تُجسّد هذه المذكرة القضائية الصادرة عن محكمة عموم السودان الشرعية (1903م) رؤيةً مقاصدية عميقة في معالجة إحدى أكثر القضايا الأسرية حساسية؛ وهي مسألة انتقال الزوجة مع زوجها وسفرها معه. فقد تجاوز الحكم الجمود المذهبي والظاهرية الحرفية للنصوص، ليصوغ منهجًا معتدلًا يوفق ببراعة بين حق الزوج ورعاية حقوق الزوجة، وذلك عبر جعل «المصلحة الراجحة للأسرة» هي العلة الحاكمة بديلًا عن إطلاق أحكام الإجبار أو المنع المجردة.
وتتجلى مراعاة الحكم المستنيرة لمصلحة الأسرة والاعتدال في معالجة النقلة في وضعه ضوابط موضوعية حاسمة تضمن الاستقرار والتكافل الأسرِيّ؛ حيث اشترط لإجبار الزوجة تحقق مصلحة حقيقية يعضدها أمن الطريق والمقصد، والقدرة المالية، والملاءمة الصحية والمناخية، مع النص الصريح على صيانة كرامة المرأة ودفع أي ضرر مادي أو أدبي يلحق بها. وبذلك قدم القضاء الشرعي أنموذجًا حضاريًا يُعلي من قدر الإنسان ويكفل حماية الأسرة ورعايتها.
محكمة عموم السودان الشرعية
مذكرة قضائية
صدرت بتاريخ ١٨ يوليه سنة ١٩٠٣، موافق ٢٢ ربيع الثاني سنة ١٣٢١ نمرة ١٢٠ مذكرات، عن الحكم الصادر من محكمة مديرية دنقله في القضية نمرة ١٣٢ سنة ١٩٠٣.
بسم الله الرحمن الرحيم
لما طلب الرجل زوجته للانتقال معه إلى البلدة التي يريد إقامتها بها وامتنعت، فبمجرد هذا الامتناع أصدرت المحكمة حكمها عليه برفض طلبه اعتمادًا على أن الشريعة الإسلامية لا تقضي بإجبار المرأة على النقلة من بلدها إلى بلد أخرى. وهذا على إطلاقه يختلف كثيرًا عما ذهب إليه محققو الحنفية، فإن المسألة خلافية. ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الرجل إذا أوفى زوجته مهرها كان له نقلها إلى حيث شاء من بلاد الله تعالى؛ النقل من المِصْر إلى القرية، ومن القرية إلى المِصْر، ومسافة السفر ودونها في ذلك سواء، وبه أخذ القاضي ظهير الدين المرغيناني.
وقال الفقيه أبو القاسم الصفار: "هذا في زمانهم، أما في زماننا فلا يملك الزوج أن يسافر بها ولو أوفاها مهرها لفساد الزمان ولأن الغربة مظنة الإيذاء، إلا أنه لو أخرجها من المِصْر إلى القرية أو من القرية إلى المِصْر فيما دون مسافة السفر فله ذلك، لأن النقل إلى ما دون السفر لا يعد غربة". ووافقه على ذلك الفقيه أبو الليث السمرقندي، وكلا القولين صحيح وعليه الفتوى. وبعض المتأخرين فَصَّل في مسألة السفر فقال: إن كان مأمونًا عليها تُجبر وإلا لا؛ لكن في (البحر) الأحسن الإفتاء بقول الفقيهين من غير تفصيل، ونقل عن (أنفع الوسائل) أن عمل القضاة عليه في زمانهم.
وعمل المحاكم الشرعية الآن على أنها لا تجبر في مسافة السفر مطلقًا، وفي دونه تجبر إن كان مأمونًا عليها، لكن هذا يخالف ما تقدم إلا بحمل قول الفقيهين على حالة الأمن عليها. والذي اعتمده المحققون هو ما جزم به صاحب البزازية من التفويض إلى رأي القاضي في الأخذ بأحد القولين بحسب ما يراه من المصلحة: لا فرق في ذلك بين مسافة السفر وما دونها والمِصْر والقرية، فإن رأى المصلحة في النقلة ولو فيما زاد عن مسافة السفر قضى بما ذهب إليه القاضي ظهير الدين، وإن رآها في عدم النقلة ولو من محلة إلى محلة أخرى في البلدة بعيدة عن أهلها قضى بقول الفقيهين.
وهو توفيق حسن لا أرى خيرًا منه إذا كان القاضي حكيمًا في عمله، ففي كثير من الظروف يكون إجبار المرأة على النقلة ولو في مسافة السفر ضروريًا، وهو المصلحة للزوجين كما يعرض لبعض الموظفين وذوي الصناعات والمتاجر التي تقتضي ضربًا في البلاد ونزوحًا عن الأوطان.
ولما كانت مصلحة الزوجين من النقلة وعدمها لا تتحدد ولا تنضبط أطلقوها من غير بيان وجهها اعتمادًا على فطنة القاضي وعدالته وحكمته، فإن من البَيِّن أن مجرد كون الزوج في شخصه مأمونًا على زوجته لا يكفي لتحقق المصلحة في الإجبار على النقلة، بل لا بد من مراعاة أحوال أخرى ترجع إلى الزوج وإلى الزوجة وإلى البلدان المنقول منها والمنتقل إليها:
إلى كثير من الاعتبارات التي يلزم ملاحظتها في مثل هذه الظروف وتختلف باختلاف الأشخاص والمواطن ولا تخفى على القاضي الفطن. وإنما ذكرت ما تقدم ليكون كمثال ينسج على منواله ودليل يسترشد به القاضي في استنباط المصلحة من حال الزوجين في أنفسهما وفيما يؤول إليه أمرهما، ليقضي بما تقتضيه المصلحة من الإجبار وعدمه، مستندًا في حكمه إلى ما ثبت لديه من هذه الاعتبارات التي تشتمل عليها محاضر الدعوى.
فلو أن المحكمة تمهلت في الحكم حتى تتبين المصلحة من حال الزوجين لتحكم بما توجبه، لأحسنت كل الإحسان.
يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.