائف الغامضة التي تقوم بها المحاكم الشرعية خارج مساحات قانون الأسرة، تشرف المحكمة العليا العلمانية على النظام القضائي بأكمله بما فيه المحاكم الشرعية. فعلى عكس باكستان، حيث العلماء قضاةٌ كغيرهم، أو السعودية حيث كل القضاة في المحاكم العامة من العلماء أو خريجي الكليات الشرعية، لا يبدو أن ماليزيا تشترط أمرًا كهذا (Backer, 2009:174; Esmaeili, 2009:33–40; Vogel, 2000:3–165).
يبدو أن تجارب المحاكم الإسلامية هذه أو وجود بعض الوظائف القضائية المـُسندة إلى علماء شرعيين لم تعمل بشكل جيد، أو على الأقل لم تأخذ فرصتها في العمل نتيجة لقيود دستورية أو قضائية عليا. وعلى الجانب الآخر، لم تشهد مصر الحديثة المحاكم الشرعية أبدًا ولم تنظر في أمرها بجدية. قد يكون السبب في تجنب فكرة المحاكم الإسلامية في مصر هو الذكرى السيئة المتعلقة بالمحاكم المختلطة التي ارتبطت دائمًا بالمحاباة والفساد فضلًا عن امتيازات الأجانب وغير المصريين (Sherif, 1998:12–15).
استكشف هذا القسم العلماء ودورهم في القضاء الإسلامي. وعلى الرغم من وجود محاكم إسلامية عاملة، إلا أنها كانت جزءًا من نظام مدني أشمل لم يقتصر على التخفيف من إسلامية النظام، بل حدد أيضًا ماهو الإسلام والقانون الإسلامي. ويقودنا ذلك إلى مناقشة العلمنة في مقابلة الأسلمة في النظم القانونية، ومفهوم الثيوقراطية الدستورية.
السلطة الفقهية والثيوقراطية الدستورية
دائمًا ما يثير النقاش حول دور العلماء الشرعيين في التشريع أو القضاء الخوفَ من الثيوقراطية أو أيٍ من أشكالها. لكن لأن مشروع الأسلمة في الدول ذات الأغلبية المسلمة كمصر لا يتسق مع الفكرة التقليدية عن الثيوقراطية، يحاول مفهوم الثيوقراطية الدستورية أو الدستورية الثيوقراطية تقديم تحليلٍ لهذه الظاهرة الدستورية. يعرض هذا القسم لبعض المفاهيم المرتبطة بالأسلمة الدستورية، ويحاول دراستها ويختم بمشروع الأسلمة ودور العلماء فيه.
بنهاية القرن العشرين، كان هناك انطباع شائع في عالمية القانون الدستوري والدستورية التي تتجاوز البلاد والثقافات. بدا هذا النظام العالمي وكأنه مبدأ الحكم الدستوري الوطني الشرعي الوحيد، والذي يجب على الجميع اتباعه واحترامه. إلا أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بزغ توجهٌ جديد وفهمٌ أكثر تعددية للحكم الدستوري في الدوائر البحثية الأمريكية والعالمية. وكما أرادت المبادئ الدستورية العالمية المتجاوزة محاربة التطرف وإحداث حالةٍ من التناغم الدستوري، أراد التيار الأكثر تعددية وتجزئًا أن يصل إلى الاستقرار ويحارب التعصب بشكل غير تقليدي (Backer, 2009:3–15)([15]).
أحد الاتجاهات الكبرى الجديدة نسبيًا في الحكم الدستوري يقوم على نظام يقبل مبادئ الدستورية الأساسية كوجود الدساتير والفصل بين السلطات وإرادة الشعب، وفي الوقت نفسه يتضمن بعض المبادئ الدينية المحلية. يمثل العالم الإسلامي المسرح الأساسي لهذا النوع من الحكم الدستوري الديني المنتشر. يصف ران هيرشل هذا النظام بأنه “ثيوقراطية دستورية”. فيشير إلى أنه بينما تُركّز الثيوقراطيةُ التقليدية السلطةَ في يد رجال الدين أو المؤسسات الدينية، توجد ظاهرةٌ جديدة من “الثيوقراطية الدستورية” التي يقوم عليها رموز سياسية من غير رجال الدين، ومتفقةً مع القيود الدستورية ولكنها في بعض أجزاءها أو كلها مستوحاة من الدين (Hirschl, 2008:3–4).
وعلى عكس الدرجات المختلفة من الفصل بين الدين والدولة، تتبنى الثيوقراطيات الدستورية دينًا محددًا بشكل رسمي وهيكلي لكل دولة توسف بأنها ثيوقراطية دستورية. وعلى الرغم من وعي هيرشل بالنمط الذي تتبعه بعض الدول الأوروبية في اعترافها بدين واحد في الدستور، إلا أنه يفسر هذا الاعتراف باعتباره كيان جماعي أو قيد اجتماعي في حين أن الثيوقراطيات الدستورية تشترط أن تكون القوانين ملتزمةً دينيًا (Hirschl, 2008:5, 2011:3). ووفقًا لهيرشل، لكي نصف أي نظام بأنه ثيوقراطية دستورية يجب أن تتوفر فيه سمات أربعة: 1) الالتزام بكل الجوانب الضرورية للدستورية الحديثة، 2) وجود دين للدولة تعترف به وتقرّه باعتباره الدين الوحيد المهيمن، 3) التأسيس الدستوري للدين باعتباره مصدرًا للتشريع، 4) وجود علاقة معترفٍ بها دستوريًا بين القضاء والكيانات الدينية ذات نوع معين من الاختصاص في قضايا بعينها (Hirschl, 2008:3, 2011:5).
وبعد استقصاء بلدان مختلفة تمثل ثيوقراطيات دستورية، يميز هيرشل بين تسع مقاربات فيما يخص العلاقة بين الدين والدولة([16]): 1) دولٌ معادية للدين كالشيوعية الملحدة، 2) دول لادينية كفرنسا وتركيا الكمالية، 3) دول النموذج المحايد كالولايات المتحدة، 4) نموذج مخفف من الفصل الرسمي بين الكنيسة والدولة ككندا، 5) اعتراف فضفاض بالدين وتأسيسه باعتباره “دين الدولة” الرمزي كالنرويج والدنمارك وفنلندا وأيسلندا واليونان وقبرص وإنجلترا، 6) هيمنة فعلية لدين ما كإيرلندا ومالطا وبولندا وشيلي وكولومبيا والمكسيك والأرجنتين، 7) استيعاب انتقائي للدين في مساحات قانونية معينة كالهند ونيجيريا، 8) ترسيخ كامل للدين مع وجود جيوب علمانية معينة كالسعودية، 9) نظام مزدوج من الاعتراف بالمبادئ الدينية باعتباره أساسًا للقانون، وبالمبادئ الدستورية العالمية، كباكستان ومصر (S. A. Arjomand, 2007:115; Hirschl, 2008:6–7, 2011:26–54; Jelen, 1993:2–5; Rabb, 2008:531).
ويتفق لاري كيتا باكر مع هيرشل في أن ما سماه الأخير “الثيوقراطيات الدستورية” لا تتوافق مع المبادئ الدستورية العلمانية العالمية. إلا أن باكر يؤكد أن الثيوقراطية ترتبط بالاستبداد، بينما تميل الدستورية إلى تقييد القوة وتوزيع السلطة، مما يجعلها غير متوافقة مع الثيوقراطية (Backer, 2009:120–130). ويوسّع باكر من نقده لهيرشل قائلًا إن هذا الأخير يقلل من دور الدين في بناء القيم، في مقبل أن باكر يؤكد أهمية الدين في بناء نسق كاملٍ من القيم (Backer, 2009:104–105, 127–108). لكن الأكثر أهمية أن باكر يختلف مع هيرشل في فكرة أن “الثيوقراطية الدستورية” هي نموذج معيب من الدستورية في مقابل ما تمثله الدستورية العلمانية العالمية. إذ يقيّم باكر هذه “الثيوقراطيات الدستورية” في نطاقها باعتبارها نظمًا سياسية شرعية (pp. 130-131). فبالنسبة لباكر، تتحقق فيما يسميه هيرشل “الثيوقراطيات الدستورية” قواعد القانون الإجرائية، والقيم الديمقراطية يتم احترامها إلى حد كبير، فلديها العناصر الدستورية الأساسية راسخة. إلا أن مصدر القيم في الدستورية العلمانية مختلف عن نظيره في الدستورية الدينية. ولذلك، سمّى باكر هذه الظاهرة “الدستورية الثيوقراطية” مشددًا على أنها نوع صالح من الدستورية، بدلًا من التشديد على طبيعتها الثيوقراطية كما في مصطلح هيرشل عن “الثيوقراطية الدستورية” (pp. 130-133).
وفي “الدستورية الثيوقراطية” لدى باكر، من الممكن تطوير نظام ملتزم بالمبادئ الدستورية العالمية، مع الحفاظ على بعض عناصر الدستورية الثيوقراطية (Backer, 2009:160)([17]). ويبدو أن باكر أكثر وعيًا بأن التدين التقليدي موجودٌ في الأنظمة العلمانية (pp. 104-105, 108-127). ومع ذلك، يُفرِد الرجلان (هيرشل وباكر) الأديان التقليدية باعتبارها ساحةً معرضةً للثيوقراطية، ويقللان من شأن التدين غير التقليدي بالدين المدني الذي تقوم عليه الدستورية العلمانية العالمية. وعلاوة على ذلك، الدين العلماني أكثر دينية في التعامل مع غير المؤمنين بنظامه وقيمه (Gentile, 2006:16–45). ويمكننا القول إن العقلية الثيوقراطية للأنظمة تامة العلمانية تؤكد على تدينها العلماني؛ وهي عبارة قد تبدو متناقضة إن لم نكن قد رأينا أديانًا سياسية متعددة لم تنشأ من الأديان التقليدية كاليهودية والمسيحية والإسلام بل من مباديء علمانية تمّ التعامل معها بنفس الطريقة الدينية (pp. 16-45).
وقد يشير ما يسميه تيد جيلين بالدول “الحازمة في الفصل” (Jelen, 1993:2–5) والتي يصفها هيرشل بأنها دول “معادية للدين”، بالإضافة إلى “الدول اللادينية” (Hirschl, 2008:6–7, 2011:26–27) إلى ظاهرةٍ دستورية أخرى؛ يمكننا تسميتها “دستورية لاثيوقراطية”. فكما ينفي الإلحادُ الدينَ من نسقه القيمي، تنفي الدستوريةُ اللاثيوقراطية الدينَ -بمعناه التقليدي- من مجالها العام([18]).
يمكن اعتبار تركيا الكمالية مثالًا على هذه الدستورية اللاثيوقراطية في العالم الإسلامي. ففي عام 1928م، وبعد سنوات قلائل من تفكيك نظام الخلافة (الإمبراطورية العثمانية)، أزال نظام مصطفى كمال أتاتورك (ت. 1938م) أي إشارة إلى الإسلام أو الشريعة من الدستور والقانون. وفي المقابل، تم تبني العلمانية، ودخلت كلمة “العلمانية” في دستور 1937م. ومن المفارقات أنه تم تأسيس وزارة علمانية (رئاسة الشئون الدينية) لإدارة الأوقاف الدينية والشئون الدينية المباشرة وفرض خطاب ديني معين يقبله النظام العلماني (Ozbudun, 2011:136–139). وباختصار، وكما يعبر عن ذلك إرجون إزبودان، “تبدو العلمانية التركية نظام دين تتحكم في الدولة، أكثر من كونه فصلًا بين الدين والمؤسسات الدينية” (p. 139). وقد وصلت إلى هذا المستوى عندما جعل نظام 1982م الكمالي العلماني التعليمَ الديني إلزاميًا من أجل تقديم تفسيرٍ تنويريٍ للإسلام، وهي خطوة لم تعارضها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (p. 139). تمثل الحالة التركية نموذجًا لما يسميه أحمد كورو “العلمانية الحازمة” في مقابل “العلمانية السلبية”. تمتلك العلمانية الحازمة خطابًا وتوجهًا دينيًا، أو بالأحرى معادٍ للدين، ضد الأديان التقليدية، وبالتالي يتحكم في تعليمه وحركته. وفي الناحية الأخرى، تمثل العلمانية السلبية ما يسميه البعض الحياد الديني، مع التأكد من عدم ترسيخ الدولة لأي دين (Kuru, 2007:568–572; Ozbudun, 2011:138).
ففي حين أن الدستورية الثيوقراطية والثيوقراطية الدستورية تحاولان تفسير موجة الأسلمة، هناك دستورية معاكسة تميل إلى نفي دينٍ معين، وتتبنى باسم العلمانية خطابات دينية مماثلة ضد إرادة الشعوب. ومما يثبت ظاهرة مناهضة الدين هذه هو الرفض الممنهج للمظاهر الإسلامية باعتبارها جزءًا من الحرب على الثيوقراطية. ويظل السؤال عن كون مشروع الأسلمة يمثل شكلًا من أشكال الثيوقراطية سؤالًا مطروحًا. وسيناقش القسم التالي الأسلمة، وخاصةً آلية التقنين ودور الإسلاميين والفاعلين الآخرين إلى جنب العلماء.
المنافسون على الإسلام من غير العلماء
اتخذ مشروع الأسلمة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أشكالًا عدة، إلا أنها تشاركت في معظمها أفكار الإحيائية الإسلامية التي وسمت هذه الفترة (Lau, 2005:5). ولدى سيد آرجوماند، اتسمت أسلمة هذه المرحلة بـ ” التعامل الأيديولوجي مع الإسلام والدستور كليهما” (S. A. Arjomand, 2007:119). فمثلًا، يصف آرجوماند الأسلمة الباكستانية في الفترة من 1949م حتى 1956م بأنها تحول من نظام الراج القانوني البريطاني الموروث إلى سيادة الله (p. 120). كان من المفترض أن باكستان تتبنى الإسلام وشريعته، لكن لم يكن واضحًا كيف يتم تنفيذ ذلك (Kennedy, 1992:3).
لقد كان هناك خياران لتنفيذ مشروع الأسلمة؛ إما إعلان هيمنة الشريعة الإسلامية وترك تطبيقها للقضاء، أو اتخاذ سبيل التقنين. فضّل تقيّ العثماني -عالم باكستاني نافذ وقاضي سابق بالمحكمة الشرعية- التقنين لأسباب عدة منها ضعف القضاة المحدثين في الفقه الإسلامي. وعلى الرغم من أن تقيّ العثماني اعترف بأن التقنين ليس هو الآلية التقليدية لتعميم الشريعة الإسلامية في العصر ما قبل الحديث، إلا أنه لا زال يرى أن التقنين هو الطريقة المثلى لضمان تطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة الإسلامية الحديثة (Zaman, 2010:93–98)([19]). بدأ العلماء الباكستانيون في التقنين ودعموا مقترحاته باعتباره شكلًا مقبولًا من الأسلمة. ولم يُنظر إلى تقنين الشريعة في باكستان باعتباره يمثل خطرًا على سلطة العلماء الفقهية. ومع ذلك، ظلت الأعمال الفقهية المؤلَفة خارج مؤسسات الدولة ذات تأثير (Zaman, 2010:93–98)([20]).
لقد صيغت العديد من الدساتير الإسلامية في باكستان وأُبطِلت، وتعاقبت أنظمة متنوعة؛ إلا أن وجود الإسلام في القانون كان أمرًا لا جدال فيه. وكان الانقلاب العسكري الإسلامي عام 1977م بقيادة ضياء الحق (ت. 1988م) نقطة تحول نحو التسلطية الإسلامية (Kennedy, 1992). إذ أصدر قرارات بمحاربة الأنشطة غير الإسلامية، وقوانين تجرّم “المذاهب المنحرفة” (S. A. Arjomand, 2007:122). وضع ضياء الحق مع الجمعية الوطنية مخطط التقنين الإسلامي، إلا أنه سرعان ما ضجر من “تقدم الأسلمة البطئ” وحل الجمعية الوطنية بأكملها (Kennedy, 1992:10).
يمثل نموذج ضياء الحق مشروع الأسلمة عبر الاستبداد. فقد تم إصدار تقنينه عبر قرارات رئاسية. وكانت الشريعة المقننة كما قدمها نظام ضياء الحق أداة في يد صاحب السلطة من أجل إحكام القبضة على كل أفرع الحكومة والقطاع الديني. وتحققت محاولة نقل السلطة الدينية من شبكات مجتمعية إلى مؤسسات حكومية عبر تقنين الشريعة الإسلامية ولجانها المعيّنة. وعن باكستان، يشير محمد قاسم زمان:
“لقد عَمِلت الأسلمة أيضًا على إحكام سيطرة الدولة على المجتمع، وتوسعة نفاذها إلى مساحات جديدة وتعميقه، بما في ذلك صور من الحياة الدينية. وعَمِلت أيضًا باعتبارها أداة تقوية سلطة الحكومة الخاصة … (Zaman, 2010:101)”.
وفي مصر، كانت الأسلمة عام 1971م ودستورها أيضًا تغييرًا قام بها نظام السادات الاستبدادي. كان هناك نوعين من الحضور الديني في خطة السادات الإسلامية: مؤسسات العلماء الدينية خاصةً الأزهر، والأحزاب السياسية والحركات “الاجتماعية” الدينية وخاصةً جماعة الإخوان المسلمين. مثّل العلماء السلطة الدينية التقليدية التي حملت الإسلام والشريعة وعلومها عبر التاريخ، في حين نشأت الجماعات السياسية الاجتماعية كالإخوان المسلمين باعتبارها ظاهرةً حديثة تشكلت من إسلاميين عوام. قد تكون الحركات الإسلامية والإسلاميون المعاصرون قد نشأوا من هيكل نظام الأخوّة في الطرق الصوفية في التاريخ الإسلامي. تراوحت العلاقة بين هذين الفصيلين (العلماء والإسلاميون) بين المنافسة على السلطة والتعاون من أجل تعزيز حضور الإسلام في المجتمع.
بينما قد تشكل الحركات الإسلامية تحديًا لدور العلماء التقليدي باعتبارهم حاملي الإسلام، يمكن للإسلاميين أيضًا أن يكونوا لاعبين سياسيًا يساعدون مؤسسة دينية كالأزهر في القيام بدورها الفعال (Ahmad, 1972:257; Crapanzano, 1972:327; Gellner, 1972:307; Hirschl, 2003:2; B. G. Martin, 1972:275; R. Martin & Barzegar, 2010; Skovgaard-Petersen, 2013; Wickham, 2002).
على الرغم من أن الأسلمة في مصر يفترض أن تكون لإحياء الفقه الإسلامي، إلا أنه في الواقع كانت آلية تلك الأسلمة هي الجمع بين إعلان الشريعة الإسلامية من جهة وتقنينها من جهة أخرى وهي الأشياء التي كان يسيطر عليه نظام السادات الاستبدادي ويتحكم فيه. وعلى الرغم من شيوع الفكرة التي ترى أنه كان متعاطفًا مع الاتجاه الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين بالأخص، إلا أن الطريقة التي تمت بها إدارة مشروع الأسلمة كشفت عن شك وارتياب عميقين، فبعد إصدار المسودات الإسلامية المقننة، لم يتسامح النظام مع أي نقد، وخاصةً من الإسلاميين (Lombardi, 2006:116–136; Moustafa, 2000:3–7; Sherif, 2011:125–126). وكان مشروع الأسلمة المصري على المحك عند اغتيال السادات عام 1981م. فبمجرد أن تسلّم الرئيس حسني مبارك السلطة، أُلغيت خطة الأسلمة، ووضعِت القوانين الإسلامية على الرفوف (Lombardi, 2006:136–139).
على الرغم من حقيقة أن مشروعات الأسلمة كانت وفقًا لمطالب شعبية، إلا أنها وظّفت آليات استبدادية وتسلطية خشنة. وحاول المشروع استبدال الطبقة النموذجية من الفقهاء المبرّزين اجتماعيًا باللجان المعيّنة المـُسند إليها التقنين الإسلامي. فلذلك، يطعِن في عمِلِها ومدى إسلاميتها.
خاتمة
تمثل مسألة التكوين الدستوري الحديث ودور العلماء المسلمين في الدول ذات الأغلبية المسلمة طريقةً لاختبار الموقع التقليدي لهؤلاء العلماء. وتقدّم التجارب الدستورية المختلفة في العالم الإسلامي أمثلةً متنوعة على الكيفية التي يتم بها التعامل مع العلماء والعناصر الإسلامية. أخذنا مصر باعتبارها حالةً دراسية، وذكرنا بعض البلدان الأخرى التي تشاركها بعض الخصائص المتشابهة في بعض الأقسام، مثل باكستان.
وبعد استكشاف السياقِ الدستوري الحالي في العالم الإسلامي والعربي، والمراحلِ المبكرة للدستورية الإسلامية، شرح البحث دور العلماء في النظم الدستورية ووضع الدساتير. درسنا دور العلماء في مساحتين؛ التشريع والأحكام القضائية. وعلى الرغم من حقيقة أن مشروعات الأسلمة كانت وفقًا لمطالب شعبية، إلا أنها وظّفت آليات استبدادية وتسلطية. وحاول المشروع استبدال الطبقة النموذجية من الفقهاء المبرّزين اجتماعيًا باللجان المعيّنة المـُسند إليها التقنين الإسلامي، فلذلك يُطْعنُ في عملِها و”مدى إسلاميتها”. _____________________________________________________________________ المراجع
Ahmad, A. (1972). Activism of the Ulama in Pakistan. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 257–275). Berkeley, CA: University of California Press.
Al-Fahad, A. H. (2005). Ornamental constitutionalism: The Saudi basic law of governance. Yale Journal of International Law, 30, 375–395.
al-Kasasbih, H. (2001). Al-Sultah al-Qadha’iyyah fi al-’Asr al-’Abbasi (1st ed.). Abu Dhabi, AE: Zayed Center for Heritage and History.
al-Tunisi, K. A.-D. (1868). Aqwam al-Masalik Li Mu’rifat Ahwal al-Mamalik (1st ed.). Tunis, TN: State’s Publisher in Tunisia.
Arjomand, S. (2011). The Kingdom of Jurists: Constitutionalism and legal order in Iran. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity. Oxford, UK: Oxford University Press.
Arjomand, S. A. (2007). Islamic constitutionalism. Annual Review of Law and Social Science, 3, 115–140. doi:10.1146/annurev.lawsocsci.3.081806.112753
Backer, L. C. (2009). Theocratic constitutionalism: An introduction to a new global legal ordering. Indiana Journal of Global Legal Studies, 16, 85–172.
Bayat, M. (1991). Iran’s first revolution: Shi’ism and the constitutional revolution of 1905–1909. Oxford, UK: Oxford University Press on Demand.
Bernard-Maugiron, N. (2011). Strong presidentialism: The model of Mubarak’s Egypt. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 373–387). Oxford, UK: Oxford University Press.
Bin Diyaf, A. (2005). Consult them in the mMatter: A nineteenth-century Islamic argument for constitutional government (LC Brown, Trans.). Fayetteville, AR: The University of Arkansas Press. (Original manuscript written 1872).
Botman, S. (1991). Egypt from independence to revolution, 1919–1952. Syracuse, NY: Syracuse University Press.
Brown, K. (1972). Profile of a nineteenth-century Moroccan scholar. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious in the Middle East since 1500 (pp. 127–148). Berkeley, CA: University of California Press.
Brown, L. C. (1972). The religious establishment in Husainid Tunisia. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 47–91). Berkeley, CA: University of California Press.
Brown, N. J. (2002). Constitutions in a nonconstitutional world: Arab basic laws and the prospects for accountable government. Albany, NY: SUNY Press.
Burke, E., III. (1972). The Moroccan Ulama, 1860–1912: An introduction. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 93–125). Berkeley, CA: University of California Press.
Chambers, R. L. (1972). The Ottoman Ulema and the Tanzimat. Berkeley, CA: University of California Press.
Crapanzano, V. (1972). The Hamadsha. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 327–348). Berkeley, CA: University of California Press.
Dabash, H., & al-Wazeeri, H. (2011). Al-Masy al-Yawum Tanshur Nas Wathyqat al-Mabadi’ al- Dusturiyyah, news. Almasry Alyoum. Egypt Constitution of 1971.
el-Din, A. K., Hill, E., & Graham-Brown, S. (1985). After Jihan’s Law: A new battle over women’s rights. The Middle East Magazine, 17–20.
Esmaeili, H. (2009). On a slow boat towards the rule of law: The nature of law in the Saudi Arabia legal system. Arizona Journal of International and Comparative Law, 26, 1.
Fadl, K. A. E. (2011). The centrality of Shari‘a to government and Constitutionalism in Islam. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 35–63). Oxford, UK: Oxford University Press.
Farahat, M. N., & Farahat, O. (2011). Al-Tarikh al-Dusturi al-Masri: Qira’ah min Mandhour Thawrat 2011 Yanayir. Beirut, LB: The Arabic House for Sciences.
Feldman, N. (2008). The fall and rise of the Islamic state. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Gellner, E. (1972). Doctor and saint. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 307–326). Berkeley, CA: University of California Press.
Gentile, E. (2006). Politics as religion. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Goadby, F. (1939). The Moslem Law of civil delict as illustrated by the Mejelle. Journal of Comparative Legislation and International Law, 21, 62–74.
Grote, R. (2011). Models of institutional control: The experience of Islamic countries. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 221–239). Oxford, UK: Oxford University Press.
Hamad, M. (2012). The constitutional challenges in Post-Mubarak Egypt. Insight Turkey, 14, 51.
Hamoudi, H. A. (2011). Repugnancy in the Arab World. Willamette Law Review, 48, 427–450.
Hill, E. (1987). Al-Sanhuri and Islamic law: The place and significance of Islamic law in the life and
work of’Abd al-Razzaq Ahmad al-Sanhuri, Egyptian jurist and scholar 1895–1971. Cairo, EG: The American University in Cairo Press.
Hirschl, R. (2003). Constitutional courts vs. religious fundamentalism: Three Middle Eastern tales. Texas Law Review, 82, 1819, 1829–1833.
Hirschl, R. (2008). The theocratic challenge to constitution drafting in post-conflict states. William & Mary Law Review, 49, 1179–1211.
Hirschl, R. (2011). Constitutional theocracy. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Jackson, V. C., & Tushnet, M. V. (1999). Comparative constitutional law. New York, NY: Foundation Press.
Janiwlat, O. (2012). Qwaneen al-Dawlah al-’uthmanyyah. Herndon, VA: The International Institute of Islamic Thought.
Jelen, T. G. (1993). The political world of the clergy. Westport, CT: Praeger.
Kamali, M. H. (2011). Constitutionalism in Islamic countries: A contemporary perspective of
Islamic Law. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 19–35). Oxford, UK: Oxford University Press.
Kennedy, C. H. (1992). Repugnancy to Islam: Who decides? Islam and legal reform in Pakistan. The International and Comparative Law Quarterly, 41, 769–787.
Kuru, A. T. (2007). Passive and assertive secularism: Historical conditions, ideological struggles, and state policies toward religion. World Politics, 59, 568–594.
Lau, M. (2005). The role of Islam in the legal system of Pakistan. Leiden, NL: Brill.
Layish, A. (2004). The transformation of the Shar: From Jurists’ Law to Statutory Law in the Contemporary Muslim World. Die Welt Des Islams, 44, 85–112.
Lichtenstadter, I. (1957). The Muslim woman in transition based on observations in Egypt and Pakistan. Sociologus, 7, 23–38.
Lombardi, C. B. (2006). State law as Islamic law in modern Egypt: The incorporation of the Shari‘a into Egyptian constitutional law (Vol. 19). Leiden, NL: Brill Academic.
Martin, B. G. (1972). A short history of the Khalwati Order. In N. R. Keddie (Ed.), Scholars, saints, and Sufis: Muslim religious institutions in the Middle East since 1500 (pp. 275–306). Berkeley, CA: University of California Press.
Martin, R., & Barzegar, A. (2010). Islamism: Contested perspectives on political Islam. Palo Alto, CA: Stanford University Press.
Moustafa, T. (2000). Conflict and cooperation between the state and religious institutions in contemporary Egypt. International Journal Middle East Studies, 32, 3–22.
Moustafa, T. (2007). The struggle for constitutional power: Law, politics, and economic development in Egypt. New York, NY: Cambridge University Press.
Ozbudun, E. (2011). Secularism in Islamic Countries: Turkey as a model. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 135–147). Oxford, UK: Oxford University Press.
Peters, R. (2002). From jurists’ law to statute law or what happens when the shari’a is codified. Mediterranean Politics, 7, 82–95.
Qadri Pasha, M. (1893). Qanun al-’adl wa-l-insaf Ii-l-qada’’ala mushkilat al-awqaf. Cairo, EG: Al- Matba’a al-Ahliyya.
Quraishi, A. (2011). The separation of powers in the tradition of Muslim governments. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 63–77). Oxford, UK: Oxford University Press.
Rabb, I. A. (2008). “We the jurists”: Islamic constitutionalism in Iraq. University of Pennsylvania Journal of Constitutional Law, 10, 527–579.
Rafeq, A. K. (2005). A different balance of power: Europe and the Middle East in the eighteenth and nineteenth centuries. In A companion to the history of the Middle East (pp. 229–247). Oxford, UK: Blackwell.
Roder, T. (2011). The separation of powers in Muslim countries: Historical and comparative perspectives. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 321–373). Oxford, UK: Oxford University Press.
Roy, T. L. (2011). Constitutionalism in the Maghreb: Between French heritage and Islamic concepts. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 109–121). Oxford, UK: Oxford University Press.
Sherif, A. O. (1998). Overview of the Egyptian judicial system, and its history. In Yearbook of Islamic and Middle Eastern Law (Vol. 5, pp. 3–28). Leiden, NL: Brill.
Sherif, A. O. (2011). The relationship between the Constitution and the Shari‘a in Egypt. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 121–135). Oxford, UK: Oxford University Press.
Skovgaard-Petersen, J. (2013). Egypt’s ’Ulama in the state, in politics, and in the Islamist vision. In S. A. Arjomand & N. J. Brown (Eds.), The rule of law, Islam, and constitutional politics in Egypt and Iran (pp. 279–303). New York, NY: SUNY Press.
Stilt, K. (2010). Islam is the solution: Constitutional visions of the Egyptian Muslim Brotherhood. Texas International Law Journal, 46, 73–108.
Vogel, F. E. (2000). Islamic Law and the legal system of Saud_ı: Studies of Saudi Arabia (Vol. 8). Leiden, NL: Brill.
Wickham, C. R. (2002). Mobilizing Islam: Religion, activism and political change in Egypt. New York, NY: Columbia University Press.
Wolfrum, R. (2011). Constitutionalism in Islamic countries: A survey from the perspective of international law. In R. Grote & T. Roder (Eds.), Constitutionalism in Islamic countries: Between upheaval and continuity (pp. 77–89). Oxford, UK: Oxford University Press.
Zaman, M. Q. (2010). The Ulama in contemporary Islam: Custodians of change. Princeton, NJ: Princeton University Press.
_________________________________________________ الهوامش: *نُشرت هذه المادة على موقع معهد العالم للدراسات بتاريخ 15 مارس 2018، وترجمها إلى العربية محمد صلاح، والدكتور عبدالله العودة باحث سعوديّ، في مرحلة ما بعد الدكتوراه في القانون والحضارة الإسلامية في جامعة ييل. يعتني بمسألة الشريعة والديمقراطيّة في العالم العربيّ، والاستقلال القضائيّ والإصلاح. نشر العديد من الدراسات والمقالات.
([1]) متعلمو الإسلام؛ أي من يملكون فضيلة العلم الشرعي بأشمل معانيها (Britannica.com). ([2]) كان هناك بعض البلدان الواقعة على نفس الخط الجغرافي لمصر كليبيا وتونس، والتي كانت أيضًا جزءًا من ظاهرة الربيع العربي، لكن بنتائج مختلفة. وتُذكر باكستان كثيرًا في هذا البحث لأن بينها وبين مصر العديد من المشتركات غير مجرد كونها دولة مسلمة وذات أغلبية مسلمة. فكليهما يمتلك بنية دستورية متشابهة، وقضاء دستوري شبه مستقل؛ وتمتلكان تنوعًا قويًا في العلماء والإسلاميين النشطين جدًا. موطن التشابه الثالث هو أن كليهما لديه جيش قوي تحكّم في السياسة وقام بالعديد من الانقلابات. والموطن الرابع أن مصر وباكستان مرتا بمشروعات أسلمة وتقنين متشابهة، وتشتركان في بعض المواد الدستورية الإسلامية المتشابهة. انظر: Lichtenstadter (1957:23–25). ([3]) لم تكن هذه المراحل متتالية، لأن في مصر على سبيل المثال كانت مرحلة الإسلام باعتباره مصدرًا وليس المصدر أسبق من المرحلة الثانية. إذ إن الرئيس السادات قد عدّل المادة الثانية من الدستور المصري عام 1980م. ([4]) يرى ناثان براون أن الهياكل الدستورية التونسية والعثمانية المبكرة كانت استراتيجية من الحكام لمناشدة ود القوى الغربية والتحالف معهم وإضعاف خصومهم المحليين، وجيرانهم المنافسين. ثمّ سمّى بعض الأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي بأنها “دساتير في عالم غير دستوري” (N. J. Brown, 2002:16–29). ([5]) يبدو أن السيد حمد يشير ضمنًا إلى أن التجربة الدستورية المصرية بوصفها متفرّدة ورائدة دستوريًا في المنطقة. إلا أن تونس المجاورة كان لديها دستور منذ 1861م، وكذلك الدستور العثماني الذي حكم معظم البلاد العربية تمت صياغته عام 1861م. وكلاهما تأسس قبل عقود من اللائحة الأساسية الأولى في مصر عام 1882م والتي كانت أول تجربة دستورية مصرية. ([6]) انظر لأجل الإجراءات الدستورية بدون حكم دستوري: Jackson and Tushnet (1999:219–220, 244–215). وانظر لأجل حالة مصر والعالم العربي: N. J. Brown (2002:97–111). وانظر كذلك أطروحة عبد العزيز الفهد المثيرة التي تتمثل في أنه على الرغم من أن القانون السعودي الأساسي غير ديمقراطي، إلا أنه أمين في ذلك، إذ أنه لا يدّعي تمثيل “الإرادة العامة” أو أي حكم دستوري ديمقراطي رسمي (al-Fahad, 2005:7). ([7]) حاول الإخوان المسلمون في خطابهم عن سيادة الشريعة الإسلامية تقديم مقترح بتوسيع تفسيرهم للشريعة في الدستور، والسماح لأي شخص بالطعن في أي قانون يراه غير إسلامي (Hamoudi, 2011:12[FT44]; Stilt, 2010:98–101). ([8]) تنص مادة 193 من دستور 2014 على أن “تؤلف المحكمة من رئيس، وعدد كاف من نواب الرئيس. وتؤلف هيئة المفوضين بالمحكمة من رئيس، وعدد كاف من الرؤساء بالهيئة، والمستشارين، والمستشارين المساعدين”. ([9]) باستقراء الطريقة التي يتعامل بها لومباردي مع التقنين، يبدو أنه يربطه دائمًا بالعلمنة، وهو أمر لا يصدُقُ دائمًا. فقوانين الشريعة قد تكون آليات “علمانية” في الدولة الحديثة، إلا أنها ليست علمانية دائمًا في المضمون والجوهر. وقد يكون صحيحًا ما يطرحه بيترز ولايش بأن التقنين الإسلامي وتهميش الفقهاء يمهد الطريق لقانون وضعي تمامًا يميل نحو العلمانية، إلا أن بعض التقنين قد يكون مُستمَدًا من الشريعة، على الأقل في مساحةٍ بعينها وبلدان بعينها. قارن بين Layish (2004:91) و Peters (2002:82). ([10]) شددت الحجة التي تقضي بأن التقنين يقود إلى العلمنة على حقيقة أن التقنين يضع سلطة التشريع في أيدي الدولة ومؤسساتها وحدها ويُغفل دور العلماء ونقاشاتهم العلنية. ([11]) كان الوضع في القرن التاسع عشر سابقًا، إلا أنه لم يحتوي أي سلطة مُلزمة إلا التأثير والاعتراف الاجتماعي والذي يقع فيما أسميه المجال فوق الدستوري. انظر: Chambers (1972:35– 37) وقارنه بـ Janiwlat (2012:121–187). ([12]) أُطلِق على القانون (قانون جيهان) لأنه يشيع الظن أن جيهان زوجة الرئيس السادات كانت دافعًا كبيرًا وراء صدوره. عن القانون وعن جيهان، انظر: el-Din, Hill, and Graham-Brown (1985).
([13]) يعتمد لومباردي على جوزيف شاخت في تمييزه بين هذين النوعين من المحاكم في الإسلام إبّان القرون الوسطى. إلا أنني أظن ذلك خاطئًا. لا شك في أن المحاكم التي يقيمها الفقهاء كانت موجودة، لكن تلك “المحاكم الإدارية” لا أظنها دقيقة. إذ يبدو أنه حدث خلط وتم اعتبار المجالس السياسية التي يعقد فيها الحكام اجتماعاتهم ويصدرون فيها فرماناتهم محاكمَ قضائية. انظر لأجل فكرةٍ عامة عن النظام القضائي في الإسلام في القرون الوسطى: الكساسبة (2001:183–193). ([14]) بعد استقراءه للعديد من القضايا التي أرادت المحاكم أن تحكم فيها بأن القوانين منافية للأحكام الإسلامي، وجد مارتن لاو أن المحاكم الشرعية رفضت العديد من هذه الاعتراضات والقضايا، وبدت بذلك حريصةً نسبيًا في إبطالها القوانين. ([15]) يشير باكر بشكل مثير للاهتمام إلى أن القبول الأمريكي الواسع للمفهوم التعددي والخصوصي للدستورية جاء بعد الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق، وبعد الدستورية الثيوقراطية التي نشأت هناك في ًاعادة بناء الحكم الدستوري. وجدير بالذكر هنا انه بعد الثورة المصرية عام 2011، دعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، السلطة الحاكمة حينئذٍ، إصدار وثيقة تدعو لتبنٍ وطني لـ “مبادئ فوق دستورية”. وكان هناك تكهن بأن هذه الوثيقة كانت لتحمي مفهوم الدستورية العالمية من أي حكم إسلامي/ثيوقراطي. لكن واجهت الوثيقة معارضة حادة من قسمٍ قويٍ من الثوار مع تعاطف من الإسلاميين (Dabash & al-Wazeeri, 2011). ([16]) حدد هيرشل عدد نماذج العلاقة بين الدين والدولة إلى ستة نماذج في إصدار سابق له (Hirschl, 2008:6-7). ويبدو أنه في عمل تالٍ أكبر وأكثر تفصيلًا، أضاف ثلاثة نماذج أخرى (Hirschl, 2011:26–54). ([17]) ما يتناوله باكر هنا يبدو مشابهًا لما تسميه انتصار رب بـ “الإضفاء المتناسق للطابع الدستوري”، إذ “يحتوي الدستور على الشريعة الإسلامية، وقوانين الإجراءات الديمقراطية، والقيم الليبرالية؛ وكلهم على قدم المساواة” (Rabb, 2008:531). ([18]) لا ننوي دراسة هذه الظاهرة الآن، لكننا فقط نثير الأسئلة حول مفاهيم الدستورية الثيوقراطية والثيوقراطية الدستورية. ومع ذلك، وانطلاقًا من مصطلح جينتيل عن “الدين السياسي”، أستخدم هنا كلمة “لاثيوقراطي atheocratic” في مقابل “ثيوقراطي” كما في “الإلحاد atheism” مقابل “الإيمان بإله theism”. كما في الثيوقراطية الدستورية، تتخذ اللاثيوقراطية الدستورية أشكالًا متعددة وقد تحارب بعض الأنظمة اللاثيوقراطية المتشددة أي مظهر للدين التقليدي في المجال العام. فالحق الأوحد لتفسير النظام اللاثيوقراطي يكمن فقط في أيدي الحاملين النموذجيين للأعلام الوطنية. هؤلاء المفسرون الشرعيون يرفضون أي تفسير غير مصرح به للمفاهيم اللاثيوقراطية لأن إعادة التفسير قد تشوه وتقوض الأسس اللاثيوقراطية كالقومية والعلمانية والمواطنة. انظر لأجل “الدين السياسي” عند جينيل ومناقضاته: Gentile (2006:16–45). ([19]) من بين الأسباب التي أدت بالعثماني إلى أن يفضل التقنين هي قابليته للتكيف الحديث، وقدرته على التغير، متبِّعًا في ذلك المدرسة الفقهية السائدة، بدلًا من تركه لاجتهاد القضاة، وأخيرًا بسبب مشروعات التقنين الموجودة بالفعل. ([20]) يعتقد لومباردي أن الباحثين والأكاديميين ممن “يحاولون استرجاع الفقه من خلال تقديم (قوانين) يتصرفون كأنهم فقهاء بالمعنى التقليدي”. هو يغض الطرف بالتأكيد عن فرقٍ واضح بين التقنين الذي تقدّمه لجان الدولة الحديثة، وبين علماء مستقلون يبذلون جهدهم للخروج بالتفسيرات والآراء. لا يقتصر ذلك الفرق على الآراء الفقهية، بل والأكثر أهمية هو التوازن الذي يحدثونه في المجتمع والدولة. انظر: Lombardi (2006:99).
بحث منشور في مجلة الحقيقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية العدد رقم (19) الصادر عام 2011 للدكتور حمودين بكير الذي ذكر في التعريف ببحثه ما يلي: يمثل العلامة مصطفى الزرقا نموذجا فريدا في الجرأة والتجديد والاجتهاد، فقد تمكن من إرساء منهج فقهي جديد؛ ساعده على ذلك نبوغه وتفوقه العلمي في مجال الفقه والقانون، وكذا تفتحه على ثقافة عصره، خاصة في جانب اللغات الأجنبية. ومن أعظم ما ألف العلامة الزرقا سلسلته الفقهية الرائعة “الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد” فهي على رأس مؤلفاته التي نال بها شهرته ومكانته في حقل الدراسات الفقهية؛ أخرجها في أربعة أجزاء: الجزء الأول والثاني منها بعنوان “المدخل الفقهي العام”، والثالث بعنوان “المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي”، والرابع بعنوان “العقود المسماة في الفقه الإسلامي”.
تميزت هذه السلسلة بالمقارنات المهمة بالقانون، استطاع المؤلف أن يعرض النظريات الإسلامية العامة كما تعرض النظريات القانونية، حيث تؤصل المسائل، وتعرض الكليات، ثم تستخرج الفروع من أصولها؛ فمن قرأ كتابه خرج منه بفائدتين، الإطلاع على النظريات الفقهية الجديدة، وكذا الإلمام بآراء الفقهاء التي لخصت للقارئ فأغنته عن قراءة عشرات من كتب الفقه.
كان الشيخ الزرقا من هؤلاء العلماء الذين حملوا أمانة الدين وإقامة الشرع، ونافحوا عما استلزمته حكمة الشارع الحكيم من شمولية هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، واجتهدوا في بيان الأحكام الفقهية فيما نزل بالمسلمين مجردا في إطار الأصول الشرعية والقواعد الفقهية، في هذا القرن الأخير وهذا ما سأحاول بيانه وإثباته في هذا البحث من خلال مطلبين اثنين: المطلب الأول: نبذة من حياته ويتضمن فروعا ثلاثة؛ نشأته وتكوينه، ثانيا أعماله وإنجازاته، ثالثا وفاته وآثاره العلمية. المطلب الثاني: كتابه “المدخل الفقهي العام: منهجه؛ وملامح التجديد فيه”، ويشتمل على فرعين؛ أولًا منهجه في الكتاب، ثانيًا ملامح التجديد فيه.
في أحضان الشريعة الإسلامية تبلورت في بلادنا مدرسة قانونية جمعت بين فقه الشريعة الإسلامية، وبين ثروة القانون الغربي في الصياغة والتقنين.
وكان الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا واحدًا من أبرز أعلام هذه المدرسة التي تصدت لمحاولات تغريب القانون وعلمنته في بلادنا، وسعت إلي تجديد الفقه الإسلامي، وإلي بعث الشريعة الإسلامية لتتخطي أعناق القرون، ولتكون المصدر الوحيد للقانون في بلاد الشرق الإسلامي، وليكون لها الحضور اللائق بها في الميادين الدولية والمؤتمرات الدولية التي تقارن بين المنظومات العالمية للقوانين.
كان بعث الشريعة الإسلامية، وتجديد الفقه الإسلامي هو حلم حياة السنهوري، والمشروع الفكري الذي لم يغادر حمل أثقاله علي امتداد سنوات عمره… وعندما ذهب إلي باريس في عشرينيات القرن العشرين لنيل الدكتوراة، كان تضلعه في فقه الشريعة الإسلامية السبب الذي جعل أساتذته يطلقون عليه: الإمام الخامس!… ولقد أسقطت الخلافة الإسلامية في ذلك التاريخ، وصدر كتاب الإسلام وأصول الحكم] سنة 1925م الذي أهال التراب علي مبدأ الخلافة، وعلي تاريخها، والذي سعي إلي علمنة الإسلام.. ويومها تطوع السنهوري رغم تحديات المناخ الفكري الغربي المعادي للخلافة، والمدافع عن علمنة الإسلام تطوع فقدم دكتوراه ثانية عن فقه الخلافة الإسلامية، وكيف تصبح عصبة أمم إسلامية، تراعي مستجدات القوميات والوطنيات والقطريات مع وفائها بمقاصد الخلافة الثلاث: 1ـ وحدة الأمة 2ـ وتطبيق الشريعة 3 ـ وتكامل دار الإسلام… كما قام بالرد على كتاب الإسلام وأصول الحكم تحت عنوان: رأي شاذ!…
ولقد تبوأ السنهوري باشا على امتداد حياته القانونية والدستورية والقضائية مكانة جعلته حجة لدي كل المشتغلين بالقانون، فهو الوحيد عالميًا الذي وضع القانون المدني وشرحه.. وهو الذي وضع المقومات القانونية والدستورية للعديد من الدول العربية مصر.. والعراق… وسوريا… والكويت.. والإمارات.. والسودان… وليبيا.
وإذا كان هذا الجانب من إنجازات السنهوري معروفًا ومشهورًا… فإن الوجه الإسلامي لهذا الفقيه القانوني لم يأخذ حقه الكامل عند كثير من القانونيين.. بل ولا الإسلاميين!.. لقد كونت إسلاميات السنهوري مجلدات نافست مجلداته في القانون… ويكفي في هذا المقامـ أن نقدم عددًا من صياغاته الفكرية التي تلفت الأنظار إلى هذا الوجه الإسلامي عند هذا الفقيه العظيم..
لقد قال: إن الشرق بالإسلام, والإسلام بالشرق.. إنهما شيء واحد، وإذا تحدثت عن أحدهما فكأنني أتحدث عن الآخر والشريعة الإسلامية هي شريعة الشرق منتزعة من روح الشرق وضميره أوصي بها الله إلي عبد شرقي في أرض شرقية… إنها شريعة الشرق ووحي أحكامه… وإن دول الشرق لا يمكن أن تجتمع علي شيء واحد غير دين الإسلام…
وإذا كان السنهوري باشا قد علق بعث الشريعة الإسلامية كي تتخطي أعناق القرون لتصبح المصدر الوحيد للقوانين في الشرق على تجديد الفقه الإسلامي وتقنينه.. بعد إشادته بالتقنين الذي أنجزته الدولة العثمانية لفقه معاملات المذهب الحنفي ـ في مجلة الاحكام العدلية سنة 1869م،ـ وثنائه علي التقنين الذي أنجزه في إطار المذهب الحنفي ـ محمد قدري باشا ـ… لقد شاء الله لأحد تلامذة السنهوري باشا الأستاذ الدكتور صوفي أبو طالبـ أن يقود إنجاز هذا المشروع العظيم تقنين الفقه الإسلامي بمذاهبه الموثقة والمعتمدة من خلال العمل الكبير الذي تبناه مجلس الشعب المصري، والذي استغرق إنجازه أكثر من أربعين شهرًا من ديسمبر سنة 1978م إلي يوليو سنة 1982م، والذي قامت به ثماني لجان ضمت ما يقرب من مائة عضو من كبار فقهاء الشريعة والقانون من بينهم كوكبة من رجال القانون الأقباط، ولقد استعانت هذه اللجان في عملها بشيوخ الأزهر وعلماء الإفتاء وعمداء وأساتذة الشريعة والحقوق، وأركان الهيئات القضائية ووزراء العدل والأوقاف.
لقد تحققت أحلام السنهوري في تقنين الفقه الإسلامي.. وتحقق مطلبه بأن يعمل في هذه الحركة الاصلاحية إلي جانب المسلمين غيرهم من الشرقيين غير المسلمين، من القانونيين والاجتماعيين..
وفي الجلسة التي عقدها مجلس الشعب في أول يوليو سنة 1982م تحدث القانوني القبطي الأستاذ اسطفان باسيلي الذي أمضي في العمل القانوني سبعة وخمسين عامًا عن تقنين الشريعة الإسلامية قانونًا للأمة بأديانها المختلفة، فقال: باسم الله الوهاب.. إني إذ أتحدث الآن، وفي هذا الموضوع بالذات، فإنني أشعر أن التاريخ هو الذي يتكلم لشيخوختي أولا، ولأنني عشت في العمل القضائي سبعة وخمسين عامًا محاميًا، ولقد عرفت بمضي المدة أن الشريعة الإسلامية هي خير ما يمكن أن يطالب بها لا المسلم وحده بل وأيضًا المسيحي تصفيق].. لأن بها كل ما يرضينا، والعهدة النبوية الموجودة في دير سيناء، والمكتوبة بخط الإمام علي تؤكد الحفاظ علينا في كل ما لنا من حقوق وما علينا من واجبات.. والقاعدة الشرعية: أمرنا بتركهم وما يدينون به، واليوم مع هذه البهجة التي أراها أحس كأنه يوم دخول الإسلام إلي مصر، اليوم يستكمل كل ما كان ناقصًا وواجب الاكتمال فيما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية وما فيها من مصادر الرحمة الكثير بالنسبة للمواطنين.
هكذا تحققت آمال العلماء العظام علماء الدين، وفقهاء الشريعة والقانون ـ من الطهطاوي.. إلى قدري باشا.. إلي الأفغاني.. ومحمد عبده.. والسنهوري باشا الذين تصدوا لتغريب القانون وعلمنته في بلادنا… والذين رفضوا دعاوى تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني، ودافعوا عن استقلال هذه الشريعة ـ ذات المصدر الإلهي كمنظومة قانونية مستقلة ومتميزة وممتازة.. فكتب الله النصر المبين لهؤلاء العلماء المجاهدين العظام.
*المصدر: جريدة الأهرام، ع: 46182، السنة 137، الخميس 6 من رجب 1434هـ الموافق 16 مايو 2013م.
بحث للأستاذ الدكتور علي نجيدة منشور في العدد (1) بالمجلة القانونية والقضائية، مركز الدراسات القانونية والقضائية، وزارة العدل، قطر، الصادر في يونيو 2015م.
يتناول البحث موضوع دور الشريعة الإسلامية في القانون الوضعي “دراسة مقارنة”، حيث أكد أستاذنا الدكتور علي نجيدة في هذه الدراسة على أن كثيرًا من المتخصصين من غير المسلمين لم يعطوا لأنفسهم فرصة للتعرف على الدين الإسلامي وكتابه ورسوله وشريعته. وربما اعتقد الكثيرون منهم أن الشريعة الإسلامية أو الدين الإسلامي لا يختلف عن الديانات الأخرى من حيث الاهتمام بالجانب العقائدي فقط بالنسبة للإنسان، وذلك ليس صحيحًا على الإطلاق. إذ سوف يتضح لنا فيما بعد أن الميزة الكبرى للشريعة الإسلامية، أنها دين ودولة في نفس الوقت. فلم يقتصر اهتمامها على الجانب العقدي فقط، بل ربما كان اهتمامها أكبر بتنظيم علاقة الأفراد في المجتمع من كل جوانبها.
لهذا لم يكن غريبًا أن نصت كل التشريعات العربية على اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر القانون فيها لا يسبقها إلا التشريع لدى بعض المشرعين ويسبقها التشريع والعرف لدى البعض الآخر. كما نصت الدساتير العربية جميعها على اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع فيها. وكما أن هناك ثلاث ديانات إلهية بثلاثة من الرسل وثلاثة من الكتب، فإن هناك ثلاثة نظم قانونية معاصرة: النظام اللاتيني والنظام الأنجلوسكسوني والنظام الإسلامي الذي يغفل عن ذكره الكثيرون من فقهاء الغرب سواء بقصد أو بدون قصد.
وفي سبيل الحديث عن الشريعة الإسلامية وموقعها بين النظم القانونية المشار إليها، فقد قسم د. نجيدة هذه الدراسة إلى أربعة مباحث؛ حيث تناول المبحث الأول التعريف بالشريعة الإسلامية، في حين تناول المبحث الثاني مصادر الشريعة الإسلامية ومصادر القانون، ثم تناول المبحث الثالث مدى إلزام القواعد الشرعية “قواعد الشريعة الإسلامية” في “القانون الوضعي”، ثم عالج المبحث الرابع مظاهر مرونة الشريعة الإسلامية.
بحث للدكتور معتز الخطيب بعنوان “الوسطية الإسلامية وفقه الدولة: قراءة نقدية” منشور في العدد الثالث من مجلة “تبين” للدراسات الفكرية والثقافية الصادر عام 2013، وفيما يلي ملخص البحث: تحليل نقدي لأطروحة “الدولة الإسلامية” وتطوّر التفكير فيها داخل تيار الوسطية الإسلامية، وتبيان ما يكتنفها من غموض والتباس بين جملة مفاهيم (الدولة الحديثة، الخلافة، الإمامة، الحكم)، وهو ما اقتضى عودةً إلى السياقين التاريخيّ والمفهوميّ لأطروحة “الدولة الإسلامية” بغية الكشف عن الإشكالات التي أحاطت بالتفكير الإسلامي الوسطي على مستوى بناء منظومته، وما تميّز به هذا البناء من غياب الاتّساق والتنافر وعدم دقة أطروحات أصحابه بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية.
هكذا، يرصد البحث جملة من الإجراءات التي تجمع بين متنافرات، وتقطع في مسائل اجتهادية، وتمارس الانتقائية والتحوير والتكييف استجابةً لضغط التاريخ والتطور التاريخي من جهة، ولدواعي الفقه الحركي الأيديولوجي وسجالاته من جهة أخرى؛ ذلك الفقه الذي ارتكب عددًا من التوليفات التراثية والحديثة لبناء تصوراته عن المسألة السياسية ومركزية الدولة الإسلامية وأسبقيتها على المجتمع، بل وعلى الشريعة في بعضالأحيان، حتى بات من لا يؤمن بذلك منقوص الإسلام.
بحث للشيخ محمد صالح عثمان، نُشر في كتاب “وجوب تطبيق الشريعة والشبهات التي تُثار حول تطبيقها”، وهو كتاب يضم عدة بحوث قُدمت في مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام 1396 هـ، وقد وضح الشيخ منهجية بحثه كما يلي: بدأت البحث بتعريف الشريعة وأوضحت فيه نظام التشريع الاسلامى، وأن المشرع واضع أحكام الشريعة هو الله تعالى ـ فكل ما يحدث للناس من وقائع في هذه الحياة لها فى الشريعة أحكام، لأن المصادر التشريعية معين لا ينضب ماؤه وأنها كفيلة بتطور التشريع وبالتقنين لحاجات الأمم في مختلف العصور، وأن المسلمين لو أرادوا أن يعايشوا الأزمان ويسايروا المصالح بتشريعهم لا يجدون من الشريعة ومصادرها ما يحول بينهم وبين سيرهم بل يجدون فيها نورا يهديهم ومرونة تذلل لهم سيرهم وتقرب غايتهم. وأن هذه المصادر التي تعتبر أدلة للتشريع كلها راجعة الى قرآن ربنا باعتبار اختصاص الله بالتشريع، فليس لبشر أن يشرع أصولا قانونية غير التي سنّها الله، وليس لإنسان فيها إلا الفهم وحسن التطبيق، والأدلة القرآنية على هذا كثيرة كما ذكرنا في هذا البحث، وأن ما يترتب على كون الحكم لله تعالى شيئان هامان: الأول: وجوب تطبيق الشريعة الاسلامية واستمرارها في كل زمان ومكان ولو تغير الحكام. الثاني: وجوب احترام الشريعة الإسلامية والثقة بها لأنها من عند الله، وهذا الاعتقاد بالذات يحمل على طاعة القوانين الشرعية لأن الطاعة تقرب من الله ولأن العصيان يؤدى الى عقوبة الله دنيا وأخرة.
نُشر هذا البحث في كتاب “وجوب تطبيق الشريعة والشبهات التي تُثار حول تطبيقها”، وهو كتاب يضم عدة بحوث قُدمت في مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام 1396 هـ، ومما ذكره الخوجة في افتتاحية بحثه: “يعنينا أولًا وبالذات أن نذكر بأن العالم الإسلامي الذي صارعه الطغيان وهيمن عليه كابوس الاستعمار أحقابا وقرونا لم يخرج بعد من معاركه الاستقلالية منتصرًا ظافرًا لأنه وإن حرر بلاده واسترد أرضه لا يزال ضعيف الشخصية محكومًا لغيره تابعًا لغزاته الذين لم يفارقوه إلا بعد أن أورثوه تقاليدهم ومبادئهم وأنماط تفكيرهم وعيشهم ونظمهم وتشاريعهم وأحكامهم. وهكذا انقسمت البلاد الإسلامية بعد أن كانت موحدة وصارت كعهدها أيام الاستعمار والنفوذ الأجنبي دويلات صغيرة تجري في فلك الدول الأم الكبرى: تتناكر ولا تتعارف، تتنافر ولا تتعاضد، تتخالف ولا تتوافق، لفقدان المقوم الذاتي لشخصيتها والذهول عن المحور الاساسي لوحدتها وهو دستورها وتشريعها وأصول الحكم فيها.
هذا المقال مستل من كتاب “الشرع واللغة” الصادر عام 1944 عن مطبعة المعارف، للشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله، وقد ختم الشيخ به كتابه، وهي في الأصل محاضرة ألقاها وبين فيها أن “الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر”، وفيما يلي نص المقال:
قلت في المحاضرة ، فيما مضى (صـ۸۹): «لا تظنوا أني حين أدعوكم إلى التشريع الإسلامي أدعوكم إلى التَّقيد بما نص عليه ابن عابدين أو ابن نجيم مثلًا، ولا إلى تقليد الفقهاء في فروعهم التي استنبطوها غير منصوصة في الكتاب والسنة، وكثيرٌ منها فيه حرج شديد. كلا، فأنا أرفض التقليد كله ولا أدعو إليه، سواءً كان تقليدًا للمتقدمين أم للمتأخرين. ثم الاجتهاد الفردي غيرُ مُنتج في وضع القوانين، بل يكاد يكون محالًا أن يقوم به فرد أو أفراد. والعمل الصحيح المنتج هو الاجتهاد الاجتماعي، فإذا تُبُودِلت الأفكار، وتُدَاوَلَتِ الآراء ظهر وجه الصواب، إن شاء الله». ((فالخطة العملية، فيما أرى: أن تُختارُ لجنة قوية من أساطين رجال القانون وعلماء الشريعة، لتضعَ قواعد التشريع الجديد، غير مُقيدة برأي، أو مُقلدة لمذهب، إلا نصوص الكتاب والسنة. وأمامها أقوال الأئمة وقواعد الأصول وآراء الفقهاء، وتحت أنظارها آراء رجال القانون كلهم. ثم تستنبط من الفروع ما تراه صوابًا مناسبًا لحال الناس وظروفهم، مما يدخل تحت قواعد الكتاب والسنة، ولا يُصادمُ نَصا، ولا مخالف شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة». فهذه اللجنة يجب أن تكون موفورة العدد، يكون منها لجنة عليا، تضع الأسس، وترسم المناهج، وتقسم العمل بين لجان فرعية، ثم تعيد النظر فيما صنعوا ووضعوا، لتنسيقه وتهذيبه، تم صَوغه في الصيغة القانونية الدقيقة. فيعرض كاملًا على الأمة، ليكون موضع البحث والنقد العلمي، حتى إذا ما استقر الرأي عليه، عُرض على السلطات التشريعية، لإقراره واستصدار القانون للعمل به. وأول ما يجب على اللجنة العليا عمله، أن تدرس، بنفسها أو باللجان الفرعية، مسائل علم أصول الفقه، ومسائل علم أصول الحديث (مصطلح الحديث) لتحقيق كل مسألة منها وتوحيد منهج الاستنباط من الأدلة. فتحققَ المسائلَ التي يُرجع فيها لدلالة الألفاظ على المعاني في لغة العرب، من نحو الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والصريح والمؤول، والمفسر والمجمل، وسائر قواعد الأصول، كأبواب القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، وما إلى ذلك. وتحقق القواعد في نقد رواية الحديث ورواتِه، من ناحية المتن وناحية الإسناد، وما يكون به الحديث صحيحًا يصلح للاحتجاج ويجب الأخذ به، وما يكون به ضعيفا لا يصلح للاحتجاج. وتحقق القاعدة الجليلة الدقيقة، التي لم يحققها أحد المتقدمين، فيما نعلم، إلا أن القرافي أشار إليها موجزة في الفرق السادس والثلاثين من (كتاب الفروق ) (ج1 صـ249-251 طبعة تونس) وهي الفرق بين تصرف رسول الله بالفتوى والتبليغ، وبين تصرفه بالإمامة، وبين تصرفه بالقضاء. وهو بحث أساسي لدرس الأحاديث والاستدلال بها درسًا صحيحًا، فيفرق به بين الأحاديث التي لها صفة العموم والتشريع، وبين الأحاديث التي جاءت عن رسول الله تصرفًا منه بالإمامة، فليست لها صفة العموم والتشريع، بل المرجع في أمثالها إلى ما يأمر به الإمام من المصالح العامة، وبين الأحاديث في أقضية جزئية، تصرفاً منه صلى الله عليه وسلم يُستنبط منه بالقضاء، فيكون الحديث عن قضية بعينها، يُستنبط منه ما يُسمى في عصرنا (المبدأ القضائي). وقد حققت مثالًا من مُثل هذه القاعدة العظيمة في شرحي على (كتاب الرسالة) للإمام الشافعي ص٢٤٠ – ٢٤٢. وأجلُّ عمل وأعظمه أثرًا أن تحقق اللجنة باب (تعارض الأدلة والترجيح بينها) فذلك هو علم الأصول على الحقيقة، وذلك هو ميدان الاجتهاد، وذلك هو أساس الفقه والاستنباط. فإذا تم هذا، ووُحِّدت القواعد التي يبنى عليها الاستدلال والاستنباط، نُظر في القواعد العامة التي يرجع إليها الفقهاء في فقههم، على اختلاف مذاهبهم، وطبقت عليها قواعد الأصول التي أقرتها اللجنة العليا أو اللجنة العامة، (أصول الفقه وأصول الحديث) ثم وزنت بميزان الكتاب والسنة الصحيحة، وأُخذ منها ما قام الدليل على صحته وموافقته للتشريع الصحيح. ثم تدرس اللجنة القواعد العامة للقوانين الوضعية، على اختلاف مبادئها وأنواعها، وتزنها بميزان القواعد التشريعية الإسلامية، فتختار منها ما تقضي المصلحة العامة باختياره، مما لا يعارض نصًا من نصوص الكتاب والسنة، ولا يناقض شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، ولا قاعدة أساسية من قواعد التشريع الإسلامي. وبعد هذا كله، بعد أن تستقر القواعدَ التي تُستنبط الفروع والمسائل على أساسها، وتوضع الموازين الصحيحة البينة، حتى لا تتشعبَ الطرقُ بالمجتهد، تُقَّسم أبواب الفقه بين اللجان الفرعية، لتطبق فروع المسائل وجزئياتها على القواعد التي أُقرِّت، وتضعَ لها الأحكام الصحيحة التي تقتضيها الأدلة الصحيحة نصًا أو استنباطًا. وهذا عمل كبير ضخم، لا يضطلع به إلا العلماء الأفذاذ من علماء الشرع وعلماء القانون المخلصون، فيجب أن يسمو اختيارهم على الرغبات الشخصية والأهواء الحزبية، وما إلى ذلك مما قد يُفسد الاختيار أو يُضعفه. وسَيَدْعُوهم هذا العمل إلى أن يفرغوا له وحده، فلا يجوز أن يعهد إلى أي واحد منهم بعملٍ غيره، حتى يكون وقتُهم كله وقفًا عليه، ليسير على وتيرة واحدة، سيراً حثيثًا موصلاً إلى الغرض المقصود منه في أقرب وقت وأوجزه. وسيدعو إلى اختيار عشرات كثيرة من الأعضاء والمساعدين، ولعله مع كل هذا لا يتم في أقل من عشرين سنة. هذا تصوير تقريبي للخطة العملية، لاقتباس القوانين من الشريعة، فيه كثير من الإجمال، لا أستطيع التوسع في تفصيله، إلا أن يُوضَعَ موضع الدرس والبحث، ليكون حقيقة واقعة، لا خيالاً وأمنيةً. أرجو أن ينال من عناية الباحثين، ومن نقد الناقدين، ما يرشدني ويرشد غيري إلى وجه الصواب، فيما اقترحت وفيما فاتني أو خفي عليَّ. وأسأل الله الهدى والسداد والعصمة والتوفيق.
بحث مطول للأستاذ الدكتور شفيق شحاتة، أستاذ تاريخ القانون بكلية الحقوق بجامعة عين شمس، يتناول فيه عبر جزئين نظرية النيابة بمنهج مقارن بين القانون الروماني والشريعة الإسلامي، والنيابة في التصرف القانوني تكون عندما يصدر التصرف عن شخص متمتع بالحرية فيحدث أثره في ذمة شخص آخر متمتع هو كذلك بالحرية وبكامل الأهلية، فهذه هي الصورة الأصلية للنيابة التعاقدية. يتناول الجزء الأول من البحث نظرية النيابة في القانون الروماني، فيقول شحاتة: “لا نيابة إطلاقًا في القانون الروماني القديم، وسوف تعرف أن مبدأ النيابة لم يتقرر أبداً كأصل عام في مختلف مراحل تطور القانون الروماني، ولكن امتناع النيابة كأصل عام لم يعد مطلقًا في المراحل اللاحقة لتطور القانون الروماني، ونحن نريد أن نتناول بالدراسة التطور الذي انتاب مبدأ اللانيابة في مختلف أطوار تاريخ القانون الروماني”. والجزء الثاني من الدراسة يُعني بنظرية النيابة في الشريعة الإسلامية، وتحديدًا النيابة في الفقه الحنفى دون غيره من المذاهب الفقهية الإسلامية، ولكن بدراسة مستفيضة، تشمل مختلف الصور التي يمكن أن تتجلى فيها فكرة النيابة، ويقول موضحًا سبب ذلك: “أما اقتصارنا على المذهب الحنفى فسببه أن دراسة الموضوع الواحد في المذاهب المختلفة معًا تتطلب وقتًا وجهداً لا يتسع لها هذا البحث، ذلك أن لكل مذهب صياغته وفقهه ولا تكون دراستنا للمذاهب المختلفة مجدية إلا بعد إقامة نظرية النيابة فى كل مذهب على حدة، فتكون الدراسة المقارنة للمذاهب تالية فى الترتيب لدراسة الموضوع في كل مذهب دراسة عميقة. ونحن نرى أن فقهاء الحنفية قد أقاموا لفقههم بناء محكما، والصناعة الفقهية عندهم على جانب كبير من الدقة، وهي بعيدة كل البعد عن الرومانية، فتكون المقارنة ما بين الفقه الحنفى بالذات والقانون الروماني متعينة، كما تكون الفائدة المرجوة من وراء هذه المقارنة محققة.
البحث نُشر في العددين الأول والثاني من مجلة العلوم القانونية والاقتصادية بكلية الحقوق في جامعة عين شمس عام 1959.
البحث منشور في المجلد (18)، العدد (4) بمجلة الحقوق، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، الصادر في ديسمبر 1994م.
يتضمن البحث تعليق الكاتب على اقتراح كان مقدمًا لتعديل المادة الثانية من الدستور الكويتي، مع تقييم لبعض جوانب قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر بشأن المادة الثانية من الدستور المصري المقابلة للنص الدستوري الكويتي، حيث أكد أستاذنا الدكتور فتحي فكري على أن اللافت للنظر في الاتجاه الداعي إلى تعديل المادة الثانية من الدستور الكويتي رفضه لقبول جميع النتائج المترتبة على اقتراحه. فبعد إعلان مطلب التعديل، سرعان ما تلمس تراجع أنصاره من الزاويتين الموضوعية والزمنية. ولا غرابة أن نستشف بعد ذلك أن الآراء الحاثة على التعديل يغلب عليها الطابع السياسي.
ولقد حرص أستاذنا الدكتور فتحي فكري من خلال هذه الدراسة إلى الإشارة إلى موقف المحكمة الدستورية العليا في مصر من التعديل الدستوري للمادة الثانية عام 1980م، مبررًا ذلك بأن البعض في معرض دعوته إلى تعديل المادة الثانية، تمسك بموقف المحكمة الدستورية العليا في مصر من التعديل الدستوري للمادة الثانية عام ۱۹۸۰م.
وقد انتهت الدراسة إلى التأكيد على قيام رئيس الدولة بإصدار توجيهاته بإحالة تقرير الجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والخاص بتعديل القانون المدني بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية إلى مجلس الوزراء للسير في إجراءات إصداره.
وعلى ذلك فقد قسم سيادته هذه الدراسة إلى مبحثين أحدهما تم تخصيصه لبحث التحجيم الموضوعي لنطاق تعديل المادة الثانية، وفي الثاني تم تخصيصه لدراسة التحجيم الزمني لنطاق تعديل المادة الثانية.