مسؤولية الأب عن أعمال ابنه بين القانون والشريعة (حكم محكمة الإسكندرية 1933م)

تأتي أهمية هذا الحكم التاريخي الصادر عن محكمة الإسكندرية الكلية الأهلية (11 يوليو 1933م) من كونه نموذجًا تطبيقيًا رفيعًا يُبرز كيف رسّخ القضاء المدني المصري استقلاله المنهجي عن الشراح الأجانب والنقل الآلي عن القانون الفرنسي (المادة 1384 مدني فرنسي)، ليعود رأسًا إلى الفقه الإسلامي بوصفه المرجعية الحاكمة في استكمال الأطر القانونية وتنظيم أحكام الولاية والمسؤولية.

وتجلت العبقرية الفقهية والقانونية للهيئة الموقرة في إعمال التمييز الدقيق بين «الولاية على المال» التي اختصت بها قوانين المجالس الحسبية وحددت سن الرشد فيها بـ (21 سنة)، وبين «الولاية على النفس» التي بقيت محكومة بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء لعدم تعرض القوانين الوضعية لها. واستنادًا إلى ترجيح رأي الصاحبين (أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني) في الفقه الحنفي بتحديد سن البلوغ بخمس عشرة سنة، رتب الحكم زوال ولاية الأب على نفس ولده ببلوغه هذا السن؛ ومن ثم رفع التبعة المدنية عن الأب في المسؤولية عن أفعال ولده الصادرة بعد هذه السن.

ويسر موقع «حوارات الشريعة والقانون» أن يضع بين أيدي الباحثين والمتخصصين النص الكامل لهذا الحكم التاريخي، مصحوبًا بمبادئه القانونية؛ ليكون وثيقة قضائية تجسد التلاقي الخلاق بين النصوص المدنية والأصول الفقهية المقارنة.

 

قضاء المحاكم الكلية

الحكم رقم (219)

محكمة إسكندرية الكلية الأهلية

11 يوليه سنة 1933

  1. مسئولية: مسئولون عن أعمال الغير. يدخل من بينهم الأب.
  2. مسئولية: ولاية الأب. زوال الولاية. زوال المسئولية معها. المعول عليه الولاية على النفس في المسئولية.
  3. ولاية: ولاية النفس غير خاضعة لأحكام المجالس الحسبية. وجوب الرجوع في تحديد الولاية على النفس لأحكام الشريعة.
  4. ولاية: زوال الولاية على النفس لظهور الرشد وحسن التصرف. زوال مسئولية الأب معها.

 

المبادئ القانونية:

1- إنه وإن لم تذكر المادة 151 مدني على سبيل الحصر الأشخاص الذين يلزمون بضرر الغير الناشئ عن إهمال من هم تحت رعايته، إلا إنه مما لا شك فيه وما أجمعت عليه أحكام المحاكم أن الأب ممن عينتهم هذه المادة بما له من رعاية على الصغير حسب النص الفرنسي للمادة المذكورة المستمدة من حق الولاية المخول له شرعًا على نفس الصغير.

2- يجب الرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية الغراء فيما يختص بولاية الأب، لأن حفظ الصغير ورعايته منوطان بالأب بحكم ولايته الشرعية. فلا رعاية ولا حفظ إذا ما زالت الولاية عن الصغير. والولاية عن الابن تشمل ولاية النفس والمال، ورعاية الصغير والمحافظة عليه تدخلان في باب الولاية على النفس ولا شأن لها في الولاية على المال.

3- لم تتعرض قوانين المجالس الحسبية إلا للولاية على المال محددة سن بلوغ الرشد بإحدى وعشرين سنة، أما الولاية على النفس فلم تشملها هذه القوانين. وقد نصت المادة 29 من قانون المجالس الحسبية على أن الولاية على المال تنتهي متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية، وهذا صريح في إن الولاية على النفس غير خاضعة لأحكام هذه المادة ومن مقتضى هذا وجوب الرجوع لحكم الشريعة الإسلامية والأخذ بأحكامها بخصوص البلوغ شرعًا.

4- تنص المادة 296 من كتاب الأحوال الشخصية على زوال ولاية الأب على نفس الصغير بالبلوغ وعدم زوالها على المال إلا بظهور الرشد وحسن التصرف، مما يدل صراحة على إن الولايتين غير متلازمتين، فيحصل أن يكون للصغير مطلق التصرف في شئون نفسه بدون أن يكون له حق التصرف في ماله. وعلى ذلك فلا يكون تحت رعاية الأب متى تجاوز الخامسة عشرة من عمره أخذًا برأي الصاحبين، ويكون مسئولًا وحده عن كل أعماله المتعلقة بنفسه والتي لا علاقة لها بأمواله، فيسأل عن عدم احتياطه وإهماله كما إنه ابتداءً من هذا السن أيضًا مسئول عن جرائمه كما تقضي بذلك المادة 66 عقوبات. وعلى ذلك كان من الخطأ القول بمسئولية الأب حتى بلوغ الابن سن الرشد القانوني أي سن الحادية والعشرين.

 

المحكمة

حيث إن المستأنف عليه رفع بالجلسة استئنافًا وقد دفع المستأنف بعدم جوازه للأسباب التي ذكرها بمحضر الجلسة.

وحيث إن للمستأنف عليه ما دامت المرافعة قائمة أن يستأنف فرعيًا وتفنيد الحكم مع فرض حصوله لا يسلبه حق الاستئناف فرعيًا لأن قبوله الحكم كان معلقًا على قبول المستأنف وعليه يكون الاستئناف الفرعي جائزًا ويتعين قبوله شكلًا.

وحيث إن المستأنف دفع بعدم قبول دعوى المستأنف عليه لسابقة الفصل فيها من محكمة الجنايات.

وحيث إنه وإن كانت صحيفة الطلب معلنة من المستأنف عليه للمستأنف بصفته وليًا على ابنه زكي أحمد المعاون إلا إنه ثابت من الاطلاع على محاضر جلسات المحكمة الجزئية وعلى أقوال الطرفين أن النزاع كان منصبًا على مسئولية الأب الشخصية وكان مفهومًا من أقوال الطرفين أنه مطلوب الحكم على المستأنف بصفته الشخصية، فالعبرة إذن بأقوال الطرفين عند المرافعة أي بالطلبات الختامية وعليه يكون الدفع في غير محله وتكون الدعوى مقبولة.

 

عن الموضوع

وحيث إن المادة «151» مدني تنص في فقرتها الأخيرة على أنه «يلزم الإنسان بضرر الغير الناشئ عن إهمال من هم تحت رعايته أو عدم الانتباه منهم أو عدم ملاحظته إياهم».

وحيث إن هذه المادة وإن كانت لم تذكر على سبيل الحصر أشخاصًا معينين إلا أنه مما لا شك فيه وما أجمعت عليه أحكام المحاكم أن الأب ممن عينتهم هذه المادة بما له من الرعاية على الصغير هذه الرعاية أو «الحفظ» حسب النص الفرنسي للمادة المذكورة المستمدة من حق الولاية المخول له شرعًا على نفس الصغير.

وحيث إنه متى تقرر أن حق رعاية الأب للصغير مستمدة مما له شرعًا من الولاية على النفس والمال، يجب البحث في المدة التي يكون فيها الصغير تحت رعاية أبيه، وبعبارة أخرى مدة ولاية الأب على نفس ولده. ولهذا يجب الرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية الغراء فيما يختص بولاية الأب، لأن حفظ الصغير ورعايته منوطان بالأب بحكم ولايته الشرعية فلا رعاية ولا حفظ إذا ما زالت الولاية عن الصغير.

وحيث إن الولاية على الابن قسمان: ولاية على نفس وولاية على المال. ولا شك في أن رعاية الصغير والمحافظة عليه تدخلان في باب الولاية على النفس ولا شأن لهما في الولاية على المال.

وحيث إن قوانين المجالس الحسبية لم تتعرض إلا للولاية على المال محددة سن بلوغ الرشد بثمانية عشر سنة أولًا ثم أخيرًا بإحدى وعشرين سنة. أما الولاية على النفس فلم تشملها هذه القوانين وقد نصت المادة «29» من قانون المجالس الحسبية الصادر في سنة 1931 على أن الولاية على المال تنتهي متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية. وهذا صريح في أن الولاية على النفس غير خاضعة لنص هذه المادة وأنه إمام عدم التعرض لها يجب الرجوع حتمًا لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

وحيث إن المادة «495» من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا نصت على أن بلوغ الغلام بالاحتلام والإنزال وبلوغ البنت بالحيض والحبل، فإن لم تظهر هذه العلامات يُحكم ببلوغهم إذا بلغا من السن خمس عشر سنة «وهذا على رأي الصاحبين. أما رأي الإمام أبو حنيفة فثمان عشر سنة والمعول عليه هو رأي الصاحبين».

وحيث إن المادة «296» من الكتاب المذكور تنص أيضًا على زوال ولاية الأب على نفس الصغير بالبلوغ وعدم زوالها على المال إلا بظهور الرشد وحسن التصرف، مما يدل صراحة على أن الولايتين غير متلازمتين فيحصل أن يكون الصغير مطلق التصرف في شئون نفسه بدون أن يكون له حق التصرف في ماله.

وحيث إنه من كل ما تقدم يتضح جليًا أن الصغير لا يكون تحت رعاية الأب متى تجاوز الخامسة عشر من عمره «على رأي الصاحبين وهو المعول عليه كما تقدم» فيعتبر والحالة هذه مسؤولًا وحده عن كل أعماله المتعلقة بنفسه والتي لا علاقة لها بأمواله فهو مسئول وحده عن إهماله وعدم احتياطه، كما أنه ابتداء من هذا السن أيضًا مسئول عن الجرائم التي يرتكبها وعما يمكن أن يترتب عليها من أضرار للناس.

وحيث إن قانون العقوبات الأهلي قد جعل الشخص الصغير مسئولًا عن جرائمه متى بلغ الخامسة عشر شأنه شأن الكبير، بحيث يجوز الحكم عليه بالعقوبة التي يحكم بها على الكبير إلا ما استثنى بحكم المادة «66» عقوبات فمثل هذا الشخص الذي جعله الشارع في المسئولية الجنائية كالكبير الذي يزيد سنه على 21 سنه لا يمكن أن يقال عنه بأنه تحت رعاية والده أو تحت حفظه وهو الذي يعتبره القانون مقدرًا لأعماله عالمًا بنتائجها لدرجة جواز الحكم عليه بالإعدام متى بلغ السابعة عشر مثله مثل ابن الأربعين مثلًا.

وحيث إنه مما تقدم يكون في غير محله الرأي القائل بمسئولية الأب حتى بلوغ ابنه سن الرشد «21 سنة الآن و 18 سنة فيما مضى كما ذهب إليه الأستاذ دي هلس عندما بحث في المسئولية في «الجزء الرابع من مؤلفه». والظاهر أنه أراد أن يطبق في مصر ما هو مقرر في فرنسا غير أن اختلاف نص المادة «151» مدني مصري عن المادة «1384» مدني فرنسي التي تنص صراحة على مسئولية الأب ما دام الابن قاصرًا، لا تدع محلًا للأخذ بما هو متبع ومطبق في فرنسا.

وحيث إنه ثابت من التحقيقات المضمومة أن سن زكي أحمد المعاون تسعة عشر سنة فيكون الوالد غير مسئول عن أعماله ويتعين إلغاء الحكم المستأنف عليه.

(قضية أحمد المعاون بصفته وحضر عنه الأستاذ علي الحلواني ضد علي إبراهيم الكومي وحضر عنه الأستاذ نصيف عبد النور رقم 343 سنة 1933 رئاسة حضرة صاحب العزة محمود بك فؤاد رئيس المحكمة وعضوية حضرتي القاضيين مصطفى عبد المجيد وأحمد رشيد).

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الجمعة, 31 يوليو 2026 07:27

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples