موقع حوارات

موقع حوارات

تناول حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بتاريخ 6 يناير 1996 مسألة قانونية وشرعية شائكة ترتبط بالآثار المترتبة على الانفصال بين الزوجين، وتحديدًا ما يتعلق بمدى التزام الزوج المطلق بتهيئة مسكن مستقل لمطلقته ولحاضنة صغاره. وقد عرضت الدعوى للطعن بعدم دستورية المادة (18 مكررًا ثالثًا) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 (المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985)، مستندة إلى إخلال النص التشريعي بمبادئ الشريعة الإسلامية وحق الملكية والحق في القوامة، فضلاً عن إرهاق المطلق في ظل أزمات الإسكان المتفاقمة. وقد استندت المحكمة في قضائها إلى تأصيل فلسفة الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة في شأن النفقة وسكنى الصغار، مؤكدة على سعة باب الاجتهاد بما يحقق مصالح العباد ويدفع عنهم الضرر والإرهاق. وانتهت المحكمة إلى تقييد إطلاق النص التشريعي؛ فقضت بعدم دستوريته فيما تضمنه من إلزام الزوج بتهيئة المسكن حتى مع وجود مال حاضر للصغار أو مسكن ملائم للحاضنة تقيم فيه، وكذا فيما فرضه من قيد زمني تحكمي يوجب تهيئة المسكن البديل خلال فترة العدة فقط إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا؛ مرسيةً بذلك توازنًا دقيقًا بين حق الصغار وحاضنتهم في السكنى الكافية وحق المطلق في عدم التكليف بما يجاوز نطاق الضرورة والعدل. 

 

باسم الشعب

 

المحكمة الدستورية العليا

 

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت الموافق 6 يناير سنة 1996م الموافق 15 شعبان سنة 1416هـ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله

وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما المفوض

وحضور السيد/ حمدي أنور صابر أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 5 لسنة 8 قضائية دستورية*

المقامة من

السيد /.....................

ضد

1 - السيد / رئيس الوزراء

- السيد / رئيس مجلس الشعب

3 - السيدة /.....................

 

الإجراءات

بتاريخ الثامن من مارس سنة 1986 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبًا الحكم بعدم دستورية المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية.

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة دفعت فيها، أصليًا: بعدم قبول الدعوى، كما طلبت احتياطيًا: رفضها.

وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة.

حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليها الثالثة، كانت قد أقامت الدعوى رقم 57 لسنة 1985 مدنى كلى مساكن الإسكندرية ضد المدعى، بطلب تمكينها وابنته منها - المحضونة لها -............ من مسكن الزوجية المبين بالأوراق. وبجلسة 15/10/1985 - المحددة لنظر تلك الدعوى - دفع المدعى بعدم دستورية المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية. وبجلسة 10/12/1985 صرحت محكمة الموضوع للمدعى - بعد تقديرها لجدية دفعه - بإقامة الدعوى الدستورية، فرفعها.

وحيث إن المدعى ينعى على المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 - المشار إليهما - مخالفتها للمادتين (2، 34) من الدستور، تأسيسًا على أن الإسلام - وفقًا لنص المادة الثانية من الدستور - هو دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية - في مبادئها - هى المصدر الرئيسي للتشريع، وأن الطلاق - وهو مقرر للزوج بنص شرعي - لا يجوز تقييده بما يمس أصل الحق فيه، ذلك أن الحق في الطلاق مكفول لكل زوج حملًا على أحوال المسلمين بافتراض صلاحهم وتقواهم. وهم لا يمارسون هذا الحق انحرافًا، أو التواءً، أو إضرارًا.

بيد أن النص المطعون فيه، صاغ القواعد التي قررها، ممالأة منه لفئة لا تعنيها إلا مصالحها الضيقة التي لا يحميها الشرع، مُحَمَّلًا من يباشرون ذلك الحق - وبقصد تقييده - بأعباء مالية ونفسية تدفعهم إلى العدول عنه، ولو قام موجبه، حال أن الطلاق أمر عارض على الحياة الزوجية، ولا يلجأ الزوج إليه إلا إذا صار استمرارها والتوفيق بين الزوجين - رأبا لصدعها - مستحيلًا أو متعذرًا، بما مؤداه: أن النص المطعون فيه لا يبلور إلا تيارًا دخيلًا يتوخى هدم الحقوق لا إعمالها، توهمًا لخصومة بين طرفين، وإهدارًا لقوامة الرجل على المرأة ؛ وإنفاذًا لمساواة مغلوطة بينهما؛ وانحيازًا لقيم مستوردة بتغليبها على حقائق الدين، وتهوينًا لاستقرار الأسر داخل مجتمعها بقصد إضعافها، وتعقيدًا لأزمة طاحنة في الإسكان، بدلًا من الحد منها تخفيفًا لوطأتها، بعد أن أستعر لهيبها، ونشأ عنها نوع من الجرائم لم يكن مألوفًا من قبل، وليس إلزام المطلق بأن يوفر لصغاره من مطلقته سكنًا مناسبًا، إلا تكليفًا بمستحيل في ظل أزمة الإسكان هذه، التي تحول بضغوطها - التي عَمَّقها النص المطعون فيه - دون مباشرة الرجل للحق في الطلاق ليغدو وهمًا. يؤيد ذلك أن حمل المطلق على التخلي عن مسكن الزوجية، بعد أن أعده مستنفدًا كل ما ادخره؛ ناهيك عن الديون التي لا زال يرزح تحتها، يعنى أن يصبح هائمًا شريدًا. وكان من المفترض - وقد التزم شرعًا بالإنفاق على صغاره - أن تكون نفقتهم مبلغًا من المال. غير أن النص المطعون فيه، استعاض عن تمليكها بالتمكين منها، مخالفًا بذلك ما كان عليه العمل من قبل، متجاهلًا حدة أزمة الإسكان، وهو ما قام الدليل عليه من قصره مجال تطبيق الأحكام التي أقرها، على حل رابطة الزوجية بالطلاق دون غيره من فرق النكاح، فكان عقابًا باهظًا واقعًا على المطلق، محملًا إياه بأعباء ينو بها، متمحضًا إضرارًا منهيًا عنه شرعًا، لقوله تعالى لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده، وهو ما يعنى أن الولد لا يجوز أن يكون سببًا لإلحاق الضرر بأبيه، وقد كان هو سببًا لوجوده، ليكون استقلال الصغار من دون أبيهم بمسكن الزوجية، إثمًا وبغيًا.

وفضلًا عما تقدم، فقد أخل النص المطعون فيه بحرمة الملكية، ذلك أن صغار المطلق يستقلون من دون أبيهم بسكناه؛ ولو كانت عينًا يملكها، ليحرم من الانتفاع بها، وإلى أن يوفر لصغاره وحاضنتهم مسكنًا بديلًا عنها، في الآجال التي ضربها المشرع

وحيث إن المادة (18) مكررًا ثالثًا - المطعون عليها - تنص على ما يأتي: على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب، فإذا لم يفعل خلال فترة العدة، استمروا في شغل مسكن الزوجية دون المطلق مدة الحضانة. وإذا كان مسكن الزوجية غير مؤجر، كان من حق الزوج المطلق، أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء مدة العدة. ويخير القاضي الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية، وبين أن يقرر لها أجر مسكن مناسب للمحضونين، ولها. فإذا انتهت مدة الحضانة، فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده؛ إذا كان من حقه الاحتفاظ به قانونًا. وللنيابة أن تصدر قرارًا فيما يثور من منازعات بشأن حيازة مسكن الزوجية المشار إليه، حتى تفصل المحكمة فيها. وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة على محكمة الموضوع.

متى كان ذلك؛ وكانت الفقرتان الأولى والثانية من هذا النص، تكفلان لصغار المطلق وحاضنتهم، الاستقلال بمسكن الزوجية في الآجال والأحوال المبينة بهما؛ وكانت فقرتها الثالثة تقرر التزامًا تخييريًا يكون فيه المحل متعددًا، ومن ثم تتضامن هذه المحال فيما بينها، لتبرأ ذمة المدين بالوفاء بأيها - بافتراض استيفاء كل منها للشروط التي تطلبها القانون فيه - سواء أكان الخيار للمدين - وهذا هو الأصل عملًا بنص المادة (275) من القانون المدني - أم كان الخيار للدائن بناء على اتفاق فيما بين العاقدين، أو إنفاذًا لنص في القانون، مثلما هو مقرر بالفقرة الثالثة من النص المطعون فيه، التي تخول الحاضنة - وبافتراض نيابتها عن المحضونين - الخيار بين الاستقلال بمسكن الزوجية، وبين أن يقدر القاضي أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها، وهو ما يفيد إمكان رفضها الحصول على هذا الأجر، وطلبها مسكن الزوجية، لتقوم المصلحة الشخصية المباشرة للمدعى في الطعن على المادة (18) مكررًا ثالثًا - المشار إليها - بفقراتها الثلاث دون غيرها. ذلك أن فقرتها الرابعة، تخول المطلق أن يعود بعد انتهاء حضانة صغاره إلى مسكن الزوجية إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانونًا، وهو ما يتمحض لمصلحته. كذلك فإن فقرتها الأخيرة لا تفصل في موضوع الحقوق المدعى بها، ولكن في منازعات الحيازة التي يكون مسكن الزوجية مدارها، ليكون قرار النيابة في شأنها وقتيًا، فاصلًا فيما يستبين لها من أوضاع الحيازة على ضوء ظاهر الأمر فيها، وهو ما تراجعها فيه المحكمة ذات الاختصاص للفصل في ثبوت الحيازة لأحد الطرفين المتنازعين، دون إخلال بأصل الحق المردد بينهما.

وحيث إن البين من مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب، المعقودة في أول يوليو سنة 1985، أن آراء عديدة أبداها رئيس المجلس وأعضاؤه في شأن نص المادة (18) مكررًا ثالثًا، سواء بتأييد مشروعها، أو الاعتراض على بعض جوانبه لتقييده. وقد رفض المجلس بوجه خاص اقتراحين قدما إليه، أولهما: ألا يستقل صغار المطلق وحاضنتهم بمسكن الزوجية من دونه إذا كان لها مسكن تقيم فيه، أو كان للصغار مال يكفيهم للإنفاق منه لتدبير مسكن يضمهم مع حاضنتهم. وثانيهما: أن يختص كل من المطلق وصغاره بجزء مستقل من مسكن الزوجية، توفيقًا بين مصالحهم، ودفعًا لتعارضها.

وجاء بالمذكرة الإيضاحية للنص المطعون فيه، أن وقوع الطلاق يثير فيما بين الزوجين نزاعًا حول مسكن الزوجية، وهل يخلص لصغار المطلق وحاضنتهم، أم لأبيهم من دونهم باعتباره المتعاقد عليه، وأن ما قرره بعض الفقهاء من أن على أبيهم سكناهم جميعًا إذا لم يكن لمن لها إمساكهم، مسكن، يعنى أن لحاضنتهم أن تستقل معهم -بعد الطلاق- بمسكن الزوجية المؤجر لأبيهم المطلق، إلا إذا هيأ لهم مسكنًا مناسبًا يقيمون فيه، ليعود إلى المطلق بعد انتهاء حضانتها، أو بعد زواجها؛ إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانونًا.

وحيث إن الرقابة على الشرعية الدستورية - وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - تتناول - بين ما تشتمل عليه- الحقوق التي كفلها الدستور، وأهدرها النص المطعون فيه ضمنا؛ سواء كان الإخلال بها مقصودًا ابتداءً، أم كان قد وقع عرضًا.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد كذلك، على أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية - بعد تعديلها في سنة 1980 - من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية أن تتحراه وتنزل عليه في تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل - ومن بينها أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية - فلا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا.

ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان؛ إذ هى عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية؛ إذ هى إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهيًا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معًا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها. وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيوتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن البين من استقراء الأحكام التي بسطها الفقهاء في شأن النفقة - سواء كان سببها عائدًا إلى علائق الزوجية، أم إلى القرابة في ذاتها - وأيًا كان نوعها - بما في ذلك ما يقوم من صورها بين الأصول والفروع، أنهم اختلفوا فيما بينهم في عديد من مواضعها، إما لخفاء النصوص المتعلقة بها من جهة اتساعها وتعدد تأويلاتها؛ وإما لتباين طرائقهم في استنباط الأحكام العملية - في المسائل الفرعية والجزئية التي يدور الاجتهاد حولها - من النصوص وأدلتها، والترجيح بينها عند تعارضها، اختيارًا لأصحها وأقواها وأولاها، وهو ما يفيد أن النفقة بمختلف صورها؛ وفى مجمل أحكامها - وفيما خلا مبادئها الكلية - لا ينتظمها نص قطعي يكون فاصلًا في مسائلها.

وحيث إن النفقة شرعًا هى الإدرار على الشيء بما فيه بقاؤه، وهى في أصل اشتقاقها تعد هلاكًا لمال من جهة المنفق، ورواجًا لحال من جهة المنفق عليه. ويشمل مصطلحها كل صورها من إنفاق على إنسان أو حيوان أو طير أو زرع، لأن فيها معنى إخراج مال لإيفائهم حاجتهم، وصونها. ولا ينال من ذلك قول أهل اللغة أيضًا، بأنها ما ينفقه الإنسان على عياله ونحوهم، فإنه بيان لحقيقة مدلولها، وعلى تقدير أن مسكن الصغير من مشمولاتها.

وإذ كان الأصل أن يقوم الزوج بالإنفاق على زوجته ليوفر لها احتياجاتها؛ ويُعِينها على التفرغ لواجباتها جزاءً لاحتباسها لمصلحة تعود عليه؛ وكان من المقرر كذلك أن للزوجة أن تأخذ من مال زوجها - إذا منعها مُؤْنتها - ما يكفيها هى وأولادها منه معروفًا، وبغير إذنه؛ وكانت علاقة المرء بذوي قرباه - من غير أبنائه - تقوم على مجرد الصلة - ولو لم تكن صلة محرمية - إلا أن الولد ليس إلا زرع أبيه، بل هو من كسبه وجزؤه، وبعض منه، وإليه يكون منتسبًا، فلا يلحق بغيره. وهذه الجزئية أو البعضية، مرجعها إلى الولاد، وليس ثمة نفع يقابلها ليكون فيها معنى العوض، ومن ثم كان اختصاص الوالد بالإنفاق على صغاره أصلًا ثابتًا لا جدال فيه، بحسبان أن قرابتهم منه مفترض وصلها، محرم قطعها بالإجماع. ولأن نفقتهم من قبيل الصلة، بل هى من أبوابها، باعتبار أن الامتناع عنها مع القدرة على إيفائها - حال ضعفهم وعجزهم عن تحصيل حوائجهم - مفض إلى تفويتها، فكان الإنفاق عليهم واجبًا، فلا تسقط نفقتهم بفقر آبائهم ولا يتحللون منها. بل عليهم موالاة شئون أبنائهم، العاجزين عن القيام بما يكفل إحياءهم وصون أنفسهم، مما يهلكها أو يضيعها. وهم كذلك مسئولون عن تكميل نفقتهم؛ إذا كانوا يتكسبون، وما برحوا عاجزين عن إتمامها، فلا يمنعهم الآباء ما يستحقون، إعمالًا لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولقوله عليه الصلاة والسلام كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول ذلك أن نفقتهم تقتضيها الضرورة، وبقدر ما يكون لازمًا منها لضمان كفايتهم على ضوء ما يليق بأمثالهم، فلا تكون إقتارًا، ولا سرفًا زائدًا عما اعتاده الناس، ولا تستطيل بالتالي إلى ما يجاوز احتياجاتهم عرفًا. بل إن من الفقهاء من استدل على وجوبها على الآباء، من أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون أولادهم خوفًا من الإملاق، وما كانوا ليخافوه لولا أن نفقتهم عليهم، فنهاهم الله تعالى عن قتلهم. ومن ثم قيل بأمرين، أولهما: أن الإخلال بنفقتهم يكون مستوجبًا حبس من قصر في أدائها ممن التزم بها، باعتبار أن فواتها ضياع لنفس بشرية سواء في بدنها، أو عقلها، أو عرضها. ثانيهما: أنه إذا كان للصغار مال حاضر، فإن نفقتهم تكون في أموالهم ولا شأن لأبيهم بها، فإذا كان ما لديهم من مال لا يكفيها؛ أو لم يكن لديهم مال أصلًا، اختص أبو هم من دونهم بتكملتها، أو بإيفائها بتمامها، فلا يتحمل غيره بعبئها.

وحيث إن المدعى لا ينازع في أصل الحق في نفقة صغاره، ولا في شروط استحقاقها، ولا في أن نفقتهم غير مقدرة بنفسها، بل بكفايتها. وإنما تثور دعواه الدستورية حول مشروعية القيود التي فرضها النص المطعون فيه على كل مطلق، قولًا بأن هدفها الحد من الحق في الطلاق، وأن إعناتها يتمثل في إلزامهم إسكان صغارهم من مطلقاتهم، بدلًا عن أجرة المسكن التي كان العمل بها جاريا قبل نفاذ النص المطعون فيه، بما مؤداه: أن عينية نفقتهم لا مبلغها، هى مدار دعواه هذه، وأن الفصل في دستورية النص المطعون فيه يتحدد على ضوئها؛ ونطاق تطبيقها.

وحيث إن إنكار حق صغار المطلق في اقتضاء نفقتهم تمكينًا، مردود أولًا: بأن القاضي وإن كان يقدرها في ظل العمل بأحكام لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها الصادر بها المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 [المادتان (5، 6) منها ومذكرتهما الإيضاحية ] مبلغًا نقديًا يشمل عناصرها جميعًا - بما فيها السكنى، إلا أن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا، أن أية قاعدة قانونية - ولو كان العمل قد استقر عليها أمدًا - لا تحمل في ذاتها ما يعصمها عن العدول عنها؛ وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكمًا شرعيًا قطعيًا - في وروده ودلالته - وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي تشرع الأحكام لتحقيقها وبما يلائمها؛ فذلك وحده طريق الحق والعدل، وهو خير من فساد عريض.

ومن ثم ساغ الاجتهاد في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها.

وليس الاجتهاد إلا جهدًا عقليًا يتوخى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهو بذلك لا يجوز أن يكون تقليدًا محضًا للأولين، أو افتراء على الله كذبًا بالتحليل أو التحريم في غير موضعيهما، أو عزوفًا عن النزول على أحوال الناس والصالح من أعرافهم. وإعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، توصلًا لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بين عباده، مرده أن هذه القواعد تسعها الشريعة الإسلامية؛ إذ هى غير منغلقة على نفسها، ولا تضفى قدسية على أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها، وتقييمها، وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية ليس لها - في ذاتها - قوة ملزمة متعدية لغير القائلين بها. ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعا ثابتا متكررا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيًا عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى، وإنكارًا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد. بل أن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبًا. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره. وربما كان أضعف الآراء سندًا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفًا لأقوال استقر عليها العمل زمنًا. ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية، وربطها بمصالح الناس عن طريق الأدلة الشرعية -النقلية منها والعقلية - حق لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق ثابتًا لولى الأمر يستعين عليه - في كل مسألة بخصوصها وبما يناسبها - بأهل النظر في الشئون العامة، إخمادًا للثائرة وبما يرفع التنازع والتناحر ويبطل الخصومة، على أن يكون مفهومًا أن اجتهادات السابقين، لا يجوز أن تكون مصدرًا نهائيًا أو مرجعًا وحيدًا لاستمداد الأحكام العملية منها؛ بل يجوز لولى الأمر أن يشرع على خلافها، وأن ينظم شئون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة، بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهمًا في ذلك حقيقة أن المصالح المعتبرة، هى التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة متلاقية معها، وهى بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد - مضمونًا ونطاقًا - على ضوء أوضاعها المتغيرة. وليس ذلك إلا إعمالًا للمرونة التي تسعها الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، والتي ينافيها أن يتقيد ولى الأمر في شأنها بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده بصددها، عند لحظة زمنية معينة، تكون المصالح المعتبرة شرعًا قد جاوزتها. وتلك هى الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود لا يتقيد الاجتهاد فيها - وفيما لا نص عليه - بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها.

ومردود ثانيًا: بأن كلمة النفقة عند إطلاقها، تفيد انصرافها إلى مشتملاتها مما تقوم بها من طعام وكسوة وسكنى، أو هى - على حد قول الحنابلة - مؤنة الشخص خبزًا وأدمًا وكسوة وسكنًا وتوابعها، باعتبارها من الحوائج الأصيلة للمنفق عليه. والأصل فيها أن تكون عينًا، فلا يصار حق الصغار بشأنها إلى ما يقابلها نقدًا - باعتباره عوضها أو بدلها - إلا إذا كان استيفاء أصلها متعذرًا. وليس معروفًا أن يكون إنفاق الوالد على صغاره تمليكًا معلوم القدر والصفة، بل يتعين أن يكون تمكينا يُعينهم على أمر حوائجهم، ليوفيها دون زيادة أو نقصان. وهذا الأصل قائم على الأخص في مجال العلائق الزوجية لقوله عليه الصلاة والسلام أطعموهن مما تأكلون وأكسوهن مما تكتسون، وهو مقرر كذلك في الزكاة لوقوعها في عين أموالها لقوله عز وجل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها.

واستصحابًا لهذا الأصل لا تخرج المطلقة من مسكنها طوال عدتها، سواء كان طلاقها من زوجها رجعيًا أم بائنًا؛ ذلك أن طلاقها رجعيًا، يعنى أن علاقة الزوجية لا تزال قائمة، وأن بقاءها في بيته قد يُغريه بإرجاعها إليه، استئنافًا لحياتهما، فإن كان طلاقها منه بائنًا، فإن مكثها في منزل الزوجية يكون استبراء لرحمها. لا استثناء من ذلك في الحالتين، إلا أن تأتى عملًا فاحشًا.

وقد أحال الله تعالى المؤمنين في كفاراتهم إلى عاداتهم قائلًا فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم.

متى كان ذلك، وكان الحق هو الحسن شرعًا، والباطل هو القبيح شرعًا، فإن تقرير حق الصغار في نفقتهم من خلال إبدال مبلغها بعينيتها، لا يكون التواء عن الشرع، ولا ضلا لًا يقابل الحق ويُضَاده.

ومردود ثالثًا: بأن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، كثيرًا ما قرروا أحكامًا متوخين بها مطلق مصالح العباد جلبًا لنفعهم، أو دفعًا لضرهم، أو رفعًا للحرج عنهم، باعتبار أن مصالحهم هذه لا تنحصر جزئياتها، وأنها تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم. وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها. وإذ لم يعد للنفوس - من ذاتها - زاجرًا يردعها عن إنكار حق الصغار في نفقاتهم أو المطل في أدائها - فيما إذا كان قدرها محددًا مبلغًا من النقود - مما قد يحمل حاضنتهم على التردد بهم على ذويها يقبلونهم على مضض، أو يصدونهم، يضيقون بهم ذرعًا، أو يعرضون عنهم، بما يهدد حياتهم وعقولهم وأعراضهم، فقد بات حقًا وواجبًا، أن يتدخل المشرع لرد ما قدره ظلمًا بينًا، وأن يعيد تنظيم الحقوق بين أطرافها مبينًا طرق اقتضائها، مستلهمًا أن الأصل في الضرر أن يزال فلا يتفاقم، وأن الضرر لا يكون قديما، فلا يتقادم، وأن القرابة القريبة ينبغي وصلها، والقبول بأهون الشرين في مجالها توقيًا لأعظمهما.

ومن ثم قدر المشرع -بالنص المطعون فيه- أن ينقل حق هؤلاء الصغار من نفقة يفرضها القاضي مبلغًا من النقود، إلى عين محقق وجودها، هى تلك التي كانوا يشغلونها مع أبو يهم قبل طلاق أم هم، ليظل حقهم متصلًا بها لا يفارقونها، إلا إذا بوأهم أبو هم مسكنًا مناسبًا بديلًا عنها. ولا منافاة في ذلك للشريعة الإسلامية سواء في مبادئها الكلية أو مقاصدها النهائية، بل هو أكفل لدعم التراحم والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، بما يرعى جوهر علاقتهم بعضهم ببعض، فلا يقوض بنيانها.

ومردود رابعًا: بأن ما قرره المدعى من أن المطلق يتعذر عليه أن يوفر سكنًا لصغاره وحاضنتهم إزاء حدة أزمة الإسكان، وعمق تداعياتها، يعنى أن تقدير نفقتهم مبلغًا من النقود مشتملًا على سكناهم، لن يكون كافيًا لتهيئتها؛ إذ لو كان بوسعهم استيفاء حقهم من السكنى من خلال أجر مسكن يحصلون عليه من أبيهم، لكان الاعتراض على عينية نفقتهم لغوًا.

وحيث إن عينية النفقة على ما تقدم، لا تفيد لزومًا انتفاء القيود اللازمة لضبطها، ولا تحول بالتالي دون مباشرة المحكمة الدستورية العليا لرقابتها القضائية في شأن مضمون الحقوق التي خولها النص المطعون فيه لصغار المطلق وحاضنتهم، للفصل في اتفاقها مع الدستور، أو خروجها عليه.

وحيث إن الفقرتين الأولى والثانية من النص المطعون فيه، صريحتان في استقلال الصغار مع حاضنتهم بمسكن الزوجية، فيما إذا تقاعس المطلق عن أن يعد لهم مسكنًا ملائمًا يضمهم جميعًا.

بيد أن ربط هاتين الفقرتين ببعضهما، يدل على تبنيهما تمييزا تحكميًا بين فئتين من المطلقين ذلك أنه بينما تلتزم إحداهما - إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا - أن توفر لصغارها من مطلقاتهن - مع حاضنتهم - مسكنًا مناسبًا خلال فترة زمنية لا تجاوز على الإطلاق عدة مطلقاتهن، وإلا ظل الصغار من دون أبيهم شاغلين مسكن الزوجية، لا يخرجون منه إلا بعد انتهاء مدة حضانتهم بأكملها؛ فإن أخراهما - التي يكون مسكنها هذا غير مؤجر - يكفيها أن توفر لصغارها مع حاضنتهم مسكنًا مناسبًا يفيئون إليه، ولو كان ذلك بعد انتهاء عدة مطلقاتهن، لا يتقيدون في ذلك بزمن معين.

وحيث إن الأصل في كل تنظيم تشريعي أن يكون منطويًا على تقسيم، أو تصنيف، أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها، بالوسائل إليها، منطقيًا، وليس واهيًا أو واهنًا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًا.

ومرد ذلك، أن المشرع لا ينظم موضوعًا معينًا تنظيمًا، مجردًا أو نظريًا، بل يتغيا بلوغ أغراض بعينها، تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها، يقوم عليها هذا التنظيم، متخذًا من القواعد القانونية التي أقرها، مدخلًا لها. فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين في مجال تطبيقها، تحكميًا، ومنهيًا عنه بنص المادة (40) من الدستور

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان ما قرره النص المطعون فيه من تمييز بين فئتين من المطلقين، لا يعدو أن يكون تقسيمًا تشريعيًا لا يقيم علاقة منطقية بين الأسس التي يقوم عليها، والنتائج التي ربطها المشرع بها، بل توخى هذا التمييز - وعلى ما يبين من مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب المعقودة في أول يوليو 1985 - فرض قيود واقعية على الطلاق، كي لا يكون إسرافًا، فجاء بذلك نافيًا لكل علاقة مفهومة بين طبيعة الرابطة القانونية التي ارتبط بها المطلق في شأن مسكن الزوجية - إجارة كانت، أم إعارة، أم ملكًا، أم انتفاعًا، أم حق استعمال، أم غير ذلك من العلائق القانونية - وبين التزام هذا المطلق بأن يوفر لصغاره وحاضنتهم مسكنًا مناسبًا يأويهم كبديل عن مسكن الزوجية، ذلك أن حق الصغار وحاضنتهم ليس متعلقًا بعين الم كان الذى كان يظلهم مع أبو يهم قبل الطلاق؛ بل يقوم حقهم من حصرًا في مكان يهجعون إليه، يكون مناسبًا شرعًا لأمثالهم، فلا يكون إعداده مقيدًا بزمن معين. وإذ كان تنظيم الحقوق لا يجوز لغير مصلحة واضحة يقوم الدليل على اعتبارها؛ وكان غير المتصور أن يكون أمر المطلق رهقًا سواء من خلال تنظيم تشريعي جائر، أو عن طريق إساءة الصغار - أو حاضنتهم- استعمال حقهم في النفقة إضرارًا بأبيهم؛ وكان من المقرر أن مسكنًا مناسبًا يتهيأ لهم من أبيهم سواء قبل انتهاء عدة مطلقته أو بعدها، هو ما تقوم به مصلحتهم في النفقة التي لا يجوز ربطها على الإطلاق بما إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا أو غير مؤجر؛ إذ لا شأن لذلك بحق الصغار في نفقتهم؛ ولا هو من مقاصدها.

متى كان ما تقدم؛ وكان الآباء المطلقون -في علاقاتهم بأبنائهم - تتماثل مراكزهم القانونية فيما بين بعضهم البعض، وكان النص المطعون فيه، قد مايز بينهم - في نطاق هذه العلائق - بأن حد من حقوقهم في إعداد مكان ملائم لسكنى صغارهم إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا، مع بسطها إن كان غير مؤجر؛ فإن هذا التمييز لا يكون منطقيًا، قائمًا بالتالي على غير أسس موضوعية، ومنهيًا عنه دستوريًا، ذلك أن أشكال التمييز التي يناهضها مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون؛ وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد، أو تفضيل، أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق التي كفلها الدستور، أو القانون، أو كلاهما، بما في ذلك تلك التي ترعى بنيان الأسرة ؛ ولا تفرقها، وتصون قيمها وترسيها على دعائم من الخلق والدين، ضمانًا لتراحمها وتناصفها.

وحيث إن النص المطعون فيه - فوق هذا - يتمحض إعناتًا بالمطلق، وتكليفًا بما لا يطاق من جهتين أولاهما: أن عموم عبارته وإطلاقها من كل قيد، وكذلك الأعمال التحضيرية التي تكشف عنها مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب- المعقودة في أول يوليو 1985 - تدل جميعها على أن ما توخاه المشرع بالنص المطعون فيه؛ هو أن يوفر الأب لصغاره من مطلقته، ولحاضنتهم، مسكنًا ملائمًا؛ وإلا استمروا من دونه شاغلين مسكن الزوجية، ولو كان لهؤلاء الصغار مال يكفيهم للإنفاق عليهم. فقد رفض مجلس الشعب اقتراحًا مقدمًا من أحد أعضائه مؤداه: أن تهيئة مسكن للصغار من أبيهم بعد طلاق أم هم، ينبغي أن يكون مقيدًا بألا يكون لحاضنتهم مسكن يخصها، ولا لصغاره مال ينفقون منه على سكناهم. وقيل تبريرًا لهذا الرفض، أن أباهم يقوم الآن بالإنفاق عليهم، ولو ورثوا عن بعض أقاربهم، أو تلقوا عن أم هم، ما لًا.

وإذ كان الأصل المقرر شرعًا أن مؤنة الحضانة تكون في مال المحضون؛ فإن لم يكن للمحضون مال، فعلى من تلزمه نفقته؛ وكان هذا الأصل مرددًا بنص الفقرة الأولى من المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 - المشار إليه - التي تقضى بأنه إذا لم يكن للصغير مال فنفقته، على أبيه؛ وكان حق الصغار في الإنفاق عليهم، يتوخى إحياءهم، وليس حقًا لحاضنتهم عوضًا عن احتباسها لشئونهم؛ وكان الأصل في نفقتهم أنهم عاجزون بدونها عن تحصيل حوائجهم، وأن استيفاءهم لها بقدر كفايتهم يعد معروفًا، وأن تأسيسها على حاجتهم، يثبتها على أبيهم، حتى مع اختلافهم دينًا؛ وكان استواء آباء الصغار مع أمهاتهم في الولاد؛ لا يسقط نفقتهم عن آبائهم، بل ينفردون بها؛ إلا أن الحق في طلبها مقيد دومًا بأن يكون تحصيلها حائلًا دون هلاكهم، أو ضياعهم. ولا كذلك أن يكون للصغير فضل من مال؛ ذلك أن الإنفاق عليه من مال غيره لا يكون إلا تفضلًا، فلا تكون نفقته واجبًا على أحد، ولا يجوز طلبها بالتالي شرعًا من أبيه طلبًا لازمًا يحتم أداءها، فقد انتفى موجبها، ولم يعد اقتضاؤها ضرورة يختل بفواتها نظام الحياة.

ولئن جاز القول بأن الأبوين قد يفيضان بأموالهما على أبنائهم، صونًا لأموالهم التي بين أيديهم مما قد يبددها أو ينتقص منها، إلا أن حدبهما على أبنائهم بما فطرا عليه، لا ينقض قاعدة شرعية أو ينحيها ويُبِْدلها بغيرها، بل تظل نفقتهم في أموالهم بقدر كفايتهم.

ثانيتهما: أنه وإن كان الأصل أن سكنى الصغار - عينًا- حق، وأنها جزء من نفقتهم بمدلولها لغة وعرفًا، وكان النص المطعون فيه يكفلها للصغار من مال أبيهم، ولو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه - وينقلون إليه تبعًا لها - فإنه يكون بذلك مرهقًا -ودون مقتض- من يطلقون زوجاتهم - ولو كان الطلاق لضرورة لها موردها شرعًا-؛ مفضى إلى وقوعهم كارهين في الحرج، ليكون إعناتهم منافيًا للحق والعدل، ومشقتهم بديلًا عن التيسير عليهم، ليقترن الطلاق بالبأساء والضراء التي لا مخرج منها. وما لذلك تشرع الأحكام العملية التي ينبغي أن تستقيم بها شئون العباد ومصالحهم؛ إذ لا يجوز أن يكون عبؤها فادحًا من خلال تكليفاتها، ولا مضمونها عُتُوًا مجافيًا لرحمة فتح الله تعالى أبوابها للمؤمنين، بل هونًا وقوامًا، وهو ما عبر عنه ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار التي أو رد فيها أن أبا حفص حين سئل عمن لها إمساك الولد وليس لها مسكن، أفاد بأن على أبيهم سكناهما جميعًا، وهو ما يعني عند ابن عابدين أن الصغار لا يحتاجون إلى مسكن من أبيهم؛ إذا كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه يأويها مع المحضونين، ليكون انتقالهم معها أرفق بالجانبين، وأوفق لمصالحهم، ومن ثم ينبغي أن يكون عليه العمل.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان ما قرره أبو حفص مما تقدم - وكذلك من خَرَّج عليه - لا يعدو أن يكون اجتهادًا، وكان الاجتهاد في المسائل الخلافية ممكنًا عقلًا، ولازمًا ديانة، ومفتوحًا بالتالي، فلا يصد اجتهاد اجتهادًا، ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التي تنظم الأسرة بغيره، إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، وبما لا يناقض كمال الشريعة، أو يخل بروح منهاجها؛ وكان ما ذهب إليه البعض من أنه إذا اختار ولى الأمر رأيًا في المسائل الخلافية، فإنه يترجح، مردود بأن الترجيح عند الخيار بين أمرين، لا يكون إلا باتباع أيسرهما مالم يكن إثمًا، فلا يشرع ولى الأمر حكمًا يضيق على الناس، أو يرهقهم من أمرهم عسرًا، لتكون معيشتهم ضنكًا وعِوَجا، بل يتعين أن يكون بصيرًا بشئونهم بما يصلحها، فلا يظلمون شيئًا؛ وكان من المقرر أن سكنى صغار المطلق ضرورة ينبغي أن تقدر بقدرها؛ وكان ثابتًا كذلك أن من مقاصد الخلق جلب منافعهم ودفع المضار عنهم، وأن صلاحهم في تحصيل مقاصدهم، فلا يكون بعضهم على بعض عِتِيًا، ولا تكون أفعالهم ضراوة فيما بينهم؛ وكان حقًا قوله عليه السلام ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فآتوا منه ما استطعتم وكانت الحنيفية السمحة هى مدار الدعوة التي قام بتبليغها إلى الناس جميعهم وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين؛ وكان اقتضاء الصغار مسكنًا من أبيهم - مع إمكان إيوائهم في مسكن لحاضنتهم تسكنه فعلًا - مؤجرًا كان أم غير مؤجر - ليكون لهم مهادًا، ليس تعلقا بما يكون واجبًا على أبيهم، ولا اجتنابًا من جهتهم لشر يتناهون عنه، بل إعراضًا عما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من المسامحة واللين، فقد تعين ألا يكون دينهم إرهاقًا لعلاقاتهم ببعض، ولا مقيمًا عوائق تتعقد دروبها وتنغلق مسالكهم إليها، ليكون لهم مخرجًا من حرجهم، فلا يقترن - ظلمًا أو هضمًا - بما يأتون أو يدعون مصداقًا لقوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج وما جعل الله عليكم في الدين من حرج يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا.

متى كان ذلك، وكان القرآن فصلًا لا هزلًا، وكان اختصاص صغار المطلق من مطلقته - مع حاضنتهم - بمسكن الزوجية مع وجود مسكن لها تقيم فيه، وهو ما يقع بوجه خاص إذا لم تكن حاضنتهم هى المطلقة نفسها، بل أمها أو أختها أو خالتها- يعنى أن حاضنتهم هذه - وقد تهيأ مسكن لها مع زوجها وأولادها أما أن تنقل هؤلاء معها إلى مسكن المحضونين نابذة مسكنها لأمر إن عقد عليه عزمها، وإما أن تتردد بين مسكنها ومسكنهم، فلا تمنحهم كل اهتمامها، ولا توفر لحضانتهم متطلباتها من التعهد والصون والتقويم، وإما أن تقيم مع محضونيها -من دون أسرتها - ليتصدع بنيانها. ولا يعدو ذلك كله أن يكون عبثًا توخى - دون مقتض - وعلى ما جاء بمضبطة مجلس الشعب - فرض قيود واقعية على الطلاق لا يجوز شرعًا.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، فقد تعين أن يكون النص المطعون فيه مقيدًا، فلا يكون مسكن الزوجية مقرًا للمحضونين؛ إذا كان لحاضنتهم مسكن يأويهم، تقيم هى فيه. وليس لازمًا أن يكون مملوكًا لها، ذلك أن حق الصغار في السكنى ينتقل من مسكن أبيهم إلى مسكن حاضنتهم، أيًا كان شكل العلاقة القانونية التي ترتبط بها في شأن هذه العين، ودون إخلال بحقها في أن تقتضى لها وللصغار أجر مسكن مناسب، باعتباره من مؤنتهم.

وحيث إن النص المطعون فيه - محددًا نطاقًا في الحدود التي خلص إليها قضاء المحكمة الدستورية العليا على النحو المتقدم - لا يعطل الحق في الطلاق، ذلك أنه كفل لصغار المطلق - وحاضنتهم - حقوقًا تقتضيها الضرورة، وبقدرها، لتكون نفقتهم كافلة لمقوماتها؛ لا تنتقص من مشتملاتها، ولا يكون جريان آثارها وإنفاذ الحقوق المتعلقة بها متراخيًا. ووقوعها في الحدود التي يقتضيها الشرع، ينفى تعويقها الطلاق، أو إهدارها الحق فيه، لأمرين، أولهما: أن الأصل في الحقوق التي يأذن المشرع بممارستها، أو يبين أسسها؛ أنها تتكامل فيما بينها ولا تتآكل، بل تعمل جميعها في إطار وحدة عضوية تتلاقى توجهاتها، وتتوافق مصالحها. ثانيهما: أن الطلاق كان دائمًا ملاذًا نهائيًا للرجل، ولا يلجأ إليه إلا باعتباره بابًا للرحمة في مجال علاقة زوجية غدا صدعها غائرًا عميقًا.

ولم يكن مطلقًا بغيًا من الرجل على المرأة لقوله تعالى فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا فلا يكون الفراق بين الزوجين ظلمًا أو حمقًا، بل معروفًا وانتصافًا لا ينال من الحقوق التي جر إليها ولا يسقط عن المطلق تبعاتها. وتلك هى الشريعة الإسلامية، قوامها العدل والرحمة، وجوهرها دعوة إلى البر والإحسان لا تتناهى. ومما يناقض وسطيتها أن يكون الصغار ضحايا لنزق آبائهم، يمنعونهم ما يستحقون.

وحيث إن ما قرره المدعى من أن المطلق - إذا ما كان مالكًا قانونًا لمسكن الزوجية - فإن اختصاص صغاره من مطلقته بهذا المسكن من دونه، إنما يجرد ملكيته من بعض عناصرها، إخلالًا بالحماية التي كفلها الدستور لها بالمادة (34)، مردود بأن الملكية في إطار النظم الوضعية التي تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تعد حقًا مطلقًا، ولا هى عصية على التنظيم التشريعي. وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها. ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التي تتطلبها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكمًا، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التي ينبغي رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعي معين، في بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها.

وفى إطار هذه الدائرة، وتقيدًا بتخومها، يفاضل المشرع بين البدائل، ويرجح على ضوء الموازنة التي يجريها، ما يراه من الصالح أجدر بالحماية، وأولى بالرعاية وفقًا لأحكام الدستور، مستهديًا في ذلك بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة بذاتها من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة بذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة.

ولا تعارض الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية ما تقدم. ذلك أن الأصل فيها أن الأموال جميعها مردها إلى الله تعالى، أنشأها وبسطها، وإليه معادها ومرجعها، مستخلفًا فيها عباده الذين عهد إليهم بعمارة الأرض، وجعلهم مسئولين عما في أيديهم من الأموال لا يبددونها أو يستخدمونها إضرارًا. يقول تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه. وليس ذلك إلا نهيًا عن الولوغ بها في الباطل. وتكليفًا لولى الأمر بأن يعمل على تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية المتوخاة منها، وهى مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال وإدارتها عبثًا أو إسرافًا أو عدوانًا، أو متخذًا طرائق تناقض مصالح الجماعة أو تخل بحقوق للغير أولى بالاعتبار. وكان لولى الأمر بالتالي أن يعمل على دفع الضرر قدر الإمكان، وأن يحول دون الإضرار إذا كان ثأرًا محضًا يزيد من الضرر ولا يفيد إلا في توسيع الدائرة التي يمتد إليها، وأن يرد كذلك الضرر البين الفاحش.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان اختصاص صغار المطلق بمسكن الزوجية، مقيدًا بتراخيه في أن يوفر لهم مسكنًا مناسبًا يكون بديلًا عنه، فإن استقلالهم به يغدو متصلًا بنفقتهم، مترتبًا على الإخلال بإيفائها، بعد أن غض أبو هم بصره عن إحياء صغاره، ليكون استمرارهم في شغل مسكن الزوجية، عائدًا في مصدره المباشر إلى نص القانون، وعلى ضوء الموازنة التي أجراها المشرع بين مصلحة المطلق في أن يظل مقيمًا بهذا المسكن من دون صغاره، ومصلحتهم في البقاء فيه من دونه، مرجحًا- في نطاق سلطته التقديرية في مجال تنظيم الحقوق- ثانيتهما، باعتبار أن تفويتها يلحق بصغاره مضارًا لاحد لها، ولأن الأضرار حين تتزاحم، فإن اختيار أهونها دفعًا لأعظمها خطرًا وأفدحها أثرًا، يكون لازمًا، وواقعًا فيه نطاق الوظيفة الاجتماعية للملكية، التي يحدد ولى الأمر إطارها وتوجهاتها.

وحيث إن إعمال الفقرة الثالثة من النص المطعون فيه - محدد إطاره على ضوء قضاء المحكمة الدستورية العليا - يفترض أن المطلق قد تراخى عن أن يعد مسكنًا مناسبا لصغاره من مطلقته، رغم قيام الدليل على أنهم لا يملكون ما لًا حاضرًا يدبرون منه سكناهم، وليس لحاضنتهم مسكن تقيم فيه ويأويهم تبعًا لها -فإن اختصاصهم -من دون أبيهم - بمسكن الزوجية، يكون لازمًا.

وحيث إن البين من الأعمال التحضيرية لهذه الفقرة - حسبما تضمنتها مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب المعقودة في أول يوليو سنة 1985 - أن حكمها لم يكن واردًا في مشروع القانون المعروض بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وإنما اقترحها أحد أعضاء هذا المجلس تخييرًا للحاضنة بين الاستقلال مع الصغار بمسكن الزوجية، وبين أن يقدر القاضي لها وللمحضونين أجر مسكن مناسب؛ وكان ذلك من المشرع بحسبان أنها قد تؤثر الانتقال مع الصغار إلى ذويها طلبًا لملاذهم وعونهم، وقد يكون لها مسكنها ويريحها أن تظل فيه، بافتراض أن انتقالها منه إلى مسكن الزوجية قد يؤذيها أو يرهقها، وقد يروعها - بما يقوض سكينتها وصفاء نفسها- فيما إذا كان أهل المطلق أولو بأس شديد،، فلا تخلص - إزاء اضطرابها- لمحضونيها، ولا تمنحهم من اهتمامها ما يستحقون، ولا تعُِينهم على قضاء حوائجهم بما يكفيها؛ فإن اختيارها أحد هذين البديلين - مسكن الزوجية أو أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها -لا يكون مناقضًا أحكام الدستور - ومن بينها مادته الثانية - باعتباره مقررًا لمصلحه لها اعتبارها، وإهمالها يلحق الضرر بها وبمحضونيها.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة (18) مكررًا ثالثًا - المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، وذلك فيما نصت عليه وتضمنته من: -

أولًا: إلزامها المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفى لسكناهم، أو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه، مؤجرًا كان أم غير مؤجر.

ثانيًا: تقييدها حق المطلق - إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا - بأن يكون إعداده مسكنًا مناسبًا لصغاره من مطلقته وحاضنتهم، واقعًا خلال فتره زمنيه لا يتعداها، نهايتها عدة مطلقته.

وألزمت الحكومة المصروفات ومائة جنية مقابل أتعاب المحاماة.

لتحميل ملف الحكم (هنا)

 

 

 

* حكم منشور عبر هذا الرابط: https://mksegypt.org/ar/supreme-constitutional-court-rulings/15491

صدر قانون الأحوال الشخصية الجعفرية الكويتي رقم (124) لسنة 2019 بتاريخ 18 ذي الحجة 1440 هـ (الموافق 19 أغسطس 2019 م)، ونُشر في الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» بتاريخ 24 ذو الحجة 1440 هـ (الموافق 25 أغسطس 2019 م)؛ وذلك لتأطير أحكام الأسرة والمواريث والأوقاف للمواطنين الكويتيين من أتباع المذهب الجعفري.

وتتوزع محتويات القانون على 510 مواد مقسمة وفق الهيكلية الآتية: أحكام الإصدار والقواعد العامة، كتاب الزواج، كتاب الطلاق، كتاب المواليد والنسب والحضانة، كتاب الوصية والوقف، وكتاب المواريث والأحكام الختامية.

لتحميل ملف القانون (هنا)

تُعد مدونة الأوقاف المغربية، الصادرة بموجب الظهير الشريف رقم 1.10.15 بتاريخ 8 ربيع الأول 1431هـ (23 فبراير 2010م)، الإطار التشريعي الأساس المنظم لمجال الأوقاف في المملكة المغربية. ويهدف هذا التقنين، بحسب الديباجة الرسمية، إلى تجميع القواعد والأحكام الفقهية المتعلقة بالوقف التي كانت متفرقة في مصادر متعددة، وذلك لمنع تعدد الآراء الفقهية واختلاف التأويلات حولها، وتحقيق الملاءمة والانسجام مع المنظومة القانونية العامة. كما ترمي نصوص المدونة إلى إرساء آليات ونظم تدبيرية تهدف لتيسير إدارة الأملاك الوقفية واستغلالها واستثمارها، بما يضمن استقلالية الوقف وحمايته القانونية، ويمكّنه من المساهمة في المشاريع التنموية الاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة خصوصيته المستمدة من أحكام الفقه الإسلامي.

 

الباب التمهيدي: أحكام عامة

تنطلق وثيقة المدونة بالباب التمهيدي الذي يضع القواعد العامة المؤطرة للوقف بالمملكة المغربية، حيث تعرف الوقف بأنه كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة، وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة. وتشير وثيقة المدونة إلى أن الوقف ينشأ إما بعقد، أو ببينة، أو بقوة القانون، وهو ينقسم إلى وقف عام، أو معقب، أو مشترك. كما يقرر هذا الباب صراحة أن النظر في شؤون الأوقاف العامة يعتبر من صلاحيات أمير المؤمنين، وتباشر هذه المهمة تحت سلطته المباشرة من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في إطار التقيد بأحكام هذه المدونة والنصوص المتخذة لتطبيقها.

 

الباب الأول: إنشاء الوقف وآثاره

يتناول الفصل الأول من هذا الباب أركان الوقف وشروطه، حيث ينص على أن أركان الوقف أربعة وهي الواقف، والموقوف عليه، والمال الموقوف، والصيغة. ويشترط في الواقف أن يكون شخصًا ذاتيًا أو اعتباريًا، مالكًا للمال الموقوف ملكًا صحيحًا، ومتمتعًا بأهلية التبرع ومطلق التصرف، وإلا كان عقد الوقف باطلًا. وتأخذ الصيغة حكم مدونة الأسرة في اللزوم، ويصح إنشاؤها بكل ما يفيد معنى الوقف من قول أو كتابة أو إشارة مفهومة أو فعل دال عليه. ويشترط لصحة الوقف الإشهاد عليه وحوز المال الموقوف قبل حصول المانع للواقف كالموت أو الإفلاس. ويتم الحوز برفع يد الواقف عن المال ووضعه تحت يد الموقوف عليه، ويحصل بمعاينة البينة أو بتسجيل الوقف في المحافظة العقارية. كما تسري أحكام لزوم الوقف وحالات بطلان وقف الفضولي أو الوقف المستغرق بالدين وقت التحجير.

وفي الفصل الثاني المخصص لآثار عقد الوقف، توضح المدونة وجوب التقيد بشروط الواقف والوفاء بها إذا كانت مشروعة وقابلة للتنفيذ، وفي حال اقترن الوقف بشرط غير مشروع يبطل الشرط ويصح الوقف. وتقرر المدونة عدم جواز رجوع الواقف في وقفه أو تغيير شروطه بعد انعقاده، باستثناء حالتين محددتين؛ وهما: إذا تعلق الوقف بموقوف عليه سيوجد مستقبلًا وفات الواقف قبل وجوده، أو إذا اشترط الواقف في عقد الوقف الرجوع عنه عند افتقاره. ويحق للموقوف عليه استعمال المال الموقوف واستغلاله وفق شرط الواقف بما يتوافق مع الأغراض المتوخاة، ويلتزم ببذل العناية اللازمة لحفظه ويتحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عن تقصيره أو إهماله. وينتهي حق الموقوف عليه بوفاته، أو غيبته غيبة انقطاع إذا كان الانتفاع مقصورًا عليه، أو بزوال الصفة التي استحق بها الوقف، أو بالتنازل الصريح.

 

الباب الثاني: الوقف العام

يحدد الفصل الأول من الباب الثاني أحكام الوقف العام، مبينًا أنه كل وقف خصصت منفعته ابتداءً أو مآلًا لوجوه البر والإحسان وتحقيق منفعة عامة. وتعتبر وقفًا عامًا بقوة القانون جميع المساجد والزوايا والأضرحة والمقابر الإسلامية وملاحقاتها والأملاك الموقوفة عليها. ويتمتع الوقف العام بالشخصية الاعتبارية وتتولى إدارة الأوقاف تدبير شؤونه وتمثيله قانونًا. ويترتب على كسب المال لصفة الوقف العام عدم جواز حجزه أو كسبه بالحيازة أو التقادم، وعدم جواز التصرف فيه إلا وفق الأحكام المحددة في المدونة.

وينظم الفصل الثاني التصرفات الجارية على أموال الوقف العام، لاسيما المعاوضات النقدية والعينية التي تهدف إلى حفظ الوقف وتنمية مداخيله. وتخضع المعاوضات النقدية للموافقة السامية إذا زادت قيمتها التقديرية عن عشرة ملايين درهم، أو لموافقة المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة إذا كانت تتراوح بين خمسة وعشرة ملايين درهم، ولموافقة السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف إذا كانت تقل عن خمسة ملايين درهم. وتحدد القيمة التقديرية من طرف لجنة خبراء ثلاثية. وتخضع المعاوضات العينية لشرط أن تكون العين المعاوض بها محفظة وتساوي أو تفوق القيمة التقديرية للعين الموقوفة. كما يضبط هذا الباب بيع منتوج الأشجار والغلل ومواد المقالع عن طريق السمسرة أو طلب العروض، وينظم أحكام الكراء حيث لا تزيد مدة كراء الأملاك غير الفلاحية عن ثلاث سنوات قابلة للتجديد بزيادة لا تقل عن عشرة في المائة، ولا تزيد مدة كراء الأملاك الفلاحية عن ست سنوات قابلة للتجديد بزيادة لا تقل عن عشرين في المائة. ويمنع إنشاء حقوق عرفية جديدة كالجلسة والزينة والجزاء والمفتاح على أملاك الأوقاف العامة، ويقرر طرق تصفية الحقوق القائمة منها.

الباب الثالث: الوقف المعقب والمشترك

يركز الفصل الأول من الباب الثالث على الوقف المعقب، وهو الوقف المحبس على ولد الواقف أو عقبه أو نسله أو ذريته. وتمنع المدونة إنشاء الوقف المعقب إلا في حدود ثلاث طبقات فقط، وإذا شمل العقد أكثر من ذلك يبطل الوقف فيما زاد عنها. ويرجع الوقف المعقب بعد انقراض الموقوف عليهم إرثًا إلى ورثة الواقف إن وجدوا، وإلا يؤول إلى الأوقاف العامة. ويوضع الوقف المعقب تحت مراقبة إدارة الأوقاف ويتولى تسييره ناظر يعينه الواقف أو السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف بعد استشارة الموقوف عليهم. وتتم تصفية الأوقاف المعقبة بقوة القانون في حالات انقطاع نفع المال أو قلته بكيفية كبيرة، أو تعذر الانتفاع به، أو إذا صار عائده لا يغطي مصاريفه، أو إذا كثر المستفيدون وقل نصيب كل واحد منهم.

ويخصص الفصل الثاني للوقف المشترك، وهو ما وقف ابتداءً على جهة عامة وعلى شخص ذاتي بعينه أو على عقبه. ويخضع الوقف المشترك لنفس الأحكام المطبقة على أموال الوقف العام وتتولى إدارة الأوقاف تدبيره، ويقسم عائده بين الجهة العامة وباقي المستحقين بحسب الحصص المعينة من الواقف، وتسري الأحكام الخاصة بتصفية الأوقاف المعقبة على الحصة المخصصة للعقب في الوقف المشترك.

 

الباب الرابع: تنظيم مالية الأوقاف العامة ومراقبتها

يفصل الفصل الأول من الباب الرابع مبادئ التنظيم المالي والمحاسبي للأوقاف العامة، مقررًا أن لمجموع الأوقاف العامة ذمة مالية واحدة مستقلة تشتمل على جميع الأموال الموقوفة وعوائدها ومختلف مواردها. ويوضع للأوقاف ميزانية سنوية مستقلة عن ميزانية الدولة تقوم على أساس التوازن المالي، وتتكون من باب الموارد وباب النفقات، وينقسم كل منهما إلى قسم خاص بالتسيير وقسم خاص بالاستثمار، بالإضافة إلى حسابات خصوصية لبعض المشاريع الوقفية المحددة. ويعتبر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية هو الآمر بالقبض والصرف لهذه الميزانية.

ويفرد الفصل الثاني من هذا الباب قواعد مراقبة مالية الأوقاف العامة، حيث تخضع العمليات المالية لمراقبة خاصة تهدف إلى التأكد من سلامتها ومطابقتها للنصوص الجاري بها العمل. ويقوم بهذه المراقبة مراقب مالي مركزي على مستوى الإدارة المركزية، بمساعدة مراقبين ماليين، بالإضافة إلى مراقبين محليين على مستوى النظارات. ويحدث بجانب جلالة الملك مجلس يسمى "المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة" يتولى مراقبة مالية الأوقاف ودراسة القضايا المتعلقة بها واقتراح إجراءات تحسين تدبيرها وإعداد تقرير سنوي يرفع للملك. ويترأس هذا المجلس شخصية يعينها الملك، ويتألف من كاتب عام وممثلين عن المجلس العلمي الأعلى ومستشارين قانونيين وخبراء محاسبين.

 

الباب الخامس: أحكام انتقالية وختامية

تختتم وثيقة المدونة أبوابها بالأحكام الانتقالية والختامية التي تحدد تاريخ دخول أحكام هذه المدونة حيز التنفيذ، وتنسخ القوانين والظهائر السابقة المتعارضة معها. وتؤكد المدونة في مادتها 169 أنه في كل ما لم يرد فيه نص خاص في هذه المدونة، يتعين الرجوع فيه إلى أحكام المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعي تحقيق مصلحة الوقف وضمان حمايته وتنميته.

لتحميل ملف المدونة (هنا)

يكشف هذا الحكم التاريخي الصادر عن محكمة مصر الشرعية عام 1926م عن اجتهاد قضائي أقرّ مبدأ الرفق والتيسير في أحوال الأسرة؛ إذ يُعالج قضية قانونية ودقيقة: هل تُعتبر الجدة (أو الحاضنة البديلة) متبرعة بما تنفقه على الصغير بعد فرض النفقة، أم يثبت لها حق الرجوع على الأب ومطالبته بالمبالغ المنفقة مهما طالت المدة؟ يستعرض النص تفاصيل النزاع القضائي بين الجدة والأب، وكيف رجّحت المحكمة الرأي الفقهي الأرفق بحال الحاضنة والمحقق لرعاية الطفل، لتساوي رسمياً بين الأم وغير الأم في ولاية الإنفاق والرجوع المالي دون اشتراط إذن سابق بالاستدانة.

 

الحاضنة غير الأم كالأم؛ لها حق الرجوع حال حياة الأب بما تنفقه على الصغير بعد الفرض بمجرد ثبوت ولاية الإنفاق لها باليد وانتقال الحضانة إليها، بلا توقف في ذلك على إذنها بالإنفاق من قِبل الأب أو القاضي، فإذا أنفقت الجدة على الصغير في هذه الحالة رجعت بما أنفقت، طالت المدة أو قصرت.

حُــكــم

بالجلسة الجزئية المنعقدة علنًا بمحكمة مصر الشرعية في يوم ٢٩ رمضان سنة ١٣٤٤هـ (١٢ أبريل سنة ١٩٢٦م) لدي أنا "محمد ضاحي" القاضي بها، وبحضور "محمد أفندي كراره" كاتب الجلسة، (صدر الحكم الآتي) في القضية الجزئية نمرة ١٢٤٦ سنة ١٩٢٥ - ١٩٢٦ (المرفوعة) من: هانم عبد الرحمن (ضد) عبده قاسم إسماعيل، بطلب انتقال مفروض.

الـوقـائـع

 ادعى وكيلها أن المدعى عليه كان زوجًا لابنتها "وهيبة خليل"، ورُزق منها حال قيام الزوجية ببنت تُدعى "سعدية"، وقد فُرض عليه لها النفقة المقررة بمقتضى الأحكام التي بينهما. وأن أم البنت المذكورة قد تزوجت بأجنبي وسلمتها إلى المدعية من أول أكتوبر سنة ١٩٢٥، وقامت بالإنفاق عليها من تاريخ تسلمها النفقة المفروضة لها، ولا تزال تنفق عليها. وطلب أمر المدعى عليه بأداء المقرر للبنت المذكورة إلى موكلته من التاريخ المذكور. ودفع وكيل المدعى عليه الدعوى بأن الجدة ليس لها أن ترجع على الأب بما أنفقته على الصغير في مدة ماضية بدون إذن القاضي، كالوصي إذا أنفق على الصغير من مال نفسه بدون إذن القاضي ليس له الرجوع في مال الصغير، وطلب عدم سماع الدعوى.

 

الـمـحـكـمـة

جرت المتون والشروح على أن نفقة الصغير وغيره من الأقارب بعد القضاء بها تسقط بمضي المدة، ولا تصير دينًا إلا بالاستدانة بأمر القاضي. وقد حرر "ابن عابدين" رحمه الله أن الأم إذا كانت موسرة تُؤمر بالإدانة من مالها، وإن كانت معسرة تُؤمر بالاستدانة. وفي كلٍ منهما إذا أكل الأولاد من المسألة سقطت نفقتهم عن أبيهم فلا ترجع على الأب بشيء في الصورتين. وأنها إذا أُمرت بالاستدانة ولم تستدن وأنفقت من مالها فلا رجوع لها أيضًا؛ لأنها لم تفعل ما أمرها القاضي به... وقد صرحوا باشتراط الاستدانة بالفعل فتكون متبرعة. وأنها إن أُمرت بالإنفاق وهي موسرة فاستدانت وأنفقت منه ترجع؛ لأن ما تستدين في هذه الحالة دين عليها لا على الأب فيصير من مالها، ولا فرق بينه وبين مال آخر: (شرح الدر ورد المحتار من النفقة). ولا بد لصيرورتها دينًا بعد القضاء أيضًا أن يكون الإنفاق مما استدانته لا من مال آخر: (شرح الدر وتقرير الرافعي على رد المحتار من النفقة).

هذا الذي جرت عليه المتون والشروح، وفرعوا عليه ما ذكر. ولكن "الزيلعي" رحمه الله نقل عن الذخيرة أن نفقة الصغير المقضي بها كنفقة الزوجة لا تسقط بمضي المدة، ويترتب عليه أنها بعد الفرض لا تسقط، ولو لم تُؤذن الأم بالاستدانة، وإن أنفقت من مال نفسها بلا أمر، وإن طالت المدة؛ لتصريحهم بأن للزوجة الرجوع على الزوج بما تنفقه على نفسها من مالها بعد الفرض، ولو لم تكن مأذونة بالاستدانة.

وفي "نهج النجاة" عن التمرتاشية أن لها في حياة الأب الرجوع عليه بما أنفقته من مالها على الصغير بعد الفرض، كما في تقرير الرافعي على رد المحتار في أواخر النفقة. ويعلم مما ذكر أن الأم إذا أنفقت من مالها على الصغير بعد الفرض بدون إذن تُعتبر -بناءً على ما جرت عليه المتون- متبرعة فلا ترجع على الأب. وأما على ما نقله الزيلعي فلا تعتبر متبرعة ويكون لها حق الرجوع على الأب بما أنفقت ولو بدون إذن، قصرت المدة أو طالت. وعلى هذا استقر عمل المحاكم لأنه الأرفق.

وما صرحوا به في باب الوصي من أن الأم إذا أنفقت على الصغير وهي وصية عليه تعتبر متبرعة وليس لها الرجوع في ماله إلا بالإشهاد... ليس مما نحن فيه؛ لأن الكلام هنا في رجوعها في مال الأب بما تنفقه على الصغير بعد فرض النفقة عليه، وذاك في رجوعها في مال الصغير، وقد فرقوا بينهما في بعض الأحكام كما في الحضانة...

على أن ما نقله الزيلعي وتفرع عليه ما ذكر، رواية اختيرت للعمل لما فيها من الرفق، فلا يضر عدم اتفاقها مع ما ذكر... ومعلوم شرعًا أن الأم ليس لها ولاية على مال الصغير، وإنما تثبت لها ولاية الإنفاق عليه إذا ماطل الأب، ضرورة أن الولد في يدها وأنها قائمة بحضانته والنفقة من أسباب الحضانة: (رد المحتار عند قول الدر: وصح صلحها عن نفقتهم).

وبهذه الولاية التي سببها ما ذكر يثبت لها حق الرجوع على الأب بما ينفقه على الصغير من مالها بعد الفرض وإن طالت المدة بناءً على ما هو الأرفق. فإذا زالت يدها وصارت اليد لغيرها من الحاضنات زالت ولاية الإنفاق عنها وتثبت لمن صارت اليد لها، فتملك كالأم الرجوع على الأب بما تنفقه على الصغير من مالها وإن طالت المدة، ولا تعتبر متبرعة لقيام الفرض وعدم سقوط النفقة بناءً على ما هو الأرفق.

خصوصًا أنهم صرحوا في مقام آخر بأن العادة جرت بأن الأبوين يتبرعون بالإنفاق على أولادهم، وإذا كانت الأم في هذا المقام لا تعتبر متبرعة بما تنفقه من مالها، فغيرها من الحاضنات بذلك أولى... ولا يؤثر في ذلك أن الأب مأمور بأداء النفقة إلى الأم، لأن الأمر بالأداء لا تأثير له في نفي التبرع وثبوت حق الرجوع للأم بما تنفقه؛ لأن ذلك الحق مترتب على صيرورة النفقة دينًا في ذمة الأب بالفرض مع ثبوت ولاية الإنفاق لها، ولم يُذكر أن أمر الأب بالأداء شرط في ثبوت هذا الحق لها. وعبارة نهج النجاة كما ترى مطلقة عن ذلك، على أن أمر الأب بأداء النفقة إلى الأم لا يتضمن إذنها بالإنفاق من مالها حتى يكون له أثر في نفي التبرع وثبوت حق الرجوع على الأب.

مما ذكر يتبين أن الجدة كالأم لها حق الرجوع حال حياة الأب بما تنفقه على الصغير بعد الفرض بمجرد ثبوت ولاية الإنفاق لها باليد وانتقال الحضانة إليها، بلا توقف في ذلك على إذنها بالإنفاق، بناءً على ما هو الأرفق. وحينئذ يكون الدفع بعدم سماع دعوى المدعية بالنسبة لطلبها أمر الأب بأداء نفقة الصغيرة إليها من التاريخ المذكور غير مقبول، لهذا قررنا رفضه.

لتحميل ملف الحكم (هنا)

يسعد  حوارات الشريعة والقانون  أن يقدم للقراء الأعزاء وثيقة نادرة تنشر للمرة الأولى على الشبكة الدولية وهي الأمر العالي بإلغاء أقلام بيت المال وترتيب المجالس الحسبية، ويليها لائحة المجالس الحسبية وملحقتها (1916)، وهذا الأمر يمثل نهاية مؤسسة (بيت المال) التي استمرت طوال التاريخ الإسلامي.

بيت المال مؤسسة إسلامية، تعد من أوائل المؤسسات الإدارية الإسلامية، وهو حجر الزاوية في النظام المالي للدولة الإسلامية؛ فهو المسؤول عن جمع الصدقات والفيء والأموال المستحقة وما في حكمها وحفظها وإحصائها وصرفها في حاجات ومتطلبات الأمة كتجهيز الجيوش وغيرها. كان تأسيسه في عهد عمر بن الخطاب استجابة لتوسع الفتوحات وتعقد إدارة الموارد للدولة المترامية الأطراف. وبهذا المعنى كان هو اللبنة الرئيسة في النظام المالي والإداري الإسلامي.

استمرت مؤسسة بيت المال تضطلع بوظائفها المالية طيلة العصور الإسلامية، إلا أن مهامها أخذت في التقلص منذ عصر الحداثة؛ إذ شهد القرن التاسع عشر تراجعا في مهام هذه المؤسسة؛ حيث اقتصرت على مهمة الإشراف على تركات اليتامى ولم يكن لهم وارث أو تحفظ بها أموال الغائبين، وقد صدرت في مصر بضع تشريعات تنظم عمل هذه المؤسسة أهمها لائحة بيت المال (1267ه/1860م)، وبعض القرارات التالية لها حتى إلغائها بالكلية عام (1916)، وسبقتها إلى ذلك الدولة العثمانية في عام (1904) لتحل محلها مؤسسات بديلة مثل: المجالس الحسبية.

 

لتحميل ملف الوثيقة (هنا)

يمثّل الدكتور محمد يوسف موسى (1899–1963م) قامة فكرية استثنائية في مشهد التجديد الفقهي والإصلاح الفلسفي الحديث؛ إذ جمع في تكوينه المعرفي بين التأسيس الأزهري الأصيل والتعمق المنهجي في الفلسفة الأخلاقية والقانونية بجامعة السوربون. وتتجلّى الأهمية الأكاديمية لمسيرته ومشرُوعه في انتمائه إلى جيل المجددين الذين تجاوزوا آثار الصدمة الحضارية نحو تنظيرٍ أصيل يُرسخ للاستقلال المنهجي للشريعة الإسلامية، ويرفض الانبهار التبعي بالغرب. فقد قامت رؤية د. موسى التجديدية على الوصل المباشر بين الفلسفة والواقع، وتجديد الفقه الإسلامي عبر استلهام منهج الصحابة والتابعين في إرعاء المصالح والمقاصد، وتدشين الاجتهاد الجماعي عبر المجامع الفقهية، وإبراز أثر الفقه الإسلامي في الفكر القانوني العالمي. وتأتي هذه السيرة التوثيقية والبيبليوغرافية لتقدم مسار حياته العلمية ونتاجه الخالد في الفقه والأخلاق والفلسفة، بوصفه أنموذجًا فذًا للفقيه المجدد والفيلسوف المفكر.

 

السيرة الذاتية والمسيرة المهنية:

ولد محمد يوسف موسى في يونيو (1899م) في مدينة الزقازيق المصرية. درس أبوه في الأزهر لكنه عاد إلى بلدته واشتغل بالزراعة، وتوفي ولم يكد ابنه يتم عامه الأول، وكافحت الأم لئلا يشتغل أبنائها بالزراعة ويتفرغوا للتعليم وساعدها على ذلك انتمائها لأسرة علمية كان منها الشيخ حسين والي سكرتير مجلس الأزهر الأعلى.

حفظ يوسف موسى القرآن وهو في سن صغير؛ إذ كان سريع الحفظ وآية في الذكاء، يحفظ لوحه بمجرد كتابته، والتحق بالأزهر عام (1912) وكان طالبا مجدًا مخلصًا في طلب العلم متفرغًا له، لا يقضي وقته في اللهو، وفي عام (1925) نال شهادة العالمية بتفوق ثم عين بمعهد الزقازيق ودرس فيه ثلاث سنوات إلى أن أُقيل منه بعد توقيع الكشف الطبي عليه لضعف بصره.

وكما كان ضعف بصره سببا في إقالته من وظيفته كان حائلا دون انضمامه إلى (قسم التخصص) بالأزهر لمواصلة دراسته، ولكن الشيخ عبد المجيد سليم -مفتي الديار المصرية ثم شيخ الأزهر الأسبق- اقترح أن ينتسب للقسم من الخارج، فأحرز نجاحا باهرا في الثلاث سنوات وهي مدة الدراسة، وكان ترتيبه الأول فيها، ورغم هذا رفض الأزهر تعيينه مدرسًا ولم يشفع له تفوقه، ولما يئس من التعيين انكب على تعلم اللغة الفرنسية لتكون سبيلا لدراسة الحقوق والاشتغال بالمحاماة.

في عام (1932) أفلح موسى في الاشتغال كمحام شرعي بمكتب أحد المحامين البارزين، وأحرز نجاحا فلما توفي صاحب المكتب تحولت قضاياه إلى المحامي الشاب، ولكنه لم يلبث أن هجر المحاماة مع تعيين الشيخ مصطفى المراغي شيخًا للأزهر للمرة الثانية (1936)؛ إذ طلب منه أن يشتغل مدرسا بالأزهر فآثر الاشتغال بالعلم وترك المحاماة، حيث عين مدرسا للفلسفة بكلية أصول الدين.

سافر إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة (1938) وهناك التقى المستشرق الفرنسي ماسينيون واختاره مشرفا له، لكنه لم يلبث أن غادرها لنشوب الحرب العالمية الثانية ثم عاد بعد انتهائها ونال درجة الدكتوراه عام (1948) عن الدين والفلسفة في رأي ابن رشد بدرجة مشرف جدا، وهي الدرجة التي لم ينالها من بعده إلا الدكتور محمد عبد الله دراز.

أثناء دراسته في فرنسا اختير موسى خبيرا في لجنة الميتافيزيقا بالمجمع اللغوي بالقاهرة، رشحه لها أستاذه ماسينيون، وظل بعد عودته من فرنسا يشارك في أعمال هذه اللجنة - التي سميت بعد ذلك لجنة الفلسفة حتى آخر حياته.

بعد حصوله على الدكتوراه انتدبه الأزهر لقضاء شهرين في رحلة علمية بإسبانيا وبلاد المغرب العربي طلبا لنفائس التراث الإسلامي في الفلسفة والعلوم الإسلامية المختلفة.

انتقل يوسف موسى إلى الجامعة المصرية -إثر خلاف في الرأي- مع الشيوخ الأزهريين حول كيفية تطوير الدراسة بالأزهر، حيث عين أستاذا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق، ومنها انتقل لجامعة عين شمس الوليدة حيث عين أستاذا للشريعة وظل بها إلى أن أحيل على المعاش عام (1959)[1].

 

مشروعه الإصلاحي:

يُنسب موسى إلى إحدى الموجات المتأخرة ضمن مشروع الإصلاح الإسلامي الذي بدأ في القرن التاسع عشر، وموقفها من الآخر يختلف اختلافا بينًا عن الموجة الأولى التي جسدها الطهطاوي وخير الدين التونسي الذين وقعوا تحت تأثير الصدمة الحضارية حين شاهدوا للمرة الأولى الهوة التي تفصل عالم الإسلام عن عالم الغرب، أما أبناء الموجة المتأخرة فقد تجاوزا تأثير الصدمة وكانوا أكثر اعتدالا في رؤيتهم وفي تقييمهم للآخر، وهو ما نلمسه في كتابات يوسف موسى التي لا نجد فيها أثرًا لذلك الانبهار المتعجل بالغرب أو التسليم بتفوق الفكر الغربي وانحطاط الفكر الإسلامي، وهو من أوائل من فطنوا إلى خطورة توطين الأفكار الغربية وإكسابها مسوحا إسلامية، وفي هذا يقول "ولسنا نحاول أن ندخل في الإسلام كل تفكير نراه طيبا وكل علاج نراه عادلا لبعض ما نحس من مشكلات كأن نقول مع القائلين بأن الإسلام دين اشتراكي وديمقراطي وما إلى ذلك، إن الإسلام اسمى من هذا كله إنه دين أصيل له أسسه الخاصة وطابعه الخاص"[2].

ويتألف مشروع يوسف موسى الإصلاحي من ثلاث دعائم،

الأولى: الوصل بين الفلسفة والواقع وبينها وبين الدين، فليست الفلسفة كما يُظنُ تنظيرات وتصورات مفارقة للواقع بل إن فيها ما يسهم في حل مشكلات الواقع. كما أن الفلسفة ليست ضربًا من التفكير المضاد للدين، وإنما يعملان سوية على فهم العالم ومبدئه وتبصير الفرد والمجتمع بما هو خير وحق.

والثانية: إصلاح السياسة التعليمية الأزهرية، ومن مقترحاته في ذلك وجوب تلقي جميع الطلاب المصريين في المراحل الأولية تعليم واحد له أسسه الإسلامية دون تخصيص الأزهر بمناهج معينة، وحجته أن ذلك يقضي على ثنائية الديني والمدني.

والثالثة: دعوته إلى تطوير الفقه الإسلامي، وهو يقترح لذلك منهجا مكونا من ثلاث خطوات:

أولها: اقتفاء أثر فقهاء الصحابة والتابعين في الوصول إلى الأحكام. ويتلخص منهجهم في: عدم اللجوء إلى الاجتهاد بالرأي إلا إذا لم يجدوا في النصوص الشرعية حكمًا شرعيًا للواقعة التي يبحثون عن حكمها، والتيقن من أن الأحكام إنما شرعت لعلل ومصالح معينة والبحث عنها، وترك العمل بالنصوص حين يظهر لهم أن العمل بها ينافي المصلحة الحقيقية.

وثانيها: بذل العناية في نشر كتب التراث الفقهي نشرًا علميا صحيحًا بعد فهرستها وتصنيفها موضوعيا ليسهل استخراج المسائل منها.

وثالثها: إنشاء مجمع للفقه الإسلامي -لم تكن الفكرة مطبقة آنذاك- لتنظيم عملية الاجتهاد ولبحث النوازل والمسائل المستجدة وإبداء رأي شرعي فيها يلتزم به المسلمون في أقطار المعمورة[3].

 

مؤلفاته:

تنوعت كتابات موسى ومؤلفاته ما بين الأخلاق والشريعة وعلم الكلام والمؤلفات الإسلامية العامة، عدا ترجماته، وهي كالتالي:

مؤلفاته في الفقه:

  • أحكام الأحوال الشخصية في الفقه الإسلامي.
  • الأموال ونظرية العقد في الفقه الإسلامي مع مدخل لدراسة الفقه وفلسفته.
  • التركة والميراث في الإسلام مع مدخل في الميراث عند العرب واليهود والرومان (وهي محاضرات ألقاها في معهد الدراسات العربية).
  • التشريع الإسلامي وأثره في الفقه الغربي.
  • الفقه الإسلامي (جزآن)
  • الفقه في عصر نشأة المذاهب.
  • المدخل لدراسة الفقه الإسلامي وهو صورة من المدخل في كتابه الأول الفقه الإسلامي.
  • تاريخ الفقه الإسلامي، وفيه جمع الدكتور محمد يوسف موسى بين كتابين هما فقه الصحابة والتابعين والفقه في عصر نشأة المذاهب. وزاد عليهما بعض الصفحات.
  • دروس في فقه الكتاب والسنة: البيوع منهج وتطبيق.
  • فقه الصحابة والتابعين.

مؤلفاته في الأخلاق

  • الأخلاق في الإسلام.
  • تاريخ الأخلاق.
  • فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية.
  • مباحث في فلسفة الأخلاق.

مؤلفاته في الفلسفة:

-الدين والفلسفة معناهما ونشأتهما وعوامل التفرقة بينهما.

- القرآن والفلسفة.

- بين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد.

- بين رجال الدين والفلسفة.

- فلاسفة العصور الوسطى.

مؤلفاته في التراجم:

  • ابن تيمية.
  • ابن رشد الفيلسوف.
  • ابن سينا والأزهر.
  • أبو حنيفة والقيم الإنسانية في مذهبه.

 

مؤلفاته في الثقافة الإسلامية العامة:

  • الإسلام والحكم.
  • الإسلام والحياة.
  • الإسلام وحاجة الإنسانية إليه.
  • الإسلام ومشكلاته المعاصرة.

يضاف لهذه المؤلفات سلسلة طويلة من المقالات والدراسات التي كتبها في مجلات: الأزهر والرسالة والمقتطف والكاتب المصري والثقافة وتراث الإنسانية ورسالة الإسلام وغيرها.

 

وفاته

توفي العلامة الدكتور محمد يوسف موسى في 8 أغسطس 1963 بعد حياة علمية حافلة أمضاها في البحث والتصنيف والتدريس.

 _________________

[1] محمد الدسوقي، محمد يوسف موسى (1317- 1383 ه/ 1899-1963 م) الفقيه الفيلسوف والمصلح المجدد، دمشق: دار القلم، 2003، ص 15-24.

[2] محمد يوسف موسى، ابن سينا ومشكلات العصر (3)، القاهرة: مجلة الأزهر، مج 22، ص 709.

[3] فاطمة حافظ، محمد يوسف موسى ودعوته لتطوير الفقه الإسلامي، https://n9.cl/0raw4m.

 

تُجسّد هذه المذكرة القضائية الصادرة عن محكمة عموم السودان الشرعية (1903م) رؤيةً مقاصدية عميقة في معالجة إحدى أكثر القضايا الأسرية حساسية؛ وهي مسألة انتقال الزوجة مع زوجها وسفرها معه. فقد تجاوز الحكم الجمود المذهبي والظاهرية الحرفية للنصوص، ليصوغ منهجًا معتدلًا يوفق ببراعة بين حق الزوج ورعاية حقوق الزوجة، وذلك عبر جعل «المصلحة الراجحة للأسرة» هي العلة الحاكمة بديلًا عن إطلاق أحكام الإجبار أو المنع المجردة.

وتتجلى مراعاة الحكم المستنيرة لمصلحة الأسرة والاعتدال في معالجة النقلة في وضعه ضوابط موضوعية حاسمة تضمن الاستقرار والتكافل الأسرِيّ؛ حيث اشترط لإجبار الزوجة تحقق مصلحة حقيقية يعضدها أمن الطريق والمقصد، والقدرة المالية، والملاءمة الصحية والمناخية، مع النص الصريح على صيانة كرامة المرأة ودفع أي ضرر مادي أو أدبي يلحق بها. وبذلك قدم القضاء الشرعي أنموذجًا حضاريًا يُعلي من قدر الإنسان ويكفل حماية الأسرة ورعايتها.

 

محكمة عموم السودان الشرعية

مذكرة قضائية

صدرت بتاريخ ١٨ يوليه سنة ١٩٠٣، موافق ٢٢ ربيع الثاني سنة ١٣٢١ نمرة ١٢٠ مذكرات، عن الحكم الصادر من محكمة مديرية دنقله في القضية نمرة ١٣٢ سنة ١٩٠٣.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لما طلب الرجل زوجته للانتقال معه إلى البلدة التي يريد إقامتها بها وامتنعت، فبمجرد هذا الامتناع أصدرت المحكمة حكمها عليه برفض طلبه اعتمادًا على أن الشريعة الإسلامية لا تقضي بإجبار المرأة على النقلة من بلدها إلى بلد أخرى. وهذا على إطلاقه يختلف كثيرًا عما ذهب إليه محققو الحنفية، فإن المسألة خلافية. ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الرجل إذا أوفى زوجته مهرها كان له نقلها إلى حيث شاء من بلاد الله تعالى؛ النقل من المِصْر إلى القرية، ومن القرية إلى المِصْر، ومسافة السفر ودونها في ذلك سواء، وبه أخذ القاضي ظهير الدين المرغيناني.

وقال الفقيه أبو القاسم الصفار: "هذا في زمانهم، أما في زماننا فلا يملك الزوج أن يسافر بها ولو أوفاها مهرها لفساد الزمان ولأن الغربة مظنة الإيذاء، إلا أنه لو أخرجها من المِصْر إلى القرية أو من القرية إلى المِصْر فيما دون مسافة السفر فله ذلك، لأن النقل إلى ما دون السفر لا يعد غربة". ووافقه على ذلك الفقيه أبو الليث السمرقندي، وكلا القولين صحيح وعليه الفتوى. وبعض المتأخرين فَصَّل في مسألة السفر فقال: إن كان مأمونًا عليها تُجبر وإلا لا؛ لكن في (البحر) الأحسن الإفتاء بقول الفقيهين من غير تفصيل، ونقل عن (أنفع الوسائل) أن عمل القضاة عليه في زمانهم.

وعمل المحاكم الشرعية الآن على أنها لا تجبر في مسافة السفر مطلقًا، وفي دونه تجبر إن كان مأمونًا عليها، لكن هذا يخالف ما تقدم إلا بحمل قول الفقيهين على حالة الأمن عليها. والذي اعتمده المحققون هو ما جزم به صاحب البزازية من التفويض إلى رأي القاضي في الأخذ بأحد القولين بحسب ما يراه من المصلحة: لا فرق في ذلك بين مسافة السفر وما دونها والمِصْر والقرية، فإن رأى المصلحة في النقلة ولو فيما زاد عن مسافة السفر قضى بما ذهب إليه القاضي ظهير الدين، وإن رآها في عدم النقلة ولو من محلة إلى محلة أخرى في البلدة بعيدة عن أهلها قضى بقول الفقيهين.

وهو توفيق حسن لا أرى خيرًا منه إذا كان القاضي حكيمًا في عمله، ففي كثير من الظروف يكون إجبار المرأة على النقلة ولو في مسافة السفر ضروريًا، وهو المصلحة للزوجين كما يعرض لبعض الموظفين وذوي الصناعات والمتاجر التي تقتضي ضربًا في البلاد ونزوحًا عن الأوطان.

ولما كانت مصلحة الزوجين من النقلة وعدمها لا تتحدد ولا تنضبط أطلقوها من غير بيان وجهها اعتمادًا على فطنة القاضي وعدالته وحكمته، فإن من البَيِّن أن مجرد كون الزوج في شخصه مأمونًا على زوجته لا يكفي لتحقق المصلحة في الإجبار على النقلة، بل لا بد من مراعاة أحوال أخرى ترجع إلى الزوج وإلى الزوجة وإلى البلدان المنقول منها والمنتقل إليها:

  • كأن يكون الباعث على الانتقال مصلحة يعتد بها قلما يمكن الحصول عليها بدون الاغتراب.
  • وكأن يكون الزوج قادرًا على نفقات ارتحالها كأمثالها وفي يده فضل يغلب على الظن أنه لو اتَّجر فيه مثلًا لربح ما يعدل نفقته ونفقة عياله أو صناعة فنية تقوم بمعاشه ومعاشهم.
  • وكأن يكون الطريق بين البلدين مأمونًا على النفس والعرض والمال.
  • وكأن تكون الزوجة بحيث تقوى على احتمال مشقة السفر من بلدها إلى المكان الذي يريد نقلها إليه.
  • وكأن يكون الموضع الذي يريد نقلها إليه لا يقل في الأمن عن الموضع الذي يريد نقلها منه.
  • وكأن لا يكون المحل الذي يريد نقلها إليه طبيعته منبعًا للحميات والأمراض.
  • وكأن لا يكون الاختلاف بين البلدين في الحرارة والبرودة مثلًا مما لا تحمله الأمزجة والطباع.
  • وكأن تكون كرامة الزوجة في موضع نقلها محفوظة ككرامتها في محلها الأصلي.
  • وكأن لا يلحقها بسبب الانتقال ضرر مادي أو أدبي.

إلى كثير من الاعتبارات التي يلزم ملاحظتها في مثل هذه الظروف وتختلف باختلاف الأشخاص والمواطن ولا تخفى على القاضي الفطن. وإنما ذكرت ما تقدم ليكون كمثال ينسج على منواله ودليل يسترشد به القاضي في استنباط المصلحة من حال الزوجين في أنفسهما وفيما يؤول إليه أمرهما، ليقضي بما تقتضيه المصلحة من الإجبار وعدمه، مستندًا في حكمه إلى ما ثبت لديه من هذه الاعتبارات التي تشتمل عليها محاضر الدعوى.

فلو أن المحكمة تمهلت في الحكم حتى تتبين المصلحة من حال الزوجين لتحكم بما توجبه، لأحسنت كل الإحسان.

تأتي أهمية هذا الحكم التاريخي الصادر عن محكمة الإسكندرية الكلية الأهلية (11 يوليو 1933م) من كونه نموذجًا تطبيقيًا رفيعًا يُبرز كيف رسّخ القضاء المدني المصري استقلاله المنهجي عن الشراح الأجانب والنقل الآلي عن القانون الفرنسي (المادة 1384 مدني فرنسي)، ليعود رأسًا إلى الفقه الإسلامي بوصفه المرجعية الحاكمة في استكمال الأطر القانونية وتنظيم أحكام الولاية والمسؤولية.

وتجلت العبقرية الفقهية والقانونية للهيئة الموقرة في إعمال التمييز الدقيق بين «الولاية على المال» التي اختصت بها قوانين المجالس الحسبية وحددت سن الرشد فيها بـ (21 سنة)، وبين «الولاية على النفس» التي بقيت محكومة بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء لعدم تعرض القوانين الوضعية لها. واستنادًا إلى ترجيح رأي الصاحبين (أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني) في الفقه الحنفي بتحديد سن البلوغ بخمس عشرة سنة، رتب الحكم زوال ولاية الأب على نفس ولده ببلوغه هذا السن؛ ومن ثم رفع التبعة المدنية عن الأب في المسؤولية عن أفعال ولده الصادرة بعد هذه السن.

ويسر موقع «حوارات الشريعة والقانون» أن يضع بين أيدي الباحثين والمتخصصين النص الكامل لهذا الحكم التاريخي، مصحوبًا بمبادئه القانونية؛ ليكون وثيقة قضائية تجسد التلاقي الخلاق بين النصوص المدنية والأصول الفقهية المقارنة.

 

قضاء المحاكم الكلية

الحكم رقم (219)

محكمة إسكندرية الكلية الأهلية

11 يوليه سنة 1933

  1. مسئولية: مسئولون عن أعمال الغير. يدخل من بينهم الأب.
  2. مسئولية: ولاية الأب. زوال الولاية. زوال المسئولية معها. المعول عليه الولاية على النفس في المسئولية.
  3. ولاية: ولاية النفس غير خاضعة لأحكام المجالس الحسبية. وجوب الرجوع في تحديد الولاية على النفس لأحكام الشريعة.
  4. ولاية: زوال الولاية على النفس لظهور الرشد وحسن التصرف. زوال مسئولية الأب معها.

 

المبادئ القانونية:

1- إنه وإن لم تذكر المادة 151 مدني على سبيل الحصر الأشخاص الذين يلزمون بضرر الغير الناشئ عن إهمال من هم تحت رعايته، إلا إنه مما لا شك فيه وما أجمعت عليه أحكام المحاكم أن الأب ممن عينتهم هذه المادة بما له من رعاية على الصغير حسب النص الفرنسي للمادة المذكورة المستمدة من حق الولاية المخول له شرعًا على نفس الصغير.

2- يجب الرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية الغراء فيما يختص بولاية الأب، لأن حفظ الصغير ورعايته منوطان بالأب بحكم ولايته الشرعية. فلا رعاية ولا حفظ إذا ما زالت الولاية عن الصغير. والولاية عن الابن تشمل ولاية النفس والمال، ورعاية الصغير والمحافظة عليه تدخلان في باب الولاية على النفس ولا شأن لها في الولاية على المال.

3- لم تتعرض قوانين المجالس الحسبية إلا للولاية على المال محددة سن بلوغ الرشد بإحدى وعشرين سنة، أما الولاية على النفس فلم تشملها هذه القوانين. وقد نصت المادة 29 من قانون المجالس الحسبية على أن الولاية على المال تنتهي متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية، وهذا صريح في إن الولاية على النفس غير خاضعة لأحكام هذه المادة ومن مقتضى هذا وجوب الرجوع لحكم الشريعة الإسلامية والأخذ بأحكامها بخصوص البلوغ شرعًا.

4- تنص المادة 296 من كتاب الأحوال الشخصية على زوال ولاية الأب على نفس الصغير بالبلوغ وعدم زوالها على المال إلا بظهور الرشد وحسن التصرف، مما يدل صراحة على إن الولايتين غير متلازمتين، فيحصل أن يكون للصغير مطلق التصرف في شئون نفسه بدون أن يكون له حق التصرف في ماله. وعلى ذلك فلا يكون تحت رعاية الأب متى تجاوز الخامسة عشرة من عمره أخذًا برأي الصاحبين، ويكون مسئولًا وحده عن كل أعماله المتعلقة بنفسه والتي لا علاقة لها بأمواله، فيسأل عن عدم احتياطه وإهماله كما إنه ابتداءً من هذا السن أيضًا مسئول عن جرائمه كما تقضي بذلك المادة 66 عقوبات. وعلى ذلك كان من الخطأ القول بمسئولية الأب حتى بلوغ الابن سن الرشد القانوني أي سن الحادية والعشرين.

 

المحكمة

حيث إن المستأنف عليه رفع بالجلسة استئنافًا وقد دفع المستأنف بعدم جوازه للأسباب التي ذكرها بمحضر الجلسة.

وحيث إن للمستأنف عليه ما دامت المرافعة قائمة أن يستأنف فرعيًا وتفنيد الحكم مع فرض حصوله لا يسلبه حق الاستئناف فرعيًا لأن قبوله الحكم كان معلقًا على قبول المستأنف وعليه يكون الاستئناف الفرعي جائزًا ويتعين قبوله شكلًا.

وحيث إن المستأنف دفع بعدم قبول دعوى المستأنف عليه لسابقة الفصل فيها من محكمة الجنايات.

وحيث إنه وإن كانت صحيفة الطلب معلنة من المستأنف عليه للمستأنف بصفته وليًا على ابنه زكي أحمد المعاون إلا إنه ثابت من الاطلاع على محاضر جلسات المحكمة الجزئية وعلى أقوال الطرفين أن النزاع كان منصبًا على مسئولية الأب الشخصية وكان مفهومًا من أقوال الطرفين أنه مطلوب الحكم على المستأنف بصفته الشخصية، فالعبرة إذن بأقوال الطرفين عند المرافعة أي بالطلبات الختامية وعليه يكون الدفع في غير محله وتكون الدعوى مقبولة.

 

عن الموضوع

وحيث إن المادة «151» مدني تنص في فقرتها الأخيرة على أنه «يلزم الإنسان بضرر الغير الناشئ عن إهمال من هم تحت رعايته أو عدم الانتباه منهم أو عدم ملاحظته إياهم».

وحيث إن هذه المادة وإن كانت لم تذكر على سبيل الحصر أشخاصًا معينين إلا أنه مما لا شك فيه وما أجمعت عليه أحكام المحاكم أن الأب ممن عينتهم هذه المادة بما له من الرعاية على الصغير هذه الرعاية أو «الحفظ» حسب النص الفرنسي للمادة المذكورة المستمدة من حق الولاية المخول له شرعًا على نفس الصغير.

وحيث إنه متى تقرر أن حق رعاية الأب للصغير مستمدة مما له شرعًا من الولاية على النفس والمال، يجب البحث في المدة التي يكون فيها الصغير تحت رعاية أبيه، وبعبارة أخرى مدة ولاية الأب على نفس ولده. ولهذا يجب الرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية الغراء فيما يختص بولاية الأب، لأن حفظ الصغير ورعايته منوطان بالأب بحكم ولايته الشرعية فلا رعاية ولا حفظ إذا ما زالت الولاية عن الصغير.

وحيث إن الولاية على الابن قسمان: ولاية على نفس وولاية على المال. ولا شك في أن رعاية الصغير والمحافظة عليه تدخلان في باب الولاية على النفس ولا شأن لهما في الولاية على المال.

وحيث إن قوانين المجالس الحسبية لم تتعرض إلا للولاية على المال محددة سن بلوغ الرشد بثمانية عشر سنة أولًا ثم أخيرًا بإحدى وعشرين سنة. أما الولاية على النفس فلم تشملها هذه القوانين وقد نصت المادة «29» من قانون المجالس الحسبية الصادر في سنة 1931 على أن الولاية على المال تنتهي متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية. وهذا صريح في أن الولاية على النفس غير خاضعة لنص هذه المادة وأنه إمام عدم التعرض لها يجب الرجوع حتمًا لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

وحيث إن المادة «495» من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا نصت على أن بلوغ الغلام بالاحتلام والإنزال وبلوغ البنت بالحيض والحبل، فإن لم تظهر هذه العلامات يُحكم ببلوغهم إذا بلغا من السن خمس عشر سنة «وهذا على رأي الصاحبين. أما رأي الإمام أبو حنيفة فثمان عشر سنة والمعول عليه هو رأي الصاحبين».

وحيث إن المادة «296» من الكتاب المذكور تنص أيضًا على زوال ولاية الأب على نفس الصغير بالبلوغ وعدم زوالها على المال إلا بظهور الرشد وحسن التصرف، مما يدل صراحة على أن الولايتين غير متلازمتين فيحصل أن يكون الصغير مطلق التصرف في شئون نفسه بدون أن يكون له حق التصرف في ماله.

وحيث إنه من كل ما تقدم يتضح جليًا أن الصغير لا يكون تحت رعاية الأب متى تجاوز الخامسة عشر من عمره «على رأي الصاحبين وهو المعول عليه كما تقدم» فيعتبر والحالة هذه مسؤولًا وحده عن كل أعماله المتعلقة بنفسه والتي لا علاقة لها بأمواله فهو مسئول وحده عن إهماله وعدم احتياطه، كما أنه ابتداء من هذا السن أيضًا مسئول عن الجرائم التي يرتكبها وعما يمكن أن يترتب عليها من أضرار للناس.

وحيث إن قانون العقوبات الأهلي قد جعل الشخص الصغير مسئولًا عن جرائمه متى بلغ الخامسة عشر شأنه شأن الكبير، بحيث يجوز الحكم عليه بالعقوبة التي يحكم بها على الكبير إلا ما استثنى بحكم المادة «66» عقوبات فمثل هذا الشخص الذي جعله الشارع في المسئولية الجنائية كالكبير الذي يزيد سنه على 21 سنه لا يمكن أن يقال عنه بأنه تحت رعاية والده أو تحت حفظه وهو الذي يعتبره القانون مقدرًا لأعماله عالمًا بنتائجها لدرجة جواز الحكم عليه بالإعدام متى بلغ السابعة عشر مثله مثل ابن الأربعين مثلًا.

وحيث إنه مما تقدم يكون في غير محله الرأي القائل بمسئولية الأب حتى بلوغ ابنه سن الرشد «21 سنة الآن و 18 سنة فيما مضى كما ذهب إليه الأستاذ دي هلس عندما بحث في المسئولية في «الجزء الرابع من مؤلفه». والظاهر أنه أراد أن يطبق في مصر ما هو مقرر في فرنسا غير أن اختلاف نص المادة «151» مدني مصري عن المادة «1384» مدني فرنسي التي تنص صراحة على مسئولية الأب ما دام الابن قاصرًا، لا تدع محلًا للأخذ بما هو متبع ومطبق في فرنسا.

وحيث إنه ثابت من التحقيقات المضمومة أن سن زكي أحمد المعاون تسعة عشر سنة فيكون الوالد غير مسئول عن أعماله ويتعين إلغاء الحكم المستأنف عليه.

(قضية أحمد المعاون بصفته وحضر عنه الأستاذ علي الحلواني ضد علي إبراهيم الكومي وحضر عنه الأستاذ نصيف عبد النور رقم 343 سنة 1933 رئاسة حضرة صاحب العزة محمود بك فؤاد رئيس المحكمة وعضوية حضرتي القاضيين مصطفى عبد المجيد وأحمد رشيد).

يُعدّ جون إسبوزيتو أحد أبرز المتخصصين في العلاقات الإسلامية - الغربية في العالم، ورائدًا من رواد الدراسات الإسلامية المعاصرة في الأكاديمية الغربية؛ إذ استطاع عبر مؤلفاته المرجعية وإدارته لمركز "الفهم الإسلامي - المسيحي" بجامعة "جورجتاون" أن يطرح رؤية نقدية متوازنة تعيد تشكيل الوعي المعاصر بالقيم الإسلامية وتناهض أدبيات الصدام الحضاري. وفي إطار رسالة موقعنا «حوارات الشريعة والقانون» الساعية إلى تجسير الفجوات المعرفية ومدّ جسور الحوار بين الفكر الإسلامي والأنساق القانونية والحضارية المعاصرة. يسعدنا أن نضع بين أيديكم هذه الترجمة المختصرة لسيرته العلمية، متضمنة إطلالة على أبرز إسهاماته الفكرية وقائمة بأبرز مؤلفاته؛ لتقريب إنتاجه الثري للأوساط البحثية، وإتاحة نافذة مرجعية تعكس مسارات دراسة الشريعة ومستجداتها في سياقها الإنساني والمقارن.

 

السيرة الذاتية:

ولد جون إسبوزيتو في نيويورك عام 1940، لأسرة إيطالية كاثوليكية متديّنة، وقضى في صباه عشر سنوات في أحد أديرة الرهبان الفرنسيسكان لتهيئته ليصبح قسيسًا، ولكنه تحول بعدها إلى الدراسة المدنية، والتحق بجامعة سانت جون حيث حصل على درجة البكالوريوس في اللاهوت.

التحق بجامعة تمبل لاستكمال دراسته العليا، وتعرف من خلالها على الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي -وهو أحد مشرفيه- وقد نصحه أن يدرس مقرّرًا في الإسلام ضمن دراساته للدكتوراه، وبعد تردد درس المقرر فكان هذا اكتشافًا محوريًا في حياته، إذ وجد الإسلام يعترف بأنبياء العهد القديم، وبالمسيح، ووجد سورة مخصّصة للسيدة مريم في القرآن، وهو ما لم يوجد في الإنجيل، وهذا ما جعله يضع قضية التفاهم بين الإسلام والغرب على رأس أولوياته.

يذكر إسبوزيتو أنه عندما أنهى دراسته في مطالع السبعينيات، لم تكن هناك وظائف في مجال الدراسات الإسلامية،  وقد تقدم بطلبات إلى العديد من الجامعات المرموقة لوظائف مختلفة، ولكن لم تتح له إلا وظيفة في كلية الصليب المقدس في ماساتشوستس، ولم يكن  هناك أي ناشر أمريكي مهتمًا بنشر أوراقه البحثية أو مقترحات كتبه عن الإسلام،  ولكن كل شيء تغير مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، التي جعلت الغرب راغبًا في التعرف على الإسلام، وفي هذا السياق صار إسبوزيتو واحدًا من الخبراء المعدودين في الشأن الإسلامي؛ إذ سمح له بالسفر إلى إيران ومقابلة آية الله الخميني، وعقب عودته طلب منه تثقيف الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كانوا عاجزين عن فهم دواعي عودة الإسلام كنظام للحكم.

 

مسيرته المهنية:

عمل إسبوزيتو أستاذا في كلية الصليب المقدس طيلة عقدين كاملين واستطاع أن يؤسس أول برنامج للدراسات الإسلامية المهمة في الجامعات الأميركية. وفي عام 1993 انتقل إلى جامعة جورجتاون وكانت إسهاماته فيها غير مسبوقة وعظيمة؛ فقد كان له دورٌ محوري في تأسيس كرسي ماليزيا لدراسة الإسلام في جنوب شرق آسيا، وصندوق حسيب صباغ لدراسة العالم الإسلامي. كما حصل إسبوزيتو على منحةٍ سخية من مؤسسة الوليد لتمويل مركز التفاهم الإسلامي المسيحي الذي تحول عام 2005 إلى "مركز الوليد بن طلال للحوار الإسلامي المسيحي"، حيث شغل منصب المدير المؤسس، وأطلق أيضًا "مبادرة الجسر"، وهي عبارة عن مشروع لرصد وتوثيق ومكافحة الإسلاموفوبيا على مستوى العالم.

ارتبط اسم إسبوزيتو بعدد من المشاريع البحثية الوثيقة الصلة بالإسلام، فقد شغل منصب رئيس تحرير موقع "أكسفورد للدراسات الإسلامية على الإنترنت"، ومحرر سلسلة "مكتبة أكسفورد للدراسات الإسلامية"، ورئيس تحرير موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي، وموسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث، وقاموس أكسفورد للإسلام.

 

آراؤه الفكرية:

كان إسبوزيتو باحثًا شجاعًا، تحدّى التصورات الاستشراقية الخاطئة عن الإسلام والمسلمين، ورفض النظر إلى الإسلام على أنه "الآخر" بل نظر إلى التراث الإسلامي على أنه تجربة ضمن تجارب الجهود البشرية الرامية إلى بناء عالم عادل وأخلاقي.

حاول في مؤلفاته أن يفهم ويفسر السياسة الدينية لا من منظور الغرب الإمبراطوري، كما يفعل جل الدارسين العربيين، بل من منظور المظلومين والمحتلين والمضطهدين، وجعله هذا متعاطفا مع القضايا الإسلامية. وقيل في تفسير هذا التعاطف إنه نبع من خلفيته الكاثوليكية التي تسعى -كما الإسلام- للتوفيق بين جذورها التاريخية ومبادئها الأخلاقية ومتطلبات الحداثة. كما أظهر تعاطفًا مع معاناة شعوب الجنوب العالمي، وخاصة في العالم العربي والإسلامي، حيث أظهر تأييده للقضية الفلسطينية، ولهذا ركزت واحدة من أهم لوبيات إسرائيل في القطاع الأكاديمي، وهي مجموعة "مراقبة الجامعات" هجماتها عليه منذ إنشائها في 2002 حتى قبل وفاته بفترة وجيزة؛ إذ احتجت على إعادة دار جامعة أوكسفورد نشر كتابه "الإسلام: الصراط المستقيم".

 

مؤلفاته:

كان إنتاج إسبوزيتو الفكري غزيرًا للغاية. فقد نشر أكثر من 55 كتابًا، معظمها مع مطبعة جامعة أكسفورد. تُرجمت هذه الكتب إلى عشرات اللغات، من بينها العربية والتركية والفارسية والإندونيسية والأردية واللغات الأوروبية واليابانية والصينية، وبعضها كان ضمن المقررات الدراسية الأساسية في الجامعات والكليات حول العالم.

من بين مؤلفاته:

  • "مستقبل الإسلام".
  • "الإسلاموفوبيا".
  • "تحدي التعددية في القرن الحادي والعشرين".
  • "من يتحدث باسم الإسلام؟".
  • "ما يفكر فيه مليار مسلم حقًا".
  • "حرب غير مقدسة: الإرهاب باسم الإسلام".
  • "التهديد الإسلامي: خرافة أم حقيقة؟".
  • "الإسلام والسياسة".
  • "صناع الإسلام المعاصر".
  • "الإسلام والديمقراطية".

 

الجوائز

تقديرًا لإسهاماته المتميزة في البحث العلمي والحياة الفكرية والعامة، مُنح إسبوزيتو سبع شهادات دكتوراه فخرية. وحصل على جائزة مارتن إي. مارتي من الأكاديمية الأمريكية للدين للفهم العام للدين، وجائزة قائد أعظم من باكستان للإسهامات المتميزة في الدراسات الإسلامية، وجائزة الأستاذ المتميز من كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون، بالإضافة إلى جائزة الإنجاز البحثي الوظيفي من جامعة جورجتاون.

 

وفاته:

توفي مؤخرا متأثرا بمضاعفات جراحة قلبية أجريت له، وذلك في منتصف يوليو تموز عام 2026.

 

 

يسر موقعنا »حوارات الشريعة والقانون« أن يقدم لقرائه الأفاضل هذا النص التفريغي المحرَّر والموجز لمحاضرة الفقيه الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام** (رحمه الله)، والتي تناول فيها إحدى أكثر القضايا محورية في الفكر الفقهي والقانوني المعاصر: »السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة«.  وتكمن أهمية هذه المحاضرة في تقديمها لرؤية ضابطة تجمع بين جلال النظر المقاصدي ومتطلبات الإدارة العمرانية والتطبيق القانوني السليم، مؤكدًا على التمييز الدقيق بين التكليف التعبدي والتنظيم الاجتماعي الدنيوي.

نضع بين أيديكم هذا التفريغ مقسَّمًا إلى محاوره وعناوينه الرئيسية؛ ليكون مدخلاً مركزًا يستجلي الضوابط المنهجية للتعامل مع النصوص والوقائع، ويكشف عن التكامل بين عمل الفقيه وأهل الاختصاص في تشخيص الواقع، فضلاً عن تأصيل قيود السلطة ومبدأ الفصل بين الوظائف في التجربة الإسلامية. نأمل أن يشكل هذا النص مادة علمية تُمكّن الباحثين وتُثري النقاش المعاصر حول تجسير الفجوة بين النص والتطبيق.

 

مقدمة وتمهيد:

«بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد نبي العالمين. شكرًا لحكومة الشارقة وللقائمين على هذا المنتدى الإسلامي الرفيع المستوى فكرًا وحضورًا وأداءً. إن الموضوع الذي أُنِيطَ بي أن يكون موضوعًا لهذه المحاضرة هو استكمال وامتداد لما عرضه شيخي وأستاذي المستشار طارق البشري؛ فموضوع المحاضرة عن "السياسة الشرعية والمقاصد الشرعية"، والأمر يحتاج إلى ضبط بعض الموضوعات التي أرى أن في ضبطها ما يضيء الطريق، ويحدد الموضوع، ويبلور المنهج ويجعله واضحًا.»

المحور الأول: الضوابط الأربعة لتأسيس العلاقة بين المقاصد والسياسة الشرعية

تحدد المحاضرة أربعة ضوابط منهجية رئيسية لضبط العلاقة بين المنظومتين:

١. المنظور الدنيوي الاجتماعي للسياسة الشرعية

حينما نتحدث عن السياسة الشرعية، فإننا ننظر إليها من المنظور الدنيوي الاجتماعي؛ أي في إطار المجتمع والتنظيم الإنساني، ولا ننظر إليها في إطار علاقة الإنسان الفردية بربه (التعبد المحض)، ولا في إطار موضوع الآخرة؛ لأن القران الكريم قد حدد أن الإنسان يعود إلى خالقه فردًا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرَدًّا﴾.

٢. البعد التشريعي للمقاصد وتمايز القانون عن الأخلاق

إن النظر إلى المقاصد الشرعية هنا يكون في بعدها التشريعي القانوني وليس باعتبارها مجرد جزء من منظومة القيم الأخلاقية الوجدانية؛ فالقانون أضيق نطاقًا من الأخلاق:

  • الأخلاق: عنصر الإلزام فيها يتمثل في الضمير الفردي.
  • القانون: عنصر الإجبار فيه يتعلق بالسلطة العامة وقدرتها على الإكراه وتطبيق الأحكام.

٣. تدرج دوائر التعامل مع النص الشرعي

إن دوائر التعامل مع النص الشرعي في ضوء السياسة الشرعية ليست متساوقة بل تتدرج في الاتساع:

  • دائرة استنباط الأحكام: وتضيق فيها مساحة السياسة الشرعية لخضوعها لقاعدة «لا اجتهاد مع النص».
  • دائرة تقنين الأحكام: وتتسع نطاقًا لأن الأمر فيها يتعلق برعاية مصالح العباد.
  • دائرة التطبيق والتنزيل: وتصل فيها السياسة الشرعية إلى أقصى درجات الاتساع لأنها تتعلق بـ أحوال الأفراد وواقعهم الزماني والمكاني المعين.

٤. التفرقة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي (المعنى الأصولي vs المعنى الفقهي)

ينطلق الحكم الشرعي هنا من نوعيه (التكليفي والوضعي):

  • الحكم التكليفي: يتحرك في مجال الخطاب المجرد والطلب.
  • الحكم الوضعي: يتحرك في الواقع المحدد والمعين (توافر الأسباب، وجود الشروط، وانتفاء الموانع).
  • التغير بتغير الأحوال: نظرية تغير الأحكام لا تنطبق على الحكم بالمعنى الأصولي (خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين خارج الزمن)، وإنما تنطبق على الحكم بالمعنى الفقهي التطبيقي الذي يتعامل مع الواقع والزمن.

 

المحور الثاني: مفهوما السياسة الشرعية ودور أهل الاختصاص

  1. دوائر مفهوم السياسة الشرعية

تتحرك السياسة الشرعية بين دائرتين:

الدائرة الأولى (المفهوم العام): تشمل أوامر الحكام وقواعد الفقه الإسلامي؛ فهي علم تدبير المجتمع في كافة شؤونه.

الدائرة الثانية (المفهوم الخاص): سلطة ولي الأمر في ملء "المساحات الشاغرة" والتنظيم عند عدم وجود نصوص مباشرة.

  1. مراحل العملية القضائية وتوصيف الواقع

يقوم القاضي أو المشرع بعمليتين أساسيتين:

توصيف الواقعة: ليست عملية فقهية بالدرجة الأولى، بل هي مهمة أهل الاختصاص (من أطباء، واقتصاديين، وعلماء نفس واجتماع)، إعمالاً لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

إدراج الواقعة تحت الحكم: وهذه هي المهمة الأصيلة للفقيه والقاضي والمفتي.

  1. الشرعية والمشروعية (قصة الخديوي إسماعيل وعلماء الأزهر)

السياسة الشرعية في جوهرها هي صناعة المجتمع على عين أحكام الشريعة.

واقعة تاريخية:

أورد المحاضر ما ذكره الشيخ محمد سليمان في كتاب «من أخلاق العلماء»؛ أنه إبان هزيمة جيوش الخديوي إسماعيل في السودان، طلب من علماء الأزهر (برئاسة الشيخ العروسي) الدعاء بالنصر، فدعوا ليل نهار ولم يتغير الحال. فلما سألهم الخديوي عن السبب، سكت العلماء إلا عالمًا شابًا برز وقال له: "هذا منك أنت يا إسماعيل! روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليُسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم... أليس الربا جائزًا بقانون؟ أليس الزنا بتراخيص؟ أليست الخمور مباحة؟".

المغزى: السياسة لا تكون «شرعية» إلا إذا كانت غايتها صياغة المجتمع ومؤسساته وفق مقاصد الشريعة ورعايتها.

 

المحور الثالث: السياسة الشرعية وتدعيم الإيمان (الدين كمقصد)

تتقاطع السياسة الشرعية مع المقاصد عبر «نظرية الحفظ» (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال)، حيث تفتح المقاصد أمام السياسة الشرعية طريقين رئيسيين لتدعيم الدين:

١. فتح باب الاجتهاد واستيعاب المتغيرات

  • مناقشة مقولة (النصوص متناهية والوقائع غير متناهية): ويرى المحاضر أن العكس هو الصحيح عقلاً؛ فالنصوص (خطاب الله) غير متناهية لكونها خارج الزمن، بينما الوقائع متناهية لأنها حادثة داخل الزمن المحصور. وقد بين الإمام الآمدي أن مراد العلماء بالتناهي هو "قابليتها للعد والحصر".
  • مناهج العلماء في تعليل المصالح:
    • اتجاه العز بن عبد السلام وابن قيم الجوزية: يجعل للعقل دورًا استقلاليًا في درك مصالح الدنيا ومفاسدها بالضرورات والتجارب.
    • اتجاه الشاطبي والقرافي: يجعل الأدلة العقلية خادمة ومبنية على الأدلة السمعية ومحققة لمناطها.
  • إبطال دعاوى العلمانية: استشهد المحاضر بتحليل المفكر فهمي جدعان بأن دخول «حفظ الدين» في الكليات الخمس يحول دون قيام ما يسمى "علمانية إسلامية"؛ لأن الشريعة تشمل الدين والدولة وتطبيق الأحكام.

٢. إغلاق باب التعصب المذهبي وتفعيل أدب الخلاف

  • التعصب المذهبي يؤدي إلى إغلاق النصوص وجمود التقليد، وهو عدوان على مقاصد حفظ الدين والعقل.
  • استحضار علم الخلاف بنوعيه:
    • الخلاف النازل: الخلاف الفقهي داخل المدرسة الواحدة (كأبي حنيفة وصاحبيه، أو مالك وابن القاسم).
    • الخلاف العالي: الخلاف بين المذاهب الإسلامية المتعددة، ثم بين العائلة القانونية الإسلامية والعائلات القانونية العالمية (كاللاتينية والأنجلوسكسونية كما أقر مؤتمر باريس للقانون المقارن 1936م).

 

المحور الرابع: السياسة الشرعية وتنظيم العمران

استنادًا إلى القاعدة الخلدونية الشهيرة «الظلم مؤذن بخراب العمران»، تعمل السياسة الشرعية في المجال العام لتنظيم العمران عبر مسارين:

١. دفع التهرج والفساد

عن طريق إيجاد أطر مؤسسية وتنظيمية:

  • نظام الحسبة: نظام إسلامي مبتكر للرقابة والمحافظة على النظام العام والمقاصد في السوق والمجتمع (مقارنةً بنظام "الإيديل" عند البيزنطيين والرومان).
  • النظام القضائي: استحدثت الشريعة القضاء وأطر الإثبات وكفالة نظام المشورة (المشاور القضائي) لحفظ الحقوق وتطبيق العدالة.

٢. منع الظلم والاستبداد

وضعت الشريعة قيودًا ضابطة على سلطة أولياء الأمور، ومن ضمنها مبدأ الفصل بين السلطات؛ حيث أكد المحاضر أن التاريخ الإسلامي مارس الفصل بين السلطات عمليًا (ممارسةً لا نصًا تشريعيًا مجردًا)، حيث كان استقلال القاضي والمفتي تامًا عن السلطة الحاكمة، وأن الشريعة تستوعب كل تجربة إنسانية ترسي الحكم الرشيد وتدرأ الاستبداد.

 

الخاتمة

«إن السياسة الشرعية تفتح أبوابها لكل خبرة بشرية وتفكير إنساني يجعل الحكم رشيدًا والحاكم عادلاً. وليس في نصوص الشريعة ولا في عمل الصحابة ما يوجب الجمع بين السلطات أو حظر الفصل بينها، وكل ما هنالك أنهم استجابوا لداعي الضرورة فاستحدثوا من النظم ما هدتهم إليه التجربة والممارسة. وإذا كانت الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن الأخذ بهذه الوسائل في العصور التي طغت فيها الأهواء هو عين الحكمة والموافقة لغرض الشارع..

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

 

** فقيه قانوني ومفكر إسلامي مصري، جمع ببراعة بين التخصص في الشريعة والقانون الوضعي، شغل منصب أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، عُرف بمنهجه التجديدي القائم على مقاصد الشريعة، وترك إرثًا علميًا ثريًا.

الصفحة 1 من 42
© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples