باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت التاسع مــــن أكتوبر سنة 2021م، الموافق الثاني من ربيع الأول سنة 1443هـ.
برئاسة السيد المستشار / سعيد مرعى عمرو رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: محمد خيري طه النجار ورجب عبد الحكيم سليم ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع أمين السر
أصدرت الحكم الآتي:
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 97 لسنة 30 قضائية "دستورية"*.
المقامة من:
عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم
ضــــد:
1- رئيس الجمهورية 2- رئيس مجلس الوزراء
3- وزير العدل 4- رئيس مجلس الشعب (النواب حاليًا)
5- الممثل القانوني للهيئة القومية للبريد
6- داليا عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم
7- دعاء عبد الجليل محمد أحمد عبد العليم
الإجـــراءات
بتاريخ الثالث عشر من مارس سنة 2008، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني، فيما تضمنه من اعتبار الهبة لذي رحم محرم مانعًا من الرجوع في الهبة.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم، أصليًا: بعدم قبول الدعوى، واحتياطيًا: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- في أن المدعى كان قد أقام الدعوى 1360 لسنة 2006 مدني كلى، أمام محكمة بورسعيد الابتدائية، ضد المدعى عليهم الخامس والسادسة والسابعة في الدعوى المعروضة، طالبًا الحكم باعتبار الهبة كأن لم تكن، مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية بما فيها إلغاء التوكيل العام رقم 370/هــ لسنة 2005 توثيق بورسعيد. وقال بيانًــــا لدعواه، إنه وهب لنجلتيه المدعى عليهما السادسة والسابعة نصيبه في تركة زوجته –والدتهما- سعاد أحمد حسن عطية، ويشمل حصة في شقتين بالعقار المبين بصحيفة الدعوى، ومبلغًـــــا ماليًا بدفتر توفير لدى الهيئة القومية للبريد، وشقة يمتلكها بالعقار ذاته، وحرر لهما توكيلًا بالتصرف في تلك الأموال، إلا أنهما قد أغضبهما زواجه من أخرى، أنجبت له ولدين، فقدمتا ضده عدة بلاغات كيدية، كما أقامتا دعوى قضى فيها بإلزامه بأن يؤدى لهما نفقة شهرية، فضلًا عن أنه ملتزم بالإنفاق على زوجته وولديه، وكذا نفقة ومصروفات علاج شقيقه، مما أرهق كاهله، بعد أن زادت التزاماته المالية، الأمر الذي يوفر له العديد من الأعذار للرجوع في هبته، فأقام دعواه بالطلبات السالفة البيان. وأثناء نظر الدعوى بجلسة 29/1/2008، دفع بعدم دستورية نص البند "هـــ" من المادة (502) من القانون المدني، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة.
وحيث إن المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 تنص على أنه "يرفض طلب الرجوع في الهبة، إذا وجد مانع من الموانع الآتية:
(أ) ............ (ب)........... (ج) ............ (د) ...........
(هـ) إذا كانت الهبة لذي رحم محرم ..................".
وحيث إن من المقــــــرر في قضاء هذه المحكمة أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية –وهي شرط قبولها– أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان المدعى يبتغى من دعواه الموضوعية الترخيص له بالرجوع عن هبته لابنتيه، لقيام موجبات ذلك في حقه. وكان نص البند "هــ" من المادة (502) من القانون المدني يحول دون تحقيق مبتغاه، الأمر الذي يوفر له مصلحة شخصية مباشرة في الطعن على هذا البند في مجال سريانه على هبـــــــــــة أي من الوالدين لولده، وبها يتحـــــدد نطـــــاق هذه الدعـــــوى، دون سائر ما انطوى عليه نص هذا البند من أحكام لطبقات أخرى من ذوي رحم محرم.
وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه مخالفة أحكام المادتين (2، 40) من دستور سنة 1971، المقابلة لأحكام المادتين (2، 53) من دستور سنة 2014، لمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية، التي حضت على البر بالوالدين وعدم عقوقهما، وأكدت معظم مذاهبها على أحقية الوالد في الرجوع عن هبته لولده، دون أية أعذار، فضلًا عن انطواء النص على تمييز غير مبرر، بأن منع الواهب لولده من الرجــــوع في الهبة، حــــال أن غيره مــــن الواهبين يجــــوز لهم الرجــــوع في الهبة إذا توافر عذر يبيح لهم ذلك.
وحيث إن الرقابة الدستورية على القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا -على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة– صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًـــــا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي وجهها المدعى للنص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– تندرج تحت المناعي الموضوعية، التي تقوم في مبناها على مخالفة نص تشريعي معين لقاعدة في الدستور من حيث محتواها الموضوعي. ومن ثم، فإن المحكمة تباشر رقابتها على النص المطعون عليه –الذي مازال ساريًا ومعمولًا بأحكامه– من خلال أحكام دستور سنة 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.
وحيث إن القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، قد خصص الكتاب الثاني منه للعقود المسماة، وأورد في الباب الأول منه العقود التي تقع على الملكية، وأفرد الفصل الثالث منه لعقد الهبة، في المواد من (486) حتى (504)، مبينـــًا فيها أركان الهبة، وآثارها، والرجوع فيها، وموانع الرجوع، معرفـــًا في المادة (486) الهبة بأنها عقد يبرم بين الأحياء، بموجبه يتصرف الواهب في ماله دون عوض، مع جواز أن يفرض الواهب على الموهوب له القيام بالتزام معين. ووفقـــًا للمادة (487)، لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه. ومن خصائص الهبة –على ما أوردت الأعمال التحضيرية للنص المطعـــــون فيه والتنظيم التشريعـــــي للهبة– أنه يجـــــوز الرجوع فيها رضـــــاءً أو قضاءً إذا وجد عذر ولم يوجد مانع، وقد نظمها المشرع مراعيًا هذا الأصل، فأكد في المادة (500) من القانـــــون المدني على أنه "يجـــــوز للواهب أن يرجـــــع الهبـــــة إذا قبل الموهوب له ذلك، فإذا لم يقبل، جاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع، متى كان يستند في ذلك إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع. وتأكيدًا على جواز الرجوع في الهبة، وضع المشرع في المادة (501) من القانون ذاته أمثلة لهذه الأعذار، تيسيرًا على القاضي، كما حدد في المادة (502) من ذلك القانون، حصرًا لموانع الرجوع في الهبة، ومن بينها حالة الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة أي من الوالدين لولده. ومؤدى العبارة الواردة بصدر نص تلك المادة من أن "يرفض طلب الرجوع في الهبة"، نهي القضاة عن التعرض لموضوع الرجوع، أيـــًا كانت الأعذار التي بنى عليها، إذا توافر أحد موانع الرجوع الواردة في تلك المادة، عملًا بقاعدة جواز تقييد القاضي بالزمان والمكان والأحداث والأشخاص. وشرط صحة تلك القاعدة أن يكون النهى مؤسسًـــا على أسباب موضوعية، ترتبط بالغاية المتوخاة منه.
وحيث إنه عن نعى المدعى مخالفة النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده- لمبادئ الشريعة الإسلامية، ونص المادة الثانية من الدستور، فمن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، طبقًا لنص المادة الثانية من الدستور الصادر سنة 1971، بعد تعديلها بتاريخ 22/5/1980 –وتقابلها المادة الثانية من الدستور الحالي الصادر سنة 2014– لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصــــدر بعد التاريخ الذي فُـرض فيه هذا الإلزام، بحيث إذا انطــــــــوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إعمال حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها، لصدورها فعلًا من قبله، في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا، واجب الإعمال، ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية، وهو القيد الذي يبقى قائمًا وحاكمًا لتلك التشريعات، بعد أن ردد الدستور الحالي الصادر سنة 2014، الأحكام ذاتها في المادة الثانية منه.
وحيث كان ما تقدم، وكان نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 لم يلحقه أي تعديل بعد تاريخ 22/5/1980، مما كان لزامه عدم خضوعه لقيد الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والمادة الثانية من الدستور، إلا أنه بالرغم من ذلك، وعلى ما ورد بالأعمال التحضيرية للقانون المدني، فقد استقى المشرع الأحكام الموضوعية للهبة من أحكام الشريعة الإسلامية. وفى شأن مدى جواز الرجوع في الهبة، أخذ بمذهب الفقه الحنفي، الذي أجاز الرجوع في الهبة إذا توافر العذر المبرر، وانعدم المانع، ويشمل عدم جواز الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، ومن ذلك هبة الوالد لولده، على سند من أن الغاية من الهبة في هذه الحالة صلة الأرحام، وقد تحققت بصدور الهبة. وإذ كان الرأي الذي تبناه المشرع في هذا الشأن لا يخرج عن كونه اجتهادًا في الفقه الحنفي فقد ذهب مالك والشافعي وابن حنبل وعلماء المدينة إلى جواز رجوع الوالد في هبته لولده، وهو ما يعرف باعتصار الهبة، أي أخذ المال الموهوب قسرًا عن الابن، مستدلين في ذلك بحديث طاووس من أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية أخرى "لا يحل للرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة ويرجع فيها إلا الوالد فيما يهب لولده"، وفى رواية ثالثة "لا يرجع الواهب في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده". وقد دل الفقهاء باختلافهم هذا على عدم وجود نص قطعي الثبوت أو الدلالة، أو بهما معًــا في مبادئ الشريعة الإسلامية، يحكم هذه المسألة، ومن ثم تعتبر من المسائل الظنية التي يرد عليها الاجتهاد، وتلك المسائل بطبيعتها متطورة، تتغير بتغير الزمان والمكان، وإذا كان الاجتهاد فيها وربطها منطقيًّــا بمصالح الناس حقًــا لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق لولي الأمر، ينظر في كل مسألة بخصوصها بما يناسبها، وبمراعاة أن يكون الاجتهاد دومًــا واقعًــا في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، ملتزمًــا ضوابطها الثابتة، متحريًــا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد الكلية للشريعة، بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مستلزمًــا في ذلك كله حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها، ومن ثم كان حقًــا لولي الأمر عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما، ما لم يكن إثمًــا، وكان واجبًــا عليه كذلك ألا يشرع حكمًــا يضيق على الناس أو يرهقهم في أمرهم عسرًا، وإلا كان مصادمًــا لقوله تعالى "مَا يُرِيدُ اللًّه ليَجعَلَ عَلَيكُم في الدين من حَرَجِ".
وحيث إن نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني، منع الرجوع في الهبة لذي رحم محرم، وقد ورد هذا النص بصيغة عامة ومطلقة، ليشمل هبة أي من الوالدين لولده. واستقى المشرع هذا المانع من المذهب الحنفي، منتهجًــا بذلك نهجًــا مخالفًــا لاجتهاد باقي المذاهب الإسلامية، معللًا ذلك المانع بتحقق غاية الواهب من الهبة، ممثلة في صلة الرحم. وقد صدَّر المشرع نص تلك المادة بعبارة "يرفض طلب الرجوع في الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية ....."، مما مؤداه نهى القضاء عن بحث الأعذار التي قد تحل بالوالد الواهب وتستدعى رجوعه في الهبة، وإن كانت تلك الأعذار من بين الأمثلة التي ورد النص عليها في المادة (501) من ذلك القانون، ومن ذلك: "أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو نحو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه، أو أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من نفقة على الغير". ومؤدى ذلك أن النص المطعون فيه، وإن وقع في دائرة الاجتهاد المباح شرعًــا لولى الأمر، إلا أنه –في حدود نطاقه المطروح في الدعوى المعروضة– يجعل الوالد الواهب في حرج شديد، ويرهقه من أمره عسرًا، ويعرضه لمذلة الحاجة بعد أن بلغ من العمر عتيّا، إذا ما ألمت به ظروف أحوجته لاسترداد المال الموهوب، وامتنع الابن عن إقالته من الهبة، إضرارًا به، مستغلًا في ذلك المانع الوارد بالنص المطعون فيه، الذي يحول بين الوالد والحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة، ضاربًــا عرض الحائط بالواجب الشرعي لبر الوالدين، والإحسان إليهما، وصلتهما، وطاعتهما في غير معصية، والامتناع عن كل ما يفضى إلى قطيعتهما. فضلًا عن أن ما توخاه المشرع من ذلك المانع، بالحفاظ على صلة الأرحام، ينافيه مواجهة حالة جحود الأبناء، وعقوقهم لوالديهم. ومن ثم يكون منع القضاء من الترخيص للوالد بالرجوع في هبته لولده، ولو كان هناك عذر يبيح له ذلك، مصادمًــا لضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، ومخالفًا بذلك نص المادة (2) من الدستور.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القيم الدينية والخلقية لا تعمل بعيدًا أو انعزالًا عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة، بل تعززها وتزكيها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها، ومن أجل ذلك جعل الدستور في المادة (10) منه، قوام الأسرة الدين والأخلاق والوطنية، كما جعل الأخلاق والقيم والتقاليد، والحفاظ عليها والتمكين لها، التزامًــا على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة، والمجتمع ككل، وغدا ذلك قيدًا على السلطة التشريعية، فلا يجوز لها أن تسن تشريعًــا يخل بها، ذلك أنه، وفقًــا لنص المادة (92) من الدستور، وإن كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق والحريات أنها سلطة تقديرية، إلا أن المشرع يلتزم فيما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته اختصاصاته، وأن يراعى كذلك أن كل تنظيم للحقوق، لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو الانتقاص منها، ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها. الأمر الذي يضحى معه النص المطعون عليه، فيما تضمنه من رفض طلب رجوع الوالد في هبته لولده، إذا وجد مانع، مخالفًــا أيضًا – نصي المادتين (10، 92) من الدستور.
وحيث إنه عن النعي بإخلال النص المطعون عليه –في النطاق السالف تحديده– بحق الواهب لولده، دون غيره مــــن الواهبين لغير ذي رحم محرم، في الحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع في الهبة عند توافر العذر، فإن ما نص عليه الدستور في المادة (97) من أن "التقاضي حق مصون ومكفــــول للكافــــة"، قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته، من الحقوق العامة المقررة للناس جميعًا لا يتمايزون فيما بينهم في مجال النفاذ إليه، وإنما تتكافأ مراكزهم القانونية في سعيهم لرد الإخلال بالحقوق التي يدعونها ولتأمين مصالحهم التي ترتبط بها، مما مؤداه أن قصر مباشرة حق التقاضي على فئة من بينهم أو الحرمــــان منه في أحــــوال بذاتها، أو إرهاقــــه بعوائــــق منافية لطبيعته، إنما يُعــــد عملًا مخالفًا للدستور الذي لم يجــــز إلا تنظيم هذا الحق، وجعل الكافة ســــــواء في الارتكان إليه، ومن ثم، فإن غلق أبوابــــــــه دون أحدهم أو فريق منهم، إنما ينحل إلى إهداره، ويكرس بقاء العدوان على الحقوق التي يطلبونها، وعدم حصولهم على الترضية القضائية باعتبارها الغاية النهائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء العدوان على تلك الحقوق.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه في المادة (53) من الدستور الحالي، ورددته الدساتير المصرية المتعاقبة جميعها، بحسبانه ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسًا للعدل والسلام الاجتماعي، غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة، وقيدًا على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، التي لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي تتحد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون خلالها أمام القانون، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية.
وحيث إن الأصـــــل في كل تنظيم تشريعي أن يكـــــون منطويًا علــــى تقسيم، أو تصنيف، أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها، بالوسائل المؤدية إليها، منطقيًـــا، وليس واهيًـــا أو واهنًــا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًا. ومرد ذلك، أن المشرع لا ينظم موضوعًا معينًا تنظيمًا مجردًا أو نظريًا، بل يبغيا بلوغ أغراض بعينها، تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها، يقوم عليها هذا التنظيم، متخذًا من القواعد القانونية التي أقرها، مدخلًا لها، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين في مجال تطبيقها، تحكميًا، ومنهيًا عنه بنص المادة (53) من الدستور.
وحيث كان ما تقدم، وكان الواهبون لأموالهم، على اختلاف حالاتهم، وأغراضهم منها، في مركز قانوني متكافئ، وقد أجاز المشــــرع –على ما سلف بيانه– للواهب الرجوع في الهبة إذا ألمت به ظروف وأعذار تستدعى هذا الرجوع، وامتنع الموهوب له عن إقالته من الهبة، وناط المشرع بالقاضي سلطة تقديرية في شأن بحث جدية الأعذار التي يبديها الواهب في هذا الشأن، ويقضى على ضوء ذلك، إلا أن المشرع خرج عن هذا الأصل، وأورد حالات لمنع الرجوع في الهبة، ضمنها نص المادة (502) من القانون المدني، من بينها هبة الوالد لولده، مانعًــا القضاء من بحث الأعذار التي يسوقها الوالد في هذا الشأن، الأمر الذي يحول بينه والحصول على الترضية القضائية، لمجرد توافر هذه القرابة بينه والموهوب له. فضلًا عن أن الغاية التي توخاها المشرع من ذلك المنع، وهي الحفاظ على صلة الرحم، لم يراع فيها مواجهة عقوق الابن الموهوب له، إذ امتنع طواعية عن إقالة والده من الهبة في هذه الحالة، بما يزكى هذا العقوق، حال أن المشرع أجاز في المادة (501) من القانون المدني الترخيص للواهب بالرجوع في الهبة إذا أخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب، أو أحد أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه. ومؤدى ذلك أن المانع الوارد بالنص المطعون فيه، فضلًا عن عدم ارتباط الوسيلة التي أوردها في ذلك النص، بالغاية المتوخاة منها، فإنه يخل بمبدأ المساواة بين الواهبين المتماثلة مراكزهم في الحصول على الترضية القضائية، وذلك لغير سبب موضوعي، بالمخالفة لنصى المادتين (53، 97) من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص البند (هــ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948، في مجال سريانها على هبة أي من الوالدين لولده، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
أمين السر رئيس المحكمة
_______________________
* نقلا عن الموقع الإلكتروني للمحكمة الدستورية العليا، عبر هذا الرابط: https://2u.pw/0E1hhQ
وقد علق المحامي والباحث أ. وائل أنور بندق على هذا الحكم في صفحته الشخصية بالفيسبوك تعليقا مهما ننقله عنها على طوله:
حكم حديث وهام وخطير للمحكمة الدستورية العليا بشأن الرجوع في الهبة
(م 502 بند هـ من القانون المدني):
أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا هامًا بعدم دستورية الفقرة (هـ) من المادة 502 من القانون المدني في مجال سريانها على هبة أيٍّ من الوالدين لولده. وقد صدر الحكم بتاريخ 9/10/2021، واتصلت المحكمة الدستورية العليا بالدعوى بناءً على دعوى موضوعية، ملخصها أن رجلًا كان قد وهب إلى ابنتيه نصيبه في ميراث زوجته (والدتهما)، ولما تزوج بعد ذلك وأنجب ولدين، قامت ابنتاه بتقديم بلاغات كيدية ضده ورفع دعاوى نفقة عليه، مما رآه مبررًا للرجوع في الهبة، فأقام عام 2006 دعواه أمام محكمة بورسعيد الابتدائية.
ولما كان البند (هـ) من المادة 502 يمنع الرجوع في الهبة إذا كانت لذي رحم محرم، ومنها هبة الوالد لولده، فقد دفع بعدم دستورية النص، وقدرت المحكمة جدية الدفع، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فأقامها بالفعل عام 2008، وها هو الحكم قد صدر عام 2021!!
ونود أن نشير إلى عدد من النقاط الهامة في مجال توضيح الحكم والتعليق عليه:
أولًا: عقد الهبة هو عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مالٍ له دون عوض.
ثانيًا: يجوز للواهب الرجوع في الهبة رضاءً إذا قبل الموهوب له الرجوع، كما يجوز الرجوع في الهبة قضاءً بشرط أن يتوافر عذر يبيح الرجوع في الهبة، وأن تنتفي موانع الرجوع فيها. وقد ضرب المشرع أمثلة على العذر المبرر للرجوع في الهبة بما يلي:
(أ) أن يخلّ الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو نحو أحدٍ من أقاربه، بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه.
(ب) أن يصبح الواهب عاجزًا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية، أو أن يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من النفقة على الغير.
(ج) أن يُرزق الواهب بعد الهبة ولدًا يظل حيًا إلى وقت الرجوع، أو أن يكون للواهب ولدٌ يظنه ميتًا وقت الهبة فإذا به حيّ.
ثالثًا: يمتنع الرجوع في الهبة في عدة حالات عددتها المادة 502، حتى لو توافرت الأعذار، ومن هذه الحالات ما ورد في البند (هـ)، وهي الهبة لذي رحم محرم، إذ لا يجوز الرجوع فيها عن طريق التصريح من القضاء، بما يعني أنه يمتنع في حالتنا على الأب أن يلجأ إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة.
رابعًا: يُلاحظ أن إصدار الحكم قد تأخر كثيرًا، وهو ضرر فاحش بفكرة العدالة؛ فقد رفع الأب الدعوى الموضوعية عام 2006، ورفع الدعوى الدستورية عام 2008، وصدر الحكم عام 2021!! أي أن المسألة استغرقت أكثر من خمس عشرة سنة، وهي مدة طويلة جدًا تُعد إنكارًا فاحشًا للعدالة في حق الأب رافع الدعوى.
صحيح أن القضاء الدستوري قضاءٌ عيني يستفيد منه الجميع، سواء أكان من رفع الدعوى أم غيره؛ إلا أن رافع الدعوى هو أولى الناس بالرعاية. ويذكرني هذا الحكم بحكم المحكمة الدستورية بشأن إنهاء عقود الإيجار (القديم) المبرمة للأشخاص المعنوية، والذي صدر بعد عشرين عامًا من رفع الدعوى الدستورية.
خامسًا: يمكن القول إن الحكم قد بُني على سببين:
أولهما: مخالفة النص لمبدأ المساواة، إذ أجاز لمن توافر له العذر الرجوع عن الهبة، ومنعه عمن منح الهبة لذي رحم محرم، حتى لو توافر له العذر، مما يشكل تمييزًا بين المراكز القانونية المتماثلة.
ثانيهما: أن النص وضع عائقًا ومانعًا من موانع التقاضي، إذ حرم الواهب لذي الرحم المحرم من اللجوء إلى القضاء للتصريح له بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.
وأخذًا بهذين السببين، كنا نتمنى على المحكمة الدستورية العليا أن تقضي بعدم دستورية البند (هـ) كاملًا، لا بقصره على هبة أيٍّ من الوالدين لولده، لأن الأسباب التي وردت في الحكم تنصرف إلى البند كاملًا.
سادسًا: كنا نتمنى ألا تخوض المحكمة الدستورية في مسألة رأي الفقه الإسلامي بشأن جواز الرجوع في الهبة لذي الرحم المحرم، والخلاف بين الأحناف والجمهور، لأنها تتدخل بذلك في السلطة التقديرية للمشرع في شأن اختيار الرأي الفقهي الملائم. لا سيما أن هناك أسبابًا أخرى توصلت بها المحكمة إلى النتيجة التي أرادتها، فضلًا عن أن المحكمة ذاتها قد أخرجت هذه المادة من نطاق قيد الالتزام بالشريعة الإسلامية الوارد في المادة الثانية من الدستور، وفقًا للتفسير المستقر عليه من المحكمة، وهو أن القوانين السابقة زمنيًا على نص المادة الثانية من الدستور تفلت من حكمها. وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذا التفسير لنص المادة الثانية من الدستور، إلا أنه قد أصبح التفسير المستقر عليه.
سابعًا: من أهم المبادئ العامة التي وردت بالحكم أن الرقابة الدستورية تتم في إطار الدستور القائم دون غيره، وهو دستور 2014، حتى لو كانت الدعوى قد رُفعت في ظل دستور سابق، وهو دستور 1971، لأن الرقابة الدستورية تستهدف صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل دائمًا القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة.
ثامنًا وأخيرًا: مفاد هذا الحكم في النهاية ليس حق الوالدين في الرجوع عن الهبة بشكلٍ مطلق، وإنما حق كلٍّ منهما في الرجوع إلى القضاء للتصريح بالرجوع في الهبة عند توافر العذر.
وائل أنور بندق
هذا التعليق يعبر عن وجهة نظر كاتبه، وينشر ضمن إطار إثراء النقاش القانوني حول الحكم.
يواجه الواقع التشريعي والقانوني في عالمنا العربي والإسلامي إشكالية التباين بين المرجعية الشرعية الإسلامية الأصيلة، التي شكّلت عبر قرون أساس النهضة المدنية ومصدرًا للعدالة والاستقرار، وبين القوانين الوضعية الوافدة التي فُرضت في عصور الاستدمار وما بعدها. وقد برزت في هذا السياق محاولات للتأصيل الشرعي لهذه القوانين، عبر ردّها إلى الشريعة الإسلامية وإلى الفقه الآخذ عنها ما أمكن، وكشف ما يصادم منها هذه المرجعية، وهو اتجاه جدير بالاهتمام والتطوير. ومن هنا يقدّم موقع "حوارات الشريعة والقانون" دليلًا بيبليوغرافيًا لأهم المؤلفات التي سلكت هذا المنهج؛ ليكون أداة علمية نافعة للباحثين ورجال القانون، مع تحديثه المستمر بما يستجد من دراسات في هذا الحقل.
وقد رأينا أن نقسم المكتبة التأصيلية على النهج المعاصر، بحسب فروع القانون المختلفة، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون المدني.
ثانيًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي في فلسفة القانون وتاريخه.
ثالثًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية.
رابعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدولي.
خامسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الدستوري.
سادسًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الإداري.
سابعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القوانين التجارية و(المصرفية).
ثامنًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام قانون المرافعات.
تاسعًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام التشريعات الاجتماعية وقانون العمل.
عاشرًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام الأحوال الشخصية.
ثانيًا: كتب ودراسات التأصيل الشرعي في فلسفة القانون وتاريخه (الجزء الأول)
أولًا: ميلاده
ولد الشيخ الزرقا في مدينة حلب الشهباء سنة (1325هـ - 1907م).وقد نشأ في بيئة إسلامية، وأسرة عُرِفت بالعلم والصلاح، وقد أسس دعائم العلم فيها جده الكبير محمد الزرقا، وورثه ابنه والد شيخنا العلامة أحمد الزرقا، وتسلسل العلم في الأسرة المباركة حتى وصلت الراية إلى صاحب الترجمة، ولم تتوقف عنده بعد وفاته، فقد حملها عنه ابنه الأستاذ الدكتور أنس الزرقا من علماء الفقه والمتخصص في الدراسات الاقتصادية الإسلامية.
ثانيًا: مؤهلاته
في سوريا تخرج في:
وتخرَّج في هاتين الكليتين سنة (1933م) وحصل على المرتبة الأولى في كلا التخصصين.
ثم سافر إلى القاهرة والتحق بكلية الحقوق، وحصل على الدبلوم العالي في الشريعة (1947م).
ثالثًا: الأعمال التي تولاها
رابعًا: مشروعه الفكري ومنهجه
اهتم الأستاذ الزرقا بالعديد من المجالات التي تخص حاضر الفقه الإسلامي ومستقبله، ومنها:
أولًا: يهدف إلى تطوير الفقه الإسلامي، لكنه يرى أن التطوير لا يتعدى حدود الصياغة، ولا يحتاج سوى عملية تنظيمية لأحكامه، يقول الزرقا: "فهدفي أن أقلب صياغة الفقه الإسلامي، فأبني من قواعده ومبادئه نظرية عامة على غرار نظرية الالتزام العامة في الفقه القانوني الأجنبي الحديث؛ خدمة لفقهنا الجليل كي يتجلى ما فيه من جوهر نفيس كان محجوبًا بالأسلوب القديم الذي أصبح عسير الهضم على رجال العصر وفاء للحاجة إلى الطريقة التعليمية الحكيمة في الدراسة الجامعية لهذا العلم، أما الأحكام فقد أغنى التشريع الإسلامي عن كل اقتباس فيها عن أمة أخرى وتشريع غريب بما في الفقه الإسلامي الواسع الأفق من القواعد العامة المتنوعة، والأسس الثابتة التي رسخت فيها فكرة إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، ودرء المفاسد وجلب المصالح، واحترام الإرادات والعقود، ومنع الإكراه وإسقاط ما يترتب عليه، وإزالة الضرر واعتبار الضرورات، ومسؤولية التسبب، وتنويع وتوزيع الضمانات بعدل متوازن، واعتبار العرف والعادات في العقود والأعمال والالتزامات، إلى غير ذلك من المبادئ الأساسية الكثيرة المغنية في التشريع الإسلامي وفقهه".
ثانيًا: يعتمد الزرقا في عملية المقارنة على المذهب الحنفي، ويتطرق أحيانًا للمذاهب الأخرى حين لا يجد حلًّا، يقول الزرقا: "وقد اتخذت من المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي أساسًا للبحث لأنه المعمول به في القضاء مع الإلمام بالمذاهب الأخرى في بعض المواطن بحسب حاجة البحث".
ثالثًا: اهتم الزرقا في مقارناته بالجانب النقدي في إظهار مدى تفوق الفقه الإسلامي على غيره، ولنا أن نفسر هذا التركيز على نقد القانون الفرنسي أو المصري ذي المرجعية الفرنسية بالظروف المحيطة به، حيث لم يكن الدافع للمقارنة -في المقام الأول- هو الإفادة منها، بل كان الدافع هو رد حالة العدوان التشريعي التي استباحت سوريا في عصره، ولا أدل على ذلك من مقدمته، فقد وضح أنه يحلم بأن يكون هناك قانون مدني مستمد من الفقه الإسلامي، وكتب بحثًا توجيهيًّا بعنوان (قانوننا المدني المنتظر وفضل بنائه من الفقه الإسلامي)، لكن الزرقا -وهو في طريقه إلى هذا العمل- فوجئ بإصدار القانون المدني السوري في عهده عام 1949م، وكان صدور هذا القانون بمساعي السيد أسعد الكوراني، الذي أقنع سيده الذي تولى السلطتين التشريعية والتنفيذية بأن قانونًا مدنيًّا أجنبيًّا بدلًا من التشريع الإسلامي في هذه البلاد هو خير وسيلة لخلود الذكر وعظيم المكانة في نظر الأجانب، وأوهمه أن هذا العمل يجعله كنابليون الذي كان القانون المدني الفرنسي أكثر تخليدًا له من فتوحاته! وقد وجدوا أن القانون المدني المصري الجديد يحقق هذا الغرض؛ لأنه أجنبي أوروبي المصادر، فأصدروه بين عشية وضحاها بجرة قلم، وهدموا بها أعظم صرح فقهي في العالم، وأقاموا بها قانونًا لا مرجع فيه لقاضٍ أو محامٍ أو دارس إلا أصوله واصطلاحاته الأجنبية.
وقد رأى الزرقا أن خير عمل يقوم به بعد هذه الجناية التي جنتها على مجد العروبة الفقهي أيدي شعوبية أثيمة -هو أن يتابع صياغة هذه السلسلة الفقهية الجديدة بتبسيط وإحكام؛ كي يعرف الجيل العربي الحقوقي الجديد ما أفاد وما ضاع، فيفتح له طريق الرجوع بعد أن يملك من المعرفة ما يحكم به على تلك الجناية وجناتها، واستعان الزرقا -في سبيل تحقيق هذا الغرض من المقارنة- بكل الكتب التي تقوم بنقد القانون المصري، ومنها كتاب: نقد مشروع القانون المدني الجديد، وطلب استمداده من فقه الشريعة الإسلامية بمذاهبه المختلفة مع نموذج لكتاب العقد من القانون مستمدًّا من الفقه الإسلامي قام بوضعه جماعة من علماء القانون والشريعة الإسلامية كلية الحقوق بجامعة القاهرة.
والزرقا لا يقف عند مرحلة النقد فقط، بل يرمي إلى أبعد من ذلك حين يقرر أن الفقه الإسلامي أمد الفكر القانوني بالعديد من المصطلحات، "ففي الاصطلاح القانوني الشائع اليوم في عصرنا يسمى انسحاب الأحكام على الماضي (أثرًا رجعيًّا)، ويستعمل هذا التعبير في رجعية أحكام القوانين نفسها كما في آثار العقود على السواء، فيقال: هذا القانون له أثر رجعي، وذاك ليس له، كما يقال: إن بيع ملك الغير بدون إذنه إذا أجازه المالك يكون لإجازته أثر رجعي، فيعتبر حكم العقد ساريًا منذ انعقاده لا منذ إجارته، وليس في القانون اسم لعدم الأثر الرجعي. أما الفقه الإسلامي الغني بلغته ومصطلحاته التي تتجلى فيها عبقرية فقهائه خلال العصور، فيسمي عدم "رجعية الآثار" اقتصارًا "بمعنى أن الحكم يثبت مقتصرًا على الحال لا منسحبًا على الماضي، ويسمي رجعية الأثر (استنادًا) وهو اصطلاح المذهب الحنفي، ويسميه المالكية: "انعطافًا"، وقانوننا المدني الجديد قد اقتبس هذا الاصطلاح من الفقه الإسلامي، فاستعملوا فيه لفظ الاستناد بمعنى الأثر الرجعي".
خامسًا: من مؤلفاته
(أ) الفقه وأصوله.
(ب) في القانون والصياغة التشريعية.
سادسًا: وفاته
بعد حياة قاربت على المائة من الجهد والاجتهاد والعطاء المتميز توفى شيخنا -رحمه الله- في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وذلك عصر يوم السبت 19/3/1420هـ الموافق 3/7/1999م.
المراجع:
يمثل تقنين الفقه الإسلامي أحد أبرز القضايا التي شغلت الفكر القانوني والفقهي في العالم الإسلامي خلال القرنين الأخيرين، إذ ارتبطت هذه الجهود بالسعي إلى إيجاد أطر تشريعية حديثة تستمد مرجعيتها من الشريعة مع قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الدولة الوطنية ومؤسساتها المعاصرة. وقد تنوعت هذه المشاريع بين مبادرات فردية وأخرى رسمية، وتفاوتت في منطلقاتها بين المحافظة على البناء المذهبي التقليدي أو تجاوزه نحو اجتهادات أكثر شمولًا، وهو ما جعل موضوع التقنين مجالًا خصبًا للدراسة والمقارنة.
وتأتي هذه البيبلوجرافيا لتجمع بين دفتيها أهم ما أُنجز من مشاريع تقنين الفقه الإسلامي ودراسات وأعمال حول منهاجية التقنين، بما يتيح للباحثين والمهتمين مرجعًا أوليًا يسهل الاطلاع على هذا النتاج المتنوع. ولا تقتصر أهميتها على حصر المؤلفات، بل تمتد إلى إبراز الاتجاهات الرئيسة التي حكمت هذه المشاريع، والمناهج التي اعتمدتها في اختيار النصوص الفقهية أو في إعادة صياغتها في قوالب قانونية. ويأتي نشر هذه البيبلوجرافيا في موقع "حوارات الشريعة والقانون" في إطار رسالته العلمية الرامية إلى دعم البحث المتخصص، وتيسير الوصول إلى المصادر الموثوقة في قضايا الفكر القانوني والفقه المقارن.
يبرز اسم الدكتور صوفي أبو طالب في تاريخ مصر الحديث كأحد الشخصيات القانونية والسياسية البارزة التي جمعت بين العلم والعمل، وبين الفكر والتطبيق. فمنذ أن تولى رئاسة مجلس الشعب عام 1978، قاد مشروعًا طموحًا لتقنين الشريعة الإسلامية، مسعىً لم يتحقق إلا بفضل منهجه العلمي المتوازن الذي جمع بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي. هذا المقال يستعرض مسيرة هذا الرجل الذي لم يقتصر دوره على التشريع، بل امتد ليشمل التعليم والبحث، مؤكدًا أن إرثه الفكري لا يزال حاضرًا في الساحة القانونية المصرية.
أولًا: ميلاده وتعليمه
ولد الدكتور صوفي أبو طالب في (27 يناير 1925م) في مركز طامية بمحافظة الفيوم.
ثانيًا: أعماله ووظائفه
ثالثًا: مشروعه الفكري ومنهجه
(1) تقنين الشريعة: تولى الدكتور صوفي أبو طالب رئاسة مجلس الشعب في الفترة من (4 نوفمبر عام 1978م حتى 1 فبراير عام 1983م)، وفي تلك الفترة سعى الرئيس السادات إلى تقنين الشريعة الإسلامية، وكلف رئيس مجلس الشعب بمهمة إعداد مدونة قانونية مستمدة بالكامل من الشريعة، وبدأ العمل الفعلي للتقنين في عام 1978م، واستعان الدكتور صوفي أبو طالب بصفوة من العلماء المتخصصين من الأزهر والقضاة، وأساتذة كلية الحقوق، والفقهاء الدستوريين، وبعض الخبراء من المسلمين والمسيحيين، وتم تقسيم العمل إلى لجان يرأس كل لجنة أحد أعضاء مجلس الشعب إلى جانب هؤلاء الخبراء، وارتكزت خطة العمل على عدم التقيد بالراجح في مذهب معين، بل الأخذ بالرأي المناسب من أي مذهب من المذاهب الفقهية، وبدأ التقنين على أبواب الفقه وتقسيماته، وما لم يكن له حكم في كتب الفقه لجأ الخبراء إلى مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام، وفي حالة تعدد الآراء الفقهية للمسألة الواحدة تختار اللجنة حكمًا منها مع ذكر الآراء الأخرى ومصادرها على هامش الصفحة؛ ليرجع إليها من يشاء، ومع حلول عام 1982م تم الانتهاء من جميع أعمال التقنين وعرضت على مجلس الشعب المصري، وحظيت بالموافقة عليها بالإجماع من أعضاء المجلس المسلمين والمسيحيين، وهو ما سجلته مضابط المجلس.
أنتجت لجان مجلس الشعب خمسة مشروعات للقوانين طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية وهي: مشروع قانون المعاملات المدنية (1136 مادة)، ومشروع قانون إجراءات التقاضي والإثبات (71 مادة)، ومشروع قانون العقوبات (630 مادة) ومشروع قانون التجارة (776 مادة) ومشروع قانون التجارة البحرية (443 مادة). وكان من المفترض أن يبدأ المجلس مناقشة هذه المشروعات مادة مادة، لكن فجأة توقف كل شيء، ودُفنت هذه التجربة دون إبداء أي سبب.
(2) اعتنى الدكتور صوفي كثيرًا بقضية تطبيق الشريعة ، وسعى - بكل ما أوتي من علم - لإبراز النظام القانوني للشريعة الإسلامية، وبين الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها مشروعه في مؤلفاته ومؤتمراته التي ترأسها.
(3) الاعتناء بالمقارنة: لقد اعتنى الدكتور صوفي بالمقارنات التشريعية، ولكنه كان يتميز بمنهج خاص يتضح في النقاط التالية:
ولعل هذا الخلاف بين المنهجين (منهج السنهوري وأبي طالب) ناتج من تأثير التخصص، فالسنهوري رجل قانوني يهتم بالتشريعات والدساتير، فالتطبيقات هي التي تشغل حيزًا كبيرًا من حياته، أما الدكتور صوفي فهو متخصص في دراسة فلسفة القانون وتاريخه، فالمحطات التاريخية هي التي يقف عندها. ولا شك أن المنهجين يكمل كل منهما الآخر، ويدعم نتائج ما توصل إليه كل طرف في تخصصه.
رابعًا: من مؤلفات د. صوفي أبو طالب
خامسًا: التكريم والجوائز
حصل الدكتور صوفي أبو طالب على العديد من الجوائز منها "وسام الشرف" من الحكومة الفرنسية عام 1977م، ووسام "الشرف" من هيئة البرلمانيين الناطقين باللغة الفرنسية 1980م، ووسام الجمهورية من حكومة السودان 1982م، ووسام النيل 1983م و"جائزة الدولة التقديرية" 1990م.
سادسًا: وفاته
توفي د. صوفي أبو طالب فجر يوم (21 فبراير 2008م) في ماليزيا، عندما كان يشارك في الملتقى العالمي الثالث لرابطة خريجي الأزهر حول العالم في كوالالمبور.
المراجع
يشكل الدكتور شفيق شحاتة (1896–1976م) محطة محورية في مسار الدراسات الفقهية والقانونية العربية الحديثة، إذ جمع بين عمق الإحاطة بالمصادر الكلاسيكية ورؤية تجديدية منهجية قادرة على ربط التراث بمطالب العصر. فقد انكبّ في أطروحاته وكتاباته على إخراج نظرية الالتزامات من الإطار المدرسي الضيق إلى مستوى نظرية عامة قابلة للتطبيق والمقارنة، كما أسهم في تقارب لغة الفقه مع مصطلحات القانون الحديث، وجسَّد ذلك في دراساته للتشريع الإسلامي والتاريخ القانوني وفي مداخلاته المنهجية حول حرية التعاقد، وانتفاء الشكلية، ودور العرف والقاضي في التطبيق. وتميز فكره بقدرة نقدية بناءة؛ إذ لم يكتفِ بتشخيص الازدواجية التشريعية أو التقسيمات التقليدية، بل قدّم مقترحات عملية لتوحيد مصادر التشريع وتجديد النظام القضائي الإسلامي، مع احترام لأصول الفقه والالتزام بروح العدالة والاستقرار الاجتماعي. ولذا فإن قراءة أعماله لم تعد مجرد دراسة تاريخية لنظرة قانونية، بل مادة غنية لمناقشة تقاطعات الشريعة والقانون المقارن وإعادة صياغة مبادئ فقهية قادرة على تلبية متطلبات التشريع والفقه في العالم العربي المعاصر.
أولاً: المولد والنشأة والدراسة:
ولد شحاتة في مصر في أوائل القرن العشرين (1896–1976) لأسرة مسيحية، فهو مصري قبطي، ومن المحتمل أن تكون عائلته قد نشأت في لبنان أو سوريا، وقد تخرج في إحدى المدارس الفرنسية في القاهرة، علمًا بأن المصادر التي بين أيدينا لا تقطع ببدايات حياته.
أما عن دراسته فقد التحق شحاتة بعد المرحلة الثانوية بكلية الحقوق، ثم واصل دراسته ببرنامج دبلوم الدراسات العليا بكلية القاهرة عام ۱۹۲۹م، وحصل على شهادة الدراسات العليا في القانون العام والخاص في عامي (۱۹۳۰–۱۹۳۱م)، وكتب شحاتة أطروحته للدكتوراة بين عامي (۱۹۳۰–١٩٣٦م). وعقب الانتهاء منها قام بتدريس القانون المدني وتاريخ القانون في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، وأشرف على العديد من الرسائل، ولعل أهمها: "دراسة في نظرية بطلان التصرف القانوني في القانون المدني المصري (1953م)" للحقوقي الكبير جميل متولي الشرقاوي، الذي صار فيما بعد من أعلام القانون في مصر والعالم العربي. وفي الخمسينيات من القرن العشرين شغل كرسيًا في الكولاج دي فرانس في باريس، حيث قام بتدريس الشريعة الإسلامية وتاريخ القانون.
ثانيًا: خصائص التشريع الإسلامي في فكر د. شفيق شحاتة
يرى شحاتة أن الشريعة هي مجموعة الأحكام التي استقرت في كتب الفقه الإسلامي بعد أن تأسست المذاهب الفقهية المختلفة في عهد العباسيين، وهي تضم بين جناحيها جميع مسائل القانون الخاص والقانون العام، ووضعت للجنايات حدودًا أي عقوبات، وفرضت التعزير فيما وراءها. ويعتبر المذهب الحنفي أقدم المذاهب جميعًا.
أما عن خصائص الشريعة الإسلامية والروح العامة التي تسري فيها، فمن خلال استقراء شحاتة الفقه الإسلامي اتضح أن هناك نزعات تمثل الروح العامة للفقه الإسلامي، وهي تتمثل في الآتي:
ثالثًا: حيوية الفقه الإسلامي في دراسات د. شفيق شحاتة
من خلال تتبع مؤلفات شحاتة نجد أنه في كثير من النقاط والمواضع حاول أن يشير إلى مظاهر حيوية الفقه الإسلامي، ومن ذلك:
واستكمالًا للروح المرنة التي يتمتع بها الفقه الإسلامي، يشير شحاتة إلى أنه في بعض الأزمنة ظهر بجوار القاضي نوع من القضاء لا يتقيد بالنصوص الفقهية، اسمه "صاحب المظالم" ووظيفته النظر في الشكاوى التي يتقدم إليه بها الناس من تصرفات الحكام، وكان يفصل فيما هو معروض عليه مستوحٍيًا روح العدالة والإنصاف، وذلك أن الناظر في المظالم يكون أفسح مجالًا وأوسع مقالًا، ويوجد أيضًا "المحتسب" الذي يراقب الأسواق والطرق ويمنع الغش.
ولنا على كلام شحاتة تعليقان: الأول: أن هذه الوظائف على الرغم من أنها كانت لا تلتزم بالنصوص كما يدعي، فكانت تستلهم الروح العامة للفقه، والأمر الثاني أنه يكشف بجلاء كيف كانت العدالة متوفرة في كل مكان، وكانت عملية ضبط المجتمع محكمة حتى لا يتكدس العمل أمام القاضي الأصلي فيتعطل مجرى العدالة أو يئسَن.
رابعًا: عوامل النهوض التشريعي عند شحاتة
حاول شحاتة أن يقدم مجموعة من الاقتراحات التي تمكن المجتمع العربي من استرداد عافيته القانونية من جديد؛ متجاوزًا عملية النقد إلى عملية الترقية والبناء، وهي تدور حول الآتي:
خامسًا: أثر أطروحات د. شفيق شحاتة على تطوير الصياغة الفقهية والقانونية
وقد نال الدكتور شفيق شحاته الكثير من الإطراءات على ما قدمه من علم نافع، سواء في الشريعة الإسلامية والفقه المستنبط منها، أو في مجال القانون الوضعي، ومن ذلك ما كتبه عنه المستشار الجليل طارق البشري -رحمه الله-، إذ كتب يقول: "من أساتذتي في كلية الحقوق الدكتور شفيق شحاتة، درستُ عليه مرَّتين، في السنة الأولى بالكلية درَّس لنا تاريخ القانون، واستنَّ في تدريس المادة على عهده سُنَّة لم تعرف من قبله ولا من بعده. فمن قبل كان تاريخ القانون يدرس فيه قوانين حمورابي، والقانون الروماني، وما أشبه؛ أما هو فقد جعل المادة أساسها تدريس برديات فرعونية لعقود ومعاملات استخلص منها نظامًا قانونيًّا، ودرس لنا بعد ذلك في سنة الليسانس النهائية مادة التأمينات العينية (كالرهون وما أشبهها)، وكتابه فيها شديد التركيز تشعر منه فعلًا بأثر كبير للفقه الإسلامي في صياغاته شديدة التركيز، شديدة الاختصار، كثيفة المعاني. فقد كان أعجوبة من أعاجيب التدريس وقتها. وعلمنا وقتها أن رسالة الدكتوراه التي نال بها درجة الدكتوراه من كلية الحقوق في جامعة القاهرة كانت عن نظرية الالتزامات في الفقه الحنفي، وكان المشرف عليه أحد أساتذة الشريعة الكبار في الكلية هو الشيخ أحمد إبراهيم".
سادسًا: من أهم مؤلفات د. شفيق شحاتة
تنوعت مؤلفات شفيق شحاتة في مجال القانون بين التاريخ والقانون المدني بنظرياته، ومن أهم هذه المؤلفات التي توصلت إليها:
أولًا: تعريف الحياد
يُعرف الحياد بأنه: الوضع القانوني لدولة تختار عدم المشاركة في نزاع مسلح قائم بين دول أخرى، مع التزامها بالامتناع عن تقديم أي دعم عسكري أو سياسي أو اقتصادي لأطراف النزاع، وبواجبات محددة نصت عليها اتفاقيات لاهاي لعام 1907، أهمها: عدم السماح باستخدام أراضيها أو مواردها في العمليات الحربية مع احتفاظها -في المقابل- بالحقوق المقررة لها، مثل حرمة إقليمها وعدم التعرض لمصالحها.
ويُعد الحياد موقفًا قانونيًا وسياسيًا في آن واحد، يُفترض أن الدولة تلتزم بقواعد صارمة لضمان عدم انحيازها لأي طرف.
ثانيًا: أسس الحياد في القانون الدولي
تستند قواعد الحياد إلى مجموعة من الأسس القانونية، وأهمها:
يُعد العرف الدولي المصدر التاريخي الأساسي لقواعد الحياد، حيث تطورت ممارسات الدول المحايدة خلال الحروب الأوروبية، وقد تم تدوين الكثير من هذه الأعراف لاحقًا في معاهدات.
حيث تضمنت الإطار القانوني الرسمي الرئيسي المنظم للحياد في القانون الدولي الحديث.
للدولة الحق في اختيار موقفها من النزاعات المسلحة، بما في ذلك اتخاذ موقف الحياد، طالما لم تكن طرفًا في معاهدات تحالف أو دفاع مشترك تُلزمها بالمشاركة.
ثالثًا: واجبات الدولة المحايدة
رابعًا: حقوق الدولة المحايدة
خامسا: أنواع الحياد
ومن زاوية أخرى قد يكون الحياد اختياريًا أو إلزاميًا بأن يُفرض عليها بموجب معاهدات أو قرارات دولية.
الحياد في الفقه الإسلامي
الحياد من القضايا التي لم تفرد لها الأدبيات الفقهية مؤلفًا أو بابًا، مما دفع رجال الإحياء التشريعي للم شتاتها من الفروع الفقهية، والتصرفات النبوية، مع تتبع سير الدولة الإسلامية؛ ليقيموا نظرية مكتملة الأركان لهذا المفهوم.
أولًا: مفهوم الحياد في الفقه
مصطلح الحياد: عرَّفه العرب قديمًا بمعنى "الاعتزال"، وهو يعني: عدم الانضمام لأي من الدول المتنازعة[1].
ثانيًا: المستند الشرعي للحياد
رغم أن مصطلح "الحياد" لم يرد في النصوص الشرعية بصيغته القانونية الحديثة، إلا أن الفقه الإسلامي أرسى قواعد شرعية وأحكامًا عملية تُجيز الامتناع عن القتال، أو عقد الهُدَن ومن هذه المستندات:
ثالثًا: صور الحياد، وأحكامه في الفقه
يختلف حكم الحياد في الفقه الإسلامي حسب الحالة التي يندرج تحتها وفقًا للتوضيح التالي:
أولًا: إذا كانت هناك معركة بين المسلمين وغيرهم، ورفض قوم (أو دولة) المشاركة بين الطرفين، فهنا يجب أن يوافق المسلمون على حياد تلك الدولة. بنص القرآن: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء:90).
ثانيًا: أن يكون النزاع بين طافئتين من المؤمنين، ففي هذه الحالة لا يجوز الحياد، بل يجب الإسراع للمصالحة، وجمع الشمل، فإن بغت إحداهما على الأخرى يجب الانضمام إلى الدولة المعتدَى عليهم حتى تتراجع الدولة الباغية وتستجيب للصلح العادل.
ثالثا: أن يكون النزاع بين دولة إسلامية، وغير إسلامية، وهنا لا يجوز الحياد، بل يجب الانضمام للدولة المسلمة نصرة، وتأييدًا.
رابعًا: أن يكون الحياد بين دولتين غير مسلمتين، وهنا يوجد تفصيل:
ويشير أبو زهرة إلى أنه يجب عدم الحياد في هذه الحالة الأخيرة إذا تبين ظلم إحداهما؛ لأن الإسلام جاء لنصرة المظلوم، لكنه خفف من صرامة هذا الحكم حين أوكل حكم هذه الحالة لرؤية الدولة بما يرعى مصالح المسلمين دينًا ودنيا.
مقارنة بين نظرية الحياد في القانون الدولي والفقه الإسلامي
تتشابه نظرية الحياد في الفقه الإسلامي والقانون الدولي في بعض الجوانب، ويختلفان في نقاط جوهرية، فمفهوم الحياد يكاد يكون واحدًا في الفكرين، لكن آليات التطبيق ودوافعه قد تكون متباينة، ويتضح ذلك بصورة جلية في النقاط الآتية:
أما في الفقه الإسلامي، فالمرجعية هي الوحي -القرآن والسنة- ثم الاجتهاد الفقهي القائم على مقاصد الشريعة. فلا يُقبل موقف الحياد، أو الامتناع عن القتال إذا كان يؤدي إلى نصرة الباطل، أو إضعاف الحق، أو إراقة دماء المسلمين.
أما في الفقه الإسلامي، فالضوابط أعمق وأعقد. فمثلًا: يجوز عقد الهدنة مع العدو الكافر إذا كان فيها مصلحة للمسلمين، كما في صلح الحديبية، حتى لو كان العدو ظالمًا. ويجوز إعطاء الأمان لفرد أو وفد من العدو، ويحرم خيانته. ويحرم نصرة الباغي أو الظالم، بل يجب على المسلم أن يعتزل الفتنة إن لم يستطع إنصاف المظلوم. ولا يجوز الحياد إذا كان يؤدي إلى إقرار الظلم أو إضعاف شريعة الله.
وهكذا، فإن الحياد في الإسلام مشروط بـنية صالحة ومصلحة راجحة، وعدم الإضرار بالدين.
المراجع
أولاً: التعريف في القانون الدولي
هو: "نظام تعاقدي بين دولتين أو أكثر، يقوم على اتخاذ تدابير عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية لمواجهة أي عدوان على إحداها باعتباره عدوانًا على جميع الأطراف، في إطار مبدأ التضامن الجماعي".
وقد تجسد هذا المفهوم بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 51 الخاصة بالدفاع الشرعي الفردي والجماعي)، وكذلك في مواثيق المنظمات الإقليمية مثل: حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وجامعة الدول العربية عبر معاهدة الدفاع المشترك.
ثانيًا: أسس الدفاع الدولي المشترك
1- الشرعية الدولية:
يجب أن يتم الدفاع المشترك في إطار احترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خاصة فيما يتعلق بحظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي.
2- مبدأ التضامن الجماعي:
فالاعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على جميع الدول الأطراف، مما يستوجب ردًا جماعيًا منسقًا.
3- التوافق والالتزام التعاهدي:
يقوم الدفاع المشترك على معاهدات أو اتفاقيات رسمية، تُلزم الدول باحترامها وتنفيذها.
4- الأمن الجماعي:
يعتمد على فكرة أن استقرار وأمن كل دولة مرتبط بأمن المجموعة كلها، مما يعزز السلام الإقليمي والدولي.
5-التوزيع المتوازن للأعباء:
أي إنَّ الدول المشاركة تتقاسم التكاليف العسكرية والمالية والسياسية بشكل عادل وفق قدراتها
6-التكامل بين الوسائل:
الدفاع لا يكون عسكريًا فقط، بل يشمل التعاون في المجالات الأمنية، الاستخباراتية، الاقتصادية، والإعلامية لمواجهة الأخطار.
ثالثًا: أهداف الدفاع الدولي المشترك
رابعًا: التحديات التي تواجه اتفاقيات الدفاع المشترك
خامسًا: أبرز اتفاقيات الدفاع العربي المشترك
-أُقرت في إطار جامعة الدول العربية في 18 يونيو 1950.
-تنص على أن أي اعتداء مسلح على دولة عربية يُعتبر اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، وتلتزم الدول بالرد المشترك.
- تضمنت أيضًا إنشاء مجلس دفاع عربي مشترك للتنسيق العسكري.
- عُقدت لمواجهة النفوذ الغربي والإسرائيلي في المنطقة.
- نصت على التعاون العسكري وتبادل الدعم في حال تعرض أي طرف لعدوان.
- هدفت إلى مواجهة التهديدات الإسرائيلية بعد العدوان الثلاثي (1956م).
- تضمنت التزامات بالتنسيق العسكري وتبادل المساعدة الدفاعية.
-أكدت التعاون العسكري والسياسي لمواجهة التحديات الأمنية.
- عُرفت بإنشاء قوة "درع الجزيرة" كقوة دفاع مشترك.
- تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على بقية الدول الأعضاء.
- تأتي في إطار "سعي البلدين لتعزيز أمنهما وتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم".
- كما تهدف إلى "تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء".
- نصت الاتفاقية على أن "أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما"، كما نصت على التنسيق في مواجهة التهديدات المشتركة: خصوصًا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، والتطرف، وأي تهديدات لأمن الخليج أو شبه القارة الهندية.
الدفاع المشترك في الفقه الإسلامي
أولا: تعريف اتفاقيات الدفاع المشترك في الفقه الإسلامي وسندها:
هي عهود أو مواثيق تُبرم بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين غيرهم من الدول والجماعات، غايتها التناصر والتعاون العسكري ضد أي اعتداء خارجي، وفق ضوابط الشرع. وهي ترتكز على نصوص أصيلة منها:
2- قوله ﷺ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" (رواه البخاري ومسلم).
3- إجماع الفقهاء، فإذا اعتُدي على بلد من بلاد المسلمين وجب على بقية المسلمين نصرته (فرض كفاية يتحول إلى فرض عين عند الحاجة).
4-كما تندرج تحت مبادئ فقهية عميقة كمبدأ التكافل الدفاعي الذي يجمع الأمة الإسلامية في مواجهة العدوان.
5- وثيقة المدينة المنورة التي نصّت على أن "المؤمنين يد على من سواهم".
ثانيًا: صور اتفاقيات الدفاع المشترك في الإسلام
1-اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدول الإسلامية:
وهو الأصل في هذه الاتفاقيات، وأصل العلاقة بين المسلمين حتى بدون اتفاق.
2-اتفاقات الدفاع المشترك مع غير المسلمين:
والأصل فيها التأقيت، والاحتكام للمصلحة؛ فهي جائزة مثلا إذا كان الهدف دفع العدوان المشترك، ولها أمثلة منها:
معاهدة النبي ﷺ مع خزاعة ضد قريش، وكذلك صلح الحديبية وما تلاه.
ثالثًا: الضوابط العامة لاتفاقيات الدفاع المشترك في الإسلام:
مقارنة بين مفهوم الدفاع المشترك في الفقه والقانون
1- الدفاع المشترك واجب شرعي في الإسلام على الأمة، يتجاوز حدود الدولة القُطرية، ولا يحتاج حسب أصول الإسلام إلى اتفاقيات، وإن كانت جائزة، وغير ممنوعة، بخلاف القانون الدولي، فالأصل أن كل دولة تدافع عن نفسها، ولا يحدث التناصر إلا باتفاق مشروط.
2-وضع الفقه الإسلام مجموعة من القواعد التي تضمن أن يكون الدفاع المشترك موجها في الاتجاه الصحيح، كرد العدوان ونصرة المظلوم، أما القانون الدولي، فقد يتخذ قرارات بناء على مصالح اقتصادية أو سياسية لا تراعي البعد الإنساني، ولا تحترم العدالة .
3-طبيعة الالتزام في الفقه الإسلامي هو التزام ديني وأخلاقي، أما القانون الدولي فهو التزام قانوني وسياسي قابل للتفاوض.
المراجع:
أقامت الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع حلقة نقاشية بعنوان: "الاعتراف ليس دائمًا سيد الأدلة"، حاضر فيها المستشار بهاء المُري، رئيس محكمة الجنايات بالمنصورة، وذلك يوم الخميس الماضي الموافق 18/9/2025م. وقد كان لموقع حوارات الشريعة والقانون حضور فعال في هذه الحلقة.
ما الذي استهدفته الحلقة؟
استهدفت الحلقة النقاشية مناقشة أحد أبرز القضايا المطروحة على الساحة التشريعية والقضائية في المجال الجنائي، والمتمثلة في القاعدة الراسخة التي تعتبر الاعتراف "سيد الأدلة"، بحيث يغلق بمجرده الباب أمام القاضي لمواصلة التحقيق والتقصي.
وخلال مداخلته، أوضح المستشار بهاء المري أن هذه القاعدة لم تعد ملائمة في صورتها التقليدية، وأنها تستوجب إعادة نظر وتعديل؛ لأن الاعتراف قد لا يعكس الحقيقة دائمًا، إذ قد يصدر بدافع المحاباة لشخص آخر، أو بدافع الشفقة والرحمة، أو طمعًا في منفعة ما، أو حتى تحت وطأة الضغوط والإكراه.
أمثلة واقعية توضح المخاطر
وضرب المستشار أمثلة على ذلك، أبرزها واقعة اعترفت فيها امرأة بأنها أغرقت طفلها في الماء. لكن القاضي، الذي لم يجد في هذا الاعتراف ما يطمئن إليه قلبه، قرر الاستمرار في التحقيق. ومع المزيد من المناقشة، أقرت الأم في النهاية بأن طفلها مات غريقًا دون أي تدخل منها أو من غيرها، وأن اعترافها الأول كان بدافع الشفقة على وليدها، حتى لا تتعرض جثته للتشويه أثناء فحص الطب الشرعي.
هذا المثال –كما أشار المستشار– يعكس خطورة الاكتفاء بالاعتراف كدليل قاطع، ويدعو إلى مراجعة القاعدة التقليدية بما يضمن تعزيز دور القاضي في البحث والتحقيق، وصولًا إلى الحقيقة التي تبرئ البريء وتدين المذنب دون لبس أو ظلم.
مقترح التشريعي
طرح مركز العضو المنتدب خلال الحلقة النقاشية مقترحًا – كان قد تقدّم به أحد المشاركين – وحظي باستحسان المنصة. وجوهره أن الشخص الذي يعترف على نفسه كذبًا، ثم تكشف التحقيقات عدم صحة اعترافه، لا ينبغي أن يُترك بلا عقوبة، بل يجب أن يُحاسب رادعًا. فالاعتراف الكاذب يضلل العدالة، ويتستر على الجاني الحقيقي، ويشجع غيره على تكرار الفعل، بينما التمييز يبقى قائمًا لمن يعترف تحت التهديد أو الإكراه، فذلك له وضع مختلف.
المقترح شبّه الاعتراف الكاذب بالبلاغ الكاذب؛ فإذا كان الأخير جريمة لأنه يرهق السلطات، فإن الأول أشد خطرًا لأنه يربك العدالة ويضلل القضاء.
من جانبه، علّق القاضي بهاء المري على المقترح قائلًا إن القانون لا يتضمن نصًا صريحًا يعاقب مثل هذه الحالات، لكنه وصف الطرح بأنه "مقترح جدير بالاهتمام ويستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار". وقد فتح هذا التصريح باب التساؤلات حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحركات فعلية لترجمة الفكرة إلى نصوص تشريعية تُغلق ثغرة قانونية طالما أثارت الجدل.
موقف الشريعة الإسلامية:
تشير الشريعة الإسلامية إلى أن الاعتراف يعد من أقوى الأدلة وأوضحها في إثبات الحقوق أو الجرائم، لكونه إقرارًا صريحًا من المتهم على نفسه. ومع ذلك، فإن صحة الاعتراف واعتباره حجة شرعية يشترط أن يكون صادرًا عن إرادة حرة وواعية، خاليًا من أي إكراه أو ضغط مادي أو معنوي، وأن يكون مطابقًا للواقع وواضحًا من أي غموض.
ويؤكد الفقه الإسلامي على أن الاعتراف يجب أن يُقارن دائمًا مع الأدلة المادية الأخرى، خاصة في القضايا الجنائية، لضمان صدقه. كما يشدد على شروط صدور الاعتراف عن شخص بالغ وعاقل، ووضوحه ودقته، بحيث يمنح القاضي حرية التقدير في قبول الاعتراف كدليل، مع مراعاة منع البطلان إذا ثبت أي ضغط أو نقص في الفهم.
ثغرة قد تستوجب التعديل التشريعي
وبذلك تكون الحلقة النقاشية قد سلطت الضوء على تحدٍ قانوني مهم: كيف يمكن للمحاكم التعامل مع الاعترافات الكاذبة دون المساس بحقوق الأفراد أو تعطيل مسار العدالة. وما بين المقترحات التشريعية وردود القضاة، يَبْرُز سؤالًا جوهريًا: هل ستتخذ السلطات خطوات عملية لترجمة هذه الأفكار إلى نصوص قانونية واضحة، تغلق ثغرات طالما أثارت الجدل؟ يبدو أن الشارع القانوني على موعد قريب مع نقاشات قد تُفضي إلى تعديل جذري في مفهوم "سيد الأدلة"، لتصبح العدالة أكثر صرامة وحيادية في آن واحد.
أصدرت الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) في مطلع سبتمبر 2025 قرارًا رسميًا يقضي بأن سياسات وإجراءات إسرائيل في قطاع غزة «تتوافق مع التعريف القانوني للإبادة الجماعية» الوارد في المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. وقد جاء القرار عقب تصويت أعضاء الجمعية، ووصفت رئيستها هذه الخطوة بأنها «بيان حاسم من خبراء المجال» يربط بشكل صريح بين عدد من السياسات والعمليات العسكرية الجارية على الأرض وبين المقوّمات القانونية للجريمة المعروفة بـ "الإبادة الجماعية".
يدعو القرار، المؤلف من ثلاث صفحات، إسرائيل إلى «الوقف الفوري لجميع الأعمال التي تشكّل إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة». وتشمل هذه الأعمال: «الهجمات المتعمّدة على المدنيين وقتلهم، بما في ذلك الأطفال، والتجويع، ومنع دخول المساعدات الإنسانية والمياه والوقود وغيرها من المواد الأساسية لبقاء السكان، فضلًا عن العنف الجنسي والإنجابي، والتهجير القسري».
كما يوضّح القرار السلوكيات والأفعال التي اعتبرتها الجمعية متوافقة مع عناصر المادة الثانية، ومنها: قتل أفراد من الجماعة، إلحاق أذى جسيم أو اضطراب نفسي بهم، فرض ظروف معيشية تؤدي إلى الإبادة الجزئية أو الكاملة (بما في ذلك التجويع وحرمان المساعدات الأساسية)، اتخاذ إجراءات لمنع الولادات أو تعريض النساء للعنف الجنسي المرتبط بالتناسل، وأخيرًا التهجير القسري ونقل السكان. وقد أشار القرار بوضوح إلى ممارسات بعينها مثل: «قتل المدنيين بمن فيهم الأطفال»، و«التجويع والحرمان من المساعدات الإنسانية والمياه والوقود»، و«العنف الجنسي والاعتداءات على الخصوبة»، و«الترحيل القسري» باعتبارها عناصر تؤكد هذا التوصيف.
وتندرج هذه الأفعال ضمن الأركان الخمسة المكوِّنة لجريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، التي تعرّفها بأنها: «أي فعل من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية».
وتشمل الأفعال الخمسة المحددة في الاتفاقية:
أولًا: قتل أعضاء من الجماعة، ويتضمن هذا التعريف القتل المباشر لأفراد المجموعة المستهدفة بناءً على انتمائهم القومي أو العرقي أو الديني.
ثانيًا: إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأعضاء الجماعة، ويشمل هذا التعريف الإصابات الجسدية الخطيرة والصدمات النفسية والعقلية التي تُلحق بأفراد المجموعة المستهدفة.
ثالثًا: إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا، ويركز هذا التعريف على خلق ظروف حياتية قاسية ومدمرة بهدف القضاء على المجموعة.
رابعًا: فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، ويتعلق هذا التعريف بمنع التناسل والإنجاب داخل المجموعة المستهدفة.
خامسًا: نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى، ويشير هذا التعريف إلى النقل القسري للأطفال من مجموعتهم الأصلية إلى مجموعات أخرى.
الأدلة والوقائع الميدانية:
الحجج العملية والإحصائية التي استندت إليها الجمعية تضمنت الإشارة إلى حجم الخسائر البشرية، والدمار واسع النطاق في البنية التحتية، ونتائج مراقبة الجوع وغياب الإغاثة في أجزاء من القطاع. وهي عناصر وثقتها تقارير إعلامية ووكالات إنسانية عند تفسيرها لظروف المعيشة والقدرة على البقاء في غزة. وربطت الجمعية بين هذا السياق وتوافر القصد (intent) الجزئي أو الكلي لاستهداف مجموعة قومية/وطنية، وهو عنصر محوري في تعريف الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية 1948.
وفي معرض تطبيق التعريفات على الحالة الفلسطينية، أوضحت إميلي سامبل، عضوة المجلس التنفيذي للجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، أن ما تقوم به إسرائيل في غزة «يتماشى مع جميع المعايير المندرجة تحت تعريف الإبادة الجماعية»، مضيفة أن «الجمعية لا تركز على أحدها فقط». ويعني هذا التقييم أن الأفعال الإسرائيلية تندرج ضمن جميع الفئات الخمس المنصوص عليها في الاتفاقية.
كما شددت سامبل على أن «الفارق الجوهري في مفهوم الإبادة الجماعية هو النية الكامنة وراء استهداف مجموعة معينة»، مؤكدة أن «هذا ما يتحقق فيما نشهده، وهو يتجاوز بكثير ما يمكن أن يُعزى إلى الحرب أو الدفاع عن النفس». وهو ما يؤكد أن الأفعال المرتكبة تتخطى نطاق الأعمال العسكرية المشروعة، وتنطوي على نية مبيتة لاستهداف الشعب الفلسطيني.
أما الأدلة والوقائع الميدانية، فإن التقييم العلمي للجمعية يستند إلى ما وثقته مؤسسات مستقلة. ووفقًا للدكتور تيموثي ويليامز، نائب رئيس الجمعية، فإن الوضع في غزة «يستوفي بوضوح المعايير القانونية الدولية لتعريف الإبادة الجماعية». وتشمل الأدلة: مقتل أكثر من 59,000 شخص، وإصابة ما يزيد على 143 ألفًا جسديًا أو نفسيًا، والتدمير شبه الكامل للبنية التحتية بما في ذلك النظام الصحي والأراضي الزراعية والمستودعات، وتضرر نحو 90% من المباني السكنية. وهذه المعطيات تشير، بحسب ويليامز، إلى «نية واضحة لجعل الحياة مستحيلة في قطاع غزة".
ويبرز في هذا السياق استخدام التجويع كأداة للإبادة؛ إذ يركّز التقرير بشكل خاص على هذه الوسيلة. فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة ارتفاع حصيلة ضحايا «التجويع والحصار الإسرائيلي» إلى 348 شخصًا، بينهم 127 طفلًا، مع «وفاة 9 أشخاص بسبب سوء التغذية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية». ويُعدّ هذا الواقع تطبيقًا مباشرًا للتعريف الثالث للإبادة الجماعية المتعلق بإخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية مدمرة.
آلية اتخاذ القرار وردود الفعل:
من الناحية الشرعية ومنهجية العمل الجمعي داخل IAGS، أشار تقرير الجمعية إلى أن القرار حاز موافقة 86% من المصوّتين، من بين عضوية تقارب 500 عضو، وذلك مع مستوى محدّد من المشاركة في التصويت. وقد استُخدمت هذه النسبة المرتفعة بين المشاركين كدليل على اتفاق خبراء الحقل على هذا التقييم، رغم أن نسبة الإقبال على التصويت نفسها كانت محدودة نسبيًا قياسًا بإجمالي العضوية، وهو ما لفتت إليه بعض التقارير الصحفية عند تغطية تفاصيل عملية التصويت.
أما على المستوى السياسي، فقد ردّت إسرائيل برفض قاطع لوصف الأحداث بـ«الإبادة»، معتبرة البيان مسيّسًا ومبنيًّا على معلومات مغلوطة، في حين لا تزال هناك إجراءات قضائية دولية جارية (منها قضايا أمام محاكم دولية) تتعلق بتقديم تقييمات قانونية مستقلة لمزاعم الإبادة وجرائم الحرب.
أهمية القرار:
يحمل قرار الجمعية أثرين رئيسيين:
الأول، بُعد علمي وأكاديمي يُضاف إلى سلسلة مواقف صادرة عن منظمات حقوقية وضغوط دولية بشأن ما يجري في غزة؛
والثاني، أثر قانوني وسياسي محتمل، إذ يمكن أن تُستَخدم تصريحات خبراء الإبادة الجماعية لدعم مطالب دبلوماسية وقضائية، أو لمناشدات ترمي إلى منع تصدير الأسلحة ووقف أعمال يُعتقد أنها ما تزال تضرّ بالمدنيين.
وفي نص قراراتها، طالبت الجمعية إسرائيل بوقف جميع الأفعال التي تُشكّل إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية، كما شدّدت على مسؤولية الدول الموقّعة على اتفاقية الإبادة الجماعية في التدخّل لمنع ارتكاب هذه الجرائم أو المساعدة في وقفها.
السياق القانوني الدولي:
يأتي هذا التقييم في إطار قانوني دولي أوسع، إذ تواجه إسرائيل حاليًا دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي. وكانت جنوب أفريقيا قد رفعت في ديسمبر 2023 دعوى ضد إسرائيل متهمةً إياها بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وفي يناير 2024، أصدرت المحكمة أمرًا احترازيًا حثّت فيه إسرائيل على اتخاذ جميع التدابير الممكنة «لتفادي وقوع إبادة في عملياتها العسكرية بغزة، بما في ذلك توفير مساعدات إنسانية كافية لتجنب المجاعة».
ومن المهم عند قراءة هذا القرار التمييز بين التقييم الأكاديمي/المنهجي الذي يصدر عن خبراء الإبادة الجماعية، وبين مرحلة الإثبات القضائي أمام محكمة دولية مختصة. فالتقييم الأكاديمي يقدّم قراءة مبنية على مؤشرات تاريخية وقانونية وسلوكية، لكنه لا يُعدّ حكمًا قضائيًا نهائيًا. أما الفصل القانوني بشأن ثبوت جريمة الإبادة أو تحديد مسؤولية أشخاص بعينهم، فهو من اختصاص المحاكم المخوّلة التي تطبّق قواعد الإثبات والإجراءات القضائية.
مع ذلك، أضاف قرار الجمعية وزنًا معنويًا ودلاليًا كبيرًا إلى النقاش الدولي حول الوضع الإنساني في غزة وسبل الاستجابة العاجلة.
التأثير الأكاديمي والسياسي:
أشار سيرغي فاسيلييف، أستاذ القانون الدولي في الجامعة المفتوحة بهولندا، إلى أن القرار يعكس أنّ «هذا التقييم القانوني بات سائدًا في الأوساط الأكاديمية، ولا سيما في مجال دراسات الإبادة الجماعية». ويُعد هذا الإجماع الأكاديمي ذا أهمية بالغة في تشكيل الرأي العام الدولي وممارسة الضغط على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر حزمًا.
كما أكد الدكتور تيموثي ويليامز أن قرارات الجمعية يمكن أن تُستخدم كغطاء علمي وأساس أخلاقي من قبل البرلمانيين والأكاديميين والسياسيين الساعين إلى تحدي مواقف حكوماتهم، ولا سيما تلك التي تواصل دعم إسرائيل رغم تزايد التقارير الحقوقية.
المصادر: